صفحة 1
الكتاب: توجيهات لطلبة العلم لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) توجيهات لطلبة العلم
سماحة الشيخ الوالد احمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مدير الأفلاك ومدبر الأملاك ، الذي أعطى كل شي خلقه ثم هدى ، احمده تعالى حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) ( الجمعة / 2 ) ، واشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ، أرسله الله هاديا وبشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فبلغ رسالة ربه ، وأدى أمانته ، ونصح هذه الأمة ، وكشف الله به عنها الغمة ، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى اله وصحبه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد ،،،
فالسلام عليكم أيها المشايخ والإخوة والأبناء ورحمة الله وبركاته ... (1/1)
صفحة 2
أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة واهنىء نفسي وأهنئكم بهذا الإنجاز الذي حققتموه وهو ترميم هذا الصرح الديني العتيد (1) ، حتى يؤدي رسالة الحق والعلم ، وليكون منارة أشعاعا بين الخلق ، ومنبر دعوة إلى الحق ، يتلى فيه كتاب الله ، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ، ويدعى فيه إلى الله على بصيرة ، وتتوجه فيه الأفئدة خفاقة إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ متضرعة إليه بان يقبل عبادات العابدين ، وطاعات المطيعين ، الذين يقضون أوقاتهم بين جنابات هذا المسجد وغيره ركعا وسجودا ؛ يرجون الله تعالى واليوم الآخر ويحذرون عقابه .. فالحمد لله على هذا الإنجاز العظيم . والحمد لله الذي جمع هذا الشتات من المؤمنين في هذا المكان الطيب ، من اجل هذا اللقاء الميمون ؛ الذي نرجوا أن نخرج منه بحصيلة من الفائدة نستنير بها لنتوجه إلى الطريق الأمثل الذي ينتهي بنا ـ بمشيئة الله سبحانه وتعالى ـ إلى رضوان الله رب العالمين .
ـــــــــــــــــــــ
1ـ اصل الموضوع محاضرة القاها سماحتة بمناسبة الانتهاء من ترميم احد المساجد التي يعود تاريخها الى عهد الامام الصلت بن مالك الخروصي ـ رضي الله عنه ـ (1/2)
صفحة 3
هذا ولا ريب أنكم تدركون قيمة الوقت وقد جعل الله ـ تعالى ـ الزمن على وتيرة واحدة فالليل والنهار يتعاقبان فيه باستمرار وقد جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ في هذا التعاقب عبرة لأولي الألباب يقول سبحانه وتعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) ( آل عمران / 190 ـ 194 ) ومن المعلوم أن هذا التعاقب المستمر بين هذين الخلقين المتعاقبين لدليل يؤذن بتقريب كل بعيد وان كل احد سيرد المورد الذي وعد بان يرده فـ( كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ( آل عمران / 185 ) إذ هذا التعاقب الذي يستمر ولا ينقطع إنما هو مؤذن بالتقاضي الذي يتقاضاه الأجل المحتوم كل احد من خلق الله .
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة **** تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا (1/3)
صفحة 4
فلذلك كان كل امرىء جديرا بان ينتهز هذه الفرصة من اجل تزود زاد التقوى الذي ينتهي به إلى أن يفوز برضوان الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة وان يلقى نعيم وملكا كبيرا يؤتيه الله سبحانه وتعالى المتقين العاملين المخلصين الذين يعملون بأمره ويزدجرون عن نهيه ، ويستغلون فرص هذه الحياة .
ولا ريب أن هذه الفرصة لا يمكن أن تعوض بحال ؛ فأن فواتها يؤذن بخسارة من فوّتها . فلذلك كان العبد مسئولا عن كل جزء من عمره ، كما دل على ذلك حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انه يسال عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه . فليس الكيس من أهمل نفسه ، وفوت فرصته ، وأضاع عمره ، وقضى أوقاته في اللهو والمجون ؛ يستقبل الليل والنهار بالخمول والكسل ، واللهو ، والهزل . وإنما الكيس هو من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ـ كما جاءت بذلك الرواية عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ـ .
