صفحة 1
الكتاب: سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية لبدر العبري 2 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية أسباب وآثار
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية (2)
القمع الفكري بين المدارس الإسلامية
أسباب وآثار
بدر بن سالم بن حمدان العبري
مقدمة
الاختلاف سنة كونية، وحالة صحية، إذا ما غذي هذا الاختلاف بسعة الصدر، واحترام الرأي، ووجه نحو البناء والإنتاج، والإصلاح والتعمير.
والأمّة المسلمة كغيرها من الأمم، تفرقت إلى مدارس مختلفة، ومناهج متنوعة، وهذا شيء طبيعي؛ لأنّ القرآن فتح المجال للتفكير والإبداع، والنظر والتدبر، ولكن مع مرور الزمن أصبحت هذه المدارس والمناهج وحي يوحى، من خالفها أو قام بنقدها دخل في دائرة التفسيق والتبديع والتكفير.
وأصبح أتباعها أنبياء معصومين لا يجوز نقدهم أو مخالفتهم، ممّا ظهر القمع الفكري بين أفراد هذه المدارس، الذي كان له الأثر السيء على واقع الأمّة السياسي والتربوي والاجتماعي والاقتصادي، والفكري.
من هنا أحببتُ الكتابة حول هذا الموضوع؛ لألقي الضوء على بعض أسبابه وآثاره، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
بدر بن سالم بن حمدان العبري
مسقط العامرة، الموالح الجنوبية
احترام الرأي في القرآن
القرآن الكريم جاء مبينا العلاقة بين البشر، على اختلاف طبقاتهم وتوجهاتهم، وبيّن القرآن أنّ الاختلاف سنة كونية، منذ خلق الله آدم وإلى قيام الساعة، من هنا حدد القرآن منهجية التعامل بين البشر، خوفا من الفساد البشري، الناتج عن القمع الفكري، والذي بدوره يجر إلى فساد سلوكي، كإراقة الدماء، والتكفير والسبّ والشتم، فضلا عن طرق التعذيب التي يصلى بها من خالف الفكر العام. (1/1)
صفحة 2
ومن أعظم الآيات المبينة لاحترام الرأي قوله – تعالى -:"لا إكراه في الدين" (1)، فالآية نص في عدم جواز الإكراه والجبر في الدخول في الإسلام، وذلك لأنّ من أهم منطلقات الإسلام الإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن، وإلا سيصبح الدين إلعوبة هذا يدخل وذاك يخرج، من هنا ذهب الكثير من الفقهاء إلى مشروعية قتل المرتد، خاصة إذا كان كافرا ثمّ أسلم؛ لأنّه لم يجبر على الدخول في الإسلام، فلا يجوز له أن يخرج منه، وعلى اعتبار مشروعية قتل المرتد فإنّ العلة من مشروعيته هو خوف التلاعب بهذا الدين كما نراه اليوم، فهذا يسخر من الذات الإلهية، وذاك يستهزئ بإركان الدين، والآخر يصف نبي الدين بأوصاف بذيئة، وعندما عطّل تشريع الحدّ بدأ هذا الفكر يعم المجتمعات المسلمة، يصدر من أناس ترعرعوا في بيئة الإسلام، والغريب أنّه ينتشر عن طريق الأدب، خاصة عن طريق الروايات الأدبية، وكذلك عن طريق الشعر الحر، أو القصيدة النثرية.
وتتجلى مظاهر حرية الرأي في القرآن في عدة نقاط رئيسة، بدورها كفيلة لأن تحافظ على استقرار المجتمع (2)،
__________
(1) البقرة / 256.
(2) وأفضل شاهد على هذا ما قاله اليهودي المعارض أوري أفنيري في موقعه " كتلة السلام " يقول: " يسوع المسيح قال: "تعرفونهم من ثمارهم" علينا أن ننظر إلى تعامل الإسلام مع الديانات الأخرى حسب اختبار بسيط: كيف تصرفوا خلال أكثر من ألف سنة؟ بينما كانت القوة بين يديهم، وكان بمستطاعهم "نشر دينهم بقوة السيف"، هم لم يفعلوا ذلك.
لقد سيطر المسلمون في اليونان طيلة مئات السنين، هل اعتنق اليونانيون الإسلام؟ هل حاول أيّ شخص إدخالهم في الإسلام؟ على العكس، لقد شغل اليونانيون وظائف كبيرة في الحكم العثماني، كما أنّ شعوب أوروبا المختلفة مثل البلغاريين، الصرب، الرومانيين، الهنغاريين، الذين عاشوا فترات طويلة تحت حكم الأتراك، قد تشبثوا بدينهم المسيحي، إنّ أحدا لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي، وظلوا مسيحيين متدينين.
لقد أسلم الألبان وكذلك البوسنيون، ولكنّ أحدا منهم لا يدّعي بأنّهم قد أكرهوا في ذلك، لقد اعتنقوا الدين الإسلامي ليكونوا محببين إلى السلطة وليتمتعوا بخيراتها.
في عام 1099 احتل الصليبيون القدس، وذبحوا سكانها المسلمين واليهود من دون تمييز، وكانت هذه الأمور تنفذ باسم يسوع طاهر النفس، في تلك الفترة، وبعد 400 سنة من احتلال المسلمين للبلاد، كان ما زال معظم سكان البلاد من المسيحيين، طيلة كلّ تلك الفترة لم تجر أية محاولة لفرض دين محمد على السكان، بعد أن طرد الصليبيون من البلاد فقط، بدأ معظمهم بتبني اللغة العربية واعتناق الدين الإسلامي، وكان معظم هؤلاء هم أجداد الفلسطينيين في أيامنا هذه.
لم تُعرف أية محاولة لفرض دين محمد على اليهود، لقد تمتع يهود أسبانيا، تحت حكم المسلمين، بازدهار لم يسبق له مثيل في حياة اليهود حتى أيامنا هذه تقريبا، شعراء مثل يهودا هليفي كانوا يكتبون باللغة العربية، كذلك الحاخام موشيه بن ميمون (الرمبام)، كان اليهود في الأندلس المسلمة وزراء، شعراء، علماء، لقد عمل في طلطيلية المسلمة مسلمون، يهود ومسيحيون معا على ترجمة كتب الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة، لقد كان ذلك "عصر ذهبي" بالفعل.
كيف كان لهذا أن يحدث كله، لو كان النبي محمد قد أمر أتباعه "بنشر الإيمان بقوة السيف؟
ولكن المهم هو ما حدث لاحقا، حين احتل الكاثوليكيون أسبانيا من أيدي المسلمين، فقد بسطوا فيها حكما من الإرهاب الديني، لقد وقف اليهود والمسلمون أمام خيار قاس: اعتناق المسيحية أو الموت أو الهرب، وإلى أين هرب مئات آلاف اليهود، الذين رفضوا تغيير دينهم؟ لقد استقبل معظمهم على الرحب والسعة في الدول الإسلامية، لقد استوطن "يهود الأندلس" من المغرب في الغرب وحتى العراق في الشرق، من بلغاريا (تحت حكم الأتراك آنذاك) في الشمال وحتى السودان في الجنوب، لم تتم ملاحقتهم في أيّ مكان، لم يواجهوا هناك أيّ شيء يضاهي تعذيب محاكم التفتيش، لهيب المحارق، المجازر والطرد الذي ساد في معظم الدول المسيحية حتى حدوث الكارثة.
لماذا؟ لأنّ محمدا قد منع بشكل واضح ملاحقة "أهل الكتاب"، لقد تمّ تخصيص مكانة خاصة في المجتمع الإسلامي لليهود وللمسيحيين، لم تكن هذه المكانة مساوية تماما، ولكنها كادت تكون كذلك.
كان يتوجب علهم دفع جزية خاصة، ولكنهم قد أعفوا من الجيش مقابلها، وهذه الصفقة كانت مجدية جدا لليهود، يقولون إنّ الحكام المسلمين قد عارضوا محاولات إدخال اليهود في الإسلام حتى بالوسائل اللطيفة، لأنّ هذا الأمر كان منوطا بخسارة عائداتهم من الضرائب.
كلّ يهودي مستقيم، يعرف تاريخ شعبه، لا يمكنه إلا أن يشعر بالعرفان تجاه الإسلام، الذي حمى اليهود طيلة خمسين جيلا، في الوقت الذي كان العالم المسيحي فيه يلاحقهم وحاول في العديد من المرات إجبارهم على تغيير دينهم "بالسيف".
