صفحة 1
الكتاب: حركة التدبر ما لها وما عليها لمصطفى شريفي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) j
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله
حركة التدبر ما لها وما عليها
تمهيد :
إنَّ مناقشة هذا الموضوع يكتسي صعوبة علمية ، ومسؤولية شرعية.
فأما الصعوبة العلمية فتكمن في تعدد الإشكالات المطروحة ، من حيث الجانب الاجتماعي والجانب العلمي المنهجي.
وأما المسؤولية الشرعية فتتمثل في كونها متعلقة بأقدس كلام ، وأول مصدر للتشريع ، فإنَّ الخطأ في تقويم الحركة إما أن يسبب نفورا عن القرآن ، أو يسبِّب إقبالا غير مدروس وغير منضبط على كتاب الله ، وجرأةً على الله ، وتقولاً عليه...
إشكالات مطروحة :
تقويم الحركة من الناحية الاجتماعية :
ينبغي دراستها كحركة لها أبعادها وآثارها الاجتماعية والنفسية ، وهذا بالإحصائيات ، ويجب ضبط معايير هذا التقويم ، مثلا :
- ما عدد أتباعها القدامى (الإحباطيين سابقا) والجدد ؟
- ما عدد المنتمين إليها ممن لم يكن لهم سابقا أي انتماء ، وممن لهم سوابق في حركات أخرى (أي متذبذبون بين التيارات) ، أو كانوا يعانون من مشاكل نفسية أو اجتماعية ؟
- ما مدى فائدتها نفسيا واجتماعيا ؛ أي : كم حلَّت من مشاكل ؟ وكم قوَّمت من انحرافات ؟
- ما مدى خطورتها نفسيا واجتماعيا ؛ أي : كم ولَّدت من مشاكل ؟ وكم سبَّبت من آثار سلبية على الأفراد والأسر والمجتمع ؟ (حالات طلاق ، ونفور وفرقة بين أفراد الأسرة الواحدة : الوالدين وأولادهم ، والإخوان ، وبين الأصدقاء) ؟
تقويم الحركة من الناحية العلمية والمنهجية :
- سؤال جوهري : هل هناك منهج واضح لدى هذه الحركة ، وهل لها كتابات يمكن تقويمها على ضوئها ؟
- ما معنى التدبر ؟ هل هو فهم الأوامر والنواهي التي يتضمنها القرآن الكريم ، والامتثال لها ، أم هو فهم وتفسير كلماته ؟
- ما الفرق بين التدبر والتفسير ؟ (1/1)
صفحة 2
- هل الآيات التي تنعى على من لا يتدبر القرآن تنطبق على مجتمع متديِّن ملتزم ـ عموما ـ بالأوامر والنواهي ، غير أنه قد لا يفهم كثيرا من مفردات القرآن وأساليبه ، أو لا يحاول فهمها ؟ وبالتالي هل يكون من لم يتدبر منافقا ؛ لأن عدم التدبر ورد في سياق صفات المنافقين ؟
- ما هو الضابط الفاصل بين الآيات الواضحات (المحكمات) وبين الآيات غير الواضحة (المتشابهات) ؟ ومن المعلوم أنَّ التشابه أمر نسبي ، فقد تكون آية عند شخص متشابهة ، وهي عند آخر محكمة واضحة.
الإيجابيات :
من الإيجابيات التي يمكن تسجيلها لدى الحركة :
- رد كثير من المنحرفين إلى جادة الطريق.
- رجوع كثير من الناس إلى القرآن الكريم ، والاهتمام بحسن تلاوته ، مع محاولة فهمه.
- البساطة في الطرح الفطري للآيات جعل الناس يشعرون بأن القرآن يمسهم في أعماقهم.
- ثبات أتباع الحركة على آرائها، والاستماتة في سبيلها.
- الحركية في الدعوة إلى هذه الحركة ، والقوة في التأثير.
- وجود هذه الحركة أثار همم الباحثين إلى ضرورة الكشف عن منظومتنا المعرفية في التعامل مع القرآن والسنة ، وإعادة النظر في وسائل إصلاح الأمة...
السلبيات :
أولا - إقصاء الحديث النبوي : الاقتصار في الدورات المغلقة (الرحلات) على القرآن ، وعدم إيراد أي قول للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولَّد عدة أمور خطيرة ، منها : (1/2)
صفحة 3
- اعتماد كثير من الأتباع هذا المنهج "المؤقت" كأسلوب دائم في الحياة ، فلا يقبل أحدهم غير القرآن في كثير من الأحيان ، بدعوى ضعف حجية السنة. فوقعوا ـ دون شعور ـ في نفس منهج أحمد صبحي منصور (1) صاحب كتاب : «القرآن وكفى مصدرا للتشريع الإسلامي» (2) . مع العلم أنَّ السنة مبيِّنة للقرآن ـ كما هو ثابت بالقرآن ـ وبالمفهوم المُجمع عليه ، لا بالمفهوم الذي يريد أتباع الحركة تركيزه في الأذهان.
