صفحة 1
الكتاب: تصحيح مفاهيم خاطئة لأحمد الخليلي
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) تصحيح مفاهيم خاطئة
محاضرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي
الحمدُ للهِ حقَّ حمده حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، سبحانه لا أُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بدعوة الحق الصّادعة، وحُجّة الصدق السَّاطعة؛ فبلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الغمة صلى الله وسلم عليه، وعلى أله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمّا بعد،،
فالسّلام عليكم، مشايخ العلم الكرام، وطلبته الأعِزّه ورحمة الله وبركاته، أحييكم بهذه التحيّة المباركة الطيّبة، في هذه الليلة السعيدة من ليالي هذا الشهر الكريم، الذي تنفحُنا في لياليهِ وفي أيامهِ بركاتُ الله سبحانه، بما جعل فيه من خير لصائميه، وقائميه، والذين يتقربون إليه سبحانه وتعالى
بالطاعات التي يحبّها منهم، ويتقبلها عنهم، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً من عتقائه من النار، وأن يجعلنا من المقبولين، وأن يرفع درجاتنا، وأن يستجيب دعواتنا، ويحقق أُمنياتنا، وأن يُرِيَنا الحقّ حقاً ويرزُقنا اتِّباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
هذا .. ومما لا ريب فيه أنّ أهم ما يجبُ أن يحرصَ عليه الإنسان، تصحيحُ مفاهيمه حِيال نفسه، وحِيال هذه الحياة التي يعيش فيها، فإنّ عدمَ صِحّة التصوّر هو الذي يؤدي إلى الانحراف في السُّلوك، فالسُّلوك إنما هو رهن التصوّر الصحيحِ السليم، ولذلك جاءنا الإسلامُ الحنيف بالصّورة الصّحيحة
التي تتجلى لكل أحد فيما يتعلق بشؤون هذه الحياة، فيما يتعلق بصلة الإنسان بربه سبحانه تعالى، وفيما يتعلق بصلة الإنسان بالإنسان، وفيما يتعلق بصلة الإنسان والكون، لأن الإنسان مستخلف في الأرض ومؤتمن فيها من قِبَلِ الله (1/1)
صفحة 2
سبحانه وتعالى، ومسئول عمّا يجرى فيها من نتائج تصرفاته وأعماله، فلذلك كان جديراٌ بهذا الإنسان أن يُصحّح مفاهيمه، وأن يتجنّب ضَلال التصور، ليجتنب ضَلال السلوك.
والله سبحانه وتعالى قد أنزل إلينا نوراً مُبيناً، وكتاباً حكيماً، وذكراً قويماً، وصراطاً مستقيماً، فيه ما نأتي وما نذر؛ وقد امتنّ الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة أيّما امتنان عندما أنزل عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلمفي حجة الوداع بعد ما بَلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، وترك أمته على المَحَجّة البيضاء، أنزل سبحانه وتعالى عليه قوله:) اليومَ أكملتُ لكُم دِينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دِيناً ([1] الإسلام الذي رضيه الله سبحانه وتعالى من عباده، ورضيه لهم هو الإسلام، الذي هو تجسيد للاستسلام التام من العبد لربه في كل جُزئيّةٍ من جُزئيّات حياته، بحيث تكون الحياة كلها لله بل ويكون مماتهُ أيضا لله، فإنّ الله وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل إنني هداني ربي إلى صِراطٍ مستقيمٍ ديناً قِيَماً مِّلَّةَ إبراهيم حنيفاً وما كان من المُشركينَ قل إن صَلاتي
ونُسُكى ومحياي ومماتي للهِ ربِّ العالمين لا شريكَ لهُ وبِذلك أمرتُ وأناْ أوّلُ المسلمينَ) [2].
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يغادر هذا العالم الجسمانيَّ إلى العالم الروحاني إلا بعد ما بنى أمةً صالحة، أمة موصولة بربها، أُمة مسلمة لله ربِّ العالمين، تتصرف في شؤون حياتها وفق تعاليمَ الحق، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أمّته من اتباعِ السُبل، والانحراف عن هذا المنهج، وبيّن لها بأن المنهج الصحيح الذي يجب أن تسير عليه هو منهجه عليه أفضل الصلاة والسلام، ومنهج خلفائه الراشدين عندما قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عضّوا عليها بالنواجذ).
