صفحة 1
الكتاب: طالب العلم ودوره في المجتمع لأحمد الخليلي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العليم الخبير السميع البصير ، سبحانه أحاط بكل شيء علما ووسع كل أمر حكما، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله الله هاديا وبشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فعلم من الجهالة وهدى من الضلالة وبصر من العمى وأنقذ من الردى ودعا إلى الله على بصيرة حتى أتاه اليقين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فأحييكم بتحية الإسلام حملة العلم وطلبته فالسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته، وإني لأحمد الله سبحانه وتعالى الذي من علينا بهذا اللقاء الميمون في هذا المكان الطيب وفي هذا اليوم المبارك وإن كانت الفترة التي نمر بها فترة حالكة مدلهمة فالأحداث تتسارع وكلها ضدُّ أمة الإسلام مع أن هذه الأمة رغم هذه الأحداث كلها تعيش في صمت رهيب وفي تخاذل عجيب كأن الأمر لا يعنيها وكأنما صدق عليها قول الشاعر :
ما لجرح بميت إيلام (1/1)
صفحة 2
وهذا مما يضاعف المصيبة ويدعوا إلى الاعتبار والاستعبار ويدعو إلى التفكير مليا في هذا الأمر، فإن قضية الأمة قضية لا يستهان بها، فهذه الأمة جعلها الله سبحانه وتعالى شهيدة على الأمم ومعنى ذلك أنها مطالبة بأن تكون قائمة بالقسط ناشرة للحق تسع الأمم بعدلها وهذا ما لا يكون أبدا مع تخاذلها وعدم انتصارها لنفسها من عدوها وهذا يعني أن الأمة يجب عليها أن تفكر في حساباتها وأن تعيدها جميعا وتنظر في مواقع الخلل منها لتسد مواقع الخلل ولتستدرك ما فاتها فإن الزمن زمن متسارع ومن عاش متوانيا تركته القاطرة وراءها فالزمن يسير بسرعة مذهلة ومن هنا كانت الضرورة ملحة على طالب العلم أن يعيش لهدف سام في هذه الحياة وأن يعرف ما يسعى إليه وما يضطلع به فإن الأمانة أمانة ثقيلة ثقلت على السماوات والأرض والجبال {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}. (1/2)
صفحة 3
إن الإنسان بطبيعة الحال حياته تختلف عن حياة أي كائن آخر فحياته حياة تكليف وتشريف معا يتحمل أمانة عظيمة ويقوم بأداء رسالة جُلاَّ ، فالله تعالى جعله خليفة في هذه الأرض، مسؤولا عن عمارتها ولا يمكن للإنسان أن يصلح هذه الأرض وأن يعمرها إلا ببينة من ربه وبصيرة من دينه بحيث يعرف ما يأتي وما يذر وما يفعل وما يترك لأن أعماله كلها محسوبة وخطواتها جميعا يُسأل عنها يوم القيامة { أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى } فالإنسان يسير إلى غاية محتومة وينقلب إلى مصير يحاسب فيه على ما قدم وأخر ويجزى بما فعل إن خيرا فخير وإن شرا فشر { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } لذلك كان على كل أحد أن يكون يسير بخطى موزونة وبحركات مقدرة بحيث لا يرد ولا يصدر إلا عن أمر الله سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر والحكم والقهر { إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .
والذي يطلب هذا العلم الشريف إنما هو مسئول عن نفسه ومسئول عن غيره، هو مسئول عن نفسه لأنه مطالب أن يصلحها وأن يهيئها لتحمُّل هذه الأمانة والاضطلاع بهذا الواجب المقدس ونشر هذا الحق الذي يستبصر به بين الناس وهو مسئول عن غيره لأن العالم البشري هو عالم متداخل متشابك فالله سبحانه وتعالى جعل حياة الإنسان حياة مدنية تقوم على العلاقات الاجتماعية التي تشد الإنسان إلى الإنسان والمصالح المشتركة بين الجنس البشري ومع هذا فإن هنالك تدافعا وتجاذبا بين الناس لاشتراك مصالحهم واختلاط منافعهم وهذا مما يؤدي إلى أن تكون هذه الحياة لا يمكن أن تضبط ضبطا سويا إلا عندما يكون الإنسان على بينة من ربه بحيث يسير على هدى منه في حياته لا يقدم على شيء ولا يحجم عنه إلا ببينة من ربه سبحانه وتعالى . (1/3)
صفحة 4
والذين يضطلعون بهذه الأمانة هم مسئولون عن دعوة البشر إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر, الله سبحانه وتعالى ما ترك البشر وأهواءهم لأن لكل أحد هوى يجذبه ويدفعه بل أرسل الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه لتتضح الحقيقة ولتستنير الطريقة .
وقد ختم الله تعالى هذه الرسالات جميعا برسالة سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام التي جاءت على فترة من الرسل بعدما أظلمت الأرض وسادها الظلم وسادها التناحر والاختلاف والتنازع سواء في الفكر أو في غيره وأدى ذلك إلى الشقاق الكبير بين الانسانية بأسرها، ولم تعد الفلسفات المتنوعة التي كانت تزخر بها مدن اشتهرت بالحضارات وعواصم كانت فيها قيادات متمكنة لم تعد هذه الفلسفات تصلح هذه الإنسانية بل كانت هذه الفلسفات تزيد حياة البشر تعقيدا وتزيد هذا الإنسان ضلالة وغيا حتى أرسل الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي امتن به على المؤمنين كما قال سبحانه : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } وامتن به على العرب الأميين الذين كانوا في عمى من أمرهم حتى في أمور دنياهم لم يكونوا يعرفون ما يعرفه غيرهم من الناس بسبب انعزالهم عن الأمم المتحضرة، إمتن الله سبحانه وتعالى عليهم عندما قال : { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } ثم امتن به على بقية الشعوب عندما قال : { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } . (1/4)
صفحة 5
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقة وأوضح الطريقة ودعا إلى الله سبحانه وتعالى على بصيرة دعا إلى تطهير الفكر من العقائد الزائغة والتصورات المنحرفة ودعا إلى تطهير واقع الحياة من الأعمال والأخلاق التي فيها انحراف وضلال فعاد الإنسان إلى الصراط السوي، وامتن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بهذه النعمة العظيمة قبل أن يقبض إليه عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وينقله إلى جواره عندما قال سبحانه : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمي ورضيت لكم الإسلام دينا } ، وجعل هذه الأمانة يحملها العدول من هذه الأمة في كل خلف فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " لذلك كان على كل خلف يحمل هذه الأمانة وهم العدول الذين اختارهم الله تبارك وتعالى لحملها أن يعرفوا ما هم مسئولون عنه . (1/5)
