صفحة 1
الكتاب: سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية لبدر العبري 4 - ميلاد خير الأنام أمن وسلام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية (4)
ميلاد خير الأنام أمن وسلام
كتبه: بدر بن سالم بن حمدان العبري
تقدمة
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
من رحمته جلّ وعلا أن جعل للناس أئمة يهدون بأمره، ويبشرون بدينه، ويطبقون منهجه في الأرض قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ، ولا شك أنّ اختيارهم أئمة للناس من باب توحيد القدوة والأسوة، فهم رباهم الله تعالى على كتابه، وكانوا آيات عملية تمشي بين الناس على الأرض، ولذا كان الاقتداء بهم سمو خلقي، ومنهج رباني، ووحدة في الإتباع والاقتداء.
والأنبياء جميعا من لدن آدم وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم جسّدوا منهجا تشريعيا وخلقيا واحدا، فبعد ما ذكر الله تعالى أنبياء بني إسرائيل قال: أُولَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.
وبما أنّ الشريعة حُرّفت، والطريقة بعد عيسى عليه السلام بُدلت؛ كانت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ. (1/1)
صفحة 2
ولقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين، الذي جعله الله تعالى نورا لهذا الإنسان، يضيء له ظلام الحياة، ويخرجه من الظلمات إلى النور، ويهديه إلى الصراط المستقيم، هذا الكتاب العظيم هو الشفاء لما تعانيه الإنسانية من أمراض نفسية وخلقية، وتخلخل اقتصادي وسياسي، وانحراف فكري وتربوي يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ولقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثالا عمليا لهذا الكتاب العظيم، فطبقه في أقواله وسلوكه، وفي بيته وسوقه، وفي خلوته ومع الناس، وفي عباداته ومعاملاته، فسما خلقه، وارتفع بنيانه، وعظم قنوته وخشوعه، من هنا اختاره الله تعالى قدوة للإنسانية وإلى أن تقوم الساعة قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
لذا كان الأمر الإلهي بوجوب طاعته والاقتداء به قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. (1/2)
صفحة 3
وما كان هذا الإتباع إلا رحمة لهذا الإنسان، به يترفع عن الخواء الفكري الذي يجعله يعيش في فراغ دامس، فتارة يقلد هذا ويتأثر بذاك، لا لشيء إلا لأنهم تفوقوا في جانب معين، أو اشتهروا لغرض رياضي أو فني أو علمي، فيصبح المجتمع وكأنّه لوحة تشكيلية ضمّت نقاطا متغيرة من الأشكال والأنماط، وقد يكون المقلَد منحرفا سلوكيا وخلقيا، وبعيدا عقديا وتصوريا، فكيف بالذي اختاره الله تعالى رحمة للإنسانية والعالمين جميعا، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وقال أيضا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
من هنا صرف الناس عن إتباع سيرته صلى الله عليه وسلم، والتمسك بمنهجه عليه الصلاة والسلام يوقع المجتمع في انحراف فكري وسلوكي، ويترتب على هذا الانحراف آثار اجتماعية وأمنية وتربوية واقتصادية، فمثلا تقول ليلى الحافي قبل أكثر من خمسين سنة، وذلك في مقدمة كتاب مشكلات الشباب لتشالرز دافي، والذي قامت بترجمته عام 1960 م: "وإنّه لمن بواعث أسفي وألمي معا هذه الموجة الطارئة التي قذفت بشبابنا إلى محاكاة وتقليد أبطال الشاشة البيضاء، من أمثال جيمس دين وبريسلي وباقي الممثلين الأمريكيين، إنّ ضياع شبابنا وعدم قدرته على شغل وقته بما يفيد وينفع يحملانه دائما على صرف وقته في توافه الأمور، كالتهريج الرخيص، والمبالغة في الظهور، والوقاحة في ملاحقة الفتيات والسيدات ومغازلتهنّ؛ بل أكثر من ذلك الانحدار إلى حمأة الجريمة، والهبوط الشنيع إلى هوة الرذيلة". (1/3)
صفحة 4
وفي هذا يقول برناردشوا الإنكليزي: "إنّ العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدّين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية؛ بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها".
