صفحة 1
الكتاب: سلسلة من أجل فهم صحيح للإسلام 11 أثر المعنويات في الإسلام لأحمد الخليلي
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) أثر المعنويات في الإسلام
محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي-المفتي العام للسلطنة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان الا على الظالمين, أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره وأتوب إليه من جميع الذنوب واستغفره, وأومن به ولا أكفر وأعادي من يكفره, وأشهد أن لا اله الا الله وحده ولا شريك له, العز كل العز في طاعته والذل كل الذل في معصيته, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله إلى خلقه بشيراً ونذيراً وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً , فبلغ رسالة ربه ونصح عباد الله فقادهم إلى الخير وهدى الله تعالى بدعوته قلوباً غفلا وبصر بها عيوناً عميا وأسمع بها آذاناً صماً, فكان قائداً إلى الخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر, نصر الله تعالى به الدين وأعز به المستضعفين وهدى به الخلق إلى مرضاة رب العالمين, صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وعلى كل من اهتدى بهديه واستشهد بسنته وسار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .
أما بعد :
فأحييكم أيها الأخوة الكرام تحية الإسلام, فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وأشكركم على هذا الاجتماع الميمون في هذه القلعة الحصينة والمكان التاريخي, وأشكر وزارة الدفاع ومن فيها من المسؤولين على إتاحة الفرص لي للاجتماع بكم والتحدث إليكم في مجال من مجالات الإسلام وأمر من أهم أمور الدين وهو أثر المعنويات في الإسلام . (1/1)
صفحة 2
لا ريب أن المعنويات في الإسلام إنما تستمد من عقيدة الإسلام, وإذا أردنا أن نعرف أثر هذه المعنويات فعلينا أولاً أن نكتنه هذه العقيدة, إن عقيدة الإسلام عقيدة تصل الإنسان الضعيف بالله سبحانه وتعالى القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء, فحري بهذا الإنسان الموصول بالله سبحانه وتعالى أن يكون مستمداً منه سبحانه وتعالى قوته, ومعولاً عليه في جميع أموره, موقناً بأنه إن أصابه شيء لن يصيبه الا بأمر الله وإن أخطأه شيء لا يخطئه الا بحكم الله ( قُل لّن يُصِيبَنَا إِلا مَا كتَب اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَ عَلى اللّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ ) هذه العقيدة جمعت شتاتاً من الناس كانوا أضيع الناس في عصرهم تقتحم العيون وتزدريهم بسبب ضعفهم وتشتتهم, فإذا بهم قوة تحسب لها القوى الكبرى كل حساب, قوة تتضاءل أمامها القوى وتتساقط أمامها الطاقات, ذلك لأنها تسلحت بهذا الإيمان وكانت موصلة بالله سبحانه وتعالى, إنكم جميعاً تدرون حالة العرب ووضعهم في جزيرة العرب قبل أن يمن الله سبحانه وتعالى عليهم ببعث عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم فيهم, لقد كانوا طبعاً أهل بسالة وأقدم ولكن مواهبهم كانت ضائعة في خضم الجاهلية التي كانوا يعيشون فيها, فكان بأسهم بينهم شديداً يأكل بعضهم بعضاً, كانوا كما يقول واصفهم ( بين داع للصنم وراع للغنم, وعالم على وهم وجاهل على فهم, وإنسان كأنه من شره آلة لفناء الإنسان, وشيطان كأنه من خبثه مادة لوجود الشيطان ) ولكن هذه العقيدة التي بعث بها عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هي التي انتشلتهم من هذا الضياع وجمعتهم بعد هذا الشتات ووحدتهم بعد هذه الفرقة, والله عز وجل يقول ممتناً عليهم ( وَ اذْكُرُوا نِعْمَت اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلّف بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَ كُنتُمْ عَلى شفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُم (1/2)
صفحة 3
مِّنهَا كَذَلِك يُبَينُ اللّهُ لَكُمْ آياَتِهِ لَعَلّكمْ تهْتَدُونَ ) .
يكفينا إذا نضرنا إلى حال الأنصار رضي الله عنهم الذين آووا هذه الدعوة وآزروها بأموالهم وسيوفهم وأنفسهم وآووا المهاجرين واكتنفوهم, ماذا كان وضع الأنصار قبل أن يمن الله سبحانه وتعالى عليهم بهذه الدعوة التي جمعت شتاتهم ,كانت العداوة متأصلة في نفوسهم ضد بعضهم البعض, فكانوا يتحاربون حرباًأهلية دامية دامت بينهم مائة وعشرين عاماُ, هذه الحرب كانت تأكل فتيانهم وتلتهم ثرواتهم وتقض مضاجعهم, بحيث لم يكن يقر لهم قرار ولم يكن يحسب لهم عند الآخرين حساب لأن بأسهم كان بينهم فكان كل منهم مشغولاً بأخيه عن عدوه, هكذا كانت حالة الأنصار .
