صفحة 1
الكتاب: سلسلة محاضرات من أجل فهم صحيح للإسلام13 القيادة في الإسلام
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) سلسلة محاضرات من أجل فهم صحيح للإسلام
الحلقة الثالثة عشر
(13)
القيادة في الإسلام
لسماحة الشيخ بدر الدين:
أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ،والعاقبة للمتقين ،ولا عدوان إلا على الظالمين ،أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه،وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه ،وأومن به وأتوكل عليه ؛من يهده الله فلا مضل له ومن يظلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله رائد المصلحين وقائد المؤمنين إلى مرضاة الله رب العالمين ،صلوات الله وسلامه عليه ،وعلى آله وصحبه الفاتحين المجاهدين ،وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد…
فالسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته ،أحييكم وأشكركم جميعا على إعطائي هذه الفرصة للتحدث إليكم في هذه الدورة وهي الدورة الخامسة من الدورات التي تعقد لضباط قوات السلطان المسلحة في هذه الكلية (كلية القيادة والأركان )،وأنها لفرصة سعيدة أن أتحدث إليكم في هذه الدورة عن القيادة في الإسلام إذ أن الإسلام الحنيف دين الفطرة والناس فطروا فطرة اجتماعية ،فهم يرتبط بعضهم ببعض من حيث المصالح والمنافع المشتركة ،ويقوم بعضهم مع بعض بالمهمات التي تناط بهم ويكلفون أن يؤدوها ،والمرء كما يقال :قليل بنفسه كثير بأخيه .
والإنسان بما فطر عليه من حاجة إلى بني جنسه لابد له من نظام يربطه بهم ،فلذلك كان الناس بحاجة إلى القيادة حتى لا يعيشوا هملا ولا تنقلب حياتهم حياة فوضوية.
شمول القيادة الإسلامية (1/1)
صفحة 2
والقيادة في الإسلام لا تنحصر في ناحية من النواحي فحسب ، وإنما تعني تحمل أي مسؤولية من المسؤوليات كما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )) ، فالحاكم راع وهو مسؤول عن رعيته ، والذي يتحمل مسؤولية أي مؤسسة مدنية أم عسكرية هو راع وهو مسؤول عن رعيته ، فالقاضي راع وهو مسؤول عن رعيته ، لأنه يتحمل أمانة إصدار الحكم الشرعي فيما بين الناس الذين يتولى النظر في شؤونهم وقضاياهم ، كذلك الوزير راع وهو مسؤول عن رعيته ، فهو مسؤول عن الموظفين الذين هم تحت إدارته وهو مسؤول في نفس الأمر عن مصلحة الناس الذين يتولى النظر في مصلحتهم في وزارته ،والمدير في إدارته راع وهو مسؤول عن تلك الإدارة التي يتولى المسؤولية فيها بحسب ضيقها أو سعتها ، والوكيل راع وهو مسؤول عن رعيته ، والمعلم راع وهو مسؤول عن رعيته ، والضابط كيفما كانت رتبته راع وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها ، فهي مسؤولة عن تربية أولادها في ببيتها وإسعاد الأسرة فيه ، وهكذا كل من تحمل مسؤولية من المسؤوليات فهو راع وإذا كان راعيا فهو قائم في نطاق تلك المسؤولية يتحمل تبعة هذه القيادة .
الهدف في القيادة الإسلامية: (1/2)
صفحة 3
والقيادة في الإسلام ليست تسلطا وإنما هي تكليف يكلفه هذا القائد ليؤدي دوره بصدق وأمانة وإخلاص ومهارة ، وقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد في حق الذين يتحملون المسؤوليات المختلفة ولا يراعونها كما تحملوها ، فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((من استرعاه الله رعية فلم يؤد حق الله فيها إلا حرم الله عليه الجنة )) ، ومعنى ذلك أن كل من تحمل أمانة من هذه الأمانات فعليه قبل كل شيء أن يؤدي حق الله أي يكون رضى الله عز وجل هو الهدف الأسمى والغاية الكبرى لهذا الإنسان الذي يتحمل هذه المسؤولية ، وبهذا تباين القيادة في الإسلام القيادات والنظم الخارجة عنه ، فقد يرعى القائد في هذه القيادات سمعته وشرفه ومصلحته سواء كانت هذه المصلحة حسية أو معنوية ، ولكنه في الإسلام يرعى الغاية الكبرى وهي رضوان الله سبحانه وتعالى ، لأن القائد المسلم هو مؤمن بالمبدأ والمصير ، وأن الله تبارك وتعالى هو الذي خلقه وسواه وأسبغ عليه النعم الظاهرة والباطنة فهو الحقيق لأن يطاع ولا يعصى وأن يشكر له ولا يكفر ، وهو مؤمن بأن له منقلبا ينقلب إليه ، ومعاداً يرجع إليه ، سوف يحاسب فيه على القليل والكثير والدقيق والجليل فذلك هو بين المبدأ والمصير يرعى حقوق المبدأ وينظر إلى المغبة في المصير ، فلا تخرج أعماله عن مراعاة رضوان الله سبحانه وتعالى .
