صفحة 1
الكتاب: عظمة العلم لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] محاضرة
عظمة العلم
لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وسع كل شيءٍ علماً، وأوسع كل حادثٍ حكماً،سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم. أحمده تعالى بما هو له أهلٌ من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدّر فهدى وله الآخرة والأولى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى خلقه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة، صلى الله وسلم تسليماً عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد،،، فإني أحيي من حضر هنا من المشايخ الأجلاء حملة العلم ومن الأبناء الأعزة طلبة العلم بتحية الإسلام الخالدة، فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته... (1/1)
صفحة 2
وإنها لفرصة أن أتشرّف بالاجتماع بكم في مطلع هذا العام الدراسي وفي هذا الصرح العلمي، في هذا المكان الذي تنبع من بين جنباته ينابيع الحكم التي تفيض بها أفواه مشائخ العلم فتروى به القلوب الظامئة من طلبة العلم الأعزة الكرام المسافرين على الخير. وكم أتمنى ولو أني كنت في بداية سير الحياة لأتشرف في القعود هنا على مقاعد الطلبة لأستفيد بعض ما يستفيده غيري من هذه الحكم ومن هذه العلوم وأستنير بهذه الأفكار النيرة وإنما قاطرة الزمن قد مشت بي مشياً حثيثاً، ومع سير الزمان لا يمكن للإنسان أن يظفر بكل أمانيّه التي ربما كان يظفر بها لو كان في بداية الطريق. أما ما سمعتموه من أوصاف وُصفت بها وأُلبستها على رغمٍ مني ولست بأهلها فإن ذلك مما يسوء نفسي إذ أنا جديرٌ بأن أكون طالب علمٍ صغير لا أن أكون من بين مشائخ العلم فضلاً عن أن أُرفع إلى تلك المنزلة التي رُفعتها، فأستغفر الله من ذلك، وأقول كما قال الصدّيق – رضي الله تعالى عنه - : ( اللهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون ).وإني لأهنئكم جميعاً بمطلع هذا العام الدراسي بهذه الفترة الزمنية التي يبدأ فيها الجهاد، جهاد الدارسين والمدرسين..جهاد المدرسين بالتحضير والتلقين، وجهاد الدارسين بالتلقي والتحصيل. فأسأل الله أن يكون عام خير، وأن يجعلنا جميعاً من المستفيدين فيه وأن يلهمنا رشدنا جميعاً. (1/2)
صفحة 3
ولا شك أن طلبة العلم هم أجدر ما يكونون بمعرفة قيمته، فقيمة العلم قيمة عالية في موازين الإسلام، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان خلقاً عجيباً يختلف عن خلق بقية مخلوقاته ومن أجل ذلك كان العلم ضرورياً بالنسبة لحياة الإنسان، فإن الإنسان يتعامل مع هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف وبسبب تعامله مع هذا الكون لا بد أن يكون على خبرةٍ من أمره وبينةٍ من ربه، فإن الكون هو خلق الله فهو ملك الله سبحانه وتعالى، والمنافع التي فيه إمتنّ بها الله سبحانه وتعالى فسخرها لهذا الإنسان، فجديرٌ بالإنسان أن يعرف هذه الكائنات وطبائعها وخواصها وطريقة التعامل معها، كما أنه جديرٌ بأن يعرف حكم ما يتعامل معه من ضرورات حياته في هذا الكون. (1/3)
صفحة 4
وقد اختار الله الإنسان من بين سائر الخلق لأن يكون خليفةً في هذه الأرض التي هي مركزٌ لهذا الكون في الحقيقة نظراً للترابط العجيب بين أرجاء الكون وبين هذه الأرض، وعندما خاطب الله سبحانه وتعالى الإنسان بأن يعبده ذكره بنعمة خلقه وذكره بنعمة خلق أصوله وذكره بنعمة خلق هذه الأرض على طبيعتها التي هي في الحقيقة منسجمةٌ مع وضع الإنسان وطبيعته، وذكره بخلق هذا الكون الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الأرض، وذلك عندما قال سبحانه: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون * ". ثم عجّب من شأن أولئك الذين يتصاممون عن هذا النداء الذي هو في الحقيقة نداء الفطرة ويستجيبون لداعي الشيطان فيكفرون بالرحيم الرحمن معرضين عن حكمه غير لاوين على شيءٍ مما سخره لهم وأعطاه إياهم مما ينادي بوجوب طاعته والانقياد لأمره والتزام عبادته عندما قال تعالى : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون * هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماواتٍ وهو بكل شيءٍ عليم * ". (1/4)
