صفحة 1
الكتاب: ساعات العمر في ميزان الحق لعبد الله الريامي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ساعات العمر في ميزان الحق
بقلم: عبد الله بن سليمان بن عبد الله الريامي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي أنار للإنسانية طريق الهداية بالإيمان به، وشغل قلوب عباده بعبادته والتوجه إليه بنور التوحيد الخالص للواحد القهار، ونهاهم عن الشرك والغواية والضلال. والصلاة والسلام على المصطفى المبعوث رحمة للعالمين ونورا للمهتدين سيدنا محمد وآله وصحابته الغر الميامين إلى يوم الدين.
أما بعد ..
فالدين الذى ارتضاه الله _عزوجل _ ليكون منهجا تحيا به الإنسانية، هو الدين الذى أخبر عنه فى قوله: (ورضيت لكم الإسلام دينا) (1)، فالنجاة والسعادة بالتزام تعاليمه قال ـ جل شآنه: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين) (2). والإسلام الذى يرتضيه الحق ـ جل شآ نه ـ ويتقبله هو الذى يستسلم به صاحبه ويخضع وفق ما دعا إليه وأمر به، ويبتعد وينزجر وفق ما حذر منه وزجر، فالمسلم من استسلم استسلاما مطلقا لله منتهيا بنواهيه مطيعا لأوامره، تلكم الأوامر التى شملت جميع جوانب الحياة، وجميع متطلبات الإنسان الروحية والعقلية والجسدية، عناية بهذا الإنسان وإصلاحا لحاله، وكم هو جدير بهذا الإنسان أن يسعى لتحقيق مايضمن له السعادة الدنيوية والأخروية المتمثلة فى العمل بمنهج الله القويم وشرعه المبين. وما أسعد الإنسانية وهي تنطلق لهدف واحد، كلها يسعى لتحقيق ذلكم الهدف العظيم، كلها يسعى لفهم ماوجب عليها فى هذه الحياة، وكلها يسعى لتحقيق الحكمة العظمى من خلقها ووجودها فى الوجود، وما أتعسها يوم أن تحيد عن هذا المنطلق، وتسلك مسالك التخبط والزلل وتتبع ضلالات عدو الإنسانية جمعاء.
__________
(1) ـ سورة المائدة/3
(2) ـ سورة آل عمران/85 (1/1)
صفحة 2
لقد تمثلت ارادة الله ـ عزوجل ـ لهذا الإنسان فى قوله ـ جل شآنه: (يريد الله أن يتوب عليكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) (1). هذه هي ارادة الحق لهذا الإنسان تحقيق التوبة التى هي سبب سعادة هذا الإنسان، وذلك بتكليف هذا الإنسان ببعض التكاليف التى تحقق له ذلك، لكن هناك ارادة اخرى تضاد ارادة الحكيم الخبير ويالى حماقة هذه الفئةكيف تتجرأ على ذلك، وكيف تقف مضادة لإرادة الواحد القهار مالك الملك مدبر الأمر تلكم الفئة التى لم تكتفى بفسادها وانحرافها عن جادة الطريق الذى ينبغى أن تسلكه بل حرصت على أن تقع الإنسانية فيما وقعت فيه هي من اتباع للهوى، وانغماس فى الشهوات، وتخبط فى المسعى والمنطلق. وماحال الإنسانية اليوم من انغماس فى الشهوات، وتهاون عن الواجب، واتباع للهوى، وسيطرة الطغيان والظلم بينهم، واستباحة ماحرم الله وانتشار الرذيلة وفجور المرأة واستخدامها كوسيلة لإغواء الرجل بعد أن نجحوا فى اغوائها هي، إلا بسبب اجتهاد أتباع الشهوات ونجاحهم فى تحقيق مآربهم الخبيثة. ولقد استخدم هؤلاء المنحرفون شتى الوسائل لتحقيق مسعاهم وبث سمومهم فأول عمل قاموا به هو تجهيل الشعوب بمنهج الحق القويم، لأنهم أيقنوا أن وعي الإنسانية بهذا المنهج سيجعلها مندفعة لإتباعة ووسيلتهم فى ذلك تنويع وسائل شغل الوقت بما لايجدى ولايفيد، كما أنهم حرصوا على اثارة الغريزة الجنسية فى هذا الإنسان ليكون حيوانا يقاد كيفما أريد به من غير وعي بالوجهة التى يوجه إليها، فتشاغل هذا الإنسان وثارت شهوته الجنسية ووقع فى الفاحشة، وصار همه كيف يطفئها من حل أو حرام، ولهذا تشاغلت النساء عن هدفهن بالتزين وقضاء الساعات الطوال فى ابراز المفاتن، وما علمت أنها بهذا الصنيع ستكون نعجة فى فم الذئاب.
__________
(1) _ سورة النساء/26_28 (1/2)
صفحة 3
فهذا هو الحال الذى صارت إليه الإنسانية من الضياع ومن الإنحلال والسقوط فى مستنقعات الرذيلة، وضياع للأوقات وعدم شغله بما يجب عليه القيام به، وإهدار للطاقات بالتافه من الأمور. وكان نتيجة كل ذلك أن أظلمت الإنسانية وانطفاء منها نور الإيمان، وضعف اقبالها لخالقها، وصار على قلب كثير منهم غشاوة تحجز بينها وبين اتباع الحق بل حتى عن سماعه، وصاروا لايبالون بوعد الله ووعيده.
والإسلام قد اعتنى بوقت المسلم وتوجيهه الوجهة السليمة لاستغلاله الإستغلال الأمثل، نحو صالحات الأعمال وخيرها وشغله بذكر الله _ عزوجل _ وأمره بالسعي نحو طلب الرزق الحلال وأمره بالصلاة وطلب العلم وقراءة القرآن وصلة الأرحام ومساعدة الآخرين والسفر الى بيت الله الحرام، وتنفيره من مضيعات الأوقات وآفات القيل والقال، ومسببات المهالك والخسران. لذا فإنه من منطلق حب لأخيك ماتحب لنفسك ومن منطلق الرغبة فى توجيه نفسى نحو صلاحها وانقاذها مما هي غارقة فيه من إضاعة للوقت واستهتار بلحظات العمر قمت بتوفيق من الحق ـ جل شآنه ـ بكتابة هذا المختصر والذى أسميته (ساعات العمر في ميزان الحق). وقد تناول هذا المختصر العناوين الآتية:
1_ الإهتمام بعمر الإنسان. ... 2_ قوارب النجاة.
3_ طريق الاستثمار. ... 4_ ثمرات الوقت النافع.
5_ مسالك العظماء. ... 6_ داء ودواء.
7_ العواقب الوخيمة. ... 8_ ظاهرة الفراغ.
9_ تحديد المفاهيم.
فأسأل الله _عزوجل _ أن يوفق للإنتفاع بهذا المختصر، وأن يبارك لنا فى أوقاتنا، وأن يوفقنا الى طاعته كما يحب ويرضى، إنه سميع قريب مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
عبدالله بن سليمان بن عبدالله الريامي
الفصل الأول
الاهتمام بعمر الإنسان (1/3)
صفحة 4
الإهتمام المثالي بعمر الإنسان جاء في منهج الإسلام، فقد جاء الإسلام ليبين لهذا الإنسان رسالته في هذه الحياة، ويوجهه الوجهة القويمة لعمارة الكون، والفوز بالآخرة، ولذلك كان اهتمامه بحياة الإنسان اهتماما عظيما، وبرز ذلك من خلال توجيه هذا الإنسان إلى:
1_ مسئوليته على عمله. ... 2_ المسارعة في الخيرات.
3_ التحذير من المنكرات ... 4_ محاسبة النفس.
5_ لفت انتباهه لبعض الأوقات. 6_ ربط بعض العبادات والأحكام بأوقات مخصوصة ومحددة.
أولا: مسئولية الإنسان على عمله (1/4)
صفحة 5
جاءت آيات كثيرة تبين مسئولية هذا الإنسان على عمله، وأنه سيحاسب على كل ما قدم من عمل: خيرا كان أو شرا. كما يتضح ذلك من خلال قوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لايظلمون) (1)، وقال تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء محضرا تود لوأن بينها وبينه أمد بعيد ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) (2)، كما جاءت آيات تبين عدم حرمان المؤمن جزاء ما يعمل قال تعالى: (ومايفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) (3)، وجاءت أيات أخرى تبين عدم مسئولية الإنسان عن أعمال الأمم السابقة كقوله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ماكسبتم ولاتسئلون عما كانوا يعملون) (4)، ولهذا فهو فمن يستغفر الله على تفريطه في هذه المسئؤلية يجد الله غفورا رحيما. قال تعالى: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما. ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) (5). وهذا التوجيه في بيان مسئولية الإنسان على عمله مظهر من مظاهر الإهتمام الأمثل بعمر الإنسان، ذلك أن هذا الإنسان عندما يدرك مسئوليته ويعيها فإنه بالتالي ينطلق من خلالها، ويحسب لكل لحظة من لحظات عمره ويزنها بالميزان الحق.
ثانيا: المسارعة في الخيرات
__________
(1) _ سورة البقرة/281
(2) _سورة آل عمران/30
(3) _ سورة آل عمران/115
(4) _ سورة البقرة /134
(5) _ سورة النساء/110_ 112 (1/5)
صفحة 6
مسارعة الإنسان لاستغلال ساعات عمره الإستغلال الأمثل ومسارعته في عمل الصالحات دليل على حرصه على وقته، ووعيه بالتوجيه الإسلامي القويم لهذا الأمر حيث وردت آيات كثيرة، وأحاديث نبوية جليلة تدعوا للمسارعة في الخيرات، كقوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير) (1)، وكقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) (2)، ويقول الحق _ جل شآنه: (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) (3)، ويصف الله _ عزوجل _ الأمة المستقيمة على الحق بهذا الوصف العظيم: (ليسوا سواءا من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) (4)، كما جاء الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم. قال تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) (5). ويبين القرآن الكريم ان استجابة الدعاء من ثمرات المسارعة في الخيرات كما جاء ذلك واضحا في قصة سيدنا زكريا _ عليه السلام _: (فاستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) (6).
__________
(1) _ سورة البقرة/148
(2) _ سورة آل عمران/133
(3) _ سورة المائدة/48
(4) _ سورة آل عمران/113_114
(5) _ سورة التوبة/100
(6) _ سورة الأنبياء/90 (1/6)
صفحة 7
كما جاءت آيات أخرى توجه للقيام ببعض الأعمال، كما يتضح ذلك من خلال قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) (1)، وجاءت آيات وأحاديث نبوية أخرى تبين أفضلية بعض الأعمال على بعض، فالإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة. لقوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا) (2)، كما جاءت آيات تبين فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله يقول الحق_جل شآنه_: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما. درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما) (3)، وجاء أيضا: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما) (4)، وجاءت آيات أخرى تبين فضل الصدقة والإصلاح بين الناس كما في قوله تعالى: (لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك إبتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) (5). كما جاءت أدلة أخرى تبين أفضلية بعض الأيام على بعض، كما يتضح ذلك من خلال قوله تعالى في بيان فضل ليلة القدر. مثلا: (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) (6). وكل هذه التوجيهات القرآنية منطلق من منطلقات اهتمام الإسلام بعمر الإنسان.
ثالثا: التحذير من المنكرات
__________
(1) _ سورة البقرة/110
(2) _ سورة النساء/122
(3) _ سورة النساء/95_96
(4) _ سورة النساء/100
(5) _ سورة النساء/114
(6) _ سورة القدر/1_3 (1/7)
صفحة 8
ورد في كتاب الله_عز وجل _ وفي سنة المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ ما يحذر من المنكرات وينفر منها ويبين عاقبة الوقوع فيها. فعن الشرك بالله يقول تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) (1)، وقال تعالى: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا) (2)، وجاءت آيات تحذر من النفاق والمنافقين _لأن المنافق مضيع لعمره، وموجه لطاقاته إلى مهاوي الردى_ قال تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) (3). وهذا التحذير ينبه هذا الإنسان لكل ما يضر بعمره، ويغير من وجهته التي أرادها الله _ عز وجل _ له في هذه الحياة، فاجتناب المنهيات حفظ لعمر الإنسان وصيانة له، ومنطلقا لعمارة هذا الكون.
رابعا: محاسبة النفس
__________
(1) _ سورة النساء/116
(2) _ سورة النساء/136
(3) _ سورة النساء/138_139 (1/8)
صفحة 9
يوم القيامة هو يوم الحساب، لقوله تعالى: (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا (1) قبل يوم الحساب) (2). وقوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون. وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) (3). وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (4). والمؤمن يستعد لهذا اليوم العظيم فيحاسب نفسها ويتزود لمعاده، وقد قال تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا. وينقلب إلى أهله مسرورا) (5)، وقد وروي عن شداد بن أوس أنه _ صلى الله عليه وسلم _ قال: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله). ودان نفسه أي حاسبها. وروي عن عبادة بن الصامت أن النبي _ صلى الله عليه وسلم_ قال لرجل كان يسأله أن يوصيه ويعظه: (إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته، فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيا فانته عنه). فتوجيه الإنسان لمحاسبة نفسه مظهر من مظاهر اهتمام الإنسان بعمر الإنسان. وقد أدرك السلف الصالح هذا التوجيه. فقد روي عن سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه_ أنه كان يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم، قبل أن توزن عليكم). وقال آخر: من لم ينظر في العقاب لم يفرق، ومن لم يتفكر في الثواب لم يصدق، ومن لم يذكر الموت لم يتزود، ومن لم يذكر الحساب لم يشتغل، ومن لم يخف قبيح فعله لم يخف تبعته، ومن لم يخف لم يتق الله ربه. وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها الله تعالى، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
__________
(1) _ قطنا: أي نصيبنا من العذاب.