وإذا نظرنا الى حالة غيرهم من العرب نجد أن حالتهم لا تختلف عن حالة هؤلاء الأنصار ولا تفضلها بشيء ويكفينا ما حدث به جعفر ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ابن عم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ النجاشي عندما اخبره عن وضع العرب قبل الإسلام( بأنهم كانوا يسئون الجوار ويأكلون الميتة ويقطعون الأرحام ، تفشت فيهم الفاحشة وشاعت فيهم الرذيلة ، كانوا يشربون الخمور ويزنون ولا يبالون بالمنكرات التي يأتونها ، حتى بعث الله سبحانه وتعالى فيهم ومنهم رسولا يعرفون نسبه واصله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، وأمرهم بعبادة الله وحده وترك الأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله ، ويأمرهم بصلة الأرحام وبالإحسان الى الجوار وبحسن المعاملة مع الضعفاء ). (1/3)
صفحة 4
هكذا كانت حالة العرب جميعا فإذا بهذا الإسلام يوحد شتاتهم ويجمع شملهم ، فكانوا يحملون السيف لحماية الدعوة الى الإسلام انبثوا في أرجاء الأرض ، ليسوا دعاة حرب ولكنهم دعاة سلم ، ليسوا دعاة شر ولكنهم دعاة خير ، حملوا السيف لأجل تامين هذه الدعوة التي تنتشل الضعفاء وتخرج الناس من الظلمات الى النور ، فكان الاستشهاد في سبيل الله احب إليهم من كل شيء وانطلقوا في أرجاء الأرض مستهدفين كل شيطان مريد وجبارا عنيد ، ولم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على رؤوس الأكاسرة والقياصرة وتساقطت التيجان بين أيديهم وفرت العروش أمامهم ذلك لأنهم كانوا مستمدين معنوياتهم من هذه العقيدة الحقة فكان أحدهم يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ما كانوا يريدون علوا في ولا فساداً لأنهم كانوا يضعون نصب أعينهم قول الله تعالى( تِلْك الدّارُ الآخِرَةُ نجْعَلُهَا لِلّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فى الأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعَقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ ) . وقول الحق سبحانه ( وَ لَيَنصرَنّ اللّهُ مَن يَنصرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِىّ عَزِيزٌ * الّذِينَ إِن مّكّنّهُمْ فى الأَرْضِ أَقَامُوا الصلَاةَ وَ آتَوُا الزّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَ للّهِ عَقِبَةُ الأُمُورِ ) فكان همهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، لا يريدون قهر أحد ولا الاستيلاء على ماله ، وإنما يريدون أن تسود كلمة الله سبحانه وتعالى في الأرض وينشر دينه في أرجائها وتعم هداية الله قلوب عبادة. (1/4)
صفحة 5
لقد أتى المسلمون في معاركهم بالأعاجيب فإنهم في وقت واحد واجهوا قوتين عظيمتين كبيرتين، ومع ذلك ما كانوا يسندون ظهرهم إلى قوة غير قوة الله سبحانه وتعالى كانوا يواجهون قوتين تسيطران على غالب العالم المتحضر في ذلك الوقت مثلها كمثل أمريكا وروسيا في وقتنا هذا، ولم يواجهوا إحدى القوتين مسندين ظهورهم إلى قوة أخرى ، ولم يواجهوا أيضاً قوة واحدة متفرغين لها حتى يتمكنوا منها ثم يتفرغوا للقوة الأخرى بل في وقت واحد قوتين عظيمتين ، ومع ذلك كله فأنهم انتصروا بحول الله ومنه وفضله وتمكينه سبحانه وتعالى على هاتين القوتين . كان خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ينازل القوة الرومانية الغربية في وقت كان فيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ينازل القوة الساسانية الفارسية الشرقية، وكما يقول التاريخ كان الرومان في ذلك الوقت يسيطرون على ما يسمى الآن بآسيا الصغرى ودول البلقان واليونان وأرض الشام ومصر والشمال الأفريقي إلى المحيط الأطلسي وكانت القوة الفارسية تفوق القوة الرومانية إلى دولتين إلى بيزنطة الشرقية والدولة الغربية فكان الفرس في الوقت يسيطرون على إيران والعراق واليمن وعلى جانب مهم من الهند وعلى أفغانستان وعلى شطر كبير مما يسمى الآن بالاتحاد السوفيتي إلى سيبيريا وكانت حدودها الشرقية تتصل بحدود الصين.
التقوى أساس النصر (1/5)
صفحة 6
وعندما جند أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه الأجناد لمواجهة القوة الفارسية وأمَّر على هؤلاء الأجناد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه زود سعداً ومن معه تلك النصيحة التاريخية التي يجب على كل عسكري أن يجعلها نصب عينيه وألا ينبض قلبه إلا بمعانيها يقول رضي الله عنه(أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب وأقوى المكيدة على العدو وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلون بمعصية عدوهم لله فإن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا وأعملوا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وانتم في سبيل الله ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم كما سلط على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، وأسالوا الله العون على أنفسهم كما تسألون النصر على عدوكم أسال الله ذلك لي ولكم).
هذه النصيحة البالغة كانت هي العتاد العسكري الذي لا يقابله عتاد آخر فقد سلح كل واحد من أولئك الجند بهذه النصيحة . (1/6)
صفحة 7
وعندما أرسل عمر رضي الله عنه سعداً ومن معه من الأجناد لمقاومة تلك الإمبراطورية الكبرى أمره أن يستشير في كل دقيقة وجليلة سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ بحيث لا يقدم على القتال ولا يحجم عنه إلا بعد استشارة سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ وعندما قدم سعد ومن معه إلى المدائن استشار سلمان في الهجوم على القوة الفارسية ، فقال : " أمهلني الليلة وسأجيبك غداً " وعندما أتاه في اليوم الثاني قال له " اقدم على بركات الله فإني قد طفت بالجند الليلة فوجدتهم بين راكع وساجد وبهذا ستنصرون على عدوكم " نعم طاف عليهم سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ فوجدهم ركعاً وسجداً لم يجدهم ثملين عن ذكر الله سبحانه وتعالى ولم يجدهم غارقين في النوم بل وجدهم ركعاً سجداً، وأيقن بأن هذه الحالة هي التي ستمكن لهم من عدوهم لأن الله سبحانه وتعالى وعد لن يخلف، ومن أصدق من الله قيلاً وقد قال عز وجل ( وَ لَيَنصرَنّ اللّهُ مَن يَنصرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِىّ عَزِيزٌ * الّذِينَ إِن مّكّنّاهُمْ فى الأَرْضِ أَقَامُوا الصلَاةَ وَ آتَوُا الزّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ) فايقام الصلاة أساسا الخير كله ونبع الفضائل كلها وأول نصر من العبد لربه سبحانه وتعالى بعد التوحيد الخالص له عز وجل فلذلك استبشر سلمان عندما وجد أولئك الجند بين راكع وساجد والتحم الجيشان الجيش الإسلامي القليل العدد والعدة المادية والكثير العدد والعدة المادية القليل بل المعدوم من العدة المعنوية فإذا بالجيش الساساني يندحر ويولي هرباً والمسلمون من خلفهم يقتلون ويأسرون ويتبعون فلولهم.