صفحة 5
وعندما أراد الله سبحانه تكريم هذا الإنسان بإيلائه هذا المنصب الرفيع، منصب الخلافة في هذه الأرض، آذن الملأ الأعلى بهذا الحدث التأريخي، والله تعالى يقص علينا نبأ ذلك عندما قال : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون * ". في تضاعيف هذه القصة ما يكشف أولاً قيمة هذا الإنسان الذي اختاره الله تعالى لهذا المنصب لما علمه من الخواص التي أودعها فيه سبحانه، وآذن بذلك الملأ الأعلى، فكان من سؤال الملأ الأعلى ما كان وكان من جواب الحق تعالى ما كان، ثم أراد الله سبحانه أن يبين قيمة هذا الإنسان من بين خلقه عند الملأ الأعلى فاختبرهم بما اختبرهم به، ثم وجّه هذا الاختبار إلى الإنسان فنجح فيه وعندئذٍ أمر الله سبحانه وتعالى الملأ الأعلى للسجود لهذا الإنسان بعدما تبينت مكانته وعُرفت منزلته ونجح في اختباره وكان أساس هذا الاختبار العلم، فإذن خلافة الإنسان إنما تقوم على العلم. (1/5)
صفحة 6
وعندما أراد الله سبحانه وتعالى بعد تطاول الحدود ومرور الأحقاب والناس في ظلمات بعضها فوق بعض أن ينير لهم السبيل ويبين لهم الدليل أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على فترةٍ من الرسل، وكانت رسالته عليه أفضل الصلاة والسلام رسالة علم، فإن الله سبحانه ناداه أول ما ناداه بقوله: " إقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علقٍ * إقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم * ". كانت الكلمة التي افتُتتح بها الوحي الشريف كلمة "اقرأ"، وهي ذات مدلولٍ واسع وأبعادٍ مترامية الأطراف، فإن الله سبحانه وتعالى اختصها من بين الكلمات التي تدنو من معناها لأن تكون فاتحة هذا الوحي، لم يقل لرسوله صلى الله عليه وسلم ( افهم )، ولم يقل له ( اعلم ) ولم يقل له ( أدرك ) ولم يقل له ( اطّلع ) ولم يقل له أي شيءٍ آخر من هذه الألفاظ وإنما قال له ( اقرأ). والنبي صلى الله عليه وسلم كان أُمّيّاً ما كان يتلو من كتابٍ ولا يخطه بيمينه، وإنما في هذا النداء الموجّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيهٌ لهذه الأمة بأن العهد الجديد إنما جاء لطي سجات الجهل ولنشر أنوار المعرفة، فالعهد عهد علم، علمٌ يُتوصل إليه بالجهد والدأب والطلب والتحصيل لا يُتوصل إليه بمجرد الإلهام الفطري، ولذلك قال الله تعالى للنبي الأمي : " اقرأ"، والقراءة إنما هي في الأصل قراءة ما يُكتب عادة، فإذن جاء هذا النبي برسالة تُكتب وتُدوّن، وجاء بعهد جديد، هذا العهد تُنشر فيه أنوار المعرفة بين الناس، وتقوم الجهود المتضافرة على تحصيل العلم وتدوينه ونشره بين الناس، ومن أجل ذلك أتبع الله سبحانه وتعالى بعد هذا الأمر الأمرَ بالقراءة مرة أخرى مع التذكير بمبدأ خلق الإنسان ومع الإمتنان بتعليمه بالقلم وتعليمه ما لم يعلم. (1/6)
صفحة 7
فالعلم الذي جاءت به هذه الرسالة علمٌ يقوم على الطلب وبذل الجهد، على يقوم على عرق الجبين وسهر الليالي وعدم الاعتماد على مجرد الإلهام الفطري. هذا العلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنشره بين أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فكانوا خير أمةٍ أخرجت للناس حملوا إلى العالم المتمدن في ذلك الوقت رسالة الرحمة والمبادئ الإنسانية بعدما كانت الإنسانية تعاني ما تعانيه من شقاقٍ واختلاف ومن سطو القوي على الضعيف ومن التهام الكبير للصغير كما هو شأن البهائم العجماء..كانت الإنسانية تعاني من الويلات في ظل الحضارات الإنسانية المختلفة ولم تكن تلك الحضارات لتجدي شيئاً لأنها قامت على أسسٍ مادية ولم تكن على صلةٍ بتعاليم الحق سبحانه وتعالى التي أنزلها على رسله.