صفحة 1
الكتاب: حوار صريح في الحب لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) محاضرة
حوار صريح في الحب
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
تسجيلات مشارق الأنوار بالتعاون مع مدرسة اقرأ لتحفيظ القرآن الكريم تقدم حواراً صريحاً في الحب مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة ، حاوره ناصر بن محمد السيابي ، سلطان بن سعيد الهنائي. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين. سماحة شيخنا الجليل،- حفظكم الله تعالى ورعاكم – هل من كلمة نسمعها منكم عن الحب العاطفي وأهميته في مسيرة الإنسان ؟
الشيخ أحمد: بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً عجيبا إذ جعل فيه ما جعل من الأمور التي مطالبها متنوعة وآثارها مختلفة إذ جعل الله سبحانه وتعالى للإنسان روحاً وجسما وعقلاً وقلبا ، و ضميراً وغريزة لكل
من هذه مطالب ولكل من ذلك تأثير في حياة الإنسان ، فلذلك كان جديراً بهذا الإنسان أن يحرص على التنسيق ما بين هذه المطالب وما بين هذه الدوافع والنوازع حتى تكون حياته حياة انسجام ووئام لا حياة تنافر واختلاف وقد جعل الله تعالى طبيعة الإنسان تفرز بسبب علاقته مع بني جنسه وبسبب علاقته مع هذا الكون الواسع تفرز إفرازات كثيرة من بينها الحب ، فإن الله تعالى جعل الحب يجذب المحب إلى حبيبه ، وهذه هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه وأثر هذا الحب أثر عميق في نفس المحب وهو داع ملح وقد (1/1)
صفحة 2
جعله الله سبحانه وتعالى سبباً لما يكون من العطف والرحمة فيما بين خلقه سواء ما بين البشر أو بين الآخرين فنجد أن الأم تعطف على أولادها بغريزتها كما يحصل ذلك في الإنسان والحيوان معاً . الإنسان والحيوان يشتركان في هذا الحب كذلك ما يكون بين الإلف وإلفه من مودة ومحبة كل من ذلك جعله الله سبحانه وتعالى سبباً لبناء هذه الحياة ،
ومن المعلوم أن طبيعة الإنسان طبيعة متميزة فالإنسان يمتاز على بقية الكائنات الأخرى من حيث أن الله تبارك وتعالى أراده ليبني المدنية ذلك لأن حياة البشر حياة اجتماع حياة تعاون ، فوضع البشر يختلف عن وضع جميع الكائنات الأخرى كما هو معروف عند الكل ، فلذلك كان ميل الإنسان إلى الإنسان ميلاً قوياً ، نحن نرى أن الحيوان يميل إلى الحيوان بين الذكر والأنثى يكون هنالك ميل غريزي في صنوف الحيوانات كما هو في الإنسان ولكن جعل الله ذلك محدوداً بحدود لا تتعدى الفطرة ، لخلاف الإنسان لما أراده
الله تبارك وتعالى من هذا الإنسان أنت تكون حياته حياة مدنية واجتماع فلذلك كان اللقاء ما بين الجنسين أو بين النوعين الجنس الإنساني في إطار هذا الجنس البشري جعل الله تبارك وتعالى هذا اللقاء ليس هو في حدود قضاء الوطر فقط ، وغنما هو يفوق ذلك بحيث كل واحد من النوعين يحس بجاذبية قوية تجاه النوع الآخر من أجل التعاون على إقامة هذه الحياة الحياة المدنية كما قلت.
المحاور: سماحة الشيخ ، ما حدود الحب العاطفي بين الرجل والرجل أو المرأة والمرأة ، أو بين الجنسين ؟
سماحة الشيخ : (1/2)
صفحة 3
الحب العاطفي ، هو أن يشعر كل واحد كما ذكرت بانجذاب اتجاه الآخر، الرجل بطبيعته يشعر بانجذاب قوي اتجاه المرأة لأجل حاجته إليها . والمرأة أيضاً تشعر بانجذاب قوي اتجاه الرجل بسبب حاجتها إليه وكذلك يكون بين الرجل والرجل بحيث يشعر الرجل اتجاه الرجل الآخر بحب زائد وقد يفضي به الأمر إلى أن يفني هواه في هواه بحيث ينزل عن رغباته من أجل مراعاة رغبات
الآخر ، رغبات من يحب، كذلك بالنسبة إلى المرأة قد يفضي الأمر عندما تحب المرأة أن تنزل عن رغباتها من أجل مراعاة رغباتها هي الأخرى ، وقد يكون ذلك أيضاً بين هذين النوعين بحيث ينزل الرجل عن رغباته تجاه رغبات المرأة وتنزل المرأة عن رغباتها تجاه رغبات الرجل ،لأن أثر الحب أثر عميق في النفس حتى يفنى الإنسان هواه في هوى من يحب.