ومن أجل ذلك كانت القيادة في الإسلام تعني أن يسعى القائد إلى الهدف الأسمى في هذه الحياة الذي ذكره الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز عندما قال: { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (سورة الحج 40–41 ) (1/3)
صفحة 4
فالهدف الأسمى للمسلم أيا كان موقعه في هذه الحياة هذه الأمور المذكورة في هذه الآية الكريمة ،وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فإقامة الصلاة تمثيل الصلة بين العباد وربهم سبحانه وتعالى لأن الصلاة هي التي تجسد خضوع العبد المطلق لله تبارك وتعالى رب هذا الوجود ، وإيتاء الزكاة هي تنازل الإنسان عما جبل عليه من شحّ ورغبة في هذه الحياة الدنيا في سبيل إرضاء الله سبحانه وتعالى أولا ، ثم في سبيل إقامة العلاقات الحسنة فيما بين جنس الناس ، وردم الفجوة التي قد تفصل بين طبقة وأخرى من طبقات البشر.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني تضامن الناس على الإصلاح في هذه الحياة حتى تكون حياة الناس حياة سوية يتعاون الناس فيها على الخير ، يرعون فيها حق الله عز وجل ، وكل واحد ينظر إلى مصلحة غيره كما ينظر إلى مصلحة نفسه ، فلذلك فلذلك يحرص الإنسان على أن تكون الغاية من أعماله التي يقدمها إصلاح هذا الجنس البشري ، وإصلاح الجنس البشري هو المحور الذي تدور حوله رسالات الله تبارك وتعالى جميعا ،فإن كل رسول من رسل الله إنما بعث بهذه الدعوة { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } (سورة الأنبياء: 25 )
فرسالات المرسلين جاءت تعريفا للبشر بالله تبارك وتعالى مبدىء هذا الوجود وأنه لا إله إلا هو ،وأن الواجب أن يعبد عبادة خالصة ، وعبادة الله تعالى تعني الخضوع لمنهجه سبحانه وتعالى.
القيادة الإسلامية لا تساوم في مبادئها (1/4)
صفحة 5
وإذا كانت القيادة في الإسلام تعني أن يجعل القائد والجند غاية عملهم هذه الأمور التي ذكرت في هذه الآية التي ذكرناها وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن على القائد أن يكون مخلصا في قيادته وأن يتفانى لأجل هذه الغاية التي يسعى إليها ، وهذا الذي حصل فعلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين تبعوه ، فإنهم لم يتقهقروا شبرا في موقف من المواقف،ولم يقبلوا المساومة على المبادئ ، والقرآن الكريم كان شديدا جدا في هذه الناحية ، فعندما طلب الكفار من المؤمنين أن يتنازلوا عن عبادة الله تعالى فترة من الوقت ليعبدوا آلهة الكفار في مقابل عبادة الكفار للإله الواحد سبحانه وتعالى فترة من الزمن أيضا ، كان ذلك الرد الحاسم من قبل الله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } (سورة الكافرون: 1-6 ) (1/5)
صفحة 6
وقد حاول الكفار كثيرا أن يساوموا النبي صلى الله عليه وسلم على مبادئه ، وأن يعرضوا عليه العروض المختلفة في مقابل تنازله عن بعضها ، ولكن أنّى لهم أن يتنازل وهو عليه أفضل الصلاة والسلام صاحب رسالة جاء ليعلم الإنسانية كيف تحافظ على المبادئ ، وليكون القائد المثالي لهذه البشرية ، فقد جاء إليه عتبه بن ربيعه وعرض عليه عروضا مختلفة في مقابل تنازله عليه أفضل الصلاة والسلام عن دعوته التي يدعو الناس إليها ، فعرض عليه المال الوافر حتى يكون أوفرهم مالا ، أو يتوجوه ملكا عليهم ، أو يجعلوه بينهم قائدا مطاعا ، أو يزوجوه بعشر نساء من عقائلهم الحسان ، ولكن هذا كله لم يثن عزيمة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم جواب من لا يرضى بالمساومة على المبادئ ، ورجع عتبه بن ربيعه إلى قومه وهو خالي الوطاب مما كان يرجو أن يرجع به من النبي صلى الله عليه وسلم فخابت أمانيه وتبددت آماله ، واشتد الخناق وضاعفت قريش من إيذائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمه أبو طالب يحجب عليه ويدافع عنه ويتحمل الشدائد في سبيل المحافظة على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه في هذا الموقف الحرج الصعب طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبقى على نفس عمه وألا يحمل نفسه ونفس عمه ما لايطيقان ، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال :"والله يا عم ، لو وضعوا الشمس عن يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه " هذه الوقفة هي وقفة القائد المؤمن الذي يخشى الله تعالى ويرى الحياة شيئا هينا بجانب المبدأ الذي يعيش من أجله ويسعى لتحقيقه في هذه الحياة .