صفحة 6
فمن ناحية، الإنسان المسلم الذي آتاه الله تبارك وتعالى هدى القرآن وآتاه الحكمة، على هذا الإنسان أن يكون عارفا بإرشاد الناس إلى الحق ودعوتهم إليه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهذا واجب على هذه الأمة لأن الله تعالى يقول : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } ويقول سبحانه وتعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } وبين سبحانه وتعالى أن المؤمنين هم أمة مترابطة موصول بعضها ببعض كالحلقات المتواصلة في السلسلة الواحدة، وهذا التواصل ما بين المؤمنين لا يتم إلا بخصال ذكرها سبحانه وتعالى عندما قال : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله } هؤلاء وعدهم الله تعالى بالرحمة { أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } وترون أن الله سبحانه وتعالى عندما وصف هذه الصلة بين المؤمنين والمؤمنات وصفها بأنها صلة ولاء من بعضهم لبعض ولكن هذا الولاء مشروط بشروط أولها الأمر بالمعروف، ثم النهي عن المنكر ثم إيقام الصلاة ثم إيتاء الزكاة ثم طاعة الله تعالى ورسوله، وهذا يعني أن هذا الموالاة وهذا الرباط ما بين المؤمنين بعضهم وبعض لا تتم إلا بذلك لا تكون هذه الموالاة إلا عندما يضطلعون بهذه الأمانة بجدارة ويقومون بهذا الواجب بهمة عالية وعزيمة لا تني، فإن الله سبحانه وتعالى جعل المؤمن لأخيه المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ومعنى ذلك أن المؤمن يحرص كل الحرص على أن يكون مصلحا لشأن إخوانه المؤمنين جميعا، وهذا الإصلاح لا يتم إلا عندما يكون هنالك تآمر بالمعروف وتناه عن المنكر فإنه بالتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر تترابط حلقات السلسلة التي تجمع المؤمنين والمؤمنات وتجعلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، أما (1/6)
صفحة 7
عندما يهملون ذلك ويتركون محارم الله تبارك وتعالى تنتهك ويتركون الواجبات تضاع ويتركون الحدود تُتعدى فإن ذلك يؤدي إلى تخلخل صفهم وانقطاع الرابطة التي تشد بعضهم إلى بعض وهذا ما حصل لهذه الأمة الآن بسبب إضاعتها لهذا الواجب، وأنتم ترون كيف أن الله سبحانه وتعالى بدأ عندما ذكر أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في هذه الآية الكريمة بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر إيقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ركنان من أركان الإسلام ومع أن الصلاة تأتي بعد العقيدة مباشرة ومع أن الصلاة كما ذكرها الله تبارك وتعالى تنهى عن الفحشاء والمنكر ومع أن الزكاة طهارة { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج تحفظ به الفرائض والواجبات، فعندما يؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر يحافظ على إيقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعلى فعل الواجبات جميعا، وأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى عندما دعا عباده إلى الاجتماع وامتن عليهم بالألفة التي شدت بعضهم إلى بعض بعدما كان بينهم التنافر والشقاق أمرهم بأن يكونوا أمة دعوة فبعد قوله سبحانه وتعالى : { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } بعد هذا جاء بقوله : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } قبل أن يأتي التحذير من أن تنهج هذه الأمة نهج من قبلها في التفرق والاختلاف عندما قال سبحانه وتعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } وفي هذا ما يشير إلى أن القيام بواجب الترابط حتى تكون الأمة أمة (1/7)
صفحة 8
واحدة معتصمة بحبل الله جميعا لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير وكذلك الحذر من الاختلاف والتفرق لا يتم إلا عندما تكون الأمة معتصمة بهذا الركن الركين معتصمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندئذ تكون هذه الأمة أمة قوية لا يستهان بها، وأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وعد نصره لمن ينصره من عباده عندما قال : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } فبين أن الذين ينصرون الله سبحانه إنما هم الذين يقومون بهذا الواجب المقدس الذين يحافظون على الصلاة بإقامتها كما أمر الله سبحانه وتعالى من غير تفريط فيها والذين يحافظون على إيتاء الزكاة ويحافظون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهؤلاء هم الموعودون بنصر الله سبحانه وتعالى، هذا كله مما يدعوا إلى أن يكون طالب العلم عارفا كيف يدعو إلى الله تبارك وتعالى على بصيرة وكيف ينشر نور هذه المعرفة التي آتاه الله تعالى إياها بين العباد فهناك واجب يتحتم على حملة العلم، وطلبتُه هم مهيئون إن شاء الله لأن يكونوا حملته في المستقبل، هذا الواجب هو رص صف هذه الأمة، ورص صف هذه الأمة لا يكون إلا عندما تكون على هدى وبينة وذلك عندما تكون أولا متصورة التصور الصحيح فبدون التصورات الصحيحة لا يمكن للأمة أن تلتقي وتتراص وتجتمع وتتآلف وتتواد وتتراحم حتى تكون كالجسد الواحد، إنما ذلك بعد التصورات الصحيحة وهذا الذي نادى به المرسلون من قبل فإن كل رسول إنما بعث بالعقيدة الصحيحة فالله تبارك وتعالى يقول : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال : { وكذلك بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } فجميع العباد مدعوون إلى التصور الصحيح إلى الإيمان الحق، الإيمان بالله والإيمان (1/8)
صفحة 9
