صفحة 1
الكتاب: حوار طلاب مركز الإمام الخليلي مع سماحة الشيخ الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) حوار طلاب مركز الإمام الخليلي بولاية بهلا مع سماحة الشيخ الخليلي، المفتى العام لسلطنة عمان
– بتاريخ 7 جمادى الأولى 1423هـ الموافق 18 يونيو 2002
لتحميل الحوار كملف مضغوط إضغط هنا
أولا : كما تعلمون سماحتكم ما للعقيدة الصحيحة من أهمية عظمى في تسيير هذه الحياة نحو مقصد أسمى، فالعقيدة هي صلب فكر الإنسان بل هي كل فكره، لأنها ذلك المحرك الدفاق لسلوك الإنسان الإيجابي و تصرفاته الفعالة في حياته. وما فتئ المصلحون من هذه الأمة يذودون عن حماها ويبذلون الغالي والنفيس لدحض الاعتقادات الفاسدة ومن هؤلاء أصحابنا رضوان الله تعالى عنهم ولقد بذلوا في ذلك زخماً هائلاً من الجهد، ومن فرسانهم في هذا الزمان سماحة شيخنا العلامة الخليلي فنرجو من سماحتكم تسليط الضوء على هذا الدور الإصلاحي من جانب علماء المذهب؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وإني أعتذر إليكم مما قيل في وهو بعيد عني ولست بأهل له، فأنا لست من فرسان هذا الأمر ولست منه فيه قبيل ولا دبير ولكن لعلها عين الرضى وكما يقول الشاعر :
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وأسال الله العفو والصفح و المغفرة وأن يتجاوز عن خطايانا جميعا، وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه و يرضاه من صالح العمل و صادق القول وخالص النية لوجه الله تبارك و تعالى. (1/1)
صفحة 2
ولا ريب أن المعتقد الصحيح هو المعتقد الذي يتفق مع صحيح النقل و سليم العقل، فإن الله تبارك و تعالى وهب الإنسان نوراً هو نور العقل الذي يميز به بين الحقيقة و الوهم وبين النافع و الضار في كثير من الأمور، ويستطيع به أن يفهم المقاصد وأن يدرك الأبعاد للألفاظ التي يخاطب بها. وأنزل الله تبارك و تعالى على النبيين كتبا تتلى من أجل هداية الخلق ،و قد نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم من عند الله هذا الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو في منتهى الفصاحة وفي ذروة البلاغة لا تحوم حوله شبهة ،وفي القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب وفيه آيات متشابهات، فأما الآيات المحكمات فهي المرجع بحيث يجب أن ترد إليها المتشابهات. (1/2)
صفحة 3
لأن الذي يأخذ بالمتشابه هو زائغ عن طريق الحق فالله تبارك وتعالى يقول (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)(آل عمران: من الآية7) وقد يتوصل الإنسان إلى التمييز بين المتشابه و المحكم من عقله الذي منحه الله تبارك وتعالى إياه بحيث يستطيع أن يصرف بموجب نوره الألفاظ التي جاءت من عند الله، فيتبين ما هو المقصود بها وما هي الغاية المرجوة مما يعرض منها من المعاني على هذه الأذهان، فنجد أن القرآن الكريم جاء بالعبارات الكثيرة التي لا بد من النظر فيها من أجل المقارنة بين معانيها ليتوصل الإنسان إلى حقيقتها و أبعادها، لاليتيه في متاهات تبعد به كل البعد عن هدايتها ونورها ،فلو جئنا مثلاً إلى قول الله تبارك وتعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم : )ْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى )(الأنفال: من الآية17) نجد أن في أول هذا الخطاب نفي الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، و في وسطه إسناد هذا الرمي إليه، وفي آخره إسناده إلى الله تبارك وتعالى ،فما المراد بقوله وما رميت؟ بحيث نفي إسناد الرمي عن النبي صلى الله عليه و سلم ،و في وسط الخطاب إذ رميت فيه إسناد الرمي إليه صلوات الله و سلامه عليه, و في آخره ولكن الله رمى إسناد هذا الرمي إلى الله بأداة القصر التي تفيد انه هو وحده الذي رمى دون غيره، فكيف يكون ذلك؟