(2) _سورة ص/16
(3) _ سورة الجاثية/21_22
(4) _ سورة الأنبياء/47
(5) _ سورة الانشقاق/7_9 (1/9)
صفحة 10
خامسا: لفت انتباهه لبعض الأوقات
بيان أهمية بعض الأوقات كما جاء فى سورة الروم _ مثلا_: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون) (1)، وفى سورة طه: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (2). كما أقسم الحق _ جل شأنه_ في آيات كثيرة ببعض الأوقاتن كما في قوله تعالى: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) (3)، وقوله: (والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس) (4)، وقوله: (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (5)، فهذا القسم لفتة يلفتنا لها الحق ـ جل جلاله ـ الى أهمية الوقت وبخاصة هذه الأوقات المقسم بها.
سادسا: ربط بعض العبادات والأحكام بأوقات مخصوصة
__________
(1) ـ سورة الروم/17ـ 18
(2) ـ سورة طه/13
(3) _ سورة الليل/1ـ3
(4) ـ سورة التكوير /17ـ 18
(5) ـ سورة العصر /1_3 (1/10)
صفحة 11
ربط العبادات بأوقات محددة فعن الصلاة يقول سبحانه وتعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (1)، وعن فريضة الصوم يقول الحق ـ جل شأنه ـ: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (2)، وعن فريضة الحج يقول جل وعلا: (الحج أشهر معلومات) (3)، فضلا عن أن الزكاة مرتبطة بمرور الحول أو بيوم الحصاد. كما فى قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) (4). كما ارتبطت كثير من الأحكام الشرعية بأوقات مقدرة كعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها وإرضاع الصبي وكفارة الظهار ... وغير ذلك. قال تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها) (5). فهذا العبادات، وهذه الأحكام المرتبطة بأوقات معينة تحي في النفوس منطلقا يدعوا للاستفادة منها، وتصريفها على خير وجه. وبالرغم من هذا الاهتمام العظيم بالوقت إلا أنه وللأسف الشديد فإن حال كثير من المنتسبين للإسلام فى تخبط وتيه وإضاعة للأوقات وافناء للأعمار فيما لا خير فيه ولا فائدة منه وما ذلك إلا بسبب الابتعاد عن الطريق القويم باتباع منهج الحق ـ جل شأنه ـ وطغيان حب الدنيا على حياة الناس والتسابق فى التلذذ بما فيها دون النظر فى مصدر أمن حلال أم من حرام. فالاستمرار والبقاء على حالة إضاعة الأوقات وعدم المبالاة بقيمة الانتفاع بها في مرضاة الله والمسارعة فى التمسك بما يحب ويرضى كل ذلك سيوجه حياة الإنسانية الى السير نحو خط الهاوية والهلاك والخسران المبين، فلا بد اذا من الوقوف وقفات تأمل ومحاسبة قبل فوات الأوان وفناء الأعمار من أجل الرقي بأنفسنا والصعود بها الى مراتب العلا بأحب الأعمال.
الفصل الثاني
قوارب النجاة
__________
(1) _ سورة النساء/103
(2) ـ سورة البقرة/185
(3) ـ سورة البقرة/197
(4) ـ سورة الأنعام/141
(5) _ سورة البقرة/233 (1/11)
صفحة 12
هناك طائفة من الناس وخاصة ضعاف الإيمان قد يعتريهم بين الحين والآخر شيء من التثبط والتزعزع فينقلب حالهم الى همجية فى تصريف الوقت وتوجيهه الوجهة المثلى، فلا بد من علاج مثل هذه الحالات وتوجيهها الوجهة السليمة على استغلال وقتها. ومن أبرز العوامل الدافعة والمعينة على استغلال الوقت ما يلى:
1_ معرفة أهمية الوقت. ... 2_ تذكر الموت.
3_ استشعار رقابة الله ـ عز وجل. ... 4_ معرفة عواقب البطالة.
5_ ضرب الأمثلة والقصص فى استغلال الوقت. 6_ الزهد فى الدنيا.
7_ تنويع البرامج المستغلة. ... 8_ ذكر الله ـ عز وجل.
9_ السياحة في الأرض.
أولا: معرفة أهمية الوقت
ان من يشعر بضياع وقته وذهابه سدى عليه أن يحاسب نفسه ويتعرف على أهمية الوقت في حياته، وكذلك الحال بالنسبة لكل إنسان يرى أحدا من إخوانه فى غفوة وغفلة عن معرفة أهمية الساعات واللحظات التي تمر من عمره دون عوده، ولا يدرك أهمية ذلك إلا من حرص على استغلالها، فهذه الدقائق والثواني إن لم تستغل استغلالا حسنا فإنها تصبح حسرة على من ضيعها. ولله در القائل:
دقات قلب المرء قائلة له ان الحياة دقائق وثوان
والمؤمن الحق يعرف أهمية كل لحظة من لحظات عمره، لأنه يعرف الحكمة العظمى من وجوده فى هذا العالم ويدرك عظمة الأمانة التي حمله خالقه إياها والتي أخذها من قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (1)، وقوله ـ جل شأنه: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا) (2)، وقوله: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (3).
ثانيا: تذكر الموت
__________
(1) ـ سورة الذاريات /15
(2) ـ سورة الأحزاب /72
(3) ـ سورة الملك /2 (1/12)
صفحة 13
مفارقة الروح للجسد حق على كل مخلوق يقول الحق ـ جل شأنه • كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (1)، ويقول ـ جل شأنه: (كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون) (2). والمؤمن يستعد للموت في كل لحظة من لحظات عمره بالأعمال الصالحة التي يتقرب بها الى خالقه ورازقه ومدبر أمره فهو بهذا الدافع فى حركة مستمرة وحياة متوقدة بنور الإيمان مندفعة نحو الطاعة الكاملة لله ـ عز وجل، وبعكس المؤمن نجد حمقى الناس لا يتذكرون الموت ولا يستعدون له فيعيشون فى غفلة فتقسوا قلوبهم، فنجد القرآن الكريم يشير الى حال مثل هذا الصنف من الناس في قوله ـ عز وجل: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا. لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين) (3). فهذه الآية الكريمة تشير الى حال هؤلاء التائهين الغافلين فى هذه الدنيا وما صار إليه حالهم وإحساسهم بقصر أعمارهم، لأنهم كانوا غافلين عن أمر الآخرة، فكان مصيرهم محددا في قوله تعالى: (ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون) (4). وقد أجاد الشاعر في وصفه حينما قال:
فذاك الذي ان عاش لم ينتفع به وان مات لم تحزن عليه أقاربه
فتذكر الموت وحالة مفارقة الروح للجسد يدفع الى الجد والاجتهاد والمسارعة الى فعل الخيرات والتسابق نحو الأعمال الصالحة.
ثالثا: استشعار رقابة الله
__________
(1) ـ سورة آل عمران /185
(2) ـ سورة القصص/88
(3) ـ سورة المؤمنون/112ـ 113
(4) ـ سورة يونس/7ـ8 (1/13)
صفحة 14
استشعار رقابة الله واجبة على كل إنسان، لأنه بمنطلق ذلك يتوجه توجها وفق ما كلف به، وهذه المراقبة يأخذها المؤمن من قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) (1)، وقوله: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (2)، وغيرها من الآيات الكريمة التي من منطلقها يندفع نحو استغلال وقته والحرص عليه مخافة أن يقع في الزلات ورجاءاً لثواب الله ـ عز وجل. خف الله كأنك لم تطعه وارج الله كأنك لم تعصه.
بخلاف الذي لا يستشعر رقابة الله _ جل وعلا_ فإنه يعيش في ظلمات الغواية والتخبط، فيقسو قلبه، ويعيش حياة حيوانية غوغائية، لا لهدف قويم وإنما للذة حيوانية شهوانية فيضيع سعادة الدارين الدنيا والآخرة. وقد أجاد الشاعر حينما قال:
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن السعادة في التقى
والطريق لمراقبة الله يشير إليها العلامة الجيطالي ـ رحمه الله ـ فيقول (فإن الإنسان إذا أوصى نفسه وشرط عليها ... فلا تبقى له إلا مراقبتها عند الخوض في الأعمال وملاحظتها بالعين الكائنة في جميع الأحوال ... ) (3). فاستشعار رقابة الله تدفع الى محاسبة النفس والحياء منه تعالى، والإحسان في العمل والتي هي من مظاهر استغلال الوقت استغلالا جيدا. وقد أجاد القائل حينما قال:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفى عليه يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب ... وأن غدا للناظرين قريب
رابعا: معرفة عاقبة البطالة
__________
(1) ـ سورة الحديد/4
(2) ـ سورة ق / 18
(3) ـ قناطر الخيرات ص490،ج3، 1403هـ ـ 1983م (1/14)
صفحة 15
معرفة الإنسان بعواقب البطالة وأثرها السيء وأنها من الصفات الذميمة للغافلين من الناس دافع لاستغلال الوقت استغلالا حسنا، لأن الذي لا يستغل وقته فى النافع والمفيد يتحسر على أيامه التي أضاعها ان لم يكن في الدنيا ففي الآخرة حيث لا تنفعه الحسرة. ولذلك فإن أصحاب الهمم من الناس نجدهم يحاسبون أنفسهم ان وجدوا تقصيرا فى لحظة من لحظات العمر دون فائدة ويعتبرون من حال الكسالى والخاملين فيندفعوا نحو الجد والاجتهاد والسعي الطيب. يروى أن ملكا ركب في موكب عظيم، فهرع الناس أفواجا لينظروه فمر بصانع فرآه مكبا على شغله ولم يلتفت إليه، ولم يرفع رأسه للسلام عليه فوقف الملك عنده وقال: كل الناس ينظرون اليّ إلا أنت فما السبب؟ فقال الرجل: أيها الملك، أدام الله ملكك، إني رأيت الأيام تمر مر السحاب وتسير سير الشهاب، وما رأيت أنفع ولا أبقى للمرء من عمل ينتفع به في حياته، وينتفع به الناس، فها أنا أبذل غاية جهدي في إتقان عملي، والمحافظة على وقتي.
خامسا: ضرب الأمثلة والقصص (1/15)
صفحة 16
القصة قد تكون سببا للطمأنينة، وسكون النفس يقول الحق ـ جل شأنه (فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين) (1). والقرآن الكريم يحكي لنا قصص عديدة ويبينها للناس لما فيها من الموعظة والهداية للمتقين (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) (2). والتاريخ يحكى نماذج عديدة وأمثلة لأولئك الذين بهممهم العالية انطلقوا لطلب العلم وللجهاد فى سبيل الله ولتوجيه الإنسانية نحو طريق الحق والهداية، وخير نبراس يستضئ منه الإنسان سيرة سيد الخلائق سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث تعتبر تلك السيرة العظيمة نبراسا يستضاء به فى الهمة العالية والحرص على كل جزئية من عمره فى أن تكون لله والتقرب إليه بشتى صنوف التقرب والتوجه بها اليه، وهكذا الحال بالنسبة لصحابته ومن اهتدى بهديهم. ولهذا فإن قصص وسير أصحاب الهمم والبطولات نبراس يستضئ منها الراغب فى استغلال وقته وانطلاقة نحو العزة والسعادة.
سادسا: الزهد في الدنيا
المقصود بالزهد صرف النفس عن الانغماس في شهوات الدنيا والآخذ منها بقدر محدود، وهو محمود لأنه يوجه طاقة الإنسان للتفرغ والتوجه نحو معالي الأمور بدلا من التكالب على جمع حطام الدنيا، ولذلك ينبغي محاسبة النفس بين حين وآخر لتحيا حياة الزاهدين ولترتقى لهذه المرتبة العظيمة فتتفرغ لما أمرت بالتفرغ إليه. والانشغال كثيرا بمتاع هذه الحياة الفانية وما فيها من زخارف وملذات سبب في ضياع كثير من الأوقات الثمينة من العمر، بل الأكثر من ذلك أنها سببا في خمول الإنسان وكسله عن التعلق بخالقه ومسارعته نحو التزام أوامره. ولله در القائل:
__________
(1) ـ سورة القصص/25
(2) _ سورة آل عمران/138_140 (1/16)
صفحة 17
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب ... ان الحريص على الدنيا لفي تعب
لو كان يصدقني ذهني وفكرته ... ما اشتد حرصي على الدنيا ولا نصبي
أسعى وأكدح فيما لست أدركه ... والذهن يكدح في زندي وفى عصبي
سابعا: تنويع البرامج المستغلة
بقدر طاقة النفس يعمل الإنسان، وبتنويع الأعمال والبرامج المستغلة يظهر الأثر الإيجابي في استثمار الوقت خير استثمار، فمن طبيعة النفس أنها ان داومت على شيء ولفترة طويلة من الزمن فإنه يعتريها الملل والسآمة، ولذلك فحتى لا يمل الإنسان من عمله فعليه أن يجدد وينوع في برامج أعماله. وصدق المصطفى صلوات الله وسلامه عليه حينما قال: (روحوا أنفسكم ساعة بعد ساعة فإن القلوب ان كلت عميت). ويروى أن سيدنا عبدالله بن عباس كان يخصص لكل يوم علم فيوم للقرآن وتفسيره، ويوم للحديث وعلومه، ويوم لأشعار العرب، ويوم للفتوى ... وهكذا.
ثامنا: ذكر الله ـ عز وجل
الانشغال بتلاوة كتاب الله والمداومة على فهم أوامر الله الحكيم الخبير سببا للتوفيق للخير مصداقا لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) (1)، والتسبيح والتعظيم والتمجيد لله ـ عزوجل ـ يدفع عن النفس وساوس الشيطان وينطلق بها الى الطمأنينة والرقي نحو معالي الأمور وفضائل الأعمال، وصدق الحق ـ جل جلاله ـ حينما أخبر عن ثمرة الذكر فقال: (ألا بذكر تطمئن القلوب) (2).
تاسعا: السياحة فى الأرض
__________
(1) ـ رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب الفراهيدي ـ رحمه الله.
