صفحة 1
الكتاب: سلسلة من أجل فهم صحيح للإسلام 10 نبذ التعصب المذهبي لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله
نبذ التعصب المذهبي
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
1423 هـ – 2003 م
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف : 9330027
e. mail . www .dhamri @ hotmail .com
or
www .dhamri61@omantel.net.om
ص ب 2 السيب الرمز البريدي 121 سلطنة عمان
سلسلة محاضرات من أجل فهم صحيح للإسلام
(10)
نبذ التعصب المذهبي
سماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
مفتي عام السلطنة
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فلقد تلقيت رسالة كريمة من أخ كريم يدرس بالولايات المتحدة الأمريكية، في منطقة تكسن؛ وهو الأخ عبد الله عبد الرحمن شبان.
يقول في رسالته: إننا نعيش في أمريكا كطلبة، وقد حضرنا للدراسة، والتقينا من أماكن مختلفة ومن بلاد متفرقة، وقد منّ الله علينا بمراكز إسلامية نمارس فيها شعائرنا، ونتدارس فيها أمور ديننا، والحمد لله، وقد كان من بيننا أخوة نشيطون ممن يتعبدون على المذهب الإباضي، وقد عرفنا في هؤلاء الإخوة الإسلام والسبق إلى الدعوة والفضيلة، والمشاركة الفعالة، بالإضافة إلى عدم النزوع إلى الفرقة والخلاف، وقد حبا الله تعالى بعضاً من هؤلاء بشيء من المعرفة بكتابه الكريم قراءة وحفظاً وفهماً وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، مما جعلنا نفضل تقديمهم علينا في الصلاة، وفي إمامة الناس أيام الجمع والأعياد. (1/1)
صفحة 2
وهنا يأتي السؤال الذي جعلنا حيارى نطلب الرد، وخاصة بعد سماعنا من بعض الإخوة الذين لهم شيء من الإلمام بعلوم الشريعة، والذين حضروا إلينا مؤخراً للدراسة في نفس البلد الذي نعيش فيه، وهم من أهل السنة، حذرونا من أن يؤمنا هؤلاء، أو أن يقوموا بالمشاركة في إدارة مساجدنا ومرافقنا في هذا البلد، بدعوى أنهم من طوائف الخوارج وما إلى ذلك، الأمر الذي جعلني أمسك القلم، وأبادر إلى الكتابة إليكم، لذا أرجو أن تكتبوا لنا عن هذه الفرقة بين المسلمين وأتباعها، وكيفية التعامل مع أفرادها، ثم عن سبب عدم انتشار كتبهم ومصادرهم في المكتبات والجامعات الإسلامية.
جزاكم الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الله
عبد الله عبد الرحمن شبان
وقبل أن أدخل في الإجابة على هذا السؤال أحيي هذا الأخ الكريم بتحية الإسلام، فأقول له:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وأشكره على هذه المبادرة الطيبة وعلى هذه الثقة بي مع قلة علمي، كما أنني أشكره على ما قصده من بحث الحقيقة ليدركها، لئلا يكون سائراً وراء الأوهام كالآخرين، والمسلم عليه أن يكون دائماً باحثا عن الحقيقة، وألا يقع في التقليد الأعمى.
ومع ذلك فإنني آسف كثيراً لما يدور بين المسلمين من دواعي الفرقة والخلاف، وذلك مما يتنافى مع الدين الإسلامي الحنيف، الذي جعله الله تعالى دين وحدة كما هو دين توحيد، والله تعالى يقول: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } (1)
__________
(1)
(
1) الأنبياء : 92. (1/2)
صفحة 3
ويقول: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون } (1) ويقول سبحانه وتعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا } (2) ويقول: { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (3) ويقول سبحانه: { وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم } (4)
وحدة الصف المسلم
نحن في هذا العصر أحوج ما نكون إلى جمع صفوفنا وتمتين صلاتنا، وذلك لما نواجهه من أعداء الإسلام من ضروب المؤامرات والتحديات المختلفة، وعلينا ألا نسعى إلى الفرقة، وإنما الواجب علينا أن نسعى إلى الوحدة والوئام، وهذا هو الذي يفرضه الإسلام على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.
ولذلك نأسف كثيراً عندما نسمع أصواتاً تدعو إلى الفرقة من هنا وهناك، ومما يضاعف الأسف أن تكون هذه الأصوات تنبعث من ألسنة تدّعي أنها قائمة بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن أصحابها مخلصون في عملهم لله، ومتحّلون بالعلم والفضيلة، إن ذلك مما يدعونا إلى الأسف حقاً.
يجب على المسلم أن يكون دائماً متتبعاً للحقيقة من مظانها، حتى يتصورها تمام التصور، كما يقال: (الحكم على الشي فرع عن تصوره)، ولا يمكن للإنسان أن يدرك الحقيقة كاملة حتى يتصورها من جميع جوانبها فيمكن له أن يصدر حكمه فيها.
__________
(1) المؤمنون : 52.
(2) آل عمران : 103.
(3) آل عمران : 105.
(4) الأنفال : 46. (1/3)
صفحة 4
ومن المعلوم لدى كل مسلم؛ أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً - صلى الله عليه وسلم - على فترة من الرسل، وضلالة من الأمم، وفساد من الأخلاق، وانحطاط من القيم، في وقت تقطعت فيه الأواصر بين الناس، وحل النزاع والخلاف محل الوئام والوحدة، خصوصاً العرب الذين كانوا يعيشون أشبه ما يكونون بالسباع في الغابات، بعث الله تعالى إليهم محمداً بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ رسالة ربه، ونصح الأمة، وكشف الغمة، ولم يأل جهداً في بيان الحقيقة كما هي، وبين للناس أنهم جميعاً أولاد آدم وحواء، وأن أصلهم واحد، وأنهم لا يتفاضلون إلا بتقوى الله، وقد نزل بذلك القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى يقول: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (1) وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرر للناس بيان أنه واحد منهم، والله تعالى يأمره بذلك، وقد أنزل الله تعالى عليه قوله: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } (2) وعندما أصابت الروعة أحداً من الأعراب أمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،قال له: ((هّون على نفسك، فإنني لست بملك، فأنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة)) (3) هكذا كان تواضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهكذا كانت معاملته لأمته، فقد أقام صلوات الله عليه وسلامه نظام الحكم على أساس الشورى والعدل والإنصاف، والقبض على يد الظالم، وإعطاء المظلوم حقه.
__________
(1) الحجرات : 13.
(2) الكهف : 110.
(3) سنن ابن ماجة، دار إحياء الكتب العربية، الجزء2، كتاب29 باب30. 31، حديث3312. ص 1100. (1/4)
صفحة 5
وتبع هذا المسلك صحابته رضي الله عنهم، الذين حافظوا على هذا النظام فكانت الخلافة الرشيدة مبنية على هذا النظام، قائمة على أسسه، لا فرق فيها بين الخليفة وغيره، فالناس كلهم سواسية أمام الحق، يأتي أحد من عامة الناس، فيقدم شكوى إلى القاضي عن الخليفة نفسه، فيمثل الخليفة أمام القاضي كواحد من سائر الناس، حتى يظهر بينته وحجته، هكذا كانت عدالة الإسلام في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
الانحراف السياسي وإصلاحه
ثم تسلم الأمر من بعدهم قوم لهم أحقاد على الإسلام، لأنهم وتروا في غزوات متعددة كانت بين المسلمين والمشركين، تسلموا السلطة فحولوا الخلافة العادلة إلى قيصرية ظالمة غاشمة يورثها الأب ولده، وكثير من الناس يحبون الدنيا ويجاملون أهلها، ويمشون في ركاب الذين يتولون أزمة الأمور فيها، فمن هنا كانت الدعايات لهؤلاء، فوصفوا بالفضيلة والعدل والاستقامة والحق، ومن أراد أن يقوم ضدهم نشرت عنه دعيات متعددة.
وقد وضعت أحاديث كثيرة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن الحاكم تجب طاعته على أي حال برّ أو فجر، عدل أو جار، ما دام يقول لا إله إلا الله، كأنما كلمة "لا إله إلا الله" وسيلة إلى الظلم والعدوان والجور والغشم، وليست وسيلة إلى الحق والعدل، والاستقامة والإنصاف بين الناس، مع أن مفهوم "لا إله إلا الله" هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالملك والقهر والحكم والأمر، فإن الألوهية لله وحده، والناس متساوية أقدامهم أمام الله، لا يتفاضلون إلا بتقوى الله تعالى، فكيف تكون هذه الجملة التي قام عليها العدل والرشد والدين وسيلة لظلم الظالمين، وعبث العابثين، وتكبر المكابرين. (1/5)
صفحة 6
في هذه الحال كانت هنالك فئة تدعو إلى الحق، وتبشر به بين الناس، وتدعوهم إلى التمسك بأهداب الفضيلة ومبادئ الكتاب والسنة، التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطبقها في حياته، وطبقها خلفاؤه الراشدون من بعده، ولكن انبرت ألسنة كثيرة ضد هؤلاء، فاتهموا باتهامات شتى، ونبزوا بألقاب، وأسيئت بهم الظنون وشهّر بهم عند الناس، وقيل فيهم ما قيل كما هو معلوم.
