صفحة 1
الكتاب: سلسلة محاضرات من أجل فهم صحيح للإسلام9 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) سلسلة محاضرات من أجل فهم صحيح للإسلام
الحلقة التاسعة
(9)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لسماحة الشيخ بدر الدين:
أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي أعز عباده المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتباع حكمه، وامتثال أمره وتحكيم شرعه الأزهر، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، سبحانه من عزيز حكيم، رؤوف رحيم، العز كل العز في طاعته ، والذل كل الذل في معصيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، خير من أمر ونهى وحرضّ ودعا. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى من اهتدى بهديه واستن بسنته وسار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد... (1/1)
صفحة 2
فإذا كان لكل أمة سمات ولكل أمر مقومات، فإن أبرز سمات هذه الأمة، وأعظم مقومات أمرها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد الإيمان بالله عز وجل وأداء ما فُرض من العبادات. ذلك، لأن هذه الأمة اختارها الله سبحانه وتعالى لأن تكون أمة وسطاً ولأن تتحمل تبعات النبيين، فلذلك فرض على كل واحد منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا فرق في ذلك بين الحكام والمحكومين، والأقوياء والمستضعفين، وإنما يتفاوت الغرض بما يملك كل واحد من قوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان)). وبحسب الإنسان أن يبدأ أولاً بنفسه فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر بتقويم سلوكها وردها إلى حظيرة الحق. ثم يثني بعد ذلك بأسرته فيجتهد بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتقويم سلوكهم، ثم يثلث بعد ذلك بالأقرب ثم فالأقرب وهكذا حتى تكون هذه الأمة متشادة مترابطة، والله سبحانه وتعالى قد بين مسلك النبي صلى الله عليه وسلم ومسلك أتباعه، حيث قال:
{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (سورة يوسف-108)
{ خصيصة الأمة الإسلامية }
كما بين سبحانه خصيصة هذه الأمة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله :
{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (سورة آل عمران –110 )
وفرض سبحانه وتعالى على هذه الأمة ،بأن تكون أمة أمر بمعروف ونهي عن المنكر في قوله: (1/2)
صفحة 3
{ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (سورة آل عمران –104 )
وقد جاءت هذه الآية بعد أمره سبحانه وتعالى لهذه الأمة بالترابط في قوله :
{ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ( سورة آل عمران –103 )
وفي هذا ما يدل على أن رباط هذه الأمة لا يتم ألا في ظل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما إذا قصّرت في ذلك أو تخلت عنه فإنها تصبح أمة مشلولة الأعضاء مقطعة الأوصال ليس لها أثر في نفسها فضلاً عن أن يكون لها أثر في غيرها. فإن الله سبحانه وتعالى بيّن أن استخلاف هذه الأمة ونصرها إنما يكون بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر إذ ذلك نصر منها لله سبحانه وتعالى، إذ يقول سبحانه وتعالى:
{ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (سورة الحج 40–41 ) (1/3)
صفحة 4
والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: ((لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتقبضن على يد الظالم ولتطرأنّ على الحق أطرا أو ليضرب الله بعضكم رقاب بعض )).وفي رواية أخرى عنه عليه أفضل الصلاة والسلام ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شرار كم فيدعو خياركم فلا يستجاب له ))
وفي هذا ما يدلنا على أن ما تعيشه هذه الأمة من أوضاع قلقة واضطراب متأصل مرده في تقصيرها في هذا الواجب المقدس .فلو أخذت بحجزت دينها وطبقت شريعة الله سبحانه وتعالى في كل شيء وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر لكانت أقوى أمة تظهر للإنسانية ،ولا ستخلفها الله سبحانه وتعالى في الأرض كما استخلفها أسلافها من قبل ،وإنما تخليها عن هوالذي أفضى بها إلى السقوط في هذا الحضيض .ولا يمكن أن تستعيد مجدها وتقود الإنسانية إلى الخير إلا إذا رجعت إلى وظيفتها وحرصت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبحسنا أن الله سبحانه وتعالى لعن بني إسرائيل بسبب تقصيرهم في هذا الواجب .فقد قال عز من قائل :
{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } (سورة المائدة –78-79) (1/4)
صفحة 5
وإذا كان هذا اللعن استحقوا الذين كفروا من بني إسرائيل فما ادراكم بالذين كفروا من هذه الأمة وهي الأمة التي إئتمنها الله سبحانه وتعالى أعظم الأمانة .أنزل على نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام الكتاب المبين .الذي فيه تبيان كل شيء وهدى من كل ضلالة .وتبصرة من كل عمى وتنوير من كل ظلام كيف اذا تخلت هذه الأمة عن واجبها .وأعرضت عن دينها ونبذت شريعة ربها وتمسكت بشريعة الطاغوت كيف لا تستحق ما استحقه بنوا إسرائيل من اللعن كيف لا تستحق ما استحقه بنوا إسرائيل وكيف لا تستحق ما استحقه بنوا إسرائيل من المسخ والهوان .
