صفحة 1
الكتاب: بعض الأخطاء الواقعة في الطلاق
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بعض الأخطاء الواقعة في الطلاق
درسان للشيخ أحمد بن حمد الخليلي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالَمين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مضل له ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فبعد أن تَحَدَّثْنا فيما تَقدَّم عن بعض الأخطاء التي تُرتَكَب في الزواج(2) وما يَكون لارتكاب هذه الأخطاء مِن عواقبَ سيئة شخصية واجتماعية، نَنتقِل الآن إلى الحديث عن الأخطاء التي تُرتَكب في الطلاق.
__________
(1) -أصل هذين الدّرسين-ضمن سلسلة دروسه الرمضانية لعام 1416هـ-في تسجيل سمعي بصوت الشيخ، لذلك فأسلوب الشيخ هنا هو أسلوب الإلقاء، وليس التحرير.
(2) -تمّ ذلك في ثلاث دروس. (1/1)
صفحة 2
... الطلاقُ شَرَعَه الله-تبارك وتعالى-علاجا لِمشكلةٍ اجتماعية، ذلك لأنّ طِباع الزوجين قد تَتنافَر ومع هذا التنافُر يَتعذَّر الوِئام والوِفاق بينهما، فإن استمسَكا بِحبلِ الزوجية أدّى ذلك بِهما إلى معاناةٍ دائمة ومُكابدَةِ مَشاقَّ مُستمِرّة، فقد يَنفُر طَبْعُ الرَّجُل عن المرأة فيَكونُ إِمساكُها إضرارا بِها، لأنه مع نُفْرَةِ طَبْعِه عنها لا يُحسِنُ عِشرتَها، فلا يُمسِكُها بِمعروف، وقد يَنفُر طَبْعُ المرأة عن الرَّجُل ويُؤدِّي بِها ذلك إلى مُضارَّتِه ومُشاقَّتِه، ثم بِالتّالِي يُؤدِّي ذلك-أيضا-إلى مُضارَّةِ الرَّجُل لها، فيَكونُ الضّرر مُتبادَلا بيْنهما، وفي هذه الحالة لا يَكونُ هنالك علاجٌ لِهذه المشكلة إلاّ الطّلاق ولكن مع ذلك عندما يُمكِنُ العلاجُ لِبعضِ المشكلاتِ بِسبب عدم استِعصائِها فإنه لا يُلْجَأُ إلى الطّلاق، فالطّلاقُ هو آخِرُ العلاج، وكما يُقال: " آخِرُ العلاجِ الكَي "، فالله - سبحانه وتعالى - شَرَعَ ما شَرَع مِن علاجٍ لِلمشكِلاتِ الاجتماعية التي تَكونُ بيْن الزّوجيْن. (1/2)
صفحة 3
... ولا ريْب أنّ الرَّجُل بِما أنه جَعَلَ اللهُ-تبارك وتعالى-القَوامةَ بِيَدَيْه وجَعَلَه أمينًا على المرأة فإنّه هو الذي يَتولَّى العلاج، والله - سبحانه وتعالى - يُبَيِّن كيف يكون هذا العلاج عندما يَكونُ النُّشُوزُ مِن قِبَلِ المرأة نفسِها، فقد قال عزّ مِن قائل: { ... وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } [ سورة النساء، من الآية: 34 ] فالرَّجُل الذي هو قَوَّامٌ على المرأة يُؤْمَرُ أن يُعالِجَ مشكلةَ امرأتِه عندما تُحاوِلُ النُّشُوز والإعراضَ عنه ولا تُؤَدِّي حقوقَه الشّرعية الواجِبَة عليها، فقبْلَ كلِّ شيء يَبدأُ بِالموعظة، فإنّ تأثيرَ الموعظة تأثيرٌ بالِغ، فهو في موعِظتِه إياها يُذَكِّرُها-قبْلَ كلِّ شيء-ما يُؤَدِّي إليه تَنافُر الطِّباع والخلافُ الدائِب المستمِر مِن الشِّقاق، والشِّقاق يُؤدِّي إلى الفِراق، والفِراق قد لا تَحمَدُ هي عاقِبتَه، وقد جَرَّبَت الحياةَ الزوجية عند هذا الرَّجُل وربّما عندما تُجرِّبُها عند الرَّجُل الآخَر تَجِد ما لم تَكن واجِدةً مِن قَبْل مِن اليُسْر ومِن حُسْنِ التّفاهُم، فعليها أن تُراجِعَ نفسَها، وعليها أن تَرجِعَ إلى رُشْدِها، و-بِجانِبِ ذلك أيضا-يُذَكِّرُها عِقابَ الآخِرة، فإنّ عِقابَ الآخِرة شديد، فلعلَّها تَلِينُ عَرِيكَتُها وتَرجِعُ إلى رُشْدِها، فإن أَصرَّت على ذلك فلْيَعْدِل إلى ما هو أَعظمُ مِن ذلك، وهو هجرانُها في المَضجَع .. فلْيَهجُرها في المَضجَع، فإن استَمرَّت على إِصرارِها على النُّشُوز وأَبَتْ أن تَنقَاد فإنَّ العلاجَ يَكونُ-إِذَن-حينئِذ التّأدِيب، فلْيَضرِبْها-كما يُقال-ضرْبا غيْرَ مُؤثِّرٍ ولا مُبَرِّح، وإنما هو بِقدْرِ كَسْرِ هذه العَرِيكَة التي اسْتَعْصَتْ على العلاجِ (1/3)
صفحة 4
السّابِق، فلَعلَّها تَلِين بِسببِ هذا العِقاب الذي فيه شيءٌ مِن الإهانة لَها، فإذا استَمرَّت على ذلك وتَفاقَم الأمْر هنا يَنتقِلُ الأمْرُ إلى القضاء الشرعي، والقاضِي الشّرعِي يَستعِين بِالأسْرتيْن .. أُسْرَة الرَّجُل وأُسْرَة المَرأة لِتَتدَخَّل الأُسْرتَان بِأن يُحَكَّمَ مِن كلِّ واحِدةٍ مِن الأُسْرَتَيْنِ حَكَم، فلَعَلَّ الحَكَمَيْن بِحُسْنِ سِيَاسَتِهِما يَستطِيعانِ أن يَرُدَّا كلَّ واحِدٍ مِنهما إلى رُشْدِه: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } [ سورة النساء، الآية: 35 ] .. هذا كلُّه مِن أجْل تَفادِي الطّلاق .. حتّى لا يُؤَدِّيَ الأمْر إلى افتِراقِ الزّوجَيْن، لأنّ افتِراقَهما قد تَعْقِبُه المَضرّة خُصوصا عندما تَكونُ لَهما ذُريَة، فإنّ هذه الذرية تَكونُ ضائِعَة، بِحيْثُ تَكونُ إمّا فاقِدَةً لِرِعايةِ الأب وإمّا فاقِدَةً لِحنانِ الأم، وكِلا الأَمْرَيْن مُر:
وحَسْبِيَ مِن أَمْرَيْنِ أَحلاهُما مُر
... على الحَكَمَيْن أن يَنْصَحا فإن رأى إِمْكانَ الجمْع بيْنهما فعليهما أن يَجْمَعا وأَلاّ يُسْرِعا إلى التّفرِيقِ بيْن الزّوجيْن إلا عندما يَرَيَانِ تَعَذُّرَ الوِفاق وضرورةَ الافتراق .. عندئذ يَقَع الافتِراق. (1/4)
صفحة 5
... والطّلاق الشّرعِي لا يُوقِعُه الإنسان في أيِّ وقتٍ مِن الأوقات، لأنه يَنبغِي أن يَكونَ نتيجةَ دِراسة مُستفِيضَة لا أن يَكونَ استجابةً لِنَزْوَةٍ طارِئةٍ طائِشة، كما يَفعَلُ النّاس اليوْم، فإنّ الطّلاق عندهم لا يَكادُ يَكونُ إلاّ استجابةً لِلنَّزَوَاتِ فقط، ولكنّ الطّلاقَ الشّرعِي الذي أَباحَه الله - سبحانه وتعالى - إنّما يَأتِي نَتيجةَ دِراسة مُستفِيضة، ولِذلك أَمَرَ الله - سبحانه وتعالى - أن يُوقَعَ الطّلاق-عند الضّرورة إليه-في وقتٍ معيّن .. أي في حالةٍ مُعيّنةٍ تَكونُ عليها المرأة .. هذه الحالة يَكونُ الرَّجُل فيها تَوَّاقًا إلى المَرأة فلا يُسْرِعُ إلى تَطلِيقِها إلا لِضرورةٍ تُلجِؤه إلى ذلك، فالله - سبحانه وتعالى - يَقول: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ ... } [ سورة الطلاق، من الآية: 1 ]، وجاء الحديثُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لِيُبَيِّن هذا الإجمال الذي انْطوَى عليه القرآن .. الذي انْطوَى عليه التّوجيه الربّاني في قوله لِنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... } .. كيْف يَكونُ تَطلِيقُ المرأةِ لِعِدَّتِها، فقد جاء في قِصّةِ ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-أنّه طَلَّقَ امرأتَه وهي حائض فجاء عمر-رضي الله تعالى عنه-إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: " يا رسولَ الله، إنّ عبدَ الله طَلَّقَ امرأتَه وهي حائض فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( مُرْهُ فليُراجِعْها حتى تَطْهُر ثم تَحِيض ثم تَطْهُر فإن شاء أَمسَك وإن شاء طَلَّق، فتِلك العِدَّةُ التي أَمَرَ الله أن يُطَلَّقَ لَها النساء ) .. في هذا الحديثِ يُوَجِّهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأُمّة إلى عِلاجِ هذه المُشكِلة الاجتماعية عندما (1/5)
صفحة 6
تَستعْصِي بِالتي هي أَحسَن، بِحيْثُ يَكونُ الطّلاقُ في هذه الفتْرةِ فقط، وهي فترة طُهْرِ المرأة مِن حيْضِها مِن غيْرِ أن يُواقِعَها الرَّجُل، أما إن وَاقَعَها فإنّ تَطلِيقَه إياها يَكونُ بِدعَة، وإن كانَتْ في فترةِ الحيض-أيضا-فتَطلِيقُه إياها أيضا يَكونُ بِدعَة، فإن طَلَّقَها وهي حائض كان طلاقُه إياها في هذه الفتْرة بِدعَة، وإن طَلَّقَها وهي طاهِر ولكن بعدَ أن وَاقَعَها فتَطلِيقُه إياها-أيضا-في هذه الفتْرة بِدعَة، وإنما الطَّلاق المُوافِق لِلسنّة هو أن يَكونَ في طُهْرٍ لم يُباشِرْها فيه. (1/6)
صفحة 7
... وفي طَيِّ هذا الأمْرِ الربّاني الذي انْطَوَتْ عليه الآية الكريمة وبَيَّنَه حديثُ النبي - صلى الله عليه وسلم - حِكمةٌ بالِغة، فإنّ الرَّجُل عندما تَكونُ امرأتُه حائضا لا يَبلُغُ منها قَصْدَه فلا يُمكِن أن يَقْضِيَ منها وَطَرا وبِما أنّه لا يَتمكَّن مِن قضاءِ الوَطَر في هذه الفتْرة فلا ريْب أنه قد تَزهَدُ نفسُه فيها فيَندَفِعُ لِتطلِيقِها لأَتْفَهِ سببٍ مِن الأسباب، على أنّ هذه الفتْرة-فتْرة الطّمْث نفسَها-تَصْحَبُها بعضُ التّشَنّجَات عند المرأة، وقد تُؤدِّي بِها هذه التّشنّجَات إلى إِساءَةِ مُعاملَةِ الرَّجُل فيُؤدِّي بِه ذلك إلى أن يَقْطَعَ الحِبَال الزوجية بيْنه وبيْنها لأَتْفَهِ سببٍ مِن الأسباب إن لم يَكنْ مُتقيِّدا بِقَيْدٍ شَرعِي يَمنعُه مِن ذلك، وبعدَ أن تَطْهُر ويُواقِعَها في طُهْرِها فإنّ مُواقَعَتَه لَها تَجعلُه أيضا غيْر شديدِ الرّغبة فيها، لأنّه بَلَغَ النّهْمَة منها، فلا يَحرِص على إِمساكِها بِمعروف كما أمر الله تبارك وتعالى، ولكن عندما يَكون لم يُواقِعْها وهو مُتمكِّن مِن الوِقاع بِحيْثُ تَكونُ طاهِرة فإنّ نفسَه تَكونُ مَيّالَةً إليها راغِبَةً فيها فلا يَكادُ يُطَلِّقُها في هذه الحالة إلاّ لِضرورةٍ داعِيَة، فلذلك جَعَلَ الله-تبارك وتعالى-هذا القَيْدَ الشّرعِي، فإذن الطّلاق الذي يَتّفِقُ مع السنّة هو الطّلاق الذي يُوقَع في هذه الحالة .. في حالةِ الطُّهْر الذي لم يَتَلَبَّس بِمباشَرة ما بيْن الزّوجيْن. (1/7)