وعلى رأس هؤلاء الذين كانوا يدعون إلى اتباع النظام الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون من بعده الإباضية (1) الذين كان لهم النصيب الأوفر من التهم، وحوربوا ماديا ومعنوياً محاربة لا هوادة فيها، { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } (2)
__________
(1) الإباضية أول المذاهب الإسلامية نشوءاً، ظهر في أواخر النصف الأول من القرن الأول الهجري، إمامهم جابر بن زيد المتوفى سنة 93هـ، يدعون إلى الإمامة العادلة والجمهورية الإسلامية، ضد الحكم الملوكي، نسبوا إلى عبد الله بن أباض لأنه كان يجهر بدعوتهم، ويدافع عن مبادئهم علناً في وجوه الأمويين، من معتقداتهم تنزيه الباري سبحانه وتعالى عن مشابهة الخلق، والإيمان بالقدر خيره وشره من الله، والإيمان عقيدة وقول وعمل، واستحالة رؤية الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة، وعدم فناء الجنة والنار ودوام الخلود فيهما.
انظر؛ الإباضية في موكب التاريخ، نشأة المذهب الإباضي، علي يحيى معمر، مكتبة وهبة القاهرة الإباضية بين الفرق الإسلامية، دائرة المعارف الإسلامية الصادرة عن جماعة من المستشرقين ونقلها إلى العربية محمد ثابت الفندي، سنة 1352- 1933، ج8 ، مادة إباضيون، ص13.
(2) البروج : 8. (1/6)
صفحة 7
وكان همّ أولئك المحاربين أن يمشوا في ركاب الظالمين، وأن يكونوا دائما في مواكبهم، لينالوا من نعيم عيشهم، لأن الناس أتباع الدنيا، وقد سخر العلم -مع الأسف الشديد- لهذه المصلحة، وهذا كله إنما تم بعدما تولت السلطة في بلاد الإسلام الدولة الأموية، تلك الدولة الجائرة التي انحرفت بالحكم عن المنهج الإسلامي الصحيح، ثم جاءت بعدها دول بني العباس، فسلكت هذا المسلك نفسه، وقد كانت بين هذين الدولتين وبين الإباضية معارك متعددة، كيلت التهم فيها للإباضية، مع أن الإباضية وقفوا عند حدود الله وعلموا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يتخطوا قيد شعرة ما جاءت به أوامر الله سبحانه وتعالى، فقد كانوا ملتزمين حق الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. (1/7)
صفحة 8
وقد يقول قائل إنني تحاملت على الدولة الأموية، ونسبت إلها ما هي بريئة منه، وأريد أن أثبت للذين يظنون ذلك؛ أنه ليس في نفسي ولا في نفس أحد من الذين يقولون بما أقول حقد على الأمويين من حيث إنهم أمويون، ولكن في نفسي كراهية للباطل من حيث إنه باطل، وللظلم من حيث إنه ظلم، وللجور من حيث إنه جور، وللانحراف من حيث إنه انحراف، وإلا فإننا ندين لله سبحانه وتعالى بولاية أحد من الذين جاءوا في أعقاب الأمويين الجائرين الظالمين، وأقاموا الحق في الأرض، مع كونه من بني أمية، وهو الخليفة العادل والإمام الصادق عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فنحن ندين لله تعالى بولايته، ونجعلها قربة لله سبحانه وتعالى، هذا الخليفة الذي محا بنور العدل ظلمات الجور والعسف والغشم التي تراكمت في أيام بني أمية، وحمل الناس على الحق الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده، وهذا الخليفة نستدل بفعله وقوله على أن الأمويين كانوا ظلمة، ومن شاء الاطلاع على ذلك فليرجع إلى ما كتب عنه، وما حفظ من رسائله التي تحامل فيها على أسلافه الأمويين، بأنهم انحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفي بأنه رضي الله عنه أخذ جميع ما في أيديهم من أموال واعتبره من بيت مال المسلمين، لأنهم أخذوه بغير حق، وتوصلوا إليه بالظلم والعسف والجور، فلو كان أولئك الأمويون على استقامة وحق ورشد، وكان ما يأتونه حقاً ورشداً، لكان هذا الخليفة العادل جائراً في فعله هذا، حاشاه عن الجور والظلم. (1/8)
صفحة 9
والإباضية اتفقوا مع هذا الخليفة العادل، فقد أرسلوا وفدهم إليه عندما سمعوا بعدله واستقامته ونصحه وفضله، واتفقوا معه في أكثر الأمور، ولكنهم اختلفوا معه في أشياء جزئية بسيطة جداً، ومع ذلك قال إمام الإباضية في ذلك الوقت أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي (1) ليت القوم قبلوا منه. يعني ليتهم اتفقوا معه حتى في هذه الأشياء الجزئية البسيطة التي اختلفوا فيها معه (2)
__________
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة المتوفى سنة 145هـ، اشتهر بالقفاف، أخذ العلم عن جابر بن زيد وخلفه في إمامة المذهب الإباضي، رتب روايات الحديث وأحكمها، واضطر تحت ضغط الظالمين أن يقوم بالتعليم سراً في سرداب خارج البصرة، لحقه من أذى الحجاج الكثير، لما كان يدعو إليه الحكام من التزام أحكام الكتاب والسنة وأتباع سيرة السلف الصالحين، تخرج على يديه أئمة عظام حملوا نور الهداية إلى المشرق والمغرب، منهم الإمام الربيع بن حبيب، وعبد الله بن يحيى طالب الحق، وعبد الرحمن بن رستم، ويعد في نظر الإباضية مبلور حركتهم ومبرزها من طور الكتمان إلى الظهور، له رسالة في الزكاة .
(2) انظر؛ طبقات المشائخ؛ ج2؛ ص232، ط إبراهيم طلاي.. (1/9)
صفحة 10
ولم يشهر أحد منهم سيفاً في وجهه أبداً، بل أذعنوا له بالطاعة، واعتبروه خليفة عادلاً، وتجد كتب الإباضية حافلة بالثناء عليه، وتسجيل مآثره الطيبة، كما هو موجود في شعرهم ونظمهم ومآثرهم، وهذا دليل على أن الإباضية لم يكنوا حقداً على الأمويين من حيث إنهم أمويون، وإنما يكرهون الباطل سواء جاء به القريب أو البعيد وسواء اعتنقه البغيض أو الحبيب، وهذا الذي عرف في كتبهم، وقد سجل ذلك أحد الكاتبين عنهم؛ وهو الأستاذ أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام" حيث قال: وهم وإن نظروا إلى الأشخاص ففي ضوء العقيدة، لا كما يفعل من نظر إلى العقيدة في ضوء الأشخاص (1) وقد أجاد في ذلك، وإن كان قد حشرهم في زمرة الخوارج، غير أن وصفهم بما هم متصفون به من العدل والاستقامة، وهذا إنصاف لهم وتحر للحقيقة فيهم.
شهادة من غير الإباضية
من المعلوم أن كثيراً من الناس سواء كانوا من السلف أو الخلف انتقدوا دولة بني أمية ووصفوها بما هي متصفة به، من ذلك ما كتبه شهيد الإسلام سيد قطب في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" (2) عن ظلم بني أمية وانحرافهم عن طريق الحق السديد الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون رضي الله عنه، وأضيف شهادتين من عالمين معاصرين جليلين، أحدهما الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه "التجديد لهذا الدين"، وثانيهما الأستاذ العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين".
__________
(1) ضحى الإسلام؛ أحمد أمين الطبعة الرابعة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1368هـ-1949م، ج3، ص341.
(2) العدالة الاجتماعية في الإسلام؛ سيد قطب، الطبعة الرابعة 1373هـ-1954م، دار إحياء الكتب العربية، ص216. (1/10)
صفحة 11
أما أبو الأعلى المودودي فقد قال في كتابه؛ بعد ما ذكر ما قام به الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (كل هذا أتمه خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مدة 23سنة، ثم قدر الله للأمة زعيمين عظيمين؛ أبا بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما، واصلا عمله كاملاً بجميع شعبه ونواحيه، ثم انتقل الأمر بعدهما إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه وبقي على ما أقامه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عدة من السنين في صدر ذلك العهد، ولكن أمر الخلافة آل إلى السعة والتقدم على مضي الأيام تبعاً لأتساع رقعة الدولة الإسلامية بسرعة، والخليفة الثالث الذي ألقي عليه عبء هذا العمل الجليل كان لا يتصف بتلك الخصائص التي أوتيها العظيمان اللذان سبقاه، ووجدت الجاهلية سبيلها إلى النظام الاجتماعي الإسلامي، وأن تيارها الجارف وإن حاول عثمان سده ببذل نفسه ومهجته إلا أنه لم ينكف، ثم خلفه عليّ كرم الله وجهه، واستفرغ جهده لمنع هذه الفتنة، وصيانة السلطة السياسية للإسلام، من تمكن الجاهلية منها، ولكنه لم يستطع أن يدفع هذا الانقلاب الرجعي الموكوس حتى بذل نفسه، فانتهى بذلك عهد الخلافة على منهاج النبوءة، وحل محلها الملك العضود، وبدأ الحكم يقوم على قواعد الجاهلية، بدلاً من قواعد الإسلام.
