صفحة 1
الكتاب: حقيقة الإرهاب لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) لسماحة الشيخ العلامة:
أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ومتعنا بحياته وعلمه
المفتي العام لسلطنه عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره، وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلى الله وسلم عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ؛؛؛
فقد سبق في الدرس الماضي...
أن الإنسان مطالب بأن يزكي نفسه ولا يدسيها، لأن فلاحه منوط بتزكيتها، بينما تدسيتها سبب للخيبة، هذه الخيبة تكون في الدنيا، وتكون في الآخرة.
ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى الذي أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، وأمرهم بما أمرهم به من دعوة الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، أرسلهم بما فيه سعادة هذا الإنسان في عقباه وسلامته في دنياه، لأن الأخذ بأسباب هذه الرسالات سبب لنجاة هذا الإنسان، وسيره سيرا سليما في هذه الحياة، ولا ريب أن المصير إنما هو رهن المسير، فبحسب ما يكون الإنسان عليه في حياته الدنيا تكون عاقبته يوم القيامة عندما يختم له بذلك. (1/1)
صفحة 2
هذا؛ ومن المعلوم أن الإنسان المسلم الذي شرفه الله سبحانه وتعالى بهذا الفضل العظيم، وهذه النعمة الجسيمة، وبوأه هذا المقام العالي، وأنزله هذه المنزلة السامقة، هو جزء من المجتمع البشري في هذه الحياة، ولذلك كان لزاما عليه أن يفكر كثيرا فيما يدور حوله في هذا المجتمع، وهذا ما وجه إليه القرآن الكريم الأمة المسلمة، منذ كانت أفرادا في مرحلة تكوينها الأولى، فإن الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه الكريم ما يتلى إلى قيام الساعة، لأجل إنباء المؤمنين بحالة صراع كان داميا بين دولتين كبريين في ذلك الوقت؛ دولتي الروم والفرس، وما انتهى إليه الصدام المسلح بينهما، وما سوف ينقلب إليه في المستقبل، مع أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا محصورين في المجتمع المكي، وكان مجتمعا جاهليا تغمره الكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية، وما كان المؤمنون في ذلك الوقت إلا أفرادا، ولكن الله سبحانه أراد بهذا أن يهيأ هذه الأمة في أول تكوينها، بأن تكون أمة عالمية، أمة تتابع ما يجري في هذه الحياة، لأنها المسؤولة عن هذا العالم وتوجيهه إلى الخير، فلذلك كان لزاما على المسلم أن يكون حريصا على تتبع ما يجري في هذا العالم؛ ليأخذ العبرة من كل شيء، فإن لله سبحانه وتعالى سننا في هذه الحياة لا تتبدل، وقد جاء القرآن الكريم ليأكد على هذه السنن، ومن أجل ذلك دعا إلى الاعتبار؛ دعا القرآن الكريم إلى الاعتبار بالأمم الخالية، وما أصابها من خير وشر، ونفع وضر، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين )) ويقول سبحانه وتعالى: (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )) ونجد أن الله سبحانه وتعالى ينبئ البشر عن كون ما يصيبهم إنما هو بسبب ما كسبت أيديهم، فالله سبحانه (1/2)
صفحة 3
وتعالى يقول: (( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )) ولا ريب؛ أن العبرة إنما تنفع المؤمنين، العبد الموصول بالله سبحانه وتعالى ينتفع بالعبرة، ويستفيد من العظة، ويقف عند حدود سنن الفطرة، والمؤمن دائما يكون موصولا بربه يرد كل شئ إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه يوقن أن هذا الكون بأسره ما هو إلا مملكة الله سبحانه وتعالى، وأن كل ما يجري فيه؛ من رفع وخفض، وعطاء ومنع، وإعزاز وإذلال، وإحياء وإماتة، وجميع تصريفات هذا الكون، كل من ذلك إنما هو راجع إلى الله، فلذلك يقف المؤمن عند هذه الحدود، ويعتبر اعتبارا بكل ما يجري في هذا الكون، فقد قيل: من لم يعتبر بغيره كان معتبرا لغيره. (1/3)
صفحة 4
ومن المعلوم أن العالم شهد أحداثا في هذه الأيام الأخيرة هزت هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولا ريب أن للمسلم بسبب عقيدته الإيمانية وصلته بالله سبحانه وتعالى قلب ينبض بالرحمة ويفيض بالحنان، ولذلك يتألم المسلم أن يصاب البريء أيا كان، فإن ذلك إنما يرجع -في الحقيقة- إلى هذا الخلق المستوحى من عقيدة المسلم الموصول بالله سبحانه وتعالى، وهو هاجس يفتعل في نفس المسلم، فيمتزج بوجدانه ومشاعره، وهذا أمر معهود، إذ الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم أمر بالعدل، ونهى عن الحيف والجور، ووجه المؤمنين إلى العدل في كل شيء، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين )) ويقول في مقابل ذلك أيضا: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )) فالعدل -إذاً- مطلب من مطالب هذا الدين، وذلك أمر يشترك في منفعته الجميع، إذا ليس هو حكرا على طائفة من الناس دون طائفة، العدل مطلب إسلامي إيماني يجب على المسلم أن ينهج نهجه، وأن يستمسك بعروته، وأن لا يفرط في شيء منه، وحسبنا أن نجد في كتاب الله سبحانه -والله سبحانه هو أحكم الحاكمين- ما يبرئ يهوديا -مع عداوة اليهود- من تهمة ألصقت به، وأمر أريد له من ورائه أن تكون له عاقبة غير حسنة، نزلت آيات في كتاب الله: (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبتون ما لا يرضى من القول وكان الله عليما حكيما )) إلى آخر الآيات التي جاءت تبرئة لساحة يهودي، فإذاً نحن لا نستغرب أن نرى الهيئات الرسمية والمؤسسات الدينية تستنكر وقوع هذا الأمر الذي شمل (1/4)
صفحة 5
الأبرياء، وكذلك عندما ننظر إلى القرآن الكريم في توجيهه للمؤمنين في الحرب نجد أنه يوجههم إلى حرب نظيفة، حرب لا ظلم فيها ولا حيف على أحد، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )).
