صفحة 1
الكتاب: كذبة إبريل بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله أهل الحمد والشكر، وأهل التقوى والمغفرة، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، أصدق من نطق، وأعدل من حكم، وأبر من عمل، وعلى آله وصحبه الكرام البررة، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد،،،
فما قولكم فيما تفشى عند كثير من المسلمين رجالهم ونسائهم من تقليد الغربيين في إلى الإقدام على الكذب عمدا في أول يوم من شهر إبريل ــ وهو الشهر الرابع من الشهور الشمسية ــ والتفنن في ذلك بطريقة تزعج السامع إلى حد الذهاب بلبه، كأن يقول له الكاذب عليه : إن فلاناً مات أو صدم وهو في الإنعاش أو سقط من سقف الدار، وكثيرا ما يكون ذلك الفلان الذي ُعِزي إليه أنه مات أو أنه في غيبوبة من شدة الحادث حميما لمن ُأزعج بهذا الخبر الكاذب، فيجر ذلك مشاعر الحزن في نفسه وتهوله الصدمة حتى تذهب أحيانا بعقله، وقد يؤدي به ذلك أحيانا إلى أن يقع هو نفسه يذهب بحياته، وفي هذا العام سألت امرأة صديقتها عن رؤيا رأتها في منامها أنها لابسة ثيابا بيضاء، وقد خمرت رأسها بخمار أحمر، فردت الصديقة عليها بأن الثياب البيض هي الأكفان، وأن الخمار الأحمر عذاب النار - والعياذ بالله – وأن هذه الرؤيا دليل قرب وفاتها وأنها من أهل النار، فأقلقها هذا الجواب المزعج حتى ضمر جسمها وانتقع لونها وعادت كالعود الذابل، وبعد أسبوعين من معاناة قاسية وهموم طافحة اعتذرت إليها صديقتها بأن ما قالته لا يعدو أن يكون كذبة إبريل ، وهكذا استهان الناس بهذا الأمر واعتادوه حتى عدوه مهارة ونبلا وعنوانا على التقدم والرقي لما فيه من مجارة الغربيين في فكاهتهم، والتأثر بهم في أماط حياتهم وأساليب التعامل بينهم، مع كونهم اليوم سادة الموقف وقادة العلم الذين لا يشق لهم غبار، ولعل مما هون هذه العادة لدى العامة أن بعض المنتسبين إلى العلم لا يرون فيه حرجا، لأنها يعدونها من الترويح عن النفس، والإبداع في النكتة، ولذلك لا يتورعون هم (1/1)
صفحة 2
بأنفسهم عنها ولئن كان هذا شأن هؤلاء فما بالكم بالعامة الذين هم كالهمج الرعاع ؟ لأجل هذا كله أردنا منكم الجواب الحاسم مع ذكر ما أمكنكم من الأدلة الشرعية الدالة على حكم الشرع في هذه الكذبة الشائعة؟
الجواب:-
إن الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث بكلمة الصدق ودعوة الحق وعلى آله وصحبه الذين كانوا أصدق هذه الأمة قولا، وأصلحها عملا وأبرها قلبا وأسماها فكرا وأصحها منهاجا وأقومها سلوكا وأكرمها خُلُقا وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الحساب .
…وبعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
واعلموا ــ رحمكم الله ــ أن الإنسان لم يخلق هملا ولم يترك سدى وإنما هو مسؤول عن أقواله وأعماله، ومجزي بما قدم وأخر من خيره وشره (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) وإن أخطر ما يورده المهالك ويهوي به في دركات العذاب لسانه إن أطلق له العنان، ولم يضبط جريه حتى لا يخرج عن ميدان الصدق ولا يتعد حدود الحق، ولذلك أنبأ النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن حفظه هو ملاك الأمر كله إذ هو معقل الاستقامة ومناط السلامة، وذلك في وصيته لمعاذ ــ رضي الله عنه ــ ولما قال له معاذ: أإنا مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ قال له " ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوهم ــ أو قال على مناخرهم ــ إلا حصائد ألسنتهم " وهو دليل على أن فلتات اللسان التي لا يبالي الإنسان في قوله هي مورد هلكته ممكن وعثرته، وهذا ما يدل عليه حديث " إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب " وفي حديث آخر " وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يحسب أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه ". (1/2)
صفحة 3
…وإنما كانت عثرات اللسان مصدر شقاء ومناط السوء، ومجامع الفساد وسبب الهلكة لأن كبائر القول هي التي تبعث على كبائر العمل، فإنها تؤودي إلى حجب الحقيقة، وتزين مقاومة الحق وفي مقدمتها الكذب الذي لا يتورع من ابتلي به عن سوء، ولا عن رذيلة، ولذلك توعد الله المنافقين على كذبهم حيث قال" ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون " وهذا على قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء وإسكان الكاف وتخفيف الذال، وكفى به شاهدا على خسة الكذب ودناءته، ونذالة الكذاب وسوء حاله، ورادعا لمنه كان له قلب عن الاتصاف بالكذب أو الرضا به .
…ومن المعلوم أن أولئك المنافقين كانوا ينطوون على عقائد الكفر في سريرتهم وهي أقبح ما تلبس به الإنسان، فلذلك تسائل بعض المفسرين لماذا توعد على الكذب ولم يتوعد على الكفر مع أنه أفظع وأخطر؟ وأجاب عن هذا الأستاذ الإمام محمد عبده بقوله : "إن الكفر داخل في هذا الكذب، وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير منه وبيان فظاعته وعظم جرمه ولبيان أن الكفر من مشتملا ته وينتهي إليه في غاياته، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير وتوعد عليه أسوأ الوعيد، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياء والمروءة، ومن كان كذلك لا يترك قبيحا إلا بالعجز عنه – نعوذ بالله من عمله ومنه – " أهـ .