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة من الفتن التي كان عليه أفضل (1/2)
صفحة 3
الصلاة والسلام بمنظار النبوة يراها نُصْبَ عينيه، وكان من بين هذه الفتن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرها ويخشى أن تقع فيها هذه الأمة فتنة الحياة الدنيا، فقد كان من كلامه عليه أفضل الصلاة والسلام: (ما الفقر أخاف عليكم، ولكن أخاف عليكم أن تُفتحَ الدنيا لكم كما فتحت لمن قبلكم، فتنازعوها أو فتنافسوها كما تنافسوها). فقد كان صلى الله عليه وسلم يخشى أن تشرأب أعناق هذه الأمة إلى هذه الدنيا، بعد ما أنزل الله سبحانه في وصفها ما أنزل في كتابه العزيز، وبيّن أنها لا تَسوى شيئاً بجانب الدارِ الآخرة، فقد ضرب الله تعالى فيها العديد من الأمثال، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (إنما مثَلُ الحَياةِ الدُّنيَا كَمَاءٍ أنزلناهُ منَ السماءِ فَاختلطَ بهِ نباتُ الأرضِ مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ والأنعامُ حتّى إِذا أخَذَتِ الأرضُ زُخرُفَهَا وازَّيَّنتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهُم قادرون علَيْها أتَاهآ أمرُنا
ليلاً أو نهاراً فجعلناهَا حَصِيداً كَأنْ لم تَغْنَ بِالأمسِ كَذلكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لَقومٍ يتفكَّرونَ) [3].
ثم بيّن سبحانه ما يجب أن يحرص عليه ويسعى إليه عندما قال: (واللّهُ يَدعُو إِلى دَارِ السَّلامِ ويَهدِي مَن يَشآءُ إلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ) [4] وقال تعالى: (واضربْ لهُم مَّثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنزلناهُ مِن
السَّماءِ فَاختلطَ بهِ نباتُ الأرضِ فَأصبحَ هَشِيماً تَذرُوهُ الرِّياحُ وكَانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقتدِرا ً + المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنيَا وَالبَاقِياتُ الصَّالحَاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيرٌ أمَلاً) [5] وقال عز من قائل: (اعلموا إنما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وتَكَاثُرٌ في الأَموالِ والأَولادِ كَمَثلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ (1/3)
صفحة 4
مُصفَرّاً ثمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفي الآخِرةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغفِرةٌ مِنَ اللهِ ورِضوانٌ ومَا الحَياةُ الدُّنيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ) [6] ثم بيّن ما يجب التنافس فيه عندما قال: (سابقوا إلى مغفرةٍ مِن ربِّكُم وجَنَّةٍ عَرضُهَا كَعَرضِ السَّماءِ والأرضِ أعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلهِ) [7] النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى أن تفتح على هذه الأمة الدنيا وأن تتنافس فيها، وأن تتهالك عليها، وأن تكون شغلها الشّاغل، وقد وقع ذلك فعلاً، فمنهجهصلى الله عليه وسلم كان منهج الزهد في هذه الدنيا.
وَراودتهُ الجبال الشمُّ عن ذهبٍ من نفسه فأراها أيَّما شممِ النبي صلى الله عليه وسلم لم يفتح عينه على متاع هذه الحياة الدنيا، وكذلك كان منهج خلفائه الذين تحملوا هذه الأمانة بصدق، وأدوها بحق، كما ائتمنهم الله سبحانه وتعالى، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنذر هذه الأمة، بأن خلافتها من بعد ستتحول إلى مُلك عضوض، وقد كان ذلك فعلاً فتلقفها بنو أمية، ثم تلقفها بعد ذلك بنو العباس، ووقع في عهدهما ما وقع من الانحراف عن منهج الحق، منهج القرآن، ومنهج الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وسيرة الخلفاء الراشدين، فانغمسوا في الترف إلى الأذقان، مع أن
التّرف هو مصدر كل بلاء، ومنشأ كل ضلالة، وسبب كل انحراف، فالتّرف مقرون بالتّلف، تلف الأخلاق، وتلف القيم، وتلف الفضائل، وتلف العزّة، ولذلك لم يذكره الله تبارك وتعالى في القرآن إلا مقروناً بالشر.