انظر: أوري أفنيري، سيف محمد، info@gush-shalom.org. (1/2)
صفحة 3
نذكر منها على سبيل الحصر:
1. احترام معتقد الآخرين، وعدم جواز سب موروثاتهم العقدية والعملية، فضلا عن سب المنتسبين إليها، والمتمسكين بها، يقول – تعالى -: "و َلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (1)، وإذا كانت هذه المنهجية طُبقت نوعا ما مع اليهود والنصارى، إلا أنّها للأسف فُقِدَت بين غالب المدارس الإسلامية؛ بل وأحيانا بين المدرسة الواحدة، وهذه الآية يمكن اعتبارها قاعدة في احترام رأي الآخرين، ولوكان مخالفا كليا لمعتقد المسلمين، فلماذا لا تُجعل قاعدة بين المدارس الإسلامية؟ وهي متفقة في غالب تصوراتها العقدية، فضلا عن اتفاقها في الجانب الفقهي العملي.
__________
(1) الأنعام / 108. (1/3)
صفحة 4
2. الدعوة إلى الإسلام إنّما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا يجوز إكراه أحد للدخول في دين الله، يقول – تعالى -: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " (1)، ويقول أيضا: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " (2)، فإذا كان من لا يعتقد بأصول الدين رأسا لا يجوز أن يُكره للدخول في دين الله، فكيف بمن كان مسلما! يؤمن بأصول الدين، كيف يجبر ويكره على تغيير مذهبه وفكره ليوافق مذهبا آخر، ولينضم إلى مدرسة أخرى غير المدرسة التي ولد وترعرع فيها، فهو داخل في دائرتها إمّا عن اقتناع، أو بسبب البيئة، أو لأنّه ولد من أبوين أو أحدهما كان منتسبا إلى مدرسة معينة، ومع هذا لا يجوز أن يجبر للخروج من مدرسته، ويجب أن يحترم، ويعتبر مسلما كأيّ مسلم في العالم ما دام مقرا بأصول الدين وأركانه، ولم ينكر شيئا مما يلزم اتباعه بالضرورة، وفي الوقت نفسه له الحرية في الدخول في مدرسة أخرى، ما دام مقتنعا بتلك المدرسة، ولا يجوز لأتباع مدرسته الأولى أن يعتبروه مرتدا له حكم المرتدين، فالدين أوسع من العقول الضيقة، والأفكار المعوجة.
__________
(1) النحل / 125.
(2) البقرة / 256. (1/4)
صفحة 5
3. اعتبر القرآن اختلاف الناس في أفكارهم وعاداتهم سنة كونية، وهي من آيات الله الدالة على وجوده، والشاهدة بعظمته، يقول – تعالى -: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " (1)، فالاختلاف إنّما هو ابتلاء من الله، وهو راجع إلى عوامل متعددة، ومع هذا لا يجوز أن يجعل من هذا الاختلاف طريقا إلى إراقة الدماء، وقطع الرؤوس، وفي هذه الآية إشارة مهمة، طالما غفلنا عنها، ألا وهي تحكيم القرآن فيما اختلفنا فيه، فلو أننا حكّمنا القرآن، واتخذناه حكما بيننا؛ لما كان هذا التباغض والتطاحن بين المدارس الإسلامية.
وفي آية أخرى نجد القرآن يرجع اختلاف الناس إلى المشيئة الإلهية، يقول - تعالى -: "وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (2)، فالاختلاف شيء واقع، والمخرج ليس السب والشتم، واللعن والطعن، فالمخرج بينه الله وهو العودة إلى القرآن الكريم.
__________
(1) المائدة / 48.
(2) النحل / 93. (1/5)
صفحة 6
4. اعتبر القرآن أنّ الاختلاف في الفكر والتصور لا يمنع من الترابط الاجتماعي، ولا يفسد التجانس البشري، يقول - تعالى -: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " (1)، وممّا جاء في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "أتتني أمي راغبة، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم- أأصلها؟ قال: نعم، فأنزل الله فيها: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين"" (2).
وأخرج أحمد والبزار والحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير قال: "قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها بهدايا، فأبت أسماء أن تقبلها منها أو تدخلها منزلها، حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته، فأمرها أن تقبل هداياها، وتدخلها منزلها، فأنزل الله: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" الآية" (3).
__________
(1) الممتحنة / 8.
(2) ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، قرص مضغوط.
(3) المصدر نفسه. (1/6)
صفحة 7
فإذا كان هذا التعامل مع المشركين فلماذا يضيق الخناق بين المدارس الإسلامية، والعجب أنّ بعض الروايات تتضمن حسن المعاملة مع المشرك واليهودي والنصراني، وفي المقابل البغض واللعن والمقاطعة والهجران مع المسلم، الذي يدخل في منظومة " المبتدع "، الذي هو أشدّ من المشرك؛ بل روي عن بعض السلف أنّه أمر بالبصق في وجه المبتدع؛ بل بعضهم اعتبر المبتدع مشركا يستتاب وإلا قتل، ومن أمثلة هذا التصور المعوج ما جاء في الإبانة لابن بطة في الكلام عن القدرية قوله: "أمّا حكم القدرية في الدنيا فإنّهم يعاملون معاملة الكفار، فلا تعاد مرضاهم، ولا تشيع موتاهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يجالسون، ولا يكلمون، ولا ينكحون، وذلك لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، ولا تصلوا عليهم، وهم شيعة الدجال، وحق الله أن يلحقهم بالدجال ... أمّا جزاء المكذبين بالقدر في الآخرة فإنّهم أصحاب النار، استشهد ابن بطة على ذلك بكثير من أدلة الكتاب والسنة، من ذلك قوله – تعالى -: "إن المجرمين في ضلال وسعر، يوم يسحبون في النار ذوقوا مس سقر، إنا كل شيء خلقناه بقدر"" (1).
فهذه الاستدلات البعيدة، والآثار الموضوعة، والروايات البعيدة عن الخط القرآني، أوجدت نتائج سيئة في التعامل بين المدارس الإسلامية، فهي بحاجة إلى تصحيح وفق منظور القرآن.
__________
(1) ابن بطة، الإبانة، قرص مضغوط. (1/7)
صفحة 8
5. اعتبر القرآن أنّ الجنة والنار من قضايا الغيب التي لا يجوز بحال من الأحوال أن نحشر أنفسنا في متعلقاتها التي تخفى علينا، فهي من قضايا الغيب التي لا يمكن أن نتكلم في جزئياتها إلا بدليل قطعي واضح، فنحن نعتقد أنّ الجنة والنار حق، وأنّ الله يدخل المؤمنين الجنة، ويخلد الكافرين في نار جهنم، يقول – تعالى -: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، ِإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ " (1).
__________
(1) البينة / 6 - 8. (1/8)
صفحة 9
هذا ما يسعنا أن نؤمن ونسلّم به، ولا يجوز أن ندعي أنّ زيدا في الجنة، وسعيدا في النار، فضلا أن ندعي أنّ هذه المدرسة في الجنة، وتلك المدرسة في النار، فهذه من ترسبات فكرة "شعب الله المختار" التي ورثناها عن أهل الكتاب، عن طريق الروايات البعيدة في تصورها عن منهج كتاب الله العزيز، يقول – تعالى -: "وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (1)، ويقول أيضا: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " (2)، جاء في تفسير الجلالين في معرض تفسير الآية قوله: " (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) مُعْتدٍّ به وكفرت بعيسى (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) معتد به وكفرت بموسى (وهم) أيّ الفريقين (يتلون الكتاب) المنزل عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى والجملة حال (كذلك) كما قال هؤلاء (قال الذين لا يعلمون) أيّ المشركون من العرب وغيرهم (مثل قولهم) بيان لمعنى ذلك: أيّ قالوا لكل ذي دين ليسوا على شيء (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) من أمر الدين فيُدخِل المحقَّ الجنةَ والمبطل النار" (3).
__________
(1) البقرة / 111.
(2) البقرة / 113.
(3) تفسير الجلالين، قرص مضغوط. (1/9)
صفحة 10
وهنا نلاحظ أنّ القرآن يرشدهم إلى كتابهم الحق التوراة والإنجيل، فهذا التلاعن والتباغض ناشئ من البعد عن الوحي الرباني القاطع إلى أكاذيب الرواة والأحبار، وإلى ما ترسب في النفوس من أهواء وحبّ للذات، فاليهود ابتعدوا عن التورة إلى التلمود، فضلا عن تحريفهم للتوراة، فابتعدوا عن الخط الإلهي إلى التصور البشري القاصر، ممّا اعتبر مع مرور الأيام عقيدة كفّر من خالفها.