(2) ـ سورة الرعد/28 (1/17)
صفحة 18
الناس أصناف فى السفر، وفى السياحة فى الأرض فهناك فئة لا تخرج إلا من منطلق مادي بحت، أو من منطلق السعي لهدوء البال وراحة النفس، وهناك فئة لا يشغلها الجانب المادي والسعي لراحة النفس وسكونها عن أمر عظيم تنطلق من منطلقه لتعتبر وتتأمل وتتدبر في منن الله ودلائله الكونية، وهذا الصنف من الناس وبهذا المنطلق الذى ينطلقون به ينالون الأجر والثواب والقربى من الله ـ جل جلاله ـ لأنهم يوقنون بأن السياحة فى الأرض دافع لهم للاعتبار بحال من مضى من الناس ودافع لتكملة ما بناه الأوائل ونهج مناهج الصالحين وسلوك طريقهم وتقصى أثارهم وما خلفوه من مكرمات ومآثر، وهذا المنطلق العظيم أخذوه من المنهج الرباني القويم، كما جاء فى قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (1)، وكقوله تعالى: (قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) (2)، وفى سورة النمل يقول الحق ـ جل شأنه: (قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) (3). وهناك آيات أخرى تأمر بالتدبر في خلق الله والتأمل فى الإبل مثلا .. . وهكذا ينطلق المؤمنون العارفون بالله عز وجل فيستمتعون بسياحتهم فى الأرض ويسعون للفوز بخيري الدنيا والآخرة.
الفصل الثالث
طريق الاستثمار
استغلال الوقت الاستغلال الأمثل لا يتأتى ولا يكون بدون اتباع الطرق الصحيحة لتوجيه الطاقة الكامنة فى النفس نحو الأمثل والأصلح فمن بصر بها عرف أثرها الإيجابي وما تعود عليه من النفع والفائدة، وتتمثل هذه الأمور فيما يلي:
1_ الحركة الهادفة. ... 2_ تربية القوة الذاتية.
3_ الاشتغال بفضائل الأعمال. ... 4_ إتقان العمل والاستمرار فيه.
5_ النظام. ... 6_ العناية بالنوم والراحة.
7_ الحذر من آفات الوقت. ... 8_ الحرص على ملازمة أصحاب الهمم.
9_ القراءة. ... 10_ التدبر والتفكر في الكون.
__________
(1) _ سورة آل عمران/137
(2) ـ سورة الروم/42
(3) ـ الآية / 69 (1/18)
صفحة 19
11_ عمارة المساجد.
أولا: الحركة الهادفة
العيش في هذه الحياة بلا هدف ما هو إلا تخبط وضلال، لأن من حاله كذلك فإنه لن يصل الى غاية محددة، وإنما يدور فى دوامة ولن يستفيد من وقته مادام على هذا الحال، أما الإنسان الذي يستغل وقته بالحركة الهادفة كأن يخرج للجهاد في سبيل الله أو يخرج لطلب العلم أو يخرج لتعليم الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو يخرج سائحا يتفكر في قدرة الخالق وعظمته وحكمته في تدبير هذا الكون، ولهذه الحركة الهادفة ثمرات عديدة منها تنوع الخبرات واتساع المدارك، لأنه سيتعرف على أثار الأمم السالفة، ويعتبر من عاقبة الذين انحرفوا عن منهج الله وطريقه القويم، كما أنه يتعلم من عادات الشعوب فيأخذ الحسن ويرفض الباطل ويزن كل أمر يواجهه بميزان الحق والهداية. وهو بهذا المنطلق يقتفى أثر السلف الصالح من هذه الأمة الذين خرجوا لهدف عظيم يتمثل فى نشر هذا الدين القويم الذي أكرمهم الله به، والجهاد فى سبيل الله فاستشهدوا خارج موطنهم الأم، فمما يروى عن أبى أيوب الأنصاري أنه خرج من المدينة المنورة للجهاد فى سبيل الله واستشهد عند أسوار القسطنطينية ودفن هناك، ويروى أن السيدة أم حرام بنت ملحان دفنت فى جزيرة قبرص، كما أن عقبة بن عامر دفن فى مصر، وسيدنا بلال بن رباح فى دمشق ... وهكذا من جاء بعدهم من صلحاء هذه الأمة كالإمام جابر بن زيد الذي خرج من عمان الى البصرة والحجاز لطلب العلم ومكث فى البصرة زمنا طويلا يعلم الناس أحكام دينهم، والشيخ الإمام أبى عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي خرج من بلده فرسطا الى جربة طلبا للعلم وبعد أن أخذ كفايته من العلوم وأصبح من الذين يشار اليهم بالبنان ويقصده طلبة العلم للاستفادة من علمه أخذ ينتقل بين القبائل هنا وهناك واعظا ومرشدا ومعلما لتعاليم الإسلام، وكان لهذا العمل الجاد أثره فى فهم الناس للإسلام وعودتهم الى طريق الرشاد والإتباع لهذا الدين القويم. (1/19)
صفحة 20
ثانيا: تربية القوة الذاتية
من المسلمات والبدهيات لدى نبهاء الناس وحكمائهم أن أهداف أي انسان لا تحققها الأماني، ولكن يحققها العمل الجاد والتنفيذ وبذل الجهد والسعي الدائب. والذى يسعف الإنسان على العمل الدائب قوته وطاقاته فهي الأساس والأصل، فلو كانت قوة الإنسان ضعيفة مهزولة أو مريضة كان عطائها قليلا، بالإضافة الى ضياع الوقت بين المعاناة والفتور والعلاج، أما الإنسان القوي الصحيح فإنه يكون أقدر على العمل والإنتاج، كما يتمتع بالسلامة من أضرار الضعف والسقم، لذا كانت تربية القوة الذاتية أمر لابد منه، سواء أكانت تلك التربية عامة أم خاصة.
فالتربية العامة يقصد بها تنمية القدرات والمواهب الذاتية بصفة عامة حتى تصل الى الكمال المقدر لها وتشمل:
1_ تربية العقل بالعلم والثقافة. ... 2_ تربية الجسم بالوقاية والعلاج.
3_ تربية الروح بالعقيدة والعبادة. 4_ تربية الخلق بالقدوة والمجاهدة.
أما التربية الخاصة فيقصد بها التربية المهنية ومعناها التعلم والممارسة لمهنة أو حرفة لتكون سبيلا له وطريقا للرزق الحلال، والمنهج القويم يأمر أتباعه بذلك ففى سورة الملك يقول الحق ـ جل شأنه (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور) (1). فتربية القوة الذاتية أسلوب وطريق من طرق الانتفاع بالوقت وينال صاحبها الأجر والثواب بإخلاصه النية فى ذلك لله ـ عزوجل.
ثالثا: الاشتغال بفضائل الأعمال
__________
(1) ـ الآية/ 15 (1/20)
صفحة 21
تتفاوت الأعمال فى الأفضلية سواء أكانت تلك الأعمال دينية أم دنيوية، فالأعمال فى منهج الحق القويم تتفاوت درجاتها، فصلاة الجماعة ـ مثلا ـ أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. قال عليه الصلاة والسلام: (الصلاة فى جماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (1)، وتعلم مسئلة من الفقه ليعمل بها خير من صلاة مائة ركعة نافلة. جاء فى الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبى ذر: (يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلى مئة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلى ألف ركعة) (2)، ورباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من قيام وصيام شهر. قال عليه الصلاة والسلام: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذى كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان) (3). فالإشتغال بأفضل الأعمال طريق من طرق الإستفادة بالوقت. ولله در العلامة السالمي ـ رحمه الله ـ حينما قال:
حق على من ألهم الله الحكم ... أن يبسط الشكر على من أولى النعم
وأن يكون قائما بما يجب ... مسار عالما إليه قد ندب
منتهيا عن فعل ما نهاه ... عن ارتكاب فعله مولاه
قد أخذ الجانب عن حمى الريب ... فلا يحوم حوله ولا كرب
سمت به همته فلا يرى ... إلا المعالي مكسبا ومتجرا
فأيقظ العزم وأوقد الفطن ... وعاد والشمس جميعا في قرن
قد حالف المروة الأبية ... مكتسيا أخلاقها السنية
فأطلق الوجه لمن قد سأله ... وبذل المال إذا ما ابتذله
ولبس الحلم وأوفى بالذمم ... وعف قادرا عن الذي اجترم
وكتم السر وأدى ما ائتمن ... به إلى الذي له قد ائتمن
وضرب الصفح عن اللئيم ... وبادر الإكرام للكريم
فأكرم الضيف وواصل الرحم ... ورحم الطفل وعظم الهرم
وجلل العالم قدر حقه ... وأوسع الجاهل حسن خلقه
وبر والديه بالتلطف ... واحتال في رضاه بالتعطف
__________
(1) ـ رواه الإمام الربيع وغيره.
(2) ـ رواه ابن ماجه.
(3) ـ رواه مسلم عن سلمان ـ رضي الله عنه. (1/21)
صفحة 22
وأحسن الصحبة فى حقهما ... طاقته وقال ربى ارحمهما
واحتمل الأذى من الجيران ... وغفر الزلة للإخوان
إذ ليس يخلوا أبدا من عيب ... حي وإن كان عفيف الجيب
ثم توخى أكرم الأصحاب ... من ارتدى بالفضل والآداب
يكتم سره وينصحن له ... ويحملن معه ما أثقله
ويستشيره إذا ما نابا ... أمر ويصغي حينما أجابا
ونقل الآراء بالتأمل ... ومزج العجلة بالتمهل
وبادر الخيرات بالتعجل ... وإن يكن شرا فلا تستعجل
حتى ترى ضرره ونفعه ... وتعرفن أصله وفرعه
ومن الأعمال التي دعا الإسلام للقيام بها ما جاء في قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (1). فالاشتغال بأفضل الأعمال، والاهتمام بالأولويات من الأعمال، مظهر من مظاهر الاستثمار الأمثل للوقت.
رابعا: إتقان العمل والاستمرار فيه
يوجه القرآن الكريم الى إجادة العمل وإتقانه فيقول تعالى: (وأحسنوا ان الله يحب المحسنين) (2)، ويقول: (إن الله مع الذين اتقو والذين هم محسنون) (3)، كما يوجهنا المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذلك فى قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه). فإتقان العمل وإجادته طريق من طرق استغلال الوقت استغلالا جيدا، فمن يهتم بعمله ويحسنه يعود عليه بأكبر النفع والفائدة، وخير الأعمال أدومها وإن قل.
خامسا: النظام
__________
(1) _ سورة آل عمران/133_135
(2) ـ سورة البقرة/195
(3) ـ سورة النحل/ 128 (1/22)
صفحة 23
النظام والتنسيق والترتيب من العوامل الجيدة لنجاح الإنسان فى استغلال وقته الإستغلال الأمثل، ونظرة تأمل لما فى هذا الكون من مخلوقات وماأودع فيه الخالق من دلائل على قدرته وحكمته فى تدبيره بدون اختلال، فكل مافى الكون يسير وفق حكمة ونظام قدرها لها خالقها: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (1)، وفى سورة يس يبين الحق بعض مظاهر ذلكم النظام العظيم فى قوله تعالى (والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون) (2).
والنظام بالنسبة للإنسان ضرورة لأنه يشمل كل أعماله الإرادية، وكل شيء يخضع فى تشكيل أوضاعه، اذ بدونه يحيا حياة فوضوية مضطربة يسودها الإرتجال والتضارب وضياع الوقت والجهد، الأمر الذى يفسد الحياة ويجلب الضرر ويفوت المصلحة، فينبغى مراعاة مبادئ تخطيط الوقت من أجل الإستفادة التامة والتخطيط الجيد للوقت، وهذه المبادئ هي:
1ـ مبدأ التحليل. ... 2ـ مبدأ التخطيط اليومي.
3ـ مبدأ الأولوية. ... 4ـ مبدأ المرونة.
بمعنى أنه ينبغى على من يرغب بتخطيط وقته أن يجيب على الأسئلة الآتية أولا وهي:
1ـ ماهي أهدافى لهذا اليوم؟ 2ـ ماهي النشاطات المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف؟
3ـ ماهي أولوياتى فى العمل؟ 4ـ ماهو الوقت المناسب لإنجاز كل عمل مطلوب؟
فإذا تم تخطيط الوقت تخطيطا صحيحا فإنه يحقق له مايلى:
ـ يوفر الزمن والطاقة فى تحقيق المآرب، والوصول الى المطالب.
ـ الإحاطة بالمهمات وجمع شتات الفكر والقلب.
ـ صفاء النفس وراحة البال.
ـ يوفر للإنسان الجد ودقة التفكير والتركيز فى الأمور والإنطلاق بخطى ثابتة مركزة.
سادسا: العناية بالنوم والراحة.
__________
(1) ـ سورة القمر/49
(2) ـ 38ـ 40 (1/23)
صفحة 24
اعطاء الجسد حقه من الراحة وعدم ارهاقه بالأعمال خير طريق للإنتفاع به، فالذى ينام ويرتاح ولايرهق نفسه يجد فى نفسه نشاطا ودافعا نحو الجد والإجتهاد والسعي. والقرآن الكريم يشير الى أن الليل جعل للنوم والسكن وراحة للبدن من مشاق العمل بالنهار، وجعل النهار للسعي والحركة: (وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا) (1).