من خلال النظر العقلي نستطيع أن نتبين الحقيقة ،وأن المراد بقوله وما رميت و ما سددت الرمي ،إن الإنسان يفعل الشيء ولكن لا يستطيع أن يسدده فإن الله تبارك وتعالى هو وحده الذي يسدد
على العبد أن يسعى و يبذل جهده ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا (1/3)
صفحة 4
فإذا قوله إذ رميت إذ وقع منك الرمي حقيقة فقد وقع منه صلى الله عليه و سلم ،ولكن لم يقع منه التسديد ،ولكن الله رمى هو الذي سدد هذا الرمي فإذاً نتبين من طريق الفهم الصحيح الذي جاء من العقل السليم أن الإنسان لو فعل ما فعل فهو لا يستطيع أن يسدد فعله بحيث يؤتي ثماره المرجوة، وإنما الله سبحانه و تعالى هو الذي يسدده ،فالإنسان يعد العدة ويأخذ بالأسباب و يتوكل مع ذلك على الله تعالى ليقضي في أمره ما يريد لأنه يصرف الوجود كله بحسب إرادته و مشيئته ، ثم إننا نجد في كتاب الله سبحانه و تعالى الكثير الكثير من الكلمات التي قيلت وهي من حيث ظاهر معاني ألفاظها التي وضعت لها قد تدل على أمور بعيدة و لكن يستطيع الإنسان من خلال القرائن المختلفة من بينها قرينة العقل أن يفهم القصد فنجد أن الله تبارك وتعالى يقول في المسيح عليه السلام : )وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه ُ) (النساء: من الآية171) كيف كان المسيح كلمه وهو شخص وهو على أي حال كسائر الأشخاص خلق وحملته أمه ووضعته و فيه طباع البشر وفيه الأعضاء البشرية التي في أجساد البشر جميعاً فكيف يقال عنه بأنه كلمة وكيف يقال بأنه روح من الله، (1/4)
صفحة 5
الجواب هو كلمة من الله لأنه خلق بكلمة كن ولم يكن بحسب النواميس الطبعية التي جعل الله تبارك وتعالى سنة الخلق قائمة عليها ،فهو لم يولد بتلاقي حيوان منوي من ذكر وبييضة من أنثى ،وإنما كان خلقه بكلمة كن و بنفخة من جبريل عليه السلام الذي أرسله الله سبحانه و تعالى إلى مريم فكان بذلك سراً من أسرار غيب الله تعالى و السر يعبر عنه بالروح فهذا هو المقصود، وقد وجد من المسلمين من تسكع في الضلالة و هام في أوديتها السحيقة وبعد كل البعد عن الحقيقة إذ استمسك بالقشور وترك اللباب وأخذ بالظواهر وترك الحقائق ،فأولئك لا يختلفون عن النصارى الذين فهموا من قول سبحانه وتعالى في وصف المسيح بأنه كلمة من الله وروح منه ما يؤيد جانب ما يقولنه في المسيح عليه السلام ولذلك جاءوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ليناظروه في المسيح و طبيعته، أولئك الذين أخذوا بالظواهر لا يختلفون عن هؤلاء، لأننا نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى الكثير الكثير من الألفاظ التي لو حملت على ظاهرها كما يحرص أولئك الذين يأخذون القشور ويتركون اللباب لأدى ذلك إلى التناقض البعيد ولأدى ذلك إلى التفكك بين معاني القرآن بحيث لا يكون بينها أي انسجام (1/5)
صفحة 6
لننظر مثلا إلى قول الله تبارك وتعالى :)كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)(القصص: من الآية88) لو أخذ الآخذون بالظاهر و تركوا الحقيقة المعنية فقالوا بأن الوجه يدل على الجارحة و هي الوجه المعروف الذي هو في الخلق و معنى ذلك أن لله تعالى وجهاً كما أن لكثير من خلقه وجوها ،فذلك يؤدي إلى معنى ينقض التوحيد من أساسه وهو أن يكون الله سبحانه وتعالى كله يفنى ويبقى وجهه وحده وإنما ذلك حسبما يتصورن من أنه تبارك وتعالى مجزأ و أنه يتكون من أعضاء فهو على أي حال يكون فانيا بجميع أجزائه التي أثبتوها له من اليدين والرجلين و الجنب و غير ذلك من ما قالوه فيه ،وإنما يبقى الوجه وحده هذا أمر يؤدي بطبيعة الحال إلى نقض عقيدة التوحيد بحيث يكون الله تبارك وتعلى فانياً تعالى الله عن ذلك.
