صفحة 1
الكتاب: سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية لبدر العبري 3 - لماذا لا نحتفي بعيد الحب؟!
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية (3)
لماذا لا نحتفي بعيد الحب؟!
بدر بن سالم بن حمدان العبري
طبعة مكتبة أحفاد الخير / سلطنة عمان، محافظة مسقط/ ولاية السيب/ الموالح الجنوبية
الطبعة الأولى 1431هـ /2010
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}
تقدمة
خيرية الأمة
أراد الله تعالى أن تكون هذه الأمة أمة خيرية، اختارها لتمثل شرعه، وتقود عقيدة التوحيد إلى الإنسانية، يقول تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}.
وهذه الخيرية لهذه الأمة تجعلها أمة مستقلة في فكرها وشرائعها، أمة تسير وفق ثوابتها الربانية، أما وإن أصبحت هذه الأمة تابعة لغيرها، مقلدة للآخرين، تقتدي بكل ناعق، بعد كل هذا لن يكون لهذه الأمة قيمة بين الأمم، وتفقد بذلك عنصر تميزها واستقلالها، ولهذا عندما قدم النبي –صلى الله عليه وسلم- وجد في المدينة يومين يلعبون فيهما، وبطبيعة الحال بقي من دخل الإسلام من أهل المدينة على عاداتهم وتقاليدهم، فأراد الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن تستقل هذه الأمة في أعيادها وفرحتها، فلهذا قال لهم: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما عيد الفطر وعيد الأضحى".
فلسفة الحبّ في الإسلام (1/1)
صفحة 2
يرى الإسلام أنّ الحب غريزة فطرية في الإنسان قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}، فالإنسان مفطور على حبِّ النساء والأولاد والمال والأنعام وما شابه ذلك من متاع الحياة الدنيا، فهذا شيء فطري غريزي، فطِرَت عليه النفسُ البشرية.
والإسلام لم يأت لقمع هذه الغريزة، ولا لإطلاقها دون ضوابط، فهو جاء لتهذيبها وتربيتها تربية متزنة، حتى لا تطغى على عقل الإنسان فيصبح أسير شهواته، أينما توجهه يتوجه، ولو في مقابل إلحاق الضرر بالآخرين أو بأمته أو الإنسانية.
فحبُّ المال مثلا حبٌ فطري مغروس في كل واحد منا، ولكن لا يعني هذا أبدا أن تكون أسير المال فتسعى للحصول عليه ولو بالسرقة أو عن طريق الاحتكار أو الجشع أو استخدام الكذب والغش أو البخل فيه، وعدم إخراج حق الله منه كالزكاة والصدقات.
وكذلك حبُّ الجنس غريزة فطرية في الإنسان لا يمكن كبتها، وفي الوقت نفسه لا يصح أن تنهك أعراض الحرائر، أو تستغل النساء بغير حق كذريعة لهذا الحبّ. (1/2)
صفحة 3
ومن المعلوم أن هذا الحبّ الغريزي بأنواعه مربوط في الشريعة بحبِّ الله تعالى وتحكيم شرعه، يقول تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، فحبُّ المال والجنس ومتاع الحياة الدنيا مربوط بحبِّ الله تعالى وشرعه، فما وافق شرع الله تعالى كان محمودا، وما خالفه كان مذموما.
أصل عيد الحب
إذا جئنا إلى أصل عيد الحب نجد في موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة أنّ أصله يعود إلى الكنيسة الكاثوليكية على شرف القديس فلنتاين الذي كان يعيش تحت حكم الإمبراطور الروماني كلاديوس الثاني في أواخر القرن الثالث الميلادي، فقد لاحظ الإمبراطور أنّ العزاب أشدّ صبرا في الحرب من المتزوجين الذين يرفضون الذهاب إلى المعركة، فأصدر أمرا بمنع عقد أي قران، غير أن القس فلنتاين عارض ذلك، واستمر في عقد الزواج سرا حتى اكتشف أمره، مما نفذ فيه حكم الإعدام يوم 14فبراير، فخلد هذا التأريخ بداية لعيد الحبّ.
من وراء نشر فكرة هذا العيد؟
وفي السابق كان عيد الحبّ مجرد قصص خيالية تتناقلها الأجيال في أوروبا، ولم يكن له كبير قيمة وأهمية في حياتهم حتى كان القرن التاسع عشر الميلادي حيث استغلت الرأسمالية هذا العيد في نشر فكرة العشق الجنسي بين الشباب والشابات، وتطور حاليا حتى بين المثليين من الجنسين، واتخذ من اللون الأحمر رمزا له.
وفي العقود الأخير بدأ ينتشر هذا الفكر بين أبناء الأمة حبا للتقليد، ونتيجة طبيعية للضعف النفسي والفكري الذي تعايشه الأمة، وأصبحت الأعراض في هذا اليوم تنتهك باسم الحبّ والرومانسية. (1/3)
صفحة 4
لماذا يحتفي بعض شباب المسلمين بهذا العيد، وما آثاره؟
وإذا جئنا ننزل هذا العيد إلى واقعنا الفكري والمنهجي، لكوننا نضع الأمور في ميزانها الشرعي دون مبالغة أو إجحاف تظهر لنا الأبعاد التالية من هذا العيد:
1. ضعف الاستقلالية الذاتية لهذه الأمة في أفكارها وشرائعها، وإدخال مظاهر وأعياد الآخرين إلى فكرنا، وقد يتطور إلى الجانب العقدي والتصوري، فتذوب هذه الأمة بين أمم الشرق والغرب، ولن يصبح لها وجود ولا كيان كما في حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن! ".
