صفحة 1
الكتاب: حقوق الوالدين في الإسلام لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) حقوق الوالدين في الإسلام
محاضرة وفتاوى
للشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى
شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
aldura@aldura.net
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم تسليما عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فحديثُنا_ -هذه الدروس ألقاها الشيخ بمسجد الجامعة بعُمان._ لا يَزال مُتَّصِلا في موضوع الحقوق التي تَشُدُّ الإنسانَ إلى الإنسان، والتي جَعلَها الله - سبحانه وتعالى - سببًا لِقيام الأوضاعِ البشرية في هذه الحياة الدنيا على نَمطِ الاجتماعِ والتعاونِ والوئام.
فالإسلامُ الحنيف يَحُضُّ على إعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ويُنْزِلُ كلَّ ذي حقٍّ مَنزلتَه، ولا يَضِيم أحدًا في حقٍّ يَجِب له بِموجِب الفِطْرَة، لأنّ الإسلامَ هو دِينُ الفِطْرَة. (1/1)
صفحة 2
ومِن أجْل ذلك كانت حقوقُ الآباء والأمهات في مقدِّمة الحقوقِ الواجِبة على الإنسان، إذ الله-تبارك وتعالى-قَرَنَ حقَّ الوالِدَيْن بِحقِّه في كتابه، وذلك عندما قال سبحانه: { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوالِدَيْن إِحْسَانًا ... } [ سورة النساء، من الآية: 36 ]، وقال: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالوالِدَيْن إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا - رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا } ، ويقول عزّ مِن قائل: { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ - وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ... } [ سورة لقمان، الآية: 14 ومن الآية: 15 ]، وقال سبحانه: { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ... } [ سورة الأحقاف، من الآية: 15 ]، وقال - سبحانه وتعالى - مُبَيِّنًا أنّ هذه الوصية لم تَكن مَحصورَةً في هذه الأمّة وحدَها بل هي وصيةُ الله-تبارك وتعالى-لِجميع الأمَم: { وَإِذْ أَخَذْنَا_ -قال الشيخ: " وإذ أخذ الله ميثاق " وهو سبق لسان. (1/2)
صفحة 3
_ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالوالِدَيْن إِحْسَاناً ... } [ سورة البقرة، من الآية: 83 ]، فنَجِد في هذه الآيات الكريمة أنّ وصيةَ الحقِّ - سبحانه وتعالى - بِالوالِدَيْن وصية بالغة الأهمية، ومِن أجْل ذلك قَرَنَ الله حقَّهما بِحقِّه، فعندما وَصّى - سبحانه وتعالى - عبادَه بِأن يَعبدوه ولا يُشرِكوا به شيئا أَتبَعَ ذلك وصيتَه لهم بِأن يُحسِنوا إلى والدِيهم وألاّ يُسِيؤوا إليهم، بل نَجِد في كتاب الله - عز وجل - ما يَدلّ على أنّ هذه الوصية لا يَقطعُها شيء، فحقُّ الوالِدَيْن لا يَسقُط مهما بَلَغَتْ خَسَاسَةُ الوالِدَيْن، فلو أنهما أَشرَكا بِالله - سبحانه وتعالى - لَما كان شِركُهما قاطِعًا لِحقِّهما، بل يَجِب الوفاءُ بِحقِّهما مع هذا الإشراك إلا أنه بِجانب ذلك عندما يَأمُرانِ وَلدَهما بِالإشراكِ فليس له في هذه الحالة أن يُطيعَهما، بل عليه أن يَسْتمسِكَ بِعقيدة الإسلام ويَحرِص على اتّباعِ ما أَمرَه الله - سبحانه وتعالى - به مِن اتباع هديه وألاّ يَزِيغَ عن ذلك الهدْي، وذلك واضِح في قوله سبحانه: { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ - وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ... } _ -سقطَ سهوا مِن كلامِ الشيخ قولُ الله تعالى: { ... وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ... } ._ [ سورة لقمان، الآية: 14 ومن الآية: 15 ] .. نَهى الله-سبحانه-عبدَه أن يُطيعَ والِدَيْه عندما يَأمرانِه بِالإشراكِ بِالله، وأَمرَه بِأن يَتّبِع سبيلَ مَن أناب إليه، وفي هذا ما يَدل على أنّ حقَّهما لا يَسقُط بِالإشراك. (1/3)
صفحة 4
ونَجِد عِظَمَ حقِّ الوالِدَيْن في ما وَصّى الله - سبحانه وتعالى - به في سورة الإسراء [ الآيتان: 23-24 ] عندما قال تبارك وتعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالوالِدَيْن إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } ، وذلك أنّ الله-سبحانه-وَصّى عبدَه هنا عندما يَبلُغُ والِداهُ مِن الكِبَرِ عِتِيا وتَصدُرُ منهما الجَفْوَةُ في حقِّ ولَدِهما ألاّ يُقابِل هذا الولَد هذه الجَفْوَة بِشيءٍ مِن التّضَجُّر، فإنّ بلوغَ الكِبَر مظِنّةُ صدورِ الجَفْوَة، لأنّ مِن شأنِ الكبير أن يَتَأَفَّفَ لأدنى شيء وأن يَتضجَّر مِن كلِّ ما يَلقاه ولو أَحْسَنَ الولَد مُعامَلةَ والِدَيْه في الغالِب وهما قد بَلَغَا مِن الكِبَرِ عِتِيا فإنّ حالةَ كِبَرِهما تُؤدِّي إلى أن يَتضجَّرا منه ولا يُقنِعَهما ما يَجِدانِه منه مِن معروف، فعليه في هذه الحالة أن يَصبِرَ لِذلك كلِّه وألاّ يُقابِلَ ما يَصدُر منهما مِن جفاءٍ بِجفاءٍ، وإنما عليه أن يُقابِلَ ذلك الجفاءَ بِالصبرِ والاحتمال، فليس له في هذه الحالة أن تَصدُرَ منه كلمة " أُف "، وهي كلمة تَدلّ على التّضجّر عندما يَلقى الإنسان ما يَكرَه، فعندما يَلقى هذا الولَد مِن والِدَيْه وهما قد بَلَغَا مِن الكِبَرِ عِتِيا بل وإن لم يَبلُغا مِن الكِبَرِ عِتِيا إلا أنّ الكِبَرَ-كما قلتُ-مَظنّةُ مثلِ هذه المعامَلة التي تُؤدِّي دائما إلى التّضجّر، وتُؤدِّي دائما إلى عدم الاقتناعِ بِكلِّ ما يُقدِّمُه الولَد مِن خدمة، لأنّ الإنسانَ عندما يَتقدَّم فيه العُمُر يَنتكِس، كما يقول الله - سبحانه وتعالى - : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي (1/4)
صفحة 5
الْخَلْقِ ... } [ سورة يس، من الآية: 68 ]، فالإنسانُ المُعمَّرُ يَنتكِسُ في الخلْق وفي الخلُق .. تَضْعُفُ مدارِكه كما يَضعُف جسمُه وتَتبَلَّد أحاسيسُه كما تَتكَمَّد طاقاتُه، فلذلك كثيرا ما يَكونُ الإنسان في هذه الحالة غيْرَ قَنوعٍ بِما يَصِل إليه مِن بِرٍّ وإحسان مِمّن يَجِب عليه له البِرّ والإحسان، ففي هذه الحالة على الولد ألاّ يُقابِلَ ما يَصدُرُ مِن والِدَيْه مِن جفاء وسوءِ طبْع وغِلظَة بِأيِّ شيءٍ مِن التّأفُّف، وحتى كلمةُ " أُف " وهي أَقلّ كلمةٍ تَدلّ على الضّجَر، بل عليه أن يَصبِر لذلك كلِّه.
وذَكَرَ الله - سبحانه وتعالى - هنا في هذا المقام حالةَ الولَد عندما يَكون صغيرا وهو يَنشَأُ عالَة على عنايةِ والِدَيْه ورحمتِهما به ولطفِهما به، ولذلك أَمرَه بِهذا الدعاء عندما قال: { ... وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ سورة الإسراء، من الآية: 24 ] أي الولَد يَدعو الله - سبحانه وتعالى - أن يَرحَم والِدَيْه .. مأمورٌ بذلك، كما أنهما ربَّيَاه صغيرا، ففي حالِ تربيتِه لَقِيَا منه الأذى واحتمَلا منه المكروه وحَرَصَا على سلامتِه وكانا يَتطَلَّعانِ إلى مستقبَله ويَرَيَانِ أنّ حياتَه هي امتدادٌ لِحياتِهما. (1/5)
صفحة 6
ومِن الملاحَظ أنّ القرآن الكريم لم يَعتَنِ بِمثلِ هذه العناية البالِغة بِتوصيةِ الإنسانِ بِوالِدَيْه بِالتوصية لِلوالِدِين بِالأولاد، فلم يُصدِر القرآنُ الكريم مثلَ هذه الوصايا لِلآباءِ والأمهاتِ في حقِّ أولادِهم، ذلك لأنّ الإنسانَ مَجبولٌ بِفِطْرَتِه على رِعايةِ ولَدِه، إذ نظرةُ الإنسانِ دائما تَكونُ إلى المستقبَل، فهو لا يَصرِفُ نَظرَه نَحو الوراء .. لا يَنظُر إلى الماضي، وإنما يَنظُر إلى المستقبَل، ولَمّا كانت نظرةُ الإنسانِ دائما إلى المستقبَل فإنه كثيرا ما يَكونُ مشغولا بِالنظرةِ إلى الأولاد، لأنه يَرى أنّ حياةَ أولادِه امتدادٌ لِحياتِه كما قلنا، فعندما يَنتقِل الإنسانُ إلى الدارِ الآخِرة-إلى المَوت-وتَبقى له ذُرية تَكونُ حياتُه كأنما هي مُمتدّة في حياةِ هذه الذرية، إذ يَبقى له ذِكْرٌ بِبقائها، فلذلك يَحرِص الإنسان على استمرارِ الذرية ويَكْدَحُ دائما مِن أجْل إِسعادِ هذه الذرية ويَجْبُن ويَبْخَل مِن أجل هذه الذرية، فإذن ليس الإنسان بِحاجة إلى أن يُوَصّى بِذريتِه .. إنما الذرية هي بِحاجة إلى أن تُوَصّى بِأصولِها، إذ الإنسانُ-كما قلتُ-يَحتاجُ إلى أن يُلْفَتَ إلى خلفِه لِيَنظُر في مَنبَتِه وأَصلِه، فإنه يَرى أنّ حياةَ الآباءِ والأمهات ليست حياةً له، وإنما حياةُ أولادِه هي امتدادٌ لِحياتِه، إذ الآباءُ والأمهات قَضَّوْا مَا قَضَّوْا في هذه الحياة وانتهى دَورُهم، فحياتُه هو امتدادٌ لِحياتِهِم هُم، فالوالِد عندما يَشِيخ ويَرى ولَدَه شابّا يَرى أنّ شبابَه مُمتَدٌّ في شبابِ وَلدِه، كما يقول الشاعر التّهامي:
وقلتُ شبابُ ابني شبابي وإنما
تَحوَّلَ شطْرُ العُمِر مِنِّي إلى شَطْرِي_ (1/6)
صفحة 7
وكما جاء في كتابِ الله - سبحانه وتعالى - الحضّ على القيام بِحقوق الآباءِ والأمهات كذلك جاء ذلك في سنّة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فهناك الجَمُّ الغَفِير مِن الأحاديثِ الكثيرة المَرْوية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تُوصِي بِحُسْنِ مُعامَلةِ الأبَوَيْن.
