صفحة 1
الكتاب: حكمة التشريع الإسلامي لأبي اليقظان
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) تأليف :
فضيلة الشيخ العلامة/ أبي اليقظان إبراهيم
الناشر : مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
كتبه وأهداه لكم:
موقع المجرة الإسلامية
www.almajara.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول
تمهيد
منذ أسسنا جريدتنا ونحن نرقب فرصة لنشر سلسلة مقالات في بيان حكمة التشريع الإسلامي وإظهار الإسلام في جوهره الناصع وانه دين الحضارة دين المدنية دين الرحمة والسعادة دين العزة والسيادة دين الإجتماع والعمران.
وقد حالت دون ذلك عوائق جمة سيما والجريدة في الدور الأول من حياتها. لأما وقد دخلت سنتها الثانية وهي والحمد لله ثابتة الأقدام واسعة الخطى فقد آن لنا أن نطرق هذا الباب بكل ما أتانا الله سبحانه من قوة وخدمة لشرعه القويم الذي جعلنا هذه الجريدة حبسا له شكرا له تعالى على توفيقه ومنته. (1/1)
صفحة 2
ان أكبر باعث لنا على خوض هذا الميدان وان لم نكن من فرسانه هو ما رأيناه بأعيينا وسمعناه بآذاننا ولمسناه بأيدينا من جراثيم الزندقة والالحاد التي سرت عواها من الغرب الى الشرق من طرق عديدة وسبل كثيرة واخذ يستفحل داؤها في أعز ما يملك المسلم في هذه الحياة من الدين باقسامه ويكتسح ضررها ما في قلبه من صحيح الإيمان وما في بصيرته من نور الإسلام وما في نفسه من العفة والفضيلة ، ولصيانة هاته المزايا من هاتيك الأضرار المبيدة رأينا من الفروض العينية وقد هيأ لنا الله والمنة لله وحده عدة الكتابة ان نشرح حكمة التشريع الاسلامي ونبين آثاره ومزاياه العائدة على الفرد والمجتمع في كل من الحياتين بالخير العميم حتى نزيح ما علق بالاذهان لا سيما أذهان النشأة المدرسية الاسلامية من أوضار الكفر والالحاد وحتى تأخذ الإسلام ناصعا من شوائب الشكوك وتتلقاه بكل يقين واقتناع. فان المبدأ اذا اخذ من طريق الحجة والبرهان والاقناع يكون أشد ثباتا وأكثر رسوخا وأدوم وجودا وأطول عمرا لا تزعزه عواصف الشكوك ولا تزلزله قواصف الريب بل يبقى على الدوام عقيدة راسخة بادية الاثار كثيرة الثمرات. (1/2)
صفحة 3
لقد حمل سيل التمدن الغربي فيما حمل جراثيم الزندقة والالحاد فبثها في النشأة الجديدة من أبناء المسلمين الضعفاء العقول المرني النفوس بواسطة جماعات المبشرين وقاعات المدارس وأعمدة النشريات الدورية من الصحف والمجلات فوجدت هذه الوسائط في أولئك تربة منبتة ومرعى خصيبا وقد ساعدها على تنمية هذه البذور فيها ما فتحته أمامها من أبواب المراقص والحانات وأنواع القصف والخلاعة والمجون فظنت هذه ان هذا هو عين الحضارة والرقي والتمدن الصحيح وان الدين الذي لا يوجد فيه شيء من هذا انما هو دين الجمود دين الرجعية دين مخالف للفطرة البشرية مباين لروح العصر الحاضر لا يليق الا بالأمم الهمجية في القرون الوسطى وقد بدت هذه النزعة الخبيثة في تركيا فكان من اثارها البارزة انسلاخ الكماليين من الاسلام واعلانهم اللادينية كما ظهرت بوادرها في مصر وقد حمل لواءها علي عبدالرزاق والدكتور طه حسين وسلامة موسى ومن لف لفهم وفي تونس وفي الجزائر ولها حسيس في أدمغة النشأة المدرسية وقد دخلت في الجامع الزيتوني كما دخلت في الازهر واذا لم يوضع لها حد فستصبح الجزائر وتونس عقب مصر على اثر الكماليين في اتجاه واحد في طريق واحد في آخره هوة سحيقة تبتلع كل من تطوح فيها فيصفق الشيطان واعوانه من الانس بحافتها طربا اذ انضاف الى سوادهم واحد هنالك.
ومما ينذر بما ذكرنا اتساع حركة التجنيس واخذها شكلا مخيفا ودخول جملة من ارباب الحيثيات الكبيرة في زمرة أنصارها الذين يظهرون عند الكلام عليها ويتوارون عند الكلام على بعض الحقوق المهضومة هذا من جهة وسكوت علماء الدين وجمودهم عن مقاومتها بدافع الخوف وعامل الرجاء من جهة أخرى واعطاء الكثير ممن يتظاهر بالدين امثلة سيئة شوهت وجه الاسلام لقلة الوازع الديني فيهم من جهة ثالثة. (1/3)
صفحة 4
فهذه الأمور وامثالها مما يجعلنا نتشائم من مستقبل الدين ونوجس خيفة من انتشار نزعة الزندقة والالحاد في كافة الأوساط الإسلامية عاجلا وآجلا فهنالك الخراب وهنالك الدمار.
وقد تفطن لهذا الخطر الداهم بعض اقطاب الاسلام في الشرق فعقدوا له الجمعيات وأسسوا المدارس وأنشأوا الجرائد والمجلات في جاوى والهند والحجاز والعراق والشام ومصر وتونس والجزائر لمقاومة ذلك الداء الفتاك وتصفية دم الاسلام الطاهر النقي من تلك الجراثيم السامة فجاهدوا في هذا السبيل حق الجهاد واوذوا في اثنائه من اخصامهم الالداء باذايات تلقوها بصبر ورباطة جأش شأن كل مسلم مخلص لدينه من كل متمرد عنيد عن الاسلام في كل زمان ومكان.
يجب على كل إنسان يجري في عروقه دم الإسلام ان يحسب لتلك النزعات حسابها وان يتخذ لها الوقايات اللازمة مخافة ان تسري في دمه أو دم وسطه فتعفنه وتفسده وتترك به مرضا عضالا ساريا بالتوارث الى الأعقاب وأعقاب الأعقاب فيخسر هو ومن بعده السعادتين ويبؤ بالغبنين فها نحن أولا نضم صوتنا الى صوت اخواننا في الشرق ونتعاون على البر والتقوى راجين من الله المدد والتوفيق على ما فيه الذود عن كرامة الإسلام واعلاء كلمة الله وموعدنا مع القارئ الكريم في العدد الاتي وكل آت قريب.
الفصل الثاني
التوحيد
لا يخفى ان وحدة النظام في العوالم العلوية والسفلية وما فيها من الكائنات تستلزم وحدة خالقها ومدبرها ومسيرها لأنه لو كان له شريك فيها وكانا متكافئ القوى لاقتضت ارادة كل واحد خلاف ما اقتضته ارادة الاخر فيختل نظام الكون وتصطك العوالم وهذا لم يقع.
((لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا ))
(سورة الأنبياء آية 22)
ولكنهما لم تفسدا . فلم يكن فيهما اذا آلهة وانما هو الاه واحد وعلى هذه القاعدة تنبني حكمة مشروعية التوحيد وإليك البيان . (1/4)
صفحة 5
ان فريضة التوحيد لاتعود منفعتها على الله الغني الحميد، ولو ان البشر كانوا من أولهم الى آخرهم على عقيدة الوثنية لما لحق الله سبحانه من ذلك مقدار ابرة من الاذى. ولكن منفعتها العظيمة انما تعود كلها عليهم لاغير. خلق الله البشر في أرضه، وجعله خليفته فيها، ولا تتم خلافته فيها الا بوحدة الإلاه. فاذا انفرط عقد وحدة الإلاه انفرط عقد وحدة النظام، وإذا أنفرط عقد وحدة النظام حلت الفوضى في العالم محل النظام فجاء الخراب والدمار وهو ما يقع الان في غالب الكرة الأرضية.
ولن يقدر ان يدعي مدع ولو بلغ من السفسطة ما بلغ انه إذا أنفرط عقد وحدة الإلاه لا ينفرط عقد وحدة النظام، ولا ان يقول انه إذا أنفرط عقد وحدة النظام لا تحل الفوضى. فالخراب فالدمار لانه لا يخفى حتى على الصبيان انه لو كانت هنالك شركة من الالهة لاقتضت ارادة كل واحد ان يسير نظام البشر على غير ما اقتضته ارادة الاخر، والا لكان احدهما عاجزا والعجز ليس من أوصاف الألوهية في شيء. واذا فرض كل منهما ارادته فهل تبقى الأرض أرضا والبشر بشرا والعمران عمرانا.
نحن لا نذهب بعيدا فامامنا دول ولكل منها رقعة من الأرض محدودة تدعي عليها السيطرة والقوة الفانية وهل كان مجموع هذه الدول على وفاق تام في جعل نظام واحد للعالم يسير عليه الى حيث السلامة والسعادة؟ اليس كل واحدة من تلك الدول تملي على البقية ارادتها بقدر ما تسمح لها قوتها وتخضع لها الاخرى بقدر ما يضطرها اليه ضعفها؟ وما منشأ التناحر والتطاحن الذي غرقت البشرية في بحا من دمائه لو لم يكن هناك تناقض في الارادات واختلاف في المصالح وتباعد في الأهواء والاميال وتبائن في الغايات؟
ولو كانت هنالك وحدة في القوة فهل يكون اختلال في النظام؟ ولو كانت وحدة في النظام فهل تقع البشرية فيما وقعت فيه الان؟ (1/5)
صفحة 6
فالتوحيد اذا أساس السعادة البشرية الأولى التي هي أساس السعادة البشرية الثانية. والشرك هو بركان الشقاء البشري الأول الذي هو شرارة للشقاء البشري الثاني، لأن التوحيد اعتقاد ان الله واحد في ذاته واحد في أقواله واحد في أفعاله واحد في صفاته لا يشبهه شيء. لا يشبه شيئا وهذا يقتضي وصفه بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص والايمان بهذا يستلزم الإيمان بكتبه ورسله، والإيمان بكتبه ورسله يستلزم امتثال ما شرعه من الدين والامتثال بذلك يستلزم السعادة في الدارين بالمعنى الصحيح.
والشرك اعتقاد ان الله تعالى شريكه في شيء من ذلك وهذا يقتضي وصفه بصفات النقص. وهو يستلزم تكذيبه وعدم الاعتراف بكتبه ورسله وهذا يستلزم انتهاك حرمة شرعه. وانتهاك شرعة يستلزم الشقاء في الدارين.
فأنت ترى ان السعادة تمشي من التوحيد حيث مشى، والشقاء يسير مع الشرك حيث سار، ان الشرك لظلم عظيم.
قد يقال هذا منتقض ما عليه العالم الان في الخارج فاننا نرى المسلمين حيث كانوا في ذلة وهوان وشقاء والمشركين حيث كانوا في عزة وعظمة وهناء. فالتوحيد اذا والشرك على عكس ما تقول فالأول كان السبب في شقاء المسلمين، والثاني كان السبب في سعادة الكافرين. فالواجب اعتناق ما فيه السعادة الملموسة ونبذ ما فيه التعاسة المحسوسة فتقول: ان شقاء المسلمين لم يلحقهم لاجل انهم مسلمون، وان سعادة المشركين لم ينالوها لاجل انهم مشركون، وانما لحق المسلمين ما لحق بقدر اخلالهم بما يستلزمه الايمان الصحيح من امتثال ما اوجبه عليهم الذي أمنوا به بقدر مخالفتهم للسنن الكونية والنواميس العمرانية التي سنها سبحانه وتعالى وشرعها في كتبه على السنة رسله لاجل اسعاد البشر. (1/6)
صفحة 7
وانما نال المشركون في هذه الحياة ما نالوا بقدر اخذهم من سننه تعالى ما فيه عمران هذه الدار وسنته تعالى في كونه لا تحابي احد خالفها ولا تحيف عن احد سلكها كائنا من كان فهي هي لن تتبدل ولن تتغير ولن تجد لسنة الله تبديلا.
فليس التوحيد اذا سببا لشقاء الأولين ولا الشرك سببا لسعادة الاخرين بل لم يزل التوحيد قاعدة اساسية للسعادة الحقة ما قارنه التصديق بما يستلزمه والشرك مثار الشقاء ما قارنه التكذيب الذي يستلزمه.
ولاجل الظاهرتين المتقدمتين اللتين ظهر بهما المسلمون من التعاسة والشقاء والمشركون من السعادة والسيادة انزلق كثير من شبان المسلمين في مهواة الزندقة والإلحاد لعدم رسوخ عقيدة الإيمان الصحيح في نفوسهم ظنا منهم ان ما عليه المسلمون في المشارق والمغارب من الارهاق والاضطهاد انما كان السبب فيها شركهم فطلقوا إسلامهم وهرولوا الغربيين فانقلبوا أعداء ألد للإسلام واخذوا من الغربيين قشورهم وسفاسفهم فاصبحوا كالغراب حاول مشية الحمام فنسي المشيتين معا وقد غلطوا بهذا غلطا فاحشا وحسبوا نور الإسلام نارا، ونار الشرك نورا وهذا لعمري أقصى غايات الجنون.
ان المسلمين لم يصبهم ما اصابهم الا بقدر اخلالهم بمبادىء الاسلام، والغربيين لم ينالوا ما نالوا الا بقدر استصحابهم من شمس جملة فننجو من التعاسة كلها؟ وهل من الواجب ان نأخذ حظنا من السعادة والتعاسة معا سعادة الدنيا الزائفة وعذاب الاخرة أو شقاء الدنيا ونعيم الاخرة أن كان على أنه
(( ومن كان في هذه أعمى فهو في الأخرة أعمى وأضل سبيلا))
(سورة الإسراء آية 72)
ومما تقدم ندرك حقيقة ان سر التوحيد عظيم ، وانه هو سر الوجود، سر الحياة، سر العمران، سر السعادة الكاملة في الدنيا والاخرة. (1/7)
صفحة 8
لأجل ذلك كان امره خطيرا واجره عند الله عظيما وقد جعله سبحانه فوق الاجناس والاوطان فوق الأموال والأبدان. واشهر سيفه في وجه معارضيه وهو للشرائع كالقطب من الرحا تدور هى حسب الأزمنة والامكنة ولكن لا تدور الا عليه ولا ترجع إلا إليه وهو هو لم يتبدل ولم يتغير لان متعلقه معرفه الله والله سبحانه دائما هو هو فى الازل وبعده في الدنيا والاخرة وعقيدتنا في التوحيد فى الدنيا هى عقيدتنا في التوحيد فى الاخرة.
