صفحة 1
الكتاب: قطوف فكرية لبدر العبري ج1
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) قطوف فكرية
الجزء الأول
إعداد
بدر بن سالم بن حمدان العبري
تقدمة
بعد مضي خمس سنوات (2006 – 2010م) رأيتُ – بعد حمد الله وتوفيقه – أن أجمع ماكتبته من الحصاد، وقد سبق أن جمّعته سابقا بشكل عام في أجزاء خمسة، وقد نشر العديد منها في جريدة عمان الغراء، بجانب طبعت منها بعض الكتب، فكان هذا الجمع على أربعة أقسام:
- قطوف فكرية (الجزء الأول).
- قطوف اجتماعية (الجزء الأول).
- قطوف فقهية (الجزء الأول).
- الدرر البهية في الخطب الجمعية (الجزء الثاني).
- مباحث متنوعة وضعت كل بحث على حدة وتمثلت في:
1 - التبغ غير المدخن بين الطب والدين. (مطبوع)
2 - لنحقق مقاصد الحج. (مطبوع)
3 - لماذا لا نحتفي بعيد الحبّ؟
4 - ميلاد خير الأنام أمن وسلام.
5 - الذبح في عيد الفطر ... رؤية شرعية. (مطوية).
6 - زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص.
7 - ماذا يريدون من المرأة؟
8 - أدبية التعامل مع الهواتف النقالة.
9 - فلسفة الإخلاص في العمل.
10 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار.
11 - الأيمان والنذور ... فقه عملي بالصور.
12 - معا لنتعلم الصلاة (الجزء الأول).
13 - آداب الطريق بين التأصيل والتطبيق (مطبوع) وهو مختصر بحث آداب الطريق.
14 - آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي.
15 - الرسول الداعية.
16 - تأملات قرآنية (الجزء الأول).
17 - الغناء والمعازف بين الحلّ والتحريم.
18 - المشاركة في إعداد كتاب مجالس رمضان مع وعاظ دائرة الوعظ بالوزارة.
19 - المفطرات المعاصرة في الصيام (مطوية).
20 - المؤثرات العقليية ... رؤية قرآنية.
21 - المؤثرات العقلية ... أسباب وآثار (مطوية).
22 - الإمام الجويني في كتاب اللمع مقارنة بالمدارس الكلامية الإسلامية.
23 - قوانين الله في القرآن الكريم (الصفات الإيجابية والسلبية نموذجا).
24 - الأعمال الكاملة لبدر العبري (خمسة أجزاء إلى اليوم). (1/1)
صفحة 2
25 - تحقيق مخطوطة: غاية المطلوب في الأثر المنسوب للعلامة عامر بن خميس المالكي.
26 - تحقيق وترتيب مخطوطة الأجوبة النثرية للعلامة سيف بن حمد الأغبري.
والحمد لله رب العالمين
1431هـ / 2010
وجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
من رحمته جلّ وعلا أن جعل للناس أئمة يهدون بأمره، ويبشرون بدينه، ويطبقون منهجه في الأرض قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ، ولا شك أنّ اختيارهم أئمة للناس من باب توحيد القدوة والأسوة، فهم رباهم الله تعالى على كتابه، وكانوا آيات عملية تمشي بين الناس على الأرض، ولذا كان الاقتداء بهم سموا خلقيا، ومنهجا ربانيا، ووحدة في الإتباع والاقتداء.
والأنبياء جميعا من لدن آدم وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم جسّدوا منهجا تشريعيا وخلقيا واحدا، فبعد ما ذكر الله تعالى أنبياء بني إسرائيل قال: أُولَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.
وبما أنّ الشريعة حُرّفت، والطريقة بعد عيسى عليه السلام بُدلت؛ كانت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ. (1/2)
صفحة 3
ولقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين، الذي جعله الله تعالى نورا لهذا الإنسان، يضيء له ظلام الحياة، ويخرجه من الظلمات إلى النور، ويهديه إلى الصراط المستقيم، هذا الكتاب العظيم هو الشفاء لما تعانيه الإنسانية من أمراض نفسية وخلقية، وتخلخل اقتصادي وسياسي، وانحراف فكري وتربوي يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ولقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثالا عمليا لهذا الكتاب العظيم، فطبقه في أقواله وسلوكه، وفي بيته وسوقه، وفي خلوته ومع الناس، وفي عباداته ومعاملاته، فسما خلقه، وارتفع بنيانه، وعظم قنوته وخشوعه، من هنا اختاره الله تعالى قدوة للإنسانية وإلى أن تقوم الساعة قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
لذا كان الأمر الإلهي بوجوب طاعته والاقتداء به قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. (1/3)
صفحة 4
وما كان هذا الإتباع إلا رحمة لهذا الإنسان، به يترفع عن الخواء الفكري الذي يجعله يعيش في فراغ دامس، فتارة يقلد هذا ويتأثر بذاك، لا لشيء إلا لأنهم تفوقوا في جانب معين، أو اشتهروا لغرض رياضي أو فني أو علمي، فيصبح المجتمع وكأنّه لوحة تشكيلية ضمّت نقاطا متغيرة من الأشكال والأنماط، وقد يكون المقلَد منحرفا سلوكيا وخلقيا، وبعيدا عقديا وتصوريا، فكيف بالذي اختاره الله تعالى رحمة للإنسانية والعالمين جميعا، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وقال أيضا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
من هنا صرف الناس عن اتباع سيرته صلى الله عليه وسلم، والتمسك بمنهجه عليه الصلاة والسلام يوقع المجتمع في انحراف فكري وسلوكي، ويترتب على هذا الانحراف آثار اجتماعية وأمنية وتربوية واقتصادية، فمثلا تقول ليلى الحافي قبل أكثر من خمسين سنة، وذلك في مقدمة كتاب مشكلات الشباب لتشالرز دافي، والذي قامت بترجمته عام 1960 م: "وإنّه لمن بواعث أسفي وألمي معا هذه الموجة الطارئة التي قذفت بشبابنا إلى محاكاة وتقليد أبطال الشاشة البيضاء، من أمثال جيمس دين وبريسلي وباقي الممثلين الأمريكيين، إنّ ضياع شبابنا وعدم قدرته على شغل وقته بما يفيد وينفع يحملانه دائما على صرف وقته في توافه الأمور، كالتهريج الرخيص، والمبالغة في الظهور، والوقاحة في ملاحقة الفتيات والسيدات ومغازلتهنّ؛ بل أكثر من ذلك الانحدار إلى حمأة الجريمة، والهبوط الشنيع إلى هوة الرذيلة". (1/4)
صفحة 5
وفي هذا يقول برناردشوا الإنكليزي: "إنّ العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدّين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية؛ بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها".
ويقول جوته الأديب الألماني:"إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحدّ، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو كما نجح محمد الذي أخضع العالم كلّه بكلمة التوحيد".
تكريم النبي عليه الصلاة والسلام
إنّ الأمم المتقدمة هي الأمم التي تقف مع رموزها الذين كان لهم دور في تقدمها ورقيها في كافة المجالات، العلمية والعسكرية، والسياسية والتربوية، فتضع لهم وقفات في تأريخها، وتفتح لهم حيّزا في إعلامها وصحفها، وما ذلك إلا لإحياء ذكراهم في نفوس الأجيال، ولتقتفي الأجيال آثارهم، وتتبع خطاهم، وتعظم ما خلّفوه من تقدم ورقي، وإبداع ومعرفة، فتستمر قافلة التقدم والرقي مع الأجيال المعاصرة. (1/5)
صفحة 6
وإذا كان هذا مع رموز بشرية، لها تقدمها في جانب معيّن من الحياة، فكيف بالرمز الذي اختاره الله تعالى منقذا للبشرية، ورحمة للإنسانية، وهو أعظم شخصية في تأريخ الإنسانية باعتراف غير المسلمين، فهذا مايكل هارت في كتابه "الخالدون مئة"، وقد جعل على رأس المائة سيدَنا محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -, يقول: "لقد اخترتُ محمدا في أول هذه القائمة ... لأنّ محمدا هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي, وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد ثلاثة عشر قرنا من وفاته فإنّ أثر محمد ما يزال قويا متجددا،" وقال: "ولمّا كان الرسول قوة جبارة لا يُستهان بها فيمكن أن يقال أيضا إنّه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ".
ولقد كانت الإنسانية تنتظر بعثته من لدن موسى عليه الصلاة والسلام، لِمَ يحمله من كريم الخصال، وعظيم الصفات، قال تعالى: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. (1/6)
صفحة 7
وإذا جئنا إلى التوراة الموجودة بين أيدينا اليوم نجد البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم واضحة فيها، ففي سفر إشعياء، الإصحاح (42)، الآيات (1 - 9) يقول الرب: "هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي ابتهجت به نفسي، وضعتُ روحي عليه ليسوس الأمم بالعدل، لا يصيح ولا يصرخ، ولا يرفع صوته في الطريق، لا يكسر قصبة مرضوضة، وفتيلة مدخنة لا يطفئ، إنّما بأمانة يجري عدلا، لا يكلُّ ولا تثبط له همة حتى يرسخ العدل في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته".
وهذا ما دلت عليه الآثار، فعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ فقال: أجل والله، إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيّها النبي إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا"، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتحوا بها أعينا عميا، وآذنا صما، وقلوبا غلفا".
وعندما أُرسِلَ بشّر الله تعالى بمكانته في الإنسانية فقال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. (1/7)
صفحة 8
فإذا كان الرسول بهذه المكانة والعظمة، حيث يُبشر بوجوده قبل قرون طويلة، وعندما أُرسل رباه ربه، وجعله أسوة في الأرض وسراجا منيرا، فحري أن تقف الأمة مع مولده وقفة صادقة، وأن تعطيه حقه من العناية والاحتفاء، وأن تربي أجيالها على الاقتداء به وتعظيمه قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
حقيقة الاحتفاء بمولده عليه الصلاة والسلام
ونحن نحتفي بمولده عليه الصلاة والسلام يجب ألّا يقتصر الاحتفاء على الكلمات الرنانة، والقصائد المعبرة؛ بل يجب أن يتوفر في الاحتفاء عنصران: عنصر المحاسبة، وعنصر الاقتداء والإتباع الحقيقي. (1/8)
صفحة 9
أما عنصر المحاسبة فكل واحد منا يحاسب نفسه أولا عن طاعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تتمثل في قوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فأنت تطرح لنفسك هذه الأسئلة: أأنت مؤمن برسول الله حقا أم هو مجرد تقليد للآباء والأجداد "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ"؟ أأنت معظّم لنبيك حق التعظيم بإتباع شرعه فعلا وتركا، وتعظيم الكتاب الذي جاء به، وإنزال شرعه على واقعك، في نفسك وأسرتك ومكان عملك؟ وبعد هذا هل سعيت لنصرة هذا الدين وتبليغه، فأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وكنت ناصحا لأسرتك وعشيرتك وأمتك والإنسانية، وجاهدت بنفسك ومالك في تبليغ رسالات الله تعالى؟ وهل اتبعت النور الذي أنزل للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الكتاب العظيم، فذكرت الله به كثيرا، ووقفت عند حدوده وزواجره، وتأملت فيه وتدبرته، وطبقته وبلغته؟
الكل يحاسب نفسه، فالفرد يحاسب، والأسرة تحاسب، والمجتمع يحاسب، والأمة تحاسب، فإن تحققت الإجابة عن الأسئلة السالفة فالناس في احتفاء حقيقي بنبيهم، وإن كان خلاف ذلك فعليهم أن يعيدوا صياغة أنفسهم، وإلا كان حبهم لنبيهم كاذبا، واقتدائهم به خاطئا، فهؤلاء إن لم يراجعوا أنفسهم كانت المراجعة من قبل الله تعالى بإهلاكهم، واستبدال قوما غيرهم إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. (1/9)
صفحة 10
وإذا جئنا إلى العنصر الثاني وهو عنصر الاقتداء والإتباع، فهنا كما أسلفنا اختار الله نبيه صلى الله عليه وسلم أسوة للإنسانية، وقدوة للبشرية، والناس حول نبيهم قسمان: قسم يهتم بالظواهر فقط كاللحية والثوب وبعض الأذكار الصباحية والمسائية، هذا مبلغ علمه من الاقتداء والإتباع لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقسم آخر انحرف عن الجادة، وعصى شرع نبيه، وتجاوز حدود دينه، ومع ذلك يدّعي المحبة والانتساب للنبي عليه الصلاة والسلام.
وإذا جئنا إلى الإتباع الحقيقي، والتأسي الصادق؛ نجد القرآن قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فليس التأسي والإتباع شكلا معينا، وكأنّه راهب في كنيسة، وليس كلاما فارغا لا أثر له في الواقع؛ بل التأسي والإتباع الحقيقي هو اتباع النور المنزل من عند الله تعالى، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، فبهذا النور يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبه يتحصلون على الأخلاق المحمدية الرفيعة، وبه تصلح أحوالهم، وبه يدخلون جنة ربهم، ونحن نحتفي بالمولد علينا أن نقف مع هذا الكتاب العظيم وقفة صادقة لننزله إلى واقعنا وحياتنا.
دروس وعبر من ميلاد خير البشر
لقد ولد الرسول صلى الله عليه وسلم في أمة سقطت في الفساد الديني والخلقي، والاجتماعي والتربوي، والسياسي والاقتصادي، أما عن الفساد الديني فقد انغمست الإنسانية في الشرك والأوثان، وتقديس الحجارة والإنسان، قال تعالى: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. (1/10)
صفحة 11
أما إذا جئنا إلى الفساد الخلقي فعمّ المجتمع الفساد بكافة أنواعه، قولا وسلوكا، وانتشر الظلم وأكل حقوق الإنسان، فالمرأة تعرّضت لأقسى أنواع الظلم، فعند العرب كان البعض يقضي على حياتها خشية الفقر والعار، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وفي المجتمع الروماني كان النقاش جاريا حول حقيقة المرأة أهي حيوان أم إنسان، كذلك انتهكت أعراض المرأة في المجتمع الجاهلي، وفي المجتمع الروماني الذي يرى نفسه المتقدم وحده في ذلك العصر فقد كانوا ملوكهم يعتقدون حرية أن يفعلوا بالمجتمع ما يشاءون، لكونهم من عرق خاص، فلهم أن يسلبوا أموالهم، ويهتكوا أعراض نسائهم.
وإذا جئنا إلى الفساد الاجتماعي فقد انتشرت الطبقية بأبشع أنواعها، فإما غنى بشع، وأما فقر مدقع، فقد كان الفقراء عبيدا للأسياد، يستغلونهم بلا شفقة ولا رحمة، وقد وصف الله تعالى هذا في أبلغ عبارة حيث قال: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.
أمّا الفساد التربوي والعلمي فقد انغمس العالمَ جهلٌ عظيم، وعمّت الأمية المجتمع، وأصبح العلم مقصورا على أبناء الملوك والأغنياء، وترتب على هذا جمود العقل والفكر، وانحراف التربية والخلق.
كذلك عمّ الفساد الجانب السياسي فانتشرت الحروب لأتفه الأسباب، واستُعبد الناس، وأصبح التمايز واضحا، فلا قيمة لإنسان ما لم يتميز بقبيلة أو لون أو مال أو جنس.
وفي الجانب الاقتصادي انتشر الربا والجشع، واستغلت حاجة الفقراء، فزيدت الضرائب، فازداد الفقير فقرا، بينما الغني فيتمتع بالملذات والترف والإسراف. (1/11)
صفحة 12
في هذا الجو كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، فرباه ربه ليكون رحمة للإنسانية وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فقد كان رحمة للعالمين في الجانب الديني، فجاء بعقيدة التوحيد، التي خلّصت الإنسان من عبادة الحجر والشجر، والقبور والأموات، والعيون والبشر، فرفعته إلى عبادة رب السماوات، وموجد الكائنات، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ.
كذلك حرّر الإنسان من الفساد الخلقي، فدعا إلى الفضيلة، وحارب الرذيلة، وبين كرامة المرأة وحقوقها، وأرجع إليها مكانتها في المجتمع، لا فرق بينها وبين الرجل إلا فيما يتعلق بخصوصيتها، قال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ.
وفي الجانب الاجتماعي فقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ العدالة الاجتماعية، وألغى الطبقية والاستغلال، , وطبّق مبدأ التوازن في المجتمع، قال تعالى: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. (1/12)
صفحة 13
أما في الجانب العلمي والتربوي فأول ما دعا عليه الصلاة والسلام إليه هو العلم، واعتبره واجبا على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والغني والفقير، والأبيض والأسود، فحث على القراءة والكتابة، قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وفي الجانب السياسي فقد عمّ الأمن والاطمئنان، وساد العدل بين شرائح المجتمع، فأمن الناس أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، قال تعالى: " مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (1/13)
صفحة 14
أما الجانب الاقتصادي فقد حرّمت الشريعة التي أنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام الربا والقمار والجشع وكل ما يؤدي إلى الاستغلال، ودعت إلى التجارة والمرابحة وتوثيق الديون، وضمنت حقوق الناس، قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.
فكان مولد النبي إيذانا بهذه الرحمة الإلهية التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور الرباني الذي جاء بقوانين ربانية عادلة، تحفظ للناس حياتهم، وتسعدهم في دنياهم وأخراهم.
فكانت هذه الرحمة أهم درس من دروس مولد الهدى عليه الصلاة والسلام، وهناك دروس أخرى متعلقة بهذا الدرس منها على سبيل المثال مولده عليه الصلاة والسلام يتيما وفي أسرة فقيرة تعليما من الله تعالى لأمته بعدم الاستهانة بقيمة الفقراء واليتامى، فقد يخرج الله تعالى من هؤلاء قوما يبدعون في المجتمع، وينهضون به، فالنبي ولد يتيما فقيرا، ولكنه بنا أمة اكتسبت الخيرية بالإتباع الحقيقي، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. (1/14)
صفحة 15
ومن الدروس مولده عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة، وفي جنس العرب، ونزول الكتاب المقدس بلغة العرب ليس تعصبا لجنس أو لغة أو مكان، فلا فرق في ميزان الله تعالى بين جنس وجنس، فالميزان عند الله تعالى هو التقوى، ولا قيمة لمكان دون مكان فالعبرة باستقامة أهله وتقواه، ولا أهمية للغة دون لغة بل اختلاف اللغات دلالة على وجوده تعالى، وآية من آياته، ولكن كان مولده في مكة توحيدا للإنسانية، ولتتجه نحو محور واحد، ومقصد واحد قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، فقد وصفها بأم القرى وفيه دلالة على توسطها في العالم وقد دلّ على ذلك علماء الخرائط والجغرافيا، وفي هذا دلالة على عالمية الشريعة، وإذا كان البيت المقدس قبلة العالم القديم؛ لكونه جاء إلى أمم معينة، فكان اختيار مكة إشارة إلى أن هذه الشريعة هي الخاتمة، وهي جاءت إلى الناس كافة، وفيها أيضا عودة إلى الحنيفية السمحة، ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ (1/15)
صفحة 16
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
كذلك اختياره من لغة العرب، وبلغة العرب، فهذه اللغة وصلت إلى درجة من البلاغة والفصاحة، ومرتبة من البيان والوضوح، لذا جعلها الله تعالى وعاء لكلامه، وطريقا لشريعته ودينه، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا.
أمّا عن اختياره صلى الله عليه وسلم من نسب إسماعيل فليس من باب التعصب للجنس أو النسب أو الدم، ولكن ليكون أبلغ في دعوة قومه إلى الإسلام، وإلا فالنبي نفسه بين أنّ من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، والميزان عند الله قائم على الإيمان بالله والعمل الصالح، ولا قيمة لنسب مع العمل السيئ.
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
وفي الختام ندرك أنّ الله تعالى أرسل نبيه – صلى الله عليه وسلم – ليحقق الرحمة التي أرادها الله – تعالى – ليس للإنسان فحسب؛ بل للكون أجمع، بما يحويه من عظيم المخلوقات "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". (1/16)
صفحة 17
فالرسالة التي جاء بها النبي – عليه الصلاة والسلام – هي رحمة لهذا الإنسان، وهو بحاجة إليها كحاجته إلى الماء والهواء، وبدونها يختل نظام حياته، ويضع نفسه في منزلة أدنى من الحيوان، يقول – تعالى -: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون".
وإذا اختل نظام الإنسان اختل نظام الكون؛ لأنّ الكون في حقيقته جوهرة واحدة، إذا تأثر جزء منه تأثرت الأجزاء الأخرى، يقول سيد قطب في معرض تفسيره لقوله – تعالى -: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"، يقول: "يكشف – الله عن – ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم، وأنّ فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها برا وبحرا بهذا الفساد، ويجعله مسيطرا على أقدارها، غالبا عليها، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتمّ عبثا، ولا يقع مصادفة؛ إنّما هو تدبير الله وسنته، ليذيقهم بعض الذي عملوا من الشر والفساد، حينما يكتوون بناره، ويتألمون لما يصيبهم منه، لعلّهم يرجعون، فيعزمون على مقاومة الفساد، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح، وإلى المنهج القويم". (1/17)
صفحة 18
وما الفساد الذي تعاني منه البشرية اليوم إلا بسبب ابتعادها عن خط نبيها صلى الله عليه وسلم، ففي جانب التربية الجنسية مثلا أنزل الله تعالى شريعته لتنظم الجنس، وتحفظه من مزالق الإباحية والانحراف، فنلاحظ مثلا من خلال النصوص القرآنية التكامل في العلاج، سواء كان من حيث سد ذرائع الفساد، أو من حيث إيجاد البديل، ونلاحظ في القرآن أنّه يتعامل مع الإنسان كإنسان يصيب ويخطئ، له غرائز وشهوات، وهذه فطرة الله في الإنسان، من هنا يجب أن يكون العلاج متلائما مع الطبيعة البشرية، لذا حذّر الله من الرهبانية، ودعا إلى الزواج، بل وأمر بتزويج الفقراء، فالفقير يجب أن يُساند في حوائجه البشرية بما في ذلك حاجته إلى سد غريزة الجنس " وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم". (1/18)
صفحة 19
كذلك رفع الله الإنسان عن المنزلة الحيوانية، فالإنسان يختلف عن الحيوان بما كرمه الله من نعمة العقل، فلا معنى أن تنزل درجته، وللأسف أن تبنى بعض النظريات المعاصرة المتعلقة بالإنسان على الطبيعة الحيوانية، وهذا ما وقعت فيه نظرية فرويد، مع أن فرويد من العلماء الذين كرّسوا جهدهم في حل الكثير من المشاكل التي يعانيها الإنسان في حياته كالاضطرابات النفسية، ومن الحلول التي حاول أن يجعلها حلا لهذه الاضطرابات الحرية الجنسية، وفقا للطبيعة الحيوانية للإنسان، مما أوقعت الغرب في واد من الإباحية الجنسية، وانتشار الأمراض البدنية والنفسية، فضلا عن آثارها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمة، وذلك لأنّ حلول فرويد – مهما كانت أهميتها من الناحية العلمية والفلسفية – إلا أنها تعتبر قاصرة؛ لأنّها بعيدة عن النواميس الربانية، العالم بالطبيعة البشرية، فقد عانى الغرب بعد فترة قصيرة من شيوع هذه النظرية، مثلا تشارلز دافي ألف كتاب " مشكلات الشباب " مبينا آثار هذه النظرية على إنجلترا، وقد ألف الكتاب عام 1959م، أي بعد أقل من ربع قرن من شيوع نظرية فرويد، يقول مثلا في الصفحة (41): " من سجلات الأخصائيين الاجتماعيين، والمشرفين في المدارس العليا، بل من دفاتر الأطباء، وسجلات أقسام البوليس، ثبت أن هناك 272 حالة اغتصاب من النساء والفتيات قد وقعت خلال عام واحد في ويلز وانجلترا، ومن المؤسف أنّ مرتكبي كل هذه الحوادث كانوا فتيانا لا تزيد أعمارهم عن الرابعة عشرة ".
كذلك نجد القرآن كما أمر بتسهيل الزواج واعتبره بديلا عن الزنا؛ في المقابل شدّد من الاقتراب إلى الحرام، وأغلق جميع الوسائل المؤدية إليه، من التبرج والسفور، والنظرة المحرمة، والاختلاط المحرم، كل هذا لضمان أمن المجتمع، ولحمايته من جراثيم الانحراف. (1/19)
صفحة 20
وبهذا التشريع الرباني يعيش المجتمع في أمن واطمئنان، يخرج الإنسان من بيته وهو آمن في نفسه وعرضه، وما انتشار الخوف والقتل اليوم إلا نتيجة البعد عن العلاج الرباني، بل عم العالم اليوم بسبب الاستهتار بهذه المحرمات الأمراض المخيفة، وفي مقدمتها مرض الإيدز القاتل، فقد أشارت منظمة الصحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة أنه أصيب بهذا المرض في عام 2004م أربعة ملايين نسمة، وفي عام 2005م أصيب به خمسة ملايين نسمة، أي الزيادة بين العامين بمعدل مليون نسمة، فكيف يكون مصير العالم بعد خمسين سنة!!!، بل دلت الإحصائيات الآن أن المرض ينتشر بمعدل ست ثواني، وفي عام 2007م بلغ عدد حاملي فيروس الإيدز ما لا يقل عن أربعين مليون نسمة، ثلثهم من الأطفال، كل هذا نتيجة البعد عن الخط الإلهي، والمنهج الرباني.
من هنا يجب أن نقف مع مولد الهدى صلى الله عليه وسلم وقفة صادقة، وألّا نقتصر في احتفائنا به وبسيرته على الذكريات والأشعار، وألّا يقتصر اقتداؤنا به على القشور والأشكال، بل لا بد من إنزال شريعته إلى واقعنا وحياتنا، وتبليغها إلى العالم أجمع، فالنبي صلى الله عليه وسلم نور، وهذا النور استمده من القرآن الكريم، وبه يخرج الناس من الظلمات، وبه يكتسبون نورا في الدنيا، ونورا في الآخرة يقودهم إلى النعيم الأبدي.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
الإيمان في جوهره ليس تصورا فلسفيا لا أثر له في السلوك البشري؛ بل هو من أكبر المؤثرات للسلوك الإنساني، بما في ذلك الجانب الاجتماعي الذي يربط بين الجماعة الواحدة، ويجعلها أمة متحدة. (1/20)
صفحة 21
والإيمان الصحيح يجعل المؤمنين إخوة يجمعهم عوامل مشتركة، وأسس متينة، من هنا كانت القاعدة الربانية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، والله تعالى حصر الأخوة في الجماعة المؤمنة؛ لأنّ الأخوة الحقيقية هي التي تترفع عن الذاتية والمصالح الشخصية إلى مستوى الجماعة ولو كان مخالفا لأهواء النفس، وأنانية الفرد، وهذه الأخوة واضحة في المؤمنين الذين وحدّهم الاستسلام التام لرسالات الله تعالى وتعاليمه، قال تعالى: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".
وللحفاظ على وحدة الأخوة الإيمانية كانت هناك أدبيات ربانية تحفظها من الانقسام والتشرذم، وقد جمعها الله تعالى بقوله: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ".
وذلك لأنّ الجماعة المؤمنة مع تماسكها إلا أنّها تبقى جماعة بشرية، يتخللها ما يتخلل الإنسان من أهواء وأنا، وانحراف سلوكي وتصوري، لذا كان أهمية النصح والإصلاح للتذكير أولا، ولاستمرارية وحدة البناء الإيماني ثانيا، وفي هذا يقول تعالى في سورة مستقلة تعتبر قاعدة للجماعة المؤمنة: " والْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ". (1/21)
صفحة 22
والشيطان يجاهد لإبدال هذه الوحدة الإيمانية بالعداوة والبغضاء، والفرقة والشحناء، لذا كان التحذير من قبل الله تعالى من أمراض تهدد هذه الأخوة، وعلى رأسها السخرية والاستهزاء والتنابز بالألقاب قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".
ومن الأمراض التي حذّر منها الله تعالى الشائعات الكاذبة، وما تحتويه من سوء ظنّ بالمؤمنين، بجانب التجسس والغيبة قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيم".
وفي هذه الأخوة الإيمانية كانت هناك حقوقا على أفرادها تجاه بعضهم البعض قاعدتها قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وقوله –صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا".
ويترأس هذه الحقوق النصح في الله، والإعانة على عبادته وتقواه، قال تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ". (1/22)
صفحة 23
فالمؤمن يعين أخاه المؤمن في مراقبته حدود الله تعالى، ووقوفه عند شعائر دينه، ومنهج كتابه؛ لأنّهم ينطلقون في أخوتهم من منهج ربهم، فصاروا بذلك إخوانا متحابين، تعمهم روح الأخوة الصادقة ليس في دنياهم فحسب؛ بل حتى يوم يلقون ربهم في المشهد العظيم، قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ"، ويصدق هذه الأخوة قوله -صلى الله عليه وسلم-: الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ولكتابه وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".
ثم يأتي الحق التالي والذي يندرج بعد حق النصح لله تعالى، وهو إعانة الفرد لأخيه المؤمن في حياته، حيث يعينه في تعليمه وتفقيهه، وفي أفراحه وأتراحه، ويكون معه يدا واحدة إذا حلّ به مكروه أو مصاب، كمرض في نفسه وأهله، واحتاج إلى عون ومساعدة، أو تفاقم عليه دين، أو أصابته جائحة كحريق ونحوه، وأصل هذا قوله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"، وقوله –عليه الصلاة والسلام-: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ". (1/23)
صفحة 24
وأخيرا تأتي الحقوق التكميلية كالابتسامة عند اللقيا، وإفشاء السلام، وزيارته إذا مرض، وتعزيته في موت قريب وحبيب، ومباركته في أفراحه، وإزالة الأذى عنه وعن أهله وأحبابه، وحفظه في ماله وعرضه، وفي هذا يقول –عليه الصلاة والسلام-: "حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ وَيُشَمِّتَهُ إِذَا عَطَسَ وَإِنْ دَعَاهُ أَنْ يُجِيبَهُ وَإِذَا مَرِضَ أَنْ يَعُودَهُ وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَشْهَدَهُ وَإِذَا غَابَ أَنْ يَنْصَحَ لَهُ".
فإذا كانت هذه الحقوق مصونة في أمة كانت المحبة بين أبنائها، والألفة بين أفرادها، وأصبحت كالبنيان المرصوص، لا تهزها العواصف، ولا تؤثر فيها منغصات الدهور، وكانت بانطلاقها من وحدانية الله تعالى والوقوف عند حدوده وأوامره أمةً واحدة، أثنى عليها الله تعالى بقوله: "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"، وقوله: "وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ".
وبهذا تكون من الأمة الخيرية التي يمن الله عليها بآلائه، وينزل عليها بركاته في المال والأهل والولد، قال تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ".
وبالوقوف عند هذه الحقوق الأخوية يقول –صلى الله عليه وسلم-: "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".
ركائز النجاح في رمضان (1/24)
صفحة 25
شهر رمضان فرصة ذهبية للمؤمن، يجدد فيه إيمانه، ويراجع فيه ذاته، وفيه تقوية للعلاقة مع الله ومع الناس، فهو مدرسة روحية وعلمية للنفس، من هنا ينبغي استغلال هذه الدورة الإيمانية، ووضع جدولة للنجاح فيها، مع تنظيم الوقت والعمل، ومعرفة التعامل مع الأولويات، ومدى تقديمها على الثانويات.
