صفحة 1
الكتاب: جرس الإنذار في التحذير من المعاصي لأحمد الخليلي1
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) جرس الإنذار
في
التحذير من المعاصي
لسماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
ألقاها
بمسجد التوبة
مساء يوم الأحد
18 جمادى الآخرة 1421هـ - 17/9/2001م
المقدمة
الحمد لله ذي الأمر الرشيد، والبطش الشديد، الذي يبديء ويعيد، ويفعل في خلقه ما يريد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله هاديا وبشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد؛؛؛
فأحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة، وأشكر الله سبحانه الذي هيأ لنا فرصة هذا اللقاء الميمون في هذا المسجد الشريف، وفي هذه الليلة المباركة، من أجل أن نذّكر بالذكرى التي تنفع المؤمنين بمشيئة الله سبحانه وتعالى. (1/1)
صفحة 2
إنكم تدركون أن الإنسان يتحمل تبعة كبيرة، فوجود الإنسان وجود يختلف عن وجود كل الكائنات الأخرى، من حيث إن وجوده يرتبط ارتباطا وثيقا بسنن كونية وقوانين جعلها الله سبحانه وتعالى ترتبط بأمره ونهيه، فإن الإنسان في وجوده يتحمل الكثير من المسؤوليات، لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقه هملا ولم يتركه سدى، بل خلقه ليتحمل هذه الأمانة، أمانة الخلافة في الأرض، والسيادة في الكون، وليبوء بما يفعله من خير أو شر، فإن المنقلب إنما هو رهين بما يكون عليه الإنسان في هذه الحياة، والمصير إنما هو منوط بالمسير، وقد جعل الله سبحانه وتعالى آثار فعل الإنسان من خير أو شر؛ تنعكس انعكاسا جليا واضحا في حياة الإنسان نفسه وفي البيئة التي يتقلب في أعطافها، بل وفي هذا الكون، وهذا واضح في الآيات الكثيرة من كتاب الله سبحانه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ?وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ? والله عز وجل يقول: ?وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون? ويقول سبحانه: ?ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ? ولئن كان فساد الإنسان تنعكس آثاره في البر والبحر فأحرى أن تنعكس آثاره في حياته بنفسه وفي حياة جنسه، ونحن نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن الأمم كالأفراد تسعد بأعمالها وتشقى بها، فإن الأمة عندما تكون مستقيمة على الطريقة السواء آخذة بحجزة أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه، بحيث لا تتعدى على حرماته ولا تتجاوز ولا تخالف أوامره تسعد، وعندما تكون الأمة بخلاف ذلك فإنها تشقى، وتكون عبرة للمعتبرين، والكيس من اعتبر بغيره، والأحمق من كان عبرة لغيره. (1/2)
صفحة 3
ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يشد انتباه الناس إلى سننه في هذا الكون من حيث سعادة الأمم وشقاوتها، ومن حيث بقاؤها وفناؤها، لأجل أن تكون هذه الأمة على بينة من الأمر، تتحرى مرضاة الله سبحانه، وتعمل بأمره وتزدجر عن نهيه، فالله تعالى يقول: ?أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ? هذه هي سنة الله تبارك وتعالى التي لا تتبدل، ومن المعلوم أن الله سبحانه ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وليس بينه وبين أحد من خلقه سبب إلا التقوى، فمن اتقى الله فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، أما من خالف أمر الله سبحانه، فإنه ولا ريب ينفذ فيه حكمه، عاجلا كان أو آجلا. (1/3)
صفحة 4
والله سبحانه وتعالى عندما أمر بأوامره ونهى عن نواهيه، ما كان بذلك إلا مريدا لمصلحة الخلق، فإن مصلحة العباد إنما هي بامتثال الأوامر والازدجار عن النواهي، ومفسدتهم إنما هي بالتعدي على حرمات الله سبحانه وعدم المبالاة بما يصدر منهم، والأفراد والأمم في ذلك سواء، فعندما تكون المعصية بين الفرد وبين ربه سبحانه وتعالى لا يطلع عليها غيره؛ يكون أثرها راجعا إليه بنفسه، أما عندما تكون المعصية متفشية ظاهرة بينة فإن آثارها تنعكس على الجميع، والشواهد في كتاب الله كثيرة، ألا ترون أن الله سبحانه وتعالى يقول: ?واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ? . (1/4)
صفحة 5
هذه هي العاقبة التي حاقت بأولئك الذين ارتكبوا ما ارتكبوا من المعاصي، وأولئك الذين سكتوا عن هذه المعصية وجاملوا فيها، ولم تمتعض قلوبهم لما يحدث من تعدي حدود الله وارتكاب نواهيه ويقول عز وجل: ?لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ? وحسبكم أن الله سبحانه وتعالى يقول: ?وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا، وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا? .