ويَكفينا أنّ النبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-عندما ذَكَرَ المُوبِقاتِ السبع-التي تُرْدِي صاحبَها والعياذ بالله إن لم يَتب منها في النار-ذَكَرَ مِن بينِها عُقُوقَ الوالِدَيْن، فهذا دليلٌ على خطورَة العُقوق.
وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا: ( لا يَدخُل الجنّة عاقٌّ ولا مُدمِِن خَمر ).
وعندما جاء إليه - صلى الله عليه وسلم - رَجل وقال له: " يا رسول الله، أيّ الناس أَحقُّ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ " قال له: ( أُمُّك ) قال له: " ثم مَن ؟ " قال له: ( أُمُّك ) قال له: " ثم مَن ؟ " قال له: ( أُمُّك ) قال له: " ثم مَن ؟ " قال له: ( أبوك، ثم الأقْرَب فالأقْرَب )، فنرى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بَيَّن في هذا الحديثِ عِظَمَ حقِّ الأم ثم أَتْبَعَ هذا الحقّ حقَّ الأب ثم حقَّ الأقْرَب فالأقْرَب. (1/7)
صفحة 8
وفي هذا-كما قلنا-تَلبِيةٌ لِداعِي الفِطْرَة، فإنّ الإنسان كان والِداه سببا لِوجوده، فلو لم يَجعَل الله-تبارك وتعالى-وجودَهما مَنوطا بِهما وجودُه لَمَا كان لِهذا الإنسانِ هذا الوجود، فقد تَسبَّبا هُما في وجودِه فضْلا عمّا قَدَّمَت الأم مِن تضحيات جِسام وقامت بِه مِن رعاية فائِقة وتَربية لا يُمكِن لأحدٍ أن يُدرِكَ أعباءَها ومَشاقَّها إلاّ مَن كابَد مثلَها، فلذلك كان حقُّها مُضاعَفا على حقِّ الأب، بل نَجِد أنّ الله - سبحانه وتعالى - عندما ذَكَّرَنَا نعمةَ الخلْق ذَكَّرَنَا نعمةَ خلْقِ أنفسِنا وخلْقِ أُصولِنا، لأنّنا إنما خُلِقْنا مِن طريقِ خَلْق أُصولِنا، فالله-تعالى-يقول: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 21 ]، فالذين مِن قَبْلِنا هُم الآباءُ والأمهات الذين خَرَجْنا منهم. (1/8)
صفحة 9
ويقول أحدُ المفسِّرين: إنّ هذه الوصية التي نَجِدها في القرآن بِالوالِدَيْن فيها إصلاحٌ نفساني وإصلاحٌ عمراني لِلإنسان، أما الإصلاح النفساني فإنّ الإنسانَ مُطالَب بِأن يَشكُرَ مَن أَحسَنَ إليه، إذ مَن لم يَشكُر المُحْسِن كانت حياتُه حياةً فاسدة، وقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن لم يَشكُر الناسَ لم يَشكُر الله )، ومَن أَوْلَى مِن الناس بِالشكْر الحَسَن مِن الوالِدَيْن ؟! فإنّ إحسانَهما بَلَغَ إلى ذِرْوتِه بِالنسبةِ إلى إحسانِ العباد إلى العباد، إذ لا إحسانَ يَفوقُ إحسانَ الوالِدَيْن، لأنهما كانا السبب لِوجودِ الإنسانِ مع حُسْنِ رعايتِهما له وقيامِهِما بِواجِبِ التربيةِ الحسنة تِجَاهَه، فمع هذا كلِّه صارا هُما أَوْلَى بِالشكْر مِن غيْرِهِما، ومَن لم يَعْتَد على شُكْرِ المُنعِمِ عليه أدّى ذلك-بطبيعة الحال-إلى فسادِ أحوالِه وارتكاسِه وانتكاسِه في مُعامَلةِ الناس له، لأنّ الناس الذين لا يُجَازَوْنَ بِإحسانِهم إحسانا لا يُحسِنونَ إلى هذا الذي يُسِيءُ مُعامَلتَهم في مُقابِلِ إحسانِهم، ومَن لم يُحسِن مُعامَلةَ والِدَيْه لم يَكن مُحسِنا إلى غيْرِه مِن الناس. (1/9)
صفحة 10
أما الغاية العُمرانية مِن خلال هذه الوصية البالِغة بِالإحسانِ إلى الوالِدَيْن فإنها تَتمثَّل في كَوْن الناس خَلَقَهم الله-تبارك وتعالى-بِطبيعةِ الاجتماع، إذ الصِفةُ البشريةُ البارِزة .. هذه الصفةُ الاجتماعية التي تَشُدُّ الإنسانَ إلى الإنسان فبِدون اجتماعِ الناس وتعاونِهم لا يُمكِن أن يَنْمُوَ العُمران في حياتِهم، لأنّ كلَّ واحدٍ يَكونُ مشغولا بِنفسِه غيْرَ مُكترِثٍ بِغيْره .. غيْرَ مُلتفِتٍ إلى أيِّ صاحبِ حقّ، أما عندما يَتعاونُ الناس فلا ريب أنّ ذلك التعاوُن هو الذي يُثمِر في حياتِهم العُمرانية الثمرةَ المطلوبة، وبدايةُ تكوينِ المجتمَع تكوينُ الأسرة، فإنّ الأسرة-كما قيل-هي نواةُ المجتمَع أو هي مُجتمَعٌ أَصغَر، والمجتمَع هو أُسرةٌ كبرى، فبِسبب هذا يَكونُ قيامُ الإنسانِ بِحقِّ والِدَيْه مَنشأً لِقيامِه بِحقِّ أُسرتِه والتِفاتِه إلى ما لهم عليه مِن حقوق. (1/10)
صفحة 11
هذا وحقوقُ الوالِدَيْن جَمَّة، وهي-كما يَتَّضِحُ لنا مِن خلال نَظَرِنَا إلى القرآن الكريم-حقوقٌ تَفوقُ حقوقَ الناس أجمعين .. حقُّ الوالِدَيْن يَفوقُ حقَّ كلِّ ذي صِلةٍ بِالإنسان .. مِن قرابتِه ومِن أهل العلاقاتِ السببية به، وما ذلك إلا لِما ذَكرناه، ويَتّضِحُ لنا مِن خلال نَظَرِنا في القرآن ونَظَرِنا إلى سنّة نبينا محمد-عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام-أنّ حقَّ الأم هو أعظمُ هذه الحقوق، فهو مُتقدِّمٌ على حقِّ الأب، أما القرآنُ فلم يَأْتِ صرِيحا بِذلك ولكن جاءَ القرآنُ مُنَبِّها على ذلك، فإنه عندما جَمَعَ الوالِدَيْن كِليْهما في الوصية بِحقِّهما نَبَّهَ على ما قَدَّمَتْهُ الأُمّ مِن تَضحياتٍ جِسَام: { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ... } [ سورة الأحقاف، من الآية: 15 ]، فالحَمْل الذي حَمَلَتْه الأُمّ كان كُرْها، وقد يَتبادَر لِلإنسان أوّل الأمْر بِأنّ الحَمْل لم يَكن مِن أَوّلِه كُرْها فكيف عَبَّرَ القرآنُ عنه بِأنّه كُرْهٌ مُنذ وَقَع: { ... حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ... } ؟ (1/11)
صفحة 12
والجواب عن ذلك بِأنّ الحَمْلَ مِن أوّل الأمْر يُضعِفُ الأُم، فهو على حساب صِحّتِها مِن أوّل الأمْر، وذلك أنّ العلماءَ يَقولون بِأنه عندما يَلتقِي الحيوانُ المنوي بِالبُيَيْضَة ويَتِمُّ اللِّقاح تَنطلِق البُيَيْضَة إلى جدارِ الرحم ولها خاصية حادّة فتَطْعَنُه ويَنهَمِر دمٌ كثير على الرّحِم مِن هذا الجدار لِيَسبَحَ فيه هذا الكائن مِن أوّل تَكوّنِه ولِيَمتصّ غِذاءَه مِن هذا الدم، فإذن الأُمّ مِن أوّل الأمر تَلقَى المَشقّة، وإن لَم تَظهَر لَها مِن أوّل الأمْر إلا أنّ ذلك يَكون على حساب صِحّتها، فخالِص دمِها تُغذِّي به جنينَها مِن أوّل الأمْر فيَنموا على حسابِ هذا الدم ويَقوى على حساب صِحّتِها هي، فهي تَضعُف ويَصِحّ هو بِهذا التغذِّي المُستمِر إلى أن تَضعَه، ثم مع ذلك كثيرا ما تَلْقَى المَشقّة الظاهِرة مِن مُعاناتِها لآلام الحمْل، فلربّما كانت الأُم تَستمِر في مُعاناة طوال أيام الحمْل .. تَقيء وتَسْعَل ويُصيبُها الغُثاء ويُصيبُها الدوران وتَلْقَى ما تَلْقَى مِن العَنَت، ثم مِن بعدِ ذلك وَضْعُ الحمْل ليس بِالأمْر الهَيِّن، فعندما لَقِيَ النبي - صلى الله عليه وسلم - رَجلا يَطوف بِالكعبة وهو حاملٌ أُمَّه على ظَهرِه، وقال له الرجل: " يا رسول الله، أَتُراني أَدَّيْتُ حقَّها ؟ " قال له: ( لا، ولا بِزفْرةٍ واحِدة ) .. أي لَم تَقُمْ بِحقِّ زَفْرةٍ واحِدةٍ مِن زَفراتِ الطَّلْقِ عندما كانت تَضعُك.
