صفحة 1
الكتاب: قطوف اجتماعية لبدر العبري ج1
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) قطوف اجتماعية
الجزء الأول
إعداد
بدر بن سالم بن حمدان العبري
تقدمة
بعد مضي خمس سنوات (2006 – 2010م) رأيتُ – بعد حمد الله وتوفيقه – أن أجمع ماكتبته من الحصاد، وقد سبق أن جمّعته سابقا بشكل عام في أجزاء خمسة، وقد نشر العديد منها في جريدة عمان الغراء، بجانب طبعت منها بعض الكتب، فكان هذا الجمع على أربعة أقسام:
- قطوف فكرية (الجزء الأول).
- قطوف اجتماعية (الجزء الأول).
- قطوف فقهية (الجزء الأول).
- الدرر البهية في الخطب الجمعية (الجزء الثاني).
- مباحث متنوعة وضعت كل بحث على حدة وتمثلت في:
1 - التبغ غير المدخن بين الطب والدين. (مطبوع)
2 - لنحقق مقاصد الحج. (مطبوع)
3 - لماذا لا نحتفي بعيد الحبّ؟
4 - ميلاد خير الأنام أمن وسلام.
5 - الذبح في عيد الفطر ... رؤية شرعية (مطوية).
6 - زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص.
7 - ماذا يريدون من المرأة؟
8 - أدبية التعامل مع الهواتف النقالة.
9 - فلسفة الإخلاص في العمل.
10 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار.
11 - الأيمان والنذور ... فقه عملي بالصور.
12 - معا لنتعلم الصلاة (الجزء الأول).
13 - آداب الطريق بين التأصيل والتطبيق (مطبوع) وهو مختصر بحث آداب الطريق.
14 - آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي.
15 - الرسول الداعية.
16 - تأملات قرآنية (الجزء الأول).
17 - الغناء والمعازف بين الحلّ والتحريم.
18 - المشاركة في إعداد كتاب مجالس رمضان مع وعاظ دائرة الوعظ بالوزارة.
19 - المفطرات المعاصرة في الصيام (مطوية).
20 - المؤثرات العقليية ... رؤية قرآنية.
21 - المؤثرات العقلية ... أسباب وآثار (مطوية).
22 - الإمام الجويني في كتاب اللمع مقارنة بالمدارس الكلامية الإسلامية.
23 - قوانين الله في القرآن الكريم (الصفات الإيجابية والسلبية نموذجا).
24 - الأعمال الكاملة لبدر العبري (خمسة أجزاء إلى اليوم). (1/1)
صفحة 2
25 - تحقيق مخطوطة: غاية المطلوب في الأثر المنسوب للعلامة عامر بن خميس المالكي.
26 - تحقيق وترتيب مخطوطة الأجوبة النثرية للعلامة سيف بن حمد الأغبري.
والحمد لله رب العالمين
1431هـ / 2010
المسجد ودوره في الحياة
عندما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة كان أول عمل قام به بناء المسجد، وما هذا إلا لبناء مجتمع متكامل ينطلق من وحدة واحدة، فالنبي – عليه الصلاة والسلام – جعل من المسجد وحدة للمجتمع الجديد، وهو في حدّ ذاته يحتوي على مؤسسات عدّة يحتاج إليها المجتمع.
وإذا جئنا إلى مجتمعنا اليوم أصبحت المساجد عبارة – كما يصورها الإمام السالمي -رحمه الله تعالى – عبارة عن دكاكين، إذ أصبحت لا تلعب دورا في المجتمع، لغياب التوظيف المؤسسي لهذه المساجد، فأصبح كلّ واحد همّه أن يكون المسجد قريبا من بيته، ثمّ إذا جئت إلى المسجد تجده دار رهبنة لا أثر له في المجتمع.
من هنا لا بدّ من إحياء المسجد كما أراده الله – تعالى -، وأن يُوظف لخدمة المجتمع كما كان في عهده – عليه الصلاة والسلام -، ولعلي أتطرق في هذه المحاضرة إلى بعض الجوانب لتفعيل دور المسجد، ومنها:
1. الجانب المؤسسي: أيّ عمل لا ينبع من مؤسسة يعتبر عملا فرديا قد ينجح فترة من الزمن لكنه سرعان ما يكتب له الفناء، من هنا لا بدّ من تشكيل لجنة في كلّ مسجد، وتكون واضحة المعالم، تعمل على تفعيل دور المسجد ماديا ومعنويا، ويكون لها الحق في الفصل فيما يصلح المسجد. (1/2)
صفحة 3
2. الجانب التربوي والعلمي: فلا بدّ من إحياء المسجد علميا وتربويا، وهذا أولى من بذل المال في نقشه وتزيينه، ولو طلبنا مثلا من عشرة أشخاص في المسجد بالتناوب في نهاية كلّ شهر عشرةَ ريالات فقط، لتجّمع لدينا نهاية كلّ شهر مائة ريال، وبهذه المائة نوفر مدّرسا يعلم أصحاب المسجد كتاب الله – تعالى - والعلوم الشرعية للأولاد والآباء، وبذلك نحي المسجد علميا كما كان في عهد – عليه الصلاة والسلام -، إذ كانت الحلقات منتشرة في مسجده، وكان بنفسه يشرف على هذه الحلقات.
ولقد أعجبتُ أثناء زيارتي للبنان من آباء يحضرون حلقات تلاوة وتحفيظ القرآن مع أبنائهم، فيجتمع الصغار مع الكبار، في جو إيماني علمي بديع.
وعلى أئمة المساجد أن يتقو الله – تعالى – في هذه الوظيفة، وأن لا يكون دورهم مجرد صلاة وأذان؛ بل لا بدّ من تفعيل المسجد، ولو بإقامة درس يومي بعد العصر أو المغرب لمدة عشر دقائق، يفقهون الناس في أحكام دينهم، ولو بقراءة كتاب إن كانوا لا يستطيعون الإلقاء، كأن يقرأوا عليهم من كتاب تلقين الصبيان للسالمي، أو فتاوى سماحة الشيخ الخليلي وهذا لا يكلفهم شيئا.
1. الجانب الاجتماعي والتعاوني: وهذا لا بدّ من تفعيله، وذلك بتشكيل لجنة من أفاضل المسجد، يقومون بدراسة ميدانية لمعرفة الحالة الاجتماعية لأبناء الحي، ومن ثمّ توفير صندوق لجمع الزكوات والصدقات لمساعدة المحتاجين والمعوزين.
وحبّذا تفعيل الجانب الاجتماعي في تعميق الزيارات، والإصلاح بين المتخاصمين، وتأليف القلوب، وما شابه ذلك.
2. الجانب الترفيهي: وذلك بإقامة مسابقات ثقافية ورياضية، في جو اجتماعي بهيج، وحبّذا تنشيط دور مسرح وسينما المسجد، وإقامة مكتبة ملحقة بالمسجد، والإكثار من الإذاعة المسجدية، ممّا ينمي الطاقات، ويولد الإبداعات، فضلا عن إقامة المعسكرات التي تخدم المنطقة، وتقوي العلاقة بين أبناء المنطقة بالمسجد. (1/3)
صفحة 4
3. جانب النظافة: للأسف أن تجد مسجدا جميلا، بذلت من أجله الأموال، للأسف أن تجده بعده فترة بسيطة مبتذلا، وكأنّه هُجِرَ منذ فترة بعيدة، ولو دخلت بيت أحد المصلين لوجدته في قمّة النظافة، فلماذا لا نجعل بيوت الله مثلا للطهارة المادية والمعنوية؟!!!
4. تفعيل جانب المرأة: فقد كانت المرأة في عهده – صلى الله عليه وسلم – تشارك الرجل في المسجد، وجاء المنع من قبله – عليه الصلاة والسلام – من منع إماء الله مساجد الله، وما هذا الجهل الذي ينتشر بين أوساط النساء إلا بسبب حرمانها من روح المسجد، فلا بدّ من تفعيل دور المرأة في المسجد، وإيجاد المكان الملائم لها؛ لتحقق دورها إيمانيا وروحيا، وليكون المسجد حصنا لها من دعاة التغريب والإباحية.
ماذا لا نحتفي بعيد الحب؟!
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}
تقدمة
خيرية الأمة
أراد الله تعالى أن تكون هذه الأمة أمة خيرية، اختارها لتمثل شرعه، وتقود عقيدة التوحيد إلى الإنسانية، يقول تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. (1/4)
صفحة 5
وهذه الخيرية لهذه الأمة تجعلها أمة مستقلة في فكرها وشرائعها، أمة تسير وفق ثوابتها الربانية، أما وإن أصبحت هذه الأمة تابعة لغيرها، مقلدة للآخرين، تقتدي بكل ناعق، بعد كل هذا لن يكون لهذه الأمة قيمة بين الأمم، وتفقد بذلك عنصر تميزها واستقلالها، ولهذا عندما قدم النبي –صلى الله عليه وسلم- وجد في المدينة يومين يلعبون فيهما، وبطبيعة الحال بقي من دخل الإسلام من أهل المدينة على عاداتهم وتقاليدهم، فأراد الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن تستقل هذه الأمة في أعيادها وفرحتها، فلهذا قال لهم: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما عيد الفطر وعيد الأضحى".
فلسفة الحبّ في الإسلام
يرى الإسلام أنّ الحب غريزة فطرية في الإنسان قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}، فالإنسان مفطور على حبِّ النساء والأولاد والمال والأنعام وما شابه ذلك من متاع الحياة الدنيا، فهذا شيء فطري غريزي، فطِرَت عليه النفسُ البشرية.
والإسلام لم يأت لقمع هذه الغريزة، ولا لإطلاقها دون ضوابط، فهو جاء لتهذيبها وتربيتها تربية متزنة، حتى لا تطغى على عقل الإنسان فيصبح أسير شهواته، أينما توجهه يتوجه، ولو في مقابل إلحاق الضرر بالآخرين أو بأمته أو الإنسانية.
فحبُّ المال مثلا حبٌ فطري مغروس في كل واحد منا، ولكن لا يعني هذا أبدا أن تكون أسير المال فتسعى للحصول عليه ولو بالسرقة أو عن طريق الاحتكار أو الجشع أو استخدام الكذب والغش أو البخل فيه، وعدم إخراج حق الله منه كالزكاة والصدقات. (1/5)
صفحة 6
وكذلك حبُّ الجنس غريزة فطرية في الإنسان لا يمكن كبتها، وفي الوقت نفسه لا يصح أن تنهك أعراض الحرائر، أو تستغل النساء بغير حق كذريعة لهذا الحبّ.
ومن المعلوم أن هذا الحبّ الغريزي بأنواعه مربوط في الشريعة بحبِّ الله تعالى وتحكيم شرعه، يقول تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، فحبُّ المال والجنس ومتاع الحياة الدنيا مربوط بحبِّ الله تعالى وشرعه، فما وافق شرع الله تعالى كان محمودا، وما خالفه كان مذموما.
أصل عيد الحب
إذا جئنا إلى أصل عيد الحب نجد في موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة أنّ أصله يعود إلى الكنيسة الكاثوليكية على شرف القديس فلنتاين الذي كان يعيش تحت حكم الإمبراطور الروماني كلاديوس الثاني في أواخر القرن الثالث الميلادي، فقد لاحظ الإمبراطور أنّ العزاب أشدّ صبرا في الحرب من المتزوجين الذين يرفضون الذهاب إلى المعركة، فأصدر أمرا بمنع عقد أي قران، غير أن القس فلنتاين عارض ذلك، واستمر في عقد الزواج سرا حتى اكتشف أمره، مما نفذ فيه حكم الإعدام يوم 14فبراير، فخلد هذا التأريخ بداية لعيد الحبّ.
من وراء نشر فكرة هذا العيد؟
وفي السابق كان عيد الحبّ مجرد قصص خيالية تتناقلها الأجيال في أوروبا، ولم يكن له كبير قيمة وأهمية في حياتهم حتى كان القرن التاسع عشر الميلادي حيث استغلت الرأسمالية هذا العيد في نشر فكرة العشق الجنسي بين الشباب والشابات، وتطور حاليا حتى بين المثليين من الجنسين، واتخذ من اللون الأحمر رمزا له. (1/6)
صفحة 7
وفي العقود الأخير بدأ ينتشر هذا الفكر بين أبناء الأمة حبا للتقليد، ونتيجة طبيعية للضعف النفسي والفكري الذي تعايشه الأمة، وأصبحت الأعراض في هذا اليوم تنتهك باسم الحبّ والرومانسية.
لماذا يحتفي بعض شباب المسلمين بهذا العيد، وما آثاره؟
وإذا جئنا ننزل هذا العيد إلى واقعنا الفكري والمنهجي، لكوننا نضع الأمور في ميزانها الشرعي دون مبالغة أو إجحاف تظهر لنا الأبعاد التالية من هذا العيد:
1. ضعف الاستقلالية الذاتية لهذه الأمة في أفكارها وشرائعها، وإدخال مظاهر وأعياد الآخرين إلى فكرنا، وقد يتطور إلى الجانب العقدي والتصوري، فتذوب هذه الأمة بين أمم الشرق والغرب، ولن يصبح لها وجود ولا كيان كما في حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن! ".
2. تقزيم مفهوم الحبّ زمانا ومكانا، فالحب يصبح مجرد شعارات وهمية لا واقع لها إلا إشباع الغرائز الجائعة ولو من طريق محرم، وقد يكون نتيجته انتهاك الأعراض، واستغلال النساء فيما حرّم الله تعالى، وإعداد جيل لا يفقه من الحب إلا العشق والغرام كما في الأغاني والأفلام، والحب في الإسلام يسمو ليكون واقعيا تسير به قافلة الحياة إلى الأمام، فهو ينطلق رأسا من حب الله تعالى المطلق، الذي به يحكم المحب شرع الله تعالى، ويسير وفق حدوده وأوامره، ثم ينطلق بعد ذلك إلى الغرائز التي جبل على حبها فيضعها في محلها الصحيح دون إفراط ولا تفريط، ولا تجاوز لحدود الله تعالى.
3. الاهتمام بعيد الحب يشغل الأجيال المعاصرة بثانويات الأمور، فينتج جيلا لا هم له إلا البطن والفرج، واللعب واللهو، والأصل في الجيل أن يربى على تقديم الأولويات كالعلم والقراءة والبطولة والتضحية، ليكون جيلا واعيا ومثقفا ومنتجا، وفي الوقت نفسه جيلا معتزا بثقافته وثوابته. (1/7)
صفحة 8
4. جعل عيد الحب مربوطا بالعشق يضع الجيل الجديد مربوطا بالبحث عن معشوقته، وأنّ الحب لا بد له من معشوق، ولو كان بطريق محرم دينيا وخلقيا، فتذوب المعاني الأخرى للحب كحب الله والوطن والوالدين والفضيلة وما شابه ذلك.
5. عيد الحب معناه إقامة علاقة مع الجنس الآخر ولو بدون روابط دينية ولا خلقية، والحب في الإسلام معناه السعي في الحفاظ على أعراض الجنسين، وإقامة أسرة أساسها الثقة والسكينة، لينتج جيل وقد تربى بين أسر مستقرة وآمنة نفسيا واجتماعيا، لذا إذا ضاع المفهوم الثاني، وأصبح الحب رهين المغازلات الليلة، واللقاءات غير الشرعية، هذا بدوره يهدم كيان الأسرة، وينتج مجتمعا متفككا، وينتشر فيه اللقطاء وأبناء الشوارع الذين يكنون لهذا المجتمع الحقد وحبّ الانتقام.
6. عندما ننظر في فلسفة العيد في الإسلام نجده ينطلق من حبّ الله، وتعظيم محارمه وحدوده، ومن ثمّ يأتي دور اللهو والغرائز، لتكون محكومة بشرع الله تعالى، فقد جعل العيدين العظيمين عيد الفطر والأضحى بعد شعيرتين عظيمتين الصيام والحج، وجعل بداية العيدين التكبير، وتعظيم الله بصلاتين جليلتين، والتذكير بحدود الله في خطبتين رائعتين، أما الأعياد الأرضية ومنها عيد الحب فينطلق من الفرج، فيضيع مفهوم الحب الحقيقي.
خاتمة القول
وخلاصة ما تقدم ندرك أن عيد الحب له أبعاده السيئة على الجانب الفكري والتربوي لهذه الأمة، مما ينتج جيلا تابعا لأفكار وفلسفات الآخرين، وحبا في تقليدهم، ومعظما لهم ولسلوكياتهم، فتذوب هذه الأمة، وتسقط رايتها بين الأمم، فتكون بذلك مستحقة أن يستبدل الله قوما غيرها، يحفظون شرعه، ويراعون حدوده.
ومن جانب آخر نخلص في تمييع مفهوم الحب لدى الجيل المعاصر وتقزيمة، فبدلا أن يكون عنصر بناء؛ يكون عنصر هدم وتمييع. (1/8)
صفحة 9
لذا يجب أن نقف مع هذا العيد وقفة صادقة، وأن ندرك أبعاده وآثاره، وأن نربي الجيل على الاعتزاز بقيمه وأفكاره، وأن يقدس الحب التقديس المتزن، حفاظا لأعراضه وأعراض أمته، واستمرارا للحياة الإنسانية.
مظاهر الذبح في عيد الفطر وأبعاده الشرعية والاجتماعية
اعتادت العديد من الأسر العمانية على الذبح في يوم الفطر، وقد أجازه الفقهاء المتقدمون من منطلق إباحة العادات ما لم تعترض مع نص شرعي، ولأنّه - في السابق - لا مفسدة منه، حيث يقتصر على الفئة القادرة، ولترابط شرائح المجتمع في التعامل مع هذا العرف، مع وجود بعض الآراء الفقهية التي تعاملت مع هذا العرف من منظور آخر، حيث ينكر مثل هذه العادات.
وإذا جئنا ننظر إلى هذه العادة وتطبيقها في المجتمع العماني اليوم نجد أضرارها أكبر من منافعها، فضلا عن الأبعاد الاجتماعية التي أرهقت جانب الفقراء، مع ارتفاع الأسعار، وضعف التكاتف الاجتماعي عمّا كان عليه في السابق.
فمن الأبعاد الشرعية اعتقاد كثير من الناس أنّها سنة من السنن الشرعية الداخلة ضمنا في قوله - تعالى -: " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ "، مع أنّ هذه العادة قطعا لم تكن من السنن الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعندما شرع الذبحُ يوم الأضحى كان لمقصد تعظيم الله، والتقرب إليه بالأضاحي، وهي مقتصرة على القادر دون إسراف ولا تبذير؛ ليعان بها الفقير، كذلك شُرعت زكاة الفطر لتحقيق مقصد إعانة المحتاج، حتى لا يلجأ إلى السؤال في يوم العيد.
بيد أننا لا نجد هذا المقصد متحققا في الذبح يوم الفطر، مع كون هذه العادة ليس لها أصل شرعي لا من كتاب ولا سنة، وأمّا قوله - تعالى -: " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ"، فالمراد من الآية إخلاص المقصد لله – تعالى - في شعيرتين عظيمتين الصلاة والذبح. (1/9)
صفحة 10
ومن الأبعاد الشرعية أيضا اعتقاد كثير من النّاس أنّه لا بد أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، وإن ذبح قبل العيد فعليه إعادة ذبيحته، فهو يرهق نفسه بعد الصلاة، وهذه - كما رأينا - ليس لها أصل شرعي، فكيف يُقال يجب الذبح بعد الصلاة!، وهذا راجع إلى اعتقاد الكثير من الناس أنّ لها نفس حكم أضحية عيد الأضحى.
أمّا الأبعاد الاجتماعية فكثيرة، وعلى رأسها اضطرار الفقير إلى الاقتراض لتوفير ذبيحته؛ بل أحيانا متوسط الدخل يضطر إلى الاقتراض بسبب المباهاة والإسراف، فبدلا أن يكتفي بشاة يذبح بقرة أو عجلا مع ارتفاع سعره، فيضطر إلى القرض، وقد يقترض من المصادر الربوية المحرمة، فيقع في الربا المحرم من أجل عادة، مع أنّ الأصل في القرض ولو بدون ربا المنع إلا لحاجة يضطر إليها، لما فيه من الذل وإراقة ماء الوجه، وما يصحبه من هم وفكر يرهق المقترض بالليل والنهار، وهذه العادة ليست من الحاجات الضرورية حتى يُقترض لها، فضلا إذا ترتب على هذا القرض الوقوع في الربا المحرم.
والعجيب أنّ الذي لا يستطيع الذبح يوم الفطر سوف يواجه حربا كلامية من قبل المجتمع، فهذا يتهمه بالبخل، وذاك يتهمه بعدم مراعاة أهله والإحسان إليهم، وتركهم يشاهدون الناس وهم يتلذذون باللحوم، مع أنّ أضحية عيد الأضحى واجبة على القادر المستطيع، وهي تستند إلى أصل شرعي، فكيف يطلب من غير القادر الذبح يوم الفطر مع عدم مشروعيتها؟! والأصل في الفقير والمحتاج يُعان في مثل هذا اليوم، من هنا شرع الله لعباده زكاة الفطر. (1/10)
صفحة 11
ومن الأبعاد الاجتماعية المباهاة والإسراف، فأصبح التنافس في جنس الأنعام وعدده عادة يتنافس فيها الناس، ويتفاخرون بها في المجالس، فهذا يقول قد ذبحت عجلا صفته كذا، وآخر يتباهى بأنه ذبح بقرتين بقيمة كذا، ولو قيل لهؤلاء تبرعوا بعشرين ريالا لإقامة مشروع، أو مساعدة فقير، أو تعليم جاهل، لاختلقوا عللا متعددة، والله – تعالى - يقول: " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (لأعراف: من الآية31).
ومن الأبعاد الاجتماعية أيضا إضاعة الوقت، فبدلا أن يستمر في زيارة الأرحام والأقارب وتقوية الصلة، أو الاستحمام والسياحة النافعة، أصبح الناس يقضون عيدهم في تعب ونكد، صباحهم مع الذبح، ومسائهم مع إعداد وجبة المشاكيك، ويقضون يومهم الثاني مع إعداد وجبة الشواء بما فيها من تعب الحفر وإشعال النار، كلّ هذا جعل من العيد موسما للتعب وإرهاق النفس، والله – تعالى - يقول: " وَالْعَصْر، إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ".
والله – تعالى - شرع لعباده عيد الفطر ليكون يوما يفرحون فيه، بعد صيام وقيام شهر، يأكلون ويمرحون، ويذكرون الله على ما منّ به عليهم من نعمة الصيام والقيام، يساعد غنيهم فقيرهم، تسود بينهم المحبة والمودة، وتعمّ بينهم الرحمة والألفة، من هنا لا بدّ من إعادة النظر في هذه العادة، لما فيها من الأبعاد الشرعية والاجتماعية البعيدة عن مقاصد الشريعة ويسرها.
وتعدّى خيرُه إلى غيره
أمة الإسلام أمة واحدة، وأفرادها جنس واحد، فعن النعمان بن بشير – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" رواه مسلم. (1/11)
صفحة 12
و عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة؛ جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم" متفق عليه.
ومن أعظم الأمور التي يجب أن تتكافل فيها الأمة مساعدة الشباب وحثهم على كسب الرزق، فنحن جميعا مطالبون بحث الشباب على العمل، والاجتهاد في طلب الرزق، واستغلال الأوقات في كلِّ نافع ومفيد، وعلينا جميعا أن ننقذ شبابنا وأبناءنا من تضييع الوقت، ونبين لهم طرق استغلاله. (1/12)
صفحة 13
وهذا النبي - عليه الصلاة والسّلام - حث على كسب الرزق ولو بجمع الحطب، فهذا خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه، فعن أنس بن مالك أنّ رجلاً من الأنصار أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس - أيّ كساء يوضع على ظهر البعير أو يفرش في البيت تحت حرّ الثياب - نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب -أيّ القدح أو الإناء - نشرب فيه الماء، قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، وقال: من يزيد على درهم؟ -مرتين أو ثلاثًا- قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به، فشدّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عودًا بيده ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينّك خمسة عشر يومًا، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشر دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هذا خير لك من أن تجئ المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إنّ المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع - والمدقع: الشديد -، أو لذي غرم مفظع - والغرم المفظع: أن تلزمه الدية الفظيعة الفادحة، فتحل له الصدقة ويعطى من سهم الغارمين -، أو لذي دم موجع - الدم الموجع كناية عن الدية يتحملها، فترهقه وتوجعه، فتحل له المسألة فيها" أبو داود/ 1639.