المحاور: سماحة الشيخ ، ما تشخيصكم لهذه الحالة ؟ حالة أن يفني هواه في هوى من يحب ؛ بحيث أنه لو سافر لا يقر لو قرار حتى يراه ويسمع صوته . سماحة الشيخ ما توجيهكم ؟
سماحة الشيخ: هذه عاطفة شاء الله تعالى أن تكون في البشر، وكما قلت هي في الأصل يجب أن تستغل في الخير عندما يحسن استغلالها ، عاطفة الحب ، الحب قد يكون ما بين المتحابين في الله تبارك وتعالى بحيث أن أحدهما
لا يصبر عن الآخر لما يشعر به كل واحد منهما من راحة نفسية عند لقائه للآخر كما روي عن بعض السلف أنهما كان يفترقان بعد صلاة العشاء ولا يأتي وقت الفجر إلا وكل واحد منهما يشده الحنين إلى الآخر ، هذا لأجل الحب في الله تبارك وتعالى .
المحاور: سماحة الشيخ ، بالفطرة الإنسان أن يحب ولكن هل في استطاعته كسر الحب إذا جاءه ؟ خاصة إذا كان ذلك الحب تجاه شخص بالغ ؟
سماحة الشيخ : حقيقة الأمر هناك جانبان في الإنسان وهو جانب العاطفة وجانب العقل ، والعقل إنما يستخدم استخداماً حسناً عندما يكون متوائماً مع شر الله تبارك وتعالى . فالناس بطبيعة الحال كل واحد من البشر يكون مرتبطاً بمن (1/3)
صفحة 4
تشده إليه روابط . هنالك رابطة ما بين الأبوة والبنوة وما بين الأمومة والبنوة ، هناك رابطة زوجية ما بين الزوجين هنالك رابطة قرابة ما بين الأقرباء ، هنالك رابطة صداقة ومودة قد تكون هذه الصداقة منذ نعومة الأظفار ويكون لها أثر كبير في نفسي المتصادقين ، ولكن مع ذلك عندما يأتي الوقت الذي قد يودع احد هذين المتصادقين أو المتحابين الآخر بسبب يقتضيه العقل أو سبب بالأحرى يقتضيه الشرع يمكن التغلب
على هذه الجوانب كلها وهذا الذي كان عليه السلف الصالح. فأصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم تربو تربية بشرية عادية لأنهم تربوا في أكناف مجتمعهم بحيث كانوا متواصلين مع قرابتهم ومع أقوامهم ومع من تشدهم إليهم العواطف على اختلافها إلا أنه لما جاءت ساعة الفصل عندما يكون أحد الطرفين على الإيمان والآخر على الكفر كان هنالك توديع لحياة الجاهلية بأسرها وإلقاء بها وراء الظهور لأن الحب العقائدي زاد
على كل حب . أولاً قبل كل شيء هنالك حب الله تبارك وتعالى لأن الله تعالى أولى أن يحب أكثر من أي محبوب آخر هذا لأن حب الإنسان للإنسان عندما يكون هذا الحب قائماً على النظرة العقلية الفاحصة إنما يؤول إلى أحد أمرين إما أن يحب الإنسان غيره بسبب تفوقه عليه فمن شأن الضعيف أن ينظر إلى القوي الذي يفوقه نظرة حب وتقدير وإجلال وإما بسبب نعمة أسداها إليه وعلى كلا الأمرين فإن الله تبارك وتعالى هو أولى بأن يكون حبه يفوق حب الناس أجمعين بل حب الخلق أجمعين . الله تبارك وتعالى هو (1/4)
صفحة 5
أعظم شأناً من أي عظيم بل لا يقاس عظم غيره بجانب عظمته تعالى ، فلا ينظر إلى غيره أنه عظيم إذا ما نظرنا إلى عظمته تبارك وتعالى ، كيف وهو فاطر السماوات والأرض مدبر هذا الكون منسق هذا الوجود الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى الذي جعل هذا الكون مع ترامي أطرافه واتساع رقعته متناسقاً هذا التناسق العجيب وينظر الإنسان إلى جمال الله تعالى يتجلى في جمال هذا الكون جميعه في كل جزء من أجزاء
هذا الكون ذلك بطبيعة الحال يؤدي بالإنسان إلى أن يحب الله تعالى عندما يفكر بعقله حباً يقوق حب كل شيء ثم بجانب ذلك نعمة الله تعالى التي أصبغها على هذا الإنسان . فالإنسان غارق في بحار نعم الله تعالى ، حسب الإنسان أن يفكر في افتقاره إلى نعم الله تعالى في كل لحظة من اللحظات ، من الذي يستطيع أن يحصي الأنفاس التي يتنفسها