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى عذاب الآخرة، وبيّن عز وجل بأن من أسبابه الترف في هذه الحياة الدنيا، فقد قال عز من قائل بعد ما ذكر أصحاب الشمال: (إنَّهُم كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُترَفِينَ) [8] وذكر تعالى عذاب الدنيا وقرنه أيضاً بالترف، فقد قال: (وكمْ قصَمنَا مِن قَريةٍ كَانت ظَالِمَةً (1/4)
صفحة 5
وَأَنشَأنَا بَعْدَهَا قَوماً ءاخَرينَ فلما أَحَسُّوا بَأسَنا إِذَا هُم مِنها يَركُضُونَ لا ترْكُضُوا وارجِعُوا إلى مَا أُترِفتُم فِيهِ ومَسَاكِنَكُم) [9] وقال عز من قائل حكيما أيضا: (حتى إِذَا أخذنَا مُترَفِيهِم بِالعَذَابِ) [10] وذكر شيوع العذاب في الأمة، فبيّن أن سببه انحراف المترفين عن الحق، وذلك عندما قال سبحانه وتعالى: (وإذَا أَردنا أن نُهلِكَ قَريةً أمَرنا مُترفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَليهَا القَولَ فَدَمَّرنَها تَدمِيراً) [11] وذكر الله سبحانه وتعالى تكذيب المرسلين، فبين أن منشأه الترف، وأنه يكون من المترفين فقد قال سبحانه وتعالى: (وقالَ المَلأُ مِن قَومهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكذّبوا بلقاءِ الآخِرةِ وأتْرَفنَاهُم في الحياةِ الدُّنيا ما هذَا إلا بشَرٌ مِثلُكُم يأكُلُ ممَّا تأكلونَ منهُ ويشربُ ممَّا تشرَبونَ) [12] وقال أيضا: (ومَا أرسَلنا في
قَريةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُترفُوها إِنّا بِما أُرسَلتُم بهِ كَافِرونَ) [13] فالترف إذن هو مصدر هذا البلاء كله، والمترفون هم الذين يقفون في وجوه المُصلحين في كل عصر من العصور، فإنّ الله تبارك وتعالى ذكر معارضة الإصلاح ومحاربة المصلحين، وأشار أن منشأ ذلك من الترف فقد قال: (فلولا كانَ مِن
القُرونِِ من قَبلِكُم أولُو بقيةٍ يَنهونَ عنِ الفسَادِ في الأرضِ إلا قليلاً ممَّن أنجيْنا منهُم واتَّبعَ الذينَ ظَلمُوا ما أترَفُوا فيهِ) [14]. وقد كان العهدان المذكوران؛ عهد بني أميّه، وعهد بنى العباس، عهدي ترف، واشتغال بفضول هذه الحياة الدنيا، وتنافسٍ فيها، وتسابق من أجل تحصيل أكبر قدر منها، بل ذكر العلامة المودودي في كتابه (التجديد لهذا الدين):
«أن عهد بني أمية، كان عهد جاهلية، إلا أنها جاهلية تلبس لبوس الإسلام، ولذلك كانت هذه الجاهلية أضرّ مما قبلها، فإن من وقف في سبيلها، حورب باسم الإسلام». (1/5)
صفحة 6
وكذلك تحدث العلامة الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن ذينك العهدين وقال ما معناه: «بأن الحياة كلها كانت في ذينك العهدين تدور حول شخص واحد، وهو الشخص الملقب بالخليفة أو الحاكم، فقد كان من أجله يزرع الفلاح، ويكدح الكادح، ويتعب الإنسان، وينثر الناثر، ويشعر الشاعر» ثم قال: «بأنّ ذلك العهد لا يمثل الإسلام في شيء، وما كان في حكم الإسلام جديرا بأن يبقى يوما واحدة». ولكن هل سلم المسلمون من هذه الفتنة؟ هل بعدوا
عن مخاطر هذا الأمر الذي وصل إليه الحكم في ذلك الوقت؟ المصيبة الكبرى أنّ من المسلمين من أخذ يبرر كل ما كان يجرى في ذينك العهدين، وهذا بسبب ما ذكرناه من انقلاب المقاييس، وتغير المفاهيم، وتبدّل الموازين، فقد صار الحق باطلاً، والباطل حقاً، وحاول كثير من العلماء أن
يبرروا كثير من تلك الانحرافات، ففي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن تشبه الرجال بالنساء والتصريح بحرمة الحرير والذهب على الرجال، ولكن وُجِدت فتاوى في تلك العهود تبرر للحكام وبطانتهم، أن يلبسوا الحرير والذهب، لأجل أنهم يلقون قادة الكفار فينبغي أن يظهروا أمامهم بالمظهر اللائق. ومما يُأسف له كثيرا في أن نجد من بين علماء عصرنا من يؤلف كتابا في
وقتنا هذا ليبرر تلك الفتاوى، وليجد لها مساغاً في الشرع، وقد غفل أولئك بأن عزّة المسلم ليست في لباسه، وإنما عزته في إيمانه، وإلا فقد كانت عزّة المسلمين في عهد عمر -رضي الله عنه- عندما كان يلبس المرقعة ويهتز إيوان كسرى من ذكره:
يا من رأى عمراً تكسوه بردته.:.:. يهتز كسرى على كرسيه فرقاً
والزيت أدم له والكوخ مأواه.:.:. من بأسه وملوك الروم تخشاه
فما كانت المرقعة تضير أمير المؤمنين شيئا، ولم تنقص قدره عند أولئك الأباطرة، بل كان أولئك الأباطرة يَحنون له ظهورهم، ويطأطئون له رؤوسهم، (1/6)
صفحة 7
ويكبرونه وترتعد فرائصهم، بمجرد ذكره ... ونحن لسنا بحاجة إلى أن نذكر أشياء طواها الزمن، ومرّت عليها القرون تلوَ القرون ... ولكن بقاء هذه المفاهيم إلى عصرنا هذا في أدمغة كثير من الناس، هو الذي يدعونا إلى الحديث لأجل محاولة التصحيح بقدر الجهد، فكثيرٌ من تلك المظاهر التي كانت في تلك العصور، أصبحت تدرس الآن بأنها هي مظاهر عظمة الإسلام، وتمجد .. تمجيداً، وتقدس
تقديساً، حتى أن كثيراً من الناس عندما يتحدثون عن عظمة الإسلام يتحدثون عن (قصر الحمراء بغرناطه) ! ... وهم لاهون وغافلون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما بنى قصوراً، وبأن الخلفاء الراشدين ما بنوا قصوراً، وقد كانت عزة الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد خلفائه الراشدين، الذين نهجوا نهجه وساروا سيره إلى أن لقوا الله ربهم سبحانه.
