صفحة 1
الكتاب: دور المرأة في إصلاح المجتمع لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) دور المرأة
في إصلاح المجتمع
محاضرة سمعية لسماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
منقول من مجلة رسالة المسجد ، التي تصدر عن مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده حمدا كثيرا طيبا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ، سبحانه لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه ، أستغفره وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فأحيي بناتنا العزيزات المؤمنات الصالحات تحية الإسلام الخالدة ، الوارفة ضلالها ، السلام عليكن ورحمة الله وبركاته .
وإنه لمن ما ينبغي للإنسان أيا كان وهو يعيش في هذه الحياة الدينا ، ويعلم أن معيشته فيها محدودة وأن فناءه فيها ليس فناء أبديا وإنما هو مرحلة في طريقه ينقلب بعدها إلى مصير خالد بحسب ما قدم في هذه الحياة المحدودة من خير أو شر بحيث يجزى خيرا إن قدم خيرا ويجزى شرا إن قدم شرا ، أن يعلم ما هي مسؤليته في هذه الحياة وما هي واجباته .
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى بين في كتابه الكريم حالة الإنسان وهو يقطع هذه المرحلة لينقلب إلى ما بعدها إذ قال عز من قائل : (( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )) (سورة العصر) ، نعم إن الله تبارك وتعالى هو الحق المبين ولا يقول إلا الحق وقد أقسم عز وجل في هذه السورة الكريمة بالعصر مع اختلاف المفسرين بكلمة العصر ، هل المراد بذلك الدهر وما حوى من عجائب التقلبات من حال إلى حال ما في ذلك من دواعي الإعتبار . (1/1)
صفحة 2
أو أن المراد بالعصر هو العصر الذي نزل فيه الوحي على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لشرفه على بقية العصور ، أو أن المراد بالعصر وقت العصر وهو وقت اعتبار لأن الإنسان يستقبل الليل ويودع النهار في ذلك الوقت ، أو أن المراد بالعصر صلاة العصر لأجل ما لها من شأن فقد قيل بأنها الصلاة الوسطى وأكد ذلك حديث مرفوع إلى النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ، أو أن المراد بالعصر الليل والنهار لما فيهما من دواعي الإعتبار وبواعث الإستعبار ، فإن الصروف التي تأتي بها الأزمان إنما يفرزها تقلب الليل والنهار .
مهما يكن المراد بالعصر فإن الله سبحانه وتعالى أقسم به في هذه السورة ، والمقسم عليه أن الإنسان في خسر إلا الذين جمعوا بين هذه الأسباب الأربعة التي من استمسك بها فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي الإيمان أولا والعمل الصالح ثانيا والتواصي بالحق ثالثا والتواصي بالصبر رابعا ، هذا يعني أن الإنسان أيا كان ذكرا كان أو أنثى مسؤوليته في هذه الحياة مسؤولية جسيمة ، فهو يتحمل تبعة كبيرة ويضطلع أمانة عظمى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: 72). (1/2)
صفحة 3
فالإنسان تحمل هذه الأمانة وجدير به أن يعرف كيف أداؤها ، وكيف يتكيف مع واقع الحياة وهو يتحملها ، فعليه أولا أن يصلح نفسه بالإيمان ، والإيمان هو الذي يشرق في هذه النفس المؤمنة ليبدد منها ظلمات الطبع وليعرفها بحقائق الوجود لأن الإيمان هو الذي يصلها بمبدئ الوجود سبحانه ونعالى ويصلها بالدار الآخرة التي إليها المنقلب والمعاد ، فالإيمان هو الذي يحل ألغاز هذا الوجود ، يعرف الإنسان من أين أتى وإلى أين ينتهي ، وماذا عليه أن يعمل للدار الآخرة التي إليها منقلبه ومعاده ، الإيمان هو الذي يعرف الإنسان بذلك كله ، الإيمان هو الذي يحل للإنسان ألغاز هذا الوجود ، فجدير بالإنسان أن يستمسك به .