باليوم الآخر لأن من آمن بالله حق الإيمان وآمن باليوم الآخر حق الإيمان كان في منأى عن كل ما يرديه لأن الإيمان بالله إنما هو الإيمان بالمُبدئ العظيم الخلاق الفعال لما يريد الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة وآتاه ما آتاه من فضله وبسط له من رزقه وعلمه ما لم يعلم وقواه من ضعف وأنقذه من كثير مما يخشاه ويحذره ومع ذلك كله فإن المنقلب إليه، فعندما يكون الإنسان مؤمنا بالله حق الإيمان فإيمانه يدفعه إلى أن يطيع ربه سبحانه وتعالى طاعة مطلقة في كل ما يأمره به وفي كل ما ينهاه عنه ولئن كان الإنسان عندما يشعر أن أحدا من جنسه، أحدا من الجنس البشري له نعمةً وأيادي عليه فإنه بطبعه ينساق إلى مرضاته ويحب ألا يطلع منه إلا على ما يرضيه فكيف بالله تبارك وتعالى الذي خلق الكون والذي أسبغ على هذا الإنسان نعمه ظاهرة وباطنة والذي خلق له ما في الأرض وسخر له في السماوات وما في الأرض جميعا منه أليس هو أولى بأن يطاع طاعة مطلقة وأن يلتزم الإنسان أمره ونهيه ؟ على أنه من التصور الصحيح أن وجوده في هذه الحياة إنما هو من أجل الاضطلاع بأمانة الله سبحانه وتعالى، فهو مكلف ومشرف معاً، مكلف من قبل الله سبحانه وتعالى بالقيام بعمارة هذه الأرض على بينة من ربه، ومشرف بهذه الأمانة العظيمة لأنه اختير لها وشُرَّف بسببها حتى على الملأ الأعلى، هذا كله مما يدعوه إلى أن يطيع ربه سبحانه وتعالى طاعة مطلقة، ولكن مع ذلك هنالك تجاذب وتدافع -كما قلنا- في حياة البشر فالشهوات تطغى على النفس الإنسانية وضرورات الحياة الأرضية تجتذب الإنسان إلى الإخلاد إلى هذه الأرض والركون إلى ملاذها ومنافع هذه الحياة من غير مبالاة بما يترتب على ذلك وذلك مما ينسيه حق الله ولكنه عندما يؤمن باليوم الآخر عندما يؤمن بالمنقلب وما يلقى فيه من جزاء على خير وشر فإنه بطبيعة الحال يستعلي على هذه الضرورات التي تدعو إليها هذه الحياة (1/9)
صفحة 10
الأرضية ويستطيع أن يتحكم في أهوائه ونزعاته ونزغاته فيضبط جميع حركاته وسكناته ضبطا يتلاءم مع شريعة الله سبحانه وتعالى وبجانب هذا فإن هنالك أيضا ما يدعو هذا الذي يتحمل هذه الأمانة الذي يكون طالبا للعلم ما يدعوه إلى أن يبصِّر هؤلاء الجماعات الكثيرة من البشر بما يأتون ويذرون عليه أن يبدأ بهذه الأمة وإصلاحها أولا، ثم دعوة بقية البشر إلى الخير، عليه أن يدعو هذه الأمة إلى ما فيه تماسكها وترابطها ولا يمكن أن تترابط الأمة وتتماسك إلا عندما تكون على هدى من الله سبحانه وتعالى بحيث تعتصم بحبله وتستمسك بأمره ونهيه وتحافظ على حرماته ولا تتعدى شيئا من حدوده عندئذ تكون الأمة أمة متماسكة تكون هذه الأمة بمثابة الجدار الصلب الذي تتحطم عليه جميع المؤامرات مؤامرات أعداء الإسلام وما أكثر هذه المؤامرات في وقتنا هذا وهي تصل إلينا من غير أن يحول بيننا وبينها حائل هناك مؤامرات من ناحية عسكرية كما ترون، كيف تشن الحروب على هذه الأمة في كل مكان والأمة مع ذلك متخاذلة -كما ذكرنا- هناك مؤامرات من الناحية الاقتصادية كيف يشد الخناق على هذه الأمة وتحاصر وتستغل ثرواتها وهي كما قيل :
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
ثرواتها تستغل من قبل الآخرين، الآخرون هم الذين ينتفعون بها وهم إنما يقتنعون بما يتساقط من أيدي الآخرين من الفتاة النزر اليسير وحسبهم ذلك . (1/10)
صفحة 11
ومؤامرة من ناحية ثقافية وأنتم تعلمون في وقتنا هذا كيف يحاول أعداء الإسلام أن يفرضوا على هذه الأمة مناهج تربوية وتعليمية لا تمت بصلة قط إلى معتقداتها ودينها ومواريثها الفكرية وتاريخها العظيم، إنما يريدون فرض ذلك وهم بأنفسهم يعلمون أن هذه المحاولة منهم تختلف تمام الاختلاف مع التربية السليمة التي ينبغي أن تكون في كل شعب من الشعوب وفي كل أمة من الأمم، قبل فترة لا تقل عن ربع قرن وجدت في إحدى الصحف مقالا لأحد خبراء التربية الأمريكيين يقول : "إن المناهج التربوية ليست كالمادة الخام التي يمكن أن تستورد من بلد إلى بلد، ولكنها كالثوب الذي يفصل لكل جسم بحسب قامته، وفي فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد مناهج تربوية إنكليزية وأروبية إلى البلاد الأمريكية " فهو يقول كما تسمعون في فترات من التاريخ خسروا -أي الأمريكان- باستيراد مناهج تربوية إنكليزية وأوروبية إلى البلاد الأمريكية، مع ما بين الأمريكان وبين الإنكليز خصوصا وبين الأروبيين عموما من القواسم المشتركة المتعددة فهم إذا جئنا فيما بينهم وبين الإنكليز لغتهم واحدة وثقافتهم واحدة ودينهم واحد ومذهبهم واحد فكلهم من حيث التدين -وإن كانوا ليسوا على شيء من الدين- نصارى وكلهم أيضا من حيث المذهب " بروتستنت " ولكن مع ذلك يقول بأنهم خسروا مما ربحوا في فترات من التأريخ بسبب استيرادهم مناهج تربوية إنكليزية وأوروبية إلى البلاد الأمريكية، وبينهم وبين الأوروبيين أيضا ما بينهم من القواسم المشتركة، فمعظم الأمريكان ينحدرون من أصول أمريكية لأن الشعب الأمريكي الأصيل كما تعلمون، عزل عن الحياة تمام العزل، ومع هذا يقول هذا الأمريكي بأنهم في فترات من التاريخ خسروا أكثر مما ربحوا باستيراد مناهج تربوية إنكليزية وأوروبية إلى البلاد الأمريكية فكيف يمكن أن يأتوا هم بمناهجهم التي يفصلونها بحسب قاماتهم ويصبون في قالبها أفكارهم ويأتون فيها بأخلاقهم (1/11)
صفحة 12
ويفرضونها علينا ؟ .
هذا أمر يجب أن يتنبه له، فالأمة -كما قلنا- َمغزُوَّة من هذه النواحي كلها ومن الناحية الإعلامية هي مغزوة، ومن كل ناحية من النواحي هي مغزوة وليس هنالك جدار تتحطم عليه هذه الغزوات وهذه المؤامرات التي تأتي من قبل الأعداء أعداء الإسلام فإذن على حملة العلم وطلبة العلم أن يعرفوا مسئوليتهم تجاه هذا الأمر بحيث يحرصون على أن يصوغوا هذه الأمة صياغة قرآنية نبوية على هُدى من كتاب الله وهَديٍ من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تكون هذه الأمة أمة قوية ولا يمكن أن يؤثر عليها أي غزو كان .