ويقول جوته الأديب الألماني:"إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحدّ، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو كما نجح محمد الذي أخضع العالم كلّه بكلمة التوحيد".
تكريم النبي عليه الصلاة والسلام
إنّ الأمم المتقدمة هي الأمم التي تقف مع رموزها الذين كان لهم دور في تقدمها ورقيها في كافة المجالات، العلمية والعسكرية، والسياسية والتربوية، فتضع لهم وقفات في تأريخها، وتفتح لهم حيّزا في إعلامها وصحفها، وما ذلك إلا لإحياء ذكراهم في نفوس الأجيال، ولتقتفي الأجيال آثارهم، وتتبع خطاهم، وتعظم ما خلّفوه من تقدم ورقي، وإبداع ومعرفة، فتستمر قافلة التقدم والرقي مع الأجيال المعاصرة. (1/4)
صفحة 5
وإذا كان هذا مع رموز بشرية، لها تقدمها في جانب معيّن من الحياة، فكيف بالرمز الذي اختاره الله تعالى منقذا للبشرية، ورحمة للإنسانية، وهو أعظم شخصية في تأريخ الإنسانية باعتراف غير المسلمين، فهذا مايكل هارت في كتابه "الخالدون مئة"، وقد جعل على رأس المائة سيدَنا محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -, يقول: "لقد اخترتُ محمدا في أول هذه القائمة ... لأنّ محمدا هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي, وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد ثلاثة عشر قرنا من وفاته فإنّ أثر محمد ما يزال قويا متجددا،" وقال: "ولمّا كان الرسول قوة جبارة لا يُستهان بها فيمكن أن يقال أيضا إنّه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ".
ولقد كانت الإنسانية تنتظر بعثته من لدن موسى عليه الصلاة والسلام، لِمَ يحمله من كريم الخصال، وعظيم الصفات، قال تعالى: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. (1/5)
صفحة 6
وإذا جئنا إلى التوراة الموجودة بين أيدينا اليوم نجد البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم واضحة فيها، ففي سفر إشعياء، الإصحاح (42)، الآيات (1 - 9) يقول الرب: "هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي ابتهجت به نفسي، وضعتُ روحي عليه ليسوس الأمم بالعدل، لا يصيح ولا يصرخ، ولا يرفع صوته في الطريق، لا يكسر قصبة مرضوضة، وفتيلة مدخنة لا يطفئ، إنّما بأمانة يجري عدلا، لا يكلُّ ولا تثبط له همة حتى يرسخ العدل في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته".
وهذا ما دلت عليه الآثار، فعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ فقال: أجل والله، إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيّها النبي إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا"، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتحوا بها أعينا عميا، وآذنا صما، وقلوبا غلفا".
وعندما أُرسِلَ بشّر الله تعالى بمكانته في الإنسانية فقال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. (1/6)
صفحة 7
فإذا كان الرسول بهذه المكانة والعظمة، حيث يُبشر بوجوده قبل قرون طويلة، وعندما أُرسل رباه ربه، وجعله أسوة في الأرض وسراجا منيرا، فحري أن تقف الأمة مع مولده وقفة صادقة، وأن تعطيه حقه من العناية والاحتفاء، وأن تربي أجيالها على الاقتداء به وتعظيمه قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
حقيقة الاحتفاء بمولده عليه الصلاة والسلام
ونحن نحتفي بمولده عليه الصلاة والسلام يجب أن لا يقتصر الاحتفاء على الكلمات الرنانة، والقصائد المعبرة؛ بل يجب أن يتوفر في الاحتفاء عنصران: عنصر المحاسبة، وعنصر الاقتداء والإتباع الحقيقي. (1/7)
صفحة 8
