صفحة 1
الكتاب: شعائر الإسلام ودورها في وحدة الأمة
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] شعائر الإسلام ودورها في وحدة الأمة
المحاضرة التي ألقاها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في جامع إزكي – عصر يوم الخميس 28/محرم / 1423هـ الموافق 11/4/2002م
المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ألف بالإيمان بين قلوب المؤمنين ، ووحد بالتقوى بين مشاعر المتقين ، أحمده تعالى حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله ، أرسله الله بالدعوة الجامعة ، والمعجزة اللامعة ، والحجة القاطعة فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الله به الغمة صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد :
فالسلام عليكم جميعًا أيها الاخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته . هذا وإني لأشكر الله- تعالى – الذي أتاح لنا هذه الفرصة السعيد ، فرصة اللقاء في هذا الجامع الميمون ، في هذه العشية المباركة بهذه الوجوه المؤمنة ، وأسأل الله – عز و جل – أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحومًا وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصوما ، وأن لا يجعل فينا ولامنا ولا معنا شقيًا ولا محروما .
دعوة الإسلام إلى الوحدة والتعاون : (1/1)
صفحة 2
هذا ولا ريب أنكم تدركون ما فطر الله سبحانه وتعالى عليه الجنس البشري من الخصائص الاجتماعية ذلك لأن الله تبارك وتعالى أراد لهذا الإنسان أن تكون حياته حياة قائمة على الاجتماع والتآلف والتعارف والتعاون على الخير ، والله سبحانه وتعالى – من أجل هذا – أرسل رسله وأنزل كتبه ليوحدوا الناس على منهج واحد في ظلال العبودية لله تبارك وتعالى ، ذلك لأن لقاء الناس في ظل العبودية لله عزوجل يجمع شتاتهم ويؤلف بين قلوبهم لأنهم يتجهون إلى معبود واحد تخفق بذكره أفئدتهم وتهش إلى لقاء رحمته قلوبهم ، والله سبحانه وتعالى أتم على عباده النعمة وأكمل لهم الدين إذ بعث فيهم رسوله – صلى الله عليه وسلم – على فترة من الرسل وانقطاع من الوحي بعدما استبدت بهم الأهواء وتوزعتهم الضلالات وتقاسمتهم المناهج الشيطانية ، فقد كانت دعوته – صلى الله عليه وسلم – دعوة جامعة إذ دعا جميع عباد الله سبحانه وتعالى إلى أن يؤمنوا به ويعبدوه ويوحدوه ولا يشركوا به أحدا وأن يذكروه فلا ينسوه وأن يطيعوه ولا يعصوه وأن يشكروه ولا يكفروه ، دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى هذه الدعوة في وسط ضجيج الجاهلية وصخبها وقد لقيت ما لقيت من المعارضة من الجاهلين الذين يتحدون دائما دعوات المرسلين ولكن كتب الله تبارك وتعالى لها الظهور فتوحدت بدعوته – صلى الله عليه وسلم- الفئات التي كانت متشتتة والجماعات التي كانت متدابرة وتألفت بهذه الدعوة قلوب كانت متنافرة فاجتمع هذا الشتات في مظلة الإيمان والتقوى ، وقد امتن سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين بهذه النعمة العظيمة إذ قال سبحانه وتعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) ، هذا وكما أن الله سبحانه وتعالى فرض على هذه الأمة فيما أنزل من كتابه وفيما جاء به رسوله – صلى الله عليه وسلم (1/2)
صفحة 3
– أن تكون أمة توحيد موحدة لجلاله لا تشرك معه أحدا في عبادته فرض عليها أن تكون أمة اتحاد تتآلف قلوبها في ظل العبودية له ، فقد قال سبحانه وتعالى : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ...) .