والأمر الذي حز في نفسي، ولا أزال أذكره هو أنني قبل نحو ست سنوات من الآن، كنت في زيارة لدولة العراق، وذهبنا إلى مدينة (سامراء) وهناك آثار للعباسيين، والحفريات تعمل باستمرار من أجل إظهار تلك الآثار، فكان مما وجدناه من بين تلك الآثار بركة سباحة كبيرة جداً، هي أكبر من هذه القاعة، وهى عميقة، وتحتها مواقد للنيران لأجل التدفئة، وعندما وقف أحد العلماء على
هذا المكان، قال: الله أكبر ما هذه العظمة للإسلام؟ !! ..
فهل عظمة الإسلام عندما كانت ترقص الجواري؟!! .. وتسبح الجواري؟! ... أو أن عظمة الإسلام عندما كان يطبق كتاب الله، وتتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولا يفرّط في شئ من أمرٍ الله سبحانه وتعالى؟! .. على أن هنالك قصصاً ترددها الألسن الآن وتُعدُّ من أمجاد الإسلام، وهى عندما تدرس تظهر بأنها بعيدة عن مفاهيم الإسلام! .. فيجب علينا أن ندرس كل قصة بمفاهيم الإسلام، وأن نزن كل شيء بموازين القرآن، كثير من الناس يرددون بأن من أمجاد الإسلام أن (1/7)
صفحة 8
أحد خلفاء بنى العباس رأى سحابةً في السماء ثم انجابت السحابة بعد ذلك، فقال لها متحديا: «أمطري حيث شئت، فسيأتيني خراجك». والله أعلم بصحة هذه القصة، هل هي ثابتة عنه أو غير ثابتة، ولأن كانت ثابتة، فإنها بعيدة كل البعد عن مفاهيم الإسلام فإنها تدل على العناية بالجباية دون غيرها، وقد بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً ولم يبعثه جابياً.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان هديه مخالفاً لذلك، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان عندما يرى مخيلة في السماء، يظهر أثر الخوف، والقلق على وجهه صلى الله عليه وسلم ويكثر الدخول والخروج فتقول أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها-: «ولم ذلك يا رسول الله؟! قال: وما يدريني أن يكون ذلك كما قال تعالى: (فلما رأوهُ عارضاً مُستقبِلَ أوديتِهِم قالوا هذا عارضًا مُمطِرُنا) [15]
وكان صلى الله عليه وسلم إذا انجابت السحابة حمد الله، وإذا أمطرت دعاه بأن يجعله صيّباً هنيئاً، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن عليه أفضل الصلاة والسلام يتحدى السحابة بأنه سيأتيه خراجه، إن أمطرَ في أيّ مكان، ثم بجانب ذلك أيضا فإنّ القرآن الكريم يشير بأنّ الإنسان عاجز، وأن كل ما يأتيه من قبل الله، وعليه أن يشعر بعجزه، فقد قال تعالى: (أفرءَيتُمُ الماءَ الّذي تَشربونَ ءأنتُم أنزلتموهُ مِن المزنِ أم نحنُ المنزلونَ لو نشاءُ جَعلناهُ أُجَاجاً فَلولا تَشكرونَ) [16] وقد بين سبحانه أن تصريف السحاب عائدٌ إليه عز وجل دون غيره (ولقد صرّفناهُ بينَهُم ليذكّروا فَأبى
أكثَرُ الناسِ إلا كُفُوراً) [17].
فجدير إذاً بالمسلم أن يتبع هذا النهج، أمّا التحدي فهو إن دل على شيء فإنه يدل على الغرور، والغرور ليس من شيمة المسلم، والمسلم كما قلت أكثر من مرة يشعر بانسجام مع نظام هذا الكون، ومع نواميسه، ولذلك لا يشعر بأي عداء (1/8)
صفحة 9
بينه وبين الكون، بخلاف الماديين الذين كثيراً ما يعبرون عن تحدى الكون، فيقولون مثلاً: «قهر الطبيعة»، ويقولون أحياناً: «قست عليه الطبيعة»، ويأتون بمثل هذه العبارات التي هي منافية للإيمان.