عزة المؤمنين تدحر ترف الكافرين (1/7)
صفحة 8
فضاق القائد الفارسي رستم الذي هو من البيت المالك والذي يعتبر مجتمع فيه عناصر الشرف وقد كانت قلنسوته بمائة ألف دينار ، ضاق ذرعاً من الهجمات التي يلقاها جيشه من الجيش الإسلامي الذي يبدوا بادئ الأمر أنه ضعيف لقلة عددهم وعدتهم فإذا به يطلب التفاوض مع المسلمين ويرسل إلى سعد _ رضي الله عنه ـ يطلب منه أن يرسل إليه من يتفاوض معه فأرسل إليه سعد ربعي بن عامر ومعه عشرون راكباً من المسلمين وكان القائد الفارسي يريد أن يغرِ المسلمين ويخدعهم بالمظاهر البراقة الخلابة ظناً منه أن المادة ستأخذ بمجامع قلوبهم وسينخدعون أو ينهزمون عندما يشاهدون مظاهر الترف عند القائد الفارسي, فأمر بالبسط الذهبية فبسطت والنمارق المذهبة فصفت والكراسي الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة فنصبت, وقعد على كرسي فخم, فجاء ربعي بن عامر ـ رضي الله عنه ـ ومن معه ولم ينزلوا عن خيلهم حتى وطئوا تلك البسط بحوافر الخيل, ثم ذهب ربعي وربط جواده ببعض النمارق المصففة هناك, وجلس إلى جانب رستم, فقال رستم(ما الذي جاء بكم ؟ ) فأجابه معتزاً واثقاً بالله سبحانه وتعال( إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ) بهذا الإيمان أجاب ربعي بن عامر رستم المغتر بمظاهر الترف الموجودة عنده, ظاناً أن المسلمين ستبرق أبصارهم عندما يشاهدون المظاهر التي أراد أن يخدعهم بها, فإذا به يقول إن هذه الحالة التي أنتم عليها ضيق ونريد نحن أن نخرجكم إلى السعة التي نحن فيها, وهنا يتساءل أحد المفكرين الإسلاميين قائلاً: إنه لا غرابة من قول ربعي " إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله " لأن الدين الإسلامي جاء ليحرر الإنسانية من الخضوع للمخلوق وليكون خضوعها لله سبحانه وحده, ولا غرابة أيضاً من قوله: " ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " لأن الديانات كانت (1/8)
صفحة 9
تستبعد الناس وتستذلهم بينما الإسلام جاء ليحرر الإنسانية ويخلصها من ربقة الظلم واستبداد الظالمين, ولا غرابة أيضاً من قوله: " ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا ", وانما الغرابة في قوله: " ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا " فأي سعة عند المسلمين الذين كان أحدهم يفطر ويتعشى بتمرات ويأوي إلى كوخ ويفترش الأرض ويتوسد الحجر ويلتحف السماء, بينما هؤلاء الفرس كانت عندهم القصور العالية والحدائق الغناء والأنهار الجارية والجواري الحسان, ومع ذلك يجيبه " بأن الله ابتعثنا لنخرجكم من هذا الضيق " أجاب : نعم , إنه لضيق وأي ضيق, فإن ربعي بن عامر إنما كان ينظر إلى الحالة التي عليها الفرس كما ينظر أحدنا إلى الكلب عند الأوروبي قد ربط بسلسلة من الذهب, فان تلك السلسلة الذهبية لا تجديه شيئاً, وفوق ذلك هو سجين حبيس ولو كانت سلسلته ذهبية, ولو كان يأكل من آنية الذهب والفضة ويشرب فيها, وكذلك كما ينظر أحدنا إلى طائر مسجون في قفص ذهبي, ويأكل ويشرب في آنية الذهب, فأن ذلك لا يؤدي إلى اغتباطه فهو حبيس, فهؤلاء كانوا حبساء حبستهم شهواتهم وعاداتهم وكانوا لا يستطيعون الانفلات من تلك العادات والشهوات إلا بالعقيدة التي تحررهم منها , وضرب مثلاً لذلك حالة يزد جرد الذي ولى هارباً من سيوف المسلمين, وكان معه ألف طباخ, وألف مغن, وألف قيم على الصقور والحيوانات , وألف خادم آخرين, ومع ذلك كان يقول (إني في حالة يرثى لها بحيث لم أحمل معي إلا هذا النزر اليسير من الخدم)وعندما عطش في طريقه واستسقى امرأة, توسمت فيه الشرف وجاءت إليه بالماء قال(إنني لم أشرب في حياتي الا مع مغنية )الماء لا يجري في بلعومه إلا بأغنية, قال: أي ضيق أشد من هذا الضيق ؟ وأي هوان اعظم من هذا الهوان ؟ إنما العرب المسلمون الذين كانوا في فسيح الحرية كانوا أحرارا . كان أحدهم يأكل كسرة التمر في يده ويفترش الأرض ويتوسد الحجر ويلتحف السماء ولا يبالي بأي شيء ، هذه هي (1/9)
صفحة 10
الحرية التي كان عليها المسلمون الأوائل .