2. تقزيم مفهوم الحبّ زمانا ومكانا، فالحب يصبح مجرد شعارات وهمية لا واقع لها إلا إشباع الغرائز الجائعة ولو من طريق محرم، وقد يكون نتيجته انتهاك الأعراض، واستغلال النساء فيما حرّم الله تعالى، وإعداد جيل لا يفقه من الحب إلا العشق والغرام كما في الأغاني والأفلام، والحب في الإسلام يسمو ليكون واقعيا تسير به قافلة الحياة إلى الأمام، فهو ينطلق رأسا من حب الله تعالى المطلق، الذي به يحكم المحب شرع الله تعالى، ويسير وفق حدوده وأوامره، ثم ينطلق بعد ذلك إلى الغرائز التي جبل على حبها فيضعها في محلها الصحيح دون إفراط ولا تفريط، ولا تجاوز لحدود الله تعالى.
3. الاهتمام بعيد الحب يشغل الأجيال المعاصرة بثانويات الأمور، فينتج جيلا لا هم له إلا البطن والفرج، واللعب واللهو، والأصل في الجيل أن يربى على تقديم الأولويات كالعلم والقراءة والبطولة والتضحية، ليكون جيلا واعيا ومثقفا ومنتجا، وفي الوقت نفسه جيلا معتزا بثقافته وثوابته.
4. جعل عيد الحب مربوطا بالعشق يضع الجيل الجديد مربوطا بالبحث عن معشوقته، وأنّ الحب لا بد له من معشوق، ولو كان بطريق محرم دينيا وخلقيا، فتذوب المعاني الأخرى للحب كحب الله والوطن والوالدين والفضيلة وما شابه ذلك. (1/4)
صفحة 5
5. عيد الحب معناه إقامة علاقة مع الجنس الآخر ولو بدون روابط دينية ولا خلقية، والحب في الإسلام معناه السعي في الحفاظ على أعراض الجنسين، وإقامة أسرة أساسها الثقة والسكينة، لينتج جيل وقد تربى بين أسر مستقرة وآمنة نفسيا واجتماعيا، لذا إذا ضاع المفهوم الثاني، وأصبح الحب رهين المغازلات الليلة، واللقاءات غير الشرعية، هذا بدوره يهدم كيان الأسرة، وينتج مجتمعا متفككا، وينتشر فيه اللقطاء وأبناء الشوارع الذين يكنون لهذا المجتمع الحقد وحبّ الانتقام.
6. عندما ننظر في فلسفة العيد في الإسلام نجده ينطلق من حبّ الله، وتعظيم محارمه وحدوده، ومن ثمّ يأتي دور اللهو والغرائز، لتكون محكومة بشرع الله تعالى، فقد جعل العيدين العظيمين عيد الفطر والأضحى بعد شعيرتين عظيمتين الصيام والحج، وجعل بداية العيدين التكبير، وتعظيم الله بصلاتين جليلتين، والتذكير بحدود الله في خطبتين رائعتين، أما الأعياد الأرضية ومنها عيد الحب فينطلق من الفرج، فيضيع مفهوم الحب الحقيقي.
خاتمة القول
وخلاصة ما تقدم ندرك أن عيد الحب له أبعاده السيئة على الجانب الفكري والتربوي لهذه الأمة، مما ينتج جيلا تابعا لأفكار وفلسفات الآخرين، وحبا في تقليدهم، ومعظما لهم ولسلوكياتهم، فتذوب هذه الأمة، وتسقط رايتها بين الأمم، فتكون بذلك مستحقة أن يستبدل الله قوما غيرها، يحفظون شرعه، ويراعون حدوده.
ومن جانب آخر نخلص في تمييع مفهوم الحب لدى الجيل المعاصر وتقزيمة، فبدلا أن يكون عنصر بناء؛ يكون عنصر هدم وتمييع.
لذا يجب أن نقف مع هذا العيد وقفة صادقة، وأن ندرك أبعاده وآثاره، وأن نربي الجيل على الاعتزاز بقيمه وأفكاره، وأن يقدس الحب التقديس المتزن، حفاظا لأعراضه وأعراض أمته، واستمرارا للحياة الإنسانية.
طبع من هذه السلسلة:
1 - التبغ غير المدخن بين الطب والدين.
2 - لنحقق مقاصد الحج.
3 - لماذا لا نحتفي بعيد الحبّ؟
قيد الطبع:
1 - ميلاد خير الأنام أمن وسلام (1/5)
صفحة 6
2 - الذبح في عيد الفطر ... رؤية شرعية
3 - زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص.
4 - ماذا يريدون من المرأة؟
5 - أدبية التعامل مع الهواتف النقالة.
6 - فلسفة الإخلاص في العمل.
7 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار.
8 - الأيمان والنذور ... فقه عملي بالصور. (1/6)