تحذير الإسلام من الفرقة والتشتت :
والله سبحانه حذر هذه الأمة من الوقوع في مغبة الخلاف الذي وقعت فيه الأمم فتشتتت وتوزعتها الأهواء والنزعات ، فغن الله سبحانه وتعالى يقول : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) ، على أنه أخبر نبيه – صلى الله عليه وسلم- بأن أولئك الذين يتشتتون وتتنازعهم الأهواء ليس هو منهم في شئ فهو برئ منهم ، فقد قال سبحانه : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ ) والله سبحانه كذلك حذر هذه الأمة أيما تحذير من مغبة التشتت ، تلك المغبة هي أن تكون أمة ضعيفة ، أمة ذليلة ، تذهب ريحها أي تذهب قوتها فلا تكون لها قوة تهاب بها بين الأمم ، فإن الله سبحانه يقول : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل إلى الوحدة : (1/3)
صفحة 4
كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى كما أنه جعل الإيمان والتقوى سببا لتوحد الأمة وتآلف قلوبها واجتماع شملها جعل الحفاظ على ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في معرض الدعوة إلى الاعتصام بحبله وعدم التفريط في ذلك وفي معرض الدعوة إلى الحذر من أن يقع لهذه الأمة ما وقع على الأمم من قبلها من داء التشتت والضياع ، يقول في هذا المعرض : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ، وما الأمر بأن تكون هذه الأمة أمة دعوة إلى الخير وأمة أمر بمعروف ونهي عن منكر في معرض الدعوة في معرض الدعوة إلى الاجتماع وعدم الفرقة إلا من أجل أن في التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر ضمانا لوحدة الأمة ورأب صدعها واجتماع كلمتها وتآلف قلوبها ، ومن أجل هذا نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى بجانب الحكم على المؤمنين والمؤمنات بأنهم أولياء ما يدل على أن هذه الولاية إنما سداها ولحمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله سبحانه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله فقد قال سبحانه : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ... (1/4)
صفحة 5
) ، فالله سبحانه وتعالى بين هنا كيف تكون هذه الولاية بين المؤمنين والمؤمنات إذ جعل هذه الولاية قائمة على هذه العناصر المذكورة هنا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومطلق طاعة الله ورسوله في كل ما أمرا به وفي كل ما حذرا منه ، وفي هذا ما يدل على أن هذه الوحدة تتلاشى بدون هذه العناصر ، تتلاشى إذا لم يكن هناك تآمر بالمعروف وتناه عن المنكر وإقام للصلاة وإيتاء للزكاة وطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فالحفاظ على وحدة الأمة إنما هو بالحفاظ على ذلك كله ، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي مقدمة هذه الطاعة أن تقام الصلاة وتؤدى الزكاة كما فرض الله سبحانه وتعالى .
أثر العبادات في وحدة الأمة : (1/5)
صفحة 6
هذا ونحن نجد فيما شرع الله تبارك وتعالى من العبادات وفيما أمر به من الفضائل والآداب ما يضمن لهذه الأمة اتحادها ويضمن لقلوبها أن تتآلف ولا تتنافر ، ويضمن لجماعتها أن تجتمع ولا تتشتت ، فإن كل ما أمر الله سبحانه وتعالى به من العبادات وكل ما شرع من الأخلاق والفضائل إنما هو في حقيقته يصب في هذا المصب فالعبادات وإن كانت صلة بين العباد وبين ربهم إلا أن هذه العبادات عندما تؤدى على النحو المشروع تؤدي إلى الامتثال المطلق لأمر الله سبحانه وتعالى في التعاون والتعاضد والتناصر وتآلف القلوب وتراحمها وتلاحمها ، فكل عبادة من هذه العبادات تؤدي إلى ذلك ، ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى عندما أمرنا أن نوجه إليه العبادة في السورة التي نكررها في كل ركعة من ركعات صلاتنا بين لنا صيغة توجيه هذه العبادة فهي صيغة جماعية وليست صيغة فردية فالله تعالى لم يأمرنا أن نقول له ( إياك أعبد وإياك نستعين ) وإنما أمرنا أن نقول له ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ، فإن الفرد لا يقدم عبادته إلى ربه سبحانه وتعالى بنفسه وإنما يقدم هذه العبادة منضما إلى جماعته متآلفا معهم مناصرا إياهم فإن نفس الائتلاف والتعاون على الخير من ضمن العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى ، وهذا مع كون كل واحد محاسب على عبادته وعلى أعماله بنفسه ، كل امرئ بما كسب رهين ، ( لها ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت ) ، إلا أنه مع ذلك يؤمر الفرد أن ينخرط في سلك الجماعة وألا يكون مستقلا بنفسه ذلك لما في هذا التآلف من التعاون على الخير ولما فيه من الاعتصام بحبل الله ، لأن إبليس يصطاد الشاذ من الناس أكثر مما يصطاد غيره فالذئب يأكل من الشاة القاصية عن الغنم ، ونحن نرى أن الله تبارك وتعالى شرع العبادات بطريقة فيها هذا التآلف وهذا التراحم ، فالصلاة شرعت في الجماعات ومن بينها صلاة الجمعة التي تقرب البعيد وتؤلف النافر وتجمع الشتات وتوحد الصف والصلوات الخمس (1/6)