هذا ما يوجبه الايمان الصادق وكل ما يغاير هذا فهو نشوز عن شرعهتعالى وتمرد عن طريقه ومما تقدم ندرك حقيقة ان امر الشرك مهول وشأنه فظيع لأنه الفناء والموت لأنه الخراب والشقاء لأنه الفوضى والارتباك لأنه الظلم والظلام ولأجل ذلك أعلن الله الحرب على معتنقيه وسجل عليهم من الغضب والسخط مالا يزيله الا الانابة منه اليه.
فالدعوة الى التوحيد دعوة الى الاسلام العام ، دعوة الى الهناء الدائم، دعوة الى الراحة الشاملة، دعوة الى السعادة الخالدة.
والداعي اليه ليس محسنا لنفسه فقط ولكنه محسن الإحسان العظيمة الى الانسانية جمعاء ، والى البشرية بأكملها، ذلك الاحسان لا يعد له الا اسعاد البشر كلهم في الدنيا والاخرة لأنه يدعوهم الى ما يوصلهم الى كل ذلك والداعي الى الخير كفاعله والدعوة الى الكفر دعوة الى الشقاء العام ، دعوة الى الخزي في الدنيا والعذاب في الاخرة.
والداعي اليه لم يسيء لنفسه فقط ولكنه يسيء كل الاساءة الى البشر كلهم فهو أكبر مجرم في الدنيا لا تعادل جريمته الا اهلاك البشر كلهم في الدنيا والاخرة لأنه يدعوهم الى ما فيه شقاؤهم اجمعين والداعي الى الشر كفاعله.
وقد أقام الله سبحانه الحجة على البشر اذ خلق لهم العقول تميز الحسن من القبيح والطيب من الخبيث فكانت هي مناط التكليف وبوجودها وجب وبعدمها سقط. (1/8)
صفحة 9
ولكن لما كانت العقول لا تهتدي لأول أمرها الى تفاصيل الشرائع كان من حكمته تعالى ان يرسل الرسل وينزل على ألسنتهم الكتب ليبينوا للناس ما نزل اليهم.
الفصل الثالث
ارسال الرسل وانزال الكتب
قد علمت أيها القارئ الكريم مما بينا أن سعادة البشر في الدارين متوفقة على وحدة النظام ووحدة النظام تستلزم وحدة الالاه.
ومما لا شك فيه ان ذلك النظام الوحيد المحكم ليس مما تتوصل اليه عقول البشر وانما هو خارج عن دائرة معقولهم. وليس من عدله ولا من حكمته تعالى ان يكلف خلقه بما يبلغهم من شريعته
(( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ))
( سورة الإسراء 15 )
ولهذا كان من مقتضى عدله ورحمته سبحانه بخالقه ان يرسل اليهم رسلا ليبلغوا اليهم من لدنه تعالى ذلك النظام وليبينوه ويشرحوه ويفصلوه لهم على مقتضى الهداية والإرشاد بالاسلوب الذي يفهمونه وبالكيفية التي تلائم مصالحهم الحقة على مختلف الأمكنة والعصور.
وليس من الحكمة ان يتخذ أولئك الرسل من غير جنسهم فيرسل اليهم مباشرة رسلا من الملائكة أو من الجن لأن الغاية من ذلك انما هو التبليغ والبيان والهداية والإرشاد ولا يمكن لأحد من غير جنسهم أن يقوم بينهم بهذه الوظيفة على الوجه المطلوب مع احرازهم على مزية التكريم والتفضيل على سائر خلقه.
وانما يمكن ان يقوم بها من امتزج معهم لحما ودما وغرائزا وعواطفا وأميالا. بخلاف الجن فانهم وان كانوا مكلفين مثلنا لكن لم يرسل منهم اليهم الرسل بل اكتفى عن ذلك برسلنا اما:
أولا: فللاحتفاظ بمزية التكريم والتفضيل لبني ادم واما
ثانيا: فلأن الغرض من ارسال الرسل من التبليغ والهداية والارشاد حاص لهم برسلنا ضرورة انهم يسمعوننا ويروننا من حيث لا نسمعهم ولا نراهم فيستفيدون منا كما يستفيدون من أنفسهم. (1/9)
صفحة 10
كما أنه ليس من الحكمة ان يرسل الى البشر الرسل من طبقاتهم السفلى فيرسلهم من النساء أو الصبيان أو العبيد أو البله والسفهاء أو المجانين لأن أمانة الرسالة عبء ثقيل لا يقدر على حمله الا صفوة الخلق ولباب البشر من ذوي الامزجة الصحيحة والعقول الراجحة ولأن التأثير المطلوب من الرسالة في الأمم لا يحصل بطبقتها السفلى وانما يكون من طبقتها العليا بالوجه الأكمل فكان من مقتضى الحكمة ان يرسل اليهم من بين خلاصة هذه الطبقة العليا
( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما )
( سورة النساء 165 )
وكان من مقتضى حكمته تعالى ان لا يرسل من تلك الطبقة العالية الا بلسان قومه (( وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم)) ولم يرسل أولئك الرسل الى أممهم هكذا بدون دليل قاطع يؤيدهم فيغاغص الأمم في مداركها ومشاعرها بل ارسلهم اليها بالايات البينات والمعجزات الباهرات على حسب مداركها ومبلغ رقيها المادي أو الادبي ومن جنس مألوفها ومولعها بلكن بوجه ابلغ وطريق خارق حتى تؤمن عن اقناع وتصدق من صميم القلب ان ذلك هو من عند الله.
فحينما ازدهر في عصر الفراعنة فن السحر مثلا ارسل الله موسى عليه السلام بعصاه فأبطل لهم بها ما جاءوا به من السحر وحين نضج في زمن الرومانيين فن الطب ارسل الله عيسى عليه السلام ببرء الأكمه والأبرص واحياء الموتى باذن الله وحين تناغت العرب وتفاخرت في ميادين الفصاحة والبلاغة وفتحت لذلك معارض وأسواقا بعكاظ وذي المجاز وغيرهما ارسل الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم في أقصى درجات الفصاحة والبلاغة بالغا حد الإعجاز عاليا عن متناول البشر تحدى به فحول الفصحاء والبلغاء من العرب العرباء فخروا كلهم أمامه الاذقان سجدا ولم يقدروا ان يأتوا ولو بأقصر سورة من مثله. (1/10)
صفحة 11
ان في ولوع الأمم بتلك الفنون وتنافسها بها قبل مجئ رسلها بنحو قرن ونصف ومن جنس ما سيأتون به بعد لارهاصات وطلائع ومقدمات لنبوتهم ورسالتهم عليهم السلام وذلك كله دليل قاطع على انهم مرسلون من عند الله ليهتدي من اراد هدايته وتنقطع حجة من اضله من المعارضين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة.