ومن المعلوم أن الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ أعمال متفاوتة ، ولكن هذه الأعمال لا يستطيع الانسان إتقانها وأحكامها ، ووضع كل شي منها موضعه إلا عندما يكون على بينة من أمره وبصيرة من دينه ، بحيث يقدم على ما يقدم عليه ، وبين يديه دليلا من ربه سبحانه وتعالى ، ويحجم عما يحجم عنه وبين يديه دليلا من الحق . فان المؤمن مسئولا عما قدم وما آخر ، لذلك يحرص على إلا يكون تقديمه وتأخيره إلا بنور من ربه ـ سبحانه وتعالى ـ ولذلك يحرص على طلب العلم .. (1/4)
صفحة 5
والعلم هو أساس ومصدر كل فضيلة وسبب لاستقامة كل عمل . فان العلم هو ميزة هذا الإنسان الذي كرمه الله ـ سبحانه وتعالى ـ وجعله خليفة في هذه الأرض وسيدا في هذا الكون ، ولذلك تعاقبت مواكب النبوات تحمل إلى الناس رسالة العلم من اجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وعندما جاءت الرسالة الخاتمة التي بعث بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت رسالة ناطقة بالدعوة إلى العلم في أول ما واجهت به هذا الإنسان من خطاب إذ الخطاب الأول ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ( العلق / 1 ـ 5) وهذا الخطاب وان من كان من حيث لفظه موجها إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فانه من حيث معناه يشمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويشمل أمته جميعا ، فالأمة مخاطبة بهذا الخطاب حتى تكون امة قوية عزيزة ، عليمة ، خبيرة ، تتصرف في كل أمورها بعلم ، وتضبط جميع حركاتها في هذه الحياة بضوابط الحق الذي انزله الله سبحانه .
فان الإنسان لم يخلق هملا ولم يترك سدى بل خلق من اجل أمانة ثقيلة ، ثقلت على السماوات والأرض والجبال فأبين إن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا ، ولئن كانت هذه الأمانة بهذا المقدار من الجسامة فانه ولا ريب لا يستطيع هذا الإنسان إن يتقن حملها إلا عندما يكون متسلحا بسلاح العلم ، بحيث يتبين الخير من الشر ،والنفع من الضر ويميز بين الحق والباطل ويفرق بين ما يؤدي إلى رضوان الله وما يؤدي إلى سخطه ـ سبحانه وتعالى ـ . (1/5)
صفحة 6
فمن هنا كان ضرورة تعلم العلم النافع الذي يقرب إلى الله زلفى ، وقد امتن الله سبحانه على المؤمنين ببعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينهم معلما . فقد قال سبحانه : ( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ْ ) ( آل عمران / 164 ) وامتن بهذه النعمة على العرب الأميين الذين كانوا غارقين في الجهل ، بعيدين عن الرشد ، عميا عن الحقيقة ، ـ امتن الله سبحانه وتعالى ـ عليهم عندما قال: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ْ ) ( الجمعة / 2 ) ثم امتن بذلك على سائر الشعوب والأمم عندما قال : ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ْ ) ( الجمعة / 3 ـ 4 ).
ولئن كان العلم بهذا القدر من الشأن ، وعلو المرتبة ؛! من اجله أرسل الله تعالى المرسلين ليحملوه إلى الخلق حتى يتكيفوا في معتقداتهم وتصوراتهم ، وفي عباداتهم وقرباتهم ، وفي أخلاقهم ومعاملاتهم ـ بحسب ما يقتضيه ـ فان طلب هذا العلم في مقدمة الواجبات ، إذ العبادات على اختلافها لا تؤدى إلا بالعلم ، ولا يميز بين الحق والباطل ، والظلال والهدى في المعتقدات والتصورات والأفكار إلا بالعلم . فلذلك كان لزاما على الإنسان أن يطلب العلم . (1/6)
صفحة 7
وطلب العلم ليس له ميقات محدود ، فالحياة كلها ميدانا واسع لتنافس المتنافسين في طلب العلم ، لذلك كان طالب العلم ـ الذي هو حريص عليه ومنافسا في ميدانه ـ يطلبه كما قيل : " من المهد إلى اللحد " فلا يعني طلب العلم أن يكون الإنسان يطلبه في مرحله معينة من عمره ، بحيث يتعلم في السنين التي اصطلح الناس في إن تقضى ما بين المدارس والجامعات والمعاهد وسائر المؤسسات العلمية ، ثم بعد ذلك يترك هذا الأمر ويعدل عنه إلى حياة أخرى ...
إنما طلب العلم طلبا متواصلا من أول الحياة إلى آخرها ، فمنذ بداية فهم الإنسان وتمييزه يؤمر بان يطلب العلم ، ويوجه أهله إلى توجيهه لان يطلب العلم ، ثم يستمر مع ذلك في الطلب إلى أن يلقى ربه ـ سبحانه وتعالى ـ .