يزدجر هذا عندما ضاق ذرعا بهذه الهزائم المتلاحقة التي كانت تلاحق جيشه أينما ذهب من قبل المسلمين القليلين ، كتب رسالة الى إمبراطور الصين يستنجده فيها على المسلمين ، وأرسل إليه رسولا ، فلما وصل الرسول الى الصين وقدم الرسالة الى البلاط الإمبراطوري الصيني وقراء الإمبراطور الرسالة ، أذن لرسول أن يدخل عليه فدخل عليه واخذ يسأله عن أشياء منها انه قال له (هل هولاء القوم الذين ظهروا عليكم هم اقل عددا منكم أم اكثر عددا ؟)قال له ( اقل عددا )قال (وهل هم اكثر عده أم اقل عده ؟)قال (هم اقل عده )قال ( فأخبرني عن حالتهم ؟ )قال (هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار )قال له (اخبرني عن طعامهم ؟ )قال له (يأكلون بقدر ما يعيشون ) قال له (اخبرني عن لباسهم؟) قال له ( يلبسون بقدر ما يستترون ، ويقولون ولباس التقوى ذلك خير ) قال له (أخبرني عن حالتهم فيما بينهم ؟ )قال له ( قلوبهم كقلب رجل واحد )قال له (انهم لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتهم الا بما ذكرته ) . ثم كتب رسالة جوابية الى إمبراطور الفرس يقول له فيها ( قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين الا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء ، فلو عارضتهم الجبال لاقتلعوها ، ولو حاولوني لازالوني من مكاني هذا ، فان شئت أن تسلم فاستسلم) هكذا فكر هذا الإمبراطور الصيني البعيد عن المسلميين في المعنويات التي يقاتل بها المسلمون ، وعلم إنها معنويات لا يمكن أن تهزم فهم لو عارضتهم الجبال لدكوها وأزالوها من مكانها ، ولو أرادوا الإمبراطور الصيني على بعده عنهم لأزالوه من مكانه ، وانما السلامة في الاستسلام لهم .
صفات الجنود المسلميين (1/10)
صفحة 11
ومثل ذلك كان في مواجهة الشطر الآخر من الجيش الإسلامي للإمبراطورية الكبرى الأخرى وهي إمبراطورية الرومان, فإن هرقل الإمبراطور الروماني عندما أحس بالهزائم التي يمنا بها جيشه المرة تلو الأخرى اجتمع بقادة الجيش لدراسة أسباب الهزيمة, فسألهم عن حالة المسلمين الذين ينازلونهم ويهزموهم( ما هي حالتهم ؟) فبادر أحد القادة وقال له( هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار, لا يأكلون في ذمتهم الا بثمن ، ولا يدخلون الا بسلام ، يقضون على من حاربوا حتى يأتون عليه ) وقال آخر ( أما الليل فرهبان واما نهار ففرسان يريشون النبل ويرمونها ويثقفون القنا ، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما عليَ من أصواتهم بالقران والذكر )الكل كان موقنا بأن هذه الصفات التي تحلى بها المسلمون هي السبب في انهزام أعدائهم . وإذا فكر الانسان في وضع هاتين القوتين العالميتين اللتين كانتا تسيطران على غالب العالم المتحضر في ذلك الوقت رأى إن انهزامهما أمام القوة الإسلامية شبه أسطورة من الأساطير ، لا يكاد العقل البشري المحصور في ضيق المادة المحسوس أن يصدق بهذه الهزائم إذا ما قاس الأمور بالمقاييس الانسانية المادية الترابية ، وبحسب الانسان أن يرى أثار الرومان في وقتنا هذا فمن رأى منكم آثارهم فبحسبه تلك الرؤية ، ومن لم يرى منكم آثارهم فليسأل هؤلاء الاخوة الأردنيين ما هي آثارهم ؟! لو وقف أحد على مدينة جرش الرومانية ونظر وضعها لقال أن من كان فيها لا يخاف جيشا يحيط به ولو جاءه بالطائرات من أعلى والدبابات من اسفل فضلا عن أن يأتيه بالسيف والرمح ، بماذا استطاع المسلمون القلة أن يخرجوا أولئك الرومان من هذه المدائن ويجلوهم منها مع حصانتها وقوتها فضلا عن كثرة عدد الرومان وكثرة من عندهم من الجيوش الأخرى فبماذا استطاعوا أن يتغلبوا عليهم ؟! انهم تغلبوا عليهم بالإيمان بالله سبحانه وتعالى . وهكذا الأيمان في كل عصر من العصور يصنع الأعاجيب ، الأيمان بالله (1/11)
صفحة 12
سبحانه وتعالى والاعتزاز بقوة الله والاعتصام بحبل الله يجعل الامر الذي يكاد يكون مستحيلا أمرا واقعا ، لان قوة الله سبحانه وتعالى لا تغلب وأرادته لا ترد، فلله الامر من قبل ومن بعد ، يمن الله سبحانه وتعالى على من يشاء من عباده بما يشاء من إمداده ، وقد وعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يمد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض إذا ما صدقوا ما عاهدوا الله سبحانه وتعالى عليه من الإيمان والعمل الصالح فان الله تعالى اشترط في نصره المؤمنين واستخلافهم في الأرض الأيمان والعمل الصالح ، فقد قال سبحانه وتعالى (وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آَمَنُوا مِنكمْ وَ عَمِلُوا الصالِحَاتِ لَيَستَخْلِفَنّهُمْ فى الأَرْضِ كمَا استَخْلَف الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنّ لهَُمْ دِينهُمُ الّذِي ارْتَضى لهَُمْ وَ لَيُبَدِّلَنهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشرِكُونَ بي شيْئاً وَ مَن كفَرَ بَعْدَ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْفَاسِقُونَ )
هذه القوة الإيمانية هي التي يتسلح بها المؤمنون في كل وقت ويواجهون بها أعتى القوى فى كل عصر . (1/12)
صفحة 13
وتوجد نماذج في التاريخ الإسلامي ، نماذج فريدة غريبة يمكن أن اذكر لكم بعض منها في هذه العجالة من الوقت ، من هذه النماذج الأمام طالب الحق عبدالله بن يحي الكندي الحضرمي ، الذي قام بالحق في وقت استبدت فيه الدولة الأموية بأمر المسلمين وأعادت أمر المسلمين كسرويا قيصريا ، فالإمام طالب الحق خرج من حضرموت بألف وستمائة مقاتل ، وكانوا على فقر مدقع حيث يصفهم أبو حمزة رحمه الله بقوله (النفر الكثير يتعاقبون على بعير واحد ويتعاورون لحافا واحدا)وواجهوا ثلاثين ألفا ، فانهزم الثلاثون ألفا أمام هذا العدد ، ولكن ما الذي صنعه الإمام طالب الحق عندما دخل بيت الحكومة في صنعاء ووجد الأموال الكثير التي جباها القاسم بن عمر الثقفي عامل بني أمية في حضرموت والذي كان يمثل الحجاج بن يوسف القريب منه نسبا في جوره وظلمه ، ولما وجد الإمام طالب الحق تلك الأموال مع فقره وحاجته وفقر أصحابه وحاجتهم لم يستحل أن يأخذ ولا أن يعطي أصحابه منها فلسا واحدا بل قال ( هذه أموال جبيت بغير حق من أهل صنعا فنردها فيهم ونوزعها عليهم )وفي هذا يقول الأمام نور الدين السالمي :
وطالب الحق بصنعا حكما******* علها في أهلها واحتشما
لم يأخذ عند مضيق يومه ******** شيئا لنفسه ولا لقومه
تعففا ومن كمثلهم *******اكرم بهم من عصبة اكرم بهم
كانوا يموتون على ما ابصروا*******من الهدى ما بدلو وغيروا
وعندما أرسل قائده الشاري أبا حمزة المختار بن عوف السليمي العماني الى الحرمين الشريفين ، فتح الله سبحانه وتعالى له مكة المكرمة من غير قتال ، وذهب متجها الى المدينة فواجهته جموع الموالين لبني أمية في قديد, ونشبت بينهم المعركة بعد أن أقام الحجة عليهم, وكان عدد أصحابه سبعمائة مقاتل, انتصر أولئك السبعمائة على الآلاف المؤلفة. (1/13)
صفحة 14
وعندما دخل المدينة المنورة أخذ أهلها يتهكمون به وبأصحابه ويقولون( هؤلاء شباب غمر سفيهة أحلامهم )جاء أبو حمزة إلى منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويضع قدميه الشريفتين, وبكى طويلاً حتى خضب لحيتها بالدموع, وقال(آه كم من قدم عاصية لله, منتهكة لحرماته واطئة على أحكامه, وطئت موطئ قدم النبي صلى الله علية وسلم, بأبي هو وأمي ) ثم ارتقى درجة واحدة في المنبر تواضعاً لمقام النبوة ومقام الخلافة الرشيدة, وألقى خطبته التاريخية التي استعرض فيها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وما حدث بعد ذلك من تغيير عند بني أمية ثم قال مدافعاً عن أصحابه(يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي, تزعمون أنهم شباب, وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً, نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم, غضيضة عن الحرام أعينهم, بطيئة عن الشر أقدامهم, أنضاء عبادة وأطلاح سهر, موصول كلامهم بكلامهم, وقيام ليلهم بصيام نهارهم, قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم من طول السجود, مصفرة ألوانهم ناحلة أجسادهم من كثرة الصيام وطول القيام, لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن, إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها, وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه, مستقلون ذلك في جنب الله مستنجزون لوعد الله, حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت ورماحه قد أشرعت وسيوفه قد انتضيت, وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت, استهانوا بوعيد الكتبية لو عد الله, فلقوا شبا الأسنة وشائك السهام وحد السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم, ومضى الشباب هنالك قدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه فخر صريعاً في الثرى, ورملت محاسن وجهه بالدماء, وأسرعت إليه سباع الأرض وانحط إليه طير السماء, فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله, وكم من يد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها (1/14)
صفحة 15
صاحبها في سجوده لله, وكم من خدٍ عتيق فلق بعمد الحديد, فرحم الله تلك الأبدان وأدخل أرواحهم الجنان )هذه الصفات... التي ينعتهم أبو حمزة بها هي التي مكنت لهم وكانت رائداً لهم في ميادين المعركة إلى النصر المبين والفتح, فمكن الله سبحانه وتعالى لهم ورزقهم إحدى الحسنين أولاً ثم رزقهم الحسنى الثانية التي يمشون أليها ثانياً .