وللنوم فوائد جليلة منها: سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من التعب فترتاح الحواس من نصب اليقظة، كما أن له فائدة فى هضم الطعام، وتأتى هذه الفائدة فى النوم الصحيح، وصورته أن ينام على شقه الأيمن، لأن كثرة النوم على الجانب الأيسر مضرة بالقلب بسبب ميل الأعضاء اليه، وأردأ النوم وأقبحه النوم على البطن بدون علة لأنه يورث أمراضا رديئة مثل السكتة والكابوس ويضعف البصر ... وغيرها من الأمراض، روي عن أبى أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل نائم فى المسجد، منبطح على وجهه فضربه برجله، وقال: (قم ـ أو اقعد ـ فإنها نومة جهنمية). وينبغى أن لاينام النائم بعضه فى الشمس وبعضه فى الظل، ففى الحديث الشريف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم فى الشمس، فقلص عنه الظل فصار بعضه فى الشمس وبعضه فى الظل فليقم)، وأفضل وقت للنوم فى النهار وقت الهاجرة، وأردؤه أول النهار. يروى أن سيدنا عبدالله بن عباس رآى ابنا له نائما نومة الصبحة، فقال له: قم أتنام فى الساعة التى تقسم فيها الأرزاق؟!)، ويروى عن علقمة بن قيس أنه قال: (إن الأرض تعج الى الله من نومة العالم بعد صلاة الصبح). وكذلك بعد العصر. ولله در القائل: ألا إن نومات الضحى تورث الفتى خبالا، ونومات العصير جنون
__________
(1) ـ سورة النبأ/9 - 11 (1/24)
صفحة 25
ويستحب لمن أراد النوم أن يتوجه بالدعاء لله ـ عزوجل، لينال الثواب والأجر عن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال• إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضؤك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم إنى أسلمت نفسى إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك: رغبة ورهبة إليك، آمنت بكتابك الذى أنزلت، ونبيك الذى أرسلت. واجعلهن آخر كلامك. فإن مت من ليلتك مت على الفطرة) (1). والوقت الأصلح من النوم ست ساعات من الليل أو ثمان وفى النهار ساعة القيلولة ولو لحظة، وتأتى كثرة النوم بسبب كثرة شرب الماء. فالنوم المنظم الذى يأتى عن رغبة فى الوقت المناسب، والنوم الهادئ الذى يبدأ بالدعاء والثناء على الله، والإستعاذة من العجز والكسل والخمول خير معين للقيام بحيوية وجد ونشاط، ويشعر صاحبه ببركة عمره وصلاح حاله. يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعوا ويقول: (اللهم إنى أعوذ بك من العجز والكسل والهرم والبخل والجبن والهم وعذاب القبر). يقول المحقق نور الدين السالمي ـ رحمه الله_ فى مدارج الكمال:
وقسم الأوقات فى معاده ... وفى معاشه وفى رقاده
أما الرقاد فهو صدر ليله ... وساعة الصيف من مقيله
3
سابعا: الحذر من آفات الوقت
هناك آفات عديدة تضيع على الإنسان لحظات عمره بدون فائدة، وأبرز تلك الآفات:
1ـ خلطة السوء ومجالس السوء. 2ـ التدخل فيما لايعنى.
3ـ كثرة الأكل والشرب. ... 4ـ أمراض القلب كالكبر والنفاق والحسد.
__________
(1) ـ ذكر ابن القيم فى كتابه القيم: الطب النبوي. لطائف قيمة عند شرحه لهذا الحديث. ص226ـ 228 / دار طيبة. (1/25)
صفحة 26
فالعاقل الحريص على وقته يكون دائما حذرا من الوقوع فى هذه الآفات، مستغلا وقته فيما فيه ثمرة وفائدة، يختار صلحاء الناس فيصاحبهم ويجالسهم، قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) (1)، وامتثالا لقوله تعالى•واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) (2)، وإذا ابتلي بمجلس سوء تركه وأعرض عنه مخافة الهلاك متصفا بمن وصفهم الله بقوله• والذين هم عن اللغو معرضون) (3)، كما أنه لايتدخل فيما لايعنيه ملتزما بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم• من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت) (4). كما أنه لايكثر من الكلام الذى لا فائدة فيه، منشغلا بتوجيه الآخرين نحو طاعة الله، فلا يسمح له وقته بأن يضيعه فى التدخل فيما لايعنيه ممتثلا قول الحق ـ جل شآنه: (لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) (5). كما لا يأكل إلا بقدر يعينه على الطاعة والقربى من الله بعيدا عن الشبع والإسراف، لأنه يعرف أن كثرة الأكل والشرب ترخيانه عن النشاط وتثقلانه عن العبادة والسعي، وتجعله طريح الفراش بسبب التخمة وكثرة النوم. كما أنه طاهر القلب يحييه بذكر الله ويطهره من الكبروالإستعلاء على الآخرين ممتثلا قول الحق ـ جل جلاله: (ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) (6). يحفظ نفسه مما يوقع ويسبب الهلاك، يمتثل توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله: (لا ينظر الله يوم القيامة الى من جر ازاره بطرا) (7). فلاينزل ملبسه عن الكعبين لأنه داعى الى الكبر وموجه اليه.
__________
(1) ـ رواه مسلم وأبوداود
(2) ـ سورة الكهف/28
(3) ـ سورة المؤمنون/3
(4) ـ رواه البخاري ومسلم
(5) ـ سورة النساء /114
(6) ـ سورة الإسراء/ 37
(7) ـ متفق عليه (1/26)
صفحة 27
محافظا على نفسه من عاقبة الحسد مراقبا لله ـ عزوجل ـ فى قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى التحذير من هذا الداء فى قوله: (إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) (1). لذلك فإن من أعظم الطرق لإستغلال الوقت حفظها من هذه الآفات والمهلكات ومحاسبتها والرقي بها عن السقوط فى حظيظ هذه الآفات.
ثامنا: الحرص على ملازمة أصحاب الهمم.
يعرف عقلاء الناس وحكمائهم الحكمة القائلة: إن القرين بالمقارن يعرف، فالجليس الصالح يختلف عن جليس السوء، ومجالسة أصحاب الهمم تختلف عن مجالسة ضعاف الإيمان وسبهلل القوم، فصاحب الهمة العالية يوجه من يجالسه الى الصلاح والفائدة، أما سبهلل القوم وشرارهم فإن مجالستهم مضيعة للوقت منطلقا للآثام والخطايا. لذلك فإن من أعظم الجوانب والطرق لإستغلال الوقت الحرص على مجالسة أصحاب الهمم العالية للإستفادة من فكرهم، وللإنطلاق لسلوك مسلكهم بانغراس تلك الهمة فى جليسهم والإقتداء بهم فى صالحات الأعمال.
تاسعا: القراءة.
تنمية الفكر والذهن بالقراءة النافعة من أعظم الطرق لإستغلال الوقت استغلالا جيدا. ولله در القائل:
اجعل جليسك مجموعا تطالعه ... لتستفيد من الآداب والحكم
واترك مجالس أقوام تجالسهم ... فتكتسب الإثم من سمع ومن بصر
__________
(1) ـ رواه أبوداود (1/27)
صفحة 28
والإسلام بمنهجه الرباني القويم دعا الى طلب العلم والقراءة والتزود من بحور العلم والمعرفة، فكان السلف الصالح مسارعا لتطبيق توجيهات هذا المنهج القويم والدعوة لما دعا اليه دينهم القويم، ففى الكتاب العزيز آيات كثيرة تدعوا لذلك منها قول الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (1)، (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (2)، (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (3)، وهكذا جاء هذا التوجيه القويم فى سنة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم، من ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم• من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا الى الجنة)، وقوله• من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين)، وقوله• فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم). وقد جاء فى الآثار أن سيدنا علي بن أبى طالب ـ كرم الله وجهه قال: (العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقه، والعلم يزكوا بالإنفاق)، وقال ابن مسعود: (عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه موت رواته، فوالذي نفسي بيده ليودّ نّ رجال قتلوا فى سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، وإن أحدا لم يولد عالما وإنما العلم بالتعلم). فالقراءة قاعدة فكرية دافعة لإستغلال الوقت وطريق للإنتفاع به انتفاعا جيدا، ولابد أن يكون للإنسان زاد يدفعه للقراءة والإطلاع لتكون تلك القراءة نافعة ومثمرة، وأهم شيء يتزود به فى ذلك زاد التقوى. ولله در الإمام الشافعي حينما قال:
سألت وكيعاً عن سوء حفظي ... فأرشدني الى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
ثم يفرغ قلبه لما هو مقبل عليه لتلقى العلم. ولله در الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ فى قوله:
العلم درك القلب مثل البصر ... يكون درك العين عند النظر
__________
(1) ـ سورة محمد /19
(2) _ سورة الزمر/9
(3) ـ سورة فاطر/28 (1/28)
صفحة 29
لأن طالب العلم والراغب فى التعلم والقراءة ينبغى عليه وهو متوجه لهذه المهمة أن يكون متفرغا لما يطلب حتى يكون واعيا للأمر الذى أقبل عليه بقلب يعقل، ثم تطبيق القراءة والعمل. يقول المحقق نور الدين السالمي ـ رحمه الله ـ فى جوهره وهو يتحدث عن العلم:
وهو إمام والفعال يتبعه ... فعامل بدونه لا ينفعه
ويقول:
فأفضل العلم الذى قد عملا ... به وكل الخير منه حصل
وما خلا من عمل لا ينفع ... بل ضره باد على من يجمع
ويقول:
لأنما المراد منه العمل ... وصرفه لغيره مبطل
بما يتعلم دافع للإستزادة والمواصلة والجد في التحصيل، فالقراءة التي لا تترجم الى واقع عملي لاثمرة فيها ولاخير، لأنها قراءة جوفاء لا أثر لها فى نفس صاحبها ولا فضل فيها. فاستغلال الوقت بالقراءة الخالصة لله عزوجل، والتى ينطلق بمنطلقها صاحبها نحو العمل بما يتعلم هي القراءة المطلوبة، والتى يسعد بها صاحبها بمقتضاها لأنها سببا لرعاية وقته من الضياع.
عاشر: التدبر والتفكر فى الكون (1/29)
صفحة 30
تشير الآيات الكريمة الى هذا الكون الفسيح الواسع كما أنها توجه لتدبره وتأمله، وكل ذلك لإرشاد هذا الإنسان ليتوجه ويستدل على خالقه ومدبر أمره ورازقه الحكيم العليم السميع البصير، ومن هذه الآيات قول الحق ـ جل شآنه: (أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت. والى السماء كيف رفعت. والى الأرض كيف سطحت ... ) (1)، وقوله تعالى: (فلينظر الإنسان الى طعامه. أنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. متاعا لكم ولأنعامكم) (2)، وغيرها من الآيات الدافعة لهذا الإنسان لينطلق بعقله نحو هذا الكون. لذلك نجد الحق ـ جل شآنه ـ يمتدح المستدلون على عظمته وقدرته فى آيات كثيرة منها قوله: (إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (3)، وقوله ـ جل شآنه: (إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) (4)، لذلك فإن من حاله هكذا يكون قد استثمر ساعات عمره فى الطاعة والقربى من الله، وهي لحظات لايستغنى عنها العاقل.
الحادى عشر: عمارة المساجد
ليس المقصود بعمارة المساجد تزيينها بالزخارف وإغراق الأموال بالإنفاق فى هذا الشأن، وإنما المقصود بعمارة المساجد واحيائها بالذكر وطلب العلم وشتى صنوف القربى. يقول المحقق السالمي ـ رحمه الله:
وفضلها من بعد أن تعمرا ... فضل عظيم قدره لن يحصرا
ذكرها القرآن فى مواطن ... أعظم بهذا الذكر للمعاين
__________
(1) ـ سورة الغاشية/ 17ـ 20
(2) ـ سورة عبس / 24ـ32
(3) ـ سورة البقرة/164
(4) ـ سورة آل عمران/190 ـ 191 (1/30)
صفحة 31
ولهذا ثمرة عظيمة وفضيلة جليلة لأنها من صفات المؤمنين. قال تعالى: (فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال. رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ماعملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب) (1)، وقال تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) (2). ولقد كان المسجد فى حياة السلف مركز اشعاع للعلم ومكان اصدار للتوجيهات والأوامر. يقول ا لإمام الأوزاعي عن خمسة أمور كان الصحابةـ رضوان الله عليهم ـ يحافظون عليهاو هي: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن الكريم، والجهاد فى سبيل الله) (3). ولذلك كانت القلوب متعلقة بالمساجد متوجهة لفضل الله ـ جل شآنه ـ فى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لاظل إلا ظله، إمام عادل وشاب نشأ فى عبادة الله _عزوجل_، ورجل متعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ... ). يقول العلامة السالمي ـ رحمه الله:
زوارها زوار ربى حكما ... لأنها له تضاف اسما
وصح فيمن قلبه تعلقا ... به من الفضل إذا ما انطلقا
الفصل الرابع
ثمرات الوقت النافع
استغلال الوقت فى النافع والمفيد له ثمرات جليلة على صاحبه لايدركها الا من أحسن توجيه وقته الوجهة الصحيحة والقويمة، وأهم هذه الثمار:
1ـ الحياة الطيبة المرضية. 2ـ إجابة الدعاء.
3ـ الفوز بالسعادة الأبدية.
أولا: الحياة الطيبة المرضية
__________
(1) ـ سورة النور/ 36ـ 38
(2) ـ سورةالتوبة/18
(3) ـ جاسم بن محمد، الوقت عمار أو دمار /ط 4 (1/31)
صفحة 32
الحياة السعيدة تتحقق باستثمار لحظات العمر فى صالحات الأعمال. يقول الحق ـ جل جلاله• فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابية. إنى ظننت أنى ملاق حسابية. فهو فى عيشة راضية. فى جنة عالية. كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام الخالية) (1)، بخلاف من لم يستثمر لحظات فى عمره فى النافع والمفيد فإنه يتحسر ويتندم: (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتنى لم أوت كتابية. ولم أدر ماحسابية. ياليتها كانت القاضية. ما أغنى عنى مالية. هلك عنى سلطانية) (2)، ولذلك فمن يعمل من الصالحات فقد فاز بعمل وسعد به مصداقا لقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون) (3). ولله در القائل:
اذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ندمت على زمن التقصير فى البذر
ثانيا: إجابة الدعاء
لقد وجه الحق ـ جل شآنه ـ عباده الى دعائه فقال: (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (4) وتكون استجابة الدعاء بالمبادرة بفعل الخير، والسعي للكسب الحلال والحرص على المطعم والمشرب والملبس الحلال، ويحدثنا القرآن الكريم عن سيدنا زكريا ـ عليه السلام ـ فيقول تعالى: (وزكريا اذ نادى ربه ربى لاتذرنى فردا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه انهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) (5).