…والنفس البشرية تدرك بفطرتها قبح الكذب ونذالته وخسة الكذب ودناءته، ولذلك ستحيي كل من كان سوي الفطرة أن تسجل عليه كذبة في قوله، وقد كان هذا شأن العرب في جاهليتهم مع ضلال معتقدهم وسوء أعمالهم، فقد كان الكذب عندهم عارا يتقونه لما يترتب عليه من سوء الأحدوثة مع أنهم ما كانوا يخشون وعيدا عليه ولا يرجون وعدا على ضده، ولربما كانت حمية أحدهم تلح عليه أن يفتري الكذب فتأبى ذلك نفسه أنفة وكبرا واتقاء أن يسجل ذلك عليه فيكون عليه عارا وخزيا يأثرهما عنه من تحدث عنه في حياته أو بعد مماته. (1/3)
صفحة 4
…وقد حصل هذا لأبي سفيان – صخر بن حرب – إبان شركه وما كان يتأجج في نفسه من حقد دفين وبغضاء متأصلة وكراهية عميقة للنبي – صلى الله عليه وسلم – ولدينه الإسلام، فقد أخرج الشيخان وغيرهما من طريق ابن عباس – رضي الله عنهما– عنه أنه عندما جيء به إلى هرقل عاهل الروم ومعه ثلة من أصحابه بعدما تلقى هرقل كتاب النبي – صلى الله عليه وسلم – المتضمن دعوته إلى الإسلام قال هرقل لترجمانه : قل لهم – أي أصحاب أبي سفيان الذين كانوا وراء ظهره – إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان : " فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عليه " قال الحافظ ابن حجر " وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف وفي قوله " يأثروا " دون قوله " يكذبوا " دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي – صلى الله عليه وسلم – لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه " فوالله لو كذبت ما ردوا عليّ ولكني كنت امرأً سيداً أتكرم عن الكذب وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبت أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به فلم أكذب"أ.هـ
…قلت ولا دليل على أن العرب المشركين في جاهليتهم كانوا يهتدون بشرع سبق وإنما الفطرة التي هدتهم إلى قبح الكذب وهذا ما يفهم من كلام أبي سفيان، حيث صرح أن الأنفة هي التي نهنهته عن الوقوع فيه، وهذا ما يدل عليه قول السموأل
إنا وإن مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نرض دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا
... فنخمل الدهر مع الخامل
فهو كما ترى يبين ما في نفسه من الخوف من سوء الأحدوثة الناشئ عن الكذب وهو الذي كان يحول بينه وبينه . (1/4)
صفحة 5
…ولئن كان هذا هو شأن أهل الجاهلية فكيف بالمسلم الذي شرفه الله بخطابه وحضه فيما أنزل عليه من شرعه على الصدق ووعده عليه أجرا كريما وحذره من الكذب وتوعده عليه عذابا أليما، فقد قال تعالى (( إن المسلمين والمسلمات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات – إلى قوله – أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )) وقال (( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )) وقال (( قتل الخراصون )) ومعناه : لعن الكذابون - في قول كثير من المفسرين -.
…هذا والكذب داء عضال يسري في أعماق النفس فيودي بفضائلها ويُغَوَّر ينابيع الخير فيها ويحي رذائلها، ويفجر فيها نوازع الشر ويقوي فيها ملكات السوء، ولذلك يبقى الكذاب أسير العادات المذمومة لا يجد إلى الفكاك منها سبيلا، وبخلاف ذلك الصدق فهو الذي يحي فضائل النفس ويقوي فيها ملكات الخير ويقيها نوازع الشر ويعطل فيها ملكات السوء، وشاهد ذلك فيما أخرجه الشيخان عن أبن مسعود – رضي الله عنه – مرفوعاً " إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " وهذا يعني أن التهاون بالكذب وإن كان يسيرا في بادئ الأمر يعوّد عليه اللسان حتى يصبح من سجايا النفس مع ما يتولد عنه من قبائح الخصال والمساوي وزائل الأقوال. (1/5)
صفحة 6
…وحسب اللبيب زاجرا عن الكذب أن الله حصده في الذين لا يؤمنون بآياته عندما قال (( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآياتنا وأولئك هم الكاذبون )) وهو الذي يدل عليه ما أخرجه مالك في موطئه عن صفوان بن سليم – رضي الله عنه – قال : قلنا يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا ؟ قال نعم، قيل له أيكون بخيلا؟ قال نعم، قيل له أيكون كذابا ؟ قال لا" وهذا لأن الجبن جبلة لا يقوى على من ابتلي بها على تجريد نفسه منها إلا أنه لا يضيره إن كان لا يمنعه من قول الحق والعمل به وكذلك البخل، فإن النفوس جلبت على حب المال وما لهذا الطبع من دافع إلا أن المؤمن بإنفاقه المال في مراضي الله يتخلص من أثره عليه ويفك أغلاله عنه، ولا يضيره أصل ذلك الطبع في نفسه إن كان لا يمنعه من أداء الزكاة ولا يحول بينه وبين القيام بسائر الواجبات المالية أما الكذب فإنه ينشأ عن تعويد اللسان حتى يصبح من سجايا النفس التي لا تجد ما يخلصها منها إلا قوة المقاومة وشدة المراقبة، وجاء في حديث مرفوع – عند احمد وغيره – "يطبع المؤمن على جميع الخلال ليس الخيانة والكذب " وهاتان الخصلتان من علامات النفاق التي دلت عليها الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم – فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه – قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم – " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا عاهد غدر " وزاد مسلم بعد قوله " آية المنافق ثلاث " "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم " وفي رواية أخرى لهما وللنسائي والترمذي مثل ما تقدم ولكن بإبدال " إذا أتمن خان " من قوله " إذا عاهد غدر " وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم – أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا أتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر " وفي رواية (1/6)
صفحة 7
النسائي عن أبن مسعود -رضي الله عنه – قال: " ثلاث من كن فيه فهو منافق إذا حدث كذب وإذا أتمن خان وإذا وعد أخلف، فمن كانت فيه واحدة منهن لم تزل فيه خصلة من النفاق حتى يتركها ".