وللنجاح في رمضان لا بد من ركائز يقف عندها المسلم؛ ليكون أقرب إلى النجاح والتوفيق فيه، ومن هذه الركائز:
الركيزة الأولى: الإخلاص
يقول الحق تبارك وتعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا "، فالإخلاص أس العبادة في الإسلام، وبدونه تتحول العبادة إلى غبار متناثر لا فائدة منه، وكلما أخلص العبد كان أقرب إلى النجاح في مقصده دنيا وأخرى، فبإخلاصك في الاستعداد لشهر الصيام كنت أقرب إلى النجاح والتوفيق.
الركيزة الثانية: ترويض النفس
قديما قيل: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، ونلاحظ كثيرا من الناس في بداية رمضان يجتهدون في المسابقة في أعمال الخير، ولكن ما إن يتقدم رمضان إلا ويبدأ التناقص في المنافسة، وهذا شيء طبيعي لأن النفس لم تروض على هذا الأمر، فالذي يريد أن ينجخ في الامتحان لا بد من ترويض النفس شيئا فشيئا حتى تتعود على المذاكرة، كذلك الذي يريد الفوز في رمضان لا بد من ترويض نفسه عل أعمال البر والخير، ويتدرج في ذلك، حى لا يصيبه السأم والفتور السلبي.
الركيزة الثالثة: التنظيم والتدرج
لا بد من التنظيم في جميع الأمور المتعلقة بالحياة بما فيها الجوانب التعبدية المحضة، وذلك من خلال وضع جدولة لاستغلال رمضان سواء كان مع النفس أو الأسرة أو الحي الذي تسكن فيه، وحبذا أن تكون الجدولة مكتوبة ليسهل تصورها، وتكون أقرب إلى التطبيق.
الركيزة الرابعة: التفاؤل
مرّ عام كامل على فراقك لرمضان، شهور مرت كأن لم تكن، كم قصرت في جنب الله!، و كم بعدت عن بابه .. (1/25)
صفحة 26
ومع هذا فتح الله بابه للمقصرين في كل وقت من أوقات العام، وشهر رمضان من أعظم هذه الأوقات لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، والزيادة في الحسنات، فكن – أخي العزيز – متفائلا، وظن خيرا بخالقك، واعلم أنك قادر على الفوز في هذا الشهر، وأنت جدير باستغلالة وتعظيمه.
((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا)).
من مقاصد الحج والعمرة
جعل الله – تعالى - البيت الحرام مدرسة للإنسانية عامّة، ولهذه الأمة خاصة، مدرسة يفد إليها المسلمون عاما بعد عام؛ ليقطفوا منها المثل العليا، والآداب الرفيعة.
ومن أعظم ما يمارس في هذه البقعة الطاهرة مناسك الحج والعمرة، إذ يفد العشرات من المسلمين من كل بقاع الأرض، ليؤدوا مناسك الحج في كل عام.
ولم يجعل الله - تعالى - مناسك الحج مجرد طقوس يمارسها الإنسان؛ بل هي في حدّ ذاتها مدرسة لهذه الأمة.
وفي هذه الآية يرشدنا الله - تعالى - إلى مقصدين عظيمين من المقاصد التربوية للحج، فالله - تعالى - يرشدنا إلى مقصد المساواة، وإلى مقصد الطهر والقداسة.
وأقف بك بداية مع مقصد المساواة، يقول - تعالى - عن البيت: "الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد"، فهذه الأرض المقدسة الناس فيه سواسية، سواء كان العاكف المقيم في الأراضي المقدسة، أو البادي الذي من غير البلد.
يتساوى في هذه البقاع الطاهرة الأبيض والأسود، العربي والعجمي، والصغير والكبير، الذكر والأنثى، الغني والفقير.
وهذا المقصد يتحقق في أعلى صوره من خلال مشاعر الحج، فالناس يحرمون من أماكن واحدة، ويطوفون حول بيت واحد، ويسعون في بقعة واحدة، ويبيتون جميعا في ليالي منى، ويقفون سواسية في عرفة، ويقضون ليلة العيد في عراء مزدلفة، ويرمون حصيهم في واد واحد يجمعهم، خاضعين لله ملبين، لا كبر ولا تعالي، ولا احتقار ولا ازدراء. (1/26)
صفحة 27
إنه مقصد المساواة الذي ينبغي أن يرجع به الحاج؛ ليكون منهجا له في بلاده، وليكون نبراسا لوطنه وأمته، ليعيش مترفعا عن حبّ الذات وازدراء الآخرين، ويسعى في احترام وتوقير غيره، مهما تباينوا عنه في المنزلة والرفعة، والمكانة والسلطة.
أما المقصد الثاني الذي نستخلصه من هذه الآية فيتمثل في الطهر بكافة أنواعه، يقول - تعالى -: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم".
فالله - تعالى - أراد من هذه البقعة الطاهرة أن تكون مثلا للطهر والقداسة، لا يجوز أن تدنس بالمعاصي والسيآت، بكافة أنواعها القلبية من حسد وغل وبغض، والفعلية كالغيبة والنميمة والسرقة وما شابه ذلك، فالذي يرد فيه بفعل الشر يتوعده الله بالعذاب الأليم، فما بالك بالذي يرتكب فيه ما حرّم الله من ذنوب ومعاصي، فهذا - والعياذ بالله - داخل في وعيد الله - تعالى -.
والحاج إلى هذه الديار المقدّسة، وقد أحرم لأداء مناسك الحج والعمرة، حري به أن يطهر نفسه، وقد وفد إلى الله - تعالى - في هذه الفترة الزمنية، حري به أن يطهر جسده عن الوقوع في المعاصي والذنوب، فلا غيبة ولا نميمة، ولا رياء ولا سمعة، ولا كبر ولا أنانية، ولا إيذاء للآخرين في الطواف والسعي والجمرات، ولا تدنيس للمكان برمي المخلفات والأوساخ في منى وعرفة، وعلى احترام للقوانين والأنظمة ليؤدي جميع الحجاج حجهم في يسر وسهولة.
فبهذا يتعلم الحاج والزائر لهذه الديار هذا الأدب الرفيع، ويتخرج من هذه المدرسة العريقة ليكون منارا في الطهر والعفاف، فيرجع إلى بلاده طاهرا نقيا، داعيا إلى الخير والفضيلة، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه".
وليخش أولئك الذين يدنسون هذه البقاع بما حرمه الله ونهى عنه، ويؤذون الناس في أداء مناسكهم بالمزاحمة والسباب، فليخش هؤلاء عذاب الله، فعذابه أليم. (1/27)
صفحة 28
فلنحقق مقاصد الحج ومنافعه؛ لنرجع إلى ديارنا تعمنا المساواة والمحبة، ويشع منا الطهر والقداسة.
العمل والإخلاص من منظور الإسلام
من الخطأ أن ينحصر العمل في منظور بعض الناس في القربات التعبدية المحضة كالصلاة والصيام والصدقات، فإذا ما سمعوا كلمة عمل في آيات الكتاب العزيز ذهبت أذهانهم إلى القربات التعبدية المحضة، فالعمل في منظور الإسلام هو حياة الإنسان نفسه.
فالعمل في التصور الإسلامي عبارة عن السلوكيات والأفعال التي يمارسها الإنسان في فترة وجوده في هذه الحياة، فكما أن الذي يمارسه في المسجد يعد عملا؛ كذلك الذي يمارسه في البيت والسوق ومكان الدراسة يعتبر من جنس العمل أيضا، فالعمل مفهومه عامّ يشمل الأقوال والأفعال، التصورات والتطبيقات، أو بمعنى آخر هو حياة الإنسان وممارساته في هذه الحياة.
وفي المقابل توجد علاقة بين الإخلاص والعمل، فالعمل بمفهومه الصحيح بحاجة إلى إخلاص، أي بحاجة إلى إتقان، ومع توفر الإتقان والقصد يتحول بدوره إلى عبادة يثاب عليها، وفي الوقت نفسه يعتبر من دعوة إلى الله ببناء الحياة بناء متقنا وفق شريعة الله تعالى، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ".
فالعمل والعبادة والدعوة نتائج مترابطة من منظور الإسلام، ويتضح هذا جليا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " تبسمك في وجه أخيك صدقة "، فالابتسامة عمل، إذا ارتبطت بالقصد الصحيح، ولم يقصد بهاء الاستهزاء والسخرية؛ تتحول مباشرة إلى عبادة يثاب عليها المبتسم، وفي الوقت نفسه تعدّ دعوة إلى الله تعالى. (1/28)
صفحة 29
فالإخلاص أساس نجاح العمل، وبه يستطيع أن يرقى بالعمل الذي يمارسه، مع إدراك الأخطاء التي وقع فيها، وهذا يشمل جميع جوانب الحياة، فالذي – مثلا – يعاني من صعوبة إتيان صلاة الفجر في وقتها المحدد، من خلال رغبته في إصلاح هذا العمل وإتقانه؛ عليه أن يعوّد نفسه على أدائها في الوقت المحدد؛ ليكون مخلصا في هذا العمل.
كذلك الذي يعاني من مرض الكذب والغيبة، فكلامه يعتبر عملا لا بد أن يخلص فيه، فعليه أن يخلص من هذا الداء ليكون متقنا.
من هنا لا بد أن نخلص في أقوالنا وأفعالنا، في مساجدنا وبيوتنا، مع أنفسنا وغيرنا، في وطننا وأمتنا.
حتمية التقيد بالضوابط الشرعية في الاقتصاد العالمي
المال هو العصب الذي تقوم عليه الحياة، لذلك سماه القرآن بأوصاف مختلفة، فتارة يسميه خيرا، وتارة رحمة، وسماه أيضا حسنة.
وبدون المال لا يمكن للإنسان أن يعيش، خاصة في عالمنا اليوم، فهو بحاجة إلى توفير حاجاته الضرورية، من مأكل ومشرب ومسكن، ولا يستطيع توفير هذه الضروريات إلا بالمال.
كذلك لا يمكن أن يكتب التقدم والرقي لأي مجتمع إذا كان فقيرا، لا يسعى في التطور الاقتصادي والتجاري.
ونشر الدعوة الإسلامية ذاتها بحاجة إلى مال، ليكتب لها العالمية بين الأمم، ولتصل إلى العالم أجمع كما أراد الله تعالى لها.
لهذه الأسباب حث الإسلام على كسب المال، واعتبر كسبه من الفروض اللازمة؛ سواء كان بالنسبة للفرد أو للمجتمع، فالفرد لا بد أن يخرج إلى السوق والعمل لكسب المال، وذلك من أجل توفير مستلزماته الضرورية، وتكميلها بالمستلزمات الحاجية، من هنا حرم الإسلام التسول، وطلب العون من الآخرين لغير ضرورة، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه".
كذلك بالنسبة للمجتمع لا بد أن توجد فيه مؤسسات مالية ونقدية وتجارية تواجه النظام الاقتصادي في العالم، وتسايره. (1/29)
صفحة 30
وإذا جئنا إلى الماضي نجد الحياة الاقتصادية أيسر من اليوم، والعلاقات التجارية واضحة ومحددة، أما اليوم فأصبحت معقدة ومتداخلة، وهذا عائد إلى سببين أساسيين:
1. تداخل المؤسسات التجارية وتشعبها، فلم تعد مقتصرة على المتجر والسوق البسيط؛ بل تطورت إلى شركات معقدة في تعاملها، وهي في الوقت نفسه متداخلة مع شركات أخرى، وهذه الشركات التجارية أفرزت شركات جديدة تعنى بباقي شرائح المجتمع، خاصة من أصحاب الأموال البسيطة، فظهرت البنوك وشركات التمويل، كذلك ظهرت تجارة الأسهم والسندات، أو بمعنى آخر تجارة البورصة العالمية.
كذلك إذا جئنا إلى السوق، فلم يعد مقتصرا على بقعة معينة، يشترك فيه مجموعة من التجار، فقد أصبح أمره معقدا، فظهر السوق العالمي، والسوق الحر، أو التجارة الحرة، وهذه أفرزت – إن صح التعبير – بالأسواق الكترونية، حيث استغلت وسائل الاتصالات الكترونية من تلفزة وفاكس وهواتف وإنترنت للعرض والطلب.
2. ظهور العولمة أو الكوكبة الاقتصادية، فأصبحت العولمة اليوم تفرض نفسها بقوة، فأصبح العالم اليوم يتاجر في سوق واحد، يهيمن عليه دول سياسة معدودة، وتتداخله ثقافات وأفكار متعددة.
لهذا كان لا بد من الدخول إلى السوق العالمي، كواقع تفرضه الحياة المعاصرة، كذلك لا بد من وجود ضوابط تحدد للمسلم حدود التعامل مع هذه الأسواق العالمية، من أجل صحة معاملاته الشرعية، وحتى يهيمِن – إن صح التعبير – بثقافته، لا أن يُهيمَن بثقافات الآخرين، الذي أثبت الواقع الاقتصادي فشلها.
وإذا جئنا ننظر في النصوص الشرعية، لا نجد في النصوص تحديدا لمعاملات معينة يلزم باتباعها، وذلك لأن المعاملات تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، من هنا كانت النصوص عبارة عن ضوابط من أجل حفظ المصلحة العامة للفرد والمجتمع، والضروريات هي الدين والنفس والعقل والعرض والمال. (1/30)
صفحة 31
وإذا جئنا إلى المصلحة لا نجدها ترتبط بمصلحة الفرد فحسب؛ بل مصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة المجتمع، فلا نجد تنافرا بين الفرد والمجتمع في الاقتصاد الإسلامي، كما نجده بين الاشتراكية والرأسمالية.
فلا بد من توفر المصالح لحفظ التعامل الاقتصادي بين البشر، وإلا أصبحت الحياة مجرد غابة يتصارع فيها الناس من أجل كسب دراهم معدودة، والغلبة تكون لطائفة معينة، والباقي تكون في دائرة الاستعباد والاضطهاد الاقتصادي.
البعد الاجتماعي للتشريع الإسلامي في غريزة الجنس
نلاحظ من خلال النصوص القرآنية التكامل في العلاج، سواء كان من حيث سد ذرائع الفساد، أو من حيث إيجاد البديل، ونلاحظ في القرآن أنه يتعامل مع الإنسان كإنسان يصيب ويخطأ، له غرائز وشهوات، وهذه فطرة الله في الإنسان، من هنا يجب أن يكون العلاج متلائما مع الطبيعة البشرية، من هنا يحذر الله من الرهبانية ويدعو إلى الزواج، بل ويأمر بتزويج الفقراء، فالفقير يجب أن يساند في حوائجه البشرية بما في ذلك حاجته إلى سد غريزة الجنس " وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم". (1/31)
صفحة 32
كذلك يرفع الله الإنسان عن المنزلة الحيوانية، فالإنسان يختلف عن الحيوان بما كرمه الله من نعمة العقل، فلا معنى أن تنزل درجته، وللأسف أن تبنى بعض النظريات المعاصرة المتعلقة بالإنسان على الطبيعة الحيوانية، وهذا ما وقعت فيه نظرية فرويد، مع أن فرويد من العلماء الذين كرسوا جهدهم في حل الكثير من المشاكل التي يعانيها الإنسان في حياته كالاضطرابات النفسية، ومن الحلول التي حاول أن يجعلها حلا لهذه الاضطرابات الحرية الجنسية، من خلال الطبيعة الحيوانية للإنسان، مما أوقعت الغرب في واد من الإباحية الجنسية، وانتشار الأمراض البدنية والنفسية، فضلا عن آثارها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمة، وذلك لأن حلول فرويد – مهما كانت أهميتها من الناحية العلمية والفلسفية – إلا أنها تعتبر قاصرة، لأنها بعيدة عن النواميس الربانية، العالم بالطبيعة البشرية، فقد عانى الغرب بعد فترة قصيرة من شيوع هذه النظرية، مثلا تشارلز دافي ألف كتاب " مشكلات الشباب " مبينا آثار هذه النظرية على إنجلترا، وقد ألف الكتاب عام 1959م، أي بعد أقل من ربع قرن من شيوع نظرية فرويد، يقول مثلا في الصفحة (41): " من سجلات الأخصائيين الاجتماعيين، والمشرفين في المدارس العليا، بل من دفاتر الأطباء، وسجلات أقسام البوليس، ثبت أن هناك 272 حالة اغتصاب من النساء والفتيات قد وقعت خلال عام واحد في ويلز وانجلترا، ومن المؤسف أن مرتكبي كل هذه الحوادث كانوا فتيان لا تزيد أعمارهم عن الرابعة عشرة "، فكيف لو كان المؤلف حيا إلى وقتنا الحالي ورأى ما يحل بالعالم أجمع من جراء الفلسفات المعاصرة، البعيدة عن الخط الإلهي.
كذلك نجد القرآن كما أمر بتسهيل الزواج واعتبره بديلا عن الزنا، وفي المقابل شدد من الاقتراب إلى الحرام، وأغلق جميع الوسائل المؤدية إليه، من التبرج والسفور، والنظرة المحرمة، والاختلاط المحرم، كل هذا لضمان أمن المجتمع، ولحمايته من جراثيم الانحراف. (1/32)
صفحة 33
ومع هذا يدرك القرآن أن هناك أناسا قلوبهم مريضة، ولا يمكن إصلاحهم بالوعظ والإرشاد، والتخويف والتهديد، وبعض هؤلاء لا يهدأ لهم بال إلا بنشر الفاحشة، وإشاعة المنكر، ليسهل عليهم الأمر في اقتراف المحرمات، من هنا جاء تشريع الحد، وفي هذه الآيات يشير القرآن إلى حد الزاني " والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهم مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ".
وبهذا التشريع الرباني يعيش المجتمع في أمن واطمئنان، يخرج الإنسان من بيته وهو آمن في نفسه وعرضه، وما انتشار الخوف والقتل اليوم إلا نتيجة البعد عن العلاج الرباني، بل عم العالم اليوم بسبب الاستهتار بهذه المحرمات الأمراض المخيفة، وفي مقدمتها مرض الإيدز القاتل، فقد أشارت منظمة الصحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة أنه أصيب بهذا المرض في عام 2004م أربعة ملايين نسمة، وفي عام 2005م أصيب به خمسة ملايين نسمة، أي الزيادة بين العامين بمعدل مليون نسمة، فكيف يكون مصير العالم بعد خمسين سنة!!!، بل دلت الإحصائيات الآن أن المرض ينتشر بمعدل ست ثواني، هذا نتيجة البعد عن الخط الإلهي، فمتى يفيق النائمون، ويتدبروا في كتاب ربهم.
لماذا النصر في رمضان؟
قد يسأل سائل لماذا النصر في رمضان؟
ولماذا أكبر الغزوات والمعارك - كما يروي التاريخ - وقعت في رمضان؟
ولماذا لا تنتصر الأمة اليوم كما انتصرت بالأمس؟
للإجابة عن هذه الإشكالية علينا أن نتأمل فلسفة النصر في كتاب الله، فهو المتحدث عن الله تعالى، فالله تعالى هو الناصر والممكن لعباده في الأرض.
يضرب لنا القرآن في كتابه قصة طالوت وجالوت، إذ فيها يبين الله السبب الحقيقي للنصر. (1/33)
صفحة 34
وخلاصة القصة أنّ الله سلط على بني إسرائيل ملكا قتل رجالهم، وسبى نسائهم، وأخرجهم من ديارهم، وأكبر من هذا أخذ منهم التابوت - أي الصندوق - الذي فيه صحف موسى، وبقية مما ترك آل موسى وهارون.
هنا طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون تحت لوائه، ويرد لهم حقوقهم من عدوهم، ومع رفض النبي في البداية خشية أن يكتب عليهم القتال فيتولوا ويقعوا في معصية الله تعالى.
ومع هذا أصر القوم على موقفهم وقالوا: " وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا"، فلما كتب الله عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، ممن أجاب أمر الله، وانصاع لأمره.
واختار الله لهم طالوت ملكا، بما أتاه من بسطة في العلم والجسم، قالوا: "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ"، فنظرة هؤلاء القوم مادية، فلا يرون الملك إلا في أسر الملوك، أو أهل الثراء، فبين لهم نبيهم أولى الناس بالملك، وبين لهم أن الله "اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، وأن الله قد جعل معه آية تثبت صدق اختيار الله له؛ لأن هؤلاء القوم ماديين لا يؤمنون إلا بالمادة، وهي " إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ". (1/34)
صفحة 35
ومع هذا وضع طالوت لهذه القلة من الكثرة اختبارا ليرى مدى صدقهم في مراقبتهم لله، وتعضيمهم له، قال لهم: "إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ"، وكانت نتيجة الاختبار سيئة إذ رسب فيه أكثر هذه القلة من الكثرة التي أبت القتال رأسا " فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ".
وهذا الامتحان كان لحكمة؛ لإدراكه أن أكبر سلاح يواجه به العدو هو تقوى الله وتعظيمه ومخافته، فإذا استووا في المعصية كانت الغلبة للعدو في القوة، فلا بد من نصر الله أولا " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ".
وقد يسأل سائل كيف ننصر الله لينصرنا؟ هذا أجاب عنه القرآن كذلك "وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ".
فلكي ينصرنا لا بد من تحقق هذه الأمور الأربعة، إقامة الصلاة بخشوع وتذلل وإخلاص، وإخراج حق الله مما أوجبه في المال، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وهذه الأربعة الأمور التي تتضمن الفعل والترك يطلق عليها " منظومة التقوى "، وهذه المنظومة أكبر سلاح يواجه به العدو، وأكبر أداة للنصر، وبها يتحقق التأييد الرباني، والنصر الإلهي، فبها تحقق النصر على جالوت، عندما كاد أن يتقاعس القلة الناجحة من امتحان النهر لعلة قلة العدد مقابل جيش جالوت، فكان رد المؤمنين الأتقياء " كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ". (1/35)
صفحة 36
وإذا جئنا إلى رمضان نجد رمضان أكبر مؤسسة وجامعة لتخريج الأتقياء، بل هو أعظم مصنع لإنتاج هذا السلاح إذا ما أحسن استغلال هذا الشهر، وعظم الله فيه، فالله يربط آيات الصيام بسور عظيم، افتتاحا وختاما، ففي الافتتاح يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، وفي الختام يقول جلّ شأنه: " تلك حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ".
من هنا ندرك أسباب انتصار السلف في رمضان، ولماذا اليوم لا ننتصر فيه، لأن رمضان لم يصبح يخرّج الأتقياء؛ بل أصبح يخرّج اللاهيين واللاعبين! فأنى لأمة أن تنتصر وهي منغمسة في اللهو واللعب، لا تعرف للجد والعز مكانا ولا قدرا!!!
رمضان والقرآن
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية185)، في هذه الآية الكريمة يبين تعالى أن رمضان شهر إنزال القرآن، وإنزاله فيه كان لغاية نبيلة، وحكمة جليلة، الإنسان بحاجة لهذه الغاية والحكمة مهما علا شأنه، وبلغ الذروة في الفكر والثقافة.
والغاية من إنزال القرآن في هذا الشهر الهداية والبيان، فبهما تستقر حياة الإنسان، وتطمئن قلوبهم، وتعتدل سلوكياتهم.
فالإنسان بحاجة إلى مصدر الهداية؛ ليصل إلى الراحة والطمأنينة في الحياة الدنيا، وإلى السعادة الأبدية في الدار الآخرة، وهذا لا يحصل بالأماني والفلسفات المادية، ولا بالتصوف والرهبانية المفرطة، ولكن يحصل عليها من خلال التأمل والتدبر في كتاب الله تعالى، لذلك جعل الله كتابه واضحا بينا، سهل الإدراك والتدبر، يفقهه الصغير والكبير، العالم والجاهل. (1/36)
صفحة 37
والإنسان من خلال بيئته وثقافته يدرك أفكارا وتصورات، وفلسفات وسلوكيات، قد لا يستطيع التفريق بين صحيحها وسقيمها، فقد يبالغ في إعمال عقله، ومع ذلك يصل به إلى متاهات صعب الخروج منها، وقد يتعصب لعادات وتقاليد بيئته، من هنا هو بحاجة إلى من يرشده إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم، لذا جعل الله القرآن مصدر بيان يقود الإنسان إلى سفينة النجاة، فتلقي به إلى جزيرة الهداية والسعادة.
من هنا كان رمضان شهر القرآن، أنزل فيه جملة واحدة؛ ليكون الشهر الفضيل محطة للوقوف مع معاني القرآن، وتدبر آياته، والتقيد بحدوده وحرماته.
فحري بنا أن نعرض أفكارنا وتصوراتنا وسلوكياتنا في هذا الشهر الفضيل على القرآن الكريم، وحري بنا أن نحيي حلقات التدبر في البيوت والمساجد؛ لنعيش حياة قرآنية، ونحيا مع الفكر القرآني الرشيد.
حبّ الأوطان
حبّ الأوطان من الغرائز التي يتمتع بها الإنسان، فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أخرج من المدينة، خرج حزينا لفراقه وطنه الذي ترعرع بين حناياه، وعاش بين زواياه، خرج مستقبلا وطنه الأم، وموجها إليها خطابه الجميل: " والله لأنت أحبّ البلاد إلى الله، ولولا أنّ قومك أخرجوني ماخرجت".
فحبّ الوطن شيء فطري، وأمر جبلي، ولكن لا يتوقف حب الوطن عند الكلمات الرنانة؛ بل لا بد أن يجسد إلى واقع عملي، فالحب لا بد أن يتجسد إلى إخلاص لهذا الوطن، مقرونا بالتفادي في رقيه وخدمته، يقول عز وجل: "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" (المائدة / 2).
ومن حبّ الوطن التقيد بأنظمته وقوانينه، فالنظام أساس التقدم والرقي، وبدونه لا تقدم ولا مدنية، فلنكن منظمين في حياتنا وأوطاننا، وبذلك نرقى بأنفسنا وأمتنا، ونحافظ على أمننا واستقرارنا. (1/37)
صفحة 38
كذلك من حبّ الوطن المحافظة على نظافته المادية والمعنوية، فالنظافة عنوان التطور والمدنية، والنظافة أساس نمو العقل وتفعيل دوره في الحياة، فلنحافظ على النظافة المادية، في كل شبر من وطننا الحبيب، في البيوت والشوارع، وفي المؤسسات والمتنزهات العامة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
كذلك علينا أن نحافظ على نظافة الوطن المعنوية، بالدعوة إلى الوحدة، ونبذ الفرقة، والمحافظة على الواجبات الشرعية، والبعد عن الغل والحسد والكبر، واجتناب النميمة والغيبة والفتنة، ومساعدة المحتاجين وإعانتهم، والصدق في القول والعمل، والتمسك بالآداب الفاضلة والأخلاق الحميدة، فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ".
محمد عليه السلام في عيون الغربيين
وما محمد – عليه الصلاة والسلام – إلا رسول أنزله الله – تعالى – ليصلح البشرية، ويحارب الطبقيّة، وأنزل معه نورا يقود الإنسانيّة إلى بر الأمان، وشاطئ السلامة والاطمئنان، ومن قرأ سيرته – صلى الله عليه وسلم -، وتتبع منهجه وهديه أدرك ذلك، ولذا عندما قرأ المنصفون من علماء الغرب سيرة النبي – عليه الصلاة والسلام – بروح الإنصاف والبحث عن الحق أدركوا ذلك، وظهر لهم زيف المشككين والحاقدين، وهاكم بعض نصوص هؤلاء: (1/38)
صفحة 39
1. يقول فولتير المفكر الفرنسي (1694 - 1778): "كيف تحقرون كتاباً يدعو إلى الفضيلة والزكاة والرحمة؟ كتاباً يجعل الرضوان العلى جزءاً لمن يعملون الصالحات، وتتوفر فيهم الكمالات الذاتيّة، إنّ الذين يهاجمون القرآن لم يقرأوه طبعاً، - ثمّ قال -: إنّ أكبر سلاح استعمله المسلمون لبث الدعوة الإسلاميّة هو اتصافهم بالشيم العالية اقتداءً بالنبي محمد“.
2. يقول مايكل هارت في كتابه "الخالدون مئة"، وقد جعل على رأس المائة سيدَنا محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -, يقول: "لقد اخترتُ محمدا في أول هذه القائمة ... لأنّ محمدا هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي, وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد ثلاثة عشر قرنا من وفاته فإنّ أثر محمد ما يزال قويا متجددا،" وقال: "ولمّا كان الرسول قوة جبارة لا يُستهان بها فيمكن أن يقال أيضا إنّه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ".
3. يقول تولستوي "الأديب العالمي": "يكفي محمداً فخراً أنّه خلّص أمةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعةَ محمدٍ ستسودُ العالم لانسجامها مع العقل والحكمة".
4. يقول برناردشو الإنكليزي: "إنّ العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدّين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية؛ بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها". (1/39)
صفحة 40
5. ويقول جوته الأديب الألماني:"إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحدّ، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد ... ، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو كما نجح محمد الذي أخضع العالم كلّه بكلمة التوحيد".
طرق نصرة النبي – صلى الله عليه وسلم –
إذا كنا نلوم المستهزئين بالنبي – عليه الصلاة والسلام – فنحن أكثر الأمم استهزاء به ...
أولم نستهزئ به في سلوكنا وأفعالنا، أمرنا فعصيناه، وارتكبنا ما نهانا عنه ...
أولم نستهزئ به في إعلامنا ومنتدياتنا واحتفالاتنا ... فأعلناها حربا لشريعته، وخروجا عن حدوده وأوامره ...
أولم نستهزئ به عندما نظّم أموالنا بما يخدم الفرد والأمة ... ها قد أنفقناها في الترف والإسراف، والرقص والبغاء والمجون، وأماكن التجميل لغير حاجة وضرورة، وأماكن الربا إلا من رحم الله – تعالى - ...
أولم نستهزئ بك عندما أنزلت عليه أول آية "اقرأ باسم ربك الذي خلق "فأمر بالقراءة وطلب العلم، واستغلال الوقت فيما يخدم الأمّة، فأصبحنا أمّة لا تقدّس العلم ولا العلماء، ولا تسابق الأمم إلا في الرقص واللعب واللهو، وثقافتها مبنية على الهزّ والرقص والتمايل، وما أنتجه الآباء من مخطوطات وآثار، يعكف عليها بحاثة الغرب ومفكره، أبناؤنا يجهلون حتى أسمائهم، ويحفظون أسماء اللاهيين واللاعبين.
أولم نستهزئ به عندما أمُرنا بنشر شريعته، فتكاسلنا عن هذه المهمّة، وأخلدنا إلى الراحة والدعة، وبخلنا بأموالنا وأنفسنا من أجل الحياة الدنيا ومتاعها الزائل.
فنحن بحق أكثر الأمم استهزاء بنبيها – عليه الصلاة والسلام - ....
والسؤال الذي نطرحه الآن كيف ننصر نبينا – صلى الله عليه وسلم -؟
لقد أجاب القرآن عن هذا السؤال قبل ألف وأربعمائة سنة، فالله – تعالى – يقول: "فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المهتدون". (1/40)
صفحة 41
ففي هذه الآية يبيّن الله – تعالى – طرق نصر النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي:
1. الإيمان به حق الإيمان، والإيمان به ليس مجرّد صلوات نرددها، ولا كلمات نتشدّق بها، ولا ترانيم نتغني بها؛ بل هو واقع سلوكي باتباعه – عليه الصلاة والسلام -، وتطبيق منهجه في الواقع الذي نعيشه.
2. تعزيره وتعظيمه قلبا وقالبا، في المسجد والبيت والسوق ومكان العمل، والغيرة على دينه، والبذل في نشره وتطبيقه.
3. نصرته – صلى الله عليه وسلم – بالمال والنفس، بالقلم والكلام والسنام، وذلك بنصرة دينه وشريعته – عليه السلام -.