ولكن مع هذا كله هل تفيد أحدا رحمة أحد به إن لم يكن راحما لنفسه، أولا: قبل كل شيء على الإنسان أن يكون راحما لنفسه حتى يستفيد برحمة غيره له، ومن المعلوم أن من رحم نفسه عليه أن يسلك المسلك السليم، مسلك العدل، مسلك الحق، وأن لا يحيف على أحد، إذ من جرّع غيره كأسا جرعها، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، فإن الله تعالى بسبب عدله بين عباده يحول سبحانه وتعالى الغالب إلى مغلوب، والمنتصر إلى منتصر عليه، والقوي إلى ضعيف، ومن حاف على غيره حيف عليه، فإذاً نحن مهما تألمنا لما يصيب الأبرياء لا يفيد أولئك المصابين، ولا الذين جنوا عليهم، من رحمتنا شيء، ما لم يكونوا راحمين لأنفسهم، وما لم يكونوا عارفين الحقوق الواجبة -الحقوق الإنسانية- التي جعلها الله سبحانه وتعالى مشتركة ما بين الجنس البشري، نحن كما قلنا نجد الإسلام الكريم؛ كيف يوجه المسلمين إلى كل ما فيه عدل، وإلى كل ما فيه خير، وإلى كل ما فيه سلامة، فكما أننا نجد في القرآن الكريم توجيه عباد الله تعالى المؤمنين عندما ينزلون في ساحات القتال إلى أن يكونوا عادلين راحمين، نجد مثل ذلك في السنة النبوية على صحابها أفضل الصلاة والسلام، ونجد مثل ذلك في هدي الخلفاء الراشدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان عندما يعقد راية أو يبعث سرية يأمر بالعدل، يأمر أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، أن لا يقتلوا وليدا، وأن لا يقتلوا شيخا هرما، وأن لا يتعرضوا للرهبان في صوامعهم، وأن لا يغلوا، وأن لا يمثلوا، إلى غير ذلك، وهذا مما شاع في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ونجد ذلك أيضا في عهود الخلفاء الراشدين، حتى أن أبا (1/5)
صفحة 6
بكر رضي الله تعالى عنه كان ينهي جيشه عن أن يرتكب أي شيء من هذه الحماقات، إلى حد أن يأمر جيشه حتى بالرفق بالحيوانات، فلا يعقروا حيوانا، لا يعقروا بعيرا ولا شاة إلا من أجل الأكل، وكذلك ينهاهم عن قطع الشجر، ينهاهم عن كل ما فيه الإضرار بهذه الإنسانية، وهذا هو منهج المسلمين في حياتهم، وهل عومل المسلمون بما عاملوا به غيرهم؟!!!.
هذه الأحداث -كما قلنا- هي غير خارجة عن سنن هذه الحياة، فإن سنن الحياة سنن تدعو إلى التدبر والتأمل والتفكر، وتدعو إلى الاعتبار والاستعبار، ولكن أنى ذلك؟ إنما الذكرى للمؤمنين: (( فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى، الذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى )) فهذه الأحداث مسبوقة بأسبابها، وإن مما يشدّ كل من له فكر؛ ذلك النطق السامي الذي نطقه عاهل البلاد المفدى حفظه الله تعالى عند افتتاحه "مجلس عمان" حيث قال بضرورة مكافحة الإرهاب، ولكن مع تتبع أسبابه، ومعرفة هذه الأسباب.