وقد غاضت ينابيع الهداية التي تدفقت من الرسالات السابقة فبعُد الناس عن الرشد وضلوا طريق القصد وبعدوا عن سواء الصراط فارتكسوا في أوحال الضلالات المختلفة، ضلوا في تشخيص العبادة التي يتقربون بها إلى المعبود، وضلوا في تعيين المعبود نفسه فعبدوا آلهةً أخرى متعددةً من دون الله، وتعالى الإنسان على الإنسان حتى جعل من نفسه إلهاً يُعبد وظلت الإنسانية تركع أمام إنسانٍ مثلها كما حصل ذلك في الإمبراطوريتين الكبريين: الإمبراطورية القيصرية والإمبراطورية الكسروية، بحيث كان الأباطرة في مستوى الآلهة التي تُعبد، ولا دليل أدل على ذلك من ذلك النشيد الذي كان يرتّل باللغة الفارسية تمجيداً لإمبراطور فارس الذي يقول في وصفه: ( في الآلهة إنسانٌ غير فانٍ وفي الناس إلهٌ ليس له ثان ارتفع اسمه وتعالى مجده يطلع مع الشمس بضيائه وينير الليالي المظلمة بنوره ). (1/7)
صفحة 8
والناس الذين كانوا يعيشون في جزيرة العرب التي هي بعيدة عن سلطات هاتين الإمبراطوريتين لم يكونوا بأحسن وضعٍ من غيرهم، فقد كان بينهم السطو والنهب والإذلال والقهر والحرمان بسبب انحسار مبادئ الحق وانقلاب المقاييس وتبدل الموازين وتحول الأعراب، فأصبح الحق عندهم باطلاً والباطل حقاً والقوةُ ضعفاً والضعف قوةً والذلةُ عزةً والعزةُ ذلةً، وهكذا كانت الأوضاع منقلبة على رؤوسها في جزيرة العرب التي بُعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي العالم بأسره. (1/8)
صفحة 9
وقد تفشت الأمّيّة في الجزيرة العربية التي بُعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الحياة فيها حياة بدائية إذ لم تكن العرب تعرف من الحضارة إلا طعم الماء البارد وإلا الاستظلال بظل الخيام أوالأشجار من بعد عن لفح الصيف في أيام شدة القيظ. هكذا كانت الأوضاع في هذه الجزيرة العربية. وإذا بالرسول النبي الأمي ينفخ روح العلم بين هؤلاء الأميين، وإذا بهم فجأة يتحولون من الجهل إلى العلم ويتحولون من التشتت إلى الاجتماع ويتحولون من الحيرة إلى البصيرة، فاجتمع شتات هذا العدد المتناثر من العرب وانتظموا جميعاً في سلك العقيدة الحقة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنارت بصائرهم بنور العلم والمعرفة، فخرجوا في أصقاع الأرض ينشرون مبادئ الرحمة بين الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، يدعون إلى سواء الصراط، لم يكن همهم ما ينالونه من الغنائم المادية إذ الدنيا عندهم لا تساوي شيئاً بل تساوى في موازينهم تبرها وترابها كما تساوى في نفوسهم عذبها وعذابها، فكانوا يهدفون إلى إقامة الحق في الأرض، كل همهم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك قال قائلهم عندما قيل لهم ما الذي جاء بكم؟: ( إن الله قد بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ).فذاقت الإنسانية طعم العدل وعرفت قيمة حياتها وأدركت أسرار خلقها بإجشار هذا النور على أيدي أولئك الأميين في أصقاع الأرض. أولئك قومٌ رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا القرآن الذي أُنزل عليه، فكان القرآن يتمثل في كل جزئية من جزئيات حياتهم فضلاً عن كلياتها، لأن خلقهم كان انعكاساً لخلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلق النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- كان القرآن. (1/9)
صفحة 10
فإذا بهؤلاء الذين كانوا أميين يتحول كل واحد منهم إلى قرآن يمشي على الأرض، تتجسد هداية القرآن في جميع تصرفاتهم وأعمالهم..في أخذهم وعطائهم..في ردهم وقبولهم..في إقدامهم وإحجامهم..في سرهم وجرهم..في غضبهم ورضاهم..في جميع أحوالهم ما كانوا ينأون في أي شيءٍ عن هداية القرآن. وقد صدق من وصفهم من أعدائهم بقوله: ( هم رهبانٌ بالليل وفرسانٌ بالنهار لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه )، وكما قال الآخر أيضاً من أعدائهم الذين واجهوهم في ميادين المعركة: ( أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان يريشون النبل ويروونها ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر ).