أما عنصر المحاسبة فكل واحد منا يحاسب نفسه أولا عن طاعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تتمثل في قوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فأنت تطرح لنفسك هذه الأسئلة: هل أنت مؤمن برسول الله حقا أم هو مجرد تقليد للآباء والأجداد "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ"؟ هل أنت معظّم لنبيك حق التعظيم بإتباع شرعه فعلا وتركا، وتعظيم الكتاب الذي جاء به، وإنزال شرعه على واقعك، في نفسك وأسرتك ومكان عملك؟ وبعد هذا هل سعيت لنصرة هذا الدين وتبليغه، فأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وكنت ناصحا لأسرتك وعشيرتك وأمتك والإنسانية، وجاهدت بنفسك ومالك في تبليغ رسالات الله تعالى؟ وهل اتبعت النور الذي أنزل للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الكتاب العظيم، فذكرت الله به كثيرا، ووقفت عند حدوده وزواجره، وتأملت فيه وتدبرته، وطبقته وبلغته؟
الكل يحاسب نفسه، فالفرد يحاسب، والأسرة تحاسب، والمجتمع يحاسب، والأمة تحاسب، فإن تحققت الإجابة عن الأسئلة السالفة فالناس في احتفاء حقيقي بنبيهم، وإن كان خلاف ذلك فعليهم أن يعيدوا صياغة أنفسهم، وإلا كان حبهم لنبيهم كاذبا، واقتدائهم به خاطئا، فهؤلاء إن لم يراجعوا أنفسهم كانت المراجعة من قبل الله تعالى بإهلاكهم، واستبدال قوما غيرهم إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. (1/8)
صفحة 9
وإذا جئنا إلى العنصر الثاني وهو عنصر الاقتداء والإتباع، فهنا كما أسلفنا اختار الله نبيه صلى الله عليه وسلم أسوة للإنسانية، وقدوة للبشرية، والناس حول نبيهم قسمان: قسم يهتم بالظواهر فقط كاللحية والثوب وبعض الأذكار الصباحية والمسائية، هذا مبلغ علمه من الاقتداء والإتباع لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقسم آخر انحرف عن الجادة، وعصى شرع نبيه، وتجاوز حدود دينه، ومع ذلك يدّعي المحبة والانتساب للنبي عليه الصلاة والسلام.
وإذا جئنا إلى الإتباع الحقيقي، والتأسي الصادق؛ نجد القرآن قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فليس التأسي والإتباع شكلا معينا، وكأنّه راهب في كنيسة، وليس كلاما فارغا لا أثر له في الواقع؛ بل التأسي والإتباع الحقيقي هو اتباع النور المنزل من عند الله تعالى، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، فبهذا النور يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبه يتحصلون على الأخلاق المحمدية الرفيعة، وبه تصلح أحوالهم، وبه يدخلون جنة ربهم، ونحن نحتفي بالمولد علينا أن نقف مع هذا الكتاب العظيم وقفة صادقة لننزله إلى واقعنا وحياتنا.
دروس وعبر من ميلاد خير البشر
لقد ولد الرسول صلى الله عليه وسلم في أمة سقطت في الفساد الديني والخلقي، والاجتماعي والتربوي، والسياسي والاقتصادي، أما عن الفساد الديني فقد انغمست الإنسانية في الشرك والأوثان، وتقديس الحجارة والإنسان، قال تعالى: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. (1/9)
صفحة 10
أما إذا جئنا إلى الفساد الخلقي فعمّ المجتمع الفساد بكافة أنواعه، قولا وسلوكا، وانتشر الظلم وأكل حقوق الإنسان، فالمرأة تعرّضت لأقسى أنواع الظلم، فعند العرب كان البعض يقضي على حياتها خشية الفقر والعار، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وفي المجتمع الروماني كان النقاش جاريا حول حقيقة المرأة أهي حيوان أم إنسان، كذلك انتهكت أعراض المرأة في المجتمع الجاهلي، وفي المجتمع الروماني الذي يرى نفسه المتقدم وحده في ذلك العصر فقد كانوا ملوكهم يعتقدون حرية أن يفعلوا بالمجتمع ما يشاءون، لكونهم من عرق خاص، فلهم أن يسلبوا أموالهم، ويهتكوا أعراض نسائهم.
وإذا جئنا إلى الفساد الاجتماعي فقد انتشرت الطبقية بأبشع أنواعها، فإما غنى بشع، وأما فقر مدقع، فقد كان الفقراء عبيدا للأسياد، يستغلونهم بلا شفقة ولا رحمة، وقد وصف الله تعالى هذا في أبلغ عبارة حيث قال: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.
