صفحة 1
الكتاب: ثقافة المرأة المسلمة وتحديات العصر ليحيى بوتردين
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ثقافة المرأة المسلمة وتحديات العصر
إعداد : يحيى بن صالح بوتردين
مسجد الغفران
30رمضان 1420هـ/28/01/2000
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد ..
إن الحديث عن ثقافة المرأة المسلمة المعاصرة في مواجهة تحديات زمانها يتطلب منا جملة من الأمور تتقاسمها العناصر الآتية:
1. ذكر أسباب تأخر المسلمين و دور المرأة المسلمة في ذلك.
2. تحديد معنى التحديات المراد مواجهتها و صلة المرأة بها.
3. عرض واقع دور المرأة المسلمة اجتماعيا وصلة ذلك بثقافتها.
4. مقترحات من أجل تفعيل دور المرأة المسلمة المثقفة لمواجة هذه التحديات.
الخلاصة :
1- ... يذكر المفكر الإسلامي شكيب أرسلان أن من أهم أسباب تأخر المسلمين وتخلفهم ابتلاؤهم بأنصاف المتعلمين الذين وإن اجتهدوا فإنهم يفسدون أكثر مما يصلحون ،إذ يقول: "العلم الناقص ... أشد خطرا من الجهل البسيط، لأن الجاهل إذا قيض الله له عالما أطاعه ولم يتفلسف عليه، فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون، أقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم." (1)
__________
(1) شكيب أرسلان ؛لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، المركز السلفي للكتاب، القاهرة، 1981، ص41. (1/1)
صفحة 2
... إن تصريحا كهذا حين يصدر من عالم له وزنه في هذا العصر، يجعلنا نتبين مدى خطورة الوضع الذي آلت إليه المجتمعات الإسلامية من جراء تدهور منظومة التربية والتعليم وخاصة بالنسبة للمرأة، مما فتح المجال أمام استشراء العديد من الأمراض الاجتماعية والانحرافات الأخلاقية، ناهيك عن مظاهر التخلف المستحكمة على المجتمع في مناحي الحياة المختلفة. ولعل من الضروري أن نؤكد بالمناسبة أن ثمة تعارضا صارخا بين ما تمليه تعاليم الإسلام من اشتراك المرأة مع الرجل في مسؤوليات الحياة المصيرية وبين التمييز السافر المفتعل من قبل المسلمين بين الجنسين وبصفة تكاد تكون مطلقة، على الرغم من أن سننية الخلق تؤكد التكامل بين الجنسين لا التنافر، لقوله - سبحانه وتعالى - : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } (1) وقوله - عز وجل - : { والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (2) ؛
__________
(1) سورة آل عمران؛195.
(2) سورة التوبة التوبة؛71.. (1/2)
صفحة 3
وذلك باعتبار أنهما مشتركان في المسؤوليات و الجزاء في الدنيا و الآخرة، ولم يكن هذا الأمر ليتعارض بتاتا مع كونه قد فصل بين الجنسين من حيث وظائفهما الفطرية والكونية، باعتبار ما ركبه في كل منهما من إمكانات و استعدادات بدنية وعقلية ، مما جعله يحدد لكل منهما أحكاما وضوابط في الحقوق والواجبات تتلاءم وسننية الخلق (1) . لقد أدى الفهم الخاطئ لسننية الخلق من قبلنا نحن المسلمين إلى تراجع حظ المرأة بصفة خاصة في الحياة، وزاد الطين بلة ما فرضنا و لا نزال نحن الرجال من وصاية على النساء سواء في التعليم أو في غير ذلك مما يمكنها الاضطلاع به هن و بالدرجة الأولى، مما أدى إلى تقهقر دورهن في المجتمع وإن اعتني بصفة أو أخرى بتعليمهن القدر الذي لا يتعدى مستوى محو الأمية غالبا (2) . من أجل هذا كانت الضرورة لإثارة هذا الموضوع وبحث أسبابه ونتائجه وبالتالي محاولة إيجاد سبل العلاج له،لاسيما وأن التحديات التي تواجه مجتمعنا كبيرة ونحن ضعفاء . ...
