صفحة 1
الكتاب: سلسلة من أجل فهم صحيح للإسلام 22 الإنسان بمنظار الإسلام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الإنسان
بمنظار الإسلام
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1424 هـ – 2004 م
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف : 9330027
ص ب 2 السيب الرمز البريدي 121 سلطنة عمان
سلسلة محاضرات لفهمٍ صحيح للإسلام
( 22 )
الإنسان بمنظار الإسلام
تأليف
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
المفتي العام للسلطنة
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان
المقدمة
الحمد لله البر الكريم الرحمن الرحيم، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وشرفه وميزه بالعديد من المزايا والتكريم، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، واستغفره من الذنوب وأتوب إليه، وآمن به وأتوكل عليه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالرسالة الخالدة، والمنة السائدة، والحجة الساطعة، والدعوة الجامعة، فبلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين.
وبعد؛؛؛
الإنسان مخلوق مكرم
فإن الإنسان مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، ولكن الله عز وجل ميزه عن كثير من المخلوقات كما قال في كتابه العزيز: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } (1) .
__________
(1) الإسراء : 70. (1/1)
صفحة 2
وعندما أراد الله تعالى خلق هذا الإنسان آذن الملأ الأعلى لهذا الحدث العظيم الذي سيقع في الكون، وقد قص الله تعالى علينا ما دار من تقاول حول هذا الموضوع في قوله: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (1) .
وفي هذا ما يدلنا على أن الإنسان قد رفع مكانة عظمى عند الله عز وجل، وبين أن خلقه لحكمة؛ وهي أن يكون خليفة في الأرض التي هي جزء من هذا الكون الواسع، يربطه بهذا الكون كله رباط طبعي ورباط أمري من قبل الله سبحانه وتعالى، والإنسان هو المسؤول أن يقوم بواجبات هذا الأمر، لأنه اختير لأن يكون خليفة في الأرض، وبين الله سبحانه وتعالى بعد ذلك فضله عندما امتحن ملائكته بعد أن علّم آدم الأسماء كلها، امتحنهم بأن سألهم عن أسماء المسميات فحاروا واعتذروا إلى الله سبحانه، وأمر آدم أن يتلوا هذه الأسماء فتلاها، بحيث نص على مسمى هذه المسميات، فتجلت هنا حكمة الله سبحانه وتعالى وقال لملائكته: { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } (2) ، واستحق آدم هنا -بحق حكمة الله سبحانه وتعالى- أن يسجد له الملأ الأعلى.
أوجه التكريم
وهذه أيضاً ميزة من مزايا الإنسان، الذي جعل الله سبحانه وتعالى ميزته تتجلى لنا نحن معشر المخلوقين من وجهين:
__________
(1) البقرة : 30.
(2) البقرة : 33. (1/2)
صفحة 3
الوجه الأول: القدرة على السيادة في هذه الأرض، فالله تعالى أعطى الإنسان من القدرة مالم يعطه أي كائن آخر من الكائنات الموجودة في الأرض، فهنا على ظهر هذا الكوكب المظلم كائنات شتى، منها ما هو أكبر جرماً من الإنسان، ومنها ما هو أكثر قوة منه، ومنها ما هو أطول عمراً منه، ولكنها على اختلافها لم تستطع أن تسيطر عليه، بينما استطاع هو أن سيطر عليها، فلم نسمع في يوم من الأيام أو في عصر من العصور أن سبعاً مفترساً استطاع أن يخرج الإنسان من مكانه إلى الغاب، ويتفرج عليه ويتركه حبيساً هناك، بينما استطاع هو أن يستخرج السباع من غاباتها، ويتركها في حدائق يتفرج عليها، وأن يستنفع منها بمنافع شتى في الأرض، ذلك لأن وظيفته مطلقة، فلما كانت هذه الوظيفة هكذا إحتاج إلى قوام، وقد هيأ الله سبحانه وتعالى له ذلك في هذه الكائنات المختلفة، ومن بينها الكائنات الحية التي تفوقه قوة وطول عمر، وتفوقه في كثير من الأمور، سخرها الله سبحانه وتعالى له، فسخر الجمل له فكان وسيلة نقل طوال عصور مضت، وسٌخر له الفيل، مع أن هذه الحيوانات أكبر جسماً منه وأكثر قوة.
وسٌخرت له أيضاً منافع الأرض جميعها؛ بل منافع الكون، ويمتن الله تبارك وتعالى على الإنسان بذلك إذ يقول: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا } (1) ولم تقف منة الله عز وجل على هذا الكائن عند هذا الحد بل تجاوزت ذلك إلى تسخير ما في أرجاء هذا الكون له يقول سبحانه: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ } (2) .