كذلك النصارى أدخلوا في الإنجيل روايات عديدة منسوبة إلى بعض الرسل، وإن دونت بعد فترات طويلة، ممّا أوجد التعدد بين الأناجيل، والتناقض بينها، وهذا بدوره أوجد موروثات لدى النصارى أبعدتهم عن التصور الإلهي الصحيح، فاعتبروا أنفسهم أهل الجنة، ومن خالفهم من أهل النار. (1/10)
صفحة 11
وللأسف هذا ما حدث ويحدث بين المدارس الإسلامية، ففي الغالب كلّ مدرسة تدّعي أنّها "شعب الله المختار"، و لكن تحت مصطلح جديد، ألا وهو مصطلح "الفرقة الناجية"، وهذا ما تتغنى به كلّ مدرسة، فالمدارس الإسلامية تتغنى برواية: "افترقت اليهود إلى إحدى وعشرين فرقة كلّها هالكة عدا واحدة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة كلّها هالكة عدا واحدة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها هالكة عدا واحدة"، لذلك من المدارس الإسلامية من تنظر إلى غيرها أنّها من أهل النار، فهذا ناتج من ترسبات حدثني علان، وأخبرني فلان، وتركنا ما قاله الملك الديان في كتابه الحكيم؛ بل أخضعنا القرآن لهذه الروايات، فعندما تقرأ في إحدى المدارس الإسلامية أنّ من شروط دخول الجنة والحصول على الشفاعة تتمثل في ثلاثة أمور: الألوهية والنبوة والإمامة، ومن المسلّم به الإيمان بالأول والثاني، فقد نصّ عليه قطعا في القرآن، فمن أين أتى الثالث؟! ليجعل من أصول دخول الجنة، والحصول على الشفاعة، والنجاة من النار، فمعنى هذا الحكم على باقي المدارس الإسلامية التي لا تعتبر الإمامة من أصول الدين والإيمان، ولا تعتقد بولاية رجل معين، ولا بإمامة أفراد معدودين، فيحكم على هذه المدارس أنّها من أهل النار، ولا حظ لها في الجنة والشفاعة. (1/11)
صفحة 12
والله – تعالى - بيّن في كتابه العظيم أنّ النجاة والعصمة في القرآن، يقول – تعالى-: " َيا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (1)، وبيّن – تعالى - أنّ المخرج للإنسانية هو القرآن، يقول - تعالى -: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " (2).
فصور – تعالى – أهل الكتاب أنّهم في سجن الظلام، يريدون الانفكاك والتخلص منه إلى النور الحق، والهداية الربانية، فبشرهم بنبي الله – صلى الله عليه وسلم -، والذي يمدّه الله بالقرآن الكريم، والذي سيبقى وإلى يوم البعث المصدر الإلهي الوحيد لمن أراد النهج السليم، والتصور المستقيم، وهو حجة الله على عباده يوم القيامة.
وعلى العموم نخلص من هذا أنّ الحكم على الآخرين أنّهم من أهل النار، إنّما هذا تألي على الله – تعالى -، وإيجاد أسس وقواعد نجعلها أداة لأدخال هذا في الجنة، وإدخال ذلك في النار، حيث إنّ هذه الأسس مستنبطة من تفاسير بشرية، أضفنا إليها صفة الربانية والألوهية، وقويت بروايات بعيدة عن كتاب الله – تعالى -، هذا بدوره كان من أهم آثاره التطاول على الله في قضايا غيبية، ممّا أورثت التفرق والبغضاء والقمع الفكري، فضلا عن إسالة الدماء، وقتل الأبرياء.
من أسباب القمع الفكري بين المدارس الإسلامية
__________
(1) المائدة / 15 – 16.
(2) البينة / 1 – 3. (1/12)
صفحة 13
القمع الفكري بين المدارس الإسلامية لم يحدث من فراغ؛ إنّما هو ناتج عن أسباب تصورية وتاريخية، وفي هذا المطلب أحاول إلقاء الضوء على بعض الأسباب والتي في رأيي كانت الأكثر تأثيرا في نشوء القمع الفكري وتغلغله بين المدارس الإسلامية.
أولا: هجر القرآن
أنزل الله – تعالى - القرآن ليكون هداية للإنسانية، ونورا تستضيء به في حياتها، وقد حذر سبحانه من هجر القرآن، وليس المقصود بهجر القرآن هو عدم تلاوته والتغني به، وإنّما المقصود بهجر القرآن عدم العمل به وتحكيمه.
ومن المعلوم أنّ أعظم الخلافات التي فرّقت الأمّة إلى أحزاب متناحرة هي خلافات غيبية تتعلق بالمعاد، وهذه قضايا لا يمكن إدراكها بالعقل المحض، من هنا نحن بحاجة إلى مصدر واضح وقاطع يوضّح لنا ما غاب عنا.
لهذا أنزل الله كتابه، وجعله سهل الإدراك، بليغ العبارة، موجز البيان، فبين – سبحانه - ما يحتاج إليه الإنسان من قضايا غيبية، ووضّح ما وقعت فيه الأمم الأخرى من انحرافات تصورية، وأمر باتباع المحكم، واجتناب المتشابه، فكان القرآن كاملا شافيا، واضحا ميسرا، فكان قوله - تعالى - في حجة الوداع: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" (1).
من هنا نجد الروايات المتعلقة بالقضايا الغيبية إمّا أن تكون موافقة لما جاء في القرآن، وإمّا أن تكون معارضة، وإمّا أن تكون زائدة.
مثال الأول الروايات الدالة على وقوع يوم القيامة، فهذه روايات داخلة ضمن نصوص القرآن، لذلك لسنا بحاجة إليها إلا من باب الاستئناس.
__________
(1) المائدة / 3. (1/13)
صفحة 14
أمّا الروايات المعارضة فمثال ذلك رواية عبد الله بن مسعود عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، فينزل الله – تعالى - من العرش إلى الكرسي في ظلل من الغمام" (1).
ففي هذه الرواية إثبات الحركة والتنقل لله –تعالى -، وهذا معارض لقوله - تعالى -: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (2).
كذلك يدخل في هذا الباب أحاديث الرؤية والشفاعة لأهل الكبائر، فلو أنزلناها إلى القرآن؛ لرأينا بينها وبين القرآن تباينا كبيرا.
أمّا ما يتعلق بالزيادة على القرآن فهذا كثير، وهذا كذلك فرّق الأمة، مثل ما يتعلق بما سيكون في آخر الزمان، كخروج المهدي، والمسيح عيسى - عليه السلام -، والمسيخ الدجال، وطلوع الشمس من المغرب، وعذاب القبر، وما شابه ذلك.
فهذه قضايا غيبية لا ندري صحة ورودها من عدمه، والأصل في هذا أن نفوّض أمرها إلى الله – تعالى -، ونهتم بما فيه فائدة، ولا ينبغي أن نجعل هذه القضايا منطلقات لتكفير بعضنا بعضا.
وفيما يتعلق بالقضايا العملية فأمرها أوسع، وللمدارس الإسلامية مناهج في قبول الرواية، والاستئناس بها، وفي كيفية التعامل معها، وطريقة الاستدلال بها، ومدى الربط بينها وبين القرآن، لذلك تعددت المدارس الفقهية، فظهرت الإباضية، والزيدية، والجعفرية، والحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية؛ بل نجد المدرسة الواحدة تحتوي على مدارس متعددة، من هنا لا ينبغي أن نجعل من قبول الرواية ورفضها، وطرق الاستدلال بها منهجا للسب والشتم، والتباغض والتفرق.
__________
(1) الذهبي، العلو للعزيز الغفار، 236 – 237ص.
(2) الشورى / 11. (1/14)
صفحة 15
من هنا العودة إلى القرآن في الجانب العقدي التصوري ضرورة ملحة، فلا بد من التحاكم إليه إن كنا نبحث عن الحقيقة، ونريد الوحدة والتقريب بين المدارس الإسلامية، ولا بد من نقد جميع المدارس، وعرضها على كتاب الله – تعالى -، الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه.
ثانيا: الكم الروائي
لقد شاء الله - تعالى - أن يحفظ كتابه من التحريف والتبديل؛ ليبقى حجة إلى يوم القيامة، وحتى لا تقع هذه الأمة فيما وقعت فيه الأمم السابقة من التحريف والتبديل.
فحفظ القرآن كان حاجزا قويا على كلّ من أراد تحريف الدين وتضييقه، من هنا كان حاجزا على الساسة الذين أذاقوا الأمة ويلات الخضوع والاستكانة، وأكلوا خيرات الأمم، وثروات الشعوب، وجعلوا الملك عضوضا بينهم.
كذلك كان القرآن حاجزا على الخرافيين الذين انبهروا بقصص الدجالين، وأسفار الأمم السابقة، لأنّه يدعو إلى إعمال العقل والفكر، والنظر في الخلق والكون.
من هنا لجأ هؤلاء إلى الرواية وتقديس السند، فوضعوا روايات نسبت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلى أصحابه الكرام، وإلى كثير من علماء التابعين، فظهر ما يُسمى بعلم الحديث دراية ورواية، وانشغل الناس به، وقلّ إعمالهم وتدبرهم في كتاب الله – تعالى -.