أثر القيادة على الأتباع: (1/6)
صفحة 7
وعندما يكون القائد يحمل هذه الفكرة ويحرص على هذا المنهج تنعكس نفسيته السامية على نفسية الأتباع فإذا بالنفوس تتلاحم ، والكل يحملون هذه الفكرة عينها ، فإذا للقيادة أثرا كبيرا على الأتباع ، وبقدر ما تكون عليه القيادة من الإيمان بالمبدأ والحرص على التضحية في سبيله والاستهانة بكل غال ورخيص من أجله ، يجد هذا القائد الأتباع على نفس المنهج ، لأن الأتباع يتفاعلون مع القائد عندما يجدونه مخلصا متفانيا في سبيل المبدأ ، وهذا الذي جعل الأمة المؤمنة مع قلتها وكثرة أعدائها تنتصر على القوم الكافرين ويظهر أمر هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها ، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم تثن عزيمته تلك الشدائد التي لقيها ، والمؤمنون الذين كانوا خلفه صلوات الله وسلامه عليه لم يتأثروا بالشدائد بل كان أحدهم يموت وهو قرير العين مطمئن البال هادئ النفس في سبيل المبدأ الذي آمن به ، بل كان أحدهم يحرم من أهله وماله وأولاده ، فيحال بينه وبين ذلك كله فلا يراه شيئا يستحق أن يلتفت إليه حتى لا يثنيه عن الطريق التي هو سالكها ، هذا كله لأن القيادة عظيمة ومخلصة لله وواثقة به سبحانه وتعالى ، وهذا الذي حصل عند الخلفاء الراشدين أيضا ، فإن الخلفاء الراشدين الذين فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بالجيوش التي خرجت من صحراء الجزيرة العربية القاحلة كانوا على مستوى عال من الإخلاص والعزم والحزم والثبات على المبدأ ، وكانت وصيتهم لجندهم نفس المبدأ الذي يحملونه ، كانوا يصلون الجند بالله تبارك وتعالى ، فما كانوا يهتمون بزخرف الحياة الدنيا ، ولذلك تساوى في موازينهم تبرها وترابها ،كما تساوى في مقاييسهم عذبها وعذابها ، فكانوا يتلقون الشدائد برحابة الصدركما يتلقون النعم والمنح ، وكانوا لا يلتفتون إلى ما يفتح لهم من خزائن الأرض وما يجدونه بين أيديهم من المغانم عندما تضع الحرب أوزارها ، لأن همهم منصب على الغاية التي يسعون إليها وهي إقام الصلاة (1/7)
صفحة 8
وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أمير المؤمنين يوصي قائد جيشه:
عندما خرج الجيش الإسلامي بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لأجل مقاومة الإمبراطورية الكسروية التي كانت تهيمن على جزء كبير من العالم ، عندما خرج هذا الجيش زوده الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه نصيحة بالغة نابعة من إيمانه بالمبدأ الذي يتبعه ، قال عمر رضي الله عنه لقائد الجند سعد: (( أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب ، وأقوى المكيدة على العدو ، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، فإن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل في القوة ، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا ، واعلموا أن في سيركم عليكم حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم ، كما سلط على بني اسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم ، وأسأل الله ذلك لي ولكم )). (1/8)
صفحة 9
هذه النصيحة كانت هي العتاد العسكري الذي زوده الخليفة أمير المؤمنين رضي الله عنه جنده والقوة التي لا تقهر ، وهي القوة التي وقفت أمام قوة الفرس المادية فتضاءلت أمامها وجعلت جند الإسلام يتفاعلون مع المبدأ الذي خرجوا من أجله ، حتى أن سليمان الفارسي رضي الله عنه عندما استأذنه القائد سعد ابن أبي وقاص في الهجوم ؛ قال له : "أمهلني الليلة "، طاف بالجند فوجدهم بين راكع وساجد وقال له : "اقدم على بركات الله ، فإني طفت بالجند فوجدتهم بين راكع وساجد وبهذا ستنصرون إن شاء الله على عدوكم ".
