صفحة 1
الكتاب: تشريعات الإسلام للمرأة استجابة لنداء الفطرة لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) تشريعات الإسلام للمرأة استجابة لنداء الفطرة
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
1424 هـ – 2004 م
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف : 9330027
e. mail . www .dhamri @ hotmail .com
or
www .dhamri61@omantel.net.om
ص ب 2 السيب الرمز البريدي 121 سلطنة عمان
سلسلة محاضرات لفهمٍ صحيح للإسلام
( 2 )
تشريعات الإسلام للمرأة
استجابة لنداء الفطرة
تأليف
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان
الحمد لله العلي الأعلى الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ، وشرع لكل منهما من القوانين ما ينسجم مع متطلبات الفطرة وطبيعة التكوين .
أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه ، وأومن به وأتوكل عليه ، من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً .
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، أرسله الله بالحجة القاطعة والدعوة الجامعة ، فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ونصح الأمة ، وكشف الغمة ، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين ..
أما بعد :
فسلام الله عليكم أيها الأخوة المسلمون ورحمته وبركاته.
(1) سبب المحاضرة ؟
ما أسعد هذه الفرصة! أن نلتقي بكم في هذا المسجد الشريف ، وفي هذا اليوم أود أن أتحدث إليكم عن الجنس اللطيف ، فكما تحدثتُ في المحاضرة الماضية عن الشباب وعن واجبنا تجاههم ، وواجبهم تجاه دينهم ، أود أن أتحدث – في هذه المحاضرة- عن الفتيات.
وإذا كانت الفتيات لا يسمعن حديثي ففي الإمكان أن يوصل هذا الحديث إليهنّ عبر التسجيل ، كما يمكن لكل زوج أن يحدث به زوجته ، ولكل أب أن يحدث به ابنته ، ولكل أخ أن يحدث به أخته. (1/1)
صفحة 2
وهنالك واجبات على الآباء ، وعلى المجتمع ، تجاه هذا النوع من الجنس البشري الذي طبعه الله سبحانه بخصائص معينة, وفرض عليه تكاليف قد تختلف أحياناً عن التكاليف التي فرضها على الرجل .
فإن استقامة المرأة من أسباب استقامة المجتمع، فبقدر ما تكون عليه المرأة من استقامة وصلاح ، واتباع لأمر الله ، وتجنب لما نهى الله عنه ، تكون النتيجة في المجتمعات التي يتربى فيها الذكور والإناث نتيجة ايجابية، لأن الأم هي المدرسة الأولى ، وإذا كانت تربية الأم تربية سلبية فإن تربية الجيل كله سوف تكون سلبية .
وإذا عدنا وتصفحنا التاريخ وجدنا إسهاماً كبيراً للمرأة في الإصلاح ، وفي الإفساد :
فمن الذين سبقوا إلى الإيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من النساء المؤمنات الصالحات ، وهي زوجه أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها وكان لها إسهام كبير في دفع عجلة الدعوة الإسلامية إلى الأمام .
وإذا نظرنا إلى الانحطاط الذي أصيب به المسلمون في القرن الرابع عشر الهجري ، وجدنا للمرأة إسهاماً كبيراً في ذلك ، وإنني لا أنكر أن الرجل هو الذي دفع المرأة إلى هذه المرتبة التي وصلت إلى حضيضها ، وارتمت إليها بدون مبالاة ، ولكنها أيضاً تحملت قسطها من الوزر. (1/2)
صفحة 3
فالله سبحانه تعالى ضرب للمؤمنين مثلاً بامرأتين : بمريم ابنة عمران ، وبامرأة فرعون اللعين التي كانت مؤمنة صالحة قانتة ولم يمنعها كفر زوجها أن تلتزم نهج ربها الذي يوصل إلى مرضاته ، كما أن الله سبحانه وتعالى ضرب للذين كفروا مثلاً بامرأتين كانتا تحت عبدين صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً ، وقيل ادخلا النار مع الداخلين (1) .
وهذا يعني أن كل واحد من الرجل والمرأة يستطيع أن يحدد منهج حياته إن أراد أن يلتزم النهج السوي ، أو يبوء بوزره إن انحرف عن الصراط المستقيم .
(2) الاختلاف بين الرجل والمرأة اختلاف فطري :
إنه معلوم أن المرأة خلقت لتكون أنثى ، والرجل خلق ليكون ذكراً ، وكل واحد من الأنثى والذكر قد طبع بخصائص معينة ، ومحاولة كل واحد منهما أن يتشبه بخصائص النوع الآخر يعتبر تمرداً على الفطرة ، ومعاكسة للطبيعة، قبل أن يكون ذلك إعراضاً عن أمر الله سبحانه وتعالى وتحدياً لحكمه ، ومحاولة المساواة بين المرأة والرجل في جميع الأمور إنما هي معاكسة للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
__________
(1) { ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } ( التحريم 10 –12 ) (1/3)
صفحة 4
والله سبحانه وتعالى قد قص علينا نبأ امرأة صالحة مؤمنة قانتة ، أعلنت في خطابها لربها أن الذكر يختلف عن الأنثى ، فقد قال الله تعالى حكاية عن أم مريم : { رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى } (1) فقد أخبرت هذه المرأة الصالحة القانتة أن الذكر يختلف عن الأنثى ، والأنثى تختلف عن الذكر.