فالله سبحانه وتعالى يهلك القرى ويبيد الأمم ويقضي على الشعوب نتيجة الانحراف الذي يكون من طائفة من الناس، فتجاملهم الطوائف الأخرى، ولا تحاول أن تغير ذلك المنكر، ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حمى الله عز وجل، وكما قلت سنن الله سبحانه وتعالى لا تتبدل، ونظامه في الكون هو هو، لأن الكون كله مملكة الله والخلق جميعا هم عباده سبحانه وتعالى، وهم متعبدون بفعل أوامره وترك نواهيه.
عبرة للمؤمنين
قبل فترة من الزمن اتصل بي شاب ثم جاءني بنفسه، بعد أيام من هذا الاتصال، فسمعته ونبرة الصدق تبدو في حديثه، ورأيته وغرة الإيمان ترتسم على محياه، ذكر لي أنه رأى رؤيا في منامه، رأى رؤيا منذرة ، يقول بأنه رأى طبقا طائرا أخضر، يقوده شخصان أخضران، وانفتح الطبق، فبدا منه شخص عليه من الأنوار ما لم ير مثله، وكان في قرارة نفسه إن الذي رآه هو ملك من ملائكة الله تعالى، قال له: إن الناس يوشك أن يأخذهم عذاب من عند الله، بسبب خمسة أمور وهي؛ الزنا واللواط ومجامع الخمر وأكل الربا وعقوق الوالدين. (1/5)
صفحة 6
هذه الكبائر هي من أمهات الكبائر، وذكر بأن الذي رآه قال له: ابلغ الناس بهذا. وكنت أفكر في أمره، وإذا بي بعد أيام قليلة يأتيني خمسة نفر، جاؤوا من أجل تسجيل تلفازي في أمر مهم، أمر يقلق بال كل عاقل، وهو انتشار المرض الجنسي الفتاك المعروف بمرض فقدان المناعة المكتسب، بحيث أخذ ينتشر كما تفعل النار بالهشيم، وذكروا لي أرقاما خيالية من وجود الإصابات، ومن حمل هذه الأمراض، وكيف تفشت في هذا المجتمع تفشيا ينذر بخطر رهيب.
ومما جاء في حديثهم؛ أن شابة بغيا اكتشف فيها هذا المرض الفتاك، فماذا عملت بعد الاكتشاف؟ ذهبت إلى مكان يجتمع فيه كثير من الأوغاد؛ الذين لا يعنيهم في هذه الحياة إلا شهواتهم، ولا هم لهم إلا الانغماس في أوحال الرذيلة، فأباحت نفسها لهم، فانغمس معها في حمأة الرذيلة في ظرف أسبوع واحد مائة شاب ، ونقلت العدوى إليهم.
هذا مثال واحد من الأمثلة الكثيرة التي لا نحصيها، فضلا عما يقع من حصد الأرواح وإهلاك الأنفس، وتكدير صفو الحياة، وكل ذلك يصيب من هم براء، لا فعل لهم في ذلك ولا سبب من قبلهم، وإنما السبب من قبل غيرهم، فكثير من الأزواج الذين ينغمسون في حمأة الرذيلة، ينقلون هذه العدوى إلى نسائهم فتشقى بذلك، ويشقى بالتالي أسرهم ومجتمعهم، لا يبالون بالنتائج التي تترتب على ارتكاب هذه الموبقات، هذه الحرب من الله تبارك وتعالى، جاءت مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول: ((وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوها إلا ظهرت الأوجاع والأوباء التي لم تكن في أسلافهم)) . (1/6)
صفحة 7
وهذا أمر معهود عبر القرون، فقبل قرون كانت حملة فرنسية إلى بلاد الشام، حرص الإمبراطور الفرنسي على تزويدها بكل ما تتطلع إليه من وسائل الترفيه، ومن ذلك تزويدها بمجموعة كبيرة من الفتيات الحسان، لأجل قضاء مآربهم منها، فكانت نتيجة ذلك أن تولد المرض الجنسي المعروف بالمرض الزهري، وبما أن هذا المرض جاء من قبل هؤلاء إلى بلاد الشرق، عرف عند العرب بمرض الافرنج، ولا يزال هذا الاسم باقيا إلى الآن، وما هذا المرض الفتاك الخطير الذي ينتشر هذا الانتشار المرعب الخطير، إلا أثر من آثار الفاحشة؛ والعياذ بالله.