لذلك كان طلب العلم لا ينحصر في مواقيت معينة يذهب فيها الطالب الى المدرسة أو المعهد أو الجامعة ، ثم تأتي الفرصة التي تسمى الاجازة الصيفية يلقي كتابه جانبا ويقبل إلى اللهو والكسل وما يتصوره راحة للنفس بحيث يخلد الى النوم يستقبل ليله ونهاره كسلان غير مبال بما اكتسبه من قبل من علم يراجعه ، وإنما على هذا الطالب الذي خرج من المدرسة أو المعهد أو الكلية أو الجامعة أن يغتنم هذه الفرصة لمواصلة الطريق ، مع أنه ولا ريب ، العلوم كلها مفيدة وكلها تؤدي – عندما تستخدم كما يرضي الله سبحانه وتعالى- إلى سلامة الدنيا وإلى سعادة العقبى ، ولكن مع ذلك تقاس هذه العلوم وتوزن بمقادير عطائها في هذه الحياة وأثرها في هذه النفوس. (1/7)
صفحة 8
ولا ريب أن العلم الشرعي هو العلم الذي يزكي النفس البشرية بحيث يبدأ أولا تنزيه هذه النفس عن المعتقدات السيئة ، والتصورات الضالة ، ويبين للإنسان الدليل المميز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال ، ثم بعد ذلك يقوم سلوك هذا الإنسان ، فيجعل هذا الإنسان موصولا بربه في كل أحواله ، في عباداته ومعاملاته في أخلاقه وسلوكه ، في عطائه ورده في مكرهه ومنشطه ، في سلمه وحربه ، في ما بينه وبين ربه سبحانه وتعالى وفي ما بينه وما بين الخلق ، في ما بين الولد ووالده ، وفي ما بين الأخ وأخيه وفي ما بين الجار وجاره ، وفي ما بين القريب وقريبه ، وفي ما بين المسلم وسائر اخوانه المسلمين ، وفي ما بين المسلم وسائر الناس ، وفي ما بين هذا المسلم وهذا الكون الذي يتعامل مع كل جزء من أجزائه ، إذ سخر له تسخيرا بأمر الله سبحانه وتعالى.
فلذلك كانت ضرورة التفقه في دين الله ، ومن أجل هذا نرى في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) ، فالفقه في دين الله خير كبير ، ولكن هل الفقه في دين الله سبحانه يتوصل إليه بين عشية وضحاها بمجرد الأماني وبمجرد تعلق النفس بإن تصبح فقيهة متمكنة من العلوم الشرعية على اختلاف أنواعها ، قادرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة ، أو أن هذا أمر يحتاج إلى جهد جهيد ، لقد أجاب عن هذا السؤال الشاعر عندما قال:
تمنيت أن تمسي فقيهاً مناظرا *** بغير عناء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة تحمـ**ــلها فالعلم كيف يكون
الإنسان عندما يسعى إلى أي شيء لابد من أن يبذل فيه الغالي والثمين ، ويضحي براحته ووقته ، فطالب المال عندما يطلب المال يدأب ويجتهد في اكتساب المال ، وطالب الرئاسة أيضا يسعى الى هذه الرئاسة متخذا جميع الوسائل من أجل الوصول إليها ، وهكذا من طلب أي مطلب من مطالب هذه الحياة لا بد أن يستعد لهذا المطلب بحيث يتخذ الوسائل الموصلة إليه. (1/8)
صفحة 9
مع أنه من الممكن للإنسان أن يتوصل الى مواهب هذه الحياة بدون جهد وعناء –وإن كان ذلك أمرا قد يبدو شاقا وعسيرا- ، فقد يستغني الفقير بين عشية أو ضحاها ، إذ يمكن لهذا الإنسان الفقير أن يرث مالا –بين عشية وضحاها- ويصبح من الأثرياء الكبار ، ويمكن أن يوصى له بمقدار كبير من المال ، يحوله من الفقر الى الغناء ، ويمكن أن يوهب أيضا مقدارا كبيرا من المال ، هذه احتمالات واردة ، ولكن من طلب المال لا يعول على هذه الاحتمالات ويبقى ليله ونهاره ينتظر أن يموت موروثه ، أو أن يموت أحدا يوصي له بمقدار كبير من المال ، أو أن يمنح من أحد الأثرياء مقدارا هائلا من المال ، إنما طالب المال يجتهد ويكدح ، ويتخذ الوسائل للوصول الى هذا المال.