4. اتباع النور وهو القرآن الكريم الذي أنزل مع محمد – صلى الله عليه الصلاة والسلام -، فهو الدستور الذي به يصلح حال الناس، وهو المنهج الذي به يعمّ به الخير والصلاح بين العباد.
فبهذه الأمور ننصر النبي – عليه الصلاة والسلام -، لا بالمظاهرات الخادعة، والدعوات الفارغة، والسلوكيات الكاذبة، فلنكن أنصار دين محمد – صلى الله عليه وسلم -.
التسامح في القرآن الكريم
التسامح هو الاحترام المتبادل، والاعتراف بالحقوق العالمية للشخص، وبالحريات الأساسيّة للآخرين، وإنّه وحده الكفيل بتحقيق العيش المشترك بين شعوب يطبعها التنوع و الاختلاف.
ومن خلال قراءة سريعة حول الواقع يمكن تقسيم التسامح إلى قسمين:
1. التسامح الديني؛ ويراد به التعايش بين الأمم والأديان، وحرّية ممارسة الشعائر.
2. التسامح الفكري؛ ويراد به آداب الحوار والتخاطب، وعدم التعصب للأفكار الشخصية، والحق في الإبداع والاجتهاد.
التسامح في القرآن الكريم:
قرر القرآن الكريم التسامح في كثير من آياته، وبصور متعددة منها:
1. الجانب العقدي؛ حيث يقرر القرآن الكريم حرية الاعتقاد، وعدم جواز إكراه الآخرين في الدخول في الدين الحق، يقول – تعالى -: ”لا إكراه في الدِّين قد تبيَّنَ الرُّشد منَ الغَي“ِّ. (1/41)
صفحة 42
2. حرية العبادة؛ فلكل ملّه حريتها في ممارسة العبادة؛ بل أمر الإسلام بالحفاظ على أماكن العبادة وممارسة الشعائر الدينية، وما أباح الله الحرب إلا لحفظ الدين والعباد وأماكن العبادة، وردّ الظلم والمفسدين إلى العدل وجادّة الحق، يقول – تعالى -: ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعض لهدِّمتْ صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكَر فيها اسم الله كثيرا".
3. الدعوة بالحسنى؛ فالله – تعالى – فرض الدعوة إلى دينه، ومع هذا أوجب على الدعاة استخدام الأسلوب الحسن، وأن تستخدم الوسائل التي تدخل في دائرة الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، يقول – تعالى -: "ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسن".
4. إقرار التجانس البشري؛ فالإسلام بتعدد الشعوب والحضارات، واختلاف الأديان والملل والمذاهب والتوجهات، وتباين العادات والتقاليد، ولهذا أوجب مراعاتها، وحرّم الإساءة إليها، وإن كان ثمة نقد فباستخدام الأسلوب الحسن، مع الوسيلة بالحسنى، وإن أدّى إلى وقوع حرب فتكون الدائرة على الظالم المعتدي، ولا تعمّ الأبرياء ولو كانوا مخالفين لفكر ودين الإسلام؛ بل يجب حمايتهم لمكانتهم الإنسانيّة، يقول – تعالى -: "لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقْسطوا إِليهم إنَّ اللهَ يحبُ المقسطين".
5. العفو والصفح؛ فقد اعتبر الإسلام العفو والصفح من المبادئ العليا، والقيم الرفيعة التي ينبغي أن يتمسك بها المؤمن الحق، ولو مع من أساء إليه، أو مع من خالفه فكرا وسلوكا، يقول – تعالى -: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ". (1/42)
صفحة 43
6. الإحسان إلى الناس؛ كذلك قرر الإسلام مبدأ التسامح بمعناه العام مع كافة الناس، مع الوالدين والجيران والصاحب في السفر وابن السبيل، وكافة أبناء المجتمع باختلاف طبقاتهم وتوجهاتهم، يقول – تعالى –: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا".
استعمار عقول الأمة
إن الله تعالى شرف هذه الأمة بمكانة القيادة بين الأمم، والسيادة بين الحضارات والمجتمعات، بما تحويه أمة الإسلام من قيم ربانية، ومثل سامية، وتعاليم إلهية خالصة، كلُّ ذلك هيأها للقيادة والسيادة، والعزة والكرامة، متى ما اعتزت بقرآنها، وتمسكت بموروثاتها، واعتصمت بأوامر ربها ...
وإذا ما انحرفت أمة الإسلام عن منهجها الرباني الصافي، واستبدلته بفلسفات بشرية قاصرة، واعتزت بموروثات منحرفة، سيكتب لهذه الأمة وفق سنن الله تعالى الكونية، سيكتب لها الذلة والتبعية، والمهانة والانهزامية، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}
واليوم عندما ابتعدت الأمة عن منهج ربها، واعتصمت بمناهج غيرها، أولم يسلط الله علينا ذلا لا يرفع إلا إذا عدنا إليه جل جلاله.
فما مكانتنا اليوم بين الأمم؟
وما قيمتنا بين الحضارات والدول؟
أين أمة الإسلام اليوم من أمم لا قيمة لإنسان في ميزانها، انظروا مثلا إلى الإنسان اليوم كيف يُقتل ويُذّبح باسم الطب ومحاربة الأمراض، فيروسات تصنع، وأمراض تنشر، لا لشيء إلا لملئ الجيوب، وإنقاذ فآم من الناس، أولى أن يسطروا في لوحة الإرهابيين في العالم .... (1/43)
صفحة 44
وأين أمة الإسلام اليوم من الإنسان الجائع، والذين تُؤكل خيرات شعوبهم، وُيزرع بينهم الحروب الأهلية، لتتسلى بهم طائفة من شياطين البشر، بلا رحمة ولا إنسانية ...
وأين أمة الإسلام اليوم من أطفال أبرياء خرجوا إلى العالم باسم الحب العذري، والإباحية الجنسية، وباسم حقوق المرأة، ومخالطتها للرجل في الشركة والمكتب والمجمعات، والمدارس والجامعات، فمن لهؤلاء الأطفال، رعاية وتربية، وتقويما وإحسانا، كانوا ضحية الغرائز الحيوانية، واللقاءات الشيطانية البهيمية ...
وأين أمة الإسلام اليوم من مقدساتها، أين هي من المسجد الأقصى الذي يعيش هذه الأيام ذكرى الحفريات المشئومة، تلك الجريمة التي استهدفت المسجد وجودًا وحضارة، وكشف نيرانها عن نيران الحقد الأسود على عقيدة المسلمين، ومكان عبادتهم في أقدس مقدساتهم، في هذه الديار المباركة، والأرض الطاهرة، التي رُوّيت بدماء الشهداء الأبرار، من الصحابة الكرام، وتابعيهم من المحرّرين العِظام، الذين لم يرتضوا الظلم لديار الإسراء، ولم يذوقوا طعم الراحة؛ حتى عادت إلى حَوْزة الإسلام والمسلمين عزيزةً كريمةً، يُدَوِّي في سمائها، ويعلو مآذن مسجدها نداء التوحيد الخالد: "الله أكبر، الله أكبر".
هذا النداء الذي يسعى أعداء الإسلام إلى خَنْقِهِ وقَتْلِهِ من خلال مؤامرات العدوان على المسجد الأقصى، وهدمه لإقامة الهيكل المزعوم، وطَمْس معالم الحضارة والتاريخ الذي يرمز إليها المسجد الأقصى، الذي تَتَلامَعُ قِبابُهُ شامخة في سماء القدس، مؤكّدة إسلامية هذه الديار، ومانحة إياها وجهها الحضاري والعربي الذي تعمل مَعاوِل الاحتلال على تغييره وتهويده، في ظلِّ غفلة العرب، وانشغال المسلمين: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. (1/44)
صفحة 45
وإذا جئنا إلى الوراء قليلا، عندما بدأ الاستعمار الغربي يجر أذياله إلى بلاد المسلمين، يأكل خيراتهم، ويشردهم من أوطانهم، قامت الأمة ولم تقعد، وضخوا بنسائهم وصبيانهم من أجل عزتهم وكرامتهم، وأوطانهم ومقدساتهم ...
فما الذي جعل أمة الإسلام اليوم تتساهل في ثوابتها ومقدساتها؟
وما الذي جعلها تفرط في دينها وقيمها؟
وما الذي جعلها تتبع غيرها شبرا بشبر، وذراعا بذراع ...
أما كان لأمة الإسلام اليوم أن تكون أكثر جدارة بما تملكه ما أراض شاسعة، ومنافع متنوعة، وعقول متنورة، فضلا عن سكانها وخيراتها، أما كان الأجدر بها أن تحافظ على كل أرض من أراضيها، وان تعتز بأفكارها وماضيها، وترقى بحاضرها ومستقبلها!
نعم خرج الاستعمار الغربي من بلاد المسلمين، جارا وراءه الذلة والخيبة، ولكن بقي استعمار أشد، أتدرون ما هو؟ أو تفقهون حقيقته؟
إنه استعمار العقول، والذي نادى به مفكرو الاستعمار وفلاسفته في القرن العشرين، وفي خضم فشل الاستعمار العسكري، ودعمته المؤسسات الصهيونية، والمنتديات الماسونية، والشبكات العلمانية ....
درسوا ديننا وقيمنا، وفقهوا روابطنا وأخلاقنا، وأدركوا أسباب عزتنا وكرامتنا، لذا كانت برتكولاتهم مخططة حكيمة، وأهدافهم سديدة قويمة ...
فاستطاعوا بما يملكون من إعلام وأقوال، ومال ونفوذ، أن يحققوا أحلامهم في أقل من نصف قرن من الزمان ....
ابعدوا الأمة عن قرآنها باسم العلم والعقل وحرية الفكر، وأبعدوا شباب الإسلام عن دينهم باسم المدنية والتقدم والرقي، وابعدوا النساء عن عفتهن وحجابهن باسم العدالة والمساواة والحرية ...
فما أخلاق الشرق وقيمه، إلا مفرزات القرون الوسطى، وما دينهم وقرآنهم إلا حجر عثرة في تقدمهم ورقيهم ... (1/45)
صفحة 46
فأشبعوا الأمة لهوا، وشجعوا الفسوق والرقص، واحتفوا بخلع الحجاب، ونشر الإباحية والشذوذ، وبذلوا المال لكل مجتهد في محاربة القيم والخلق، واعتبروا من يتمسك بدينه، ويعتز بقرآنه متخلفا رجعيا، بل ومتطرفا إرهابيا ...
فنما جيل من هذه الأمة، لا صلة لهم بدين، ولا علاقة لهم بقيم ولا خلق، أجسامهم كالجبال، وعقولهم كعقول الطيور والعصافير، ظاهرهم لباس فاخر، وباطنهم جهل مدقع، يحفظون مشاهير الطرب والغناء واللعب، في حين لا يحفظون من آيات ربهم، ولا يعرفون أنبيائهم، فضلا عن الصالحين والفاتحين ...
نما جيل لا يوجد عندهم ميزان التفريق بين الضار والنافع، وأداة فهم الواقع، والاعتزاز بالقيم والخلق الرفيع ...
فلم نجد غرابة أن تسقط مقدساتنا، وأن يستهزئ الآخرون بديننا وقيمنا، ويسخر الناس بأخلاقنا ومبادئنا ...
وها هو الأقصى السجين ينادي ويصرخ واإسلاماه ... بنياني تشقق، وقواعدي اقتربت للسقوط، وأبنائي محاصرين يذبحون، ونسائي يؤسرن ويغتصبن، والمسلمون يصفقون لكرة، ويرقصون لهز امرأة ...
اسألوا الجيل المعاصر عن الأقصى ماذا يعرفون، واسألوهم عن تأريخيهم ماذا يفقهون، خبروني عن قيمكم وأخلاقكم، وتفسخ غيركم وانحلالهم فبماذا تعتزون، وأجيبوني عن محمد عليه السلام والأنبياء، والفاسقين والسفهاء فبمن تقتدون؟ وهلا أزلتم الغشاوة عن عيني ما خططكم لمستقبل أمتكم وأوطانكم، ودينكم وقيمكم فماذا أنتم صانعون ومخططون؟
لا شك سيرجع الطرف لديك خاسئا وهو حسير .... إنه الاستعمار المحكم، والصناعة المخططة ....
فيا أحفاد محمد ... ويا آل الفارق والصديق، أعلنها كلمة واحدة، لا تحتمل غيرها، إذا أردنا إعادة مقدساتنا، والنصرة لأمتنا، والتقدم لأوطاننا، لا بد من مقارعة الاستعمار الفكري والخلقي ....
فهلا كانت تظاهرة جماعية في المؤسسات والبيوت، والمساجد والمدارس، والأسواق والشوارع،
تظاهرة فكرية تصورية
تظاهرة إيمانية خلقية
تظاهرة عملية مخططة (1/46)
صفحة 47
تظاهرة تستمر فترة وجودنا في الحياة القصيرة
تظاهرة نرجو ثوابها في الدار الباقية
لنتظاهر جميعا بداية من أنفسنا ...
توبة وإنابة ... تمسكا واستقامة ... مراقبة ومحاسبة
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
تظاهرة في البيوت والأسر ... بحسن التربية والتنشئة ... والتوجيه والمراقبة ... نربي أولادنا على الاعتزاز بالدين، والاقتداء بالأنبياء الصالحين ... والاستعداد للقاء رب العالمين
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}
تظاهرة في المساجد والمؤسسات ... والمدارس والجامعات ... بالأمر بالفضيلة ... والنهي عن الرذيلة ... والتمسك بالشريعة ... وتجسيد الدين سكونا وحركة ...
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
ولتتظاهر معنا بنات حواء ... بالستر والحشمة ... والحجاب والعفة ... والنزاهة والاستقامة ..
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}
بهذا التظاهرة الإيمانية تنزل علينا رحمات الله ونصره ...
وبها ترجع إلينا العزة والكرامة ...
وبها تتحرر مقدساتنا ... ونعتز بثوابتنا ...
وبها ننتصر كليا على الاستعمار بكافة أشكاله وأنواعه ... (1/47)
صفحة 48
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر
يقول تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كلّ شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"
فما قصه الله تعالى من أحوال الأمم السابقة، وأخبار المجتمعات البشرية السالفة، إلا تذكيراً للعباد، وتنبيهاً لأولي الألباب ...
ومن أعظم هذه القصص ذكراً، وأجلها بياناً، قصة سيدنا موسى مع فرعون الذي طغى، فأكثر ذكرها في كتابه، وبين بها سنته التي لا تتغير، وقانونه الكوني الذي لا يتبدل.
وما فرعون وقومه إلا آية للبشر، وعبرة لمن اتعظ واعتبر، أعرض عن ذكر ربه والانقياد لطاعته، والوقوف عند حدوده وزواجره، فأخذهم الله بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يرجعون، فرفع عنهم نعمة المطر، وقلة البركة في الماء والثمر، لعلهم يذكرون أو يتعظون.
فأبوا إلا الاستكبار في الأرض، فأرسل عليهم الطوفان الجارف، والفيضانات المهلكة، وسلط عليم الجراد يأكل ما يزرعون، ويهلك ما يحرثون، وذكرهم بالقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا مجرمين ...
فكانت السنة الإلهية، والإرادة الربانية أن أهلكهم عن بكرة أبيهم، وأغرقهم في البحر، بأنهم كذّبوا بآيات ربهم، وكانوا عنها غافلين. (1/48)
صفحة 49
وهؤلاء بنو إسرائيل اغتروا بجنسهم، وادعوا بأنهم أبناء الله وأحبائه، وأنهم شعب الله المختار، فهيهات هيهات لا قيمة لجنس عند الله تعالى، فعندما طغى سفهاؤهم، وأفسدوا في الأرض، ولم يعملوا بآيات الله تعالى، أرسل الله إليهم أصنافا من العذاب والعقوبات، من الصيحة والرجفة والزلازل، والتشريد في الأرض، والذلة في الحياة الدنيا، وكذلك نجزي المفترين.
ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، شأننا كشأن غيرنا من الأجناس والأمم، فنحن جميعاً أمام القانون الإلهي، والسنة الربانية، "أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر".
فإذا ما طغت الأمة، وانحرفت عن الجادة، وقام سفهاؤها فيها إفساداً واستكباراً، فانتُهكت المحرمات عياناً، وتجاوزت الحدود بغياً وعدواناً، وقل الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر؛ قامت السنة الربانية بإرسال أصناف من العذاب والعقوبات، والآيات البينات، لعلنا نتذكر ونتعظ ونتوب ونرجع ...
فما انتسابنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يجعلنا في أمان من عذاب ومكره، إذا تجاوزنا أمر الله ونهيه ....
وما نراه اليوم من قحط مرعب، ونقص في الثمرات والزروع إلا آية من الله، أنتوب ونرجع؟ أم نترك سفاءهنا يفسقون ويمكرون؟ أم نتحدى جبار السماوات والأرض، أم نجرب الحرب مع الله تعالى، أم نستظهر عظمتنا أمامه، وقوتنا أمام قوته وجبروته، أم نعلنها صرخة بشرية بأننا قادرون على تحدي قوانين الله وسننه، فهيهات هيهات؛ إنها سنة جبار السماوات، المتكبر المتعالي، الذي لا يغير وعداً ولا وعيدا، من استهان بآياته، وسخر من سنته وقوانينه، ألا فلينتظر الموعد ...
فيا لله كيف تتحدى الله تعالى؟!!! أم كيف نتكبر على آياته؟ (1/49)
صفحة 50
أما فينا متعظ معتبر، أوليس لنا سمع وبصر وعقل، أما ترون ما يصيبنا هذه الأيام من أمرض عظام، والإنسانية اليوم تقف خائفة مذعورة أمام فيروس ضعيف هو أضعف من الذبابة والبعوضة، إنّه فيروس أنفلونزا الخنازير، وفيروس الإيدز، الذي بات بفتك بالمآت، ويهلك العشرات، كلّ ذلك من آيات الله البينات، "أكفاركم خير من أولكم أم لكم براءة في الزبر، أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر".
ولقد أخبر الله تعالى في قصة موسى عليه السلام أنّ التوبة والرجوع إلى الله تعالى هو العلاج الوحيد لرفع الوباء والأمراض، ونزول المطر والغيث، والبركة في الزروع والثمار، اقرأوا إن شئتم: "إنّ الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين، والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم".
وليتأمل معي القارئ الكريم قول الله تعالى عندما طلب بنو إسرائيل التوبة من الله جلّ وعلا: "واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كلّ شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون".
والناس اليوم يبحثون عن علاج لهذه الأمراض، وهذا أمر محمود، ولكن العلاج الوافي لرفعها هو التوبة والإنابة، وعدم ترك السفهاء يفسدون في الأرض، أما قال موسى: قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.
فكم من أقوام تقدموا فلكياً وعلمياً فما استطاعوا أن يقفوا أمام الفيضانات والأعاصير والزلالزل والبراكين. (1/50)
صفحة 51
والإنسانية اليوم في تقدمها الطبي الهائل؛ يبين الله تعالى ضعفها أمام فيروس ضعيف، كلّ ذلك يجعلنا نراجع أنفسنا من جديد، ونتأمل في آيات الله تعالى البينات متعظين وعاملين، "أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر".
القرآن ميزان التصور الصحيح
الأمة المسلمة كغيرها من الأمم، تتأثر بما يدور حولها من أفكار وفلسفات، لذا رحمها الله تعالى بميزان إلهي واضح وشامل، يجدد لها أمر حياتها، وينير لها حاضرها ومستقبلها، ومع هذا فُتِحَ لها آفاق النظر في الكون، تتأمل فيه لتكتشف سنن الله المبثوثة في مخلوقاته العظيمة، قال تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (1).
وأمرت هذه الأمة بالسير في الأرض، والنظر في آثار السابقين، ودراسة ما خلّفوه من علوم وفنون، قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (2).
ولكن مع هذا يبقى العقل البشري مهما أدرك من أسرار، وتوصل إلى نتائج لم تكن معروفة من سابق؛ يبقى هذا العقل بحاجة إلى توجيه وإرشاد، وإلا وقع الفساد في البر والبحر؛ من هنا كانت رسالات السماء، ولهذا الغرض كانت آيات الله البينات، والتي أمر الإنسان بالتمسك بها، قال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}.
__________
(1) آل عمران / 190 - 191.
(2) العنكبوت/ 20. (1/51)
صفحة 52
وإذا كانت التوراة هي المخرج لما عانى منه اليهود من انحراف في التصور والسلوك، وبعد ما تقادم عليهم العهد فتفرقوا أحزابا وجماعات، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (1).
وكذلك الإنجيل كان مخرجا لانحراف اليهود في زمن نزول المسيح، وتصديقا للتوراة التي حرّفت، وبيان للانشقاق الذي أصابهم نتيجة تأثرهم بالفلسفات الوثنية، قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (2).
__________
(1) المائدة / 44.
(2) المائدة/ (46) – (47). (1/52)
صفحة 53
وهذه الأمة ليست بأفضل من الأمم السابقة، فقد أصابها خط الانحراف، وتأثرت بغيرها من الأمم والثقافات، وتراكمت عليها تصورات لها بعدها الفلسفي والاجتماعي، لذا كانت بحاجة إلى تصحيح في فكرها وتصوراتها، واستسلام تام لما أراده الله تعالى في كتابه، ولو خالف الأهواء، وباين أفكار من سلف من مدارس وأحبار، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (1).
فويل للذين يتبجحون بـ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (2)، فيجابون: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} (3).
__________
(1) المائدة/ (48) – (50).
(2) الزخرف/ (22).
(3) المؤمنون/ (66) – (68). (1/53)
صفحة 54
والله تعالى جعل كتابه ذكرا يجدد للناس تصوراتهم وفلسفاتهم، وجعل هذا الذكر محكما وواضحا، ليس بحاجة إلى زيادة لرواية ظنية، أو تفسير بشري؛ لأنّ هذه الرواية، أو هذا التفسير من أعمال الشيطان، أملاها إلى بعض أوليائه، فحرّفت النص القرآني، ولو وضِعَ لها سندا براقا، إلا أنّها لا تغني ولا تشبع من جوع، بل هي وعاء الشيطان، تملى على هذه الأمة بكرة وأصيلا، قال تعالى: {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (1).
فمن رحمة الله على هذه الأمة أنّ حفظ كتابه من الكذابين، والذين جعلهم الشيطان أولياء يصدون الناس على إدراك قوانين الله تعالى في كتابه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2).
وجعل هذا الذكر واضحا ميسرا، معينا على إدراك القوانين الإلهية، والسنن الربانية، قال سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (3)، وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (4).
لذا لن تجد في كتاب الله تعالى التناقض ما تجده في هذه الروايات من تناقض واختلاف، ولو غلف برداء التقديم والتأخير، والتخصيص والتقييد، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (5).
نعم يوجد عنصر التدرج في بعض الآيات العملية، أما ما يتعلق بجانب التصور فلن تجد ذلك؛ لأنّ القوانين والسنن الإلهية واحدة لا تتغير ولا تتبدل، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (6).
__________
(1) الزخرف/ (62).
(2) الحجر/ (9).
(3) القمر/ (17).
(4) محمد/ (24).
(5) النساء/ (82).
(6) الأحزاب/ (62). (1/54)
صفحة 55
والشيطان عجز عن التلاعب بكتاب الله تعالى، خاصة فيما يتعلق بالتوحيد، والثواب والعقاب، فلجأ إلى الروايات المسندة إلى الرسول الأعظم؛ لأنّ الله لم يشأ أن يحفظها كحفظ كتابه، ولكونها أقرب إلى التفسير البشري للنص القرآني، فالقرآن كائن حي يتفاعل بيسر وسهولة مع الأزمنة والأمكنة، لذا كانت الروايات أقرب إلى الشيطان للتلاعب بسنن وقوانين الله تعالى، وهذا ما توعد به الشيطان الرجيم: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل: (98) - (102)
المؤثرات العقلية رؤية قرآنية
لقد حفظ الله تعالى عقل الإنسان، وسن من الأحكام ما تحميه من الزلل والانزلاق، فكريا كان أم عمليا، تصوريا أم خلقيا قيميا، ولذ كانت الرؤية القرآنية في المؤثرات العقلية رؤية شاملة، لا تقتصر على الجانب القيمي الخلقي فحسب؛ بل تعم جوانب الإنسان الثلاث، ليكون العلاج أنجع، والنظر أوسع، والجوانب الثلاث هي: (1/55)
صفحة 56
أولا: الجانب التصوري الفكري؛ فقد حفظته الشريعة حفظا متقنا، فاعتبرت أساس المؤثرات العقلية الشرك، والشرك لا ينظر إليه القرآن مجرد توجه لصنم، أو عبادة شيء محسوس فقط؛ بل يعم كلّ التوجهات والمقاصد لغير الله تعالى، لأنّ المطلوب من الإنسان الطاعة المطلقة لله تعالى، فيدخل شرك الهوى، قال تعالى: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه"، فقد تتعارض طاعتان، طاعة الله والتي تنادي بترك الدخان لأنّه هلاك للجسم، وطاعة الهوى، فإن أطاع الإنسان هواه أشرك بالله وعبد هواه، ومن الشرك أيضا شرك القرين الذي يجر الإنسان إلى طاعته بدلا من طاعة الله تعالى، ومنها شرك الأولياء، الذين يزينون المنكر للناس، ويدخل فيه شرك القبور والعيون والجان ونحوها، والأصل في الإنسان قوله تعالى: قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له".
ثانيا: الجانب العملي السلوكي؛ ويدخل في هذا القصد والاتباع، أما القصد فلا تقصد بعبادتك من صلاة وذبح وغيرها إلا الله تعالى، وخص الله في الآية المتقدمة إلى الصلاة والذبح مع أنها داخلة في قوله: ومحياي؛ لأنّ الناس أكثر ما يشركون بهما، فالصلاة يصلونها رياء، والذبح في أعيادهم وولائمهم مفاخرة وتكبرا، من هنا يجب أن يخلص في صلاته وذبحه وفي جميع أعماله لله تعالى وحده، فيأكل الطيبات، ويترك المؤثرات العقلية الخبيثة أيضا لله وحده لا شريك له.
أما الاتباع فيراد به أن يكون العمل وفق ما أمر الله تعالى به، فقد أكمل الدين، وأتم النعمة فلا زيادة في دين الله تعالى، ولا نقصان، ولا يصح له أن يحل ما حرمه الله، أو يحرّم ما أحله الله، فالتحليل والتحريم بيد الله وحده لا شريك له. (1/56)
صفحة 57
ثالثا: المؤثرات القيمية والخلقية؛ وهذه أكثر ما يطرق الحديث عنها، وهي من نتائج المؤثرين الأولين التي أشار إليها القرآن، فقد حرّم الله تعالى كل ما يؤثر على العقل من دخان وشيشة وخمر وشذوذ وزنا ونحوه، ووضع الوعيد الشديد لها كما بين ذلك بيانا شافيا في سورة كاملة هي سورة النور، فبهذه الأحكام تنتظم حياة الناس، ويتخلصون من المؤثرات العقلية الذميمة.
المرأة المسلمة بين إغراء الغرب وظلم الشرق
أعدت الإنسانية يوما عالميا للاحتفاء بالمرأة، بعدما هضمت حقوقها في المجتمعات الأوربية طيلة من الزمن، حتى جاءت الثورة الفرنسية، وتبعتها الفلسفة الفرويدية، فنقلت المرأة من ظلم الإفراط إلى ظلم التفريط، ومن اعتبارها روحاً شريرةً لا مكانة لها في المجتمع، إلى حيوان يتلاعب به الذئاب.
فالمرأة اليوم – وهي تحتفي بهذه الذكرى العالمية– بحاجة إلى تصور سليم، يجمع بين فطرتها التي جبلت عليها، ومكانتها التي لا بد أن تتبوأها؟ إن المرأة بحاجة إلى شريعة تحمي عرضها وشرفها؟ شريعة تخلصها من الذئاب وتقربها إلى رب الأرباب.
إنّ الغرب نادى بأعلى صوته إلى حرية المرأة، وسخّر أقلامه وإعلامه لتحريرها، بجانب إنقاذها من الظلم والقهر ...
وكان منهم المخلص الذي يريد أن يرجع حقوق المرأة، ومنهم الكاذب الذي كان هدفه التمتع بجمالها ...
ومع صدقهم أو كذبهم أوقعوا المرأة في ظلم أكبر ... وفساد أعظم ... (1/57)
صفحة 58
لقد شاعت الفاحشة شيوعاً مخيفاً، فقد اكتسح الغربَ التحرير، فانتشرت الفاحشة، ولم تقتصر على أماكن البغاء؛ بل تجاوزت إلى الفنادق والمقاهي الراقصة والمنتزهات، وعلى قارعة الطريق، ولم يعد من الغريب ولا الشاذ أن يقع الأب مع بناته، والأخ مع أخته؛ بل أصبح ذلك ومألوفاً، وأصبحت الخيانة الزوجية ظاهرة عامة، ففي إحدى الدول الغربية امرأة واحدة من كل أربع نساء تخون زوجها، فالمرأة تخون زوجها، والزوج يخون زوجته، مما أدى إلى الطلاق، وتفكك الأسر وتبعثرها، وانتشار اللقطاء والسرقات.
فأصبحت المرأة تنظر إلى الرجل أنه وحش مفترس يريد أن ينقض على من هو أضعف منه، وينظر الرجل إلى المرأة أنها قطة متوحشة، يقول ستالون: " أحد مفكري الغرب": عندي كل الأسباب التي تجعلني أكره النساء.
أما الاغتصاب فأصبح مخيفا في الغرب فهو يقع عشرات المرات في دقائق معدودة، ناهيكم عن الانتحار في ظلّ الرفاهية المزعومة والحرية، فقد دلت الإحصائيات أنّ أربعا وثلاثين بالمائة من النساء يفكرن في الانتحار، أما الأمراض التي ظهرت بسبب الفاحشة والشذوذ، فقد انتشر الزهري والسيلان وهما من الأمراض الخطيرة، فضلا عن الإيدز الذي ينتشر بمعدل ست ثواني، يقول جيمس باترسون مؤلف كتاب "يوم إن اعترفت أمريكا بالحقيقة" يقول: مئات الآف من الأمريكيين يكوّنون علاقات جنسية في كل ليلة من ليالي الأسبوع مع أشخاص يعتقدون أنهم مصابون بهذا المرض، ثم يقول: إنّ استقراء سريعا لإحصائيات هذه الدراسة، تبشر إلى أن هناك مليونين على يقين أنهم مصابون بهذا المرض، وسبعة ملايين يعتقدون أنهم في خطر كبير من الإصابة بهذا المرض، ومعظم هؤلاء المصابين بالإيدز هم أسوياء وغير شاذين، فكم تكون النسبة بين الشاذين؟! (1/58)
صفحة 59
إن المرأة في الغرب أصبحت رهينة الملاجئ والضرب والاغتصاب، ولا نرى عجباً أن نجد في إحدى الدول الأوربية ستين بالمائة من النساء يتمنين العودة إلى القرون الوسطى، وتعيش في ظلم تلك الجاهلية، بدلاُ من جاهلية اليوم، ولسان حالها يقول:
ربُ يومَ بكيت فيه فصرت في غيره أبكي عليه
لذا فالتصور الإسلامي الرباني هو التصور الوحيد الذي ينقذ المرأة من ظلم الشعوب والمجتمعات، ويعيدها إلى الفطرة والعفاف، مع التقدم والتطور في كافة مجالات الحياة، وفقا للقاعدة الكونية {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}.