ثالثا: الفوز بالسعادة الأبدية
__________
(1) ـ سورة الحاقة /18ـ24
(2) ـ سورة الحاقة/ 25ـ29
(3) ـ سورة الأنبياء/ 94
(4) ـ سورة البقرة / 186
(5) ـ سورة الأنبياء/89 ـ 90 (1/32)
صفحة 33
أعظم ثمرة من ثمرات استغلال الوقت أن ينال الإنسان الفضل العظيم الذى أعده الحق ـ جل شآنه ـ لعباده المؤمنين: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا) (1)،: (إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون. هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون. لهم فيها فاكهة ولهم مايدعون. سلام قولا من رب رحيم) (2)، وقال تعالى: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا. عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا. يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا. ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءا ولا شكورا. إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا. فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نظرة وسرورا. وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا. متكئين فيها على الأرائك لايرون فيها شمسا ولازمهريرا. ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا. ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا. قوارير من فضة قدروها تقديرا. ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا. عينا فيها تسمى سلسبيلا. ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا. وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا. عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا) (3)، وقال: (إن للمتقين مفازا. حدائق وأعنابا. وكواعب أترابا. وكأسا دهاقا. لايسمعون فيها لغوا ولا كذابا. جزاءا من ربك عطاءا حسابا) (4).
__________
(1) ـ سورة العنكبوت / 186
(2) ـ سورة يس/ 55ـ58
(3) ـ سورة الإنسان /5ـ22
(4) ـ سورة النباء/31ـ 36 (1/33)
صفحة 34
وهذا اليوم يوم حسرة ووبال على من ضيع الإستعداد له، فالحق _ جل شآنه يقول: (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا) (1)، ويقول الحق_جل جلاله_: (إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتنى كنت ترابا) (2)، وفي آية أخرى يقول الله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين. الذين يكذبون بيوم الدين. وما يكذب به إلا كل معتد أثيم) (3)
فالمؤمن يراقب الله_عزوجل_ فى كل لحظة من لحظات حياته وفى كل سكنة من سكنات عمره فيستثمر طاقاته بصالحات الأعمال، لينال ثواب الله ـ عزوجل.
الفصل الخامس
مسالك العظماء
قدمت الحضارة الإسلامية على إمتداد تاريخها المجيد نماذج كثيرة لعبقريات فذة قدمت للإنسانية مايفوق قدرات كثير من العظماء، عرفوا حكمة وجودهم فى هذه الحياة، كما أنهم عرفوا قيمة كل نفس يتنفسونه، وعرفوا تفاضل الأعمال، وجانبوا الكسل ودواعيه، وصاحبوا جلائل الأعمال فسبقوه بهمتهم العالية، وبرزوا بنشاطات وأعمال لايقدر على تخيلها الخامل الكسول، كما لايقدر على فعلها إلا من كانت همته كهمتهم وانطلاقته كانطلاقتهم وشتان أن يلحق الثرى بالثريا. وهذا الفصل محاولة يسيرة تكشف بعض ثمرات الإستغلال الأمثل لهؤلاء العظماء.
ومن هؤلاء على سبيل التمثيل:
1ـ سيدنا محمد بن عبدالله ـ صلى الله عليه وسلم.
2ـ سيدنا أبوبكر الصديق ـ رضوان الله عليه.
3ـ سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضوان الله عليه.
4ـ سيدنا عبدالله بن العباس ـ رضوان الله عليهما.
5ـ قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش ـ رحمه الله.
6ـ نور الدين عبدالله بن حميدالسالمي ـ رحمه الله.
__________
(1) ـ سورة الإنسان/4
(2) ـ سورة النباء/ 40
(3) ـ سورة المطففين/10ـ 12 (1/34)
صفحة 35
وقبل أن أنطلق في ذكر مسالك هؤلاء العظماء أود التنويه إلى أن هذا المختصر سيورد قبسات يسيرة من سير هؤلاء الذين باعوا أنفسهم لله ـ عزوجل ـ فكانوا قرآنا يمشى فى الأرض ونورا يستضاء به فى رحلة الحياة، وأن هذه الصفحات ستكون قاصرة فى ابراز هذه القبسات وأن المداد سيجف قبل أن يصل الى عشير تلك الجوانب العظيمة من تلك الأنوار الجليلة فليطالع من أراد الإستزادة فى الكتب التى أفردت لهؤلاء العظماء كتبا لتتبع أنوار الحياة فى تاريخ سيرتهم المجيدة والله نسأله أن يوفقنا للإهتداء بهديهم وانتهاج منهجهم إنه سميع قريب مجيب الدعاء. ولنشرع الآن فى تناول بعض القبسات الإيمانية فى سيرة أعظم العظماء وأشرف الخلائق وخير من صلى وصام وعبد الله حتى أتاه اليقين.
أولا: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (1/35)
صفحة 36
شخصية رسول الثقلين المبعوث رحمة للعالمين وخاتم النبيين، هو المثل الأعلى للإنسانية جمعاء، ومناط تكليف المؤمنين للإيمان به والإهتداء بهديه. يقول الحق_جل شآنه: (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (1)، والسر فى ذلك وجوب طاعته صلى الله عليه تلكم الطاعة المقترنة بطاعة اللع وطاعة الأئمة العاملين بمنهج الله الحاكمين بشرعه ـ جل وعلا ـ: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (2)، والحذر من معصيته: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (3)، والدارس لسيرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم يجد نفسه أنه يقف أمام إنسان وصل الى درجة الكمال الإنسانى. فمنذ بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لايمضى وقت فى غير عمل لله تعالى أو فيما لابد منه، لأنه صاحب رسالة هدفها يتضح لنا من خلال قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (4).
فكان اذا آوى الى منزله جزء دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزءا لأهله، وجزءه بينه وبين الناس. فما أروعه من تنظيم كان له أثره فى انتشال الإنسانية من ظلمات الجهالة الى نور الإيمان، فصارت أمة تحمل أعظم الغايات الإنسانية. يقول الشيخ محمد الغزالي فى كتابه علل وأدوية: (ان تربية محمد صلى الله عليه وسلم لهذا الجيل معجزته الكبرى بعد القرآن الكريم وإنى أحس فى أولئك الأصحاب ذوب نفسه عليه الصلاة والسلام ونبل شمائله وعمق عبادته وحبه الجارف لذات الله واستعلائه الفذ على مآرب الدنيا.
__________
(1) ـ سورة الأحزاب/21
(2) ـ سورة النساء/59
(3) ـ سورة النور/63
(4) _ سورة الجمعة/2 (1/36)
صفحة 37
وليس من السهل تغيير ما ألفه الناس من عادات، وما توارثوه من عبادات، وليس من السهل توجيه الناس نحو وجهة واحدة خاصة اذا ماعلمنا أنهم فى حالة تناحر وتحارب واعتداء لبعضهم البعض، وليس من السهل توجيه طاقات الناس من الهمجية الغارقة فيها الى الجهاد والبذل فى سبيل الله، لكنه اليقين بالله والثقة بالله ذللت كل ذلك فكانت هي نبراس هذه الشخصية العظيمة التى كانت النموذج الأمثل للزوج العادل وللقائد الباسل وللمربى الناجح وللمعلم القادر وللصابر الثابت وللشاكر الحامد وللراغب المتبتل. لله در القائل فى وصفه عليه الصلاة والسلام:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الكبرى أجل من الدهر
وكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ بالله من آفات الأوقات فيقول: (اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل). ويكفينا وصف الحق له ولأصحابه، فى قوله ـ جل شآنه ـ: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود) (1). لنرى ثمرة جهده في تحقيق المجتمع الإيماني العظيم الذي لم تشهد الإنسانية مثله في أي عصر، ولن تشهد بعده دون الإهتداء بهديه العظيم وسلوك مسلكه القويم.
ثانيا: سيدنا أبوبكر الصديق ـ رضوان الله عليه
لله در من وصف أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:
هم الرجال المصابيح الذين هموا ... كأنهم من نجوم حية صنعوا
أخلاقهم نورهم فى أي ناحية ... أقبلت تنظر فى أخلاقهم سطعوا
__________
(1) ـ سورة الفتح/29 (1/37)
صفحة 38
ويقف المتتبع لشخصية سيدنا أبوبكر الصديق وقفة اجلال وتقدير لهذا العظيم الذى كان أول من أسلم من الرجال، ورفيق الحبيب المصطفى الى المدينة المنورة، فقد كان مصباح نور وهداية، صاحب همة عالية لا ينظر إلا لمعالي الأمور، وسيرته ـ رضي الله عنه ـ نموذج من نماذج الإسلام الخالد فى استغلال الوقت استغلالا عظيما كان له أثره الإيجابي فى حياة من جاء بعده. فلقد عاش رضوان الله عليه ملازما للرسول صلى الله عليه وسلم مقتديا به سائرا على نهجه، وعندما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم عظم الخطب وهول الموقف فلقد كان لوفاة الرسول صلى عليه وسلم الأثر العظيم فى نفوس المسلمين حتى بلغ البعض منهم أن يقول: من قال لي أن محمد مات قطعت عنقه إلا أن هول المصيبة لا تثنى مثل هذا العظيم عن حمل الرسالة التي كلفهم الحق جل شأنه بحملها الى الإنسانية ليشع نورها فى أرجاء الأرض مشرقها ومغربها وأجمعت عليه الأمة فى أن يكون أول خليفة يحكم أمر المسلمين، وولي الخلافة فكانت كل لحظة من لحظات الخلافة فى جهاد وتضحية وحزم فى سبيل هذا الدين القويم، فكثير من القبائل ارتدت عن الإسلام، وادعى بعضهم النبوة، ومنع بعضهم الزكاة، وجيش اسامة ينتظر الإذن بالخروج لملاقاة الروم، ونفسية المسلمون فى حالة حزن على فقدان الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن الصديق ـ رضوان الله عليه ـ كان أهلا لكل ذلك، وكيف لايكون أهلا لمثل هذه المصائب والمصاعب، وهو رفيق المصطفى صلى الله عليه وسلم منذ مبعثه وتلميذه الأول، فاستطاع تيسير جيش أسامة، كما استطاع القضاء على فتن المرتدين ومانعى الزكاة. كل ذلك قام به رضوان الله عليه في مدة لا تتجاوز سنتين وثلاثة أشهر.
ثالثا: سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضوان الله عليه ـ: (1/38)
صفحة 39
لقد أعز الله ـ عزوجل ـ هذا الدين برجل قوي البنية قوي العزيمة قوي الإيمان ذلكم الرجل هو الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب بن نفيل. ولقد شارك رضوان الله عليه منذ دخوله الإسلام فى كل مافيه خدمة لهذا الدين، كما أنه شارك فى الغزوات مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومع الصديق بعد وفاة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبعد وفاة الصديق _ رضي الله عنه_ كان سيدنا عمر بن الخطاب يقض ليله ونهاره فى متابعة شؤون رعيته وفى تسيير الجيوش للفتوحات وفى إختيار القائد المناسب فى المكان المناسب، ومع كثرة هذه الأعمال لم ينشغل عن أهله وأسرته، فكان منظما حياته فى طاعة الله ـ عزوجل ـ مقسما يومه بين العباد يقضى بينهم ويحل مشاكلهم وحوائجهم كما أنه قسم وقته للتفرغ لعبادة ربه والتضرع اليه ومحاسبة نفسه عن كل صغيرة وكبيرة، ومما يؤثر عنه قوله: (اللهم إنا نسألك صلاح الساعات والبركة فى الأوقات)، كما يؤثر عنه قوله: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا). فكان تطبيقا عمليا لما يقول وكانت كل لحظة من لحظات حياته يزنها بميزان الحق والهداية، وا ستشهد ـ رضوان الله عليه ـ والناس عنه راضون.
رابعا: سيدنا عبدالله بن عباس ـ رضوان الله عليهما
ماظنكم بمن لقب بحبر الأمة، كيف تكون حياته؟ وكيف يقضى وقته؟. لاشك أن المتتبع لحياة سيدنا عبدالله بن عباس يرى أنه يقف أمام شخصية فذة قل أن يأتى الزمان بمثلها، فهو ـ رضوان الله عليه ـ منذ صغر سنه عرف بأنه فتى الكهول. (1/39)
صفحة 40
ولقد كان لدعاء المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا الرجل العظيم نحو طلب العلم النافع، فقد كان المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم يدعوا لإبن عباس فيقول: (اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل)، ويحكى لنا التاريخ عن ابن عباس قصة جديرة بالإعتبار والوقوف أمامها للتأمل فمما يروى عنه ـ رضي الله عنه ـ أنه لما توفي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج ابن عباس يطلب العلم من كل قادم ىلى المدينة، فيأخذ ماعنده من علم، ولقد كان يصل أحيانا عند القيلولة فينتظر خارج بيت ذلك القادم الى المدينة حتى ينتهي وقت القيلولة ويخرج الرجل الذى عنده العلم الذى قصده ابن عباس فيسأله ويقول الرجل: هلا أرسلت لنا فنأتيك ياابن عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول: العلم يؤتى اليه ولا يأتى. فهكذا كانت حياة ابن عباس حريص على طلب العلم والسعي اليه هنا وهناك حتى غدا أعلم أهل زمانه بكتاب الله عزوجل يقول عبدالله بن عتبة عنه: مارأيت عالما جلس إليه إلا خضع له ولا سائلا سئله إلا وجد عنده علما.