التحذير من الزنا
نجد في كتاب الله سبحانه وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الوقاية التامة من مثل هذه الأمراض، فأنتم ترون في كتاب الله أن الله تعالى عندما حذر من الزنا لم يقل ولا تزنوا، وإنما قال: ?وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً? وفي أي سياق حذر من الزنا؟! في سياق التحذير من الكثير من الموبقات، وقد كان التحذير من الزنا مسبوقا بتحذير من قتل الأولاد، ثم جاء من بعده التحذير من القتل المطلق، والله سبحانه وتعالى قال قبل هذه الآية: ?وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا? ثم بعد هذه الآية قال: ?وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا? نعم؛ لم يكن الإتيان بهذا التحذير البالغ من الزنا بين التحذير من قتلين؛ قتل الأولاد ومطلق القتل، أمرا اعتباطيا، بل هو أمر من قبل الله سبحانه وتعالى، الذي كل شيء عنده بمقدار، وما ذلك إلا لأن الزنا في حقيقته قتل؛ قتل للأفراد والجماعات. (1/7)
صفحة 8
هو قتل للأفراد؛ حيث يؤدي كثيرا إلى الرغبة في التخلص من آثاره، فإن المولود غير الشرعي لا يجد من يتحمل تبعته؛ هل له أب شرعي حتى يتحمل مسؤولية تربيته والإنفاق عليه، وبالتالي يتحول إلى هاجس مخز تحس الأم الفاجرة بأنها تتحمل تبعته، وهذا مما يؤدي إلى رغبتها في التخلص منه قبل وجوده، فتسعى إلى التخلص من حملها في مصحات الإجهاض، وهو قتل للأفراد؛ لأنه سبب لوجود الأمراض الفتاكة التي تفتك بالزناة رجالا ونساء.
وهو قتل للجماعات؛ لأن الجماعة تتكون من الأفراد، فإذا ضعف الأفراد ضعفت الجماعة، وهو أيضا قتل للجماعة قتلا معنويا لأنه يؤدي إلى التفكك وعدم الثقة وعدم الاستقرار، فخطورته بالغة.
والقرآن الكريم عالج هذه المشكلة علاجا جذريا من شتى النواحي، فهو قبل كل شيء حذر التحذير البالغ من الزنا وتوعد عليه؛ عندما قال سبحانه قارنا بينه وبين الإشراك به، وبين قتل النفس المحرمة بغير حق: ?وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا? . (1/8)
صفحة 9
ثم القرآن الكريم يقطع على الشيطان الطريق من كل جانب، من خلال توجيهاته الربانية وقيود الفضائل التي يأمر العباد أن يتقيدوا بها ويتحلوا بها، والله سبحانه وتعالى يقول: ?قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? هذا هو التوجيه الرباني يقطع دابر الفساد ويستأصل الفجور، يأمر الرجال أولا أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، لأن البصر هو نافذة الشيطان إلى كل شر.
وقد أجاد الشاعر الذي قال:
وإنك إن أرسلت طرفك رائدا
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... ... لعينك يوما اتعبتك المناظر
عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وأمير الشعراء أحمد شوقي يقول:
نظرة فابتسامة فسلام ... ... فكلام فموعد فلقاء (1/9)
صفحة 10
النظر يؤدي إلى هذا الخطر العظيم، لذلك أمر الرجال بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ثم أمرت النساء المؤمنات بمثل ذلك مع استئصال بقية أسباب الفساد، عندما أمرن أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ويصن أنفسهن صونا بالأدب الشرعي وباللباس الشرعي وبالأخلاق الشرعية، بحيث تكون المرأة متزنة في حركاتها ومشيتها ونظرتها ولباسها، وفي كل شيء، حتى لا تكون سببا للإغراء والإغواء،.
وجاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بالتوجيهات النبوية الشريفة التي تؤدي إلى المحافظة على العفة والطهارة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا لا يخلو الرجل بامرأة إلا مع ذي محرم)) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ((ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ((إياكم والدخول على النساء. فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال: الحمو الموت)) أي: حمو المرأة الذي هو أخ زوجها، دخوله عليها في خطورته كالموت الذي يتصور بأنه أخطر شيء، ولئن كان حمو المرأة هو كالموت فما بالكم بسائر الناس. (1/10)
صفحة 11
يوجه القرآن الكريم هذه الأمة إلى الآداب التي تحفظ لها عفتها وطهارتها ونزاهتها، وتحفظ طهارة الوجدان والفكر بجانب طهارة الجوارح واللسان، فالقرآن الكريم يوجه عباد الله سبحانه وتعالى إلى آداب الإستئذان، فالله تعالى يقول: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ? هكذا يوجه عباد الله سبحانه وتعالى إلى ما يقطع دابر الفساد ويستأصل شأفته، ونجد أيضا فيما شرعه الله سبحانه وتعالى من العقوبات ما يؤدي إلى قطع دابر الفساد، فالله سبحانه وتعالى شرع حدا للزنا عندما قال عز من قائل: ?الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ? . (1/11)
صفحة 12
وقد جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مبينة أن هذا الحكم إنما هو خاص بالزاني البكر والزانية البكر، أما إن كانا محصنين فحكمها الرجم، وهذه العقوبة وإن بدت للناس فيها قسوة، إلا أنها العقوبة المناسبة لقطع دابر هذه المفسدة العظيمة، ومع هذه الآداب التي شرعها الإسلام، وهذه العقوبات الرادعة، هناك توجيه من الله سبحانه وتعالى إلى ما يغني العباد عن الوقوع في هذه المفسدة، فإن الله تعالى لم يحرم على العباد شيئا مما تتطلع إليه النفوس، إلا أباح لهم في مقابلة ما تكون فيه العفة والطهارة والنزاهة والمصلحة للعباد، وقد قال عز من قائل: ?وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ? وأمر سبحانه وتعالى بتيسير الزواج وعدم وضع العقبات في سبيله، عندما قال: ?وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم?ٌ .
وجه الله سبحانه العباد إلى الزواج الشرعي لأجل إعفاف النفس، وإرواء هذه الغزيرة الملتهبة وتسكين هذه العاصفة من الشهوة، ليكون الإنسان مطمئنا وادعا يكتفي بما أحل الله عما حرم، ونجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الحث على الزواج، فهو يقول: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) . (1/12)
صفحة 13
ولكن بالنظر إلى حال الناس؛ هل هم مستمسكون بهذه التوجيهات الربانية؟! إننا نجد من الأخبار ما يقلق من هذه الناحية، فنحن نسمع عن قوافل من الناس تخرج زرافات في أيام العطل من أجل قضاء مآربهم في أسواق الخناء ومجامع الفجور، حيث تباع الشهوات؛ والعياذ الله تعالى، أليس ذلك مما يدعو إلى سخط الله سبحانه وتعالى؟!.
