صفحة 1
الكتاب: شبابنا إلى أين؟ لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] لسماحة الشيخ العلامة:
أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ومتعنا بحياته وعلمه
المفتي العام لسلطنه عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين. أحمده تعالى حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، لا حد لغايته ولا أمد لنهايته، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. (1/1)
صفحة 2
أما بعد فالسلام عليكم أيها المشائخ والأخوة والأبناء ورحمة الله وبركاته أحيكم بهذه التحية الطيبة المباركة وأحمد الله تعالى على إتاحة هذه الفرصة الميمونة بالاجتماع بكم في هذا الجامع الشريف وفي هذا البلد العريق وفي هذا اليوم المبارك في هذه الساعة الميمونة منه الحمد لله على هذه الفرصة . (1/2)
صفحة 3
هذا ولا ريب أنكم تدركون جميعاً مدى خطورة تآمر أعداء الإسلام من أجل تفتيت صخرة هذا الدين والقضاء على كيانه والإتيان على بنيانه ، فهم يسعون سعياً حثيثاً من أجل الوصول إلى هذه الغاية ولولا عناية الله تبارك وتعالى وحفظه لهذا الدين وحفظه للذكر الذي جعله سبحانه وعاءً لهذا الدين الحنيف لما بقي اليوم من الإسلام شيء مع هذا التآمر البالغ والمخططات الجهنمية الرهيبة من قبل أعداء الإسلام ، وإنكم لتبصرون ما وصلت إليه هذه الأمة من المهانة مع كثرة عددها ومع كثرة ما أتاها الله سبحانه وتعالى من فضل فهي لم تؤت من قلة ولم تؤت من فقر وإنما أتاها عدوها من حيث ابتعدت عن النهج الرشيد الذي تركها عليه رسول الله عليه السلام وخلفاؤه الراشدون وصحابته الأعلام رضي الله تعالى عنهم ، فالأمة أسلست القياد لعدوها ولذلك أصبحت تركع أمام عدوها تستجدي منه الرحمة ، وتسأله الحل لمشكلتها وأنى للعدو أن يرحم عدوه وأنى للعدو أن يحل مشكلة عدوه مع أن تلك المشكلة ما جاءت إلا من قِبَل ذلك العدو الذي يُسترحَم ويُستعطَف ، فالأمر إذاً بالغ الأهمية ومن المعلوم أن عُدة كل أمة وعمدتها شبابها فبقدر ما يكون عليه الشباب من الصلاح والاستقامة والخير والرشد والطموح يكون ارتفاعها ويكون تقدمها وبقدر ما يكون عليه شبابها من انحطاط وفساد وشر وانطواء على نفسه وعدم تطلع إلى معالي الأمور ورضاه بسفاسفها يكون انحطاطها ويكون تأخرها وقد أدركت فئة بل فئات الإسلام ذلك كله فلذلك استهدفت الشباب في عقيدته وفي أخلاقه وفي مثله وحاولت بكل وسيلة من الوسائل ولا سيما وسائل هذا العصر الرهيبة أن تستظله وأن تغويه ومخططات أعداء الإسلام كلها تصب في مصب واحد فقد يختلفون فيما بينهم ولكن مع هذا الاختلاف هم يلتقون على هذه الغاية التي يسعون إليها جميعاً وهي غاية تفتيت هذه الصخرة التي وقفت في سبيلهم من خلال إيهان شباب الأمة (1/3)
صفحة 4
و إضعافهم ومن بين هذه المخططات ، المخططات التي تتعلق بالفكر ، ولا ريب أن الفكر أمر خطير جداً فإن استقامة الفكر هي التي تؤدي إلى استقامة الأحوال كلها وانحراف الفكر هو الذي يؤدي إلى انحراف جميع الأمور ومن أجل ذلك عندما بعث الله سبحانه وتعالى رسله كانت مهمتهم الأولى تصحيح الفكر عند الناس ونبينا صلوات الله وسلامه عليه ظل بمكة المكرمة 13 عاماً يبني الفكر الصحيح في الأمة يصلها بربها سبحانه وتعالى ويصلها باليوم الآخر ويصلها بخيرة خلق الله برسل الله المصطفيين الأخيار وبالملأ الأعلى ويصلها بجميع القيم الفكرية لتكون الصورة واضحة ولتكون الفكرة سليمة حتى يكون الإنسان خبيراً بيومه وبغده ويكون خبيراً بما يجب عليه بحيث يعرف من أين جاء وإلى أين ينتهي وماذا عليه أن يعمل في هذه الرحلة ما بين مبدأه ومصيره، وعندما بدأ التشريع ينزل كان الجانب الفكري أيضاً يعطى عناية ولذلك نجد في القرآن الكريم في الآيات التشريعية ما يتعلق بجانب الفكر بجانب تصحيح العقيدة وتقويمها من أجل أن تكون صلة الإنسان بربه سبحانه صلة قوية وأن تكون صلته بمعاده صلة واضحة بينة. (1/4)
صفحة 5
وأعداء الإسلام حاولوا أن يشككوا الإنسان في هذا الفكر فلذلك لا يفتأون يحاولون أن يبعدوا الإنسان المسلم ولاسيما الشاب المسلم عن فكره السليم يريدون أن يشككوه في القرآن الكريم ويريدون أن يشككوه في النبي العظيم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم بل يريدون أن يشككوه في ربه سبحانه وأن يشككوه في معاده وهذا الأمر ليس وليد اليوم والأمس بل هو أمر موغل في التاريخ وعندما جاءت الغزوة الاستعمارية الكبرى في العصر الحديث كان تحطيم الفكر في مقدمة مخططات هذه الغزوة كيف ونحن نرى فيما يقوله القس زويمر - لعنه الله - في مؤتمر القدس الذي انعقد قبل نحو ثلثي قرن من وقتنا هذا ما يدل على أن المخططات التنصيرية إنما تصب في مصب إبعاد الإنسان المسلم عن الفكر السليم فهو عندما تحدث إخوانه القساوسة عن فشلهم في تنصير المسلمين رد عليهم بقوله: إن مهمة التبشير التي ندبتكم من أجلها الدول النصرانية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست من أجل تنصير المسلمين فإن في ذلك هداية لهم وتكريما وإنما هي من أجل إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في البلاد المحمدية ثم قال : إنكم نجحتم من حيث إنكم أخرجتم جيلاً لا هم له إلا في شهواته فهو إن رقى إلى أعلى المناصب إنما يرقى من أجل شهواته وإن جمع المال فإنما يجمعه من أجل شهواته وهكذا نجد كيف يكون تحطيم الفكر عند أُولئك. (1/5)