ولما أصبح الحكم إلى الجاهلية جعلت عدواها تسري إلى الحياة الاجتماعية، وتدب فيها دبيب السرطان في الجسم الحي، ولا غرو فقد كانت مقاليد السلطة بيدها لا بيد الإسلام، وكان الإسلام -بعد أن فقد قوة الحكم- لا يمكن أن يمنع أثرها من النفوذ، وسلطانها من الامتداد. (1/11)
صفحة 12
وآفة الآفات أن الجاهلية لم تمثل بين يدي القوم في حقيقتها العارية المكشوفة، بل واجهت الناس لابسة قناع الإسلام، ملونة بلونه، ولو كان إزاء الإسلام قوم من الملاحدة والكفار والمشركين الصرحاء لهان الخطب وسهل الكفاح، ولكنهم كانوا قوماً كانت علانيتهم الإقرار بالتوحيد، والإيمان بالرسالة، والمحافظة على الفرائض، والاستشهاد بكتاب الله وسنة الرسول، وفي باطن أمرهم كانت الجاهلية تعمل عملها من وراء حجاب، وإذا اجتمعت الجاهلية والإسلام على هذا الوجه في كائن واحد فلابد أن تحدث المشكلات والمعضلات التي تكون معالجتها أصعب وأشق ألف مرة من مقاومة الجاهلية المحضة، فإنك إن قمت تحارب الجاهلية الصريحة التف من حولك مئات الألوف من المجاهدين ينصرونك عليها، ولم يتجرأ أحد من المسلمين أن يساعدها عليك، ولكنك إن خرجت تحارب هذا الممزوج بين الجاهلية والإسلام، لم يستعد للذب عنها المنافقون وحدهم، بل انبرى كثير من المسلمين المخلصين وأقبلوا عليك يلومنك ويتهمونك.
ومن الحق لعمر الله أن اعتلاء المسلم سرير الحكم الجاهلي، وتقلده زعامة الساسة الجاهلية، وأن شغل المسلم وظيفة المعلم في معهد التعليم الجاهلي وتولية المشيخة الجاهلية، لخدعة خادعة قلّ من يسلم من الوقوع في حبائلها. (1/12)
صفحة 13
وكان أشد وأخطر ما في هذا الانقلاب الموكوس، أن جاءت الجاهلية بأنواعها الثلاثة لابسة لباس الإسلام، وجعلت تتأصل في المجتمع العربي الإسلامي وتتمشى فيه، وغدت آثارها تزداد انتشاراً على مرور الأيام، فأما الجاهلية المحضة فعمدت إلى الدولة والحكومة فهيمنت عليها وانقلبت الخلافة قيصرية جاء الإسلام يقطع دابرها، ولم تبق فيها من الخلافة إلا اسمها، احتالوا بأخذهم بالأثر المروي "السلطان ظل الله" وتبوأ الملوك والأمراء بهذه الحلية منزلة المطاع التي هي خاصة للإله، واسترسل الأمراء والحكام والولاة ورجال الجيش والمترفون إلى الجاهلية المحضة في هذه الملكية، وتأثرت حياتهم في قليل أو كثير بوجهة نظرها، وفسدت أخلاقهم ومعيشتهم بعاهتها.
وكان من الطبيعي أن يصحب ذلك كله رواج فلسفة الجاهلية وآدابها وفنونها، فتدون العلوم والمعارف على طرازها، إن هذه الأمور تتطلب رعاية الدولة وإشرافاً من الحكومة، ولما كانت هاتان تحت استيلاء الجاهلية، لم يكن بد من استيلائها أيضاً على تلك الأمور) (1)
__________
(1) موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه، طبع دار السعودية للنشر والتوزيع، ص40-43. (1/13)
صفحة 14
هذا كلام أبي الأعلى المودودي، وهو واضح لا يحتاج إلى أي تفسير، هو واضح في أنّ تلك الدولة التي جاءت بعد الخلافة الرشيدة، إنما هي دولة جاهلية، لا تمت إلى الإسلام بأي صلة، إلا القول الظاهر وحده، فما دعواها الإسلام إلا دعوى لم يقم عليها أي دليل أو برهان، وإنما الدلائل كانت تدل على عكسها، فالإسلام ليس دعوى وإنما هو تطبيق وعمل، كما تدل عليه آيات الكتاب العزيز وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى يقول: { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (1) فالواجب على المسلم أن يكون إسلامه محضاً لا تشوبه أية جاهلية، وأن تكون حياته لله رب العالمين، وبهذا يكون إسلامه حقيقياً، أما إذا كان يتوصل بالإسلام إلى السلطة والظلم والعصف والغشم، فليس إسلامه من الحق في شيء، وإنما هو إسلام شكلي، يدرأ عن عنقه السيف، وعن ماله الغنيمة، وعن ذريته السبي، لا غير.
__________
(1) الأنعام : 161-163. (1/14)
صفحة 15
أما الأستاذ العلامة أبو الحسن على الحسيني الندوي، فقد قال في كتابه القيم "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" ناعياً على الذين يسلكون نفس المسلك الأموي والعباسي، مبينا ما يجب أن تكون عليه النهضة الإسلامية في البلاد الإسلامية؛ قال: (لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ، كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد، هو شخص الخليفة أو الملك، أو حول حفنة من الرجال هم الوزراء وأبناء الملك، وكانت البلاد تعتبر ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد، والأمة كلها فوجاً من المماليك والعبيد، ويتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأغراضهم، ولم تكن الأمة التي كان يحكم عليها إلا ظلاً لشخصه ولم تكن إلا امتداداً لحياته.
لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد، بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وإنتاجها، فإذا استعرض أحد تأريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمان، وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة والمجتمع، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها، وتمنعها من الشمس والهواء، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه، وتصبح أمة هزيلة، لا شخصية لها ولا إدارة، ولا حرية لها ولا كرامة، وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة، فلأجله يتعب الفلاح، ويشتغل التاجر، ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف، وينظم الشاعر، ولأجله تلد الأمهات، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها، ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض وخيراتها.
وكانت الأمة؛ وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية، كلها تعيش عيش الصعاليك أو الأرقاء المماليك، وقد تسعد بفتات مائدة الملك، وبما يفضل عن حاشيته فتشكر، وقد تحرم ذلك أيضاً فتصبر، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئاً، بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص. (1/15)
صفحة 16
هذا هو العهد الذي ازدهر في الشرق طويلاً، وترك رواسب في حياة هذه الأمة ونفوسها، وفي أدبها وشعوبها، وأخلاقها واجتماعاتها، وآثاراً باقية في المكتبة العربية، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي يصور ذلك العهد تصويراً بارعاً، يوم كان الخليفة في بغداد، أو الملك في دمشق أو القاهرة هو كل شيء، وبطل رواية الحياة ومركز الدائرة، إن هذا العهد الذي يمثله كتاب "ألف ليلة وليلة" بأساطيره وقصصه وكتاب "الأغاني" بتاريخه وأدبه، لم يكن عهداً إسلامياً، ولا عهداً طبيعياً معقولاً، فلا يرضاه الإسلام، ولا يقره العقل، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه، فقد كان هذا هو العهد الذي يعيش فيه محمد صلى الله عليه وسلم فسماه الجاهلية، ونعى عليه، وأنكر على ملوكه كسرى وقيصر وعلى أثرتهم أشد الإنكار. (1/16)
صفحة 17
إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان، ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها، أو مصابة في عقلها، أو فاقدة للوعي والشعور، أو ميتة النفس والروح، إن هذا الوضع لا يقره عقل، ومن الذي يسوغ أن يتخم فوه أو بضعة أفواه بأنواع الطعام والشراب، ويموت الآلاف جوعاً ومسبغة، ومن الذي يسوغ أن يعبث ملك بالمال عبث المجانين، والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم، ومن الكسوة ما يستر جسمهم، ومن الذي يسوغ أن يكون حظ طبقة وهي الكثرة الإنتاج وحده والكدح في الحياة، والعمل المضني لا نهاية له، وحظ طبقة وهي لا تجاوز عدد الأصابع إلا التلهي بثمرات تعب الطبقة الأولى، بغير شكر وتقدير، وفي غير عقل ووعي، ومن الذي يسوغ أن يشقى أهل الصناعة، وأهل الذكاء، وأهل الاجتهاد، وأهل المواهب، وأهل الصلاح، وينعم رجال لا يحسنون غير التبذير، ولا يعرفون غير صناعة الفجور وشرب الخمور، ومن الذي يسوغ أن يجفى أهل الكفاية وأهل النبوغ وأهل الأمانة ويقصوا كالمنبوذين، ويجتمع حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس، وسخفاء العقول، وفاقدي الضمائر، ممن لا همّ لهم إلا ابتزاز الأموال، وإرضاء الشهوات، ولا يحسنون فناً من فنون الدنيا غير التملق والإطراء، والمؤامرة ضد الأبرياء، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور، وقلة الحياء.
إنه وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوماً فضلاً عن أن يبقى أعواماً، إنه إن سبق في عهد من عهود التاريخ وبقي مدة طويلة، فقد كان ذلك على غفلة من الأمة، أو على الرغم منها، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام، واستيقظ الوعي، وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها. (1/17)
صفحة 18
فالذين لا يزالون يعيشون في عالم ألف ليلة وليلة، إنما يعيشون في عالم الأحلام، إنما يعيشون في بيت أوهن من بيت العنكبوت، إنما يعيشون في بيت مهدد بالأخطار، لا يدرون متى يكبس من فوقهم، فإنه بيت قائم على معاول الهدم، وإن سلموا من كل هذا، فلا يدرون متى يخر عليهم السقف من فوقهم، فإنه بيت قائم على غير أساس متين، وعلى غير دعائم قوية، ألا إن عهد ألف ليلة وليلة قد مضى، أفلا يحذ رن قوم أنفسهم ولا يربطوا نفوسهم بعجلة قد تكسرت وتحطمت) (1)
هذا ما قاله الأستاذ الكبير بنص حروفه، وهو يكشف واقع دولة بني أمية ودولة بني العباس، كما كانتا عليه.