…هذا وقد شدد النبي - صلى الله عليه وسلم – في الكذب ولو كان بقصد التسلية والترويح عن النفس، فقد أخرج أبو داود والترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول " ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له ويل له كما شدد فيه ولو كان في معاملة الأم لطفلها من أجل اجتذابه إليها أو إلهائه مما تحذره عليه فقد أخرج أبو داود من طريق عبد الله بن عامر -رضي الله عنه – قال دعتني أمي يوما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – قاعد في بيتنا فقالت تعال أعطيك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " ما أردت أن تعطيه " فقالت: أردت أن أعطيه تمرا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم– أما أنك لو لم تعطيه شيئا لكتبت عليك كذبة ".
…والكذب منفر للملائكة لأنهم يدركون من قبحه ما لا يدركه غيرهم وهو ما دل عليه حديث أبن عمر -رضي الله عنه – عند الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال " إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلاًََََ من نتن ما جاء به " وهو خيانة للمنصت للحديث، ففي سنن أبي داود عن سفيان بن أسيد الحضرمي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب " ومن أجل الحوطة والحذر من الوقوع في الكذب حذر النبي - صلى الله عليه وسلم – من الإسراع في نقل الحديث حتى يتبين الناقل صحة ما نقل، فقد أخرج مسلم وأبو داود من طريق أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ". (1/7)
صفحة 8
…هذا وإن من شأن الكذب أن يطمس البصيرة ويخمد الفطنة ويعطل المدارك ويسد على النفس منافذ التفكير حتى تعود أسيرة الأوهام، فإن الكذاب يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره إذ يخيل لها أن الناس جميعا أغبياء لا يتفطنون لكذبه فلذلك يتجاسر على أن يحكي لهم غير الواقع ويقوى هذا الشعور في نفسه حتى لا يحسب حسابا قط لإطلاع الناس على سوأته ومعرفتهم بعثراته، وهو بكثرة ما يقول من الإفك يعود نفسه تصديق ذلك حتى تكون أسيرة الوهم لا تكاد تصل إلى حقيقة في أمر. (1/8)
صفحة 9
…ولئن كان مطلق الكذب بهذه الخسة والنذالة والفحش في لإجرام، وهو بهذه القدرة من الإثم فإن ما يسمى بـ " كذبة إبريل " أبلغ في الخسة وأفحش في النذالة وأعظم في الجرم وأشد في الإثم لأنها ناشئة عما تكنه النفوس من الإعجاب بالكفرة الفجرة واستحسان قبائحهم والزهو بتقليدهم والاعتزاز بالسير في منهاجهم وما هو إلا رمز بيّن وعلامة واضحة على ما في هذه النفوس من موالاتهم والرغبة في المسارعة في هواهم، فإن من شأن المحب أن يسارع في هوى محبوبه وأن يحب الظهور بمظهره والتحلي بحليته والحديث بلسانه، وكل عاقل يدرك أنه ما من أمر أسرع في نقض إسلام المسلم وهدّ أركان إيمانه من ذلك، ولذلك جاء القرآن الكريم بالتحذير البالغ والزجر الشديد عن ذلك، لئلا يبقى خيط من الموالاة بين المسلمين والكفار يُقتاد به المؤمن إلى إتباعهم وترسٌّم خطاهم، ومن ذلك قوله تعالى " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منه تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير " وقوله " وبشر المنافقين بأن الهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا " ولا يخفى ما في هذه الآية من الدلالة على أن هذه الموالاة تسلب المؤمنين جوهر الإيمان حتى يكونوا في عداد المنافقين، فإنهم وحدهم هم المتصفون بهذه الموالاة لأعداء الحق والدين، ويؤكده قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا الله عليكم سلطانا مبينا" الذي ردفه وعيد المنافقين في قوله " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا " وهو كالذي قبله لا يدل إلا على أن هذه الموالاة لا تنشأ إلا عن النفاق. (1/9)
صفحة 10
…ومن أبلغ التحذير من هذه الموالاة قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل " وردف ذلك بيان أنهم مهما وآلوهم وتقربوا إليهم بصنوف التودد فإن أولئك الكفار لن يشاطروهم الود ولن تفيض عليهم قلوبهم بالرحمة والحنان، بل سيضلون لهم أعداء ألداء ما داموا يتجردوا من جميع ثياب إسلامهم ولم يتخلوا عن جميع لوازمه وتبعاته وذلك قوله عز من قائل " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء " وإنما الذي يرضيهم منهم أن يكونوا سواء في الكفر وينبذ الإسلام ومناجزته ولذلك قال " وودوا لو تكفرون " وهذا كما قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم – " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ". (1/10)