صفحة 6
ثم إنه مع هذا التطور السريع في عصرنا هذا الذي نعيشه نجد كيف استغل أعداء الإسلام وسائل التقنية الحديثة من أجل هذا الأمر نفسه ووسائل الإعلام التي لا تقف عند حد والتي تتخطى جميع الحواجز وتقتحم جميع الأسوار وتلج على الناس في بيوتهم من غير استئذان أصبحت من وسائل تحطيم الفكر الإسلامي كما هو ظاهر وقبل مدة غير بعيدة كتب أحد نصارى العرب مقالات متتابعة بثها عبر شبكة المعلومات والاتصالات العالمية يشكك في مقالاته هذه جميعاً في القرآن ويشكك في نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ويحاول أن يصف النبي بالصفات الدنية ويحاول أن يوجد ما يشكك الناس في القرآن من حيث إنه يزعم أنه متناقض في أمور شتى كل ذلك من أجل إبعاد المسلم عن الإسلام من أهم الأمور التي سعى إليها أولئك الأعداء الماكرون والدهاة الذين لا يقف دهاؤهم عند حد أنهم أورثوا الإنسان المسلم ارتياباً في مبدئه وشكاً في عقيدته وعدم ثقةٍ بيومه وبأمسه بحاضره وبماضيه فإنهم يشككون المسلم في أعز ما يجب أن يحرص عليه ويستمسك به فهم يحاولون أن يوجدوا في نفسية المسلم خلخلة وهي التي يسمونها بمركب النقص أو يسمونها بالهزيمة النفسية يحاولون إيجاد هذه الخلخة ليكون هذا الإنسان غير واثق بدينه وغير واثق بفكره بحيث يستحي من هذا الفكر ومن عرضه ومن الاعتداد به وهذا أمر لم يبتلى به عامة الناس فحسب بل وصل حتى إلى خاصتهم فكم من تنازلات قدمها العلماء الذين يعتبرون على ذروة الهرم الإسلامي من أجل إرضاء أعداء الإسلام كم حضرنا من مؤتمرات وسمعنا في هذه المؤتمرات كلمات التزلف من أناس يعتبرون قمة في العلم عند المسلمين يتزلفون إلى أعدائهم ليرضوا عنهم وهيهات الرضى والله سبحانه وتعالى يقول (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )) كم من كلمات قالوها تزلفاً إليهم ومما سمعناه منهم أنهم يقولون : إن الديانات (1/6)
صفحة 7
الإبراهيمية الثلاثة كلها تصدر من مشكاة واحدة وكلها تؤدي إلى غاية واحدة ولا فرق بينها يعنون بالديانات الإبراهيمية : اليهودية والنصرانية والإسلام ، مع أن الله تبارك وتعالى برأ إبراهيم عليه السلام من اليهودية والنصرانية وقال : ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) مع أن الله سبحانه وتعالى أيضاً بين في كتابه الكريم أن دينه دين واحد فليس لله دين يسمى اليهودية وليس له دين يسمى دين النصرانية إنما الدين هو الإسلام الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشر جميعاً وأرسل من أجله رسله وأنزل به كتبه فالله تعالى يقول : ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)) ويقول : ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) ويقول عز من قائل : ((شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ)) ويقول سبحانه وتعالى مبيناً أن نوحاً عليه السلام بعث بالإسلام بعث بهذه الملة التي بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم مع اختلاف الشريعة وذلك عندما حكى سبحانه عنهم قوله ((وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ )) وكذلك بين سبحانه وتعالى في كتابه أن كل نبي من أنبيائه إنما أرسل بعقيدة التوحيد فقد قال تعالى(( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون ِ)) ، وقال سبحانه (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ (1/7)
صفحة 8
اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ )) وحكى سبحانه عن جماعة من الرسل أنهم قالوا لقومهم (( اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )) وحكى عن المسيح عليه السلام قوله (( اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم )) كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يبين أن التوراة التي أنزلت على موسى كان يحكم بها النبيون المسلمون حيث قال (( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ )) ، كذلك يقول سبحانه وتعالى في قرية لوط عليه السلام (( فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ )) ويحكي سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه (( على الله توكلوا أن كنتم مسلمين )). (1/8)
صفحة 9
كذلك حكى الله سبحانه وتعالى عن سحرة فرعون أنهم عندما ءامنوا قالوا (( توفنا مسلمين )) وحكى عن فرعون نفسه أنه عندما أدركه الغرق إدعى الإسلام حيث قال سبحانه وتعالى فيما يحكيه من قصته (( حتى إذا أدركه الغرق قال ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين )) وذكر أن يوسف عليه السلام سأل ربه سبحانه أن يتوفاه على الإسلام فقد حكى عنه قوله (( رب قد ءاتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين )) وحكى عن إبراهيم عليه السلام قصته في رفعه قواعد البيت مع إسماعيل عليهما السلام فحكى عنهما أنهما قالا (( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك )) ثم قال سبحانه (( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين )) ثم بين أن الإسلام وصية إبراهيم عليه السلام ويعقوب عليه السلام أيضاً لبنيهما حيث قالوا (( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يبني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون 0 أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله ءابائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون )) بل ذكر الله تعالى أهل الكتاب الذين ءامنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عندما بعث وحكى عنهم أنهم أعلنوا كانوا على الإسلام من قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال (( الذين ءاتينهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين )) أي قبل أن ينزل القرآن على قلب النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام فما بال هذا المسلم يقدم هذا التنازل لأعدائه ويقول بأن الديانات الثلاث جميعاً هي ديانات إبراهيمية (1/9)
صفحة 10
و أنها تصدر من مشكاة واحدة وأنها لا فرق بينها ما هذا الانهزام العجيب وما هذا التزلف إلى أعداء الإسلام وهل أجدى ذلك هؤلاء عند أعدائهم شيئاً أو أن ضراوة أعدائهم اشتدت عليهم فالوحش الضاري لا يرحم فريسته عندما تحاول أن تسترحمه وتستعطفه وهكذا كان الأمر ، وهذه المأساة التي يعايشها الآن المسلمون هي أكبر دليل على ذلك. فأن اليهود الذين تزلف إليهم المتزلفون وتقرب إليهم المتقربون وحاولوا أن يتنازلوا عن أفكارهم ومبادئهم وعقيدتهم وأخلاقهم من أجلهم لم يجدهم كل ذلك عندهم شيئاً بل اشتدت ضراوتهم عليهم فهذا مثال من الأمثلة الكثيرة التي تدل على ما أصاب الأمة من ضعف في إيمانها وانهزام في فكرها وتراجع عن مبادئها وعقيدتها. (1/10)
صفحة 11
وهناك الكثير الكثير من المؤامرات التي يستهدف بها شباب المسلمين من بين هذه المؤامرات ما ذكرته فيما حكيته عن القس زويمر من محاولة إغراقهم في الشهوات فإن الأمة التي تغرق في الشهوات لا تستطيع أن تخرج من مستنقعها بل تبقى أسيرة لها ولذلك نجد أن الإسلام الحنيف جاء بما يرفع المؤمن عن الإستسلام للشهوات والإنقياد لها بل جاء الإسلام الحنيف بما يجعل المسلم متحكماً في غريزته مسيطراً على شهوته لتكون هذه الطاقات كلها طاقات بناء بدلاً من أن تكون طاقات هدم ولذلك أمر بتوجيه الغرائز نحو الوجهة الصحيحة فأمر بالمسارعة إلى الزواج الشرعي حتى يفرغ الإنسان شهوته في الحلال الطيب فالله سبحانه وتعالى يقول (( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا ْ)) ويأمر الله سبحانه وتعالى بتيسير ذلك أي بالزواج عندما يقول تعالى ((وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام يقول ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) وقد حبب إلى كثير من الشباب العزوف عن الزواج في هذا العصر والرغبة في حياة الحرية حسب ما يزعمون وما هي إلا حياة العبودية للشهوات ومن أخطر هذه الشهوات التي حطمت كيان الشباب وأضعفت الأمة . (1/11)
صفحة 12
تفشي الخمر في مجتمعات المسلمين الخمر التي هي أم الخبائث بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والتي أخبر القرآن الكريم بمخاطرها عندما قال سبحانه وتعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 0 إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)) نعم إن الله سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر في هاتين الآيتين بما لا مزيد عليه فالله سبحانه أولاً قبل كل شئ قرنها بالميسر وبالأنصاب وبالأزلام وبين أنها رجس وأنها من عمل الشيطان وأمر باجتناب جميع ذلك عندما قال (( فاجتنبوه )) وناط الفلاح بهذا الاجتناب عندما قال (( لعلكم تفلحون )) ثم بين ما يريد الشيطان بتحبيب الخمر وتحبيب الميسر إلى الناس عندما قال (( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله )) فهي مسببة للبغضاء ومسببة للعداوة وهي سبب للصد عن ذكر الله وعن الصلاة ثم استنفر الهمم من أجل البعد عن الخمر حيث قال سبحانه وتعالى (( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ )) ولننظر كيف جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم منفرة من الخمر ومبينة خطورة تعاطيها وخطورة التعامل معها أي معاملة كانت فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: (( لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبايعها ومبتاعها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها كل هؤلاء مشتركون في اللعن. (1/12)
صفحة 13
و جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ) كذلك يقول عليه الصلاة والسلام ( مدمن خمر كعابد وثن ) إذ الإنسان لا تكون له قيمة وهو يسلب نفسه هبة الله تعالى الكبرى التي وهبه إياها ، هبة العقل الذي ميز الإنسان عن البهيمة ورفع قدر الإنسان وجعله الله له نوراً وبصيرة فكيف يرضى الإنسان لنفسه وقد رفع الله درجته وكرمه تكريماً أن يرضى المهانة لنفسه كم من مهانة يقع فيها شراب الخمور كم من مهانة ينحط إليها أناس كانوا كرماء وكانت لهم منزلة وما ذلك إلا بسبب اتباع الشهوات فقد ذكر بعض المؤرخين أن رجلا مر عليه بعض الناس ووجدوه يبول في كفه ثم يغسل ببوله وجهه ويقول: الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً والوضوء نوراً. وروي عن آخر أيضا انه كان يقدم وجهه لكلب يلحسه وهو في حالة الثمل ويقول للكلب أكرمك الله ، يلحس وجهه بلسانه والرجل يقول له أكرمك الله .