كذلك مسئولية هؤلاء الذين يتحملون هذه الأمانة وينهلون من مناهل العلم من حيث إنهم مطالبون بأن يعدوا لكل شيء عدته وأن يحرصوا على أن يدخلوا معترك الحياة وألا يتقوقعوا في نفق مظلم بعيد عن الحياة، بل يجب عليهم أن يحرصوا على أن يمسكوا بزمام قافلة هذه الإنسانية ليقودوها إلى الخير ويسيروا بها في طريق الرشد، الأحوال البشرية يجب عليهم أن يطلعوا عليها وأن يحرصوا على دراستها وأن يحرصوا على حل مشكلاتها وتقديم هذه الحلول إلى هذه الإنسانية والدخول في كل معترك من معتركات الحياة من أجل بيان دعوة الحق ومن أجل بيان النور الذي آتاهم الله تبارك وتعالى إياه لتبديد هذه الظلمات التي تخيم على الأرض جميعا وتسيطر على عقول الأمم البشرية جميعا، عليهم أن يأخذوا بحجزة دين الله سبحانه وتعالى وأن يعتصموا به مع دراسة وضع الحياة البشرية . (1/12)
صفحة 13
هذه الأمة كما قلنا أرادها الله تبارك وتعالى بأن تكون أمة وسطا شهيدة على غيرها من الأمم كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد عليها وفي فترات متقدمة في تاريخ الدعوة في هذه الأمة نزل في كتاب الله ما يدل على عالميتها فإن الآيات المكية تحدثت عن عالمية هذه الدعوة فالله تعالى يقول فيما أنزله بمكة المكرمة : { وما هو إلا ذكر للعالمين } { إن هو إلا ذكر للعالمين } ومعنى ذلك أن هذه الدعوة آذن الله تبارك وتعالى من أول الأمر بأنها دعوة عالمية فالأمة إذن مطالبة بأن تكون أمة عالمية لا أن تعيش متقوقعة في حدود ضيقة بل عليها أن تخرج إلى رحاب فضاء هذه الأرض لتواجه مختلف التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها بما آتاها الله تبارك وتعالى من هدى وبصيرة، على هذه الأمة أن تضطلع بهذه المسئولية ومن يضطلع بذلك هل يضطلع بذلك الجهلة ؟ هل يضطلع بذلك الذين لا يفرقون بين أحكام الله تعالى فلا يميزون بين الأحكام التكليفية وبين الأحكام الوضعية ؟ لا ! هؤلاء لا يفرقون بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، لا ! إنما ذلك لمن اضطلع بشريعة الله سبحانه وتعالى، وأنتم ترون أن الأحداث في هذا العالم تتسارع تسارعا عجيبا والتطورات البشرية تسير سيرا مذهلا في حياة الإنسانية تسري هذه التطورات في هذه الأرض بطريقة غريبة . (1/13)
صفحة 14
البشر بطبيعة الحال .. الله تبارك وتعالى خلقهم من أول الأمر متطورين فسنة الحياة التطور والانتقال من وضع إلى وضع وهذا ما ألفه البشر في جميع أطوار حياتهم، ولكن هذا التطور المذهل الذي تعيشه الحياة البشرية اليوم لم يكن معلوما من قبل ففي خلال نصف قرن من الزمن بعدما وضعت الحرب العالمية أوزراها -أي الحرب العالمية الثانية- حصل تطور عجيب في حياة الناس أنتم ترون كيف أن الله تبارك وتعالى فتح لهؤلاء آفاق المعرفة وأتوا بابتكارات عجيبة حتى أصبحت الأقطار المتنائية كأنها غرف في بيت واحد فالإنسان يستطيع أن يتحدث على سرير نومه وفي غرفته إلى أي مكان في هذه الأرض ويستطيع أن يتابع الأحداث التي تقع في هذه الأرض أولا بأول بحيث يتنقل من قناة إلى قناة ويتابع ما يجري في العالم بالصورة والصوت ... هذا التواصل العجيب التواصل الثقافي وغيره !.
وبجانب ذلك حصلت تطورات أيضا في شتى مجالات الحياة حصلت تطورات من أجل ذلك في المجالات الاقتصادية بحيث ابتكرت معاملات لم تكن موجودة من قبل حصلت أيضا ابتكارات في المجالات الطبية بحيث اتخذت وسائل للعلاج لم تكن موجودة من قبل حصلت ابتكارات في شتى مجالات الحياة هذا بطبيعة الحال مما يؤدي إلى ضرورة أن يتابع الفقيه الذي يدرس شريعة الله تبارك وتعالى ما يجري في هذا العالم من تطورات أولا بأول ليعطي الحل لكل مشكلة من المشكلات التي تفرزها هذه التطورات المذهلة وهذا لا يكون إلا مع التكامل ما بين فئات متعددة هذا التكامل بسبب أن التطورات -كما قلنا- تطورات مذهلة فلا يمكن للإنسان الواحد أن يعطي الحلول لكل هذه المشكلات، إنما يجب أن يكون لكل جانب من هذه الجوانب فريق من الناس يتدارسونه ويجتهدون فيه ليعطوا الحلول المختلفة، هذا مما يستدعي النشاط ومتابعة الأحداث كما ذكرنا ويستدعي أيضا أن يحرص طالب العلم من أول الأمر أن يتمرس بالكتابة في مثل هذه المواضيع حتى يعطي الحلول لها . (1/14)
صفحة 15
ومن أخطر الأمور أن توجد في طلبة العلم عقد نفسية بحيث يرغبون في أن يعيشوا في انزواء بعيدا عن العالم أن يعيشوا في ظلمات كأنهم الخفافيش تخشى من النور(1) وهذا أمر خطير جدا إنما على طالب العلم أن يحرص أن يكون في الصفوف الأمامية في كل مجال من المجالات، عليه أن يحرص أن يقدم ما عنده من ثروة علمية قبل كل شيء هو يتمرس ويرجع إلى من هو أكثر منه علما يرجع إلى أساتذته وشيوخه لعرض ما عنده عليهم حتى يبصروه بخطئه وصوابه ليتفادى الخطأ وليحرص على الاستمساك بالصواب ... .
أما أن يحرص على أن يكون في مؤخرة القافلة فإن القافلة ستسير عنه، وكما قلنا، إن وقتنا هذا يسير سيرا مذهلا، ولئن كانت الخطى أولا تقاس بما عند الناس في ذلك الوقت من وسائل النقل، تقاس بخطوات الإبل والحمير ونحوها أو بخطوات الإنسان وهو ماش على الأقدام فإن خطى الحياة المتحركة في وقتنا هذا تقاس بسرعة وسائل النقل في هذا العصر، بل تقاس بما هو أسرع من ذلك ربما تقاس بسرعة الضوء كما ينتقل الاتصال من بلد إلى بلد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب في لحظة واحدة فإذن هكذا تطورات الحياة فمن كان يبغي أن يتخلف وأن يكون وراء القافلة دائما فإن القافلة ستسير عنه، لذلك كان حريا بكم وأنتم طلبة العلم أن تحرصوا على أن تدخلوا الميدان وألا تتخلفوا وألا تستحيوا مما تقدمونه إلى الناس فإن هذه العقدة النفسية يجب أن تتحطم .