فهكذا عِظَمُ حقِّ الأُم يَتجلّى مِن خلالِ هذا التنبيه الذي في القرآن الكريم على تضحياتِها. (1/12)
صفحة 13
ومثلُ ذلك قوله - سبحانه وتعالى - : { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ... } [ سورة لقمان، من الآية: 14 ] أي كانتْ تَهِنُ وتَضْعُف ويَتوالَى هذا الوَهْن .. يَتتابَع عندما كانت تَحمِله، { ... وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [ سورة لقمان، من الآية: 14 ].
وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء صرِيحا في التنبيه بِعِظَمِ حقِّ الأُم، فعندما جاء رَجلٌ إليه-كما سَبَق [ ص3 ] .. كما جاء في حديثِ أبي هريرة عند الشيخين-وقال له: " يا رسول الله، أيُّ الناس أَحقُّ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ " قال له: ( أُمُّك ) قال له: " ثم مَن ؟ " قال له: ( أُمُّك ) قال له: " ثم مَن ؟ " قال له: ( أُمُّك ) قال له: " ثم مَن ؟ " قال له: ( أبوك، ثم الأقْرَب فالأقْرَب )، فذَكَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حقَّ الأُم ثلاثَ مرات ثم عَطَفَ عليه حقَّ الأَب بِـ " ثُمَّ " التي تَقتضِي المَهْلَة والترتيب وذَكَرَه مرّةً واحدة ثم عَطَفَ عليه حقَّ الأقرب فالأقرب مِن الناس .. أي مِن الأجداد والجدّات مِن قِبَلِ الأب ومِن قِبَلِ الأُم ثم الأعمام والعمّات والأخوال والخالات وهَلُمَّ جَرّا وكذلك الإخوة وهكذا .. الأقرب فالأقرب مِن الناس تَجِب لهم الحقوق، وتَجِب لهم الرعاية، وتَجِب لهم حُسْنُ الصُّحْبَة، فذِكْرُ حقِّ الأُم ثلاثَ مرات وعَطْفُ حقِّ الأَب عليه مع ذِكْرِه مرّةً واحِدة بِـ " ثُمَّ " التي تَقتضِي المَهْلَة والترتيب دليلٌ على أنّ حقَّ الأُم هو أعظم مِن حقِّ الأَب.
وقد اختلفَ العلماء في هذا التفاوت:
فكثيرٌ مِن العلماءِ بل أكثر العلماء ذهبوا إلى أنّ حقَّ الأُمّ أَعظم-كما قلنا-إلا أنّ هؤلاءِ-أيضا-اختلفوا: (1/13)
صفحة 14
منهم مَن قال: حقُّ الأَب هو رُبُع مَجموعِ حقوقِهما معًا وحقُّ الأُم هو ثلاثةُ أرباعِ مَجموعِ حقوقِ الأبوين، ودليلُ ذلك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ حقَّ الأُمّ ثلاثَ مرات وذَكَرَ حقَّ الأَب مرّةً واحدة فإذن يَظهَر مِن ذلك أنّ حقَّ الأَب إنما هو واحدٌ مِن أربعة مِن مَجموعِ حقوق الأبوين جميعًا، أما حقُّ الأُمّ فهو ثلاثةٌ مِن أربعةٍ مِن مَجموعِ حقوقِهما معًا؛ وهذا قولٌ ظاهِرٌ دليلُه.
وقيل: بل لِلأُمّ ثُلُثَا الحق .. أي ثُلثانِ مِن الحق ولِلأَب الثلث.
ومنهم مَن قال: بل هما متساوِيان في الحقوق، لأنّ الله-تعالى-وَصّى بِحقَّيْهما جميعا؛ وهؤلاءِ لَم يَلتفِتوا إلى ما جاء مِن تَمييزِ الأُم في القرآن بِذِكْرِ تَضحياتِها التي قَدَّمَتْها مِن غيْر ذِكْرٍ لِشيءٍ مِن تضحياتِ الأب، ولَم يَلتفِتوا-أيضا-إلى ما جاء في هذه الرواية.
ومنهم مَن قال بأنّ حقَّ الأَب يَفوقُ حقَّ الأُم؛ وهذا قولٌ أَشبهُ بِالشّاذ، إذ لا دليل عليه .. نعم كلُّ ما استدَلّ به هؤلاء إنما يَدور حول ما لِلأبِ مِن حقوقِ الرِّعايةِ لِلولَد، فهو الذي يَرعاه وهو الذي يَقُوم بِمصلحتِه وهو الذي يَلِي تَزويجَ الأنثى وتَزويجَ مَن تَملِك وهو الذي يَردَع الولَد عن الفساد .. إلى غير ذلك وهو الذي يَتحمَّل تَبعاتِ الولَد كتَحمُّلِه أَرْشَ ما دونَ الثلُث أو ما دونَ المُوضِحَة مِن جناياتِه .. إلى غير ذلك، فهذه الأشياء هي التي استدَلّ بِها القائلون بِهذا الرأي، ولكن ذلك لا دليلَ فيه، إذ لا يُصارُ إلى النظر مع الأثَر، كما قيل: " لا حظّ لِلنظر مع الأثر " هذا مِن ناحية، وقد جاء الحديثُ واضِحا صرِيحا بل جاءت الإشارةُ في القرآن الكريم دالّة على عِظَمِ حقِّ الأُم، على أنّ ما ذَكَرُوه ليست فيه مشقّة على الأب كمشقّة الأُم التي تَتحمَّلُها في حَمْلِها لِلولَد وفي وَضْعِها له. (1/14)
صفحة 15
فإذن يَتبيَّن لنا رُجحان مَن قال بِأنّ حقَّ الأُم هو أَعظمُ مِن حقِّ الأَب.
وإذا ما أَردْنا القِياسَ وتقديرَ ما لِكلٍّ منهما مِن حقٍّ في مَجموعِ حقوقِهما .. أي نصيبُ كلِّ واحدٍ منهما مِن الحقوقِ في مَجموعِ حقوقِهما نَجِد أنّ قولَ الذي يَقول بِأنّ كَوْنَ حقِّ الأُم ثلاثة أرباعِ مَجموعِ هذه الحقوق وكَوْنَ حقِّ الأَب رُبُعَ مَجموعِ هذه الحقوقِ هو أَوْلَى بِالاعتبارِ، لأجْل دلالةِ الحديثِ على ذلك.