وكذلك عندما يأخذون مثلاً بما يدل عليه ظاهراً قوله سبحانه وتعالى:) فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)(البقرة: من الآية115) فإن ذلك يؤدي أن يكون وجه الله - تعالى الله عن ذلك- أن يكون متدلياً من عرشه لأنهم يحصرون الذات العلية في العرش ليكون هذا الوجه كالخرطوم النازل إلى الأرض بحيث لو انصرف الإنسان إلى أي جهة من جهات الأرض لوجد هذا الوجه هنالك. هكذا يؤدي القول بأن الألفاظ القرآنية تحمل على ظواهرها ولا تصرف إلى معاني أخرى هي المقصودة تدل عليها القرائن العقلية أو القرائن الأخرى (1/6)
صفحة 7
وكذلك هم يأخذون بالروايات الآحادية وهذه الروايات منها الصحيح ومنها غير الصحيح والرواية الأحادية وإن صحت من حيث السند فإنها ظنية من حيث الدلالة،لأن صحتها صحة ظنية،إذ القول بأن هذه الرواية صحيحة مجرد ظن وليس ذلك أمراً قطعياً لاحتمال أن تكون غير صحيحة بما أنها لم تبلغ درجة التواتر، فهي وإن صح سندها لا يقال بأن صحتها قطعية،ولذلك كانت دلالتها أيضاً دلالة ظنية نظراً على احتمال أنها غير ثابتة. فهم يأخذون بهذه الروايات الأحادية ويجعلونها عين الدين ويقطعون بها في أمر الاعتقاد. (1/7)
صفحة 8
فمما أخذوا به من الروايات الآحادية فيما يتعلق بذات الله أن الله تبارك وتعالى ينزل آخر كل ليلة إذا بقي الثلث الأخير إلى سماء الدنيا وينادي هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه هل من داع فأستجيب له،وهذا الكلام إذ حمل على ظاهره وقيل بأن الله تعالى ينزل إذا بقي الثلث الأخير من الليل إلى سماء الدنيا نزولاً حقيقياً بحيث يخلو منه العرش كما قال بعضهم - بناءاً على معتقدهم أنه تعالى محصور في العرش وأن وجوده كوجود غيره من الكائنات وجود حلول واتصال بالموجودات الأخرى- إن حمل هذا الذي يروى على هذا المحمل مع القول بقطعية هذه الرواية و صحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحة قطعية كما يقولون فإن ذلك يؤدي إلى التناقض مع الواقع الذي يدركه الناس اليوم ،فإن الثلث الأخير من الليل في الأرض ليس هو جزءاً بعينه من الوقت لا يتقدم ولا يتأخر في أي جزء من الأرض،وإنما الليل والنهار يلفان بالكرة الأرضية ويتعاقبان على كل جزء من الأرض،فهذا الجزء الذي نحن فيه هو من الثلث الأول من الليل هو بالنسبة إلى قوم الثلث الأخير من الليل ،وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الوسط ،وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الأول من النهار ،وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الوسط من النهار،وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الأخير من النهار ،فالليل والنهار يلفان بالكرة الأرضية فهل يبقى سبحانه وتعالى باستمرار متحركاً بين سماء الدنيا و العرش بحيث لا يبقى في العرش فترة إلا وهو ينزل فوراً إلى سماء الدنيا لأنه وصل الثلث الأخير من الليل عند هؤلاء و هؤلاء و هلم جراً هكذا باستمرار،فهذا أمر لا يقبله العقل السليم و لا الفهم لأن هذا يؤدي إلى التصادم مع الواقع ويؤدي ذلك إلى تكذيب الدين ورده كما وقع ذلك للنصارى ،فإن النصارى عندما أوجدوا ما يسمى عندهم بالجغرافيا المسيحية و فسروا الكون بمقتضى تلكم الجغرافيا وجاء الاكتشاف بالحقائق الكونية من خلال الدراسات العلمية (1/8)
صفحة 9