هذه النصيحة خرجت من قلب مؤمن إيمانا تاما ومخلص إخلاصا صادقا في حق المبدأ الذي آمن به الخليفة وجند الجند من أجله ، فكانت كل كلمة فيها نبضة من نبضات قلب الخليفة انعكست على الجند ، فتفاعلوا جميعا مع هذا المبدأ تفاعلا تاما حتى تضاءلت قوة العدو أمام قوتهم.
القيادة المؤمنة تهزم الأعداء (1/9)
صفحة 10
وإذا بالجيش الفارسي الساساني المجوسي الذي قاوم الإمبراطورية الرومانية لفترة تقدر بثلاثمائة عام – وكانت الحرب بينهما سجالا ، وكانت هاتان الإمبراطوريتان أقوى دولتين في الدنيا في ذلك الوقت – ينهزم أمام هذه القلة بفضل الله تعالى ثم بفضل الإيمان الخالص الصادق والعزيمة القوية النابعة من القلوب الموصلة بالله تبارك وتعالى ، وإذا بقائد الجيش الفارسي يطلب التفاوض مع المسلمين ، ويرسل إليه وفدا يتكون من عشرين جنديا يقودهم ربعي بن عامر رضي الله عنه وعندما دخل ربعي بن عامر على القائد الفارسي رستم الذي لم يدخر وسعا في تجهيز مجلسه بالنفائس لأجل إظهارها لهؤلاء المسلمين الذين خرجوا من جزيرة العرب الجرداء ، حتى تنخلب ألبابهم من هول ما يرون ويتمنون أن يكونوا في مثل هذا البذخ والترف الذي يتقلب في أكنافه الفرس ، عندما جاء ربعي ومن معه لم يفتحوا أبصارهم على ما شاهدوه ولم يروه إلا شيئا مهينا ، وقال قولته المشهورة عندما قال له رستم :"ما الذي جاء بكم ؟"قال:"ان الله قد بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا و الآخرة ". (1/10)
صفحة 11
وهؤلاء المسلمون الذين كانوا قليلين بجانب عدوهم هم الذين زلزلوا عرش يزدجرد ، وعندما أحس بهذه الزلزلة كتب رسالة إلى امبراطور الصين يستنجده فيها على المسلمين ، فلما جاء الرسول ودخل القصر الإمبراطوري وأذن له بأن يقابل الإمبراطور ويمثل بين يديه ، أخذ الإمبراطور يسأله عن أحوال المسلمين من الناحية العددية والقوة المادية وغيرها من النواحي ، وكان يجيبه بصدق وأمانة ، فقال له : " إنهم لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتهم إلا بما ذكرته من صفاتهم" ، ثم كتب رسالة جوابية لإمبراطور الفرس يقول فيها : "قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ، ولا يمنعني من ارسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين إلا لأن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء ، ولو عارضتهم الجبال لاقتلعوها ، ولو أرادوني لأزالوني من مكاني ، هذا فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم ".
أثر الشورى في نجاح القيادة: (1/11)
صفحة 12
وهكذا يفعل الإيمان عندما يتلاحم إيمان القيادة مع إيمان الأتباع ، يقول الله تعالى لرسوله الأمين عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم: { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } (سورة آل عمران: 159 ) ، التلاحم بين القيادة والأتباع إنما يكون بتحملهم جميعا المسؤولية ، فعليهم أن يبدوا رأيهم وعلى القائد أن يرجع إلى رأيهم عندما يلزم الأمر ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يأنف من المشورة قط ، فعندما خرج صلى الله عليه وسلم لمقابلة كفار قريش في غزوة بدر كان يقول :"أشيروا علي أيها الناس " ،فتكلم المهاجرون ثم تكلم الأنصار ، وأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بجوابهم وأثنى عليهم خيرا ، ونزل منزلا جاء إليه الحباب بن المنذر ، فقال له : "يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله تعالى ، أم هو الحرب والمكيدة والخديعة " ، قال له : " إن هذا ليس بمنزل " ، فأمره أن ينتقل إلى منزل آخر بحيث يسيطرون على الماء ويتمكنون من الحيلولة بين العدو والوصول إلى الماء ، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم برأيه وأخذ به ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل أحيانا إلى رأي الأتباع وإن كان رأيهم على خطأ لأجل تعويدهم على تحمل المسؤولية ، كما حدث ذلك في غزوة أحد فقد تنازل صلى الله عليه وسلم عن رأيه إلى رأي الأتباع .
