صفحة 1
الكتاب: تنبهوا حملة الرسالة لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) تنبهوا حملة الرسالة
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى
المفتي العام للسلطنة
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا نص محاضرة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي .. حفظه الله .. خلال زيارته لمركز الشيخ حمود بن حميد الصوافي .. حفظه الله .. في الصيف الماضي ( 1425 هـ )
تنبهوا . . حملة الرسالة (1/1)
صفحة 2
الحمد لله مالك الملك الذي له الخلق والأمر ، وله الحكم والقهر ، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، سبحانه أرسل رسله تترى ، وأنزل كتبه تتلى ، وأقام على عباده الحجة ، وأوضح لهم المحجة؛ ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ، أرسله الله تعالى على فترة من الرسل وانقطاع من الوحي بعد ما استبدت الأهواء بالعقول ، وتراكمت الضلالات على الفطر ، وانحرف الإنسان عن النهج السوي ، فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة وكشف الله به عنها الغمة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : فبتحية الإسلام والسلام والإيمان والأمان تحية أهل الجنة ؛ أحيّيكم مشايخ العلم وطلبته وجميع الأخوة والأبناء الحضور، فالسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته وإني أحمد الله سبحانه الذي منّ عليّ بهذه الفرصة فرصة هذا اللقاء بهذا اللفيف من حملة العلم وطلبته في هذا المكان الطيب المبارك في هذا المعهد الميمون ، الذي شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون نبعا للعلم ومصدرا للحكمة ومصنعا للرجال الذين سيحملون بمشيئة الله سبحانه أمانة الله تعالى إلى خلقه ويؤدون الواجب الذي فرضه الله سبحانه عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم من لم يعلم وتبصير من لم يبصر والأخذ بيد الجمهور إلى سواء السبيل ، إلى مرضاة الله حيث شرف الدنيا وسعادة الآخرة . (1/2)
صفحة 3
ولا ريب أن أحداث الزمن تتسارع والأمة الإسلامية يكاد لها كيدا من الخارج بجانب مشكلاتها المعقدة من الداخل ، فهي حريّة أن تحرص على وجود ثلة من المؤمنين الأتقياء البررة العلماء الربانيين ليأخذوا بزمام قافلتها إلى الخير وليبصروها بمواطن السلامة وليعرجوا بها في مراقي العز، وإن الله تبارك وتعالى قد هيّأ في كلّ مكان مجموعة من أهل الخير والصلاح والبرّ والتقوى ليؤدوا هذه الأمانة وليقوموا بهذا الواجب ، وإن من أهم المجموعات التي يعقد عليها الأمل الكبير هذه المجموعة التي تتربى هنا في هذا المكان الطيب على يدي شيخنا الجليل حفظه الله تعالى ومن أعانه على ذلك من تلامذته أهل العلم والفضل ، ومما يجب على المسلم أن يتفطن له كلّ ما يراد لهذه الأمة من الشرور وما يحاك ضدها من مؤامرات ، هناك مؤامرات جمة ، هناك قصد للانحراف بهذه الأمة عن سواء السبيل وصدها عن كتاب ربها وعن سنة نبيها محمد وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام بحيث إن أعداء الإسلام يخططون دائما للإنحراف بهذه الأمة تصديقا لما وصفهم الله تبارك وتعالى به عندما قال :(( ودوا لو تكفرون)) ، وعندما قال سبحانه :(( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) ، فقد وصل بهم الأمر إلى أن يحاولوا إيجاد بديل عن القرآن الكريم بحيث يفرض على هذه الأمة فرضا من أجل الانحراف عن سواء الصراط ، ومن المعلوم أن عزة هذه الأمة في استمساكها بحبل ربها المتين واتباع صراطه المستقيم والاستبصار بنوره المبين . إن الله تبارك وتعالى جعل كتابه الكريم هو الهادي إلى سواء الصراط (( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا )). وقد جعل الله سبحانه (1/3)
صفحة 4