__________
(1) البقرة : 28-29.
(2) الجاثية : 13. (1/3)
صفحة 4
واستطاع الإنسان بما ألهمه الله سبحانه وتعالى من علم أن يستخرج الكنوز التي طمرت في الأرض طوال العصور الماضية، فاستخرج الحديد والمعادن المختلفة، واستخدم التربة في الزراعة والبناء، واستخدم أشياء كثيرة من هذه الأرض فيما ينفعه، سواء كان هذا النفع عائداً إليه فحسب، أو عائداًً إليه وإلى ما سخر له من الحيوانات التي جعلها الله سبحانه وتعالى من ضمن قوام الإنسان.
الوجه الثاني: القوة المعنوية التي اختص الله تعالى بها الإنسان دون غيره من الكائنات، هذه القوة هي عبارة عن الاستعداد الذي أودعه الله فيه لتطوير نفسه وبيئته ومحيطه، فالإنسان الذي كان يقطع المسافات الشاسعة ركوباً على ظهور الحيوانات على مر السنين؛ تطور من طور إلى آخر حتى أصبح يقطع المسافات الشاسعة في بضع ساعات بعد أن كان يقطعها في شهور عديدة، هذه أيضاً ميزة ظاهرة اختصه الله تبارك وتعالى بها وكرمه على غيره وفضله عليه تفضيلاً.
النقص الإنساني
مع الأمور الإيجابية الموجودة في الإنسان هناك أمور سلبية يجب علينا أن لا نغفلها، وإن كان الكثير من الناس أصبحوا غافلين عنها، فالإنسان بجانب هذا التكريم الذي كرمه الله إياه، وهذا الكمال الخلقي الموجود فيه، توجد فيه نواقص كثيرة لا توجد في الحيوانات، فالله سبحانه وتعالى جعل جانباً من جسمه سوءة لابد لها أن تستر، ويستحي الإنسان من إبدائها، وجعل جسمه لا يحتمل ما يحتمله جسم الحيوان، فلا يحتمل الحر والبرد والمطر ووهج الشمس كما يحتمله غيره من الحيوان، وهو محتاج إلى الكساء في حين أن الحيوان غني عنه، ومحتاج إلى أن يصلح نفسه ويلقي التفث عنه، ومحتاج إلى الاستحمام والاستياك والتطيب، والحيوان غني عن هذه الأشياء كلها، فالحيوان لا يستاك ولكنه لا يبخر، ولا يستحم ولا يتطيب ولا يلبس ولكنه لا يؤذي جسمه شيء، ولا يستنجي ولكنه لا يتقذر كما يتقذر الإنسان. (1/4)
صفحة 5
فهذه جوانب النقص الموجودة في الإنسان، جعلها الله سبحانه وتعالى لأجل أن يعتبر حتى لا يطغى ولا يتكبر، وليدرك أن كماله إنما هو كمال نسبي لأنه كمال مخلوق، وإنما الكمال المطلق لله سبحانه وتعالى الذي خلق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم.
وقد يكون الإنسان أنقص من غيره في بعض الأمور، فهو محتاج إلى رعاية لمدة طويلة من الزمن، بينما الحيوان بخلاف ذلك، فطفولة الحيوان قصيرة بينما طفولة الإنسان طويلة، وهو في هذه الطفولة الطويلة يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه الحيوان من الرعاية، فأم الطفل الإنساني تتعهده بالرعاية باستمرار، ولولا هذا التعهد لضاع هذا الطفل، بينما أم الوليد الحيواني قد تغيب عنه فترة من الوقت ثم تعود إليه وهو مستغني عنها في فترة غيابها، والطفل الإنساني نموه بطيء جداً في كل شيء، فبصره لا يكون سريع النمو، فقد ينشأ الطفل باديء الأمر فيرى البعيد قريباً والطويل قصيراً؛ وهكذا، بينما الوليد من الحيوانات من أول الأمر يرى الأشياء على ما هي عليه، وهكذا قوة الإنسان في جسمه، فمشيه يحتاج إلى وقت حتى يستطيعه، بينما الحيوان يمشي بسرعة، كل ذلك من ظواهر النقص التي جعلها الله سبحانه وتعالى في هذا الإنسان لتكون عبرة له وعظة وذكرى.