__________
(1) يراجع آيات الأحكام في العبادات والمواريث والمعاملات المختلفة التي تنظم هذه العلاقات.
(2) لا يعتد في هذا بالقول إنهن يبلغن مستوى الباكالوريا لأن الغاية هي مدى انتفاعهن بما تحصلن عليه من العلم لموجهة التحديات المختلفة كما سيأتي. (1/3)
صفحة 4
والحق إن الهدف ليس حصول المرأة على مستوى معين من التعلم بقدر ما هو حصولها على الثقافة التي تؤهلها للقيام بأدوارها الحضارية التي أناطها الله تعالى بها، وليس يعد موضوع الثقافة منحصرا في مجرد المعرفة المنهجية أو التربية المدرسية وإنما هو على قول أحد المفكرين "توسيع الآفاق ومشاركة ذكية وارتقاء في سلم القيم ...كما هو تصحيح النمو الكمي بتحسين كيفي" (1) .بمعنى أنها تعني توسيع مدارك الشخص وتحمله على المشاركة الفعالة في حياة المجتمع ،و بالتالي تغيير سلوكه وسلوك هذا المجتمع. إن الشيء الذي ينتظر من المرأة المسلمة في أي مجتمع هو المشاركة الفعالة والإيجابية للرجل في أدوار الحياة المختلفة من دون إلغاء للفروق الخلقية والوظائف السننية المنوطة بكل منهما و لا مجال لإلغاء أنوثة المرأة ولا ترهيل الرجل وتأنيثه على مذهب دعاة التحرر .لقد فهم الخصوم المسألة وصاروا يتربصون لمجتمعنا الدوائر ،ولعل أولى الدوائر المستهدفة وأهمها على الإطلاق هي دائرة النساء باعتبار ما يتمتعن به من القابلية للاستعمار والإغواء والتدمير، فهن الأميات أو المتعلمات شبه المثقفات على الغالب ، وما دمن كذلك لا يستطعن التأثير والتغيير والمواجهة .
__________
(1) لويس دوللو؛ الثقافة الفردية وثقافة الجمهور، ترجمة عادل العوا، منشورات بيروت باريس،1982،ص128. (1/4)
صفحة 5
2- ... أليس من العجيب أن نجد المرأة وقد تعلمت وربما ختمت القرآن الكريم و/أو استظهرته بل ربما تحصلت على شهادة الباكالوريا ودخلت الجامعة وهي لا تزال غير شاعرة بمسؤولياتها الشرعية والحضارية في المجتمع سواء أكانت بنتا أم أختا أم زوجة أم أما أم معلمة أم طبيبة ...إلخ، ولعلها تشاهد يوميا مظاهر الفساد والعصيان والتخلف في أوساط النساء والأسر والأولاد التي تصل أحيانا إلى حد التطاول على الدين والمجاهرة بالمعاصي ؛ ولكنها لا تحرك ساكنا ،وكم يتألم المرء عندما يسمع أن متعلمات يدمن على الغناء الساقط ولعل منهن الحافظات لكتاب الله فهن بذلك لا يتميزن عن غيرهن من الجاهلات ، أو أن بعضهن يحضرن مجلس الغناء والرقص في الأعراس (1) فكيف يكون موقف من هي على هذه الشاكلة إذا علمت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تحدث بالوعيد عمن لا ينفعه علمه في رواية الدارمي قال: أَخْبَرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبَانَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ بْنِ قَيْسٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ سَيْفٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمًا لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ (2) .
__________
(1) * يعدحضورهن منكرا لما يتميزن به من العلم والحفظ لكتاب الله رغم أن مجالس النسوة في وادي ميزاب ليس فيها اختلاط بالرجال .وأخطر منه ذهابهن إلى الشواطئ،ولاننفي المسؤولية عن الوالدين وإنما الاعتبار للعلم هاهنا.