هكذا تكون مهانة من شرب الخمر ولربما شرب الإنسان الخمر فهاجت شهوته وثارت غريزته حيث لا يضبطها ضابط ولا يحكمها شئ فاندفعت به إلى أن وقع في الفحشاء مع ابنته أو مع أخته أو مع أي امرأة ذات محرمه هكذا يقع الأمر وهكذا تنتهي الحال بأولئك وما وجود المخامر بين المسلمين إلا من مخططات هؤلاء الأعداء الماكرين من أجل إبعاد المسلم عن الإسلام وإغراق الشباب المسلم في وحل هذه الرذيلة والبعد به عن الله سبحانه وتعالى . (1/13)
صفحة 14
كذلك نجد أيضاً من المخاطر الكبرى التي خطط لها أعداء الإسلام هذه الأفلام العارية التي لا تؤدي إلا إلى الخزي والعار والمهانة هذه الأفلام التي تبثها المحطات العالمية القنوات الفضائية العالمية وهي كما قلت تلج على الناس في بيوتهم من غير استئذان ومن غير أن يحجزها حاجز ويمنعها مانع فهي تقتحم جميع الأسوار وتتخطى جميع القيود من غير استئذان ومن غير أن يحجزها حاجز ويمنعها مانع فهي تقتحم جميع الأسوار وتتخطى جميع القيود هذه من أعظم البلاوى فإن لم يحصن شباب الإسلام بتقوى الله تبارك وتعالى وبالعقيدة الحقة وبالاستقامة على الرشد واتباع أوامر الله والارتفاع بهذه النفس عن الدنايا والزهد في هذه الحياة الدنيا والرغبة فيما عند الله كانت الكارثة .
القنوات الفضائية كما قلت هي باستمرار تغزو الناس غزواً في كل مكان في بيوتهم في أماكنهم من غير أن يكون هنالك حاجز وكيف أثرت في المجتمع المسلم وأنا أتسائل أين الآباء وأين الأمهات أين هؤلاء جميعاً عن صون أولادهم ؟. قبل أيام قليلة لا تصل عشرين يوماً تلقيت رسالة من أحد الشباب يشكو فيها مشكلته ويطلب حلاً لها يقول بأنه تزوج فتاةً كان يظنها عفيفة طاهرة نظيفة ولكن عندما اقترن بها لم يجد بها علامة العفة فما كان منه إلا أن أقبل عليها يسألها عن السبب أين ذهبت العفة فانهارت بين يديه وأخذت تبكي وقالت له سأخبرك بكل شئ فحدثته بقصتها ومأساتها التي تدعونا إلى التساؤل أين كان أبوها وأين كانت أمها أين هؤلاء جميعاً ؟ كيف يرضى الإنسان لفلذة كبده وثمرة فؤاده هذه العاقبة الوخيمة ولا يبالي كيف يرضى الإنسان أن يقذف ببعضه في النار فإن ولد الإنسان إنما هو بضعة منه كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أجاد الشاعر عندما قال :
وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض *** لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمض (1/14)
صفحة 15
فإذا كانت عين الإنسان تمتنع عن الغمض لمجرد هبوب الريح على ولده فكيف لا يؤرقه أن يعمل ولده عملا يقذف به في النار والعياذ بالله أجابت هذه الفتاة أن مأساتها تتمثل في كونها عشقت أفلام الجنس منذ كانت بنت 13 عاماً واستمرت تتابع هذه المحطات التي تبثها هذه الأفلام بكل نهم وبكل شغف حتى كان ذلك أحب إليها من الطعام والشراب والنوم وأن غريزتها كانت تهيج ولم ينصحها أحد ولم يرشدها مرشد إلا خالتها وزوج الخالة فهما نصحاها وطلبا منها أن ترتدع عن ذلك ولكن أنى لها الارتداع فقد أدمنت هذا الأمر حتى أصبح جزءاً من حياتها قالت بأنها في يوم من الأيام بينما كانت غارقة في متابعة محطة هندية تبث هذه الأفلام من خلال جهاز التلفاز، من خلال هذه الأطباق التي تملأ البيوت الآن بينما كانت تتابع هذه المحطة وبها هيجان الغريزة إذ دخل عليها أخوها فاسترسل معها في المتابعة فما كان منه إلا أن ثارت غريزته وراودها عن نفسها فاستسلمت له وأتى معها الفاحشة هنا التساؤل أين الأب وأين الأم وأين الأسرة كيف هؤلاء لا يغارون على أعراضهم ما بالهم لا يغارون على أنفسهم بأن ولد الإنسان جزء منه وعار الولد ينقلب على أبويه ولا سيما البنت فعارها ينقلب على أبويها وعلى أسرتها وعلى مجتمعها كيف لا يغار هؤلاء على بناتهم ولا يغارون على أعراضهم نحن نجد كيف جاء التوجيه النبوي الشريف للبشر حتى يربوا أولادهم على الفضيلة والتقوى والاستقامة الحديث الشريف يقول (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) نعم يفرق بين الأخ وأخته في المضجع إذا بلغا عشر سنوات فإن العاقبة عاقبة اضطجاعهما معاً لا يعلم مغبتها إلا الله سبحانه وتعالى ونحن نجد كيف توجه الأحاديث الشريفة الأمة جميعاً إلى الفضيلة والتقوى فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ) ويقول ( من كان يؤمن بالله و (1/15)
صفحة 16
اليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم ) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام ( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ) ويقول صلوات الله وسلامه عليه ( إياكم والدخول على النساء فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم الحمو: الموت ) هكذا يشبه صلى الله عليه وسلم حما المرأة بالموت الذي هو أخو زوجها بالموت لخطورة ولوجه عليها فكيف بغير هؤلاء كيف يرضى الإنسان بابنته أن تسير في وسط جماعة من الذئاب الذين هم أشبه بالرجال ولا يغار عليها كم من مأساة تترتب على هذه اللقاءات غير الحميدة ما بين الجنسين كم من فجور يرتكب وكم من حرمة تنتهك وكم من عرض يداس بالأقدام على التراب فهل من منتبه لذلك ثم بجانب هذا كله أيضاً نرى أن مآسي البطالة بطالة الشباب مآس لا تقف آثارها عند حد أخذت الجريمة تتفشى فكم من نفس أزهقت ودم سفك بسبب هذه البطالة كم من أناس ارتكبوا الحماقات في سفك الدماء وإزهاق الأرواح طمعاً في الشيء اليسير في المال ومن تتبع ملفات هذه الأحداث وجد من ذلك أمراً عجباً فلذلك يجب أن يتنبه لخطورة هذا الأمر هناك الكثير الكثير من المجالات التي يمكن أن يفرغ فيها الشباب طاقاتهم هناك الكثير الكثير من الأمور التي لو استغلت لعادت المصلحة على الأمة جميعاً لعادت المصلحة على المجتمع الذي فيه أولئك الشباب وعادت بالمصلحة على الأمة جمعياً ولكن نحن نقول دائما بأننا بحاجة إلى التخطيط السليم والتنفيذ الأمين مع وجود هذين العنصرين يوجد الخير كله ولكن هل من مخطط وهل من منفذ. (1/16)
صفحة 17
نحن نرى أن الشباب الآن يلهو وراء الرياضة ولا بأس فلياقة الأبدان أمر مطلوب وكما قيل العقل السليم في الجسم السليم ذلك الذي يكون غالباً ولكن هل الرياضة هي في اللعب وحده دون غيره أما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ذوي أبدان ذات لياقة أما كانوا صحيحي الأبدان والعقول أين كانوا يفرغون هذه الطاقات كانوا يفرغون الطاقات في عبادة الله سبحانه وتعالى وفي الأعمال التي تعود بالمنفعة عليهم وتعود بالمنفعة على أمتهم ما كانوا يستقبلون الليل والنهار وهم لاهون من غير أن تكون ألبابهم مشغولةً بأمر وأن تكون أبدانهم مشغولةً بعمل بل كانت الألباب مشغولة بالله تعالى وباليوم الآخر وكانت أبدانهم مشغولةً بطاعة الله ومشغولة أيضاً بالعمل الذي يرتفع بهذه الأمة ويعلو بها أليس في طلوع النخيل وفي العمل بالأموال رياضة للأبدان كيف لا توجه طاقات الشباب إلى ذلك حتى لا يألفوا الكسل كثير من الشباب مع الأسف الشديد ألفوا الكسل وأصبحوا لا يريدون العمل إنما يتسولون ويريقون ماء الوجوه مع أن ماء الوجه هو أعز ما يجب على الإنسان أن يحافظ عليه وأن لا يريقه . (1/17)
صفحة 18
الله تبارك وتعالى عندما وجه المؤمنين إلى التصدق قال (( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا )) هكذا كان حال الناس في ذلك الوقت من محافظتهم على ماء وجوههم لا يسألون الناس إلحافاً إنما كانوا بل كانوا لا يسألون الناس قط ولكن ذلك إنما هو تعريض بالإلحاف في المسألة فهكذا إذاً يجب أن توجه هذه الطاقات للعمل وألا تترك للبطالة والكسل . (1/18)
صفحة 19
إن البطالة تؤدي إلى الكثير الكثير تؤدي إلى الجرائم والجرائم تتنامى بقدر تنامي هذه البطالة والناس بحاجة إلى الأيدي العاملة الأيدي القوية وليس في العمل أياً كان ذلك العمل غضاضة على المرء ما دام عملاً حلالاً يقربه إلى الله سبحانه وتعالى كم جاءت أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تحبيب العمل وفي التنفير من المسألة على أن الكثير من هؤلاء الذين يسألون الناس إلحافاً إنما يسألون من أجل شهواتهم قد يسأل الإنسان ويلح من أجل أن يجمع شيئاً من الريالات ليدخل بها فندقاً أو مطعماً فيشرب الخمر والعياذ بالله أو من أجل أن يذهب بها إلى هنا وهناك ليفرغ شهوته الجنسية في الحرام فإذاً هذه الأمور كلها يجب التفطن لها ويجب التفطن لما يريده أعداء الإسلام من تحبيب هذه البطالة إلى النفوس وتشغيل هذه الطاقات بما لا يعود بطائل على أصحابها وعلى أمتهم ولا على مجتمعهم هذا وإن من أخطر الخطر أيضاً أن يرضى المسلمون بأنفسهم بالتبعية فالشباب المسلم عندما يرضى أن يكون تبعاً لأعداء الإسلام يترسم خطواتهم وينهج نهجهم ويعب من معينهم لا ريب أن ذلك لا يورثه إلا ذلاً خزياً وعاراً فالله سبحانه وتعالى عندما بعث النبي صلوات الله وسلامه عليه بعثه ليربي هذه الأمة على استقلالها في جميع شؤونها على استقلالها في العقيدة، واستقلالها في العبادة، واستقلالها في السياسة ، واستقلالها في الفكر ، واستقلالها في السلوك، واستقلالها في الأخلاق، واستقلالها في المعاملة ،و لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يربي صحابته رضى الله تعالى عنهم كثيراً ما يعلل الأوامر التي يأمرهم بها والنواهي التي يزجرهم عنها بقوله ( خالفوا النصارى واليهود ) أو خالفوا اليهود أو خالفوا المشركين أو خالفوا المجوس ) كل ذلك لتكون هذه الأمة مستقلة لا تتبع أعداءها نحن نرى كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ فيه الحساسية في هذا الأمر أنه (1/19)