خامسا: العلامة قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ـ رحمه الله
تزخر المكتبة الإسلامية بمختلف فروعها وعلومها بمؤلفات علم من أعلام الإسلام، هذا العلم هو العلامة الشيخ الجليل قطب الأئمة محمد يوسف أطفيش ـ رحمه الله ـ الذى كان له باع طويل فى مختلف الفنون والمعارف كاللغة والتفسير والفقه وأصوله وفى علم الكلام والعقائد وفى علوم الطب والزراعة وفى علوم التاريخ والحساب والجبر والكيمياء والفلسفة والمنطق والفلاحة ... وغيرها من العلوم. يقول الشيخ أبو اليقظان عن تراث القطب: (وقد عد بعضهم مؤلفاته فوجدها تتجاوز ثلاثمائة مؤلف مابين صغير وكبير ومتوسط) (1).
__________
(1) ـ بكير سعيد أعوشت. نفحات من السير. ص118 المطابع العالمية. سلطنة عمان. (1/40)
صفحة 41
فما السر فى إلمام هذا الرجل بكل هذه العلوم، بل وتفوقه فيها على المتخصصين فى هذه العلوم. إن السر فى ذلك بعرف بمعرفة هذا الرجل العظيم وحياته التى كان يحياها، وهمته العالية التى كان يتميز بها فى تحصيل العلم والجد فى طلبه والإجتهاد فى نشره فلقدر شغف بحب العلم بتشجيع من أخيه الأكبر إبراهيم بن يوسف أطفيش الذى حرص على رعاية أخيه الأصغر منذ نعومة أظفاره تلكم الرعاية التى دعا إليها الإسلام وأمر بها فكان لإمتثال لإمتثال هذا الأخ لهذا المنهج القويم أثرها فى نبوغ أخيه الأصغر وتفوقه على أقرانه فإنه ما إن بلغ العشرين من عمره حتى كان أكبر عالم فى وادى ميزاب، يتوافد على داره طلاب العلم من كل القرى المجاورة لهذا الوادى، ففرغ نفسه لنشر العلم وسعى للإصلاح الإجتماعي والسير بمن حوله نحو طاعة الله ـ عزوجل ـ وعكف على التأليف، وإن هذا العمل ليس بالأمر الهين خاصة إذا علمنا أنه عاش فى وسط مجتمع كثير الفتن إشتدت فيه وطأة الإضطهاد وقويت فيه شوكة الذين يستنكفون عن قبول الحق والإمتثال للواجب. لقد كان ـ رحمه الله ـ يشغل وقته بالقراءة والتعليم والتأليف، وهب حياته لله ـ عزوجل ـ فبارك الله فى كل لحظة من لحظات عمره، وعرف قيمة كل نفس يتنفسه فكان دافعا له لإستغال كل لحظة من لحظات عمره، ورافعا لهمته لطلب مرضاة الله بأعظم الدرجات: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير) (1).
__________
(1) ـ سورة/ المجادلة/11 (1/41)
صفحة 42
وبتوفيق من الله ـ جل جلاله ـ انتعش المجتمع الإسلامى وخرج من ضلالات الجهل والتجهيل فى كثير من بقاعه: الجهل بمبادى الدين القويم من قبل أبناء الإسلام والمنتسبون إليه، والتجهيل من قبل أعدائه الكائدين له من الفرنسين المحتلين وأعوانه من المنافقين الحاقدين وكان الشيخ أطفيش ـ رحمه الله: يمثل الجبهة الإسلامية الصلبة المعارضة لفرنسا، وكان يدعوا للجهاد وعدم التعامل معها ماديا وعسكريا، مما دفع الجنرال الفرنسي إلى سجنه فى نوفمبر 1882م (1).
__________
(1) ـ بكير سعيد أعوشت. نفحان من السير ص118المطابع العالمية روى ـ سلطنة عمان. (1/42)
صفحة 43
وكان من ثمار ودوره وجهاده أن خرجت أمة من وسط الظلام. هدفها السعي الجاد لفهم هذا الدين القويم وتثبيت منطلقاته فى نفوس أبنائه، وتخرجت مجموعة كبيرة من رواد الفكر وقادة النهضة الإسلامية فى القرن الخامس عشر الهجري أمثال: الإمام بيوض بن عمر بيوض مجدد نظام العزابة (1) بالجزائر والذى إنضم إليه وهو ابن العشرين فكان من أبرز أعضائه، وقد كان يتمنى أن يكون يرجع المجتمع ويشد أنظاره إلى المسجد ويكون المسجد هو الصوت الموجه للمجتمع والمنارة التى ينطلق منها المجتمع، وقد كان له ماأراد بتوفيق من الله ـ عزوجل ـ فتحول المسجد إلى جامعة تهتم بكل مايختص بالمجتمع وينفعه فى أموره الدينية والدنيوية، كما إستطاع أن يتخذ الأسباب الحافظة للمجتمع من دواعى الفساد والإنحلال بأن طبق نظام الولاية والبراءة بين أفراد المجتمع، والشيخ بيوض هو صاحب التفسير المسمى (فى رحاب التفسير) والذى بدأ به عام 1935م، وختمه فى فبراير 1980م، كما شرح صحيح البخاري فى أربعة عشر سنة، وله مجموعة من الرسائل والفتاوى فلله دره من صاحب همة باع نفسه لله ـ عزوجل، ومن تلامذة القطب العلامة المحقق أبو إسحاق إبراهيم أطفيش ابن أخيه، ومن تلامذته المجاهد الكبير وداعية الإسلام أبو اليقظان. صاحب المواقف البطولية فى وجه الإحتلال الفرنسي وصاحب القلم الذى لم يتوقف عن رد مكائد ودسائس الأعداء، وهو الذى أصدر ثمان من المجلات كلما أوقف قادة الإحتلال مجلة أخرج أخرى بعنوان آخر وكلها تنديد بأعداء الله ورسوله وأعداء ....
__________
(1) ـ نظام تربوي يرعى مصالح المسلمين وينظم شئونهم الحياتية، وضع أسسه العلامة أبوعبدالله محمد بن بكر الفرسطائي ـ رحمه الله. (1/43)
صفحة 44
وتلاميذ الإمام القطب كثيرون بسطت آثارهم وسيرهم فى كثير من الكتب مما يجده من أراد مطالعة ذلك ولايمكن فى هذا المختصر إبراز تلك السير العظيمة ودورهم فى نصرة دين الله القويم وتوجيه الإنسانية لفهم واجباها نحو الأمانة التى كلفها بها خالقها ورازقها ومدبر أمرها.
ولقد كان الشيخ أطفيش ـ رحمه الله ـ مثالا للعالم المعتز بدينه الذى لايخضع إلا لله ـ عزوجل وتحكى لنا الكتابات التى تناولت سيرته قصته مف الوفد الفرنسي الذى زاره فى الدار التى يدرس فيها، وكان ضمن هذا الوفد القائد العسكري العام الفرنسي فى الجزائر ومجموعة من الولاة الفرنسيين والقساوسة، وحينما دخلوا عليه وجدوه جالسا، وبعد لحظة صعد القطب إلى الطاولة التى يكتب عليها وهنا سأل الجنرال القطب قائلا: لماذا هذا التصرف الفعلي بهذا السلوك، قال القطب له: الإسلام يعلوا ولايعلى عليه (1).
هذه لمحات قليلة مضيئة تبرز ثمرات إستغلال الوقت فى حياة هذا العبقري الذى عرف مايجب عليه تجاه ماكلف به فسعى للمعالى بهمة راغبة فى المزيد والمزيد مما يرفع الدرجات فى يوم لاينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
سادسا: العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي ـ رحمه الله
__________
(1) ـ بكير سعيد أعوشت. نفحات من السير. ص118 المطابع العالمية. سلطنة عمان. (1/44)
صفحة 45
ولد العلامة المحقق أبومحمد عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي فى بلدة الحوقين من ولاية الرستاق بعمان عام 1286هـ، أبتلي بفقدان البصر وهو ابن الثانية عشر من عمره، ولقد أنعم الله عليه بذكاء حاد وحافظة قوية، ولقد حرص منذ نعومة أظفاره على حضور حلقات القرآن الكريم ببلدته فحفظ القرآن الكريم وعرف مبادئ اللغة العربية، ولما كانت الرستاق مستقر العلماء بعمان هاجر إليها ليتعلم على يد العلامة الجليل راشد بن سيف اللمكي ـ رحمه الله، فأخذ يأخذ مما عنده حتى بلغ المرتبة العالية والقدم الراسخ فى العلوم الشرعية والعلوم العقلية، وأصبح ممن يشار له بالبنان، ولكن همته ورغبته فى التحصيل دفعته ليهاجر الى موطن العلامة المجاهد الشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي فرحل إليه سنة 1308هـ. ولازمه ببلدة القابل بالمنطقة الشرقية إلى أن فارق الحياة، وقد وصف العلامة نور الدين السالمي شيخه الجليل صالح بن علي بقوله: (لقد كان رضي الله عنه أعلم أهل زمانه فى الحلال والحرام، وأشدهم حرصا على قوام الإسلام، وأكثرهم خصالا فى صفات الكرام). وقد كانت وفاة شيخه صالح بن علي ـ رحمه الله عام ـ 1314هـ. (1/45)
صفحة 46
ولقد كان الإمام نور الدين السالمي صاحب همة عالية، وكانت همته العالية فى طلب العلم لهدف عظيم تمثل فى تحقيق معنى الإنتماء لهذا الدين القويم، فلا فائدة فى علم لاينتفع منه، ولافائدة فى عالم يكتم علمه، وكان ينظر فى حال أمة الإسلام وماهي عليه من التفرق والتمذهب بمذاهب ما أنزل الله بها من سلطان، وكان ينتقل بين بلدان عمان يعلم الناس ويوجههم من أجل بث الوعي الديني فى نفوس الناس، وتبصيرهم بالأحكام الشرعية، ولقد كان لجهوده الأثر فى ظهور أئمة فى العلم والأدب حملوا لواء الإسلام، ومن هؤلاء: الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي، والعلامة أبومالك عامر بن خميس المالكي، والأمير عيسى بن صالح الحارثي .. وغيرهم ممن حملوا راية الإسلام. كما ظهرت له كتابات فى شتى الفنون فى اللغة والأدب والفقه وأصوله والتوحيد، والتاريخ ومن وتنوعت تآليفه بين نظم ونثر، وتعتبر كتاباته _ رحمه الله_ مرجعا لطلبة العلوم الشرعية والعربية فى مختلف المراحل: المبتدئ والمتوسط والمتخصص، لأنه كان يكتب للمبتدئ ويكتب للمتوسط ويكتب للمتعمق والمتخصص (1). وقد توفي _ رحمه الله_ عام 1332هـ بعد أن بعد ترك لأمة الإسلام تراثا خالدا من الكتابات وترك طلبة يحملون لواء الإسلام، وبعد أن استطاع تهيئة هذه الأمة لإقامة شرع الله، كل ذلك كان بفضل الله وتوفيقه لهذا الرجل العظيم الذى باع نفسه لله، وأخلص فى عمله لله فوجد ثمرة هذا الإخلاص وظهرت الثمار الطيبة لهذه الهمة العالية.
الفصل السادس
داء ودواء
المتأمل فى حياة الناس يجد التفاوت فى استغلال الأوقات، فهناك من يستفيد بكل لحظة من لحظات عمره فى النافع والمفيد، وهناك من لايحسن الإستفادة بوقته فما العوائق التى تحول بين استغلال الصنف الثانى لأوقاتهم.
__________
(1) ـ من أراد التعرف على مؤلفات العلامة السالمي وآثاره فعليه بالرجوع إلى الكتاب الذى أصدره المنتدى الأدبي. وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عمان. (1/46)
صفحة 47
ولعل من أبرز هذه العوائق المانعة لإستغلال الوقت الإستغلال الأمثل ما يلي:
1_ اتباع الهوى. ... 2_ طول الأمل.
3_ خواء القلب. ... 4_ التسويف.
5_ نقض العمل. ... 6_ صرف الوقت فيما لايعني.
7_ صرف الوقت فى الشرور والآثام. 8_ الغفلة والكسل.
9_ الخلافات المذهبية. ... 10_ طغيان الجانب العاطفي.
أولا: اتباع الهوى
اتباع كل ماهو مضاد للحق، وبمعنى أدق اتباع المناهج المتنافية مع منهج الإسلام القويم وتشريعه المستقيم من أعظم الأدواء المضيعة للوقت. لأن متبع هواه ينصرف عن استغلال وقته الإستغلال الأمثل بأن ينجرف به نحو التخبط والدعة والكسل والترف، فيجمل فى نظره مجالسة الفارغين، ويضيع وقته فيما لافائدة فيه. ولذلك حذر الحق ـ جل شآنه ـ عباده منه فقال تعالى: (يا داود انا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولاتتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (1). وقد أخبر الحق ـ جل شآنه عن سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه لاينطق عن الهوى: (وماينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى) (2). وكما هو معروف فإن لكل داء دواء، وبما أن ضياع الأوقات باتباع الهوى من أخطر الأمراض التى تصيب كثير من الناس فلا علاج لمن أصيب بهذا الداء إلا بالعزيمة القوية والتوكل على الله ـ عزوجل.
فالمؤمن بالله حق الإيمان بندفع نحو اتباع أوامره وشغل نفسه بالمسارعة فيما يقربه إليه استعدادا لنيل فضل العظيم الوارد فى قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون) (3) .. وغيرها من الآيات الكريمة. فالإيمان بالله والإستقامة على منهجه واتباع شرعه من أفضل الأدوية لمن وقع فىهذا الداء العضال. نسأل الله ـ عزوجل ـ السلامة والمعافاة.
ثانيا: طول الأمل
__________
(1) ـ سورة ص /26
(2) ـ سورة النجم /3
(3) ـ سورة الأحقاف/13 (1/47)
صفحة 48
كل مافى هذه الحياة الدنيا من زخارف وملاهي تشغل كثير من الناس عن التفكير فى أمر الآخرة، والإستعداد للحظات مفارقة الروح للجسد. فطويل الأمل يسء العمل، ويركن الى الراحة والكسل والخمول والتشاغل بجمع حطام الدنيا والغرق بين زخارفها وبهرجها. ومادام هذا هو حال طويل الأمل فلابد له من دواء وعلاج يشفيه بإذن الله. وأصلح دواء لمن ابتلي بذلك أن:
1ـ ذكر الموت
لأن ذكر الموت يجلوا صدأ القلوب ويدفها للإستعداد له واستدراك ما فات من لحظات العمر وساعاته، كما أنه دافه لتذكر حكمة الموت والحياة: (تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (1).