هذه هي صفات الجيل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم على القرآن. كانت جواهر الحكم تتناثر من أفواههم، عندما ينطقون كانت كلماتهم تخرج من أفواههم جامعةً بين لألاء النور ولهيب النار، كانت كالنار في قلوب أعدائهم وكانت كالنور بالنسبة إلى الذين يريدون أن يهتدوا بهداها، وكانوا عندما يصمتون لا يصمتون عن عيٍّ وحصر ولكنها العبرة والذكرى وعندما ينطقون لا ينطقون بثرثرة وإنما ينطقون بحكمة، أولئك هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه بقوله: " محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً ". (1/10)
صفحة 11
على أن جُل أولئك القوم الذين رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا عندما انضموا إلى لواء النبي صلى الله عليه وسلم وتحت كنفه في سن الشباب، فإن الشباب دائماً هم المُستهدفون من قبل دعاة الخير ودعاة الشر، فدعاة الشر يريدون أن يجروا الشباب إلى صفوفهم ودعاة الخير كذلك يريدون أن يجروا الشباب إلى صفوفهم لأن مرحلة الشباب هي مرحلة القوة والفتوة التي تنضح بالفتوة وتتدفق بالطموحات المختلفة. على أن الشيب دائماً يكونون أصلب عوداً فقلما يتأثرون بدعوات الخير إن كانوا ألفوا الشر وقلما يتأثرون بدعوات الشر إن كانوا ألفوا الخير. (1/11)
صفحة 12
والرسول صلى الله عليه وسلم استجاب له الشباب، فهم الذين انضموا إلى لوائه صلى الله عليه وسلم ودخلوا تحت كنفه، ولكنه عليه أفضل الصلاة والسلام ربى أولئك الشباب على الطموح إلى معالي الأمور ولم يربهم على سفاسف الأمور، كيف وهو – صلى الله عليه وسلم – جاء رحمةً للعالمين، وقد اختار الله تعالى أولئك الفتية الذين التفوا من حوله لأن يكونوا هم حملة هذه الهداية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العالم؛ فكانت ألسنتهم الطرية هي وسائل الإعلام لهذا الدين وهذه الدعوة، وكانت سواعدهم القوية هي التي بنت صرح هذا الدين ورفعت دعائمه إلى الأوج الشامخ، "كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * "، فكان نهارهم جهاداً وصياماً، وكان ليلهم تهجداً وقياماً، لم يكونوا يسارعون إلى الشهوات وينغمسون في الموبقات وإنما أدركوا قيمة الشباب وعرفوه بأنه المرحلة الذهبية من العمر التي تتميز بالطموحات المختلفة، فكانت طموحاتهم نحو الخير وسخروا جميع قوى شبابهم لأجل خدمة هذا الدين الحنيف، فانطلقوا في أرجاء الأرض كالسيل الأتيّ الذي يغمر الأرض ليخصبها بعد جدبها وليكسوها خضرةً بعد اغبرارها. هكذا كان شأن أولئك الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين حملوا أمانة هذا العلم، وأدوها إلى من بعدهم، إلى الجيل الذي بعدهم، تصديقاً لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغاوين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين )). (1/12)
صفحة 13
واستنارت البصائر بهذا النور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن من المعالم البارزة في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تميزها من بين سائر الرسالات بكون إعجازها يكمن في جوهرها، فإعجاز هذه الرسالة يكمن في القرآن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن وجوه إعجاز هذا القرآن الذي نزل على قلب النبي محمدٍ عليه أفضل الصلاة والسلام الإعجاز العلمي الذي حيّر علماء هذا العصر تصديقاً لقول الله تعالى : " قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاقٍ بعيدٍ * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيد * ألا إنهم في مريةٍ من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيءٍ محيط * ".
وهذا يعني أن هذه الأمة عليها أن تضطلع بالعلوم الإنسانية المختلفة، فإن العلوم البشرية إن لم تكن في يدٍ أمينةٍ تعرف كيف تتصرف فيها وتعرف كيف تقدم بها وكيف تحجم بها لا بد من أن تكون وبالاً على الإنسانية كما هو الواقع في عالم اليوم، فعندما تأخر المسلمون وتقهقروا بسبب بعدهم عن دينهم وبسبب تسليمهم الزمام إلى أيدي أعدائهم أخذت بزمام القافلة البشرية أعلامُ الجاهلية الحديثة، فاقتادوا هذه القافلة إلى مهاوي الهلاك – والعياذ بالله – والمسلمون من ضمن الركب لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً. فالأمة الإسلامية عليها أن تضطلع بالعلوم المختلفة سواءً كانت هذه العلوم علوماً دنيوية أو كانت هذه العلوم علوماً دينية على أن تكون الدنيا مسخرةً للدين ومضبوطةً بضوابطه ومقيدةً بأحكامه، فإن هذه الدنيا إن لم تكن مقيدةً بقيود الدين ومضبوطةً بضوابطه هي – والعياذ بالله – مرتعٌ وخيم وهي مرعىً وبيء، ومن أجل ذلك وقع الناس فيما وقعوا فيه من المهالك بسبب عدم انضباطهم في حياتهم الدنيا بما تفرضه الشريعة الإسلامية الحقة المنزلة من عند الله من ضوابط تُقيد بها تحركات الإنسان في حياته هذه. (1/13)