فما هي هذه الأسباب؟. (1/6)
صفحة 7
لو تأمل الإنسان الأحداث السابقة، وحسبنا أن نبدأ من عهد إلقاء القنبلة الذرية في اليابان التي حصدت مئات الألوف من الأبرياء، ثم ما تبع ذلك من الطغيان، وتأييد الطاغين والوقوف وراءهم مع أنهم يقتلون الأبرياء؛ يقتلون الأطفال، ويقتلون النساء، ولا يبالون بما يقعون في هذه الدنيا، هل هذه أسباب غير كافية لأن تنتج مثل هذه الثمار المرة التي يتجرعها من يتجرعها بمرارة؟ فكم من نساء رملت؟ وكم من أطفال يتموا؟ وكم من أطفال قتلوا؟ وكم من نساء قتلت؟ وكم من أناس شردوا؟ تأتي الجرافات الصهيونية لأجل هدم مساكن المسلمين في فلسطين وإخراجهم من بيوتهم، وإلقاء النساء والأطفال في العراء من غير مبالاة، والقوة الكبرى تقف وراء ذلك وتؤيد هذا كله، فكيف يكون هذا إرهابا ولا يكون هذا إرهابا؟ ومع هذا أيضا؛ كم من برئ قتل في العراق؟ تأتي الطائرات لتقذف المدنيين الأبرياء الذين لا ذنب لهم، ولم يرتكبوا أي سبب من الأسباب، ومع هذا يتمادى أولئك في هذا الطغيان، ويرتكبون هذه الأحداث، أليس ذلك كله داعيا إلى مثل هذه الأحداث بغض النظر عن مصدرها، إذ الله تبارك وتعالى يسلط من يشاء على من يشاء، قد يسلط على الإنسان من هو من بني جنسه، قد يسلط عليه أقرب قرابته وأخص خاصته، ليفعل فيه فعلته بسبب ما ارتكب من إجرام، والله سبحانه وتعالى يقول: (( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون )) (1/7)
صفحة 8
هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، ثم مع هذا كله أيضا؛ ما هي النتيجة؟ هل هنالك ارعوى أو ازدجار أو مراجعة للحسابات؟ أو أن بدلا من ذلك ازداد طغيان أولئك وتماديهم في الفساد، الله تبارك وتعالى يبين لنا سننه في الخلق فيما فعل بالأمم السابقة، يقول عز من قائل: (( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد الله رب العالمين )) هذه سنة لا تتبدل، ونحن عندما ننظر إلى أحوال هؤلاء، نجد أنهم أخذوا بالبأساء والضراء، ولكنهم لم يتضرعوا، فكم من آيات الله تبارك وتعالى التي تجلت لهم؟ وكم من مصائب أصابتهم بما ارتكبوه من ذنوبهم؟ انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة التي أصبحت ترعبهم وتقلقهم ولم يستطيعوا احتواءها والسيطرة عليها من جملة أخذهم بالبأساء والضراء، والزلازل هي من جملة البأساء والضراء؟ والأعاصير من جملة أخذهم بالبأساء والضراء؟ والحرائق هي من جملة أخذهم بالبأساء والضراء، ثم ما وقع أخيرا هو من جملة بالبأساء والضراء، ولكن مع هذا الطغيان فإن الله سبحانه وتعالى فتح عليهم أبواب كل شيء، وكان من هذا تسابق الكثير الكثير من المتسابقين في إرضائه والانضمام إلى لوائهم وتحميل من حملوه عاقبة هذا الأمر، هذا كله مما يفرحهم ويجعلهم يخلدون إلى ما هم عليه، ولكن ما هي عاقبة ذلك: (( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )). (1/8)
صفحة 9
ولننظر إلى ما حصل؟ ما الذي كان منهم بعد الذي حدث أن حدث؟ ما كان منهم إلا أن ساقوا هذه التهم للأبرياء، ويتكشف يوما يعد يوم كذبهم فيما يقولون، فإنهم كثيرا ما يريدون أن يضللوا الرأي العام بوسائل الإعلام المضللة، أنهم اكتشفوا ما اكتشفوا، وأنهم وصلوا إلى حقائق وأمسكوا الخيوط، وسيبينون هذه الحقيقة للناس، ولكن عندما يأتي ميقات تبيينها حسب مواعيدهم بأنفسهم، يتهربون؛ تارة يقولون بأنهم إنما يحاذرون؛ ولأسباب أمنية يتركون الأمور في الخفاء إلى أن يحين ميقات إبدائها، وتارة يقولون كذا، و تارة يقولون كذا، إلى غير ذلك من التضليل للرأي العام، وهم وجهوا تهما إلى أناس؛ منهم من تبين أنه ميت قبل سنتين، ومنهم من تبين أنه حي في بلاده، وقد قالوا بأنهم من ضمن المجرمين الذين ركبوا هذه الطائرات وفعلوا فعلتهم هذه، وتارة يقولون بأنهم وجدوا ورقة لم تحترق، وهل من المعقول أن تبقى ورقة في طائرة لا تحترق مع احتراق الطائرة بكل من فيها، وبكل ما فيها، وبكل ما اصطدمت به؟ هل ذلك من المعقول؟ أو أن هذا من التدجيل والتضليل، الله المستعان، وتارة يقولون بأنهم وجدوا حقيبة فيها جوازات أولئك الذين يحملونهم مسؤولية هذا الأمر في غرفة في الفندق، فإذاً كيف استطاعوا أن يركبوا الطائرة وأن يتخطوا الإجراءات التي في المطارات حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، مع أنهم تركوا جوازاتهم من خلفهم؟ هذه أمور كلها إنما تدل على أن هؤلاء في نفوسهم حاجة، وهم يحملون حقدا على الإسلام والمسلمين، ويريدون إلصاق هذه التهمة بالمسلمين مهما كلفهم الأمر.
على أن هناك الكثير الكثير من الدلائل التي تدل على أن اليهود من وراء هذا الأمر، ولكن لم تشر أصبع من أصابعهم إلى اتهام اليهود، وهذا كما يقول الشاعر:-
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد***جاءت محاسنه بألف شفيع
من ذلك... (1/9)
صفحة 10
قبل كل شيء؛ اليهود لهم تآمر على العالم ، وهذه التآمر ليس هو وليد اليوم والأمس، بل أسفر عنه "مؤتمر بال" الذي أنعقد في هذه المدينة "مدينة بال" بسويسرا في عام 1897م، وهو المؤتمر الذي أسفر عن "بروتوكولات حكماء صهيون" وفيها تخطيط لاحتلال العالم بأسره في ظل مائة عام، وهم يطمحون إلى أن تكون عاصمة مملكتهم التي تسود العالم هي روما، وقدر الله سبحانه وتعالى أن فشلوا في الوصول إلى هذه الغاية التي يسعون إليها، فشلوا في الوصول إلى هذه الغاية إذ لم يستطيعوا أن يحكموا العالم، وإن كانوا تحكموا في كثير من أموره بسب توصلهم إلى القيادات الكبرى واحتوائهم لها، وبسبب إمساكهم بأزمة القضايا الاقتصادية حتى اغرقوا هذا العالم في حمأة الربا، وصاروا هم الذين يجنون ثمار هذا الربا المشؤوم.