2ـ التذكير بالمصير المحتوم على طول الأمل
يقول الحق ـ جل شآنه (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) (2)، فمصير من انشغل عن طاعة الله ـ عزوجل ـ الخزي والهوان، وهذا هو حال طويل الأمل فإنه منشغل دائما عن طاعة الله وعن إتباع أوامره والتزام منهجه. ولله در القائل:
يا أيها الناس كان لي أمل ... أعجبني من بلوغه الأجل
فليتق الله ربه رجل ... أمكنه من حياته العمل
3ـ التذكير بفضيلة التقوى
طويل الأمل غالبا ما يكون غير متقى لله ـ عزوجل ـ لأنه لو كان متقيا لله لحرص على وقته وانشغل بما ينفعه، والقرآن الكريم يعدد فضائل عديدة وثمرات جليلة للتقوى منها قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (3)، وقوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) (4)، وقوله تعالى: (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته) (5)
ثالثا: خواء القلب
__________
(1) ـ سورة تبارك/1ـ2
(2) ـ سورة الحجر/3
(3) ـ سورة الطلاق/2
(4) ـ سورة الطلاق/4
(5) ـ سورة الطلاق/5 (1/48)
صفحة 49
خواء القلب من الإيمان الصحيح من أخطر العوامل المعيقة للوقت، لأن القلب الفارغ ينعكس سيئه على بقية الجوارح بأن يصبح الإنسان لايعرف الزمن ولا كيف يستغله، والسبب فى ذلك أنه يتحرك من فراغ، بخلاف ما لو كان القلب ممتلئا بالإيمان والأخلاق فإنه يتحرك من هذا المنطلق العظيم. وقد يتسائل البعض عن سبب خواء القلب؟ فنقول: بأن ذلك يعود لأسباب أهمها:
1ـ ضعف الإيمان بالله ـ عزوجل. 2ـ الإنشغال بالملهيات الدنيوية.
3ـ إضاعة الوقت مع أصدقاء السؤ. 4ـ الإنشغال بالأحاديث الماجنة.
هذه الأسباب وغيرها من الأسباب ينحصر علاجها فى الآتى:
1ـ تقوية الإيمان بالله. ... 2ـ إختيار القرين الصالح.
3ـ قيام الليل ولو بركعتين كل يوم. 4ـ محاسبة النفس عن كل لحظة من لحظات العمر.
5ـ الإكثار من قراءة القرآن الكريم. 6ـ كثرة الإستغفار والإنابة الى الله ـ عزوجل.
7ـ اختيار الكتب النافعة والأشرطة التى تعمق الفهم الصحيح للإسلام.
رابعا: التسويف
التسويف أو المماطلة من أخطر الأدواء المعيقة للوقت، وهي من صفات ضعاف الإيمان، كما أنها من صفات أصحاب الهمم الضعيفة، ولهذا الداء العضال أسباب أهمها:
1_ حب الراحة والدعة. 2_ إستثقال العمل وتهيبه.
3_ ايثار عمل دون المطلوب. 4_ الركون إلى اللهو والشهوات
والعلاج الأمثل لهذا الداء يتمثل فى:
1ـ التدبر فى حال هذا الكون، وقدرة الخالق ـ جل وعلا ـ فى تصريفه وهيمنته عليه، وأن كل مافى الكون هالك إلا الله ـ الواحد الأحد ـ، كما أن كل إنسان لايضمن أجله إلى الغد ولفترة بسيطة.
2ـ إدراك الحالة التى تعترى الإنسان من صحة وسقم، ومن شباب وقوة الى شيب وعجز، فمن يدرك أن دوام الحال محال يتخلص من هذا الداء العضال. (1/49)
صفحة 50
3ـ دراسة سيرة أصحاب الهمم وخاصة العارفون بالله المراقبون له فى سراءهم وضراءهم فينتفع بتلك السيرة ويأخذ منها القبس الإيماني ويندفع يزيح عنه وساوس الشيطان الداعية الى الركون والتثاقل عن اتمام العمل. والتاريخ يحكى لنا نموذجا عظيما فى هذا الجانب، فقد جاء فى الأثر قيل لعمر بن عبد العزيز حين تعب من كثرة العمل: أخر هذا إلى الغد. فقال: لقد أعيانى عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع علي عمل يومين. ولله در العلامة أبومسلم ـ رحمه الله حينما قال:
استنبط العلم وزك العملا ... ولا تعش بغرة سبهللا
لاتترك الأنفاس فى الهزل سدى ... أدرك من جد وفى الجد العلا
جوهرة النفس إذا ضيعتها ... فى لعب لم تلف منها بدلا
رشحك الحق لأمر جلل ... تدركه إذا ركبت الجلالا
لو لم يرد قربك من جنابه ... لم يهب العقل ويهدى السبلا
فإن توجهت إلى حضرته ... فرافق العلم يقود الجملا
فخير ما رافقت علما نافعا ... وشافعا مشفعا فى يوم لا
إن العلوم كالنجوم كثرة ... فاعتنق الشمس وغادر زجلا
عليك بالشرع فلست عائذا ... بموئل أكنف منه موئلا
نور من الله إذا كساكه ... أصبحت سلطانا على من جهلا
أنت من الله على شأن إذا ... خلفت بالعلم نبيا مرسلا
سدد وقارب واحتجز جوامعا ... منه فلن تحصره مفصلا
خامسا: نقض العمل (1/50)
صفحة 51
نجد فى القرآن الكريم التحذير من إبطال العمل بعد العزم فى أدائه يقول الحق ـ جل شأنه: (ولا تبطلوا أعمالكم) (1)، وفى سورة النحل جاء التحذير من التشبه بمن يفعل ذلك: (ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من من بعد قوة أنكاثا) (2). والذى ينقض عمله مثله كمثل الذى يؤسس بيتا، وأقام جدرانه ثم لم يكمله بلا عذر مقبول وتركه غير صالح للسكنى، فلا هو يمكنه الإنتفاع به ولا هو أبقى على ما بذله فيه، ولعلنا نستطيع حصر أسباب نقض العمل فى سبب واحد يتمثل فى خواطر الشيطان، وعلاج هذا يكون بتوطين النفس على الإيمان القوي بالله عزوجل، لأن هذا الإيمان يدفع عنه أسباب الوهن وخواطر السؤ، كذلك يجب على من ابتلي بهذا الداء أن يدرك أن من رجاحة عقل الإنسان وحسن رأيه أن يحسب لكل عمل يقوم به حسابه ـ نتائجه وفوائده ـ لكيلا يقع فى هذا العائق الذى يقع فيه كثير من الناس.
وعليه يتمثل قول القائل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا
سادسا: صرف الوقت فيما لايعنى
الذى لايخطط لوقته تخطيطا جيدا منظما يتخبط فى تصريف وقته تصريفا صحيحا، فمن أعظم معيقات الوقت أن يصرف فيما لافائدة فيه مثل: اللغو فى القول، والعبث من العمل. فالوقت يضيع والساعات تمر عند كثير من الناس فى كلام فارغ عديم القيمة لاخير فيه كالثرثرة، وفضول الكلام، وتكلف اظهار الفصاحة، كما أنه يضيع فى تهاونه فى العمل الذى كلف به وانشغاله بأعمال لاأجر فيه ولاثمرة فى اتيانها. ولهذا كله أسباب أهمها:
1ـ عدم استشعار أهمية الوقت وقيمته. 2ـ عدم وجود تخطيط مناسب ومنظم للوقت.
3ـ عدم تحمل أمانة العمل الذى كلف به. 4ـ مصاحبة أهل البطالة والخمول.
5ـ الإستقلال بالرأي، وعدم مشاورة أصحاب الرأي والحكمة.
__________
(1) ـ سورة محمد/33
(2) ـ /92 (1/51)
صفحة 52
وأمام هذه الأسباب المحتملة لهذا العائق، يجدر بنا أن نبحث عن الدواء الشافى لمن ابتلي به، وكان ديدنه فى حياته، ومن هذه الأدوية التى يجب أن يسعى لتحقيقها من أراد الإبتعاد عن هذه الصفة الذميمة مايلى:
1ـ استشعار رقابة الله ـ عزوجل ـ فيما يأتى ويذر.
2ـ ادراك قيمة الأمانة المكلف بها، واستشعار عاقبة تضييعها.
3ـ الإبتعاد عن شياطين الإنس وتجنبهم قدر المستطاع.
وكفى بالقرآن واعظا لمن أراد أن يتعظ فى عاقبة من اتبع شيطان الإنسان: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتي ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلنى عن الذكر بعد اذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان خذولا) (1).
4ـ تذكر قيمة الوقت وأهميته فى حياته، وأن كل لحظة سيسأل عنها يوم القيامة.
سابعا: صرف الوقت فى الشرور والآثام
من أخطر عوائق الوقت ومضيعاته أن يصرف فى الآثام وقبائح الأعمال، وفى هذا الجانب الهام يوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته بتوجيه المربى الحريص على فلاح هذه الإنسانية فيقول: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لادرهم له ولامتاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتى وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ماعليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح فى النار) (2). فمن المسلم به أن صرف الأوقات فى الشرور والآثام لا يأتى إلا بثمرة سيئة على من يقضى حياته فى ذلك، ومن أعظم أسباب هذا العائق:
1ـ الغفلة. 2ـ التقليد الأعمى. 3ـ ضعف الإيمان.
والعلاج المناسب لمثل هذه الحالات:
1ـ النصح والإرشاد للشخص السائر فى طريق الهلاك، وتوجيهه لتنمية حصيلته العلمية بالقراءة والإطلاع.
2ـ تقوية القوة الذاتية بتعميق الإيمان العميق بالله عزوجل.
__________
(1) ـ سورة الفرقان/27
(2) ـ رواه مسلم عن أبى هريرة (1/52)
صفحة 53
3ـ وضعه فى مواقف يتعويده من خلالها على إبراز شخصيته.
ثامنا: الغفلة والكسل
هذا الداء العضال أصيب به كثير من الناس وهو سببا للهلاك يقول الحق ـ جل شآنه: (لقد ذرآنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لايفقهون بها، ولهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (1) ويقول الحق ـ جل شآنه: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) (2)
وتعود أسباب الغفلة إلى:
1ـ قساوة القلب بكثرة المعاصى والذنوب. 2ـ كثرة الأكل والشرب.
3ـ مقارنة أهل السؤ والمعاصى.
والعلاج يتمثل فى:
1ـ إحياء القلب بذكر الله عزوجل والإستغفار من الذنوب صغيرها وكبيرها.
2ـ تعويد النفس على صوم الأيام المستحبة كالإثنين والخميس من كل أسبوع مثلا.
3ـ ز يارة أهل العلم بين حين وآخر ليأخذ شحنات إيمانية تحي قلبه.
وأخيرا فإن المتأمل فى جميع هذه العوائق يجد أن سببها الرئيسي هو ضعف الإيمان والفهم السقيم للإسلام، ولاعلاج لمعظم العوائق إلا بتقوية هذا الإيمان: اعتقادا وقولا وعملا.
تاسعا: الخلافات المذهبية
أمة الإسلام أمة واحدة تنطلق بمنطلق واحد ينطلق هذا الهدف لتوجيه الإنسانية إلى جادة الطريق، ولكن أمة الإسلام أبتليت بفئات حرصت على شغل المسلمين عن الهدف العظيم المكلفة به بتظاهرها بالإسلام وفى قرارة داخلها الكيد منه وإثارة الفتن بين أتباعه، والتسمى بالمذهبيات والتعصب لها وتمجيدها، وجعلها الميزان الذى يوزن به الآخرين فالحق عندهم بالإقتراب منهم والباطل بالإبتعاد عنهم، مما سبب إنشغال المسلمين ببعضهم البعض، فتغلب على كثير من الناس الجانب العاطفي فى تقبل الأمور أوردها. ويتمثل هذا العلاج فى الآتى:
1ـ تعميق حب الناس للإسلام والإنتماء له.
__________
(1) ـ سورة الأعراف/169
(2) ـ سورة ق / 19ـ22 (1/53)
صفحة 54
2ـ ترك التفاخر بأسماء المذاهب المرتبطة فى غالبها بشخصيات والتوجه للإعتزار بالإسلام والتسمى به كما سماهم به خليل الرحمن: (ملة أبيكم إبراهيم هوسماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) (1). يقول العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي _رحمه الله_ ردا على سؤال وجه إليه حول منشأ الخلاف بين المسلمين والسبل القويمة لجمع أمة: (نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعب الآراء وهو السبب الأعظم فى افتراق المسلمين .. وأقرب الطرق لجمع المسلمين أن يدعى الناس إلى ترك الألقاب المذهبية وحضهم على التسمى بالإسلام فإن الدين عند الله الإسلام، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبتن عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه .. وهي دعاية الإسلام التى بعث بها محمد_صلى الله عليه وسلم _ وتضمحل البدع فيصير الناس إخوانا ومن ضل فإنما يضل على نفسه. (2)
3ـ ترك حصر الحق فى فئة دون النظر والإطلاع إلى ماعند الآخرين. يقول المفكر الإسلامي ـ على يحي معمر ـ رحمه الله: (لايحق لأي واحد سواء أكان يقف على الساحة منفردا أو كان يحمل شعار فرقة أن يحكم على فرقة أخرى بالخروج من ميدان الإسلام الفسيح أو من الحرمان من الإشتراك فى أي عمل تقوم به الأمة الإسلامية ككل). (3).