ومن أمثلة النصر الذي يتحقق للقلة المؤمنة بسبب الإيمان ما حدث في جزيرة جربه في القرن العاشر الهجري في سنة 916 للهجرة في شهر ربيع الأول, كانت حادثة لا يكاد أحد يصدقها, ولكن حتى الغربيون كتبوا عنها وإن حاولوا جهدهم أن يطمسوا الحقيقة كانت بخلاف ذلك, عندما حدث ما حدث من المسلمين في الأندلس من إضاعة دين الله سبحانه وتعالى والانشغال بالشهوات واللهو عن ذكر الله والانغماس في الترف ووقع بينهم الشقاق, وجد النصارى الأسبان وسيلة للقضاء على هؤلاء المسلمين, فكانت تلك المأساة الأندلسية الرهيبة التي أصيب بها المسلمون بثلاث أنواع من الماسي ، كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة كان له جزء من المسلمين ، ثلثا من المسلمين قتلوا تقتيلا ، وثلث شردوا تشريدا ، والثلث الآخر كانوا اسارى فنصروا ، وكان القتل قتلا رهيبا ، يؤتي بالمسلمين في المناسبات التي يحتفل بها النصارى ويقتلون أمام الكنائس ، وقد قتل في يوم واحد في يوم عيد للنصارى ثلاثون ألفا أمام كنيسة واحدة . بعد هذا إذ النصارى الأسبان يترصدون للمسلمين في البحار ، فكانت سفنهم تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط ، وإذا وجدوا مسلما أو طائفة من المسلميين صيادين أو غير صيادين أخذوهم الى أوربا وباعوهم في أسواق العبيد واستعبدوهم أذلاء مقهورين ، استمرت هذه الحالة التي هي أشبه ما تكون بالقرصنة البحرية الى أول القرن العاشر الهجري ، في بداية القرن العاشر الهجري أخذ الأسبان يحتلون المواني الإسلامية ليشددوا الخناق على السلمين ، فبدءوا يحتلون المواني التي على (1/15)
صفحة 16
الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط ميناء بعد ميناء بداية من بيجايه الميناء الجزائري التاريخي الى طرابلس في ليبيا ، بعد احتلال هذه الموانئ لم يكن هنالك شيء من المراكز البحرية التي يعتنى بها الا جزية جربة التونسية ، وهذه الجزيرة يحيط بها البحر من أربع جهات ولم يكن لاصحاب الجزيرة مخلص لانهم لا قوة تحميهم ولا طريق لهم يفرون منه ، فكان الأسبان يتصورون أن احتلال هذه الجزيرة لا يتجاوز مدة نزهة بحرية فقط ، وما كانوا يعلمون أن أهل الجزيرة تنبض قلوبهم بالإيمان بالله وانهم موصولون بالله سبحانه وتعالى ، يبيتون الليل ركعا وسجدا عندما تستثقل الفرش الأبدان ويسيطر النوم على العيون ، وكان للجزيرة شيخان شيخ يعني بالقضايا السياسية أي بما يتصل بأمر الحكم والحكام ويسمى أبا زكريا يحي السمومنى وشيخ يعني بالقضايا الدينية وتنظيمها يسمى أبا النجاة يونس بن سعيد التعاريتي وكان الشيخان يجتمعان في المهمات ويساعد كل منهما الآخر فيما يخصه ، ويتشاورون في الأمور المهمة ، عندما أحس شيخ الجزيرة السياسي بخطورة الامر ذهب الى الشيخ أبي النجاة يونس بن سعيد التعاريتي وقال له ( أن الامر كما تعلمون فماذا ترى لنا ؟) فقال له انتم بين أمرين :أما أن تقاتلوا هؤلاء القوم غير راجين نصرة أحد من الناس ، واما أن تستسلموا لهم ، لا بد من هذين الأمرين ، ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرشدنا الى ما نرجع إليه فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام : " ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم ـ وهذه هي إحدى الفتن التي كقطع الليل المظلم ـ قيل له : وما المخلص منها يا رسول الله قال : " كتاب الله فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل " ، إذن لنرجع الى كتاب الله ، نجد أن كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ يقول لنا :
( كم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كثِيرَةَ بِإِذْنِ اللّهِ ) (1/16)
صفحة 17