ويوم ابتعد المسلمون عن دينهم، أوقعوا المرأة في ظلم بغيضٍ، أدى إلى سخرية الأعداء منا، ونسبوا هذه الأمثلة إلى الإسلام ظلماً وزورا، أولم يظلموا المرأة في أكل أموالها بدون حق؟!، أولم يظلموا المرأة بمنعها من الزواج رغبة في أكل مالها؟! ... أولم يظلموا المرأة برفع المهور وكأنها سلعة تباع وتشترى؟! .... أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في الخروج إلى المحاضرات، ودراسة العلم الشرعي، والمشاركة في الأنشطة النافعة في المساجد وغيرها؟! ... أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في عدة الوفاة؟!، فأجبروها أن تجلس في مكان ضيق، وأن تلبس أسوداً أو أبيضاُ، وأن لا تكلم أرحامها، ولا تزور أقربائها، ولا تخرج لقضاء حوائجها الخاصة المضطرة إليها ... أولم يظلموا المرأة بعدم تفقيهها في الدين؟!، فأصبحت تجهل الأمور الأساسية من دينها، خاصة فيما يتعلق بأركان الإسلام ... أولم يظلموا المرأة بالتهديد بالطلاق والضرب لأتفه الأسباب؟! ...
أفلا يتدبر المسلمون كتاب ربهم، ويتأملوا كيف نظر القرآن إلى المرأة، أفلا يتعضون بسنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع المرأة وهو القائل: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، أفلا يقرؤون تاريخهم كيف كانت المرأة وكيف أصبحت ...
أين خديجة المنفقة الصابرة، التي سخّرت أموالها ونفسها لنشر دين الإسلام؟ (1/59)
صفحة 60
أين عائشة الفقيهة العالمة التي سخّرت وقتها في تفقيه أمتها ونشر العلم النافع؟
أين البلجاء المجاهدة المضحية التي استشهدت من أجل رفع الظلم عن أمتها؟
أوليس لهن بيوت؟!، أوليس لهن أولاد وأزواج؟!، أمنعهن الحجاب والعفاف عن الجهاد ونشر الدعوة؟!
نعم المرأة كائن بشري، له خصوصياته الخاصة، ومع هذا لم يخلق للشهوة والتمتع به فقط، بل خلق ليؤدي وظيفته في هذه الحياة.
والحمد لله ظهر تقدم عند المرأة المسلمة في الآونة الأخيرة، فأدركت دورها ومكانها في الحياة، فرأينا المسلمة المحجبة الداعية إلى الله بقلمها ولسانها وأخلاقها، ورأينا المربية الحنونة التي تربي أولادها وأمتها على الخير والصلاح.
ومع هذا يوجد من نسائنا من يحاولن تقليد الغرب على علاته، دون الأخذ بمسببات قوته، فأخذن منهم القشور وتركن اللب، أخذن التبرج والسفور، وتركن العلم والاهتمام بتقدم الأمة الإسلامية.
فعلينا أن نتعاون جميعا في إرشاد نسائنا إلى الخير والصلاح، ونكن رجالاً ونساء أداة فاعلة في إصلاح الأمة وتقدم الإنسانية، خاصة فيما يتعلق باللباس، وأن نتجنب التساهل في خروج المرأة إلى المدارس والمنتزهات والمجمعات بلباس ينقصه الستر والاحتشام، ومن ذلك التساهل في لباس الفتيات في سن الثامنة أو العاشرة أو أكبر من ذلك تساهلا كبيرا، فينبغي أن تربي البنت منذ صغرها على اللباس الشرعي الساتر لتتعود عليه في الكبر.
وليتق الله أولئك الذين يحاولون إفساد المرأة، وإشاعة الفاحشة، فإن عذاب الله أليم، وانتقامه شديد، فالله الله في نساء المؤمنين، خذوهن باللطف والرفق، وأرشدوهن إلى الخير والصلاح.
التسامح في القرآن الكريم
قرر القرآن الكريم التسامح في كثير من آياته، وبصور متعددة، ففي الجانب العقدي نجد القرآن الكريم يقرر حرية الاعتقاد، وعدم جواز إكراه الآخرين في الدخول في الدين الحق، يقول – تعالى -: ”لا إكراه في الدِّين قد تبيَّنَ الرُّشد منَ الغَي“ِّ. (1/60)
صفحة 61
وفي الجانب التعبدي يقرر حرية العبادة؛ فلكل ملّه حريتها في ممارسة العبادة؛ بل أمر الإسلام بالحفاظ على أماكن العبادة وممارسة الشعائر الدينية، وما أباح الله الحرب إلا لحفظ الدين والعباد وأماكن العبادة، وردّ الظلم والمفسدين إلى العدل وجادّة الحق، يقول – تعالى: ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعض لهدِّمتْ صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكَر فيها اسم الله كثيرا".
والقرآن يؤصل مبدأ الدعوة بالحسنى؛ فالله – تعالى – فرض الدعوة إلى دينه، ومع هذا أوجب على الدعاة استخدام الأسلوب الحسن، وأن تستخدم الوسائل التي تدخل في دائرة الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، يقول – تعالى -: "ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسن".
والتسامح في القرآن مبني على إقرار التجانس البشري أيضا؛ فالإسلام يعترف بتعدد الشعوب والحضارات، واختلاف الأديان والملل والمذاهب والتوجهات، وتباين العادات والتقاليد، ولهذا أوجب مراعاتها، وحرّم الإساءة إليها، وإن كان ثمة نقد فباستخدام الأسلوب الحسن، مع الوسيلة الحسنى، وإن أدّى إلى وقوع حرب فتكون الدائرة على الظالم المعتدي، ولا تعمّ الأبرياء ولو كانوا مخالفين لفكر ودين الإسلام؛ بل يجب حمايتهم لمكانتهم الإنسانيّة، يقول – تعالى -: "لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقْسطوا إِليهم إنَّ اللهَ يحبُ المقسطين".
واعتبر القرآن العفو والصفح من المبادئ العليا، والقيم الرفيعة التي ينبغي أن يتمسك بها المؤمن الحق، ولو مع من أساء إليه، أو مع من خالفه فكرا وسلوكا، يقول – تعالى -: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ". (1/61)
صفحة 62
كذلك قرر القرآن مبدأ التسامح بمعناه العام مع كافة الناس، مع الوالدين والجيران والصاحب في السفر وابن السبيل، وكافة أبناء المجتمع باختلاف طبقاتهم وتوجهاتهم، يقول – تعالى –: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا".
العودة الصادقة إلى القرآن ضرورة ملحة
لقد يسر الله – تعالى – فهم كتابه، وجعله واضحا ميسّرا، سهل الإدراك والفهم، يقول – تعالى -: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر"، وهذا نداء رباني لهذه الأمة للتأمل في كتابه، وحتى لا تقع في قوله – تعالى -: " وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً"، أيّ مهجورا عن العمل به والاحتكام إليه.
والله – تعالى – جعل في كتابه جميع صفات العلو والارتقاء، والنصر والوحدة، فالقرآن نور وهدى وشفاء ورحمة، وكتاب مبارك.
فالله – تعالى – يقول: "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثير مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"، فوصف كتابه بالنور الذي يضيء للناس الطريق الصحيح، ويقودهم إلى المنهج السليم، لذا بيّن – تعالى – الغاية من هذا النور فقال – جلّ شأنه -: " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، فبهذا النور يهتدي الإنسان من ظلمات الفكر والتصور السقيم، فيستضيء بكتاب الله – تعالى – في هذه الحياة الفانية. (1/62)
صفحة 63
ويؤكد الله – تعالى – بنورانية القرآن في بداية سورة إبراهيم حيث يقول – جلّ وعلا – "الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، ويؤكد أنّ الغاية إخراج الناس من الظلمات بكافة أنواعها الفكرية والسلوكية إلى النور الإلهي السليم، الذي يتضمنه هذا الكتاب الجليل الكريم.
فعلى هذا كان القرآن الكريم كتاب هداية للإنسان، يقول – تعالى -: " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً".
ولكن لا يمكن الحصول على هذه الهداية ما لم نتدبر ونعمل عقولنا فيه، وأن يتربى أبناؤنا عليه حفظا وتدبرا، وأن تنطلق منه الدراسات خاصة ما يتعلق بالجانب الفكري والنفسي والتربوي، فهو مصدر السعادة، وينبوع الهداية، يقول – جلّ شأنه -: " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ".
لذا كان البعد عنه طريق من طرق الغواية والشقاق والانحراف، يقول – تعالى – على لسان نبيه – صلى الله عليه وسلم -: " قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ"، فأضاف الضلالة إلى نفسه، والهداية إلى القرآن الكريم. (1/63)
صفحة 64
وإذا جئنا إلى الأمة اليوم نجد سبيل خلاصها من الفرقة والشقاق والفساد بأنواعه الرجوع الصادق إلى القرآن الكريم، وعرض كلّ ما يخالفه إليه، فهو الحكم الذي اجتمعت عليه الأمة، وهو المصدر الذي لا يتطرق إلى صحته شك، لذا كان النداء من الله – تعالى – للأمة: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون"، والحبل هو كتاب الله – تعالى – الذي يجب أن تعتصم به الأمة وتتمسك؛ لتتحصل على العزة والوحدة في هذه الحياة الدنيا، وهذا لا يتحقق إلا بتحكيم القرآن بعيدا عن المؤثرات المذهبية، وترك الهوى وحبّ الانتصار للذات والمذهب جانبا، وعرض التراث الذي خلفته الأمة على كتاب ربها يقول – تعالى -: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون"، فالقرآن أنزله الله – تعالى – مهيمنا على كلّ تراث وفكر، وعلى كلّ مذهب وملة، لذا لا بدّ من تحكيمه والعودة إليه. (1/64)
صفحة 65
وما مضى من أمر الأمة من خلاف وشقاق، لا يجوز أن يجعل قاعدة لحاضرها لتواصل الشقاق والتحزب، والبغض والتفسيق، فالأمة الحاضرة لا يسألها الله – تعالى – ماذا فعل السابقون، وماذا جنوا؟ يقول – تعالى -: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"، فالله أوحى إليهم كما أوحى إلينا، وما وقعوا فيه حسابهم عند ربهم، ولا يجوز أن نجعل من أنفسنا حكما عليهم؛ بل علينا أن ننظر في أنفسنا بعين التدبر والتأمل، وأن نسعى في التوحيد وإصلاح الشقاق بالتمسك بهذا الكتاب العظيم يقول – تعالى -:"كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب".
التسامح في التأريخ الإسلامي
لقد ظهر التسامح في التأريخ الإسلامي، وتمثل هذا في شخص الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي قال الله – تعالى – فيه: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وهو الذي جعل شعاره: "بُعثت بالحنيفية السمحة"، وعلى هذا كان الصحابة الكرام، والسلف العظام، وقد ظهر هذا التسامح في عدة سلوكيات دونها التاريخ، ومن هذه الأمثلة:
1. إنَّ المصطفى – عليه الصلاة والسلام - استقبل وفد نصارى الحبشة، وأكرمهم بنفسه وقال: "إنَّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، فأحبُّ أنْ أكرمهم بنفسي".
2. كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يحضر جنائز أهل الكتاب، ويشيّع جنائزهم، ويعود مرضاهم ويزورهم ويكرمهم، وعندما زاره وفد نجران فرش لهم عباءته للجلوس.
3. إرشاد النبي – عليه الصلاة والسلام - في الحرب: "انطلقوا بسم الله وعلى ملّة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا ولا امرأة".
4. كان عمر بن الخطاب يتجول في شوارع المدينة، يتفقد أحوال الرعية، فرأى شيخا كبيرا يتسول فسأل عن أمره، وعلم أنّه يهودي فحزن لأمره، وأمر أن يخصص له ولنظرائه معاشا ثابتا من بيت مال المسلمين. (1/65)
صفحة 66
وقد شهد بتسامح المسلمين اليهودُ والنصارى، الذين عاشوا طيلة من الزمن في ظل دولة الإسلام المتسامحة، ولنضرب مثالين لمنصفين الأول يهودي، والثاني نصراني:
1. يقول أوري أفنيري الكاتب اليهودي في موقعه كتلة السلام: لم تُعرف أيّة محاولة لفرض دين محمد على اليهود لقد تمتع يهود أسبانيا تحت حكم المسلمين بازدهار لم يسبق له مثيل في حياة اليهود حتى أيامنا هذه تقريبا، شعراء مثل يهودا هليفي كانوا يكتبون باللغة العربية، كذلك الحاخام موشيه بن ميمون، كان اليهود في الأندلس المسلمة وزراء، شعراء، علماء، لقد عمل في الأندلس المسلمة مسلمون، يهود ومسيحيون معا على ترجمة كتب الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة، لقد كان ذلك "عصر ذهبي" بالفعل، كيف كان لهذا أن يحدث كله، لو كان النبي محمد قد أمر أتباعه "بنشر الإيمان بقوة السيف؟ ولكن المهم هو ما حدث لاحقا، حين احتل الكاثوليكيون أسبانيا من أيدي المسلمين، فقد بسطوا فيها حكما من الإرهاب الديني، لقد وقف اليهود والمسلمون أمام خيار قاس: اعتناق المسيحية أو الموت أو الهرب، وإلى أين هرب مئات آلاف اليهود الذين رفضوا تغيير دينهم؟ لقد استقبل معظمهم على الرحب والسعة في الدول الإسلامية، لقد استوطن "يهود الأندلس" من المغرب في الغرب وحتى العراق في الشرق، من بلغاريا تحت حكم الأتراك آنذاك في الشمال وحتى السودان في الجنوب، لم تتم ملاحقتهم في أيّ مكان، لم يواجهوا هناك أيّ شيء يضاهي تعذيب محاكم التفتيش، لهيب المحارق، المجازر والطرد الذي ساد في معظم الدول المسيحية حتى حدوث الكارثة، لماذا؟ لأنّ محمدا قد منع بشكل واضح ملاحقة "أهل الكتاب"، لقد تمّ تخصيص مكانة خاصة في المجتمع الإسلامي لليهود وللمسيحيين، لم تكن هذه المكانة مساوية تماما، ولكنها كادت تكون كذلك، كلّ يهودي مستقيم، يعرف تاريخ شعبه، لا يمكنه إلا أن يشعر بالعرفان تجاه الإسلام، الذي حمى اليهود طيلة خمسين جيلا، في الوقت الذي كان (1/66)
صفحة 67
العالم المسيحي فيه يلاحقهم وحاول في العديد من المرات إجبارهم على تغيير دينهم "بالسيف".
2. قال توماس أرنولد في كتابه " الدعوة إلى الإسلام": "لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم مند القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكم بحق أنّ القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنّما اعتنقته عن اختيار وإرادة وحرية، وأنّ العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد عل هذا التسامح".
ومن هذا توجد أمور لا بدّ أن تُراعى منها:
1. الولاء والبراء؛ فلا تعارض بين التسامح والولاء والبراء، فالولاء والبراء من المبادئ التي وضّحها الله – تعالى – في كتابه العزيز؛ بل أنزل سورة توضح معالم هذا المبدأ وهي سورة الممتحنة، فالمؤمن الحق يوالي من أطاع الله واتقاه، ويسعى في نصرته وحفظه، مهما اختلفت الأجناس، وتباينت الألوان، وتعددت البلدان، كذلك يتبرأ من حادّ الله – تعالى – بالمعاصي والكفر، وهذا لا يعني قطع الرؤوس، والسب والشتم، ولكن بمعاصيهم وكفرهم كان البغض والبراءة، وإلا فلهم حق التعايش والإنسانية، ودعوتهم تكون بالحسنى والحكمة، يقول – تعالى -: "لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقْسطوا إِليهم إنَّ اللهَ يحبُ المقسطين".
2. استقلال الشخصية: فالتسامح لا يلغي الذاتية؛ والمؤمن مطالب أن يعتزّ بفكره وثقافته، ويستفيد ما عند الآخرين، إن خيرا أخذ به، وإن شرا سعى في إصلاحه.
3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كذلك التسامح لا يعني ترك الدعوة إلى الفضيلة، والنهي عن الرذيلة؛ بل هي من الفرائض التي لا يصح تركها، أو الاستهانة بها؛ بل لا بدّ من تفعليها بالتي هي أحسن، مع استغلال الوسائل الملائمة حسب الزمان والمكان.
الشباب ودورهم في تنمية المجتمع (1/67)
صفحة 68
الإنسان بقدراته التي وهبه الله إياها هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع التعامل مع هذا الكون، فيكتشف سننه، ويسخرها في تعامله مع الحياة، قال تعالى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ".
والإنسان منذ خروجه إلى نور الكون يمر بمراحل متعددة، فهو يمر بثلاث مراحل أساسية: مرحلة الطفولة، ومرحلة الفتوة والشباب، ومرحلة الكهولة والعجز، قال تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ".
ولاستعمار الكون واكتشاف سننه لصالح الإنسان لا بدّ من توفر آليتين الأولى: قوة العقل وسرعة الإدراك، والثانية: قوة البدن وسرعة الحركة، وهاتان الآليتان لا تتوفران بكمالها ورشدها وقوتها إلا في مرحلة الشباب، لذا كان الشباب أكبر عنصر مؤثر في تنمية وبناء المجتمع. (1/68)
صفحة 69
والله تعالى لم يرسل أنبياءً في مرحلتي الطفولة والعجز، وإنما كانوا فتيانا يتميزون بالفتوة والرشاد، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- تحدث الله تعالى عن تعامله مع قومه قائلا: "وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، فإبراهيم تعامل مع قومه وفق آلية الشباب والفتوة، حيث استطاع بقوة جسده أن يحطم الأصنام، ويقابل قومه بكل رجولة وحيوية، كما أنّه بعقله الراجح استطاع أن يبرهن لهم بالمنطق عجز الأصنام أن تدافع عن نفسها فضلا أن تكون آلهة من دون الله تعالى.
والشباب في حقيقة الأمر هم نصف المجتمع الحاضر وكلُّ المستقبل، لذا وجب إعدادهم الإعداد الجيد لتحمل المسؤولية، وتوفير وسائل الوقاية التي تعطل دورهم وإنتاجهم في المجتمع. (1/69)
صفحة 70
والإعداد لا بدّ أن يكون وفق ثلاث مراحل: المرحلة الأولى الإعداد النفسي والروحي، فللشباب طاقة روحية لا بدّ أن تُملأ بشكل صحيح، وإلا قد تملأ بأفكار خاطئة، وتصورات سقيمة، قد ترمي به في سلوكيات خاطئة، كإراقة الدماء، أو تعاطي المؤثرات العقلية، أو العزلة عن البناء الاجتماعي؛ لأنّ للجانب النفسي أثر في الجانب السلوكي للإنسان.
والله تعالى أنزل كتابه العظيم لتعبئة هذا الجانب المهم من حياة الإنسان، فهو ذكر يعينه في هذه الحياة العاجلة قال تعالى: "ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ"، وجعله سبحانه ميسرا سهل الفهم والإدراك لجميع الفئات قال سبحانه: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"، وبه تطمئن القلوب، وتهدأ النفوس، وتنال السعادة والاستقرار، قال تعالى: "الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".
لذا كان لا بد من ربط الشباب بالقرآن تدبرا وعملا، تصورا وسلوكا، فإذا هدأت نفوسهم به كان سلوكهم مسخرا لخدمة مجتمعاتهم وأمتهم، وما نلاحظه اليوم من تهور فئة الشباب، وظهور وسائل الانحراف السلوكي في حياتهم، وذلك نتيجة للخواء الروحي الذي يعانونه، والاضطرابات النفسية التي يكتوون بنارها، مما جرّ بالعديد منهم إلى الانتحار، أو الانتحار البطيء عن طريق تعاطي المؤثرات العقلية كالمخدرات مثلا، هروبا من الحياة الضنك التي يعيشونها، قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى"، والخسارة الكبرى ستكون للمجتمع الذي هو بحاجة إلى شباب نفوسهم مطمئنة، ليكون سلوكهم متزنا، وإنتاجهم رفيعا. (1/70)
صفحة 71
والإعداد الثاني هو الإعداد العقلي والعلمي، فكما أنّ للجسم دوره في البناء، فهذا الجسم بدون العقل لا قيمة له، وكذلك العقل بدون تغذيته بالعلم والقراءة ومطالعة ما هو جديد يجمد على مرور الأيام، ويصبح دوره هزيلا، وأثره ضعيفا، لذا كانت الرياضة العقلية مهمة جدا لتجدد خلايا العقل الذهنية.
ومرحلة الشباب من أهم المراحل لتجدد الخلايا الذهنية، فقدراتهم الاستيعابية أرقى بكثير من المرحلتين الأولى والثانية، فهم يستطيعون هضم كل ما هو جديد من المعارف الإنسانية والتطبيقية، وبالتالي تتوفر لديهم القدرات على الإبداع والاختراع، والذين بدورهم يساهمون إسهاما فعّالا في رقي وتطور مجتمعاتهم.
من هنا كان أول ما أمر به المؤمن من آي التنزيل القراءة حيث قال: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"، فبالقراءة يستطيع الفرد التعامل مع الحياة واتجاهاتها، وبها يستطيع التعبير عن مستجدات الحياة بكل عقلانية ومنطقية، ويستطيع إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجهه في الحياة.
كما أنّ رقي المجتمع مبني على رقي أفراده، ولا يمكن أن يرقى مجتمع وأفراده منغمسون في أوحال الجهل، من هنا المجتمعات الراقية تسعى لتثقيف أبنائها، وتغذية عقولهم التغذية العلمية. (1/71)
صفحة 72
أما الإعداد الثالث فهو الإعداد الجسمي، وهذا لا يقل أهمية، فالعقل السليم مبني على الجسم السليم، فمن المنن التي فضّل بها الشابُ طالوت على غيره من الشباب نعمة العقل والجسم، قال تعالى: " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".
والإعداد الجسمي قائم على شكر نعمة الجسم والمحافظة عليه، وفي المقابل وقاية الجسم من الأمراض والفواحش الملحة للضرر به، قال تعالى: " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، وقال: " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".
في الخلاصة إذا أردنا بناء المجتمع بناء سليما، وأن نجعله مجتمعا راقيا متقدما علينا الاهتمام بفئة الشباب, فهم الطاقة التي لا غنى للمجتمع عنها، والقوة التي بها يرقى ويساير المجتمعات المتطورة، فلا بدّ ليكون إنتاجهم راقيا وسليما أن يشبعوا بالإيمان، ويربطوا بالقرآن، لتتغذى به نفوسهم، ويظهر أثره في أبدانهم وسلوكهم. (1/72)
صفحة 73
وكذلك لا بد أن تُشبع عقولهم بالعلوم النافعة، وأن تروّض بحبّ القراءة والاطلاع، بجانب الحفاظ على صحة الجسم، ووقايته من الأمراض والسموم، وفي هذا يصدق على هذه المجتمعات قوله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ".
وليضربنّ بخمرهنّ على جيوبهنّ
في الآونة الأخيرة ظهرت دعوات تنادي بجواز خلع الخمار لعدم وجود دليل صريح في كتاب الله – تعالى – يدل على مشروعيته، وإنّما هو عادة عربيّة أصلها يعود إلى صحراء الجزيرة العربيّة، ومع مرور الأيام ألصقت بكتب التراث؛ فأصبح حبّ التميّز العربيّ فريضة من الفرائض، فألزموا النساء بأمر لم يلزمها الله – تعالى – به في كتابه، وإنّما هي تقريرات بشرية صيغت على شكل رواية عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أو أصحابه، أو التابعين والعلماء.
كثرت هذه النداءات اليوم على شاشات التلفزة أو المجلات والصحف السيارة وغيرها، وتغنى بها الحداثيون والمتغربون.
والعجب أن ينكروا فرضيّة الخمار مع وجود آية صريحة في كتاب الله – تعالى – تدل على وجوبه، ولكنّ هؤلاء في الجملة ينطلقون من منطلقات فكرية تأثروا بها من خلال قرآتهم الخارجية، أو بسبب أهواء داخلية، فجعلوها أصلا، وأرادوا تمييع النصوص لتتوافق معها.
ففي قوله – تعالى -: "وليضربنّ بخمرهنّ على جيوبهنّ" دلالة واضحة على وجوب خمار الرأس، واستخدم القرآن أدوات التأكيد والوجوب كما سترى أخي القارئ الكريم. (1/73)
صفحة 74
فالله – تعالى – يبتدئ الأمر باستخدام فعل "وليضربنّ"، واتصل به لام الأمر، واستخدم عبارة الضرب، فالله لم يقل مثلا: وليسترنّ، أو وليسدلنّ، وإنّما استخدم الضرب لأنّ فيه مبالغة في الستر، وفيه إشارة لطيفة للعادة الموجودة في الجاهلية حيث كانت المرأة تستر شعر رأسها، وتربط خمارها من الخلف فيبقى جزء من صدرها مكشوفا، فتحدث بذلك فتنة وإغراء للرجال، فأمرها الله – تعالى – أن يكون الضرب على الصدر لا على الظهر؛ لأنّ الظهر مستور، ولكي يكون خمارها ساترا لرأسها وصدرها، فيكتمل بذلك كمال الستر الذي أراده الله – تعالى – للمرأة.
ولكي يبين فرضيّة الأمر أتى بفعل الأمر، وجمهور الأصوليين يقولون أن صيغة "ليفعل" من صيغ الأمر الدالة على الوجوب، فالضرب في الآية واجب، ومؤكد بلام الأمر.
ثمّ يؤكد الله – تعالى – بوجوب ستر الرأس بذكر الخمار وهو غطاء الرأس كما هو معلوم ومعهود عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله – تعالى – ""وليضربنّ بخمرهنّ على جيوبهنّ" شققن مروطهنّ – والمرط هو كساء من صوف أو خزّ كان يؤتزر به – فاختمرن بها، والخُمُرُ في اللغة من تخمير الرأس أيّ تغطيته، وأريد به هنا تغطية الرأس والصدر.
ونلاحظ أنّ الله استخدم حرف الجر الباء، وفيه معنيان:
1. الإلصاق؛ أيّ تلصق المرأة خمارها المتدلي من رأسها على صدرها فتكون ساترة لرأسها وصدرها.
2. التبعيض؛ وذلك نحو قوله – تعالى -: "وامسحوا برؤوسكم" أيّ ببعض رؤوسكم كما هو قول العديد من أهل التفسير، فالدلالة في التبعيض هنا واضحة، أيّ لتجعل المرأة بعض خمارها لستر صدرها. (1/74)
صفحة 75
ثمّ يبين القرآن في الآية أنّ الضرب يعمّ الجيب، والجيب في لغة العرب هو الصدر أو النحر وما حواليهما، وذلك – كما رأينا آنفا – أنّ النساء في الجاهلية كنّ يضربن خمرهنّ في ظهورهنّ فيبقى الجيب مكشوفا، فأمرنّ أن يضربنه في جيوبهن لكمال الستر.
ونلاحظ أيضا أن الله – تعالى – أتى بحرف الجر على، وحرف الجر من معانيه الاستعلاء، وفيه إشارة لطيفة وهو علو الخمار أيّ أن القرآن يصف حال الخمر وهو في مكان مرتفع – أي الرأس – فلتنزل على الصدر فيكون ارتفاعه عاما للرأس والصدر، ولو أريد به ستر الجيب فقط لقيل: وليضربن بخمرهن في جيوبهن، أو وليسترن جيوبهن بخمرهن، فالآية تتضمن وجوب ستر الرأس والصدر.
سنة الزمن وتقدم الأمم
يعيش الإنسان في هذه الحياة مقيّدا بمرحلة زمنية محددة، وذلك وفق سنة الأجيال، فلكل جيل وقت زمني، حددته المشيئة الإلهية المطلقة، وذلك تطبيقا لسنة البناء والبقاء النسبي، وما يتبعه من عمارة لهذا الكون، وبناء له.
وسنة البناء والعمارة لا يمكن أن يعطي جدواه إلا باستغلال الفترة الزمنية التي يتحصل عليها كلُّ جيل، بما تتوارثه من آثار وثقافات وأمجاد الأجيال الماضية، فالمكتشفات المعاصرة مثلا لم يتحصل عليها أجيال القرنين الماضيين صدفة؛ وإنما كانت تواصلا لما توصلت إليه الأجيال التي سلفتهم، فكانوا خلفا أدركوا قيمة الزمن، فاستثمره لصالحهم، فقطفوا ثمرة جهدهم واستغلالهم له.
وهذا الجيل المعاصر إن لم يدرك قيمة الزمن الذي يعيش فيه، لا شك سيأكله الزمن، وسيخرج من هذه الحياة بلا أمجاد ولا بناء، وسيكتب عنه التأريخ سيرا من الكسل والتخلف والرجعية، قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ. (1/75)
صفحة 76
من هناء لبقاء سنة التطور والبناء، والتعمير وصنع الأمجاد لا بدّ من غرس قيمة الزمن والوقت في نفوس الأبناء والأجيال، فسنة الزمن لا تعرف قوما دون قوم، ولا تفرق بين جيل وجيل، فهي سنة وجدت مع بقاء الكون، فمن وقف معها وقفة جد وعمل، واستثمرها استثمار إخلاص ونشاط، كان لهذا الجيل الحظ الوافر من الإبداع والتقدم والتطور، ولبلدانهم وأوطانهم من الرقي والقوة والمدينة الصادقة.
والقرآن الكريم يقرر هذه السنة الكونية في سورة العصر حيث يقول تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
فكل جيل يتصور فترة بقائه في هذه الحياة بفترة العصر، وهو جزء مبارك من أجزاء اليوم الواحد، حيث سرعان ما ينقضي، فمن استثمر عصره من يومه فاز، ومن ضيعه خاب وخسر، واستغلاك له بحاجة إلى إيمان بقيمته، وعمل صالح مثمر فيه، بجانب الصبر والعمل الجماعي المتقن والمنظم والمتحد.
فزمن الأجيال إنما هو كفترة العصر في شدة انقضائه وذهابه، لذا عدم إدراك الأجيال لقيمة الوقت، وسوء تنظيمهم له، وإشغال الزمن باللهو واللعب كعنصر أساسي، والعمل والإبداع كعنصر ثانوي، لما غرس في نفوس الأبناء من استهتار بالوقت، وغفلة عن محدودية الزمن، بجانب الكسل والخمول، كلُّ هذا شر وداء يهدد تقدم المجتمع، ويرجعه إلى دائرة التخلف والرجعية، وإن تظاهر بالتقدم والتطور؛ فهو تقدم وتطور شكلي في شكل اللباس وقصاصات الشعر، وهندسة البيت وفخامة الأثاث، شأنه كالسراب، يحسبه تقدما وفي داخله التخلف والرجعية.
أقسم الله – سبحانه - بالزمان ليعلم العباد أنّ حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، ودقات قلب المرء تشعره في كلّ لحظة، بأنّ الحياة دقائق وثوان، ولذلك قيل: المؤمن وليد وقته، وقيل أيضا: الوقت أنفاس لا تعود. (1/76)
صفحة 77
ولننظر إلى الأمم السابقة، كيف تقدمت؟ وكيف انهارت؟
ولننظر كذلك إلى أمتنا المجيدة، ما أسباب تقدمها في سالف الأيام؟
هذه الأمة لم تتقدم في نواحي الحياة المتعددة إلا بعد ما أدركت أهمية الوقت والزمان، فاستثمرته لصالحها، فأتى إليها طوعا، وباستغلاله فُتِحَت لها الدنيا قاطبة.
لسان حال أبنائها يقول:
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع
وآخر يقول: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي.