ثورة الإباضية على الانحراف
هاتان الدولتان هما اللتان قام عليهما الإباضية، بسبب ما كان من إسراف في المظالم، وما كان من خروج وانحراف عن سبيل الحق الذي جاء به صلى الله عليه وسلم، وسلكه من بعده خلفاؤه الراشدون، وكانت هناك ثورات من الإباضية على هاتين الدولتين، ضربوا فيها أروع الأمثال في النزاهة والبعد عن الباطل.
__________
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن الندوي، الطبعة السادسة، دار الكتاب العربي 1385هـ-1965م، ص288-290. (1/18)
صفحة 19
ومن هذه الثورات ثورة الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي (1) الذي خرج من حضرموت إلى اليمن بعد ما عقدت البيعة له بحضرموت، وأخذ يدافع السلطات الأموية، إلى أن استطاع أن يقطع دابر الظلمة في صنعاء، فأقام الناس على طريق الحق المستقيم، ووجد عند عامل بني أمية بصنعاء كثيراً من الأموال التي جباها من أهل صنعاء بغير حق، ولم يستحل الإمام طالب الحق أن يأخذ شيئاً من هذه الأموال لنفسه ولا لأحد من أصحابه، مع أنهم هم الذين فكوا ربقة الجور والظلم من رقاب أهل صنعاء، ثم أوفد قائده الإمام الشاري أبا حمزة المختار بن عوف (2)
__________
(1) عبد الله بن يحيى الكندي الحضرمي، المتوفى سنة 130هـ، كان قاضيا لإبراهيم بن جبلة عامل حضرموت، فزع إليه الناس لما رأوا الظلم والجور يكبسان عليهم من قبل ولاة بني أمية، فثار بحضرموت بعد أن أخذ الإذن من قائده وأستاذه أبي عبيدة مسلم، ثم قصد صنعاء فنصره الله وحررها من ظلم بني أمية، وقسم ما وجده من أموال في خزانة الإمارة على فقراء صنعاء، ثم أرسل قائده أبا حمزة المختار إلى الحجاز، وكانت وفاته رحمه الله على يد عبد الملك بن محمد السعدي الذي حاربه بصنعاء فقتل وأرسل برأسه إلى الشام.
(2) أبو حمزة المختار بن عوف، أحد زهاد الإباضية وفصحائهم، قاد جيش طالب الحق إلى الحجاز، دخل مكة من غير قتال، ثم توجه إلى المدينة فدخلها عنوة بعد أن اعترضته جموع بني أمية، له خطب مشهورة في أمهات الأدب والتاريخ، قتل سنة 140هـ على يد عبد الواحد بن سليمان والي مروان بن محمد، انظر؛ سير الشماخي، ص92.
الكامل في التاريخ لابن الأثير، دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الثانية سنة 1387هـ، 1967م، حوادث سنة 128، 129هـ، ص297-315. (1/19)
صفحة 20
إلى الحرمين الشريفين، ليدعو إلى الله وليقاوم ظلم الظلمة، وقد تفادى أبو حمزة المختار بن عوف رحمه الله تعالى سفك الدماء بالحرمين الشريفين، كما تفادى أن يقع تصادم بينه وبين أي مسلم، ولكن أهل المدينة الذي انطبعوا بحب بني أمية رغم ما لاقوا منهم من ظلم وقهر وعناء، أبوا إلا أن يقاتلوا أبا حمزة، وقد حاول تجنب قتالهم حسبما يستطيع، حتى أنه قال لأصحابه: لا تبدءوهم بالقتال. وأقام عليهم الحجة مراراً، ولم يلبث أهل المدينة حتى رموا أصحاب أبي حمزة بالسهام، فأصابوا رجلاً منهم، وقال أبو حمزة لأصحابه: دونكم الآن فقد حل قتالهم. وهنا قاتل أبو حمزة وأصحابه الذين كانوا قلة، وأظهرهم الله سبحانه وتعالى على الكثرة الكاثرة.
وعندما دخل المدينة المنورة، حاول جهده أن يغير مسلك أهل المدينة الذي أسلكهم فيه بنو أمية، فإن بني أمية حاولوا أن يفسدوا وضع المسلمين في الحرمين الشريفين، لما لهذين الحرمين الشريفين من قدسية عند المسلمين، ولذلك أشاعوا فيهما الغناء وجميع أنواع الفساد. (1/20)
صفحة 21
وقد أظهر أبو حمزة منهجه ورسم خطته وأبان مبدأه في خطبه البليغة التي ألقاها في المدينة المنورة، ومن هذه الخطب قوله مخاطباً أهل المدينة: تعلمون يا أهل المدنية أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشراً ولا بطراً ولا عبثاً ولا ملكا نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الدنيا بما رحبت، وسمعنا منادياً وداعياً يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله: { وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ } (1) أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافاً واحداً، قليلون مستضعفون في الأرض، فأوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا والله جميعاً بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعُونا إلى طاعة الشيطان وحكم آل مروان، فشتان لعمر الله ما بين الرشد والغي، ثم أقبلوا يهرعون ويزفون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عز وجل عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، يرتاب منه المبطلون.
__________
(1) الأحقاف : 32. (1/21)
صفحة 22
وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله عز وجل بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة إن أولكم خير أول، وأخركم شر آخر، يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم إلا مشركاً عابد وثن، أو مشركاً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً، يا أهل المدينة من زعم أن الله عز وجل كلف نفساً فوق طاقتها، أو سألها عما لم يؤتها، فهو لله عز وجل عدو ولنا حرب، يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله عز وجل في كتابه على القوي للضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذها لنفسه مكابراً محارباً، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله (1)
إلى آخر ما قاله مدافعاً عن أصحابه ومبدئه، مظهرا لدعوة الحق التي انطمس أثرها وخفت صوتها بسبب جور الأمويين تلك المدة الطويلة، بعدما آلت الدولة إليهم، فسلكوا بها مسلكاً غير مسلك الحق والاستقامة والرشد.
افتراء على الإباضية
وإذا كان هذا هو مبدأ الإباضية، وهذه فكرتهم وحركتهم، فإذن لماذا يشنع الناس عليهم، ويدافعون عن بني أمية الذين طمسوا نور الإسلام بفجورهم وفسادهم؟! ولا ريب أن الناس الذين شوهوا سمعة الإباضية أولا كانوا كما قلت يحاولون التقرب إلى السلطة، ثم أخذ يتبع آخرهم أولهم في هذا النهج، ولم يمحصوا حتى يدركوا الحقيقة، ولم يفتشوا عن الواقع، ولم يحاولوا قرن الأمور بالدلائل الثابتة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) تاريخ الأمم والملوك للطبري، مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1388هـ-1939م، ج6، ص58. (1/22)
صفحة 23
ولقد كثر الافتراء على الإباضية حتى من الذين يعدون من كبار العلماء في الدين ومن أئمة المسلمين، فإنهم أتوا بما لا يستسيغه العقل، وبما لا يؤيده شيء من الواقع في كتاباتهم عن الإباضية، وقد أخذ الناس يسلمون لتلك الكتابات ويتقبلونها من غير بحث ولا تحميص، ومن بين هؤلاء الكاتبين ابن حزم الظاهري الذي أخذ الناس يعتمدون عليه فيما كتبه عن الإباضية وهم أنزه ما يكونون عما نسبه إليهم، ومع ذلك نجد كاتبين إلى يومنا هذا لا يتحرون الحقيقة، بل يعتمدون عليه فيما كتبه عن الإباضية، لا يبالون بالإفك فيما نسبه هو وغيره إلى الإباضية.
ولنأخذ مثلاً لذلك المرتزق المسمى الدكتور صابر طعيمة في كتابه "دراسات في الفرق؛ الشيعة، النصيرية، الباطنية، الصوفية، الخوارج" نجده يقول عندما ذكر الإباضية: (والإباضية هم أصحاب إباض بن عمرو، الذين خرجوا من الكوفة جماعات في شكل مجموعة قاتلة، قتلت النساء في الطريق وسبت النساء، وقتلوا الأطفال أيضاً، وكفروا الأمة جميعاً، وأشاعوا الكثير من الفساد والعنف الدموي).
ويقول ابن حزم الأندلسي في التعريف بهم: شاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب، ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويوجبون القضاء على من نام نهاراً في رمضان واحتلم، ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها إلا القليل منهم، ويرون الحج في جميع شهور السنة، ومن الجدير بالذكر أن الإباضية بمعتقداتهم المختلفة التي عبرت عنها الفرق التي أشرنا إليها، لا يزالون منهم بقايا في سواد الكوفة) إلى آخر ما قال (1)
__________
(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، الطبعة الأولى، سنة 1347هـ، مكتبة ومطبعة علي صبيح وأولاده، ميدان الأزهر؛ مصر، ج4، ص144. (1/23)
صفحة 24
فلينظر المنصف في هذا الكلام، وليرجع إلى تاريخ الإباضية وإلى ما كتبوه في العقيدة والفقه، يجد أولاً أن ابن حزم قد كذب كذباً صريحاً لا غبار عليه ولا يعذر في هذا الكذب، فنحن نتحدى كل من يؤيد ابن حزم بأن يأتي بنص من النصوص الإباضية في أي كتاب من كتبهم، سواء الكتب التي سبقت ابن حزم أو التي ألفت من بعده، يؤيد شيئاً مما قاله.