ومِن العلماء مَن قال بِأنّ تقديرَ الحقوقِ ليس ذلك إلينا إلا أنّ حقَّ الأُم هو أَوْلَى بِأن يُرْعَى مع عدم التفريطِ في حقِّ الأَب، فعلى الإنسانِ أن يُرْضِيَ كِلا والِدَيْه، وعندما يَكون رِضاهُما جميعًا مُتعذِّرًا وكلٌّ منهما يَدعُوه إلى ما لا يَحرُم فإِيثارُ حقِّ الأُم أَوْلَى، وقد جاء أمْرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما يَدعو الولَدَ أبوه وأمُّه بِأنّ يُلَبِّيَ نداءَ أُمِّه: ( إذا دعاك أَبوكَ وأُمّكَ فأَجِبْ أُمّكَ ) .. هكذا جاء في بعضِ الروايات عنه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك دليلٌ-أيضا-على تَفَوُّقِ الأُمّ في الحقوق. (1/15)
صفحة 16
وحقوقُ الوالِدَيْن حقوقٌ كثيرة، والقرآن الكريم أشار إلى مُجمَلِ هذه الحقوق: { ... إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ سورة الإسراء، من الآية: 23 والآية: 24 ]، ومعنى ذلك أنّ الولَد ليس له أن يُقابِلَ ما يَصدُرُ مِن قِبَلِ أَبَوَيْه مِما يَدلّ على الجفاءِ بِشيءٍ مِن التأفُّف قط، وإنما عليه أن يُقابِلَ ذلك بِلِينِ القول، فعليه أن يَصبِرَ على الجفاءِ وأن يَقول لهما قولا كريما وأن يَخفِضَ لهما جناحَ الذُّلِّ مِن الرحمة .. أي كأنّما هذا الذُّلُّ حيوانٌ له جناح وهو-أي الولد-مأمورٌ بِأن يَخفِضَ هذا الجَناح، ومعنى ذلك أن يُذلِّلَ نفسَه لأبَوَيْه، ثم بِجانب ذلك-أيضا-أن يَذكُر ما قَدَّما مِن تضحياتٍ له في حالة الصِّغَر، ولذلك يَسألُ الله - سبحانه وتعالى - أن يَرحَمَهما كما ربَّياه صغيرا هذه التربيةَ التي أَوصَلَتْه إلى ما وَصَلَ إليه، وذلك كلُّه يَدل على أنه مُطالَب بِألاّ يَقولَ لهما أيَّ كلمة تُثِير غضبَهما وتُؤدِّي إلى انفعالِهما وعدم رِضاهما .. (1/16)
صفحة 17
أن يَحرِصَ دائما على ألاّ يُحزِنَهما، ولو صَدرَتْ منهما إساءة في حقِّ الله-تبارك وتعالى-أو في حقِّ عبادِه أو في حقِّ الولَدِ نفسِه فعليه أن يَتلطَّف في إخبارِهِما بِما عليهما مِن حقٍّ لله-تبارك وتعالى-وبِما عليهما مِن حقٍّ لِعبادِ الله وبِما عليهما-أيضا-مِن حُسْنِ الرعايةِ لِلولَدِ نفسِه، وشاهدُ ذلك ما ذَكَرَه الله - سبحانه وتعالى - مِن قِصّةِ إبراهيم - عليه السلام - وهو أمْرٌ فيه أُسوةٌ حسنةٌ لِلأولادِ الذين يُنكَبُون بِآبائِهم بِسببِ عصيانِهم لله وإِصرارِهم على الباطل وإخلادِهم إلى الهوى، فالله - سبحانه وتعالى - حكى كيف كانت جَفْوَةُ أبي إبراهيم لإبراهيم وكيف كان تَلطُّف إبراهيمَ بِأبيه عندما كان يَدعوه إلى الحقِّ، فالله - عز وجل - يقول: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا - إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا - يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا - يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا - يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا - قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا - قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا - وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا } [ سورة مريم، الآيات: 41-48 ]، هكذا كان تَلطُّف الولَد بِأبيه وهو يَدعوه إلى عبادةِ الله ويَدعوه إلى ترْكِ الشركِ بِالله الذي يُؤدِّي به إلى العاقبةِ السيئة التي يَخشاها عليه، ومع (1/17)
صفحة 18
هذا كلِّه كان الأبُ غليظا في معاملتِه لابنه إلا أنّ الابن لم يُغْلِظ القول لأبيه رغم ذلك كلِّه، فإذن هكذا يَجِب أن يَتصرّفَ الولَد عندما يكون أبوه عاصيا لله، فهو مُطالَب بِأن يَأمرَه بِالمَعروف وأن يَنهاه عن المُنكَر وأن يُقِيمَ عليه الحجّة وأن يَحرِص على أن يَهتدِيَ إلى سواءِ الصراط، وهو-أيضا-مطالَب بِالعَدْل بيْن أبيه وبيْن غيرِه، كما أَمَر الله - سبحانه وتعالى - ، إذ لا يُؤدِّي ما لِلأب وما لِلأم مِن حقّ على ولَدِهما إلى الحَيْفِ على الآخَرين لأجْل التوفير لِلأبَوَيْن، فالله - سبحانه وتعالى - يَقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالِدَيْن وَالأَقْرَبِينَ ... } [ سورة النساء، من الآية: 35 ] .. هكذا وصيةُ الله-تبارك وتعالى-لِعبادِه ومع هذا كلِّه فإنه لابد مِن التّلطُّف كما ذكرنا.
قد قال العلماءُ بِأنّ مِن حقِّ الوالِدَيْن على ولَدِهما ألاّ يُخاطِبَهما كما يُخاطِب سائرَ الناس، وإنما يُخاطِبُهما بِعبارة الأبوّة والأمومة، وأنّ مَن فَعَلَ خلافَ ذلك كان فِعلُه ذلك عُقوقًا لهما، ومَن نَهَرَهُما أو أَغْلَظَ لَهُما القول أو جَفاهُما بِأيِّ شيء كان ذلك الجفاءُ عقوقًا لهما.
وكذلك عندما يَكون الإنسان في حالةِ مشْي يُؤمَر ألاّ يَمشِيَ أمام والدِه إلا إذا كان ذلك لِدَرْءِ المضرة، ولذلك كانوا يَقولون بأنّ مِن بِرِّ الولَد أن يَمشِيَ في النهار خَلْفَ والدِه وأن يَمشِيَ بِالليل أَمام والدِه وهذا عندما يَكون الليلُ مَخُوفًا منه شيءٌ مِن المَحذور، أما مع الأمْن فالليل والنهار سواء، إذ لا فَرْق، وكذلك عندما يُخشَى في حالة النهار شيءٌ مِن المَحذورات يُؤمَر الولَد أن يَتّقِيَ عن أبيه ما يَحذَرُه عليه بِنفسِه. (1/18)
صفحة 19
كذلك عندما يَدعُوه والِدَاه إلى فِعْلِ مباحٍ فإنه يُؤمَر بِفِعْلِهِ .. عليه أن يُطيعَهما في المُباح، كما أنّ عليه أن يُطِيعَهما في الواجِب وفي المَندوبِ إليه، أما المَكروه فَلَهُ أن يُطِيعَهما فيه وألاّ يُطِيعهما، والمُحَرَّم ليس له أن يُطِيعَهما فيه، إذ لا طاعةَ لِمَخلوقٍ في معصيةِ الخالِق، فلو أنّ إنسانًا دَعاه والِدَاه إلى تَرْكِ فريضةٍ واجِبةٍ عليه أو ارتكابِ شيءٍ مِن مَحارِم الله - سبحانه وتعالى - لَما كان له أن يُطِيعَهما في ذلك، فلا طاعةَ لأيّ أحد في معصيةِ الله، ولئن كان الله - عز وجل - يَقول: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ... } [ سورة لقمان، من الآية: 15 ] فإنّ المَعاصي في ذلك مُلحَقَةٌ بِالإشراك ولا يَنحصِر هذا الحكمُ في الإشراكِ وحدَه لِقيامِ الأدِلّة الكثيرة على عدمِ جوازِ طاعةِ أيِّ أحدٍ فيما هو معصيةٌ لله، ومِن أجْل ذلك قال العلماء بِأنّ الولَد عندما يُرِيد جهادًا غيْرَ مُتَعَيِّنٍ عليه فعليه أن يَستأذِنَ أَبَوَيْهِ فإن أَذِنَا له جاهَد وإن لَم يَأْذَن_ -لعلّ الشيخ قصد أن يقول: " يأذنا " بدلا مِن " يأذن "._ بَقِيَ عندهم .. هذا رأيُ أَكثرِ العلماءِ. (1/19)
صفحة 20
ومنهم مَن قال: إن كان ذهابُه إلى الجهادِ لا يضرّهما فلا عليه، ففي هذه الحالة لا يَكونُ لِعَدَمِ مُوافَقَتِهما أيُّ وزْن .. عندما يَكون العَدُو غَزَا بِلادَ الإسلام وهُو مُتَمَكِّنٌ مِن الدِّفاعِ عنها أو عندما يَكونُ هو المَسؤول عن المُسلِمين .. عندما يَكون هو القائِد الذي يَرجِع إليه أَمْرُ الجِهاد ففي هذه الحالة لا يَلتَفِتُ إلى عَدَمِ رِضاهُما وإنّما عليْه أن يَحرِصَ على إِقناعِهما وذلك-أيضا-مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الإضرارِ بِهما، وقد جاءَ في الحديثِ أنّ رَجُلا جاءَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستَأْذَنَهُ في الجِهاد فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أَلَكَ والِدَان ؟ ) قال له: " نعم " قال: ( ففيهما جاهِد )، وجاءَ رَجُلٌ-أيضا-إلى النبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-وذَكَرَ له أنه جاءَ مِن أجْل الجِهاد وأنّ أُمَّه كانتْ غيْرَ مُوافِقَةٍ على ذلك حتى أنه خَرَجَ عنها وهي تَبكِي فأَمَرَه أن يَرْجِعَ إليها لِيُضْحِكَها كما أَبْكاها، وذلك مع عَدَمِ تَوقُّفِ حركةِ الجِهاد على ذلك الذي لَم يَسْمَحْ لَه والِدَاه بِالخروجِ لِلجِهاد. (1/20)
صفحة 21
كذلك عندما يَمْنَعانِه عن طَلَبِ العِلْم يُؤمَر بِأن يَتلطَّف في مُحاولَةِ إِقناعِهما بِضرورةِ التّعلُّم وأنّ هذا أمْرٌ فيه مصلَحة ولو كان ذلك يُؤدِّي إلى السَّفَر إن كان طلَبُ العِلْم يَتوقَّفُ على سَفَرِه لِعَدَمِ وُجودِ مَن يُعَلِّمُه في الدارِ التي هما فيها أو عندما يَكون بقاؤُه في الدارِ التي هو فيها غيْرَ مُمَكِّنٍ لَه مِن طلَبِ العِلْم بِسببِ اشتِغالِه بِالأشْغال التي تَحُول بيْنه وبيْن ذلك في هذه الحالة يُؤمَرُ الإنسان بِأن يَحرِص على التّلطُّفِ بِإقناعِ والِدَيْه وألاّ يُظهِرَ لهما الجَفْوَة وإن كان مَأمورًا مع إِصرارِهِما على بقاءِ الولَدِ عندَهُما ألاّ يَلْتَفِتَ إلى ذلك خُصوصًا عندما تَكونُ الحركةُ العِلمية مُتوقِّفَةً عليه كأن يَكونَ هو بِحاجَة إلى أن يُعَلِّمَ ويُرْشِد أو يَكونَ هو بِحاجة إلى أن يَتعلَّمَ ما يُبَصِّرُه بِأَمْرِ دِينِه الذي لابد له منه وكذلك مَا إن كان يَتعلَّم أُمورَ حياتِه التي تَتوقَّفُ عليها مَصالِحُه الضرورِية كَالحِرَف المُتنوِّعَة التي يَكتسِبُ منها رِزقَه، فإنّ البقاء حسْب هَوَى الوالِدَيْن في هذه الحالة قد يُؤدِّي إلى أن تَتأخَّرَ الحركةُ العلمية، وهذا أَمْرٌ غيْرُ مطلوب. (1/21)
صفحة 22
وعندما يَطلُبَان الولَد أن يُعطِيَهما مِن مالِه فإنّ عليه ذلك بِقدْر ما يَسُدُّ ضرورتَهما سواءً كان عليهما دَيْنٌ لله أو كان دَيْنٌ لِلناس أو كان مِن أجْل معاشِهما أو مِن أجْل أيِّ ضرورةٍ أخرى مِن الضرورات، كأن يَكونَ الأب قائما بِمصالِح الناس وبِتلقِّي الضيوف ومِن عادتِه أن يَأتِيَه الضيوف مِن أَنْحاءِ البِلاد فعندما يَكونُ مُتصدِّيا لِذلك ويَكونُ الولَد في سَعَة مِن رِزقِه .. عندَه مِن الفضْل ما يُمكِنُه أن يُواسِيَ به أباه فعليه أن يُواسِيَه، وهذا الذي يُشِيرُ إليه حديثُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لِلرَّجُلِ الذي خاصَم أباه في مالِه: ( أنتَ ومالُكَ لأبيك )، ولا يَعنِي-عليه أفضل الصلاة والسلام-كما يَتصوَّرُ البعض أنّ مالَ الولَدِ مِلْكٌ لِلأب، فكلٌّ أَحقُّ بِمالِه حتى الوالِد وولَده ولكن لَه الانتفاع بِمالِ ولَدِه، ويَدلّ على ذلك العطف هنا، فإنه قال له: ( أنتَ ومالُكَ لأبيك )، والأبُ لَه الولُد ولكن مِن غيْرِ أن يَملِكَ رَقبتَه، فليس له أن يَتصرَّفَ في الولَد بِالبيْع والهِبَة كما يَتصرَّفُ في ملْكِه وإنما لَه الانتفاع مِن ولَدِه، فإذن له الانتفاع بِمالِ ولَدِه كما أنّ له الانتفاع بِذاتِ ولَدِه، أما أن يَبيعَ مالَ ولَدِه مِن غيْرِ ضرورةٍ داعيةٍ إلى ذلك فذلك مِمّا لا يُقَرُّ عليه وإنما يَأخُذُ مِن فَضْلِ مالِه بِقدْر ما يَسُدُّ بِه حاجتَه.