على أن هذا الإيمان ليس أمرا مثاليا يعيش في عالم النظريات ولا يتجلى في عالم الواقع ، فهو أمر مثالي واقعي ، وواقعي مثالي ، لأن الإيمان يتجلى في سلوك المؤمن فلذلك ذكر الله سبحانه وتعالى مع الإيمان العمل الصالح ، والعمل الصالح هو ما كان وفق أمره سبحانه وتعالى ، فتحديد الصالح من الطالح والخير من الشر والنافع من الضار إنما ذلك يعود إلى أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه ، فكل ما كان وفق أمره سبحانه فهو صالح ، وكل ما كان مخالفا لأمره فهو طالح . (1/3)
صفحة 4
ولا دخل لعقل البشر في ذلك ، فإن العقول تتأثر بالمؤثرات النفسية والمؤثرات الإجتماعية وهي مؤثرات شتى ، ولكن المؤمن الذي رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن منهجا وطريقا وبمحمد صلى الله عليه وسلم هادبا ودليلا يستعلي على كل هذه المؤثرات مهما كانت ، فهو يستعلي على نزعات نفسه ونزغاتها وهو يستعلي على المؤثرات البيئية والاجتماعية فلذلك يسير في الدرب السليم مهما كان تصادمه مع الواقع ، ومهما أدى به ذلك إلى أن يتنكر له مجتمعه وأن تتنكر له بيئته لأنه يرى رضوان الله سبحانه وتعالى فوق كل اعتبار ، فالله أولى بأن يطاع (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) (الأحزاب/36) . (1/4)
صفحة 5
ولذلك نجد المؤمنين والمؤمنات في العصور السابقة عندما أكرم الله سبحانه وتعالى هذه الإنسانية بإخراجها من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق زمن الغي إلى الرشد ومن الفساد إلى الصلاح ومن الخطر إلى السلامة إذ بعث فيها نبيا كريما وأنزل عليها ذكرا حكيما نجد هؤلاء المؤمنين والمؤمنات في ذلك العصر استعلوا على هذه النوازع بأسرها واستعلوا على هذه المؤثرات بأسرها ، فكان المؤمن وكانت المؤمنة يخرجان عن الطريق المألوف إلى طريق لم يكن مألوفا في البيئة التي نشئا فيها ، والمثال الواضح الذي يدل على هذا ما ذكرته أم المؤمنين عائشة -رضوان الله تعالى عليها- عن نساء الأنصار أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما أنزل الله سبحانه وتعالى عليه ما أنزل في سورة النور وذلكم قوله سبحانه : (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور/31). (1/5)
صفحة 6
لما أنزل الله سبحانه وتعالى ذلك على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه ، فكان الرجل يتلو ذلك على امرأته وعلى أمه وعلى أخته وعلى بنته فقمن إلى مروطهن وشققنهن واعتجرن بها وأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان .
نعم إن هذه المسارعة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى ما هي إلا دليل رسوخ الإيمان في النفس وتحكمه في العقل والقلب وسيطرته على الفكر والوجدان وعلى الأحاسيس والمشاعر ، فلذلك كانت هذه النقلة العظيمة من حياة الجاهلية إلى حياة الإسلام والإيمان ، من حياة الفساد إلى حياة الصلاح ، من حياة الإنحطاط إلى حياة الرقي .
ونحن بحمد الله نشاهد هذه الصور ماثلة أمامنا الآن وغير الآن ، هذه الصور التي تدل على الإيمان الراسخ واليقين الصادق والرغبة فيما عند الله والتفاني من أجل طاعته تعالى ، وإنما نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه المؤمنات الصالحات القانتات بأن يزيدهن هدى وصلاحا وتقوى وإخلاصا وبرا ووفاء وأن يهيء لهن من أمرهن رشدا إنه تعالى على كل شيء قدير . (1/6)
صفحة 7
ثم مع هذا لا بد أن يكون المؤمنون والمؤمنات جميعا حاملين رسالة الحق إلى الخلق ، فإن هذه الرسالة رسالة يضطلع بها الجميع ، ينوء أوزارها الذكور والإناث ، ليست خاصة بالذكور دون الإناث ، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى فيما ذكره من أسباب النجاة التي لا بد من التمسك بها التواصي بالحق ، فإن التواصي بالحق سبب لسلامة في الدنيا وفي الآخرة ، وهذا واضح فيما وصف الله سبحانه وتعالى به المؤمنين والمؤمنات جميعا بحيث يكونون كما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام : (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ، فلذلك يحرص كل مؤمن وتحرص كل مؤمنة على إبلاغ رسالة الحق إلى الخلق حتى يكثر فريق المؤمنين والمؤمنات ولأجل أن يعم الخير في البشرية بأسرها .