وهذا عمر بن الخطاب يهمُّ بضرب المتخاذلين عن العمل، ولو ادعوا المكوث في المساجد والاعتكاف فيها، فما بالكم بالذي يقضي نهاره في لعب ولهو! وليله في سهر وعبث. (1/13)
صفحة 14
كذلك علينا أن نساعد هؤلاء الشباب بإعطائهم من الصدفات ليتقووا بها في عملهم، ونتكافل جميعا من خلال محطة المسجد في إعانتهم على الزواج لإعفاف أنفسهم، وكذلك علينا أن نحذِّر أبناءنا من صحبة الأشرار، وتقليد الفجار، ونغرس فيهم الهوية الإسلاميّة، ونعظِّم في قلوبهم الشخصية الإسلاميّة.
وعلى الباحثين عن العمل أن يجتهدوا في استغلال أوقاتهم الاستغلال الحسن، ولا تيأس يا من حصلت على نسبة متدنية في الثانوية العامّة، ويا من لم تحصل على عمل في القطاع الحكومي، لا تيأس من روح الله، وعليك بالاجتهاد والسعي في طلب العمل، ومن الله التوفيق وبلوغ الغاية المرجوة.
فكم شاهدنا شابا يانعا لم ييأس من روح الله، فطلب الرزق، وبدأ بالقليل؛ حتى أصبح دخله أكبر من دخل من يشتغل في القطاع الحكومي، فاجتهد وعمل وتزوج، وبنا بيتا، وعاش هادئ البال، مطمئن الحال، وتعدى خيره غيره.
ماذا بعد رمضان؟
من أعظم النعم على العبد المسلم أن يوفق لصيام شهر رمضان المبارك، فقد أدرك نفحاته وبركاته، وقضى نهاره صائما، وليله قائما، راقب في شهره مولاه لعله يكتب من المتقين الأبرار، والفائزين الأخيار، فحق لهذا الصائم أن يفرح ويبتهج، فقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه".
ومن أعظم الصفات التي يتميز بها المسلم الحق صفة المداومة على الطاعة لقوله تعالى: "الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ"، فلا معنى للانقطاع عن العبادة بعد رمضان، ولا معنى لترك الواجبات الشرعية بعد الشهر، ففي رمضان يتلو آيات ربه قائما وقاعدا وعلى جنب، وبعد رمضان اتخذ القرآن مهجورا! ولا معنى للمحافظة على صلاة الجماعة في هذا الشهر، وإذا ما انقضى هجر المساجد والجمعات؛ بل لا معنى لحفظ الجوارح في رمضان عن الوقوع في الحرام، وإذا ما دخل أول أيام الفطر أطلق لجوارحه العنان لتفعل ما تشاء، كان في رضى الرب أم في سخطه. (1/14)
صفحة 15
إنّ الانقطاع عن العبادة بعد رمضان، والرجوع إلى المعصية من جديد، سببه أمران: الأمر الأول اتخاذ رمضان عادة لا عبادة، والأمر الثاني تعظيم رمضان لذاته، والله تعالى في آيات الصيام كتب التقوى والمراقبة الدائمة لصنف واحد فقط، لصنف المعظمين لله وحده، الواقفين عند حدوده وحرماته، يقول تعالى: " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، فأضاف الحدود إليه جلّ جلاله، ولم يضفها إلى رمضان، فرمضان فترة زمنية خلقها الله تعالى لا تنفع ولا تضر، وإنما نحن نعظم هذه الفترة لأن الله هو الذي أمرنا بتعظيمها لا لذاتها، من هنا كان مبدأ المسلم العمل لله وحده، وعدم الإشراك به بأي شرك مادي أو زمني، "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ".
والله جلّ في علاه لا يحدّه زمان ولا مكان، فهو موجود في رمضان وشوال وغيرها من الشهور، لذا وصف الله تعالى المنتهكين لحرماته بأنهم ما قدروا الله حق قدره، أي لم يعظموه حق عظمته، وإنما قد يلتزموا بأمر، أو يبتعدوا عن نهي، عادة أو مراعاة لعرف عام، ولكن لا تلبث هذه العادة أو هذا العرف أن يتخلخل إذا ما هيأت الأسباب لخرق هذا العرف وهذه العادة.
أما الذي يعبد الله في رمضان تعظيما لله، ويبتعد عن النواهي خوفا من الله؛ لا يمكن بأي حال أن ينتكس بعد رمضان؛ لأنه يعلم إنما رمضان محطة وقود يتزود فيه بالتقوى، ليكون أكثر صلاحا وتقوى في سائر العام.
والله تعالى جعل بعد رمضان مواسم للمسابقة إلى الخيرات بعد التقيد بالواجبات، فالله حبب لنا الصيام في أيام مختلفة من العام، كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يومي الخميس والاثنين، وصيام الست من شوال، وصيام يومي عرفة وعاشوراء، وصيام أكثر أيام شعبان. (1/15)
صفحة 16
وحبب الله قيام الليل في سائر العام، وجعل فيه الفضل الكبير، والخير الجزيل، وهناك من النوافل الأخرى كصلاة والضحى، والسنن القبلية والبعدية للصلاة، فهذه منطلق للتقرب إلى الله تعالى، والمسابقة إليه.
والصدقة مندوبة في سائر العام؛ بل قد تكون في غير رمضان أو جب منها في رمضان، إذا كانت متعلقة بنقذ روح، أو إعانة فقير محتاج إلى الصدقة حاجة شديدة، أو إقامة مشروع ونحوه.
فالله تعالى جعل أيام العام وشهوره ميدانا للتنافس والتسابق، وزمنا لمراقبة الله فيه، وهذا دليل قبول العمل الصالح في رمضان، فهلا كان رمضان محطة جديدة لفتح صفحة بيضاء مع الله في سائر العام، ومحطة للتزود بالعمل الصالح لنواصل المسيرة مع الله في سائر العام.
وينبغي للمسلم أن يضع جدولة لاستغلال شهور العام، وأن يكون له وقفة في آخر كل شهر يحاسب الله فيها نفسة، ويستمر على هذه العادة حتى يلقى ربه، وقد استغل وقته وحياته في مرضاة الله، وبذلك يحضى بالسعادة في دنياه، والفوز في أخراه.
كيف نستقبل العيد؟
العيد موسم من مواسم الرحمة والمودة والألفة، ويوم من أيام البهجة والمحبة، شرعه الله بعد شعيرتين عظيمتين: شعيرة الصيام، وشعيرة الحج الأكبر، فقد كان لأهل المدينة يومان في الجاهلية يحتفلون فيهما فأبدلهم الله تعالى بهما عيدا الإسلام: الفطر والأضحى، فليس للمسلمين عيدان سواهما، فعن أنس أنه قال: كان لأهل المدينة في الجاهلية يومان يلعبون فيهما، فلما قدم النبي قال: " كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر ويوم النحر".
وقد جعل الله تعالى عيد الفطر فرحة للصائم القائم، الذي استغل شهره، وراقب فيه حدود مولاه، حيث إنّ للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. (1/16)
صفحة 17
والعيد في الإسلام يتجسد فيه عنصران، عنصر العبودية، وعنصر الجماعة، أما عنصر العبودية ففي العيد يستشعر العبد فضل الله عليه، أن يسر له أمر الدين، وجعله متكاملا يجمع بين الروح والبدن، فكما أوجب عليه الصيام، أوجب عليه الفطر في يوم العيد، وأبهج قلبه بفرحة الفوز في رمضان، لتتجسد هذه الفرحة إلى واقع سلوكي في يوم العيد من تكبير وتعظيم لله، وبر للوالدين، وصلة رحم، وإظهار لنعم الله في الأكل والشرب واللباس الحسن بلا إسراف ولا تبذير، ولا بخل ولا تقتير.
كذلك يظهر في العيد عنصر الجماعة، فمن رحمة الله على العباد أن شرع للعيدين من الأحكام ما يبهج الجميع، ويحقق بين أفراد المجتمع المساواة والمودة، فقد شرع لعيد الفطر زكاة الفطر؛ لأجل سد حاجة الفقراء، وليكون مصدرا لهم يعينهم في توفير مستلزمات العيد كغيرهم من أبناء المجتمع.
كما أنه شرع لعيد الأضحى الأضحية، وأوجبها على القادر؛ ليخرج حق الله في إطعام الجائع، ومساعدة المحتاج.
فالعيد في الإسلام ليس مخصوصا لطبقة معينة، ومزاياه وأبعاده لا تقتصر على فئة دون فئة، فهو عيد الرحمة والمودة، الذي لا يعرف في المجتمع قيودا ولا حدودا.
وقد سنّ لنا الحبيب - عليه الصلاة والسلام - سننا في العيد، من هذه السنن:
1. إخراج زكاة الفطر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، الذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة "، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: " كنا نعطيها زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من زبيب"، وفي رواية " أو صاعا من أقط " وشرعت زكاة الفطر لتعم الفرحة الجميع، وتظهر البسمة على الكل. (1/17)
صفحة 18
2. التكبير يوم العيد ابتداء من دخول ليلة العيد، وانتهاء بصلاة العيد، لقوله تعالى: "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون".
3. استحباب الغسل والتطيب ولبس أجمل الثياب، فقد كان - عليه الصلاة والسلام - يلبس في العيد أجمل ثيابه، وكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، وكان ابن عمر وعلي يغتسلان للعيدين قبل الصلاة.
4. الأكل قبل الخروج إلى الصلاة، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: " كان النبي - عليه السلام - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً"، وفي هذا إشعار بنهاية شهر الصيام، وإظهار لنعمة الطعام.
5. الخروج إلى المصلى، فعن أبي سعيد الخدري قال: " كان رسول الله يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى "، ويدخل في هذا الجامع أو المسجد، إذا كانت الصلاة لا تقام في المصلى، حيث يجتمع أهل الحي أو البلد في مكان واحد، يجددون أواصر المحبة والمودة، ويعلنون مبدأ الترابط والأخوة.
6. خروج النساء والصبيان والحُيّض، فعن أم عطية قالت: " أُمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين يشهدان الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحُيّض المصلى" ولقوله - عليه السلام -: "وجب الخروج على كل ذات نطاق في العيدين"، وفي هذا إشعار بوجوب مشاركة النساء الرجال في الأفراح؛ لأنهن جزء من المجتمع، وفرحة العيد تعم جميع شرائح المجتمع، ولتستمع المرأة إلى خطبة العيد، لتشارك الرجل في بناء المجتمع الصالح.
7. مخالفة الطريق، فعن جابر قال: " كان النبي إذا كان يوم عيد خالف الطريق "، أي يخرج من طريق ويرجع من طريق آخر، وذلك ليظهر فرحة العيد في كل مكان وطريق، ولعله يلتقي بأكثر من عدد من أبناء حيه ليجدد معهم أواصر المحبة والإخاء.
8. التهنئة بالعيدين: فعن جبير بن نفير قال: " كان أصحاب رسول الله إذا التقوا في يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك"، أو بأي صيغة كانت، لما في الكلمة الطيبة من أثر قي النفوس. (1/18)
صفحة 19
9. صيام ست من شوال بعد العيد مفترقة كانت أم مجتمعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله "، وفي هذا تجديد الصلة مع الله بعد رمضان.
مما سبق ندرك أنه يجب على المسلم أن يستقبل عيده بالشكر والثناء على الله تعالى، بما من عليه من نعمة الصيام والقيام، وأن يجعل من عيده نقطة انطلاق لبناء حياة صالحة مع نفسه وأمته.
وعليه أن يتجنب المسلم الإسراف يوم العيد، فالله أحل لنا الطيبات ما لم تصل إلى حد الإسراف، وإلا وقعنا في المحضور.
ولا يجوز أن نجعل من العيد بداية لمحاربة الله بالمعاصي والآثام، فالله معظم في رمضان وغيره، " تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين آياته للناس لعلهم يتقون ".
القواعد الثلاث للتعامل مع الشائعات
من أكبر المخاطر التي تفتك بالمجتمع والأمم الشائعات، فمن أكبر آثارها التفكك والكذب والخوف، لذا كان لشريعة الإسلام قواعد في علاجها، بينها سبحانه في كتابه العظيم، ومن هذه القواعد: (1/19)
صفحة 20
# القاعدة الأولى: " لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين "، وهذه الآية جزء من سورة النور، التي تتضمن آيات تبرئة السيدة عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها، عندما خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني المصطلق في السنة الثانية للهجرة، وقد كانت خفيفة الوزن، وأثناء تمركز القافلة عندما أرادوا الرجوع إلى المدينة خرجت عائشة تبحث عن عقد فقدته فتأخرت في بحثها له، فظن الصحابة أنّها في هودجها لخفتها فرجعوا، وعندما رجعت لم تر أحدا فأخذها النوم ولم تستيقظ إلا على ترجيع – أي قول إنا لله وإنا إليه راجعون – صفوان ابن المعطل، فأمر أن تركب الراحلة، فعندما وصلا المدينة استغلها المنافقون فرصة في قدح عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانتشر الهرج والمرج حول هذه القضية، ووقع فيها بعض الصحابة، وتعليما من الله لعباده لم ينزل التبرئة إلا بعد شهر، معلّما عباده بضرورة حسن الظن، والتأكد في نشر الخبر.
# القاعدة الثانية: ” يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين "، وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة عندما أرسله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجمع الزكاة من قبيلة الحارث بن ضرار، خاف على نفسه، فرجع وادعى أنهم ارتدوا وامتنعوا عن إخراج الزكاة، فأشار بعض الصحابة بقتالهم، فنزلت هذه الآية مؤكدة في ضرورة التحري في الأخبار، حتى لا تزهق أرواح الأبرياء، كما يحدث الآن في أرض العراق التي أزهقت ألاف الأرواح بسبب شائعة الترسانة النووية التي أشاعتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. (1/20)
صفحة 21
# القاعدة الثالثة: " إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون "، والتقول على الله شرك عند بعض أهل العلم، والعجب أن يكثر التقول على الله اليوم عن طريق الهاتف النقال، فقد يرسل إليك شخص رسالة مضمونها انشر لا إله إلا الله عشر مرات، وإن نشرتها سوف يحصل لك كذا، وإن لم تنشرها يحصل لك كذا، وهذا كذب صريح، وتقول على الله بلا وحي أو علم، وهذا ما نلاحظه في نشر أوراق أحمد خادم المسجد النبوي، المتضمنة الأكاذيب لإرشاد الناس، ويذكرنا هذا بالوعاظ الذين وضعوا عشرات الروايات من أجل جذب الناس إلى الدين، والحقيقة: في كتاب غنى لمن أراد إرشاد الناس إلى الحق والصراط المستقيم.
الإحسان إلى الوطن
من تكريم الله للإنسان أن سخر له الكون بأكمله، ليتدبر في آلاء الله، ويسعى في تعميره وإصلاحه، ويحافظ على جماله وبهائه، قال تعالى: " وسخر لكم الليل والنهار والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لأية لقوم يذكرون، وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " (النحل / 12 - 14).
والإنسان بطبعه قد جبل على الاستقرار في بقعة معينة من هذا الكون الواسع؛ ليتخذها وطنا له وسكنا، ويعيش فيها آمنا مطمئنا، ويكون فيها صالحا مصلحا، فنعمة الوطن من أعظم النعم التي يتنعم بها العباد، من هنا كان له حقوقا يجب أن تؤدى، وواجبات يجاب أن تصان وتراعى.
فنعمة الأمن والأمان من أعظم النعم التي تستقر وترقى بها الأوطان، فبها يستقر الناس في معاشهم، ويتطورون في حياتهم، فما ارتقت أمة من الأمم، وما تقدم مجتمع من المجتمعات، إلا إذا ساد الأمن بين زواياه، وعم الاطمئنان بين أفراده. (1/21)
صفحة 22
ولهذا امتن الله تعالى على أهل سبأ بنعمة الأمن والأمان، مما كان له الأثر في قوة اقتصادهم، وتتطور بلدانهم، يقول تعالى: " وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين " (سبأ / 18).
ومن النعم العظيمة التي تمتع بها أهل مكة فبيل البعثة نعمة الأمن، فانتعشت تجارتهم، وتطورت بلدانهم " فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " (قريش / 4).
فإذا أردنا المحافظة على إنجازاتنا، والتقدم بأوطاننا؛ علينا أن نحافظ على هذه النعمة، ونسخرها في صالحنا وصالح مجتمعنا، وهذا من أعظم الشكر لله على هذه النعمة العظيمة.
هذا ولكل مجتمع تراث يتمتع به، وإنجازات سعى لتحقيقها، في كافة مجالات الحياة، التربوية والاجتماعية، والصحية والاقتصادية، من مساجد ومستشفيات، ومدارس ومعاهد وطرقات، فهذه الإنجازات هي عنوان الرقي والتطور، وهي رمز التقدم والمدنية، ليكون الوطن مربوطا بماضيه المجيد، وحاضره التليد.
والأمة الواعية هي التي تحافظ على إنجازاتها، وتسعى لرقيها وتتطورها، وهذا لا يقتصر على فئة معينة؛ بل يعم جميع شرائح المجتمع، صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا.
فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما هاجر إلى المدينة المنورة اشترك مع جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار في وضع أسس الوطن الجديد، بداية من المسجد ليكون منطلقا للعلم والمعرفة، وانطلاقا إلى الجوانب الأخرى.
فهلا كنا يدا واحدة في بناء ورقي وطننا وتقدمه، وهلا حافظنا على تراثه ومنجزاته، فهذا من المعروف الذي يثاب فاعله، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كل معروف صدقة ". (1/22)
صفحة 23
ومن طرق المحافظة على مكتسبات الوطن وإنجازاته الإحسان إليه، فقد ترعرعنا تحت سمائه، ولهونا فوق أرضه، وتعلمنا في مدارسه وجامعاته، وأكلنا من أرضه، وارتوينا من مائه، فهو كالأم الحنون يرعانا بعطفه وحنانه، ويساندنا بصبره وقوته، " وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان " (الرحمان / 60).
فعلى الأب أن يكون محسنا مع وطنه بتربية أبنائه التربية الفاضلة، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، فليغرس في قلوبهم حب الوطن والمحافظة على إنجازاته، وليجعلهم بررة صالحين لأوطانهم، مخلصين في رقيه وتقدمه، يقول - عليه الصلاة السلام -: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأب راع وهو مسؤول عن رعيته ".
وعلى الطالب أن يكون محسنا مع وطنه بالجد والاجتهاد، والعمل الدؤوب في كسب العلم والمعرفة، فمن حق الوطن علينا أن نسعى لرقيه فكريا وثقافيا، أخلاقيا واجتهادا، يقول تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " (المجادلة / 11).
وعلى الصانع والعامل أن يكون محسنا إلى وطنه بالاجتهاد في العمل، والمحافظة على منجزاته المتعددة، وتطوراته المختلفة، وأن يسخر قدراته في رقيه ونموه، وتقدمه وتمدنه، يقول تعالى: " وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " (التوبة / 105).
فلنتعاون جميعا في رقي أوطاننا، كل بحسب جهده وقدراته، وكل في تخصصه ومجال عمله، ولنكن مخلصين لأوطاننا في بيوتنا ومدارسنا، وفي أسواقنا وأماكن عملنا.
الشباب والفراغ
إنّ إحساس الشباب بالفراغ مع كمال الصحة والقوة أمر طبيعي معقول، ولكن الذي لا يكون أبدا طبيعيا ولا معقولا أن يحسّ الشاب بهذا كلّه ثمّ يضطرهما المجتمع إلى أن يملأوا أوقات فراغهم فيما يسخط الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -.
يبذلون الصحة والفراغ في لذة عارضة، ومتعة عابرة، ولربما ملأ أحدهم وقته في جلسات الغيبة والنميمة، والدخان والشيشة. (1/23)
صفحة 24
فمن العجب أن يملأ شاب فراغه طول ليلته في قيل وقال، حتى إذا انتصف الليل وأقبل الفجر سقط على فراشه كالمغشي عليه من الموت، فلا يقوم إلا والعصر قد أقبل، ثمّ يواصل يومه في التسكع في الطرقات، والمشي في الممرات، غير مبال بواجباته الشرعية والاجتماعية.
ماذا يكون حال هؤلاء إذا تقدّم بهم الزمان؟ وقد قضوا حياتهم في فراغ ولهو، لا مكانة لهم في المجتمع، ولا قيمة لهم بين الأمم، لا ثقافة ترفعهم، ولا مكانة اجتماعية تعلو بهم.
تمر الليالي والحوادث تنقضي ... كأضغاث أحلام ونحن رقود
هذا وليعلم الشباب أنّ مكانتهم بين الناس، ومنزلتهم بين الأمم، لا تكون ولن تكون إلا بمدى استغلالهم لأوقاتهم في كلّ نافع ومفيد.
ما الفائدة من شاب قوي الجسم، جميل الثياب، ولكنه في المقابل ضحل الثقافة، ضعيف التدين، عاطل عن العمل، يقضي طيلة وقته في اللهو واللعب؟
ما الذي سيقدمه هذا الشاب لنفسه؟ وما الذي سيقدمه لأمته؟ وما الذي سيقدمه للإنسانية؟
فاعلم – أخي الشاب – أنّ ثقافتك مقرونة بأخلاقك العالية، وثقافتك النيرة، وعملك الدؤوب، من أجل وطنك وأمتك، بهذا تستثمر وقتك، وتنفع أمتك.
والحمد لله ظهر في الآونة الأخيرة فتية أدركوا مخططات إضاعة الوقت، حتى لا تتقدم أمتهم، فاستغلوا أوقاتهم في العمل النافع، والقراءة الجادة، واللهو المتزن، فصاروا مثالا يُحتذى بهم، وشعارا يقتدى بهم.
أخذوا من غيرهم اللب، وتركوا القشور، أخذوا منهم تنظيم الوقت وكيفية استثماره، والمحافظة على المواعيد وعدم الخلف فيها، وأخذوا منهم حب العمل والقراءة.
ومع هذا تمسكوا بعاداتهم وتقاليدهم، واعتصموا بدينهم وقيمهم، وأعلنوا للإنسانية إننا أمة جادة، أمة عاملة، شرفنا الله بالإسلام، وكرمنا به، نستفيد من غيرنا في النافع، ونقدم لهم النافع، لأننا أمة هداية ورحمة.
بهؤلاء أخي الشاب اقتدي، وعلى طريقهم امض وتوكل.
وسائل الاتصالات ونقل الشائعات (1/24)
صفحة 25
من أكبر النعم التي يتمتع بها الجنس البشري نعمة العقل، فالبعقل استطاع الإنسان أن يكشف خبايا الكون وأسراره، وأن يسخر هذه السنن في مصلحة البشرية، وفق اكتشافات جديدة، كانت رحمة للإنسانية.
ومن أجلّ هذه الاكتشافات، التي قربت البعيد، واختصرت الزمن، في وقت كثرت فيه المشاغل والأعمال، وكانت وسيلة من وسائل المعرفة والثقافة.
إنها نعمة الاتصالات بقسميها السلكي واللاسلكي، بما فيها الهواتف بأنواعها، وعلى رأسها الهاتف النقال أو المحمول، وكذلك شبكة الاتصالات العالمية، أو الشبكة العنكبوتية، أو ما يسمى بالإنترنت.
فهي من نعم الله العظمى، وآلائه الكبرى التي يجب أن تستثمر فيما يصلح الإنسان، وأن تحقق بها مصالحه وغاياته، بوضعها في المكان المناسب، وفق حدود الله وأوامره.
والإسلام حذّر من الغيبة والنميمة، والوقيعة في الأعراض، والكذب والبهتان، وأمر بحفظ اللسان، وبين خطورة الكلمة، فأخبر الله – سبحانه وتعالى – أنّ الإنسان مسؤول أمام الله – عزّ وجل – ومحاسب عن كلّ صغير وكبير، " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين والشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
وحرم الله القذف والإفك، وتوعد مروجي الإشاعات بالعذاب الأليم، وحثّ على التثبت والتبين في نقل الأخبار، يقول – سبحانه -: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"، وفي قراءة: فتثبتوا.
كما نهى الإسلام أتباعه أن يطلقوا الكلام على عواهنه، ويلغوا عقولهم عند كل شائعة، أو ينساقوا وراء كل ناعق، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع".
واليوم للأسف الشديد تستغل وسائل الاتصالات في نقل الشائعات، والكذب على الناس تحت صور متعددة. (1/25)
صفحة 26
ومن هذه الصور التهجم على أعراض الناس، والإشارة إلى أخطاء وقعوا فيها، لا تذكر إلا من أجل التسلي بلحوم الآخرين، فضلا عمّا يصحبها من سب وشتم، وهذا ما تلاحظونه على المواقع الإلكترونية.