(تذكير الأمة بواجبها):
فاتقوا الله يا عباد الله وأتمروا بينكم بالمعروف وتناهوا عن المنكر واحرصوا على الغيرة في ذات الله عز وجل وليحرص كل منكم على تقويم نفسه ،وتقويم أولاده وأسرته ،فإنه ليس من الإيمان في شيء أن ينقلب الرجل إلى أهله فيجد امرأته متبرجة تبرج الجاهلية ويجد أولاده أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ويغضى عن ذلك كله فإن ذلك مناف لما يجب على الإنسان من الغيرة على حرمات الله .فاتقوا الله يا عباد الله واحرصوا على الأمانة التي ائتمنكم الله تعالى إياها ويسألكم عنها يوم القيامة .
((ما يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر )):
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستوجبان فطنة ونباهة .فأول ما يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون متبعا لما به يأمر ،تاركا لما عنه ينهى ،فإذا لم يكن كذلك كان فعله داعيا إلى نقض قوله ،والسلف الصالحون كان أكثر ما يكونون يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر بأفعالهم ،وإنما كانت أقوالهم تدعوا الناشذين وتظهر للمتحيرين ،حقيقة الأمر الذي تحيروا فيه ،فقد كانوا قدوة للناس في اتباع الخيرات
،والمسارعة إليها ،والإعراض عن المنكرات والتباعد عنها ،فاحرصوا على هذا المنهج السليم ،واحرصوا على الحكمة ،والموعظة الحسنة،فإن الله سبحانه وتعالى يقول : (1/5)
صفحة 6
{ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (سورة النحل –125)
ولابد مع ذلك مع تفطن بحكم الله سبحانه وتعالى فيما يأمر به الامر وينهى عنه الناهي فربما يأمر الجاهل بالمنكر وينهى عن المعروف من حيث يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا لم يكن متأكدا من حكم الله سبحانه وتعالى فيما يأمر به وفيما ينهى عنه .واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستوجبان الصبر والثبات
فإن الله تعالى يقول فيما يحكيه من وصية لقمان لابنه :
{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } ( سورة لقمان –17)
(أشدّ الناس ابتلاءً ):
فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصاب بما يصاب به .وقد كان النبيون مثلاً في ذلك ،
فكانوا أكثر تعرضاً للبلاوى من غير ،لأنهم قدوة للناس في الخير ، وعندما دكر الله سبحانه وتعالى سبيل النبي صلى الله عليه وسلم ،وسبيل أتباعه قص عليه وعلى أتباعه نبأ النبيين من قبل لتوطين نفوسهم على الصبر فيما يلقونه حيث قال عز من قائل : (1/6)
صفحة 7
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ( سورة يوسف 109 – 111)
فإذا كان النبيين الذين هم ارسخ الناس قدما في الإيمان يشاركون الناس لهول ما يلقونه قبل أن يأتيهم لطف الله سبحانه وتعالى ويجزون ثمرة دعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فكيف بغيرهم . (1/7)