وذاك يقول:
إذا مرّ بي يوم ولم أقتبس هدى ... ولم أستفد علما فما ذاك من عمري
وفي المقابل لننظر إلى أمتنا اليوم، ما الذي جعلها في ذيل القافلة؟ وما الذي أخرها عن الأمم قاطبة؟ أقلة أموالها؟ أم نقص في عددها البشري؟ أم ضعف في عقول أبنائها؟
أوليس الذي أخرها عن الطريق هو الاستهتار بالوقت وعدم العناية به!!!
أولم تستثمر الأمة وقتها في الملهيات وتقدمه على الأساسيات؟!!!
أولم تضيّع الأمة وقتها في إعلام فارغ، وثقافة خاوية!!!
أصبح لسان حالها: دعوة لقتل الوقت، ومناداة لإضاعته بدلا من استغلاله واستثماره!!!
ما الذي قدّم الغرب علينا؟ أكثرة أموالهم؟ أم قوة عقولهم؟ أم تقدموا علينا بحسن تعاملهم مع الوقت؟ فاستغلوه وأهملناه، واستثمروه وضيعناه، فتقدموا وتأخرنا، واستيقظوا ونمنا، ففازوا وخسرنا، "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
من يرد الله به خيرا يفقه في الدين
إذا دخل الواحد منا معرضا تُعرضُ فيه أجهزةُ الحاسب الآلي مثلا؛ فلا بدّ أن يبحث عن الكتاب الملحق بالأجهزة ليتعرف على مواصفاتها، وكيفية استعمالها، وذلك لإدراكه أنّ صانعَ الأجهزة أعلمُ بها، وأدرى لماهية استخدامها.
وإذا جئنا إلى الكون العظيم؛ فهو يشكل معرضا متكاملا، في سمائه وأرضه، وفي بره وبحره، وفي مجراته وكواكبه، فضلا عن المجتمعات البشرية، وما تحويه من عادات وأفكار وتصورات. (1/77)
صفحة 78
فهذا المعرض الكبير هو أيضا بحاجة إلى دليل ينير الناس في أسراره، وكيفية التعامل معه، لينظم حياتهم، ويقوّم سلوكهم.
لذا أرسل الله تعالى رسله، وأنزل معهم آياته، والتي تمثلُ دليلا لفقه الكون العظيم، وأسسا لاستقامة سلوكهم، وحفظ نظامهم وأمنهم، وسيرهم في الطريق السليم المستقيم، قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فهذا الكتاب العظيم هو مصدر الفقه الذي يفقه به الناس جميع أمورهم، به يفقهون علاقتهم مع الكون والبيئة، وما يتطلبه من نظام ونظافة، وعلم وتدبر، وبه يفقهون علاقتهم مع بعضهم البعض، وما ينتج عنه من تعارف واحترام، وحسن سلوك وأخلاق، وبه يفقهون عالم الزمن، سواء كان ما مضى لأخذ العبر، أو ما سيأتي للرقي في استغلال واستثمار الوقت، أو إدراك عالم الغيب للاستعداد لملاقاة الله تعالى.
وفوق كلِّ هذا؛ بهذا الكتاب يفقهون علاقتهم مع خالق الكون، والمسيطر على كلّ ذرة من ذراته، فتحسن علاقتهم معه، وتسمو عبادتهم له، وتستقيم سلوكهم.
لذا كان تفرغ الجماعة المسلمة لفقه هذا الدليل العظيم؛ يعتبر واجبا دينيا، وضرورة حتمية للعيش في هذا الكون قال تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. (1/78)
صفحة 79
ولإدراكه صلى الله عليه وسلم بأهمية التفقه في الدين، حثّ عليه أيما حث، وهو القائل: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين"، وقد أسس النموذج العملي للتفقه في الدين، وإبراز معالمه وأسسه، وبيان مزاياه وقواعده، فكان مسجده عامرا بحلقات التدبر والتفقه، فخرّج أجيالا رجالا ونساء من الصحابة الكرام؛ بل وفي مكة المكرمة، وفي بداية الدعوة، وفي حال الشدة والعسر؛ اتخذ من دار الأرقم بن أبي الأرقم مركزا للتدبر والتفقه، ومن هذه الدار، ومن مركز المسجد النبوي كان الجيل الأول نموذجا لقوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، فنشروا الخير بين الأمم، وأسّسوا المنهج الرباني في الأرض.
من هنا ندرك التالي:
أولا: التفقه في الدين ضرورة ملحة لاستقامة الحياة، وتقويم السلوك، وتهذيب القيم والتصورات، وللارتقاء بالمجتمعات، فالفقه في الدين لا يقتصر على العبادات المحضة كالصلاة والصيام والزكاة والحج؛ بل هو يعمّ نواحي الحياة أجمع، تصورا وسلوكا، قيما وأخلاقا، عبادة وزراعة وصناعة وتجارة، رؤساء ومرؤوسين، علماء ومتعلمين، ذكورا وإناثا، صغارا وكبار، بيضا وأسودا. (1/79)
صفحة 80
والتفقه في الدين رباني المصدر، والذي يعلم ما يصلح البشر وما يضرهم، والذي ينظّم حياتهم وسلوكهم، والبعد عنه يعني إحلال تصورات بشرية قاصرة محلّ الأسس الربانية، وهذا يعني انحراف البشرية، وسيرها في تيار يقودها إلى المزالق الصعاب، وما يحدث اليوم من انحراف في القيم والسلوك، وغش واستغلال في المعاملات، وقتل وإرهاب وعدم عدالة ومساواة بين البشر؛ إلا نتيجة من نتائج عدم الفقه في الدين، وهذا ما بيّنه النبي العظيم حيث قال: مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ.
فإذا أردنا السعادة والاستقامة، والعدالة والمساواة فعلينا بالفقه في دين الله تعالى.
ثانيا: الفقه في الدين لا يقتصر على الرجال فحسب؛ بل المرأة أيضا مطالبة بالتفقه فيه، والجيل الأول، والذي كان نموذجا عمليا لمن أراد التفقه في دين الله تعالى، كان من رموزه نساء مؤمنات، فهذه عائشة بنت أبي بكر –رضي الله عنها- مع صغر سنها، إلا أنّها تفوّقت على أقرانها الرجال في إدراك فقه الإسلام، فكانت مدرسة بذاتها، خرّجت أجيالا ليس من التابعين فحسب؛ بل حتى من الصحابة أنفسهم. (1/80)
صفحة 81
والمجتمعات البشرية مجتمعات جنسية، والجنس في أصله واحد لا فرق بين ذكر وأنثى إلا في بعض الخصوصيات الموافقة للفطرة، أما ما عدا ذلك فالكل مطالب به، والمرأة شأنها شأن الرجل في وجوب الفقه في دين الله تعالى وتبليغه.
والرسول عليه الصلاة والسلام استجاب لرغبة النساء في تخصيص حلقة خاصة بهنّ لتفقيههنّ وإرشادهنّ، مع حضورهنّ لحاقاته العامة، ودروسه المتعددة.
والمرأة المسلمة اليوم مطالبة أيضا بأن يكون لها حظ من الفقه في دين الله تعالى، وأن تحوّل جلسات النساء الفارغة إلى جلسات نافعة، قوامها الفقه في دين الله تعالى، والتدبر في كتابه العظيم، فهو أساس الفقه.
ثالثا: للتفقه في دين الله تعالى وسائل عملية مهمة، وقبل هذا من الصعوبة بمكان أن يتفرغ جميع الناس في إدراك أسرار الفقه ومقاصده، ومعرفة أدلته وفروعه، فذاك منشغل بمتجره، وهذا بمصنعه، وآخر ينقصه قوة الإدراك وتحوطه كثرة المشاغل، هنا لا بدّ أن تفرّغ الأمة طائفة من أبنائها للتفقه في الدين، والتدبر في الكتاب الحكيم، ومعرفة مقاصد الشريعة الغراء، وهذا ما أشارت إليه آية التوبة: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
وهذا لا يعني أنّ البقية لا تُطالب بالفقه في الدين؛ بل هي مطالبة كذلك، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. (1/81)
صفحة 82
فالرسول عليه الصلاة والسلام كان مبينا لأصحابه ما نزّل إليه، وقد تفرغ مع جبريل لفقه ذلك، ثمّ بلّغ ما فقهه إلى الناس؛ لأنّهم مطالبون بالفقه أيضا، واليوم أيضا من الناس من يُطالب بأن يتخصص في إدراك مقاصد الدين وأسراره؛ ثمّ يبلغ ما فقهه إلى الناس، والناس أيضا مطالبون بالفقه عموما فيما يتعلق بعباداتهم وحياتهم، وما أشكل عليم فليسألوا أهل الاختصاص في الفقه.
وكثير من الناس اليوم بين طائفتين: طائفة من الناس فقهت مقاصد الشريعة؛ إلا أنها اقتصرت في فقها على محاضراتها الجامعية، أو ما يكتبونه عموما في الصحف والمطويات، وهذا مع أهميته إلا أنّه لا يلغي دورهم في تبليغ الفقه إلى الناس في المساجد والمجامع، قال تعالى مخاطبا نبيه عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
وبيّن تعالى خطورة كتمان العلم قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ.
أمّا الطائفة الثانية فهي طائفة قصّرت في التفقه في دينها، وسؤال أهل الذكر فيما أشكل عليها، موهمة نفسها بأشغال الحياة، وضيق الوقت، ومتلبثة بالأمانيّ والأوهام، وهذه لا عذر لها عند الله تعالى، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. (1/82)
صفحة 83
أمّا الوسائل العمليّة للفقه في الدين فكثيرة جدّا وأهمها الحلقات المسجدية، للتدبر في الكتاب الحكيم، والتفقه في الدين، كقراءة كتاب الوضع مثلا، أو الدلائل، أو فتاوى سماحة الشيخ وشبهه، وهنا أئمة المساجد والمتعلمون عموما على أمانة عظيمة في ذلك، فلو أقاموا يوميا حلقتين بعد العصر والمغرب، وذلك لمدة عشر دقائق فقط في تفقيه الناس أحكام دينهم لكسبوا خيرا كثيرا، وفازوا فوزا عظيما، ولأحييت المساجد بالفقه والذكر، وكانت مشعلا نورانيا للناس تنير حياتهم، وتقوّم سلوكهم.
ومن الوسائل العمليّة حضور جلسات الفتاوى والتدبر والمحاضرة، والاستماع إلى الأشرطة النافعة، والقنوات الهادفة.
ومنها اقتناء الكتب المفيدة، والصحف والمجلات المرشدة، فضلا عن السؤال، كلّ هذه الوسائل –والحمد لله تعالى- متاحة، وبأبخس الأثمان، والكيّس من استغلها واستثمرها، والخاسر من ضيعها وأهملها.
فلنتفقه في الدين، ولنكن أمة فقه ودراية، أمة علم وقراءة، أمة تدبر واستقامة.
الوقت وتقدم الأمم
إنّ من أعظم النعم التي أنعمها الله على عباده، وأجلّها قدرا، وأرفعها منزلة، وأعلاها مكانة، نعمة الوقت والزمان، حيث أقسم به العزيز الديان، في كثير من آي القرآن، "والليل إذا يغشى"، "والنهار إذا تجلى"، "والليل إذا عسعس"، "والصبح إذا تنفس"، "والفجر، وليال عشر"، "والعصر، إنّ الإنسان لفي خسر".
أقسم الله – سبحانه - بالزمان ليعلم العباد أنّ حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، ودقات قلب المرء تشعره في كلّ لحظة، بأنّ الحياة دقائق وثوان، ولذلك قيل: المؤمن وليد وقته، وقيل أيضا: الوقت أنفاس لا تعود.
ولننظر إلى الأمم السابقة، كيف تقدمت؟ وكيف انهارت؟
ولننظر كذلك إلى أمتنا المجيدة، ما أسباب تقدمها في سالف الأيام؟ (1/83)
صفحة 84
هذه الأمة لم تتقدم في نواحي الحياة المتعددة إلا بعد ما أدركت أهمية الوقت والزمان، فاستثمرته لصالحها، فأتى إليها طوعا، وباستغلاله فُتِحَت لها الدنيا قاطبة.
لسان حال أبنائها يقول:
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع
وآخر يقول: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي.
وذاك يقول:
إذا مرّ بي يوم ولم أقتبس هدى ... ولم أستفد علما فما ذاك من عمري
وفي المقابل لننظر إلى أمتنا اليوم، ما الذي جعلها في ذيل القافلة؟ وما الذي أخرها عن الأمم قاطبة؟ أقلة أموالها؟ أم نقص في عددها البشري؟ أم ضعف في عقول أبنائها؟
أوليس الذي أخرها عن الطريق هو الاستهتار بالوقت وعدم العناية به!!!
أولم تستثمر الأمة وقتها في الملهيات وتقدمه على الأساسيات؟!!!
أولم تضيّع الأمة وقتها في إعلام فارغ، وثقافة خاوية!!!
أصبح لسان حالها: دعوة لقتل الوقت، ومناداة لإضاعته بدلا من استغلاله واستثماره!!!
ما الذي قدّم الغرب علينا؟ أكثرة أموالهم؟ أم قوة عقولهم؟ أم تقدموا علينا بحسن تعاملهم مع الوقت؟ فاستغلوه وأهملناه، واستثمروه وضيعناه، فتقدموا وتأخرنا، واستيقظوا ونمنا، ففازوا وخسرنا، "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
رسالة المعلم
الإنسان البشري بكينونته كما أنّه بحاجة إلى الشراب والطعام كغذاء جسديّ حسيّ؛ هو كذلك بحاجة إلى العلم كغذاء عقليّ معنويّ، وكلّما أدرك معارف جديدة؛ كلما ارتقى في فهم الحياة وكينونتها، واقترب أكثر من معرفته لله تعالى، فالله تعالى كما أنّه يُعبد بالعلم؛ كذلك أيضا يُدرك بالعلم.
من هنا نجد أنّ أول سورة نزلت من الوحي الخاتم سورة اقرأ، فلم يقل له مثلا: اعبد أو صلّ، أو صم، أو انفق، وإنما أمره بداية بالقراءة، فبالقراءة توحد الله توحيدا خالصا، وبها تتعرف على رسالات الله المتضمنة أحكام وشعائر الدين العظيم. (1/84)
صفحة 85
لذا مجد الله تعالى أمر العلم، ورفع رسالته حيث قال: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكر ألوا الألباب"، فلا ميزان مساواة بين المتعلم وغيره، فالفرق بينهما فرقا شاسعا كالفرق بين المشرقين.
وبالعلم تتقدم الحياة سياسيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا، بجانب رقيها في الجانب الديني والروحي، فمثلا في الجانب السياسي إذا كان أصحاب السلطة والنفوذ ممن لهم حظ من العلم؛ كانوا أكثر قدرة على السير بوظائفهم لرقي مجتمعاتهم وأمتهم، فبنو إسرائيل عندما طلبوا من نبيهم قبل الدخول إلى الأرض المقدسة، وفي أواخر فترة التيه أن يرسل الله تعالى إليهم ملكا، بين لهم نبيهم أنّ الله تعالى أرسل إليهم طالوت ملكا، والميزان الذي فُضّلَ به طالوت أولا ميزان العلم، وبعده الصحة في الجسم، قال تعالى: "وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم".
وإذا رقت الأمة في الجانب السياسي لا شك سترقى الجوانب الأخرى؛ لأنّ التقدم مرهون بالأمن والعدالة والمساواة، وهذا يتوفر إذا تيسر لأيّ أمة تقدم الجانب السياسي بصفة خاصة.
فالعلم هو الميزان الذي به رقي الأمم، وتقدم المجتمعات، ولا يمكن بحال أن تتقدم أمة منغمسة في ظلمات الجهل، لذا أمر الله تعالى به أولا، قبل التوحيد ذاته.
وإذا أردنا أن تتقدم مجتمعاتنا لا بد من التعامل مع قانون العلم، وإنزاله إلى الواقع، والاهتمام به معنويا وماديا، وتكريم رموزه، وجعلهم أسوة وقدوة للأجيال، على اختلاف تخصصاتهم ومشاربهم وتوجهاتهم.
وهذا لا يتأتى إلا بتوفير طائفة من الناس مهيأة لحمل رسالة العلم والتربية، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
ما المعيار الإسلامي للمعلم؟ (1/85)
صفحة 86
وهذه الطائفة من الناس لا بد أن تكون محكومة بثلاثة معايير:
أ/ الأخلاق، فالمعلم قبل أن يكون صاحب علم هو صاحب رسالة إلى الناس، بوأه الله تعالى لأنّ يمثل رسالة العلم بما تحمله من معانٍ سامية في سلوكه وتصرفاته، وفي أقواله وأفعاله، قال تعالى: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون".
والطالب ينظر إلى أستاذه نظرة إكبار وإجلال، فإذا ضيّع المعلمون هذه النظرة بمخالفة ما يقولونه، واستخفوا بالأخلاق، ونزلوا منازل السفهاء من العوام بارتكاب الانحرافات الخلقية، والتصرفات الشاذة، مع مرور الأيام تسقط هيبة المعلم من نفوس الطلاب، وبدورها تسقط من نفوس الناس، وإذا سقطت هيبة المعلم تكون الأجيال عرضة لخطر غياب القدوة والموجه، وانتشار الجهل المقنع تحت شعارات الشهادات الكاذبة، وبالتالي انحراف المجتمع عن الجادة السليمة.
وهذا ما نلاحظه اليوم، من ضعف هيبة المعلم، وذلك لأنّ الذي أسقط هذه الهيبة بصورة كبيرة هو المعلم ذاته، إذ أصبح ينظر إلى أداة التعليم كوظيفة لا غير، فلم يعد يبال بتنمية مهاراته العلمية، ولا يهتم بمكانته الخلقية والسلوكية، فنظر إليه الناس بعين الإقلال والدونية، فالطالب لا يهابه ويحترمه، والمجتمع لا يقدره ويعظمه! إلا من رحم الله تعالى.
فالقدوة قبل التبليغ، والتحلي قبل التعليم، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وإنّك لعلى خلق عظيم"، فبأخلاقه عليه السلام كسب الهيبة والاحترام في نفوس طلابه والمجتمع، وبالأخلاق أدّى رسالة العلم على أكمل وجه. (1/86)
صفحة 87
ب/ العلم: من أعظم ما ابتليت به رسالة العلم اليوم العلم المقنع، حيث يحمل العديد من الناس شهادات تحوي على حصوله على كذا وكذا من المراتب، وتأهله ليكون معلما، وهي شهادات فارغة، رفعت أناسا في غير موضعهم، وساق السفينة الجاهل بالبحار، وذلك لأنّ النظرة إلى رسالة العلم والتربية أصبحت رسالة مادية وظيفية لا غير، فالعبرة بالراتب لا بالرسالة!
من هنا نجد العديد من المعلمين غير مؤهلين لرسالة التربية لغياب إحدى أمرين: إما العلم بالمنهج الذي يدرسه، أو غياب الخلق القويم، وقد يجتمع فيه الأمران معا، وهذا بدوره يشكل خطرا على المجتمع كنظرة مستقبلية.
فلا بد أن يدرك المعلم رسالته، وأن يسعى قدر الطاقة أن يكون مثقفا قارئا، مطلعا باحثا؛ لأنّ الأمم معلقة الآمال به لإنتاج جيل قادم يحمل الرسالة بكل أمانة وإخلاص، فالمعلم الأول عليه الصلاة والسلام أول ما أمر به كما رأينا آنفا القراءة حيث قال: "اقرأ باسم ربك الذي خلق".
وكلما زادت الحصيلة المعرفية للمعلم وتنوعت كلما ازداد احترام الناس له، واستطاع هو ذاته تطوير قدراته في منهجه خاصة، وفهم ما يدور حوله من معارف وتقدم علمي، وكانت قدوة لطلابه خاصة وللمجتمع عامة – لأنّه المنظور إليه -؛ كان قدوة في الاطلاع والقراءة، والجدية في البحث عن المعرفة العلمية.
ج/ الإخلاص: وهذا أهم عنصر في سير العملية التربوية العلمية، فإذا أصبحت وظيفة المعلم مجرد وظيفة إدارية، المطلوب منها استلام الراتب الشهري لا غير؛ لا شك ستفقد هذه الرسالة العظيمة روحها، وإذا فقدت روحها تعرضت الأجيال لأكبر خطر يهدد سيرها في الحياة، ويخرج للأمم إفرازات مغلفة تحمل في ظاهرها رسالة العلم، بينما في باطنها تعيش في أوحال الجهل. (1/87)
صفحة 88
فلا بدّ أن يدرك المعلم أنّه صاحب رسالة إلى الناس، وهذه الرسالة بحاجة إخلاص أولا لأنّه يتوسل بهذه الرسالة رضاء لله تعالى، لأنّه الآمر بداية بنشر العلم الموصل إلى قداسته وعظمته سبحانه، هنا يجب عدم الإشراك به: قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.
وثانيا: لأنّه ارتبط بعقد، قبل أن يرتبط به مع وزارته أو إدارته، ارتبط به مع أمته، ومع الناس الذين ضحوا بفلذّات أكبادهم ليكونوا أمانة بين يديه، ينظرون إليه بعين الأمل والإشراق، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.
فأيّ أمة يكون لدى أفرادها إخلاص في الرقي بأمتهم، والتقدم بأوطانهم لا شك سيكتب لهذه الأمم التقدم والمدنية الصادقة بين الأمم والمجتمعات.
مع زمن المغريات كيف يتعامل المعلم مع وظيفته:
كما أنّ المعلم يطلب منه ما تقدم ذكره كذلك المجتمع يطلب منه أن يعين المعلم على أداء رسالته، فالجيل المقبل ليس تحت يدي المعلم فحسب، ولا يُلقى باللوم على المعلم وحده إذا حدث ثمة خطأ في منزلة المعلم، فهذا عائد أيضا إلى المؤسسات التربوية الأخرى كالمسجد والبيت والإعلام بقنواته المتنوعة، فلا بد أن تبرز هذه المؤسسات أهمية المعلم ودوره التربوي للأجيال، فكلما نظر المجتمع إلى المعلم بعين الإجلال والتوقير كلما حدثت ثورة في نفوس الأجيال، فينتج جيل يعظم رسالة العلم، ويقدّر حامليه ورموزه.
أما أن تهتم المؤسسات الإعلامية بالثانويات كاللهو واللعب، ولا تعطي أهمية للمعلم، ولا تعالج مشاكله، ولا تنتج من سينما وفن وإنشاد وبرامج وخطب ودروس ومقالات وكتب تبرز أهمية المعلم؛ لا شك شخصية المعلم لن يكون لها الأهمية في نفوس الجيل المنشود. (1/88)
صفحة 89
ثم إنّه لا بد من الرقيّ المادي للمعلم ليتفرغ في تنمية نفسه؛ لأنّ دوره لا يتعدى خصوصه الخاصة، أو جوانب جزئية في المجتمع؛ بل إنّ المجتمع ألقى بالمسؤولية الكاملة عليه، فجميع من يحمل مواصلة البناء في المستقبل ملقاة عليه من رؤساء ومرؤوسين.
فدور المعلم أغلى من دور أي موظف آخر في المجتمع؛ لذا لا بد من الرقي به ماديا ومعنويا، وتشجيع المبدعين منهم، وتنمية الضعفاء، ومحاسبة المقصرين والمهملين.
والمعلم ذاته في زمن هذه المغريات عليه أن لا يجعل منها غاية ومقصدا، فتذوب الغاية الأساسية، والأهداف السامية، بل هي وسائل تعينه في حياته، ومواصلة دربه المعيشيّ.
وقبل أن ينظر إلى الراتب او المادة فلينظر إلى غده، وحساب الله تعالى له عن هذه الأمانة، فلو عُرضت على الجبال لأبت حملها، كيف وقد تحملها هو، مقتديا برسل الله تعالى، فليكن نعم الصاحب لأعظم رسالة، فبك يا معلم الأجيال وضعت الآمال، وبك ترقى الأجيال، ومن غرسك تنمو شجرة التقدم للأوطان والأمم.
قراءة قرآنية في الكوارث الطبيعية والبشرية
مع خضم بداية كل عام جديد تجتهد المؤسسات المختلفة، والنوادي المتباينة، والبرامج الإعلامية، في إقامة استقصاء وحصر لما حدث بالعام الماضي، من مجريات وأحداث طبيعية وسياسية، واجتماعية وفكرية، سلبا كانت أم إيجابا.
ومن هذه الأحداث الكوارث الطبيعية والبشرية، وعلى رأسها حوادث السيارات، فما الأسباب لهدر آلاف الأرواح، وترمل عشرات النساء والأطفال، فضلا عن الخسائر المادية والاقتصادية؟ وما هو العلاج؟، فمع إنفاق عشرات الأموال في التوعية وإيجاد البدائل في الطرق، إلا أن الحوادث تزداد بصورة مرعبة، وبوحشية مخيفة، تكاد نتائجها تقابل أو تزيد عن نتائج الحروب المدمرة.
ومنها الأمراض الناتجة عن السلوكيات المحرمة، والأفعال الشاذة، ما أسبابها وآثارها؟ وما طرق علاجها؟ ... (1/89)
صفحة 90
ومع أهمية الاستقصاء، ووضع الدراسات والاستراتيجيات لعلاجها، إلا أنّ قصرها على الجانب المادي لا يزيدها إلا تفاقما، فهذا الإيدز القاتل ثلاثون سنة لمحاربته، الملايين أنفقت، والمختبرات أشغلت، ومجالس التوعية استنفرت، ومع ذلك زاد أضعافا مضاعفة ...
فالعلاج المادي أمر مهم، ووضع التصورات والإحصاءات غاية الأهمية، إلا أن الابتعاد عن العلاج الإلهي، وجهل السنن الربانية، يجعل العلاج قاصرا، والمرض يزاد فحشا وتفاقما ...
فنحن معاشر المؤمنين ... ندرك تمام الإدراك أن لله تعالى سننا في هذا الكون، لا تتغير ولا تتبدل، فكل ذرة من ذراته، تسير وفق هذه السنن الكونية، ومن هذه السنن سنة الله في بقاء النعم الربانية، والحفاظ على المنن الإلهية، فشكرها مرهون بشكر الله تعالى، والتعامل معها وفق حدود الله جلّ وعلا.
فما من نعمة من النعم، في البر والبحر والجو، في الإنسان واليابسة، في السماء والأرض، في المال والطعام، وفي النقل والشراب، في السمع والبصر وسائر الجوارح، إذا شكر الله فيها، ولم يحارب الإنسان بها شرع الله، كانت نعمة له في الدنيا، يباركها الرب، ويجني ثمرة شكرها يوم يلقاه، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. (1/90)
صفحة 91
وإذا ما حاول الإنسان الإفساد بهذه النعم، والكفران بها، كانت الآيات الربانية، والإنذارات الإلهية، فتارة يرسل عليهم أمراضا وأوبئة، لعلهم يتوبون أو يرجعون، وتارة بالفيضانات والأعاصير والزلازل، لعلهم يرشدون أو يعقلون، وتارة بالقحط وعدم البركة في المال والأهل والولد، لعلهم يهتدون أو يفقهون، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
فإذا ما واصل الإنسان الطغيان، واستمر في الكفران، فانتهكت الأعراض، وانتشر الربا والقمار، وعمت القطيعة والاستغلال، وأكلت أموال اليتامى والمساكين، وعم الفساد البر والبحر والجو، وترك كتاب الله مهجورا، واستبدل بشريعة الغاب والبشر، واستبيح الخمر والميسر، واستخف بالصلاة والزكاة، وبجميع شرائع الله ...
فسبحانك ربي ... من يحارب هذا الإنسان؟!!! وبمن يستخف؟!!! أو يحارب جبار السماوات والأرض؟!!!! أو يستخف بالعزيز المتكبر؟!!! أو يتلاعب بشريعة رب الأرباب؟!!! (1/91)
صفحة 92
فيا ويح هذا الإنسان ... ألا فليستعد للضربة القاصمة، والآية المهلكة، إن لم تجد النذر والآيات الأولى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1/92)
صفحة 93
ألا فليدرك الإنسان، وهو يضع الحلول والاستراتيجيات لعلاج الحوادث المعاصرة ... ألا فليعلم علم اليقين ... أن سنن الله لا تتغير، وقوانينه لا تتبدل ... بالأمس القريب ذكرنا بالفيضانات والأعاصير، واليوم يذكرنا بالقحط والأمراض المرعبة، وحوادث السيارات القاتلة، يذكرنا ربنا بالعاصفة المالية، والتي عمت أكبر الدول اقتصادا، وأغناها دخلا ومالا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، فسقطت نوادي القمار والربا من عليائها، وعاصفة المجاعة بدأت تهب ريحها، وتهدد ملايين الملايين تهديددا مرعبا أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ َفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ.
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
من مجريات الأعوام الماضية، واستقصاءات الأيام البالية، أدرك العالم حاجته إلى شريعة الإسلام الناصعة، فمن ينقذ طفلا بريئا مهددا بظلام الشرك والوثنية، ومن ينقذ طفلا كان ضحية الأمراض والعقوبات المتنوعة ... من ينقذ طفلا يصيح ويصرخ نتيجة لدمار الحروب، وآثار المجاعة والاستغلال العالمي.
من لنساء ضعاف، وأرامل الحروب والفقر والجشع، ومن لآهات اليتامى، وصراخ المظلومين ...
من يقف سدا منيعا لنشر الدمار والأمراض في الأرض، من يصرخ بأعلى صوته كفانا فسادا واستكبارا، أحفظوا أعراض نسائنا، وصونوا أخلاق أبنائنا ...
من يعتز بشريعة ربه، ويعتصم بكتاب خالقه ... (1/93)
صفحة 94
نعم، نحن المسلمين نتحمل ذلك، فماذا ينقصنا ... أو ليست آيات الله تتلى علينا بكرة وأصيلا، ماذا ينقصنا عن فهما وإدراكها، فلم الخجل والحياء، ولم الخوف والجبن، ولم الذلة والمهانة، ولم نرض بمبادئ غيرنا، ونرفض شريعة ربنا ...
ها هو العالم ينتظر شريعة ربنا فمن يبلغ ...
وأبناؤنا بحاجة إلى مبادئ ديننا فمن يتمسك ...
فهلا كنا من خيرية هذه الأمة ... علما وخلقا وقدوة ...
فخيرية الأمة لا تتحقق إلا بالحفاظ على النعم، والتمسك بشريعة المنعم، وإذا ما بدأت المعاصي تنتشر، وقف لها الناس منذرين ومذكرين، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، كانت الخيرية لهذه الأمة ...
أما إذا سكت المجتمع، فسكت المعلم في مدرسته، والأب في بيته، والإمام في مسجده، والعامل في معمله، والتاجر في متجره، وارتضوا بما يجري من قبل أبنائنا من انحرافات ومعاصي، فإن هذه الخيرية ترفع عن هذه الأمة، وتستبدل وفق سنن الله تعالى في الكون باللعنة والطرد من رحمة الله تعالى، وإنزال العقوبات والعذاب ... لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ.
فإن عادت الأمة وأفاقت ... رد إليها ميزة الخيرية ... وإن كابرت وعصت استبدل الله قوما غيرها ... يبلغون شريعته ... ولا يخشون أحدا إلا الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ. (1/94)
صفحة 95
فحيا وهلا برجال وفتية من أمتنا، غوث البلاد، ورحمة الله بين العباد، آمنوا بالله صدقا، وصانوا جوارحهم عن الحرام عدلا عدلا، ووقفوا عند شريعة ربهم طمعا ورهبا، فإذا ما مسهم طائف من الشيطان تذكروا ربا عظيما، ويوما مخيفا، فتابوا وأنابوا، وتمسكوا وخضعوا ... فاستمروا يرعاكم الله في التمسك بالدين، وتبليغ شريعة الرب، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون بإذن الله تعالى ...