ومن الصور أيضا إشاعة الكذب، ودعوى حدوث شيء وهو لم يحدث، كنشر شائعة الخضروات والفواكه الملقحة بإبرة الإيدز، والتي تأتي من بلاد الشام، فقد نشرت دون تأن ولا روية، ولا تأكد من صحة الخبر.
ومن الصور نشر الخرافات من أجل جذب الناس إلى الدين، كما حدث في شائعة السجادة، والمرأة التي انقلبت إلى سحلية، لكونها داست القرآن الكريم.
ومنها أيضا: التقول على الله – تعالى -، فقد يرسل إليك شخص أرسل رسالة مضمونها: انشر لا إله إلا الله عشر مرات، وإن نشرتها سوف تحصل على كذا، وإن لم تنشرها يحصل لك كذا، وهذا كذب صريح، وتقول على الله بلا وحي أو علم، كذلك ما نلاحظه في الجمعات خاصة من نشر أوراق منسوبة إلى رجل يدعى أحمد خادم المسجد النبوي، والتي تتضمن الأكاذيب لإرشاد الناس، كدعوى من لم ينشر هذه الأوراق سوف تحلّ عليه عقوبة، وإن نشرها سوف يحصل له كذا وكذا، وإن عذابا سوف يحدث قريبا.
والحقيقة إنّ في كتاب الله غنى لمن أراد إرشاد النّاس إلى الحق والصراط المستقيم، فبدلا من تذكير الناس بالخرافات والروايات الموضوعة؛ انشر آية من القرآن يتأملون فيها، أو حديثا صحيحا عنه – عليه الصلاة والسلام-، أو حكمة ترشد الناس إلى الخير، أو معلومة يستفيدون منها.
ومن الصور المحرمة السخرية من الأجناس الأخرى، بسبب لون أو جنس، والتفكه فيهم عن طريق الفلاشات، أو الأصوات المسجلة، أو الرسائل القصيرة، "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن"
غلاء وارتفاع الأسعار أسباب وآثار (1/26)
صفحة 27
يحتاج الإنسان في حياته إلى توفير مستلزماته الذاتية، من ضروريات وحاجات، فكما أنّه محتاج إلى المسكن ليستقر فيه، ووسيلة النقل ليتنقل بها، والملبس ليتجمل به، ويستر به سوأته؛ هو كذلك بحاجة إلى توفير مستلزمات أكله وشربه، ليتغذى ويتقوى به.
وإذا كانت هذه الأمور في متناول الناس، مع وفرة وسائل الدخل؛ كان المجتمع آمنا مطمئنا، فلم يلق لمستقبله بالا يؤرق مضجعه، ويقلق راحته، ويؤثر على نفسيته، وبالتالي ينعكس على واقعه وإنتاجه.
وإذا تأثرت حاجات الناس وضرورياتهم، وتأثرت بالتضخم المالي، فارتفع وغلا سعرها، مع ضعف الدخل العام؛ كان لها نتاج سلبي على الفرد والمجتمع.
من هنا يمكن أن نعتبر التضخم الذي ينتج عنه ارتفاع وغلا الأسعار نوعا من البلاء الذي يسلّطه الله على عباده ويبتليهم به، لأسباب يجب أن يعوها، وينظروا إليها بعين الجدية والاهتمام.
والله تعالى نادى بالكسب في الحياة، وبين من نعمه المسكن والملبس الجميل، ومن آلائه وسيلة النقل الدالة على فضله وإنعامه جلّ في علاه، وأباح للناس الأكل والشرب، ولكنه في المقابل حذّر من الإسراف وتجاوز الحدّ في ضروريات الحياة وحاجياتها، فضلا عن الكماليات، يقول تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنّه لا يحبُّ المسرفين"، وفي الأثر عنه صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة".
وبين تعالى أنّه إذا أراد إهلاك قرية أمر مترفيها فتجاوزوا فيها بالإسراف الذي يؤدي إلى الفساد يقول تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".
لذا كان ارتفاع وغلا الأسعار من ضمن العقوبات التي لها أسبابها ونتائجها وآثارها.
أولا: أسباب ارتفاع الأسعار:
من هذه الأسباب: (1/27)
صفحة 28
1. انتشار الذنوب والموبقات يقول تعالى: "ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون"، ومن أعظم الذنوب انتشار الربا والاستغلال، وترك الزكاة والصدقات.
2. ومن أهم الأسباب الإسراف في الحاجيات والكماليات، والمباهاة والمخيلة في الملبس والمسكن والمأكل ووسيلة النقل، فأصبح الإسراف عادة عامة، لم تقتصر فقط على أصحاب الدخول الجيدة؛ بل عمّت المجتمع، وأصبح الذي لا يجد مالا يقترض من أجل التفاخر والتباهي، والله تعالى يقول: "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون".
3. ومن الأسباب تلاعب بعض التجار والباعة بالسلع فيحتكرون بعض السلع، ويرفعونها في الأزمات، ويبالغون في الفائدة، ويستغلون حاجة الناس إليها، ويروجونها بالكذب مع الغش أحيانا فيها، وفي الأثر عنه عليه الصلاة والسلام أنّه قال: "مَن دخل من شيء من أسعار المسلمين ليُغليه عليهم؛ فإنّ حقّا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة".
4. ومن الأسباب ضعف التكامل الاجتماعي، وانتشار الجشع والأنا، فأصبح همّ الواحد توفير الدرهم والدينار بأي مصدر كان، ولو على سبيل حاجة الفقير المسكين واستغلاله، دون النظر إلى البناء الاجتماعي المبني على الرحمة والتعاون، يقول عليه الصلاة والسلام: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى".
5. ومن الأسباب الهامة عدم وجود المراقبة العامة على المبيعات والتجار، وعدم وجود العقوبات الصارمة، وضعف وسائل التوعية في إرشاد الناس إلى الاستهلاك الصحيح، يقول عليه السلام: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
ثانيا: الآثار المترتبة على ارتفاع وغلاء الأسعار:
وبعد هذا ندرك الآثار المترتبة ومنها: (1/28)
صفحة 29
1. اضطرار المحتاج إلى الاقتراض لمسايرة الواقع، فيقع في همّ الدين، وقد لا يستطيع قضاء الدين، فضلا إذا اضطر إلى الاقتراض عن طريق الأماكن الربوية، فيعيش في هم الديْن وشره.
2. وقد يضطر لتوفير السلع أو سداده إلى السرقة أو الكذب أو التسول؛ لأنّه لا يوجد لدية القدرة لمسايرة الواقع إلا من الطريق السيئ.
3. انهيار البناء الاجتماعي لأنّه فقد أهم مقوماته وهو الرحمة والتعاون، فيسود بدلا منه الجشع والاستغلال، وبالتالي يسود المجتمع التفكك والقطيعة.
4. انتشار رقعة الفقر في المجتمع، وبالتالي انتشار أمراض جديدة ناتجة عن الفقر، مما يهدد أمن المجتمع واستقراره.
5. انتشار الأمراض النفسية، مما يستلزم الإكثار من المصحات النفسية، وهذا يؤثر على الجانب المالي للمجتمع، فضلا إذا تطور إلى الانتحار للتخلص من هموم الحياة وبلائها.
العلاج:
وبعد ما تطرقنا إلى الأسباب والآثار ندرك العلاج والذي يتمثل في:
1. التوبة الصادقة من كلّ ذنب، فبها يُفتح الرزق الرغيد، يقول تعالى: "فقلتُ استغفروا ربكم إنّه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا".
2. تنمية مبدأ الاقتصاد في النفقة وعدم الإسراف والمباهاة، يقول تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما"، ومن ضمن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "وأسألك ... القصد في الفقر والغنى".
3. تنمية التكافل الاجتماعي، وغرس لحمة التعاون والبناء، ومراعاة الفقير والمحتاج، والبذل لأعانهم بالصدقة والتيسير، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد".
4. مراقبة التجار، وتوفير العقوبة الرادعة للمحتكر ولمن يستغل حاجة الناس، دون تمييز بين أحد، ودون محاباة لأحد، ليعم العدل بين الناس في المجتمع الواحد، وبهذا نساهم في التخفيف من التضخم، والتقليل من آثاره ونتائجه. (1/29)
صفحة 30
المرأة والاحتشام أمام النساء
يقول الله تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً"، وقال تعالى: "وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن".
من النعم التي وهبها الله تعالى للمرأة نعمة الجمال، وذلك لغاية بقاء سنة الحياة، فأمَالَ إليها قلوبَ الرجال، وجعلها جوهرة مصونة محفوظة من العبث والإهانة.
لذا جاءت تعاليم السماء لحفظ هذا الجمال، وسنّت من التشريعات الربانية، والأدبيات الإلهية أحكاما وآدابا لا تحفظ جمال المرأة فحسب؛ بل تحفظ المجتمعات، وتحافظ على صيرورة استمرار الكون أجمع، فالمرأة جزء من هذا الكون، بقاؤه وحفظه من العبث حفظ لهذا الكون، والعبث فيه عامل إنذار لاختلال نظام الكون، من خلال الفوضى الخلقية، والعبث الجنسي.
ومن أهم هذه الأدبيات ما جاء في سورة النور في قوله تعالى: "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن آو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني أخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون".
فالله تعالى أمر المرأة هنا بثلاث أدبيات: الأولى غض البصر، والثانية حفظ الفرج، والثالثة عدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها، وهي الوجه والكفان على قول جمهور أهل العلم.
وإذا جئنا إلى الأدبية الثالثة نجد الله تعالى يرّخص للمرأة في إبداء الزينة فوق الوجه والكفين لمجموعة من فآت المجتمع، لكثرة اتصالها بهم، ولما جبلوا على الغيرة في حفظ كرامة وعرض نسائهم. (1/30)
صفحة 31
ومن هؤلاء قوله تعالى: " أو نسائهن"، حيث أضاف النساء إليهن إخراجا للكافرات والفاسقات، قال مجاهد: المراد نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس يحل للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وقال ابن عباس: هنّ المسلمات ولا تبدي زينتها أمام يهودية أو نصرانية.
والحكمة من هذا واضحة؛ لأنّ الكثير من النساء الفاسقات هنّ روابط للفاسقين فقد ينشرن ما تتمتع به المرأة من صفات، بل قد يستخدمن الهواتف في تصوير النساء في الحفلات والجلسات وغيرها، ثم ينشرن ذلك بين الفجرة من الرجال، الذي لا يرعون أعراض المسلمين، ومن أسرتهم شهواتهم البهيمية، فحولتهم إلى ذئاب مستعرة، لا يهدأ لها بال إلا بهتك الأعراض، ونشر الفساد في البلاد.
من هنا نطرح هذا السؤال والذي فحواه: ما رأيكم في عدم احتشام المرأة بلبسها في الأعراس طبعا الغير مختلطة؟ بحكم إنه حفل نسائي خاص ولكنها تظهر مفاتنها؟
من المعلوم أنّ الأعراس يجتمع فيها الصالح والطالح من النساء، والغث والسمين منهنّ، والمرأة مطالب منها حفظ جمالها، وعدم إبداء مفاتن جسمها إلا لمن تثق من النساء الصالحات المؤمنات، اللاتي يحفظن عرضها، ويسترن جمالها، قال تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَائِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
أما الفاسقات فقد وصفهن تعالى بالمنافقات، وهذه الصفة من النساء همن نشر الفاحشة، وإظهار العورات، لتمكين المنكر في المجتمع، قال تعالى: "الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". (1/31)
صفحة 32
بجانب يوجد صنف من الفاسقات المشغوفات جنسيا ببني جنسهن، وهذا الصنف همه تتبع جمال ومفاتن النساء لإرواء غرائزهن، فقد يستخدمن في ذلك الوسائل المعاصرة كآلة التصوير خاصة في الهواتف النقالة.
وهذا ما يحدث فعلا من تصوير النساء وتناقل الصور بين النساء، وبالتالي نشرها بين الشباب والمراهقين، وقد تصل إلى زوج المرأة، أو محارمهما، وقد يحدث ما لا يحمد عقباه من تخريب البيوت، وتشتت الأولاد بسبب صورة؛ بل قد يصل إلى ضرب المرأة، ولربما إذا ثار الدم كانت النتيجة القتل والتخلص منها.
لذا يظهر لنا حكمة التشريع الرباني من وجوب حفظ المرأة لجمالها ومفاتنها ولو بين النساء، خاصة في الحفلات والمجامع العامة التي يختلط فيها أصناف من النساء.
فعلى المرأة العفيفة عدم إبداء زينتها لغير محارمها، أو الثقات من النساء المؤمنات التقيات، ووجوب تحفظها وبعدها عن كل ما يغري بالافتتان بها، وجلب أنظار الرجال الأجانب إليها، سواء باللبس أو بالقول أو بالفعل، حتى لا تُؤذى، ويساء الظنّ بها، قال تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً".
ما أسباب سوء الظنّ؟
بداية الله سبحانه وتعالى أمر باجتناب الظنّ بالآخرين حيث قال: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم"، فالله أمرنا باجتناب كثير الظنّ ومع هذا يبين أن بعض الظنّ إثم، وفي هذا يقول أهل العلم إن دائرة الظنّ تحتوي على دائرة أخرى توقع صاحب الظنّ في الإثم، ومع هذا لا يدري عندما يظنّ أكان في هذه الدائرة الصغيرة التي توقعه في الإثم أم في غيرها فعليه في هذه الحالة أن يجتنب الظنّ السيئ كليّا حتى لا يقع في هذه الدائرة، فيقع بسببه في الإثم.
ومع هذا بعض الناس لا يفتئون عن سوء الظنّ بالآخرين لأسباب عدّة منها: (1/32)
صفحة 33
1. العجب بالذات أو بالنفس، مما جعل بعض الناس يتصورون أنفسهم أفضل من الآخرين، فبنو علاقتهم مع الآخرين على أساس سوء الظنّ، فإذا ما تفوق شخص عليهم، أو تقدم عليهم في أمر، أو رزق بخير؛ أساؤوا الظنّ به، فأصبح سوء الظنّ مرضا ألمّ بهم، وتغلغل في نفوسهم، فأسقطوه على علاقاتهم مع الآخرين، لإعجاب وكبر في نفوسهم.
2. التعميم وفقدان الثقة بالآخرين: فكثير من الناس يميلون إلى التعميم، فإذا ما تعرض لسلوك خاطئ من بعض الأشخاص تصور جميع الناس على هذه الشاكلة، فيتعامل مع الكل على أساس سوء الظنّ؛ لفقده الثقة بهم.
3. المحيط الذي يعيش فيه وسوء التربية، وذلك لأنّ الإنسان بطبعه يكتسب الكثير من التصورات والسلوكيات من المحيط الذي يعيش فيه، والأسرة التي ينتمي إليها، فإذا كان هذا المحيط يقيم علاقته على سوء الظنّ؛ كانت هذه الصفة متغلغلة بين أفراد هذا المحيط.
4. الحسد من النعم التي يتحصل عليها الآخرون، وهذه من نتائج العجب والغرور، فلا يهدأ لهم بال إذا أُنعم على الآخرين بخير، فتشتعل الحرقة في نفوسهم حسدا وحسرة، وبها يقعون في افتراض الفرضيات، ونقل الشائعات المبنية على سوء الظنّ بهؤلاء.
5. ضعف الباطن، وقلة الخوف من الله تعالى والوقوع في الإثم من أكبر الأسباب في الوقوع في سوء الظنّ، فيصبح هذا الإنسان ألعوبة للشيطان يسيره كما يريد، ويجعله أداة لسوء الظنّ مع الآخرين، وما يترتب على هذا من آثار سيئة على الفرد والمجتمع.
ما آثار سوء الظنّ؟
يوجد العديد من الآثار المترتبة على سوء الظنّ نشير منها: (1/33)
صفحة 34
1. تفسير المواقف تفسيرا سيئا، فمثلا إذا كانت بينك وبين شخص أمانة، ووعدك بأن يسلمها لك في يوم كذا، إلا أنه تأخر في ذلك اليوم، فإذا أساء صاحب الأمانة بهذا الشخص الظنّ فتراه يفسر الموقف تفسيرا سيئا، ويبدأ في إيجاد الأسباب السيئة لعدم مجيئه، وإذا كان مصابا بالتعميم فيسقط هذا السلوك على جميع الناس، ومن أمثلة هذا إذا اتصلت بشخص عن طريق الهاتف النقال ولم يردّ عليك مرة أو أكثر، فتبدأ الظنون تسيء بذلك الشخص لعدم رده على المكالمة.
2. نشر الشائعات في المجتمع، وهذا ما حدث للسيدة عائشة - رضي الله عنها - عندما خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق في السنة الثانية للهجرة، وقد كانت خفيفة الوزن، وأثناء تمركز القافلة عندما أرادوا الرجوع إلى المدينة خرجت عائشة تبحث عن عقد فقدته فتأخرت في بحثها له، فظن الصحابة أنها في هودجها لخفتها فرجعوا، وعندما رجعت لم تر أحدا فأخذها النوم ولم تستيقظ إلا على ترجيع – أي قول إنا لله وإنا إليه راجعون – صفوان ابن المعطل، فأمر أن تركب الراحلة، فعندما وصلا المدينة أساء الناس الظنّ بها، وقدحوا في عرضها، وانتشر الهرج والمرج حول هذه القضية، وتعليما من الله لعباده لم ينزل التبرئة إلا بعد شهر، معلّما عباده بضرورة حسن الظن، والتأكد في نشر الخبر.
3. ضعف البناء الاجتماعي، وذلك لأنّ العلاقة إذا بنيت على سوء الظنّ كانت هشة وضعيفة، والله تعالى يقول: "وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظنّ لا يغني من الحق شيئا"، وهذا ما نراه اليوم من أكبر الأسباب في القطيعة الاجتماعية بين الأرحام والأقارب والأصدقاء، فإذا قصّر قريب في زيارتك، ولم تحسن الظنّ في أسباب تقصيره؛ كانت ردة الفعل بالقطيعة والهجران. (1/34)
صفحة 35
4. الفرقة وتمزيق المجتمع، وذلك لأنّ الذي أساء الظنّ سوف يحدث سلوكيات خاطئة ضدّ الطرف الآخر، فيحدث بذلك ردة فعل من الطرف الآخر، ومثال هذا أن الذي يشاهد امرأته تتحدث مع رجل أجنبي، فإذا تعجل وأساء الظنّ قد يؤدي هذا الظنّ به إلى تفريق الأسرة، وتشرد الأطفال، والقطيعة مع أهل الزوجة، وإحداث صورة سيئة لهذه الزوجة في المجتمع.
5. عدم التمييز بين الصحيح والسقيم، فالذي يسئ الظنّ لا يستطيع في تعامله مع الآخرين أن يفرق بين ما هو صحيح وسقيم، وبين ما هو نافع وضار، فتخلط عنده المقدمات والنتائج.
6. الاضطراب النفسي، وذلك لأنّ الذي تعود على إساءة الظنّ يعيش في دائرة مفرغة من التصورات الخيالية بالآخرين، فيعيش في هم ونكد، تحفه الأوهام فتوقعه في الأمراض النفسية المتعددة كالعجب والغرور والحسد والكبر.
7. ومن أعظم النتائج الوقوع في المعاصي المعنوية والمادية، فسوء الظنّ معصية محرمة، وقد يترتب عليها آثار سيئة على الفرد والمجتمع، فيبقى رهينا بين المعاصي القلبية كالحقد والحسد، والمعاصي المادية المترتبة على سوء الظنّ.
الوصايا الست للتفوق في الدراسة
التفوق في الدراسة هدف نبيل، وغاية يسعى العديد إلى تحقيقها، وقطف ثمارها، ولكي تكون من المتفوقين فعليك بهذه الوصايا الست:
أما الأولى فعليك بتقوى الله، والمحافظة على الصلاة في جماعة، فهذا طريق للنجاح والتفوق.
وأما الثانية لا بد من وضع الهدف، فلكل طالب هدف يسعى لتحقيقه، وهو الحصول على المراكز الأولى، وهذا يحتاج إلى اجتهاد ومثابرة منذ بداية الدراسة من مراجعة للدروس، وتحضير لها. (1/35)
صفحة 36
والوصية الثالثة لا بد أن تنظم وقتك، فلا تقضي طيلة الشهور الأولى في اللعب والتسكع في الطرقات، والجلوس تحت القنوات، وتأتي قبل الامتحان بأسبوع أو أسبوعين وأنت لا تفهم المادة، ولا تستحضر معالمها الأساسية، فتكون النتيجة إما ضعف في الدرجات، أو سقوط في المادة، واحذر من أصدقاء السوء الذين لا هم لهم إلا إضاعة وقتك، وتدمير مستقبلك، واستشر أباك أو أخاك أو إي رجل تثق فيه عمّن تصاحب ليدلوك عل الصاحب المخلص.
أما وصيتي الرابعة فلكي تكون متفوقا لا بد من احترام المعلمين، وكافة القائمين على المدرسة من مدير ومعلمين وعمال وسائقي الحافلة، فالطالب الذي لا يحترم هؤلاء هو طالب مغرور، والطالب المغرور فاشل في حقيقته، ولن يكتب له نجاح في دراسته.
واحذر من الإساءة إلى المعلمين ولو برفع صوت، فهذا يدل على دناءة في الأخلاق، وسوء في التربية، فكن طالبا محترما ينظر إليك الناس بعين الإجلال والاحترام، ولا تغتر بمن يستهزئ بالمعلم في الفصل أو في المدرسة فذلك طالب فاشل وإن أظهر حلاوة في اللسان، وقوة في الجسم، إلا أنه في حقيقته جبان لا يستحق الوقوف معه ومصاحبته.
ووصيتي الخامسة عليك بالتمسك بالأخلاق الحميدة، وإياك والكذب والغيبة والنميمة، والغش والسخرية من زملائك الطلاب، وابتعد عن الكلمات النابية، والعبارات السيئة، فإن كنت ذا خلق قويم فأنت من الطلاب المستحقين للثناء والاحترام.
ووصيتي الأخيرة حافظ على ممتلكات المدرسة ونظافتها، فالطالب المجتهد هو الذي يحافظ على ممتلكات أمته.
وأخير أوجه ندائي إلى إخواننا المعلمين، الذين نقف أمامهم أجلالا وإكبارا على صبرهم واجتهادهم، فالله الله أيها المعلمون في أبنائنا الطلاب، أغرسوا في قلوبهم حب الفضيلة وأهلها، وأبعدوهم عن الرذيلة والدنايا، اغرسوا في قلوبهم حب العلم والاجتهاد وتنظيم الوقت وتقديم الأولويات. (1/36)
صفحة 37
وعلى الآباء جميعا التعاون مع المدرسة والمسجد لتتكامل الحلقات الثلاث المسجد والمدرسة والبيت، لينشأ جيل يجمع بين جمال العلم وجمال التربية والخلق.
ما علاج سوء الظنّ؟
علاج سوء الظنّ يترتب في عدة أمور منها:
1. التعامل مع سوء الظن بصورة عكسية، وهذا بناء على حسن الظنّ بالآخرين، وهذا بحاجة إلى تعود، فبعض علماء السلوك يقولون: "إذا كان الفرد يعاني من سلوك خاطئ فلتغييره لا بد من إبداله بسلوك آخر سليم، وللتعود على السلوك السليم لا بد من تكراره من ست إلى اثنين وعشرين مرة"، فأنت إذا عودت نفسك على حسن الظنّ أصبحت سجية فيك، وصفة طيبة تضاف إلى صفاتك النبيلة.
2. معاملة الناس بالظاهر، وإيكال السرائر إلى الله، وفرض الافتراضات التي تبعدك عن سوء الظنّ، فالذي تأخر في دفع الأمانة قد يكون لأسباب خارجية طارئة، والذي لم يرد على الهاتف النقال قد يكون مشغولا بأمور منعته من الرد على الهاتف المحمول.
3. حبّ الخير للآخرين، فكما تحبّ أن يحسن الظنّ بك، فكذلك الآخرون يحبون حسن الظنّ بهم.
4. عدم تزكية النفس والعجب به، "ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"، فلا تعجب بنفسك، وترفعها أكبر من قدرها.