صفحة 14
وإذا كانت العلوم على اختلافها ذات أثر بالغ في حياة الإنسان لأن الإنسان حياته مرهونة بالعلم ولأنه في جميع تقلباته وفي جميع أطواره هو بحاجة إلى العلم، فإن مقياس قيمة العلوم عطاؤها لهذا الإنسان وتأثيرها في حياته النفسية والاجتماعية. ولا ريب أن العلوم الشرعية بجميع فنونها هي أعمق أثراً وأغزر عطاءً وأعم فائدة لعظم الحاجة إليها، ومن هنا كانت الحاجة لِأن يتزود كل أحد من هذه الأمة بما يبصره بأمر دينه من علوم شرع الله تعالى، فإن كل أحدٍ مطالبٌ بأن يعبد الله على بصيرة وكل أحدٍ مطالبٌ بأن يتقيد في تصرفاته وأعماله بحكم شرع الله سبحانه، فإن الأرض التي هي قرار الإنسان هي أرض الله وهي جزءٌ من مملكته، وما سُخر للإنسان من منافعها إنما هو ملك الله ليس للإنسان أن يتصرف في هذه المنافع وفق ما يقتضيه هواه وإنما عليه أن يتصرف بحسب ما يقتضيه حكم الله تعالى، والإنسان مؤتمن في هذه الأرض ومستخلفٌ فيها من قبل الله عز وجل، والخليفة ليس أصيلاً فما عليه إلا أن يتصرف وفق تعاليم مُستخلفه وهو الله سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى. على أنه سبحانه لم يترك الناس في حيرةٍ من أمرهم، بل أنزل إليهم ما يبصرهم بما يأتون وما يذرون، فهذا كتاب الله سبحانه وتعالى هو الموجّه لهذه الإنسانية إلى سواء الصراط ، يقول الله تعالى فيه: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً * "، ويقول الله تبارك وتعالى: " كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ويقول سبحانه وتعالى: " وكذلك أنزلناه حكماً عربياً "، ويقول تبارك وتعالى في هذا الكتاب الكريم: " هدىً للمتقين "، ويقول: " هدىً ورحمةً للمحسنين "، ويقول : " هدىً وبشرى للمؤمنين "، فالقرآن الكريم كله هداية. (1/14)
صفحة 15
وقد جاءت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم مفصلة لمجملات هذا الكتاب ومبينة لمبهماته، فلا بد من استلهام تفسيره واستبيان معانيه من خلال دراسة السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وهذا يعني أن طلبة علم الشريعة عليهم أن يتضلعوا بعلوم القرآن وعليهم أن يتبصروا في تفسيره مقتبسين معانيه من إيضاح الرسول صلى الله عليه وسلم، وعليهم أن يستبصروا في حياتهم بهدي القرآن وهدي رسوله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام مع دراسة العلوم المختلفة التي تُعد وسائل لإيصال الإنسان إلى هذا العلم. وإذا كان الناس مع اختلاف تخصصاتهم العلمية واختصاصاتهم العملية بحاجةٍ إلى أن يتعلموا من علم الشرع ما ينير لهم السبيل ويعرفهم بما يأتون وما يذرون فإنه لا بد بأن تكون هنالك طائفة تتخصص في العلوم الشرعية على اختلافها لتحمل مشعل الهداية إلى الناس ولتبصر الناس بما يأتون وما يذرون، هذه الطائفة هي التي يشير إليها كتاب الله عندما قال سبحانه: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ". (1/15)
صفحة 16
على أن هذه الدراسة يجب أن لا تكون محصورة فيما يسمى بعلم الفقه وأصول الفقه وأصول الدين وعلم التفسير وعلم الحديث ومصطلحه، بل لا بد أيضاً من فهم اللغة التي اختارها الله تعالى لأن تكون وعاءً للقرآن، واختارها الله سبحانه لأن تكون وعاءً لسنة الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وهي اللغة العربية بآدابها وفنونها فإن هذه اللغة هي لغة الدين؛ وقد قلت غير مرة بأن هذه اللغة ليست حكراً على العرب وحدهم فإنها لغة جميع المسلمين من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب..نعم كانت لغة العرب وحدهم عندما كانت هذه اللغة خاصة بالعرب قبل أن ينزل بها القرآن على قلب النبي محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، أما بعدما نزل بها القرآن فصارت وعاءً لكلام الله وخاطب الله سبحانه وتعالى بها عباده إذ عرفهم بأحكامه وعرّفهم بأوامره نواهيه وعرّفهم بما شاء أن يعرّفهم به من علم الغيب من خلال هذه اللغة، صارت لغة عامة غير خاصةٍ بالعرب؛ ثم إن الناس أيضاً يخاطبون الله تعالى بهذه اللغة في عباداتهم وفي أذكارهم وفي دعائهم، فعندما يمثلون بين يديه – تعالى – يقولون له: " إياك نعبد وإياك نستعين ". وقد قلت في المؤتمرات والملتقيات غير مرةٍ إنه من العار أن يتقن المسلم لغة المستعمر الذي غزاه وجاء لاستعباده واستذلاله ولا يتقن مع ذلك لغة القرآن التي خاطبه الله تعالى بها والتي يخاطب الله سبحانه وتعالى بها في صلواته وأذكاره ودعائه، فإنه ليجدر بكل مسلم أن يحرص على دراسة هذه اللغة. (1/16)