الإنسان بأي شيء يتنفس من الذي هيأ هذا الأكسجين الذي يتنفس به الإنسان؟ من الذي هيأ للإنسان ما يطعمه من طعام وشراب ، من الذي هيأ له هذا المناخ ؟ إنه الله تبارك وتعالى . يقول الله سبحانه وتعالى " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ، الذي جعل لكم الأرض فراشاً ، والسماء بناء ، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون " ويقول سبحانه
وتعالى : " قتل الإنسان ما أكفره ، من أي شيء خلقه ، من نطفة خلقه وقدره ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره ، كلا لما يقضي ما أمره ، فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ، ثم شققنا الأرض شقاً ، فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً ، وزيتوناً ونخلاً ، وحدائق غلباً ، وفاكهة وأبا ، متاعاً لكم ولأنعامكم . هذا كله مما يدعو الإنسان إلى أن يفكر في حق الله تبارك وتعالى ووجوب حبه عز وجل حباً يفوق (1/5)
صفحة 6
كل شيء . والحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم يقول- : ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إله من والده وولده ". وفي رواية أخرى " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " فإذاً حب الله ثم يأتي بعد ذلك حب الرسول 0 صلى الله عليه وسلم- حب يفوق كل شيء ،
هذا عند أهل الإيمان . فعندما رسخ هذا الحب في نفوس المؤمنين تغلبوا على الحب العاطفي الذي يشدهم إلى بني جنسهم ، فلذلك كان الافتراق بين الآباء والأبناء بين الأخوة والأخوة بين الأزواج بين القرابات ، كان ولاء الجميع لله ، استطاع الناس بحبهم لله سبحانه وتعالى أن يتغلبوا على الحب العاطفي فقطعوا الصلات بأهل الكفر ، قطع الوالد صلته بولده ، وقطع الولد صلته بوالده ، وقطعت المرأة صلتها بزوجها وقطع الرجل صلته بامرأته ، وقطع الأخوات بعضهم صلته بالبعض الآخر بسبب حب الله تعالى . هذا الحب حب الله تبارك وتعالى عندما رسخ في نفوس هؤلاء المؤمنين حول مجرى حياة المؤمنين إلى أن صار حبهم بجانب حب الله تعالى لمن والهم الله تعالى ورسوله (1/6)
صفحة 7
والمؤمنون ولمن والى الله ورسوله والمؤمنون . صار حبهم لأهل الإيمان بدأ أولاً من حب الرسول – صلوات الله وسلامه عليه- من المعلوم أن شخص الرسول – صلى الله عليه وسلم – أيضاً هو أولى جميع الأشخاص بأن يحب ، يجب أن تكون محبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – بعد محبة الله تعالى تفوق حب كل شيء ، لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- بكلا الاعتبارين اللذين ذكرناهما هو أولى بأن يحب ، باعتبار أنه متفوق فهو متفوق على الناس أجمعين ، نحن يكفينا أن الله تبارك وتعالى يقول خطاباً له : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " فكون الرسول – صلى الله عليه وسلم – هيئ لحمل رسالة هي رحمة للعالمين دليل على أن الله تعالى أعده إعداداً يفوق به إعداد غيره من خلق الله
سبحانه وتعالى . جهله الله سبحانه مناط رحمة انتشرت في العالمين جميعاً ، فهذا وصف رباني لقدر الرسول – صلى الله عليه وسلم- تتضاءل معه أوصاف البشر كيفما كانت ، ثم بجانب هذا الرسول – صلى الله عليه وسلم- أيضاً له يد بيضاء على هذه الأمة ، له يد بيضاء على كل مسلم لأنه سبب لإنقاذه من الهلكة ، كما أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن نفسه بأنه يأخذ بحجزنا عن النار وكأنما يمسك بحجزة كل أحد ليمنعه من