4ـ النظر فى الحق بمنظار الإسلام، وليس بمنظار فئة معينة لاتستمع إلى الآخرين بسبب الهالة والتمجيد والإسم الذى اختارته لنفسها.
5ـ الترفع عن طغيان الجانب العاطفي فى تقدير الأمور والنظر للأمور بمنظار الأدلة والبراهين. وبهذا تتوحد التوجهات ويتحد أبناء الأمة الواحد: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (4).
الفصل السابع
__________
(1) ـ سورة / الحج/78
(2) ـ عبدالله بن حميد السالمي. العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين ج1 ص126ـ127 دار الشعب
(3) ـ الإباضية فى موكب التاريخ. ج1
(4) سورة الأنبياء/92 (1/54)
صفحة 55
العواقب الوخيمة لإضاعة الوقت
استغلال الوقت له ثمار حسنة، ونتائج طيبة يشعر بها من إجتهد فى استغلال وقته فإن من أضاع وقته فى اللهو واللغو وفحش القول وبذاءة اللسان يجد العاقبة الوخيمة والأثر السيء فى حياته ونفسته وشخصيته.
وتتمثل أبرز هذه العواقب فى الآتى:
1ـ الحسرة والندامة. 2ـ عدم بركة الحياة. 3ـ عدم الطمأنينة.
أولا: الحسرة والندامة
كل من لايستغل وقته استغلالا جيد يتحسر عليه ويتندم على فواته كما يخبرنا بذلك منهج الحق القويم فى قوله تعالى: (وإذ ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) (1).
ثانيا: عدم بركة الحياة
الثوانى والساعات والأيام تمر على الإنسان مرورا سريعا لايدرك الإستفادة منها إلا أصحاب الهمم العالية، أما الذى يستهتر بوقته ويضيعه فى اللهو واللغو والمعاصى فإنه لايجد بركة فى حياته ولايحس بطمأنينة العيش فى حياته، والقرآن الكريم يخبرنا عن حال الكافرين عند سؤالهم: (قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين) (2) فكان جوابهم: (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين) (3)
ثالثا: عدم الطمأنينة
يقول الحق جل شآنه: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (4) فمن منطلق هذه يتبين لنا أن طمأنينة القلب تأتى بشغل الوقت بذكر الله والإنابة إليه، والذى يستهتر بوقته ويبقى فى فراغ فإنه يحيا حياة كلها مخاوف وعدم طمأنينة نفس.
الفصل الثامن
ظاهرة الفراغ
أولا: معنى الفراغ
__________
(1) ـ سورة السجدة /12
(2) ـ سورة المؤمنون/112
(3) ـ سورة المؤمنون /113
(4) ـ سورة الرعد / 28 (1/55)
صفحة 56
كلمة الفراغ من الكلمات الدخيلة على المجتمعات الإسلامية جاءت بسبب غفلة المسلمين عندهم، وتقاعسهم عن حمل لواء نصرة هذا الدين القويم. فهذه الظاهرة ليس لها مدلول فى التعاليم الإسلامية، لأن الإسلام حمّل هذا الإنسان أمانة عظيمة وهي عبادة الله ـ عزوجل ـ وهذه العبادة لم تترك سبيلا لظهور مثل هذه الظواهر التى يحرص أعداء الإسلام على ترويجها فى المجتمعات الإسلامية بسبب إبتعاد المسلمين عن تعاليم الإسلام الصحيحة وانجرافهم وراء الغزو الأوربي، والإسلام هو المنهج القويم الذى شغل وقت الإنسان بالنافع والمفيد كقراءة القرآن الكريم، والتفقه فى دين الله ـ عزوجل ـ، وصلة الآرحام، مطالعة الصحف والمجلات النافعة، وتقوية بدنه بالرياضات المحتشمة، والإشتراك فى الندوات البناءة. وتناول ظاهرة الفراغ جاء من منطلق معاناة كثير من المجتمعات المعاصرة منها والتى تعيش حياة الجاهلية العمياء. فالفراغ معناه: الخلو. يقال مكان فارغ أي خال، وتفرغ من الشغل: تخلى عنه، والفارغ: الخالى. يقال: إناء فارغ (1)، ومن خلال هذا المعنى اللغوي نستطيع إستنباط المعنى الإصطلاحي للفراغ: فالفراغ معناه الخلو من العمل والتفرغ منه، وهو ناشىء عن الترف بسبب الشباب والثراء وعدم القدرة على تصريف الوقت فيهما تصريفا حكيما. ولله در القائل:
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
ويمكننا أن نقسم الفراغ إلى ثلاثة أقسام هي:
1ـ العقلي. 2ـ القلبي. 3ـ النفسي.
أولا: الفراغ العقلي
__________
(1) ـ المجمع الوسيط. مجمع اللغة العربية. ج2ص1061 دار إحياء التراث العربي. (1/56)
صفحة 57
أهم مايميز هذا الإنسان عن بقية الكائنات هو استخدام عقله للإستدلال به على وحدانية الخالق ـ عزوجل ـ والذى لايستخدم عقله أو يستخدمه فى غيرحدود الإسلام فإنه يعيش فى فراغ عقلي. يقول الحق ـ جل شآنه ـ: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لايعقلون) (1)، والذى يعيش فى فراغ عقلي فإنما يكتب على حياته بالدمار، كما أنه يكتب على آخرته بالبوار. يقول الحق ـ جل شآنه عن طائفة من أهل النار وإقرارهم بفراغ عقولهم: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ماكنا فى أصحاب السعير) (2)، أي قال الكفار لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو كنا نسمع سماع طالب الحق ملتمس الهدى ماكنا فى أصحاب السعير. وعلاج هذا يتمثل فى حرص الراغب فى الفائدة على ملء عقله بما ينفعه فى دنياه وأخراه، وتغذيته بالعلم، والمعرفة، والتفكر، والتأمل فى مخلوقات الحق ـ جل شآنه: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون) (3)، وقال تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به الأرض بعد موتها إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون) (4).
ثانيا: الفراغ القلبي
القلب وعاء الإيمان. يقول الحق ـ جل شآنه: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم) (5)، ومتى كان القلب فارغا من الإيمان فإن القلب يكون وعاءا للهوى. ومتى كان القلب ممتلئا بالإيمان كان صلح الجسم وسائر الأعضاء، لقوله _ صلى الله عليه وسلم_: (إن الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
أسبابه:
__________
(1) ـ سورة الأنفال /22
(2) سورة الملك/10
(3) ـ سورة النحل / 12
(4) سورة الروم/24
(5) ـ سورة الحجرات/ 7 (1/57)
صفحة 58
1ـ قساوة القلب بالإبتعاد عن ذكر الله ـ عزوجل. 2ـ ضعف الإيمان.
3ـ الغفلة عن ذكر الموت وأحوال الموتى.
العلاج:
1ـ الإكثار من قراءة القرآن الكريم، والحرص على تدبر آياته. لأن الإكثار من التلاوة يوجه نحو الخشوع والتدبر للآيات الكريمة.
2ـ تقوية الإيمان بالله عزوجل بالحرص على محاسبة النفس على كل عمل صغير كان أو كبير.
3ـ الإكثار من عمل الطاعات والنوافل.
ثالثا: الفراغ النفسي
يقصد بالفراغ النفسي: خلو النفس من الإيمان بالله ـ عزوجل.
أسبابه:
1ـ إستهتانة النفس بمنهج الحق ـ جل شآنه. 2ـ تعود النفس على الوقوع فى المحرمات.
3ـ إطلاق العنان للنفس تلهو دون ضابط يقيدها ويحفظها.
العلاج:
1ـ صقل النفس وترويضها بالإكثار من النوافل والعبادات.
2ـ تطهيرها من الأمراض النفسية كالغل والحقد والحسد والكبر.
3ـ تذكيرها بقول الحق ـ جل جلاله: (أن تقول نفس ياحسرتى على مافرطت فى جنب الله وإن كنت لمن الساخرين) (1).
الفصل التاسع
تحديد المفاهيم
تختلف المفاهيم من شخص لآخر، كل بحسب عقله واتجاهه، فالحريص على إنتهاج منهج التشريع الإسلامي تكون مفاهيمه أقرب للصحة والواقعية، بخلاف من يخطئ فى فهم هذا الدين أو من هو على غير دين الهدى والحق فإن مفاهيمه تكون منحرفة وخاصة مايتعارض مع شرع الله القويم.
ولقد وجدت فى بعض المجتمعات ظاهرة خطيرة تمثلت فى لعن الزمن وشتمه، وهي من بقايا الجاهلية الأولى قبل مبعث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكثير من الناس ينظرون لاإلى الوقائع والأحداث والنوازل حتى إذا ضاقوا بها ذرعا لعنوها لعنا وسبوها وشتموها. مثال على النظرة الخاطئة للزمان كقول القائل:
لما رأى قمرية أمامها ... وكر فيه طائران ترددان نغما
بكت أن رأت ألفين ضمهما وكر ... مساء وقد أخنى على إلفها الدهر
وناحت وباحت فاستراحت بسرها ... وما نطقت حرفا يبوح به السر
فمالي لا أبكى أم القلب صخرة ... وكم صخرة فى الأرض يجرى بها النهر
__________
(1) ـ سورة / الزمر /56 (1/58)
صفحة 59
بكت واحدا لم يسجها غير فقده ... وأبكى لآلاف عديدهم كثر
ومثل هذه التصرفات الخاطئة لاتصدر إلا من عقلية غير متزنة لم تدرك عظمة الخالق ـ عزوجل ـ وقدرته فى تدبير جميع مافى الكون من حوادث ونوازل ومافى السماوات والأرض والشجر والجبال، فكل هذه بيد الخالق ـ جل جلاله لابيد الأيام. ولقد جاء فى الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: (يؤذينى ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (1)، فالزمان لايصنع شيئا بالإنسان، وإنما يدبر ذلك ويسوقه رب الزمان والمكان، فالأقدار بيد الله ـ عزوجل، والواجب تصحيح مثل هذه المفاهيم الجاهلية من أذهان قائليها، وغرس الإيمان الصحيح بالله ـ عزوجل. ولله در القائل:
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا
ونهجوا ذا الزمان بغير ذنب ... ولو نطق الزمان بذا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ونأكل بعضنا بعضا عيانا
الخاتمة
وختاما أقول كما قيل بأن: العاقل من يقسم ساعات عمره: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله تعالى، وساعة للمطعم والمشرب. والحمد لله رب العالمين على نعمه وفضله وتيسيره لهذا العمل والذى هو بلا شك له الأهمية العظمى والمنزلة الكبرى فى التشريع الإسلامي، ولايسعنى فى خاتمة هذا العمل إلا أن أتقدم للقراء الكرام بهذه التوصيات:
1ـ العناية بمثل هذه المواضيع المتعلقة بالوقت، وذلك بإقامة الندوات وكتابة البحوث.
2ـ فتح الأندية الهادفة البناءة لتوجيه الشباب نحو استغلال أوقاتهم الاستغلال الأمثل.
3ـ وضع خطط سنوية وشهرية ويومية لتنظيم ساعات اليوم تنظيما حكيما بحيث يستفاد من الوقت استفادة جيدة.
4_ الإعلان عن مسابقات للشباب، تتناول السبل القويمة للإستفادة من الوقت، وكيفية استثماره.
اللهم إنا نسألك
بركة الأوقات فيما تبقى من أعمارنا.
اللهم إنا نسألك همة عالية تدفعنا للمسارعة لما تحب وترضى
__________
(1) ـ رواه أبوداود. (1/59)
صفحة 60
يا الله ياعظيم ياذا الجلال والإكرام، اللهم وفقنا للعمل بمنهجك القويم
واغننا به عما سواه من الغوايات وضلالات، اللهم بارك في هذا العمل،
واجعله اللهم خالصا لوجهك الكريم، ووفق اللهم للإستفادة منه.
ياذا الجلال والإكرام. وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم، المهتدين بهديه المستنين بسنته.
والحمد لله رب العالمين.
المراجع
ـ الشيخ أبوطاهر اسماعيل الجيطالي. قناطر الخيرات. ط/وزارة التراث القومى والثقافة. سلطنة عمان.
ـ جاسم محمد. الوقت عمار أو دمار. ط 4/ 1409ـ 1989م. دارالدعوة للنشر والتوزيع ـ الكويت.
ـ ابن القيم الجوزية. الطب النبوي. دار طيبة.
ـ خالد محمد خالد. رجال حول الرسول. دار الفكر.
ـ الحافظ الحجة الربيع بن حبيب. الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب.
ـ العلامة سالم بن عبدالله البوسعيدي. الأخبار والأثار. وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عمان.
ـ الدكتور عبد الستار نوير. الوقت هو الحياة. دار الثقافة، ط2 1408هـ ـ 1988م.
ـ العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي. شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب.
ـ عدون جهلان. الفكر السياسي عند الإباضية. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 2/ 1411ـ1991.
ـ قطب الأئمة محمد بن يوسف. تحفة الحب في أصل الطب. وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عمان.
ـ المسعودي. مروج الذهب. دار الكتاب اللبناني. ط 1 ـ 1402هـ ـ 1982م.
ـ أبوزكريا يحي بن أبي الخير الجناوني. كتاب الوضع.
فهرسة المواضيع
م ... الموضوع ... الصفحة
المقدمة ... 1
1 ... الفصل الأول ... الاهتمام بعمر الإنسان ... 3
2 ... الفصل الثاني ... قوارب النجاة ... 7
3 ... الفصل الثالث ... طريق الاستثمار ... 11
4 ... الفصل الرابع ... ثمرات الوقت النافع ... 19
5 ... الفصل الخامس ... مسالك العظماء ... 21
6 ... الفصل السادس ... داء ودواء ... 27
7 ... الفصل السابع ... العواقب الوخيمة لإضاعة الوقت ... 33
8 ... الفصل الثامن ... ظاهرة الفراغ ... 34
9 ... الفصل التاسع ... تحديد المفاهيم ... 36
الخاتمة ... 37 (1/60)