أمّا الفساد التربوي والعلمي فقد انغمس العالمَ جهلٌ عظيم، وعمّت الأمية المجتمع، وأصبح العلم مقصورا على أبناء الملوك والأغنياء، وترتب على هذا جمود العقل والفكر، وانحراف التربية والخلق.
كذلك عمّ الفساد الجانب السياسي فانتشرت الحروب لأتفه الأسباب، واستُعبد الناس، وأصبح التمايز واضحا، فلا قيمة لإنسان ما لم يتميز بقبيلة أو لون أو مال أو جنس.
وفي الجانب الاقتصادي انتشر الربا والجشع، واستغلت حاجة الفقراء، فزيدت الضرائب، فازداد الفقير فقرا، بينما الغني فيتمتع بالملذات والترف والإسراف. (1/10)
صفحة 11
في هذا الجو كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، فرباه ربه ليكون رحمة للإنسانية وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فقد كان رحمة للعالمين في الجانب الديني، فجاء بعقيدة التوحيد، التي خلّصت الإنسان من عبادة الحجر والشجر، والقبور والأموات، والعيون والبشر، فرفعته إلى عبادة رب السماوات، وموجد الكائنات، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ.
كذلك حرّر الإنسان من الفساد الخلقي، فدعا إلى الفضيلة، وحارب الرذيلة، وبين كرامة المرأة وحقوقها، وأرجع إليها مكانتها في المجتمع، لا فرق بينها وبين الرجل إلا فيما يتعلق بخصوصيتها، قال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ.
وفي الجانب الاجتماعي فقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ العدالة الاجتماعية، وألغى الطبقية والاستغلال، , وطبّق مبدأ التوازن في المجتمع، قال تعالى: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. (1/11)
صفحة 12
أما في الجانب العلمي والتربوي فأول ما دعا عليه الصلاة والسلام إليه هو العلم، واعتبره واجبا على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والغني والفقير، والأبيض والأسود، فحث على القراءة والكتابة، قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وفي الجانب السياسي فقد عمّ الأمن والاطمئنان، وساد العدل بين شرائح المجتمع، فأمن الناس أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، قال تعالى: " مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (1/12)
صفحة 13
أما الجانب الاقتصادي فقد حرّمت الشريعة التي أنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام الربا والقمار والجشع وكل ما يؤدي إلى الاستغلال، ودعت إلى التجارة والمرابحة وتوثيق الديون، وضمنت حقوق الناس، قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.
فكان مولد النبي إيذانا بهذه الرحمة الإلهية التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور الرباني الذي جاء بقوانين ربانية عادلة، تحفظ للناس حياتهم، وتسعدهم في دنياهم وأخراهم.
فكانت هذه الرحمة أهم درس من دروس مولد الهدى عليه الصلاة والسلام، وهناك دروس أخرى متعلقة بهذا الدرس منها على سبيل المثال مولده عليه الصلاة والسلام يتيما وفي أسرة فقيرة تعليما من الله تعالى لأمته بعدم الاستهانة بقيمة الفقراء واليتامى، فقد يخرج الله تعالى من هؤلاء قوما يبدعون في المجتمع، وينهضون به، فالنبي ولد يتيما فقيرا، ولكنه بنا أمة اكتسبت الخيرية بالإتباع الحقيقي، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. (1/13)
صفحة 14
ومن الدروس مولده عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة، وفي جنس العرب، ونزول الكتاب المقدس بلغة العرب ليس تعصبا لجنس أو لغة أو مكان، فلا فرق في ميزان الله تعالى بين جنس وجنس، فالميزان عند الله تعالى هو التقوى، ولا قيمة لمكان دون مكان فالعبرة باستقامة أهله وتقواه، ولا أهمية للغة دون لغة بل اختلاف اللغات دلالة على وجوده تعالى، وآية من آياته، ولكن كان مولده في مكة توحيدا للإنسانية، ولتتجه نحو محور واحد، ومقصد واحد قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، فقد وصفها بأم القرى وفيه دلالة على توسطها في العالم وقد دلّ على ذلك علماء الخرائط والجغرافيا، وفي هذا دلالة على عالمية الشريعة، وإذا كان البيت المقدس قبلة العالم القديم؛ لكونه جاء إلى أمم معينة، فكان اختيار مكة إشارة إلى أن هذه الشريعة هي الخاتمة، وهي جاءت إلى الناس كافة، وفيها أيضا عودة إلى الحنيفية السمحة، ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ (1/14)
صفحة 15
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
كذلك اختياره من لغة العرب، وبلغة العرب، فهذه اللغة وصلت إلى درجة من البلاغة والفصاحة، ومرتبة من البيان والوضوح، لذا جعلها الله تعالى وعاء لكلامه، وطريقا لشريعته ودينه، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا.