صفحة 8
... ثم إنّ النّاس-أيضا-يَرتكِبون خطأ آخَر في الطّلاق، وهو أنّهم يَأكلُون ما لَم يُبِحْه الله-تبارك وتعالى-لَهم مِن المال، فإنّهم يَحرِصون على أن يَستَرِدُّوا المال الذي دَفَعُوهُ إلى النّساء صَدُقَاتٍ لَهن، وكثير منهم لا يَكتَفُون بِذلك بل يَفرِضُون عليهنّ أن يَدْفَعْنَ لَهم أكثرَ مِمّا آتَوْهُن مِن المال مع أنّ ذلك سُحْت، فإنّ هذا غيْرُ جائزٍ شرْعا، إذ الخُلْع الذي يُبِيحُه الله-تبارك وتعالى-إنما هو الخُلْعُ النّاتِج عن كُرْهِ المرأةِ لِلرَّجُل وعدم رَغبتِها فيه وحِرْصِها على فِراقِه، أمّا إن كانت المُضَارَّة مِن قِبَلِ الرَّجُل أو كانت الرّغبة في التّسْرِيح مِن قِبَلِ الرَّجُل فليس له أن يُلْجِئَها إلى الفِدْيَة، فالله-تبارك وتعالى-يَقول : { ... وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ... } [ سورة النساء، من الآية: 19 ] .. أي ليْس لكم أن تَعضُلوهنّ لأجْل أن تَذهبُوا بِبعضِ حُقوقِهِن اللّواتِي آتَيْتُمُوهُن، ويَقول أيضا: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً - وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } [ سورة النساء، الآيتان: 20-21 ] فمُضَارَّةُ الرَّجُلِ لِلمرأة حتّى تَفتدِيَ منه بِبعضِ ما آتاها أو بِكلِّ ما آتاها أو بِالزِّيادةِ على ما آتاها .. كلٌّ مِن ذلك غيْرُ جائِز، وإنما تَجوزُ الفِدْيَة عندما تَكونُ المرأةُ كارِهةً لِلرَّجُل وتَرَى مَشقَّةً عليها في بقائِها في عِصمتِه وتُكابِدُ مِن هذه المَشَقَّة ما تُكابِد بِحيْثُ إنّها تَخشى أن تَدخُلَ النّار-والعِياذ بِالله-بِسببِ ذلك، لأنّ كُرْهَها لَه يُؤدِّي بِها إلى التّقصِيرِ في حَقِّه ففي هذه الحالة لا مانِع مِن (1/8)
صفحة 9
أن تَفتدِيَ منه ولا مانع-أيضا-مِن أن يُفادِيَها، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - إنّما أَباح الفِدْيَة في مثلِ هذه الحالة، فقد قال تعالى: { ... وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 229 ] .. بَيَّنَ أنّه لا يَحِل لِلرَّجُل أن يَأخذَ شيئا مِمّا آتاها إلاّ إن كان هنالِك خوْف مِن ألاّ يُقِيمَا حدودَ الله، وهذا الخوفُ مصدرُه كُرْهُ المرأةِ لِلرَّجُل ومُضارَّتُها له، فإن أَمسكَها في هذه الحالة فإنّه يُمسِكُها مع مُضارَّتِها إياه وقد يُبادِلُها المضَارَّة بِمثلِها فيَكونُ كلُّ واحِدٍ مِن الزّوجيْن غيْرَ قائِمٍ بِما عليه مِن الحقوقِ الشّرعِية تِجاهَ الآخَر، وفي ذلك تَضيِيعٌ لِحدودِ الله، فهنا يُباحُ لِلرَّجُل أن يَأخذَ منها الفِدْيَة ولكن هل يُباحُ أن يَأخذَ منها أَيَّ فِدْيَةٍ كانت أو هذه الفِدْيَة مُقدَّرَة بِقَدْرِ ما آتاها بِحيْثُ لا يَزِيدُ على ذلك في الأخْذِ ولا تَزِيدُ هي في العَطاء ؟
... 1-قيل بِأنّ الأَخْذَ جائِزٌ في مثل هذه الحالة كيْفما كان الحال سواءً كانت الفِدْيَة بِقَدْرِ الصّداق أو أَقَلَّ منه أو كانت أَكْثَرَ مِن الصّداق، وهؤلاء الذين قالوا ذلك نَظَروا إلى عُمومِ لفْظةِ " ما " في قول الله تعالى: { ... فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ... } ، فـ " ما " مِن أدوات العُموم وهي تَعنِي أَيَّ شيءٍ افْتَدَت بِه، وهذا يَصْدُق على ما إذا كانت الفِدْيَة بِقَدْرِ ما آتاها أو بِأَقَلَّ مِمّا آتاها أو بِأَكْثَرَ مِمّا آتاها. (1/9)
صفحة 10
... 2-والذين ذَهَبُوا إلى المَنْع قالوا: إنّ هذا العُمومَ مُخصَّص، و-كما سبق أَكْثَرَ مِن مَرّة-الخصوصُ يَقضِي على العُموم، فإنّ العام وإن كان قَطعِي المَتْن إلا أنّه ظنِي الدّلالة-كما تَقَدَّم-لِكَثْرَةِ المُخصِّصَات التي تَطْرَأُ على العُمومات، حتّى أنه قيل: ما مِن عام إلاّ وقد خُصِّص ما عدا اليَسِير مِن ألفاظ العُموم التي لا تَحتَمِل التّخصِيص، والتّخصِيص إنما كان بِالسنّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فإنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما رأى ضرورةَ أن تَفْتَدِيَ امرأةٌ مّا مِن زوجِها بِسببِ ما بيْنهما مِن الشِّقاق وعدم احتِمالِها إياه وخَشْيَتِها على نفسِها أن تَدخُلَ النّار-كما قالتْ ذلك نفسُها-عَرَضَ عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تَرُدَّ عليه ما أَعطاها مِن الصّداق فقالتْ: " نَعَم، وأَزِيدُه " فقال لَها: ( أمّا الزيادةُ فلا )، فهؤلاء نَظَرُوا إلى هذا التّخصِيص.