وقد أخذ الناس كثيراً يبررون الكثير .. الكثير مما كان يعمله أولئك المنحرفون ويزيّنون للناس أعمالهم، وقد يضفون إليهم أعمالا لا يمكن أن يقبلها العقل قط، فينسب مثلا إلى هذا الحاكم أو هذا الخليفة نفسه بأنه كان يغزو عاماً، ويحج عاماً، وهذه المقولة تدل على غباء قائلها، وعلى غباء متقبلها! .. كيف يمكن أن يكون ذلك؟!. عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان قريباً إلى الحرم الشريف، ولم يحج في أيام خلافته إلا حجه واحدة، وكانت معه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخرج ليترك بيضة الإسلام إلى الغزو خارج المدينة المنورة منذ وليَ الخلافة إلا في خروجه إلى بيت المقدس من أجل
افتتاحه!. فكيف يمكن لأحدٍ يعيش في بغداد ورقعة الدولة قد انبسطت في ذلك الوقت أن يخرج في كل عام مرة غازياً ومرة حاجًا؟! ... هل يمكن إن يخرج بعد كل عام مرة واحدة إلى أرض الحجاز من بغداد هل كانت عنده طائرة تمكنه من السفر إلى بغداد ذهاباً وغياباً في مدة قصيرة؟! ... أو أنه كان يقضى جميع وقته في السفر؟! يقضي جميع وقته في الطريق؟! وكذلك في ذهابه إلى الغزو فإن رقعة
الدولة قد انبسطت في ذلك الوقت، وكانت حدودها بعيدة جدا فهل يمكنه أن يذهب عامًا بعد عام إلى الغزو؟! وهل هذا من المعقول؟! وكيف يترك تخت ملكه؟ لو فعل ذلك هل يعد حازماً؟ مع أن من بني عمه من كانوا يتربصون به ويريدون استغلال فرصة غيبته لأن الكل كانوا نهمين على الملك.
هذه أمور ربما قال قائل: بأنه لا يمكن بحال من الأحوال بعد مضيّ تلك العهود أن يقوم قوم من المسلمين بالدفاع عنها لربما كان في أثنائها يدافع بعض الناس عنها طمعاً ورهباً أما بعد انقضائها فلا يمكن أن يهتم المسلمون بالدفاع عنها (1/9)
صفحة 10
إلا بطريق الصدق وبطريق الأمانة.
وهذه مقولة ربما تروق لبعض الناس، ولكن نجد نحن فيما بين المسلمين مع الأسف الشديد بسبب ما ذكرته من ضياع المفاهيم الصحيحة؛ وجدنا من بين المسلمين من يدافع عن الفراعنة، نجد شاعراً محسوباً على الإسلام ويُعد من شعراء الإسلام يقول في الفراعنة: «ولست بقائل ظلموا وجاروا».
مع إن الله تبارك وتعالى يقول: (إنَّ فرعونَ عَلا في الأرضِ، وجَعلَ أهلَها شِيعاًً يستضعِفُ طائفةً منهُم يُذَبِّحُ أبنَاءهُم ويستحي نِسَاءهُم إنَّهُ كانَ من المُفسِدِينَ) [18] فكيف يرضى أحدٌ من المسلمين بجانب ذلك أن يقول: بأن الفراعنة ما كانوا ظلمة وما كانوا جوره؟ وكيف يسوغ لمسلم، أن يتعاطف مع أولئك القوم الذين أنزل الله تبارك وتعالى في كتابه ما أنزل من قوارع الإنكار عليهم، وتفنيد تصرفاتهم، وعيب سلوكهم؟ وليس ذلك فحسب بل نجد هذا الشاعر نفسه بسبب إعجابه بالفراعنة يخاطب أحدهم خطاباً، لا يجوز إن يخاطب به نبي مرسل، ولا ملك مقرّب، بل لا يجوز إن يخاطب به إلا الله تبارك وتعالى، وحده فقد قال في خطاب منه لأحد الفراعنة:
جلّت ذاتك العلية عن أن تنالها الألقاب والأسماءُ سبحان الله! .. هذا خطاب يوجه من مسلم، بل ويعد من شعراء الإسلام لأحد الفراعنة الذين لعنهم الله تبارك وتعالى، وأنزل في حقهم في كتابه ما
أنزل؟! .. كيف يرضى مسلم لنفسه ذلك؟! .. أفيستنكر إن يتعاطف قوم مع الظلمة الذين هم من هذه الأمة لسبب أو لآخر؟!.
وكثير من الناس يَدرؤون ما نسب إليهم -أي ما نسب إلى أولئك الحكام- من الانحراف، ويقولون بأن هذه قصص نسجت، ونحن لا نقول بأن كل ما نسب إليهم صحيح .. إلا أننا نقول هل نسج مثل ما نُسج لهم وعُزى إليهم .. هل نسج مثله لعمر بن عبد العزيز -رضى الله عنه- مثلاً ونسب إليه أو أن ما نُقل عن عمر بن عبد العزيز كان مخالفا تمام المخالفة لما نقل عن آبائه، وبني عمه من بني (1/10)
صفحة 11
أميّه، وكذلك ما نقل عن ابن عباس، فعمر بن عبد العزيز نفسه أنكر كل الإنكار على من تقدمه، ورد المظالم إلى أهلها، وكان فيما كتبه إلى أحد بنى عمه بأن المسلمين لو باعوه في سوق النخاسة، وأكلوا ثمنه، وقسموه على الفقراء والمساكين، والأرامل لما استوفوا حقهم منه.