فلنكن يدا واحدة وجدارا مرصوصا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ آيات الله تعالى، والتعامل مع السنن الكونية ... ولنكن من الذين مدحهم الله تعالى بقوله الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ...
وبهذا تتحقق الخيرية لهذه الأمة كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.
احزموا حقيبة الهجرة
بالأمس سنّ لنا الفاروق رضي الله عنة سنة حسنة، سنّ لنا الهجرة منطلقا ننطلق بها في بداية العام الجديد ...
سنّ لنا الفاروق ذلك لنحزم حقيبة الهجرة كلّ عام ...
لا يريد منا عمر أن نهجر أوطاننا، ونترك أهلنا ومالنا، فلا هجرة بعد الفتح ...
ولكن يريد منا رحمه الله تعالى أن نهجر الشرك وعبادة المخلوق إلى توحيد وعبادة الخالق وحده جلّ وعلا ...
يريد منا أن نهجر الرياء والأنا، والكبر والغرور والحسد، إلى الإخلاص لله الأوحد، والتواضع والمحبة للبشر.
يريد منا أن نهجر التخلف والتسويف والكسل، لنهاجر إلى التقدم والعمل، والاجتهاد والجد. (1/95)
صفحة 96
ن عم يريد منا طيب الله ثراه أن نهجر المعاصي وارتكاب الخطايا، إلى الطاعة المطلقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، متبعين الأوامر الربانية، مجتنبين النواهي المتعددة، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
يريد منا أن نجعل عامنا هذا عام هجرة من الجهل والتخلف الفكري والتربوي؛ لنهاجر إلى العلم والثقافة، ومعرفة طرق التربية الصحيحة، لنكون أمّة قراءة واطلاع، أمّة تربي أولادها التربية الصحيحة، أمّة تهتم بالأولويات في سائر نواحي الحياة العملية.
ويريد منا أيضا أن نجعل عامنا عام هجرة بوضع المال في محله الصحيح، دون إسراف ولا تبذير، ولا طمع ولا بخل ولا جشع، لنعين الفقراء والمحتاجين، ونساعد اليتامى والمعوزين، فلا نضع المال في الأماكن التي يرتكب فيها ما حرم الله من المعاصي والذنوب.
وفوق هذا كله يريدنا أن نهجر هذه الدنيا الفانية لنزرعها ونستثمرها من الآخرة الباقية، هناك سلعة الغالية، إنها الجنة وما أدراكم ما الجنة.
فلنهاجر إلى الله فكرا وسلوكا، قولا وعملا، وليكن شعارنا في كل عام احزموا حقيبة الهجرة.
لنجدد الهجرة في النفوس والبيوت، في المساجد والأسواق، في الطرق وأماكن العمل، وبذلك نكون من الأمم التي تحسن التعامل مع تاريخها، وتستفيد من وقفاتها التأريخية والدينية.
أرمضانيون أم ربانيون
أرمضانيون نحن أم ربانيون؟
أنعمل لرمضان أم لرب رمضان؟
أنراقب رمضان أم رب رمضان؟
أتعظيمنا لحدود الله وأوامره في رمضان ألرمضان أم لرب رمضان؟
من سيجيب على هذه الأسئلة، هل سأجيب عليها أنا أم أنتم؟ بل سأختصر لكم الطريق وسيجيب عليها رب رمضان في كتابه الكريم.
لنرجع قليلا إلى آيات الصيام بماذا افتتحها الله تعالى، أولم يفتتحها بقوله:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} البقرة: (183)
فمن الذي كتب الصيام؟ أليس الله؟ (1/96)
صفحة 97
ومن الذي فرضه؟ أوليس رب رمضان؟
إذا فمن صاحب العظمة المطلقة أرمضان أم رب رمضان؟
والآن تعالوا معي إلى ختام آيات الصيام ماذا يقول الله تعالى:
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)} البقرة: (187)
إذا أوامر الله ونواهيه وطاعاته وواجباته حدود من؟ أحدود رمضان أم خالق رمضان؟
آآنطيع الله في نهار رمضان ونحاربه في ليله؟
أو نقرأ القرآن ونعمل الطاعات في نهاره، ونحبط ما جنيناه في ليله بالنظر إلى الحرام، وسماع الحرام، والمشي إلى الحرام، والكلام بالحرام، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} البقرة: (264) أو ما ترون ما يحارب الله به الآن في رمضان يسمونه: فوازير رمضان، مسلسلات رمضان ... وفيها من العري والكذب ما يحبط أعمال الناس في رمضان ....
أيستطيعون أن يقولوا: فوازير ومسلسلات لرب رمضان؟ كلا وألف كلا لأنهم يتقربون بها إلى الشيطان وأعوانه ليقذفوا جميعا في نار جهنم بما يحاربون الله به: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)} سبأ: (32) - (33)
فيا الله تعظيمنا لك وحدك، لا نشرك معك أحدا، مقرون بربوبيتك، معترفون بإلوهيتك، (1/97)
صفحة 98
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)} الأنعام: (162) - (164)
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، منيبين إليه إنابة بعد إنابة.
إهدار الوقت في الإسلام
لو جئنا بشابٍ عمره عشرين سنة، وآخرٍ عمره ستين سنة، وقلنا للأول: تصور فترة الحياة التي قضيتها منذ ولادتك وحتى توجيه السؤال، كم تتصور مدتها بالضبط؟ لا شك سيقول لك: يوم! لا ليس يوما، بل أقل؛ بعض يوم!، كذلك إذا وجهت السؤال إلى الشخص الثاني سيجيب بمثل ما أجاب الأول، وبهذا نخلص أنّ الفترة الزمنية التي يعيشها الإنسان في هذه الحياة واحدة، طالت أم قصرت، سريعة جدا، قال تعالى: " قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"، فالناس في الحياة الفانية إذا عملنا لهم حصرا زمنيا في العمر نجدهم متفاوتين، منهم من يموت في عقده الأول، ومنهم في الثاني والثالث وهكذا، ولكن في الدار الباقية يتفقون أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا يوما أو بعض يوم.
والله تعالى في كتابه الكريم، يضرب لنا مثالين اثنين مرّ بهما التأريخ البشري، ليكون عبرة للأجيال المتلاحقة، وآية في قصر الزمن البشري وسرعته، فهذا عزير أماته الله مائة سنة، فعندما أحياه سأله: قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. (1/98)
صفحة 99
وفي المقابل أصحاب الكهف أماتهم الله تعالى ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا، وعندما سئلوا: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فالنتيجة واحدة، فالمائة في ميزان الزمن تساوي ثلاثمائة وهكذا، فلا يغتر الإنسان بطول العمر، فهو يمضي بسرعة خاطفة، وكأنه يوم أو أقل منه بكثير.
والعبرة بما أنتجه الإنسان في الزمن القصير، فقد يُقَدَمُ شاب عمره عشرين سنة على كهل عمره سبعين، وذلك لأنّ الأول أدرك قيمة الزمن فاستثمره، والثاني مرّ عليه وهو غافل عن سبل إدراكه، فحق للأول التقديم والتكريم ولو كان أصغر سنا.
والحياة الزمنية التي يعيشها الإنسان في هذه الحياة الدنيا -كما أسلفنا – قصيرة جدا، لذا عبر عنها القرآن الكريم بفترة العصر في سورة العصر، فالعصر أجمل أوقات اليوم وهو وقت الأصيل، والذي طالما تغزل به الشعراء، وتغنى به الأدباء.
والمرء ذاته يجد لذة في هذا الوقت، والذي أشغله عمله صباحا، ويسكن مع نفسه ليلا، فلا يجد وقتا يتلذذ به مع بيئته وأبناء مجتمعه غير هذا الوقت، لذا ما إن تغرب الشمس إلا ويرى أنّ هذا الوقت مرّ بسرعة خاطفة، والناس فيه قسمان: قسم استثمره في طاعة الله تعالى، فيشعر بحلاوة الغروب، وقسم كان لاهيا غافلا فلا ينتبه إلا وقد غربت شمس يومه، وهكذا الحياة الدنيا كفترة العصر لا ينتبه الإنسان لانقضائها إلا عندما يحين أجله هناك يعلم من أي القسمين كان، لذا قال تعالى بعد قسمه بالعصر: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. (1/99)
صفحة 100
والإشكالية في خسارة الوقت لو كانت خسارة دنيوية لهانت، ولكنها في عمقها وبعدها خسارة دنيوية بضياع الوقت في المفيد، وأخروية لأنّ الإنسان مسؤول عن وقته يوم القيامة، قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.
إذا الإسلام يدعو إلى عدم إهدار الوقت، لأنّ فساده وضياعه لا يعود على الفرد فحسب، ولكن يعود على المجتمع والأمة ككل، لذا حاول العديد من المفكرين المسلمين وغيرهم إيجاد الحلول لعلاج إهدار الوقت للفرد والمجتمع، لإدراكهم خطر ذلك على الأجيال اللاحقة.
ونقتصر في هذا المقال على ما كتبه كلير أوستان في كتابه "مهارات تفعيل وتنظيم الوقت"، حيث أوجد الحلول بالنسبة للفرد، واقترح سبع طرق لتغيير عادة إهدار الوقت، نذكرها مع بعض التعليق.
الخطوة الأولى: اكتب الأسباب التي تؤدي إلى ضياع وقتك، وحبذا أن تكون مكتوبة، حيث لكل واحد أسبابه الخاصة في ضياع وقته، قد تعود إلى هاتفه النقال لكثرة المكالمات الجانبية وغير المهمة، أو التلفاز، لأنّه مغرم بمشاهدة القنوات غير المفيدة، أو يضيع وقته تحت الشات والماسنجر والبالتوك لغير فائدة، أو الجلسات الجانبية.
وكلما كانت الأسباب مكتوبة كلما كانت الحلول أدق وأقرب، وسبل العلاج أشمل وأقصر، فمثلا في الخمسينات من القرن الماضي أجريت الدراسة على عينة من مائة طالب السنة النهائية بجامعة هارفارد، تم سؤالهم عما يود كلّ واحد أن يكون بعد عشر سنوات، كان جواب الجميع أن يكونوا أغنياء وناجحين ومؤثرين في عالم المال والأعمال، فقط 10 % (10 طلاب) وضعوا أهدافا محددة وفصلوها كتابة، بعد عشر سنوات وجدت الدراسة أن ثروة هؤلاء العشرة تعادل 96% من إجمالي الثروة التي يملكها المائة في تلك العينة. (1/100)
صفحة 101
الخطوة الثانية: عدد المشاكل التي تسببها عادة إهدار الوقت: مثلا قد تكون مشاكل نفسية، بسبب إهدار الوقت في أمور جانبية، وعدم إعطاء جزء من الوقت للقرب من الله تعالى، لأنّ بذكر الله تطمئن القلوب، أو مشاكل أسرية، حيث أنّ الأسرة لا تعطى حقها من الوقت، وأكثره في الجلسات الشبابية أو الجانبية، أو مشاكل مالية حيث يكون الوقت فارغا من التفكير في إيجاد مشاريع أخرى تدر دخلا تعين الفرد على زيادة دخله المعتاد، خاصة إن كان ضعيفا وسيئا.
الخطوة الثالثة: تصور عادة تنظيم الوقت ونتائجها الإيجابية: وهذه عكس الثانية، فأنت تتصور النتائج الناتجة من تحسين وقتك نفسية مثلا أو أسرية أو مالية أو غيرها.
الخطوة الرابعة: حسّن من عادة تنظيم الوقت: فلا يكفي أن تبدأ بل لا بد من التحسين المستمر، حتى يكون تنظيم واستغلال الوقت عادة تجري في عروقك مجرى الدم.
الخطوة الخامسة: توقف عن استخدام الأعذار الواهية: فمثلا مكالمة تستحق دقيقتين من وقتك لا تجعلها عشرا، لارتباطك بأمور أهم، أو إذا خصصت جزءا من وقتك لأهلك لا تستحي أن تعتذر لمن يريد زيارتك في هذا الوقت، وهذا ما قاله الله تعالى في سورة النور: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
الخطوة السادسة: خطط ليومك بهدوء كلّ صباح: وحبذا عند الفجر قبل أو بعد، فالقلب أوعى، والعقل أفرغ، واطرح لنفسك هذه الأسئلة: من أنا؟ وأين أنا الآن؟ وأين أريد أن أكون؟ وكيف أصل إلى ما أريد؟ وكيف أعرف أني وصلت؟.
الخطوة السابعة: حول المشاريع الضخمة إلى خطوات ومهمات صغيرة مرتبة: فبالنظام يسهل الصعب، ويتيسر العسير، ولا تنس المشروع الضخم الذي نريد تحقيقه جميعا وهو رضاء الله سبحانه وتعالى بشراء الجنة. (1/101)
صفحة 102
هذه هي مقترحات وضعها كلير أوستن، لاستغلال الوقت، إذ أن الوقت أمانة في أعناق الجميع وتضييعه جريمة شرعية وقانونية، ومعصية أخروية تغمس صاحبها في ذنوب اللهو وتضييع أمانة الوقت، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا.
وقفاتنا التأريخية والدينية إلى أين؟
لا توجد أمة من الأمم قاطبة تحوي وقفات تأريخية ودينية مثل هذه الأمة، ولننظر إلى وقفاتنا التأريخية والدينية في عامنا هذا، ولنقارنها بالأمم الأخرى عددا وإنتاجا، فبماذا نخرج؟ لا شك لن نجد أمة كهذه الأمة أكرمها الله تعالى بالوقفات العظام، والمحطات الكبار ...
فهذه وقفة رمضان العظيمة، دورة جليلة تستمر شهرا كاملا، وبعدها دورة أيام الحج المجيدة، مصحوبة بوقفات تأريخية مع نبي الله إبراهيم وذريته في قربان الهدي والأضحية، ثم تأتي بعده مباشرة وقفة الهجرة المباركة على صاحبها عليه الصلاة والسلام، وهكذا تتوالى الوقفات.
فهل وجدنا مثل هذه الوقفات في الأمم الأخرى ...
نعم نجد وقفات وطنية وحزبية وبشرية قاصرة عند أمم أرضية ... ومع ذلك انطلقت بها إلى التقدم والمدنية ... وارتفعت بها إلى الثرى والاستقلالية ...
فلم أمة الإسلام لا تستفيد إلا القليل من وقفاتها ....
ولماذا الأجيال المعاصرة لا تهتم بوقفاتها المجيدة ....
ولماذا نعتز بوقفات غيرنا ولا نعتز بوقفاتنا ....
فعمر بن الخطاب لم يجعل لنا الهجرة المباركة مثلا بداية لعام جديد إلا لتستقل الأمة في حسابها وأعيادها، وتعتز بتأريخها ووقفاتها، وتقرأ ماضيها، وتضع الخطط لمستقبلها ....
فلم لا نقف مع بداية عامنا الهجري ونحتفي به، ونقف مع أعياد الملل الأخرى ونحتفي بها ... (1/102)
صفحة 103
لننظر مع بداية أعياد الميلاد أو الكريسماس، نجد الشموع والتبعية والصور المعبرة عنه في إعلام المسلمين ومجمعاتهم، بل وفي بعض أماكن التعليم خاصة أماكن تعليم الأطفال، والعجب أن يحتفي به في العديد من بيوت المسلمين، وتضاء فيه الشموع، تقليدا أعمى لأعياد الملل الأخرى ...
فلم لا نحتفي بهجرته صلى الله عليه وسلم ... أم أنها تبعية حجرية ... أصولية إرهابية ... لا ترقى مع التحضر والعصرية ...
ولماذا لا نغرس في الأجيال المعاصرة وقفة الهجرة المباركة ... أم أننا نخاف على أجيالنا وأبنائنا من سيرته صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}
ها نحن احتفينا بأعياد غيرنا ... فما موقعنا بين الأمم الأخرى، وما قيمتنا بين الحضارات قاطبة ...
وها هي أمتنا عندما كانت تقف مع وقفاتها، وتعتز بتأريخها، وتستقل بأفكارها وفلسفتها؛ كان يحسب لها ألف حساب ... وينظر إليها بعين التقدير والإجلال ...
فالحق والحق أقول لن نتقدم على غيرنا، ولن نرقى إلى السيادة التي أرادها الله تعالى لنا، ما لم نعتز بوقفاتنا، ونتمسك بثوابتنا، ونعتصم بقرآننا، ونسير على منهج حبيبنا صلى الله عليه وسلم ...
إننا لا نريد شموعا تنطفئ، ولكن نريد شموعا من الجيل الجديد متمسك بدينه، ويغار على شريعة ربه، يحمل علما وأخلاقا، هدفه ليس بطنه وفرجه، بل وطنه وأمته، أمنيته ليست الدنيا فحسب، بل الدنيا لشراء الجنة، هذه الشموع لن تنطفئ أبدا، بل سيكتب لها الخلود بإذن الله تعالى.
الرسول – صلى الله عليه وسلم – في القرآن الكريم (1/103)
صفحة 104
تحدّثت الآيتان (156)، (157) من سورة الأعراف عن بعض صفات النبي – صلى الله عليه وسلم -، يقول – تعالى -: "واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنّا هدنا إليك، قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كلّ شيء فسأكتبها للّذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحلّ لهم الطيبات، ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المهتدون".
فالله – تعالى – يتحدّث هنا على لسان سيدنا موسى – عليه الصلاة والسلام – عندما خرّ خاضعا بين يدي الله – جلّ وعلا – بعد الصيحة، طالبا الرحمة في الدنيا والآخرة، فكان الجواب من الله – تعالى – أنّ هذه الرحمة لا تُعطى إلا من توفرت فيه الشروط التالية:
1. التقوى ومراقبة الله سرا وعلانية، والخضوع لأوامره ونواهيه، والتقيّد بأحكامه وحدوده.
2. إخراج حق الله في المال من الزكاة.
3. الإيمان بالآيات التي أنزلها الله – تعالى -، والأحكام التي سنّها وحدّها.
4. اتباع النبي – صلى الله عليه وسلم -، والذي جاء وصفه في التوراة والإنجيل، حيث يعرفونه من خلال صفاته كما يعرفون أبنائهم وفلذات أكبادهم.
ثمّ يذّكر الله – تعالى – أهلَ الكتاب بالصفات التي ذُكرت عن النبي – صلى الله عليه – في الكتب السابقة، ومن أهمّها:
1. الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهو رحمة للعالمين، يأمرهم بما يسعدهم دنيا وأخرى، وينهاهم عن كلّ منكر يضرّهم في الأولى، ويقودهم إلى العذاب في العقبى.
2. ويحلّ – عليه الصلاة والسلام – بما يُوحى إليه من ربه كلّ طيب وحلال، وكلّ مفيد ونافع، ويحرّم كلّ خبيث وضار، حرّم كلّ ما يضرّ الدين والعقل والنفس والمال والنسل والعرض. (1/104)
صفحة 105
3. جانب هذا بعثه الله – تعالى – بالحنيفيّة السّمحة، "ما جعل عليكم في الدّين من حرج"، يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا"، واضعا الأغلال والإصر التي شرعها الله – تعالى – على الأمم السابقة؛ لعنادهم وبغيهم على أنبيائهم، وتكذيبهم بالشريعة، وإفسادهم في الأرض، كما شرع الله – تعالى – على اليهود قتل النّفس لمن أراد أن يتوب ويرجع إلى ربه – جلّ وعلا -.
فالشاهد من هاتين الآيتين أنّ الله – تعالى – بيّن للإنسانيّة الصفات العظيمة التي تمثلّت في هذا النبي العظيم، الذي أدّبه ربّه فأحسن تأديبه، "وإنّك لعلى خلق عظيم"، فكيف يأتي مدّع اليوم فيحاول إثارة صور لجعله – عليه الصلاة والسّلام – محلّ سخرية واستهزاء -، من خلال الرسوم الكاركتيرية، فهذا لن يضرّ محمدا شيئا، وهو في حقيقته لا يؤمن بدين ولا كتاب، ولا يرجو آخرة ولا ثواب، كما أخبر بذلك القرآن الكريم حيث قال: "فاصدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين، إنّا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع القرآن إلها آخر فسوف يعلمون، ولقد نعلم أنّك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربّك وكن الساجدين، واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين".
نشأة اليهود
للحديث عن نشأة اليهود أمر شائك ومتداخل؛ لأنّ اليهودية كملة مرت بمراحل متنوعة ومتداخلة، وتأثرت بمؤثرات داخلية وخارجية، فما أن يحدث لديها تصحيح إلا ويعقبها تحريف وتبديل، قال الله تعالى: "أو كلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذّبتم وفريقا تقتلون"، ووصفهم الله تعالى بقوله: "وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا". (1/105)
صفحة 106
وإذا رجعنا تأريخيا نجد اليهود ينتسبون إلى إبراهيم – عليه الصلاة والسلام -، ويعتبرونه بداية لنشأتهم بما ترك من ذرية، وبارك الله تعالى في ذريته، وأعطى العهد لإسحاق، ومن بعد إسحاق يعقوب، إلى أن جاء موسى بعد مرحلة الاستضعاف من قبل فراعنة مصر.
إلا أنّ المنهج الذي جاء به إبراهيم وحتى موسى –عليهم السلام- بدّل وحرّف، لذا يمكن أن نقول أنّ بداية النشأة اليهودية تعود إلى عام (721ق. م)، وذلك حين سقوط مملكة إسرائيل في شمال فلسطين، وكانت تسمى السامرة، وقد أسقطها الأشوريون بقيادة سرجون الثاني، وبعدها سميت بقبائل إسرائيل الضائعة.
وبعد فترة تبعتها سقوطا مملكة يهوذا في جنوب فلسطين، وذلك عام (586ق. م)، وقد أسقطها الكلدانيون بقيادة نبوخذنصر، وقد نفوا إلى بابل.
وبسقوط هاتين الدولتين لم تقم لهم قائمة، وإن عادت أحيانا إلا أنّها عودة ضعيفة، ينقصها السيطرة الكاملة، وهنا كانت التحريفات المتعددة للتوراة والشريعة، خاصة وأن التوراة بعد السبي البابلي تعرضت للضياع، بجانب كان هناك التوراة الشفوية التي يتناقلها الأحبار مما زيد فيها وأنقص، ثمّ كانت جزءا من التلمود الذي بضخامته اعتبر أصلا تُرجع إليه التوراة ذاتها.
والتلمود يتضمن آراء الحاخامات القدامى في الشريعة من الأدب وحتى الطب، وهو يتضمن المشنا الشريعة الشفوية لأنّهم يعتقدون أنّ الشريعة نقلت شفويا من فم موسى إلى شيوخ إسرائيل، ثم شُرح المشنا والذي تضمن نقاشات الحاخامات حول المشنا، وسمي هذا الشرح بالغمارا، فيكون بذلك التلمود مكونا من المشنا والغمارا.
والتلمود نفسه لم يسلم من التحريف والتبديل؛ بل واختلف اليهود أنفسهم حول بعض أجزائه وأحكامه، وفي جملته قُدّس تقديسا يفوق تقديس التوراة ذاتها. (1/106)
صفحة 107
لذا أرسل الله تعالى أنبيائه يصححون الشريعة الصافية، فمنهم من كُذّب، ومنهم من قُتل، ومن هؤلاء نبي الله عيسى –عليه الصلاة والسلام-، قال تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، ثم قال تعالى مبينا تصحيح عيسى لتحريفات التوراة: "وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، إلا إنّ هذا الإنجيل نفسه لم يسلم من التحريف من هنا كان القرآن الكريم تصحيحا للتوراة والإنجيل، وقد كتب الله تعالى للأخير الحفظ إلى يوم القيامة قال تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ (1/107)
صفحة 108
احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".
خلاصة الحديث أنّ اليهودية مرت بمراحل متعددة، مما كان لها خطوط عامة، وأفكار متباينة، حيث انقسموا في البداية إلى مذهبين عظيمين، الصدوقين والفريسيين، ثمّ ما لبثوا أن انقسموا إلى فرق متعددة، وأحزاب متباينة، وفي عام (70م) احتل القائد الروماني تيطوس القدس، ومنها لم تقم لليهود قائمة في فلسطين إلا في العصر الحديث على يدي بريطانيا وحلفاؤها.
لذا ندرك أنّ اليهودية لم تكن بهذا الاسم في عهد إبراهيم ومن بعده إسحاق ويعقوب والأسباط، كذلك في بداية موسى –عليهم السلام-، بل كانوا أمة مسلمة، حنيفية مائلة عن الشرك والمعاصي، ثمّ بدلت وحرفت واستحقت العقوبة الربانية، ومع طغيانهم وكفرهم بالله ورسالاته ميزوا باليهودية، ومن ثمّ كانت لهذه الفرقة مذاهب وملل، وابتعدوا بذلك عن خط أنبياء الله ورسالاته تعالى.
وقفة مع المستهزئين بالنبي – عليه الصلاة والسّلام -:
يقول علماء النفس: إنّ الحركات التي تظهر من الشخص والتي قد تكون لاعتبارات غير مقصودة إنّما هي إسقاطات يحاول أن يسقطها من خلال سلوكياته وأفعاله.
وإذا وقفنا مع هؤلاء المستهزئين بشخص الرسول – صلى الله عليه وسلم – ندرك ما وصموا به النبي – عليه الصلاة والسلام – من صفات سيئة، وأفعال ذميمة؛ إنّما هو تبريرات لما حصل في تأريخهم المعاصر المظلم، وإسقاطات لم يحويه مجتمعهم من فساد سلوكي وخلقي.
وإذا وضعنا قراءة سريعة للرسوم المسيئة نراها تركز على أمرين اثنين: (1/108)
صفحة 109
1. الجانب الإرهابي؛ فقد وصموا محمدا بالإرهابي، الذي نشر دينه بالسيف، فصوروه مع حماره يحمل سيفا، وفي صورة مقززة يشع منها روح الحقد والكراهية، وحبّ الانتقام والتشفي.
2. الجانب الجنسي؛ فقد صوروه مع تسعة نسوة، لا همّ له إلا إشباع غريزته الجنسية.
ونحن في الحقيقة لا نطالب هؤلاء بقراءة تأريخهم قبل ألف سنة، أو في القرون الوسطى؛ فقط ليقرءوا تأريخهم قبل مائة سنة فقط؛ ليدركوا في الحقيقة من هو الإرهابي والجنسي.
إذا جئنا إلى الجانب الإرهابي فالتأريخ لا يخفى على كلّ منصف ما فعله الشيوعيون ضدّ الإنسانية من جرائم، فلينين قتل ما لا يقل عن خمسة ملايين نسمة، وستالين قتل ما لا يقل عن ثلاثين مليون شخصا في العالم.
والعالم شاهد على جرائم النازية والفاشية والحلفاء في الحربيين العالميتين الأولى والثانية، فلم يسلم من إرهابهم طفل ولا امرأة؛ بل حتى الشجر والجماد لم يسلم منهم.
وما يحدث اليوم من جرائم باسم الحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق ليس عنّا ببعيد، وما يدعمونه للصهيونية العالمية، ويمدونها بالمال والدعم والتصفيق، وهي تسفك دماء عشرات الأبرياء في فلسطين ولبنان، كلّ هذا لا يخفى على كلّ عاقل منصف أريب.
فما وصفهم للنبي – صلى الله عليه وسلم – بالإرهابي إلا إسقاط لواقعهم الذي تغذّى بحبّ الإرهاب وسفك الدماء، وقتل الضعفاء والأبرياء. (1/109)
صفحة 110
وإذا جئنا إلى الجانب الجنسي نجد المجتمع الغربي اليوم على تقدّمه في العلوم المختلفة يعاني من تدهور شنيع في الأخلاق والقيم، وهبوط شديد إلى مستنقعات التفكك والرذيلة، وذلك لأنّهم تركوا المصدر الإلهي العالم بما ينفع الإنسان وما يضرّه، وحاربوا القيم التي نادى بها الأنبياء والمرسلون، واتبعوا فلسفات أناس قاصرين، كالفلسفة الداروينيّة والفرويديّة والأنجلزيّة والفوكيّة وغيرها من الفلسفات التي أوقعتهم في وادي الانحلال، ونهر التفكك، ممّا أخلّ بكيان الأسرة والترابط الاجتماعي، وأوجد أمراضا ناتجة عن الشذوذ والممارسات المنحرفة، وكثر اللقطاء وأبناء الشوارع، فارتفعت بذلك معدّلات السرقة والانتحار، فعمّ الهرج والمرج، وساد الخوف والذعر، وها هم يسقطون هذا الواقع الأليم في شخص الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
ومع فساد الجانبين الاجتماعي والسياسي؛ كذلك يوجد فساد آخر لا يقلّ خطورة ألا وهو الفساد الاقتصادي.
فمع التقدّم في المجال الاقتصادي، وتتطور وسائل الاتصالات والإعلام والتي بدورها تعين على التقدم الاقتصادي، ورفع مستوى دخل الإنسان؛ إلا أنّ الملايين في العالم مهددون بداء المجاعة، وما ذلك إلا بسبب الجشع والأنا وحبّ الاحتكار، فضلا عن انتشار الربا، وسوء توزيع الثورة.
فما وصفهم للنبي – عليه الصلاة والسلام – بهذه الأوصاف إلا إسقاط لواقعهم المرير، وتأريخهم المظلم.
عودة إلى القرآن
كتاب الله ناطق بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات الظاهرات، فآن لقلوبنا أن تخشع لذكره، وآن لجوارحنا أن تنصاع لأمره ونهيه، وآن لعقولنا أن تسترشد لهديه ورحمته ... (1/110)
صفحة 111
فماذا ننتظر ... أننتظر حدوث تأويله، ووقوع آياته، أم نحن في مأمن من وعده ووعيده، أم عندنا صكوك غفران، وأماني الشياطين، أم عندنا علم من الغيب، أم أن جمعنا وقوتنا نستطيع بهما دفع عذاب الله وجبروته، أم أجسادنا لها قوة خفية تصبر على عذاب الله وسخطه: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ...
أما آن لمؤسساتنا التربوية والتوجيهية أن تسترشد به في التوجيه والتربية، وتعطيه حقه من الاهتمام والرعاية، فهو اللبن الخالص متى ما رضع منه أبناؤنا كان نموهم سليما، وفكرهم مستقيما، وهو الينبوع الذي ما تغذت منه الأجيال إلا وقد استقامت أخلاقهم، وعظم بنيانهم، وتقدمت بهم أمتهم وأوطانهم.
أولم يدرك أصحاب التربية والتوجيه حال الأجيال المعاصرة، والتي تفرزها مؤسسات التربية من ضياع في الفكر، وانحراف في القيم والسلوك، همهم البطن والفرج، وغايتهم الرقص واللعب، فماذا سيكون حال أمة أفرزت أجيالا على نظريات وفلسفات من نتائج البشر، أخلصها لهم الشيطان وأعوانه، وزينها لهم إبليس وشركاؤه، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا. (1/111)
صفحة 112
أما آن لمؤسساتنا الإعلامية والفكرية، ومجامعنا الاقتصادية والتنموية أن تراعي حدوده، وتعظم آياته، وتقف مع أمره ونهيه، أما كان لهم ما يحدث في العالم من جراء انهيار الاقتصاد الربوي معتبر، أولم تشرد أسر بسببه، أولم ينتحر أناس من جرائه، أولم تنتهك أعراض كأثر من آثاره، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ...