__________
(1) ... ويوجد كتَّاب آخرون في نفس الاتجاه ، منهم : محمَّد سلمان غانم : القرآن ، الصلاتان وزواج الصحبة ، وفيه أنكر وجوب خمس صلوات ، وإن هي إلا صلاتان طرفي النهار ×وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ...÷ (هود : 114) .
(2) ... والغريب في الأمر أن نجد تطابقا شبه تام بين الاستدلالات التي يسوقها أتباع الحركة ، وبين ما هو موجود في الكتاب المذكور !. فهل كان ذلك بمحض الصدفة ، أم أنَّ في الأمر شيئًا ؟ !. (1/3)
صفحة 4
- تصوُّر الأتباع أنَّ ما يقال في الرحلات هو القول الفصل الذي لا محيد عنه ؛ لأنه كان تفسيرًا للقرآن بالقرآن ، لكلام الله بكلام الله ، فهو يحمل الكمال الإلهي ، وغفلوا عن أنَّ الشرح فكر بشري قاصر ، وأنَّ عملية الربط بين الآيات هو عمل بشري ، فقد يربط هذا المفسِّر بطريقة ، ويربط الآخر بطريقة أخرى... فهنا مكمن الخطر ، فقد تكون عملية الربط خاطئة (1) .
- إقصاء السنة والتفاسير يؤدي إلى غموض في بعض الآيات التي نزلت في مناسبات معينة.
ثانيا - إقصاء التفاسير : الاقتصار في الدورات المغلقة (الرحلات) على القرآن ، وعدم إيراد رأي أي عالم مهما كان علمه ، ولَّد عدة أمور خطيرة منها :
__________
(1) ... مثلا قوله تعالى : ×مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ÷ (الأنعام : 38) ، إذا فهمنا لفظ الكتاب على أنه القرآن ، وربطناه بقوله تعالى : ×ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ÷ (البقرة : 2) ، فإنَّ هذا الربط غير مسلَّم به ، فإنَّ الأولى فهمه على أنه اللوح المحفوظ ، وبالتالي ربطه بقوله تعالى في سورة ق : ×أَ.ذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَالِكَ رَجْعُم بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الاَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ÷ (الآية : 3 ـ 4) ، وبقوله : ×وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَّرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ اِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ÷ (الأنعام : 59) وغيرهما.... بدليل سياق آية سورة الأنعام : ×وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلىَا رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ÷ (الآية : 38) . (1/4)
صفحة 5
- التطاول على العلماء ، باعتبارهم حواجز معوِّقة لفهم القرآن ، أو أنَّهم رجال ونحن رجال.
- عدم الاعتماد على أساطين اللغة يؤدي إلى سوء فهم النصوص ، إذ كيف لمن لم يتفرس في اللغة أن يفرق بين الحقيقة والمجاز ، وبين الأسلوب المباشر وغير المباشر ؟... ومما هو مقرر في الأصول :
أ- أنَّ الفهم الصحيح للنصوص يستلزم معرفة باللسان العربيِّ ؛ فتعلُّم اللغة ومختلف أساليبها وتراكيبها... أمر واجب ؛ لأَنَّ ما لا يتِمُّ الواجب إِلاَّ به فهو واجب. وبمعرفة تلك الأساليب يمكن التمييز بين الأمر الذي هو للإرشاد ، أو الأدب ، أو الوجوب...الخ
ب- أنَّ ما ثبت عن الرَّسُول J من بيانٍ لكلام الله تَعَالىَ أولى بالاعتماد من أقوال أهل اللغة.
ج- أنَّه من الضروريِّ معرفة سياق الخطاب ، إِمَّا السياق اللفظيُّ ، كأوجه الإعراب ، والتقديم والتأخير... وَإِمَّا السياق الاِجتِمَاعِيُّ ، كالظروف الزمانيَّة والبيئة المكانيَّة التي ورد فيها النصُّ القرآنيُّ.
تقويم وتعديل :
كان على المتدبر ـ بدل أن يقصي الحديث وأقوال العلماء بدعاوى مختلفة ـ كان عليه أن يحاول الرفع من مستوى الأتباع والمخاطبين إلى :
1- تفهُّم أنَّ في الحديث ما هو صحيح وفيه ما هو ضعيف ، وأن يسعى إلى الاعتماد على الصحيح منها والموافق للقرآن، وسيجد المئات من هذا النوع ، وأن يكوِّن لدى المتدبرين الفكر النقدي البنَّاء .
2- تقبل الرأي ممن جاء به مهما يكن ، وبأن يكون الهدف هو الوصول إلى الحقيقة حيثما وجدت ، وأن يُنظر إلى ما قيل لا إلى من قال.
3- ضرورة الرجوع في كثير من الأحيان إلى أسباب النزول... مع التأكيد على أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ لضمان صلاحية القرآن لكل زمان ومكان . (1/5)
صفحة 6
ثالثا - المجتمع مكي : إنَّ طريقة التدبر في الرحلات (من حيث مضمونها) يوحي بالتعامل مع مجتمعنا على أساس تشبيهه بالمجتمع المكِّيِّ (حيث الوثنية ضاربة أطنابها ، والشرك مسيطر على الأذهان...) بينما مجتمعنا أشبه ما يكون بالمجتمع المدني ، حيث الدولة الإسلاميَّة ، وكان حينها الاهتمام منصبًّا على كل الجوانب على حدٍّ سواء : العقيدة والمعاملات (الاقتصادية ، والأسرية والاجتماعية والسياسية...)