(3) العلم الحديث ... يؤكد :
وإذا رجعنا إلى العلم الحديث وجدناه يقرر هذه الحقيقة التي لا مفرمنها ، فالعلم الحديث يقرر أن كل واحد من الرجل والمرأة يشتمل جسمه على ستين مليون مليون خلية ، وكل خلية من خلايا المرأة تختلف عن خلايا الرجل ، فكل خلية من خلايا المرأة عليها طابع الأنوثة ، وكل خلية من خلايا الرجل عليها طابع الذكورة ، وتختلف هذه الخلايا من حيث الطبيعة والشكل كما وجدناها مكبرة في الصور ، وليس ذلك فحسب بل الأمر أدق من ذلك ، فهناك ما يسمى بالكروموسومات أو الأصباغ أو الجسميات اللونية (2) وهي من الدقة بحيث تقاس بالواحد على بليون من المليميتر ، ولكن مع ذلك فإن كروموسومات المرأة تختلف اختلافاً بارزاً واضحاً عن كروموسومات الرجل كما وجدنا ذلك مكبراً في الصور .
( 3 ) وشهد شاهد من أهلها :
ولقد أدرك كثير من الغربيين الباحثين –المنصفين منهم- ذكوراً وإناثاً ، أن الفارق بين الرجل والمرأة ليس فارقاً بسيطاً ، ومن هؤلاء الكاتب المشهور (ألكيس كاريل) , الذي ولد في فرنسا ، ثم بعد ذلك أتم دراسته في أمريكا وتجنس بالجنسية الأمريكية ، وألف كتاباً مشهوراً يسمى (الإنسان ذلك المجهول).
__________
(1) آل عمران : 36
(2) خيط ينتج من تكاثف مادة الكروماتين أثناء عملية الانقسام في الخلية . (1/4)
صفحة 5
وقد قال في هذا الكتاب ما معناه : إن المرأة لا تختلف عن الرجل من حيث الأعضاء التناسلية ، والرحم والولادة ، والتربية فحسب ، بل الاختلاف بينهما جد عميق ؛ فإن كل حجيرة في جسمها عليها طابع جنسها ، ثم بعد ذلك ندد بالمساواة المزعومة بين المرأة والرجل ، وقال : إن المرأة تختلف أيضاً عن الرجل من حيث الاستعداد الذهني ، ولذلك لا تصلح المرأة أن تتلقى الثقافة التي يتلقاها الرجل ، وإنما يجب أن تكون هناك مناهج دراسية للفتيات تختلف عن المناهج الدراسية للفتيان ، فهناك خصائص للمرأة يجب أن تراعى ، وهناك مواهب منحتها المرأة يجب أن تنمى هذه المواهب .
وتحدثت باحثة ألمانية فرنسية عن الفارق بين الرجل والمرأة ، فقالت : إن دماغ المرأة يشغل جانباه بالعاطفة بينما العاطفة ، تسيطر على جانب واحد من دماغ الرجل ، والجانب الآخر يكون مستعداً للتفكير في الأمور الجدية .
وهكذا تحدث كثير من الأطباء والباحثين الاجتماعيين من الغرب بقسميه : الرأسمالي والشيوعي عن هذه الحقيقة ، وأثبتوها ولم ينكروها . فكيف – مع ذلك – يأخذ المسلمون في تقليد أولئك الذين لا نصيب لهم من المعرفة ، ولا خلاق لهم من الدين ، ويحاولون جهدهم أن يكابروا فطرة الله التي فطر الناس عليها ؟؟!! .
( 5 ) اختلاف الأحكام ناتج عن اختلاف الخصائص : (1/5)
صفحة 6
للمرأة أحكامها وخصائصها كما أن للرجل أحكامه وخصائصه ، والقرآن الكريم والسنّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عندما يشرعان للنساء أحكاماً تختلف عن أحكام الرجل ، إنما يلبيان بذلك نداء الفطرة ، وحاجاتها في هذه الحياة، فالمرأة يجب أن تراعي أنوثتها ، والرجل يجب أن يراعي رجولته ، وموقف الإسلام من ذلك موقف صارم ، ولذلك نجد في الحديث الصحيح عن النبي Fأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال (1) .