ويقول لنا الله سبحانه وتعالى : ( وَ لَيَنصرَنّ اللّهُ مَن يَنصرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِىّ عَزِيزٌ ) ويقول عز من قائل : ( وَ كانَ حَقاّ عَلَيْنَا نَصرُ الْمُؤْمِنِينَ) ويقول تبارك وتعالى : ( إِن تَنصرُوا اللّهَ يَنصرْكُمْ وَ يُثَبِّت أَقْدَامَكمْ) ويقول الله سبحانه : ( وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكمْ وَ عَمِلُوا الصالِحاَتِ لَيَستَخْلِفَنّهُمْ فى الأَرْضِ كمَا استَخْلَف الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) ويقول تعالى : ( وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) ويقول تعالى : ( وَ الْعَاقِبَةُ للتقوى) هذا وعد قطعه الله تعالى والله لا يخلف الميعاد ، فعلينا نحن أن نتكيف حتى نكون احقاء بهذا الوعد جديرين بنصر الله سبحانه وتعالى ، علينا أن نكون مؤمنين حقا ومتقين صدقا حتى نستحق هذا النصر من الله سبحانه وتعالى . قال له شيخ الجزيرة (أذن ماذا نعمل ؟ )قال له : (عليك وعلي أن نبلغ أهل الجزيرة جميعا بان يتوبوا الى الله سبحانه وتعالى من كل معصية ارتكبوها ، ويتخلص كل واحد منهم من كل التبعات ويحاسب نفسه منذ بلغ الحلم حتى وقته هذا ، ثم علينا أن نجتمع حلقا لدراسة القران الكريم بحيث كل حلقة من هذه الحلقات تنهي القران في أسبوع على الأقل ، وبعد إنهاء قراءة القران كل حلقة تبتهل الى الله سبحانه وتعالى بأن يمن بالنصر على عباده المؤمنين )امتثل الكل هذا الامر ، وحاسب أهل الجزيرة أنفسهم ، وتخلصوا من التبعات وتحاللوا فيما بينهم وصفى كل واحد منهم نفسه للآخر ، فكانوا أخوانا متحابين متآزرين متشادين ، وكانت الشهادة أحب إليهم من كل شيء وقطعوا على أنفسهم عهدا أن ينصروا اله سبحانه وتعالى النصر أو الشهادة ، بينما هم كذلك إذ أقبل أسطول يتكون من عشرين سفينة قائد هذا الأسطول واردنوبارو من الأسبان ، وعندما وصل الأسطول الى ساحل الجزيرة بعث قائده برسول في زورق حتى ينزل الى الجزيرة يحمل معه رسالة الى شيخ الجزيرة يقول فيها (أما أن (1/17)
صفحة 18
تسلموا الجزيرة ، واما أن تستعدوا للقتال )وعندما وصل الرسول وسلم الرسالة الى شيخ الجزيرة قال الشيخ ( قل لسيدك القبطان بأن الجزيرة لن تسلم نفسها حتى يكون أهلها جثثا هامدة ) فرجع الرسول الى القائد واخبره بهذا الجواب فاستشاط القائد غضبا من هذا الجواب ، ففكر في الانتقام من الجزيرة وأهلها ، ولكن هذه الكلمة المنبعثة من ذلك القلب المؤمن كانت بمثابة طلقة مدفع وقعت في قلب هذا القائد ، فأحس بالرعب وأن القوة التي عنده لا تكفيه ، فرجع الى طرابلس ومكون قوة أخرى فأعد أسطولا يتكون من مائة وعشرين سفينة يحمل عشرين ألفا من المقاتلين المدججين بالسلاح المزودين بأحدث وسائل التدمير في ذلك الوقت ، فأقبل الأسطول الى الجزيرة ونزل هؤلاء الجنود يحملون معهم معداتهم العسكرية الى ساحل الجزيرة ، وكانت مساكن الناس ولا تزال الى الان في جربة بعيدة عن الساحل ، فذهبوا الى مكان فإذا بالليل يعس فظلوا في مكانهم ذلك الى الصباح ، وكانت المسافة التي تفصل ما بين المسلمين وهؤلاء النصارى تقدر بستة أميال ، المسلمون باتوا ركعا سجدا يدعون الله سبحانه وتعالى ويبتهلون إليه ، تسيل دموعهم من خشية الله عز وجل وترتجف قلوبهم منة هيبته وتهش نفوسهم الى الاستشهاد في سبيله لا يطمعون في شيء الا في رضوان الله سبحانه وتعالى ، وأولئك الجند النصارى أخذوا يطلقون الطلقات المدفعية وينشدون الأناشيد الحربية المصحوبة بالآلات الموسيقية لأجل إرهاب المسلمين ، ولكن المسلمين مع ذلك لم يزدادوا الا إيمانا وقوة ويقينا ، فكانت ألسنتهم تلهج بذكر الله سبحانه وتعالى لا تفتر عن ذلك ، وكانوا يرسلون عيونا ليتحسسوا لهم أخبار هؤلاء الجند القادمين ، وعندما حضر وقت الجمعة خطب الخطيب أبو النجاة يونس بن سعيد فيهم ، وحضهم على الجهاد في سبيل الله وبين ما أعد الله تعالى للمجاهدين ، وبين لهم فضل الشهادة ، ومكانة الشهيد عند الله سبحانه وتعالى . وبعدما انتهوا جاءت (1/18)
صفحة 19
العيون لتخبر بأن الجند زاحف ، فتوجه المسلمون بعددهم القليل ، المصادر الغربية نفسها تقول : بأن العدد كان ثلاثة آلاف ليست عندهم الا وسائل بدائية جدا للقتال وما كانوا متدربين على القتال .