5. تقوى الله تعالى ومراقبته، وتعظيم حدوده ومحارمه، من أكبر الوسائل في علاج هذا الداء.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل نسامح من أساء الظن بنا أكثر من مرة أم أننا نبعده عنا هو الحل؟
ينبغي أن يتعاون المجتمع جميعا في التخلص من هذا الداء، وأن يبنى المجتمع عل حسن الظنّ، والمجتمع يرقى بأفراده، فهذا الذي يعاني من سوء الظنّ لا ينبغي أن يهجر؛ بل ينبغي أن يؤخذ بيديه، وأن يوفر له وسائل العلاج، من تذكير ونصح، وبيان وترغيب، وأن نوفر له البيئة التي تعينه على حسن الظنّ، فالتسامح معه قد يكون من أكبر الأثر في علاجه، ولا نلجأ إلى هجره إلا كمرحلة أخيرة شريطة أن تكون من وسائل العلاج، فلا نزيد المرض مرضا؛ بل ينبغي أن نخفف من حدّة الإصابة. (1/37)
صفحة 38
إستراتيجية التعامل مع الإجازة
إنّ الإجازة من النعم التي يخلد إليها الإنسان، بعد عمل دءوب في خضم الحياة دام بضعة أشهر، فمن حقه أن يأخذ فيها قسطا من الراحة.
وفي الوقت نفسه الإجازة فرصة ذهبية لاستثمار المواهب والطاقات، وتنمية النقص في بعض الجوانب التي يعاني منها الفرد في حياته.
ولاستغلال الإجازة والخروج منها بفائدة لا بدّ من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: طرح الأهداف التي تريد تحقيقها في الإجازة، سواء كانت هذه الأهداف متعلقة بك أو بأولادك، مثال ذلك: إذا كان أولادك يعانون من نقص في بعض المواد المدرسية فتحاول أن تضع الآلية لعلاج هذه المشكلة، ومن الأهداف تنمية الجانب الديني في نفوس أبنائك فيما يتعلق بقراءة القرآن وحفظه والتأمل فيه، وكذلك فيما يتعلق بأحكام دينهم؛ فتلحقهم بالمدارس القرآنية في بيوت الله تعالى، كذلك تنمية موهبة القراءة في الكتب والصحف أو الشبكة العنكبوتية، فالقراءة مهمة في تنمية الذات وفهم الواقع، فلا بد أن نعوّد أنفسنا وأبنائنا عليها.
ثمّ تتطرق إلى الأهداف الأخرى والتي قد تكون أقل أهمية من الأهداف المذكورة آنفا كالسياحة داخل الوطن أو خارج الوطن، وممارسة الرياضة، وزيارة الأهل والأصدقاء وما شابه ذلك حسب ما تراه أنت مناسبا، وبعد التشاور مع زوجك وأولادك.
الأمر الثاني: التخطيط ووضع الإستراتيجية؛ فبعد طرحك للأهداف، والتفريق بين ما هو ثانوي وأساسي تبدأ في وضع خطة في توزيع هذه الأهداف حسب أيام الإجازة، وحبذا أن تكون مكتوبة ومرسومة؛ ليسهل مراجعتها والزيادة فيها أو تعديلها. (1/38)
صفحة 39
ثم بعد ما تضع الخطة تبدأ في وضع الإستراتيجية اللازمة لتفعيل خطة الإجازة، وهذا يتعلق بثلاثة أمور أساسية: الزمان والمكان والجانب المادي، فمثلا تريد أن تقضي أياما في صلالة فعليك أن تختار الزمان بعد ما اخترت المكان، وكم ستقضي من الأيام في صلالة، ثم تبدأ في الحساب المادي لمعرفة تكلفة الرحلة، فتستعد لها حتى لا تلجأ إلى الديون، وهكذا في باقي الأهداف تضع الإستراتجية المناسبة لها؛ ليكون عملك منظما وواضحا.
الأمر الثالث: التطبيق والمحاسبة؛ وأخيرا تضع خطتك وجدولك في طاولة التطبيق العملي، وستجد نفسك بهذا التنظيم أنك قد أنجزت العديد من الأهداف في فترة وجيزة، وبكلفة أقل، وعودت نفسك وأبنائك على التخطيط والنظام، وجعلت من الإجازة مدرسة لك ولأسرتك في إدارة الوقت.
ومع هذا ستجد نفسك أنك قد قصرت في تحقيق بعض الأهداف التي رسمتها فهنا يأتي دور المحاسبة، فتحاسب نفسك وأولادك أولا بأول، وستجد نفسك بالمحاسبة ترقى دائما إلى الأفضل.
وعلى العموم الإجازة من أفضل أوقات العام في استغلال الوقت وإدارته، ولكن كما قلنا هذا يحتاج إلى تخطيط ونظام، وإلى عمل جماعي من كافة أفراد الأسرة بداية، ثم المجتمع برمته فهو يشكل أسرة واحدة.
الحليلة أم الخليلة
من أهم مقاصد الشريعة الغراء الخمس حفظ أعراض الناس، مسلمهم وكافرهم، لذا التلاعب بأعراض الناس جريمة لا بد أن تُحارب، وهو نوع من إشاعة الفاحشة في المجتمع، قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". (1/39)
صفحة 40
واعتبر الإسلام العلاقات دون الزواج الشرعي زنا محرما، وفاحشةً منكرة، قال تعالى: " وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا"، ولم يقل تعالى: ولا ترتكبوا أو تزنوا، وإنما قال: ولا تقربوا، أي لا تقتربوا من الزنا مطلقا، وابدأوا من الابتعاد عن مقدماته كالنظر والكلام الفاحش ونشر الصور الخليعة كما في حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: " الْعَيْنُ تَزْنِي وَالْقَلْبُ يَزْنِي فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا الْقَلْبِ التَّمَنِّي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا هُنَالِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ"، وكان أبو هريرة يردد مرارا: "العين تزني، والفم يزني، والقلب يزني، واليدان تزنيان، والرجل تزني، فعددهن كذلك، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه". (1/40)
صفحة 41
والناس يحاولون تغيير المصطلحات، وتبديل المفاهيم ليحلوا ما حرم الله تعالى، وبذلك ينتهكون أعراض الناس بلا وازع ولا خوف، فمن هذه مصطلح الخليلة، ففي أيّ شرع يباح للرجل أن يتخذ له خليلة، يتسلى بجمالها، ويلاعب عواطفها، وقد ينتهك عرضها محتجا بينهما صداقة وهي خليلته، ولو لم يعمل معها عمله لزوجه لكان زنا، فكيف إذا كان يمارس معها الجنس، ولو قيل له أريد أن أجعل من زوجك أو أمك أو أختك خليلة لي، لثار وغضب، وأنكر واستنفر، فكيف بعد هذا يرضاه لأمهات وأخوات وزوجات الآخرين، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى (1/41)
صفحة 42
شَيْءٍ".
والأصل أن كل فرد في المجتمع مسؤول عن أعراض الناس، يسعى للحفاظ عليه وصونه، ولا يفضه إلا بحقه، كما قال تعالى واصفا المؤمنين: " وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ".
وهنا نجد التعدد في الإسلام موضوع استثنائي لا يلجأ إليه إلا في الحالات الطارئة جدا، ولا يجوز أن يتخذ عادة للمجتمع، قال تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا".
ومن هذه الحالات الطارئة الهيجان الجنسي، فبعض الرجال عندهم طاقة كبيرة في إفراغ الجنس، قد لا يستطيعون إشباع طاقاتهم الجنسية في زوجة واحدة، وقد يفرض عليهم بذلك واقع العمل، كمثل الذين يعملون في أماكن متعددة، ولا يستطيعون حمل زوجهم إلى مكان عملهم، فيشبع غريزته من زوجة أخرى تزوجها من مكان عمله، أو لكون مكان عمله يوجد به إغراءات تثيره.
ويدخل الواقع المعاصر من الصور الفاتنة، والمقاطع المثيرة، والتي تهيج الغرائز، وتبلبل الأذهان، وبعض الرجال عندهم من القوة الجنسية التي لا بد أن تفرغ، لتستقر نفوسهم، وتهدأ غرائزهم.
لذا إما أن نشدد على أمثال هؤلاء في التعدد، وهنا حالة طارئة، فيلجأ إلى الكبت، والذي ينتج عنه أمراض نفسية وعضوية، ومنها نحو زوجته الأولى، فقد يعتبرها أساس أمراضه النفسية، فينقلب حبُّها له بغضا، وقد يلجأ إلى الطلاق للزواج عليها، فتنهدم أسرة، ويشتت أولاد، ويكون مصيرهم الضياع والانحراف إن لم يجدوا من يأخذ بأيديهم. (1/42)
صفحة 43
وإما أن يتجه هذا الصنف من الرجال إلى إشباع الغرائز عن طريق أمور محرمة كالاستمناء، أو انتهاك أعراض النساء باسم الخليلة، وهذا أشد ضررا، وأعظم جرما، لما ينتج عنه من أمراض جنسية لاختلاط الماء، فضلا عن انتهاك العرض، واختلاط الأنساب، وعدم الاستقرار النفسي.
لذا ندرك رحمة الله تعالى على العباد في إباحة التعدد كحالة طارئة، مع محاولة العدل الجنسي كشرط أساسي، يقول تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا".
وهنا هل الأفضل للزوجة أن يكون لزوجها حليلة أم خليلة، حيث أن الخليلة قد تنقطع العلاقة معها يوما ما بخلاف الحليلة؟
والجواب: إنّ هذه الزوجة ترمي بنفسها بداية، ثم بزوجها وأسرتها في وادٍ بهيم يصعب الخلاص منه، والأصل أنّ الزوجة تعين زوجها على طاعته لله، والالتزام بشرعه، والوقوف عند حدوده، وأن تضعه في دائرة الإباحة ليتخلص من دائرة الحرام.
فرضاها لاتخاذ زوجها عشيقات يمارس معهن الجنس مع علمها بذلك يضع أسرتهم في خطر عظيم، وقبل الإشارة عن هذا الخطر فإن هذا الزوج سوف يأنف عن زوجته لأنّه لا توجد رابطة تلزمه بحقوق نحو عشيقاته، لذا ستكثر لديه العشيقات، ويجد فيهن الرغبة التي تكرهه في زوجته، مما يجعله غير راغب فيها، مع الأمراض النفسية التي سيكابدها لعدم الاستقرار الجنسي.
ثمّ إنه سيعاشر نساء لا يتيقن الله تعالى، فقد يمارسن العشيقات الجنس مع أناس آخرين، وهذا معناه اختلاط الماء، وبالتالي تعدد الأمراض، وهذا الزوج سوف ينقل الأمراض وقد تكون خطيرة كالزهري والسيلان أو حتى الإيدز إلى زوجته وأولاده. (1/43)
صفحة 44
ثم إنه يشكل خطرا شرعيا عليها، فهناك طائفة كبيرة من الصحابة والتابعين وأهل العلم يرون أنّ المرأة إن كانت تعلم بعلاقات محرمة لزوجها ولو بالسماع تكون هي محرمة عليه؛ لأنّه في حكم الزاني، والزاني محرم على العفيفة لقوله تعالى: "الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ".
لذا كان الأولى للنساء أن يرضين بما أباحه الله تعالى من الحلال، وأن يعن أزواجهن على المباح، فالحرام وإن غلّف بأسماء خادعة لا يولّد إلا شرا، والشر يعم الزوجة والأسرة والمجتمع، بل والإنسانية.
الإجبار على الزواج
لقد شرع الله تعالى الزواج، وأمر بتيسيره وتسهيله، وجعل من أركان الزواج الولي، وبين حدود عمله فقد جاء في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، والأبوان وظيفتهما في الزواج وظيفة تيسير وتسهيل، مع مراعاة العوامل المؤثرة في النكاح، ومن أهم هذه العوامل الجانب النفسي، فالمرء مجبول على الميول لشيء دون آخر، وهذه فطرة فطرها الله تعالى في المخلوقات لا يجوز الغفلة عنها وإهمالها، فأنت تميل إلى شخص وتقرّبه إليك كصاحب وزميل ما لا تقرّب غيره ولو كان أكبر منك سنا، وأرجح عقلا، وأكثر مالا؛ بل ولو كان أخا لك أو قريبا، ولهذا قيل قديما: "ربّ أخ لك لم تلده أمك"، كذلك تميل إلى أنواع من الأكل وتشتهيها ما لا تميل إلى غيرها من المأكولات.
وإذا جئنا إلى العلاقة بين الجنسين سنجد هذا الأمر ظاهرا وواضحا؛ فترى الرجل في الغالب يميل إلى جنس معين من النساء، فإذا ما رأى امرأة تتصف بما تشغف به نفسه، ويهوى إليه قلبه، وقعت في نفسه، وأخذت لبه وعقله كما يقول الشاعر:
أتاني هواها قبل أن اعرف الهوى *** فصادف قلباً فارغا فتمكنا (1/44)
صفحة 45
وقد تكون هذه المرأة بعيدة عنه من حيث النسب، أو حتى من حيث الوطن أو البلد، وهذا الشيء نفسه يتعلق بجانب المرأة، فهي تميل إلى جنس معين من الرجال قد لا يكون من أقربائها أو من عشيرتها.
فهنا يأتي دور الأبوين لتيسير العملية، والبحث في العامل الثاني وهو الجانب الخلقي، فإن توفر في الرجل أو المرأة حسن الخلق؛ وجب عليهما ستر الابن أو البنت، وقد جاء في الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام -: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".
من هنا كان العامل النفسي من الركائز الأساسية في بناء أسرة مستقرة ومطمئنة، وعلى هذا نلاحظ كثرة الطلاق الناتج من ربط الولد بابنة عمه، أو البنت بابنة عمها، أو ما شابه ذلك؛ لأنّ الزواج كان تحصيل حاصل، ومع تقدم الزمان كثيرا ما يكون مصير هذا الزواج الفشل؛ لأنّ الولد أو البنت في حقيقتهما لا يوجد بينهما ميول نفسي، فيدخل الرجل على المرأة وفي نفسه امرأة أخرى، وكذلك بالنسبة للمرأة، فتشتد الخصومات بينهما لأتفه الأسباب، من هنا إما أن يحدث طلاق، فتشتت المرأة – خاصة في عصرنا -، بجانب تشرد الأولاد، وإما أن يتزوج الرجل امرأة أخرى، وتبقى المرأة عنده كئيبة كالمعلقة. (1/45)
صفحة 46
لذا راعى الإسلام الجانب النفسي والميول العاطفي، ولم يجعل من القرابة أو النسب حاجزا لتحقيق هذا الجانب، فقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم – عن نكاح الشغار وهو نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع أخرى، وهذا النكاح وإن كان النهي عن جعل البضع كمهر إلا أنّه في الوقت نفسه مراعاة للجانب النفسي والعاطفي للمرأة، ولهذا أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، والمخطوبة إلى خطيبها فعن المغيرةِ بنِ شُعبَةَ؛ أنَّهُ خطبَ امرأةً، فقال النَّبيُّ - صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّم -: "انظرْ إليها فإنَّهُ أحرى أنْ يُؤدمَ بينكُما".
من هنا لا ينظر الإسلام إلى الزواج كبعد جنسي أو عرقي؛ وإنما ينظر إلى الأبعاد الأخرى المترتبة من الزواج، وهذا ما فعله النبي – عليه السلام – عندما زوّج زيدا وهو من موالي قريش لزينب بنت جحش وهي من أشراف قريش، وقد بيّن العلة – عليه الصلاة والسلام – من هذا حيث قال: "إنما زوجت مولاي زيد بن حارثة زينب بنت جحش وزوجت المقداد ضباعة بنت الزبير لتعلموا أنّ أكرمكم عند الله أحسنكم إسلاما"، لذا تحقق في صدر الإسلام الأول بناء الأسرة على أساس المحبة والسكينة التي أرادها الله تعالى حيث قال: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها"، وقال: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"، فنشأ جيل في أسرة مستقرة، فنمت عقولهم لبناء أمة قوية مطمئنة، وكم من أمة تعصبت لدمها وجنسها كانت أمة ضعيفة هزيلة، وكم من أمة نظرت إلى أبعاد أكثر واقعية ومنطقية، وراعت النفوس البشرية، فكان لها حظها من التقدم والاستقرار. (1/46)
صفحة 47
فللوالدين حقهما في الطاعة والتوقير، ولكن في حدودهما، فحرية الإنصات والاحترام لهما تنتهي عندما تبدأ حريات الآخرين، فالأبناء كذلك لهم حقوق عليهما، ومن أعظم حقوقهما تنمية الجانب النفسي والغريزي لهما، ويندرج في هذا تلبية رغباتهما في الزواج بمن يرغبون فيه؛ لأنّ المستقبل لهما، وهما الخيط للجيل المقبل، ويتحملان المسؤولية الناتجة من الزواج، لذا كان للأبناء مشاورتهما، فإن رفضا وأصرا على رأيهما في منع الزواج كانت طاعتهما في هذا الزواج ساقطة، وإن أظهرا الزعل والرفض إلا أنهما مع مرور الأيام سيعلنان الخضوع والاستسلام والاعتراف بالواقع، لذا أسقط الإسلام ولاية الأب أو من ينوب عنه إن كان ميتا أو غير موجود في حالة عضل الولي زواج المرأة، إن كان الرجل خلوقا صالحا، وجعل الولاية بيد السلطان أو القاضي.
والأصل يؤخذ الأبوان باللين والرفق في إقناعهما، فإن وافقا فبها ونعمت، وإلا فالشدة والعزم آخر العلاج؛ لأنّ إرضائهما كليا غاية لا تدرك، والإنسان مطالب أن ينظر إلى مستقبل زواجه وما ينتج عنه من ذرية، لتنموا في تربة طيبة، وبلد طيب، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا.
الأم في الشرائع السماوية
من رحمة الله تعالى في هذا الكون البهيج أن جعل من مخلوقاته العظيمة المرأة المباركة، فأفضى عليها عنصرين عظيمين من عناصر الكون الأعظم، العنصر الأول عنصر الجمال، فجمالها لوحة مصغرة لجمال الكون الواسع، وكلاهما دليل على إتقان صنع الله تعالى وحكمته.
والعنصر الثاني الرحمة والسكينة والاطمئنان، وهذا تبثه المرأة من بين حناياها، فتفيضه إلى شقيقها الرجل، كما أنّ الكون يفيض رحمة وسكينة واطمئنانا على ساكنيه حيا أم جمادا؛ فكذلك المرأة، بما أودع الله تعالى فيها من عظيم الرحمة، وكبير العاطفة الجياشة. (1/47)
صفحة 48
لذا اعتبر الله تعالى المرأة جوهرة من جواهر الكون البهيج، فكما لا بد أن يحفظ الإنسان مكونات الكون وإلا تعرض للهلاك والفساد، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ فكذلك أوجب الحفاظ على الجنس الأنثوي، واعتبرها جزء لا يتجزأ من الذكر نفسه، قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فالذكر والأنثى خُلقا من نفس واحدة، فهما لباسا وجسدا واحدا في أصل الخلق.
وإذا كانت المرأة تتميز بالحنان والرأفة الشديدة تجاه شقيقها الرجل؛ فإنّ الأم هي مصدر هذا الحنان؛ بل هي مصنعه الأول والأخير، فأي حنان أعظم من حنان أمٍ تحملت ما في بطنها أشهرا تسعا، وهي تتألم وتعاني من آثار ذلك الحمل، تحملته وهي كارهة، ولكن الحنان غلب عليها، فصبرت وسكنت، فإذا ما ظهر على الحياة كانت له نعم الرؤوف الحنون، فإن بكى أرضته، وإن اشتكى داوته، وإن اتسخ نظّفته، وإن جاع أطعمته، وإن تعرى سترته، فظلت له وفية كريمة، حتى إذا اشتد عوده، وعظم بناينه، ومع ذلك لم ينقص من حنانها شيئ؛ بل ظلت وفية له، ولو عقها وضربها، وأساء إليها وهجرها.
فحق لهذه الأم أن تكرم، ومن الجمال أن يرد إليها فضلها وجلالتها، وإلا كان الكون الذي نعيشه ونترعرع فيه اليوم أصبح في خبر كان، فحفاظنا وتكريمنا للأم هو حفاظنا وتكريمنا لهذا الكون العظيم، الذي نأكل من خيراته، ونلهو فوق ترابه، ويظلنا بسقفه وسمائه. (1/48)
صفحة 49
من هنا جاءت الشرائع السماوية لحفظ هذه الكينونة العظيمة، واعتبرت الإساءة إلى الأم إساءة إلى الذات العلية جلّ وعلا، فهو الذي أوجدها، وهو الذي كرّمها وعظمها، وفي الوقت نفسه أوجب توقيرها واحترامها، فالإساءة إليها ولو بأفٍ كافية لأن تحرق هذا العاق في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، وقد جاء في الحديث الشريف: لا يدخل الجنة عاق، وهذا مما أجمعت عليه الشرائع السماوية، يقول الله تعالى في الوصايا العشر: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، وجاء في التوراة سفر التثنية إصحاح الوصايا العشر (20): أكرم أباك وأمك لكي يطول عمرك في الأرض التي يهبك إياها الرب إلهك، وقال المسيح لبعض الكتبة والفريسيين كما جاء في العهد الجديد، إنجيل متى، إصحاح وصايا الله فوق تقاليد البشر (15): أكرم أباك وأمك، ومن أهان أباه أو أمه فليكن الموت عقابا له.
وقد حفظت هذه الشرائع الأجيال ردحا من الزمن، فلم تعرف الأجيال في تأريخها عقوقا إلا من قبل ثلة من الناس، ومع هذا ينظر إليهم نظرة دونية، ولم يكن الناس بحاجة إلى يوم يذكرون فيه أمهاتهم؛ بل وجودها واحترامها منقوش ما دامت العروق نابضة بالحياة، بل حتى بعد موتها فمكانتها لا تسقط أبدا. (1/49)
صفحة 50
ثمّ لما ابتعد الناس عن هذه الشرائع العظيمة، وركنوا إلى عبادة شرائع البشر القاصرة، وانشغلوا بهذه الحياة الفانية، كانت الأم ضحية من الضحايا في هذه العصرنة المادية، فأصبحت ضحية الملاجئ ودار المسنين، فهي تعبت وتألمت؛ ولكن تعبها وألمها يفنى بكبر أولادها، فإذا ما شابوا لن تجد ابنا رحيما، بل ولا زوجا عطوفا، بجانب أنها قد عقت والديها من قبل، فتبقى في الحياة وحيدة كئيبة تنتظر الموت ليقضي عليها.
رسالة إلى القلب الرحيم والعقل الرشيد
هذه رسالة يبعثها إليكم شباب في مقتبل العمر، يبعثونها إلى كل أب رحيم، وعاقل أريب، أملهم أن يراجع المجتمع من جديد العديد من عادات الزواج وتقاليده البعيدة عن هدي الإسلام وسماحته، وأن يعملوا عقولهم ولا ينصاعوا لأهوائهم وأنانيتهم، وحب التباهي والتفاخر، وليكونوا في دائرة الجماعة متعاونين متكاتفين.
وها أنا أيها القراء الكرام انقل لكم الرسالة كاملة، بلا نقص ولا تعليق، لعلها تجد قلوبا رحيمة، وعقولا رشيدة، تقول الرسالة: "أيها المجتمع الكريم، تعلمون ما يحيط بالمجتمع، ومع تعقد الحياة وتقدمها، وكثرة المغريات الخادعة، وانتشار الاختلاط في المجمعات وغيرها، وعموم البلوى من انتشار المحرمات من الصور والعري في وسائل الإعلام بأنواعها، ولكوننا خلق من خلق الله، سنّ فينا قوانين الطبيعة، من ميول الرجال للنساء، وميول النساء للرجال، ولكن ما أن نفكر بالأمر نجد المجتمع قدّ وضع قيودا تعيق هذه الفطرة، وبنى سدودا أوقعتنا في دائر الأوهام النفسية، وقد توقع بعضنا والعياذ بالله فيما حرم الله تعالى. (1/50)
صفحة 51
وها نحن ننبه المجتمع إلى بعض العادات البعيدة – كما يقول أهل العلم – عن ديننا القويم، من هذه والتي باتت تقلق العديد من الشباب، ويحسبون لها ألف حساب، استئجار القاعات لغير ضرورة ولا حاجة إليها، وقد يلجأ البعض إلى المصارف الربوية، فتكون بداية لتحطم الحياة الأسرية، فلننظر آبائنا الكرام قبل عشر سنوات أو أقل بكثير، هل كنا بحاجة إليها، أوليست بيوتنا كافية لمثل هذه الاحتفالات، أم أنها المباهاة وحب التقليد؟!!!
ومن هذه العادات الذميمة غلاء المهور، بحجة ارتفاع الأسعار، وارتفاع قيمة الذهب، فبدلا أن يراعى الشباب في هذه الفترة العصيبة التي يمر بها العالم من ارتفاع الأسعار، نجد المجتمع بدلا أن يخفف الصعوبات في الزواج يزيدها تعقيدا وتعسيرا.