ويصور العلامة ابن النظر -رحمه الله تعالى- حال الناس في طلب هذه الدنيا عندما يقول:
ما الناس الا كالدواب الهمل *** همهم في الأكل والترفل
والكدح والشح وبالتحيل *** قد حاولوا الدنيا بكل الحيل
والقطع للبيد ونص الأبل .... إلخ ما ذكره من أحوال الناس ، فهذا دأب الناس في طلبهم هذه الدنيا.
والعلم أغلى من المال ، والعلم لا يتوصل إليه بهذه السبل الخيالية التي قد يمكن أن يوصل إلى المال من خلالها ، لا يمكن للإنسان أن يموت عالما من العلماء بينه وبينه صلة قرابة فيورثه هذا العلم الذي كان معه ، فالعلم لا ينتقل من الآباء إلى الأبناء ، ومن الأجداد إلى الحفدة ، ومن الأقرباء إلى أقربائهم بمجرد موت حامله ، ولكن العلم إنما يحصل بالطلب بالرغبة الملحة والعشق بحيث يجعله الإنسان ملئ قلبه وملئ سمعه وبصره ، وملئ فكره ووجدانه، ونصب عينيه يدأب ليله ونهاره في طلبه. (1/9)
صفحة 10
وكذلك لا يتصور أن يتحول الإنسان من الجهل إلى العلم بعطية يهبها له أحد العلماء ، إذ يمنحه جزء من علمه كما يمكن أن يمنحه جزء من ماله ، وكذلك لا يمكن أن يتحول العلم من شخص الى شخص بمجرد الوصية ، بحيث يوصي العالم بإن تركتي من العلم هي لفلان ، لا ، العلم لا يمكن أن يتوصل إليه بأي سبب من هذه الأسباب التي يحتمل أن يتوصل إلى المال من خلالها ، فلذلك كانت ضرورة طلب العلم والالحاح في هذا الطلب ، وقد أجاد من قال في توجيه طلبة العلم:
بقدر الكد تعطى ما تروم *** ومن رام المنى ليلا يقوم
وأيام الحداثة فاغتنمها *** ألا إن الحداثة لا تدوم
هكذا يكون طالب العلم ، يجتهد في تحصيل العلم ويسهر ليله من أجل هذا التحصيل ، ويكرره في نهاره حتى يتبوأ المكان الذي يتطلع إليه ، وقد أجاد الحكيم عندما قال:
أعطي العلم كلك يعطك بعضه ، فإن العلم أوسع من أن يحيط به أي أحد من الناس.
والزمخشري العلامة الذي وصف بهذا اللقب واشتهر به حتى كان له علما غالبا ووصفا لازما ، أي العلامة ، كما اشتهر بلقب جار الله ، الزمخشري يخاطب الإنسان الذي يطمح الى أن يصل إلى مستواه ، ويتبوأ المكانة التي تبوئها في العلم ويصبح مثله في تحقيق العلوم باستخراج كنوز العلم من مضانها ، يخاطب مثل هذا الإنسان بقوله:
أأبيت سهران الدجى وتبيته **** نوما وتبغي بعد ذاك لحاق
فشتان بين الإثنين ، بين هذا الذي يبيت ساهرا ليله من أجل التوصل إلى العلم ، وبين هذا الأحمق الجاهل الذي يبيت ليله نائما ، وكل أمنيته أن يصبح عالما مناظرا في مستوى الزمخشري الذي يقضي ليله بين دفاتره ومحابره ، مفتشيا عن جواهر العلم بالغوص في أعماق بحاره ، شتان بين الإثنين.
ويقول –الزمخشري- مبينا لذته في تحصيل العلم:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي *** من وصل غانية وطيب عناق (1/10)
صفحة 11
السهر الذي يقضيه بين محابره ودفاتره من أجل تنقيح العلوم وتحريرها هو ألذ له من وصل المرأة الجميلة الحسناء يقضي معها ليله مستمتعا بها ومعانقا إياها.
فهكذا رغبة الذين يحرصون على العلم ويطلبون العلم
ومن المعلوم أن كل أحد يعرب في هذه الحياة عما هو متعلق به ، فكل صاحب هم في هذه الدنيا يعرب عن همه ، عندما سئل امرؤ القيس –وكان رجلا عاشقا للنساء حريصا على الاستمتاع بهن عن لذته في هذه الحياة- عندما قيل له فيما لذتك ؟ قال: في غيداء خرعوبة بالشحم مكروبة وبالطيب مشبوبة.