(2) سنن الدارمي ؛264 موسوعة الحديث الشريف،(الكتب التسعة). (1/5)
صفحة 6
إن من المؤكد أن المرأة المتعلمة عندنا لا تزال في غفلة متناهية يستحوذ عليها الفراغ القاتل لا لشيء إلا لكونها فهمت – خطأ - أن التحضر والتقدم هو التقليد الأجوف لما يعرضه الغرب في السوق (الحرة) من سلع استهلاكية باسم شرعية العولمة، أو عبر وسائل الإعلام وشبكات المعلومات ،من أفكار و أفلام وأغاني وبرامج تعبق في جلها برائحة الجنس والشذوذ وفساد الأخلاق والمروق من الدين، إلا أنها تتخذ لها عنوان الموضة أو الفن أو الثقافة من أجل إقناع المغفلين ببراءتها ،وما هو في الحقيقة سوى عنوانا للإفلاس الذي منيت به حضارة الغرب (يهودا ومسيحين وعلمانين ...)حين غلبت المادة والهوى على الروح والعقل ؛أو هي واستراتيجية أمريكية من أجل إحكام القبضة على سائر العالم حتى لن تقوم لأي دولة غيرها قائمة بعدها .وما من شك أن المرأة عندنا قد تأثرت بشيء من ذلك وانساق كثير منهن وراء أفكار غريبة ما أنزل الله بها من سلطان ،بل وتتعارض جهارا مع الإسلام من مثل تسوية المرأة والرجل في الميراث والأحقية بعقدة النكاح و القوامة وفي الشهادة بل ومنهن من تتباهى بالمطالبة بحق المرأة في تعدد الأزواج على غرار ما يباح للرجل ...إلخ مما يدل على جهل سافر أول تطاول غير مسؤول على الله . فهل من مدكر؟ وهل من مستفيق؟ (1/6)
صفحة 7
3- ... إنه آن الأوان أن يستوقف كل فرد في المجتمع زمانه برهة من أجل مراجعة النفس وإعادة الأمور إلى نصابها ، فعلى المرأة كما على الرجل التفكير بجدية في تصحيح مسار تثقيف المرأة بالمعنى الذي يخول لها القيام بدورها الكامل في المجتمع وبحسب متطلبات العصر .لأنها أساس أي بناء للمجتمع ، فإن أحسنت ازدهر مجتمعها و إن أساءت تخلف وتدهور؛ ولن يتم شيء من ذلك في الحقيقة إلا إذا راجعنا منظومة التربية والتعليم بحيث تصبح محتوياتها تهدف إلى تكوين أفراد صالحين وفاعلين في المجتمع ،ينبغي أن تبلغ البرامج بالتلاميذ والطلبة إلى درجة الشعور بالذات لمراقبتها وإصلاحها ، وإمكانية التأثير في الغير على أمل تغييرهم نحو الأصلح .وحتى يتم ذلك لابد أن تفهم المرأة كما الرجل حقيقة سننية الخلق الإلهي وحكمته تعالى من تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة سواء في الواجبات أو في الحقوق ،ثم يستسلم لهذه السننية باعتبارها سر نجاح الحياة على وجه الأرض تماما مثل ما فعل عز وجل بالنسبة للكون المادي ؛فلا مجال لمناقشة أفضلية الرجل على المرأة كما أنه لا يعقل أن تناقش أفضلية النهار على الليل ،وعندئذ فقط يستطيع كل من الرجل والمرأة القيام بمهامهما في تكامل ودون تنافر . (1/7)
صفحة 8