صفحة 11
…هذا وقد حض الله المؤمنين في هذا السياق على أن يتخذوا من موقف إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين أسوة يتخذونها ومنهجا يسلكونه في معاملة الكافرين، وذلك عندما أعلنوا البراءة من قومهم بكل شدة وحزم ووضوح وصراحة مع أن من بين أولئك القوم آزر أبا إبراهيم فقد قال تعالى " قد كانتا لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ...." إلى أن قال " لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد" وفي قوله هذا ما يدل على أن الإيمان بالله واليوم الآخر مرتبط بهذه المفاصلة مع القوم الكافرين، وهي المعبَّر عنها بالبراءة، وأن من لم يتبرأ منهم فليس ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، وفي قوله " ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد " من التهديد لمن أعرض عن هذا النهج وداهن في هذا الأمر ما لا يخفى على ذي بصيرة، ويدل عليه قوله تعالى " لا تجد قوم يؤمن بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم " فلا عبرة في هذه بقرابة قريب أو محبة حبيب وإنما العبرة بالإيمان فهو الذي يشد المؤمن إلى المؤمن حتى يكون أخا له في العقيدة يغمره بفيض مشاعره وكريم عواطفه حتى يحب له ما يحب لنفسه " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ". (1/11)
صفحة 12
…هذا ولئن كانت الآيات السابقة محذرة من موالاة جميع الكفار من غير تمييز لبعضهم عن بعض فثم آيات أخر حذرت من موالاة كفار أهل الكتاب خاصة ومنها قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الضالمين" وذلك لأن الله تعالى جعل العقيدة الحقة هي الفاصل بين المؤمنين وغيرهم أيا كان ذلك الغير، وقد أرسل رسوله وأنزل عليه الكتاب لرسم منهج الحق والتمييز بين حزبه وحزب الباطل ولم يرسله بنظريات تجيء في عالم المثال ولا يكون لها وجود في عالم الواقع، وإنما بعثه بمنهج متكامل يضم العقيدة والشريعة وينطوي على العبادة والعمل والأخلاق لتقوم حياة الأفراد والأسر والمجتمعات على أسس من الإيمان الثابت والشريعة العادلة والأخلاق الكريمة حتى تكون كل جزئية من جزئيات حياة المسلم مصطبغة بصبغة إيمانية " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون " وهذه هي حقيقة الإسلام فإن الإيمان والإسلام يجتمعان ولا يفترقان لأنهما وجهان لحقيقة واحدة فإن الإسلام هو الصورة الظاهرة للإيمان والإيمان هو الحقيقة الباطنة للإسلام، وقد دل القرآن الكريم أن الإسلام الحقيقي الذي هو مناط السلام وسبب الفوز والفلاح هو أن يسلم الإنسان حقيقته كلها لربه وذلك بإسلام الظاهر والباطن والروح والجسم والعقل والقلب والفكر والوجدان وهو ما دل عليه قوله تعالى " قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" وبهذا يباين الإسلام جميع مناهج البشر وتصوراتهم التي لم تنبثق منه ويفرض على أتباعه جميعا الاستقلال التام في العقيدة والفكر والسلوك والمنهج والقربات والعبادة والقول والعمل والسجايا والأخلاق وهذا يعني أن صفحة الحياة الإسلامية يجب أن تظل بيضاء (1/12)
صفحة 13
نقية لا يدنسها شيء من شوائب الفساد ولا يكدر صفوها ما يذهب ببهائها أو يؤثر على رونق جمالها.
…وقد جاء في سياق هذا التحذير ما يدل أن هذه الموالاة لا تنشأ إلا عن مرض نفساني يذهب بنور البصيرة وصفاء السريرة ويؤدي بحياة الضمير فقد قال تعالى " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين" ومن المعلوم أن تلك الموالاة الحمقاء التي تمليها التبعية العمياء في الأقوال والأعمال والسلوك والأخلاق تسري في دين من وقع فيها سريان النار في الهشيم حتى تحول نضرته وبهجته إلى رماد متطاير تذروه الرياح فلا يقع على شيء إلا أفسده لأنه سموم فتاكة وأوبئة مردئه تذهب بحياة العقل فلا يبقى له أثر عندما تغشاه غواشي الضلال .