وقد وفد من وفد من وفود العرب على عمر بن عبد العزيز بعدما ولي الخلافة، وكان من ضمن الوافدين عبد الله بن الأهتم، فخطب أمامه خطبة من غير أن يستأذنه، استعرض فيها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرة الخلفاء وما أصاب الأمة من انحراف بعد ذلك، ثم قال له بعد: «ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها، فلمّا وليتها ألقيتها، حيث ألقاها الله،
وآثرت ما عند الله، فالحمد لله الذي جلا بك حُوبتها، وكشف بك كربتها، فأمض ولا تلتفت فإنه لا يُغني عن الحق شيء».
فالذي أريد أن أقوله حيال هذا الأمر، بأن على المسلم أن يضع نصبَ عينيه التصوّر الصحيح للقضايا، وأن يكون الميزان عنده كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يقول: (فإن تنازعتمْ في شَيءٍ فَردُّوهُ إلى اللّهِ والرّسُولِ إن كُنتُم تؤمِنونَ باللّهِ واليَومِ الآخِرِ ذَلكَ خَيرٌ وأحسَنُ تأويلاً) [19] ثم بجانب ذلك أيضًا على المسلم إن يجعل نصب عينيه أوامر الله، وأوامر رسولهصلى الله عليه وسلم فإن الله تبارك وتعالى لم يجعل لأحد من عباده خياراً فيما وجه إليهم من أوامر ونواهي ولم يجعل الله تبارك وتعالى لأحد خياراً فيما وجه إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم
من أوامر ونواهي فقد قال الله تبارك وتعالى: (فلا وربكَ لا يؤمنونَ حتّى يُحكّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بينهُم ثمَّ لا يجِدُوا في أنفُسِهِم حَرَجَاً ممَّا قَضَيتَ ويُسَلِّمُوا تَسلِيماً) [20] ويقول الحق تبارك وتعالى: (وَمَا كانَ
لِمُؤمنٍ ولا مُؤمِنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورَسُولَهُ أمراًً أن يَكونَ لهُمُ (1/11)
صفحة 12
الخِيَرةُ من أمرِهِم ومَن يعصِ اللهَ ورسُولهُ فقد ضَلَّ ضَلالاًً مُبِيناًً) [21] ويقول عز من قائل حكيما: (منْ يُطِعِ الرَّسُولَ فقَد أَطَاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فمَا أرسَلناكَ عَليهِم حفِيظاً) [22] ويقول سبحانه
وتعالى: (قلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ) [23].
وهكذا يحضنا في كتابه على طاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويخبرنا بأن الإعراض عن ذلك ليس من شأن المؤمن، بل يبيّن لنا سبحانه وتعالى أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو تجسيد لمحبة العبد لربه، وهو سبب لنيل العبد محبة ربه، فقد أتى بالمتابعة بين طرفي المحبة عندما قال: (قلْ إنْ كُنتُم تُحِبًّونَ اللهَ فاتَّبِعُوني يُحببكُمُ اللهُ ويغْفِر لكُم ذُنُوبَكُمْ) [24] فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم هي تجسيد لحبِّ الله تعالى، وهى أيضا سبب لنيل محبته سبحانه، ونيل غفران الذنوب من لدنه، وبين لنا سبحانه أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو كأمر سائر الناس، لأنه من أمر الله فقد قال: (لا تجعلواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بينَكُم كَدُعَاءِ بَعضِكُم بعْضاً قد يعلَمُ اللهُ الذينَ يَتَسَللونَ مِنكُم لِواذاًً فليَحذَرِ الذينَ يُخَالِفُونَ عَن أمرهِ أن تُصِيبَهُم فتنةٌ أو يُصِيبَهُم عَذابٌ أليمٌ) [25].
ولذلك ففي أي ظرف من الظروف وفي أي وقت من الأوقات، لا يسمح للإنسان أن يخالف أمر الله، أو أن يخالف أمرَ رسولهصلى الله عليه وسلم، نعم إن كانت هنالك ظروف اُستثنيت في كتاب الله، أو استثنيت في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، في أشياء محددة، ومعينة من الأوامر التي جاءت من قبل الله، أو من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، كالاضطرار إلى أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، فقد استثنى أكل ذلك في حالة الاضطرار، ولا يجوز تجاوز حدود ما استثناه الله تبارك وتعالى، وهكذا كل (1/12)
صفحة 13
المستثنيات فإنها يقتصر فيها على الحدود التي استثناها الشارع فيها، ولا يجوز تجاوزها بحالٍ من الأحوال.
أما بأن يقال: بأن هنالك أحكاماً جزئية من أحكام الإسلام، لا ينبغي أن يعتني بها المسلم في ظرف من الظروف لسببٍ من الأسباب، وأنه يقتصر على الكليات في هذه الظروف فإن ذلك أمرٌ لا يقر أبداً عند من أدرك حقيقة الإسلام.