... وعندَ ثُبوتِ هذا الحديثِ فإنّ الأَخْذَ بِهِ أَوْلَى، نَظَرا إلى أنّ المُخصِّصاتِ هي المُعتبَرَة في مثلِ هذه الأحوال، إذ التّخصِيصُ هو المُقَدَّم على العموم، فالخاصّ يُخَصِّصُ العُمومَ على أيِّ حالٍ سواءً تَقَدَّمَ أو تَأَخَّر، فَالأَوْلَى إذن عندما يَرى الرَّجُل مِن المرأة الكُرْه والشِّقاق والنُّشُوزَ والإِعراض ويَرى أنّ الحياةَ الزّوجيَةَ بيْنهما يَتعذَّرُ استمرارُها وتُرِيدُ أن تَفتَدِيَ منه ألاّ يُلجِئَها إلى الفِدْيَةِ بِأَكْثَرَ مِمّا آتاها، وإنّما يَحْصُرُ الفِدْيَة في هذا القَدْر .. قَدْر الصّداق الذي دَفَعَه إليها، عَمَلا بِما أَرْشَدَ إليه الحديثُ النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، فهذه بعضُ الأخطاءِ التي تُرتَكَب في تَسْرِيحِ النّساء.
... وهناك أخطاء أخرى سيَأتِي الحديثُ فيها إن شاء الله فيما يَأتِي. (1/10)
صفحة 11
... ونَسألُ الله - سبحانه وتعالى - أن يُلْهِمَنا الرُّشْدَ والسَّدَاد، وأن يَأخُذَ بِأيدِينا إلى جادّةِ الصّواب والسّداد إنّه على كلِّ شيءٍ قدير وإنّه بِالإجابةِ جدِير نِعْم المَوْلَى ونِعْم النّصِير، وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالَمين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مضل له ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد: فحديثُنا لا يَزال مُتَّصِلا بِما قَبْلَه، فهو يَتعلّق بِجانبِ الأخطاءِ التي يَرتكِبُها النّاس في الطّلاق بِسببِ عدم فِقْهِهِم في دِينِ الله تعالى.
فكما سبق الطلاقُ يُصارُ إليه مع الحاجة الداعِيَة إليه، ولا يَتَلاعبُ به الإنسان، لأنه أمْرٌ كَرِيهٌ إلى النفس ذاتِ الفطْرة السّليمة، لِما يُسبِّبُه مِن القطيعة، ولِما يُؤدِّي إليه مِن إِضاعَةِ الذرية التي تَفْقِدُ إمّا حنانَ الأُم وإمّا رِعايةَ الأَب في حالةِ ما تَكونُ هي أَحْوَج إلى الرعايةِ والحنان، فلِذلك جَعَلَ الله - سبحانه وتعالى - لِلإنسانِ فُرْصَة في مُراجعَةِ النفس، فَقَبْلَ إِيقاعِ الطّلاق تَكونُ هنالك تلكَ الوسائل لِلاسْتِصْلاح .. اسْتِصْلاحِ الزّوجةِ حتّى تَعُودَ إلى رُشدِها كما سبق، ثم عندما يَسْتَعْصِي الأمْر فإنّ الرَّجُل يُؤْذَن له أن يُطَلِّقَ طلاقا شَرعِيا، وهو-كما تَقَدَّم-طلاقٌ يَقَع في طُهْرِ المرأة الذي لَم يُباشِرْها فيه الرَّجُل، فيَحْرُم الطّلاق-كما تَقَدَّم-في الحيْض، ويَحْرُم الطّلاق-أيضا-في الطُّهْرِ الذي باشَرَها فيه. (1/11)
صفحة 12
و-في هذه الحالة-يُوقَعُ الطّلاقُ طَلْقَةً واحِدَة، وهو الطّلاقُ الشّرعِي الذي أَذِنَ الله-تبارك وتعالى-به، فإنّ الله-تعالى-يَقول: { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 229 ] .. أي مَرّةً بعدَ مَرّة، فالطّلاقُ الذي أَذِنَ الله-تعالى-به والذي تَجوزُ بعدَه الرَّجْعَة هو مَرَّتان، فإذا طَلَّقَ الرَّجُل المرأة كان له الحقُّ أن يُرَاجِعَها في خِلالِ عِدَّتِها، لأنّ الله-تبارك وتعالى-بعدَما ذَكَرَ حُكْمَ العِدَّة قال: { ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 228 ](1)، فليْس لِلمرأةِ أن تَعْتَرِض على الرّجْعَة، وليْس لِوَلِيِّها أن يَعْتَرِضَ على هذه الرّجْعَة، فالرَّجُل أَمْلَكُ بِها ما دامت في عِدَّتِها والطّلاقُ رجْعِي، وعندما تَنْتَهِي العِدَّةُ الشّرعِية يَكونُ-أيضا-لِلرَّجُل حَقٌّ في أن يَتزوّجَها بِعَقْدٍ جديدٍ ولكن مع جَميع لَوازِمِ هذا العَقْد، ولَوازِمُه أربعة، وهي:
1-رضا المرأة، فإنّ في هذه الحالة تَكونُ أَمْلَكَ بِنفسِها، فإن رَضِيَتْ أن تَتزوَّجَه مِن جديدٍ فذلك، وإلاّ فليْس له أن يُكْرِهَهَا على ما لَم تَرْضَ به.