…من أجل ذلك جاء في هذا السياق لتحذير من الارتداد لأن من تولاهم لا يقوى على الثبات في مواقف بعد أن بدأ في التقهقر بل يظل كلما عصفت به عاصفة من الهوى رجع إلى ورائه حتى يخرج من حظيرة الإيمان كأن لم يكن معدودا يوما من الأيام في زمرة المؤمنين وذلك ما يتجلى في قوله سبحانه ((ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذله على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم)) وما ذلك إلا لما تفضي إليه هذه الموالاة التي لا تصدر إلا ممن مرضت نفسه وتزلزل إيمانه من الاسترسال في هوى الذين والاهم فيتخلى في كل حين عن شيء من دينه إلى أن يتنصل من جميع الدين، كيف وقد عد من تولاهم واحدا منهم إذ لا يمكن أن يستمسك بحبل الإيمان والإسلام وهو يحرص على أن يستمسك بما يصله بهم حتى يناله منهم الرضى. (1/13)
صفحة 14
…على أن إيمان المؤمن يقتضيه أن يكون دائما في الصف الإسلامي غير متزلزل القدم لا يخرج عن جماعة المؤمنين التي هي أداة تنفيذ حكم الله في أرضه وتطبيقه منهجه في عباده وتمكين شريعته الواسعة التي تنظم العلاقات بين البشر وتحكم الصلات والروابط بين المؤمنين، وبهذا يتم ما وعدهم الله به من النصر والتمكين والاستخلاف في الأرض لتندحر أمامهم قوى الظلم والطغيان وتتهاوى بين أيديهم نظم الباطل والفساد وما كان هذا الحرمان من تبؤ أمة الإسلام في هذه العصور هذا المنصب العالي إلا ثمرة من ثمرات خلخلة صفهم بما أصاب أفرادهم من هذا الداء العضال فأخذوا يسارعون في هوى أعدائهم ويتساقطون في شراكهم ((وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)) إذ يتصورون -لانطماس بصائرهم- أنهم يرتقون بذلك درج المكارم ويعرجون إلى ذرى المعالي غير واعين أن هذه انتكاسة إلى الحضيض الأسفل حيث تتحطم جميع قواهم وتذهب البقية الباقية مما كان لهم من حياة. (1/14)
صفحة 15
…ومهما قيل في سبب نزول هذه الآيات فإن دلالتها على التحذير من مولاة القوم الكافرين لا يختلف فيها اثنان كيف ما كانت تلك الموالاة وبأي صورة بدت وعلى أي سبب انبنت فلا تتفاوت أحكامها باختلاف صورها أو تباين أسبابها، فالظاهر عنوان الباطن والعلانية ترجمة السريرة فما هذه التبعية العمياء إلا تجسيد لمشاعر الولاء وكشف عما تكنه النفس من الإعجاب بهم والانبهار بمنهجهم وما يعتمل بين جنباتها من الشعور بالضعف والإحساس بالهزيمة بين أيديهم وهو ما يأباه الإسلام على أتباعه ولذلك نجد فيما وصف الله به القوم الذين يحبهم ويحبونه الذين وعد بهم نصرة الإسلام بالجهاد والتضحية في سبيله أنه قال فيهم (( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين )) فإن ذلتهم على المؤمنين لا تعني إلا لين جانبهم واسلاس قيادهم لهم بخلاف حالهم مع الكافرين فهم أعزة عليهم لا تلين لهم قناتهم ولا ترق لهم صفاتهم فلا يجدون سبيلا للتأثير عليهم في المخبر ولا في المظهر لأنهم يصدرون عن أصل أصيل ويأوون إلى ركن وثيق فلا ينقادون إلا لأمر الله ولا يحتكمون إلا إلى شرعه ولا يزنزن إلا بموازينه فجميع أفكارهم وتصوراتهم وعباداتهم وعاداتهم وسماتهم وأخلاقهم إنما هي ترجمة لما نزل من الحق وما شرع من الدين وذلك ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – شديد الحرص على التزامه وهو ي}سس قواعد هذه الأمة ويشيد بنيانها عقيدة وفكرا وسلوكا ومنهجا ولذلك كثيرا ما يبني أوامره ونواهيه على مخالفة القوم الكافرين أو مخالفة اليهود والنصارى أو مخالفة المجوس أو مخالفة المشركين و كان بنفسه مثالا للحرص على هذه المخالفة ولو فيما كان له من قبل سنة متبعة ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه – قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إذا تبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد فعرض له حبر من ليهود فقال: إنا هكذا نضع يا محمد، فقال لنا رسول الله - صلى الله (1/15)
صفحة 16
عليه وسلم – "خلفوهم واجلسوا" وهو دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم – كان أخوف ما يكون على أمته أن يتأثروا بأولئك حتى في الأمر اليسير فإن اليسير يجلب الكثير والمظهر يسري إلى المخبر ومن هانت عليه العادات هانت عليه العبادات ومن لم يبال الأعمال لم يبال بالاعتقاد.
…والله سبحانه أخرج هذه الأمة لتكون خير أمة أخرجت للناس تقود ولا تنقاد وتؤثر ولا تتأثر وتعُز ولا تهون فلذلك فرض عليها أن تحصر ولاءها له ولرسوله وللمؤمنين إذ قال بعد الذي سبق (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وهذا وحده كونها أمة غالبة منصورة على عدوها ظاهرا أمرها نافذا حكمها تقول فيسمع العالم لقولها ويستجيب لندائها وتأمر فتأتمر الأمم بأمرها، لذلك أتبع الله ما تقدم بقوله (( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )) .
…ولعل الذين استمرأوا واستساغوا هذه التبعية نصبت إليهم هذه السفاسف وزين لهم تقليدها يجادلون في هذا زاعمين أنهم ليسو –بفعلهم هذا- موالين لهم وإنما ذلك راجع إلى تلاؤم بعض عادات أولئك مع طباعهم . (1/16)
صفحة 17
…الجواب على هذا الزعم أنه مما عهد في طباع النفوس وألف في تصرفات البشر أن تقليد الإنسان لغيره وسيره على خطواته لا ينشآن إلا عن إعجاب بشأنه، فإن تبعية الغير ما هي إلا انعكاس لحبه الذي يملك قلب من اتبع ويتحكم في فكره وإحساسه ويوجه حركته وأعماله حتى يكون كظله الذي لا ينفك عنه وتلك هي الكارثة التي تودي بالحياة وتقضي على ما تبقى من نخوة وشرف وكرامة فإنه من المألوف أن يسارع المحب في اتباع محبوبه حتى يؤثر هواه على هواه وتذوب شخصيته في شخصيته وتنعدم هويته في هويته فلا يفكر إلا بعقله ولا ينطق إلا بلسانه ولا يحس إلا بشعوره وإلا فليت شعري ما الذي يدفع المسلم – إن كان صادقا في إسلامه معتزا بإيمانه- إلى أن ينبذ وراء ظهره ما أمره به ربه تعالى وحضه عليه نبيه - صلى الله عليه وسلم – من التزام الصدق وتوقي الكذب حتى يقدم إلى فرية يختلقها عن عمد محاكاة للقوم الكافرين ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)) وماذا عسى أن يبقى لهذا المسلم من دينه وإيمانه وقد آثر تقليد عدوه على طاعة ربه مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم – كان يخالفهم ويأمر بمخالفتهم حتى فيما كان له سنة متبعة كالقيام عند وضع الميت في قبره ؟ فما بالك بالكذب وهو عش الرذائل وديدن الأنذال حرمته جميع الشرائع السماوية وعافته جميع الطبائع السوية فغدا أقبح ما يذم به الساقط من الناس كما هو ظاهر في أنفة كل من كان ذا ضمير حي أن يعزى إليه شيء من الكذب ولو كان من العوام المغمورين الذين لا شأن لهم بالعلم أو السياسة ولا يحسب لهم حساب في مجتمعهم فإن أحدهم تثور حفيظته وتضطرم غيرته إن دنس شرفه بنسبته إلى الكذب في أي موقف فلا يرى طهارة لشرفه من رجس ما ألصق به وعار ما عُزي إليه إلا إراقة النجيع الأحمر ولو عرض نفسه ومعشره لأدهى الدواهي واضطر إلى أن يتصدى لمن كان بيده الحول (1/17)
صفحة 18
والطول وقد تبوأ مكان السيادة و القيادة .