ومن العادات السيئة التباهي في الولائم وشراء الكماليات، فنتمنى أن يقف المجتمع مع الولائم وقفة حازمة، فليس من وسطية الإسلام وسماحته أن يستدين الشاب من أجل وليمة، فالديْن في الإسلام محرم إن كان لغير ضرورة ولا حاجة ماسة.
وانظروا آبائنا وأخوتنا الكرام إلى واقع من غرق في الديون بسبب الزواج، كم كان يتمنى أنه لم يطرق هذا الباب، بل العديد جر بهم إلى الطلاق، ومن منهم من نظر إلى زوجته وأمها وأهلها نظرة مقززة دونية، لأنهم في نظره السبب الرئيسي في إيقاعه في هذا الهم الذي أقلق باله، وذهب بسببه نومه وأمنه.
ولكم حدثنا آباؤنا عن يسر الزواج في عهدهم، وترابط المجتمع في زمانهم، مع شظف العيش، وقسوة الحياة، فلم لا نعيد ذلك الزمان، أم أن المادة وحب الحصول على الأموال واكتنازها أصبحت أساسا للعلاقة بين أبناء المجتمع، فلا قيمة للإنسان في هذا العصر.
فنداؤنا بداية إلى الراشدين من أبناء المجتمع من طلبة العلم، وأصحاب الأقلام والثقافة، وأولى العقول والنهى أن يقفوا مع هذه العادات وقفة صادقة، وأن يكرسوا جهودهم في غرس يسر الإسلام وسماحته في الزواج وغيره. (1/51)
صفحة 52
ونداؤنا ثانيا إلى الآباء والمجتمع ككل أن لا ينساقوا وراء العادات، ويضربوا بشريعتهم الغراء، وعقولهم النيرة، فلا بد أن تحكم العادات بالشريعة المطهرة، والعقل الرشيد.
فيسر الزواج وتعجيله بداية لبناء مجتمع نظيف مترابط، خال من الأمراض النفسية والبدنية، وإحياء مجتمع إسلامي يحصن شبابه من الوقوع في المحرمات والانحرافات السلوكية، إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما التوفيق إلا من عند الله العزيز الوهاب، والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، والحمد لله رب العالمين"
زواج الاستغلال
الزواج ليس مرحلة مؤقتة ثم تتلاشى وكأنه لم يكن؛ بل الزواج المقصد منه تكوين أسرة صالحة لتساهم سير الحياة، وليتم تحقيق السنة الإلهية في تواصل الأجيال لبناء الكون، وهذا لابد أن ينتج من أسرة صالحة متماسكة، ومع إعطاء الإسلام الجانب الديني والخلقي أهميته في الزواج؛ إلا أنه أيضا أشار إلى الجوانب الأخرى وخاصة الميول النفسي إلى شريكة الحياة، من هنا حث النبي صلى الله عليه وسلم إلى النظر إلى المرأة قبل الزواج، فإنه أحرى أن يؤدم بينهما، ولكن لا يكون هذا في مقابل الدين والخلف، "فاظفر بذات الدين تربت يداك".
والجانب المادي لا يكون أبدا معيارا رئيسيا لإقامة أسرة؛ فالمال قد يزول، وقد تسوّل للزوج نفسه فيأخذ مال زوجته بغير حق؛ لأنّه لم يتزوجها من أجل إقامة أسرة؛ وإنما طمعا في مالها.
لذا الغالب أن هذه الزيجات لا تستمر؛ بل قد تخسر المرأة مالها ونفسها، ويتشرد بعد ذلك أولادها؛ فعليها أن تختار الرجل الذي يسكن إليها، ولم يكن طامعا في مالها، عليها أن تختار الذي تزوجها لخلقها ودينها، ورغبة منه في إحياء أسرة معها، تحفها السكينة والطمأنينة. (1/52)
صفحة 53
وإن حدث هذا الزواج إلا أنّ نسبة النجاح لن تكون كبيرة، وإن تظاهر الزوج في الأيام الأولى رغبته فيها؛ إلا أنه بعد فترة وعندما يسيطر على مالها يكشر عن أنيابه، وتظهر حقيقته؛ إلا إن كان رجلا صالحا راغبا في عفتها وإقامة أسرة معها، فهنا يجمع بين الخلق والمال، وبهذا تقوم الأسرة غالبا قياما صحيحا.
فالمال له أهميته؛ ولكن يبقى دائما ليس هو والآخر في الحياة، فكم من أسرة متوسطة الحال لكنها أسعد بكثير من أسرة غنية، وقدمت أكبر خدمة للمجتمع، فالزواج مشاركة بين الرجل والمرأة، وهذا لن يتحقق في ظل الجوانب الجزئية، فلا بد من وضوح الهدف الرئيسي من الزواج، فإذا طغى الجانب المادي على الهدف الرئيسي فإن هذا الزواج يكون عرضة بصورة كبيرة للفشل.
فعلى المرأة أن تعي منذ البداية إذا عرضت حاجة مادية على الر جل مقابل الزواج منها فوافق فإنّ حياتها الزوجية سوف تشوبها التوترات، وإنّ هذا الرجل غير قادر على تحمل المسؤولية؟
فعلى المرأة أن تنظر من جوانب متعددة، فهل هذا الرجل كانت رغبته فيها غالبا طمعا في مالها أم لا؛ فقد يكون راغبا في تحقيق حياة أسرية معها، أما إذا كان من أجل مالها فسيكون هذا الزواج عرضة في الغالب للتوترات، ويكون مصيره الفشل؛ لأنه خلاف الأصل والفطرة، فالمال يأتي ويذهب، والنفوس تتقلب، والسكينة والدوام في الزواج مبني على الخلق والدين والميلان النفسي، وما عداه فهو تكميلي، وليس أساسيا في الزواج، بل هو عين زواج الاستغلال.
عبدة الشيطان (1/53)
صفحة 54
للحديث عما يسمى بعبدة الشيطان علينا أولا أن نعلم أن الله تعالى أراد لهذه الأمة أن تكون مستقلة في فكرها وسلوكياتها، وفي ثوابتها ومتغيراتها، وهذا لا يعني أبدا أنّ هذه الأمة لا تتأثر بغيرها، أو لا تتجانس مع الأمم الأخرى؛ بل هي جزء من هذه الإنسانية، ولكن أراد الله تعالى أن يكون هذا الجزء هو المؤثر، بما يقوم به من عنصر إصلاح لفكر الإنسان، وعنصر تقويم لسلوكيات البشر، بما تحمله هذه الأمة من كتاب جعله الله نورا يستضاء به في هذا الكون، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.
والله تعالى في كتابه أراد من هذه الأمة أن تكون أمة عقل وفكر، فالعقل من أعظم النعم التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان، وبه يستطيع التفكير والاستنباط، والتدبر والفهم، قال تعالى واصفا من لا يعمل عقله: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَائِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ.
وإعمال العقل ليس مقصورا على طبقة معينة، أو فئة مخصوصة؛ فالكل مطالب بإعمال العقل، حتى لا ينساق أمام أهوائه ورغباته الذاتية، مراعيا في الدرجة الأولى آيات الله البينات، وحدود الله الواضحات، وأعراف وتقاليد مجتمعه وبيئته، ما دامت لا تتعارض مع قواعد الدين وأسسه. (1/54)
صفحة 55
ثم إنّ عبادة الشيطان في التصور القرآني لها مفهومان: مفهوم عقدي تصوري، ومفهوم سلوكي عملي قيمي، وأساس المفهوم الأول قوله تعالى: "يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا"، فآزر والد إبراهيم لم يكن يعبد الشيطان في عقيدته وتصوره، وإنما كان يعبد الأصنام، فلم يقل له إبراهيم: يا أبت لا تعبد الأصنام، وإنما قال: يا أبت لا تعبد الشيطان؛ لأنّ الشيطان مصدر كل بلاء وانحراف عقدي وتصوري.
أما المفهوم الثاني فأساسه قوله تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم"، فهنا تتنازع طاعتان: طاعة الله تعالى المطلقة، وطاعة الشيطان القاصرة، فإذا ترك الإنسان طاعة الله تعالى فقد دخل في طاعة الشيطان، لأنّه مصدر كلّ طاعة مخالفة لطاعة الله سبحانه وتعالى.
وإذا جئنا ننزل قليلا إلى واقع عباد الشيطان عندنا خاصة وفي العالم عامة، نجدها لا تخرج عن هذين المفهومين.
فعبدة الشيطان بداية طائفة اتخذت من الشيطان ملهما لها، لها شكلها في اللباس والهيئة والرموز، شعارها محاربة القيم والأخلاق التي دعت إليها الشرائع السماوية، والتحلل من العبادات والمبادئ الإلهية.
ظهرت هذه الطائفة المنحرفة في الغرب، وشُجعت إعلاميا من حيث القنوات الماسونية، والجمعيات المحاربة للفضيلة.
إلا أنها غالبا لم تكن تدعي اتخاذها إلها آخر رمزا لها، إلا أنها بمخالفتها للقيم والأخلاق الربانية؛ كانت وكرا للشيطان الرجيم.
ومع انحراف هذه الفئة وضلالها؛ إلا أنها للأسف كانت رمزا يقتدي به كثير من فتياننا وفتياتنا من حيث لا يشعرون، يقتدون بهم في هيئة اللباس وقص الشعر، وفي الحركات والسكنات، وقد يقتدون بهم في الشواذ والانحراف الجنسي؛ لأن من أهم مقاصد عبدة الشيطان الانحراف الجنسي. (1/55)
صفحة 56
فعبدة الشيطان من أغراضها الإفسادية في الأرض بث نوعا معينا من اللباس يساعدهم في تحقيق أهوائهم المنحرفة، ويدر دخلا أكبر لشركاتهم المالية، ووضعوا لها الإعلانات الباهظة، والتي تظهر الرجولة والجمال والأناقة، وأقاموا من أجلها مهرجانات الأزياء، وألبسوها المغنين والمطربين، والراقصين والماجنين.
وهذا اللباس ذاته يزعزع رابط ستر العورات، فهي إما أن تكون ضيقة بحيث تجعل كلَّ أجزاء الجسم محددة، وإما أن تكون قصيرة فاضحة، خاصة ما يتعلق بلباس الفتيات والفتيان المراهقين؛ لأنّ هذا الصنف من الناس أكثر عرضة لتحقيق هذه الهيمنة المنحرفة.
ومما يساعد هؤلاء أنهم وضعوا عليها صورا لمشاهير الطرب والمجون، أو الرياضة واللهو، أو الساسة والمنحرفين، أو حتى مشاهير الأفلام الكرتونية.
ووضعوا عليها كتابات معينة، قد تكون سياسية، وقد تكون اجتماعية وجنسية، خاصة الكلمات التي تدعو إلى المثلية الجنسية، ورمزوا لها رموزا معينة.
لذا كان يجب التنبه إلى هذا الأمر، وإعطائه حقه من التوعية والدراسة، والتركيز على الجوانب التالية:
أولا: الاعتزاز بالهوية الذاتية أمر مطلوب، فهو عنصر من عناصر قوة الشخصية، وإظهار هذا على الأجيال المعاصرة إنما هو مواصلة لهذه الهوية، وإظهار لقوتها وذاتيتها، والتقليد الأعمى لكل ما هو جديد إنما هو دليل ضعف يصيب المجتمعات، فالأمم التي لا تفتخر وتعتز بما خلفه لها تراثها، هذه الأمة هزيلة، سرعان ما ستذوب في العولمة المعاصرة، حيث أن هذه العولمة كما أسلفنا ما هي إلا نوع من أنواع الهيمنة والتسلط من جانب ثقافي وفكري، والمنتصر فيها من اعتز بثقافته وفكره وعاداته.
وعبدة الشيطان ورائها جهات تسعى لتدعيمها في عالم الشرق، فيجب الحذر من دعوات هؤلاء، والنظر في كلّ ما هو جديد. (1/56)
صفحة 57
وإذا جئنا إلى سلفنا الكرام نراهم استفادوا من الحضارات المتقدمة في عصرهم كالرومان والفرس، ومع ذلك اعتزوا بثقافتهم ومبادئهم، ولم ينجرفوا إلى لباس وعادات الأعاجم مع سترها في ذلك الوقت، فما بال أبناؤنا اليوم ينساقون إلى لباس وعادات وثقافات غيرهم، مع مخالفتها في كثير من الأحيان للأعراف؛ بل للدين الداعي إلى الستر والفضيلة، كلبس الجنز المحدد للعورات، أو الملابس القصير، أو الأقمشة التي بها صور خليعة، ورموز منحرفة فاسقة، أو حلقات الشعر، أو التخنث والتمايل للرجال، والترجل للنساء، أو تقليد النساء بلبس الذهب والسلاسل على الأعناق بالنسبة للرجال.
فانتشار هذه المظاهر بين المراهقين والشبان دون تفريق بين نافع وضار، ودون إعمال العقل في ذلك؛ إنما هو دليل فراغ يعانيه هؤلاء في جانب الاعتزاز بالهوية والتراث، وضعف في التقيد بضوابط الشرع والعرف، وهذا ناتج من وسائل التربية، حيث أنّ المراهقين يميلون إلى تقليد أبطال الشاشة ولو كانوا منحرفين، وفي المقابل لا يجدون من يوجههم وينمي فيهم الاعتزاز بدينهم وثقافتهم، من هنا لا بدّ أن يعالج هذا الأمر في وسائل التربية، وشاشات التلفزة، والصحف والمجلات الهادفة، بجانب تنمية دور الأبوين والمعلم والمسجد، لينموا جيل يعرف ما يضره وينفعه، ويعتز بهويته وثقافته، ويسعى لرقي أمته ووطنه.
ثانيا: على الأسرة أن تكون مصدر توجيه وتربية بالنسبة للجيل المعاصر، فتوجهه إلى النافع وترك الضار، فمن حقه أن يتجمل، وأن يوافق الجديد، ولكن علينا أن نعمق فيه القيم الرفيعة، والمبادئ الناصعة، التي دعت إليه رسالات الأنبياء، مع التقيد بالخلق والأعراف النبيلة، سواء في المظاهر كاللباس وقصات الشعر، أو الرموز والأشكال في الملابس الداخلية، أو القيم والخلق التي جاءت الرسالات الربانية بدعمها وتفعيلها. (1/57)
صفحة 58
وهذا بحاجة أن تعي الأسرة، وأن تدرك الخطوط الرئيسة التي تدور حولها، حتى لا يقع أبناؤها فريسة للشيطان وأعوانه، وحتى لا يكونوا حجر عثرة ضد عاداتهم وتقاليدهم، وقيمهم ودينهم.
فلا بد أن نعتز بثقافتنا وهويتنا، وعلى المختصين مراقبة السوق قدر الإمكان، وعدم فتح مثل هذه الأبواب، والموجهين والتربويين معالجة هذا الأمر لدى الآباء والأبناء، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
من صام رمضان إيمانا واحتسابا
نص الحديث:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه الربيع والبخاري ومسلم.
نتطرق اليوم أيها الأخوة الكرام لنقف وقفات ثلاث مع حديث مبارك من أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهاكم الوقفات الثلاث:
الوقفة الأولى: صوم الإيمان
هنا يقول حبيبكم –عليه الصلاة والسلام- من صام رمضان إيمانا ...
فما المقصود بقوله إيمانا؟ وما العلاقة بين الصيام والإيمان؟
والآن أوجه إليكم هذا السؤال: لماذا تصومون رمضان؟ ولماذا لا تأكلون في نهاره؟ ولماذا لا تشربون كأسا واحدا من الماء فقط؟!!!
إذا قلت لكم أنا: لا تأكلوا ... لا تشربوا في شوال مثلا ... أتتبعوني ...
لا شك لن تتبعوني ... لماذا ... لأنكم تؤمنون أن المشرع هو الله وحده لا شريك له جلّ وعلا ...
من هنا ندرك –أخوتي الكرام- إن صيامنا لرمضان ناتج من إيماننا بالله وحده، فنحن نصوم استجابة لله، ونبتعد عن الطعام والشراب استجابة لله، ونترك المعاصي استجابة لله تعالى وحده ...
وهنا نطرح سؤالا آخر: لماذا يكثر الناس من العبادة في رمضان ويتكاسلون بعد انتصاف رمضان؟ أو بعد رمضان؟ ولماذا يبتعدون عن المحرمات في نهاره وينتهكونها في ليله؟ (1/58)
صفحة 59
هل يدل هذا على صيامهم لرمضان إيمانا بالله تعالى؟ إذا هؤلاء أيها الأخوة الكرام صاموا رمضان لأمرين: الأمر الأول عادة رأوا الناس يفعلونها، والأمر الثاني: استحضروا في قلوبهم عظمة رمضان، ولم يستحضروا عظمة خالق رمضان، مع أنّ الذي أمر بالصيام والقيام هو الله تعالى لا رمضان.
والآن تأملوا معي رحمكم الله آخر آيات الصيام يقول ربكم سبحانه وتعالى: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، انظروا: قال: تلك حدود الله، ولم يقل: تلك حدود رمضان، فأضاف الحدود إليه جلّ جلاله، ولم يضفها إلى رمضان، فرمضان فترة زمنية خلقها الله تعالى لا تنفع ولا تضر، وإنما نحن نعظم هذه الفترة لأن الله هو الذي أمرنا بتعظيمها، من هنا كان مبدأ المسلم العمل لله وحده، وعدم الإشراك به بأي شرك مادي أو زمني، "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ".
فصم رمضان –رحمك الله تعالى- مؤمنا به وحده جلّ وعلا.
الوقفة الثانية: من صام رمضان إيمانا واحتسابا
ما معنى واحتسابا؟ واحتسابا يعني محتسبا الثواب والأجر من عند الله تعالى وحده ...
فأنت أخي الحبيب تركت لذة الطعام طاعة لله وحده، واجتنبت المعاصي استجابة لله وحده، وحافظت على صلواتك مع جماعة المسلمين، وأخرجت زكاة مالك حبا في مرضاة خالقك، إذا أنت هنا صمت رمضان محتسبا الأجر من عند الله تعالى.
ولكن تعالوا معي –أخوة الإيمان- هل الذي يحافظ على الصلاة في رمضان ... ويهجر المسجد بعد رمضان ... يعتبر صيامه احتسابا لله تعالى وحده؟
هل الذي يجتنب الغيبة والنميمة في نهار رمضان ... ثم لا يبالي بأعراض الناس في ليله يكون محتسبا لله تعالى في صيامه؟
لا شك هؤلاء لم يكن صيامهم احتسابا، بل كان عن عادة وتقليد ... (1/59)
صفحة 60
فليكن صيامنا –أخوة الإيمان- احتسابا له سبحانه وحده، صيامنا وصلاتنا وقيامنا وصدقاتنا وصالحات أعمالنا لله جلّ وعلا، شعارنا قوله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين".
الوقفة الثالثة: غفر له ما تقدم من ذنبه
ما أجمل هذه الهدية لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، هنيئا لك أخي الصائم أن يغفر الله تعالى ذنبك، ويعتق رقبتك، ويرفع منزلتك، ولكن عليك أن تصوم رمضان إيمانا واحتسابا، لأن من في الحديث شرطية، والشرط أن تخلص العمل لله في رمضان نهاره وليله، وفيه وبعد انقضائه، والجواب يغفر الله لك، ويقبل توبتك، ويرفع عملك الصالح، نسأل الله ذلك لنا جميعا نحن المؤمنين الصائمين.
شكر النعمة
أيها الأخوة الكرام ... نبدأ مجلسنا اليوم بالحديث قليلا عن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام ...
انظروا –رحمكم الله وإياي- إلى سليمان ... أعطي ملكا لم يعط أحدٌ مثله لا قبله ولا بعده، كان له الملك الواسع، والمال الوفير، وسخرت له الريح، واستعبد له الجنّ، ولان له الحديد، ومع هذا كله ما كان منه إلا أن يتواضع لواهب النعم والمنن قائلا: "قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم".
لسان حاله: يا الله وهبت لي من النعم ما وهبت، وسخرت لي من المنن ما سخرت ... فأنت صاحب الفضل والمنّ وحدك لا شريك لك ...
يا الله ... هذا ابتلاء منك ... هل أشكر النعمة فأضعها في طاعتك فأكن من الفائزين ... أم أكفر بها وهي نعمتك أنت وحدك، فأعصيك بها، فتكون شاهدتً علي، فأكن من الخاسرين النادمين ...
يا الله ... لئن شكرت فلنفسي، ولئن كفرت فأنا الخاسر، فأنت غني عني وعن نعمائك. (1/60)
صفحة 61
انظروا رحمكم الله ... هذا سليمان ... ومن كسليمان في التأريخ أعطي ما أعطي من النعم ... وانظروا كيف قابل ربه بهذه النعم ... جعلها في طاعته جلّ وعلا ... فاستحق الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
ولننظر إلى أنفسنا ... كم من النعم التي هبنا الله إياها؟ هل كنا شاكرين الله بها أم من الكافرين؟!!!
تصوروا نعمة الصحة ... نعمة السمع والبصر ... نعمة الحياة ... ماذا لو فقدناها ... أتستطيعون العيش بلا سمع أو بصر؟ أتصبرون على المرض ... ؟
ولننظر الآن هل شكرنا الله بهذه النعم أم كفرنا بها؟ أهي شاهدة لنا يوم القيامة أم علينا؟
وها نحن في شهر الصيام ... انظروا حاجتكم إلى الشراب والطعام ... تصوروا أمما تعيش طول عامها في جوع وبحث عن الشراب ... وأنتم والحمد لله تأكلون وتشربون بكل سهولة ويسر ... فهلا شكرتم الله على هذه النعمة ... فتضعونها فيما يحبُّ ربكم بلا إسراف ولا تقتير ...
وانظروا إلى نعمة اللباس ... كم من الملابس تتباهون بها ... انظروا إلى أمم في العالم يتقاسمون اللباس فيما بينهم لضيق ما في اليد، فهلا شكرتم هذه النعمة، فجعلتموها شاهدة لكم يوم تلقون الله تعالى، لا تسرفون فيها، ولا تتكبرون بها ....
ومن النعم - رحمكم الله – التي تتنعمون بها نعمة الاتصالات، نعمة الهاتف النقال أو المحمول ... تقضون الحوائج في وقت قصير، كم من الناس يعصون الله تعالى بها، تصوروا –هداكم الله وإياي- لو كنتم فاقديها ماذا يكون حالكم، فهلا شكرنا الله تعالى في نعمة الهواتف والانترنت، وجعلناها شاهدة لنا في الخير والبر والصلاح؟!!!
ومن النعم الجليلة التي تتنعمون بها أيضا نعمة التلفزة والقنوات الفضائية، تشاهدون فيها النافع المفيد، وتتابعون العالم وأنتم جالسون في بيوتكم، فاشكروا الله تعالى فيها بمشاهدة ما ينفعكم ويرضي ربكم، وتجنبوا مشاهدة ما يغضب الرب، فهذا من كفران النعم والعياذ بالله من الخذلان. (1/61)
صفحة 62
ومن النعم التي نتمتع بها ليل نهار –أخوتي الكرام- نعمة اللسان، انظروا لو فقدتم هذه النعمة كيف تتكلمون ... أم كيف تفهمون بعضكم البعض، فحذار من وضع هذه النعمة فيما يغضب الرب، في الغيبة والنميمة والبهتان، وحذار من وضعها في الكذب والسخرية والاستهزاء، رطبوا لسانكم بوضعها في كل خير يقربكم إلى الله تعالى، فتكون رحمة لكم دنيا وأخرى.
ومن أعظم النعم إطلاقا نعمة الوقت والزمان، ونعمة الصحة والفراغ، فبدونهما لن تستطيع أن تعمل أدنى عمل تسعد به، تأمل معي حديث حبيبك صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
فلنعمر أوقاتنا بما يرضي ربنا، ويقربنا إليه، ويشفع لنا عنده جلّ وعلا، ولنحذر كفران النعم، صغيرها وكبيرها، ولنتذكر دائما قوله تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
السؤال قبل الزواج
الزواج مرحلة مهمة من مراحل الحياة، فبها يستقر الشريكان، ويتقاسمان جزءا من حياتهما، من هنا كان معرفة أحدهما عن الآخر مهمة، ولكن في حدود الوسطية، إذ لا إفراط ولا تفريط.
والرسول – صلى الله عليه وسلم – أرشد إلى اختيار المرأة، والظفر بذات الدين، حيث قال - عليه السلام -: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".