2-والشّرط الثاني إِذْنُ وَلِيِّها، فإنّه لا نِكاحَ بِغيْرِ وَلِي.
3-والشّرط الثالث صداقٌ جديد.
4-والشّرط الرابع هو الإشْهاد .. إِشْهادُ شاهدَيْن على هذا الزّواج كسائِرِ عُقُودِ الزّواج، فإنّها تَتَوَقَّفُ على الإِشْهاد.
__________
(1) - { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا ... } [ سورة البقرة، من الآية: 228 ]. (1/12)
صفحة 13
وعندما تَكونُ المرأة راضِيَةً بِالرَّجْعَة يُمْنَعُ الولِي مِن الاعتراض، فليْس له الحق في أن يَعْتَرِض بل عليْه شَرْعًا أن يَأْذَنَ بِذلك، لأنّ الله-تبارك وتعالى-يَقول: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 232 ]، والآيةُ-كما جاء في حديثِ مَعْقِل بنِ سِنَان-نزلتْ فيه عندما عَضَلَ أُخْتَه أن تَتزوَّج بِمَن طَلَّقَها بعدَما انْتَهَتْ عِدَّتُها منه، فاسْتَسْلَمَ لأمْرِ الله وأمْرِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وَوَافَقَ على أن يَتزَوَّجَها هذا الزَّوْجُ بِعَقْدٍ جديد مع جَميعِ لَوازِمِه الشّرعِية، فإذن اللهُ-تبارك وتعالى-أَرادَ لِلرَّجُل الفُرْصَة ولِلمرأة-أيضا-في خِلالِ هذه الفتْرة، فإنّ كلَّ واحدٍ منهما قد يَنْدَمُ بِسببِ الفِراق، فإن كانتْ هي السّبب في المُشاغَبَة قد تُراجِعُ نفسَها وتَعودُ إلى رُشدِها، وإن كان هو السّبب-أيضا-في هذا الفِراق فإنّه-بِطبيعةِ الحال-عندما تَكونُ المرأةُ بِمَنْأَى عنه قد يَلُومُ نفسَه على ما صَدَرَ منه ويَرَى نفسَه بِحاجة إلى مُراجعةِ هذه المرأة أو إلى تَزوُّجِها بِعَقْدٍ جديدٍ بعدَ ذلك، فإذا عادا إلى ما كانا عليه مِن قبْل ثم بعدَ ذلك حَصَلَ بيْنهما شِقاقٌ مَرّةً أخرى ووَقَعَ إِثْرَهُ الفِراق كان-أيضا-له الحق في مُراجَعَةِ هذه المرأة في خِلالِ عِدَّتِها، فإذا انْتَهَت العِدّة كان كَواحِدٍ مِن الخُطَّاب فإن رَضِيَتْه المرأة فليْس لِوَلِيِّها أن يَعْتَرِضَ عليها وأن يَمْنَعَها ويَعْضلَها بل عليه أن يَأْذَنَ بِما رَغبَتْ فيه، فإن لابَسَهُمَا الشّيْطانُ مَرّةً أخرى (1/13)
صفحة 14
وَوَقَعَا في الشِّقاقِ والخِلاف وأَدَّى ذلك إلى الفِراق فإنّه في هذه الحالة يُمْنَعُ مِن مُراجَعَتِها إلاّ بعدَ أن تَمُرَّ بِمرحلةٍ أخرى وذلك بِأن تَتَزَوَّجَ زوْجًا آخَرَ غيْرَه، لِيَكُونَ في ذلك نوعٌ مِن التّأديبِ له ولَها، فإن كان الشَّغَب مِن قِبَلِه وكان هذا الفِراق تَلاعُبًا منه فإنّه بِحَسْبِه أن يَرَى هذه المرأة التي كانت شريكةَ حياتِه في حِضْنِ رَجُلٍ آخَر وتَكونَ شريكةَ حياةِ رَجُلٍ آخَر ففي ذلك تَأديبٌ لَه ثم إنّه لابد مِنْ أن يَنَالَ منها الزّوجُ الثاني ما نَالَه الزّوجُ الأول، لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ ذلك عندما قال: ( لا، حتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ )، وإن كان الشَّغَبُ مِن قِبَلِ المرأة فإنّ انْتِقَالَها مِن عِشْرَةِ رَجُلٍ أَلِفَتْه إلى عِشْرَةِ رَجُلٍ لَم تَأْلَفْه وربّما واجَهَتْ هنالِك لَوْنًا آخَر مِن ألْوانِ الحياةِ عندَه يَكْفِي لأَن يَكونَ رَدْعاً لَها، فإذا خَرَجَتْ مِن عِصْمَةِ الثاني وعادتْ إلى الأول فإنّها تَعُودُ عندئِذٍ بِشيءٍ مِنَ المُرُونة وبِشيءٍ مِن مَكاسِبِ الاختبار في خِلالِ هذه المَرحلةِ التي مَرَّتْ بِها.