( 6 ) الحجاب صون لحياة المجتمع :
فمن هذه الأحكام التي شرّعها الإسلام للمرأة الحجاب الشرعي ، الذي فرضه الله تعالى عليها في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
شرع الله تعالى الحجاب للمرأة لأجل صون كرامتها ، والحفاظ على عفتها ، ولأجل صون حياة الرجل والمرأة جميعاً ، فالله سبحانه لم يؤدب المرأة بالحجاب إلا بعد ما أدب الرجل بالواجبات الاجتماعية التي فرضها عليه ، فقد وجه الله الخطاب أولاً إلى الرجل حيث قال عز من قائل : { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } (2) .
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب : اللباس ، باب : المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال ( 5885 ) من طريق ابن عباس .
(2) النور : 30 (1/6)
صفحة 7
والدين الإسلامي بعيد عن المفارقات والتناقضات ، وليس من الأمر الطبيعي أن يفرض غض البصر وحفظ الفرج على الرجال ومع ذلك لا يخرج الرجل من بيته ويفتح عينيه إلا على طوفان من التعري الفاضح، والتبرج الشائن ، لذلك كان اتباع هذا الأمر بالأمر التأديبي للنساء ضرورة لا بد منها ، فنجد بعد ذلك قول الحق سبحانه : { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (1) .
إن الدين الإسلامي يهدف إلى تنقية الشعور وتطهير السلوك ، لذلك فرض هذه الآداب على الرجال والنساء .
( 7 ) غض البصر وحفظ الفرج :
ومن هذه الآداب غض البصر وحفظ الفرج , فغض البصر أمر لابد منه , إذ لا يمكن أن يحفظ الفرج إلا بغض البصر ، فحفظ الفرج نتيجة حتمية لغض البصر .
ولذلك فرض الله على الرجال أن يغضوا من أبصارهم ، وفرض على النساء أيضاً أن يغضضن من أبصارهن ، فكما أن الرجال منهيون عن التطلع إلى النساء ومحاولة الاطلاع على ما يسترنه من محاسنهن ومفاتنهن، تؤمر النساء كذلك بغض البصر لئلا يتطلعن إلى الرجال الأجانب .
__________
(1) النور : 31 (1/7)
صفحة 8
ويؤمرن كذلك ألا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ، واختلف العلماء فيما ظهر من الزينة ، فقيل : الوجه والكفان ؛ أي لا يباح للمرأة أن تبدي غير وجهها وكفيها ، وقيل : ما ظهر من الزينة ظاهر الثياب ، ويجب عليها ستر وجهها وكفيها أيضاً ، والقولان موجودان منذ عهد الصحابة - رضي الله عنهم - .
وإذا كان فريق من العلماء يبيح للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها فإنما يبيح ذلك مع أمن الفتنة ، أما مع خوف الفتنة فالمرأة مطالبة بالاتفاق بأن تستر جميع جسمها ستراً كاملاً حتى وجهها وكفيها ، وكيف تأمن المرأة الفتنة وهي تخرج في وسط جم غفير من الرجال فيهم كثير من الذين لا يخشون الله تعالى ولا يتقونه ؟؟ .
( 8 ) الإسلام ينظم الفطرة ولا يعاكسها :
والمرأة بفطرتها تحب أن تبدو جميلة ، وتحب أن تظهر هذا الجمال للرجل ، وتحب أن تغريه به ، ودين الإسلام لا يعاكس الفطرة ولكنه ينظمها . ولقد أباح للمرأة أن تتزين وأن تبدي زينتها ، ولكن إبداء هذه الزينة مطلقاً لشخص واحد ، وهو زوجها شريك حياتها ، والذي يباح له أن يستمتع بجميع محاسنها ، ويباح له منها ما لا يباح لأي شخص آخر ، حتى أقرب قريب إليها .
ويباح أن تبدي شيئاً من زينتها لذوي المحارم الذين لا يتأثرون بما تبديه لهم من زينتها، لذلك نجد في هذه الآية الكريمة ما يبيح للمرأة أن تبدي زينتها لوالدها ، ولوالد بعلها ، ولابنها ، ولابن بعلها ، ولأخيها ، ولابن أخيها ... إلى آخر ما عددته الآية الكريمة من الرجال الذين يباح للمرأة أن تبدي لهم زينتها . (1/8)
صفحة 9
وبجانب ذلك فالإسلام – كما قلت – يحرص كل الحرص على تطهير المشاعر وتنقية النفس ، كما يحرص على تطهير السلوك ، ومن ثم نجد قول الحق سبحانه : { وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } (1) زاجراً للمرأة عن أن تثير خيال الرجل ، فخيال الرجل تجاه المرأة يثيره أي شيء منها ، فنبرة الصوت وجرسة الحلي ونفحة الطيب كل من ذلك قد يصيب خيال الرجل ، وقد يفعل فعلاً يؤدي به إما إلى بلبلة فكره ، وإما إلى محاولة ارتكاب الفاحشة مع المرأة ، ولذلك قطع الإسلام على المرأة والرجل هذا الطريق بما فرضه من هذه الآداب.