وفهم سيرة الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام، كان يطالب أصحابه في أدق الظروف وأحلكها، وأمرها أن يطبقوا تعاليم الإسلام من غير أن يفرّطوا في ذرة من ذرات الإسلام، فكيف يقال: بأن المسلمين يتعرضون مثلاً الآن لغزو أجنبي مخطط ومنظم.
فلذلك يجب ألا نعتني بهذه الأشياء الشكلية، أن لا نتحدث مثلاً عن حلق اللحية، وأن لا نتحدث عن إسبال الثوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر أصحابه بما أمرهم به من الالتزام بمنهج الله سبحانه وتعالى، كانت جزيرة العرب في ذلك الوقت ترميهم عن قوس واحدة، وكانت الروم أيضاً ليسوا بمنأى منهم، والفرس ليسوا بمنأى منهم، ولكنه عليه أفضل الصلاة والسلام لم يتساهل أبداً، ولم يتسامح في التفريط في هذه الأوامر، بل كان يأخذ أصحابه بشدّة فيها، ولا يتساهل معهم حيالها.
على أننا نجد في هدي السلف الصالح بأن الظروف الحرجة التي يمرُّ بها المسلمون، هي أجدر بأن يحاسب فيها المسلم نفسه، وأن يحرص كل الحرص على طاعة ربه سبحانه وتعالى، ليستنزل بذلك نصره وتأييده، فإن النصر والتأييد إنما هما للمتقين فهذه وصية عمر -رضى الله عنه- لجنده وقائده عندما وجههم إلى أرض فارس لمنازلة الجيش السَّاساني، فقد كان من وصيته لقائد الجند سعد بن
أبي وقاص -رضى الله عنه - «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل عدة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك (1/13)
صفحة 14
من الأجناد بأن تكونوا أشدّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، وأعلموا إن في سيركم عليكم من الله حفظه، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله».
هكذا وصية عمر -رضي الله عنه- لم يقل لهم في هذه الفترة «اشتغلوا بالكليّات دون الجزئيات»، بل كان يأمرهم بالمحاسبة الدقيقة لأنفسهم، وأن يستحيوا من أُمناء الله سبحانه وتعالى الذين يرافقونهم في غزوهم.
وهذا يعني أن المسلم في كل وقت من الأوقات، وخصوصاً في أوقات الحذر وأوقات الشدة، عليه أن يستشعر بأنه على ثغر من ثغور الإسلام، يخشى أن يؤتى الإسلام من قبله، ويعني ذلك أن يكون دقيق المحاسبة لنفسه، حريصاً على اتباع طريق ربه، الذي يفضي به رضاه وحُسن مثوبته في الدار الآخرة. والتفريط في هذه الأشياء الجزئية، كثيراً ما يكون هو الطريق إلى التفريط في الأشياء الكلية.
فكأين رأينا من شاب كان حسن السلوك، كان مستقيماً على طريق الحق، ولكن بدأ يتساهل في هذه الجزئيات شيئا ... فشيئا، ويرتد على الخلف، ولم يقف به الارتداد إلى الخلف، حتى وصل -والعياذ بالله- إلى الإلحاد، والارتداد، وهذا أمر وقع، ومن بين الذين وقعوا في هذا الأمر، شاب درس في هذا المعهد، وتخرج في هذا المعهد، فقد كان يعتذر عن تفريطه في هذه الأشياء الجزئية،
بأنها أشياء شكليه، وأنها أشياء ربما ينبغي التسامح فيها في ظروف معينة، ولأسباب معينة، ولكن بعد ذلك ما درينا به إلا أنه ألحَدَ في الله سبحانه وتعالى، وقال كلمة في حق الله تبارك وتعالى، هي أشبه بما كان يقوله (1/14)
صفحة 15
المشركون، وبما يقوله النصارى بل كنّى الله سبحانه وتعالى فسماه أو كنّاه (أبا عيسى) تعالى الله عما يقول علواً كبيراً وقال في كتاب لأحد الملاحدة المعاصرين بأنه أفضل مما أنزل الله تعالى على رسله، وقد شهد بذلك شهود أمامه، ولم يستطع أن يُنكر ذلك، أُحضر للمحاكمة، وشهد عليه شهود بهذا الذي نُسب إليه، ولم يستطيع إنكار ذلك، وإنما غاية ما حاول أن يعتذر به، بأنه ادّعى أنه كان هازلاً، وهل هنالك هزلٌ في حق الله، وهل هنالك هزلٌ في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل هنالك هزلٌ في حق القرآن، ونحو هذا أيضاً شاب كنا نعرفه جميعا أنه غيور على دين الله، ولكن سرعان ما أخذ يبتعد شيئا فشيئا عن أوامر الله سبحانه وتعالى، حتى انتهى به المطاف أن حيّى الناس بتحيّة الجاهلية في جمع حاشد قال لهم: (عمتم مساءً) ثم لم يكتفي بذلك ألقى قصيدة أول كلمة قال فيها: (تب إلى اللات).