كذلك بقاءُ الولَد في دارِ الأبَوَيْن عندما تَكونُ مصلحتُهما في ذلك وعندما يَكونان راغِبيْن في ذلك ولم تَكن مَضرّة على الولَد في ذلك فإنه يُؤمَر بِألاّ يَخرُج مِن دارِهما. (1/22)
صفحة 23
هذه الأحوال تُقاسُ كلُّها بِحسْب المصالِح التي تُقدَّرُ بِأقدارِها، فإنّ عاطفةَ الوالِدَيْن أحيانا قد تُؤدِّي بِالولَد إلى الضرر مِن حيثُ لا يَدْرِيَان .. قد يَمنعانِه مِن الكسْب رغبةً في بقائِه بِجوارِهما، فلا يَسمحانِ له بِالخروج مِن أجْل كسبِ الرزق مع أنه قد رَكِبَه الدَّيْن أو أنه قائِم بِالنفقة على عِياله بِحيث تَكَوَّنَ له عِيال أو أنه بِحاجة إلى أن يَبْنِيَ مَسْكَنا أو بِحاجة بِأن يَتزوَّج لِيُعِفَّ نفسَه وهكذا، فليس لِلوالِدَيْن هنا أن يَمنَعا ولدَهما بِمثلِ هذا التّصرُّف، ومَنعُهما هو مِن الحماقة والجهالة، فإنّ هذه العاطفة إنما تَكونُ غالِبا في الجهلة الذين لا يُفكِّرون في المُستقبَل.
كذلك إن كان الولَد بِحاجة إلى أن يَتعلَّم .. بِحاجة إلى طلَب العِلْم وقد فُتِحَتْ لَه أبوابُ العِلْم ولكنّ الوالِدَيْن يَمنعانِه مِن ذلك بِحُجّة رغبتِهما في بقائِه بِجنْبِهما مع إِمكانِ استغنائِهِما عنه .. في هذه الحالة-أيضا-لا يَنبغِي أن يَكونَا عائِقًا لَه مِن القيامِ بِطلَبِ العِلْم.
ومِثلُ ذلك القيامُ بِالمَصالِح الدينية والمَصالِح الدنيوية التي تَؤُولُ-بِطبيعة الحال-إلى مَصالِح الدِّين عندما يُحْكَمُ تَوجِيهها، فعندما يُرِيدُ الولَد القيامَ بِذلك ويَمنَعُه مِن ذلك والِدَاه لا يَلْتَفِتُ إلى هذا المَنْع وإنما عليه أن يُقنِعَهُما بِحسْب ما يُمكِنُ أن يَملِكَه مِن وسائلَ لِلإقناع، فقد تكون الدعوة بِحاجة إلى قيامِ ذلك الولَد بِها وهما لا يُرِيدانِ له القيام بِالدعوة، وأمثال هذه التصرفات التي تَكون كثيرا مِن الجهلة الحمقى الذين لا يُفرِّقون بيْن النافِع والضار، وإنما يُؤْثِرُونَ الهوى ويخلدون إلى ما يَتصوّرونَه راحةً لهم .. يُؤمَر الولَد في مثلِ هذه الحالة ألاّ يَلتفِت إلى ذلك، فإنّ المصالِح التي هي مَطلبٌ شرعي يَجِب تَقدِيمُها في مثل هذه الأمور. (1/23)
صفحة 24
على أنه قد قيل بِأنّ خيْرَ الآباءِ والأمهات مَن أَعانُوا أَولادَهم على بِرِّهم، فالأب والأم كلٌّ منهما مُطالَب بِأن يُعِين أَولادَه على بِرِّه .. عندما يَتعنَّت الأب يَكون دافِعا بِولَده إلى جَفائِه وإلى عُقوقِه بِسبب حَماقَتِه، وكذلك عندما تَتعنَّت الأم.
وهذا كثيرا ما يَحصُل لأسباب، كما ذَكَرَ ذلك صاحب " المنار " في تفسيره لسورة النساء عندما فسّر هذه الآية: { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوالِدَيْن إِحْسَانًا ... } [ سورة النساء، من الآية: 36 ]، إذ ذَكَرَ هناك بِأنّ كثيرا مِن الآباء والأمهات بِسبب حَماقَتهم يَحمِلون أولادَهم على رُكوب الشَّطَط والتَّعرُّض لِلعقوق، فلَربما كان الأب يَحرِص على أن يَفرِض هَيمنَته على ولَده في اختيارِ شريكةِ حياتِه، فيُكلِّفه بِأن يَتزوَّج مِمّن لا يُرِيدُها لِنفسه، وهذا أمرٌ فيه كثيرٌ مِن الحَرَج .. (1/24)
صفحة 25
ربما كَلَّفَه أن يُطلِّق امرأتَه مِن غيرِ داعٍ إلى ذلك مع ما بيْنهما مِن الأُلفة والمَودّة والانسجام، وهذا أمرٌ-أيضا-فيه كثير مِن الشّطَط، ولَربما فَرَضَ على بنتِه الزوج الذي يُرِيدُه هو لَها ولو كانت هي لا تَرضى به، بسبب-أيضا-رَغبتِه وهواه، إما لأجْل إيثارِ قرابتِه وإما لأجْل إيثارِ المنفعة المادية التي يَكتسِبها مِن وراءِ ذلك، ولَربما تَحكَّمت الأم-أيضا-في مصيرِ ابنتِها مِن حيث الزواج، فأرادت أن تَفرِض عليها الزوج الذي تُرِيدُه لَها مِن غيرِ أن تُقَدِّرَ شُعورَها، ولَربما حَرصت-أيضا-على أن تَجْفُو وَلدَها بِسبب زوجتِه مع أنّ الولَد غيرُ مُقصِّرٍ فيها والزوجَة غيرَ مُقصِّرَةٍ فيها ولكن تُرِيدُ التّحكم في حياةِ وَلدِها، وقد تجبره على تطليقِها وربما تجبره على أن يَتزوَّج مِمّن لا يُرِيدُها، فهذا كلُّه مِن الأمور التي تُؤدِّي إلى عدمِ استقرارِ أحوالِ العائلات، وهكذا، وقد ساقَ أمثلةً عايَشها بِنفسِه مِن أمثالِ هذه القضايا، فذَكَرَ عن أُمّ أنّ ولَدَها دُعِيَ إلى دارٍ خيْرٍ مِن دارِه وقرار خير من قراره وعمل خير من عمله وفرصة لأن يَتقرّبَ إلى الله - سبحانه وتعالى - أيضا أكثر مِمّا يَتقرّب في حاله ذلك إلا أنّ أُمَّه لم تُوافِق على ذلك بِسبب أنها أَلِفَتْ جِيرَةً مُعيَّنة ولا تُرِيد أن تَخرُج عن ذلك الجوار الذي أَلِفَتْه، وهكذا.
فمثلُ هذه التصرفات يَجِب أن تُراعى فيها المصالِح وألاّ يُكلَّف الولَد بِأن يَتحمَّل الأذى وأن يَتحمَّل العَنَت. (1/25)
صفحة 26
نعم عاطفةُ الأبوّة عاطفة لا تُقدَّر بِقدَر وعاطفةُ الأمومة تَفُوقُ عاطفةَ الأبوّة وغيرَها ولكن ربما غارَت هذه العواطِف ونَضَبَ مَعِينُها لِسببٍ أو لآخَر .. مِن جملةِ الأسباب أنّ الرَّجل قد يَتزوّج امرأة تَملِك عليه قلبَه وهي التي تَدفعُه إلى الإساءةِ إلى أولادِه، فالأب في مثل هذه الحالة يَكون غيْرَ معذور، وقد يَكون ذلك-أيضا-مِن الأم، فقد يُسيطِر عليها حبُّ زوجِها الذي هو غيْرُ أبٍ لِلولَد مع كُرْهِ ذلك الزوج لأولادِها مِن غيْرِه ويُؤدِّي بِها ذلك إلى أن تَجفُوَ أولادَها، فهذا-أيضا-مِمّا لا يُحمَد، ومِمّا لا يُقَرّ الآباء والأمهات عليه، فرِعاية المَصالِح في مثل هذه الأمور أمرٌ ضروري، ويَجِب أن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقّه مِن غيْرِ إفراطٍ ومِن غيْرِ تفريط.