( 9 ) وفي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواج أصحابه- أسوة - :
يقول الله - عز وجل - في خطابه لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - { فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض } (2) وإذا كان هذا الخطاب يوجه نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله تعالى عنهن مع علوّ قدرهّن ، وعظم شأنهن ، ومع احترام المؤمنين لهّن ، واحترامهم لرسول - صلى الله عليه وسلم - وإكبارهم لهن لأنهن أمهاتهم ، فكيف بسائر النساء ؟؟!
والخطاب الموجه من الله تعالى إلى أمهات المؤمنين أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يدل على أن الحجاب لم يقصد به إلا الطهارة والصون والعفاف ، فتلك النساء الفضيلات اللواتي رفع الله تعالى من شأنهن وأعلى من قدرهن يفرض الله تعالى عليهن هذا الحجاب وينبؤهّن أنه أراد بذلك تطهيرهّن ، فكيف يمكن الطهارة لغيرهن إلا بالتزام ذلك الحجاب الشرعي ؟؟
__________
(1) النور : 31
(2) النور : 32 (1/9)
صفحة 10
فالله تعالى يقول لهنّ : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (1) .
فيجب على النساء المؤمنات الصالحات القانتات أن يتأسين بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن يلتزمن هذا الحجاب الشرعي الذي فرضه الله تعالى عليهن ، وأن يتأسين بنساء المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم - في ذلك .
فقد تحدثت عنهم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ، وما كان منهّن من استجابة لنداء الله تعالى والتزام لأمره ، مع أن فطرة المرأة فطرة تدعوها إلى أن تظهر جمالها وزينتها .
فقد روى الإمام البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وإنها قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } (2) شققن مروطهن فاختمرن به (3) .
__________
(1) النور : 32-33 .
(2) النور : 31
(3) أخرجه البخاري في كتاب : التفسير ، باب : سورة النور ( 4785 ) . (1/10)
صفحة 11
وروي أبو داود عن صفية بنت شيبة أنها قالت : بينما نحن جلوس عند عائشة إذ ذكرن نساء قريش ، فقالت عائشة رضي الله عنها إن لنساء قريش لفضلا ، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار إيماناً بكتاب الله ، ولا تصديقاً بما أنزل ، لما أنزل الله تعالى قوله : { َ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } ، وأنقلب رجالهّن إليهّن يتلون عليهّن ما نزل من كتاب الله ، فكان الرجل يتلو على امرأته وعلى أخته وعلى ابنته ، وعلى كل ذي قرابة ، ما منهّن امرأة إلا وقامت الى مرطها المرحل فشقته ، فأصبحن وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان (1) .
وهذا المشهد الذي تصفه أم المؤمنين عائشه رضي الله عنها يتجلى واضحاًَ في هذا العصر الحديث ، في تلك النساء اللواتي تطهرن من أدران الجاهلية الحديثة كما تطهرت نساء المهاجرين والأنصار من أوحال الجاهلية الأولى .
فكثير من النساء اللواتي وقر الإيمان في قلوبهن انقلبن في هذا الوقت على خلاف ما كانت عليه أمهاتهن وقريباتهن من التبرج ، وقد ظهر ذلك في كثير من النساء المثقفات ، والفتيات الطالبات في الجامعات في البلاد الإسلامية ، بل حتى في غير البلاد الإسلامية كثير من الفتيات المسلمات يلتزمن الحجاب الشرعي ويخالفن هذه الجاهلية الحديثة ، كما خالفت نساء المهاجرين والأنصار من قبل تلك الجاهلية القديمة .
وإنا لنرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفق جميع نساء المسلمين لسلوك هذا المسلك ،واتباع أمر الله تبارك وتعالى والابتعاد عن طريق الشيطان الذي يحاول إضلالهن ، ويحاول أن يرديهن – والعياذ بالله – في الهلكة .
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب : اللباس ، باب : في قوله تعالى : يدنين عليهن من جلابيبهن ( 4101 ) . (1/11)
صفحة 12
ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل أيضاً على حكمة الحجاب ، فيما أنزل الله في سورة الأحزاب ، فالله تعالى يقول : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (1) فالمرأة إذا التزمت الحجاب الشرعي كان أدنى أن تعرف بأنها مؤمنة فلا تؤذى بأي إيذاء ، وقد ظهر ذلك بارزاً حتى في وقتنا هذا ؛ ففي العام الماضي كنت في مصر ، وسمعت عن فتاة شكت إلى زميلة لها متحجبة أنها كلما مرت في طريقها عاكسها الشباب ، فأمرتها بأن تتحجب ، فتحجبت فلم يعاكسها أي شاب بعد ذلك ، وهكذا فإن الذباب لا يقع إلا على النتن .
(10 ) الاختلاط بين الجنسين : عبث بالعفة والشرف
ومن الأحكام التي فرضها الإسلام على المرأة تجنب الاختلاط بالرجال ، فإن الاختلاط بالرجال أمر خطير ، ولذلك نجد في الحديث الشريف الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إياكم والدخول على النساء ، فقال رجلٌ من الأنصار : أرأيت الحمو يا رسول الله ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - الحمو الموت )) (2) .