... وعندما تتمكن المرأة بوجه خاص من ثقافة تحقيق الذات ،التي تعني معرفة حقيقة وجودها ووظيفتها وهي أنها خليفة الله في الأرض عابدة له وحده دون سواه وبالتالي تلتزم بالتميز عمن يخالفها في التوجه (الدين) و تحاول التأثير فيه لا التأثر به، يمكنها أن تواجه تحديات العصر بكل ثبات وأهلية وتسد الثغرات التي ظلت لمدة طويلة شاغرة أو تحت وصاية الرجل . فلا يعقل أن تتخل عن بيتها ثم تذهب لتزاحم الرجال في الشوارع بدعوى الحق في العمل أو في التسوق ...مع ما في ذلك من انتهاك لحرمات الحجاب والختلاط وغيرهما، ثم تترك الأبناء للفراغ والخدم أو تفرض على الزوج البقاء في البيت لمجرد حراستهم ... وهي تعلم أنهم سيجابهون وحدهم وعلى ضعفهم التحديات المذكورة ، بل إنها ستتحمل مسئوليتها بنفسها ودون أية عقدة لتحمي أبناءها وبالتالي بيتها وتساهم في بناء مجتمعها عل أسس متينة وثابتة.كما أنها لن تتخل عن واجبها في تكوين أبنائها بما يكفل لهم التصدي لأي أفكار فاسدة أو منحرفة مما يبثه الإعلام على سبيل المثال؛وهي في البيت سوف تعنى بجدية وكل اعتزاز بالزوج وتكون له خير نصير في الدين والدنيا ،وبثقافتها الأصيلة يمكنها أن تؤثر في سلوكه إذا لاحظت منه انحرافا أو فسادا في الرأي ، كما تكون مستعدة لتقبل أي نصح أو ملاحظة منه أو من غيره . (1/8)
صفحة 9
هذا وإن تكن جبهة الأبناء والزوج واسعة فلا يعني أن مسؤولية المرأة المسلمة تنتهي عندها ،لأن من الثغرات التي لابد لها من سدها تعليم البنت وتطبيب النساء والقيام بواجب الدعوة والأمر والنهي في أوساط النساء حتى لا تظل الوصاية للرجل – وقد أتعبته - في عهد لم يعد أحد يناقش مسألة تعليم البنت و ثقافتها. على أن مثل هذه المهام (الوظائف) تبقى في حاجة إلى ضبط كي تستجيب لشروط خروج المرأة للعمل بما لا يتضارب مع مهامها الأساسية في البيت . وحبذا لو ترفع المرأة التحدي بجدية وتثبت جدارتها لعل مجتمعاتنا الإسلامية تستفيق وتهب مرة أخرى لتدارك الفوائت ،ونشهد للنساء أدوارا حضارية سامية ، فنسمع عن عالمات ومفكرات يتعاونن مع إخوانهن من الرجال في إطار معنى { بعضهم أولياء بعض } .
4- خاتمة (مقترحات):
وفي الأخير يمكن القول إنه لا يعقل أن نتحدث عن ثقافة للمرأة المسلمة قادرة على مواجهة العصر إلا إذا استطاعت نساؤنا أن يحققن نقلة نوعية و جذرية في ثقافتهن وذلك بالتحول :
من ... إلى
-ثقافة تفصل بين الدين والدنيا ... -ثقافة تربط الدنيا بالدين (الحاكمية لله)
-ثقافة تمحو الأمية ... -ثقافة تمحو الجهالة (ترسخ العقيدة وتصححها)
-ثقافة مرجعيتها القرآن و السنة (خلقه القرآن)
-ثقافة مرجعيتها الهوى والرأي ... -ثقافة تفرض التميز والاجتهاد (سننية الخلق )
-ثقافة تسمح بالإمعية والتقليد ... -ثقافة تعتمد الجدية وتعصم عن المعاصي (المسارعة إلى التوبة)
-ثقافة تفرض الأدب مع الله والعلماء (الجدل العلمي والحكمة)
-ثقافة تسمح بالهزل والمجاهرة بالمعصية
-ثقافة تسمح بالتطاول على الله والعلماء ... -ثقافة مواجهة وتحد وتأثير (دعوة معارضة وتصحيح)
-ثقافة استقبال وقابلية للتأثر
-ثقافة مسؤولية وجهاد (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
-ثقافة ترف وتباه
-ثقافة إيجابية فاعلة في المجتمع (مشاركة الرجل في العلم والعمل)
-ثقافة سلبيةفي المجتمع (1/9)
صفحة 10
-ثقافة قادرة على سد الثغرات (عمل المرأة لخدمة المرأة)
-ثقافة لا تسد الثغرات في المجتمع (1/10)