ولم يجعل الله سبحانه رسولا واحدا لجميع خلقه في جميع مراحل الحياة لأنه وان اتحدث اصول الشرايع ففروعها تختلف بإختلاف الأمم والعصور وأحوال المعاش ووسائل الحياة فكان من الحكمة ارسال رسل على رأس كل مرحلة من مراحل الحياة لتجديد نظامها وأساليبها على مقتضى ما يلائم مصلحة البشر في قطع المرحلة التالية. ولم يترك سبحانه خلقه وشأنهم في فترة الرسل بل بعث اليهم منهم في خلال ذلك أنبياء وجعل لهم ورثة من العلماء لنشر دعوة رسلهم وابلاغهم الى الاجيال بعدهم واقامة حجتهم عليهم وتمديد أمرهم اليهم فهم من الرسل بمثابة الأعوان من قواد الجيوش والأقمار من الكواكب السيارة والمواصلات الكهربائية من المعامل الكهربائية المركزية.
ولم يكتف سبحانه في هداية خلقه الى ذلك النظام بارسال الرسل فقط فهم وان كانوا أمناء على التبليغ والبيان ومؤيدين بما معهم من المعجزات والخوارق ومعززين بتلاميذهم من الأنبياء والعلماء لكن كلام البشر عرض سيال ينقضي بانقضاء تموجات الصوت وما يبقى فهو عرضة في طريق نققله للتحريف والتبديل والتغيير فكان من مقتضيات التأييد وصيانة الدعوة على ممر الأزمان وابلاغها بجوهرها الناصع الى من يأتي بعد من الاجيال انزل الكتب عليهم تصديقا لهم فيما ارسلوا به. وفي ذلك من تشريف واعلاء شأن الكتابة ما لا يخفى على بصير. (1/11)
صفحة 12
وليس من الحكمة انزال الكتب وحدها على الأمم مباشرة اذ لا تستفيد تلك الأمم منها شيئا الا بواسطة من يبين لها مبهمها ويفصل لها مجملها ويشرح لها ما يعتاص عن فهمها فكان من الحكمة اعداد رجال منها اخصائيين لتلقيها منه سبحانه وابلاغها مبينة الى خلقه كما شاء وأراد.
ولا يخفى ما تستلزم هذه الوظيفة العظمى من الكمالات والصفات العالية من تمام الايمان بالله والصدق والأمانة ورجاحة العقل وسلامة الحواس والخلو من الصفات الناقصة من ضعف الإيمان والغش والكذب وغيرها.
لقد كان من سننه تعالى في الخلق والإنشاء سنة التدرج فقد خلق البشر من آدم وحواء عائلة واحدة فأسر فقبائل فشعوبا فأمما
( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون))
( سورة النساء 1 )
وكان ارسال وانزال الكتب على مقتضى هذه السنة التدريجية يرسل الرسل الى اسرة فقبيلة فشعب فأمة وينزل الكتب صحفا فصحفا وكتبا فكتبا وكان يتدرج التشريع بها حسب تدرج الحياة وحاجيات البشر على أساس أغلبية المصلحة على المفسدة.
وكان البشر في هذه الحياة قافلة في مفازة طويلة قسمت طريقها الى مراحل ولكل مرحلة قائدها وكلما قطع قائد مرحلته بامته قام قائد آخر بقيادتها في مرحلته وهكذا وأول مرحلة في حياة البشر عهد أبينا آدم عليه السلام وآخر مرحلة لها عهد نبينا محمد عليه السلام الى يوم القيامة وقائد المرحلة الأولى هو الأول وقائد المرحلة الأخيرة هو الثاني. (1/12)
صفحة 13
وقد روعي في تقسيم هذه المراحل وتضخم جموعها وسن نظامها سنة التدريخ. وما يعرض للقوافل عادة في مراحلها من اللصوص وقطاع الطرق من جرائم السلب والنهب وزهق الأرواح وقطع الطرقات وخصوصا في ظلام الليل بعد عيائها وفتورها من مرحلتها بالأمس وقبل قيامها ناشطة لمرحلة اليوم يعرض كذلك لقوافل البشر في مراحلها من لصوص العقل وأعداء الإصلاح البشري ولاسيما في ابان الفترة التي بين مرحلة وأخرى وأول هدف لأولئك اللصوص وقطاع الطرق في عيشهم وفسادهم هم قواد تلك القوافل وأعوانهم لأنهم باسقاطهم وانتزاع راية القيادة من ايديهم يخلو لهم – وهم ذئاب البشرية – الجو لافتراسها وتمزيق اشلائها ولهذا كان الصراع قائما على الدوام والاستمرار بين هؤلاء الوحوش وأولئك الذادة عن اغنامهم الا ان النصر –وان هبت ريحه نحو الأولين مرة فهو حليف الاخرين لأن النصر بيد الله والله ولي المتقين وبعبارة أخرى ان الحياة البشرية مدرسة كانت ابان تأسيسها ابتدائية ثم أخذت تتوسع وتترقى الى أن أصبحت ثانوية ثم اتسعت دوائر فنونها وتكاثرت طبقاتها ونبغت تلامذتها الى ان صارت مدرسة عليا.
فالأنبياء والرسل مع أممهم من أولهم الى آخرهم بمثابة المعلمين مع تلاميذهم في ادوار التعليم الثلاثة الابتدائي والثانوي والعالي فكما ان لكل دور من الادوار الثلاثة وقتا محدودا ودروسا مخصصةفي كتب معينة على حسب مدارك تلامذته ومبلغ افهامهم وكما ان لكل دور اقسامه ولكل قسم طبقته ومعلمه وكما ان نهاية الدور الأول بداية الثاني ونهاية الثاني بداية الثالث فكذلك الشأن في هداية البشر وارشادهم والسير بهم الى قمة السعادة والكمال.
وليست مدارك البشر في عصر أبينا آدم عليه السلام وما يليه من السمو والاتساع بمثابة مداركهم في عصر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا مداركهم في عصره عليه السلام من السذاجة والبساطة بمثابة مداركهم في العصور الأولى. (1/13)
صفحة 14
فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة الا خمسين عاما يدعوهم الى الايمان وما آمن معه الا قليل ولبث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم 23 سنة فقط يدعو الكافة الى ما هو أعظم وأوسع مما دعا اليه نوح عليه السلام فدانت لدعوته العرب والعجم والجن والانس ولم يمر على شريعته قرن حتى انتشرت في اطراف المعمورة وما سبب هذا الفرق الشاسع بين تأثيري الدعوتين لو لم يكن ما ذكرنا من جملة الأسباب الكبرى؟
ولتحليل نفسيات الأمم والشعوب واستكناه تدرجها في مدارج الكمال العقلي والاجتماعي تجب مراجعة الآيات القرآنية المستفيضة في بيان علائق الأمم برسلها ومعاملاتها ومحاوراتها لهم وأساليبهم في اقناعهم وكبح جماحها وأنواع الخزي والعذاب التي صبها الله على كفارها ومكذبيها.
نرى ان المعجزات والخوارق التي يؤيد الله بها رسله منها ما هو بسيط ومنها ما هو رائع منها ما ينحو المنحى المادي ومنها ما ينحو المنحى الادبي ومن الرسل من الغالب في معجزاته الخارقة النوع والأول ومنهم من الغالب في معجزاته الخارقة النوع الأول ومنهم من الغالب فيها النوع الثاني ومنهم من جمع هذين النوعين.