والنّاس هنا قد يَقَعُونَ في خَطَأَيْن: (1/14)
صفحة 15
1-الخطأ الأول أنّهم لا يَكْتَفُونَ بِإِيقاعِ الطّلاقِ مَرّةً واحِدة، فقد يُوقِعُونَ الثلاثة دفْعَةً واحِدة تَضيِيقًا لِما وَسَّعَه الله-تبارك وتعالى-لَهم وتَعَجُّلا لأَمْرٍ كانتْ لَهم فيه أََنَاة، وهذا التّصرّف منهم يُعَدُّ مُخالَفَة لِما وَجَّهَهُم إليه القرآن، عندما قال الله تعالى: { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 229 ]، كذلك-أيضا-في ذلك مُخالَفَة لِما وَجَّهَهُم إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنّ الرّسولَ - صلى الله عليه وسلم - -كما رُوِيَ عنه-اشْتَدَّ غَضَبُه على مَنْ أَوْقَعَ الثلاثة دفْعَةً واحِدة، حتى أنّه عَدَّ ذلك تَلاعُبًا بِكتابِ الله، وقال: ( أَيُتَلاعَبُ بِكتابِ الله وأنا بيْن أَظْهُرِكُم )، وهذا يَعنِي أنّ إِيقاعَ الثّلاث دفْعَةً واحِدة تَلاعُبٌ بِكتابِ الله.
ولَِئن كان إِيقاعُ الثّلاثِ دفْعَةً واحِدة تَلاعُبًا بِكتابِ الله فما بالُكم بِما زادَ على الثّلاث ؟! ما بالُكم بِتَصَرُّفِ النّاسِ الجهلَة العَوَام الذين قد يُطَلِّقُ أحدُهم أَلْفَ تَطْلِيقَة أو مائَةَ تَطْلِيقَة أو سَبْعِينَ تَطْلِيقَة أو نَحْوَ ذلك ؟! فإنّ في هذا مِنَ المُخَالَفَة ما ليْس بعدَه، وقد رُوِيَ عن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-أنّ رَجُلا جاء إليه فقال له: " يا ابنَ عباس، إنّ أَبِي طَلَّقَ أُمِّي أَلْفَ تَطْلِيقَة أَفَتَجِدُ لَه مَخْرَجا ؟ " فقال له ابنُ عباس: " إنّ أَباكَ لَم يَتَّقِ الله فيَجْعَلَ لَه الله مَخرَجا، والله-تعالى-يَقول: { ... وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا } [ سورة الطلاق، من الآية: 2 ] .. بانَتْ منه بِثلاث، وتِسعُمائَة وسَبْعٌ وتِسْعُونَ وِزْرٌ عليه ". (1/15)
صفحة 16
والنّاسُ الآن تَفَنَّنُوا في ابْتِكَارِ المُخالَفَات الشّرعِية، فلَمْ يَقِفُوا عندَ حَد بل بِجانبِ هذا يَرَى عَوَامُّ النّاسِ وَجَهَلَتُهُم أنّ الطّلاقَ لا يَقَع حتّى يَأْتِيَ الإنسانُ بِكلماتٍ كُفْرِية والعياذ بِالله، فإنّهم يَرَوْنَ أنّ الطّلاقَ لا يَقَع حتّى يَقولَ لَها فَوْقَ هذا كُلِّه: " حَرُمْتِ عَلَيَّ وحَلَلْتِ لأَيِّ زَوْجٍ آخَر "، ومِنْ أَيْنَ لَهم ذلك ؟! فإن كان طَلَّقَها دونَ الثّلاث فإنّ الحُرْمَةَ لا تَقَع، لأنّ الله-تبارك وتعالى-يَقول: { ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 228 ]، وعلى أيّ حال فإنّ الزَّوْجَ الآخَر لا تَحِلُّ لَه حتّى تَنْتَهِيَ قُرُوؤُها، لأنّ الله-تعالى-يَقول: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 228 ]، وكثِيرٌ مِن الجهَلَة والعَوَام يُجَاوِزُونَ هذا إلى الإتْيَانِ بِأَلْفَاظٍ مُسْتَبْشَعَة عندَ كلِّ صاحبِ فِطْرَةٍ سليمة، فقد يُفْضِي الأَمْرُ بِأحدِهم إلى قَوْلِهِ لِلمرأة: " حَرُمْتِ عَلَيَّ وحَلَلْتِ لِكَلبٍ أَسْوَد " .. سبحان الله .. مِن أَيْنَ تَحِلُّ لِكلب ؟! ومنهم مَن يَقولُ لَهَا: " حَلَلْتِ لِلحمار "، وفي هذا مُخالَفَة شَرعِية بالِغَة، مع أنّ التّحليلَ والتّحرِيم ليْسا مَوْكُولَيْنِ إلى أَحَدٍ مِن النَّاس، وإنّما هُما مِن أمْرِ الله-تعالى-وحدَه، فالله-تعالى-يَقول: { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } [ سورة النحل، الآية: 116 ]، ويَقولُ الحقُّ - سبحانه وتعالى - تَشْهِيرًا بِأُولئكَ الكفّار الذين اجْتَرَؤُوا عَلَى تَحرِيمِ ما لَم يُحَرِّم الله: { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا (1/16)
صفحة 17
أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } [ سورة الأنعام، الآية: 140 ]، فليْس لأحدٍ أن يُحَرِّمَ شيْئا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِه قَط، وإنّما الذي يُحَرِّمُ هو الله، والذي يُبِيحُ هو الله، وإذا كان الرّسول - صلى الله عليه وسلم - لَم يَأْذَن الله-تبارك وتعالى-لَه أن يُحَرِّمَ على نفسِه ما لَم يُحَرِّمْه الله-تعالى-عليه-فقد عَاتَبَهُ الله عندما قال له - سبحانه وتعالى - : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ سورة التحريم، الآية: 1 ]-فَكَيْفَ بِغَيْرِه مِنَ الناس ؟! فأَمْرُ الحلالِ والحرام لا يَعُودُ إِلَى النّاس حتّى يَتَصَرَّفُوا فِيه بِمُجَرَّدِ هَوَاهُم، وإِنَّمَا الحرامُ مَا حَرَّمَ الله تعالى، والحلالُ ما أَحَلَّ الله تعالى، ومَا عَلَى العَبْدِ إلا أَنْ يَسْتَسْلِمَ لأَمْرِ الله: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا } [ سورة الأحزاب، الآية: 36 ]، وكما أنّه لا يُبَاحُ لِلإنسان أن يُحِلَّ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِه ما حَرَّمَ الله-فلا يُبَاحُ لَه أن يُحِلَّ الخمْر ولا يُبَاحُ لَه أن يُحِلَّ الزّنى ولا يُبَاحُ لَه أن يُحِلَّ الرِّبا ولا يُبَاحُ لَه أن يُحِلََّ قَتْلَ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ بِغيْرِ حَق ولا يُبَاحُ لَه أن يُحِلَّ عُقُوقَ الوالِدَيْن ولا يُبَاحُ لَه أن يُحِلَّ الإساءةَ إلى الجِوَارِ ولا يُبَاحُ لَه أن يُحِلَّ قَطِيعَة الأَرْحَامِ، ويُعَدُّ إِحلالُ شيءٍ مِنْ ذلكَ كُفْراً بِالله، لِما فيه مِنَ المُصَادَمَةِ الصَّرِيحة لِلنَّصِّ القَطْعِي الذي (1/17)
صفحة 18
أَنْزَلَهُ الله تبارك وتعالى-كذلك ليْس لأحدٍ أن يُحَرِّمَ مِن تِلْقَاءِ نفسِه شيئا أَحَلَّه الله-تعالى-بل جَعَلَ الله-تبارك وتعالى-ذلك اعْتِدَاءً .. نَعَم ليس هو اعْتِدَاءً على حَقِّ أحدٍ مِن المَخْلُوقِين وإنّما هو اعْتِدَاءٌ على حقِّ الله الذي له وحدَه حقُّ التّحلِيلِ والتّحرِيم، فإنّ الله-تبارك وتعالى-يَقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [ سورة المائدة، الآية: 87 ]، فتَحرِيمُ أَيِّ شيءٍ أباحَه الله - سبحانه وتعالى - يُعَدُّ اعْتِدَاءً .. تَحرِيمُ الزّوجة يُعَدُّ اعتداءً على حُرُمَاتِ الله وحقوقِ الله .. كذلك-أيضا-تَحرِيمُ الطّعامِ الذي أَحَلَّه الله .. تَحرِيمُ البَيْعِ الذي أَحَلًَّه الله .. تَحرِيمُ أَيِّ مُعامَلَةٍ أَباحَها الله - سبحانه وتعالى - .. تَحرِيمُ أَيِّ شيءٍ مِنَ الطّيبات التي أَذِنَ الله-تعالى-بِها يُعَدُّ كُفْرًا بَوَاحًا إن كان صاحبُه غيْرَ مُتَأَوِّلٍ بِتَأْوِيلٍ يُمْكِنُه بِه أن يَتَخَلَّصَ مِن حُكْمِ الكُفْرِ المِلِّي، ومع التّأْوِيلِ أيضا .. عندما يَكونُ مُصَادِمًا لِلنَّص ولو كان مُتَأَوِّلا يَكونُ مُنْتَقِلاً مِن الكُفْرِ المِلِّيِّ إلى كُفْرِ النِّعْمَة .. يَكونُ كافِرًا كُفْرَ نِعْمَة .. أي ما يُسَمَّى بِالكُفْرِ دُونَ الكُفْر، وهو الكُفْر الذي لا يُخْرِجُه مِنَ المِلَّة ولكنّه يَكونُ كَفَرَ نِعْمَةَ الله، لأنّه اعْتَدَى على حُرُمَاتِ الله - سبحانه وتعالى - ، وليْس لأحدٍ أن يَعْتَدِيَ على حُرُمَاتِ الله. (1/18)
صفحة 19
فهكذا يَقَعُ النّاسُ في هذه الأخطاء ثم بعدَ ذلك يَأتِي أَحدُهم لالْتِمَاسِ المَخْرَج وقدْ سَدَّدَ المَنَافِذَ على نَفْسِه، كما رُوِيَ عن ابنِ عباس-رضي الله عنهما-أنّه قال في مثلِ هذا: " يَرْكَبُ أَحدُكم الأُحْمُوقَة ثم يَأتِي إلى ابنِ عباس: ' يا ابنَ عباس .. يا ابنَ عباس ' "، وهكذا شأْنُ النّاس.
وقد يَكونُ هذا التَّصَرُّف الأَهْوَج الذي يَقَع نتيجةَ جَهْلِ الرَّجُل وحَماقتِه وعَدَمِ تَفكِيرِه في عَوَاقِبِ الأُمور، فهو لا يُفَكِّرُ في نفسِه ولا يُفَكِّرُ في أَهلِه ولا يُفَكِّرُ في الذُّرِّية فتَرَاه يَرْتَكِبُ هذه الحماقات لأَتْفَهِ سببٍ مِن الأسباب، وقد يَكونُ هذا التَّصَرُّف الأَرْعَن بِسببِ مُشَاغَبَةِ المرأة لِجَهْلِها أيضا، فقدْ تُشَاغِبُ الرَّجُل وتُحَاوِلُ جهْدَهَا أن تُثِيرَ حَفِيظَتَه حتّى تُوقِعَه في هَذِه الوَرْطَة وبعدَما تُوقِعُه في هذه الوَرْطَة تَأخذُ-أيضا-في لَوْمِ نفسِها وتَأخذُ في الْتِمَاسِ المَخْرَجِ مِمَّا وَقَعَتْ فيه بل مِمَّا وَقَعَا فيه.