فإن من لم يكن واصلا إلى درجة أن يحب من الخير لغيره ما يحبه لنفسه فليس هو من الإيمان في شيء ، فإن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام يقول : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ومعنى ذلك أن من شأن كل مؤمن ومن شأن كل مؤمنة أن يريد عموم الخير وشيوعه في جميع المؤمنين والمؤمنات مع كونهما يريدان لجميع الناس أن يكونوا من فريق المؤمنين والمؤمنات .
فإن هداية الناس إلى الحق من أقرب القربات إلى الله سبحانه وتعالى وهي وراثة النبوة ، فإن هذه الرسالة هي رسالة النبوة ، فما من رسول من رسل الله سبحانه إلا وقد ابتعثه الله بهذا ، فإن الله عز وجل يقول : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء/25) ، ويقول : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) (النحل/36). (1/7)
صفحة 8
فدعوة المرسلين هي دعوة إلى الله ودعوة إلى اجتناب الطاغوت ، وهكذا شأن المؤمنين والمؤمنات دائما يحرصون على شيوع هذه الدعوة ويذيعوها فيما بين الناس جميعا ، وأن يكون الناس جميعا من حزب الله لا من حزب الطاغوت .
والله سبحانه وتعالى بين أن هذه الصلة التي تكون بين المؤمنين والمؤمنات صلة قربى والتراحم والعطف وحب الخير والتفاني من أجل الصلاح والإصلاح لا تكون إلا مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أولى الصفات التي وصف بها الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بعد ما وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض فهو تعالى يقول : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ) (التوبة/71) .
نعم هذا هو شأن المؤمنين والمؤمنات جميعا فهم دائما يحرصون على أن تكون حبال الموالاة بينهم ممدودة فلذلك يرتبطون بهذه الموالاة التي تشد بعضهم إلى بعض ، وهم بجانب ذلك يحرصون على القيام بما يحفظ هذا الولاء فيما بينهم وبما يحفظ لهذه الرسالة العظمى مكانتها فلذلك يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بجانب مسارعتهم بأنفسهم إلى امتثال أوامره سبحانه ولذلك وصفهم الله سبحانه وتعالى فيما وصفهم به بعد هذا بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، فذكر إقام الصلاة هنا لأن الصلاة هي في مقدمة ما يأمر الله تعالى به من الأعمال وما يتواصى به المؤمنون والمؤمنات وهي من العبادات العملية ، ثم إيتاء الزكاة ، والزكاة عبادة مالية . (1/8)
صفحة 9
والإنسان إن كان في أعماله وكان في تصرفاته في ماله بحسب أوامر الله سبحانه وتعالى فقد تقدس وتطهر ، وأتبع ذلك وصفهم بأنهم يطيعون الله ورسوله وهذه الطاعة مطلقة في الأوامر وفي النواهي ، فهم يطيعون الله ورسوله في كل أمر أمرهم به الله ورسوله وفي كل نهي نهاهم عنه الله ورسوله ، فهم يسارعون إلى طاعة الله سبحانه وتعالى .
وعلينا أن نتبين هنا مكانة المرأة في الإسلام ، فإن مكانة المرأة مكانة مهمة جدا ، فهي لا تنحط عن مكانة أخيها الرجل ولذلك أشركهما الله سبحانه وتعالى في الإضطلاع بهذا الأمر العظيم والقيام بهذا الواجب المقدس ونشر هذا الخير العميم بين الناس ، هم أي المؤمنون والمؤمنات يحرصون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فعلى المرأة أن تتبين مكانتها في الإسلام وأن تتبين رسالتها في هذه الأمة الإسلامية ، هي مطالبة بأن تضطلع بأمانة الحق وإبلاغ هذه الأمانة إلى الخلق .