إن من أغرب الغرائب أن يقول القائل: بأن الإباضية يرون الحج في جميع شهور السنة، وأنهم يحرمون أكل السمك إلا بعد ذبحه، وأنهم لا يرون أخذ الجزية من المجوس، وأنهم يكفّرون من خطب في الفطر والأضحى، وأنهم يقولون: أهل النار في النار في لذة ونعيم، وأهل الجنة كذلك، ومن أعجب العجب أن يأتي ابن حزم بهذه الفرية من غير أن يبالي بإلصاقها بأمة مسلمة هي أكثر الناس عملاً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (1)
كيف يكفّر الإباضية من يخطب يوم الفطر ويوم الأضحى، وهم الذين يرون أن صلاة العيد لابد لها من خطبة، وكيف يرون جواز الحج في جميع شهور السنة وهم الذين يحرصون على أداء الحج في أوقاته من غير تقديم ولا تأخير، ولا يتهاونون في ذلك أبداً، وكيف يقولون إن أهل النار في لذة ونعيم، وما بالهم يقولون ذلك وهم الذين يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، وهذه مدوناتهم في العقيدة لا تزال موجودة، أما تحريهم طعام أهل الكتاب كما يدعي ابن حزم، فهم يعنون بأهل الكتاب الذين يحاربون الله ورسوله، وهناك قول للإباضية بتحريم طعامهم، لأن الآية يرونها في أهل الذمة دون غيرهم، وكذلك الإتيان بتلك الأقوال الغريبة الأخرى كلها من الأمور التي تتنافى مع ما ثبت في كتب الإباضية.
__________
(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج4، ص144. (1/24)
صفحة 25
ولا يستغرب من صابر طعيمة أن يأتي بمثل هذه الفرية، فهو معروف بأنه صاحب تقلبات شتى حسب الهوى والجدوى، وقد سلك مسالك متعددة في كتاباته، وقد أخبرنا أحد زملائه في الدراسة من الأخوة المصريين، بأنه في بعض الفترات اعتنق الفكرة الشيوعية، وكان ينافح عنها، ونتحدى صابر طعيمة أن يأتي بدليل على أن الإباضية قتلت الناس في الطريق، وسبت النساء، وقتلت الأطفال، إن التاريخ الإباضي ينص نصاً صريحاً، سواء ما دونه الإباضية أو ما دونه غيرهم، بأنهم كانوا أكثر الناس تجنباً لسفك الدماء، ومن أراد الاطلاع على الحقيقة فليقرأ كتاب "الكامل" للمبرد، وكتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب "الأنساب" للبلاذري، يجد كيف كانت استقامة الإباضية وكيف كان سلوكهم في الحرب، هذا فضلاً عما كتبه المتأخرون الذين اعتمدوا على المصادر المختلفة، وكانوا واقعيين في كتاباتهم واعترفوا بالحقيقة، وسوف أنقل فيما بعد إن شاء الله تعالى بعض نصوصهم، وهؤلاء الذين أشير إليهم هم من غير الإباضية.
ومن الخطأ الفادح في كلام صابر طعيمة، أن الإباضية منسوبون إلى إباض بن عمرو، مع أنهم نسبوا إلى عبد الله بن إباض (1)
__________
(1) ... عبد الله بن أباض المقاعسي التميمي، المتوفى في أواخر أيام عبد الملك بن مروان، كان ورعاً صالحاً خطيباً فصيحاً، وإليه نُسب الإباضية، لأنه كان المجاهر بدعوتهم في وجوه حكام بني أمية، تتلمذ على جابر بن زيد الإمام الأصلي للإباضية، وكان ابن أباض يصدر في جميع أمره عنه، اشترك إلى جانب عبد الله بن الزبير في الدفاع عن حرم الله ضد جند يزيد بن معاوية سنة 63هـ، كما كانت لابن إباض مناظرات عدة مع الخوارج وبني أمية اشتهر بالكتاب الذي بعث به إلى عبد الملك بن مروان منتقداً به سياسة بني أمية.
انظر الأعلام للزركلي الطبعة الثالثة، ج4، ص184، سير الشماخي ص77، نشأة الحركة الإباضية؛ عوض محمد خلفيات، ص75، الحركة الإباضية في المشرق العربي، مهدي طالب هاشم، ص45. (1/25)
صفحة 26
وليست نسبتهم إلى عبد الله بن إباض للتشريع، وإنما هي ماهية للتمييز، وسماهم بذلك غيرهم من المسلمين، ولكنهم قبلوا هذه التسمية، وإلا فإنهم لم يأخذوا عن عبد الله بن إباض ولا مسألة واحدة في الفقه، ولقد أحسن الإمام نور الدين السالمي حيث قال في ذلك:
إن المخالفين قد سمونا ... بذلك غير أننا رضينا
وأصله أنّ فتى إباض ... كان محامياً لنا وماضي
مدافعاً أعداءنا بالحجة ... وحامياً إخواننا بالشوكة
قد كان في المنعة من عشيرته ... ولا يطاق بأسه لسطوته
ثم يقول:
ونحن الأولين لم يشرع لنا ... نجل إباض مذهبا يحملنا
من ذاك لا تلقى له في المذهب ... مسألة نرسمها في الكتب
فنحن في الأصل وفي الفروع ... على طريق السلف الرفيع (1)
فالإباضية أخذوا مسائل دينهم وفقههم في الدين عن كثير من العلماء؛ من بينهم الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد، الذي أخذ عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يأخذوا عن عبد الله بن إباض شيئاً من ذلك، وإنما كان لهم إماماً سياسياً يدافع عنهم، ويعلن كلمة الحق مدوية في صفوف أعدائهم من الأمويين من غير مبالاة لقهرهم وسلطانهم.
ومع ذلك كله نجد في كتاب آخر يسمى "الإباضية عقيدة ومذهباً" وهذا الكتاب سرقه المرتزق صابر طعمية، فنسبه إلى نفسه لأجل الإثراء لا غير، مع أن كاتبه طالب قطري، وقد اطلعنا على هذا الكتاب قبل أن ينسبه صابر طعمية إلى نفسه والتقينا بمؤلفه، نجد أيضاً في هذا الكتاب عدم الإنصاف إذ يقول الكاتب فيه: (ومن ثم فنحن لا نستطيع إغفال أو إهمال ما كتبه رجال المقالات وكتاب الملل والنحل والأهواء عن الإباضية، لأننا إن أغفلنا ما دونوه عن هذا المذهب، تحت دعوى أنهم لم يتحروا الدقة، فإن الدعوى نفسها ستنصرف على كل ما كتبوه عن الفرق الأخرى (2)
__________
(1) كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، الشيخ نور الدين السالمي، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع.
(2) الإباضية عقيدة ومذهبا، د.صابر طعيمة، دار الجيل، بيروت، 1406هـ-1987م، ص70. (1/26)
صفحة 27
ونحن نعلق على هذا الكلام، إن كان هذا المدعي يقول ما قال وهذا ما لم يقل به منصف، نعلق على كلامه بأنه ما هو المانع من عدم الاعتماد على ما كتبوه عن أي مذهب آخر بعدما ثبت كذبهم، وأنهم لا يتحرون الحقيقة، وهل تقاوم هذه الأدلة الظاهرة على أن هؤلاء كتبوا من منطلق نزعتهم، لا من منطلق الواقع؟ وقد قصدوا تشويه الحقيقة لا إبرازها كما هي، فنحن نقول بأنه يجب أن يُرجع فيما يكتب عن أي مذهب أو فرقة أو طائفة أو أي أحد إلى المدونات المأثورة عن تلك الفرقة أو الطائفة، أو أي شخص بعينه، ولا يقبل في أحد كلام خصومه.
وهل هؤلاء الكتاب أصحاب المقالات كانوا معصومين، هل هم رسل من الله تعالى يجب تصديقهم على أي حال، إن ما أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودوّن في كتب الحديث فيه كثير مما افتري عليه ولم يصدر منه، وإذا كان الافتراء وقع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف لا يفترى على غيره من أمته؟ وكيف لا يفترى على من تمسكوا بهدي سيرته، فهؤلاء الذين كتبوا المقالات ليسوا في عصمة النبوءة، وليست كتاباتهم هي الحق، وما دام الواقع يثبت أن كتاباتهم ليست من الحقيقة في شيء فلماذا يستند على تلك الكتابات ويعول عليها دون غيرها؟ وإذا كان الناس في وقتنا هذا ينسون إلى الإباضية أشياء هم أبعد ما يكونون عنها، فكيف يستغرب أن يحدث ذلك في تلك العصور؟ مع أن المقصود مما ينسب إليهم من الفرية المحافظة على كراسي الحكام الجبابرة المتسلطين في الأرض بغير حق.