واذا كانت الحكمة من اجراء المعجزة على يد الرسول هو اقناع الأمة التي ارسل اليها من الناحية التي تؤمن بها وتقتنع بها على ان ذلك الرسول انما هو من عند الله دلنا على ذلك نفسية تلك الأمة ومبلغ مداركها وكنه عقليته بالضبط وقد رأينا أروع المعجزات وأكبرها وأعظمها وأكثرها حياة وخلودا هي معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتها ذلك الكتاب المجيد من نبي امي تلك المعجزة العقلية الهائلة التي تدل على سمو العقل البشري وعلو مداركه التي يصعب اقناعها بغير معجزة القرآن العظيمة الخالدة. (1/14)
صفحة 15
وبالاختصار فالبشر في تدرجه في الحياة واتساع مداركه شيئا فشيئا بمثابة ولد ينشأ في أحضان ابويه يلقنانه دروس حياته الأولية ثم يودعانه المدرسة الابتدائية فيتدرج به معلموه بها من فصل الى فصل الى ان يسلموه الى المدرسة الثانوية فيتدرج به معلموه بها كذلك من قسم الى قسم الى ان يختم دروسه بها فيرتقي الى المدرسة العليا وقد استعد بنبوغه وسمو مداركه الى الاختصاص في فن من الفنون فهنالك يتلقى دروسه العالية بها ويتخرج خصيصا في فن من فنون الحياة فيخرج تام العدة كامل الجهاز الى ميدان الحياة ومضمار العمل لنيل السعادتين والحصول على العزتين عزة الدنيا وعزة الاخرة فأول دروسه التلقين من أبيه آدم وأمه حواء وآخر كتبه العالية ذلك القرآن العظيم من معلمه الكبير سيدنا محمد عليه السلام فكان هو خاتمة المعلمين وكتابه آخر الكتب الدراسية العليا وأمته هي التلامذة العالية من البشر ولا وظيفة لهؤلاء التلامذة بعد ذلك الا تطبيق دروس معلمهم الأكبر من كتابهم المقدس على احوالهم والعمل بمقتضاها مدى الحياة.
وليسوا في حاجة بعد انتهائهم من دروسهم العالية الى مدرسة اخرى أو دروس أخرى في كتاب آخر من معلم آخر وقد أغناهم الله بذلك الكتاب المجيد وآثار رسوله الكريم. (1/15)
صفحة 16
فالرجوع بالبشر بعد أن وصل الى هذه الدرجة السامية الى الكتب الأولية والدروس الأولية ليست كالرجوع بالتلميذ من القسم العالي الى القسم الأدبي فقط ولكنه رجوع الى الجهالة العمياء ضرورة ان الكتب الأولية تعترف اجمالا بأحقية ما بعدها فتسقيه الأخير تسقيه للأولى قطعا كما ان دعوة البشر الى ترك معلمه الأكبر وتخطيه لتعاليمهم لما في ذلك من تكذيبهم فيما بشروا به من قبل. والطعن في ذلك المعلم الأكبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو في أحد من الرسل قبله أو في بعض كتبهم المنزلة ليس كالطعن في بعض المعلمين فقط أو في بعض الكتب الدراسية التي رسمتها ادارة المعارف الوضعية فقط ولكنه طعن في رسل الله وطعن فيما وضعته المحكمة الالهية العليا التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وفي تجريد رسل الله أو كتبه من صفاتهم الكاملة ووصمهم بوصمات النقص هدم لكيان سعادة البشر ورميه في جحيم الشقاء العاجل والآجل. والمقترف لذلك ليس جانيا على نفس واحدة فقط ولكنه جان على الناس اجمعين لما في ذلك من اخراج البشرية من النور الى الظلمات ومن السعادة الى الشقاء ومن الراحة والنعيم الخالد الى الخزي والعذاب المقيم.
والانخراط في سلك تلامذة ذلك المعلم الاكبر تمجيد وتشريف لصاحبه وبرهان قاطع على نبوغه وسمو مداركه وكمال استعداده للدخول الى مدرسته العليا. والاستنكاف والاستكبار من الدخول في سلكهم ودعوى عدم شمول تعليمه العالي الا بجنس دون جنس أو طائفة دون أخرى دليل قاطع من صاحبه على انه احط درجة وأقل استعدادا وأقصر مدارك من أن يكون من ضمن تلامذته النبغاء العبقريين.
الفصل الرابع
اليوم الآخر (1/16)
صفحة 17
تبين مما سلف ان الله تعالى خلق الخلق ولم يتركهم سدى بل ارسل اليهم الرسل وانزل اليهم الكتب وكلفهم بتكاليف وحد لهم حدودا ورسم لهم معالم وأوكل الى أنفسهم أمر الاختيار فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها. وليس من المعقول ولا من الحكمة أن يخلق خلقه ويرسل اليهم رسله وينزل اليهم كتبه ويكلفهم بتكاليف ويسن اليهم السبل لأجل حياة لا تتجاوز في الغالب للفرد مائة سنة. فلابد اذا من يوم غير هذا اليوم ولابد من حياة غير هذه الحياة يكافئ فيها المحسن لاحسانه، ويعاقب المسيء لاساءته. ولو لم يكن هنالك يوم يوفي فيه كلا كيله غير منقوص لما كلف خلقه بشيء بل ولا خلق فيهم قابلية للتكليف من العقل والمواهب الانسانية، وانما يخلفهم كالعجماوات لا عقل ولا مواهب، ولا تكليف فلا بعث ولا نشور ولا نعيم ولا جحيم، وحيث كان العقل وحيث كان التكليف وحيث كان العمل فلابد اذا من الجزاء، ولابد لذلك الجزاء من يوم، ذلك هو اليوم الاخر. فقبل أن ينكر الانسان ذلك اليوم يلزمه ان ينكر عقله واستعداده وان يزج نفسه في اصطبل الحيوانات العجماء. والا فكيف يعقل الجمع بين الاعتراف بالعقل والاستعداد والتكليف، وبين الانكار للجزاء على ذلك. وليس يوم الحرث الا مقدمة ليوم الحصاد، وليس يوم الحصاد الا نتيجة طبيعية ليوم الحرث. ومن ذا الذي يبلغ به البله الى حد اعتقاد انه انما يحرث لاجل الحصاد، وانه يفتح دكانه ويشحنه بأنواع البضائع ويتحمل صرف الالاف لاجل التجارة نفسها لا لأجل ذلك اليوم، يوم التقويم، يوم ظهور الارباح الوفيرة ان احسن ادارة دكانه أو الخسائر الفادحة ان أساء.
فبين اليوم الأول واليوم الأخير من العلاقة والارتباط مثل ما بين المقدمة الصحيحة والنتيجة الطبيعية، بل مثل ما بين العمل والفائدة ومنكر اليوم الاخر كمنكر النتيجة الملموسة من المقدمة والفائدة المحسوسة من العمل. (1/17)
صفحة 18
ان اليومين الأول والاخر جزءان لكل لا انفكاك بينهما، وشطران لجسم واحد لا انقطاع بينهما، فعلى ما يكون اليوم الأول يكون اليوم الاخر، ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا.
(( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)) (جزء من الآية8 سورة المنافقون)
(( ومن كان في هذه أعمى فهو فى الأخرة أعمى وأضل سبيلا)) ( الآية 72 سورة الإسراء)
وحيث تحقق وجود اليوم الاخر وتحقق ان اليوم الأول كيوم الحصاد من يوم الحرث وجب عقلا الايمان به وبما فيه من حساب وعقاب، وجنة ونار. فان انكار ما تحقق وجوده صلف ومكابرة ولا يوازيه الا انكار الحارث ليوم الحصاد بما فيه.
هل للإيمان باليوم الاخر تأثير على الإنسان؟
نعم له تأثير وأي تأثير على أعمال الإنسان في جميع مناحي الحياة وهو الكل في الكل وهو بيت القصيد وهو سر هذا الركن وحكمة وجوبه.
نعم له تأثير وأي تأثير على اعمل الإنسان في جميع مناحي الحياة وهو الكل في الكل وهو بيت القصيد وهو سر هذا الركن وحكمة وجوبه .
فالإنسان إذا كان آمنا حقا بان وراءه يوما ثقيلا وانه سوف يحاسب حسابا عسيرا ويخلد في العذاب الأليم إذا أساء كانت سيرته واعماله كلها ظاهرها وباطنها ، جليلها وحقيرها طبق الخطة التي تقيه ذلك العذاب وتوصله إلى ذلك النعيم . وكانت السلامة من الخزي والعذاب والخلود في رياض الجنات ونيل رضى الله الكريم مثل الأعلى في جميع أقواله وافعاله ، في جميع حركاته وسكناته فيعيش مستقيما في جميع أحواله مع الله والنفس والعباد ، محمود السيرة صافي السريرة لا يقترف شرا ولا يعمل إلا خيرا كل ذلك بدافع نفساني وعامل وجدان لا تأثير لضغط مخلوق عليه فإذا كان كل فرد هكذا عاش الناس كلهم في راحة وطمأنينة وسلام لا ضرر ولا ضرار لا ظالم ولا مظلوم ، الأمن عام والخير شامل تحت ظلال مملكة السعادة
(( (1/18)
صفحة 19
لو انهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل عليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم – وان لو استقاموا والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم –
(( وألو استقموا على الطريقة لأسقينهم ماء غدقا )) .
( سورة الجن الآية 16 )
تلك آثار الإيمان باليوم الآخر حقا وهذه ثمراته وتتجلى هذه في أجلى مظاهرها إذا استعرضنا أمامنا سيرة منكر ذلك اليوم في جميع مظاهر حياته وانما تعرف الأشياء بأضدادها .
لا يخفي إن المكذب لذلك اليوم لا يجد من نفسه وازعا يزعه عن الجرائم ولا باعثا يبعثه على الفضيلة كما يجد الأول وإذا لم يحس من نفسه بما يحس الأول فهل تدعه نفسه الأمارة وهي لا تؤمن بحساب ولا عقاب ولا جنة ولا نار أن يتحمل مشاق التكليف ويستقيم على الطريقة بما يكفل له ولمن له علاقة به عز السعادة وحسن العقبى ؟ كلا وألف كلا اللهم إلا إذا كان خوفا من مذمة العار ، أو ضغط القانون ، أو صولة الحكومة وهذه وان راقبته في شيء فسينفلت عنها في أشياء ربما كان من ناحيتها شقاؤه وشقاء المجتمع بأسره كما هو مشاهد محسوس . ولو أن الناس امتثلوا أمر ربهم وأمنوا باليوم الآخر إيمانا يعقبه ثمرته المنشودة منه من اتقاء الموبقات والإتيان بالأعمال الصالحة فهل تحتاج الدول لضبط البشرية إلى ما هي عليه الآن من وضع القوانين والنظامات وتجنيد الجنود وتجهيزها بالمعدات الجهنمية ثم هي لم يجدها هذا فتيلا بل زادها هذا الضغط انفجارا ، وهذا الضبط اشتعالا ولم تزل ولن تزل تقوم وتقعد لعقد المؤتمرات وإبرام المعاهدات وتسجيل الاتفاقيات في غير فائدة ولا جدوى . فما أغناها عن هذا العناء كله لو استقامت على الطريقة وحملت متبعيها على اعتناق خطة الاستقامة ولكن أبت سنة الله إلا ذلك ولن تجد لسنة الله تبديلا . (1/19)
صفحة 20
ومن ذلك تتضح لنا مزية الإيمان باليوم الآخر ووخامة التكذيب به بما لا مجال للشك فيه . وبالطبع إذا كان الحارث واثقا بنتيجة كده ، وعرق جبينه يوم الحصاد فلا محالة يزيد بقدر ذلك كدا في عمله وجدا في سعيه ونشاطا في جميع حركاته ، الرجاء يقوده والخوف من الخسارة يسوقه ونور البصر يهديه وحسن التدبير يشده . يرى أن التعب في ذلك راحة والألم فيه لذة حتى يحصد مزرعة كده بيمينه فيعيش إذ ذاك ناعم البال قرير العين . وبالعكس إذا لم يؤمن بحصول النتيجة ولم يكن واثقا باقتطاف الثمرة فانه يعيش الكسل حليفه والفشل أليفه مستسلما لليأس والقنوط لا يعمل ولا يفسح الطريق للعاملين تنتعش روحه عندما يسود الكسل والبطالة وتختنق أنفاسه ، اذا انطلقت النفوس من عقولها وهبت للسعي والعمل فيحيى حياة الذل والمهانة والصغار كذلك حال المؤمن باليوم الآخر والمكذب به فإما صلاح واستقامة فنعيم مقيم ، واما صلاح وندامة في نار وجحيم . فبقدر ما ترسخ عقيدته ويقوى إيمانه باليوم الآخر يتم رشده وتكمل استقامته وبقدر ما تقرق عقيدته ويضعف إيمانه به يضيع رشده ويكثر ضلالة وهل يمكن للمرء أن ينقاد لما تسول له نفسه الأمارة من اقترا ف محظور أو ترك واجب وهو متشبع إيمانا بان أمامه دار عذاب للعاصي ودار نعيم للطائع اللهم إلا إذا كان في إيمانه بذلك ضعف وخلل وهذا ما يجب أن يتفقده المسلم من كل يوم حتى يكون على بصيرة أمره أن يصبح أمام أمر واقع. (1/20)
صفحة 21
وما أصاب المسلمين ما أصابهم أفرادا وجماعات قديما وحديثا الا لما اغفلوا من هذا الركن وتهاونوا من حراسته واهملوا من تغذيته بروح الإسلام مما يفيض به القران المجيد القويمة من البشائر والنذاير والقوارع والزواجر ، نحن لا ننكر انهم مؤمنون بذلك اليوم بل نعترف لهم بذلك ونصدقهم فيه ولكنا نقول انهم لم يؤمنوا الإيمان الذي تترتب عليه ثمرته من اجتناب النواهي وامتثال الأوامر والا فكيف التوفيق بين الإيمان بالنعيم والجحيم وبين اقتراف الجرائم وترك العظائم في إن واحد . نعم انهم مؤمنون إيمانا صوريا لم تلامس حقيقته شغاف قلوبهم على حد ما قال الشيخ أبو نصر رحمه الله.