عليها أن تحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يجب ذلك على الرجل ، ومعنى ذلك أن تقوم بإبلاغ دعوة الله سبحانه وتعالى إلى خلقه ، وهذه أمانة عظيمة ومسؤولية كبرى الأمة بأسرها مسؤولة عنها ، فإن الله سبحانه وتعالى بين أن هذا الواجب إنما هو واجب على جميع أفراد الأمة عندما قال عز من قائل : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/ 104) ، فالآية الكريمة تدل على أن هذا الواجب إنما هو واجب على جميع أفراد الأمة وليس ذلك خاصا بطائفة دون أخرى . (1/9)
صفحة 10
وليس قوله سبحانه وتعالى : (مِّنكُمْ) مفيدا للتبعيض بحيث يقال : إن بعض الأمة هي مطالبة بأن تقوم بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون سائرها ، بل الجميع مشتركون في ذلك ، إذ (من) هنا ليست للتبعيض وإنما هي للبيان ، أي لتكون فيكم ومن أفرادكم هذه الأمة بحيث يكون جميع هؤلاء الأفراد أمة هذا شأنها ، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى حصر الفلاح في هذا الصنف من الناس عندما قال : (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، فالفلاح إنما انحصر في هذه الطائفة التي تتآمر بالمعروف وتتناهى عن المنكر وتدعوا إلى الله سبحانه لأنها قامت بما عليها من الواجب .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فكل من ذلك أمر وراءه تبعات عظيمة ، فإن الدعوة إلى الله ليست بالأمر السهل إنما طريق الدعوة طريق وعر ولكن على كل مؤمن وعلى كل مؤمنة أن يتحليا بالصبر ولذلك كان التواصي بالصبر أمرا لا بد منه وكان سببا من أسباب النجاة ، فإن الإضطلاع بنفس الواجبات التكليفية على اختلافها لا يمكن أن يتم إلا مع التحلي بالصبر ، إذ لهذه النفوس نوازع ، فالنفس تريد أن تطمئن إلى الراحة وأن تركن إلى الرفاهية وألا تكلف صاحبها شططا في هذا الأمر . (1/10)
صفحة 11
ولكن ليس الأمر بحسب التمني فإن هذه الحياة ليست حياة راحة وطمأنينة وإنما هي حياة عمل وكفاح والدار الآخرة هي دار الطمأنينة ودار الخلود ودار الراحة ودار السلامة من كل الآفات ، والداعية قد يقدم نفسه ثمنا لهذه الدعوة التي يقوم بها ، وقد حصل ذلك في تاريخ المؤمنين والمؤمنات في العهود السالفة ، وطريق الدعوة مفروش بالجمر وبأشواك القتاد وليس مفروشا بالعطور والياسمين والورود ، كيف والله سبحانه وتعالى عندما ذكر الدعوة ذكر وجوب الصبر على ما يلقاه الداعية ، فالله عز وجل حكى عن لقمان قوله في وصيته لابنه : (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) (لقمان/31) ، فإن الصبر لا بد منه في هذا الطريق الوعر الشائك .
وعندما ذكر الله سبحانه سبيل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وسبيل أتباعه وأنه الدعوة إلى الله على بصيرة بين كيف كانت هذه الدعوة في سالف العصور فقد قال تعالى : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف/ 108) ثم أتبع ذلك قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (يوسف/12). (1/11)
صفحة 12
نعم ذكر الله سبحانه وتعالى أنه بعث من المرسلين رجال يتحملون أمانة إيصال هذه الرسالة إلى الخلق ، ولكن هل كان الأمر ميسورا بحيث كان هذا التبليغ غير محفوف بالمكاره؟ . لا ، بل كان محفوفا بمكاره عظيمة ولذلك وصل الأمر بالمرسلين أنفسهم مع رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم وعلو هممهم ومتانة صلتهم بالله سبحانه وتعالى وصل الأمر بهم إلى مشارفة اليأس ، وهناك تداركتهم ألطاف الله سبحانه وتعالى وغمرهم فضله وأتاهم نصره فنجي من نشاء ولا يرد بأس الله سبحانه عن القوم المجرمين .
وهكذا الشأن في كل عصر من العصور ، وهذا واضح في التاريخ فإن القائمين بالدعوة اصطدموا ببيئاتهم واصطدموا بالمحيطات البشرية من حولهم ، فقد يصطدم الداعية أول ما يصطدم بأقرب الناس إليه ، يكون ذلك بين الأب وأبيه والأخ وأخيه والزوج وزوجه والقريب وقريبه ، وهذا واضح في تاريخ النبوات ، فإبراهيم عليه السلام وقف في سبيل دعوته أبوه ويبدو أنه بسبب قرابته منه وصلته به كان أول من جحد الحق الذي جاء به إبنه ، فقد حكى الله سبحانه وتعالى من أمرهما ما حكاه في كتابه ، كذلك نوح عليه السلام كان من جملة الذين خالفوا أمره وخرجوا عن طاعته ابنه ، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى فيه : (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود/46) ، وكذلك كان شأن نوح ولوط عليهما السلام مع امرأيتهما وقد ضرب الله سبحانه وتعالى بهاتين المرأتين مثلا للذين كفروا .