افتراءات معاصرة (1/27)
صفحة 28
ولنسمع إلى فرية من الفرى المعاصرة، التي لم يبال صاحبها، ولم يخش الافتضاح، فقد نشرت جريدة "الدستور" الأردنية مقالاً تحت عنوان "متزمتون من البياضية" جاء تحت هذا العنوان: صرح مصدر سعودي في باريس، أن أعضاء الجماعة التي احتلت المسجد الحرام، فجر أول شهر عام 1400هـ هم من طائفة الخوارج، وهذه الطائفة متعصبة ومتزمتة، ويبلغ عددهم ستمائة ألف، وهم من البياضية، يسكنون الجزائر ومسقط وأفريقيا وتونس وليبيا وعمان (1)
لننظر في هذه الفرية العظيمة، هل هنالك شخص واحد من الإباضية ممن انتهك حرمة الحرم الشريف؟! وهل هنالك من هذه الطائفة التي احتلت المسجد الحرام في ذلك الوقت شخص واحد من الإباضية؟! أو شخص واحد ممن ينتسبون إلى البلدان التي ينتسب إليها الإباضية؟! إنه لا يوجد من بين هؤلاء أي عماني أو جزائري، ولا أحد من أفريقيا الشرقية أو من تونس أو ليبيا، وإنما هم من المملكة العربية السعودية نفسها، والذين شايعوهم من غير المملكة العربية السعودية هم من الوهابية المتطرفين، فكيف مع ذلك الصقوا هذه التهمة بالإباضية.
__________
(1) جريدة الدستور الأردنية، عدد4412، تاريخ 22/2/1979. (1/28)
صفحة 29
مع أنه من المعلوم أن الإباضية في تاريخهم الطويل هم الذين دافعوا عن حرم الله سبحانه وتعالى، فعندما انتهك الحجاج بن يوسف حرمة الحرم الشريف حاول الإباضية جهدهم أن يجاهدوا تحت لواء ابن الزبير دافعاً عن حرم الله تعالى، وعن مقدسات الإسلام، وكذلك عندما أراد يزيد (1) أن يذهب إلى مكة المكرمة لينتهك حرمتها بعد أن انتهك حرمة المدينة المنورة، وقتل عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار في وقعة الحرة، عندما أراد أن يذهب إلى مكة المكرمة وسمع الإباضية بذلك، انبروا ذاهبين إليها ليدافعوا عن حرم الله سبحانه وتعالى (2) فكيف يمكن أن يقال بأن هؤلاء الذي اقتحموا الحرم الشريف هم من الإباضية.
ومما يؤسف له حقاً أن تصدر هذه الفرية من شخصية معتبرة في المملكة العربية السعودية، مع أنه كان من الواجب على الأقل أن يحترم الدولة التي ينطبق باسمها، وهذه الدولة قد تشرفت بخدمة الحرمين الشريفين، ولكن الهوى يعمي ويصم، هذا من أمثلة الافتراء على الإباضية في الوقت الحاضر.
__________
(1) قائد يزيد هو مسلم بن عقبة المري المسمى مسرفاً، لما أسرف من الدماء في وقعة الحرة، توفي قبل أن يصل مكة في مكان يدعى المشلل، وكان قد استخلف مكانه الحصين بن النمير فسار إلى مكة وحارب ابن الزبير وأحرق الكعبة.
(2) تاريخ الطبري، مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1358هـ-1939م، ج4، ص382، الكامل لابن الأثير، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1387هـ-1967م، ج3، ص316. نشأة الحركة، د.عوض خليفات، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن، سنة1978م، ص77. (1/29)
صفحة 30
ومن الأشياء التي يندى لها الجبين وإنما نذكرها للتمثيل، أن بعض أهل الإفك من الذين يتسمون بالعلم ويحملون الحقد للإباضية، يشيعون عنهم أنهم يبيحون زواج رجل بالرجل، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، وقد فات هؤلاء الذين يشيعون هذا الإفك، بأن الجنس الثالث لم يكن في البلاد الإباضية، وبأن الذين يتغزلون بالغلمان ويتشببون بالرجال ليسوا من الإباضية، فكتب الأدب حافلة بالغزل في الغلمان والرجال، وإنني لأتحدى أي أحد في مشارق الأرض ومغاربها بأن يأتي بيتاً شعرياً عن إباضي تغزل فيه بغلام أو رجل، فأنى يمكن أن تنطلي هذه الفرية على الإباضية، مع أن الإباضية يرون حد "اللواط" كحد الزنى، ومنهم من يرون أن فاعله يرمى من شاهق، أو يرمى بالحجارة حتى يموت، وقد عمل بذلك الإباضية في طوال تاريخهم، وقد كانوا هكذا يعاقبون أصحاب هذه الجريمة الشعناء.
هذا مثل آخر أيضاً من أمثلة الافتراء على الإباضية، فكيف يستغرب إذا افترى أحد في تلك العصور الغابرة التي كان بنو أمية يستقطبون أصحاب الدعايات المعرضة لأجل تثبيت كراسي حكمهم، وكذلك كان الواقع عند بني العباس، فكل من أراد أن يثور على ذلك الظلم والاستبداد كيلت له التهم كيلاً، ورمي بشتى الأشياء التي هو بريء منها، وبمقارنة الماضي بالحاضر يمكن للإنسان أن يدرك الحقيقة، فإننا ولا شك ندرك في وقتنا هذا أن كثيراً من الجماعات الإسلامية التي قامت لأجل الدعوة إلى الله، وإظهار الإسلام الحنيف، ومقاومة البدع، والدفاع عن كرامة هذا الدين الحنيف، كيلت لها التهم كيلاً، ونبزت بالألقاب وشوهت حقيقتها، كما هو واضح لكل من أدرك الحقيقة.
دعوة إلى الإنصاف (1/30)
صفحة 31
هذا؛ وأريد أن أذكر قصة يتبن بها الإنسان كيف ينصف الإباضية غيرهم، ولا ينصفهم غيرهم، فقد قمت في هذا العام بزيارة للمملكة العربية السعودية مع مجموعة من إخواننا، بدعوة وجهها إلينا معالي وزير العدل السعودي، وفي اليوم الثاني للزيارة، وهو اليوم الثاني من شهر جمادى الأولى من عام 1406هـ دخلنا على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (1) وكنا متشوقين إلى الاستفادة منه وسماع مواعظه والانتفاع بكلامه، ولكننا فوجئنا بمفاجأة لم نكن نتوقعها، فبمجرد دخولنا عليه دخل بنا إلى مكان ضيق، ثم أخذ حسبما يبدو له ينصحني عما سمعه عني من الفتاوى في الأمور الخلافية التي للإباضية فيها رأي، وهم في رأيهم يستندون إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد كانت هذه النصيحة مملوءة بالكلمات القاذعة، وقد وصف فيها الإباضية بالضلال، والبعد عن الحق الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله رب العالمين.
__________
(1) عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والرئيس العام لإدارات البحوث العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد، بالمملكة العربية السعودية، توفي 1421هـ. (1/31)
صفحة 32
فأجبته أولاً شاكراً له نصحه، وقلت له: إن الحق يدعيه كل أحد، وكل منا يناوئ خصمه، ويزعم أنه هو الحق، وأن خصمه على الباطل، ولكن الحق لا يوصل إليه بالإدعاء، وإنما يوصل إليه بالحجة البينة، وعليه فإن واجبنا أن نظهر الحق، وذلك بالمناقشة الهادئة الهادفة، واقترح أن تكون هذه المناقشة في مكة المكرمة التي هي مهبط الوحي، ومنطلق دعوته الأولى، وفيها الكعبة البيت الحرام قبلة المصلين، وفيها المشاعر العظام التي يتجه إليها عباد الله في حجهم، وفيها اجتماع أكبر عدد من المسلمين في موسم الحج، واقترحت أن تكون بيني وبينه -أو بينه وبين أي أحد يختاره منا- مناقشة هادئة هادفة، تنقل هذه المناقشة عبر الأثير إلى مسامع الناس بإذاعة صوت القرآن الكريم بمكة المكرمة، كما تنقل بالتليفزيون السعودي، ويسمح للإذاعات والتليفزيونات الأخرى أن تنقلها عبر الأقمار الصناعية، كما يسمح لمراسلي وكالات الأنباء بأن ينقلوا هذه المناقشة إلى قراء صحفهم حتى تتبين الحقيقة لكل أحد.
فما كان من سماحة الشيخ إلا الرفض الشديد لهذه المقترحات فسألته عما يريد، فقال: أريد أن تقلعوا عن عقيدتكم، وتتبعوا عقيدتنا.
قلت: إن الأمر ليس بالهين، وصاحب الحق لا يكون جباناً ولا هياباً، فإذا كنتم تعتقدون أنكم على الحق وأننا على الباطل، فما الذي يضيركم أن نجتمع ونتناقش على مسمع العالم وبصره، ذلك لأن الحق يجب أن يوصل إلى مسامع الناس وإلى أبصارهم.
فقال: لا، إن الباطل يجب أن يرفض ولا ينشر.
فأجبته: إن في هذا إحقاقاً للحق وقطعاً للباطل، وليس هذا نشراً للباطل.
قال: لا، بل يجب أن يخفى الباطل عن الناس حتى لا يعرفوه.
قلت له: أرأيتم لو أتاكم نصراني أو يهودي أو مجوسي منتقداً الإسلام، أما كنتم ترضون أن تناقشوه على مسمع ومرأى من الناس.
قال: إن في ذلك دعوى إلى الإسلام. (1/32)
صفحة 33
قلت له: وكذلك في هذا الأمر إظهار للإسلام الصحيح الذي جاء به الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، والحجة هي الفيصل، فإذا كنتم تعتبروننا على الباطل فلماذا لا ترضون أن نفتضح على رؤوس الملأ، وإنما ظاهر الأمر أنكم موقنون بأنكم لستم على شيء من الحجة، فلذلك أصررتم على الرفض، ولو كنتم أدركتم أن لكم الحجة، وأنكم على الحقيقة الناصعة البيضاء، ما استحييتم من إظهار هذه الحقيقة المطابقة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فأصر الشيخ أيما إصرار على الرفض، فأي تحد أعظم من هذا التحدي الذي جاء به الشيخ، حيث يريد أن يكرهنا بأن ننزل عما نعتقده أنه الحق لما رأينا أدلة الكتاب والسنة دالة عليه، بينما نحن ندعوه إلى التحاكم إلى الدليل والحجة، فهذا إنصاف واضح.