من هنا أثقلت الأمة بكم روائي حجب عنها نور القرآن؛ بل أخضع القرآن لهذه الروايات، فاستطاع بذلك الساسة أن يوردوا روايات تؤيد ما يقوموا به من فساد، وأكل لخيرات البلاد، فلا يجوز نقدهم، أو معاداتهم وإنكار باطلهم، فأوردوا روايات طاعة ولي الأمر وتقديسه.
كذلك أدخلت أسفار أهل الكتاب على شكل روايات منسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلى السلف الكرام، وهي منقولة نصا من كتب أهل الكتاب، خاصة فيما يتعلق بقضايا الغيب.
أيضا استغل الوعاظ والقصاصون السند وسيلة في نشر الروايات المكذوبة، والقصص الخرافية، ليستطيعوا التلاعب بعقول الناس وعواطفهم بكل سهولة. (1/15)
صفحة 16
واستغلت الرواية في القمع بين المدارس الإسلامية، فكان لكل فرقة روايات تؤيد ما تقوله، وتزدري من الفرق الأخرى.
ومع مرور الزمن أصبحت الرواية أمرا مقدسا، وإعمال العقل فيها كفر وردة وإنكار للسنة، من هنا جعلت وسيلة في قمع من يريد إعادة النظر، والعودة إلى القرآن الكريم، كما حدث للشيخ محمد الغزالي عندما أصدر كتابه "السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث"، و"هموم داعية"، يقول في الأخير مثلا: " [لا بد من] العناية بالقرآن نفسه، فإنّ ناسا أدمنوا النظر في كتب الحديث، واتخذوا القرآن مهجورا، فنمت أفكارهم معوجة، وطالت حيث يجب أن تقصر، وقصرت حيث يجب أن تطول"، " إنّ الوعي بمعاني القرآن وأهدافه يعطي الإطار العام للرسالة الإسلامية، ويبين الأهم فالمهم من التعاليم الواردة، ويعين على تثبيت السنن في مواضعها الصحيحة " (1)، فاتهم بإنكار السنة، ومخالفة سلف الأمة.
كذلك اتهم أيضا أحمد الكاتب عندما راجع الروايات المنسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وآل البيت من أسفار الشيعة الإمامية، فيما يتعلق بالمهدي المنتظر والإمامة، فاتهم بالكفر والزندقة، فأصبح إنكار السنة سلاحا موجها لكلّ من يعمل عقله، ويدعو إلى التصحيح، والعودة إلى القرآن الكريم.
ثالثا: عدم اعمال العقل
يدعو القرآن إلى إعمال العقل ليس فقط في الآيات الكونية؛ بل حتى في الآيات المتلوة، وينادي بالتدبر، وبيّن مكانة العقل والتفكر في عشرات الآيات.
ولم يجعل القرآن إعمال العقل مقصورا على فئة معينة، وطبقة لها مواصفات خاصة؛ بل أمر الإنسان عموما بالتدبر وإعمال العقل.
__________
(1) الغزالي، محمد، هموم داعية، الطبعة الأولى، تونس: لا ناشر، 1984، 30 – 31 ص. (1/16)
صفحة 17
ولقمع العقل وكبته ظهر ما يسمى بعقيدة التسليم والتفويض، فلا يصح النظر فيما جاء عن السلف، فالخير كلّ الخير في اتباع من سلف، فأصبح الذي يعمل عقله زنديقا شعوبيا جهميا معتزليا، متأثرا بفلاسفة الشرق والغرب، فلا بد من التسليم للرواية، وما جاء عن السلف، من هنا كان عدم إعمال العقل في التاريخ والموروثات عاملا كبيرا في القمع الفكري بين المدارس الإسلامية.
رابعا: عقيدة الولاء والبراء
استغلت عقيدة الولاء والبراء استغلالا سيئا، ليس مع غير المسلمين فحسب؛ بل حتى بين المسلمين، فكل فرقة تدّعي أنّها على الحق، والفرقة المخالفة إمّا أن تكون فرقة كافرة كما عند الغلاة، أو على أقل تقدير هي فرقة فاسقة، ينطبق عليها أحكام الفسقة من جواز الغيبة، ويجب البغض واللعن على أتباعها، ولا يجوز الترحم والترضي على أفرادها؛ لأنّ هذا يخالف عقيدة الولاء والبراء.
بل زادات بعض الفرق جواز الكذب عل المخالفين، وأصبح عبارة البدعة والمبتدعة وأهل الأهواء والضلالة منهجا في التعامل مع باقي الفرق.
من هنا كان للتعامل مع كل فرقة – وفقا لعقيدة الولاء والبراء – مباحث خاصة عند كل فرقة، ولنضرب مثلا بما جاء في كتاب السنة لا بن بطة:
يقول في " النّهي عن إيواء المحدثين وأهل البدع "، ما يلي:
أ - وجوب اللّعنة على من آوى محدثاً.
ب - توقير أهل البدع إعانة على هدم الإسلام.
ج - النّهي عن مؤاكلة أهل البدع ومشاورتهم وتوقيرهم.
د - استحباب مؤاكلة اليهودي والنّصراني، ولا مؤاكلة صاحب بدعة.
هـ - التحذير من أصحاب الخصومات، والنهي عن مجالستهم.
و - نهى الله موسى عن مجالسة أهل البدع.
ز - النهي عن مجالسة المفتونين، فهم إمّا أن يفتنوا جليسهم، أو يؤذوه في مجلسهم.
ح - من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة.
ط - النهي عن مجالسة أهل القدر.
ي – الجلوس مع النصارى في بيعتهم أفضل من الجلوس في حلقة يتخاصم فيها الناس في الدين. (1/17)
صفحة 18
ي أ - استحباب تغميض العين إذا مرّ في طريق مبتدع حتى لا يرى، وإذا شوهد الأفضل الرجوع لأنّ الشياطين محيطة به.
ي ب - منع السّلف لزيارة المبتدع حتى يتوب ويظهر توبته.
ي ج - النهي عن الصلاة خلف المبتدعة، وعن مناكحتهم، وعن إتباع جنائزهم، ولا يورث، ولا تؤكل ذبائحهم.
ي د - عدم صحة الصلاة خلف الرافضي لتكفيره عمر بن الخطّاب، كذلك الصلاة لا تصح خلف الحروري لتكفيره علياً.
ي هـ - نشأة الابن على الفسق أفضل من أن يكون صاحب هوى.
ي و – استحباب أن يصاحب الابن فاسقاً شاطراً سنّياً من مصاحبته عابداً مبتدعاً.
ي ز - لعب الابن بالطيور أفضل إن شغلته عن مصاحبة مبتدع، ومن نعم الله على الناسك من الشّباب والأعاجم أن يوفقا لصاحب سنّة يحملهما عليها.
ي ح - لا بأس من الشاب إذا شوهد في حالة منكرة إلّا إذا صاحب مبتدعاً.
ي ط - من علامات النّفاق أن يجلس الرّجل مع صاحب بدعة.
ط أ - إذا أول ما نشأ الشاب مع أهل السنّة فيرجى منه خيراً، أمّا إذا نشأ مع أهل البدع فلا يأمل منه رجوع إلى الخير.
ط ب - النظر إلى صاحب بدعة يطفئ نور الحق من القلب، ونزع العصمة إلى من أصغى إلى صاحب بدعة (1).
وهذا الخط لم يقتصر على أهل الحديث؛ بل هو منتشر بصورة عامّة بين الفرق الإسلامية، وأصبح له تطورات في التاريخ الإسلامي المعاصر، خاصة فيما يتعلق بإراقة الدماء (2)، كما يحدث اليوم في أرض العراق، وفشل مؤتمرات التقريب بين المذاهب الإسلامية.
فلا بد من إعادة النظر في فقه الولاء البراء، والتفسيق والتبديع، وإلا ستترتب نتائج وخيمة على مستقبل الأمة على المدى البعيد.
خامسا: تقديس الرجال والمذاهب
__________
(1) العبري، بدر، تحليل كتاب البدع لابن بطة من كتاب الإبانة، ص 11، غير مطبوع.
(2) للمزيد راجع مقال فقه الولاء والبراء، للعفيف الأخضر، منشور في مجلة الكشكول، السنة السابعة، العدد 71، فبراير 2007م، ص (23). (1/18)
صفحة 19
العلماء لهم مكانتهم واحترامهم في الإسلام ولو كانوا غير مسلمين، ولكن مع هذا تنطبق عليهم أحكام البشر، فلم تكتب العصمة لأحد إلا لأنبياء الله – تعالى -، وما تركوه لنا من تراث فكري يبقى في دائرة التراث البشري، فهو تراث بحاجة إلى غربلة ونقد، كما أمرنا بذلك القرآن الكريم، فقد نهانا عن تقليد الآباء والأجداد.
كذلك ما نتج عن هؤلاء العلماء من مدارس فكرية وعملية هي في النهاية مدارس بشرية، لا يجوز أن نجعلها مدارس إلاهية، ونجعل منها مقياسا للمدارس الأخرى.