وتعالى فيه شفاء لكلّ علة وحلا لكل مشكلة ومعضلة فالله تعالى يقول : (( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا )). وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي وأحمد من رواية الإمام علي كرم الله تعالى وجهه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- أنه قال:( ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم قيل له : وما المخلص منها يا رسول الله ، قال كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا من قال قوله صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم ). إن هذا القرآن الكريم هو نور الله سبحانه وتعالى الذي يسير عليه السالكون وهو حبله الذي يعتصم به المعتصمون وهو صراطه الذي ينهجه الموفقون هو الذي أنقذ هذه الإنسانية فبصرها بعد العمى وعلمها من الجهالة وهداها من الضلالة وقد قال سبحانه امتنانا على هذه الأمة
(( (1/4)
صفحة 5
لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)) وقال امتنانا على العرب الأميين الذين كانوا أكثر الناس ضلالة وأعماهم عن الحق قلبا وأرسخهم في الباطل قدما ، قال فيهم سبحانه : (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)) ثم امتن بذلك على بقية الشعوب التي لحقت هؤلاء في الاستبصار بهذا النور وفي السير في هذا الصراط وفي الاستمساك بهذا الحبل فقال : (( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ))
. (1/5)
صفحة 6
والله سبحانه وتعالى قد أودع خزائن هذا الكتاب العزيز وخزائن السنة النبوية التي هي بيان لهذا الوحي الرباني وتفصيل لمجملاته وشرح لمبهماته والتي بها تخصيص عمومه وتقييد إطلاقه ، أودع الله سبحانه وتعالى في خزائن هذا الكتاب وفي خزائن هذه السنة ما تحتاج إليه هذه الإنسانية في حياتها هذه وبعد انتقالها إلى ربها سبحانه وتعالى بحيث إن كل مشكلة تنجم في هذه الحياة يوجد لها حل في خزائن الكتاب وفي خزائن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، ومعنى ذلك أن الذين يريدون أن يكرعوا من ينابيع الشريعة عليهم أن يرجعوا إلى هذين الأصلين العظيمين فلو توقف الأمر على ما قاله العلماء السابقون مع غض الأبصار عن ما في كتاب الله سبحانه وعن ما في سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام لأدى ذلك إلى توقف سير الحركة الحيوية في هذه الدنيا لأن ذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى أن تكون الحلول التي يعثر عليها مما قال المتقدمون حلولاً محدودة فإن فكر الإنسان فكر محدود وطاقاته جميعًا طاقات محدودة وملكاته جميعًا ملكات محدودة فهو لا يمكن أن يعطي حلاًّ لكل مشلكة وقعت أو ستقع في المستقبل إذ الإنسان ابن بيئته إنما يتطلع على ما يطلع عليه من مشكلات في حياته التي يعيش فيها فهو لا يلم بكل ما يدور في عصره فضلا أن يستطيع أن ينفذ ببصره وبصيرته إلى ما بعد عصره لذلك كانت ضرورة الاجتهاد أي وجود علماء ربانيين في كل عصر من العصور من أجل وضع الحلول للمشكلات المستجدة والتي لا تقف عند حد وما أكثر المشكلات في عصرنا هذا فإن الحياة إن كانت في تطورها في القرون الغابرة كان سيرها كالسير العادي في ذلك الوقت فإن هذه الحياة في هذا اليوم مع تطورها المذهل تسير سرعة سريعة تكاد تكون كسرعة الضوء فلذلك كانت الأمة اليوم هي أحوج ما تكون إلى هؤلاء العلماء الربانيين الذين ينفذون بصيرتهم في واقع الناس ويصلون إلى أعماق مشكلاتهم ويستخرجون لكل من كتاب الله سبحانه (1/6)
صفحة 7
ومن هدي رسوله - صلى الله عليه وسلم- ما فيه علاج لكل علة وحل لكل مشكلة ولو توقف الفقه على ما قاله السلف من غير اجتهاد معاصر لأدى ذلك بطبيعة الحال إلى أن يحتاج الناس إلى الحلول التي تستورد من هنا هناك مع ترك شريعتهم الزاخرة بحلول جميع مشكلاتهم والمشكلات التي ستستجد من بعدهم إلى قيام الساعة إذ الشريعة لا تنحصر في اجتهادات الفقهاء ، اجتهادت الفقهاء كما قلنا هي محدودة ، وإنما خزائن علم الله سبحانه وتعالى ليست بمحدودة فما في كتاب الله مما أودعه الله سبحانه وتعالى فيه من علمه عز و جل وما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، وهو أيضا يعدّ امتدادا لما في كتاب الله لأن السنة امتداد للقرآن الكريم أيضا لا يقف عند حد معين فتعطيل الاجتهاد إنما يؤدي إلى تعطيل الحياة الإسلامية في واقع الأمة الإسلامية.