وفي هذا ما يدل على خطورة خلوة الرجل بأية امرأة ولو كان حماها ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يشبه الحم بالموت إذا دخل على امرأة أخيه ، فكيف بغيره من الرجال . فاختلاط الفتيات بالرجال في المدارس والمتنزهات والبيوت أو في أي مكان آخر من أخطر المخاطر عليهن وعلى عفتهن وشرفهن وكثيراً ما كانت هذه النوادي أو المدارس أو الجامعات أو قاعات المحاضرات أو أماكن اللهو التي يختلط فيها الشباب بالفتيات مسرحاً لاصطياد الفتيات .
__________
(1) الأحزاب : 59
(2) أخرجه البخاري في كتاب : النكاح ، باب : لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم ( 5232 ) . (1/12)
صفحة 13
فكم من فتاة غرر بها شاب ، واستطاع أن يصطادها في هذه الأماكن موهماً إياها أنهما باختلاطهما يصنعان القفص الذهبي الذي سوف ينعمان فيه بالعيشة الزوجية السعيدة ، ولكن بعد أن يمرغ بشرفها في وحل الرذيلة ، ويرزأها في عفتها وكرامتها وفي أعز ما تملك ، وبعد أن يلصق العار بها وبأهلها ، يتبدد هذا الحلم اللذيذ منها ، ويعود إلى واقع مرير ، ويتلاشى ذلك الأمل السعيد ، وينقلب إلى ألم ، بعد ما يرزؤها ، ويترك في صدرها هماً أثقل من الجبال ، وفي أحشائها جنيناً يؤرقها بأناته المؤلمة للواقع المؤلم الذي ينتظره ، إما وأد في مصحات الإجهاض ، وإما حياة كلها تعاسة وشقاء واحتقار وازدراء ، ولقد اطلعت بنفسي على كثير من القضايا من هذا النوع بسبب الاختلاط الذي يكون بين الرجال والفتيات.
فعلى الفتيات المسلمات أن يتجنبن هذه الأماكن التي يختلط فيها بهن الشباب.
وعلى الشباب أيضاً أن يتجنبوا هذه الأماكن التي يختلطون فيها بالفتيات.
وعلى الآباء أن يحرصوا على تجنيب أبنائهم وبناتهم الاختلاط الذي يؤدي إلى مثل هذا العار الشنيع الذي لا يغسل أثره شيء.
فالمهرجانات التي تقام ويشترك فيها الذكور والإناث هي من أخطر المخاطر التي علينا جميعاً أن ندرك مغبتها المؤلمة ، وأن نضع حداً لها في مجتمعاتنا المسلمة .
وعلينا أن ندرك ما فرضه الله علينا تجاه النساء من دعوتهن إلى الخير ، وأمرهن بالمعروف ، ونهيهنّ عن المنكر ، وأداء الحقوق الواجبة عليهنّ .
( 11) المرأة في ظلال الإسلام مرفوعة المكانة :
وفر الإسلام للمرأة من الحقوق ما لم يوفره أي دين ولا أي نظام ، ومن الذي يدعي أن المرأة في الإسلام لا تتبوأ مكاناً مرموقاً رفيعاً ؟؟
لقد كرم الإسلام المرأة وهي في حال ولادتها ،
وكرمها وهي طفلة تشب ،
وكرمها وهي زوجة ،
وكرمها وهي أم ،
وكرمها حتى بعد وفاتها .
(أ) كرمها في حال ولادتها : (1/13)
صفحة 14
نعى الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يتألمون إذا بشروا بالإناث ، بقوله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ } (1) .
ولقد منّ الله سبحانه وتعالى علينا بالإناث وبالذكور ، وامّتن علينا بالإناث قبل الإمتنان علينا بالذكور ، فقد قال عز من قائل : { يَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ الذُّكُورَ } (2) .
(ب) كرمها وهي طفلة :
أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن كل من رزق إناثاً فرباهنّ وعلمهنّ وأحسن تربتهنّ حتى زوجهن كن له يوم القيامة حجاباً من النار (3) .
(ج) كرمها وهي زوجة :
فرض الإسلام للزوجة حقوقاً لم يفرضها أي دين آخر ، وكفى بأن جميع الأنظمة إلى وقتنا هذا تفسخ الزوجة من نسبها ، بعد أن تتزوج وتصبح تنتمي إلى أسرة زوجها ، ما عدا الإسلام ، فالإسلام وحده هو الذي يحفظ نسب المرأة ويجعلها تنتسب إلى أسرتها وقومها ، بينما في وقتنا هذا كثير من أولئك الذين يودون أن يقلدوا غير المسلمين ، يحاولون جهدهم أن يتركوا ما فرضه الإسلام من انتساب المرأة إلى أسرتها ، بانتسابها إلى أسرة زوجها .