__________
(1) -قال الشيخ: " تخشى من الظلام " بدل أن يقول: " تخشى من النور " وهو ما يقتضيه السياق، ولعله سبق لسان منه، والله أعلم. (1/15)
صفحة 16
ولا بد أيضا من التضحية بالوقت بل والتضحية بالمال، التضحية بالنفس والنفيس أنتم مسئولون كما ذكرنا عن أنفسكم وأنتم مسئولون عن أمة الإسلام، هذه الأمة التي هي بحاجة اليوم إلى من يأخذ بزمامها من أجل إنقاذها مما وقعت فيه، وأنتم مسئولون عن هذه القطعان الحائرة الضالة من البشر في هذه الأرض فالبشر جميعا يتطلعون إلى تغيير في هذه الحياة وهذا ما تحدث عنه الكثير الكثير من الغربيين عقلاؤهم يتحدثون عن ضرورة التغيير، على يد من يكون هذا التغيير ؟ فإن كان على أيديهم فإن التغيير يكون من فساد إلى فساد، والانتقال سيكون من ظلمات إلى ظلمات، ولكن إنما يجب أن يكون التغيير على أيدي مؤمنين، على أيدي رجال من المؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه بحيث إنهم هم الذين يعرفون هذه البشرية الحائرة بما ينقذها من حيرتها ويبصرها من عماها، الله تبارك وتعالى جعل في أيدي هذه الأمة الخير الكثير، حسبها كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولكن لا يعني ذلك أن تتفاعل الأمور وتنفعل للإنسان بحسب ما يريد من غير أن يقدم تضحية لابد من تضحيات أنتم تعرفون كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عني بإخراج هذه الأمة من الضلال إلى الهدى كيف عني بالدعوة إلى الله عاش من أجل هذه الدعوة ظل صابرا مصطبرا محتسبا أجره عند الله سبحانه وتعالى يواجه التحديات الكثيرة من قومه ومن أقرب الناس إليه، من عشيرته يواجه هذه التحديات إلى أن انبلج هذا النور وشعشع في الجزيرة العربية وقبل أن يفتح الله تبارك وتعالى له مكة المكرمة وقبل أن تدخل الجزيرة العربية بأسرها في دين الله أفواجا وجّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسائله ورسله إلى أباطرة الأرض، إلى ملوك الأرض، خاطب إمبراطور الروم وخاطب إمبراطور فارس وخاطب نجاشي الحبشة وخاطب ملوك الأرض يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى ويبصرهم بهذا الدين وينذرهم أنهم إن أعرضوا عن هذه الدعوة فإن حجة (1/16)
صفحة 17
الله تبارك وتعالى بالغة ولا بد للحق من أن يصل إلى مداه ولا بد لهذا الظلام أن ينجلي وأن أولئك هم الذي سيخسرون، أنذر أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما وجه إليهم من رسائل ومعنى ذلك أنه كان يتحدى العالم بأسره في ذلك الوقت بهذه الرسائل التي وجهها إليهم .
وصحابته -رضي الله تعالى عنهم- قاموا بهذا الواجب من بعده - صلى الله عليه وسلم - ففتحوا الأمصار وذللوا الجبابرة من الأكاسرة والقياصرة وأنزلوهم من عليائهم صاغرين وأذاقوا الشعوب التي كانت محرومة من العدل طعم العدل وعرفت الإنسانية بأسرها معنى الحرية ومعنى المساواة فيما بينها تم ذلك على أيدي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . (1/17)
صفحة 18
وأنتم تعلمون أن عظماء الرجال في العصور السابقة مع ما كانوا يلقونه من التحديات ما هالهم الأمر ولا حال بينهم وبين إبلاغ الدعوة التي يرونها خيرا وهدى ورحمة فأبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة كما تعلمون كان في وقت حالك مدلهم وكان يتابع ما يجري في العالم وعندما سمع بأحوال البربر في المغرب وما كان يعتريهم من ظلم من قبل الولاة والقسوة عليهم حتى ظنوا أن الدين الإسلامي إنما هو دين عنصري جاء لتذليل الشعوب للعرب أرسل إليهم سلمة ابن سعد، وقال سلمة كلمته عندما جاء ليودع أبو عبيدة : "وددت لو ظهر هذا الأمر يوما واحدا بالمغرب ثم لا أبالي أن تضرب عنقي" هذا هو شعور الداعية إلى الله سبحانه وتعالى لا يبالي بالاستشهاد في سبيل الله لا يبالي بالمحن التي يواجهها لا يبالي بالتحديات التي تقف في سبيله لا يبالي بأي عرقلة تكون إنما همته تزيد على كل عرقلة وعزيمته تفُتُّ في عضد جميع التحديات التي تقف أمامه حتى يصل إلى ما يريده ينطلق كالصاروخ لا يثنيه شيء وتتوقد عزيمته كالنار الملتهبة هكذا يكون الداعية إلى الله سبحانه وتعالى فإذن هذه الهمة هي التي يجب أن تكون في كل واحد منكم ومن أي واحد من طلبة العلم في مشارق الأرض ومغاربها هذه العزيمة هي التي تذلل الصعاب وهي التي تقف في وجوه جميع التحديات، أما أولئك الذين -كما قيل- يربأون بأنفسهم عن أن يكلفوا أنفسهم صعود الجبال فإن أولئك دائما يعيشون في الحفر فهذه هي الأمانة الملقاة على عاتقكم وهذه هي المسؤولية ومهما يكن من أمر فإن دراسة الأوضاع البشرية في وقتنا هذا ولاسيما الأمة المسلمة مما يجب أن تتضافر عليه الجهود هذه الأمة المسلمة التي نرجو بفضل الله تبارك وتعالى وتوفيقه أن يمن عليها بالاستخلاف والتمكين في هذه الأرض كما كان ذلك لسلفها الصالح عندما أخذ السلف بحجزة دين الله تعالى ولم يفرط في أي جزئية من جزئيات هذا الدين فمكن الله تعالى له في الأرض وذلل له الصعاب وانتشر هذا (1/18)
صفحة 19
الحق في مشارق الأرض ومغاربها وتهيأت الأسباب حتى وصلت هذه الدعوة في وقت قصير إلى مكان سحيق بحيث كانت تقرع أبواب الصين في الشرق وأبواب باريس في الغرب هذا إنما كان بذلك الإيمان الراسخ وكان ذلك بتلكم الهمة المتوثبة مع أن أولئك لم يتوافر لهم ما هو متوافر لكم اليوم ، من وسائل الإبلاغ والدعوة فما كانت هنالك وسيلة للدعوة إلا الكلمة فحسب ما كان هنالك مذياع ولا كانت هناك شبكة معلومات يمكن من خلالها بث الأفكار ونشر المبادئ وإبلاغ هذه الدعوات إلى مشارق الأرض ومغاربها ما كانت هنالك حتى صحافة، إنما كانت الكلمة وحدها ولكن الكلمة كانت كلمة حية لأنها كلمة تخرج من أعماق النفس لا تخرج من أطراف الألسنة إنما تخرج من أعماق النفوس ولا تلبث أن تتغلغل في النفوس وتفعل الفعل العجيب في تحويل النفوس من الباطل إلى الحق ومن الضلال إلى الهدى ومن الفساد إلى الصلاح ومن التشتت إلى الاجتماع كانت الكلمة تؤثر هذا الأثر البالغ لأنها كلمة خالصة خرجت من قلوب مخلصة وهكذا يجب عليكم مع استغلال هذه الوسائل الكثيرة فأنتم بحمد الله أمامكم الآن الكثير الكثير من الوسائل هنالك الصحافة التي يمكنكم من خلالها أن تكتبوا فيها هنالك شبكة المعلومات التي يمكنكم من خلالها أن تبثوا فيها أفكاركم وأن تنشروا فيها مبادئ الإسلام وأن تبصروا فيها المسلمين أولا بالاستمساك بهدى الله تبارك وتعالى وعدم التفريط فيه ثم تبصير بقية الشعوب وبقية الأمم بما آتاكم الله تبارك وتعالى من نور وهدى وبصيرة وأن تنشروا تعاليم القرآن ومعارف القرآن في آفاق الأرض في مشارق الأرض ومغاربها عندئذ بفضل الله تبارك وتعالى وبتوفيقه يمن الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بالتمكين والاستخلاف في الأرض كما وعدها ذلك عندما قال : { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم (1/19)