فالناحية الخلقية والدينية هي أهم الأولويات في السؤال عن المرأة، وكذلك بالنسبة للمرأة أو وليها، عليهم أن يهتموا بالجانب الخلقي والديني للمتقدم للزواج، ولا يصح المبالغة والإفراط في السؤال، ومعرفة دقائق الأمور، والإفراط في الاهتمام بالجوانب المادية والشكلية؛ لما في هذه من تأثيرات على مستقبل الحياة الزوجية، وهذا ما يفهم من حديث النبي – صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
ومن الأمور التي يمكن الاهتمام بها في السؤال التالي: (1/62)
صفحة 63
1 - الطموح المستقبلي والهدف من الحياة الزوجية، حيث إنّ لكل إنسان أمنية في حياته يسعى لتحقيقها سواءً في المجال الاجتماعي أو الديني أو الأسري أو العلمي وغيره، ومن المهم في بداية التعارف بين الخاطب والمخطوبة أن تكون الرؤية المستقبلية للطرفين واضحة، وكلما كانت الرؤية واضحة كلما قل الخلاف بين الزوجين في المستقبل.
2 - الصفات التي يحب أن يراها الشريكان في بعضهما، وبذلك يستطيع كل طرف أن يحكم على الطرف الآخر إذا كان يناسبه من عدمه، نحو المحبوبات والمكروهات إلى النفس من السلوك والأخلاقيات.
3 - السؤال عن المشاكل الصحية والعيوب الخلقية، فلا شك أنّ معرفة الأمراض التي يعاني منها الطرف الأخر تؤثر في قرار الاختيار في الزواج؛ بل إن إخفاء المرض على الطرف الأخر يُعتبر من الغش في العقد فلا بد أن يكون ذلك واضحاً بين الطرفين سواء كان به عاهة مستديمة أو برص في أماكن خفية من جسده أو مرض السكر أو غيرها من الأمراض أو العيوب التي يعاني منها المقبل على الزواج.
4 - العلاقات الاجتماعية، فإنّ العلاقات الاجتماعية هي أبرز ما يميّز الإنسان، ومهم أن يكون الإنسان اجتماعي الطبع يألف ويُؤلف، يحب ويُحب، ومهم عند التعارف أن يتعرف على الطرف الآخر من الناحية الاجتماعية كمعرفة أصدقائه وقوة علاقته بهم، وهل هو من النوع الاجتماعي أو الانطوائي.
5 - العلاقة بالوالدين والأرحام، فإنّ معرفة علاقة الخاطب أو المخطوبة بوالديه وأهله أمر في غاية الأهمية، وذلك لأنة كما يقال إن الزواج ليس عقداً بين طرفين فقط وإنما هو عقد بين عائلتين فالزوج لن يعيش مع زوجته بمفرده منقطعاً عن العالم من حوله، وإنما سيعيشان معا، ً وكلما كانت العلاقة بالوالدين حسنة كلما بارك الله في هذا الزواج، وكتب لهذه العائلة التوفيق. (1/63)
صفحة 64
وهنا نطرح هذا السؤال: من الشخص الذي يُسأل؟ فمن المشاكل التي تعاني منها الأسر عند الزواج الحسد، سواء كان المسؤول عنه الزوج أم المرأة، من هنا لا يصح أن يسأل إلا الثقة الذي يؤمن منه الكذب وعدم الغش، ولا يصح التلقي من المجهول الذي لا يعرف مصدر خبره.
فغير الثقة قد يستر عيوبا متعلقة بالزوج أو الزوجة تؤثر على مستقبل الزواج، أو قد ينسب عيوبا مختلقة وليست صحيحة.
وليس العبرة بالمسؤول مدى القرابة، وإنما العبرة بمقدار الثقة والأمانة التي تتوفر في المسؤول.
فالزواج مرحلة مهمة، وفي الوقت ذاته مرحلة خطيرة، فلو تحدث شخص مجهول عن الشريكين حديثا سلبيا أو إيجابيا لا يقبل منه، ولا يصح أن يجعل معيارا يقوّم به الشريكان، فلا بد أن يكون المسؤول معروفا ثقة أمينا لا يكتم العيوب، ولا يفتري كذبا على الشريكين، ولو كان بعيدا عن عائلة الشريكين، فرب أخ لك لم تلده أمك.
وفي المقابل إذا سُئل شخص عن رجل أو امرأة عليه أن يتقي الله تعالى، ولا يقول إلا حقا، فإنه قد يفسد علاقة بسبب زلة لسانه، وعليه أن لا يتسرع في الجواب، ولا يقول إلا خيرا، إلا إذا كان عيبا خُلقيا كاتصافه بعادة سيئة كشرب الخمور إن كان متأكدا، أو عادة خلْقية كإصابة أحد الشريكين بمرض خبيث، والأصل في المسؤول أنه يبارك ويجمع، إلا إذا دعت الضرورة ما لا بد من ذكره فليذكره مع التأكد والحذر، وأن يكون بنية الإصلاح لا غير، فالمستشار مؤتمن.
السحر (1/64)
صفحة 65
السحر أمر ثابت نصا وواقعا، فهو أمر ملاحظ في واقع الناس، لذا بيّن القرآن الكريم حقيقته، قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ فهنا القرآن الكريم يثبت لنا حصول هذه الظاهرة في المجتمع البابلي، مبينا العلاقة بين بعض الضعفاء من الإنس، واستغلالهم من قبل شياطين الجن في إيذاء الناس من خلال ظاهرة التفريق بين الزوجين، وهو من مظاهر الكفر حيث بها يتظاهرون بالقدرة على وقوع الضر بالناس مبينا القرآن أنّ الأمر بيد الله تعالى وحده، وهؤلاء السحرة مهما أدعو القدرة فهم في النهاية ضعفاء لا يجلبون نفعا، ولا يدفعون ضرا.
ومن خلال الآية ندرك أن السحر في حقيقته شر، وتعلمه أيضا شر، لأنه قرين الشرك والكفر، لذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذهاب إلى العرافين وسؤالهم وطلب النفع منهم. (1/65)
صفحة 66
وبعض الناس يعتقد أن تعلم السحر لا بأس به لفك السحر، وهذا اعتقاد خاطئ، فإن الشر لا يُعالج بالشر، وإلا سيتحول إلى شر أشر منه، وإنما علاج السحر أساسا بقلع جذور السحر عن طريق إنزال أشدّ العقوبات التعزيرية بمن يمارس هذا النوع من الشر، لذا أباح بعض العلماء إهدار دمه عن طريق الحاكم أو القاضي أو من ينوب عنه نيابة رسمية؛ لما يحدث من فساد في المجتمع، وهذا ليس ببعيد، والله تعالى يقول عن المفسدين في الأرض: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
والذهاب إلى العرافين والسحرة لا يصح شرعا إطلاقا، ولو ادعى الذاهب أنه بذهابه لا يقصد الاستعانة بغير الله، أو الأخذ بالأسباب، لما في ذلك من تشجيع للسحرة والكذابين في التمادي في أكل أموال الناس بالباطل، فضلا عن التلبيس والدجل، ولو أدعو استخدام آيات القرآن الكريم، فهذا من التلاعب بالكتاب الحكيم، حيث يصبح مجرد أوراد وتمائم، حيث يهجر في إتباعه وتدبره، ويقصد في التمائم والشعوذة، ولو طبق القرآن حقا، تطبيقا عمليا سلوكيا، واتباعا قلبيا إيمانيا؛ لتلاشت الأمراض النفسية، وزالت الأوهام القلبية، وبهذا لن يجد الساحر والمشعوذ مجالا للتلاعب بعقول الناس وقلوبهم، فضلا عن أكل أموالهم والتلبيس عليهم.
أما عن السؤال المطروح هل يجوز للمرأة الذهاب إلى العرافين، وذلك خوفا أن يعمل له ربط مع غيرها، فتفقد حبه لها، ورغبته فيها؟
والجواب على هذا السؤال من شقين: (1/66)
صفحة 67
الشق الأول: على المرأة أن تعلم علم اليقين أنّ المتصرف في الكون هو الله وحده لاشريك له، كما بيده تصريف الأجسام والأبدان، ونقلها من حال الصحة والعافية، إلى حال السقم والمرض؛ أيضا بيده سبحانه تصريف الأرواح والقلوب، قال تعالى حكاية لدعاء المتقين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}، ويقول تعالى أيضا: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، لذا لا ينازع الله في ذلك ولا يشرك به جل وعلا.
نعم أمرنا أن نعرف الأسباب، لنضع لها العلاج المباح شرع، وفق السنن الكونية التي وضعها الله في الكون، فالتعلق بالله سبحانه في كل وقت رافد أساسي لعلاج جميع الأمراض النفسية والبدنية.
الشق الثاني: على المرأة أن تعلم أن العديد من المشاكل الناتجة في نفور الزوج عن زوجته أو العكس في الغالب هي أمراض نفسية، فالعلاج في استمرار المحبة بين الزوجين ليس الذهاب إلى العرافين والمشعوذين، ولكن بمعرفة الداء لوضع العلاج، وهذا يكمن في:
أولا: التعلق بالله تعالى وحده، وطلب إدامة المحبة منه سبحانه، فهو الذي بيده كل شيء من نافع وضار. (1/67)
صفحة 68
ثانيا: على المرأة أن تعلم أن زوجها في الغالب يكون خارج البيت طالبا للرزق، لذا يختلط بفآت من الناس، مما يؤثر على نفسيته، فإذا رجع إلى البيت؛ فإنه يرجع إليه ليطمئن بعد نفور، ويستقر بعد تعب ونكد، فإذا رجع بيته، ووجد امرأة طويلة اللسان، شديدة النقد، ضعيفة الاهتمام بالتجمل له؛ لا شك مع مرور الأيام سينفر منها، إذا كان كثير العصب، شديد التأثر بالمواقف، فتضن المسكينة إذا ابتعد عنها أن ذلك عن طريق ربط له، فتقع ضحية المشعوذين، فيأكلون أموالهم من جانب، ويتركونها في دائرة سوء الظنّ بالناس، لاعتقادها أن شخصا ما وضع هذا الربط، هذا من جانب آخر.
لذا لابد من تقوية الجانب النفسي بين الزوجين، وإدامة حسن الظنّ بينهما، وتقدير الظروف التي يعاني منها الطرفان، سواء الظروف الطبيعية الذاتية، أو الظروف الناتجة نتيجة الاتصال بالعمل والمجتمع.
لذا ستقل المشاكل، ولن سيجد الساحر والكاهن المسكين المجال للتلاعب بعقول الناس وقلوبهم، وأكل أموالهم وخيراتهم، وتدوم القلوب بين محبتين، المحبة في الله، والمحبة في تحقيق العشرة الزوجية الهادئة المطمئنة.
أرمضانيون أم ربانيون
أرمضانيون نحن أم ربانيون؟
أنعمل لرمضان أم لرب رمضان؟
أنراقب رمضان أم رب رمضان؟
أتعظيمنا لحدود الله وأوامره في رمضان ألرمضان أم لرب رمضان؟
من سيجيب على هذه الأسئلة، هل سأجيب عليها أنا أم أنتم؟ بل سأختصر لكم الطريق وسيجيب عليها رب رمضان في كتابه الكريم.
لنرجع قليلا إلى آيات الصيام بماذا افتتحها الله تعالى، أولم يفتتحها بقوله:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} البقرة: (183)
فمن الذي كتب الصيام؟ أليس الله؟
ومن الذي فرضه؟ أوليس رب رمضان؟
إذا فمن صاحب العظمة المطلقة أرمضان أم رب رمضان؟
والآن تعالوا معي إلى ختام آيات الصيام ماذا يقول الله تعالى: (1/68)
صفحة 69
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} البقرة: (187)
إذا أوامر الله ونواهيه وطاعاته وواجباته حدود من؟ أحدود رمضان أم خالق رمضان؟
آآنطيع الله في نهار رمضان ونحاربه في ليله؟
أو نقرأ القرآن ونعمل الطاعات في نهاره، ونحبط ما جنيناه في ليله بالنظر إلى الحرام، وسماع الحرام، والمشي إلى الحرام، والكلام بالحرام، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} البقرة: (264) أو ما ترون ما يحارب الله به الآن في رمضان يسمونه: فوازير رمضان، مسلسلات رمضان ... وفيها من العري والكذب ما يحبط أعمال الناس في رمضان ....
أيستطيعون أن يقولوا: فوازير ومسلسلات لرب رمضان؟ كلا وألف كلا لأنهم يتقربون بها إلى الشيطان وأعوانه ليقذفوا جميعا في نار جهنم بما يحاربون الله به: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سبأ: (32) - (33)
فيا الله تعظيمنا لك وحدك، لا نشرك معك أحدا، مقرون بربوبيتك، معترفون بإلوهيتك، (1/69)
صفحة 70
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} الأنعام: (162) - (164)
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، منيبين إليه إنابة بعد إنابة.
الغيرة والشك قنبلة موقوتة تهدد أسرنا ومجتمعنا
دائرة الشك دائرة واسعة، ولها بعدها عن دائرة اليقين، وإن كانت دائرة الشك تقترب من دائرة الظنّ، والقرآن أمرنا باجتناب الظنّ، قال تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، فالله تعالى هنا جعل الشك ضمن دائرة الظنّ التي تؤدي غالبا إلى خلاف الحقيقة.
وفي سورة الحجراتِ الراسيةِ لأسس البناء الاجتماعي تظهرُ دائرةُ الظنّ في دائرة واسعة، وفي هذه الدائرة دائرةُ صغيرة، وهي دائرة الظنّ الآثم، إلا أنّ هذه الدائرة الصغيرة غير واضحة، ولا نستطيع تحديد موقعها من الدائرة الكبيرة، من هنا أمر الله تعالى باجتناب الظنّ كليّا خشية الوقوع في الدائرة الصغيرة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.
وإذا جئنا إلى تعريف الشك فهو ما استوى طرفاه وهو الوقوف بين الشيئين، لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظنّ، فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين.
أما الغيرة فهي سلوك طبعي في الإنسان، يتأثر كثيرا بجوّ البيئة وثقافتها، لذا نجدُ الغيرة موجودة في الإنسان أجمع، ولكن شدتها وضعفها يعود إلى ثقافة المجتمع وتقاليده. (1/70)
صفحة 71
هنا نجدُ ترابطا وثيقا بين الغيرة الزائدة وسوء الظنّ، وهذا يؤدي إلى كثيرٍ من المشاكل الأسرية، والتفكك الاجتماعي، من هنا لا يمكن معالجة المشاكل الاجتماعية الناتجة عن سوء الظنّ والشك؛ إلا بالوقوف عند الغيرة، ومعرفة حدودها وآلية التعامل معها.
والشرائع السماوية لا تنكر غريزة الغيرة، فهي غريزة طبعت في الكائنات الحية ومنها الإنسان، لذا جاءت الشرائع بتنظيمها، شأنها كأي غريزة في النفس البشرية، فالإنسان جبل على الغيرة على من يحبّ، وكذا الغيرة من محارمه كأمه وأخته، وابنته وعمته وخالته، لذا أباحت لهؤلاء أن يبدين زينتهن لمحارمهن، وذلك لوجود حاجز الغيرة، والذي تدفع الإنسان إلى الحفاظ على عرضه وشرفه.
ومع هذا فالغيرة كغيرها من الغرائز وضعت لها الشرائع السماوية حدودا، والهدف من هذا تنظيمها، وإلا سوف تُسال دماء بسببها، وتُهدم بيوت أسست على كلمة الحق؛ لأنّ الغرائز إن لم تهذّب تكون وباء على الجنس البشري.
وإذا جئنا إلى الغريزة الزوجية، فالزوج فطريا جبل على الغيرة من زوجه، وكذلك بالنسبة للزوجة تجاه زوجها، وتشتدُّ هذه الغيرة وتنخفض بحسب البيئات وما تحويه من ثقافات وعادات وتقاليد، إلا أنّ الغيرة تبقى موجودة في الجنس البشري؛ بل وحتى في الكائنات الأخرى.
والإسلام جاء لأمرين: أولا: الحفاظ على هذه الغريزة، وثانيا: تهذيبها لتكون معتدلة تدور في دائرة الوسط بلا إفراط ولا تفريط. (1/71)
صفحة 72
أما عن الأول فهناك من يحاول التملص من هذه الغريزة، والنزول أدنى من درجة الحيوانات، فنراه لا يغار على زوجه، ولو جالست رجالا أجانب بلا أدبٍ أو حشمة، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة ديوث"، والديوث هو الذي لا يَغارُ على أهله، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
وبعضهم يحاول الاستهانة بهذه الغريزة بدعوى تقليد المدنية المعاصرة، أو تطبيق نظريات بشرية قاصرة، والمؤمن الحق ينظر إلى آثار الاستهانة بهذه الغريزة في المجتمعات المقللة لها، من هتك الأعراض، وهدم البيوت، وكثرة اللقطاء، واختلاط الأنساب، وكثرة الاغتصاب، فالإسلام لا يطلب منك أن تغار على زوجك فحسب؛ بل حتى على أقربائك وغير أقربائك، فأنت تغار وتحفظ ليس أهلك فقط؛ بل نساء المجتمع أجمع، فعن أبى أمامة رضي الله عنه قال: إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا؟ فأقبل القوم فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال له: "ادن" -أي اقترب منى– فدنا منه قريبا، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: "لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك"، قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: "لا والله، جعلني الله فداءك"، قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم"، وهكذا ظلّ يعدد له أهله.
أما عن الثاني وهو تهذيب غريزة الغيرة فهذا ينطلق في منظور الشريعة الغراء من جوانب عدة، نحاول التطرق إليها سريعا في هذا اللقاء. (1/72)
صفحة 73
أمّا عن الجانب الأول فالعلاقة الأسرية بنيت على الثقة والسكينة يقول تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، فالأصل أنّ العلاقة بين الزوجين مبنيّة على الثقة وحسن الظنّ بين الزوجين، لذا يجب الحفاظ على هذا الأصل، والغيرة داخلة في هذا الأصل، ولا يجوز هدمه باسم الغيرة الزائدة، يقول عليه الصلاة والسلام: "من الغيرة ما يحبُّ الله, ومنها ما يبغضه الله, فأمّا التي يحبّها الله فالغيرة في الريبة, وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة".
وأمّا الجانب الثاني: الأصل في العلاقة الزوجية حسن الظنّ، فمتى ما قامت العلاقة على هذا الأساس كان النجاح والاستمرارية نتاجها، وإذا ما دخلها سوء الظنّ فإنّها تقترب من الخراب والفراق والتشتت، لذا يجب أن توضع الغيرة في دائرة حسن الظنّ، وإلا ستكون وبالا ليس على الزوجين فحسب؛ بل على الأسرة والمجتمع ككل، وتصبح قنبلة تدمر البيوت، وتشتت الأسر، فعن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، لو وجدت مع أهلي رجلاً لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني، وقال بعضُ الحكماء: إذا ضبطت نفسك متلبسا بالغيرة من إنسان ما، فطّهر أحاسيسك جيدا فقد تكون في حالات إثم وأنت لا تعلم - انتبه لا تخنقهم بغيرتك إذا كنت تحرص على بقائهم معك فقد تخسرهم للأبد وأنت لا تعلم. (1/73)
صفحة 74
ثالثا: الأصل في المرأة المسلمة الصلاح، وكذلك بالنسبة للزوج المسلم، وهذا بدوره يضيّق الخِناق على دائرة التجسس بين الزوجية كنتيجة للغيرة الزائدة، فلا يجوز للزوجين التجسس على بعضهما البعض، فقد يسمع أو يرى شيئا في ظنّه خاطئا، فيتصوره تصورا بعيدا، فتكون النتيجة ما لا يحمد عقباه، كالتي تجسس على رسائل زوجها، أو بريده الالكتروني ونحوه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
ومن صور التجسس نتيجة للغيرة الزائد الطروق ليلا للمسافر، أي مباغتته لأهله عند قدومه من السفر دون علم منهم، فقد روى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا لئلا يخونهم أو يطلب عثراتهم، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا قدم أحدكم ليلا فلا يأتين أهله طروقا، حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة".
والسؤال الذي نطرحه هنا: كيف نتعامل مع الغيرة؟ ونجعلها متزنةً معتدلة، بلا إفراط أو تفريط!
وقبل الإجابة على هذا السؤال نجد أنّ الغيرة غالبا ما تشتدُّ عند النساء وهذا شيء فطريّ فيهنّ، مما يجعلهنّ كثيرا ما يظهرنّ إسقاطات يعبرنّ بها عن هذه الغيرة المكنونة في نفوسهنّ، وقد تكون هذه الإسقاطات فوق الاعتدال المطلوب، وقديما قال العزيز: إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، وعن أنس رضي الله عنه أنّه قال: أهدى بعض نساء النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وهي أم سلمة رضي الله عنها ـ له قصعة فيها ثريد، وهو في بيت بعض نسائه، فضربت عائشة يد الخادم، فانكسرت القصعة، فجعل النبي يأخذ الثريد ويردّه في القصعة، ويقول " غارت أمّكم". (1/74)
صفحة 75
من هنا يجب على الرجل أن يراعيّ هذه الغريزة الجياشة لدى المرأة، فغيرتها عليه من باب حبّها له، وأن يحاول تقبل الوضع وإرشادها بالرفق واللين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجه عائشة.
وهذا لا يعني أنّ المرأة تُعذر أن تهذّب غريزتها؛ بل يجب عليها تهذيبها وفق المنظومة المتقدمة: "عدم الشك + حسن الظنّ + عدم التجسس = الاستقرار والثقة بين الزوجين"، وأيُّ خلل في هذه المنظومة يؤدي إلى (الشك والتذبذب في ثقة وصلاح الزوج يؤدي إلى سوء الظنّ به، وبالتالي التجسس عليه، والنتيجة التفكك في العلاقة الزوجية، ومن نتائج التفكك الأسري الطلاق وانهيار الأسرة وتشرد الأولاد ليكونوا وبالا على المجتمع)، وهذا كلّه ناتج من الغيرة الزائدة، التي لا يُراعى فيها الحدود التي شرعها الشارع الحكيم لتنظيم هذه الغريزة الفطرية.
وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه آنفا كيف نتعامل مع الغيرة؟ وما العلاج الأمثل الذي نوزن به هذه الفطرة؟
والجواب: يتمثل في عدة أمور منها:
أولا: تصحيح التصور العامّ للغيرة، فلا إفراط في فهمها ولا تفريط، فهي غريزة بشرية أودعها الله تعالى في الإنسان، فهي ليست وباء تجعل الحياة الزوجية فوضى وذات جو متذبذب قوامه الشك وسوء الظنّ، وفي المقابل لم تودع في الإنسان ليطلق العنان لها دون تهذيب ولا نظام؛ بل هي كسائر الغرائز أودعها الله لحفظ الكيان الأسري، فكما أنّ غريزة الأكل تحفظ الجسم من الذبول والمرض، فكذلك غريزة الغيرة تحفظ الأسرة من التشتت والانهيار، فالمحبة الناتجة بين الزوجين يجعلهما دائما في حفظٍ للآخر، وحمايةٍ له، ولكن يبقى هذا كما مرّ في دائرة الثقة وحسن الظنّ بالآخر. (1/75)
صفحة 76
ثانيا: تقديس الأسرة وبيان عظمتها ومكانتها في المجتمع، فهي القاعدة التي ينمو ويترعرع فيها الإنسان، فإذا كانت العلاقة بين الزوجين مبنية على عدم الثقة بالآخر، وسوء الظنّ به؛ فإنّ هذه الأسرة ستكون مرتعا للمشاكل، وميدانا للتباغض والتناوش، وفي الجملة تكون هذه الأسرة سوسا يهدد استقرار المجتمع وتقدمه على المدى البعيد، من هنا لا بد أن نجعل من الغيرة عنصر بناء واستقرار، لا عنصر هدم وإفساد.
ثالثا: بما إنّ الغيرة في الأصل عنصر بناء للأسرة من هنا لاتزانها لا بدّ من فتح الحوار الهادئ بين الزوجين، أما الكبت سوف يؤدي إلى أوهام مع مرور الأيام سوف يعشش فيها سوء الظنّ، مما ستنفجر يوما ما، وسيكون انفجارها سيئا، وآثارها وخيمة.
نعم الغضب الناتج من الغيرة شيء طبيعي، وهو أفضل من الكبت، ولكن إذا حوّل هذا الغضب إلى حوار هادئ بعيد عن الطعن بالآخر لا شك سيأتي جدواه في ظلال الغيرة المعتدلة والمتزنة.
وبهذا نستطيع أن نتعامل مع الغرائز تعاملا منطقيا وسطا، كما أراده خالق الغريزة ذاتها، وبه تستقر الأسر، وتنمو البيوت، وتتقدم المجتمعات.