ويعتبر تقديس المذاهب والرجال من أهم العوامل التي زادت الهوة بين المدارس الإسلامية، فكلّ مدرسة تدّعي أنّها شعب الله المختار، والفرقة الناجية، وأتباعها في جنات عالية، وهم الذين فهموا الإسلام فهما سليما، ممّا نتج عنه تعصب مقيت للمذهب الواحد، وازدراء للمذاهب الأخرى.
فنحن اليوم بحاجة إلى نقد للمدارس الإسلامية، وعرضها على كتاب الله – تعالى -؛ لنضع كلّ مدرسة في مكانها الصحيح، بعيدا عن الأهواء والتعصب، وخروجا من التقديس والتأليه.
نماذج من القمع الفكري في الجانب التأريخي
إذا جئنا في الجانب التأريخي نجد أنّ بداية ظهور القمع الفكري بين المدارس الإسلامية كان سياسيا، ثمّ تطور إلى جانب عقدي وفكري، حيث إنّ المدارس الإسلامية لم تتبلور بعد عند ظهور الفتنة في النصف الثاني من ولاية الخليفة عثمان بن عفان، وما جاء بعدها من أحداث تاريخية مهمة أثرت في مسار الأمة.
والذي ينظر في الجانب التأريخي يجد الأمة - من حيث نظرتها لأحداث الفتنة – منقسمة إلى ثلاثة أقسام أساسية: (1/19)
صفحة 20
1. مدرسة تقدح في الخلفاء الثلاثة الأوائل، أبي بكر وعمر وعثمان، وتتعصب لعلي، وهذه تتمثل في الشيعة بفرقها، ويطلق عليها خصومها بالروافض، أيّ الذين رفضوا بيعة أبي بكر الصديق، عدا فرقة الزيدية، فهي وإن كانت ترى أحقية علي بالخلافة؛ إلا أنهّا ترى جواز بيعة أبي بكر وعمر وعثمان، وذلك من باب تقديم المفضول مع وجود الفاضل، كذلك هذه المدرسة ترى أنّ معاوية اغتصب الخلافة، فهي تقدح فيه، وفي الدولة الأموية.
2. مدرسة ترى أنّ بيعة الخلفاء الأربعة صحيحة، فهي تمّت بمشورة المسلمين، فعلى هذا خروج معاوية على علي كان بغيا منه، فلا تصح بيعته، كذلك تنازل علي عن الخلافة لا يصح؛ لأنّ القرآن حسم الأمر في هذه المسألة في سورة الحجرات (1)، فعلى هذا نادوا بشعار "لا حكم إلا لله "، وأيدوا اعتزال أهل النهروان، وعاتبوا عليا على قتاله لأهل النهروان؛ لأنّه اعتزل الخلافة، فبيايعوا عبد الله بن وهب الراسبي إماما للمسلمين، وهذه المدرسة أطلق عليها لفظ الخوارج، ويمثلها اليوم الإباضية.
3. مدرسة ترى أنّ بيعة الخلفاء الثلاثة صحيحة، فهي تمّت بمشورة المسلمين، وخروج معاوية وعمرو بن العاص على علي كان ناتجا عن اجتهاد، كذلك تغير عثمان في النصف الثاني من خلافته كان عن اجتهاد منه، فهم وإن أخطأوا إلا أنّ خلافتهم صحيحة، وهم مأجورون على ذلك، ويمثل هذا الرأي أكثر الأشاعرة وأهل الحديث، ويطلق خصومهم عليهم نواصب، لأنّهم ترضوا عن الذين ناصبوا عليا العداء.
__________
(1) قال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" الحجرات / 9. (1/20)
صفحة 21
وهذا الخلاف السياسي تحول فيما بعد إلى خلاف عقدي، وتبلور الأمر أكثر عندما بدأت الخلافات الكلامية، فأصبح لكلّ مدرسة معتقداتها الخاصة؛ بل ونسجت الروايات التي تدعم كلّ مدرسة فيما يتعلق بنظرتها التأريخية في الخلافة، خاصة بين المدرسة الأولى والثالثة.
وهنا أورد بعضا من الروايات التي حاولت كلّ مدرسة أن تتقوى بها.
المدرسة الأولى:
1. جاء في أصول الكافي عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لمّا أن قضى محمد نبوته، واستكمل أيامه، أوحى
الله – تعالى – إليه: أن يا محمد قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك، والإيمان، والاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب، فإنّي لن أقطع العلم والإيمان وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك، كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء (1).
2. الرواية المسندة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي " (2).
__________
(1) الكليني، أبو جعفر محمد، أصول الكافي، تحقيق: محمد الفقيه، الطبعة الأولى 1413هـ / 1992م، طبعة دار الأضواء، بيروت / لبنان، ج (1)، ص 352 - 353.
(2) الإمامة والنص، إصدار المجمع العالمي لأهل البيت، الطبعة الثانية 1426هـ، ص (52). (1/21)
صفحة 22
3. لمّا رجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع، نزل عليه الوحي مشددا: "يا أيّها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس"، فحط الركب عند غدير خم، وجمع الناس في منتصف النهار، والحر شديد، وخطب فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم - قائلا: "كأنّي قد دعيت فأجبت، وإنّي تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي" ... ثمّ قال: "إنّ الله مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن"، ثمّ أخذ بيد علي فقال: "من كنت مولاه فهذا وليه – أو فهذا مولاه – اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، وأدر الحق معه حيثما دار" (1).
__________
(1) المصدر نفسه، ص (53 - 54). (1/22)
صفحة 23
من خلال هذه الروايات وغيرها يتبيّن لنا تطور مفهوم الخلافة لدى هذه المدرسة من كونها شورى بشرية إلى خلافة إلاهية نصية، فولاية الإمام علي والأئمة من بعده كانت من قبل الله –تعالى -، وعلى هذا، إبعاده عن الخلافة إنّما هو عصيان لله – تعالى - وقع فيه طائفة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة، ويأتي بعدهم حكام بني أمية، وبعض حكام بني العباس، ثمّ تطور الأمر إلى أن أصبح أمر الخلافة أمرا قطعيا، ولهذا كفّر بعض الشيعة الخلفاء الثلاثة، والعديد من الصحابة، ومن سار على منوالهم من المدارس الإسلامية، وأباحوا السبّ واللعن على من خالفهم، جاء في كتاب "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت " ما نصه: " (1) روى الشيخ في التهذيب بإسناده إلى أبي الحسين بن ثوير وأبي سلمة السراج قالا: سمعنا أبا عبد الله وهو يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال، وأربعا من النساء: التيمّي (1)، والعدوي (2)،وفلان (3)، ومعاوية، يسميهم، وفلانة، وفلانة (4)، وهند، وأخت الحكم أم معاوية، (2) وقد اشتهر أنّ أمير المؤمنين - عليه السلام - كان يقنت في الوتر بلعن صنمي قريش، يريد بهم أبا بكر وعمر " (5).
وتعتبر هذه المدرسة من أكثر المدارس اهتماما بالرواية، وهي لم تكتف بالروايات المنسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بل نسبت روايات إلى الأئمة من آل البيت بداية بعلي، وحتى الحسن العسكري، باعتبارهم معصومين، وقد منّ الله عليهم إذ ورثوا علم النبوة، فكلامهم مقدس.
__________
(1) أي أبا بكر الصديق.
(2) أي عمر بن الخطاب.
(3) لعله يقصد عثمان بن عفان.
(4) لعله يريد بذلك عائشة وحفصة زوجتا النبي صلى الله عليه وسلم.
(5) الكركي، نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت، منشورات الاحتجاج، إيران: قم، ص 161، (محمل من الشبكة العنكبوتية). (1/23)
صفحة 24
من هنا نلاحظ أنّ البعد السياسي البشري القائم على المقولة المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم أعلم بأمور دنياكم "، تحولت مع مرور الزمن إلى بعد ديني إلاهي، نسجت حولها الآثار، ولويت من أجل هذه الآثار آيات الكتاب العزيز، كقوله - تعالى -: "إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ " (1)، قالوا: "الذين آمنوا" المقصود به علي بن أبي طالب، وذلك حتى يتوافق مع رواية البيعة لعلي بن أبي طالب.
المدرسة الثانية:
يمكن أن نعتبر أن هذه المدرسة هي من أقلّ المدارس اعتمادا على الرواية، خاصة في بداية نشأتها، وما كثر في كتبهم من روايات في فترة لاحقة كان بسبب انبهارهم من مدرسة أهل الحديث، فنقلوا الغث والسمين من مروياتهم، وعلى العموم هذه المدرسة لا تجد فيها الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهم نوعا ما سلموا من قضية المرويات خاصة فيما يتعلق بالجانب العقدي والفكري.