ومع الحِرص على تقدير عواطِف الجميع وعلى تقدير مصالِح الجميع وعلى عدم جرْح شُعورِ أحدٍ مِن الأولاد مِن الذكور والإناث وعدم جرْح مشاعِر أحدٍ مِن الوالِدَيْن تَستقِر الأحوال ويَنعَم الجميع بِالطمأنينة ويَنعَم الجميع بِالرّاحة .. راحَة البال وراحَة الحياة بِأسْرِها، فهكذا يَدعو الإسلام إلى رِعاية ذلك كلِّه.
وكما أنّ لِلآباءِ والأمهاتِ حقوقًا على أولادِهم مِن البنينَ والبنات كذلك تَجِب حقوقٌ على الآباءِ والأمهاتِ لِلأولادِ مِن البنينَ والبنات_ -وقد خصّ لذلك الشيخ درسا بعد هذا الدرس وذلك ضمنَ هذه الدروس ألقاها بمسجد الجامعة بعُمان._.
الأسئلة التي أعقبت المحاضرة مع إجابة الشيخ عليها
س1: قَصَّرَ الوالِد في حقوق ولَده منذ صِغَرِه حيثُ تَركَه بعيدا عن رعايتِه وأَوْكَلَ الأمْرَ إلى الجَدِّ دونَ عُذْر فنشأتْ ردّة الفعل لدى الابن فلا يَجِد أيَّ مَيْل نَحو أبيه وهناك نوعٌ مِن القطيعة بينهما بدأها الوالِد وعزّزها ابنُه، فهل يَأثَم هذا الولَد ؟ (1/26)
صفحة 27
ج: قبل كلِّ شيء؛ هذا بِما كَسبت يدا الأب، فإنّ الأب بِإهمالِه ولدَه وُجِدَتْ في هذا الولَد هذه العُقْدَة النفسية، وصار مُتعَقِّدًا تِجَاه أبيه، ولا يَكتَرِثُ بِما فَرَضَ الله-تبارك وتعالى-عليه مِن حقوقٍ تِجاهَه.
أما الولَدُ نفسُه فإنّ عليه-حسْب وُسْعِه-أن يَقومَ بِما يَجِب عليه تِجاه الأب، فإنّ الإحسان إلى مَن أساء مِمّا يَدعو إليه الإسلام، ولو كان هذا المسيء مَن كان .. أَحْسِن إلى مَن أساء إليك، ولئن كان الإحسان إلى المسيء مَطلَبًا مِن مَطالِب الإسلام بِالنّسبة إلى أيِّ أحد فكيف بِالأب ؟! وهو له الحقوق العظيمة على ولَده، فعلى الولَد ألاّ يُعامِل الأب بِعقوقِه وبِإساءتِه .. إنما عليه أن يَبَرَّه وأن يُحسِن إليه بِقدْر المُستطاع؛ والله-تعالى-أعلم. (1/27)
صفحة 28
س2: ذكرتُم [ ص7 ] أنّ إبراهيم-عليه الصلاة والسلام-كان مُتلطِّفًا بِأبيه عندما كان يَدعوه إلى عبادة الله-تعالى-كما جاء في سورة مريم_ - { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا - إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا - يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا - يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا - يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا - قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا - قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا - وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا } [ الآيات: 41-48 ]._ إلا أننا نَجِده - عليه السلام - يُغْلِظُ القولَ مع أبيه في بعضِ المواضِع مِن القرآن الكريم كما في سورة الأنعام حيث قال عزّ مِن قائل: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [ الآية: 74 ]، فكيف نُوَفِّق بيْن هذا وذاك ؟ (1/28)
صفحة 29
ج: هذا ليس مِن إِغلاظِ القول، وإنما هو مِن الإخبارِ بِالحقيقة، فهو يُحاوِل أن يُنْقِذَ أباه مِن الضّلال الذي وَقَعَ فيه، فقال له بِأنّكَ { ... فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } مع إقامةِ الحجّة .. مع تبْيانِ البُرهان، وهو أنه لا يُمكِن أن تَكون هذه الأصنام آلهة، إذ لا تَملِك لِنفسِها نفعًا ولا ضرّا .. إنما الإله إلهٌ واحد ربّ السماوات والأرض الذي يَجرِي الكوْن بِأسْرِه بِحسْب النظام الذي وَضَعَه له، فلِذلك أَقام الحجّة مِن أُفُولِ الشمس والقمر والكوكب على أنّ هذه ليست بِآلهة، وإنما الإله هو الإله الواحد الذي خَلَقَ هذه جميعا_ - { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ - فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ - فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ - إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ سورة الأنعام، الآيات: 75-79 ]._.
س3: هل صحيحٌ أنّ عقوقَ الوالِدَيْن يُعتبَر مِن علاماتِ السّاعة ؟
ج: عقوقُ الوالِدَيْن وُجِد منذُ القِدَم، ولكن كلّما اقترَبَت السّاعة ازداد الناس فسادا في أخلاقِهم وسوءً في معاملاتِهم.
س4: يُوجَد في بعضِ دُوَلِ الغرْب استِئْجار الأرحام حيث يُقامُ بِتلقِيحِ البُويْضة بِالحيوان المنوي ثم تُوضَع في رَحِمِ امرأةٍ أخرى، فأيْن أُمّ هذا الطفل مِن هذه العملية ؟ (1/29)
صفحة 30
ج: الأُم هي صاحِبَةُ البُيَيْضَة التي تَكَوَّنَ منها الطّفل .. الأُم هي صاحِبَة البُيَيْضَة، أما تلكَ المرأة التي استُؤْجِر رَحِمُها، وهذا كما يُقال: " الرَّحِم الضِّئْر " .. يُسمّى في العُرْف المُعاصِر " الرَّحِم الضِّئْر " .. التي استُؤْجِر رَحِمُها مِن أَجْل تَربِيةِ هذه البُيَيْضَة مع الحيوانِ المَنَوِي فهذه نَصَّ العلماءُ المُعاصِرون على أنّ حُكمَها حُكم الأُم مِن الرّضاع، لأنها غَذَّتْ هذا الكائِنَ بِولَدها_ -في قول الشيخ: " بِولَدها " لبس، فليُنظَر معه ما الذي قصده._، فيَحرُمُ الزواجُ بيْنه وبيْنها، كما يَحرُمُ الزواجُ بيْنه وبيْن الأُم التي هي صاحِبَة البُيَيْضَة التي تَكَوَّنَ منها، وفي نفسِ الوقت تكونُ جَميعُ نَسِيبَات هذه المرأة اللواتي تَحرُمُ أَمثالُهُنّ عليه مِن قِبَلِ أُمِّه التي وَلَدَتْه حراما عليه-أيضا-مِن قِبَلِ هذه المرأة، وكذلك جَميعُ أَنسابِ هذه المرأة إن كان هذا المُتَكَوِّن أُنثى يُحرُمُون عليها، كما يَحرُمُ عليها أَنسابُ أُمِّها التي هي صاحِبَة البُيَيْضَة .. أي كَأبِ الأُم وأَخِ الأُم وأبناءِ الأُم وأَبناء أبنائِها وأَبناء بَناتِها وأَخوالُها وأَعمامُها، وهَلُمَّ جَرًّا.
س5: شخصٌ طَلَبَ منه أحدُ والِدَيْه أن يَتزَوَّجَ بِامرأةٍ مِن أَقارِبِه ولكنّه رَفَضَ ذلك الأَمْر لأنّه يَرغَب في التّزوُّجِ بِامرأةٍ أخرى أَفضَل استقامة وأَحْسَن أخلاقًا، فهل تُعَدُّ مُخالَفة أمْرِ والدَيْه في هذا الشأنِ عُقوقا ؟ (1/30)
صفحة 31
ج: مِمّا يَنبغِي تَفادِيه مِن قِبَلِ الآباءِ والأمّهات أن يَفرِضُوا على أَولادِهم أن يَتزوَّجوا نساءً معيّنة .. هذا الشيء كثيرا ما يُؤَدِّي إلى سوءِ مُعاملَةِ تلكَ المرأة-وتَكون هي الضّحِية-التي يَتزوّجُها الولَد بِإكراه .. كثيرا ما تَكونُ تلكَ المرأة نفسُها هي الضحية، فلا يَنبغي أن يُفرَض على الولَد أن يَتزوّج إلا مَن اقتنَع بِها بِنفسِه، كما أنّ البنت-أيضا-لا يُفرَض عليها أن تَتزوّج إلا مَن اقتنعَت بِه بِنفسِها، فإنه عندما يُفرَض عليها زوج لا تُحبُّه كثيرا ما يَشقَى بِها الزوج وتَشقَى هي بِه، فهذه مِن الأخطاء التي يَرتكِبها الآباء وتَرتكِبُها الأمّهات في حقوقِ أَولادِهم، ونظرا إلى أنّ تَزوُّج الرَّجُل بِالتي لا يَرغَب فيها ولا يُحِبُّها يُؤَدِّي بِه إلى التّقصِيرِ في حقوقِها والتّقصِيرُ في حقوقِ الزوجةِ أمْرٌ غيْرُ جائِز فإنّ مُخالَفةَ الأبَوَيْن في ذلك لا تُعَدُّ مَعصِية، إذ لا طاعةَ لِمخلوقٍ في معصيةِ الخالِق، ولا يُكلَّفُ الإنسانُ ما لا يَستطِيع.
س6: هل يَدعُو الولَد لِوالِدَيْه بِالرّحمة والمغفرة إن كانا فاسِقَيْن ؟
ج: لا، إنما يَدعُو لَهما إن كانا صالِحَيْن.