التردي في النار . هذا مما يدعو إلى أن يحب النبي – صلى الله عليه وسلم حباً يفوق حب كل شيء . عندما نكون قد أحببنا الله تعالى ونكون قد أحببنا الرسول –صلى الله عليه وسلم- هذا الحب ، فلا ريب أن هذا الحب يسري أيضاً في من كان ولاؤه لله ولرسوله. كذلك كان هنالك المودة والرحمة ما بين المؤمنين هذا المودة والرحمة التي (1/7)
صفحة 8
حصلت ما بين المؤمنين منعت هؤلاء المؤمنين من أن ينساقوا وراء حب الآخرين الذين كانوا يحبونهم من قبل مع أنهم جانبوا مسلك الحق، حلت البغضاء بين هؤلاء وهؤلاء كما يحكي الله تبارك وتعالى عن قصة إبراهيم والذين معه يقول تعالى: " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ، كفرنا بكم وبدا بيننا
وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده . لماذا كانت العداوة والبغضاء بينهم القرابة وبينهم فيما سبق الألفة والمودة وبينهم العاطفة التي تشد كل واحد من الفريقين إلى الآخر إنما ذلك بسبب تحقق حب الله سبحانه وتعالى في نفوس هؤلاء وحب من والاه الله تعالى ، فبذلك قطعوا صلته حتى إن إبراهيم عليه السلام ، عندما تبين لهم أن والده عدو لله تبرأ منه . " إن إبراهيم لأواه حليم " والله سبحانه وتعالى عندما بين لنا أن لنا الأسوة الحسنة في هؤلاء استثنى من ذلك ما كان من إبراهيم إلا قول إبراهيم لأبيه " لاستغفرن لك وما أملك لك من الله شيئاً ، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم " ذلك لأن
استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان بسبب ما سبق من وعد وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم . والله سبحانه وتعالى بين أن هذا المسلك هو مسلك من يؤمن بالله واليوم الآخر ثم من كان مؤمناً بالله واليوم الآخر فلابد من أن يسلك هذا المسلك ، فقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتولى فإن الله هو الغني الحميد. فإذاً هذا مما يدل على إن الإنسان قد يتخلص من حبه لغيره عندما يكون هنالك سبب قوي يمنعه من (1/8)
صفحة 9
الاندفاع وراء هذا الحب، وليس هنالك من سبب أقوى من حب الله تعالى وحب رسوله وحب عباد الله المؤمنين، وهذا الذي جعل المؤمنين يتحابون فيما بينهم حباً عجيباً ، حباً فاق كل ما كان مألوفاً عند البشر . عندما هاجر المهاجرون إلى بلاد الهجرة المدينة المنورة استقبلهم الأنصار ، فتحوا لهم صدورهم ودورهم وآووهم وأنزلوهم المنزل الذي لم يكن يتصور والله تعالى يثني على هؤلاء أي الأنصار فيقول:
" والذين تبوووا الداروالإيمان من قبل ، يحبون من هاجر إليهم.. " وعنهم بحسب مقاييس البشر واعتبارات البشر جاءوهم ليضايفوهم في دورهم ويشاركوهم في خيراتهم ويزاحموهم على مساكنهم وأرضهم . إلا أنهم مع ذلك بدل من أن يكون في نفوسهم الكره لهم كان في نفوسهم الود لهم . وبجانب ذلك درء من المهاجرين أيضاً أحب الأنصار في حين أنهم كرهوا قرابتهم
الذين ظلوا على كفرهم وظلوا بعيدين عن منهج الحق فكان التآلف في ذات الله تعالى بين الفريقين ، بين فريقي المهاجرين والأنصار، هذا كما قلت يبين أن الإنسان بإمكانه أن يتحكم في عواطفه عندما تكون هناك عقيدة راسخة في نفسه هذا العقيدة الراسخة إنما تنبع من عقل سليم يفكر في الحقائق ويتبع هذه الحقائق ولا يكون هائماً في أودية الخيال متجاهلاً للحقيقة.