ومع ذلك كان لتعصبهم لأهل النهروان أثر في ميل بعضهم إلى إعلان البراءة من علي بن أبي طالب، مع أنّ الأكثر توقفوا عن الفتنة، وعليه استقر أنصار المذهب، وذلك وقوفا عند قوله – تعالى -: " وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً " (2)، وقوله – تعالى –": "تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عمّا كانوا يعملون" (3)، ونزولا عند قول الخليفة عمر بن عبد العزيز: "تلك أجسام طهّر الله منها سيوفنا، فلنطهر منها ألسنتنا".
__________
(1) المائدة / 55.
(2) الإسراء / 36.
(3) البقرة / 134. (1/24)
صفحة 25
ومع هذا كان لهذه المدرسة ميولا واضحا وشديدا تجاه أهل النهروان، باعتبارهم ظُلموا من قبل الإمام علي، إذ تشير روايات هذه المدرسة أنّ عليا هو الذي خرج على أهل النهروان، بينما تشير الروايات السنية أنّ أهل النهروان هم الذين خرجوا على الإمام علي، وهنا نحن لسنا بصدد النظر في هذه الروايات ونقدها، وترجيح الصحيح منها؛ إذ - في نظري - لا فائدة منه، ولا يزيد هذا العمل الأمّة إلا شقاقا وتفرقا.
ومع هذا لم تسلم هذه المدرسة من تقوية حجتهم في صحة دعوى أهل النهروان عن طريق الروايات، كقولهم إنّ فيهم حرقوص بن زهير، وهو من المبشرين بالجنة، يقول السالمي في كشف الحقيقة:
وقولهم (1) نسكت عن حروبهم
نحن ولا نخوض في عيوبهم
كذب فقد خاضوا وسبوا الصحبا
إذ وجهوا للنهروان سبا
ولعنوهم وهم قد طلبوا
حقا ومن خوف الضلال هربوا
وفيهم من شهد الرسول
ثلاث مرات له يقول
أول من يدخل من ذا الباب
فهو إلى الجنة والثواب
وفي الثلاث يدخلن حرقوص
نجل زهير وهو المخصوص
وفيهم من شهد المشاهدا
وكان خصمهم بذاك شاهدا (2)
كذلك روى بعضهم أنّ عليا تاب وندم على حربه لأهل النهروان.
__________
(1) أي مخالفي هذه المدرسة.
(2) السالمي، عبدالله، كشف الحقيقة، كاسيت، نشر تسجيلات غاية المراد. (1/25)
صفحة 26
صحيح أنّ هذه المدرسة رجعت إلى القرآن الكريم في تعاملها مع الفتنة، فهم تعاملوا مع بغي معاوية من منظور قرآني، فأرجعوا الأمر إلى قوله - تعالى -: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " (1)، ومع هذا كان الجو جو فتنة، فالإمام علي لم يرد مخالفة النص؛ ولكن دماء المسلمين أريقت، وأرواحهم أزهقت، فنظر إلى الآية من أبعاد أخرى ينبغي أن نحترم وجهة رأيه، وما حدث بينه وبينهم من قتال كان في جو الفتنة، فلا ينبغي أن نجعل من هذه الحادثة التي خيّم حولها غبار الفتنة، وحُجِبَ عنا بسبب هذا الغبار نور الحقيقة، فلا ينبغي أن نجعلها طريقا للشقاق والخصام، والأولى أن نقف عند قوله – تعالى -: "تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون" (2).
المدرسة الثالثة:
1. الحديث المنسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الأئمة من قريش ".
2. روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بينما جبريل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ مرّ أبو بكر، فقال جبريل: هذا أبو بكر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتعرفه يا جبريل؟ قال: إنّه وزيرك في حياتك، وخليفتك من بعد موتك".
3. الحديث المنسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أبو بكر كعيني من رأسي، وعمر كلساني من فمي، وعثمان ككبدي من نفسي، وعلي كروحي من جسدي".
وهذه الفرقة كذلك انتشر بينها الكذب بقوة، خاصة عند أهل الحديث، وكانت ردة فعل ضدّ الشيعة.
__________
(1) الحجرات / 9.
(2) البقرة / 134. (1/26)
صفحة 27
وإذا جئنا إلى بداية أصول هذه الفرقة نجد لها رأيا سلبيا بشأن علي بن أبي طالب بسبب تأثير السياسة الأموية في بدايتها، فظهر لعن علي عيانا بين الملأ، وظهرت روايات فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة، إلا أنّ عمر بن عبد العزيز غيّر هذه السنة فأمر بالكف عن هذه الفتنة، فظهر بعد ذلك دعوى الاجتهاد، أيّ أنّ هؤلاء الصحابة مجتهدون فيما حدث أيام الفتنة، بما في ذلك معاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وعائشة وغيرهم.
وفي المقابل لم يعطوا هذه المزية لأهل النهروان، وظهرت روايات تصفهم بالمروق والخروج من الدين.
هذه الأحزاب السياسية – إن صح التعبير – أثّرت في مستقبل الأمّة والأجيال التالية، فأصبحت أديانا في دين واحد، كلّ يدّعى وصلا بالإسلام، ومن خالفهم فهو إمّا كافر أو فاسق.
وممّا زادها أثرا الجانب الروائي الذي جعل الخلاف أمرا إلهيا، لا يجوز نقده أو الوقوف معه.
ونحن – معاشر المسلمين – اليوم أكثر معايشة لهذا الواقع الأليم، الذي جرّه هذا الخلاف إلى فرقة أفرحت وأبهجت العدو، كافره ومنافقه، فنحن اليوم أشدّ ممّا مضى بحاجة إلى وحدة صادقة وواضحة؛ لتكون أرضا خصبة للأجيال المقبلة، "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن رب والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نفصل الآيات لقوم يشكرون" (1)
الآثار المترتبة على القمع الفكري بين المدارس الإسلامية
لا شك إنّ للقمع الفكري بين المدارس الإسلامية آثارا لا زلنا نعاني منها، ونذكر منها:
أولا: حجب الحقيقة
لا يمكن الوصول إلى الحقيقة ما دام الضباب مخيما على الطريق، فنحن بداية لا بد أنّ نزيل هذا الضباب؛ لينكشف لنا الطريق.
__________
(1) الأعراف / 158. (1/27)
صفحة 28
فلكي نصل إلى الإسلام الصافي لا بدّ من إزالة ما يعوق الوصول إليه، كالأنا والهوى، وتقديس الرجال والتعصب لهم، وازدراء المخالف في الرأي، وتحقير الإنسان، والسبّ والشتم، كما نلاحظه اليوم في المواقع الالكترونية، وإلا لن نصل إلى حقيقة الإسلام، ومعنى هذا أننا نشوه صورة الإسلام، ونقدمه معوجا لدى الأمم الأخرى.
ثانيا: إراقة الدماء
وهذا ظاهر بيّن، وهو من أهم نتائج القمع الفكري، فمن أخبار 2006 السيئة انتشار رقعة الحرب الشيعية – السنية، لقد كانت محصورة في أفغانستان الطالبانية، وفي باكستان، وفي إيران، علما أنّ غلاة السنة والشيعة يكفر بعضهم بعضا، لذلك لا يصلي بعضهم وراء بعض، ولا يأكل بعضهم ذبائح بعض، ولا يتزوج بعضهم من بعض (1).
وما حدث في أرض نجد من سفك دماء الشيعة والصوفية، وما يحدث اليوم في أرض العراق، ونتائج الفعل السنية السلفية على انتصار حزب الله في الحرب الأخيرة؛ خير دليل على ما تكنه النفوس من بغض وحقد وكراهية بين المدارس الإسلامية، وما ينتج عنه من إسقاطات صبيانية، يذهب ضحيتها النساء والأطفال والشيوخ والعجزة.
ولا يمكن التخلص من هذا بترديد البيانات في مؤتمرات التقريب بين المدارس الإسلامية؛ بل لا بد من نية صادقة، فترى الواحد ينادي في المؤتمر بالوحدة والتقريب، وإذا رجع إلى بلاده سلّط لسانه على إخوانه المسلمين، من المدارس الأخرى.
لا بد من نقد واضح للمدارس الإسلامية، ولا بد من تقبل النقد، شريطة أن يكون النقد علميا، لا من أجل التشهي والتجريح، وإلا سنزيد الجرح بدلا أن نعالجة ليلتئم.
ثالثا: تقزيم الدين
أراد الله لهذا الدين أن يكون دينا عالميا، متلائما مع الشعوب والحضارات، من هنا كان انتشار الإسلام واسعا، لذلك تميزت الشريعة الإسلامية بالثراء الفكري، والتباين الفلسفي.