صفحة 7
هي كذلك ، وفي هذا اللقاء بين عباد الله المؤمنين في مساجد الله بحيث يؤمون قبلة واحدة ويتجهون بقلوبهم إلى إله واحد ويعظمون بألسنتهم ربا واحدا ، في هذا الاجتماع ما يوحد مشاعر هؤلاء الناس فهم ينتظمون في أعمالهم الظاهرة في حركاتهم وسكناتهم يركعون معا ويرفعون من الركوع معا ويسجدون معا ويرفعون من السجود معا ويتحركون جميع الحركات معا ، في هذا ما يدعو إلى أن تزداد هذه النفوس تلاحما وتعارفا وتآلفا ، وجعل الله تبارك وتعالى في ذلك استلالا لما عسى أن يكون في الصدور من السخائم والأحقاد ، فالصلاة إذن طهور لهذه الصدور حتى تكون القلوب متآلفة متآزرة وكذلك بقية العبادات ، فالزكاة أيضا لها هذا المعنى نفسه لأن الزكاة تؤلف الشارد وتقرب البعيد وتنتزع من القلوب ما يكون من الحسد وما يكون من الإحساس بالسخيمة والحقد ذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل فيها تعاطفا بين الجانبين فهي تفجر مشاعر الرحمة بين هؤلاء وهؤلاء ، فمعطي الزكاة تعوده الزكاة على الإحساس بأحاسيس الآخرين ، تعوده الزكاة بأن يحس بأن له إخوانا يجب عليه أن يتألم بآلامهم وأن يفرح لفرحهم فهو يرتاح عندما يواسيهم بماله ويدفع إليهم حق الله تبارك وتعالى الذي فرضه في هذا المال ، وكذلك الذين أعطوا من هذه الزكاة لا تبقى في صدورهم سخائم وأحقاد كما هو الشأن إذا لم يعطوا ، فإنهم إذا لم يعطوا تأججت صدورهم بالأحقاد ووقع ما وقع فيها من الحسد ، وبهذا – أي بإيتاء الزكاة- تتطهر هذه الصدور والنفوس وتتآلف مع النفوس الأخرى النفوس التي جاءت بالخير ، والله تبارك وتعالى يشير على هذه الحكمة البالغة عندما يقول ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) فهي تزكية للنفوس ، تزكية بمعنى تنمية لأنها تمي ما فيها من الفضائل وهي تزكية بمعنى التطهير لأنها تطهرها مما يكون فيها من الإحساس بالسخيمة والحقد ، وكذلك الصيام لأن الصيام قبل كل شيء يذكي في النفوس جذوة الرحمة لأن الصائم (1/7)
صفحة 8
عندما يشعر بألم الجوع وتعب العطش يحس بأولئك الذين يكابدون اللأواء والفاقة ولربما يقضي أحدهم سحابة نهاره وهو في سبيل طلب الرزق يكدح ويتعب في وهج الشمس الحارة وفوق الرمضاء الساخنة وهذا مما يؤدي إلى أن يعطف الأغنياء إلى الفقراء وأن يواسونهم بما آتاهم الله سبحانه هذا بجان ما في الصيام من التعويد على مكارم الأخلاق لأن الصيام مدرسة أخلاقية يتعلم فيه الإنسان كيف يتعامل مع بني جنسه فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم ) هذا من آداب الصيام يؤدب به النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة لتتعلم كيف تتعامل فيما بينها فالصائم لا يؤمر أن يمنع أذاه عن الغير فحسب بل يؤمر بجانب ذلك أن يحتمل أذى الغير وأن يقابل الإساءة بالإحسان ، وكذلك الحج فإن الحج مدعاة إلى تآلف القلوب وتراحمها ومدعاة إلى ترابط الأمة من أطرافها برباط هذا اللقاء الميمون الذي يجمعها على عرصات الحق في تلك الأرض المقدسة ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يقرن الحج بالتقوى أكثر مما يقرن به أي عبادة من العبادات مع أن جميع العبادات تؤدي إلى تقوى الله سبحانه وتعالى كما يقول عزوجل ( يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) فالحج يقترن في القرآن الكريم أكثر من غيره بذكر التقوى ذلك لأن الله تبارك وتعالى يقول ( الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ) وهو يترتب على قوله من قبله ( وأتموا الحج والعمرة لله ... (1/8)
صفحة 9
) إلى أن قال سبحانه ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) وكذلك قال الله سبحانه وتعالى ( واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) ، ويقول سبحانه وتعالى في البدن ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) ، وكذلك يقول : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) ، كل ذلك لأجل ما في الحج من الحث على تقوى الله سبحانه وتعالى والتزام أمره وتآلف هذه القلوب وتراحمها وتناصرها وتآزرها على البر والتقوى .