فهكذا يأتي الانحراف، يبدأ الانحراف شيئاً ... فشيئاً والإنسان لا يتمالك والشيطان يجرى في نفسه مجرى الدم، (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم).
فجديرٌ إذا بكل أحد أن يحذر من الوقوع في هذه الهنات، وأن يحذر هذه الورطات، وأن يحرص على أن يكون منهجه المنهج السليم، وأن يحاسب نفسه تمام المحاسبة، ونحن نؤيد ما قيل من أن أعداء الأمة الإسلامية يتربصون بهذه الأمّة الدوائر، وقد حبكوا مؤامراتهم، وأحكموا قبضتهم على الإسلام، ولكن ما الذي يخلص هذه الأمة من ذلك كله، إنما يخلصها من ذلك العود إلى الله تعالى فالله تعالى
يقول: (وكانَ حقًّا عَلينا نَصْرُ المُؤمِنِينَ) [26] ويقول سبحانه وتعالى: (إِنّ اللّهَ معَ المُتَّقِينَ) [27] ويقول الله سبحانه وتعالى: (ولينصرنّ اللهَ مَن يَنصُرُهُ إنّ اللهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ الذينَ إن مكنَّاهُم في
الأرضِ أقامُوا الصَّلاةَ وءاتَوا الزّكاةَ وَأمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا (1/15)
صفحة 16
عَنِ المُنكَرَ وللهِ عَاقِبةُ الأمُورِ) [28] كما ترون كلمة (المعروف) كلمة عامة تشمل كل ما هو معروف شرعاً وكل ما يقره الشرع ويدعو إليه والمنكر هو كل ما ينكره الشّرع ويحذّر منه سواء كان من الجزئيات أو كان من الكليات، فلا فرق بين هذا وبين ذاك ويقول سبحانه وتعالى: (وعدَ اللهُ الذينَ آمنُوا مِنكُم وعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيستخلِفَنّهُم في الأرضِ كَمَا اسْتخْلَفَ الذينَ منْ قَبلِهِم وليُمَكِنّن لَهُم دينَهُم الذي ارتضَى لهُم وليُبدلنّهم من بَعدِ خَوفِهم أمناً يعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئاً، ومَن كَفَر بعدَ
ذلكَ فأولئكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) [29].
فلا بد لهذه الأمة أن تأخذ بأسباب النصر، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وقد علمتم ما أصلح أولها فقد اعتصمت بحبل الله تعالى المتين عندما كانت الأمة لا تفرط بشيء من أوامر الله انتصرت على عدوها، وتمكّنت من عقر داره واستطاعت أن تذلل لها عدوّها حتى قادته بسلاسل العدل والحق إلى دين الله سبحانه وتعالى.
هكذا كان السلف الصالح، لا يفرطون في أوامر الله، ولا يترددون في قبول ما أمر به سبحانه وتعالى، ولا يترددون في الانتهاء عما نهى عنه.
فأسأل الله سبحانه وتعالى، أن يصلح لنا ديننا الذي هوعصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم اهدنا للهدى ووفقنا للتقوى، وعافنا في الآخرة والأولى.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين واقطع دابر أعداء الدين، وأستأصل شأفتهم ولا تدع لهم من باقيه. اللهم شرد بهم في البلاد، وافعل بهم كما فعلت بثمود وعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد. اللهم صب عليهم سوط عذاب، وحل بينهم وبين ما يشتهون، كما فعلت بأشياعهم من قبل واجعل بأسهم بينهم (1/16)
صفحة 17
شديداً. اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، من قهر أعدائك الكافرين. اللهم استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين، ومكّن لناديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بخوفنا أمناً، وبذلنا عزاً، وبفقرنا غنىً، وبتشتتناً وحده، واجمعنا على كلمتك وألّف بين قلوبنا بطاعتك، يا حيّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، وصلّى اللهم وسلم وبارك على سيدنا
محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عمَّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
_________
[1] المائدة الآية (3).
[2] الأنعام الآيات (161 - 162 - 163).
[3] يونس الآية (24).
[4] يونس الآية (25).
[5] الكهف الآية (45 - 46).
[6] الحديد الآية (20).
[7] الحديد الآية (21).
[8] الواقعة الآية (45).
[9] الأنبياء الآيات (11 - 12 - 13).
[10] المؤمنون الآية (64).
[11] الإسراء الآية (16).
[12] المؤمنون الآية (33).
[13] سبأ الآية (34).
[14] هود الآية (116).
[15] الأحقاف الآية (24).
[16] الواقعة الآيات (68 - 69 - 70).
[17] الفرقان الآية (50).
[18] القصص الآية (4).
[19] النساء الآية (59).
[20] النساء الآية (65).
[21] الأحزاب الآية (36).
[22] النساء الآية (80).
[23] آل عمران الآية (32).
[24] آل عمران الآية (31).
[25] النور الآية (63).
[26] الروم الآية (47).
[27] البقرة الآية (194).
[28] الحج الآية (40 - 41).
[29] النور الآية (55). (1/17)