أمّا عن اختياره صلى الله عليه وسلم من نسب إسماعيل فليس من باب التعصب للجنس أو النسب أو الدم، ولكن ليكون أبلغ في دعوة قومه إلى الإسلام، وإلا فالنبي نفسه بين أنّ من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، والميزان عند الله قائم على الإيمان بالله والعمل الصالح، ولا قيمة لنسب مع العمل السيئ.
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
وفي الختام ندرك أنّ الله تعالى أرسل نبيه – صلى الله عليه وسلم – ليحقق الرحمة التي أرادها الله – تعالى – ليس للإنسان فحسب؛ بل للكون أجمع، بما يحتويه من عظيم المخلوقات "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". (1/15)
صفحة 16
فالرسالة التي جاء بها النبي – عليه الصلاة والسلام – هي رحمة لهذا الإنسان، وهو بحاجة إليها كحاجته إلى الماء والهواء، وبدونها يختل نظام حياته، ويضع نفسه في منزلة أدنى من الحيوان، يقول – تعالى -: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون".
وإذا اختل نظام الإنسان اختل نظام الكون؛ لأنّ الكون في حقيقته جوهرة واحدة، إذا تأثر جزء منه تأثرت الأجزاء الأخرى، يقول سيد قطب في معرض تفسيره لقوله – تعالى -: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"، يقول: "يكشف – الله عن – ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم، وأنّ فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها برا وبحرا بهذا الفساد، ويجعله مسيطرا على أقدارها، غالبا عليها، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتمّ عبثا، ولا يقع مصادفة؛ إنّما هو تدبير الله وسنته، ليذيقهم بعض الذي عملوا من الشر والفساد، حينما يكتوون بناره، ويتألمون لما يصيبهم منه، لعلّهم يرجعون، فيعزمون على مقاومة الفساد، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح، وإلى المنهج القويم". (1/16)
صفحة 17
وما الفساد الذي تعاني منه البشرية اليوم إلا بسبب ابتعادها عن خط نبيها صلى الله عليه وسلم، ففي جانب التربية الجنسية مثلا أنزل الله تعالى شريعته لتنظم الجنس، وتحفظه من مزالق الإباحية والانحراف، فنلاحظ مثلا من خلال النصوص القرآنية التكامل في العلاج، سواء كان من حيث سد ذرائع الفساد، أو من حيث إيجاد البديل، ونلاحظ في القرآن أنّه يتعامل مع الإنسان كإنسان يصيب ويخطئ، له غرائز وشهوات، وهذه فطرة الله في الإنسان، من هنا يجب أن يكون العلاج متلائما مع الطبيعة البشرية، لذا حذّر الله من الرهبانية، ودعا إلى الزواج، بل وأمر بتزويج الفقراء، فالفقير يجب أن يُساند في حوائجه البشرية بما في ذلك حاجته إلى سد غريزة الجنس " وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم". (1/17)
صفحة 18
كذلك رفع الله الإنسان عن المنزلة الحيوانية، فالإنسان يختلف عن الحيوان بما كرمه الله من نعمة العقل، فلا معنى أن تنزل درجته، وللأسف أن تبنى بعض النظريات المعاصرة المتعلقة بالإنسان على الطبيعة الحيوانية، وهذا ما وقعت فيه نظرية فرويد، مع أن فرويد من العلماء الذين كرّسوا جهدهم في حل الكثير من المشاكل التي يعانيها الإنسان في حياته كالاضطرابات النفسية، ومن الحلول التي حاول أن يجعلها حلا لهذه الاضطرابات الحرية