__________
(1) النحل : 58 -59
(2) الشورى : 49
(3) أخرجه البخاري في كتاب : الزكاة ، باب : اتقوا النار ولو بشق تمرة ( 1418 ) (1/14)
صفحة 15
والله سبحانه وتعالى أمر أن تعاشر النساء بالمعروف ، فقد قال : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان } (1) وقال تعالى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا * وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } (2) هكذا يفرض الله سبحانه وتعالى رعاية حقوق الزوجات .
(د) كرمها وهي أم
وأما حق الأم فهو فوق حقوق جميع الناس ، لقد كرّم الإسلام الأم أكثر مما كرم الأب ، وأكثر مما كرّم أي إنسان.
فالله تبارك وتعالى بعد أن نبه على حقوق الأبوين جميعاً ، نبه على التضحيات التي قدمتها الأم ، فقد قال عز من قائل : { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا } (3) وعندما جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: أي الناس أحق مني بحسن الصحبة ؟ فقال له: أمك ، قال له : ثم من ؟ قال له : أمك ، قال له : ثم من ؟ قال له : أمك ، قال له : ثم من ؟ قال له : أبوك ثم الأقرب فالأقرب.
هكذا ينبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على حق الأم ثلاث مرات ، ثم يذكر بعد ذلك حق الأب معطوفاً على حق الأم بثم التي تقتضي المهلة والترتيب، ولم يذكره إلا مرة واحدة ، ثم يذكر بعد ذلك حق الأقرب فالأقرب . ففي أي دين ، وفي أي نظام ، نالت المرأة هذا التكريم الذي نالته في الإسلام ؟؟
(هـ ) كرمها حتى بعد وفاتها
__________
(1) البقرة : 229 .
(2) النساء : 19 –21
(3) الأحقاف : 15 (1/15)
صفحة 16
وكرم الإسلام المرأة وهي ميتة في قبرها ، وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في ذلك ، في وفائه لزوجه الأولى أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها :
فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعزز من شأنها ، ويرفع من مكانها حتى بعد وفاتها ، ولم يكن يقدم عليها غيرها من النساء حتى السيدة عائشة رضي الله عنها التي هي بنت أحب الناس إليه ، والتي تزوجها شابة في مقتبل عمرها ، بينما تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها وقد أدبر شبابها مع أن شبابه - صلى الله عليه وسلم - كان مقبلاً آنذاك .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرعى حق السيدة خديجة كل الرعاية ، وكان إذا ذبح شاة في بيته ، يقول : أرسلوا منها لأصدقاء خديجة ، فتقول له عائشة رضي الله عنها : ولم ذلك يا رسول الله ؟ فيقول: أني لأحب حبيبها .
ولما دخلت بيته - صلى الله عليه وسلم - هالة أخت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها وكان صوتها يشبه صوتها إلى حد بعيد ، أخذته - صلى الله عليه وسلم - الأريحية لما سمع صوتها ، وقال : اللهم هالة ، فأخذت الغيرة السيدة عائشة رضي الله عنها وقالت له : يا رسول الله ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين ، أبدلك الله خيراً منها ؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : والله ما أبدلني الله خيراً منها ، والله ما أنت بخير منها ، فقد صدقتني إذ كذبني الناس ، وآمنت بي إذ كفر بي الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها المال والولد دون غيرها من النساء ، فجزاها الله عني خير جزاء ، اللهم أجز عنّي خديجة بنت خويلد.
هكذا يضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثال في رعاية حق المرأة حتى بعد وفاتها ، وهل نالت المرأة هذا التكريم في ظل الأنظمة والتشريعات غير نظام الإسلام وشريعته السمحة الغراء ؟؟!
(12) ينادون بتحرير المرأة ... فكيف حرروها (1/16)
صفحة 17
بينما نجد تكريم المرأة في وقتنا هذا عند أولئك الذين ينادون بالمساواة بين المرأة و الرجل ، وينادون بتحرير المرأة – نجد تكريم المرأة عند هؤلاء- يتمثل في تصويرها عارية في المنتجات والبضائع حتى تكون سبباً لجلب الزبائن ، وفي تركها في معارض البيع لأجل جلب الزبائن أيضاً .
وقد بلغت حقارة المرأة أنها أصبحت تصور في أي بضاعة ، بل أصبحت صورتها تستغل لنشر الرذيلة بين الناس ، حتى الدعايات للخمر تكون من طريق النساء ، فتصور المرأة الحسناء وبين أناملها كأس ، وكذلك الدعاية للسجائر تكون من طريق النساء ، فتصور السيجارة بين أنملين من أنامل المرأة أو بين شفتيها ، كل ذلك مما يدعو للحزن والأسف على مكانة المرأة .