صفحة 20
أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا } هذا هو الذي تتطلع إليه هذه الأمة، بل -كما قلنا- هنالك تطلع من قبل البشرية جميعا إلى التغيير في هذه الأرض أنتم تعلمون كيف تهاوت هذه المبادئ البشرية وانتكست، كيف تهاوت الشيوعية بعدما كانت فردوسا منشودا ظل كثير من الناس يحلمون بها يظنونها المخلص الذي يلجأون إليه هروبا من مشكلات الرأس مالية ما كانت الشيوعية إلا ردة فعل للظلم الرأس مالي وإذا بهذه الشيوعية تكون أكثر لهيبا من الرأس مالية بحيث أتت على الطارف والتليد وقضت على كل ما تحتاج إليه الإنسانية من راحة و نعيم وحرية وغير ذلك، بل ظل الإنسان مستعبدا في كنف الشيوعية كأنما هو آلة صماء لا حراك له ولا إرادة له ولا عزيمة له ولجأت الشيوعية لعدم وجود ما تلجأ إليه مرة أخرى إلى الرأس مالية لتستجدي منها الحل لمشكلاتها وأنى ذلك مع أن الرأس مالية هي أساس المشكلة هي التي كانت سببا لإلهاب هذا السعير بما كان منها من ضغوط على الناس وما كان منها من ظلم وهذا الظلم يتجدد اليوم كما تعرفون فالذين يعيشون في مظلة الرأس مالية هم بأنفسهم يتطلعون اليوم إلى ما ينقذهم مما هم واقعون فيه وأنتم تسمعون كيف تتهاوى الرأس مالية كما تهاوت الشيوعية، كيف تفلس إفلاسا غريبا إنما سيتكشف الواقع عن أمر مرير عندما يسقط هذا البرقع وينتهك هذا الستر الذي يغطي مساوئ الرأس مالية في هذا اليوم ستنكشف السوءات التي تزيد على سوءات الشيوعية ولكن إنما يجب أن يكون هنالك بديل مطروح والبديل المطروح إنما هو الإسلام، الإسلام جميعا لا أن يؤخذ جانب منه وتودع جوانب أخرى لا يعني هذا أن يأخذوا من الإسلام مجرد النظام المالي مع ترك عقيدته ومع ترك أخلاقه ومع ترك فضائله، لا، هذا لا يفيد شيئا لابد من أن تكون هنالك عقيدة الإسلام أولا تتغلغل في أعماق النفوس وهذه العقيدة بحمد الله تعالى سمحة، هذه العقيدة ميَسَّرة، هذه العقيدة قامت الحجج في كل وقت وستقوم إلى أن يرث (1/20)
صفحة 21
الله الأرض ومن عليها على أنها حق من عند الله، هذه العقيدة التي يتجلى صدقها من خلال ما يتكشف في هذا الكون من أسرار هذا الكون وبدائع نظام هذا الوجود مما أخبر عنه الله سبحانه وتعالى في القرآن قبل أن يتصور البشر شيئا منه قط ولا يزال الناس يكتشفون يوما بعد يوم من هذه الأسرار ما يدعوهم إلى الرجوع إلى دين الله فالمسئولية إذن هي مسؤوليتكم والدعاة إلى الله لابد من أن يكونوا على إلمام بهذا كله لأن الظروف تختلف والأزمنة تتباين في تصوراتها وفي مفاهيمها من حيث الحياة فلابد من إبراز صورة الإسلام الحقة بما يتلاءم مع هذه الظروف المعاصرة وما يتلاءم مع ما وصلت إليه هذه الإنسانية اليوم من الاكتشافات، إكتشافات مخبئات الأسرار في نظام هذه الحياة تصديقا لما وعد الله تبارك وتعالى به في قوله : { قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط } وذلك تكشَّف كثيرا للناس بمشيئة الله سبحانه، فإذن طلبة العلم الشرعي لابد من أن يكونوا على معرفة بهذا الجانب وإلمام بهذه التصورات ليقدموا هذا الإسلام في هذا الثوب القشيب إلى هذه الإنسانية في وقتنا هذا والله تبارك وتعالى من حكمته أنه يرسل لكل أمة رسولا بلسانها وهكذا عندما تتطور الأمم وتختلف الأحوال وتتباين التصورات لابد من أن يكون الدعاة ملمين بهذه الأحوال مسايرين لهذه التطورات ليخاطبوا كل أمة بلسانها وليضعوا الحلول للمشكلات المستجدة لهذه الأمم .
نسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا وإياكم الرشد والصواب والسدادا ونسأله أن يعلمنا ما لم نعلم وأن يفهمنا ما لم نفهم وأن يهدينا إلى الطريق الأقوم . (1/21)
صفحة 22
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وخذ بأيدينا إلى ما تحبه وترضاه اللهم اهدنا للهدى ووفقنا للتقوى وعافنا في الآخرة والأولى اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين واقطع اللهم دابر أعداء الدين واستأصل شأفتهم أجمعين اللهم شتت شملهم ومزق جمعهم وفل حدهم وأقلل عدهم واردد كيدهم في نحورهم وأعذنا وجميع المسلمين من شرورهم وامح آثارهم وأورثنا أرضهم وديارهم واطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم اللهم أبدلهم بكل عز ذلا وبكل غنى فقرا وبكل اجتماع تنافرا وبكل وحدة اختلافا اللهم مزقهم كل ممزق وشتتهم كل مشتت واجعلهم عبرة لخلقك يا الله يا ذا الجلال والإكرام اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا وأبدلنا بخوفنا أمنا وبذلنا عزا وبفقرنا غنى وبتشتتنا وحدة واجمعنا على كلمتك وألف بين قلوبنا بطاعتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
الأسئلة :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :
س: رجل له الرغبة العالية في نشر الدعوة وهو يريد أن يلقي بعض المحاضرات ولكنه يواجه عائقا واحدا وهو الرياء فما الحل لهذا ؟ (1/22)
صفحة 23
ج: هذه وسوسة من الشيطان فإن الشيطان يتخذ كثيرا من الوساوس لصد الناس عن الخير والحيلولة بينهم وبين القيام بالواجب يأتي الإنسان إن عمل خيرا من قبل الرياء فيوسوس له ما يوسوس حتى يكون هذا العمل غير خالص لوجه الله تعالى، ويأتيه أيضا عندما تكون عزيمته للخير عزيمة متوثبة فيحول بينه وبين فعل الخير بأن يوسوس له أنه إن فعل هذا الخير كان مرائيا لأجل الحيلولة بينه وبين فعله فهذه وسوسة من وساوس الشيطان فمن ترك عملا صالحا مما يُبتَغى به وجه الله تعالى خشية الرياء من ترك هذا العمل لأجل هذه الوسوسة فقد وقع في الرياء لأنه ترك عملا صالحا من أجل وسوسة الشيطان هذا مما يجب التنبه له .