أثر الشجاعة في كفاءة القيادة: (1/12)
صفحة 13
لا بد أيضا للقيادة من الشجاعة ، فإن الشجاعة من أهم صفات الكفاءة في القائد ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة الأبطال ، كان عليه الصلاة والسلام هو بطل الأبطال ، حتى أن القائد والبطل العظيم الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان يصف بطولة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول :"كنا إذا اشتد الخطب ، واحمرت الحدق ، نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أقربنا للعدو ، ولقدرأيتنا في يوم حنين نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو " ، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من البطولة والاقدام بحيث لا يبالي أن يكون أقرب أصحابه إلى العدو ، وكان يحرص على مشاركة أصحابه في المعارك كما حصل في غزوة أحد حتى أنه عليه أفضل الصلاة والسلام أصيب ثنيته وكسرت رباعيته ، وكذلك في غزوة بدر كان قريبا من المعركة ، وفي غزوة حنين كاد أصحابه ينهزمون فثبت صلى الله عليه وسلم ونادى : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبدالمطلب " ، فأسرع إليه أصحابه والتفوا من حوله .
أهمية المهارة للقيادة: (1/13)
صفحة 14
ولا بد للقيادة من مهارة فإن الخبرة بفنون القيادة وبأحوال الناس أمر لا بد أن يتوفر في القائد ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، فربما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أحب الناس إليه وأقربهم منزلة عنده وعدل عنه إلى غيره لما يرى في غيره من الخبرة والمهارة والقدرة على القيادة ، فقد عرض عليه - صلوات الله وسلامه عليه - أبو ذر رضي الله عنه أن يوليه المسؤولية فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم وقال له : "يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة ، وإنها مسؤولية وندامة يوم القيامة " ، مع أن أبو ذر كان من أحب الناس إلى رسول صلى الله عليه وسلم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم عنه : "ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء رجلا أصدق لهجة من أبي ذر " ، ومع هذا فقد كان صلى الله عليه وسلم أحيانا يولي المسؤوليات والقيادات قوما جديدي عهد بالإسلام لأجل ما يعرفه عنهم من قدرة على القيام بالواجب الملقى على عاتقهم ، حتى أن أحد هؤلاء وهو عمرو بن العاص عندما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم القيادة في إحدى المعارك ، خيّل إليه أنه من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله : " يا رسول الله ، من أحب الناس إليك ؟" ، قال : "أبو بكر " ،قال : " ثم من ؟ " ، قال : " عائشة " ، فلما رأى الأمر هكذا انسحب من السؤال لأنه عرف أنه لم يكن في مقدمة الناس جميعهم حبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولاه القيادة لمهارته وخبرته وكفاءته.
المعلومات رافد لنجاح القيادة: (1/14)
صفحة 15
وديننا الإسلامي جاء ليخرج هذه الأمة من المضيق إلى العالم الفسيح ، ومن الانغلاق إلى الإنطلاق ، فهذه الأمة أمة عالمية ، ولذلك رُبيّت منذ أول الأمر على الاطلاع على ما يجري في العالم ، فعندما كانت المعركة تدور ما بين الدولتين الكبريين "الدولة الفارسية والدولة الرومانية " ، في بداية عهد النبوة ، والمؤمنون يومئذ كانوا قلة لا يتجاوزون العشرات ، ودارت الدائرة على دولة الرومان ، أنزل الله تبارك وتعالى قرآنا يتلى ليخبر المؤمنين بما حدث وليبصرهم بعاقبة الأمر ، وأن الكرة الآتية سوف تكون لمصلحة هؤلاء المهزومين ، وستدور الدائرة على الغالبين ، فقد قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } (سورة الروم: 1-5 ) ، وسميت السورة التي فيها هذه الآيات الكريمة بسورة الروم ، لأجل أن يتنبه هؤلاء المؤمنين بأن رسالتهم رسالة عالمية ، وأن مهمتهم هي هداية البشر جميعا ، فلذلك عليهم أن يشتغلوا بما يجري في العالم ، وأن يتابعوا الأحداث أولا بأول ، وأن ينظروا إلى الأمور مبادئها وعواقبها ،وكان هذا كله في عصر لاتوجد فيه الوسائل التي استجدت في هذا العصر الحديث حتى يمكن للناس أن يتابعوا الأحداث أولا بأول ، إلا أنهم كانوا بعنايتهم بمهمتهم الملقاة على عاتقهم يهتمون كل الاهتمام بهذه الأحداث.