وليس ذلك فحسب ، بل بلغ الحال إلى تصوير المرأة عارية ، ولقد رأيت بعيني رأسي غير مرة في صحيفة محلية تصدر عندنا ، صورت فيها المرأة عارية وبجانبها راديو سانيو ، وقد صورت تستحم وتستمع إلى الموسيقى الهادئة من ذلك الراديو ، كما صورت راقصة على نفس الصحيفة على صورة شاشة تلفزيون لأجل الدعايه لذلك التلفزيون ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب ، بل صورت المرأة وهي مستلقية وكلب أعلاها ، وتوحي تلك الصورة أنه يمارس الجنس معها .
ولقد تساءلت غير مرة : كيف هانت المرأه على الرجل حتى رضي أن ينزلها هذه المنزله الدنيئة ؟ أليست هذه أماً للرجل ؟ أليست هي أختاً له ؟ وأليست زوجاً له ؟ وأليست بنتاً له ؟ وكيف هانت المرأة على نفسها حتى سكتت عن ذلك كله ؟!؟
( 13) التلاعب بكرامة المرأة سبب الدمار :
والمتدبر لتاريخ المدنيات الزائلة ، والحضارات البائدة ، يجد أن سبب فناء تلك المدنيات والحضارات التلاعب بكرامة المرأة ، والتسويل لها بأن تخلع العذار ، وأن تهتك الستر ، وأن تخرج عارية ، وأن تغشى منتديات الرجال .
فقد كان ذلك سبباً لانتهاء حضارة اليونان ، وحضارة الرومان وفارس ، وما الحضارة الغربية من ذلك ببعيد !
( (1/17)
صفحة 18
14) قصة تحرير المرأة :
الكل يدرك أن المرأة قد استغلت استغلالاً خطيراً في القرن الرابع عشر الهجري المنصرم في البلاد الإسلامية ، كان يقف وراء تحريك المرأة وتحريك المنظمات النسائية أيدٍ أجنبية ، تدفع بالمرأة دفعاً إلى الهاوية والجحيم .
فكل دعاوي تحرير المرأة وقف من وراءها المستعمرون ، وليس ذلك فحسب ، بل الحركات النسائية التحريرية مرتبطة كل الارتباط بالصهيونية العالمية كما كشف عن ذلك كتاب الحركات النسائية وعلاقتها بالاستعمار ، فعلينا أن ندرك ذلك .
ولقد تولى الدعوة إلى تحرير المرأة في العصر الحديث في البلاد الإسلامية ، قاسم أمين ، بعد ما كان له موقف غير هذا الموقف ، وإنما دفعه إلى ذلك حبه للدنيا ، وحرصه على أن ينال رغبته منها .
فلقد ردّ قاسم أمين على ألماني ، وكشف ما كتبه الألماني في كتابه ، وفند مزاعمه وبيّن كرامة المرأة في الإسلام ، ولكن سبّب ذلك سخط الأميرة نازلي فاضل التي كانت عائدة من أوروبا وقد شحن دماغها بالفكر الأوروبي ، وأرادت أن تتبرج تبرج الجاهلية ، وأن تتحرر من جميع القيم والفضائل ، وكانت لها الكلمة الأولى عند اللورد كرومر الحاكم البريطاني في مصر ، وأراد قاسم أمين أن يستعطفها وأن ينال رضاها ، ولذلك ألف كتابه الذي دعا فيه إلى تحرير المرأة .
ولقد اعترف بعد ذلك أن تلك الدعوة كانت خطيره جداً ، فقد اعترف بذلك وهو على فراش الموت في تصريح أدلى به ، وأوضح فيه أن دعوته أدرك خطورتها بنفسه ، وأنه حمد الله تعالى على ما نالها من الفشل ، ولكن بذور تلك الدعوة السيئة قد نميت بعد ذلك حتى نبتت وآتت أكلها المرة ، ولا يزال العالم الإسلامي يجني أكلها المر إلى وقتنا هذا . (1/18)
صفحة 19
ولقد قالت امرأة قاسم أمين – وهي أعرف بدعوته- : إن دعوته كانت خطيرة جداً على المجتمع . وكانت هذه المرأة مصونة محافظة على عفتها وكرامتها ، وظلت بعد قاسم أمين حية أكثر من أربعين عاماً ، وهي لا تزال تحافظ على حجابها وعلى صونها وكرامتها . كما تحدث الأستاذ محمّد فريد وجدي عن دعوة قاسم أمين الخطيرة ، وبيّن خطورتها، وتحدث كثير من الكاتبين والكاتبات عن خطورة هذه الدعوة .