…هذا ولئن كان أولئك المغرورون بهذا المسلك الشائن في التقليد يرونه مظهرا من مظاهر الرقي وسمة من سمات المدنية فما هو في الحقيقة إلا دليل الانحطاط والضعف لأنه ناشئ عن هزيمة نفسية فمن شأن الضعيف أن يقلد القوي ومن سنة المهزوم الخانع الذليل أن يستأسر ويستسلم لمن عزه فأمسك بتلابيبه وشده من ناحيته وما كان سريان مثل هذه العادات إلى أمة الإسلام إلا نتيجة الانتكاسة التي رزئت بها حتى رضيت لنفسها أن تقف مواقف الخزي والعار وأن تبتغي العزة من مكامن الذل وأن تحسب الكرامة حيث الهوان على أنها عندما كانت مرفوعة الرأس شامخة الأنف عزيزة الجانب كانت هي التي تقود الأمم وتفرض عليها إرادتها فتتسارع الأمم إلى الاستجابة لداعيها وتعتز بأن ترتشف نفبة من كأسها وتستصبح بشعاع من سناها فكم سرى إلى غير المسلمين من أفكارهم وسلوكهم ما صار به ذلك الغير يباهي به بإعجاب واعتزاز وافتخار ومن أمثلة ذلك الحركة التي ظهرت في سبتمانبا –وهي مقاطعة قديمة في الجنوب الغربي لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط- وكانت تدعوا إلى التخلص من طقوس تأصلت في الديانة النصرانية أهمها التذلل والاعتراف بالذنب أمام القس فكانت تنادي بإسقاط هذا الحق عن القساوسة لأن الله هو وحده هو غافر الذنب وقابل التوب ولا دخل في ذلك لأحد من خلقه ولو كان نبيا مرسلا فضلا عن القسيسين وما كان سريان هذا الفكر المستنير إلى أولئك إلا من الإسلام دين الحق الداعي إلى عدم التعلق بغير الله تعالى وكان هذا في القرنين الثاني والثالث الهجريين أي في القرن الثامن الميلادي وفي ذلك القرن نفسه ظهر في النصارى مذهب يرفض تقديس الصور والتماثيل ويرد ذلك إلى الوثنية المتخلفة وقد سرت هذه الفكرة إلى القمة السياسية في الإمبراطورية الرومانية ففي عام 726 للميلاد أصدر الإمبراطور ليو الثالث قرار يحرم فيها تقديسها وبعد أربعة أعوام أصدر قرارا آخر يعد (1/18)
صفحة 19
الإتيان بذلك من الوثنية وعلى هذا درج قسطنطين الخامس وليو الرابع في حين كان البابا جريجوري الثاني والثالث وجرمانيوس بطريرك القسطنطينية والإمبراطورة إيريني من مؤيدي عبادة الصور وأدى ذلك إلى احتدام الصراع بين الفريقين ومما يؤكد تأثر النزعة الرافضة لعبادتها وتقديسها بالإسلام ما قيل بأن كلوديوس أسقف تورين الذي شن حربا على الصور والصلبان فحرقها وحرم عبادتها في أسقفيته ولد وترعرع في الأندلس عندما كانت مسلمة عربية فكان ذلك سببا لهذا التنور الفكري عنده كما يؤكد ذلك ما صرح به المؤرخ الأوربي الشهير جبون من أن تهكم المسلمين بالنصارى واستخفافهم بأحلامهم المستسيغة لمثل هذه الخرافات هو الذي أدى بهم إلى هذه الصحوة فاتخذوا هذا القرار على أن كثيرا من الكتاب يردون الفضل إلى الإسلام و تأثيره حتى في حركة لوثر الإصلاحية التي حولت جانبا كبيرا من أوربا عن المعتقدات الكهنوتية الغالية التي كبلتهم بأغلالها وحرمتهم من نعمة التفكير في حالهم ومآلهم فاسلموا قيادهم لمن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا طامعين في غفرانه مشفقين من حرمانه .