نموذج ناجح في المعلومات: (1/15)
صفحة 16
وكان أحد كبار علمائنا وأئمتنا وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ، في ظرف من الظروف الحرجة قابعا في سرداب في الأرض بالبصرة يعلم فيه الناشئة التي كانت عنده ، تعاليم الإسلام ويهيئهم للعمل الإسلامي في الأرض ، كان يتابع الأحداث التي تجري في العالم وهو في ذلك السرداب ، فيرسل تلاميذه ليختلطوا بالناس في موسم الحج حتى يجمعوا له أخبار العالم الإسلامي ، ويحلل تلك الأخبار ويرى ما يجب أن يعمل ، وكانت آنذاك الفتوحات تتوالى للدولة الأموية ، ولكن الدولة الأموية لم تسر على منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، فكانت دولة تسلط همها على السلطة ، ولذلك كانوا عندما يسلم أهل الكتاب لا يضعون عنهم الجزية بل تبقى الجزية عليهم مستمرة ، وعندما قيل للخليفة العادل من بين هؤلاء "بني أمية " وهو عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ، لما قيل له : بأن هؤلاء أسلموا لأجل أن تسقط عنهم الجزية ولم يسلموا حبا في الإسلام وإذا أسقطنا عنهم الجزية ستنضب موارد الدولة ، غضب من ذلك غضبا شديدا وقال :" إن الله بعث محمدا داعيا ولم يبعثه جابيا " ، فبنو أمية ، من غير عمر بن عبد العزيز ، لم تكن عندهم هذه السياسة ، سياسة الدعوة إلى الإسلام ، بل كانوا يفرضون الضرائب على المسلمين ، ويبعثون بأموالهم كما شاؤا ، وقد كانت الفتوحات تتوالى لهم –كما قلت- بأرض المغرب إلا أن أهل المغرب من البربر كانوا معرضين للاضطهاد ، حتى أن القطيع من الغنم قد يهلك بقرا لبطون الحوامل منه بحثا عن الجلود العسلية ، وهي الجلود التي على لون العسل من الأجنة الموجودة في الأرحام ، وقد يهلك القطيع كله ولا يوجد إلا جلد واحد ، وقد لا يوجد هذا الجلد ، وتكون وفد من البربر جاء لمقابلة الخليفة ، فظل على باب الخليفة عاما كاملا ولم يسمح له بمقابلته فرؤا أن يثوروا ثورة عنصرية ، لأنهم تصوروا أن الإسلام جاء لإستعباد الشعوب تحت سلطان العرب ووطأتهم ، فسرت هذه (1/16)
صفحة 17
الأخبار إلى أبي عبيدة عبر القنوات التي كانت تلتقط له الأخبار من هنا و هناك ، وعندها جنّد أحد تلاميذه وهو سلمة بن سعد ، وأمره أن يذهب إلى بلاد المغرب ليعرض على هؤلاء البربر الإسلام الصحيح ، ويبين لهم أن تصرفات بني أمية وولاتهم لا تمثل الإسلام ، فخرج هذا الجندي التابع لقائده ، وقد تأثر بروح قائده ، وقد قال كلمته المشهورة عندما ودع أستاذه وقائده : " وددت لو ظهر هذا الأمر يوما واحدا بالمغرب ثم لا أبالي أن تضرب عنقي " .
وقد وصل سلمة بن سعد فيما تقول بعض المصادر التاريخية إلى تلمسان غربي الجزائر على حدود بلاد المغرب ، ومنهم من قال بأنه وصل إلى المحيط الأطلسي ، وهذا كله مع أن وطأة بني أمية كانت شديدة جدا ، ولكن لم يمنعهم ذلك من القيام بالواجب ، وهكذا شأن العمالقة ، وشأن القيادة الماهرة ، وقد ترتب على هذه الرحلة التي قام بها سلمة بن سعد أن يدرك أهل المغرب حقيقة الإسلام ، ثم ترتب على ذلك أن تقوم عندهم دولة عادلة ذاق المسلمون في ظلها طعم الأمن والعدل والراحة والاستقلال.