اللباس في الإسلام
اللباس من النعم التي أنعمها الله على العباد، فقد سترا للعورات، وزينة للبدن، يتجمل به الإنسان بلا إسراف ولا مخيلة، يقول تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
والإسلام اعتبر اللباس أمرا عرفيا، تعود ماهيته إلى عادات الناس وتقاليدهم، فللعرب أعرافهم الخاصة في اللباس، وكذلك الأجناس الأخرى، والمسلم مطالب أن يراعي المجتمع الذي يعيش فيه، فالأعراف معتبرة في نظر الشرع الحنيف. (1/76)
صفحة 77
وفي ظلّ الاستعمار الفكري والخلقي توجد ثقافات معينة تريد أن تفرض ثقافتها على العالم، وهذا ما يسمى بهيمنة العولمة، فهي تريد أن يكون العالم مقلّدا لها في كل صغير وكبير، ومنها أمر اللباس، فاللباس العربي متحجر وبائد، يعود إلى العصر الحجري، فلكي توافق الحضارة لا بدّ أن تغير لباسك بما يوافق الموضة الجديدة.
ثم إن هناك جهات معينة لها أغراض إفسادية تحاول أن تبث نوعا معينا من اللباس يساعدهم في تحقيق أهوائهم المنحرفة، ويدر دخلا أكبر لشركاتهم المالية، ووضعوا لها الإعلانات الباهضة، والتي تظهر الرجولة والجمال والأناقة، وأقاموا من أجلها مهرجانات الأزياء، وألبسوها المغنين والمطربين، والراقصين والماجنين.
وكثير من هذه الجهات أهدافها نشر اللباس الذي يزعزع رابط ستر العورات، فهي إما أن تكون ضيقة بحيث تجعل كلَّ أجزاء الجسم محددة، وإما أن تكون قصيرة فاضحة، خاصة ما يتعلق بلباس الفتيات والفتيان المراهقين؛ لأنّ هذا الصنف من الناس أكثر عرضة لتحقيق هذه الهيمنة المنحرفة.
ومما يساعد هؤلاء أنهم وضعوا عليها صورا لمشاهير الطرب والمجون، أو الرياضة واللهو، أو الساسة والإرهابيين، أو حتى مشاهير الأفلام الكرتونية.
والأمر الأشد أنهم عليها كتابات لتحقيق أهداف معينة، قد تكون سياسية، وقد تكون اجتماعية وجنسية، فالعديد من جمعيات الشواذ، والتي تطالب بالمثلية الجنسية أصبحت تستغل الكتابات على الملابس لإيصال كلمتها إلى العالم، وبث دعواتها التحررية والشاذة.
لذا كان يجب التنبه إلى هذا الأمر، وإعطائه حقه من التوعية والدراسة، (1/77)
صفحة 78
فالاعتزاز بالهوية الذاتية أمر مطلوب، فهو عنصر من عناصر قوة الشخصية، وإظهار هذا على الأجيال المعاصرة إنما هو مواصلة لهذه الهوية، وإظهار لقوتها وذاتيتها، والتقليد الأعمى لكل ما هو جديد إنما هو دليل ضعف يصيب المجتمعات، فالأمم التي لا تفتخر وتعتز بما خلفه لها تراثها، هذه الأمة هزيلة، سرعان ما ستذوب في العولمة المعاصرة، حيث أن هذه العولمة ما هي إلا نوع من أنواع الهيمنة والتسلط من جانب ثقافي وفكري، والمنتصر فيها من اعتز بثقافته وفكره وعاداته.
وإذا جئنا إلى سلفنا الكرام نراهم استفادوا من الحضارات المتقدمة في عصرهم كالرومان والفرس، ومع ذلك اعتزوا بثقافتهم ولباسهم، ولم ينجرفوا إلى لباس الأعاجم مع سترها في ذلك الوقت، فما بال أبناؤنا اليوم ينساقون إلى لباس غيرهم، مع مخالفتها في كثير من الأحيان للأعراف؛ بل للدين الداعي إلى الستر، كلبس الجنز المحدد للعورات، أو الملابس القصير، أو الأقمشة التي بها صور خليعة، ورموز منحرفة فاسقة.
ومن الأمور الغريبة عند بعض فتيان الفتيان اليوم إظهار الملابس الداخلية، تقليدا للمنحرفين، فهذا من العجب العجاب أن ينزل فتياننا إلى هذه الدرجة بلا خجل ولا حياء ...
فهذا النوع من اللباس وغيره يغرس في نفوس الناشئة والأجيال المعاصرة حبّ اللهو والعدوان والسرقة والاغتصاب، وتهيج الغريزة الجنسية فيهم، وما انتشار السرقات والاغتصابات، بجانب كثرة الانحرافات الجنسية إلا ناتج عن مثل هذه الأمور!!!
فعلى الأسر أن تبعد أبنائها عن مثل هذه الموضات، والحمد لله تعالى البديل موجود، ولا بد أن نعتز بثقافتنا وهويتنا، وعلى المختصين مراقبة السوق قدر الإمكان، وعدم فتح مثل هذه الأبواب، وعلى الموجهين والتربويين معالجة هذا الأمر لدى الآباء والأبناء، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
محاضرة الشائعات وأثرها على المجتمع
مقدمة (1/78)
صفحة 79
للشائعات دور كبير في تفكك المجتمع، وانتشار العداوة والفرقة بين أبنائه، فكم من قطيعة حدثت بسبب شائعة، وكم من دماء أريقت بسبب الأكاذيب والشائعات، من هنا أحببت أن ألقي الضوء حول هذا الموضوع، مبينا الأسباب والحلول، وقد قسمت الدورة إلى خمسة عناصر:
• القواعد الأربع للتعامل مع الشائعات في منظور الإسلام.
• الشائعات في التاريخ.
• أسباب انتشار الشائعات.
• أثر الشائعات على الفرد والمجتمع.
• العلاج.
* القواعد الأربع للتعامل مع الشائعات من منظور الإسلام
# القاعدة الأولى: " لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين "، وهذه الآية جزء من سورة النور، التي تتضمن آيات تبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، عندما خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق في السنة الثانية للهجرة، وقد كانت خفيفة الوزن، وأثناء تمركز القافلة عندما أرادوا الرجوع إلى المدينة خرجت عائشة تبحث عن عقد فقدته فتأخرت في بحثها له، فظن الصحابة أنها في هودجها لخفتها فرجعوا، وعندما رجعت لم تر أحدا فأخذها النوم ولم تستيقظ إلا على ترجيع – أي قول إنا لله وإنا إليه راجعون – صفوان ابن المعطل، فأمر أن تركب الراحلة، فعندما وصلا المدينة استغلها المنافقون فرصة في قدح عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتشر الهرج والمرج حول هذه القضية، ووقع فيها بعض الصحابة، وتعليما من الله لعباده لم ينزل التبرئة إلا بعد شهر، معلّما عباده بضرورة حسن الظن، والتأكد في نشر الخبر. (1/79)
صفحة 80
# القاعدة الثانية: ” يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين "، وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمع الزكاة من قبيلة الحارث بن ضرار، خاف على نفسه، فرجع وادعى أنهم ارتدوا وامتنعوا عن إخراج الزكاة، فأشار بعض الصحابة بقتالهم، فنزلت هذه الآية مؤكدة في ضرورة التحري في الأخبار، حتى لا تزهق أرواح الأبرياء، كما يحدث الآن في أرض العراق التي أزهقت ألاف الأرواح بسبب شائعة الترسانة النووية التي أشاعتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها.
# القاعدة الثالثة: " إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون "، والتقول على الله شرك عند بعض أهل العلم، والعجب أن يكثر التقول على الله اليوم عن طريق الهاتف النقال، فقد يرسل إليك شخص رسالة مضمونها انشر لا إله إلا الله عشر مرات، وإن نشرتها سوف يحصل لك كذا، وإن لم تنشرها يحصل لك كذا، وهذا كذب صريح، وتقول على الله بلا وحي أو علم، وهذا ما نلاحظه في نشر أوراق أحمد خادم المسجد النبوي، المتضمنة الأكاذيب لإرشاد الناس، ويذكرنا هذا بالوعاظ الذين وضعوا عشرات الروايات من أجل جذب الناس إلى الدين، والحقيقة: في كتاب غنى لمن أراد إرشاد الناس إلى الحق والصراط المستقيم.
# القاعدة الرابعة: " كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع ".
* أسباب انتشار الشائعات
• الخواء الفكري والنفسي، وذلك نتيجة ضعف الإيمان، ومراقبة الديان، وكثرة أوقات الفراغ واللهو.
• طغيان الجانب المادي.
• ضعف الجانب الاجتماعي، وانتشار العجب والحسد بين أبناء المجتمع.
• ضعف التعامل مع الأولويات في الجانب الحيوي.
• الانترنت والصحف والهواتف النقالة، فهي مجال خصب لنشر الشائعات.
• انتشار مجالس اللهو. (1/80)
صفحة 81
• انتشار وكالة يقولون كما يقول عبد الرحمان العشماوي: " والمتأمل الواعي الصادق لما يجري في كثير من مجالسنا ومناسباتنا الاجتماعية من أحاديث غير موثقة تبثها وكالة أنباء يقولون، وهي وكالة منتشرة انتشارا عجيبا لسهولة الإسناد إليها دون ضوابط ولا رقيب ... كم من مجلس من مجالسنا نقوم منه على مثل جيفة حمار لما كان فيه من الغيبة والنميمة والكذب الصريح وسرد الشائعات الوهمية ”.
• انتشار عبارة ”حدثني من أثق به“، وهذه دعاية لنشر الشائعات.
* أثر انتشار الشائعات على الفرد والمجتمع
• حدوث الاضطرابات والفوضى، كما أشيع قبل أشهر وفاة أحد كبار علماء هذا البلد ما أدى إلى حدوث فوضى في المجتمع.
• تهويل الأمر، مثل أنفلونزا الطيور في مصر، حيث هولت وفخمت، حتى أشيع أن المرض ينتشر عن طريق مياه الأنهار والأفلاج، مما جعل من بعض الناس إلى شراء المياه.
• الخسائر البشرية، مثل ما أشيع في إحدى شركات الصحراء، أن أمّ العامل الفلاني (أحد العمال بالصحراء) قد انتقلت إلى ربها، وفارقت الحياة، فعندما وصل الخبر إلى العامل أصابه الهمّ من الخبر، وإذا به يذهب بسرعة إلى بلاده، فعندما وصل علم أنّ هذه مجرد شائعة، والشاهد تصوروا لو حدث لهذا العامل شيء من جراء السرعة في وقت لا توجد فيه الهواتف النقالة، سيكون لا شك خسارة بشرية للشركة والمجتمع.
• الخسائر المادية، مثل ما حدث في شركة ماكدونالدز الأمريكية، المنتجة للهمبرجر، حيث أشيع عنها أنها تستخدم الديدان في إنتاج الهمبرجر، وإذا أكلت مع الصودا ينتج عنه انفجار المعدة، ولمحاربة هذه الشائعة من قبل الشركة خسرت آلاف الدولارات في جانب الإعلانات فقط.
• تفكك الروابط الاجتماعية.
• قلة الثقة بين أبناء المجتمع.
• انتشار بعض الموبقات كالكذب والقذف، والغيبة والنميمة.
• الانشغال بالثانويات وترك الأساسيات.
* العلاج
• تربية النفوس على الخوف من الله تعالى (المراقبة الذاتية). (1/81)
صفحة 82
• تربية المجتمع على التثبت في نقل الأخبار.
• تنمية حسن الظن بين أبناء المجتمع.
• إيجاد وكالات إخبارية موثوقة.
• إيجاد مكاتب للتحري في الأمر.
سد الفراغ الذي لا يوجد في شريعة الإسلام، يقول عبد الرحمان النحلاوي في كتابه (التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة) يقول: " إن المبدأ التربوي الذي طرحته التربية الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا لا يعترف بوجود فراغ، ولا يترك للنفس الإنسانية أي مجال للشعور بالفراغ، إن التربية الإسلامية تربي الناشيء على أن ينظر إلى كل شيء في الحياة ولحظاتها على أنها أمانة في عنقه ”.
الولي ومهر المرأة
يقول الله – تعالى -: "وَءاتُوا النّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً" والمهر حق للمرأة على الرجل، وهو جزء من العلاقة الزوجية، وقد هدف الإسلام من تشريعه بيان قيمة المرأة، وأنّه أخذها بكلمة الله، فكما أوجب لها الحقوق المعنوية؛ أوجب لها الحقوق المادية من مهر وكسوة وسكن، فبالمهر يفرق بين النكاح والسفاح، وهو ضمان لحق المرأة، وحفظ لها من طلاق أو وفاة إذا كان المهر مؤجلا.
ومع بيان الشريعة لوجوب المهر إلا أنها أمرت بالتقليل منه، تيسيرا للزواج، وتكثيرا للنكاح، والإسلام لم يحدد مقدار المهر وكميته، وذلك لتباين الناس واختلاف مستوياتهم وبلدانهم وعاداتهم، ولكن الاتجاه العام في الشريعة الإسلامية يميل نحو التقليل فيه، فذاك أقرب لروح الدين، فيكون حسب القدرة وحسب التفاهم والاتفاق. (1/82)
صفحة 83
وقد كان السلف يتزوجون على القبضة من الطعام وعلى تعليم القرآن، أخرج البخاري بسنده عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني وهبت من نفسي، فقامت طويلاً، فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال عليه الصلاة والسلام: هل عندك من شيء تصدقها؟ قال: ما عندي إلا إزاري فقال: إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً فقال: ما أجد شيئاً، فقال: التمس ولو كان خاتماً من حديد، فلم يجد، فقال: أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وكذا وسورة كذا، لسور سماها، فقال: قد زوجناكها بما معك من القرآن.
وعلماء الأمة يرون أنّ الشارع لم يقدّر المهر بقدر معين؛ بل راجع إلى الزوج والزوجة، وتراضيهما في تحديده مع مراعاة حال الخاطب وقدرته، قال تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً.
ورسولنا عليه الصلاة والسلام هو الأسوة والقدوة لهذه الأمة فلم يكن يزيد في مهر نسائه أو بناته عن خمسمائة درهم، فعن أبي الجعفاء السلمي قال: خطبنا عمر رحمه الله فقال: ألا لا تغالوا بصداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي، ما أصدق رسول الله امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشر أوقية.
فنخلص من هذا أمران: الأول استحباب تخفيف المهر وتيسيره، والثاني أنّ المهر حقٌ للزوجة وحدها، فلا يصح للأب أو الأم أو أي قريب منها التدخل في هذا الحق، فالله جعله حقا للزوجة وحدها، فهي صاحبة القرار الأول والأخير في إثباته حسب العرف أو تنقيصه؛ بل حتى ولو أسقطت حقها كان الزواج صحيحا.
والأصل في الولي أنّه عنصر تنظيم وتيسير لإعفاف ابنته أو من كانت تحت ولايته، ولا يجوز شرعا تعقيد أمور الزواج، فضلا عن التدخل في حقوق المرأة الخاصة كالمهر مثلا.
شعبان طريقك إلى رمضان (1/83)
صفحة 84
شهر شعبان محطة وقوف لاستغلال رمضان، من هنا جاء في الأثر "للهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".
وقد كان السلف يحيون شعبان من أجل ترويض أنفسهم فتكون مستعدة لاستغلال رمضان اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما روت عائشة أنه عليه الصلاة والسلام يصوم في شعبان حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان، وعندما سأله أسامة بن زيد عن علة كثرة صيامه في شعبان قال: ذاك يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.
وكانت السيدة عائشة – رضي الله عنها – تؤجل صوم قضاءها إلى شعبان رغبة في إدراك فضل شعبان، من هنا ينبغي للمسلم أن يستعد لرمضان من خلال استغلاله لشعبان ووضع جدولة لأعماله في رمضان.
وهنا أضرب لكم مثالا واحدا، تصوروا لو أن طالبا من الطلاب لم يذاكر دروسه إلا عند اقتراب موعد الامتحانات ماذا تكون النتيجة؟ إما ضعف في الدرجات! أو سقوط في بعض المواد! إلا من رحم الله، وهذا قليل ....
كذلك الذي لا يستعد لاستقبال الشهر العظيم لن يستطيع تأديته كما ينبغي، وقد يتكاسل عن العبادة في منتصف الشهر الثاني؛ لأنه لم يتعود على الطاعة، من هنا يجب ترويض النفس على الطاعة قبل دخول الشهر، وترويض النفس يكون على ثلاث نواحي:
أولا: الاستعداد الديني:
كما أسلفنا أن شعبان طريق من طرق الفوز في رمضان، لو استغل استغلالا جيدا لكان الفوز في رمضان أقرب إلى الحصول بإذن الله تعالى، من هنا ينبغي أن نستغل شعبان بالمحاسبة عما قدمنا في الأيام الماضية، وبترويض النفس على الطاعة والإنفاق في سبيل الله، والتخلص من التبعات، وعلى العموم توجد عدة طرق لاستغلال هذه الأيام دينيا نذكر منها:
1. تقوية العلاقة مع الله تعالى ورسوله بالتوبة الصادقة، والالتزام بالشريعة، والبعد عن المخالفات. (1/84)
صفحة 85
2. محاسبة النفس عن العشرة الشهور الماضية أي ما بعد رمضان الماضي ... كيف كانت علاقة النفس مع الله تعالى.
3. وضع جدولة لاستغلال رمضان سواء كان مع النفس أو الأسرة أو الحي الذي تسكن فيه من خلال محطة المسجد.
4. التفقه في أحكام رمضان، وسؤال أهل الذكر فيما أشكل عليك.
5. تقوية الصلة مع الوالدين والأرحام والجيران والناس من حولك.
6. رد الحقوق إلى أصحابها، والتخلص من الأمور المالية المحرمة.
7. وضع جزء من المال للفقراء والمحتاجين، والتفقه في أحكام الزكاة وخاصة زكاة المال والفطر.
ثانيا: الاستعداد النفسي:
التفاؤل والعزيمة أساس المنافسة في الشهر الفضيل، من منا لم يبتعد قليلا عن الله؟ من منا لم يرتكب المخالفات الشرعية؟ من منا لم يقصر في حق الله؟
إذا كلنا أخطأنا في حق الله!!! فشهر شعبان فرصة للعودة والرجوع إلى الله تعالى، لتبدأ صيام رمضان وأنت على صفحة بيضاء، وهذا يحتاج إلى:
1 – إكبار النفس:
أي أن تعطي نفسك الدافع المعنوي، فنفسك قادرة فعلا على استغلال شعبان، وقادرة على تحقيق الفوز في رمضان بإذن الله تعالى.
2 – البدء بالقليل مع العزيمة الجادة:
النفس كالطفل تحتاج إلى رعاية، وهذا لا يكون دفعة واحدة، فلا بد من التدرج، ولا بد من النظام، ولا بد من ترتيب الأولويات.
ثالثا: الاستعداد العملي:
وهذا يحتاج إلى وضع جدولة مع النفس والأسرة والمسجد مع المحاسبة اليومية على الأقل مع محاولة التطبيق في بعض الأمور، وهذه الخطة تكون مدونة قبل رمضان، وشعبان من أعظم الفرص لوضع تصور لاستغلال رمضان، فمثلا يمكن أن تضع تصورا مع النفس، وحبذا أن يكون مكتوبا في ورقة كالتالي:
1. قبل الفجر تصلي صلاة التهجد وتكثر من الدعاء.
2. تناول وجبة السحور. (1/85)
صفحة 86
3. قراءة ورقتين (أربع صفحات) من القرآن بين سنة الفجر والفريضة، – وذلك لأن المصحف المطبوع اليوم والذي تنتهي صفحاته بآية كل جزء منه يتكون من عشر ورقات أي عشرين صفحة فلو قسمت الورقات على الصلوات الخمس لاستطعت أن تقرأ القرآن كاملا مع التدبر والتأمل في شهر رمضان، وبكل يسر وسهولة المحافظة على أذكار الصباح بعد الصلاة.
4. قراءة ورقة من المصحف قبل صلاة الظهر وورقة بعد صلاة الظهر.
5. صلاة العصر وقراءة أربع ورقات بعدها.
6. المحافظة على الدعاء مع أذكار المساء قبل أذان المغرب.
7. تناول وجبة الفطور.
8. قراءة ورقتين من المصحف قبل صلاة التراويح.
9. جدول الزيارات.
10. قراءة كتيب بسيط قبل النوم المبكر.
11. وقفة المحاسبة.
كذالك مع الأسرة مثلا:
1. إحياء سنة التهجد في البيت.
2. إقامة حلقة تلاوة في الفترة الصباحية.
3. إقامة حلقة علمية في الفترة المسائية.
4. إنشاء صندوق للتبرعات، يعود فيه الأطفال على التبرع، مثلا يضعون فيه خمسا وعشرين بيسة من مصروفهم المدرسي، وفي نهاية رمضان يؤمرون بتوزيعه على الفقراء.
5. إقامة جدول زيارات يومي.
6. قراءة أدعية الطعام والشراب بشكل جماعي.
7. إقامة مسابقات رمضانية في الأسرة.
8. المحاسبة.
كذلك في المسجد الذي تصلي فيه مثلا:
1. إقامة حلقة تلاوة في المسجد.
2. إقامة حلقة علمية.
3. إقامة صندوق للتبرعات.
4. إقامة جدول للزيارة في المنطقة.
5. الاهتمام بالناشئة.
6. إحياء سنة التهجد في جماعة إذا أمكن.
7 - إقامة أنشطة ترفيهية في الحي.
وبهذا تكون قد وضعت تصورا لاستغلال رمضان، وجعلت من شعبان محطة للفوز في رمضان.
رسالة المعلم (1/86)
صفحة 87
الإنسان البشري بكينونته كما أنّه بحاجة إلى الشراب والطعام كغذاء جسديّ حسيّ؛ هو كذلك بحاجة إلى العلم كغذاء عقليّ معنويّ، وكلّما أدرك معارف جديدة؛ كلما ارتقى في فهم الحياة وكينونتها، واقترب أكثر من معرفته لله تعالى، فالله تعالى كما أنّه يُعبد بالعلم؛ كذلك أيضا يُدرك بالعلم.
من هنا نجد أنّ أول سورة نزلت من الوحي الخاتم سورة اقرأ، فلم يقل له مثلا: اعبد أو صلّ، أو صم، أو انفق، وإنما أمره بداية بالقراءة، فبالقراءة توحد الله توحيدا خالصا، وبها تتعرف على رسالات الله المتضمنة أحكام وشعائر الدين العظيم.
لذا مجد الله تعالى أمر العلم، ورفع رسالته حيث قال: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكر ألوا الألباب"، فلا ميزان مساواة بين المتعلم وغيره، فالفرق بينهما فرقا شاسعا كالفرق بين المشرقين.
وبالعلم تتقدم الحياة سياسيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا، بجانب رقيها في الجانب الديني والروحي، فمثلا في الجانب السياسي إذا كان أصحاب السلطة والنفوذ ممن لهم حظ من العلم؛ كانوا أكثر قدرة على السير بوظائفهم لرقي مجتمعاتهم وأمتهم، فبنو إسرائيل عندما طلبوا من نبيهم قبل الدخول إلى الأرض المقدسة، وفي أواخر فترة التيه أن يرسل الله تعالى إليهم ملكا، بين لهم نبيهم أنّ الله تعالى أرسل إليهم طالوت ملكا، والميزان الذي فُضّلَ به طالوت أولا ميزان العلم، وبعده الصحة في الجسم، قال تعالى: "وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم".
وإذا رقت الأمة في الجانب السياسي لا شك سترقى الجوانب الأخرى؛ لأنّ التقدم مرهون بالأمن والعدالة والمساواة، وهذا يتوفر إذا تيسر لأيّ أمة تقدم الجانب السياسي بصفة خاصة.
فالعلم هو الميزان الذي به رقي الأمم، وتقدم المجتمعات، ولا يمكن بحال أن تتقدم أمة منغمسة في ظلمات الجهل، لذا أمر الله تعالى به أولا، قبل التوحيد ذاته. (1/87)
صفحة 88
وإذا أردنا أن تتقدم مجتمعاتنا لا بد من التعامل مع قانون العلم، وإنزاله إلى الواقع، والاهتمام به معنويا وماديا، وتكريم رموزه، وجعلهم أسوة وقدوة للأجيال، على اختلاف تخصصاتهم ومشاربهم وتوجهاتهم.