وقع التصادم بين العلم وبين المعتقد الكنسي ،وأدى ذلك إلى أن تنصب المشانق للعلماء وأن تسفك دماؤهم وأن يحرق بعضهم بالنار،فقد أحرق كثير منهم لأنهم قالوا بأن الأرض كروية ،وأدى ذلك إلى نفور الناس عن الدين لأنهم وجدوا أن الدين لا يتفق مع الحقيقة التي وصل الناس إليها،وإلى الآن يفسر الدين في أوروبا بأنه الشيء الذي لا يتفق مع العلم و العقل،بينما ما نجده في القرآن الكريم على أن الدين هو الأمر الذي يتفق مع دلائل العقل ويتفق مع دلائل العلم فالنصوص القرآنية كلها دالة على ذلك عندما تتحدث عن ما يتعلق بالذات الإلهية أو بالحقائق الكونية أو عن المنقلب في اليوم الآخر فنجد مثلاً عندما يقرر القرآن حقيقة هي أعظم الحقائق وأجلها وأقدسها وهي وحدانية الله تبارك وتعالى في قوله عز وجل : )وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)(البقرة163)يتبع ذلك ما يدل على أن الكائنات بأسرها من فكر فيها وأمعن نظره في انسجامها وترابطها ونظامها الركيز الذي يجمع بين أجزائها أدى به فكره إلى الإقرار بهذه الحقيقة وإدراكها كما دل عليها القرآن الكريم فالله سبحانه و تعالى يقول بعد هذه الآية : )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164) (1/9)
صفحة 10
كذلك يقول تبارك و تعالى : )قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ-- أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون َ-- أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ--أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ--أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ-- أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل من الآية 59 إلى الآية 64) (1/10)
صفحة 11
فالله سبحانه وتعالى عندما يبين هذه الحقيقة العظمى يرشد عباده إلى أن يستدلوا بها بالعقل، و نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن العقل له شأن وأن على الإنسان أن يستهدي بالعقل وأن لا يلغيه كما ألغاه أصحاب العقائد الضالة ومن بينها أصحاب العقائد النصرانية،ولذلك عندما يناقشون في معتقداتهم الباطلة يقولون بأن هذا أمر لا يمكن أن يتوصل إليه الإنسان بعقله فالعقل أعجز من أن يتوصل للحقائق ،وكذلك الذين أهملوا جانب العقل من المسلمين هم مثل هؤلاء عندما يناقشون بحسب مقتضى العقل يقولون هذه بدعة وأنتم أهل البدعة تحاولون أن تردوا النصوص بعقولكم المريضة وهذا ليس رداً للنصوص،وإنما حمل لها على معناه الصحيح الذي يتفق مع العقل السليم ويتفق مع سائر النقول الصحيحة .
وأصحابنا بحمد الله لم يهملوا جانبا من الجانبين فهم لم يفرطوا في النص بحيث اعتبروا أن العقل هو كل شيء وأن أي شيء نجده نوعا ما قد يتصادم مع العقل ولو ببادئ الأمر نترك هذا النص ولا نأخذ به ،وأيضاً هم لم يهملوا جانب العقل،بل استهدوا بنور العقل لفهم معاني النصوص،ولذلك حملوا المتشابه على المعنى الصحيح الذي يتفق مع النقل الصحيح و العقل السليم. (1/11)
صفحة 12
لذلك جعلوا المحكم هو الأصل كما عبر عنه القرآن:) هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)(آل عمران: من الآية7) وليست هنالك أمومة كالأمومة المعهودة بحيث تكون هذه الأمومة أمومة والدة، وإنما هي أمومة أصل،بحيث ترد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات لأن الآيات المحكمات هي الأصل لهذه الآيات المتشابهات،فيجب أن يأخذ بالآيات المحكمات وأن تفسر الآيات المتشابهات بما يتفق مع الآيات المحكمات،فلذلك كان موقف الأصحاب رحمهم الله تعالى موقفاً سليماً وذلك لم ينحصر في ما اصطلح عليه الجميع بأنه متشابه أو أنه محكم فهناك أشياء وقع فيها الخلاف وإنما استهدى أصحابنا رحمهم الله بالأدلة القطعية من النصوص ومن أدلة العقل على المراد من تنزيه الله تعالى كقضية الرؤية،فإن الأدلة التي تدل على استحالة رؤية الله تعالى أدلة في منتهى الوضوح و الجلاء. (1/12)
صفحة 13