القيادة الحكيمة تهتم بما يدور حولها: (1/17)
صفحة 18
وهكذا شأن القيادة الحكيمة في كل عصرمن العصور ، فالمؤمنون يهتمون بشؤون العالم من أقصاه إلى أقصاه ، وما أحوجنا نحن اليوم إلى الإهتمام بهذا العالم ونحن نرى كيف تتهاوى المبادئ ، وكيف تتساقط التماثيل التي كانت تعبد من دون الله سبحانه وتعالى ، وكيف يتحول الناس عن فكر فرض عليهم بقوة الحديد والنار إلى فكر معاكس له تمام المعاكسة ، فهذه الشيوعية بعدما كانت تهدد العام من أقصاه إلى أقصاه ، وتسعى إلى فرض مبادئها الحمراء الملتهبه التي لا تبقي ولا تذر على جميع العالم تنحسر انحسارا سريعا ، وتولي القهقري على أدبارها لتطوي صفحتها وتلقى في مزبلة التاريخ بعدما كانت تغر الناس ببريق دعايتها ، والشيوعيون اليوم أصبحوا يركعون أمام أعدائهم الرأسماليين ليطلبوا منهم الحلول ، ولكنّ هذه الحلول لم تجد لهم شيئا لأنها حلول مادية ، فهم لم يدر كوا مشكلتهم ولم يعرفوا داءهم إذ فقد بينهم الطبيب الذي يشخص ذلبك الداء ،فداؤهم يرجع إلى عدم إيمانهم بالله سبحانه وتعالى ،وإنما إيمانهم بالقيم المادية واعتبار الإنسان كالآلة الصماء ليست لها قيمة إلا بقدر عطائها وإنتاجها ,بينما الإسلام يكرم الإنسان بإعتباره خليفة الله في الأرض ,ومسؤولا عن عمارة هذا الكون ,فهو سيد مطاع في هذا الكون عليه أن يستلهم منهجه من شرعة من استخلفه في هذه الأرض وهو الله تبارك وتعالى ,الذي يعلم مصلحة الإنسان ومساربه ومداخله وما تنطوي عليه فطرته ، وما تشمل عليه طبيعة الكون من حوله ، ويعلم علاقة الإنسان بهذا الكون ، وإذا لم يرجع الشيوعيون إلى هذا المبدأ الإيماني فإنهم سيظلون يدورون في حلقة مفرغة . (1/18)
صفحة 19
والشيوعية نفسها ما كانت إلا ردة فعل من النظام الرأسمالي الحائر ، فهم عادوا إلى ما فروا منه بعدما أفلست مبادئهم التي تصوروها حلا لمشكلتهم ، والكل يظن الآن أن هؤلاء الذين أصيبوا بما أصيبوا به من دمار في ديارهم ، وإفلاس في مبادئهم إنما أصيبوا نتيجة أخطاء في المقاييس المادية التي عندهم ، وليس الأمر كذلك وإنما أصيبوا بما أصيبوا به للتعويل على الموازين المادية وعدم إقامة أي وزن للقيم الروحية ، والقيم الروحية كما انحسرت في العالم الشيوعي الشرقي هي منحسرة أيضا في العالم الرأسمالي الغربي ، ولذلك سيبقى هؤلاء يدورون في حلقة مفرغة إذا لم يعودوا إلى الإسلام الحنيف ، ونجد العالم الغربي يخشى الآن كل الخشية من أن تتوزع القوة النووية الموجودة عند الشيوعيين في الدويلات التي ستتكون كياناتها من جراء ضعف الشيوعية وإنهزامها ، مع أن الشيوعية عندما تدمرت لم تتدمر بقوة نووية ، لم يأتها غاز من الخارج ، وإنما ثار هذا البركان من الداخل ، تصويرا واقعيا لما يدل عليه قول الله تعالى : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } (سورة الأنعام: 65 )
والله تبارك وتعالى جعل هذا العذاب ينبع من تحت أقدامهم ، لم يأتهم بغزو من دولة أجنبية ولا بغزو مبدأ أجنبي ، وإنما أفلست هذه المبادئ التي عندهم فثار هذا البركان من تحت أقدامهم: { لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } (سورة الروم: 4 ) وما يدرينا لعل المبادئ المادية الأخرى ستتهاوى كما تهاوت مبادئ الشيوعية .