وهكذا شأْنُ النّاس، فجَهْلُ الرَّجُل وجَهْلُ المرأة يُؤَدِّي بِهما إلى الوقوعِ في هذه المَضَائِق ثم يُؤَدِّي بِهما-بِالتَّالِي-إلى الْتِمَاسِ المَخْرَج ولكن أَنَّى لَهما أن يَجِدَا المَخْرَج وقد أَوْقَعَا نَفْسَيْهِما في هذه الوَرْطَة. (1/19)
صفحة 20
هذا وقدْ يُفْضِي سُوءُ تَدْبِيرِ الرَّجُل وعدمُ تَفكِيرِه في العَوَاقِب أن يُوَرِّطَ نفسَه ويُدْخِلَ نفسَه وأَهلَه وذريتَه في مَأْزقٍ رَهِيب لا لِسببٍ يَتعلَّقُ بِالمرأة بل لِسببٍ آخَر، فقد يَكونُ هنالِك خلافٌ بيْنه وبيْن أخيه أو بيْنه وبيْن جارِه أو بيْنه وبيْن أبيه أو بيْنه وبيْن أُمِّه أو بيْنه وبيْن أَيِّ أحدٍ آخَر فيَقولُ لِذلك الذي وَقَعَ بيْنه وبيْنه الخِلاف: " إن دَخَلْتُ بَيْتَك فامْرَأَتِي طالِقٌ بِالثّلاث " أو نَحْو هذه الكلمات، فَيُقْحِمُ المرأة في خِلافٍ ليْس لَها فيه نَصِيب .. هذا خِلافٌ بيْنه وبيْن شخصٍ آخَر، وإنّما يَجْمَعُ هذا الرَّجُل بيْن عُقوقِ والِدَيْه أو عُقوقِ أحدِهِما أو الإساءةِ إلى جارِه أو الإساءةِ إلى أخيه أو الإساءةِ إلى ذِي قرابَتِه أو الإساءةِ إلى أخيه المُسلِم .. يَجْمَع بيْن ذلك وبيْن الإساءةِ إلى العلاقةِ الزّوجِية بِحيْثُ يَجعَلُ هذه العلاقَة مُعَرَّضَة لِما يَصْرِمُهَا لا لِمُوجِب ارْتَكَبَتْه المرأة ولكن لِهذه الحَماقَة التي في الرَّجُل .. فما الذي يُقْحِمُ المرأة في هذا الخِلاف الذي لا نَصِيبَ لَها فيه .. لا وِزْرَ عليها فيه وإنّما هو أَمْرٌ بيْن هذا الرَّجُل وبيْن مَن جَعَلَ الله-تعالى-بيْنه وبيْنه خلافا.
فإذن على النّاسِ أن يَتَدَبَّرُوا وألاّ يُوَرِّطُوا أنفسَهم، فالمرأة تَكونُ عُرْضَةً لأَن تُصْرَمَ العلاقَةُ معها لأَيِّ سببٍ مِن الأسباب .. قد لا يَكونُ لَها أَيُّ مَكْسَب في هذا السّبب وإنّما هو مِن تَصَرُّفِ الحَمْقَى الهَوْجى الذين لا نَصِيبَ لَهم مِن عَقْلٍ ولا نَصِيبَ لَهم مِن دِين .. لا خَلاقَ لَهم مِن عَقْل ولا خَلاقَ لَهم مِن دِين. (1/20)
صفحة 21
2-وأما الخطأ الثاني الذي يَرْتَكِبُه النّاس فهو أنّهم بعدَما يَتَوَرَّطُون رُبّما يَذْهَبُ أحدُهم إلى الْتِمَاسِ مَن يَتزوَّجُ المرأة لأجْل أن يُحَلِّلَهَا فيما يَتَصَوَّرُ ويَتَوَهَّم، وليس ذلك تَحلِيلا وإنّما هو مَزيدُ تَحرِيم، فإنّ الله-تعالى-قال: { ... حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 230 ](1)، فلابد مِن أن يَكونَ زوْجًا شَرعِيا، ومَعْنَى ذلكَ أن يَكونَ النِّكاحُ نِكاحًا شَرعِيا، والنِّكاحُ الشّرعِي هو رَبْطُ المَصِيرِ بِالمَصِيرِ، بِحيْثُ يَكونُ الرَّجُلُ راغِباً في رَبْطِ مَصِيرِه بِمَصِيرِ تلكَ المرأة وتَكونُ هي-أيضا-راغِبَةً في رَبْطِ مَصِيرِها بِمَصِيرِه .. ذلكَ الزّواج هو الذي يَهْدِمُ الطّلاقَ المُتَقَدِّم.
__________
(1) - { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ ... } [ سورة البقرة، الآية: 229 ومن الآية: 230 ]. (1/21)
صفحة 22
أمّا ما يَظُنُّه كثِيرٌ مِن النّاس أنّه سببٌ لِلتَّحْلِيل ما هو في الحقيقة إلاّ سببٌ لِتَغْلِيظِ التّحرِيم، فقدْ رُوِيَ في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: ( لَعَنَ الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَه )، وجاء-أيضا-في رِوايةٍ أخرى: ( لَعَنَ الله التّيْس المُسْتَعَار )، فهذا خطأٌ كبِيرٌ يَرْتَكِبُه الجهَلَة .. إنّما يُوغِلُونَ في الخطإ بعدَ الخطإِ السّابِق بِمُحاوَلَة الْتِمَاسِ التّحْلِيلِ مِن غيْرِ وَجْهِهِ الشّرعِي، فيَجِبُ التَفَطُّنُ لِذلك.
ويَجِبُ على الإنسان قَبْلَ الإِقْدَامِ على الزّواج أن يَعْرِفَ كيْفَ يَكونُ الطّلاق، حتّى يَكونَ على بَيِّنَةٍ مِن الأَمْر، بِحَيْثُ لَوْ طَلَّق لا يُطَلِّقُ طَلاقًا يُؤَدِّي بِه إلى الوَرْطَة، ويُؤَدِّي بِه إلى مُخالَفَةِ شَرْعِ الله تبارك وتعالى.
نَسْأَلُ الله - سبحانه وتعالى - أن يُعَافِيَنا ويَهْدِيَنا سواءَ الصِّرَاط، ونَسْأَلُه أن يَأخُذَ بِأيْدِينا إلى الجادَّةِ التي تُرْضِيه إنّه على كلِّ شيءٍ قدير، وصلّى الله وسلّم على سيّدِنا محمد وعلى آلِه وصحْبِه أجْمعين، سبحان ربِّك ربِّ العِزّة عمّا يَصِفون وسلامٌ على المُرسَلِين والحمدُ لله ربِّ العالَمين. (1/22)