وهذا لا يتأتى إلا بتوفير طائفة من الناس مهيأة لحمل رسالة العلم والتربية، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
ما المعيار الإسلامي للمعلم؟
وهذه الطائفة من الناس لا بد أن تكون محكومة بثلاثة معايير:
أ/ الأخلاق، فالمعلم قبل أن يكون صاحب علم هو صاحب رسالة إلى الناس، بوأه الله تعالى لأنّ يمثل رسالة العلم بما تحمله من معانٍ سامية في سلوكه وتصرفاته، وفي أقواله وأفعاله، قال تعالى: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون".
والطالب ينظر إلى أستاذه نظرة إكبار وإجلال، فإذا ضيّع المعلمون هذه النظرة بمخالفة ما يقولونه، واستخفوا بالأخلاق، ونزلوا منازل السفهاء من العوام بارتكاب الانحرافات الخلقية، والتصرفات الشاذة، مع مرور الأيام تسقط هيبة المعلم من نفوس الطلاب، وبدورها تسقط من نفوس الناس، وإذا سقطت هيبة المعلم تكون الأجيال عرضة لخطر غياب القدوة والموجه، وانتشار الجهل المقنع تحت شعارات الشهادات الكاذبة، وبالتالي انحراف المجتمع عن الجادة السليمة.
وهذا ما نلاحظه اليوم، من ضعف هيبة المعلم، وذلك لأنّ الذي أسقط هذه الهيبة بصورة كبيرة هو المعلم ذاته، إذ أصبح ينظر إلى أداة التعليم كوظيفة لا غير، فلم يعد يبال بتنمية مهاراته العلمية، ولا يهتم بمكانته الخلقية والسلوكية، فنظر إليه الناس بعين الإقلال والدونية، فالطالب لا يهابه ويحترمه، والمجتمع لا يقدره ويعظمه! إلا من رحم الله تعالى. (1/88)
صفحة 89
فالقدوة قبل التبليغ، والتحلي قبل التعليم، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وإنّك لعلى خلق عظيم"، فبأخلاقه عليه السلام كسب الهيبة والاحترام في نفوس طلابه والمجتمع، وبالأخلاق أدّى رسالة العلم على أكمل وجه.
ب/ العلم: من أعظم ما ابتليت به رسالة العلم اليوم العلم المقنع، حيث يحمل العديد من الناس شهادات تحوي على حصوله على كذا وكذا من المراتب، وتأهله ليكون معلما، وهي شهادات فارغة، رفعت أناسا في غير موضعهم، وساق السفينة الجاهل بالبحار، وذلك لأنّ النظرة إلى رسالة العلم والتربية أصبحت رسالة مادية وظيفية لا غير، فالعبرة بالراتب لا بالرسالة!
من هنا نجد العديد من المعلمين غير مؤهلين لرسالة التربية لغياب إحدى أمرين: إما العلم بالمنهج الذي يدرسه، أو غياب الخلق القويم، وقد يجتمع فيه الأمران معا، وهذا بدوره يشكل خطرا على المجتمع كنظرة مستقبلية.
فلا بد أن يدرك المعلم رسالته، وأن يسعى قدر الطاقة أن يكون مثقفا قارئا، مطلعا باحثا؛ لأنّ الأمم معلقة الآمال به لإنتاج جيل قادم يحمل الرسالة بكل أمانة وإخلاص، فالمعلم الأول عليه الصلاة والسلام أول ما أمر به كما رأينا آنفا القراءة حيث قال: "اقرأ باسم ربك الذي خلق".
وكلما زادت الحصيلة المعرفية للمعلم وتنوعت كلما ازداد احترام الناس له، واستطاع هو ذاته تطوير قدراته في منهجه خاصة، وفهم ما يدور حوله من معارف وتقدم علمي، وكانت قدوة لطلابه خاصة وللمجتمع عامة – لأنّه المنظور إليه -؛ كان قدوة في الاطلاع والقراءة، والجدية في البحث عن المعرفة العلمية. (1/89)
صفحة 90
ج/ الإخلاص: وهذا أهم عنصر في سير العملية التربوية العلمية، فإذا أصبحت وظيفة المعلم مجرد وظيفة إدارية، المطلوب منها استلام الراتب الشهري لا غير؛ لا شك ستفقد هذه الرسالة العظيمة روحها، وإذا فقدت روحها تعرضت الأجيال لأكبر خطر يهدد سيرها في الحياة، ويخرج للأمم إفرازات مغلفة تحمل في ظاهرها رسالة العلم، بينما في باطنها تعيش في أوحال الجهل.
فلا بدّ أن يدرك المعلم أنّه صاحب رسالة إلى الناس، وهذه الرسالة بحاجة إخلاص أولا لأنّه يتوسل بهذه الرسالة رضاء لله تعالى، لأنّه الآمر بداية بنشر العلم الموصل إلى قداسته وعظمته سبحانه، هنا يجب عدم الإشراك به: قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.
وثانيا: لأنّه ارتبط بعقد، قبل أن يرتبط به مع وزارته أو إدارته، ارتبط به مع أمته، ومع الناس الذين ضحوا بفلذّات أكبادهم ليكونوا أمانة بين يديه، ينظرون إليه بعين الأمل والإشراق، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.
فأيّ أمة يكون لدى أفرادها إخلاص في الرقي بأمتهم، والتقدم بأوطانهم لا شك سيكتب لهذه الأمم التقدم والمدنية الصادقة بين الأمم والمجتمعات.
مع زمن المغريات كيف يتعامل المعلم مع وظيفته:
كما أنّ المعلم يطلب منه ما تقدم ذكره كذلك المجتمع يطلب منه أن يعين المعلم على أداء رسالته، فالجيل المقبل ليس تحت يدي المعلم فحسب، ولا يُلقى باللوم على المعلم وحده إذا حدث ثمة خطأ في منزلة المعلم، فهذا عائد أيضا إلى المؤسسات التربوية الأخرى كالمسجد والبيت والإعلام بقنواته المتنوعة، فلا بد أن تبرز هذه المؤسسات أهمية المعلم ودوره التربوي للأجيال، فكلما نظر المجتمع إلى المعلم بعين الإجلال والتوقير كلما حدثت ثورة في نفوس الأجيال، فينتج جيل يعظم رسالة العلم، ويقدّر حامليه ورموزه. (1/90)
صفحة 91
أما أن تهتم المؤسسات الإعلامية بالثانويات كاللهو واللعب، ولا تعطي أهمية للمعلم، ولا تعالج مشاكله، ولا تنتج من سينما وفن وإنشاد وبرامج وخطب ودروس ومقالات وكتب تبرز أهمية المعلم؛ لا شك شخصية المعلم لن يكون لها الأهمية في نفوس الجيل المنشود.
ثم إنّه لا بد من الرقيّ المادي للمعلم ليتفرغ في تنمية نفسه؛ لأنّ دوره لا يتعدى خصوصه الخاصة، أو جوانب جزئية في المجتمع؛ بل إنّ المجتمع ألقى بالمسؤولية الكاملة عليه، فجميع من يحمل مواصلة البناء في المستقبل ملقاة عليه من رؤساء ومرؤوسين.
فدور المعلم أغلى من دور أي موظف آخر في المجتمع؛ لذا لا بد من الرقي به ماديا ومعنويا، وتشجيع المبدعين منهم، وتنمية الضعفاء، ومحاسبة المقصرين والمهملين.
والمعلم ذاته في زمن هذه المغريات عليه أن لا يجعل منها غاية ومقصدا، فتذوب الغاية الأساسية، والأهداف السامية، بل هي وسائل تعينه في حياته، ومواصلة دربه المعيشيّ.
وقبل أن ينظر إلى الراتب او المادة فلينظر إلى غده، وحساب الله تعالى له عن هذه الأمانة، فلو عُرضت على الجبال لأبت حملها، كيف وقد تحملها هو، مقتديا برسل الله تعالى، فليكن نعم الصاحب لأعظم رسالة، فبك يا معلم الأجيال وضعت الآمال، وبك ترقى الأجيال، ومن غرسك تنمو شجرة التقدم للأوطان والأمم.
كيف نستغل أوقاتنا وأوقات أبنائنا في الإجازة الصيفية
إنّ الإجازة الصيفية من النعم التي يخلد إليها الإنسان، بعد عمل دءوب في خضم الحياة دام بضعة أشهر، فمن حقه أن يأخذ فيها قسطا من الراحة.
وفي الوقت نفسه الإجازة الصيفية فرصة ذهبية لاستثمار المواهب والطاقات، وتنمية النقص في بعض الجوانب التي يعاني منها أبناؤنا الطلاب.
ولاستغلال الإجازة الصيفية، والخروج منها بفائدة لا بدّ من ثلاثة أمور: (1/91)
صفحة 92
الأمر الأول: طرح الأهداف التي تريد تحقيقها في الإجازة الصيفية، سواء كانت هذه الأهداف متعلقة بك أو بأولادك، مثال ذلك: إذا كان أولادك يعانون من نقص في بعض المواد المدرسية فتحاول أن تضع الآلية لعلاج هذه المشكلة، ومن الأهداف تنمية الجانب الديني في نفوس أبنائك فيما يتعلق بقراءة القرآن وحفظه والتأمل فيه، وكذلك فيما يتعلق بأحكام دينهم؛ فتلحقهم بالمدارس القرآنية في بيوت الله تعالى، كذلك تنمية موهبة القراءة في الكتب والصحف أو الشبكة العنكبوتية، فالقراءة مهمة في تنمية الذات وفهم الواقع، فلا بد أن نعود أنفسنا وأبنائنا عليها.
ثمّ تتطرق إلى الأهداف الأخرى والتي قد تكون أقل أهمية من الأهداف المذكورة آنفا كالسياحة داخل الوطن أو خارج الوطن، وممارسة الرياضة، وزيارة الأهل والأصدقاء وما شابه ذلك حسب ما تراه أنت مناسبا، وبعد التشاور مع زوجك وأولادك.
الأمر الثاني: التخطيط ووضع الإستراتيجية؛ فبعد طرحك للأهداف، والتفريق بين ما هو ثانوي وأساسي تبدأ في وضع خطة في توزيع هذه الأهداف حسب أيام الإجازة الصيفية، وحبذا أن تكون مكتوبة ومرسومة؛ ليسهل مراجعتها والزيادة فيها أو تعديلها.
ثم بعد ما تضع الخطة تبدأ في وضع الإستراتيجية اللازمة لتفعيل خطة الصيف، وهذا يتعلق بثلاثة أمور أساسية: الزمان والمكان والجانب المادي، فمثلا تريد أن تقضي أياما في صلالة فعليك أن تختار الزمان بعد ما اخترت المكان، وكم ستقضي من الأيام في صلالة، ثم تبدأ في الحساب المادي لمعرفة تكلفة الرحلة، فتستعد لها حتى لا تلجأ إلى الديون، وهكذا في باقي الأهداف تضع الإستراتجية المناسبة لها؛ ليكون عملك منظما وواضحا. (1/92)
صفحة 93
الأمر الثالث: التطبيق والمحاسبة؛ وأخيرا تضع خطتك وجدولك في طاولة التطبيق العملي، وستجد نفسك بهذا التنظيم أنك قد أنجزت العديد من الأهداف في فترة وجيزة، وبكلفة أقل، وعودت نفسك وأبنائك على التخطيط والنظام، وجعلت من الصيف مدرسة لك ولأسرتك في إدارة الوقت.
ومع هذا ستجد نفسك أنك قد قصرت في تحقيق بعض الأهداف التي رسمتها فهنا يأتي دور المحاسبة، فتحاسب نفسك وأولادك أولا بأول، وستجد نفسك بالمحاسبة ترقى دائما إلى الأفضل.
وعلى العموم الصيف من أفضل أوقات العام في استغلال الوقت وإدارته، ولكن كما قلنا هذا يحتاج إلى تخطيط ونظام، وإلى عمل جماعي من كافة أفراد الأسرة بداية، ثم المجتمع برمته فهو يشكل أسرة واحدة.
ولا بد من التعاون في إحياء المدارس القرآنية في بيوت الله تعالى فهي من أهم الوسائل لاستغلال الإجازة الصيفية، وقد أثبتت أهميتها وجدواها في السنوات الماضية.
ولا بدّ من غرس أهمية الوقت في نفوس الأبناء، وتعويدهم على الطريقة الصحيحة في التعامل معه، من خلال التطبيق العملي الصحيح من قبل الأبوين والأسرة في إدارة الوقت، وبهذا يخرج أبناؤنا من الإجازة الصيفية وقد استفادوا منها في جوانب عدة، وهيئوا أنفسهم لاستقبال عام جديد مليء بالعمل والجد والاجتهاد، فيكونوا بذلك ثمرة صالحة لوطنهم وأمتهم.
مع العام الجديد
يعيش الإنسان في هذه الحياة مقيّدا بمرحلة زمنية محددة، وذلك وفق سنة الأجيال، فلكل جيل وقت زمني، حددته المشيئة الإلهية المطلقة، وذلك تطبيقا لسنة البناء والبقاء النسبي، وما يتبعه من عمارة لهذا الكون، وبناء له. (1/93)
صفحة 94
وسنة البناء والعمارة لا يمكن أن يعطي جدواه إلا باستغلال الفترة الزمنية التي يتحصل عليها كلُّ جيل، بما تتوارثه من آثار وثقافات وأمجاد الأجيال الماضية، فالمكتشفات المعاصرة مثلا لم يتحصل عليها أجيال القرنين الماضيين صدفة؛ وإنما كانت تواصلا لما توصلت إليه الأجيال التي سلفتهم، فكانوا خلفا أدركوا قيمة الزمن، فاستثمره لصالحهم، فقطفوا ثمرة جهدهم واستغلالهم له.
وهذا الجيل المعاصر إن لم يدرك قيمة الزمن الذي يعيش فيه، لا شك سيأكله الزمن، وسيخرج من هذه الحياة بلا أمجاد ولا بناء، وسيكتب عنه التأريخ سيرا من الكسل والتخلف والرجعية، قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ.
من هناء لبقاء سنة التطور والبناء، والتعمير وصنع الأمجاد لا بدّ من غرس قيمة الزمن والوقت في نفوس الأبناء والأجيال، فسنة الزمن لا تعرف قوما دون قوم، ولا تفرق بين جيل وجيل، فهي سنة وجدت مع بقاء الكون، فمن وقف معها وقفة جد وعمل، واستثمرها استثمار إخلاص ونشاط، كان لهذا الجيل الحظ الوافر من الإبداع والتقدم والتطور، ولبلدانهم وأوطانهم من الرقي والقوة والمدينة الصادقة.
والقرآن الكريم يقرر هذه السنة الكونية في سورة العصر حيث يقول تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
فكل جيل يتصور فترة بقائه في هذه الحياة بفترة العصر، وهو جزء مبارك من أجزاء اليوم الواحد، حيث سرعان ما ينقضي، فمن استثمر عصره من يومه فاز، ومن ضيعه خاب وخسر، واستغلاك له بحاجة إلى إيمان بقيمته، وعمل صالح مثمر فيه، بجانب الصبر والعمل الجماعي المتقن والمنظم والمتحد. (1/94)
صفحة 95
فزمن الأجيال إنما هو كفترة العصر في شدة انقضائه وذهابه، لذا عدم إدراك الأجيال لقيمة الوقت، وسوء تنظيمهم له، وإشغال الزمن باللهو واللعب كعنصر أساسي، والعمل والإبداع كعنصر ثانوي، لما غرس في نفوس الأبناء من استهتار بالوقت، وغفلة عن محدودية الزمن، بجانب الكسل والخمول، كلُّ هذا شر وداء يهدد تقدم المجتمع، ويرجعه إلى دائرة التخلف والرجعية، وإن تظاهر بالتقدم والتطور؛ فهو تقدم وتطور شكلي في شكل اللباس وقصاصات الشعر، وهندسة البيت وفخامة الأثاث، شأنه كالسراب، يحسبه تقدما وفي داخله التخلف والرجعية.
ومن جانب آخر عندما يقلب الواحد منا ورقات التقويم يجدها تتناقص سريعا يوما بعد يوم، كذلك زمن العام يتناقص سريعا في العام الواحد، وزمن العام لا يُقاس بعدد أيامه، وإنما يقاس بما أنتج الإنسان فيه، وبما يقربه من ربه جلّ وعلا، لأنّ هناك ورقة أخيرة سيقطفها أيّ واحد منا، وهي ورقة الوصال بالدار الآخرة، فنحن لا ندري أيّ ورقة من التقويم ستحظى بتأريخ انتقالنا بالدار الآخرة.
هنا نجد أنّ من أعظم النعم التي أنعمها الله على عباده، وأجلّها قدرا، وأرفعها منزلة، وأعلاها مكانة، نعمة الوقت والزمان، حيث أقسم به جلّ وعلا في كثير من آي القرآن، "والليل إذا يغشى"، "والنهار إذا تجلى"، "والليل إذا عسعس"، "والصبح إذا تنفس"، "والفجر، وليال عشر"، "والعصر، إنّ الإنسان لفي خسر".
أقسم الله – سبحانه - بالزمان ليعلم العباد أنّ حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، ودقات قلب المرء تشعره في كلّ لحظة، بأنّ الحياة دقائق وثوان، ولذلك قيل: المؤمن وليد وقته، وقيل أيضا: الوقت أنفاس لا تعود.
والأمم نفسها لن تتقدم في نواحي الحياة المتعددة إلا إذا أدركت أهمية الوقت والزمان، فاستثمرته لصالحها، فأتى إليها طوعا، وباستغلاله يفتح لها آفاق التقدم والرقي. (1/95)
صفحة 96
لذا أدرك السلف الصالح قيمة الزمن وأهميته في الرقي بالذات والمجتمع، فعندما أشير على الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن يجعل من ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بداية لعام المسلمين، وذلك مسايرة لما عند النصارى، فقد اختاروا من ميلاد المسيح عيسى عليه السلام بداية لكل عام، رفض رحمه الله تعالى، واختار من الهجرة النبوية بداية لتأريخ وعام جديد، فسنّ لنا الفاروق رضي الله عنة سنة حسنة، سنّ لنا الهجرة منطلقا ننطلق بها في بداية العام الجديد ...
سنّ لنا الفاروق ذلك لنحزم حقيبة الهجرة كلّ عام ...
فلا يريد منا عمر أن نهجر أوطاننا، ونترك أهلنا ومالنا، فلا هجرة بعد الفتح ...
ولكن يريد منا رحمه الله تعالى في كلّ عام أن نهجر الشرك وعبادة المخلوق إلى توحيد وعبادة الخالق وحده جلّ وعلا ...
يريد منا أن نهجر الرياء والأنا، والكبر والغرور والحسد، إلى الإخلاص لله الأوحد، والتواضع والمحبة للبشر.
يريد منا أن نهجر التخلف والتسويف والكسل، لنهاجر إلى التقدم والعمل، والاجتهاد والجد.
نعم يريد منا طيب الله ثراه أن نهجر المعاصي وارتكاب الخطايا، إلى الطاعة المطلقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، متبعين الأوامر الربانية، مجتنبين النواهي المتعددة، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
يريد منا أن نجعل عامنا عام هجرة من الجهل والتخلف الفكري والتربوي؛ لنهاجر إلى العلم والثقافة، ومعرفة طرق التربية الصحيحة، لنكون أمّة قراءة واطلاع، أمّة تربي أولادها التربية الصحيحة، أمّة تهتم بالأولويات في سائر نواحي الحياة العملية.
ويريد منا أيضا أن نجعل عامنا عام هجرة بوضع المال في محله الصحيح، دون إسراف ولا تبذير، ولا طمع ولا بخل ولا جشع، لنعين الفقراء والمحتاجين، ونساعد اليتامى والمعوزين، فلا نضع المال في الأماكن التي يرتكب فيها ما حرم الله من المعاصي والذنوب. (1/96)
صفحة 97
وفوق هذا كله يريدنا أن نهجر هذه الدنيا الفانية لنزرعها ونستثمرها لأجل الآخرة الباقية، هناك هناك سلعة الغالية، إنها الجنة وما أدراكم ما الجنة!.
لذا كان اختياره رحمه الله تعالى يدل على عبقريته الفذة، وإدراكه الواسع!
فالعاقل الأريب، هو الذي يقف مع نفسه في بداية عامه، محاسبا مؤدبا، مهذبا مصلحا، مواصلا لما حققه من خير وراغبا ...
فاطرح لنفسك أخي القارئ في أيامك الأولى من عامك الجديد هذه الأسئلة، وحاول أن تجيب عليها مع نفسك ...
ماذا عن علاقتك بربك في عامك ...
وهل صفحاتك التي قطفتها من عامك المنصرم تقربك إلى رضاء ربك؟
وهل ثمة تقصير في حق خالقك تعالجه في عامك الجديد؟
وماذا عن علاقتك بوالديك وأرحامك، وخلانك وجيرانك؟
وما الذي قدّمته لنفسك ووطنك؟
وهل ساهمت في خدمة دينك وتقدم أمتك؟
وماذا عن قرآنك ومنهج نبيك صلى الله عليه وسلم؟ أتمسكت ونصرت، واتبعت ونصحت ...
وماذا عن أهدافك في الحياة أحققت وأنميت؟
وماذا عن ثقافتك الدينية والدنيوية؟ وعن تربيتك لأولادك؟ ماديا وخلقيا؟
خواطر وأسئلة لا بدّ أن تجيب عليها قبل أن تبدأ عاما جديدا
فإن أحسنت فلتواصل
وإن قصرت فلتصلح
وإن أسأت فلتحسن
فالعمر قصير، والزمن في طيه سريع، ولقاء الله قريب قريب، فالعبرة بالخواتيم ...
فلا تضيّع عامك الجديد إلا وقد حاسبت نفسك أولا، وأعددت جدولك لغدك القريب ...
ولاستثمار الوقت في العام الجديد لا بد من أمرين:
أولا: وضع الخطة للعام الجديد، هذه الخطة تحوي الأهداف التي تريد تحقيقها، والآمال التي تريد أن تهفوا إليها، وحبذا أن تكون مكتوبة ومجدولة.
ثانيا: المحاسبة مع التنظيم والتقيد بالجدول، فلا بد أن تحاسب نفسك يوما بيوم، وعلى الأقل أن تجعل كل جمعة من كل أسبوع وقفة محاسبة. (1/97)
صفحة 98
وبهذين العنصرين –بعون الله – ستكسب قيمة الزمن، وستجد نفسك قد حققت الكثير في زمن بسيط، وساهمت في رقي وتقدم مجتمعك وأمتك، برقي نفسك وأسرتك، واستطعت التفريق بين الأولويات والثانويات من حياتك، لما من الثانويات من ضرر أن أعطيت أهمية أكبر من الأولويات والأساسيات.
جعل الله عامك سعيدا، ويومك مجيدا، وأنار لك دروب الخير والهداية، ومن عليك بالثبات على الصلاح والاستقامة ....
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
تقدمة ... 2
المسجد ودوره في الحياة ... 4
لماذا لا نحتفي بعيد الحب؟ ... 7
مظاهر الذبح في عيد الفطر وأبعاده الشرعية والاجتماعية ... 13
وتعدى خيره إلى غيره ... 16
ماذا بعد رمضان؟ ... 19
كيف نستقبل العيد؟ ... 22
القواعد الثلاث للتعامل مع الشائعات ... 26
الإحسان إلى الوطن ... 28
الشباب والفراغ ... 31
وسائل الاتصالات ونقل الشائعات ... 33
غلاء وارتفاع الأسعار ... أسباب وآثار ... 36
المرأة والاحتشام أمام النساء ... 40
ما أسباب سوء الظن ... 43
ما آثار سوء الظن؟ ... 45
الوصايا الست للتتفوق في الدراسة ... 47
ما علاج سوء الظن؟ ... 49
إستراتيجية التعامل مع الإجازة ... 51
الحليلة أم الخليلة ... 53
الإجبار على الزواج ... 57
الأم في الشرائع السماوية ... 61
رسالة إلى القلب الرحيم والعقل الرشيد ... 64
زواج الاستغلال ... 67
عبدة الشيطان ... 69
من صام رمضان إيمانا واحتسابا ... 74
شكر النعمة ... 77
السؤال قبل الزواج ... 80
السحر ... 83
أرمضانيون أم ربانيون ... 87
الغيرة والشك قنبلة موقوته تهدد أسرنا ومجتمعنا ... 90
اللباس في الإسلام ... 97
الشائعات وأثرها في المجتمع ... 100
الولي ومهر المرأة ... 104
شعبان طريقك إلى رمضان ... 106
رسالة المعلم ... 111
كيف نستغل أو قاتنا وأوقات أبنائنا في الأجازة الصيفية ... 117
مع العام الجديد ... 120 (1/98)