أثر الأخلاق الإسلامية والمعاملات الشرعية في تقوية أواصر المجتمع المسلم : (1/9)
صفحة 10
ولئن كان هذا في هذه العبادات التي هي صلة بين العباد وربهم جعلها سبحانه سببا للتواصل فيما بينهم والتعاضد والتآلف فإن الأخلاق التي شرعت في الإسلام من أجل أن يتعامل بها الناس هي أعمق أثرا في هذه المعاني ، هي الغاية المطلوبة التي جعلها الله تبارك وتعالى ثمرات لأداء هذه العبادات على النحو المطلوب ، ثمرات في هذه الحياة الدنيا يقتطفها عباد الله تعالى العابدون على النحو المشروع ، فالله سبحانه وتعالى حرم كل ما يؤدي إلى القطيعة ويؤدي إلى البغضاء ويؤدي إلى التحاسد ويؤدي إلى التنافر ، إذ الله تبارك وتعالى قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خير منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون . يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم . (1/10)
صفحة 11
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) هكذا يؤدب الله تعالى عباده بهذه الآداب في تعاملهم فيما بينهم يأمرهم ألا يسخر بعضهم من بعض فلا يسخر قوم من قوم أي رجال من رجال عسى أن يكونوا خيرا منهم ، ربما كان المسخور منه خيرا من الساخر ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن فإن المرأة التي تسخر من المرأة قد تكون هي أحط قدرا عند الله تبارك وتعالى من تلك التي سخرت منها فلا يجوز لها أن تسخر منها بأي حال من الأحوال ، ولا تلمزوا أنفسكم ، ترون كيف يؤدب الله تبارك وتعالى عباده بهذا الأدب الرفيع ، جعل لمز الإنسان لغيره أي طعنه إياه بلسانه كأنما هو طعن لنفسه ( ولا تلمزوا أنفسكم ) ، لم يقل ولا يلمز بعضكم بعضا لأن الطعن يحسه الإنسان فيجب على هذا الطاعن للآخر بلسانه أن يكون يحس بأثر هذا الطعن بنفسه ، ( ولا تنابزوا بالألقاب ) أي لا ينبز أحدكم الآخر بلقب يكرهه ، لا يقل أحد في غيره شيئا مما يحط قدره ومما يؤثر على نفسيته ( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) جعل الله تبارك وتعالى ذلك من الفسوق الذي يتنافى مع الإيمان لأنه خروج عن سبيل الإيمان وجعل من لم يتب من ذلك بعد أن وقع فيه من الظالمين ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) ، ثم دعا إلى عدم سوء الظن بحيث يحرص المسلم على أن يحسن ظنه بأخيه المسلم فلا يظن بغيره إلا خيرا ، عليه أن يظن بغيره الظن الحسن الجميل لأن سوء الظن يؤدي إلى أن يصدق الإنسان هذا الظن السيئ الذي يعتمل في نفسه وذلك مما يؤدي به إلى أن يتفاعل مع سوء ظنه إلى حد قطيعة الغير والإساءة إليه ، فمن المعلوم أن حسن الظن إنما هو ناتج عن صفاء السريرة وحسن الطوية وسلامة القصد واستقامة المنهج بخلاف سوء الظن ، فسيئ الظن سوء ظنه يدل عل خبث سريرته وسوء طويته وانحراف قصده وعدم سلوكه السلوك الحسن لأن الإنسان يعتاد الشيء فيظن غيره (1/11)
صفحة 12
كذلك ، فمن اعتاد الخير حمل غيره على الظن الخير ومن اعتاد الشر حمل غيره على الظن الشر ، وقد أحسن من قال من الشعراء :
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
هكذا نهج الناس ، من نهج نهج السوء فإنه يظن بالناس سوءا ومن نهج نهج الخير فإنه يظن بالناس خيرا ، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يتوقوا سوء الظن بعباده الآخرين ، عليهم أن يحرصوا على حسن الظن بقدر المستطاع . ثم منع الله تبارك وتعالى التجسس وأطلق هذا النهي إذ لم يقيده بتجسس المسلم على المسلم لأن اكتشاف العورات أيا كانت حرام فلا يجوز لإنسان أن يسعى إلى كشف عورة غيره ولو كان ذلك الغير غير مسلم ، ومن أجل هذا لم يقل ( ولا يتجسس بعضكم على بعض ) وإنما قال ( ولا تجسسوا ) بخف الغيبة فإن الغيبة لا تجوز بين المؤمنين فلا يغتب مؤمن مؤمنا ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) هكذا بين الله سبحانه وتعالى أن الذي يغتاب أخاه المؤمن كأنما ينهش لحمه وهو ميت وذلك لأجل التنفير من هذه العادة السيئة فالإنسان ينبغي له أن يكون مشغولا بنفسه معنيا بسيئاته محاسبا لنفسه على تقصيرها ، لا يشتغل بأعراض الناس ينتهك حرماتها ويلغ بلسانه في دمائها ، وإنما يشتغل بعرضه بنفسه فيحاول أن يستر عرضه بالأعمال الحسنة التي يعملها وبصلته الحسنة بربه سبحانه وتعالى وبصلته الحسنة بإخوانه المؤمنين . (1/12)