المحاور: سماحة الشيخ ،إلحاقاً إلى التصور الذي ذكرتموه قبل قليل ، هل يمكن أن نقول بأنه كذلك في حب الله ورسوله أن المحبين لله ورسوله وهم يبذلون كل ما عندهم من أجل حبهم ، هل يمكن أن نقول أن الأخيلة
والتصورات هي التي تفضي إلى الحب ؟ هل تصورهم لحب الله ورسوله كما فعلوا من مكابدة فكان بلال مثلاً يكابد من أجل حبه لهذا الدين ، فهل غلبة التصورات على عقل الإنسان هي التي تفضي به إلى الحب ؟ (1/9)
صفحة 10
سماحة الشيخ : لا ريب أن اقتناع الإنسان بفكرة ما تجعله يتفانى مع تلك الفكرة ويندفع وراءها اندفاعاً قوياً وهذا معمول نحن نجد على أي حال ما يدل على هذا أنه مما ألف عند البشر أن العداوة تتوارث كما تتوارث المودة ، أسرة بينها مودة كل من يأتي يرث هذا الود كابراً عن كابر ؛ لكن بجانب هذا أيضاً تكون هناك
عداوة ما بين الطائفتين إذا كانت هناك ثارات وترات تكون عداوة متحكمة في النفوس يرث الأولاد عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل وهذا قد كان بين الأوس والخزرج عندما كانوا يتطاحنون في حروبهم لمدة مئة وعشرين عاما ، كانوا يورثون أولادهم العداوات ولكن هذه العداوات انقلبت إلى مودة هذا بسبب رسوخ المبادئ لأنهم آمنوا جميعهم بمبدأ واحد آمنوا بالحق الذي جاء من عند الله تبارك وتعالى ونحن نجد أيضاً هذا الحب لم يكن عند الرجال وحده الحب كان عند النساء أيضاً امرأة تخبر عن أولادها أنهم قتلوا وعن
زوجها أنه قتل وعن أخيها أنه قتل وعن ... وهي لا تسأل إلا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وترى أن المصائب كلها تتضاءل مع سلامة الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذا دليل رسوخ الإيمان في النفوس مع أنه من المعلوم أن الجانب العاطفي في المرأة أقوى منه في الرجل ولكن مع ذلك تتغلب المرأة على عاطفتها بسبب رسوخ الإيمان في نفسها .
المحاور : سماحة الشيخ ، في هذا الجانب أيضاً ، هناك فئة من الناس سواء كانوا ذكوراً أم إناثاُ لو فقد الواحد منهم حبيباً أو من يحبه بسبب
غيبته في سفر أو بسبب وفاة ، فإنه ربما إن تخلى عن كثير من مبادئه بل ربما يسقط صريعاً في الفراش ويتخلى عن الكثير من العبادات كالصلاة مثلا ًولا يستطيع الصيام ونحو ذلك ، فهل هذا يتعارض ويتنافى مع حب الله ورسوله ؟ (1/10)
صفحة 11
سماحة الشيخ : نعم ، حقيقة الأمر ، هؤلاء الذين يقعون في مثل هذه الأشياء لا ينتج ذلك منهم إلا عن فراغ في النفوس وعدم رسوخ في الإيمان ، لأن الإيمان الراسخ يجعل الإنسان يثق ويطمئن بأن هذه الدنيا كلها هي مرحلة تمر وأن
كل واحد لا بد من أن يفارق من يحب فيها ، جعل الله تبارك وتعالى أمدها أمداً محدوداً ولا يدري أي أحد متى يفجعه ريب المنون متى ينتزعه ريب المنون من بين أهله ومحبيه وقرابته وأصدقائه ولا يدري أيضاً متى ينتزع منه أحد هؤلاء فعندما يرسخ هذا الإيمان في نفوس الناس ، لا ريب أن المصائب تتضاءل ، فلذلك يهون على الإنسان ما
لو فقد حبيبه سواء كان بموت أو بغيبة أو بأي شيء تجاه ما رسخ في نفسه أن الدنيا كلها عارية مستردة ، الحياة كلها عارية مستردة وأن على كل احد أن يوطن نفسه ، ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى علمنا ماذا نقول عند المصائب " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا
إنا لله" أي سواء هذا المصاب وهذا الذي كانت الإصابة بسببه كلنا نحن لله والله سبحانه وتعالى إنما أخذ عاريته ، " وإنا إليه راجعون " كلنا ننقلب إلى الله إذاً لماذا الجزع ؟
ولماذا الاضطراب ونحن نجد التحول الكبير في تعامل الناس مع الأحداث بحسب ما يكون من تحولهم في الإيمان كما كان من الخنساء عندما قتل أخوها عند ممات أخيها بسبب جرحه بعد طول معاناة ، عمل العجب العجاب إذ ظلت تبكي فيه وتنوح عليه
وتقول فيه الأشعار وترثيه إلى أن ذهب بصرها ولكن بعد ذلك لما آمنت ورسخ الإيمان في نفسها تحولت حالتها عن هذه مع أن عاطفة المرأة تجاه أفذاذ كبدها ، ليست كعاطفتها
تجاه أخيها ، فهي أقوى ، عاطفتها تجاه أولادها أقوى ورزأت بأربعة من أولادها وهي التي دفعت بهم إلى أتون المعركة وعرفتهم بأنهم أولاد رجل واحد كما أنهم أولاد امرأة واحدة لم تخن أباهم ولم تفضح خالهم ولما قتل جميعاً ما زادت على أن حمدت الله بأن (1/11)
صفحة 12
تقبلهم منها هذا دليل على أن الإنسان يستطيع أن يتغلب على مثل هذه العادات المألوفة عند الناس الضعاف عندما يكونون في مرحلة الضعف بسبب رسوخ الإيمان فيهم .
المحاور: سماحة الشيخ ، لعل الجمهور يود أن ننتقل إلى بعض قصص الحب الواقعية ومن هذا فتاة أحبت شاباً حباً شديداًً وقالت : لن أتزوج إلا هذا الشاب ويرى ولي أمرها بأنه لا يصلح لها زوجاً بسبب في خلق أو دين فكيف يتصرف ولي أمرها ؟
سماحة الشيخ : الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ". ومن أجل هذا شرعت
الولاية للرجل على المرأة لأن المرأة كما هو مألوف منها تتحكم عاطفتها فيها ، هي أقوى عاطفة من الرجل وقد تنساق وراء العاطفة انسياقاً غريباً وقبل فترة من الزمن اطلعت على بحث لباحثة فرنسية اجتماعية تقول بأن المرأة عندما تشب عاطفتها تشغل كلا
جانبي دماغها ولا يبقى هنالك وسع للتفكير والرجل إذا شبت عاطفته شغلت جانباً واحداً من دماغه وبقي الجانب الآخر صالحاً للتفكير لأجل هذا شرعت الولاية لئلا تنساق المرأة وراء عاطفتها انسياقاً أعمى ثم تندم بعد ذلك ، وأنا بنفسي عايشت قضايا من هذا
النوع اطلعت عليها في بدايتها وفي نهايتها وعرفت مسيرة الحب في بدايتها وفي نهايتها تحب فتاة أحد الشباب حباً أعمى وتتهالك في حبه وتفضي بنفسها إليه ولا تبالي مما يترتب على ذلك ، وبعد ذلك تعود إلى رشدها وتكتشف حقيقة الأمر وإذا بها تندم ندماً شديداً على ذلك ، ولا أريد أن أذكر تفسيراً لهذه الأحداث أكثر من هذه ، وقعت أحداث (1/12)
صفحة 13
من هذا النوع واطلعتُ عليها، اطلعتُ عليها أولاً قبل الارتباط ، ثم ما أفضى إليه الأمر بعد الارتباط ، ومع كثرة النصحاء من الوالدين وغيرهما لا تصغي إلى هذا وإنما تنساق وراء عاطفتها وإذا بعد ذلك هي التي تحاول أن تتصل بأبويها لينقذاها من الموقف الذي تردت إليه ، هذا وقع كثيراً . فإذاً هنا ينبغي للوالد أو لولي الامر أن يحاول أن ينقذ
موقف موليته لئلا يفضي الأمر إلى ما لا تحمد عاقبته ، كما وقع لكثيرات منهن فإذا ما آيس من ذلك كله ورأى أن الأمر يتطلب الموافقة إذ ربما يكون الأمر أعسر وأشق من أن يعالج هذه الحالة أولى له ينهي هذا الزواج . ( انتهى ) (1/13)