صفحة 20
كان يأمر بمخالفة أعداء الإسلام حتى في الأمور الجزئية القليلة التي قد يستهين بها الإنسان في الأمور العادية من ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان في حالة دفن ميت وكان واقفاً وكان أصحابه وقوفاً فمر بهم يهودي وقال هكذا تصنع أحبارنا فقعد صلوات الله وسلامه عليه وأمر أصحابه بالقعود ذلك لأجل ألا يتأثروا بمسالك اليهود وعاداتهم وألا تكون للمسلمين أسوة في أعمال اليهود والقرآن الكريم جاءنا بما يدل على وجوب قطع علاقات الموالاة بين المؤمنين وأعدائهم الكافرين فالله سبحانه وتعال يقول ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ 0 إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)) كيف بعد كلام الله قول لقائل وفصل لفاصل إنما كلام الله تعالى هو القول الفصل الذي ليس بالهزل يخبرنا أنهم يودون الكفر منا وهذه أمنية كل كافر كذلك نجد أن الله تعالى يقول ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )) ثم بين كيف تكون الموالاة وممن تصدر فقال (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا (1/20)
صفحة 21
دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ)) ثم يتبع ذلك التحذير من الارتداد تنبيهاً على أن هذه الموالاة لا تقف بأصحابها عند حد حتى ينسلخوا من الإسلام كله وقد قال سبحانه ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) ثم يبين من يجب على المسلم أن يجعل ولاءه له فقال ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )) ثم بين عاقبة الموالاه لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين عندما قال عز من قائل ((وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)) نعم إنما حزب الله هم الغالبون فعندما كانت كتلة الأمة الإسلامية بينها الموالاة. (1/21)
صفحة 22
الموالاة في الله سبحانه وتعالى توالي ربها وتوالي نبيها ويوالي كل فرد إخوانه المؤمنين مع القطيعة بينهم وبين أعدائهم الكافرين كانت كِفة الإسلام راجحة وكانت فئة الإسلام ظاهرة ودعوتهم شاهرة ظهر الدين في أرجاء الأرض وانتصر المسلمون على أعدائهم حتى افتتحوا ممالك كسرى وممالك قيصر وأنزل الله أُولئك المتكبرين من عليائهم صاغرين وأذاق الله سبحانه وتعالى تلك الشعوب البائسة على أيدي المؤمنين طعم العدل وعرفت من خلال معاملتهم معنى الحرية وعرفت معنى قيمة الإنسانية ولا ريب أن هذه الموالاة تتمثل في التبعية فعندما ينجرف المسلم انجرافاً وراء عادات غيره فإن ذلك دليل موالاته له وأي انجراف أخطر من هذا الانجراف الذي وقع فيه المسلمون رأوا أن كل خطوة يترسمونها وراء أعدائهم هي مفضية بهم إلى العز والرقي والمدنية حسب ما يتراءى لهم وما هي إلا خطوات إلى الذل والمهانة والخزي والعار في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله فنجد الكثير من ضعاف النفوس من المسلمين يحاولون استيراد قاذورات العادات من أُولئك الأعداء ليطبقوها في حياتهم كأنما هذه القاذورات هي الطهر وهي النظافة وهي العز والشرف يكفي ما نسمعه في أول يوم من إبريل من التسابق في ميدان الكذب والبراءة في الإتيان بأفحش الكذب تقليداً لأعداء الإسلام مع أن الكذب بنفسه حرام ليس هو من شأن المؤمن فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يطبع المؤمن على الخلال كلها ليست الخيانة والكذب ) وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن كذاباً قال لا) .و عندما تحدث عليه أفضل الصلاة والسلام عن صفة المنافق بين من صفاته أنه كذاب فقال ( ثلاث من كن فيه كان منافقاً من إذا حدث كذب). أول صفة من صفات المنافق أنه كذاب عندما يتحدث . (1/22)
صفحة 23
والله سبحانه وتعالى بين في محكم كتابه أن الكذب لا يجامع الإيمان فقد قال سبحانه ((إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)) جاءت أسلوب الحصر ببيان أن المؤمن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفتري الكذب إنما يفتري الكذب الذي لا يؤمن فكيف يتبارى المسلمون مع ذلك في اختراع أنواع الكذب ويرون ذلك من أسباب العز والشرف لله للأمر من قبل ومن بعد. (1/23)
صفحة 24