وكذلك من خططهم إغراق الناس في الفساد على اختلاف أنواعه، وهذا أمر أيضا نجحوا في كثير من جوانبه، ولهم الكثير الكثير من الخطط، وهم شكلوا لجنة منذ انعقاد هذا المؤتمر لتتبع جميع قراراته وتوصياته، ولا يموت أحد من أعضاء هذه اللجنة إلا ويبدل بغيره، واللجنة مستمرة إلى هذا الوقت، فإذاًً ألا يقال بأن هؤلاء لا ينزهون ولا يبعدون ولا يبرؤون من أن يكونوا هم الذين دبروا هذا الأمر، على أن القرآن الكريم واضح في وصفهم، فالله تبارك وتعالى يقول: (( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا )) هذه هي طبيعة اليهود. (1/10)
صفحة 11
وكذلك من المعلوم أن الرئيس الأمريكي الحالي كان منافسا من قبل رئيس آخر، وقد كان اليهود يطمحون إلى أن يتوصلوا إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال نجاح الرئيس المنافس لهذا الرئيس الحالي أي الرئيس بوش، وهو آل جور، كانوا يطمحون أن يتوصلوا إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله، وبما أنهم لم يتوصلوا إلى إيصال ذلك الرئيس إلى منصة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ألا يقال بأنهم دبروا ما دبروه من أجل زعزعة الأمن والاستقرار، ومن أجل تحطيم هذه القوة الكبرى مهما كانت هذه القوة تتقرب إليهم وتساندهم، وتقف وراءهم وتشد من أزرهم، وتمكن لهم من تدمير بلاد الإسلام، وإفساد بلاد الإسلام، وإزهاق أرواح المسلمين، وفعل ما يفعلون.
ومما يقوي ذلك أن أربعة آلاف يهودي -فيما يقال- هم موظفون في هذه العمارة نفسها؛ في المركز التجاري العالمي ؛ وفي ذلك اليوم لم يحضر العمل أحد منهم ، وباعوا أسهمهم من البورصات العالمية قبل وقوع هذا الحادث بمدة قليلة، هذه الإشارات أليست كافية لأن تكون التهمة تلصق بهؤلاء اليهود؟.
ثم مع هذا كله؛ أيضا هناك فساد داخلي، والفساد الداخلي يؤدي إلى الكثير الكثير، وقبل فترة كان تفجير في المركز الذي في "أكلاهوما"، وقبل كل شيء أدين المسلمون بأنهم هم وراء هذا الأمر، حتى تكشف الأمر، وتبين من كان يحمل هذه الدسيسة، ويسعى إلى تقويض الأمن هنالك. (1/11)
صفحة 12
والفساد الذي في الولايات المتحدة الأمريكية لست مدعيا له، وإنما الأمريكيون أنفسهم يتحدثون عنه، وقبل بضع سنوات تحدثت هنا في هذا المكان، عن محاضرة ألقاها رجل أمريكي كان اسمه روبر كرين، وتحول بعد ذلك إلى فاروق عبد الحق بعد إسلامه، والرجل ليس هو من الناس السطحيين الساذجين، أو من الناس العادين المغمورين، وإنما هو رجل على قدر من الوعي والفهم والسياسة، والإدراك لأبعاد الأمور، واستنتاج العواقب من مقدماتها، فالرجل تبوأ عدة مناصب، وكان في عهد الرئيس نكسون كبير مستشاريه للسياسة الأمريكية الخارجية، هذه المحاضرة ألقاها في مجمع أبي النور في دمشق في شهر ذي الحجة من عام 1415هـ، أي قبل مضي سبعة أعوام، وكانت المحاضرة بعنوان "القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين" والرجل يتطلع بكل أحاسيسه وبكل مشاعره إلى أن يأتي الإسلام ليصلح تلكم الأوضاع الفاسدة، وينص على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أحوج ما تكون إلى قيم الإسلام، هي أحوج ما تكون إلى نظام يجمع ما بين القيم الروحية وما بين العطاء الحيوي في هذه الحياة الذي لا ينقطع، فإذاً لا بد من أن يكون الإسلام هو البديل المنتظر، وقد يقال بأن إسلام هذا الرجل كان سببا لهذا التفاؤل المفرط، والمبالغة في التطلع إلى عزة الإسلام، وكرامة الإسلام، والتشاؤم من الأحوال السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه أيد كلامه هذا بنقول من أقوال كبار الساسة الأمريكيين العقلاء الذين لم يعتنقوا الإسلام، هم تألموا لهذا الوضع المدمر داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بين أولئك برجنسكي الذي هو يهودي، والذي كان مستشارا للأمن القومي عند الرئيس كارتر، وفي نفس الوقت هو يعد باني السياسة الإمريكية الحديثة، الرجل نشر مقالا في إحدى الصحف نعى فيه الأوضاع القائمة في الولايات المتحدة ووصفها بالفساد، وتطلع إلى مستقبل؛ هذا المستقبل يحول الأحوال من وضع إلى وضع آخر، وكان مما قاله (1/12)
صفحة 13
في مقاله هذا: (إن الشعب الذي فقد الأخلاق لا يمكن أن يسن للعالم قانونا أخلاقيا) وأنتم ترون أنه صريح في أن الولايات المتحدة فقدت الأخلاق، وأن شعبها أصبح بدون أخلاق، فأنى لهذا الشعب أن يسن للعالم قانونا أخلاقيا؟
وقد قدم لمقاله هذا أحد الصحفيين المشهورين وهو ناثال جارولز، ووضع النقاط على حروف، وبين أن الإسلام هو البديل المنتظر، وأنه هو الذي سينتشل هذه الأمة من هذا الضياع، وسينقذها من هذه الهلكة، فإذاً؛ الأوضاع القائمة هي داعية لمثل هذه الأمور، فكيف للإنسان لا يبدأ أولا بإصلاح أوضاعه، وتدارك أخطائه؟ وإنما يحمل الجريمة من هو منها برئ بسبب تهمة في نفسه.