وعندما سئل الأعشى عن لذته –وكان رجلا شرابا للخمر- قال: في صهباء صافية من كف غانية ، ولكن عندما سئل أحد العلماء عن لذته –إذ قيل له فيما لذتك- قال: في حجة تتبختر اتضاحا ، وشبهة تتضاءل افتضاحا. هذه لذة حامل العلم وطالبه الذي يسعى الى تحصيله.
فإذن هؤلاء الطلبة عليهم أن يدركوا قيمة ما يطلبون ، وأنهم لا يمكنهم أن يصبحوا من العلماء المتبحرين المحققين القادرين على إعطاء الدليل الشرعي في المسائل الشرعية والتمييز بين راجح هذه الأدلة ومرجوحها ، وصحيح الأقوال وضعيفها إلا باجتهادهم في طلب العلم حتى يتبوأوا هذه المنزلة.
ولا ريب أن نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده -بالفهم والإدراك والفطنة- نعمة كبرى ، ولكن إن لم تستغل هذه النعمة لن تصل بالإنسان الى غاية ، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
بجد لا بجد من مجد **** وهل جد بلا جد بمجد
فكم عبد يقوم مقام حر *** وكم حر يقوم مقام عبد (1/11)
صفحة 12
الأمر بالجد –أي بالحض- وطلب العلم لابد من ان يصحبه حض بحيث يهيئ الله سبحانه وتعالى طالب العلم لإن يكون من حملته ، "لا بجد" لا بمجرد الاجتهاد إن لم يكن مع هذا الجد حض ، ولكن "هل جد بلا جد بمجد" هل يجدي الحض وحده من غير اجتهاد ؟ وبسبب هذا يتنافس المتنافسون ، حتى يكون الأحرار في مستوى العبيد ، ويكون العبيد في مستوى الأحرار ، بحيث ما يكون بين جنبي كل واحد منهم من همة –تلكم الهمة هي التي تقعد بصاحبها أو تنهض به-.
فعلى طلاب العلم وهم يستقبلون –هذه العطلة- والتي هي فرصة للإطلاع على أنواع أخرى من العلم ، مع مذاكرة ما تعلموه ودراسته ، على هؤلاء الطلاب أن يستغلوا هذه الفرصة حتى يكونوا فيها متنافسين في مجال الاجتهاد في طلب العلم ، وذلك بإن يقضوا نهارهم –لا في اللعب واللهو- وأن يحيوا أوقاتهم بالمذاكرة الدائمة للعلم والحرص على تحصيله ، والعلوم –كما قلت- علوم متفاوتة ، وكلها فيها خير كبير ، ولكن التفاوت إنما يرجع الى مقادير عطائها ، والعطاء إنما يقاس بمقدار تأثيرها في هذه النفوس.
فإن الإنسان بقدر ما يتأثر يتحول من حال إلى حال ، ومن وضع إلى وضع ، فقد يكون الإنسان في مستوى الملائكة من حيث صفاء النفس وطهارة الضمير ونقاء القلب والصلة بالله سبحانه وتعالى ، وقد يكون –أيضا- نازلا إلى الدرك الذي فيه الشياطين والعياذ بالله ، وقد يكون هذا الإنسان في همته ، همته مع الأفلاك النيرة ، وقد تكون أيضا همته تنزل به إلى أن تكون في الحضيض أسفل وأن يكون قدره لا يتعدى قدر الجرذان والفئران والزواحف السامة والحشرات المؤذية.