صفحة 17
على أن اللغة العربية يجب أن تكون وسيلة التفاهم بين المسلمين جميعاً في جميع أصقاع الأرض، وهذا ما ينافي أن يحرص كل قومٍ على لغتهم القومية بجانب هذه اللغة، إذ لو تمسك كل أحد بلغته القومية ونبذ هذه اللغة التي نزل بها القرآن على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لعادت القطيعة بين الناس، إذ لا يمكن أن يتنازل أحدٌ منهم عن لغته لأجل لغة غيره، أما إن كان التقاؤهم على لغة القرآن فلا ريب أنهم جميعاً لا بد من أن يكونوا راضين بذلك إذ هي اللغة التي شرّفهم الله سبحانه وتعالى بأن خاطبهم بها وشرّفهم الله عز وجل بأن أمرهم بأن يخاطبوه بها. وأنتم تدركون كيف تبحّر العجم في هذه اللغة وكيف بحثوا عن علومها وفنونها وغاصوا في أعماقها فولّدوا من الفنون ما لم يكن معروفاً لأجل حرصهم على معرفتها، وقد كانوا يباهون بها، فالزمخشري يحمد الله تبارك وتعالى على أن شرّفه بأن جعله من علماء العربية كما جاء ذلك في مقدمة كتابه المفصّل؛ وسيبويه والكسائي والفرّاء وغيرهم من علماء العربية قد كانوا عجماً ولكنهم مع ذلك حرصوا على هذه اللغة وصاروا أشد غيرة عليها من العرب أنفسهم لأنهم أدركوا قيمتها. وإن مما يدعو إلى الاعتزاز أن نجد رجلاً أفريقياً قبل نحو أربعة عشر عاماً من الآن يبز بلاغة العرب في لغتهم، ففي مطلع القرن الخامس عشر الهجري ونهاية القرن الرابع عشر عقد القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية مسابقة ما بين الشعراء في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم باللغة العربية، فكان الفائز الأول الذي تقدم على ألف ومئتين (1200) من الشعراء الذين اشتركوا في هذه المسابقة رجلاً أفريقياً من السنغال، وهو الشاعر عبد الله با الذي نظم قصيدته وافتتحها بقوله:
هجرت بطاح مكة والهضابا...........وودّعت المنازل والرحابا
تخذت من الدجى يا بدرُ ستراً..........ومن رهبوت حلكته ثيابا (1/17)
صفحة 18
ووصف هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بأبلغ عبارة بهذه اللغة العربية الفصيحة من غير أن يشوب صفاءها شيءٌ من اللكنة الأعجمية، كل ذلك دليل على أن هذه اللغة هي لغة المسلمين جميعاً وليست حكراً على العرب وحدهم.
فلا بد لطالب الشريعة من أن يحرص على دراسة هذه اللغة ودرسة فنونها ومصطلحاتها وإلا كيف يتأتّى له أن يفهم كلام الله وأن يفهم كلام رسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي هو أفصح العرب والعجم جميعاً؟!! (1/18)
صفحة 19
ومع هذه الدراسة للغة العربية وللعلوم الشرعية فإنه أيضاً مما يجب أن لا يعزب عن ذهن طالب العلوم الشرعية أنه حريٌ بأن يكون عارفاً بأوضاع عصره وأن يكون مدركاً للتطورات التي يفرزها التقدم الحضاري في هذا العصر حتى يكون عنده استعدادٌ لمواجهة هذه التطورات، فإن الإنسانية كلها اليوم بحاجةٍ إلى الحلول التي تنبع من الشريعة الإسلامية وبحاجة إلى هذا النور الذي يسطع عليها من أفق هذه الشريعة ليبدد هذه الظلمات المتراكمة عليها، فالإنسانية أدركت الآن إفلاس القيم المادية على اختلافها، وأدركت أنه لا بد من أن تكون هنالك قيادة جديدة. بيد من تكون هذه القيادة إن لم تكن هذه القيادة بأيدي المسلمين العارفين بالإسلام العاملين من أجل الإسلام، فلا بد من يرتكس العالم ارتكاسةً جديدة كما ارتكس من قبل. وهذه كارثة، فمنا هنا كان الواجب على المسلمين أن يحيطوا علماً بمجريات الأحداث في العالم. فقد قلت لكم بأن الرسالة التي بُعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت رسالة تؤذن الناس بعالميتها من أول الأمر. (1/19)
صفحة 20
منذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة وهو يعاني ما يعانيه من تحديات الجاهلية ويعاني أصحابه رضي الله تعالى عنهم الذين كانوا قلة من هذه التحديات، يتجرعون الغصص ويكابدون الويلات بسبب حقد الجاهلية عليهم، ومع ذلك كان القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم بما يؤذن أن هذه الدعوة دعوة عالمية، ليست دعوة إقليمية وليست دعوة قومية وليست دعوة محصورة في طائفة من الناس دون غيرهم، فالله سبحانه وتعالى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر المؤمنين الذين كانوا قلة في ذلك الوقت بما كان يدور في العالم المتحضر من صراعٍ على السلطة وعلى البقاء بين دولتين كبريين، إذ أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في العام الخامس من بعثته عليه أفضل الصلاة والسلام قوله: " بسم الله الرحمن الرحيم * ألم *غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون * بنصر الله "، ما كان الداعي لأن ينزل قرآنٌ يُتلى في الصلوات وفي غيرها ويُدوّن في المصاحف إلى أن يرث الأرضَ خالقُها؟!! ما كان الداعي لإنزال هذا القرآن بهذه الحالة ليخبر الناس بما يجري بين دولتين كافرتين في ذلك الوقت لولا أن هذه الدعوة دعوة عالمية وأن الله تعالى يريد أن يُفتِّح أذهان المسلمين لإدراك ما عسى أن يضطلعوا به من قيادة الإنسانية. هكذا كان القرآن الكريم يربي هذه الأمة من أول وهلة، فالانطواء وعدم فهم ما يجري في العالم وعدم تتبع الأحداث كل ذلك ليس من شأن المسلم القوي الذي يحب أن تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، الذي يريد أن تسود كلمة الحق وأن تخمد كلمة الباطل. (1/20)
صفحة 21
ومع ذلك كله فإن هذا العلم الي يُتَعلَّم يجب أن ندرك جميعاً أنه ليس نظريات وإنما هو منهج تربوي، منهجٌ رباني يجب عليه الإنسان؛ فالعلم الشرعي ليس هو مسائل يتعلمها الإنسان ليتقن حفظها وفهمها فحسب، وإنما هو منهج رباني يجب أن يعيش الإنسان عليه وأن يموت عليه، والله سبحانه وتعالى قد نعى على أهل الكتاب أنهم لم يتحملوا أمانته بحق عندما قال: " مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ". (1/21)
صفحة 22
هذا المثل كما انطبق على أهل الكتاب ينطبق على هذه الأمة إن لم تتحمّل أمانة القرآن بحق وإن لم يكن هذا القرآن يتمثل واضحاً جلياً في تصرفاتها وفي أعمالها؛ ومن هنا كان الواجب على طالب العلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى وأن يخلص له عمله وأن يخلص له طلبه للعلم وأن يعيش ما بين زملائه وما بين إخوانه وفي مجتمعه وما بين أمته مشعل هداية يرى الناسُ الحق ماثلاً في سلوكه ويدعو الناس إلى الحق بأعماله أكثر مما يدعوهم بأقواله، وهكذا كان السلف الصالح، فالذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مائدة القرآن إنما كانوا يتمثلون هذا القرآن، كانوا أحرص ما يكونون على تجسيد تعاليمه وقيمه وترجمة هدايته ومراشده في كل تصرفاتهم وفي كل أعمالهم، فلذلك انساق الناس إلى اعتناق هذا الدين ودخلوا فيه أفواجاً بقناعتهم بأن هذا الدين الذي شاهدوه في سلوك الدعاة إليه هو الحق المبين، والذين دخلوا في هذا الدين معظمهم ما كانوا يحسنون لغة القرآن التي كان ينطق بها أولئك الدعاة وأولئك الدعاة ما كانوا يحسنون لغة أولئك المدعوين، ولكن كان سلوك الدعاة ذا أثر بالغ في نفوس الناس، فتسابق الناس إلى اتباع هذا الدين ودخلوا فيه أفواجاً بمشيئة الله سبحانه وتعالى، مع أن ذلك العهد كما تعلمون جميعاً لم تكن تتوفر فيه الوسائل التي تتوفر في عصرنا هذا، لم تكن تتوفر فيه وسائل الإعلام التي تتوفر في هذا العصر وإنما كانت وسيلة الإعلام الكلمة وحدها ولكن الكلمة كانت تنبع من أعماق النفس فلا تقف حتى تغوص في أعماق النفس أيضاً؛ وما كانت عندهم وسائل مواصلات التي هي متوفرة في هذا الوقت وإنما كانت وسائل بدائية إما أن يكونوا مشاةً على الأقدام وإما أن يكونوا ركباناً على ظهور الدواب وإما أن يكونوا ركاباً على ألواح البحر، هكذا كانوا يكابدون غصص الحياة في ذلك الوقت ويعانون شدائدها ومع ذلك نشروا كلمة الله في أصقاع الأرض، وكانوا كما يقول نابليون القائد (1/22)
صفحة 23
الفرنسي الشهير: ( لقد افتتح العرب نصف الكرة الأرضية في نصف قرنٍ من الزمان ). هذا أمرٌ يحير الألباب، ولكن الذي يدرك السر يعرف أبعاده ويكشف طواياه، فالسر إنما يكمن في اتباع أولئك الناس الذين كانوا دعاة وكانوا فاتحين لتعاليم الحق، فالناس كانوا ظامئين بفطرتهم إلى مثل هذه التعاليم وأدركوا بغيتهم من خلال اتصالهم بهؤلاء الدعاة واتصال الدعاة بهم ورأوا الحق ماثلاً في سلوك الدعاة.