هذا ؛ وعندما نحاول أن نقارن بين أوضاع المسلمين الذين يصفونهم بالإرهاب، ويصفونهم بما يصفونهم به من الوحشية، كأنما كل مسلم سبع كاسر لا هم له إلا الافتراس، وبين أوضاعهم بأنفسهم، نجد الفرق الكبير، هم في هذا الوقت؛ وهم يزعمون أنهم رادت السلام في هذا العالم، وأنهم قادة الحضارة الحديثة وصانعوها وأئمتها وبانوها، هم في هذا الوقت عندما يهددون بأنهم سيطلقون قنابل، هذه القنابل تمتص الأوكسجين، كل قنبلة تمتص الأوكسجين بمقدار كيلو متر من كل الجوانب، فهل هذه الحرب حرب حضارية؟ وأين الإسلام من رحمته ولطفه حتى في الحرب؟ (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لقادة جيوشه بأن لا يقتلوا صبيانا ولا نساءا، وأن لا يقتلوا شيخا هرما، وأن لا يقتلوا أحدا من الرهبان، وأن لا يتعرضوا إلا لمن قاتلهم فحسب، لننظر هذا البون الشاسع ما بين الإسلام الحنيف برحمته ولطفه وما بين تصرفاتهم هم بأنفسهم. (1/13)
صفحة 14
ثم مع هذا كله إنما يريدون أن يفرضوا على الناس جميعا منطق القوة فالناس، عليهم أن يستكينوا لهم، وأن يستجيبوا لأمرهم من غير تردد، وليس لأحد خيار، وهم الذين يرفعون شعار الديمقراطية، العالم عليه أن يستجيب لهم: (إما أن يكون العالم معنا أو ضدنا) ومع هذا كله يفرضون على الجهات الإسلامية التي تعاني من الحرمان والإذلال والاستعباد أن تظل راضية بهذا الحرمان، وبهذا الاستعباد، وبهذا الهوان، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يجمدوا الأرصدة التي تخص الجهات التي تريد أن تتخلص من الظلم والاستعباد والإذلال، مع أن الإسلام إنما جاء من أجل تحرير هذه الإنسانية بأسرها، ما جاء ليقر الظلم بل جاء ليقاوم الظلم، ومن الكلمات التي رد بها الزعيم الهندي المسلم أبو الكلام آزاد على المدعي العام، بعدما قرأ المدعي العام السجل، سجل الدعوة في حال محاكمته في عام 1339هـ أيام الاستعمار الإنجليزي في الهند، وكان يحاكم أمام قاضي بريطاني وقضاة آخرين، هم أيضا يدورون في فلك السياسة البريطانية، كان مما أجاب به: (نعم إني قلت: إن الحكومة الحاضرة ظالمة، وإن لم أقول ذلك فماذا أقول يا ترى؟ إني لأعجب كيف يطلب مني أن اسمي شيئا بغير اسمه، وأن أدعو الأسود بالأبيض، إني مسلم؛ ولأني مسلم وجب علي أن أندد بالاستبداد وأقبحه وأشهر مساويه، وإن الإسلام أعلن حقوق الإنسان قبل إنقلاب فرنسا بأحد عشر قرنا، ولم يكتف بمجرد الإعلان بل وضع نظاما لجمهورية الحق بالغا في الكمال منتهاه، ولعمري إن مطالبة المسلم بأن يسكت عن الظلم ولا يسميه ظلما مثل مطالبته أن يتنازل عن حياته الإسلامية، فكما لا ترون لأنفسكم الحق بأن تطالبوا المسلم بأن يرتد عن دينه كذلك فليس لكم الحق في أن تطالبوا بأن يسكت عن الظلم ولا يسميه ظلما، لأن معنى كلتا المطالبتين واحد).