وكذلك كان شأن امرأة فرعون -رضي الله تعالى عنها وأخزى فرعون- مع زوجها فإنها واجهت من التحدي و ذهبت نفسها ضحية الحق وشهيدة الدعوة إليه ولكن مع ذلك ثبتت وصمدت ولم تألو جهدا في نصح ذلك الطاغية مع ما كان عليه من الطغيان . (1/12)
صفحة 13
هذا يدل على أن المرأة تستطيع أن تتحدى جميع التحديات وأن تقف أمام منيع العقبات وقوف الصامدين عندما تتحلى بالإيمان وتتسلح به .
وكذلك شأن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام ، فإن أول من تنكر لدعوته صلوات الله وسلامه عليه عمه أبو لهب الذي قال له عندما جهر صلى الله عليه وسلم بالدعوة : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ، وقد أنزل الله سبحانه ما أنزل من الوعيد الشديد في أبي لهب .
وهكذا شأن المؤمنين والمؤمنات ، وأنتم تعلمون أن أول شهيد في تاريخ هذه الأمة امرأة وهي سمية رضي الله تعالى عنها التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر بها وبزوجها وبأبناؤهم يعذبون ويقول لهم : (صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) .
وهكذا أدت المرأة واجبها وبلغت رسالتها وقدمت نفسها ضحية في هذا السبيل لتنعم بالخلود في دار النعيم .
وكان ما كان من أثر المرأة في إثارة الهمم وحفز العزائم وتقوية الإرادة في الرجال ، في الأزواج والأبناء من أجل مواصلة طريق الحق ، وكان للإسلام تأثير عظيم في فكر المرأة المسلمة وتغيير مجرى حياتها من وضع إلى نقيضه ، وهذا واضح في تاريخ أخت صخر الخنساء التي بكت صخرا في الجاهلية حتى فقدت بصرها والتي كانت ترثيه بمراثي عظيمة من أجل أن يخلد ذكره ، ولكنها عندما أسلمت كان أمرها بخلاف ذلك ، فقد جمعت أبناءها جميعا وحفزتهم للجهاد في سبيل الله وأمرتهم بتوطين النفوس على الصبر حتى يلقوا الله سبحانه وتعالى ، وأخبرتهم بأنهم أبناء رجل واحد كما أنهم أبناء امرأة واحدة ، لم تخن أباهم ولم تفضح خالهم ، وأمرتهم بأن يمضوا قدما في مجالدة العدو ، وعندما وصلها نبأ استشهادهم جميعا لم تزد على حمد الله سبحانه الذي قبلهم منها ، وهكذا كان شأن المرأة المسلمة التي ملأ الإيمان قلبها ولامس برد اليقين شغافه ، فهي واصلت هذا الطريق غير لاوية على شيء . (1/13)
صفحة 14
والآن الأمة المسلمة هي أحوج ما تكون إلى المرأة المؤمنة الداعية التي قبل كل شيء تدعو أسرتها وتربي أبناءها وبناتها على التقوى والصلاح والإستقامة والبر والإيمان ومواجهة التحديات على اختلافها ، ولا ريب أن المرأة استهدفت ولا يستغرب عندما أقول أنها استهدفت أكثر مما يستهدف الرجل من قبل المجرمين والظالمين ، أُريدً لها أن تكون سلعة تباع في أسواق الشهوات وأُريدً أن تكون أداة للتسلي وأريد لها أن تنحط إلى دركات الهون .
ولكن المرأة المؤمنة الواعية بحمد الله سبحانه وتعالى فاقت من رقدتها واستيقظت لهذه المؤامرة الحقيرة ، وقد استغلت المرأة نفسها من أجل أن تنزل نفسها إلى هذه الدركات استغلالا خطيرا ، فما هذه الدعوى التي أشيعت في أوساط العالم دعوى تحرير المرأة إلا وسيلة من هذه الوسائل .