نرى الامر عن علم اليقين تقينا ونعمل أعمال الذي شك في الأمر
سينكشف السر المغطى وتنجلي ولكـ ـن غيابات هذا الشك عن واضح الخبر
إن اليوم الأول مزرعة لليوم الآخر فمن زرع في مزرعته سكرا حصد سكرا ومن غرس فيها حنظلا اجتنى لا محالة حنظلا ولم يكن من سنة الله أن يحصد غارس الحنظل من غرسه سكرا ولا أن يجتني زارع السكر من مزرعته حنظلا .
هذا مثلا صغير لذلك
(( وتلك الأمثل نضربها للناس وما يعقلها إلا العلمون )) .
( سورة العنكبوت الآية 43 )
الفصل الخامس
القضاء والقدر
إن اكثر المسائل أشكالا واشهدها تعقدا هي مسالة القضاء والقدر فقد خاضت فيها فحول الكتاب وتبارت فيها أقلام الباحثين والمفكرين وذهبوا فيها مذاهب شتى وانزلق كثير منهم أثناء ذلك في مهاوي سحيقة وذلك لصعوبة التوفيق بين إرادة الله المطلقة ، وبين اختيار البعد الثابت له . فمنهم من جذبه الاحتياط لارادة الله فسلب الاختيار عن البعد فالزم لنفسه نسبة الظلم إلى الله تعالى وهو يقول
(( وما ربك بظلم للعبيد ))
( سورة فصلت الآية 46 ) .
ومنهم ، من جذبه الاحتياط لاختيار البعد فالزم لنفسه نسبة الخلق إلى البعد ومشاركة خالقه فيه وهو يقول هل من خالق غير الله
(( والله خلقكم وما تعملون ))
( سورة الصافات الآية 96 ) . (1/21)
صفحة 22
ومنهم من وفقه الله إلى حل هذه المشكلة فوفقك بين إرادة الله واختيارا لبعد فجعل الخلق لله وحده والكسب والاختيار للعبد . إلى هنا وقفت عقول البشر ولم يكن الله ليكشف لهم عما وراء ذلك من سر قضائه وقدره بل أمرهم بالإيمان به والوقوف دونه ونهاهم عن التنقيب فيه والتدخل فيها لا يعنيهم
(( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ))
( سورة الأنبياء الآية 23 ) .
وقد ورد في الخير (( القدر سري ولا ينبغي أن يطلع أحد على سري )) أو كما قال وورد (( إذا وصلتم القدر فكفوا إذ ليس من وظيفتنا التدخل فيما استأثر الله به وانما وظيفتنا توجيه عزائمنا إلى تحسين ما جعله الله تحت مقدورنا من الكسب والاختيار الذي هو مناط المدح والذم والثواب والعقاب )) .
ما هي حكمة الإيمان بالقضاء والقدر ؟ :
إن حكمة الإيمان به عظيمة وفائدتها جليلة وذلك إن الإنسان إذا أمن حق الإيمان بان القضاء والقدر خيره وشره من الله وقد أيقن الله سبحانه مدبر حكيم علم حق العلم (( إن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما اخطاه لم يكن ليصيبه وان الأمة لو اجتمعوا على أن تنفعه بشيء لن تنفعه إلا بشيء قد كتبه الله له وإنها لو اجتمعت على ان تضره بشيء لن تضره إلا بشيء قد كتبه الله عليه )) وإذا علم كل هذا زال منه كثير من الرذائل مثل الجزع والهلع والجبن والخوف واللوم والشح والقلق وضيق الصدر وغير ذلك من مستتبعات هذه المفاسد . (1/22)
صفحة 23
وبذلك يتحلى بكثير من الفضائل والكمالات النفسية من الصبر بأنواعه والشجاعة والإقدام والإرادة والكرم والسماحة والحلم وسعة الصدر وغير ذلك من لواحقها ولهذا كان الرضاء بقضاء الله ركنا من أركان الإيمان فان المسلم حقا يلزم بموجب إيمانه بالقضاء والقدر أن يكون صبورا على المكاره متجلدا للنوائب ، محتملا لمشقة تكليف من امتثال الأوامر واجتناب النواهي بكل ارتياح واطمئنان غير جزوع ولا هلوع ولا قلق . وان يكون جريئا شجاعا مقدما غير خواف ولا جبان ولا فرار من المواقف والمخاطر . وان يكون جوادا كريما بنفسه ونفيسه في سبيل الحق غير شحيح ولا بخيل خوفا من الفقر وضيق ذات اليد ألخ .هذا ما يلزم أن يكون عليه المسلم حقا بطبيعة الحال لأنه إذا كان يعتقد أن الخير كله والشر كله من الله تعالى فلماذا الجزع والهلع والجبن والخوف والشح والقلق وضيق الصدر ؟ وانما يكون شيء من هذا إذا كان مزلزل العقيدة سقيم الوجدان غير مؤمن بذلك حق الإيمان .
نعم يلزمه مع ذلك اتخاذ الأسباب والاحتياطات اللازمة للطوارئ ولا منافاة بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين اتخاذ الأسباب لأنه وان كان الأول يحملنا على التسليم اعتقادا بما قضاه الله وقدره لكن لا يمنعنا من العمل في دائرة اختيارنا والأخذ فيها بالأسباب بل امرنا بذلك وحثنا عليه ونعي على من يستسلم للتواكل والسكون فيما هو في دائرة مقدوره .
ومن هنا يتبين أن الإيمان بالقضاء والقدر دواء عظيم النفع ، جزيل للفائدة يقتل في النفس جراثيم الأخلاق الفاسدة ، ويربي فيها العزة والعظمة وسائر الأخلاق الفاضلة .
وهل اقتحم الصحابة ومن بعدهم من عظماء الإسلام هاتيك الأخطار وخاضوا تلك الغمرات فقادوا الجيوش وفتحوا الفتوحات ومصروا الأمصار ونشروا ألوية الإسلام في أطراف المعمورة إلا لرسوخ تلك العقيدة في نفوسهم وتغلغلها في شغفات قلوبهم ؟ (1/23)
صفحة 24
وهل أصاب المسلمين ما أصابهم وخصوصا في العصور الأخيرة إلا لضعف تلك العقيدة ووهنها من نفوسها ؟ فحل الجزع منها محل الصبر ، والجبن والخوف محل الشجاعة والإقدام ، واللوم والبخل محل الجود والكرم ، والحقد والغل وحب الانتقام والنزوع إلى النزاع والانقسام محل الحب والحلم ، وسعة الصدر والألفة والوئام وهكذا .
ولو كانت عقيدة القضاء والقدر راسخة في نفوسهم رسوخها في نفوس أولئك الأسلاف الأمجاد فهل يرضون إن يكونوا أما أغناما تباع وتشترى وتساق إلى
المجازر وأما آلة هدم وتخريب؟ أو ليس هذا كله ناشئا عن اعتقاد أن القضاء خيره وشره من العبد لا من الله وان التأثير الفعال في ذلك إنما هو لتلك القوة العتيدة قوة العلم والاختراع وليس وراء ذلك الله من اثر ؟ وقد خفي عن هؤلاء البله أن هاتيك القوات الهائلة إنما هي مخلوقة لله تعالى وليس للعبد فيها إلا اتخاذ الأسباب واتباع مجرى الإلهام الإلهي إلى الوصول إليها وكل من سلك هذا الطريق وصل لا محالة وكل من حاد عنه خاب واخفق كائنا من كان .