أما آن أن تطبق حدوده، ويحكم شرعه، فما الانتحار الذي يسود العالم، والجرائم التي باتت قنابل تهدد أمن المجتمعات إلا بسبب هجر أحكام الله العادلة، وسننه الحكيمة، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ...
فما من فلاح وسعادة، وما من أمن واطمئنان، وما من تقدم ومدنية، وما من علم وعمل، إذا لم يكن القرآن دليله، وأحكام الله سوره وسياجه، فما هو إلا سراب سرعان ما يتلاشى، ويكون دمارا على الإنسانية ... (1/112)
صفحة 113
فيا ويحنا وخسارتنا إن جئنا يوم القيامة وجوهنا مظلمة كالحة، فنرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المتقون في طريق الجنات سائرون، يحفهم نور القرآن من بين أيدهم ومن خلفهم، فنحاول الالتحاق بهم فتأتي الملائكة وتطردنا بالأغلال والسلاسل، فننادي: رسول الله رسول الله أمتك أمتك، فينادي عليه السلام: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا
وبعدها يأتي النداء الرباني: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ فنجيب: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ...
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
بالأمس القريب وقف العالم حائرا أمام أعظم مخلوق، وأشرف موجود، فكيف خلق الإنسان، ومن أي شيء خلق، وهل خلق من دم المرأة أم من مني الإنسان أم هو خليط بينهما، وهل خلق دفعة واحدة، أم كان ذا أطوار متتالية؟
فقد ساد العالم ألفا من الزمان نظرية سقراط، والتي تخلص أن الإنسان مخلوق من دم المرأة، وقبل عهد النهضة بقليل اعتقد أطباء أوروبا أن الإنسان يخلق دفعة واحدة من مني الرجل؟ (1/113)
صفحة 114
وعندما تطور العلم، وتقدمت وسائل المعرفة، أدرك العالم أن الإنسان أصله من تراب وماء، ثم تطور نتيجة تلاقح الحيوان المنوي ببويضة المرأة فكانت خلية واحدة فنمت حتى أصبحت أكثر من 100 تريليون خلية، فتنقسم إلى خلايا منوعة منها ما يشكل الجلد، وأخرى للعظام، وأخرى للدماغ، وخلايا للعين وخلايا للقلب ... فمَن الذي يخبر هذه الخلايا بعملها وبمهمتها وبهذا التطور؟ سبحانه (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).
وبعدها تتحول الخلايا إلى علقة تعلق ببطانة الرحم لتتغذى منه، لتنمو إلى مضغة لحم وكأنّ أسنان إنسان قامت بمضغها، ثم تتخلق فتنمو العظام فيها، ثم تكسى باللحم لتظهر وكأنها خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد تغنى العالم فرحا بهذا الاكتشاف العلمي البهيج، ونسي أن الله تعالى تحدث عن هذه الأطوار كاملة قبل أربعة عشر قرنا ....
فمن الذي أخبر محمدا بأن أصل الإنسان ترابا قبل ألف وأربعمائة سنة وعلماء اليوم يؤكدون بأن جميع العناصر التي يتركب منها جسم الإنسان موجودة في التراب، وهذا ما حدثنا عنه القرآن قبل قرون عديدة، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: 20].
ومن الذي أنبأ محمدا بأن أهم عنصر في الإنسان والكائنات الحية الماء، حيث توصل العلماء المعاصرون أن نسبة الماء في تركيب المخلوقات الحية تصل لأكثر من 70 بالمائة، وهذا ما قاله القرآن قبل دهور مديدة: وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيّ [الأنبياء: 30] والله خلق كلَّ دابَّة من ماء [النور: 45]. (1/114)
صفحة 115
ومن الذي أرشد محمدا إلى أن للمرأة نصيب في خلق الإنسان فهو خليط أمشاج بين ماء الرجل، وبويضة المرأة بينما وقف العالم حائرا حتى القرن التاسع عشر هل للمرأة نصيب في خلق الإنسان، والقرآن أخبر بذلك قبل عشرات قرون من الزمان، (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 2].
ومن أين أدرك محمد أطوار خلق الإنسان طورا من بعد طور، وهو الذي عاش في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، والعالم عما قريب كان يعتقد أن الإنسان يخلق دفعة واحدة ثم تبين خطأ استنتاجه في القرن التاسع عشر، بينما ذكر القرآن أطوار الخلق في القرن السابع الميلادي، يقول تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
فمن أين جاء نبيّ أميّ اسمه محمد ”صلى الله عليه وسلم“ بهذه التفاصيل الدقيقة لمراحل خلق الجنين في القرن السابع؟ وكيف استطاع تحديد كل مرحلة ووصفها بأفضل تعبير يطابق الحقائق العلمية؟ بينما نجد أطباء أوربا حتى القرن السابع عشر يتخبطون في هذا العلم، ويظنون بأن داخل النطفة هناك إنسان كامل، ولم يخطر ببالهم أن يتحدثوا عن مراحل الخلق كما فعل القرآن الكريم! (1/115)
صفحة 116
أو يعقل بعد هذا أن تكون هذه الحقائق مجرد صدف كانت لمحمد، أما آن للإنسان أن يذعن لكلام الله تعالى، أو ما يدرك هذا الإنسان صدق هذا الكتاب العظيم، وصدق الله العظيم حين قال: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
فيا سبحان الله ما هذه الحقائق والشواهد إلا دلائل لعالم الغيب، فإذا أدرك العالم اليوم حقائق ما ذكره القرآن عن معجزة خلق الإنسان، وكأنه يراه عيانا ....
إذا أدرك العالم اليوم حقائق ما حكاه القرآن عن الكون الفلك، والنجوم والمجرات، والسحاب وتكون المطر ...
فما هذه إلا علامات لعالم الغيب ... وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
ألا فليدرك الإنسان كما أدرك عالم الشهادة سيدرك يقينا عالم الغيب ...
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ...
ألا إنكم ميتون، ثم بعدها تبعثون، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ... (1/116)
صفحة 117
إلا إن هذا الكون سيختل نظامه، زلازل وبراكين، فيضانات وأعاصير، سوف تبدل الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ...
ألا إنكم سوف تخرجون من قبوركم، وتقفون بين يدي ربكم، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
ألا إنكم سوف تسألون عن أعمالكم، وستحاسبون عما جرحتم في سركم وعلانيتكم، في ليلكم ونهاركم: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ... (1/117)
صفحة 118
ألا إنكم سيشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم، وكل جارحة من جوارحكم، وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ...
إلا أن من اتقى وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، وراقب مولاه تائبا خائفا متضرعا، ووقف عند حدوده أمرا ونهيا، فقد فاز فوزا عظيما، تتلقاه الملائكة بالسلام وحسن النجوى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (1/118)
صفحة 119
إلا إن من عصى ربه وطغى، واستكبر على آياته واستعلى، وأعرض عن ذكره واتبع الهوى، فبشراه نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
إلا إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور
ألا إن وعد الله آت، سبحانه سبحانه ... لا يخلف وعدا، ولا يبطل وعيدا، شهد الكون بربوبيته، وخلق الإنسان بعض آياته، التي تنطق بوجوده، وتسبح لجلالته وعظمته ...
وحدانية الله من خلال سورة الصمد
هذه السورة من أعظم سور القرآن الكريم، جاءت مجسدة للحقيقة الإلهية، المنزهة عن الشبيه والمثيل، والمتعالية عن الصفات البشرية القاصرة، ولذا جاء في الأثر أنها تعادل ثلثي القرآن، ولهذا كان بعض الصحابة يكثر من قراءتها في الصلاة، بل بعضهم كان يقرؤها في كل ركعة من ركعات الصلاة.
والله تعالى في هذه الآية يحدد أربعة مقاصد للتعامل مع الذات الإلهية:
- المقصد الأول: أحدية الذات الإلهية.
- المقصد الثاني: صمدية الذات الإلهية.
- المقصد الثالث: تنزه الذات الإلهية عن التوالد والتكاثر.
- المقصد الرابع: تنزه الذات الإلهية عن الشبيه والمثيل.
* المقصد الأول: أحدية الذات الإلهية (1/119)
صفحة 120
وهذا ما نلاحظه في الآية الأولى " قل هو الله أحد "، فاستخدم القرآن لفظة أحد، ولم يستخدم لفظة واحد، وهذا للدلالة على عمومية الأحدية، من هنا يعيش المسلم مع هذه الأحدية المطلقة، ويعانقها بروحه وجسده، ويعيش معها بقلبه وجوارحه، يعيش مع الأحدية في التلقي، ويعيش مع الأحدية في المقصد.
فالمسلم أحدي في تلقيه للأوامر، فهو يراقب أوامر ربه، ولا يتعدى حدوده، حتى لا يقع في غضب الذات الإلهية.
كذلك المسلم أحدي في المقصد، فلا يعمل إلا لله، ويرفض أن يتعدى حدود الله من أجل رضاء فلان من الناس، ولو قطعت جوارحه قطعة قطعة.
بهذه الأحدية يشعر المسلم بالأمن والسعادة والعلو، فهو آمن لأنه مع ربه، وسعيد لأنه طبق أوامر ربه، ويعيش مرتفعا عن الدونية البشرية، لأنه ارتفع بنفسه وجسده إلى الأحدية الإلهية.
* المقصد الثاني: صمدية الذات الإلهية
والصمدية نتيجة من نتائج الأحدية، " الله الصمد " أي المقصود وحده بالعبادة، فالذي ذاق حلاوة الأحدية لا يمكن أن يصرف عبادته للقبور والصخور والعيون، ولا يمكن أن يصلي أو يصوم من أجل فلان وعلان، فهيبة الذات الإلهية تجعل المسلم ينصاع لها، ويخلص لها في العبادة والتوجه.
* المقصد الثالث: تنزه الذات الإلهية عن التوالد والتكاثر
زعمت اليهود أن عزيرا ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فكان هذا المقصد ردا عليهم، وتنزيها لله تعالى عن التكاثر والتوالد، فالأحدية الإلهية لا يشبها شيء من مخلوقات الله تعالى، فالله تعالى لم يلد ولم يولد.
* المقصد الرابع: تنزه الذات الإلهية عن الشبيه والمثيل
لقد شبه اليهود ربهم، وأضافوا إليه صفات بشرية، كما يظهر من التلمود والعهد القديم، وفاق النصارى في التشبيه والتجسيم، حتى أصبح الله في صورة رجل شاب، كما يظهر في كتبهم ورسوم كنائسهم. (1/120)
صفحة 121
وقد كانت الأمة في أمن من هذا الغثاء، لاتحاد مصدرها في التلقي، فقد كانت تأخذ من القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعملت بمقصد التنزيه المطلق لله تعالى، وفهمت قرآنها كما أراده الله تعالى، إذ أنزله بلسان عربي مبين.
وعندما انتشر المد الروائي بين الأمة، وكثر الهرج والمرج فيه، ترك بعض المسلمين كتاب ربهم، واتبعوا روايات من المشرق والمغرب، وحملوها على القرآن، وجعلوها أصلا والقرآن فرعا، وهكذا انتشرت روايات التشبيه والتجسيم، فظهرت المجسمة الزاعمة أن لله يدا كأيدنا، وعيننا كأعيننا، وما شابه ذلك، وظهرت المشبه المثبتة لله صفات بشرية، مع تفويض معناها إلى الله تعالى.
والصفات الإضافية لا يراد بها ذات الصفة، ولكن يراد بها معنى آخر، وهذا موجود في جميع اللغات، فالله تعالى عندما يقول " تجري بأعيننا " لا يريد بالعين العين الجارحة، ولكن استخدمها كناية عن القوة، وهذا يفهمه الجاهل والصغير، فضلا عن المتبحر في علوم اللغة والشريعة.
فلا بد أن ننزه الذات الإلهية من مشابهة خلقه، لنحقق الأحدية التي يريدها الله تعالى، وبها نتذوق حلاوة السعادة والطمأنينة.
الاستعداد لشهر الصيام
الحمد لله الذي شرع لنا الصيام, وجعله فرضا على الأنام, و الصلاة والسلام على خير من صلى و صام, وأدى الشعائر العظام, و على آله و صحبه الكرام, و على تابعيه بإحسان إلى يوم القيامة للمالك العلام.
أشكر اللجنة المنظمة لهذه الأمسية، كما أني أشكركم على هذا الحضور، في هذا المكان الطيب، والليلة المباركة.
قبل أن أبدأ في المحاضرة أضرب لكم مثالا واحدا، تصوروا لو أن طالبا من الطلاب لم يذاكر دروسه إلا عند اقتراب موعد الامتحانات ماذا تكون النتيجة؟ إما ضعف في الدرجات! أو سقوط في بعض المواد! إلا من رحم الله، وهذا قليل .... (1/121)
صفحة 122
كذلك الذي لا يستعد لاستقبال الشهر العظيم لن يستطيع تأديته كما ينبغي، وقد يتكاسل عن العبادة في منتصف الشهر الثاني؛ لأنه لم يتعود على الطاعة، من هنا يجب ترويض النفس على الطاعة قبل دخول الشهر، وترويض النفس يكون على ثلاث محطات:
1 – الاستعداد الديني.
2 – الاستعداد النفسي.
3 – الاستعداد العملي.
- المحطة الأولى: الاستعداد الديني:
كما تعلمون أيها الأخوة أن شعبان طريق من طرق الفوز في رمضان، لو استغل استغلالا جيدا لكان الفوز في رمضان أقرب إلى الحصول بإذن الله تعالى، من هنا ينبغي أن نستغل شعبان بالمحاسبة عما قدمنا في الأيام الماضية، وبترويض النفس على الطاعة والأنفاق في سبيل الله، والتخلص من التبعات، وعلى العموم توجد عدة طرق لاستغلال هذه الأيام دينيا نذكر منها
1. تقوية العلاقة مع الله تعالى ورسوله بالتوبة الصادقة والالتزام بالشريعة والبعد عن المخالفات.
2. محاسبة النفس عن العشرة الشهور الماضية أي ما بعد رمضان الماضي ... كيف كانت علاقة النفس مع الله تعالى.
3. وضع جدولة لاستغلال رمضان سواء كان مع النفس أو الأسرة أو الحي الذي تسكن فيه من خلال المسجد.
4. التفقه في أحكام رمضان وسؤال أهل الذكر فيما أشكل عليك.
5. تقوية الصلة مع الوالدين والأرحام والجيران والناس من حولك.
6. رد الحقوق إلى أصحابها والتخلص من الأمور المالية المحرمة.
7. وضع جزء من المال للفقراء والمحتاجين، والتفقه في أحكام الزكاة وخاصة زكاة المال والفطر.
- المحطة الثانية: الاستعداد النفسي:
التفاؤل والعزيمة أساس المنافسة في الشهر الفضيل، من منا لم يبتعد قليلا عن الله؟ من منا لم يرتكب المخالفات الشرعية؟ من منا لم يقصر في جناب الله؟
إذا كلنا أخطأنا في حق الله!!! فشهر رمضان فرصة للعودة والرجوع وهذا يحتاج إلى:
1 – إكبار النفس: (1/122)
صفحة 123
أي أن تعطي نفسك الدافع المعنوي، فنفسك قادرة فعلا على صيام الشهر، وقادرة على تحقيق الفوز في هذا الشهر بإذن الله تعالى.
2 – البدء بالقليل مع العزيمة الجادة:
النفس كالطفل تحتاج إلى رعاية، وهذا لا يكون دفعة واحدة، فلا بد من التدرج، ولا بد من النظام، ولا بد من ترتيب الأولويات.
- المحطة الثالثة: الاستعداد العملي:
وهذا يحتاج إلى وضع جدولة مع النفس والأسرة والمسجد مع المحاسبة اليومية على الأقل مع محاولة التطبيق في بعض الأمور قبل الشهر الفضيل، ويقترح في هذا مثلا:
أ/ وضع تصور عن العمل يومي، بداية مع النفس، ويمكن أن يكتب في ورقة مثلا:
1. قبل الفجر تصلي صلاة التهجد وتكثر من الدعاء.
2. تناول وجبة السحور.
3. قراءة ورقتين (أربع صفحات) من القرآن بين سنة الفجر والفريضة.
4. المحافظة على أذكار الصباح بعد الصلاة.
5. قراءة ورقة من المصحف قبل صلاة الظهر وورقة بعد صلاة الظهر.
6. صلاة العصر وقراءة أربع ورقات بعدها.
7. المحافظة على الدعاء مع أذكار المساء قبل أذان المغرب.
8. تناول وجبة الفطور.
9. قراءة ورقتين من المصحف قبل صلاة التراويح.
10. جدول الزيارات.
11. قراءة كتيب بسيط قبل النوم المبكر.
12. وقفة المحاسبة.
كذالك مع الأسرة مثلا:
1. إحياء سنة التهجد في البيت.
2. إقامة حلقة تلاوة في الفترة الصباحية.
3. إقامة حلقة علمية في الفترة المسائية.
4. إنشاء صندوق للتبرعات، يعود فيه الأطفال على التبرع، مثلا يضعون فيه خمسا وعشرين بيسة من مصروفهم الشهري، وفي نهاية رمضان يؤمرون بتوزيعه على الفقراء.
5. إقامة جدول زيارات يومي.
6. قراءة أدعية الطعام والشراب بشكل جماعي.
7. إقامة مسابقات رمضانية في الأسرة.
8. المحاسبة.
كذلك في المسجد الذي تصلي فيه مثلا:
1. إقامة حلقة تلاوة في المسجد.
2. إقامة حلقة علمية.
3. إقامة صندوق للتبرعات.
4. إقامة جدول للزيارة في المنطقة.
5. الاهتمام بالناشئة. (1/123)
صفحة 124
6. إحياء سنة التهجد في جماعة إذا أمكن.
7 - إقامة أنشطة ترفيهية في الحي.
أمة اقرأ
" أمة تقرأ أمة ترقا، أمة تلعب أمة تذهب " شعار ينبغي أن نقف معه وقفات ووقفات، في السابق كنا أمة أقرأ، واليوم أصبحنا أمة اللعب والمسلسلات، إن تدني مستوى الثقافة في بلادنا له عواقب خطيرة إن لم نقف جميعا لعلاجه، من هنا أحببت في هذا اللقاء أن أقف مع هذا الأمر، لنقدم له بعض الحلول، وسنتحدث في هذه الدورة حول خمسة عناصر:
1. أهمية القراءة.
2. العلل المثبطة للقراءة.
3. أسس عامة في القراءة.
4. أقسام القراءة.
5. القراءة عن طريق التلخيص.
*أهمية القراءة
للقراءة أهمية عظيمة تعود للفرد ذاته، وتنطلق إلى المجتمع الذي يعيش فيه، والبيئة التي ينتمي إليها.
• أهمية القراءة للفرد: لا شك كما أن الإنسان بحاجة إلى رياضة لبدنه، كذلك هو بحاجة إلى رياضة لعقلة، ولذلك تشير الإحصائيات أن المثقفين والعلماء أقل عرضة للوقوع في الجنون، أو ضعف العقل في حالة تقدم السن، وبالقراءة يستطيع الفرد التعامل مع الحياة واتجاهاتها، ويستطيع التعبير عن مستجدات الحياة بكل عقلانية ومنطقية، ويستطيع إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجهه في الحياة.
• أهمية القراءة في المجتمع: رقي المجتمع مبني على رقي أفراده، ولا يمكن أن يرقى مجتمع وأفراده منغمسون في أوحال الجهل، من هنا المجتمعات الراقية تسعى لتثقيف أبنائها، ويذكرنا هذا بالرجل الذي يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية، فعندما ألحق ابنه بإحدى المدارس هناك، تعجب من أمر ما في المدرسة، ألا وهو أنهم يطلبون في السنة الواحدة أن يقرأ الطالب ما لا يقل عن (250) كتابا، وهذا ناتج عن إدراك أن رقي الوطن مرهون برقي أبنائه المتكامل، القائم على حب القراءة والإبداع. (1/124)
صفحة 125
• الأمة: ذكر السيد هلال هلال في كتابه " اعتقال العقل المسلم " في حين كان المسلمون منغمسين في كتب السحر والجان والشعوذة والكرامات، كانت أوروبا تترجم عشرات الكتب العلمية ككتب ابن سينا والفارابي من اللغة العربية إلى اللاتينية، فتضع هذه الكتب في أيدي القارئ الغربي، مما أدى إلى تقدم أمتهم، وتأخر أمتنا، فقلة القراءة وإعمال العقل في هذه الأمة نتج عنه تأخر هذه الأمة قرونا من الزمن.
*العلل المثبطة القراءة
1. عدم الوقت، فكل وقتي مزحوم بالأعمال، ولا يوجد فيه متسع للقراءة، وهذا ناتج عن سوء التنظيم في الحياة، وعدم وضع جدولة واضحة في ترتيب أعمال اليوم، وضعف التفريق بين ما هو أولوي وثانوي.
2. ظروف الأسرة، فالصباح في العمل والمساء مع أسرتي، وهذا في مجمله داخل في العنصر الأول.
3. العمل أخذ وقتي في النهار، فجسمي غير مهيأ في المساء للقراءة، وهذا ناتج من التقليل بأهمية القراءة، فلو جعلنا القراءة جزء من حياتنا لما تذبذبت أمام العمل والأسرة.
4. لم أتخذها هواية لي، وهذا خطأ كبير، فالقراءة غاية وهدف لا هواية.
* أسس عامة للقراءة
1. الإدراك بكونك فرد من هذه الأمة فأنت على ثغر من ثغورها ولبنة من لبنات هذا المجتمع ولن تستطيع أن تؤدي هذه الوظيفة ما دمت جاهلاً.
2. اتخذها غاية وهدفاً.
3. حاول أن تنمي قراءتك في المجال المتخصص فيه.
4. نظم جدولك وابدأ بالأولويات.
*أقسام القراءة
1. قراءة عمودية وقراءة رأسية.
القراءة العمودية = القراءة السطحية [القراءة الهامشية]، وهذه قد يحتاج إليها الباحث، وقد يمارسها الرجل العادي في قراءته للصحف والمجلات والروايات. القراءة الرأسية = القراءة العميقة، وهذه في الجملة هي القراءة المطلوبة، فليس العبرة بكثرة الصفحات والكتب التي تقرأها، وإنما العبرة بالفائدة التي تجنيها من القراءة.
2. للقراءة العميقة لا بد من أمرين:
أ- تحديد المجال الذي تحب أن تقرأ فيه.
ب- اختيار الكتاب. (1/125)
صفحة 126
3. طرق القراءة:
أ- قراءة الكتاب كاملاً مع فهم ما فيه.
ب- القراءة عن طريق التلخيص (مهمة جداً خاصة للمبتدئين)
طرق القراءة عن طريق التلخيص
1. اقرأ المقدمة والفهرس لتكون لديك صورة واضحة عن الكتاب، (مثال تطبيقي: كتاب مازن بن غضوبة للدكتور مبارك الراشدي.
2. ابدأ بالفصل الأول وستجده مقسماً إلى مباحث أو مطالب وبعض الكتّاب لا يستخدم هذه التقسيمات.
3. اختر الفقرة الأولى (واختر منها الفكرة الرئيسة والأفكار الثانوية، مثل الفقرة الأولى من الكتاب المذكور في باب عمرو بن العاص وكتّاب النبي عليه السلام ص 37: (سبق أن ذكرنا أن بداية إسلام أهل عمان كانت على يد مازن إذ كان داعية إلى سبيل الله قبل ورود كتّاب النبي إلى أهل عمان ويذكر المؤرخون العمانيون أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب رسالتين إلى عمان الأولى منها موجهه إلى أهل عمان كافة والثانية إلى عبد وجيفر ابني الجلندى)
نلاحظ من الفقرة:
الفكرة الرئيسة: سبب إسلام أهل عمان.
الأفكار الثانوية:
1) إسلام أهل عمان على يد مازن بن غضوبة.
2) رسائل الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلى أهل عمان.
وهكذا واصل تلخيصك لباقي الفقرات وبعد ما تنتهي من الفصل أو الباب، جمّع الأفكار الرئيسة والثانوية.
4. ثم أكتب بأسلوبك هذه الأفكار.
5. والخطوة الأخيرة: كتابة الملخص.
مثلا: كتاب حديث الروح لسيد قطب.
1. اكتب مقدمة تعرف القارئ عن الكتاب ومؤلفه والعصر الذي عاش فيه حتى تربط بين المعلومات.
2. اكتب الملخص مع مراعاة أصول التلخيص وهذا على طريقتين:
1. الطريقة الرقمية، أي على شكل أرقام ونقاط.
2. الطريقة الإنشائية، وهذا ما يعبر عنه بالتعبير الإنشائي.
3. نقدك للكتاب إن كان لديك نقد مع ظهور رأيك فيه إن أمكن، وهذا مهم، فالقارئ لا بد أن يعمل عقله في قراءة الكتاب.
4. مدى استفادتك من الكتاب.
وقفات مع سورة الناس
بسم الله الرحمن الرحيم (1/126)
صفحة 127
" قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس "
سورة الناس على الأشهر سورة مكية، ومن المعلوم أن السور المكية جاءت لتعالج قضية الإيمان بالله تعالى، وما يندرج تحتها من تقوية العلاقة مع الله تعالى، التي حاول شياطين الأنس والجن إفساد هذه العلاقة.
ونعود قليلا إلى الزمن الجاهلي، فشياطين الإنس والجن استطاعوا إبعاد الناس عن الخالق، فعبدوا غير الله، عبدوا الأصنام والأحجار، وأباحوا المعاصي والفجور، ولجئوا في الشدائد إلى الجان والصخور.
كذلك شياطين الإنس والجن يحاولون اليوم إبعاد الناس عن هذه العلاقة، سواء كان في العقيدة أم في التصورات، أم في الأخلاق، أم في العبادات والحياة العامة.
مثلا في العقيدة يشككون في وجود الله تعالى، وفي بعثة الأنبياء عليهم السلام، كذلك يشككون في حجية السنة، عن طريق وسائل الأعلام، فالحداثيون اليوم لهم المجال الواسع في قنوات التلفزة، ومجالات الحياة المختلفة.
كذلك شياطين الإنس والجن حاولوا إفساد تصورات الناس، فبدلا أن يلجأ المسلم إلى الخالق لجأ إلى القبور والعيون، وبدلا أن يطرق باب الله طرق باب المشعوذين وأصحاب الزار، ناهيك عن أفساد تصورات الناس نحو الحرية، والأصولية، والتدين وما شابه ذلك من تصورات.
أيضا شياطين الإنس والجن أفسدوا أخلاق الناس بالدعوة إلى الحرية الجنسية، ونشر فكرة الاختلاط بين الجنسين في المدارس والأماكن العامة، ناهيك عن نشر الصور العارية في وسائل الأعلام المختلفة وغيرها من المخططات.
أيضا هؤلاء نشروا أفكارا عجيبة لترك العبادات كدعوى أن الصلاة والصيام والحج طقوس من نتاج الفقهاء، و نشر فكرة مساواة المرأة بالرجل في الميراث، ومحاربة الحجاب، وإباحة الربا، ومحاربة الزكاة لاعتبارها ضريبة من الضرائب، وغير ذلك من الأفكار والتصورات (1/127)
صفحة 128
في هذا الجو كانت سورة الناس، جاءت لتقرير العقيدة الكلية في الالتجاء مع الله ومحاربة شياطين الأنس والجن لهذه العلاقة.
س / من هم شياطين الجن؟ ومن هم شياطين الإنس؟ وأيهم أشد؟ وما هو المخرج؟
شياطين الجن قوم لا نراهم، وعلى رأسهم إبليس وجنوده، يسعون لإضلال الناس وإغوائهم عن الطريق السوي، أما شياطين الإنس فقوم مشاهدون، يظهرون حلاوة لسان وقوة فكر، وفي باطنهم حرب لله ورسوله، من هؤلاء صاحب السوء، والبطانة الفاسدة التي تضل الحاكم، والنمام الذي يفسد العلاقة بين الناس، والعاهرات الآتي يفسدن الرجال، وكتاب المقالات والروايات والمنشورات الهابطة والمشككة في دين الله، وأصحاب القنوات والمجلات والمواقع الفاسدة وغير هؤلاء كثير.
وشياطين الأنس أكثر قدرة على الإفساد والغواية من شياطين الجن؛ لظهورهم، ولجمال مخططاتهم، وفي هذا يقول الإمام السالمي رحمه الله:
ويفسد القرين في اليوم كما ... قد يفسد اللعين في الشهر اعلما
أما عن المخرج من هذه القضية فقد حددته سورة الناس، لكي لا يبقى حجة على العباد، ولكي لا يحاسبنا الله يوم القيامة إلا على أمر واضح.
(قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس)
الآية تضمنت أربعة أمور " قل + أعوذ+ رب + الناس " وهنا نطرح السؤال الأول: لماذا بدأت الآية بقل؟ لماذا لم تدخل في الموضوع مباشرة؟ لاحظوا مثلا لو قلت لفلان: قرأت الدرس، وفي الوقت نفسه قلت له: قل قرأت الدرس، أيهما أشد؟ لا شك أن الثاني أشد وأقوى؛ لأن فيه إلزام وتأكيد، كذلك هنا يريد الله أن يقرر عقيدة جازمة أن الاعتصام واللجوء لا يكون إلا لله، يظهر ذلك من ثلاثة نواحي: (1/128)
صفحة 129
* الناحية الأولى: (الرب + الملك + الإله)، تضمنت السورة هذه الألفاظ الثلاث على الترتيب؛ لكي لا يكون مجالا للشرك وإفساد العلاقة مع الله تعالى، فالرب هو الخالق الذي أوجد الناس من عدم، وبالتالي الناس ملك لله تعالى، فالله تعالى هو المالك، وبما أنه هو المالك فلا يصح أن يعبدوا غيره فهو الإله المعبود، النتيجة لا التجاء ولا اعتصام إلا بالله.
* الناحية الثانية: مجيء حرف الجر الباء مع لفظة الرب، وحرف الجر لا يأتي إلا لمعنى، وهنا أتى بمعنى الاختصاص، إي أن الله مختص بالربوبية والإلوهية، بجانب انفراده بالملك، فمن كانت هذه صفته فهو الأولى بالاستعاذة به، والاعتصام بأقواله وأحكامه، وهو الأولى باللجوء إليه في الرخاء والشدة.
* الناحية الثالثة: الإضافة؛ فالله أضاف الصفات الثلاث إلى الناس لأمرين: الأول التشريف، والثاني التأكيد، فالله لم يقل رب المخلوقات، أو إله العالمين، وإنما أضاف ذلك إلى الناس لبيان منزلة الناس عند الله تعالى، كذلك تأكيد أن الله هو الخالق المالك الإله، فهو أحق بالعبادة والاستعاذة.
والآن أطرح السؤال الثاني في مسألة الاستعاذة، هل الاستعاذة مقتصرة على كلمات يقولها الإنسان، أم هي أعم من هذا؟
للأسف أن يظن الناس أن الاستعاذة هي مجرد حمل مسبحة، وترديد بعض الأوراد والأذكار، وهذا ليس صحيحا، بل الاستعاذة بالله أعم من هذا فهي تعم الأقوال والأفعال، فالمسلم يستعيذ بلسانه يراقب الله في كل كلمة يقولها، ويكثر من ذكر الله، ويصدق في الكلام، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، كذلك بالنسبة للأفعال، فهو يؤدي الواجبات، ويجتنب المحرمات، ويتحلى بالأخلاق الحميدة، وبهذا يكون في حرز الله وعنايته، يقيه من شياطين الأنس والجن، ويعصمه من شرهم.