التفاوت في المواهب
والناس متفاوتون في مواهبهم، فبينما يكون إنسان أقرب إلى الصفات الملكية يكون آخر أقرب إلى أرذل الحيوانات وأرداها، وبينما أحد يبلغ به أمله إلى أن يكون كأنما يسبح مع النجوم في مداراتها، آخر يبلغ به حلمه كأنما لم يخرج من هذه الأرض رأساً.
هكذا جعل الناس متفاوتين، وهذا التفاوت لا يوجد له مثيل في أي كائن آخر، فالتفاوت الذي يكون بين أجناس المخلوفات الأخرى تفاوت محدود، بينما التفاوت الذي يكون بين الجنس البشري يكون تفاوتاً بعيداً لا حدود له.
طاقات الإنسان
وإذا عاد الإنسان ونظر إلى تكوينه وجد نفسه عالما، وما أحسن قول الشاعر:
وتزعم أنك جرمٌ صغير (1/5)
صفحة 6
وفيك انطوى العالم الأكبر
فقد أودع الله سبحانه وتعالى في هذا الإنسان من العجائب ما يحار منه العقل، وصدق الله إذ يقول: { وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } (1) ، ولو فكر الإنسان فيما جعل الله له من هبة غريبة لأخذه العجب، فلو فكر في نطقه، هذه الموهبة العظمى التي وهبه الله تعالى إياها، ونحن نمر عليها مروراً عابراً، لأننا ألفناها فهانت علينا، ولو لم نألفها لاستغربنا منها، فقد سخر الله سبحانه وتعالى للإنسان البيان، و امتن عليه بهذه النعمة العظيمة إذ قال عز من قائل: { الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ } (2) .
البيان ليس بالأمر الهين، وما أحوج الإنسان إليه، لأن الله تبارك وتعالى جعله كائناً اجتماعياً بفطرته مدنيا بطبيعته، فهو محتاج إلى البيان الذي يجتمع من سلسلة عديدة، فالدماغ والشعب والقصبة الهوائية والحنك واللسان والشفتان كلها تشترك في تأدية الكلام، ومع ذلك نحن لا نعلم من أين يستوحي الدماغ هذا البيان، ذلك مرجوع إلى علم الله سبحانه وتعالى وحده، وقد جعل سبحانه وتعالى أيضاً في مقدور الإنسان أن يتصرف تصرفاً غريباً في هذا البيان، فهو يخرج صوته كما يشاء؛ إن شاءه مديداً أو منقطعاً أو رفيعاً أو خافتاً بحسب ما يريد، ويستطيع أن يقلد الحيوانات في أصواتها، بينما هي لا تستطيع أن تقلده، فهذا مظهر آخر من مظاهر تكريم الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان.
والبيان مهيأ له متى أراد، فيستطيع أن يعبر عن الشيء الذي في ضميره متى أراد، ويستطيع أن يفهم كلام غيره، ولم يجعل الله سبحانه وتعالى ذلك للكائنات الأخرى من الحيوانات الموجودة على ظهر الأرض.
__________
(1) الذرايات : 20-21.
(2) الرحمن : 1-4. (1/6)
صفحة 7
وجعل الله سبحانه وتعالى كل طاقة موجودة في الإنسان تتصل اتصالاً غريبا بمركز الطاقة وهو الدماغ, فالنظر يتصل بالدماغ، وهناك أكثر من مائة مليون خط يتصل بين العين والدماغ حتى تؤدي الصورة إليه، وهكذا السمع؛ فهناك خطوط متعددة وأسلاك دقيقة جداً جعلها الله سبحانه وتعالى تصل ما بين الأذن والدماغ، وكذلك الحس، فإذا ما أحس الإنسان بالبرد فإن القشعريرة التي تكون فيه هي من الدماغ، وإذا ما أحس أيضا بالحرارة خرج منه العرق الذي تفرزه الغدد بمشيئة الله سبحانه وتعالى عندما يشعر الدماغ بهذه الحرارة، ذلك كله من آيات الله في الإنسان.
ومن هنا علينا أن ندرك موهبة كل شيء أودعه الله سبحانه وتعالى فينا، ويذكرنا الله تبارك وتعالى بهذه المواهب إذ يقول عز من قائل: { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ } (1) ويقول تبارك وتعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } (2) .
واجب الإنسان
تجاه النعم
__________
(1) البلد : 8-10.