…وما كان هذا الأثر العميق للإسلام –في تلكم القارة التي كانت تعتبره خصما لدودا جاء ليستلب منها نفوذها ويحرر من سلطان شعوبها عاشت ردحا من الزمن تحت نير استعبادها ووطأة جبروتها- إلا عندما كان المسلمون لا يعتزون إلا بمكارم هذا الدين ولا يلهثون مسعورين إلى تلكم الدنايا التي تتساقط من مخازي أعدائهم فيرونها المغنم الذي لا يقدر بثمن والمظهر الذي يجلوهم في صورة مشرقة وضاءة حسب ما يبدو لهم. (1/19)
صفحة 20
…ولئن كانوا يخيل إليهم أنهم بمثل هذا يدخلون مضمار السبق مع العالم الغربي لينافسوه فيما وصل إليه من رقي وقوة وجبروت فإن عليهم أن يدركوا أن الغربيين لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من السيطرة على العالم وفرض إرادتهم عليه وإنفاذ سياستهم فيه بأمثال كذبة إبريل وغيرها من السقطات التي راقت لمرضى النفوس من هذه الأمة فأخذوا يقلدونهم فيها حتى صارت حياتهم صورة من حياتهم تفشت فيه الإباحية المخزية وسادتها الفنون الرخيصة، وإنما وصل الغربيون إلى ما وصلوا إليه بسببين:
…أولهما : تخلي المسلمين عن وظيفتهم التي خلقوا من أجلها وهي قيادة العالم بحكم القرآن وهدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام والنظر في سنن الله في هذا الكون والأخذ بأسباب الرقي والعز والنصر والتمكين بحيث لا يطلبون أمرا إلا بوسيلة ولا يسعون إليه إلا من سبيله، وبهذا التخلي من هؤلاء وجد أولئك الساحة خالية فملؤها والفرصة سانحة فاهتبلوها ولم يرجع المسلمون القهقرى حتى أصيبوا بهذه النكسة إلا بعد أن اتبعوا الأهواء وتفرقت بهم السبل وتحكمت فيهم الفتن فانحدروا بقدر ما ارتقى غيرهم وتخلفوا بقدر ما تقدم عدوهم وظلوا عظة للأمم وعبرة في التاريخ. (1/20)
صفحة 21
…ثانيها: أن الغربيين لم يدخروا وسعا في مسابقة الزمن تحصيلا للعلم وتنسيقا للجهد واستجماعا للخبرة فآخرهم يشيد على ما أسسه أولهم و لاحقهم يسير على خطى سابقهم في انتظام وانسجام وبحيث أن الفرد يتحرك في إطار المجتمع والمجتمع يعمل كأنه فرد في استجماع فكره وضبط خطواته وتنسيق رؤاه فلا يتشتت جهد ولا يضيع عمل تحكمهم جميعا وحدة الأهداف والغايات فلا يفرط أحدهم فيما أنجزه غيره وإنما جهودهم موزعة بينهم بضبط وإحكام وتجاربهم محصاة محكمة ودراساتهم مجموعة منسقة فتمكنوا بذلك كله من التغلغل في أعماق الطبيعة وتفجير طاقاتها واستخراج مكنوناتها وإحصاء خيراتها فغاصوا في أعماق البحر وطاروا في أبعاد الفضاء وسبروا أصول الكائنات فسخروا كل ما أمكنهم لتحقيق مرامهم وإنجاز مهامهم، وبهذا دفعوا مركبة الحضارة إلى الأمام متحكمين في سيرها ممتنين على من رضوا بحملة عليها، فهلا عنى أولئك المبهورون بهم بمنافستهم في هذا الجانب ومزاحمتهم في هذا الشوط بدلا من مزاحمتهم على الرذائل والسقطات ككذبة إبريل وما أخذوه منهم من صبغ الحياة بصبغة الفساد والانحلال، أو أنهم شقت عليهم معالي الأمور فاقتنعوا بسفاسفها وخيل إليهم أنهم بالحرص عليها بلغوا أوج الحضارة وامتطوا صهوة الأمجاد، أو أنهم ظنوا أن هذه السفاسف هي مدارج التقدم ومعارج الرقي فلا يوصل إلى درك تلكم الغايات النبيلة وتحقيق تلكم الطموحات الفائقة إلا من طريقها.
… لقد كان حريا بهم وهم ينتسبون إلى أمة القرآن أن لا يرضوا لأنفسهم الدون وألا يقنعوا إلا بالوصول إلى أسمى هدف وأبعد غاية فلو أنهم شمروا عن ساعد الجد وعرفوا كيف ينفذون إلى المسببات من أسبابها ويسعون إلى الغايات بوسائلها ويعرجون إلى المعالي بمراقيها لكانوا هم سادة الموقف وبناة الحضارة ورواد العلوم. (1/21)
صفحة 22
…إن المسلم –أيها الناس- لا يرض لنفسه أن يكون كالذباب الذي يسقط على العفونة والأقذار ويلتصق بالجيف المنتنة فينقل منها الأوبئة الفتاكة والسموم القاتلة وإنما يحرص على أن يكون كنحلة العسل تمتص من أطايب الأزهار وترعى من أحسن الثمار لتفرز شرابا هنيئا طيبا يجمع بين لذة الغذاء للأجسام ومنفعة الدواء للأسقام يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانها فيه شفاء للناس .
…على أنه مما يجب إلا يعزب عن البال أمران:
…أحدهما:إن أولئك الغربيين الذين جدوا فبغلوا حتى كانوا في هذا الأمر رادة وقادة إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه لأخذهم بوصية الإسلام التي أضعناها وعملهم بحكمته التي أهملناها ولكل مجتهد نصيب فقد نمنا وقاموا وقعدنا وساروا وتوانينا وأدلجوا ولا تستوي عزمتان أحدها ثائرة تنطلق كالصاروخ وتتفجر كالبركان وتصمد كشامخات الجبال وأخرى خائرة لا تكاد تتحرك حتى تسكن ولا تتقد حتى تخبو ولا تولد حتى تموت فلكل منهما مداها التي تنتهي إليه وأثرها الذي ينتهي إليها ولا تساوي همة من لا يعدو طموحه حيث موطئ قدميه بهمة من تسمو به عزيمته إلى حيث النجوم العوالي ولا من لا يتجاوز بصره حدود أجفانه بمن يسرحه في الآفاق المترامية فيدققه في الأبعاد ويمعنه في الدقائق.