فمن أجل ذلك ، على هؤلاء الطلاب أن يحرصوا على طلب العلم بحسب ما يمكنهم من ترويض نفسهم وتحويلها الى الخير والطاعة والرشد والهداية والصلاح والاستقامة. (1/12)
صفحة 13
على أن طالب العلم الحقيقي –وليس مدعيا لطلبه- لا يفوت شيئا من الوقت ولا يجد لنفسه راحة إلا في طلبه العلم ، وهذا مما عرف عن الكثير الكثير من أسلافنا رحمهم الله ، فأسلافنا كانوا أحرص ما يكونون على تحصيل العلم بشتى الوسائل مع قضاء الأوقات في تحصيله حتى ولو كلفهم ذلك ما كلفهم ، ولا ريب أن الكثير منك قرأ ما كان من العلامة الشيخ أبي زكريا يحيى بن صالح رحمه االله تعالى في إبان طلبه العلم بجزيرة جربة بالقطر التونسي وقد انتقل إليها من وادي ميزاب ، في وقت كان فيه الوادي غارقا في الجهل ، وأراد أن يبدد هذه الظلمات التي كانت في الوادي ، فخرج طالبا للعلم منقلا من مسقط رأسه وموطن آبائه ومرتع طفولته ومسرح خياله الى جزيرة جربة التي هي بمنأ عن الوادي ، إذ هي بقطر غير ذلك القطر ، وفي بعض الروايات يقال بأنه قضّى أثني عشر عاما في طلبه للعلم ، في بعضها يقال بإنه قضّى ثلاثين عاما وهو يطلب العلم وفي هذه المدة كانت تأتيه الرسائل من موطنه وكان يضع تلك الرسائل في كوه ، حتى لا يشغله ما فيها من الأنباء المزعجة عما هو مقبل عليه ، وعندما فرغ وأراد العودة إلى بلده فتش تلكم الرسائل وأطلع على ما فيها فوجد ما لو أطلع على بعضه إبان طلبه لازعجه وتركه يقطع رحلته العلمية ويرجع الى وطنه ، ولكن كانت نتيجة ذلك أنه كان مصباحا مضيئا ما بين تلكم الظلمات ، فإذا به يبدد تلكم الظلمات ويطوي سجافها كطي الشمس لظلمات الليل عندما يشع شعاعها ، وإذا بالعلماء النوابغ الكبار يتخرجون في مدرسته بعدما درسوا على يديه وكرعوا من ذلكم المعين الدافق السلسال ، ومن بين هؤلاء العلماء الكبار الذين كانوا تلامذته العلامة الكبير الإمام ضياء الدين عبدالعزيز الثميني صاحب النيل رحمه الله تعالى.
فإذن هكذا ينبغي أن يكون طالب العلم (1/13)
صفحة 14
ومن المعلوم أن القرآن الكريم هو مصدر كل خير وأساس كل هداية ، هو النور المشع وحبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا : (( إنا سمعنا قرآنا عجبا )) ، فمن حفظ القرآن الكريم كان كمن أدرج علم النبوة بين جنبيه ، لأن القرآن الكريم هو وعاء علم النبوة ، هو وحي الله تعالى المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وصفه الله سبحانه بقوله: (( ما فرطنا في الكتاب من شيء )) ، وقال: (( تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين )) ، فإذن الكتاب الكريم يجب أن يحرص على تحفظه من أول الأمر ، وأن يسخر الطلبة أوقاتهم في هذه العطلة من أجل تحفظ كتاب الله ومن أجل استذكار ما كادوا ينسونه مما حفظوه منه ، وأن يقبلوا على دراسة العلوم الشرعية التي هي من عطاء هذا القرآن ونتائجه ، ومن عطاء السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بحيث يحرصون على دراسة الفقه في دين الله وتفسير كتاب الله ودراسة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحفظ ما يمكنهم أن يتحفظوه منها ودراسة ما يمكن أن يدرسوه من أصول الدين ، ودراسة ما يمكنهم أن يدرسوه من أصول الفقه حتى تكون عندهم الآلة الفاعلة التي يتمكنون بها من التمييز بين الحق والباطل ومن معرفة الراجح والمرجوح من الأقوال ، ويتوصلون بوساطتها الى فهم تأثير الأدلة الشرعية حتى يستنبط منها الحكم الشرعي ، هذا أمر ندعو إليه طلبة العلم ، ونرجو أن تكون هذه المساجد بعون الله وتوفيقه مراكز لهذه التوجهات ، وأن تكون جهود أهل العلم جهودا دائبة من أجل القيام بهذه المسوؤلية والاضطلاع بهذه الأمانة ، فإن حياة العلم مذاكرته ، وعلى من منحه الله سبحانه وتعالى شيئا من العلم أن يبصر به الآخرين. (1/14)
صفحة 15
اسأل الله تبارك وتعالى الهداية والتوفيق للجميع ، وأن يأخذ بأيدينا إلى يحبه ويرضاه من الحق والرشد إنه على كل شيء قدير وبالاجابة جدير نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلاما على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
تمت المحاضرة بحمد الله وتوفيقه
والشكر الجزيل لمن تبرع بنقل الحلقة مكتوبة (1/15)