واختُلِف فيما إذا كان مَوْقُوفًا عنهما بِحيثُ لا يَعرِفُ حالَهما:
فقيل: يَدعُو أخْذًا بِإطلاقِ الآية الكريمة: { ... وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ سورة الإسراء، من الآية: 24 ].
وقيل: لا، لأنّ الدعاء إنما هو لِلمُتَوَلّى فقط.
وأما إن كانا فاسِقَيْن فلا ريب أنهما وغيْرَهما في الحكمِ سواء، لأنّ الله-تبارك وتعالى-يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالِدَيْن وَالأَقْرَبِينَ ... } [ سورة النساء، من الآية: 135 ].
س7: هل الحجّ عن الأُم مُقدَّمٌ عن الأَب إن كانا كِلاهُما مُتَوَفَّيَيْن ؟ (1/31)
صفحة 32
ج: نعم، ذلك مِن البِر، والبِر تُقدَّمُ فيه الأُمّ على الأَب، كما دَلّ على ذلك حديثُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - : " أيُّ الناسِ أَحقُّ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ " قال له: ( أُمُّك ) .. " ثم مَن ؟ " قال له: ( أُمُّك ) .. " ثم مَن ؟ " قال له: ( أُمُّك ) .. " ثم مَن ؟ " قال له: ( أبوكَ، ثم الأقْرَب فالأقْرَب )، فحَقُّ الأُمّ أَعظم، ولِذلك يُقدِّمُها في الحجّ عنها.
س8: إذا كان حقُّ الأُمّ أَكبَر بِكثيرٍ مِن حَقِّ الأب، فما الحِكمة مِن كوْنِ ميراثِ الأَب أَكثرَ بِكثيرٍ مِن ميراثِ الأُم ؟
ج: كلُّ ذلكَ بِمقتضَى الحِكمةِ الربّانية، فإنّ الله-تبارك وتعالى-جَعَلَ تَبِعات الذكور أَكثَرَ بِكثيرٍ مِن تَبعاتِ الإناث، فإنّ الذكور يُسأَلُونَ عن الكثيرِ مِمّا لا تُسأَلُ عنه الإناث .. هم أَوّلاً مُطالَبونَ بِكثيرٍ مِن الواجِبات .. منها الجِهاد، ومنها الإنفاقُ على الضّيْف، ومنها عَوْلُ الأُسْرة، ومنها العَقْل .. أي القيام بِدفْعِ الدية عن المُخطِئ .. عندما يَقتُلُ الإنسانُ خَطَأً-مِن العشيرة-فإنّ عشيرتَه هي التي تَعْقِلُ عنه .. أي تَدفَعُ الديةَ عنه .. ذلكَ كلُّه مِمّا يُكلَّفُ به الذكور، فلا غَرْوَ في مُقابِلِ ذلك أن يَكونَ نَصيبُهم مِن الإرْثِ أَوْفَرَ مِن نَصيبِ الإناث.
س9: ذكرتُم [ ص3-5 ] تَفضيلَ الأُم على الأَب في المُصاحَبَة، فهل يُشترَط أن تَكونَ الأُم مُسلِمَة ؟ وإذا كانت مُسلِمَة ولكنّها ليست في الوَلايَة، فهل المُفاضَلَة تَكونُ لِصالِحها ؟ (1/32)
صفحة 33
ج: كلُّ واحدٍ مِن الوالِدَيْن مُسلِما كان أو كافِرا بَرًّا كان أو فاجِرا له الحقوقُ الواجِبة، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - وَصَّى بِالوالِدَيْن_ - { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [ سورة لقمان، الآية: 14 ]._ ثم قال: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ... } [ سورة لقمان، من الآية: 15 ] .. مع هذه المُجاهَدة .. هما يُجاهِدان وَلدَهما على أن يُشرِكَ بِالله لكن مع ذلك يُصاحبُهما في الدنيا بِالمَعروف، فإذن بِرُّهُما مِمّا يَجِب لَهما ولو كانا على غيْرِ الإسلام، ولا ريبَ أنّ الوَلايَة إنما يَستحِقُّها المُسلِم البَر-دونَ الكافِر ودونَ الفاجِر-ولكن بِجانِبِ ذلك لا يَقطَعُ حُكْمُ عَدَمِ الوَلايَة ما يَجِب لِلأبِ أو لِلأُمِّ مِن البِرِّ الواجِبِ لَهما.
س10: رَجُلٌ ماتَتْ أُمُّه وهي غيْرُ راضِيَةٍ عنه وقد حاوَل هو قَبْلَ موتِها أن يَبلُغَ رِضاها ولكنّه لَم يَستطِع وذلك بِسببِ زواجِه مِن امرأة كانت والِدَتُه غيْرُ راضِية عنها وهو كان مُصِرّا على الزواجِ منها، فهل عَدَمُ رِضاها عنه لِذلكَ السّبَب يَكونُ عُقوقًا ويَندَرِج تَحْتَ ما جاء بِه الحديثُ الشريف: ( لا يَدخُلُ الجَنّة عاقٌّ لِوالِدَيْه ) ؟
ج: لا يَخلُو إما أن يَكونَ مُضطَرّا إلى الزّواجِ بِتلكَ المرأة أو يَكون غيْر مُضطَر:
فإن كان مُضطَرًّا إلى الزّواجِ بِها بِحيثُ يَرى أنه لو لَم يَتزوَّج بِها لأَدَّى ذلكَ إلى فِتْنَتِه ففي هذه الحالة مع وفائِه بِحَقِّ الأُم لا يَكونُ ذلكَ عُقوقًا.
وإن كان بِخلافِ ذلكَ بِحيثُ لم يَكن مُضطَرًّا إلى الزّواجِ بِها فإنّ مُخالَفةَ الأُمّ في ذلكَ غيْرُ جائزة. (1/33)
صفحة 34
ومع هذا كلِّه يُؤمَرُ هذا الولَد أن يَبَرَّ أُمَّه بعدَ موتِها، وذلك بِأن يَعمَلَ ما يُمكِنُه مِن الخيْراتِ التي يَعودُ إليها نَفْعُها، كالصّدقةِ عنها والحجِّ والعُمرةِ عنها، وأن يَبَرَّ أَقرِباءَها، كأن يَبَرَّ أَخواتِها وأن يَبَرَّ ذَوي الصِّلاتِ بِها، وهكذا.
س11: هل تَكونُ مَنزلَةُ الأُمّ مِنَ الرّضاعة هي نفس مَنزلَةِ الأُمِّ مِنَ النّسَب ؟
ج: لا .. الأُمُّ مِنَ الرّضاع لَيست لَها الحقوقُ الواجِبة لِلأُمِّ مِنَ النّسب، لأنّ تَعَبَ الإِرضاع لَيس كَتَعَبِ الحَمْل .. مَشقَّة الرّضاع لَيست كَمَشقّة الحَمْل على أنّ الرّضاع قد يَكونُ في مُقابِل أُجْرَة تَتَقَاضَاهُ المُرْضِعَة ولكن مع ذلك يُؤمَر أن يَبَر أُمَّه مِن الرّضاع وأن يَصِلَ أَهْلَ علاقتِه مِن قِبَلِ الرّضاع.
س12: هل تُعتَبَرُ زوجةُ الأَب بعدَ طلاقِها ضِمْنَ ذواتِ الأرْحام يَجِب بِرُّها وَوَصْلُها ؟
ج: هي لَيست مِن ذواتِ الأرحام ولكن هي مِن ذواتِ المَحارِم، فيَنبغي لِلإنسانِ ألاّ يَنسَى المَعروف وأن يَصِلَها خصوصًا عندما تَكونُ أَوْلَتْهُ معروفًا كأن تَكونَ قد قامتْ بِتربيتِه أو بِرعايتِه في حالةِ طفولتِه.
س13: ماذا تقول في الأُم التي كلَّما نصحتها في تَرْكِ مُنكَر تَغضَب .. فهل عَلَيَّ عَدمُ إِبداءِ النُّصحِ لَها ؟
ج: عليكَ أن تَنصحَها بِترَفُّق وبِتلَطُّف بِحسْب ما يُمكِنُك.
س14: مَن يُؤخِّر زواجَه خوْفًا مِن أن تَكونَ زوجتُه سببًا في التّقصِير في حقِّ والِدَيْه ؟
ج: عليه أن يُوَفِّيَ حقَّ والِدَيْه وبِجانبِ ذلك يُعِفُّ نفسَه بِالزّواج خصوصا عندما يَكونُ هنالِكَ دافِع يَدفَعُه إلى الزّواج .. عندما يَكونُ الدّافِعُ إليه قَوِيا.
س15: ذكرتُم [ ص5 ] أنّ الحَمْلَ يُؤثِّرُ في صِحّةِ الأُم، فهل هذا يَعني أنّ مِن الأَحْسَنِ تَقليلَ الحَمْلِ حفاظًا على صِحّةِ الأُم ؟ (1/34)
صفحة 35
ج: هي مَأجُورَة-إن شاء الله-على حَمْلِها، وهي مَأجُورَة على تَعَبِها في هذا الحَمْل ومَشقَّتِها فيه، وبِجانِبِ ذلك هي مَأجُورَة على تَكثِيرِ عَدَدِ المُسلِمِين إن شاء الله تعالى، فكلُّ ذلكَ يَكونُ لِحسابِها .. نعم عندما يَكونُ ذلكَ يُؤَدِّي إلى خَطَر يُهَدِّدُ حياتَها فالخَطَرُ يُتَفَادَى.