المرأة حررها الإسلام عندما جعلها في مصاف الرجال ، بل أحيانا قدم حقها على حق الرجل ، فقدم حق الأم على حق الأب ، فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه آت وقال له : يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال له : (أمك)، قال له : ثم من؟ قال له : (أمك)، قال له ثم من؟ قال له : (أمك) ، قال له ثم من؟ قال له : (أبوك ، ثم الأقرب فالأقرب) ، فذكر حق الأم ثلاث مرات وأتبع ذلك ذكر الأب مرة واحدة معطوفا على حق الأم بثم التي تقتضي المهلة والترتيب ، وهذا يدل على ما للأم من مكانة في الإسلام . (1/14)
صفحة 15
كذلك امتن الله سبحانه وتعالى بالإناث قبل أن يمتن بالذكور عندما قال : (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا) (الشورى/49-50) ، فنعى على أولئك الذين كانوا يمتعضون من الأنثى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) (النحل/ 58-59).
فالمرأة المسلمة ليست بحاجة إلى تحرير ، إنما بحاجة المرأة غير المسلمة إلى أن تتحرر من عادات الجاهلية ومن أسر تلكم الجاهلية لتنعم بما تنعم به المرأة المؤمنة من العيش في ظلال الإسلام الوارفة ، في ظلال الكرامة والعزة والشموخ ، المرأة كما قلت استغلت في هذه الجاهلية الحديثة الآن استغلالا سيئا ولا أدل على ذلك من كونها اتخذت وسيلة لترويج البضائع ، فكل شيء يروج له بصورة امرأة ، وقد يصل هذا الترويج إلى أن تكون المرأة عرضة لخلع جلباب الحياء عنها بحيث تصور صورة هي أقبح ما تكون ، قد تكون أحيانا في حالة يستحي الإنسان حتى من ذكرها .
هذا دليل على ما خطط لهذه المرأة في تاريخ الجاهلية الحديثة ، وقد استغلت المرأة نفسها في تاريخ الجاهلية الحديثة استغلالا سيئا لزَّ بها لزّا في هذه المضائق ووجدت نفسها في هذه المهانة ، وبسبب تغرير الآخرين لها ظنت أنها على شيء ، فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يحررون المرأة الآن إلى ماذا يدعون؟ . (1/15)
صفحة 16
يدعون المرأة إلى أن تتناسى أسرتها وأن تنتمي إلى أسرة زوجها عندما تتزوج زوجا ، وهل هذا من تكريم المرأة أو من إذابة هويتها وشخصيتها؟ هذه هي الحالة المتبعة في المجتمعات الغربية وفي المجتمعات المستغربة في الأرض الإسلامية ، بهذا يتبين ما يراد لهذه المرأة .
ونحن نرى في تاريخ ما سمي بتحرير المرأة كيف كانت الأوضاع ، المرأة في جميع الأوساط الإسلامية كانت معززة ومكرمة ، كانت معززة وهي بنت ، ومعززة وهي أم ، ومعززة وهي زوجة ، ومصونة في جميع أحوالها حتى جاء شياطين الرجال وأرادوا لها ما أرادوه من الهوان وأنزلوها إلى حيث ما أنزلوها من الدرك الهابط .
هم استغلوها بنفسها بهذه الدعاية ، ونحن عندما ننظر من الظروف التي أحاطت بهذه الدعوات نرى أنها كانت أليمة ، ظروف فيها من الخبث ما فيها ، حسب علمي أول امرأة كانت تخرج عن القيود التي كانت مفروضة على المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية الشاعرة عائشة هانم التيموري ، من الذي أخرجها؟
أخرجها أبوها ، ولعل وراء أبيها من وراءه ، وكانت أمها تقف ضد ذلك ، ولكن أباها الذي كان يجتمع عنده الكثير من الكتاب وكانوا يكتبون باللغة العربية وبالفارسية وبالتركية ، كان يشجعها على أن تحضر عند هؤلاء الكتاب .