رابعا - التقليص من دور القرآن ، والاقتصار على الآيات الكونية (النِّعم ، وعظمة الله في الكون...) بينما القرآن دين ودنيا ، عبادة وسياسة واقتصاد وتربية واجتماع... وتولَّد عن العنصرين الأخيرين ما يأتي :
- التطرُّف في جانب على حساب جوانب أخرى ، لعدم فقه للأولويات ، ودون توازن ولا وسطية (1) في التفكير ، فربما قدَّم المتدبر ما من شأنه التأخير ، أو أخر ما من شأنه التقديم، أو تطرَّف في جانب على حساب جانب آخر.
قال الشاطبي : «فإذا نظرت في كُلِّيَّة الشريعة ، فتأمَّلها تجدْها حاملة عَلَى التوسُّط ، فإن رأيت ميلا إِلىَ جهة طرف من الأطراف فَذَلِكَ في مقابلة واقع أو متوقَّع في الطرف الآخر.
فطرف التشديد ـ وعامَّة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر ـ يؤتى به في مقابلة من غلب عَلَيْهِ الانحلال في الدين.
وطرف التخفيف ـ وعامَّة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص ـ يؤتى به في مقابلة من غلب عَلَيْهِ الحرج في التشديد.
فإذا لم يكن هَذَا ولا ذاك رأيت التوسُّط لائحا ، ومسلك الاعتدال واضحا ، وهو الأصل الذي يُرجع إِلَيْهِ ، والمعقل الذي يُلجأ إِلَيْهِ» (2) .
__________
(1) ... حول الوسطيَّة ينظر : الشاطبي : الموافقات ، 2/124-128.
(2) ... الموافقات ، 2/128. (1/6)
صفحة 7
والملاحَظُ أنَّ التدبريين في رحلاتهم لا يفرقون بين حالة وأخرى ، فقد يكون الشخص من أصله متَّقيا ، ورعا ، زاهدا... فيُزاد له في باب التشديد والترغيب والترهيب ، حتَّى يصل به الأمر إلى نوع من الهلوسة والوسوسة والأمراض النفسية ، بل حتَّى الاختلال العقلي !.
خامسا - احتكار الحق : ظهرت فئات من المجتمع تحتكر الحقَّ لنفسها ، وتتصور أنَّ كلَّ الناس غافلون ، وأنَّ المجتمع كله يسير نحول الهاوية.
سادسا - الفظاظة في النقاش ، بإيراد آيات قد لا تكون مناسبة للموضوع ، وتنزيلها على من لا يستحقها ، وبعضهم يستعملها مع والديه ، مثل قوله تعالى : ×وَإِذَا تُتْلَىا عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىا مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذْنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ÷ (لقمان : 7) ، ×وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ اَثِيمٍ يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَىا عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنَ ـ ايَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُؤًا اُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ÷ (الجاثية : 7 ـ 9) ، ×وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا÷ (الفرقان : 30) ، ×أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىا قُلُوبٍ اَقْفَالُهَآ إِنَّ الذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىآ أَدْبَارِهِم مِّنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىا لَهُمْ÷ (سورة محمَّد : 24 ـ 25) ...
نحو قراءة جديدة للنص القرآني والنبوي : (1/7)
صفحة 8
يقول د. طه جابر العلواني عن القرآن : «أما في المرحلة الراهنة فإنَّ العقلية السائدة هي عقلية الإدراك المنهجي للأمور ، والبحث عن علاقاتها الناظمة بطرق تحليلية ونقدية ، توظف الأطر العلمية المختلفة ، وتربطها بموضوعات حضارية متشعبة ، وعلاقات متنوعة ، مما يجعل إعادة النظر في علوم وسائل فهم النص ضرورة ملحة لخدمته وقراءته قراءة الجمع مع الكون ، واكتشاف التداخل المنهجي بينهما...» (1) .
ويقول عن السنة : «فالسنة النبوية باعتبارها المصدر التفسيري البياني الملزم الوحيد للنص القرآني ، لا بد من الوعي بحقيقتها وحقيقة دورها... فبدون السنة لا يمكن بيان المنهج والشرعة والمعرفة ومقومات الشهود الحضاري والعمراني ، كما لا يمكن بدونها فهم وفقه تنزيل قيم النص القرآني على الواقع...» (2) .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
مصطفى بن محمَّد شريفي
القرارة يوم الأربعاء 11 جمادى الثانية 1428هـ
27 جوان 2007م
(3)
__________
(1) ... طه جابر العلواني : نحو منهجية معرفية قرآنية ، ص282.
(2) ... العلواني: نحو منهجية معرفية، ص284. (1/8)