ولكن الأيمان بالله سبحانه وتعالى كان يملأ ما بين جوانحهم ، وقبل نشوب المعركة خطب خطيب في المسلمين فقال ما معناه (أن هذه المعركة كمعركة مصيرية ، فيجب على كل منا أن يعد نفسه للاستشهاد في سبيل الله تعالى ، والأمر الذي لا يجوز أبدا أن يخطر على بال أحد هو الفرار ، فأما القتال حتى النصر واما القتال حتى الشهادة ، فلو بقي فرد واحد لكان عليه أن يقاتل حتى يلحق بإخوانه ، ويجب علينا أن نحرص على أن يتكبد عدونا اكبر خسارة ممكنة ، بحيث يحرص كل واحد أن يقتل اثنين مكن العدو حتى يقتل هو) . (1/19)
صفحة 20
كان المسلمون لا يشكلون الا صفا واحدا مقابل صفوف الأعداء الكثيرة ، التحم الفريقان ونشبت المعركة ، وإذا بالصف الأول يندحر ويرجع الى الخلف وتقدم الصف الثاني ، ولما رجعوا الى الخلف أخذ هؤلاء المندحرون يحدثون إخوانهم هناك عما لا قوة من هذا الصف الإسلامي بغير سلاح ، هكذا يخبرونهم عندما يرون أصحابهم صرعى ، كأنهم يموتون بغير سلاح ، لم هذه الأثناء فكر أحد ذوي الخبرة العسكرية من المسلمين وهو أبو الربيع سليمان بن أبي زكريا يحيى السمومنى ابن شيخ الجزيرة في الأمر وقال (إن عددنا قليل وعدد العدو كثير ، وأي واحد منا يقتل يترك ثغرة لا تسد ، فالنصر ينبغي أن نتسبب له بإحداث ارتباك في قلب جيش العدو ) ، فأخذ معه مجموعة من المسلمين وأتى من الخلف حتى حال بين العدو والسفن ، وبينما كان أولئك الذين اندمجوا ورجعوا الى الخلف يحدثون إخوانهم عن ثبات المسلمين وعن سقوط الصرعى من جيش النصارى إذا هم يفاجئون بالموت عندهم ، فإذا بهؤلاء المسلمين الذين كانوا يقاتلونهم هناك يقتلونهم في هذا المكان ، فاشتد بهم الامر وأختل النظام ، وإذا بهم يواجهون الموت أينما ذهبوا ، فأحسوا كأنما المسلمين أحاطوا بهم إحاطة البحر بالجزيرة ، فهم أن ذهبوا الى الأمام واجهوهم وان رجعوا الى الخلف واجهوهم ، وان ذهبوا الى اليمين واجهوهم ، فما كانت عندهم فكرة الا الفرار واللجوء الى السفن فأخذوا يذهبون الى سفنهم والمسلمون من خلفهم يقاتلونهم ويأسرونهم ، ووصلوا الى الساحل والليل قد خيم فباتوا في خوف وقلق متزايدين بعدما تركوا ثلاثة آلاف قتيل وعددا من الأسرى يتراوح بين ستة آلاف وسبعة آلاف أسير ، وبعدما غنم المسلمون ما غنموا من سلاحهم شاء الله سبحانه وتعالى أن يلحقهم القدر وهم في ذلك المكان ، ففي أثناء الليل صورت الأحلام المزعجة لأحدهم أن المسلمين جاؤهم الى ذلك المكان وأخذوا يقتلوهم ، فقام من نومه مذعورا واستصرخ أصحابه طالبا النجدة منهم ، فإذا (1/20)
صفحة 21
بهم يتقاتلون بأنفسهم في الظلام ، فلم يروا الا أن يرموا بأنفسهم في البحر ويعوموا الى السفن فابتلع البحر كثيرا منهم ، ووصل عدد قليل منهم الى السفن ، وشاء الله أن يرسل ريحا عقيما دامت أسبوعا وحطمت ثماني عشرة سفينة من سننهم فكان نصرا غريب من نوعه .
بعد رأوا أنهم لا يمكن أن يستعيدوا مكانتهم إلا بإحداث حادثة في المسلمين تكون نكاية بهم, فكانوا يهددون المسلمين بأنهم سيهجمون عليهم في ثغر من الثغور وكانوا يعينون هذا الثغر, فكان المسلمون في كل مكان على خوف, وفي يوم من الأيام كان الصائدون الذين يصيدون السمك في البحر الأبيض المتوسط من صفاقس في قوارب الصيد , إذا بهم يفاجئون بالأسطول فرجعوا مذعورين وبلغوا إخوانهم في صفاقس , وكان أهل صفاقس استمدوا قوة معنوية من هذا الموقف الذي وقفه أهل جربة , فقالوا ( كما كان إخواننا في جربة يهشون الى الشهادة في سبيل الله فنحن كذلك ), وانطلق أهل صفاقس الى الساحل ينتظرون وصول الأسطول , وعندما رأى النصارى هذه الجموع المجتمعة في الساحل وقد كثرها الله سبحانه وتعالى في أعينهم ولوا هاربين , ثم رأوا أن يبنوا لهم قاعدة فى جزيرة غير معمورة لتكون هذه القاعدة منطلقا لهم ، وانزلوا ألفا منهم ليؤسسوا لهم قاعدة في هذه الجزيرة ، وسمع بهم أهل جربة ، فذهب الى هؤلاء ألف وستمائة وكمنوا لهم في أدغال تلك الجزيرة ، وفي أثناء الليل فاجئوهم وهم نيام فقتلوهم عن أخرهم ، ولم ينجو من ذلك الألف أحد فلبثوا عشر سنوات يستعيدون قوتهم . بعد ما مضت عشر سنين أي في عام تسعمائة وستة وعشرين للهجرة فاجئوا مرة أخرى أهل جربة بالهجوم عليهم من غير أن ينذروهم ، وانما صادة السمك رأوا هذا الأسطول يزحف على جهة الجزيرة فرجعوا الى الجزيرة وبلغوا أهلها ، فقال أهل الجزيرة( أن القلوب التي كانت تهش الى الشهادة لا تزال بين جوانحنا ، وان الألسنة التي كانت تلهج بذكر الله تعالى وبالدعاء لا تزال في أفواهنا ، (1/21)
صفحة 22
والأيدي التي حملت السلاح لا تزال فينا ، فلا لا يهمنا من أمر هؤلاء شيء ) فذهبت جموع قليلة من أهل الجزيرة لمواجهة خمسة عشر ألف مقاتل ، ولكن شاء الله سبحانه وتعالى إن ينهزم هؤلاء المقاتلون النصارى ، وان يولوا هاربين بعدما قضوا ساعة قصيرة في القتال خلفوا فيه ستمائة مقاتل صرعا .
هكذا يمكن الله سبحانه وتعالى لعباده عندما يصدقونه تعالى في عقيدتهم وعبادتهم ونيتهم ، وتكون الشهادة في سبيل الله سبحانه وتعالى احب شيء إليهم ويكون الله سبحانه وتعالى هو غايتهم ، أسال الله سبحانه وتعالى التوفيق لكل خير ، انه تعالى ولي التوفيق .
أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . (1/22)