الجنسية، وفقا للطبيعة الحيوانية للإنسان، مما أوقعت الغرب في واد من الإباحية الجنسية، وانتشار الأمراض البدنية والنفسية، فضلا عن آثارها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمة، وذلك لأنّ حلول فرويد – مهما كانت أهميتها من الناحية العلمية والفلسفية – إلا أنها تعتبر قاصرة؛ لأنّها بعيدة عن النواميس الربانية، العالم بالطبيعة البشرية، فقد عانى الغرب بعد فترة قصيرة من شيوع هذه النظرية، مثلا تشارلز دافي ألف كتاب " مشكلات الشباب " مبينا آثار هذه النظرية على إنجلترا، وقد ألف الكتاب عام 1959م، أي بعد أقل من ربع قرن من شيوع نظرية فرويد، يقول مثلا في الصفحة (41): " من سجلات الأخصائيين الاجتماعيين، والمشرفين في المدارس العليا، بل من دفاتر الأطباء، وسجلات أقسام البوليس، ثبت أن هناك 272 حالة اغتصاب من النساء والفتيات قد وقعت خلال عام واحد في ويلز وانجلترا، ومن المؤسف أنّ مرتكبي كل هذه الحوادث كانوا فتيانا لا تزيد أعمارهم عن الرابعة عشرة ".
كذلك نجد القرآن كما أمر بتسهيل الزواج واعتبره بديلا عن الزنا؛ في المقابل شدّد من الاقتراب إلى الحرام، وأغلق جميع الوسائل المؤدية إليه، من التبرج والسفور، والنظرة المحرمة، والاختلاط المحرم، كل هذا لضمان أمن المجتمع، ولحمايته من جراثيم الانحراف. (1/18)
صفحة 19
وبهذا التشريع الرباني يعيش المجتمع في أمن واطمئنان، يخرج الإنسان من بيته وهو آمن في نفسه وعرضه، وما انتشار الخوف والقتل اليوم إلا نتيجة البعد عن العلاج الرباني، بل عم العالم اليوم بسبب الاستهتار بهذه المحرمات الأمراض المخيفة، وفي مقدمتها مرض الإيدز القاتل، فقد أشارت منظمة الصحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة أنه أصيب بهذا المرض في عام 2004م أربعة ملايين نسمة، وفي عام 2005م أصيب به خمسة ملايين نسمة، أي الزيادة بين العامين بمعدل مليون نسمة، فكيف يكون مصير العالم بعد خمسين سنة!!!، بل دلت الإحصائيات الآن أن المرض ينتشر بمعدل ست ثواني، وفي عام 2007م أصيب بلغ عدد حاملي فيروس الإيدز ما لا يقل عن أربعين مليون نسمة، ثلثهم من الأطفال، كل هذا نتيجة البعد عن الخط الإلهي، والمنهج الرباني.
من هنا يجب أن نقف مع مولد الهدى صلى الله عليه وسلم وقفة صادقة، وأن لا نقتصر في احتفائنا به وبسيرته على الذكريات والأشعار، وأن لا يقتصر اقتداؤنا به على القشور والأشكال، بل لا بد من إنزال شريعته إلى واقعنا وحياتنا، وتبليغها إلى العالم أجمع، فالنبي صلى الله عليه وسلم نور، وهذا النور استمده من القرآن الكريم، وبه يخرج الناس من الظلمات، وبه يكتسبون نورا في الدنيا، ونورا في الآخرة يقودهم إلى النعيم الأبدي.
طبع من هذه السلسلة:
1 - التبغ غير المدخن بين الطب والدين.
2 - لنحقق مقاصد الحج.
3 - لماذا لا نحتفي بعيد الحبّ؟
4 - ميلاد خير الأنام أمن وسلام
قيد الطبع:
1 - الذبح في عيد الفطر ... رؤية شرعية
2 - زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص.
3 - ماذا يريدون من المرأة؟
4 - أدبية التعامل مع الهواتف النقالة.
5 - فلسفة الإخلاص في العمل.
6 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار.
7 - الأيمان والنذور ... فقه عملي بالصور. (1/19)