وهناك الكثير ممن يريدون في وقتنا هذا أن تجمد الحركة الفقهية على ما وجد (1/7)
صفحة 8
عند المتقدمين بحيث يكيلون لكل من نظر في دليل ومن رجح رأيًا على رأي ومن رجح رأيًا مخالفًا لما قاله أحد ممن تقدم كثير من هؤلاء يكيلون التهم رغبةً منهم في أن تجمد الحركة الفقهية وأن لا تسير مع واقع هذه الحياة الذي هو أحوج ما يكون إلى تطور هذه الحركة وسيرها الحثيث ليوائم مستجدات العصر ومشكلات هذه الحضارة المتطورة وأولئك رزئ بهم كل مجتمع من المجتمعات فكل مجتمع من المجتمعات في جميع العصور السابقة واللاحقة رزئ بهذا الصنف من الناس فنحن نجد العلماء الغابرين كثيرا ما يشكون من هؤلاء وكثيرا ما يشكون من جمود هذه العقول المتحجرة التي هي كالصخور أو أشد تحجرًا فالإمام السالمي - رحمه الله تعالى - يقول في هذا الصنف من الناس: فقصارى فقه متفقههم حفظ ما قاله الفقهاء وغاية نباهة نبهائهم نقد ما قاله النبهاء لا يعرفون غث الأقوال من سمينها ولا خفيفها من رزينها، ثم يقول : وليتهم إذ وقعوا هنالك عرفوا منزلتهم بذلك ولم يدّع أحدهم منزلة ابن عباس ويقول هلم أيها الناس إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب العلم وأهلوه وبقي الجهل وبنوه . (1/8)
صفحة 9
هؤلاء هم المشاكسون للحركة الإصلاحية لكل عصر من العصور هم الذين يشاكسون العلماء المصلحين ويريدون الجمود وليتهم يستطيعون التمييز ما بين ما يرجحونه وما يرجحون عليه بل هم في جمود عقولهم وقصور أفهامهم لا يصلون إلى التمييز في خطاب الله تبارك وتعالى لعباده بين خطاب التكليف وخطاب الوضع ، لو سئل هؤلاء ما هو خطاب التكليف ، وكم هي أقسامه وما هو خطاب الوضع وكم هي أقسامه لما استطاعوا أن يجيبوا على ذلك ولكن مع ذلك سرعان ما ينتقدون إذ مع عجزهم عن الإصلاح هم استبدلوا بهذاالإصلاح معارضة المصلحين ومنادتهم والتنديد بهم والتشهير بهم على أن من تقدموا ربما كانوا أوسع مجالا من هؤلاء وربما كانوا أصح نية منهم وأسلم طوية فإن كثيرًا من هؤلاء إنما يريدون بهذا أن يتذرعوا ببعض ما ينسبونه إلى السلف إلى التوصل إلى محارم الله إلى أكل المال بغير حق إلى استباحة المحارم والإعراض عن حكم الله سبحانه وتعالى فإذًا وأنتم تتلقون العلم وتتهيئون لأن تحملوا هذه الأمانة بجدارة وأن تكونوا كما يعقد عليكم الأمل علماء ربانيين ضالعين في العلم متشبعين بالمعارف ناهلين من موارد القرآن والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لا بد من أن تتعرضوا للكثير الكثير من الانتقادات من أولئك وسيكيلون لكم التهم وسيخلعون عليكم الألقاب وهذا أمر لا بد منه ولكن الله تبارك وتعالى عزاكم في كل ما يصيبكم من أولئك عندما قال سبحانه في كتابه الكريم : (( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين((
وقد أجاد الشاعر الذي قال :
ومنزلة الفقيه من السفيه *** كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في قرب هذا *** وهذا منه أزهد منه فيه
إذا بلغ الشقاء على سفيه *** تنطع في مخالفة الفقيه
: (1/9)
صفحة 10
وقد نظم معنى ذلك إمامنا نور الدين السالمي رضي الله تعالى عنه ، فقال
إن غلب الشقا على سفيه *** أبدى تنطعا على الفقيه (1/10)