(2) الإنسان : 2-3. (1/7)
صفحة 8
فمن هنا يجب على الإنسان أن يتذكر آلاء الله سبحانه وتعالى المتنوعة التي أودعها فيه، وإذا ما فقد نعمة من هذه النعم عليه أن يستشعر عدم فقدانه النعم المتعددة، ففاقد البصر مثلاً عليه أن يستشعر بأن الله سبحانه وتعالى أعطاه نعما كثيرة غير البصر، فالنطق نعمة، والشم نعمة، والتذوق نعمة، والحس نعمة، والقوة البدنية نعمة، وقوة الباءة نعمة، فهناك نعم متعددة موجودة في هذا الإنسان عليه أن يستشعرها، والتي لا يستطيع بأي حال من الأحوال ولو وقف حياته كلها على شكر أدناها، فيجب عليه أن يستشعر هذه الآلاء التي جعلها الله سبحانه وتعالى له، وهكذا إذا فقد السمع أو قوة المشي أو قوة الشم أو فقد أي قوة من هذه القوى، عليه أن يستشعر نعمة الله سبحانه وتعالى بما أبقى له من النعم، وبما أودع فيه من الطاقات، وبنعم الله سبحانه وتعالى من حوله، وبالإسلام الذي أنزله الله على أنبيائه، وأكمله بما أنزله على النبي - صلى الله عليه وسلم - على أتم وجوهه وأوسع مداخله وأشمل أحكامه.
هذا الإسلام الحنيف الذي يرعى الإنسان على أي حال، فيرعاه إذا كان قوياً أو ضعيفاً ويرعاه إذا كان صغيراً أو كبيراً، ويرعاه إذا كان حاكما أو محكوماً، ففي جميع الأحوال يرعى الإسلام الإنسان.
تفاوت الواجبات
بتفاوت النعم (1/8)
صفحة 9
أنزل الله تبارك وتعالى من الأحكام في كتابه الكريم ما يتفق مع حالات الإنسان المختلفة، فالذين أتاهم الله تبارك وتعالى القوى جعل واجباتهم أعظم ومسؤولياتهم أكبر، والذين سلبهم إياها جعل واجباتهم ومسؤولياتهم أقل، يقول الله سبحانه وتعالى: { لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَج } (1) هذه الآية أنزلت في إسقاط بعض التكاليف الشاقة التي جعلها الله سبحانه وتعالى واجبة على الناس، أسقطها سبحانه وتعالى عن العميان والعرج، فمواجهة الأعداء في ميادين القتال يجب على القادر من الناس، ولكن الله سبحانه وتعالى أسقطها عن العميان والعرج، وقد توعد الله عز وجل غيرهم بالوعيد الشديد إن لم يقوموا بهذا الواجب، يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - : { قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } (2) وأتبع ذلك قوله: { لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ } فمن هنا يدرك الإنسان منة الله سبحانه وتعالى عليه ولطفه به في جميع الحالات.
وقد أمر سبحانه وتعالى أن يراعي حال الضعفاء والمحرومين والبؤساء في جميع الأحوال، وأمر لهم بالرحمة والعطف والحنان، كما يتجلى ذلك في كثير من تشريعات الكتاب العزيز التي أنزلها على عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن هنا ندرك رحمة الله تعالى بالإنسان، ولطفه به مع قدرته عليه.
الخلافة واجب الجميع
__________
(1) النور : 61.
(2) الفتح : 16. (1/9)
صفحة 10
إن الناس على اختلاف مستوياتهم هم مستخلفون في الأرض، كل أحد عليه قسط من واجبات الخلافة، فالخلافة ليست مقصورة في شخص واحد إنما هي شاملة لجميع البشر، كما يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: { جَعَلَكُمْ خَلاَئِف } (1) فكل واحد خليفة وعليه أن يرعى واجبات هذه الخلافة، ولكن المسؤوليات تختلف باختلاف مستويات الناس في قواهم، فالحاكم مسؤوليته أكبر من مسؤولية المحكوم أمام الله سبحانه وتعالى، والغني مسؤوليته أكبر من مسؤولية الفقير، وصاحب الجاه مسؤوليته أكبر من مسؤولية من لا جاه له، والرجل المنظور إليه مسؤوليته أكبر من مسؤولية من لا ينظر ولا يلتفت إليه، وصاحب القوة البدنية مسؤوليته أكبر من مسؤولية فاقد هذه القوة، وهكذا الناس يختلفون في هذه المسؤوليات بحسب اختلاف حالاتهم، ولكن إذا ما تظافرت جهود الجميع، وأدى كل واحد مسؤوليته بحسب ما أتاه الله سبحانه وتعالى من قوة وما منحه من نعمة، إذا تظافرت الجهود حصل الخير للجميع، وحصل العطف والتراحم بينهم، فهذه هي الإنسانية الحقة.