صفحة 13
ثم بين سبحانه وتعالى أن الناس جميعا ينحدرون من أصل واحد فهم خلقوا من أب واحد ومن أم واحدة لا تفاضل بينهم بالأنساب والأحساب إذ هذه المعايير لا قيمة لها عند الله سبحانه وتعالى ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) فإذا مات الإنسان انتهى اتصاله ببني نسبه إذ هو أقبل على الدار الآخرة ولم يبق له اتصال بهذه الحياة الدنيا فلا يعنيه من أمرها شيء ، إنما يعني بما هو مقبل عليه إذ يشغله عندئذ عمله لا يشغله نسبه ، فإن كان عمل صالحا فهو يلقى الله تبارك وتعالى بحسن ما عمل ويجد عنده جزاء هذا الحسن الذي عمله وإن عمل سيئا فكذلك يلقى الله تبارك وتعالى بسوء ما عمل ويلقى الجزاء السيئ بما عمل ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) فلذلك حذر الله سبحانه وتعالى عباده في هذه الحياة من أن يكونوا مشغولين بالتعالي في الأحساب والأنساب يقول الله سبحانه : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) فالله تعالى لم يميز عباده بأن جعلهم شعوبا وقبائل من أجل أن يستعلي شعب على شعب أو من أجل أن تستعلي قبيلة على قبيلة وإنما جعلهم الله شعوبا وقبائل من أجل أن يتعارفوا ، ذلك أقرب إلى التعارف بينهم والتعارف يؤدي إلى التآلف والتواصل والتراحم والتلاحم وليس معنى هذا أن يستعلي الإنسان على الآخرين بنسبه فلا قيمة لهذا النسب فإنه ليس بين الله وبين أحد من عباده نسب وليس بين الله تعالى وبين أحد من عباده سبب إلا التقوى ، فمن اتقى الله تبارك وتعالى فقد استمسك بالعروة الوثقى وكان أقرب إلى الله عز وجل من غيره ، ومن أجل هذا نجد أن المؤمنين إنما يتعارفون لا بالأحساب والأنساب وإنما يتعارفون بما يكون بينهم من صلة التقوى ، فالتقوى تقرب المتقي من المتقي ، وما يكون في هذه الحياة الدنيا من العلاقات علاقات الأنساب وعلاقات (1/13)
صفحة 14
الصلات التي تكون بين الناس فيها كل ذلك يتلاشى يوم القيامة وإنما تبقى علاقة واحدة هي التي تشد بعض أهلها إلى بعض وهي علاقة التقوى ، فالله تبارك وتعالى يقول ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) فكل ما يكون من خلة في هذه الدنيا ومن تواصل بين الناس يتحول يوم القيامة إلى عداوة ساخنة وإلى قطيعة بينهم إلا ما يكون بين عباد الله المتقين فأولئك كما تواصلوا في هذه الدنيا بتقوى الله سبحانه وتعالى يظلون متواصلين يوم القيامة بالتقوى . (1/14)
صفحة 15
ونجد فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعاليم لهذه الأمة ما يؤكد على أن هذه الصلة يجب أن تكون مبنية على تقوى الله سبحانه وتعالى وعلى التراحم والتآلف والتناصر وحب بعضهم الخير للبعض الآخر وما يكون بينهم من التعاون على البر والتقوى ، نحن نجد فيما شرع في الإسلام من آداب كله يصب في هذا المصب فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يساوم على سومه ) أي إن أقدم أحد على خطبة فليس لأحد أن يتعقبه فيخطب التي خطبها وإنما عليه أن يكف حتى يعرف قبول ذلك أو رده عندئذ إن علم أنه رد ولم يبق مطمع للقبول لا مانع بأن يقدم على الخطبة ، وكذلك إن ساوم أحد على شيء سواء كان منتقلا أو أصلا ليس لأحد أن يأتي ويساوم عليه ، هذا فيما بين المسلمين طبعا ، ليس للآخر أن يأتي ويساوم عليه لما في هذه المساومة من تنفير القلوب بعضها من بعض وإنما يؤمر أن يكف حتى يعلم أن ذلك أخر عن المساومة عندئذ لا مانع أن يقدم فيما أمر أن يكف عنه ، كذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ) والمناجشة هي أن يأتي أحد عندما ينادى على شيء من المتاع فيزيد في الثمن لا لأجل رغبته في أن يشتري تلك البضاعة التي ينادى عليها ولكن لأجل أن يغليها على الآخرين ، كذلك (لا تحاسدوا ) ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحاسد لما في الحسد من إيغار الصدور وإثارة الأحقاد وتأجيج الضغائن ، وينهى عن التباغض ويأمر المسلمين بأن يكونوا عباد الله إخوانا ، أن يكونوا عبادا لله نعالى متآخين متحابين لأن الأخوة التي تربط المسلم بالمسلم هي أخوة عقدية دينية سماوية هي أغلى وأعظم من أخوة النسب إذ أخوة النسب إنما هي أخوة دنيوية أخوة أرضية أخوة ترتبط بهذه الحياة ولا ترتبط بالحياة الأخرى ، قد تنتهي هذه الأخوة بانتهاء هذه الحياة إن لم تكن مصحوبة بأخوة الدين ، بخلاف أخوة (1/15)