س: ما المراد من قوله تعالى في سورة الرعد { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } وهل فيها دلالة على اتساع الأرض وكرويتها ؟ كذلك وما المراد من التوسعة في قوله تعالى : { والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون } ؟
ج: على أي حال نحن علينا أن ندرك الفرق بين أمور ثابتة وأمور غير ثابتة مجرد نظريات، هنالك فارق ما بين الحقائق والنظريات . (1/23)
صفحة 24
أولا النظريات علينا أن نستبعدها في تفسير القرآن الكريم مهما كانت الصورة، ربما فيها شيء من وضوح الدلالة عليها إن لم يكن ذلك نصا في القرآن ولم تكن هذه حقيقة من الحقائق فإن علينا أن نستبعدها لا يجوز لنا أن نأخذ بالنظريات في تفسير القرآن الكريم لنجعل هذا القرآن حجة -هو حجة على أي حال- ولكن لا بطريق اتخاذ النظريات وسيلة لذلك لأن النظريات تتحول وتختلف بين زمان وآخر، كم من نظريات كانت فبانت كانت من قبل مقبولة في وقت من الأوقات وإذا بها يتكشف عوارها، وأناس حاولوا أن يؤولوا آيات من القرآن بما يتلاءم مع نظرية داروين، النظرية الحمقاء، التي نزلت بالإنسان إلى الحضيض الأسفل بحيث اعتبرته مجرد قرد، كان في الأصل ثم تطور حتى وصل إلى ما وصل إليه، حاول أناس أن يؤولوا آيات من القرآن حتى لا تصطدم مع هذه النظرية ولكن تكشفت هذه النظرية عن لا شيء وأصبح الداروينيون أنفسهم يكفرون بها ، فإذن هذا مما يجب أن ...(1)
__________
(1) -الشيخ لم يكمل العبارة هنا، ولعل تقدير الكلام حسب السياق: " فإن هذا مما يجب أن يتنبه له "؛ والله أعلم. (1/24)
صفحة 25
أما قول الله تعالى : { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } هذه مما اختلف فيه، قيل النقص من الأطراف بالفتح الذي يكون للمسلمين وقيل النقص بموت الأخيار والعلماء منها وقيل بغير ذلك، نحن لا نستطيع أن نقطع بقول من هذه الأقوال، قد يتراءى للإنسان دليل فيعتمد عليه أما كون هذه الآية دليلا على اتساع الأرض وكرويتها من أين نأخذ ذلك ؟ من أي دلالة ؟ الآية لا تفيد ذلك من قريب ولا من بعيد فليس لنا أن نطوع الآيات ونسخرها لنحملها من المعاني ما لا تتحمل، نعم هنالك آيات كثيرة تدل على كروية الأرض آيات متعددة هي دالة على ذلك منها قول الله تبارك وتعالى : { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } فإن هذه الآية دالة على كروية الأرض بحيث إن الليل يحل محل النهار بدورانهما المستمر على الأرض والنهار أيضا يحل محل الليل، كذلك قول الله تعالى : { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا } هذا دليل على كروية الأرض لأن كل واحد منهما وراء الآخر يطلب الآخر طلبا حثيثا وهكذا .
وكذلك قول الله تعالى : { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } فإن كل واحد منهما يكون ككور العمامة على الآخر هذا دليل على كروية الأرض ...، كذلك قصة ذي القرنين فإنه ذهب إلى مغرب الشمس ثم وصل إلى مشرق الشمس ... لا يعني هذا أنه رجع بعد ذلك من المغرب إلى المشرق وبرجوعه ذهب مرة أخرى إلى ...(1)، هذا يعني أنه واصل السير حتى ظهر من المشرق هذا مما يدل على كروية الأرض .
__________
(1) -نفس الملاحظة السابقة، ولعل التقدير: " وبرجوعه ذهب مرة أخرى إلى المغرب "؛ والله-تعالى-أعلم. (1/25)
صفحة 26
أما قول الله تعالى { والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون } ، أوسع الله تعالى كل شيء حكما ونظاما ودقة ولا يعني هذا التوسعة، التوسعة شيء والإيساع شيء آخر، لا تحمل الألفاظ ما لا تتحمل من المعاني، من المحتمل أن تكون النظرية نظرية امتداد الكون وأنه يمتد مع مرور الزمن من المحتمل أن تكون صدقا لكن لا نحمل على هذا المعنى الآية الكريمة .
سؤال: كيف نرد على من يقول بإنكار الكرامات وما الضابط الذي يمكن أن نستند إليه في قبول الكرامات إذ منها ما لا يقبله العقل أساسا ؟
الجواب: على أي حال علينا، نحن أن نكون أمة معتدلة، ... الله تبارك وتعالى أنزل علينا كتابا نتلوه آناء الليل وآناء النهار، هذا الكتاب فيه ما يدلنا على وقوع خوارق خارجة عن نظام الكون، فالكرامة لا يمكن أن ننكرها هكذا، أو نقول ليست هنالك كرامة، لو قلنا ذلك ماذا نقول في قصة أصحاب الكهف، أصحاب الكهف عاشوا ثلاثمائة عام وتسع سنين فوق ثلاثمائة عام لا يأكلون ولا يشربون ومع ذلك لم تبل أجسامهم، كيف كان قوام هذه الأجسام مع عدم تناولها الطعام ثم رد إليهم الوعي وردت إليهم الحياة كما كانوا أول مرة وقاموا،... إن لم نقل هذه كرامة ماذا نقول ؟ هل هي إهانة ؟ هذا لا يجوز أن نقول بأن هذه إهانة هذه كرامة بطبيعة الحال إن لم تكن هي كرامة ماذا عسى أن نسميها ؟ هل هي إهانة ؟
كذلك مما أخبر الله تبارك وتعالى به في كتابه من الأمور العجيبة التي وقعت قصة الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه } ، ليس من العادة أن يموت أحد هذه المدة ثم يبعث بعد ذلك، هذا أمر خارج عن المألوف. (1/26)
صفحة 27
الله تعالى، وإن جعل لهذا الكون سننا إلا أنه متى ما أراد أن يخرق نواميس هذه السنن فإن ذلك يكون، الله تبارك وتعالى على كل شيء قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء يصرّف هذه الكائنات كيفما يشاء، هذه .. لا نقول إلا إنها قضية خارقة للعادة كذلك جعل الله تبارك وتعالى سنة التوالد فيما بين البشر وبين الكائنات الحية بتلاقي الذكور والإناث ولكن عندما أراد أن يخلق عيسى بغير هذه الطريقة خلقه بغير هذه الطريقة في هذا خرق لسنن هذه الحياة كذلك بالنسبة إلى قصة الذي أوتي علما من الكتاب فجاء بعرش بلقيس من مكان بعيد في طرفة عين أليس ذلك من الأمور الخارجة عن المألوف، بأي قدرة استطاع هذا الذي أوتي علما من الكتاب أن ينقل هذا العرش من مكان إلى مكان بعيد في لحظة عين ؟، قضية خارجة عن المألوف، لكن في مقابل ذلك أيضا علينا أن نتحفظ فلا نشغل أنفسنا باتباع الأوهام، هنالك كرامات وهنالك أوهام كثير من الناس أغرقوا في قبول الأوهام واعتبروها من الدين حتى أنهم عدوا من لم يصدق بها هو ليس من الإسلام في شيء وتلك أوهام لم يدل دليل عليها،كثير من هذه الأوهام نحن تتبعناها وبحثنا عن أصولها ولم نجد لها أصلا قط هذه أوهام، فينبغي أن يفرق ما بين الكرامة وما بين الوهم، الأوهام الأمور التي لا يمكن أن يقبلها العقل، ... ليس العقل هو كل شيء، ما جاء النص دليلا عليه فإننا نأخذ به ولكن مع ذلك كثير من الأمور تتصادم حتى مع النصوص الشرعية تتصادم مع العقول الراسخة وتتصادم مع النصوص الشرعية علينا أن نرفض هذه ولا نتقبلها أبدا .