والسؤال الثالث من المخاطب بقل؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم هو المخاطب؟ أوليس معصوما من شر شياطين الإنس والجن؟ (1/129)
صفحة 130
الجواب المخاطب هو النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا زيادة تأكيد، فإذا وجه الخطاب إلى النبي وهو معصوم، فمن باب أولى أن يتوجه إلى غيره، وهذا ما سنلاحظه في تفسير سورة الصمد، فإذا كان النبي موقن بالذات الإلهية، ومع ذالك أمر بتوحيد الله، وهذا زيادة تأكيد، وفي هذا دلالة على أن القرآن من عند الله، فلو كان من أساطير محمد كما يزعم المشككون لما كان هذا الخطاب على هذه الصورة.
الخلاصة: هنا يخاطب الله تعالى الناس مبيننا لهم أن الاستعاذة لا تكون إلا لله فهو الرب المالك الإله، فكيف يرجى غيره! ولا يستعاذ به؟
(من شر الوسواس الخناس)
*معاني المفردات:
1 – شر: يقصد النقص الحاصل في الكمال، مثلا الصحة كمال، وهو الأصل، والمرض عارض وهو شر، كذلك الهداية والاستقامة كمال وهي الأصل والانحراف شر؛ لأنه يفسد هذه النعمة.
2 – الوسواس: الشيطان الموسوس، مشتق من الوسوسة، وهو الكلام الخفي، والوسواس هنا عام يدخل فيه الجن والأنس كما تفسره الآية الأخيرة من السورة.
3 – الخناس: من خنس أي توارى واختفى.
* تفسير الآية: (1/130)
صفحة 131
بعد ما بين المولى جل جلاله أن الاستعاذة خاصة به، ولا يجوز أن يشرك معه غيره، ويلزم من هذا أتباع أوامر الله جل وعلا، واجتناب نواهيه، ومراقبة الله في السر والعلن، حتى يكون الإنسان في حرز الله وعنايته، ثم بعد هذا يبين الله الوجه المقابل من الصراع فعندنا طائفتان طائفة مستهدفة وهم عموم الناس، وطائفة تسعى لإضلال الناس، وهم شياطين الإنس والجن، والنتيجة أن الناجي من اعتصم بالله، والهالك من اتبع شياطين الإنس والجن، وهذا ما يقرره القرآن فالله تعالى يقول في آية أخرى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين"، فالهداية والاستقامة على دين الله الحصول عليها لا يأتي بالتمني بل لا بد من مجاهدة، ولفظة مجاهدة يدل على أن هناك صراع، وهذا الصراع هو الذي تفسره سورة الناس، وطريقة المجاهدة يعني كما أسلفنا مراقبة الله في كل حين مع الالتزام بأوامره، واجتناب نواهيه، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ".
من خلال الآية نطرح سؤالين:
السؤال الأول: لماذا أضاف الله الوسواس إلى شر ولم يقل من الوسواس مباشرة؟
الجواب: في هذا تأكيد على أن شياطين الإنس والجن لا يصدر منهم خير، وإن صدر منهم هذا إنما يريدون به الشر، مثال ذالك مصطلح الحرية الذي يتغنى عليه الغرب هو في ظاهره خير، ولكن يقصدون بهذا المصطلح الشر، يقصدون به هدم الأخلاق وانتشار الرذائل وفي هذا يقول تعالى (وزين له سوء عمله فصد عن السبيل).
السؤال الثاني: لماذا استخدم القرآن مصطلح الوسواس الخناس ولم يستخدم مصطلح الشيطان مباشرة؟
الجواب: هذا دليل على أن شياطين الإنس والجن لا يبعدون الناس عن الهداية مباشرة، وإنما هنا خطوات يتبعونها، وفي هذا يقول تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين " فالشيطان لا يوقع الإنسان في الزنا المحرم وإنما يبدأ من الخطوات الأولى، وفي هذا يقول شوقي: (1/131)
صفحة 132
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
وهذا ما نلاحظه حديثا فالأعداء بينوا أنه لا يمكن إبعاد شباب الإسلام عن دينهم إلا بطريقة واحدة وهي الجنس، فنشروا دعواتهم الثلاث: الحرية، وتحرير المرأة من ظلم المسلمين، والاختلاط بين الجنسين في المدارس والأماكن العامة، فهم يستخدمون وسائل خفية للإضلال عن دين الله، والمخرج من هذا هو التمسك بأوامر الله حتى يبقى المسلم في عناية الله وحرزه.
ملحوظة:
بعض الروايات تفسر الخناس بمعنى الفرار إذا ذكر الله وفي الحديث " إن الشيطان واضع خطمه – أنفه – على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس وإذا نسي الله التقم قلبه فوسوس "، وفي هذا بيان بوجوب الاعتصام بالله، وكثرة ذكره جل جلاله.
الخلاصة:
للنجاة من شر شياطين الإنس والجن لا بد من الاعتصام بأوامر الله، بجانب مراقبته في السر والعلن.
مع سورة الفلق
{قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد}. (1/132)
صفحة 133
تحدثنا في الدرس الماضي عن سورة الناس، واليوم نبدأ الحديث في تفسير سورة الفلق، وسورة الفلق سورة مكية، وقلنا إن غالب السور المكية جاءت لتعالج تصورات الناس المنحرفة، وتبين لهم التصور الصحيح، ومن هذه التصورات المنحرفة اللجوء إلى المخلوقات للاستعاذة، ويتركون رب المخلوقات، مثلا يلجأ ون إلى الجان والزار، أو إلى القبور والعيون، ويتشبثون بالتمائم والحروز، ويتركون رب هذه المخلوقات، فالله تعالى هو خالق الخير والشر، فهو خالق السحر والأمراض النفسية، وهو أعلم بالعلاج، وأقدر على الشفاء، فلماذا لا نلجأ إليه ونطلب منه الشفاء مباشرة؟ فصانع السيارة أليس أدرى من غيره في إصلاح سيارته؟!!! نعم نبحث عن الوسائل التي تعين الإنسان على العلاج، مثلا نلجأ إلى الطبيب النفسي في علاج بعض الأمراض النفسية كما أننا نلجأ إلى الطبيب البدني في علاج أمراض البدن، ونتخذ الأسباب التي تعيننا على العلاج، ولكن لا بد من شرطين: الشرط الأول شرط داخلي وهو أن نعتقد أن الشافي هو الله تعالى، وإنما هذه أسباب ظاهرة نتخذها للعلاج، وفي الحديث: " تداووا عباد الله فإن لكل داء دواء "، والعجيب أن الناس إذا أصابهم ضر مادي عبسوا و قنطوا من روح الله، فيزدادون مرضا نفسيا مع مرضهم البدني، والأطباء يقولون إن للراحة النفسية أثر كبير في الشفاء، والمؤمن إذا أصابه ضرر علم أنه ابتلاء فيصبر على قضاء الله وقدره، ويلجأ إليه بالدعاء والطلب، فتهدأ نفسه، ويرتاح باله، وفي الوقت نفسه يبحث عن الأسباب التي تعين على الشفاء بإذن الله تعالى.
أما الشرط الثاني فهو شرط خارجي؛ أي أن تكون الأسباب الخارجية المعينة على العلاج أسباب مشروعة، فلا يلجأ إلى المشعوذين والدجلة طلبا للعلاج، لأنهم يكذبون على الناس من أجل مقابل مادي، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " من أتى عرافا لم تقبل منه صلاة أربعين يوما ". (1/133)
صفحة 134
والفلق له تفسير عام وخاص، أما العام فهو بمعنى الخلق، أي الوجود من العدم، فالكون بما فيه من نبات وبحار وغير ذالك أوجد من عدم، أوجده الله تعالى بقدرته وإرادته، وجعل له أسبابا معينة ومنظمة قائمة على التوالد والتكاثر، فالسماء أصلها – كما قيل – ماء فالماء هو الفلق أي الأصل، والسماء انفلقت منه، والطفل يخرج من بطن أمه فالأم هي الفلق وهكذا، وذكر الفلق هنا أشارة إلى عظمة الله تعالى، أي أن الله تعالى هو خالق الكون كله فلماذا لا نلجأ إليه؟!
أما التفسير الثاني فهو التفسير الخاص أي التفسير اللغوي وهو بمعنى الصبح الذي ينفلق من الظلام ومنه قوله تعالى: " فالق الإصباح ".
ومضمون الآية التحدث عن أربع معوذات، ذكر بداية عن شر ما خلق في الكون، ثم ركز على ثلاث معوذات للحذر منها، وهي شر الليل، والسحر، والحسد، وسيأتي تفصيل هذا في شرح الآيات بعونه تعالى.
" قل أعوذ برب الفلق "
تحدثنا في تفسير سورة الناس عن الاستعاذة وقلنا أن الاستعاذة لا يقصد بها فقط حمل مسبحة وترديد أذكار، بل هي أعم من هذا، فهي قلبية بتوحيد الله وتنزيه وإخلاص العبادة له وحسن المراقبة، وهي كذلك قولية بذكر الله، والصدق في الكلام، والبعد عن الكذب وقول الزور وما شابه ذلك، وهي أيضا عملية بفعل الطاعات، والابتعاد عن المحرمات، فإذا عمل المسلم بهذا كان في حصن ألاهي منيع.
وفي هذه الآية يؤكد المولى جل وعلا اختصاصه بالاستعاذة بأربع مؤكدات:
1. لفظة قل: وابتداء الآية بها دليل على أهمية الكلام الذي سيأتي، وفيه نوع من الحزم والجدية، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الخطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الخطاب موجه إليه عليه الصلاة والسلام وهو في قمة الاستعاذة الحقيقية فمن باب أولى نطالب نحن بتحصيل الاستعاذة، لنكون في حصن الله وعنايته.
2. الباء: وفيها دليل أن الله تعالى هو المختص بالاستعاذة. (1/134)
صفحة 135
3. الرب: فالله تعالى لم يقل هنا إله أو ملك وإنما قال رب؛ وذلك لأن لفظة رب هنا أولى وأكثر تأكيدا، فالرب بمعنى الخالق، فالله خالق الخير والشر أولى أن يستعاذ به.
4. الفلق: وسبق أن عرفنا الفلق، واستخدام هذه اللفظ فيه إشارة إلى خلق الكون من عدم، فالذي أوجد الكون من عدم أعلم بأمر خلقة فلم لا يلجأ إليه ويستعان به؟!
الحاصل أن الله تعالى هو المختص بالاستعاذة والعبادة.
سورة النور والبناء الاجتماعي
سورة النور جاءت لمعالجة الكثير من القضايا الاجتماعية، ووضعت المبادئ الأساسية في البناء الاجتماعي، لذا أمر السلف بحفظها، وقاموا بتحفيظها صبيانهم.
أراد الله – تعالى - من البناء الاجتماعي أن يكون متماسكا، إذ هذا البناء سوف يؤثر على الجوانب الأخرى، النفسية والصحية والمالية والسياسية، لذا كانت الخطوط في هذه السورة واضحة، والمعالم محددة.
إذا جئنا إلى أوروبا مثلا: كانوا يستمدون فلسفتهم الاجتماعية من الكنيسة، ومن المعلوم أنّ العهدين القديم والجديد - أو ما يسمى بالكتاب المقدس – قلّ ما يتطرق إلى الجوانب الاجتماعية، وإنّما هي وصايا متناثرة في العهدين، وخاصة العهد الجديد، وهي في حدّ ذاتها مجملة، لهذا قام الأحبار والرهبان بوضع فلسفات وتقعيدات في الجانب الاجتماعي، مما أوجد شروخا في المجتمع الكنسي، حيث يتلاعب فيه فئة من رجال الدين.
من هنا نجد مثلا مارتن لوثر الألماني في القرن الخامس عشر؛ حيث قام بثورة ضدّ بعض التعاليم الكنسية الكاثوليكية على وجه الخصوص، مما أدى بالكنيسة إلى الحكم عليه بالكفر والإعدام.
وثورة مارتن كانت ثورة تصحيحية بالعودة إلى الكتاب المقدس دون التأثر وفقدان روح النص من خلال التفسيرات الكنسية، وهذا أوجد مذهبا جديدا تبنى فكره بعد فترة من رحيله من هذه الحياة الدنيا، ألا وهو المذهب البروتستانتي. (1/135)
صفحة 136
وبعد فترة أوجدت الثورة الفرنسية فراغا في الجانب الاجتماعي في أوروبا، إذ كانت هذه الثورة حربا لكل ما يتصل بالدين، ولو كانت تعاليم الكتاب المقدس نفسه، فالدين ما هو إلا أفيون يهدد الشعوب، ويعيق تقدمها وتطورها، وما كان لله فهو لله، وما كان لقيصر فهو لقيصر.
الفراغ الاجتماعي الذي ساد أوروبا بعد هذه الثورة كان لا بد أن يسدّ بفلسفات جديدة يصنعها الإنسان نفسه، دون التقيد بفلسفات إلهية أو كنسية أو سماوية.
لذا ظهرت فلسفات جديدة أثرت سلبا على المجتمع الأوروبي، وأوجد شرخا في العلاقات الاجتماعية، وكسرت رابط الأخلاق والقيم، وخرج الناس عن فطرتهم السوية إلى أسوأ من الحيوان، فأصبحت الغرائز الحيوانية هي أساس العلاقة بين الناس، مما أثر في جوانب أخرى من الحياة، السياسية والاقتصادية والصحية كما سنرى في الدروس اللاحقة.
لماذا هذه النظريات أخلت بالجانب الاجتماعي في أوروبا؟ لأنها مهما بلغت من التقعيد العلمي، واستخدام الأدوات المعاصرة من أدوات البحث العلمي، إلا أنها نظريات بشرية قاصرة، فالإنسان مهما بلغ في التقدم العقلي والمنطقي إلا أنه بحاجة إلى توجيهات إلهية ترشده إلى الطريق الصحيح، والمنهج السليم.
من هنا نجد التوجيه الإلهي في القرآن الكريم في سورة النور يعطينا خطوطا متينة في الجانب الاجتماعي، نحن بحاجة للوقوف مع هذه الخطوط لا لنهدمها ونأولها لنعمل أهوائنا؛ بل نحن بحاجة إليها لننزلها إلى أرض الواقع من جهة، ولنجعلها خطوطا نسير في دائرتها القويمة.
ومع هذا يجب علينا أن نستفيد من الفلسفات الأخرى، لا لنطبقها بحذافيرها؛ بل لنستفيد منها، ونصحح ما فيها أخطاء واعوجاج.
والآن بعد هذه المقدمة اللطيفة نعود إلى الآية الأولى من السورة؛ نجد الله – تعالى – ابتدأ الآية بـ"سورة"، ولا توجد سورة في القرآن تفتتح بالإشارة إلى السورة غير هذه. (1/136)
صفحة 137
ولفظة سورة فيها إشارة إلى السور، والسور له ثلاثة معاني: الإحاطة، والعلو، والتماسك والقوة.
أمّا الإحاطة فلكونها تحيط بأحكام جليلة، ومبادئ قويمة، نحن بحاجة إليها، والتمسك بها، كما أنّ السور يحيط بأرض لها قدر من الأهمية والمكانة.
أمّا المعنى الثاني وهو العلو ففيه إشارة إلى علو ومنزلة هذه السورة وما فيها من أحكام، فهي من لدن حكيم خبير، يعلم ما يصلح الإنسان وما يضره، فشرع من الأحكام ما تتوافق مع طبيعة الإنسان، ومع الفطرة التي خلقه الله عليها، والأصل في الإنسان أن يكتشف هذه السنن والأحكام، ليجعلها ميزانا لفكرها، ومنهاجا يسير عليها، لا أن يقوم بإفسادها، وتعطيل دورها.
أمّا المعنى الثالث وهو التماسك والقوة، وذلك لأنّ المجتمع بدون هذه الأحكام والمبادئ؛ يكون مهددا بالدمار والانهيار كما نراه اليوم في المجتمعات الغربية، وكما بدأ ينتشر في المجتمعات الإسلامية، بعد ما تركت هذه الأحكام، وأخذت الفلسفات من الآخرين على علاتها، دون نظر ولا دراسة، ولكن حبا للتقليد والمحاكاة.
ثمّ يقول تعالى: "سورة أنزلناها" ليتحقق بهذا مقصد العلو والواقعية، فهي منزلة من عند الله – تعالى – الخبير في أحوال الناس، وهي بأحكامها علوية تتوافق مع الطبيعة البشرية، وهي أولى بالإتباع من الفلسفات البشرية القاصرة.
ويقرن الله – تعالى – الإنزال بالفرضية حيث يقول: "وفرضناها"؛ لكي لا يكون مجالا للتأويل والتمييع، فهذه الأحكام في جملتها فرض يجب أن تراعى، وحدود لا يجوز أن تنتهك، وإن كان مجال للرأي فالباب مفتوح في استخلاص العبر والمزايا من هذه الأحكام، وفي اتخاذ الوسائل لتطبيقها، وفي تهيئة الجو لإنزالها. (1/137)
صفحة 138
ثمّ بعد هذا يؤكد الله – تعالى – الإنزال ولكن مقرونا بالبيان حيث يقول: "وأنزلنا فيها آيات بينات"، أي هذه الآيات المنزلة تتميز بالوضوح، يفقهها الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الجاهل والعالم، فهي ليست فلسفات بشرية معقدة، يساق إليها الإنسان رضي أم أبى، وليست عادات تخالف الفطرة، بل هي آيات واضحة، وعلامات سهلة الإدراك والتطبيق، عظيمة الفائدة والنتائج.
وبعد هذه المقدمة اللطيفة يطلب جلّ في علاه من عباده التأمل والتدبر في هذه الأحكام؛ ليعلموا عظمتها، وليدركوا قدرها، وليجنوا فوائدها وأبعادها على المجتمع حيث يقول: "لعلكم تذكرون"، أي تفقهون وتتدبرون.
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
إذا أردنا معرفة أهمية سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وبيان قيمتها ندرك ذلك من كلام الله تعالى، فالله تعالى من رحمته جعل للناس أئمة يهدون بأمره، ويبشرون بدينه، ويطبقون منهجه في الأرض قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ، ولا شك أنّ اختيارهم أئمة للناس من باب توحيد القدوة والأسوة، فهم رباهم الله تعالى على كتابه، وكانوا آيات عملية تمشي بين الناس على الأرض، ولذا كان الاقتداء بهم سمو خلقي، ومنهج رباني، ووحدة في الإتباع والاقتداء.
والأنبياء جميعا من لدن محمد وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم جسّدوا منهجا تشريعيا وخلقيا واحدا، فبعد ما ذكر الله تعالى أنبياء بني إسرائيل قال: أُولَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. (1/138)
صفحة 139
وبما أنّ الشريعة حرّفت، والطريقة بعد عيسى عليه السلام بدلت كانت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
ولقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين، الذي جعله الله تعالى نورا لهذا الإنسان، يضيء له ظلام الحياة، ويخرجه من الظلمات إلى النور، ويهديه إلى الصراط المستقيم، هذا الكتاب العظيم هو الشفاء لما تعانيه الإنسانية من أمراض نفسية وخلقية، وتخلخل اقتصادي وسياسي، وانحراف فكري وتربوي يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ولقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثالا عمليا لهذا الكتاب العظيم، فطبقه في أقواله وسلوكه، وفي بيته وسوقه، وفي خلوته ومع الناس، وفي عباداته ومعاملاته، فسما خلقه، وارتفع بنيانه، وعظم قنوته وخشوعه، من هنا اختاره الله تعالى قدوة للإنسانية وإلى أن تقوم الساعة قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. (1/139)
صفحة 140
لذا كان الأمر الإلهي بوجوب طاعته والاقتداء به قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
وما كان هذا الإتباع إلا رحمة لهذا الإنسان، به يترفع عن الخواء الفكري الذي يجعله يعيش في فراغ دامس، فتارة يقلد هذا ويتأثر بذاك، لا لشيء إلا لأنهم تفوقوا في جانب معين، أو اشتهروا لغرض رياضي أو فني أو علمي، فيصبح المجتمع وكأنّه لوحة ضمت نقاطا متغيرة من الأشكال والأنماط، وقد يكون المقلَد منحرفا سلوكيا وخلقيا، وبعيدا عقديا وتصوريا، فكيف بالذي اختاره الله تعالى رحمة للإنسانية والعالمين جميعا، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وقال أيضا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. (1/140)
صفحة 141
من هنا صرف الناس عن إتباع سيرته صلى الله عليه وسلم، والتمسك بمنهجه عليه الصلاة والسلام يوقع المجتمع في انحراف فكري وسلوكي، ويترتب على هذا الانحراف آثار اجتماعية وأمنية وتربوية واقتصادية، فمثلا تقول ليلى الحافي قبل خمسين سنة تقريبا، وذلك في مقدمة كتاب مشكلات الشباب لتشالرز دافي، والذي قامت بترجمته عام 1960 م: "وإنّه لمن بواعث أسفي وألمي معا هذه الموجة الطارئة التي قذفت بشبابنا إلى محاكاة وتقليد أبطال الشاشة البيضاء، من أمثال جيمس دين وبريسلي وباقي الممثلين الأمريكيين، إنّ ضياع شبابنا وعدم قدرته على شغل وقته بما يفيد وينفع يحملانه دائما على صرف وقته في توافه الأمور، كالتهريج الرخيص، والمبالغة في الظهور، والوقاحة في ملاحقة الفتيات والسيدات ومغازلتهنّ؛ بل أكثر من ذلك الانحدار إلى حمأة الجريمة، والهبوط الشنيع إلى هوة الرذيلة".
وفي هذا يقول برناردشوا الإنكليزي: "إنّ العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدّين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية؛ بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها".
ويقول جوته الأديب الألماني:"إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحدّ، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو كما نجح محمد الذي أخضع العالم كلّه بكلمة التوحيد".
الوصايا العشر في التوراة والقرآن (1/141)
صفحة 142
لقد جاءت رسالات الله تعالى بشريعة واحدة، مصدرها رباني، وغايتها حفظ المجتمع البشري من مزالق الانحراف عن الجادة، لذا تشير التوراة أو العهد القديم الموجود بين أيدينا اليوم المضمن بالكتاب المقدس أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى بعد خروجه من مصر بعشر وصايا، ويتفق الباحثون أنّ هذه الوصايا هي نفسها التي يعتقدها اليهود حتى اليوم، ويعلموها صبيانهم ونسائهم، وهذه الوصايا هي الوصايا الموجودة في سفري الخروج والتثنية، ولعل الوصايا نزلت على موسى أثناء اختلائه بربه في جبل الطور قبل مرحلة التيه، وبعد النزول من مصر متوجها إلى الأرض المقدسة فلسطين، والتي هي جزء من أرض كنعان، ولكن صدوره في سفر التثنية ربما يؤكد أنّ فترة وحي هذه الوصايا كان في مرحلة التيه لا قبل ذلك، وقبل الدخول إلى الأرض المقدسة والله أعلم.
كذلك بالنسبة للقرآن جاء بالوصايا العشر في سورة الأنعام، آية 151 إلى 153، وهناك خلافات بسيطة بين وصايا الكتابين تجمعهما روابط واحدة. (1/142)
صفحة 143
أما بالنسبة إلى إنجيل عيسى، والذي يسمى اليوم بالعهد الجديد لا نرى فيه هذه الوصايا بالترتيب الموجود في العهد القديم والقرآن، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ عيسى لم يأت بشريعة جديدة؛ بل جاء مصححا لشريعة موسى، وكتابه كان مصدقا لما جاء به موسى، وكان عاملا به، فالإنجيل لم ينسخ التوراة كليا، وإنما صحح الأخطاء الواردة والتي أضافها الأحبار إلى التوراة، مما اعتقد بعد ذلك أنها من قبل موسى عليه السلام، وهذا لا يعني عدم وجود الوصايا العشر في العهد الجديد أو الإنجيل؛ بل هي موجودة ولكنها متناثرة بين حناياه، وذلك إذا فقهنا الروابط الكلية للوصايا العشر كما سيأتي بيانه بعون الله تعالى، يقول المسيح عيسى: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ" إنجيل متى، الإصحاح الخامس (17 - 20).
ثم إننا نذكر بداية الوصايا العشر الموجودة في القرآن ثم نتطرق إلى بيان الوصايا العشر الموجودة في سفر الخروج، لندرك الروابط الجامعة بينهما. (1/143)
صفحة 144
يقول الله تعالى في سورة الأنعام آية (151 - 153): قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ندرك من خلال هذه الآيات الوصايا العشر وهي:
الوصية الأولى: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا = عدم الشرك بالله (جانب تصوري عقدي، وهو أساس العمل).
الوصية الثانية: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا = طاعة الوالدين والإحسان إليهم (جانب خلقي سلوكي).
الوصية الثالثة: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ = عدم قتل الولد خشية الفقر والفاقة، لأنّ الرازق هو الله تعالى وحده (جانب عملي سلوكي من نتائج الجانب التصوري العقدي).
الوصية الرابعة: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ = الابتعاد عن الفواحش الباطنية والظاهرة (جانب عملي خلقي). (1/144)
صفحة 145
الوصية الخامسة: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ = حرمة النفس البشرية، ولا يجوز هدر دمها إلا بحقه الذي أباحه الله تعالى وحده (جانب عملي مبني على أساس خلقي قيمي).
الوصية السادسة: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ = حفظ مال اليتيم من الضياع، وعدم جواز القرب منه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ سنّ الرشد (جانب عملي سلوكي).
الوصية السابعة: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وجوب الوفاء بالكيل والميزان مع التحري وقدر الاستطاعة (جانب سلوكي عملي، ويدخل جملة في دائرة الأخلاق).
الوصية الثامنة: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى = العدل في القول والحكم، ولو كان الحق خلاف القرابة والصداقة، فالحق أحق من أي اعتبارات أخرى (جانب عملي خلقي من نتائج الجانب التصوري).
الوصية التاسعة: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا = الوفاء بشرائع الله تعالى وتعاليمه، وعدم الإيمان ببعضها والكفر بالآخر، فالدين كلّ لا يتجزأ (جانب تصوري عملي).
الوصية العاشرة: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ = الدين واحد لا يتجزأ، وما خالف الدين ضلال وباطل، وصراط الله دينه الحق (جانب عملي تصوري). (1/145)
صفحة 146
أما الوصايا الموجودة في العهد القديم أو التوراة والتي ذكرت في سفر الخروج، الإصحاح العشرون (1 - 17): ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ. لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً. اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. (1/146)
صفحة 147
لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ».
والآن نفصل الوصايا مبينين الدائرة التي تدور حولها، ومدى ارتباطها بوصايا القرآن الكريم:
الوصية الأولى: لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي = أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا {عدم الشرك بالله تعالى (جانب تصوري عقدي، وهو أساس العمل)}.
الوصية الثانية: لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ = أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا {عدم الشرك بالله بأي نوع من الأشكال (جانب تصوري عقدي، وهو أساس العمل)}.
الوصية الثالثة: لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً = وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا {الوفاء بشرائع الله تعالى وتعاليمه، وعدم الإيمان ببعضها والكفر بالآخر، فالدين كلّ لا يتجزأ (جانب تصوري عملي)}.
الوصية الرابعة: اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ = وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ {منّ الله تعالى على الإنسان يوما يرتاح فيه، حيث يتفرغ فيه لذكر الله تعالى (جانب عملي تصوري)}.
الوصية الخامسة: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ = وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا {طاعة الوالدين والإحسان إليهم (جانب خلقي سلوكي)}. (1/147)
صفحة 148
الوصية السادسة: لاَ تَقْتُلْ = وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ {حرمة النفس البشرية، ولا يجوز هدر دمها إلا بحقه الذي أباحه الله تعالى وحده (جانب عملي مبني على أساس خلقي قيمي)}.
الوصية السابعة: لاَ تَزْنِ = وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ {الابتعاد عن الفواحش الباطنية والظاهرة ومنها فاحشة الزنا (جانب عملي خلقي)}.
الوصية الثامنة: لاَ تَسْرِقْ = وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ {تحريم أكل أموال الناس بالباطل، ومنها السرقة، وأكل مال اليتيم، فيجب حفظ ماله من الضياع، وعدم جواز القرب منه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ سنّ الرشد (جانب عملي سلوكي).
الوصية التاسعة: لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ = وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى {العدل في القول والحكم، وتحريم شهادة الزور، ولو كان الحق خلاف القرابة والصداقة، فالحق أحق من أي اعتبارات أخرى (جانب عملي خلقي من نتائج الجانب التصوري)}.
الوصية العاشرة: لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ = وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، {وجوب حفظ أموال وأعراض الآخرين، وخاصة القريب، ومنه الوفاء بالكيل والميزان مع التحري وقدر الاستطاعة (جانب سلوكي عملي، ويدخل جملة في دائرة الأخلاق)}. (1/148)
صفحة 149
من خلال ما سبق ندرك أنّ الله تعال أوحى إلى أنبيائه هذه الوصايا العظيمة لتنظيم حياتهم، ومنها ندرك التقارب بين كتب الله تعالى؛ لأنها جميعا من مشكاة واحدة، وإن حدث التحريف في العهدين القديم والجديد؛ إلا أنّ النور لا زال يفوح منهم مع كثافة ظلمة التحريف.
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
تقدمة ... 2
وجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ... 4
تكريم النبي عليه الصلاة والسلام ... 7
حقيقة الاحتفاء بمولده عليه الصلاة والسلام ... 10
دروس وعبر من ميلاد خير البشر ... 12
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ... 17
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... 21
ركائز النجاح في رمضان ... 25
من مقاصد الحج والعمرة ... 27
العمل والإخلاص من منظور الإسلام ... 30
حتمية التقيد بالضوابط الشرعية في الاقتصاد العالمي ... 32
عامي في غريزة الجنس ... 35
لماذا النصر في رمضان؟ ... 37
رمضان والقرآن ... 40
حبّ الأوطان ... 42
محمد عليه السلام في عيون الغربيين ... 44
طرق نصرة النبي – صلى الله عليه وسلم – ... 46
التسامح في القرآن الكريم ... 48
استعمار عقول الأمة ... 51
أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ... 58
القرآن ميزان التصور الصحيح ... 62
المؤثرات العقلية رؤية قرآنية ... 67
المرأة المسلمة بين إغراء الغرب وظلم الشرق ... 69
التسامح في القرآن الكريم ... 73
العودة الصادقة إلى القرآن ضرورة ملحة ... 75
التسامح في التأريخ الإسلامي ... 78
الشباب ودورهم في تنمية المجتمع ... 81
وليضربنّ بخمرهنّ على جيوبهنّ ... 86
سنة الزمن وتقدم الأمم ... 89
من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ... 92
الوقت وتقدم الأمم ... 98
رسالة المعلم ... 100
قراءة قرآنية في الكوارث الطبيعية والبشرية ... 106
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... 109
احزموا حقيبة الهجرة ... 112
أرمضانيون أم ربانيون ... 114
إهدار الوقت في الإسلام ... 117
وقفاتنا التأريخية والدينية إلى أين؟ ... 122
الرسول – صلى الله عليه وسلم – في القرآن الكريم ... 125
نشأة اليهود ... 128 (1/149)
صفحة 150
وقفة مع المستهزئين بالنبي – عليه الصلاة والسّلام ... 131
عودة إلى القرآن ... 134
وفي أنفسكم أفلا تبصرون ... 137
وحدانية الله من خلال سورة الصمد ... 142
الاستعداد لشهر الصيام ... 145
أمة اقرأ ... 149
وقفات مع سورة الناس ... 153
مع سورة الفلق ... 160
سورة النور والبناء الاجتماعي ... 163
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ... 167
الوصايا العشر في التوراة والقرآن ... 170
الفهرس ... 177 (1/150)