س16: هل تَختلِفُ وَلايَةُ الوالِدَيْن عن وَلايَةِ الأشخاصِ الآخَرِين .. بِمعنى أنّه هل يَلزَمُ أن يَكونَ له مَوقِف مِن والِدَيْه هل هما في وَلايَتِه أَمْ في البَراءةٍِ عندَه أَمْ في الوُقُوف ؟ وإذا كان الابنُ لَم يَلْقَ والِدَيْه في حياتِهما أو أَدْرَكَهما مُدّةً يَسِيرَة، فهل يَكتَفِي بِشُهْرَةِ فَضْلِهِما عندَ النّاس حتى يَدْعُوَ لَهما ؟
ج: قبلَ كلِّ شيء؛ الوالِدَانِ في هذه الناحية هما كغيْرِهما مع البِرِّ والإِحسانِ إليهِما ولكن عندما تَكونُ هنالِكَ شُهْرَة لِفضْلِهما فإنّ الشُّهْرَة مِن جُملَةِ الطُّرُقِ التي تُؤدِّي إلى الوَلايَة أو تُؤَدِّي إلى البراءَةِ، فشُهْرَةُ الفَضْلِ والتّقوى تُؤَدِّي إلى الوَلايَة، وشُهْرَة الفُجور والانحِراف تُؤَدِّي إلى البَراءَة، والوالِدانِ أَحَق بِأن يُتوَلَّيَا بِشُهْرَةِ الفَضْلِ.
س17: ذكرتُم [ ص2 ] أنَّ الإنسانَ عندما يَكبُر في السِّن ويُعَمَّر يَنتَكِسُ في الخَلْقِ وفي الخُلُق، كيف يَنتَكِسُ في الخُلُق ؟ (1/35)
صفحة 36
ج: نعم .. هذا شَأنُ الذين يُرَدُّونَ إلى أَرْذَلِ العُمُر، فعندما يَصِلُ الإنسانُ إلى أن يُرَدَّ إلى أَرذَلِ العُمُر يَنتكِسُ في الخُلُق كما يَنتَكِسُ في الخَلْق، فهو يَتضَجَّر مِن أَدنى شيء، وتَفْلت منه فَلَتَات .. كلمات لَم تَكُن تَفْلت منه مِن قَبْل .. يُعامِلُ الناسَ بِالضَّيْق .. يُعامِلُ الناسَ بِالشِّدَّة .. يَتأَفَّف لِكلِّ ما يَلْقَاهُ ويَتَضَجّر حتى مِمّن يُحْسِن إليه .. هكذا عندما يُرَدُّ الإنسان إلى أَرذَلِ العُمُر، فالإنسانُ يُنَكَّس في الخَلْق وكذلك الخُلُق عندما يَصِلُ إلى حَدِّ أَرْذَلِ العُمُر .. نَسألُ الله العافية مِن ذلك.
س18: أَيُّهما يُقَدَّم طاعةُ الزّوج أَمْ طاعةُ الوالِدَيْن ؟
ج: أما بِالنّسبة إلى المرأة فطاعةُ زوجِها مُقَدَّمَة .. قالوا: أَحَقّ مَن تُطِيعُه المرأةُ الزّوج، وأَحَقُّ مَن يُطِيعُه الرَّجُل الأُم.
س19: لِماذا عَبَّرَ القرآنُ الكريم عن بِرِّ الوالِدَيْن ورحمتِهما بِخَفْضِ الجَناح_ - { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ... } [ سورة الإسراء، الآية: 23 ومن الآية: 24 ]._ وليْس لِلإنسانِ جَناح وإنما ذلك لِلطّيْر .. كذلك في خطابِه تعالى لرسوله موسى - عليه السلام - : { وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ ... } [ سورة طه، من الآية: 22 ] ؟ (1/36)
صفحة 37
ج: الظاهِر أنّ السؤالَ صَدَرَ مِمّن لا يُؤمِنُ بِالمَجاز، مع أنّ المَجاز أُسلوبٌ مِن أَساليبِ التّعبِير .. أسلوبٌ مِن أساليبِ الإفهامِ في كلامِ العَرَب بل هو في كلامِ الناسِ قاطِبة، فالناسُ حتى غيْرُ العَرَب يَستعمِلونَ المَجازَ في كلامِهم، وحتى في المُصطلَحاتِ الجديدة .. الأشياء الجديدة .. قد يُعبَّر عن الشيءِ السّريع-الآن-بِـ " الصّاروخ " وهو ليس بِصاروخ ولكن بِسببِ السرعة .. قد يُعبَّر عن الموافَقة على فِعْلِ الشيءِ بِـ " إعطاءِ الضّوءِ الأخضر " .. يُقالُ: " أَعطى فلانٌ فلانًا الضوءَ الأخضرَ في هذا الشيء " .. هذا مصطلَحٌ جديد .. مصطلَحُ قيادةِ السيارات، ولكن مع ذلك تَجَوَّزَ الناسُ به. (1/37)
صفحة 38
والقرآنُ الكريم مليءٌ بِالعباراتِ التي جاءتْ فيها كلماتٌ مَجازِية .. نفسُ كلمةِ " التقوى " .. كم جاء في القرآن: { اتّقوا الله } ؟ ما معنى: { اتّقوا الله } ؟ هذه كلمةٌ هي في حقيقتِها مَجازٌ هنا، لأنّ " اتّقى " بِمعنى تَجنَّب .. " اتّقيتُ الشيءَ " بِمعنى تَجنّبتُه، فهذا الفعل الذي هو " اتّقى " مُطاوِع لـ " وَقَى " .. " وَقيتُه الشيءَ الفلاني فاتّقاه " .. أي جَنّبتُه إياه فتَجنّبَه، فاتّقى بِمعنى تَجنّب ولكن كلمة " تقوى " تُستعمَل في حقِّ الله-تبارك وتعالى-بِمعنى تَجنُّب ما يُسخِطُ الله بِفعلِ أوامرِه وبِتركِ نواهيه، فعندما يَقولُ إنسان لِغيْرِه: " اتّقِ ربَّك " لا يَعني بِذلك " تَجنَّب ربَّك " .. لا، وإنما المرادُ بِذلك: " تَجنَّب سَخَطَ ربِّك بِفعلِ ما يَأمركَ به وتَرْكِ ما يَنهاكَ عنه " .. في القرآن الكريم: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ... } [ سورة آل عمران، من الآية: 103 ] أيْن هذا الحبْل الذي يُعتصَمُ به ؟! كذلك في القرآن الكريم: { ... إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ سورة هود، من الآية: 56 ] .. " الصراط " هو الطريقُ .. هل معنى ذلك أنّ الله واقِفٌ على طريقٍ مستقيمٍ أو أنه قاعِدٌ على طريقٍ مستقيمٍ ؟! تعالى الله عن ذلك .. هذه العبارات تأتي في القرآن الكريم كثيرا .. { ... فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ... } [ سورة الحشر، من الآية: 2 ] هل معناه أنه جاء إليهم بِذاتِه في ذلك الوقت ؟! أتى بني قريظة بِذاته ؟!
فإذن القرآن الكريم مليء بِالمجاز، والمجازُ أمرٌ مألوف.
ويُقال: إنّ بعضَ الذين يُنكِرونَ المَجازَ جاء إلى شاعرٍ قال:
لا تَسقِني ماءَ الكآبةِ إنني صَبٌّ
قد استَعذَبتُ ماءَ بُكاءِي_
فأتاه بِكوز وقال له: " املأ لي هذا الكوز مِن ماءِ الكآبة " فردَّ عليه ذلكَ بِأن أَتاه بِمقراضٍ وقال: " اقْطَع لي رِيشَيْنِ مِن جناحِ الذُّل ". (1/38)
صفحة 39
فالمجاز موجود في كلام العرب .. منذ قديم كلام العرب.
المجاز موجود في الكلامِ الآخَر .. ما أَظنُّ لغة مِن اللغات تَخلو مِن مَجاز، لأنّ المَجاز طريق يُقابِلُ الحقيقة، فعندما يُرِيد الإنسان أن يُؤَكِّد مفهوما معيّنا يَستعمِلُ الألفاظَ المَجازية التي تَدُلُّ عليه .. عندما يُعبِّر عن حُسْنِ الشيءِ يُصَوِّرُه .. يَتحدَّث عنه كأنّه شَمس أو قمَر أو نَحو ذلك، أو كذلك الوضوح .. عندما يُرِيدُ أن يَصِفَ الشيءَ بِالوضوح يَصِفُه بِأنّه نَهار أو بِأنّه شَمس وهكذا .. عندما يُعبِّر عن عَكْسِ ذلك قد يَصِفُ الشيءَ بِأنّه ليل أو أنّه ظلام .. عندما يَتحدَّث عن السّعَة قد يَقول بِأنّ هذا الشيء بَحر، وهَلُمَّ جَرًّا .. هذه أَلفاظٌ مَجازية مَعهودَة.
س20: قلتُم [ ص6 ] بِأنّه إذا نادَى الأَبُ والأُم الولَدَ فعليه أن يُجِيبَ الأُم، فماذا لو كان الأَبُ والأُم مُنفَصِلَيْن ونادَيَاه أو كلٌّ يَرغَبُ أن يَسكُنَ عندَه فمن يُجِيب ؟ وهل يُوجَد فرْقٌ إذا كان الولَد بالِغا أو غيْر بالِغٍ ؟
ج: إن كان غيْرَ بالِغ فبِحسْبِ ما يَحكُمُ القضاءُ الشّرعي مِن الحضانة، لأنّه قد يَحكُمُ القضاءُ الشّرعي في فترةٍ مِنَ الفترات بعدما تَنتهِي حضانةُ الأُم بِأن يَكونَ مع الأَب لأجْل تَربيتِه، لأنّ تلكَ المرحلة يَكونُ الأَبُ فيها أوْلى بِأن يَرعاه بِسببِ التربية .. هذا مع عَدَمِ انقطاعِه عن الأُم.
وعندما يَكونُ بالِغًا .. على أيّ حال البالِغُ يَملِكُ أَمرَه والأوْلى له أن يَستجِيب لأُمِّه لأنها أَحوَجُ إليه وأَحوَجُ إلى رعايتِه؛ والله-تعالى-أعلم.
وبِهذا نُنهِي-إن شاء الله-الإجابة على هذه الأسئلة في هذه الندوة؛ والله-تعالى-ولِي التوفيق.
- (1/39)