وإنما نحن نطالب جميع الناس، إما أن يدرسوا المذهب الإباضي بإتقان وإمعان وتجرد، بحيث لا تغشى العصبية أبصارهم عن درك الحقيقة، وإما أن يسكتوا عنا، أما أن يتهجموا من غير دليل ولا حجة، ومن غير دراسة وإمعان في أصول المذهب ومعتقداته وتاريخ رجاله، إلا ما يكتبه الكاتبون الحاقدون من المتقدمين والمتأخرين فليس ذلك من الإنصاف في شيء.
وإننا والحمد لله ندرس كتب جميع المسلمين من غير تفرقة بين مسلم ومسلم، ونأخذ الحق متى نراه، كما يقول أحد أئمتنا وهو نور الدين السالمي رحمة الله تعالى إذ يقول (1) :
ولو كان مبغض لنا أتاه ... فنأخذ الحق متى نراه
أتى به الخل الذي له اصطفوا ... والباطل مردود عندنا ولو
وقد سبق أن ذكرت موقف أبي حمزة حيث اعتبر الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو متسلطاً في رقاب الناس بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى من الحق (2) هذا إنصاف لهذه الأمة ولكل من له عقل.
__________
(1) كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، الشيخ نور الدين السالمي، مكتبة الضامري.
(2) تاريخ الطبري، ج6، ص58. (1/33)
صفحة 34
وهذا هو المبدأ الذي سلكه أصحابنا، فالإمام نور الدين السالمي يقول:
فوق شهادتهم اعتقادا ... ونحن لا نطالب العباد
إخواننا وبالحقوق قمنا ... فمن أتى بالجملتين قلنا
واعتقدوا في دينهم ضلالا ... إلا إذا ما نقضوا المقالا
ونحسبن ذلك من حقهم ... قمنا نبين الصواب لهم
في كتب التوحيد والتقرير ... فما رأيته من التحرير
جاء بها من ظل للمنتبه ... رد مسائل وحل شبه
بجهدنا كيما يضلوا الخلقا ... قمنا نردها ونبدي الحقا
ونكتفي منهم بأن يسلموا ... لو سكتوا عنا سكتنا عنهم (1)
شكر وتقدير للمنصفين
هذا؛ ولا يفوتني أن أذكر بكل إكبار وتقدير وشكر أصحاب الضمائر الحية والعقول المتحررة، الذين أنصفوا الإباضية، ولم يألوا جهدهم في بيان حقيقة الأمر الذي خفي عن كثير من الناس.
أولئك الذين حرروا أقلامهم من تأثير العصبيات والأهواء والرغبات المالية وغيرها، وإنما قادتهم الرغبة في الموضوعية إلى الحقيقة الناصعة الظاهرة البيضاء، وأذكر من بين هؤلاء العلامة عز الدين التنوخي، الذي كتب كتابات متعددة عن الإباضية بما قدمه في كتبهم، وقد كان عضواً في المجمع العلمي بدمشق.
ومن بين هؤلاء أيضاً الأستاذ أحمد أمين الذي ذكرت بعض ما كتبه عن الإباضية، وإن أخطأ في نسبتهم إلى الخوارج، والأستاذ الدكتور عوض خليفات في كتب ورسائل متعددة أجاد فيها وبحث الحقيقة، والأستاذ مهدي طالب هاشم والأستاذ الدكتور عبد العزيز المجذوب صاحب كتاب "الصراع المذهبي بإفريقيا إلى قيام الدولة الزيدية"، والأستاذ عبد الحميد السائح الذي ذكر الإباضية بأنهم أكثر الناس تطبيقاً لمبادئ الإسلام وأخذاً بتعاليمه وأنهم أكثر الناس شهرة بالأمانة، وأريد أن أنقل هنا بعض النصوص مما كتبه الكاتبان، الدكتور عبد العزيز المجذوب المدرس بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس الخضراء، والأستاذ مهدي طالب هاشم.
__________
(1) كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة. (1/34)
صفحة 35
أما الدكتور عبد العزيز المجذوب فقد تحدث في كتابه "الصراع المذهبي بإفريقيا" عن الإباضية تحت عنوان "الإباضية في الميدان" ومما ذكره في هذا الفصل قوله: (وأبرز ما يتصف به الإباضيون تمسكهم الشديد بالدين، بأداء فروضه وتجنب نواهيه إلى حد الغلو، وبغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزاً دينياً، ومجداً سياسياً، خلد ذكرهما التاريخ).
ونحن وإن كنا لا نوافق الدكتور في تعبيره عن التمسك بالواجبات واجتناب المنهيات بالغلو فإنه لا غلوّ في طاعة الله سبحانه وتعالى، فإننا نقدر له هذه الموضوعية في وصف الإباضية بما هم متصفون به.
وذكر أيضاً بعد ذلك المذهب فقال: (وذلك لأنّ أتباعه حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته البررة في سلوكهم وأمور معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إثماً، ولا مارسوا في قيادتهم ظلماً، ولا أيّ لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة.
بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلاً، لا لكونهم معصومين، بل لأن رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه، وتلك هي قيادة الإسلام في الحكم، التي سار عليها الخلفاء الراشدون وعليها حافظوا، ودونها نافحوا، فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه، وأن يقبل على أتباعه الناس ببلاد المغرب، ليجدوا في أكنافه الأمن والكرامة، وهم من سئموا حياة الاضطراب والظلم، على أيدي الكثير من عمال بني أمية وبني العباس). (1/35)
صفحة 36
كما تحدث بعد ذلك عن الرائد الأول للإباضية في الشمال الإفريقي وهو سلمة بن سعد (1)
__________
(1) سلمة بن سعد الحضرمي أحد خريجي مدرسة أبي عبيدة مسلم، رجل امتلأ قلبه إيمانا بالله، ووعى عقله القوي ما دعا إليه الكتاب الكريم، واتسع فهمه الذكي لما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، انطلق يدعو الناس إلى التمسك بدين الله القويم، وعدم الانصياع لعبدة الأهواء، لا يقيم للدنيا وما فيها وزناً، ويعتبر أول من نقل الفكرة الإباضية إلى إفريقيا وذلك سنة 104هـ، وكان نشاطه مرتكزاً في المغرب الأدنى، وكان يصرح لإخوانه ويقول: وددت أن يظهر هذا المذهب (الإباضي) بالمغرب يوماً فما أبالي أن تضرب عنقي، نجح نجاحاً كبيراً في مهمته، وخاصة في إرسال البعثات إلى مدرسة أبي عبيدة بالبصرة، ومنهم: محمد بن عبد الحميد بن معطين وعبد الرحمن بن رستم وغيرهم.
انظر؛ الإباضية في موكب التاريخ، علي يحيى معمر، الحلقة الثانية، القسم الأول، ص25، نشأة الحركة الإباضية، عوض محمد خلفيات، ص33، تاريخ المغرب الكبير، محمد علي دبوز ج3، ص121. (1/36)
صفحة 37
الذي خرج من البصرة، أمره قائده أبو عبيدة مسلم بن أبى كريمة التميمي أن يتجه إلى الشمال الإفريقي، وأن يشرح للناس حقيقة الدين، ويقاوم جهده الظلم والظالمين، وصفه الأستاذ الدكتور عبد العزيز المجذوب بقوله: (هو سلمة بن سعد الذي عرف كيف يتنقل بالبلاد وأي الشعاب يسلك حتى يأمن ظلم الظالمين، ويضمن لعمله التوفيق، ولرسالته الانتشار، فاختار الطرق الجبلية البعيدة عن الصحراء القاحلة وأهوالها، وعن المناطق الساحلية الخاضعة لسلطة الولاة، وبجبال نفوسة ودمّر ونفراوة، وما والاها من المرتفعات والجبال، وكلها مناطق آهلة بالسكان كثيرة العمران أمكن له أن يستقر ويقوم في صفوف البربر بالدعوة، موضحاً للأذهان الصورة الصحيحة للإسلام في الاعتقاد والعبادة والمعاملة، وهي غير الصورة التي شاهدها الناس في الحاكمين وأتباعهم في ذلك الوقت، فالتفّ من حوله الناس، مستجيبين لدعوته، وراح يتنقل من مكان إلى آخر، وما ارتحل من موضع إلا خلّف فيه أتباعاً، تكاثروا مع مرور الأيام والأعوام، حتى صار لهم شأن، وأضحوا يمثلون قوة يقر لها ألف حساب). (1/37)
صفحة 38
ثم تحدث عن البعثة التي خرجت من إفريقيا إلى البصرة، لتلقي العلم عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى، وتحدث عن ظلم بني أمية في إفريقيا، وما قام من الثورات بسبب ذلك، وانتهى به المطاف إلى الحديث عن الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح، الذي خرج من البصرة وكان يمني الأصل (1)
__________
(1) أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني، وفد إلى البصرة للتخرج من مدرسة أبي عبيدة مسلم، فاجتمع بحملة من العلم من المغرب، وبعد خمس سنوات من الدراسة ودعهم أستاذهم وأشار عليهم بتولية أبي الخطاب إماماً إن أمكن لهم الظهور، وإن رفض قتلوه، ولما صاروا إلى طرابلس وكانت تحت الحكم العباسي، بايعوا أبا الخطاب في مكان يدعى صياداً، خارج طرابلس سنة 140هـ، ثم قصدوا الوالي العباسي فخيروه بين البقاء بينهم أو اللحاق بأسياده، فاختار اللحاق، سار أبو الخطاب بالدولة الخطابية سيرة رشيدة، ثم قصد القيروان لتخليصها من ظلم الورفجوميين الذين عاثوا فيها فساداً فهزمهم في معركة الرقادة، دون أن يتبع مدبرهم أو يجهز على جريحهم، أو يأخذ شيئاً من أموالهم، وولى عليهم عبد الرحمن بن رستم، ولم تدم ولايته رحمه الله إلا أربع سنوات حتى فاجأته القوات العباسية بقيادة محمد بن الأشعث فاستشهد هو وجنده سنة 144هـ.