صفحة 16
الدين فإنها تتواصل إلى يوم القيامة فأصحاب الجنة يصفهم الله تعالى بقوله : ( إخوانا على سرر متقابلين ) أخوتهم تبقى وتستمر بخلاف هذه الأخوة النسبية إن لم تكن معززة بأخوة الدين . ومن أجل هذا نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) ، ويصف النبي صلى الله عليه وسلم كيف تكون أحاسيس المسلمين تجاه هذه الأخوة فيقول عليه أفضل الصلاة والسلام : ( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) فالمؤمنون مرتبطون برباط الإيمان حتى يكون شأنهم كشأن الجسد الواحد فالجسد الواحد عندما يشتكي أي عضو من أعضائه تتألم بقية الأعضاء للمه وكذلك المؤمن يتألم بآلام المؤمنين لما بينه وبينهم من التراحم والتعاطف والمودة وحسن الإخاء ، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول : ( المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يخذله ولا يحقره حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) فالمسلم أخو المسلم لا يعتدي مسلم على قتل أخيه المسلم ولا يخله ولا يسلمه إلى عدوه ولا يحقره ، يجود يحقره ويُحَقّره ، لا يَحقره أي لا يعتقد حقارته ولا يٌحَقره أي لا يقول فيه كلاما يؤدي به إلى أن يحتقر ، وإنما يرفع المسلم من قدر أخيه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ، فدم المسلم على المسلم حرام لأن الدم له شأن عظيم كيف والله تبارك وتعالى يبين أن قتل النفس بغير حق يكون كقتل الناس جميعا ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) وكما يحرم على المسلم أن يسفك دم أخيه المسلم كذلك يحرم عليه أن ينال من ماله بغي حق ولذلك يقول الله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال (1/16)
صفحة 17
الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) ويقول الحق سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ) والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم مال المسلم الخاص ومال الأمة العام أحاديث كثيرة كلها تدل على أن اعتداء المسلم على مال الفرد المسلم أو على مال أمة الإسلام إثمه إثم عظيم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( القليل من أموال الناس يورث النار ) ويقول : ( من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ) فقيل له : وإن كان شيئا قليلا يسيرا يا رسول الله . (1/17)
صفحة 18
قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ) ، وجاء في بعض الروايات عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال : ( لا يحل لأحد أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه ) ، وجاء أيضا من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عند الإمام الربيع وعند الشيخين وغيرهما أنه قال : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يسمى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسودا يسمى مدعما فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى فبينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهم غرب فأصابه ، فقال الناس : هنيئا له الجنة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ) هكذا لأنه أخذ من المال العام – مال المسلمين العام – قبل أن يقتسم فبما أن أخذ من هذا المال بغير حق كانت هذه هي عقوبته ، والأحاديث التي تدل على هذا كثيرة جدا ، وكذلك العرض لأن عرض المسلم مصون فليس للمسلم أن يجترئ على عرض أخيه المسلم ولذلك كان من أكبر الكبائر أن يغتاب المسلم مسلما أو أن ينم مسلم على مسلم ، إن النميمة أمرها عظيم أمرها أعظم من الاغتياب لما في هذه النميمة من تأجيج الفتنة بين الناس والفتنة أشد من القتل فقد ينتهي أثر القتل بسرعة ولكن الفتنة يبقى أثرها مستعرًا ، وهكذا صون أعراض المسلمين فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ، هذا كله من أجل الصون ، من أجل تآلف هذه القلوب