نحن لا نستنكر أن تتعلم المرأة ، ندعوها إلى التعلم ، والمرأة العالمة خير من المرأة الجاهلة (1/16)
صفحة 17
الأم العالمة هي التي تربي أبناءها على العلم والصلاح والتقوى ولكن لا على أساس خلع العذار وانتهاك الحرمات والتجاوز للحدود وتحطيم قيود الفضيلة ، ظلت هذه المرأة هكذا بين تشجيع الأب على ذلك واعتراض الأم عليها ، ثم بعد ذلك كانت لها زميلة خاطبت المرأة المصرية خطابا عجيبا استغلت بعض الخلاف الموجود في الأحكام الشرعية استغلالا سيئا من أجل تبرير ما تدعو إليه ، وهي الشاعرة (لا أعرف بالضبط ما هو الإسم لأنه غير واضح في هذه النسخة ولكن كتبته كما هو) ملاك حفني ناصف التي خاطبت المرأة المصرية بهذه الأبيات :
سيري كسير السحب لا تأني ولا تتعجل ** لا تكسي أرض الشوارع بالإزار المسبل
أما السفور فحكمه في الشرع ليس بمعضل ** ذهب الأئمة فيه بين محرم ومحلل
ويجوز بالإجماع عند قصد تاهل
لننظر كيف استغلت هذه المرأة الخلاف الفقهي من أجل تبرير ما تدعو إليه ، قال بأن السفور ليس بمعضل في الشرع لأن علماء الإسلام اختلفوا فيه بين مبيح ومحرم ، ماهو السفور الذي أبيح؟ إنما هو سفور الوجه على رأي كثير من العلماء لا السفور الذي يتبعه أن تكشف المرأة عن ساعديها وعن ساقيها وعن نحرها وتبدي مفاتنها وتكون عرضة للشيطان وأغوائه ، وتكون عرضة لذئاب الرجال ، ليس ذلك مما أباحه الإسلام .
ويجوزبالإجماع عند قصد تأهل ، أي عند قصد الزواج ، نعم يجوز بالإجماع عند قصد الزواج أن يرى الخطيب من خطيبته وجهها وكفيها فقط لا أن يرى ما فوق ذلك ، فما دعت إليه ليس هو من الصحة في شيء ، ثم انتهى هذا الأمر بموت هاتين المرأتين وبتوقف هذه الحملة المسعورة ضد المرأة المسلمة ، ولكن ما إن رجعت الأميرة نازلي فاضل التي تربت في فرنسا ، وكانت كلمتها الكلمة الأولى عند اللورد كرومر في مصر ، وكان تأثيرها تأثيرا بالغا حتى في السياسة المصرية . (1/17)
صفحة 18
ما إن رجعت من رحلتها إلى فرنسا حتى فتحت صالونا تستقبل فيه الرجال ويتداولون ما يتداولون من الأحاديث وكان من بين الذين يغشون هذا الصالون قاسم أمين ، قاسم أمين هذا اعترض على كاتب ألماني انتقد وضع المرأة المسلمة ، انتقد خمسة أشياء في حياة المرأة المسلمة ، أولها : أنها لا تتزوج إلا زوجا واحدا ، بينما الرجل يتزوج أكثر من امرأة ، الأمر الثاني : أنها ترث نصف ما يرث الرجل ، والأمر الثالث : أن الطلاق بيد الرجل لا بيدها ، الأمر الرابع : أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج كتابيا بينما الرجل المسلم يجوز له أن يتزوج كتابية ، الأمر الخامس : أن المرأة مقيدة بقيود الحجاب الشرعي .
فانبرى قاسم أمين يدافع عن وضع المرأة المسلمة وكرامة المرأة المسلمة وأن المرأة المسلمة راضية بحكم الإسلام قانعة به ، وليست كالنساء المستغربات اللواتي خدعن ببريق الحضارة الغربية ، فوشى به واش إلى الأميرة نازلي فاضل بأنه قصدها فيما قال ، فصبت عليه جام غضبها ، وما كان له أن ينقذ نفسه مما تصوره ورطة وقع فيها إلا أن يؤلف كتابا يدعو فيه إلى تحرير المرأة ، فألف كتابه في تحرير المرأة ، وكان هذا الكتاب مثار فتنة عظيمة ، وتأسف هو بنفسه على تأليفه وعرف أنه وقع في ورطة عظيمة عندما ألف هذا الكتاب ، وامرأته أدلت بتصريح قالت فيه : إن هذه الدعوة كانت دعوة هدامة ، دعوة إلى الشر . (1/18)
صفحة 19
ثم هدأت العواصف إلى عصر سعد زغلول الذي دعا إلى ما يسمى بتحرير المرأة ، ودعا إلى سفور المرأة ، وألقى خطبة أمام الجماهير وكانت زوجته حاضرة ورفع عنها الحجاب أمام الجماهير ليكون قدوة لغيره في رفع الحجاب عن النساء المسلمات ، وهنا وقع الخصام بين كثير من النساء المغرورات وبين أسرهن ، فوقع الخصام بين البنت وأبيها وبين المرأة وزوجها ، بحيث يقلن بأن الأمير نزع الحجاب عن أم المصريين ، وهل نحن أولى من أم المصريين بالإلتزام بهذا الحجاب؟ ، وأليست هي في مكان التقدير والإحترام؟ ، ولما سمع بهذا الصراع الذي حصل في البيوت والأسر ما بين الجانبين دعا إلى اجتماع آخر وأحضر فتاة وسيمة شابة لتلقي خطابا أمام الجماهير وهي في بداية خطابها كانت محجبة .