ولكن ماحك فيها كثير من الناس وأخذوا يجادلون فيها مجادلات باطلة وتعلقوا بالمتشابهات فقد تعلقوا بقول الله تعالى : )وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ--إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة23:22) مع أن النظر هنا ليس بمعنى الرؤية،إذ النظر لا يفسر في كل موقف بمعنى الرؤية يقال نظرت الهلال ولم أره، ولا يجوز أن يقول قائل رأيت الهلال ولم أره ،لأن في ذلك من التناقض ما لا يخفى،و النظر له معان فيأتي النظر بمعنى الرؤية أحياناً ويأتي النظر بمعنى الانتظار ،ويأتي النظر بمعنى محاولة الرؤية كما هو معهود ،ويأتي النظر بمعنى الرحمة ) وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(آل عمران: من الآية77) بمعنى لا يرحمهم يوم القيامة فلو كان النظر هو بمعنى الرؤية ولا يكون بمعنى آخر للزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يرى أولئك الذين توعدهم هنا يوم القيامة وتعالى الله عن ذلك وقوله: )إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)(القيامة:23) بمعنى أنها منتظرة لرحمته ودخول جنته وهذا ما دلت عليه القرائن ورجع المعنى للآيات المحكمات مثل قوله تعالى: )لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)(الأنعام: من الآية103) فالإدراك لا يمكن أن يفسر أنه بمعنى الإحاطة في كل موقف وإنما إدراكه بكل شيء بحسبه ،والحواس تدرك بحسب ما أوتيت فإدراك الذوق إنما هو بمعنى التمييز بين المذاقات وإدراك اللمس إنما هو التمييز ما بين الملموسات ،وإدراك العين إنما هو بمعنى الوقوع على الشخص المرئي،وإدراك الأذن بمعنى سماعها،وهكذا كل شيء إدراكه إنما هو بحسبه. (1/13)
صفحة 14
ومن العجيب أن نجد كبار العلماء المحققين من هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى المجادلة التي يحار منها العقل مثال ذلك ما نجده للفخر الرازي مما قاله في تفسير قول الله تعالى تبارك وتعالى )لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار َ) (الأنعام: من الآية103) حيث حاول أن يجعل من الآية دليلاً قطعياً على أن رؤية الله تبارك و تعالى ستقع بلا شك،فقال بأن هذه الآية هي قطعية الدلالة على ثبوت رؤية الله تبارك و تعالى ،ولننظر أولا في تأصيلات الفخر فيما يتعلق بالألفاظ من تأصيلاته أن دلالة الألفاظ كيف ما كانت هي دلالة ظنية فليس هناك له دلالته دلالة قطعية وإنما دلالة الألفاظ جميعا دلالة ظنية لأن هذه الألفاظ تتوقف على النقول،وهذه النقول آحادية و لذلك كانت دلالتها دلالة ظنية ،وما توقف على الظني فهو ظني مثله هكذا يقول في حين أنه يقول بأن قول الله تبارك وتعالى )لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ )(الأنعام: من الآية103) هو تمدح منه تبارك وتعالى بنفي الإدراك و الرؤية عنه ولئن كان ذلك تمدحا منه تبارك وتعالى بنفي ذلك عنه فعلينا أن ندرك بأن الله تعالى لا يتمدح بشيء عدمي ،وإنما يتمدح بأمر واقع وعلى هذا فإن هذا التمدح منه تبارك وتعالى لهذا النفي دليل على إمكان الشيء الذي تمدح به ،ولئن كان ذلك ممكناً فلننظر إلى قول الناس في جانب الرؤية نجدهم بين من يقول بإمكان الرؤية ووقوعها،ومنهم من يقول باستحالتها وعدم وقوعها،ولم يوجد فريق ثالث يقول بإمكانها وعدم وقوعها،ولما كان الأمر كذلك فعلينا أن نخضع لان الآية بما أنها مدح والله تبارك وتعالى تمدح بشيء فذلك ممكن فعلينا أن نخضع بأن الرؤية ممكنة ولئن كانت الرؤية ممكنة قطعا فهي واقعة قطعا لأنه لم يوجد أحد يقول بأن الرؤية ممكنة وهي لا تقع،هذا الكلام يقتضي أن يكون قول الله تبارك وتعالى ) لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)(البقرة: من الآية255) (1/14)
صفحة 15
قطعية دلالة بأن الله تعالى تأخذه سنة ونوم وأن يكون دلالة قوله (لا تأخذه سنة ولا نوم) على انتفاء السنة والنوم حسب التأصيل الذي وضعه وأن دلالته دلالة ظنية،ولكن وجدت في مقابلها دلالة قطعية على ثبوت العكس.
وكذلك قول الله تبارك وتعالى )لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ --وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الاخلاص4:3) يلزم من هذا أن يكون ذلك قطعي الدلالة على أن الله تعالى يلد ويولد ويكون له الكفء وأن تكون دلالة هذه الآيات على انتفاء الولد و الوالد عنه و انتفاء الكفء عنه دلالة ظنية وهكذا.