من جنايات الجهل بالمسلمين في العصور الأخيرة انهم أساءوا فهم عقيدة القضاء والقدر وظنوها هي الاستسلام والخضوع والخنوع للظلم وتحمل الاستعباد والاسترقاق والقعود والتواكل وإهمال الأسباب . (1/24)
صفحة 25
فإذا طاحت على بعض بلاد الإسلام طوائح أو اجتاحتها بعض الجوائح فصاح صائح الغياث أو دعا داعي الإصلاح إن هبوا يا قوم وتداركوا بلادكم أجاب لسان حالهم قائلا (( نحن امرنا بالرضا بقضاء الله وقدره فنحن راضون بكل ذلك لانه قضاء منه تعالى ولا راد لقضائه )) وقد غاب عن هؤلاء إن الإيمان حقا بالقضاء والقدر ليس هو ما فهموه غلطا من الاستسلام والخضوع والخنوع للظلم فان هذا حمل للشيء على غير محله وتأويله على غير معناه القصد منه أعذار النفس في إخلادها للراحة والسكون والانكباب على اللذائذ والشهوات وإلا فان الإيمان بالقضاء والقدر على عكس ذلك يحمل على اقتحام الأهوال وخوض الغمرات بكل شجاعة وإقدام ما دام يتضمن اعتقاد أن الخير والشر كله من الله ويترك الباب مفتوحا لحسن الكسب والاختيار والذي يؤمن أن لا نفع إلا ما كتبه الله له ولا ضر إلا ما كتبه الله عليه لا يجلبه إقدامه ولا يرده عن أحجامه فمن أين يتسرب له الجبن والخوف ؟
لقد تسرب من العقيدة الفاسدة لكثير من الكتاب الغربيين غلط فاحش فظنوا انه ما انحط المسلون في القرن الأخير ولم يصيبهم ما أصابهم إلا لعقيدة القضاء والقدر لانهم يفهمونها كما فهمها أولئك من وجوب التواكل والاستسلام والخضوع والخنوع فوجهوا من هذه الثغرة مطاعنهم نحو الإسلام ووصموه بأنه دين الزهد والتواكل والخنوع لا دين السعي والعمل والعزة والسيادة . وقد اتخذوا تلك الحالة إلا سيفة من المسلمين حجة فنظروا إلى الإسلام من ناحية المسلمين لا من ناحية مبادئه وتعاليمه العالية . ونحن نقول لهؤلاء ما انحط المسلمون ولم يصلوا إلى هاته الدركة إلا لنبذهم تلك العقيدة الحقة وصدودهم عن العمل بمقتضاها ولو انهم أمنوا بها حقا وعملوا بما تتضمنها لما كان لكم عليهم من سبيل ولكن ضيعوا فضيعهم الله
((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))
( سورة الرعد الآية 11 ) (1/25)
صفحة 26
نعم إن الإيمان بالقضاء والقدر حقا يجعل الإنسان صابرا على الصائب والمحن والنكبات ولكنه لا يجعله خاضعا لظلم البعد وعسفه وجبروته بل كلفه سبحانه أن لا يخضع لغيره ولا يدين لقوة سواه ولو نظر أولئك الكتاب بعيون مجردة إلى مزية هذه العقيدة في الإسلام لأدركوا حقا مبلغ أثرها في تربية الأمم والشعوب على الصبر والجلد والشجاعة والإقدام ومكافحة
الخطوب ولكنهم يجهلون أو يتجاهلون هذه الحقيقة إذ ليست من مصلحتهم أن تتربى أمة ضعيفة على هاتيك الأخلاق القويمة المتينة .
بل لو انهم أمعنوا نظرهم قليلا وانصفوا لوجدوا أن عدم الاعتراف بعقيدة القضاء والقدر هو السبب الوحيد في تكاثر حوادث الانتحار الفظيعة وانتشارها بكيفية مدهشة في عالمي القديم والجديد فان المنتحر لشدة جزعه وتذمره مما يصيبه في نفسه أو ماله أو عائلته وعدم إيمانه بان المقدر كائن لا محالة يعمد إلى الانتحار وإزهاق روحه ظنا منه لجهله انه يتخلص بذلك من عذابه الأليم ويا ليته علم انه اسلم نفسه إلى ما هو اشد وأخزى . ولو كان اؤلئك حقيقة حكماء لسعوا في بث تلك العقيدة بالمعنى الذي يقصده الإسلام بين أممهم وشعوبهم ولو انهم فعلوا ذلك لأراحوا تلك الأمم من خزي الانتحار ولأنقذوا تلك البشرية المسكينة من العذاب ولوفروا لدولهم جانبا كبيرا من الراحة والاطمئنان وكفوها شيئا كثيرا من المتاعب والعناء ولكن أنى لهم هذا وفي عيونهم نظرات سوداء نحو الإسلام وتعاليمه السامية ويرون في اتباعها اعترافا له منهم بسموه وبعد مراميه ودون ذلك خرط قتاد يرون حريق داء الانتحار مندلع الألسن يلتهب زهرة الشباب في كثير من البلاد ويسري إلى أطرافها الشاسعة ويسلكون في إطفائه مسالك ولكنهم لا يهتدون إلى ذلك الدواء البسيط الذي يطفئه من اصله إلا وهو بالإيمان بالقضاء والقدر . (1/26)
صفحة 27
حتى لقد سرى هذا الدواء فيما سرى إلى كثير من الأوساط الإسلامية سيما أبناء المدارس وخصوصا اثر الامتحانات فما اكثر حوادث الانتحار بعد رسوبهم وإخفاقهم في الامتحان . ولو أن هؤلاء تشبعوا بالروح الإسلامية رسخت في نفوسهم عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر فهل تحدثهم نفوسهم الشريرة إلى اقتراب هذه الجريمة الشنعاء مهما بلغ بهم التذمر والحنق ؟ فما لله ما اعجب هذه المدنية وما أكرمها للإنسانية ..
آه مسكين أنت أيها الإسلام ما اقل أنصارك واكثر اخصامك جئت لإسعاد البشرية جمعاء فرموك بالضيق والجحود . جئت لتضع عن الإنسانية أصرها والأغلال التي كانت عليها فقالوا انك جئت بالسلاسل والأغلال للتقيدها بها ، جئت لتؤسس لهم تشريعا حكيما يلائم كل زمان ومكان ينيلهم السعادتين الدنيوية والأخروية فقالوا انك دين الزهد والتواكل والتقشف والبداوة لا تلائم غير أمة واحدة في عصر واحد في مكان واحد .
حسبوا حسناتك سيئات وهناتهم حسنات سلبوك مجدك وعظمتك وألبسوك خرقهم البالية وأسمالهم المرقعة ظلموك وما أنصفوك ، وأجحفوا بحققك وما احترموك ، فلو كانت لك أنصار لقالوا انك دين المدنية دين الحضارة دين العمران ولكن الله وليك وكفيلك ونصيرك ...
( تم بحمد الله وتوفيقه )
مع تحيات.....
موقع المجرة الإسلامية
www.almajara.com
وترقبوا المزيد بإذن الله ....... (1/27)