انظر؛ سير الشماخي ص123. طبقات المشايخ بالمغرب، الدرجيني، مطبعة البعث قسنطينة، ج 8، ص22، الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الثانية، القسم الأول، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع السيب / سلطنة عمان، ص49. (1/38)
صفحة 39
وتعلم عند الأستاذ الكبير العلامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ووجهه إلى المغرب ليكون مع البعثة الإباضية التي جاءت من الغرب، وأمرهم أن يبايعوه إماماً لما تفرس فيه من الذكاء والقدرة على السياسة، تحدث عنه وعن قيامه من الحق، وعن دفاعه عن كرامة الإسلام، ثم ذكر تخليصه من ظلم عاصم الورفجومي، الذي كان صفوياً، والذي انتهك حرمات الناس، واستباح دماءهم وأموالهم وأعراضهم، قال بعد ذلك: (ثم بعد أن أمّن الناس حافظاً أرزاقهم وأعراضهم، ولّي على القيروان عبد الرحمن بن رستم، ورجع إلى طرابلس، ودامت ولاية ابن رستم سنتين اثنتين، ذاق المسلمون فيهما بالقيروان وبإفريقيا كلها طعم الأمن، وعرفوا معنى العدل، وأدركوا لأول مرة تقريباً طعم العيش الكريم، في ظل الحكم الإسلامي النظيف).
ثم نجد الأستاذ الدكتور المجذوب يتحدث عما دار من صراع بين الإباضية وغيرهم في الشمال الإفريقي فيقول: (والواقع أن الإباضية قد تمكنت من فرض وجودها التاريخي، فحققت عزاً دينياً ذا بال، بقيت آثاره إلى اليوم في أتباعه الذين يعيشون بيننا، التزموا خدمة الدين، ومقاومة البدع والرذيلة، حازمين في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما حققت مجداً سياسياً كان له شأن في تاريخ الإسلام بالمغرب العربي).
ثم قال بعد ذلك: (وننبه إلى أمر له أهميته بالنسبة لمن أراد أن يقف على دور الإباضية بإفريقيا، وموقف الناس منها، ذلك أن كتب التاريخ في سردها للأحداث التي بين ولاة الأمر بإفريقيا وبين أتباع المذهب الإباضين، تعتبر هؤلاء ثائرين خارجين عن الطاعة بل عن الدين، ينعتون بما يعنت به كل متمرد، وكان أصحاب تلك الكتب، وهم سنيون مالكيون غالباً، يعدون الإباضية فرقة كسواها من فرق الخوارج الغالية في المعتقد، ولا يعنيهم أن يفرقوا بينها وبين غيرها، استناداً إلى ما بدا منها، ومن أتباعها من تصرف باعد بينها وبين المبتدعة). (1/39)
صفحة 40
وهكذا نجده يفند مزاعم الذين نسبوا إلى الإباضية غير الحقيقة بدافع التعصب المذهبي، هذا هو الإنصاف، فجزاه الله تعالى خيراً على إنصافه (1)
أما الأستاذ مهدي طالب هاشم، فقد ألف كتابه "الحركة الإباضية في المشرق العربي" عن الحركة الإباضية منذ بداية ظهور أمرهم إلى نهاية القرن الثالث الهجري، وحسبي أن أنقل من كلامه نصاً واحداً جاء تحت عنوان "سياسة عبد الله بن يحيى بعد دخوله صنعاء" يقول: (كانت سياسة عبد الله بن يحيى مصداقاً للالتزام بالشريعة الإسلامية في معاملة المخالفين له مذهبياً من المسلمين، استطاع أن يوفق بين النظرية والتطبيق، دون أن يسمح لحكم العواطف في اللحظات الحرجة كلحظات ومواقف القتال التي تثور فيها العواطف الحياتية وحب الانتقام، فعندما طلب قائده أبرهة بن الصباح الحميري الإجهاز على الهاربين وقتلهم منعه، مع أن طالب الحق كان قد تمكن منهم كما يبدو من رواية البلاذري، لأن الإباضية لا تجوّز الإجهاز ولحوق المدبر في الحرب، وهذا يدل على الطابع المعتدل لسلوك هذه الفرقة حتى في حالة الحرب، ولو قارنا بينهم وبين الأمويين لوجدنا بونا شاسعا في هذه الناحية، فقد ظهرت في حرب الأمويين الوحشية والطابع البدوي، والخروج على القيم الإسلامية في حروبهم للإباضية.
__________
(1) الصراع المذهبي بإفريقيا إلى قيام الدولة الزيدية، عبد العزيز المجذوب، الدار التونسية للنشر سنة 1395هـ-1975م، ص104-111.
-انظر ما قاله في كتاب الحركة الإباضية في المشرق العربي، نشأتها تطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري، مهدي طالب هاشم، دار الاتحاد العربي للطباعة الطبعة الأولى 1401هـ، 1981م، ص 113- 117. (1/40)
صفحة 41
وتحدث أيضا عن الإمام طالب الحق والإجراءات التي اتخذها بصنعاء لما استولى عليها؛ فقال: (كانت أولى الإجراءات التي قام بها عبد الله بن يحيى "طالب الحق" بعد أن استولى على الخزائن والأموال، أن أمر بتوزيعها بين الناس بالسوية، ليؤكد لأهل اليمن عهداً جديداً قائماً على أساس العدل والمساواة دون مراعاة للاتجاهات المذهبية، ويذكر الشماخي أن عبد الله بن مسعود وابن خيران، وهما من الإباضية قد أتيا بالأموال التي استولى عليها طالب الحق إلى المسجد فقسمها على فقراء صنعاء، ولم يسمح للإباضية أن يأخذوا منها شيئاً، ولعل طالب الحق أراد بإصلاحاته المالية أن يكسب آخر الطبقات الفقيرة في اليمن، ويحملها على التعاطف مع الحركة الإباضية، وبسبب هذه الإصلاحات والسياسة المرنة مع أعدائه، أجمع المؤرخون كافة على حسن سيرته وسياسته، ولم نجد فيهم من يطعن في عدالته، كما أحبه المتدينون من أهل اليمن بسبب تمسكه بالشريعة الإسلامية، وقد عبّر عن وجهة نظرة العقائدية عندما ألقى خطبة في صنعاء، أظهر فيها بأنه سيسير على الإسلام ولا يسمح بالانحراف عنه، جاء فيها: الإسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا).
هكذا شهد هذا الأستاذ في هذا الكتاب القيم للإباضية، وهو من غير الإباضية طبعاً، وهكذا شأن أصحاب الضمائر الحية، والأقلام النظيفة، والنفوس الزكية، فإنهم لا يبالون في كلمة الحق أن يقولوها أو يكتبوها، مهما كلفهم الأمر.
الكتب الإباضية
ونظرت في سؤال الأخ عن عدم انتشار الكتب الإباضية ومصادرهم في المكتبات والجامعات الإسلامية، ولا ريب أن الأخ الكريم إذا تأمل ما قلناه من قبل، وأمعن فيه النظر عرف الإجابة عن ذلك، فإن كثيراً من الناس بسبب الإعلام الهادر ضد الإباضية صاروا يحذرون من تداول كتبهم، وقد أدى الأمر إلى الحكم بإحراقها في إحدى الدول الإسلامية، مع الأسف الشديد. (1/41)
صفحة 42
وبحمد الله فإن كثيراً من الناس قد تفتحوا على هذا المذهب وأخذوا يتأملونه ويدرسون كتبه، وتجد الكثير من الدراسات في الجامعات جاءت -والحمد لله- نظيفة بعيدة عن الأهواء والتعصبات، وهذا الذي نرجوه من المسلمين.
وإنني لأدعو شباب المسلمين إلى البعد عن التعصبات والأهواء التي مزقت شمل هذه الأمة، حتى طمع فيها عدوها، وأصبحت تابعة بعد أن كانت إمامة للأمم.
نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لذلك إنه ولي التوفيق، وأسأله أن يأخذ بأيدينا إلى ما يحيه ويرضاه، وأن يوفقنا إلى صالح العمل وسديد القول، إنه ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.
الفهرس
المقدمة
وحدة الصف المسلم
الانحراف السياسي وإصلاحه
شهادة من غير الإباضية
ثورة الإباضية على الانحراف
افتراء على الإباضية
افتراءات معاصرة
دعوة إلى الإنصاف
شكر وتقدير للمنصفين
الكتب الإباضية
الفهرس (1/42)