ومثل ذلك يقال في قوله تعالى )وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(الكهف: من الآية49) وفي قول الله سبحانه ) مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً)(الجن: من الآية3) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة فنحن نجد الأصحاب والحمد لله أخذوا بالأصل السليم ،ومن تجرد وأمعن فيه فكره وجده أنه هو الذي يتفق مع صريح العقل وصحيح النقل و الله تعالى أعلم.
إن الفقه في دين الله تعالى من أسمى المطالب و أغلى المكاسب،لأن إحسان العبادة مرهون به وسلامة الدنيا والآخرة معقود عليه وقد أولى الراسخون في العلم هذا الجانب من العلوم معظم عنايتهم. وقد كان القدح المعلى في هذا العلم الجليل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم،وقد كانوا مهيئين لأن يكونوا حملة الرسالة إلى أمتهم،فاستطاعوا قيادة العالم إلى طريق الحق وأن يحكموه بما عندهم من الفقه الواسع حكماً ربانياً. ومع توالي الأيام و السنين أخذت دائرة الفقه تتسع باتساع القضايا التي يفرضها احتكاك الناس بعضهم ببعض وتسارع حركة الحياة نحو التطور و النمو، إذ استجدت الكثير من القضايا التي تواجه المجتمع المسلم،فكان الفقه في هذه القضايا مهما جدا وخاصة في هذا العصر،فلو تبينوا لنا سماحتكم لنا أهمية الفقه في حياة المسلم المعاصر؟ (1/15)
صفحة 16
الجواب: الفقه في الدين ضرورة من ضرورات الحياة،لان هذه الحياة هي منحة من الله تبارك وتعالى،وهي ليست حياة جزاء وإنما هي حياة امتحان فالإنسان يختبر في هذه الحياة، فهو في هذه الأرض خليفة استخلفه الله تبارك وتعالى فيها لينظر ماذا يعمل. ومعنى ذلك أن منهاج هذا الإنسان يجب أن يكون مقيدا بشرعة الله تعالى،وأن لا يتصادم قط مع شيء من أوامر الله سبحانه وتعالى،والحياة البشرية حياة متطورة كما هو معهود،فإن سنن الحياة هكذا منذ وجدت هذه الحياة و سفينة التطور تعبر محيطها إلى الامام ولم ترسوا أبدا في وقت من الأوقات ولن ترسوا إلى أن يصل ميقات رسوها عندما يرث الله تبارك وتعالى الأرض وما عليها ،ولئن كانت هذه التطورات تطورات كانت تسير عبر القرون السابقة سيراً يتلاءم مع وضعية تلكم القرون فإن هذه التطورات في عصرنا هذا تسير سيراً حثيثاً فإنها كانت قيست في الأيام الماضية بالحركة المعهودة عند البشر وهي حركة الانتقال على الأقدام أو حركة ركوب الدواب و السير عليها أو الركوب على أرماث البحر والانتقال بها من مكان إلى مكان فإنها في وقتنا هذا تقاس بسرعة الضوء،فنحن نجد أن الرسالة عبر القرون الخالية كانت تتلقفها الأيدي و تسير بها الركبان حتى تصل إلى غايتها بعد آماد طويلة ،ولكن الرسالة اليوم عبر ما يسمى بالبريد الإلكتروني تصل في نفس اللحظة من شتى بقاع الأرض إلى حيث يراد لها في أي بقعة من بقاع الأرض تصل من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن أقصى الغرب إلى أقصى الشرق بهذه السرعة المذهلة وهكذا سنة الحياة أصبحت تتطور الآن هذا التطور المذهل، والمسلمون إن لم يصاحبوا هذا التطور بالتنافس في ميدانه حتى يحوزوا فيه قصبات السبق ويتقدموا الأمم ويأخذوا بزمام قافلتها ويكونوا هم الربان الماهر لسفينة هذه الأمم فإنهم سيصبحون متخلفين،وكذلك عندما يكونون غير قادرين على استيعاب هذه التطورات من حيث إعطاء الحلول لمشكلاتها المستجدة فإن (1/16)
صفحة 17
أمتهم ستكون مفتقرة إلى الحلول الأخرى التي تفرزها تلكم العقول المظلمة الخاوية من الروح ومن القيم الدينية. وهذا يعني انتكاسة خطيرة في عالم هذه الأمة الإسلامية كما وقعت هذه الانتكاسة الخطيرة في عالم الأمم المتحضرة بسبب فقدانها الحل الصحيح الذي هو من عند الله سبحان و تعالى. لذلك كانت ضرورة القدرة على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية من أجل أن ينزل كل شيء منزله ومن أجل أن يبوء كل ما يحدث مبوءه من الحكم الصحيح.