بجانب هذا نجد الغيرة قد انحسرت من قلوب الرجال، فهم لا يغارون على نسائهم وبناتهم وقريباتهم، ولا يغارون على بنات مجتمعهم، وهو أمر من الخطورة بمكان، كيف يرضى الرجل أن يعرض امرأته أو ابنته للوقوع في الفحشاء؛ والعياذ الله؟! نحن نجد في تاريخ الرجال ما يدل على أن الغيرة كانت تتأجج في نفوس رجال لم يكونوا على شيء من الدين والفضيلة، ولكنها الشهامة والنخوة، وقد كان أحدهم يحوط محبوبته بالغيرة، حتى يحصنها تحصينا ويمنعها منعا من أن تكون عرضة لأي سوء، ألم تسمعوا بقول الشاعر الذي يعبر عن حبه لامرأته وغيرته عليها فيقول:
إياك واسم العامرية إنني
أغار عليها من أبيها وأمها
أغار عليها من رقيق ثيابها ... ... أغار عليها من فم متكلم
ومن لوحة المسواك إن لاح في الفم
إذا وضعتها فوق جسم منعم
أين هذه الغيرة من رجال اليوم، نجد الرجل اليوم يسمح لامرأته أن تتزين مطلق الزينة، وتذهب لتزاحم الرجال في الأعمال، تعمل معهم جنبا إلى جنب، من غير مبالاة بما يترتب على ذلك من العواقب، وكم من عواقب وخيمة لا نستطيع أن نتحدث عنها، اطلعنا عليها من خلال التصرفات الرعناء، وكم من أب يعرض ابنته وهي في عمر الزهور لأن تكون نهبة للذئاب. (1/13)
صفحة 14
قبل فترة كتبت إليّ فتاة رسالة تشكو أمرها، تقول بأنها بلغت من العمر واحدا وعشرين عاما، وقد دفع بها أبوها إلى أن تشتغل في شركة، هذه الشركة فيها جماعة من الرجال، القسم الذي هي فيه معها ثمانية من الشباب، وكل واحد من أولئك الشباب يراودها عن نفسه، وتقول عن نفسها بأنها تشعر بالرغبة، لأنها فطرت على هذه الرغبة وتريد أن تقضي حاجتها من خلال زواج شرعي، ولكن والدها يحول بينها وبين ذلك، طمعا فيما تأتي به من الراتب، أين الشهامة، والغيرة من نفوس هؤلاء؟!.
ثم إنني بلغني أن الأسواق تعج بالفتيات الحسناوات التي يدفع بهن آباؤهن إلى العمل في الأسواق، ليجلبن لهم شيئا من المال وليكن فتنة للناس، وليكن مجلبة للزبائن حتى تعود المصلحة إلى أصحاب المتاجر حسبما يتوهمون، وما هي بمصلحة تعود على أي أحد؛ وإنما هي مفسدة.
فأين هي الغيرة على هذه الفتيات اللواتي يعملن بجانب الرجال؟! أين هي الغيرة التي يجب أن تشتعل في نفوس الرجال على أعراضهم، هل يساوم على العرض في مقابل المال؟! وما قيمة المال بجانب العرض؟!.
إن عرض الإنسان هو أسمى ما يحافظ عليه حتى أنه يفدي عرضه بنفسه وروحه، ويبذل دمه رخيصا في سبيل المحافظة عليه.
فما بال هؤلاء يرضون بانتهاك أعراضهم، بل هم يعرضون أعراضهم لأن تكون نهبة لهؤلاء الذئاب، وكم من أمور يندى لها الجبين، وتذوب منها القلوب حسرة ولوعة من خلال هذه التصرفات الرعناء، التي لا تعود بالمصلحة على أحد. (1/14)
صفحة 15
هنالك الكثير من الآباء الذين يعضلون بناتهم عن الزواج في مقابل ما يتقاضونه من رواتبهن على رأس كل شهر، وهذا أمر وقع فيه كثير من الناس الذين كنا نتصور فيهم الغيرة، ونأمل فيهم الخير، وهؤلاء هم في الحقيقية ليسوا من الإيمان في شيء لأن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ?وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ? فأي إيمان بالله واليوم الآخر في نفس هذا الذي يعرض عن أمر الله سبحانه وتعالى في مقابل ظلم يظلمه ابنته؛ إذ يأكل راتبها سحتا، وهو عليه حرام، يجمع مظلمة مع مظلمة، يأكل مالها بغير حق، وهو بجانب ذلك أيضا يمنعها من حقها الشرعي في الزواج، ويعرضها لأن تكون نهبة لذئاب البشر، يدفع بها دفعا إلى أوحال الشهوات؛ والعياذ الله، ماذا تكون عاقبة هذا الأب؛ عندما تعود إليه ابنته وهي حبلى من حرام؟! ما هي الفائدة التي يجنيها من خلال ما يتقاضاه من راتبها على رأس كل شهر؟! أليس في هذا ما يدعو إلى التأمل والتفكر في هذه العواقب؟!.
إن الأمور عاقبتها خطيرة، وكما قيل جرس الخطر قد دق فعلى الناس أن يعتبروا.