التآلف الاجتماعي
الإنسان لم يجعله الله سبحانه وتعالى كائناً كالكائنات الأخرى التي تعيش عيشة فردية غير اجتماعية، فهو اجتماعي بفطرته مدني بطبيعته، ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى ما شرعه من الأحكام للبشر، شرع الزواج حتى يكون من الزوجين تنظيم وتكوين أسرة، ثم شرع الله سبحانه وتعالى اللقاء بين الناس على اختلاف علاقاتهم، كلقاء الجار بجيرانه، ولقاء الأب بأولاده، ولقاء القريب بأقربائه، ولقاء أهل البلدة الواحدة في مناسبات مختلفة لأجل حصول التعارف والتآزر وتحقيق المدنية الإنسانية.
__________
(1) الأنعام : 165. (1/10)
صفحة 11
ومن هذه اللقاءات عبادة الله سبحانه وتعالى التي يوجهها المخلوق إليه سبحانه وتعالى، أيضاً جعلها الله سبحانه وتعالى سبباً من أسباب الترابط والتراحم والتآلف بين الناس، فالصلاة تجمع أهل الحي الواحد أو أهل المنطقة الصغيرة في المسجد الواحد؛ كل يوم وليلة خمس مرات، وصلاة الجمعة تجمع أهل المدينة أو أهل المنطقة أو أهل المنطقة الواسعة من المدينة في المسجد الجامع في كل أسبوع مرة، وصلاة العيد أيضاً تجمع أهل المدينة أو أهل القرية أو أهل المنطقة الواسعة من المدينة أو القرية في السنة مرتين، واللقاء العام هو لقاء الحج الذي جعله الله سبحانه وتعالى مظهراً من مظاهر الوحدة الإنسانية التي شاءها الله تعالى لخلقه، ففي تلك الأراضي الطاهرة وفي ظل عبادة الله سبحانه وتعالى يلتقي المسلمون على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وبلدانهم وحملاتهم، يحجون جميعا إلى الله سبحانه وتعالى قائلين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك. وهناك يمكن التفاهم والتعارف والتعاون ما بين أهل البلدان القاصية، وهذه المنافع التي امتن الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان بقوله: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } (1)
__________
(1) الحج : 28.. (1/11)
صفحة 12
هذه المنافع تتجسد في فريضة الحج التي فرضها الله، هذا بجانب مظهر المساواة الإنسانية، هناك يلتقي الناس على اختلاف طبقاتهم، يلتقي الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والقوي مع الضعيف، والأبيض مع الأحمر والأسود، يلتقون جميعاً في شعار واحد، ويلبسون جميعاً لباساً واحداً، ليس هناك فارق ما بين إنسان وآخر، وهذا أيضاً مما يجسد عدالة الإسلام والمساواة الإنسانية التي شرعها الله سبحانه وتعالى وأوجبها على خلقه، وإنما علينا نحن كمسلمين هدانا الله سبحانه وتعالى إلى الدين القويم، ومّن علينا بأكبر منّة وهي أن بعث فينا عبده ورسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - هادياً إلى الصراط المستقيم، وداعياً إلى المنهج القويم، وجامعاً شمل الإنسانية بعد التفرق، ومؤلفاً بين القلوب بعد التنافر، علينا أن ندرك أبعاد حكم الله سبحانه وتعالى في الأحكام، وأن ندرك مسؤوليتنا فيحنوا القوي على الضعيف والقادر على العاجز، وفي هذا يتم ما أريد بالإسلام والمسلمين من الترابط فيما بينهم، وذلك الذي يرشد إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ((إنما مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) (1) ، فهكذا يجب أن نكون مسلمين.
ونسأل الله أن يوفقنا إلى ذلك، وأن يرشدنا إلى الصراط المستقيم، وأن يهدينا إلى الطريق القويم، وأن يأخذ بأيدينا إلى ما يجب ويرضى، وأن يجمع قلوبنا على التقوى، وأن يأخذ بأيدينا عليها، فإن تقوى الله سبحانه وتعالى خير ما يعطف على العباد.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا اللقاء لقاءا مباركاً طيباً مثمراً، وأعيد إليكم التحية التي بدأتكم بها، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المقدمة
الإنسان مخلوق مكرم
أوجه التكريم
النقص الإنساني
طاقات الإنسان
واجب الإنسان تجاه النعم
تفاوت الواجبات بتفاوت النعم
الخلافة واجب الجميع
__________
(1) مسلم (2586). (1/12)
صفحة 13
التآلف الاجتماعي
الفهرس (1/13)