فالله تبارك وتعالى أنزل كتابه فيه تبيان كل شيء،لكن لا عن طريق النص وإنما ذلك عن طريق الأصول والقواعد التي يمكن أن يرجع إليها،وجاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مفصلة للكثير الكثير من مجملات الكتاب العزيز،وجاءت أيضاً بالكثير من القواعد التي يمكن أن ترد إليها جزئيات القضايا فهنا كانت ضرورة الفهم الصحيح بالكتاب العزيز و السنة النبوية إلى صاحبها أفضل الصلاة و السلام حتى تكون هذه الحلول حلولاً نابعة من هذه الأصول:الكتاب العزيز والسنة النبوية. ومن القواعد التي اشتمل عليها الكتاب واشتملت عليها السنة النبوية ليستهدي الناس بهدى الكتاب العزيز وبنور السنة النبوية، أن على شباب المسلمين المعنيين بدراسة العلوم الشرعية أن يكونوا حريصين على فهم عصرهم واستيعاب مشكلاته ومسايرة الركب الحضاري من حيث الفهم الدقيق لمعطيات هذه الحضارة،ولا أعني بهذه المسايرة أن يسلسوا القياد لكل ما تفرزه هذه الحضارة،فإن ذلك غير مطلوب وإنما المطلوب أن يكونوا ممسكين بزمام الحضارة يسايرونها في تقدمها السريع مع كونهم القابضين على زمامها،وذلك بإعطائهم الحلول الموافقة لشرع الله تبارك وتعالى في كل قضية من القضايا المستجدة من خلال الإفراز الحضاري و الله تعالى الموفق. (1/17)
صفحة 18
كانت المدرسة الاباضية وعلى رأسها الإمام جابر بن زيد وتلميذه من بعده الإمام أبو عبيدة متميزة بجمعها بين الرواية و الدراية فلم تفرط في جانب على حساب الجانب الآخر،وكان كل من الإمامين يجمع بين اجتهاد الفقيه الراسخ في العلم وسياسة القائد المحنك مما كان لهما أثر كبير في تصحيح اتجاه الأمة لذا،لو تحدثونا سماحتكم عن دور هذين الإمامين في تصحيح مسير الأمة.
الجواب: إن الإمام أبا الشعثاء رحمه الله ورضي عنه ولد في عهد الخلافة الراشدة،ولكنه بعدما بلغ مبلغ العطاء العلمي كانت الخلافة قد انتهى أمدها وحل بالأمة نظام ملك عضوض،فيه حرصٌ على أن تكون الحياة كلها تدور حول شخص واحد هة قطب رحاها وهو من يسمى عندهم بالخليفة،بحيث فقدت قيمة الإنسان التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من أجل الارتفاع بهذا الإنسان من الدركات الهابطة إلى الذرى الرفيعة، ليكون عبداً خاضعاً لله تبارك وتعالى وبين الناس إنساناً صالحاً وفيما بين الكائنات سيداً مطاعاً سلب هذا الإنسان حقه واصبح لا يملك من الحق شيئا إلا أن يقول سمعنا وأطعنا،فوضعت الروايات الكثيرة من قبل أولئك الذين يتزلفون إلى أولئك المتحكمين في أمور الناس حتى تكون الشرعية مضفاة على كل ما يأتونه فقالوا بأنه تجب الطاعة و الامتثال لمن تسلط ولو أكل مالك وضرب ظهرك. (1/18)
صفحة 19
وكان كثير من الناس الذين حملوا الفقه رضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواق دعاية لذلك النظام المتسلط آنذاك في مقابل أن يعيشوا على فتات العيش المتساقط من أيدي أولئك الظلمة. ولكن الله تبارك وتعالى يهيئ في كل وقت من يسوس الناس بسياسة الإسلام ويبين لهم معالم الحقيقة لئلا تضل عقول جميع الناس،وكان من بين هؤلاء في ذلك العصر الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد مع وجود كثير من الناس الذين كانوا متنورين حقا وكانوا يقفون في وجوه الظلمة من أمثال الحسن البصري و سعيد بن جبير و غيرهم من الذين وقفوا في وجوه الظلمة وقالوا لهم كلمة لا،و إنما تميز الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بإنه حرص على تكوين جماعة تحمل هذا الفكر و تسير في هذا النهج و تجمع ما بين الجانب