دور المسلمين القيادي: (1/19)
صفحة 20
وهنا يبرز دور المسلمين ، فماذا أعد المسلمون لهذا الأمر ، وماذا أعدوا لخير الإنسانية ، على المسلمين اليوم أن يراجعوا حساباتهم ، وأن يحاسبوا أنفسهم ، وأن يثوبوا إلى رشدهم ، ويتوبوا إلى ربهم،ويعتصموا بحبل الله المتين ويتبعوا نوره المبين ، ويعضوا بالنواجذ على ذكره المستقيم ، ويسلكوا الصراط القويم ، حتى يستحقوا أن يستخلفوا في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم فالله تبارك وتعالى يقول : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } (سورة النور: 55 ) الذين آمنوا وعملوا الصالحات : الذين جمعوا بين العقيدة الصحيحة والسلوك المستقيم { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (سورة النور: 55 ) (1/20)
صفحة 21
فالله تبارك وتعالى أنجز هذا الوعد الذي وعده عباده المؤمنين في سالف العصور وتحقق نصر الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين ، نزلت هذه الآية الكريمة في وقت كان المؤمنون فيه قلة مضطهدة في الأرض يحسون أن الأرض تبتلعهم ، وأن البراكين تنفجر من بينهم ومن حولهم ، عندما شكى أحد المسلمين أن أجسادهم صدأت من حمل السلاح وهم يدافعون عن المدينة المنورة عن هذه البقعة الصغيرة في الأرض وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة ، وقد تحقق هذا الوعد ففتحوا مدائن كسرى ، وممالك قيصر وانهزمت الدولتان الكبريان أمامهم ، وإذا بالمدّ الإسلامي يكتسح جميع التيارات الأخرى ويقتحم جميع العقبات التي تقف في سبيله ، ويسيح في أرجاء الأرض كما يمتد النور في الفضاء فيطوي سجاف الظلمات وهذا لابد من أن يعود من جديد ، ولابد من أن ينجز الله تبارك و تعالى هذا الوعد من جديد للذين آمنوا وعملوا الصالحات .
والمسلمون اليوم لم يصابوا من قلة وإنما أصيبوا مما انطووا عليه من الأحقاد فيما بينهم ، واختلاف وجهات نظرهم وتشتت آرائهم وعدم اجتماعهم على كلمة سواء ، ولئن اجتمعوا على كلمة سواء - وهذا الذي نرجو الله أن يحققه بفضله وبمشيئته - فإن وعد الله الذي وعده عباده المؤمنين لابد وأن يتحقق لهم ، وأن تعود لهم الكرة مرة أخرى كما كانت هذه الكرة لأسلافهم .
العالم ينتظر الإسلام: (1/21)
صفحة 22
والإنسان لا يستطيع أن يدرك عظمة الإسلام وقوته وشأن عقيدته إلا عندما يقف على المؤامرات التي يحيكها أعداء الإسلام له وللمسلمين ، فالشيوعية ألقت بثقلها في الاتحاد السوفيتي على الجمهوريات الإسلامية ، لتذوب عقيدة الإسلام ولتنشأ ناشئة بعيدة عن دين الإسلام ، ناشئة تؤمن بمبادئ الإشتراكية ، وأن الإله المنقذ هو ليننين وستالين ، وأن الرزق منوط بالإيمان بهذه المبادئ التي آمنوا بها ، ولكن مع ذلك لم يكد المد الشيوعي يبدأ في الإنحسار إلا وظهر الإسلام على المسرح من جديد ، وهذا يدركه من وقف على حقيقة الأمر هناك إذا ما زار زائر الاتحاد السوفيتي ورأى أوضاع المسلمين هناك ، وهذا الذي حصل لي في العام الماضي في مثل هذا الوقت عندما زرت الاتحاد السوفيتي ، وذهبت إلى جمهوريتين من الجمهوريات الإسلامية ورأيت أوضاع المسلمين فيها ، فعندما كنا ننزل في أي مطار من المطارات نجد المسلمين صفوفا ، رجالا ونساء وصغارا وكبارا ، يهتفون بكلمة واحدة "لا إله إلا الله ، والله أكبر " ، ووجدت الأطفال الصغار يرددون " لا إله إلا الله " ، ووجدت من بين شبابهم شابا ناشئا عمره ثلاثة عشر عاما حفظ القرآن الكريم وهو ابن ست سنوات ، وعندما كان يقرأ القرآن الكريم حسبته خبيرا باللغة العربية ، لأنه عندما يقف وقفا اضطراريا في جزء من آيه يبدأ من حيث بدأ المعنى ، أ ي ترتبط المعاني في تلاوته ، ولكن عندما كلمته بالعربية وجدته لايعرف شيئا من العربية قط ، وهكذا تهاوت مبادئ الكفر وقام الإسلام من جديد ، فعلى المسلمين أن يقدروا هذه النعمة ، وأن يدركوا ماذا ينتظرهم من واجب تجاه الإنسانية التي ضلت السبيل . (1/22)