كذلك هناك الكثير الكثير من العادات التي سرت إلى الأمة الإسلامية قد يظنها الكثير أنها أمر هين لا بأس بها ولكن تترتب عليها عواقب وخيمة لربما لو سألت اليوم في هذه اللحظة الكثير من الحاضرين ما هو تاريخ هذا اليوم لتسارعت الألسن إلى الإجابة بالتاريخ غير تاريخ المسلمين ما هذه النكسة التي أصابت الأمة الإسلامية مع أن التاريخ الإسلامي هو مدار العبادات الشرعية التي فرضها الله تبارك وتعالى على العباد من الصيام والحج والزكاة وعِدَد النساء وغير ذلك وقد قال تعالى ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )) وقال عز من قائل ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)) أي شهر حرام في تلك الأشهر التي هي مدار أعمال الناس ومدار تاريخهم في هذا الوقت ، على أن التاريخ الهجري إنما هو مؤذن ما كان لهذه الأمة من عزة وشرف فهو يرتبط بميلاد دولة أمة الإسلام على يدي نبي الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فولدت الدولة الإسلامية بهجرته ولذلك أجمع المسلمون على اختيار الهجرة لأن تكون بداية لتاريخ هذه الأمة إذ ولدت الأمة بالهجرة وإنما كان المسلمون من قبل أفراداً ، كانوا أفراداً لا تربطهم رابطة ولا يجمعهم جامع اللهم إلا العقيدة وحدها ولكن وجدت رابطة سياسية بعد ذلك إذ وجدت دولة الإسلام التي تظللهم بوارف ظلها وتؤويهم إليها وكان على رأسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك وقع الإجماع في عهد عمر رضي الله عنه على جعل بداية هذا الحدث التاريخي العظيم تاريخاً لهذه الأمة وعمل الناس بذلك قرناً بعد قرن حتى مضى 13 قرناً ونصف قرن وعندما تغلغل الغزو الأجنبي و (1/24)
صفحة 25
استحكم في نفوس المسلمين واحتل عقولهم وبدلهم أفكاراً بأفكارهم حصل ما حصل من هذه النكسة العظيمة بحيث تناسى المسلمون تاريخهم فهم يؤرخون لجميع أحداثهم يؤرخون لولادة أولادهم ويؤرخون لتحركاتهم وأمورهم بالتاريخ الذي هو خارج عن المفاهيم التي يجب أن يؤمنوا بها وكم من قضية من نحو هذا كل ذلك إنما هو دليل ما أصاب هذه الأمة من الهزيمة النفسية ومما يسمونه بمركب النقص ولا ريب أن التخلص من ذلك كله تبعة ملقاة على عاتق الجميع . (1/25)
صفحة 26
فمسئوولية ذلك لا يمكن أن يتخلص أحد من عهدتها إلا بأن يؤدي واجبه نحوها هذه مسئوولية الجميع مسئوولية الحكام والمحكومين مسئوولية العلماء والمسئوولين مسئوولية الآباء والأمهات مسئوولية المدرسين والمدرسات مسئوولية المجتمع بأسره بل الأمة بأسرها فكل فرد من أفراد الأمة إنما تقع على عاتقه هذه المسئوولية وعليهم ألا يترددوا في تحملها والقيام بها على أحسن ما يجب حتى يتخلصوا من عهدة المسئوولية أمام الله سبحانه وتعالى وحتى تصل هذه الأمة إلى ما تتطلع إليه من عز وشرف وسؤدد لتكون أمة قائدة بدلاً من أمة مقوده ولتكون أمة مؤثرة بدل من أن تكون أمة متأثرة ولتكون أمة عزيزة بدلاً من أن تكون أمة ذليلة فإن الله سبحانه وتعالى وعد الاستخلاف والتمكين الذين آمنوا وعملوا الصالحات ووعد الله تعالى موجز فالله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد وهو القائل عز من قائل (( ولن يخلف الله وعده)) وهو القائل عز من قائل (( إن الله لا يخلف الميعاد )) وقد قال سبحانه ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) وقال (( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )) وقال سبحانه ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 0 الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)) وقد تحقق هذا الوعد في سالف العهود عندما كان المؤمنون على صلة بربهم ويقين بدينهم واستمساك (1/26)
صفحة 27
بعقيدتهم وعدم تفريط في شئٍ مما أمرهم الله تعالى به أو نهاهم عنه ولا بد من أن يتحقق ذلك على أيدي الخلف الصالح الذي يكون امتداداً لذلك السلف العظيم التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون عندما يعود المؤمنون إلى دينهم وذلك أمر تتطلع إليه الإنسانية فإن الإنسانية اليوم إنما هي على حافة الهوة السحيقة فإما أن تتردى في هوة الانتحار وإما أن ينتشلها الإسلام .والإسلام إنما ينتشل الإنسانية عندما يستمسك المسلمون بدينهم الحق ويتجسد هذا الدين الحنيف في كل جزئية من جزئيات حياتهم . (1/27)
صفحة 28