الديني و الجانب السياسي،كانت هذه الجماعة هي جماعة أهل الحق والاستقامة، وقد خلفه فيما بعد في قيادة هذه الجماعة تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله تعالى ورضي عنه،فكان نعم القائد المحنك الذي جمع بين الفقه في الدين و البعد السياسي و النظام الدقيق الذي نشأ عنه تخطيط دقيق لسير هذه الدعوة في وسط تلكم الأعاصير الهوجاء. ومع ما أصيب به من إيداعه السجن و التنكيل به خرج من ذلك السجن بعزيمة الرجل المؤمن الموصول بالله تبارك وتعالى فحمل الراية بصدق و أمانة وبقوة وجدارة. وكان يقظاً يتابع ما يجري في هذا العالم ويرسل الدعاة إلى أرجاء الأرض مع الاستفادة من الظروف السياسية و الاجتماعية التي كانت تحيط بتلكم المجتمعات. وبذلك شاء الله تبارك وتعالى أن يكتب له النجاح. (1/19)
صفحة 20
ونحن علينا أن نتعلم من هذا القائد المحنك حرصه على تتبع ما يجري في آفاق الأرض مع أن العصر في ذلك الوقت كما تعلمون لم يكن بحسب ما نشاهد ونعايش هذا العصر من تسخير الوسائل وسائل الاتصال ووسائل النقل بحيث يمكن للإنسان أن يطلع على ما يجري في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه. كانت الأخبار تتناقلها الركبان،ولكن مع ذلك كان يحرص على جمع المعلومات وتحليلها ودراستها ووضع الخطط التي تناسب الأوضاع التي فهمها من تلكم الدراسات فلذلك كتب الله تبارك وتعالى له النجاح،والآن نحن تيسر لنا فهم ما يجري في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه. والكلمة يمكن أن تصل في لحظة خروجها من لسان أحد إلى أقاصي الأرض، فعلى هذه الأمة أن تدرك واجبها تجاه هذا الأمر وأن تحرص على نشر هذا الفكر الصحيح فكر أهل الحق و الاستقامة الذي يمثل حقيقة الإسلام وجوهرة، من أجل انتشال الأمة من الضياع الذي سببته تراكمات الأفكار المنحرفة عن جادة الحق، ومن أجل انتشال هذه الإنسانية الضائعة وإرشادها إلى الطريق القويم لتبني حضارتها على أسس سليمة من الفهم الصحيح لكتاب الله تباك وتعالى و سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام والله تعالى الموفق.
لقد تطرقتم سماحتكم في محاضرة إعادة صياغة الأمة إلى المدرسة السلفية فماذا تقصدون بها وما هو تأثيرها على الأمة وهل هي المدرسة الأثرية؟ (1/20)
صفحة 21
على أي حال هذا مصطلح قاله كثير من الناس،بل قاله أصحاب هذه المدرسة أنفسهم فأطلقوا عل أنفسهم اسم السلفيين ،وهم بعيدون كل البعد عن نهج السلف الصالح، وإنما أرادوا في فترة انتشار دعوتهم وظهور سلطانهم وقوة آلتهم لنشر فكرهم أن يضفوا على أنفسهم هذا الوصف حتى يبعدوا أنفسهم من ما هم واقعون فيه ويبعدوا الناس عن معرفة حقيقة أمرهم. وإلا فهم سموا من أول الأمر بالحَشَوٍية والحَشوية، الحَشوية نسبة إلى الحشا لأن الحسن البصري عندما أبعدهم من مجالسه قال أخرجوهم إلى حشا المجلس. ومنهم من يسميهم حشوية لأنهم لا يأخذون إلا بالحشو ويدعون الحقيقة،فهم بعيدون عن الحقيقة، فهذه المدرسة هي التي لا تحرص على الفهم الصحيح للقرآن ،وهي التي تأخذ بالمتشابه وتدع المحكم، أما إن قيل بأن هنالك مدرسة سلفية صحيحة فهي مدرسة أهل الحق التي استفادت حقا من السلف الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التابعين لهم بإحسان واستمسكت تمام الاستمساك بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن نحن لا نريد أن نسمي أنفسنا بذلك حتى لا يلتبس الأمر ويظن الناس أننا أتباع لأولئك الحشوية و الله تعالى الموفق.
تم الحوار بحمد الله ... (1/21)