إذن؛ هذا هو منهج الاسلام. (1/14)
صفحة 15
الاسلام جاء لرفع الظلم، وكما قلنا أمر بالعدل حتى مع أعدى الأعداء، والقرآن الكريم جاء فيه ما يبرأ خصما من أعظم خصوم الإسلام، من أجل تعويد الناس على اتباع الحق وعدم ميلهم إلى الحيف، فكيف يرضى المسلم بأن يقر الظلم في نفسه، وأن يكون عبدا ذليلا خاضعا للظالمين، هذه أمور هي معاكسة -في الحقيقة- للطبيعة، وهي معاكسة لمنهج يعد من الثوابت التي لا يمكن تغييرها، فلا يمكن بأن تغير ثوابت الاسلام.
إذن؛ إلصاق التهمة بالمسلمين، وفرض الهيمنة؛ هيمنة الظالمين في هذا العالم عليهم، أمر لا يعد في منطق هؤلاء إرهابا، وإنما يعد هذا هو الحق، وهذا هو الرشد، وهذا هو الذي يجب أن يكون، فأين -إذن- هذه الدعايات الفارغة؟ أين ادعاء الديمقراطية؟ وأين ادعاء حمل راية السلام؟ وأين ادعاء حمل راية الحضارة في هذه الأرض؟ هذه أمور كلها تستوجب الوقوف عندها. (1/15)
صفحة 16
هذا -ولا ريب- أن ألمسلم -كما قلنا- عندما يبصر شيئا من هذه الأحداث التي تفرزها التطورات في هذا العالم؛ سواء كانت تطورات خير أو كانت تطورات شر، لا يدعها تمر عليه، فإن الله سبحانه وتعالى سنن -كما قلنا- سننا في هذه الحياة، وعلى المسلم أن يكون حريصا على تدبر سنن الله تعالى في خلقه، والله تبارك وتعالى بين عاقبة البطر، وما ينتهي إليه بأهله الذين بطروا معيشتهم في هذه الحياة الدنيا، يقول سبحانه وتعالى: (( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين )) ويقول سبحانه وتعالى: (( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون، لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون )) ونحن نرى أن الجاني الأول على أولئك الأبرياء الذين أصيبوا في هذه الأحداث إنما هو هذه السياسة المعوجة البعيدة عن الحق، فإن الله تبارك وتعالى بين أن فساد المترفين هو الذي يصيب عموم الناس ويهلك أبرياءهم وغير أبريائهم، هذه سنة الله في هذه الحياة الدنيا، أما في الآخرة فإن كل أحد مجزي بعمله: (( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت )) ولكن لما في فساد المترفين من انتهاك للحرم وإبادة للأنفس وإزهاق للأرواح وإضاعة للحقوق، جعل الله تعالى هذا الفساد ينتهي بهلاك الجميع، يقول سبحانه: (( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )) (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )).
قد يتسائل متسائل: ما هو الذي يعني غير أولئك المترفين حتى يصيبهم ما يصيب أولئك؟. (1/16)
صفحة 17
والجواب: أن الله تبارك وتعالى جعل النظام البشري لا يقوم إلا على الصلاح، فلذلك إن لم تأخذ العامة بأيدي المترفين ليقودوهم إلى الحق، وليردوهم إلى سواء الصراط، وليرجعوهم إلى الهدى، كانت العاقبة منعكسة عليهم كما تنعكس على أولئك المجرمين أنفسهم، وهذا ما دل عليه قول الله سبحانه وتعالى عندما ذكر فساد بني إسرائيل: (( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون، وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون )) والذين ظلموا وصف يصدق على مرتكب الجريمة وعلى من أقرها ولم يغيرها، فإن الله تعالى يقول: (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )).
وعلى أي حال القضية ليست قضية هينة، فإن أولئك القوم أفرزت ألسنتهم ما تغص به صدورهم من حقد على الإسلام والمسلمين، وانساقوا وراء مؤامرات اليهود، ووصل الأمر إلى أن يقولوا: (بأن الحرب التي سيعلنونها حرب صليبية) وهذه ليست كلمة عفوية كما ادعوا، إذ لا يعقل أن يصدر من رئيس دولة كبرى كلام عفوي، لا بد من أن يكون كلامه موزونا مضبوطا يدل على ما في قرارة نفوسهم، فهذه إنما هي بعض ما تطفح به صدورهم. (( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر )). (1/17)
صفحة 18
ونحن واثقون مهما تآمر المتآمرون على الاسلام، وحاولوا أن يشوهوا صورته، وأن يكدروا صفوه، وأن يبرزوه للناس في مظهر الوحش المتربص الذي لا هم له إلا أن يعدو على فريسته، لا بد من أن يسود هذا الدين، هذه الأحداث نفسها جعلت الكثير من الناس يتحدثون بالحقيقة وينشدونها، وأنا اطلعت فيما اطلعت عليه على مقال كتبه صحفي بريطاني بعد الحادث بنحو إسبوعين أو أقل يسمى "روبرت فسك"؛ نشر في بعض الصحف البريطانية السيارة، يقول في هذا المقال ما معناه: (بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقودهم إلى نفق مظلم، تقودهم إلى حرب لا يعرفون لها معنى إلا أن الولايات المتحدة الإمريكية تريدها) وتحدث عن المجازر التي ارتكبها شارون في صبرا وشاتلا قبل سنين وقال: (بأن ضحايا هذه المجازر هم أضعاف الضحايا الأبرياء الذين في الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف نغمض العين عن هذا كله ونتحدث عن المجازر التي وقعت هنالك) وتحدث عن كثير مما يرتكب في هذا العالم، ومع هذا كله أيضا توجه الكثير الكثير من الناس في القارة الأمريكية إلى دارسة الاسلام، حتى يقال بأن أمريكا اللاتينية أصبح القرآن الكريم فيها يمثل ثلث المبيعات من الكتب، الناس يريدون أن يدرسوا القرآن الكريم ليعرفوا حقيقة هذا الاسلام الذي يصوره هؤلاء في مظهر الوحش، وأنه لا هم له إلا افتراس الأبرياء، والله تعالى غالب على أمره، سبحانه يقول وهو أصدق القائلين: (( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )) وقد قال سبحانه وتعالى قبل ذلك: (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون )). (1/18)
صفحة 19