س: عن المرأة كيف لا تلاعن الزوج كما يلاعنها الرجل ؟ (1/27)
صفحة 28
ج: نعم هنالك فارق بين المرأة وبين الرجل لأن الرجل لا يحمل، ولو زنى لا يحمل، هو فلا يلحق بالمرأة نسب من قبل زوجها وليست منه في شيء، بخلاف الرجل فإنه يلاعن المرأة لأنه يلحقه من قبلها إذا زنت ما لا يلحقها من قبله إذا زنى فيلحقه نسب الولد الذي تأتي به، فعندما يكون من سفاح يلحق به من لم يكن منه هذا الفارق بين الرجل والمرأة .
س: كيف لنا أن نتعامل مع من يقف عائقا أمام نشر الدعوة في كثير من البلدان وذلك حسدا من هؤلاء وللأسف أن يصدر ذلك من الذين يدعون الاستقامة ؟ (1/28)
صفحة 29
ج: من يقف عائقا في طريق الدعوة لا يلتفت إليه ولا يعول عليه ولا يبالى بمخالفته إنما الدعوة فريضة واجبة على الأمة ولاسيما الذين آتاهم الله تبارك وتعالى العلم والمعرفة فهم مطالبون بأن يدعو إلى الله تعالى على بصيرة، أما الذين يقفون عائقا في هذا السبيل فهم إفراز طبيعي لاختلاف وجهات نظر الناس لا بد من أن يكون هناك اختلاف وجهات النظر، الناس بطبيعة الحال متفاوتون في أفكارهم ومتفاوتون في تصوراتهم ومتفاوتون في كثير من أمورهم والدعوة لا بد من أن يقف الكثير في سبيلها كما هو معلوم ولكن لا يبالى بمن يقف في سبيلها، في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقف في سبيل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا من هو مِن أقرب قرابته ومِن أخص خاصته عمه أبو لهب كان أول من تنكر لدعوته وقال له : " تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟" وتعلمون ما نزل فيه من الوعيد، كذلك كان غيره أيضا من عشيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - عشيرته هي التي وقفت في سبيل ..، يعني قريش هي التي وقفت في وجه الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هذا مما يدل على أن الدعوة لابد من أن تواجه صعوبات وتحديات، الله تبارك وتعالى آذن بذلك عندما قال : { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } والله تعالى عندما ذكر طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - وطريق أتباعه عندما قال : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } أتبع ذلك قوله : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل (1/29)
صفحة 30
شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فهكذا سنة الله تعالى في خلقه لابد من أن يكون هنالك تصادم ولابد من أن يقف أناس يحملون شعارات مختلفة في وجه الدعوة إلى الله .
س: سماحة الشيخ في ظل الأحداث التي تمر بها الأمة الإسلامية ما موقف الداعية أمام هذه الأحداث المتتابعة هل يكون عاطفيا تقذفه موجة وتتلقفه أخرى ما يلبث أن يثور حتى يخور ؟ أم أن هناك قاعدة صلبة يقف عليها الداعية المسلم وينطلق من مبادئ ثابتة يستمد منها أفكاره وتصوراته وأحكامه على هذه الأحداث ؟
ج: نعم ... ، هو على أي حال أي إنسان لابد له من عاطفة ، لكن لا يكون الاحتكام إلى العواطف، الاحتكام إلى العواطف هو نفسه خطأ الإنسان لا يحكم العاطفة، هنالك أولا قبل كل شيء هدى من الله هناك ..يعني.. كتاب من الله تبارك وتعالى منزل يجب أن يحتكم إليه الإنسان ثم إن الداعية مهما كان يحاول أن يستغل ما آتاه الله تبارك وتعالى من عقل ويحكم العقل في العاطفة لابد من تحكيم العقل حتى في دعوة الناس(1)، دعوة الداعية لا تعني أن يثير عواطفهم فتهيج هذه العواطف ثم بعد ذلك تخمد نارها بعدما تتقد ، لا ، وإنما يؤمر أن يخاطب عقلهم ويعرض الفكر الصحيح على العقل فيتقبله العقل حتى تتفاعل هذه الدعوة مع عقول الناس وتظل راسخة في نفوس هؤلاء المدعوين فيتحولوا بسبب رسوخ معاني هذه الدعوة في نفوسهم من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح .
الداعية عليه ألا يكون عاطفيا إذ لا ريب أن العاطفة لا يمكن أن يتخلى عنها أي أحد ولكن مع هذا.. الداعية عليه أن يراعي الجانب العقلي أكثر مما يراعي الجانب العاطفي .
س: كيف يتم التعامل مع المناهج المستوردة إلى البلاد الإسلامية ؟
والسؤال الثاني كيف تتم مواجهة الغزو الإعلامي الموجه إلى البلاد الإسلامية ؟
__________
(1) -قال الشيخ هنا: " حتى في الدعوة إلى الناس " ويبدو أنّ هذا سبق لسان منه. (1/30)
صفحة 31
ج : المناهج المستوردة ، على أي حال نحن عندنا منهج لا نعدل عنه، عندنا كتاب من عند الله، عندنا هدي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا منهاج صحيح نسير عليه علينا ألا نتأثر بما يأتينا من هنا أو من هناك كل شيء يأتينا إنما يعرض على الكتاب العزيز وعلى الثابت من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما كان موافقا لهما أخذنا به لأن كتاب الله سبق إليه وهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبق إليه وما كان مخالفا لهما علينا أن نضرب به عرض الحائط وألا نبالي به ممن كان .
ولئن كان ما يأتي من قبل علماء المسلمين لا يمكن أن يقبل هكذا من غير نظر فيه ورد إلى الكتاب العزيز وإلى السنة النبوية كما يأمر الله تعالى بذلك عندما يقول : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } فكيف بما يأتينا من غير المسلمين، من باب أولى لا يمكن أن يقبل أي شيء عارض الكتاب وعارض السنة النبوية .
أما بالنسبة إلى الحملة الإعلامية فكل شيء يقابل بمثله الفكرة تقابل بالفكرة، الكلمة تقابل بالكلمة، الخطة تقابل بالخطة، فعلى المسلمين ألا يتقاعسوا وألا يتوانوا في مواجهة هذه التحديات بمثل سلاحها والله تعالى ولي التوفيق ونسأله أن يعز الإسلام والمسلمين إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وشكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . (1/31)