التحذير من الخمر
الخمور وتفشيها مما يعجب له، فقد بلغني عن أحد المترفين المفسدين؛ أنه كتب إلى جهة مختصة يطلب منها ترخيصا بافتتاح خانة خمر، ومن ضمن ما كتبه وهو يلتمس هذا الترخيص: "ولا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه!". (1/15)
صفحة 16
أي مهزلة هذه؛ أي عقل هذا؟! يسعى الإنسان إلى حتفه، وحتف بني جنسه ومجتمعه! بسبب الطمع الدنئ في المال، مع أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أن ((الخمر ملعونة، وملعون شاربها وساقيها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها)) .
هؤلاء كلهم ملعونون بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بأحد السفهاء يطلب أن يكون الآخر في عونه، لأن الله في عون ما دام العبد في عون أخيه؛ بالترخيص له بافتتاح حانة خمرن من أجل ما يتصوره من المصلحة، الله تبارك وتعالى يقول: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون? هذه هي الخمر وهذه آثارها! من الذي يرجو من ورائها فائدة بعد أن صارت بهذه الحالة التي أخبر الله تعالى بها، وبعد أن لعن بسببها كل من تلبس بها؟!.
والناس لا يعتبرون بحوادث السير، التي هي من جراء الخمر، كم من شباب في عمر الزهور تلاشت حياتهم بسبب الحوادث التي كان الدافع وراءها شرب الخمور، نعم؛ كانت السبب الأكبر لهذه الدوافع شرب الخمور، وكم من أناس أشبه بالموتى؛ يضطرون إلى المعاناة حتى تقبض أرواحهم، أصيبوا بسبب هذه الحوادث، وكم من أموال تنفق من أجل هؤلاء، أليس ذلك مما يعود بالخسارة على الأمة والمجتمع؟!.
التحذير من انحراف الشباب (1/16)
صفحة 17
ثم بجانب ذلك، تفشي الجرائم، وأنتم تسمعون عن هذه الحوادث المؤلمة التي تتفطر منها القلوب وتدمع من أجلها العيون، وما أسباب هذه الحوادث إلا عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه، عندما ينشأ الشباب على روح الفساد والانحراف عن طريق الحق، يدفع بأفلاذ كبده وثمرات فؤاده إلى الإجرام، في سبيل شيء من المال يتصوره فائدة لنفسه ولأولاده، وإذا بالأمر ينقلب عليه، مما يؤدي إلى أن يخسر هو حياته، ويخسر أولئك حياتهم.
وهذه مصيبة المخدرات التي انتشرت، ما هي إلا بسبب عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه.
وأكل الربا إنما هو إحدى المصائب الكبرى، فالله تبارك وتعالى أذن بحرب بسببه، يقول سبحانه وتعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون? .
نعم؛ هو حرب من الله ورسوله، حرب وأي حرب، وأنتم ترون كيف تلاشت البركات وفسدت الثمار، وكيف وقع الناس في حيرة من أمرهم بسبب المعاملات الربوية المحرمة؟ فكل من ذلك حرب، وهذه هي آثار الحرب التي نشاهدها.
فإذا على الناس أن يعتبروا جميعا، وأن يرد عقلاؤهم سفهاءهم.
مقترحات للعلاج
وبهذه المناسبة أرى أن أقدم بعض الإقتراحات التي أرجو بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن تكون بناءة بعونه عز وجل: (1/17)
صفحة 18
أولا: تربية النشأ على الاستقامة في الدين، وتعويدهم معالي الأمور وتجنيبهم سفاسفها، وتعوديهم أن يربأوا بأنفسهم عن كل الرذائل الظاهرة والباطنة، وذلك مما يتوقف على أن يتفقهوا في دين الله سبحانه وتعالى، وأن تنغرس العقيدة الصحيحة في نفوسهم، بحيث تكون خشية الله تبارك وتعالى ملء قلوبهم، وهذا مما يجب أن يكون منتشرا في جميع أوساط النشء من المذكور والإناث، فإن فساد الذكور يؤدي إلى فساد الإناث، وفساد الإناث يؤدي إلى فساد الذكور، فلا بد من أن تكون التربية على الاستقامة والحق والرشد والصلاح والمعرفة الصحيحة والعقيدة الحقة، شاملة للجنسين جميعا.
ثانيا: أن يربى الجنسان على الحياء، فإن الحياء شعبة من الإيمان، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وستون شعبة -وفي رواية؛ بضع وسبعون شعبة- أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) .