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، واقطع دابر القوم الظالمين. اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاردد كيده في نحره، وأعذنا وأعذ جميع المسلمين من شره. اللهم اقطع دابرهم، واستأصل شأفتهم، وردد كيدهم في نحورهم، وأعذنا وأعذ جميع المسلمين من شرورهم، وامح آثارهم، وأورثنا أرضهم وديارهم. اللهم احصهم عددا، واقتلهم ببدا، ولا تبق منهم أحدا. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم؛ اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم؛ اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وغرائب بطشك ونقمتك. اللهم أنت القادر لا يعجزك شيء. نسألك ربنا أن تنصر المسلمين في كل مكان، كما نصرت نبيك صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم الأحزاب، وكما نصرت عبادك المؤمنين. اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بخوفنا أمنا، وبذلنا عزا، وبفقرنا غنى، وبتشتتنا وحده، واجمعنا على كلمتك، وألف بين قلوبنا بطاعتك، يا رحيم يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغننا بحلالك عن الحرام، وبطاعتك عن الأثام، وبك عمن سواك، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احفظ الإسلام والمسلمين، واحفظ راية هذا الدين، واجعلها شامخة رفيعة إلى يوم الدين، إنك ربنا على كل شيء قدير. اللهم ربنا إنا نسألك بأنا نشهد بأنك أنت الله؛ لا إله إلا أنت، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. (1/19)
صفحة 20
نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، ولا عيبا إلا أصلحته، ولا غما إلا فرجته، ولا كربا إلا نفسته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا عافيته، ولا غائبا إلا حفظته ورددته، ولا ضالا إلا هديته، ولا عدوا إلا كفيته، ولا دعاءا إلا استجبته، ولا رجاءا إلا حققته، ولا بلاءا إلا كشفته، ولا سائلا إلا اعطيته، ولا محروما إلا رزقته، ولا جاهلا إلا علمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضى ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافية. اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم يا الله يا ذا الجلال والإكرام، نسألك أن تبرم في هذه الأمة أمر صلاح ورشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه شرعك، وتقام فيه حدودك، وتنفذ فيه أحكامك، ويتبع فيه كتابك، ويقتدى فيه بنبيك صلى الله عليه وسلم، إنك ربنا على كل شيء قدير، وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
* * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * * * * * * *
س1: تدور في جميع أرجاء المعمورة كلمة إرهاب، فكيف نفرق بينها وبين قوله تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)) ؟. (1/20)
صفحة 21
الجواب:- هذه أعراف قد تتغير بحسب مصطلحات الناس وبحسب مفاهيمهم، ومما يوسف له أن يكون المسلمون كثيرا ما يبعدون عن مصطلحات القرآن، فإن القرآن الكريم له مصطلحاته التي تعد تشريعا تعبيريا، كما أنه جاء بالتشريعات التعبدية العملية، وليتنا نقف عند مصطلحات القرآن ولا نخلط بينها وبين مصطلحات الآخرين، نعم؛ الإسلام جاء من أجل ردع الظالمين -كما قلنا- ومن أجل إقامة موازين القسط, ومن أجل رفع راية العدل, ومن أجل نصب معالم الحق والحقيقة, ولا بد من أن يكون للإسلام خصوم، وأن يتمالأ عليه المتمالئون، ويكيد له الكائدون، ولذلك كان هؤلاء بحاجة إلى ردع، والإسلام لا يقف مخذولا ممثلا في أنبائه عندما يكيد الكائدون له، بل لا بد من أن يواجه مكايدهم، ويقضي على مؤامراتهم ودسائسهم, ولذلك أمر بإعداد العدة لهم، هذه العدة من أجل إرهاب أي إخافة عدو الله وعدهم: ((واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)) فلولا ذلك لما كان للإسلام نفوذ مع تربص المتربصين، وتآمر المتآمرين، ومن المعلوم أن القوة تدفع القوة، والخوف يدفع الخوف، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، فإن الناس لا يستجيبون جميعا لصوت العقل ومنطق الحقيقة، وإنما كثير منهم يكابرون الحقيقة، ويطمسون نور العقل، وقد أجاد الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي رحمه الله عندما وصف حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه؛ مع قريش، كيف حاول أن يتلطف بهم، وأن يجرهم إلى الحق بالرفق، وبالمنطق السليم، وبالحجة الدامغة، وبالبرهان الساطع، ولكن مع ذلك كانوا متمادين في غيهم، مصرين على ما هم عليه، مخلدين إليه، يقول:-
والمصطفى قد كان حلو الكلم***وما أجابه أولو التغشم
حتى دهاهم بغتة في الحرم*** بجحفل كالليل داجي الأسحم
عليه تسليم السلام الأكرم (1/21)
صفحة 22
فمع تلطفه بهم، وحلو كلماته التي يلقيها عليهم، ما استجابوا له, إلى أن جاءهم بالجحفل العرمرم، عندئذ ماذا قالوا له، بعدما كانوا يسخرون منه، ويقولون ساحر، ويقولون مجنون، ويقولون كذاب، إلى غير ذلك مما كانوا يقولونه ويلصقون به صلى الله عليه وسلم؟ قالوا بعد ذلك: (أخ كريم، وابن أخ كريم، قدرت فأسجح) لأنهم أبصروا القوة، وهكذا القوة هي ترهب أعداء الله، وتحد من غلوائهم، وتجعلهم يتطأطأون للحق، والله تعالى المستعان.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س2: سائل يقول: إن ما يفعل في بلاد المسلمين من قتل وتشريد، وهدم للمنازل، وإحراق للمساجد من قبل اليهود وغيرهم من أعداء هذا الدين، فإن المسلمين لم يحركوا ساكنا، وأما ما حصل في الولايات المتحدة الإمريكية مؤخرا فإن العالم بأكمله قام ولم يقعد حتى الآن، فما الأسباب في ذلك؟.