__________
(1) الولاء والبراء، مجلة الكشكول، بتصرف، ص 23. (1/28)
صفحة 29
والحضارة الإسلامية من أكثر الحضارات التي تركت ثراء فلسفيا، لا يوجد مثله عند الحضارات الأخرى، فهي منذ انفتاحها على الحضارات في القرون الأولى كان لها أثرها الواضح، فتعددت بذلك المدارس والتوجهات.
من هنا فإنّ القمع الفكري يعيق هذا التقدم الحضاري، ويجعل الدين محصورا في فلسفة الروايات المتعدة، أو يجعله محصورا في مدرسة واحدة، التي هي فلسفة من الفلسفات البشرية.
فالإسلام بهذا يكون قزما لا أثر له في الواقع المعاصر، ولربما كان له الأثر السيء عند الأجيال المقبلة.
رابعا: التخلف السياسي والاجتماعي
إنّ النزاعات الطائفية والعصبية، والنزوع الى التنازع بدلا من الحوار الهادئ البناء في حسم الخلافات بين أفراد الشعب أو بين المنظمات؛ لها أثر كبير في تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى مستنقع أسوأ في الأقطار المسلمة.
لقد استطاعت الدول الغربية أن تبني وحدات عديدة، ووضعت صيغا للاتفاق في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي بالرغم من اختلاف مذاهبهم الدينية والسياسية، ولكن فشلنا نحن كأمّة واحدة في أن نضع صيغة من الحلول المناسبة (1).
فأصبحت النظرة الطائفية هي المسيطرة على الوضع في العالم الإسلامي، كما نراه اليوم في أرض العراق، وكما حدث في أفغانستان.
والأمم المتقدمة هي التي تتعدد فيها الأفكار والآراء، والفلسفات والتوجهات؛ لأنّ الغاية هي خدمة الإنسان، وبناء المجتمع، كما حدث في اليابان على اختلاف توجهاتهم، استطاعوا أن يثبتوا وجودهم بين الأمم.
فالقمع الفكري بين المدارس الإسلامية كان من أكبر الأسباب التي أدّت إلى التخلف السياسي والاجتماعي بين المدارس الإسلامية، مع أنّ الأصل أن يستغل هذا الثراء الفكري بين المدارس الإسلامية في خدمة المجتمع وبنائه.
خامسا: الفقر الاقتصادي وضعف الصناعة
__________
(1) موقع المجمع الفقهي للتقريب بين المذاهب الإسلامية. (1/29)
صفحة 30
ابتلي العالم الاسلامي بسلسلة من المشكلات المستعصية، من الفرقة والحرب الأهلية، والاستعمار، وكيد الأعداء من الصهيونية وغيرها، ممّا أنتج عن ذلك ركودا في الثقافة، وانحسارا في مستوى التعليم، وندرة الأيدي العاملة الكفوءة، وضعف الصناعة، وتدني مستوى الإنتاج، وذلك ما أدّى الى وقوع الأمة في الحلقة المفرغة بين الفقر والتأخر التعليمي، والجهل والمرض ونحوها.
وممّا يزيد الطين بلة أنّ القروض الخارجية التي تقدمها الدول الغربية والبنوك الدولية للدول النامية في الغالب مقترنة بالسياسة الاقتصادية التي تكرس التبعية، ومزيداً من التعلق بالدول الغربية، ومزيدا من الفقر، بالإضافة الى ضياع الاستقلال الحقيقي للدول المعنية، ومن هنا كانت المشكلة الاقتصادية من أكبر المشاكل.
ومن ناحية أخرى فإنّ انعدام الاستقرار، سواء على مستوى السياسة الخارجية أو الداخلية وانعدام الشعور بالأمن، وانتهاك حقوق الأفراد، وانعدام حرية التصرف، يحول دون تقدم العالم الإسلامي في الاقتصاد والصناعة.
ثمّ إنّ تغرير الدول النامية، وكبت طاقاتها، وتحجيم حقيقتها، وخلق الأعذار في طرقها من قبل الدول المستعمرة، كزعمهم أنّ صناعات الآلات الحقيقية تحتاج إلى وقت طويل، وإنّ على الدول النامية أن تقوم بصناعة الحاجات الأساسية، وأنّ التقدم يحتاج إلى مراحل متعددة ومتوالية، وتثبيط عزائم الأمّة يؤدي إلى تخلف واضح، وإلى جعل البلاد الإسلامية وعموم البلاد النامية سوقا رائجة لمنتجات الغرب.
إنّ هذا الأسلوب ابتكرته أوروبا الغربية للسيطرة على العالم، فيما استغلت أمريكا الضعف المالي لمنظمة تحرير فلسطين كي ترضى بالحلّ الأمريكي الصهيوني لمشكلة فلسطين، بالرغم من بعده عن العدالة ومبادئ حقوق الإنسان. (1/30)
صفحة 31
وهناك من رضخ تحت وطأة الديون والفقر الاقتصادي لمخططات القوة الغربية لكي يقوموا بتنفيذ برامج ثقافية وسياسية واجتماعية من شأنها أن تضاعف من وطأة العلمنة والتغريب في شخصية أفراد الأمة. (1)
هذا التخلف الاقتصادي ينبغي أن تقف معه المدارس الإسلامية وقفة صادقة، فبدلا من أن نفتح المجال للمستعمر في توجيه خلافاتنا الفكرية إلى حرب دموية بيننا، ينبغي أن نسخّر هذا الثراء الفكري في بناء المجتمعات المسلمة بناء اقتصاديا، يخدم أبناء المسلمين.
بدلا أن نصدر كتابا في تكفير المسلمين وتفسيقهم؛ علينا أن نصدر كتبا في بناء الاقتصاد الإسلامي، وتشجيع الأجيال على ذلك.
لماذا نجعل من جامعاتنا ومصادر إعلامنا مصدرا لنشر الفرقة والبغضاء بين أبناء المدارس الإسلامية؟ لماذا لا تجعل هذه القنوات أداة لبناء الاقتصاد الإسلامي؟ وحثّ الأجيال على الإبداع والرقي الفكري، وفتح باب الحرية لهم ليبدعوا، ويقودوا أمّتهم وأوطانهم إلى الأمام، في جو يسوده المحبة والوئام.
سادسا: ازدواجية الفكر الإسلامي عند الأجيال المسلمة
الحركات والمنظمات الإسلامية تزداد باطراد بفعل الانقسامات والانشقاقات الداخلية، أو ظهور جيل جديد لا يؤمن بصلاحية قوالب من سلفهم، ولذا فإنّ ضعف مستوى التربية الحركية في كثير من هذه المنظمات أمر ملحوظ ومشهود.
ثمّة عوامل عديدة تساهم في إحداث هذه الظاهرة، منها قلة الخبراء والعلماء الذين صقلتهم الخبرة والتجربة، وكذلك ضعف الموارد المالية والرجال، بالإضافة إلى احتكاكات فردية بين عناصر القيادة، ومحاربة رجال الحركات الإسلامية.
أمّا في مجال التعليم الرسمي في هذه الدول فما زالت تكتنفه الازدواجية، وتسّرب المفاهيم العلمانية والقومية في تدريس المواد الدراسية، ممّا يضعف رابطة الأخوة الإسلامية العالمية، وتتضاءل نزعة التدين، ويتردى مستوى الالتزام الخلقي، وينسلخ المراهقون والشبان من التراث والأصالة.
__________
(1) المصدر نفسه. (1/31)
صفحة 32
ولقد دلّت الإحصاءات التي نشرت من قبل المسؤولين من حين لآخر إلى أنّ مقدار الجريمة والزنا والجنح والمخالفة التي ارتكبها الجيل الناشئ والشبان في هذه الدول يزداد باطراد (1).
فالجيل الجديد أصبح يعيش في ازدواجية داخلية وخارجية، أمّا الازدواجية الداخلية، فالجيل الجديد يتعلم في مدرسته أنّ الإسلام واحد، والمسلمون أخوة، ثمّ إنّه عندما يدخل المسجد، أو يجلس في حلقات العلم، يرى العكس، يجد مذاهبا متناحرة، وأفكارا متضاربة، فيحدث في نفسه ازدواجية واضحة.
ثمّ إنّه عندما ينطلق إلى المجتمع يرى الفساد الأخلاقي، وتدني مستوى التمسك بالدين؛ فتحدث عنده ازدواجية أخرى بين الإسلام كنظريات، وبين الإسلام كواقع.
ولو استغل المسلمون وقتهم في إصلاح المجتمع، وتطبيق مبادئ الدين، كان خيرا لهم من تضييع الوقت في نشر الفرقة بينهم، وتأجيج الخلافات المذهبية.
سابعا: تدني مستوى الإعلام الإسلامي
إنّ الجرائد والمجلات والنشرات أو المطبوعات وحتى الإذاعات الإسلامية ما زالت محدودة من حيث تأثيرها في تكوين العقلية الإسلامية الصافية في كثير من أقطار العالم الاسلامي.