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين وأن يقطع دابر أعداء الدين إنه على كل شئٍ قدير وإنه بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير . اللهم إنك أنت الله نشهد إنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد . نسألك ربنا أن لا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته ، ولا عيباً إلا أصلحته ، ولا غمً إلا فرجته ، ولا كرباً إلا نفسته ، ولا ديناً إلا قضيته ، ولا مريضاً إلا عافيته ، ولا غائباً إلا حفظته ورددته ، ولا ضالاً إلا هديته ، ولا عدواً إلا كفيته ، ولا دعاءً إلا استجبته ، ولا رجاءً إلا حققته ، ولا بلاءً إلا كشفته ، ولا سائلاً إلا أعطيته ، ومحروماً إلا رزقته ، ولا جاهلاً إلا علمته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضى ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها بيسر منك وعافية . اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد نسألك ربنا أن تخزي اليهود ومن شايعهم ومن ناصرهم ومن والاهم وآزرهم وأن تجعل الدائرة عليهم وأن تخلص جميع المسلمين من قبضتهم اللهم خلص المسجد الأقصى المبارك من أيديهم وأجعله في أيدي عبادك الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولله عاقبة الأمور وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عماً يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
* * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * * * * * * *
السائل يقول : ما حكم أطباق البث التلفزيوني ومتابعة القنوات الفضائية مع العلم أن هناك من القنوات التي تبث برامج علمية وثقافية ودينية ؟ (1/28)
صفحة 29
الجواب : كل هذه الأجهزة سلاح ذو حدين إذ يمكن استغلالها في الخير ويمكن استغلالها في الشر فنحن نقول بحرمة استغلالها في الشر وعلى كل من كان في بيته جهاز من هذه الأجهزة أن يحافظ عليه تمام المحافظة وألا يرخي العنان لتلاعب أولاده بحيث يتلاعبون بهذا الجهاز ليستوحوا منه الشر كما يملي عليهم الشيطان وإنما عليهم أن يسخروه بما فيه المصلحة والله تعالى الموفق.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
السائل يقول : شخص حرم على نفسه أكل أو أخذ شئ من خدمة ابنه ، يريد أن يتوب عما قال فماذا عليه ؟ (1/29)
صفحة 30
الجواب : إن من مصيبة الناس هذا الجهل الذي لا يقف عند حد الجهل الذي يهوي بهم في هوة الشرك والعياذ بالله فإنما التحليل والتحريم إنما هما إلى الله وحده ليس للإنسان أن يتطاول على حق الله في تحريم شئ أحله أو تحليل شئ حرمه فالله تعالى يقول ((وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)) ويقول سبحانه قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)) ويقول ((قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ)) وبين أن هذا التحريم إنما هو من صفات المشركين فقد قال سبحانه ((أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم )) ويقول عز من قائل ((وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ )) وهكذا تتكرر الآيات القرآنية في كتاب الله لتردع الناس عن التطاول على الله تعالى بتحريم ما أحل أو تحليل ما حرم، فكل من ذلك يعتبر رداً بحكم الله. والرد لحكم الله إنما هو كفر بواح ، الرد لحكم الله إنما هو كفر بواح فليس للإنسان لأن يتطاول فيحرم شيئاً أحله الله أو يحلل شيئاً حرمه الله. (1/30)
صفحة 31
أما هذا التحريم فكثير من العلماء يرون بأنه عليه أن يتوب إلى الله وأن يفعل الشيء الذي حرمه وليس عليه إلا ذلك ومنهم من يرى أن عليه كفارة اليمين أخذاً بدلالة قول الله سبحانه وتعالى ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 0 قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم)) وليس ببعيد أن يستأنس لهذا القول بالاقتران الذي حصل بين مشروعية كفارة اليمين في سورة المائدة وبين هذا التحذير من التطاول على التحريم فإن الله سبحانه وتعالى قال ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ 0 وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ )) ثم أتبع ذلك قوله ((لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ )) لا يبعد أن يستأنس لترجيح هذا القول بهذا الاقتران ما بين الأمرين والله تعالى أعلم وعلى أي حال على هذا الذي وقع في ذلك أن يتوب إلى الله وأن يعتقد ويوقن بأنه لا حرام إلا ما حرم الله ولا حلال إلا ما أحل الله. والله تعالى أعلم.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
السائل يقول :ما هي الطرق المثلى في تربية الأبناء ؟ (1/31)
صفحة 32
الجواب : الطرق المثلى أن يربى الولد من أول الأمر على مخافة الله تعالى وتقواه وطاعته وحبه والتعلق بأمره ونهيه واتباع دينه والإزدجار عن كل مكروهاته وأن يجد في أبويه القدوة الحسنه بحيث لا يجرب عليهما كذباً ولا يجرب عليهما غشاً ولا يجرب عليهما خيانة ولا يجرب عليهما جرأة على حرمات الله . هذه هي التربية الحسنه بالإجمال والله تعالى الموفق.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير وأن يصلحنا بالإيمان والإسلام وأن يجعلنا من أنصار دينه الإسلام وأن يوفقنا لكل خير يحبه ويرضاه ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . (1/32)