أسباب التمكين في الأرض : (1/18)
صفحة 19
والمسلمون عندما التزموا هذه الآداب التي شرعت لهم وهذه العبادات التي فرضت عليهم وأدوا هذه العبادات على النحو المشروع كما فرضها الله سبحانه وتعالى وقاموا بحقوق هذه الآداب التي ألزموها كما يرضى الله سبحانه وتعالى عندما قاموا بذلك كان لهم التمكين وكان لهم النصر في الأرض فكانت قلوبهم كقلب رجل واحد لأنهم توادوا في ذات الله سبحانه وتعالى فتآلفت قلوبهم وتناصروا على البر والتقوى كان المسلم يحس بمشاعر إخوانه المسلمين ولو كان بعيدا عنهم ، فمن بالمشرق يحس بأحاسيس من بالمغرب ومن بالمغرب يحس بأحاسيس من بالمشرق إذ الكل يحبون الله تعالى ويطيعونه ويطيعون رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد كتب الله سبحانه وتعالى لهم النصر وكتل لهم التمكين آتاهم ما آتاهم من فضله وبسط عليهم من نعمته واستخلفهم في أرضه ومكن لهم فيها ومكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم وأبدلهم بخوفهم أمنا يعبدونه لا يشركون به شيئا . (1/19)
صفحة 20
وأمر ذلك أمر عجب كما ترونه في التاريخ كيف انتصرت القلة المؤمنة على الكثرة الكاثرة الكافرة فتمكنت هذه القلة من قيادة الإنسانية فأخرجتها من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق ومن التشتت إلى الاجتماع ومن الشر إلى الخير ومن الانحطاط إلى الرقي ومن التخلف إلى التقدم إنما كان كل ذلك بسبب اتباع هذا الحق وبسبب التعاضد بين المؤمنين والتراحم فيما بينهم لأنهم لم يفرطوا فيما فرض الله تبارك وتعالى عليهم خرجوا في فسيح هذه الأرض فكان كل واحد منهم رسول إلى أمة يتلو عليها كتاب ربها ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر ويقيم بينها منهج الحق فتسابقت الأمم إلى اعتناق دين الله تعالى وقد استهدفوا كل جبار عنيد وشيطان مريد من الأكاسرة والقياصرة الذين اتخذوا عباد الله خولا وماله دولا وعاثوا في الأرض إذ تألهوا على عباد الله فيها ، فأمكنهم الله سبحانه وتعالى من رقابهم ونواصيهم وأنزلهم من معاقلهم وصياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار .
الواقع المر للأمة الإسلامية : (1/20)
صفحة 21
ولما انقلب الأمر بخلاف ذلك بحيث ضاعت الثقة بين المسلمين لفقدان الثقة بأمر الله وعدم الاعتصام بحبله وعدم القيام بفرضه في أرضه انقلبت الأمور رأسا على عقب وغذا بهذه الأمة مع هذه الكثرة الكاثرة تصبح أمة ضائعة أمة تطمع فيها الأمم جميعا أمة محتقرة بين الأمم وما ذلك إلا من العقوبات التي نزلت عليها من ربها سبحانه وتعالى بسبب خروجها عن منهجه عزوجل ، فأنتم ترون كيف يتجرأ أولئك الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ، يتجرأ أولاد القردة والخنازير على هذه الأمة يسومونها سوء العذاب يسومونها الخسف والهوان وذلك بمسمع ومرأى من شتات هذه الأمة في مشارق الأرض ومغاربها ولا يتحرك ضمير ولا يقوم قائم من أجل ردع هؤلاء المجترئين على الله تعالى ورسوله والمجترئين على هذه الأمة ، لا يقوم قائم يردعهم ولا ينادي مناد بذلك إنما الكل يسودهم التصامم والتعامي ، يتصاممون عن النذر ويتعامون عن الآيات البينات ولا يؤلمهم أي شيء مما ينكى به المسلمون الذين وقعوا تحت قهر أولئك فأصبحوا مستضعفين بعدما كانوا أعزة متمكنين منهم ، هذا إنما هو بسبب ما أصيبت به الأمة من هذا الداء العضال داء البعد عن أمر الله وداء التشتت والضياع فقد ذهبت ريح هذه الأمة بسبب تنازعها وتفرقها واختلافها فيما بينها ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها فالعودة إلى منهج الله والاعتصام بحبل الله وجعل تقوى الله –تبارك وتعالى – نصب أعينهم هو المخلص الوحيد الذي ينقذهم من هذه الورطة التي وقعوا فيها .