ثالثا: أن يحرص الكل على تنشأة أولادهم على الغيرة، فإن زوالها هو المصيبة الكبرى، والغيرة محمودة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه أغير الناس، وأن الله تبارك الله وتعالى أغير منه، ولم يشرع الله تعالى ما شرع من الحدود، ولم يأمر بما أمر به من الأوامر، ولم ينه عن ما نهى عنه، ولم يعد ويتوعد إلا بسبب غيرته، فإذاً الغيرة محمودة، ويجب أن يربى عليها النشء، ومن فقد الغيرة فهو ممسوخ؛ والعياذ بالله. (1/18)
صفحة 19
رابعا: إعفاف الشباب من الجنسين جميعا بالزواج الشرعي والمسارعة إلى ذلك، وتذليل جميع العقبات التي تقف في سبيل ذلك، فأولئك السفهاء الذين يريدون أن يعضلوا مولياتهم من أجل رغبات أنفسهم في الأموال؛ يجب أن يوضع لهم حد عن هذا الفساد الذي هم متوجهون إليه، ويجب أيضا أن ييسر الزواج من حيث التقليل من الصدقات، بحيث تكون المهور أبسط ما تكون، ومع هذا أيضا التقليل من مؤمن الزواج ومن أنواع النفقات التي تنفق من أجله، ومما ينبغي أن يسارع إليه إنشاء صناديق للزواج، فإن لم يمكن أن يكون هنالك صندوق عام يشترك فيه أهل الوطن جميعا، يمكن لأهل كل ولاية، أو أهل كل مدينة، أو أهل كل قرية، أن ينشئوا لأنفسهم صندوقا، يتبرع كل أحد بقدر ما يتيسر له، ?لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه?ُ ، حتى ولو استطاع الإنسان أن يوفر في كل شهر ريالا واحدا من أجل إمداد هذا الصندوق ففي ذلك خير كبير، وأصحاب اليسر مطالبون بأن يبسطوا أيديهم، وأن ينفقوا مما آتاهم الله سبحانه وتعالى.
ومما ينبغي أن يضع في الاعتبار؛ أن حفلات الزواج ينبغي أن تكون حفلات جماعية، يشترك فيها أكبر عدد، ويحمل الموسرون المعسرين فيه، بحيث ينفق أصحاب اليسار في هذه الحفلات بما يكفي أصحاب العسر مؤونة الإنفاق.
ومما ينبغي أن يوضع أيضا في الاعتبار؛ أن تذلل عقبات الزواج الاجتماعية التي سادت عند الكثير من الناس، وهي أن الزوج يشترط أن يكون مالكا لبيت، وأن يكون الزواج ميسرا حتى تروى هذه الشهوة بما يطفئوها بمشيئة الله سبحانه وتعالى. (1/19)
صفحة 20
خامسا: أن يمسك على أيدي السفهاء الذين يلهثون وراء الشهوات، ويردوا إلى الحق ويبصروا بمغبة الأمر، وأن يشاع هذا الأمر في جميع الأوساط، ليكون الناس على بينة من أمرهم، فالأمر خطير جدا، ونحن علينا أن نعتبر بالقرون الخالية، أليس في شأنها عبرة لأولى الألباب: ?لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ? كم أنزل القدر النافذ هؤلاء المغرورين من علياء كبريائهم إلى حضيض الذلة والمهانة؛ بسبب ما عملوا من معاصي الله سبحانه وتعالى.
يجب أن تكون التوعية بمختلف الوسائل، سواء عبر أجهزة الإعلام أو في المساجد أو في الأندية أو في أي مكان آخر، حتى يكون الناس جميعا على بينة من الأمر، والنصيحة الفردية لها أثر كبير، فأقترح أن يعني بهذا كله، وأرجو أن يتم ذلك في إطار العناية بالحياء، والعناية بالمجتمع والناشئة.
أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق، وأن يدرأ عنا كل الشرور، وأن يحفظنا من كل سوء، وأن يحمينا من كل مكروه.
ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا ابتاعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل اللهم الغيرة في قلوب رجالنا، والحياء في وجوه نسائنا، وارزق الجميع العفاف والطهر والنزاهة، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفهرس
المقدمة
عبرة للمؤمنين
التحذير من الزنا
التحذير من الخمر
التحذير من انحراف الشباب
مقترحات للعلاج
الفهرس ... (1/20)