فقام إليها ونزع الحجاب عنها أمام الجماهير فصفق له الغوغاء واصطلى الناس سعير هذه الفتنة ، ولكن هو نفسه قدم الثمن باهضا ، وهكذا شأن كل أحد يدعو إلى ما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى لا بد له من أن يقدم الضريبة باهضة ، فقد كانت قريبة له تربت في بيته وكانت هذه القريبة كما يصفها بعض الكتاب الذين كتبوا في هذه القضية كانت ملكة جمال وكان لها أخ تربى أيضا في بيته يسمى إبراهيم ، فذهب أخوها إلى فرنسا ليدرس الأدب الفرنسي بإيعاز من سعد زغلول نفسه ، وقريبته تزوجها أحد البشاوات المصريين وكان كما يقولون مليونيرا فذهب لقضاء شهر العسل إلى باريس حاملا معه زوجته التي هي كما يقولون ملكة جمال .فماذا كانت النتيجة؟ . (1/19)
صفحة 20
جاء في يوم من الأيام أخوها إليها ليزورها وقد نزع منه كل ما في الرجل من صفات الغيرة والشهامة إذ لم تبق في قلبه غيرة قط ، جاء ومعه صديق ألماني كان زميلا له في دراسة الأدب الفرنسي ، فعرّف بين صديقه وبين أخته فطلب الصديق أن يراقص الأخت أمام أخيها ، ولأجل أن يثبت هذا الأخ بأنه مدني ومتحضر وأنه من الفريق المتقدم شجع أخته على ذلك فراقصها ، في أثناء هذه المراقصة كان يقول لها : يا سيدتي هاتان العينان هما اللتان كنت أبحث عنهما طول حياتي ولم أجدهما إلا في جبينك ، فغرس في قلبها بذرة الغرام .
ثم أتى إليها في اليوم الثاني وقد نظم قصيدتين باللغة الفرنسية ، إحدى القصيدتين يتغزل فيها في محاسنها ، والقصيدة الثانية تصف ما في نفسه من لوعة الغرام تجاهها ، وقال لها في قصيدته هذه ما معناه : هل تسمحين يا سيدتي أن أكون خادما صغيرا في مملكة قلبك الواسعة؟ ، فردت عليه : بأنك أنت صاحب الجلالة في هذه المملكة ، لست خادما صغيرا .
وكانت نتيجة ذلك أنه عندما جاء إليها زوجها رفضته وقالت : إنني وجدت صاحبي الذي أبحث عنه ، والتحقت بذلك الشاب الألماني وعاد زوجها خائبا إلى مصر وعرض مشكلته على سعد زغلول ، فكتب إليها سعد زغلول يأمرها بأن تعود سريعا إلى مصر فما كان منها إلا أن رفضت هذا الأمر ، وقالت بأن سعد زغلول لا يتزعم قلبها وإنما زعيم هذا القلب هواه فهي تستسلم لهواه ، وهكذا كانت النتيجة ، كانت النتيجة انخراطا في سلك الفساد والإرتماء في أحضان الفحشاء والبعد عن القيم والفضائل . (1/20)
صفحة 21
ونحن نحمد الله سبحانه وتعالى على أن عشنا حتى وجدنا المرأة المؤمنة المسلمة تعود إلى الحق وتعود إلى الرشد ، ولكن مع هذا لا بد أن تقدم الثمن مهما كان غلاؤه ، فهي لابد من أن تدعو إلى هذا الخير وأن تصبر وأن تصابر لأجل أن تنجو من الخسران الذي توعد الله سبحانه ونعالى به جنس البشر ، إلا من آمن وعمل صالا وكان من الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعا من هذا الفريق وأن يلهمنا رشدنا وأن يصلح أمرنا إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ، نعم المولى ونعم النصير ، وصل الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . (1/21)