لمن تكون معية الله : (1/21)
صفحة 22
نحن نرى أن الله – تبارك وتعالى – في كتابه العزيز جعل معيته للمتقين ففي معرض الأمر بجهاد الكافرين يبين الله- سبحانه وتعالى- أن معيته للمتقين فقال : " وقاتلوا في سبيل اله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ، الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم به واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين " . (1/22)
صفحة 23
يبين الله – سبحانه وتعالى- هنا أن معيته إنما هي للمتقين فالله – تعالى – مع المتقين ، ومن أجل هذا كان السلف الصالح في مثل هذه المواقف الحرجة يلجأون إلى ركن التقوى فكانوا يتواصون بتقوى الله سبحانه ويعدون تقوى الله هي القوة الفاعلة التي تقلب موازين القوى وتجعل الغالب مغلوبًا والمغلوب غالبًا فعمر بن الخطاب- رضي الله عنه – عندما جند الأجناد لواجهة قوة فارس العاتية التي كانت تعتبر القوة الأولى في الدنيا مع كون طائفة من المؤمنين في نفس الوقت يواجهون قوة الروم التي تعد القوة الثانية التي تلي قوة فارس في هذه الأرض ، عندما جند الأجناد قدم وصيته للجند من خلال قائده سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه – إذ قال له : " أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب وأقوى المكيدة على العدو وأوصيك ومن معك من الأجناد أ، تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله فإن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا ، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم كما سلط على بني إسرائيل – إذ عملوا بمعاصي الله- كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولا واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل الله ذلك لي ولكم " . (1/23)
صفحة 24
هكذا يوصي الخليفة الراشد عمر – رضي الله عنه – يوصي جنده أن يتقوا الله على كل حال ويبين لهم أ ن تقوى الله أفضل العدة في الحرب وأقوى المكيدة على العدو ، فالتقوى هي العدة التي لا تقف أمامها عدة ولو أن المسلمين اتقوا ربهم لأخذوا بناصية عدوهم واقتادوه راغمًا إلى حيث يريدونه من الحق ولكنهم جانبوا سبيل التقوى فكانت هذه العاقبة المرة التي يكابدون غصتها ويتجرعون مرارتها ، وبين لهم عمر رضي الله عنه أن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم فإن معاصي جند المسلمين هي أخطر عليهم من العدو الذي يداهمهم إذ هذه الذنوب هي التي تؤدي إلى خذلانهم وتخاذلهم ، تؤدي إلى ذهاب ريحهم ، ويأمرهم بأن يكونوا أشد احتراسا من المعاصي منهم من عدوهم يتوقون معاصي الله سبحانه وتعالى أكثر مما يتوقون شرور أعدائهم لأن المعاصي هي التي تمكن الأعداء منهم بينما هم إن اتقوا الله تبارك وتعالى كانت التقوى واقية لهم من شرور أعدائهم ، وهكذا يأمرهم بما يأمرهم به
، وقد كانت هذه الوصية هي القوة الفاعلة والذخيرة الحية وكانت هي العدة التي لم تقف أمامها أي عدة ولذلك تضاءلت القوى بين أيديهم فخرج أولئك من الأرض أي أولئك الأكاسرة المتكبرون أذلاء صاغرين ومكن الله تبارك وتعالى المؤمنين من رقابهم ونواصيهم ، وهكذا سنة الله تبارك وتعالى في خلقه .
وإذن فإن صلاح الأمة في استقامتها واتباع نهج ربها سبحانه وتعالى وتآلف قلوبها وتناصرها فيما بينها وتآزرها على البر والتقوى كما أمر الله سبحانه وتعالى .
الدعاء :
أسأل الله سبحانه أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الكفر والكافرين وأن يقطع دابر أعداء الدين وأن يستأصل شأفتهم . (1/24)
صفحة 25
اللهم اقطع دابرهم واستأصل شأفتهم واردد كيدهم في نحورهم وأعذنا وجميع المسلمين من شرورهم وامح آثارهم وأورثنا أرضهم وديارهم واطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك ، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك ، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك ، اللهم أبد خضراءهم ، اللهم أبد خضراءهم ولا تبق لهم من باقية ، اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم ، اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم ، اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم ، اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا إنك ربنا على كل شيء قدير وإنك بالإجابة جدير ، اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين وأبدلنا بخوفنا أمنا وبذلنا عزا وبفقرنا غنى وبتشتتنا وحدة واجمعنا على كلمتك وألف بين قلوبنا بطاعتك ، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم إنا ضعفاء فقونا وإنا فقراء فأغننا وإنا أذلاء فأعزنا اللهم أغننا بحلالك عن الحرام وبطاعتك عن الآثام وبك عمن سواك يا الله يا ذا الجلال والإكرام .
اللهم طهر بيت المقدس أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين من رجس اليهود وخلصه من أيديهم واجعله في يد عبادك الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إنك على كل شيء قدير وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير والموت راحة لنا من كل شر .
اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان ، سبحانك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ربنا ونتوب إليك ونعول في إجابة دعائنا عليك ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . (1/25)
صفحة 26
هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . (1/26)