والإعلام الإسلامي أضعف ما يكون في الدول الغربية أو دول آسيا الوسطى؛ ذلك لأنّ العوامل الحيوية التي تساعد على نشاط الإعلام وتوسيع دائرة نفوذه تكاد تكون مفقودة. (2)
ولئن وجدت قنوات إسلامية نجدها في النهاية منصبة في دائرة مذهبية ضيقة، فاليهود على اختلاف توجهاتهم اتحدوا في توجيه إعلامهم، من أجل تحقيق الأهداف المنشودة عندهم، بينما المسلمون إمّا أن يكون إعلامهم تقليدا لما عند غيرهم من الفن – إن صح التعبير – الهابط، وإمّا أن يكون منصبا في تأجيج الخلافات بين المدارس الإسلامية، بدلا من توجيهه في ترسيخ مبدأ الوحدة بين المدارس الإسلامية، وفي بناء الأمّة المسلمة.
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه. (1/32)
صفحة 33
هذه بعض الآثار التي كانت نتاجا للتفرق المذهبي، وحصلية للقمع الفكري بين هذه المذاهب والمدارس الإسلامية.
العودة الصادقة إلى القرآن ضرورة ملحة
وبعد دراسة سريعة حول القمع الفكري أسبابا وآثارا ندرك الضرورة الملحة للعودة إلى القرآن الكريم، ودراسته بعيدا عن المؤثرات التراثية والروائية، وأن نبتعد عن الهوى وحبّ الانتصار للذات والمذهب.
والله – تعالى – يسّر فهم كتابه، وجعله واضحا ميسّرا، سهل الإدراك والفهم، يقول – تعالى -: " {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (1)، وهذا نداء رباني لهذه الأمة للتأمل في كتابه، وحتى لا تقع في قوله – تعالى -: " وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً" (2)، أيّ مهجورا عن العمل به والاحتكام إليه.
والله – تعالى – جعل في كتابه جميع صفات العلو والارتقاء، والنصر والوحدة، فالقرآن نور وهدى وشفاء ورحمة، وكتاب مبارك.
فالله – تعالى – يقول: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (3)، فوصف كتابه بالنور الذي يضيء للناس الطريق الصحيح، ويقودهم إلى المنهج السليم، لذا بيّن – تعالى – الغاية من هذا النور فقال – جلّ شأنه -: " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (4)، فبهذا النور يهتدي الإنسان من ظلمات الفكر والتصور السقيم، فيستضيء بكتاب الله – تعالى – في هذه الحياة الفانية.
__________
(1) القمر/ 17.
(2) الفرقان / 30.
(3) المائدة / 15.
(4) المائدة / 16. (1/33)
صفحة 34
ويؤكد الله – تعالى – بنورانية القرآن في بداية سورة إبراهيم حيث يقول – جلّ وعلا – "الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" (1)، ويؤكد أنّ الغاية إخراج الناس من الظلمات بكافة أنواعها الفكرية والسلوكية إلى النور الإلهي السليم، الذي يتضمنه هذا الكتاب الجليل الكريم.
فعلى هذا كان القرآن الكريم كتاب هداية للإنسان، يقول – تعالى -: " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً" (2).
ولكن لا يمكن الحصول على هذه الهداية ما لم نتدبر ونعمل عقولنا فيه، وأن يتربى أبناؤنا عليه حفظا وتدبرا، وأن تنطلق منه الدراسات خاصة ما يتعلق بالجانب الفكري والنفسي والتربوي، فهو مصدر السعادة، وينبوع الهداية، يقول – جلّ شأنه -: " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (3).
لذا كان البعد عنه طريق من طرق الغواية والشقاق والانحراف، يقول – تعالى – على لسان نبيه – صلى الله عليه وسلم -: " قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ" (4)، فأضاف الضلالة إلى نفسه، والهداية إلى القرآن الكريم.
__________
(1) إبراهيم / 1.
(2) الإسراء / 9.
(3) ص / 29.
(4) سبأ / 50. (1/34)
صفحة 35
وإذا جئنا إلى الأمة اليوم نجد سبيل خلاصها من الفرقة والشقاق والفساد بأنواعه الرجوع الصادق إلى القرآن الكريم، وعرض كلّ ما يخالفه إليه، فهو الحكم الذي اجتمعت عليه الأمة، وهو المصدر الذي لا يتطرق إلى صحته شك، لذا كان النداء من الله – تعالى – للأمة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (1)، والحبل هو كتاب الله – تعالى – الذي يجب أن تعتصم به الأمة وتتمسك؛ لتتحصل على العزة والوحدة في هذه الحياة الدنيا، وهذا لا يتحقق إلا بتحكيم القرآن بعيدا عن المؤثرات المذهبية، وترك الهوى وحبّ الانتصار للذات والمذهب جانبا، وعرض التراث الذي خلفته الأمة على كتاب ربها يقول – تعالى -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (2)، فالقرآن أنزله الله – تعالى – مهيمنا على كلّ تراث وفكر، وعلى كلّ مذهب وملة، لذا لا بدّ من تحكيمه والعودة إليه.
__________
(1) آل عمران / 103.
(2) المائدة / 48. (1/35)
صفحة 36
وما مضى من أمر الأمة من خلاف وشقاق، لا يجوز أن يجعل قاعدة لحاضرها لتواصل الشقاق والتحزب، والبغض والتفسيق، فالأمة الحاضرة لا يسألها الله – تعالى – ماذا فعل السابقون، وماذا جنوا؟ يقول – تعالى -: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1)، فالله أوحى إليهم كما أوحى إلينا، وما وقعوا فيه حسابهم عند ربهم، ولا يجوز أن نجعل من أنفسنا حكما عليهم؛ بل علينا أن ننظر في أنفسنا بعين التدبر والتأمل، وأن نسعى في التوحيد وإصلاح الشقاق بالتمسك بهذا الكتاب العظيم يقول – تعالى -: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} (2).
الخاتمة
من خلال هذا البحث المتواضع نخلص ما يلي:
1. القرآن يدعو إلى حرية الرأي، واحترام وجهات النظر، وينادي بالوحدة.
2. ضروروة العودة إلى القرآن الكريم.
3. من أسباب القمع الفكري بين المدارس الإسلامية هجر القرآن، وعدم إعمال العقل، وانتشار الكم الروائي، وتقديس المذاهب والأشخاص.
4. القمع بين المدارس الإسلامية له آثار سيئة على الأمة في كافة مجالات الحياة، ونحن بحاجة إلى نية صادقة لغرس مفهوم الحوار بين المدارس الإسلامية.
والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
أولا: القرآن الكريم.
ثانيا: الكتب
1. الإمامة والنص، إصدار المجمع العالمي لأهل البيت، الطبعة الثانية 1426هـ، ص (52).
2. الذهبي، العلو للعزيز الغفار، 236 – 237ص.
3. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإرشاد، جمع وترتيب: أحمد الدويش، الطبعة الثالثة 1421هـ / 2000م، طبعة بلنسية، الرياض/ السعودية ص ج (2)، ص (369).
__________
(1) البقرة / 134.
(2) الرعد (1/36)
صفحة 37
4. الكركي، نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت، منشورات الاحتجاج، إيران: قم، ص 161، (محمّل من الشبكة العنكبوتية).
5. الكليني، أبو جعفر محمد، أصول الكافي، تحقيق: محمد الفقيه، الطبعة الأولى 1413هـ / 1992م، طبعة دار الأضواء، بيروت / لبنان، ج (1)، ص 352 - 353.
ثالثا: القرص المضغوط
1. ابن بطة، الإبانة، قرص مضغوط.
2. ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، قرص مضغوط.
3. تفسير الجلالين، قرص مضغوط.
رابعا: الدوريات
1. مقال فقه الولاء والبراء، للعفيف الأخضر، منشور في مجلة الكشكول، السنة السابعة، العدد 71، فبراير 2007م، ص (23).
خامسا: المواقع الالكترونية
1. أفنيري، أوري، سيف محمد، info@gush-shalom.org.
2. موقع مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية.
سادسا: البحوث
1. العبري، بدر، تحليل كتاب البدع لابن بطة من كتاب الإبانة، ص 11، مخطوط.
2. العبري، بدر، الجويني وآراءه الكلامية مقارنة بالمدارس الإسلامية، مع عرضها على القرآن الكريم، ص (20) مخطوط.
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
مقدمة ... 2
حرية الرأي في القرآن الكريم ... 4
من أسباب القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... 29
القمع الفكري في الجانب التأريخي ... 49
الآثار المترتبة على القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... 71
العودة الصادقة إلى القرآن الكريم ضرورة ملحة ... 89
الخاتمة ... 99
المصادر والمراجع ... 101
الفهرس ... 105 (1/37)