(15 ) المرأة تفتح عينها :
ولقد تحدثت من الكاتبات المشهورات في العالم العربي والإسلامي في هذا العصر الدكتورة بنت الشاطئ عن سبب اندفاع النساء إلى هتك الستر وسبب دفع الرجال لهن إلى ذلك ، فلقد قالت – ما معناه - : إن الرجال الذين غرروا بنا ، وحاولوا إخراجنا من البيوت ، أوهمونا أنهم يريدون أن يساوونا بذلك بأنفسهم ، بينما أرادوا بذلك أن يطردوا بنا الضجر في دنياهم . وقالت : إن كثيراً من النساء غرر بهن حتى أحتقرن الأمومة ، واحتقرن الحياة الزوجية ، وأحتقرن كل واجبات المرأة ، حتى قامت دعوة بينهن إلى حذف نون النسوة ، كأن الأنوثة مذلة ونقص وعار ، وهكذا تقول امرأة خبرت جميع أحوال النساء ، في العصر الحديث ، وقدرت تحرير المرأة ، وعرفت مغبتة وخطورته . ولقد كتبت كاتبات مسلمات يدعون في كتابتهن إلى التمسك بآداب الإسلام والعودة إلى الحجاب من جديد ، ومن هذه الكاتبات السيدة نعمه صدقي صاحبة رسالة التبرج ، وكثير من الكاتبات الأخريات ، وإنني لأهيب بالآباء أن ييسروا لبناتهم قراءة مثل هذه الكتب من مثل هذه الكاتبات اللواتي عرفن واجبهن تجاه دينهن .
ولقد رأيت في بعض المجلات تعليقاً عن امرأة على ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل السيدة فاطمة رضي الله عنها ( أي حال خير للمرأة ؟ ) فقالت له رضي الله عنها : ألا ترى الرجل وألا يراها الرجل ، فقبلها النبي F بين عينيها وقال :( ذرية بعضها من بعض ) . (1/19)
صفحة 20
كتبت هذه الكاتبة تعليقاً على ذلك وقالت : (إن أي رجل لا ينظر إلى وجه إمرأة نظرة فاحصة إلا ويصورها في خياله عارية ، ولا يخلو أي رجل بامرأة إلا ويحب أن يتصل بها) .
وهكذا أخذت تحذر بنات جنسها من مغبة الاختلاط بالرجال ومغبة هتك العذار ، وخلع الستار ، ومغبة إزالة هذا الحجاب الشرعي الذي فرضه الله تعالى على النساء . ومع الأسف الشديد فإن كثيراً من الذين ينتمون إلى الأدب في المجتمعات الإسلامية يحاولون أن يسخروا مواهبهم في تضليل المرأة وفي إخراجها من بيتها ، وإزالتها عن مكانتها التي بوأها الإسلام إياها ، ذلك لأن هذا النوع من الرجال لا هم لهم إلا إرضاء شهواتهم وإشباع غريزتهم, وهم يحاولون أن يضللوا المرأة ليكون هذا التضليل وسيلة من وسائل استغلال المرأة لإشباع شهوة الرجل المنهوم .
فما أجدرنا جميعاً أن نقف موقف الحذر من أمثال هؤلاء ! وما أجدر الفتيات المؤمنات أن يدرسن دينهن ، وأن يتمسكن بكتاب ربهن وسنّة نبيهّن ، ولهن في نساء المهاجرين والأنصار أسوة حسنة .
وما أجدر الآباء والأمهات أن يرعوا حقوق بناتهن وأن يحفظوا لهن شرفهن وكرامتهن ، وأن يحذروا كل الحذر أن يرزأن في عفافهن وفي شرفهن ، فذلك الذي أدعو إليه الآباء والأمهات والمدرسين والمدرسات .
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه ، وأن يجعل الغيرة في قلوب رجالنا ، والحياء في وجوه نسائنا ، وأن يأخذ بأيدينا إلى كل خير من أمور الدنيا والأخرة ، وأن يصرف عنا كل شرّ من شرورهما وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
فهرس
(1) سبب المحاضرة ... ... ..................... ... ... .. 7
(2) الاختلاف بين الرجل والمرأة . اختلاف فطري ... .......9
(3) العلم الحديث .. يؤكد ......................... ... ..11
(4) وشهد شاهد من أهلها ! ! ....................... ... 12
(5) اختلاف الأحكام ناتج عن اختلاف الخصائص . ... . ... .14
( (1/20)
صفحة 21
6) الحجاب : صون لحياة المجتمع ................. ... ....15
(7) غضّ البصر وحفظ الفرج ...........................17
(8) الإسلام ينظم الفطرة ولا يعاكسها .............. ... ... .16
(9) وفي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواج أصحابه – أسوة - .......18
(10) الاختلاط بين الجنسين : عبث بالعفة والشرف ...... ... 25
(11) المرأة في ظل الإسلام مرفوعة المكانة ........ ... ........28
( أ ) كرمها في حال ولادتها .................................28
( ب ) كرمها وهي طفلة تشب .................. ... ........29
( ج ) كرمها وهي زوجة ............................. ... ..29
( د ) كرمها وهي أم .....................................31
( هـ ) كرمها حتى بعد وفاتها ............................32
(12) ينادون بتحرير المرأة .. فكيف حرروها ؟ ... ... ... ... .34
(13) التلاعب بكرامة المرأة سبب الدمار ... ... ... ..........36
(14) قصة تحرير المرأة ........................... ... .....37
(15) المرأة تفتح عينها ..................... ... ..........39 (1/21)