الجواب: هذا إنما يعود إلى تفرق الكلمة؛ كلمة المسلمين, ذلك إنما يعود إلى تفرق الكلمة، المسلمون اليوم لم يأتوا من قلة، ولم يهزموا من ضعف مادي, وإنما القوة المعنوية ضعفت عند المسلمين، فكانت سببا لما حصل من هوانهم على الناس، ولو أن المسلمين استمسكوا بأسباب القوة لكان الأمر مخالفا لهذا تماما، لحسب لهم كل حساب، ولكن اصبحوا شراذم متفرقين، بأسهم بينهم شديد, صدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على خصعتها. قالوا: أمن قلة؟ قال: لا؛ إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الوهن في صدوركم. قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت) ومن المعلوم أن معظم الناس هم بنو الدنيا, فمن كان ذا شأن في هذه الحياة يتقى بطشه، ويرجى أي شيء؛ ولو كان خيالا من خيره، الناس يتسابقون إلى إرضائه، لأنهم لا يفكرون في المعاد والمنقلب, هذه هي طبيعة البشر, والله تعالى المستعان. (1/22)
صفحة 23
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س3: يسال السائل: ما حكم من يؤيد مثل هذه الأحداث ويعتبرها نكسة وردا لجزء مما يفعله أعداء الإسلام بالإسلام والمسلمين في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام؟.
الجواب: طبيعة البشر على أي حال؛ المظلوم من شأنه أن يفرح بالنكسة التي تصيب ظالمه، وأن يريد لظالمه الكثير -ولا سيما إن كان قويا- الكثير من النكسات التي تؤدي به إلى الهوان والذل, ولا ريب أن هذه عاطفة توجد في طبيعة البشر, ولكن نحن لا نقول عن الظالمين, وإنما نقول: المسلم بسبب إيمانه لا يحب أن يصيب السوء الأبرياء، أما الظالمون فلا ريب أنهم جنوا على أنفسهم بأنفسهم, والآخرون أيضا جنوا هم عليهم.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س4: قل كيف يمكن تفسير قوله تعالى: ((واقتلوهم حيث وجدتهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد))؟
الجواب: نعم؛ هذا أمر من الله تبارك وتعالى للمؤمنين لمواجهة أعدائهم الذين يقاتلونهم، ويصون الدعوة الإسلامية عن انتشارها، ويترصدون لها، هذه دعوة للمسلمين، فالمسلمون عليهم أن يهيئوا أنفسهم ليكونوا قادرين على أن يحققوا معنى ذلك بحيث يكونوا جندا لله تعالى حقا.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س5: سائل يقول: ما واجبنا كأفراد في محاربة الكفر والطغيان؟ وهل يجب علينا أن نمضي للأمم المستعبدة والمحاربة من قبل الكفار مع أننا لا نملك ما نحاربهم به من العتاد والسلاح؟ (1/23)
صفحة 24
الجواب: المسلمون جميعا أمة واحدة، يتألم المسلم لما يصيب المسلم في أي مكان، (المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يظلمه ولا يحقره, حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم), والحديث يقول: (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وفرض الله تبارك وتعالى مناصرة حتى أولئك الذين لم يهاجروا؛ مع أن حبل الولاء ينقطع بينهم وبين المؤمنين بسبب عدم الهجرة, ولكن عندما يستنصرون المسلمين عليهم أن ينصروهم, عندما قال سبحانه وتعالى: ((وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)) ترون كيف نظافة الإسلام حتى في هذه المواقف, إذا كان بين المسلمين وبين أحد ميثاق، فإن ذلك الميثاق تجب مراعاته، هذه هي نظافة هذا الدين الحنيف, وعلى أي حال؛ المسلم عليه قبل كل شيء أن يصلح نفسه بينه وبين ربه، وهذا ما مر به المسلمون في المرحلة الأولى عندما قيل لهم: ((كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)) ثم بعد ذلك عليه أن يهيئ نفسه ويهيئ أصحابه, لابد أن يكون الرأي رأيا جماعيا ولا يمكن أن يتوصل إلى نصر إلا عندما يشمل المسلمين نظام دقيق بحيث لا يكونون عشوائيين في تصرفاتهم وفي أعمالهم.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..
نسأل الله تعالى التوفيق للجميع وأن يعز الإسلام والمسلمين، إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (1/24)