ومن هنا كان الواجب على طالب العلم قبل كل شيء أن يكون حسن الأخلاق في تعامله مع مدرسه، وأن يكون حسن الأخلاق في تعامله مع إخوانه وزملائه الطلبة فلا يستعلي الكبير على الصغير ولا يحتقر الفاهم غير الفاهم ولا يحتقر الذكيُ الغبي، وإنما يحرص على تعليمه ويحرص على مساعدته في المذاكرة ويحرص على إرشاده بحسب ما يمكنه، على الجميع أن يكونوا إخواناً كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى له عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )). وإذا كان هذا فيما بين المؤمنين جميعاً مع بعد فناء ديارهم ومع عدم اجتماعهم جميعاً في مكانٍ واحد فكيف إخوانٍ زملاء في طلب العلم، كيف لا يكونون متعاونين على الخير يحرص كبيرهم على إرشاد صغيرهم ويحرص ذكيهم على تنبيه غبيهم حتى يكونوا جميعاً في الرشد وفي الخير سواء؟!! على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ))، فمحبة الخير للأخ إنما هي من معالم الإيمان وهي دليل لاتصال هذا المؤمن بربه سبحانه وتعالى، فإن الله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يكونوا متعاونين على الخير متآزرين عليه يشد بعضهم أزر بعض. (1/23)
صفحة 24
ومع حسن المعاملة المطلوبة فيما بين الطلبة أنفسهم يُطلب منهم أيضاً أن يحسنوا التعامل مع الآخرين، فإذا واجهوا العوام الذين لا يعرفون من أمر دينهم شيئاً لا يحتقروهم من أجل عاميّتهم وجهلهم بل عليهم أن يذكّروهم ويدركوا أن تعليم أولئك وإرشادهم ودعوتهم إلى الخير أمانةٌ في أعناقهم، وأن الله سبحانه وتعالى يسألهم عن ذلك يوم القيامة. (1/24)
صفحة 25
ثم أريد أن أعود مرةً أخرى إلى ما بدأته من قبل عندما قلت بأن في قول الحق سبحانه وتعالى: " إقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * " تذكيراً لهذه الأمة وتنبيهاً لها بأن هذه الرسالة هي رسالة علمٍ يُطلب ويُحصّل ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالقراءة عندما قال له : " اقرأ "، أريد أن أعود إلى ذلك مرةً أخرى فأقول إن وقت الطالب هي غنيمةٌ له فإن أضاعوا وقته فقد فرّط في غنيمته..فراغ الطالب غنيمة، فعلى الطالب أن يستغل وقته في المذاكرة؛ وقد سمعت أحد شيوخنا – رحمهم الله – يقول: إن طالب العلم كمثل الجمل يأكل بالنهار ويجترّ بالليل، فهو يحرص على أن يدرس في النهار ويحرص بعد ذلك على المذاكرة في الليل، لا يفرط في وقته ليلاً ولا نهاراً..ما تلقاه من العلم في نهاره يعود إليه في الليل ويحرص على مذاكرته ليرسخ في قرارة نفسه، فإن السلف يقولون: حرفٌ بقلبك خيرٌ من ألفٍ بكتبك..ويقول العلماء المعاصرون: حرفٌ برأسك خيرٌ من ألفٍ في كتاب. فحرص الإنسان على دراسة العلم في جميع أوقاته مع عدم التفريط في شيءٍ من هذه الأوقات مما لا بد منه لطالب العلم، وعلى طلبة العلم أن يدركوا أن المشائخ إنما عليهم أن يأخذوا بأيديهم إلى طريق العلم، فالمشائخ لا يلقنونهم كل شيءٍ، إنما المشائخ يلقنونهم ما قُرّر في الدراسة مما يتسع له الوقت، ولكن على طالب العلم بعد ذلك أن يجهد بنفسه، أن يجهد في المذاكرة، وأن يجهد في المطالعة، في مطالعة ما لم يتلقه من الشيخ؛ فالشيخ إنما يفتح له باب المطالعة من خلال تلقينه ما يلقّنُه في المادة التي يعلمه إياها، وليس على الشيخ أن يعلمه كل شيء، إنما الطالب يعتمد على اجتهاده..يعتمد على دأبه ..يعتمد على ذكائه الذي ينمّيه بكثرة الاجتهاد والسير قدماً في طريق تحصيل العلم. (1/25)
صفحة 26
فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لأن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يفهمنا ما لم نكن نفهم وأن يهدينا إلى الطريق الأقوم وأن يوفقنا للعمل بما نعلم، إنه بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نسألك ربنا أن تبدلنا بكل جهلٍ علما، وبكل غيٍ رشداً وبكل ضلالةٍ هدىً وأن تجعل لنا إلى كل خيرٍ سبيلا. اللهم علمنا ما لم نكن نعلم وفهمنا ما لم نكن نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم ووفقنا إلى العمل بما نعلم يا الله يا ذا الجلال والإكرام. اللهم آت أنفسنا تقواها وزكها أنت وليها ومولاها لك مماتها ومحياها أنت خير من زكاها، وصلى اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وشكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/26)