بقدر الكد تعطى ما تروم ... ومن رام المنى ليلا يقوم
***
أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي
***
وما طلب المعالي بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا (1/22)
صفحة 23
…ولئن أرادت أمتنا المنافسة على هذه المعالي فالميدان فسيح وقصبات السبق تلوح على رأس المضمار ورب لاحق كان أسبق إلى الغاية وأسرع إلى درك المأمول ولكن ذلك موقوف على يقظة الهمم وتوقد العزائم وإحكام الخطط ووثوب الخطى لطي المسافات السحيقة كما طووها " وكل من سار على الدرب وصل" وقد أدرك دعاة الإصلاح ورادة النهضة في هذه الأمة هذا الذي نقوله منذ أمد بعيد فنادوا به ولكن الأمة تصاممت عن ندائهم وأخلدت إلى هواها فكانت هذه النكسة المردية، ولست أنسى ما قاله في هذا شيخ الصحافة الجزائرية العلامة أبو اليقضان إبراهيم بن موسى –حمه الله – " إن المسلمين لم يصبهم – يا قوم – ما أصابهم إلا بقدر إخلالهم بمبادئ الإسلام، والغربيين لم ينالوا ما نالوا إلا بقدر استصباحهم من شمس الإسلام، فلماذا لا نأخذ الإسلام كاملا فنسعد سعادة كاملة وننبذ الكفر جملة فننجوا من التعاسة كلها".
…ولربما ظن ظان أن مثل هذا الكلام غير صادر عن تعقل وروية وأن مصدره العاطفة الجياشة التي تدفع المسلم إلى أن يرد كل ما هو مستحسن إلى أثر الإسلام لذلك رأينا من الضرورة أن نعزز ما قلنا بشهادة بعض من اعترفوا بالفضل للإسلام في بناء الحضارة الحديثة من الأوربيين أنفسهم أو غيرهم فقد قال روبيت برينلت في كتابه الصناعة الإنسانية " ما من ناحية من نواحي تقدم أوربا إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير وآثار حاسمة لها تأثير كبير" يقول أيضا " لم تكن العلوم الطبيعية هي التي أعادت أوربا إلى الحياة ولكن الحضارة الإسلامية قد أثرت في حياة أوربا تأثيرات كبيرة ومتنوعة منذ أرسلت أشعتها الأولى إلى أوربا". (1/23)
صفحة 24
…ويقول الكاتب الهندي أن سي مهاتا " إن الإسلام قد حمل إلى الهند مشعلا من نور قد انجلت به الظلمات التي كانت تغشى الحياة الإنسانية في عصر مالت في المدنيات القديمة إلى الانحطاط والتدلي وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية، لقد كانت فتوح الإسلام في عالم الأفكار أوسع وأعظم منها في حقل السياسة شأنه في الأقطار الأخرى لقد كان من سوء الحظ أن ظل تأريخ الإسلام في هذا القطر -أي الهند- مرتبطا بالحكومة فبقيت حقيقة الإسلام في حجاب وبقيت هباته وأياديه الجميلة مختفية عن الأنظار " وثم شهادات أخرى لا يتسع لها المقام سجلتها أقلام منصفين في الشرق والغرب من غير المسلمين.
…ولئن كان الإسلام مصدر هذا الخير وأساس هذا التقدم أفليس المسلمون أحق أن يكونوا هم السابقين في هذا المضمار القابضين على زمام هذا الأمر المعتزين بهذه النعمة التي أسبغها الله عليهم المستمسكين بحبل هذا الدين من غير تفريط في أي شيء يعود إليه؟. (1/24)
صفحة 25
…ثانيهما: أن العالم الغربي مع زهوه بإنجازاته وتبجحه بمهاراته وتفاخره باكتشافاته ومخترعاته، أصبح عقلاؤه يجأرون معترفين بما حل بهم من خسارة وحاق بهم من بوار بسبب فقدانهم القيم الإنسانية وتحجر عواطفهم وإظلام فكرهم وخواء حضارتهم من القيم الروحية إذ أصبحت المادة هي معبودهم الفرد فلا يتنافسون إلا في سبيلها ولا يستجمعون هممهم إلا لأجلها ولا تطمع أبصارهم إلى غاية سواها وقد انطلقت صيحات التململ من هذا الواقع المرير والحال المخزية من حناجر قادتهم السياسيين وفلاسفتهم المفكرين منذرة بكارثة مردية وخطر ماحق لا مفر لهم منه ولو أوو إلى ركن وثيق من هذا التقدم الحضاري لأن تلك الحضارة عارية عن ثوب الفضيلة خالية من حسن الإيمان فلا تلبث أن تذبل نضارتها وأن يتلاشى رونقها عندما تلفحها حرارة الطبيعة وتهب عليها رياح الفطرة ومن ذلك ما قاله المستر أيدن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق في بعض خطبه التي ألقاها قبل نشوب الحرب العالمية الثانية "إن أهل الأرض كادوا يرجعون في أخريات هذا القرن إلى عهد الهمجية والوحشية يعيشون عيشة سكان الكهوف والمغارات ومن الغريب المضحك أن البلاد والدول تنفق الملايين من الجنيهات على وقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها ولكن لا تنفق على ضبطها، وإني أتعجب في بعض الأحيان وأقول كيف لو زار العالم الجديد زائر من كوكب آخر وهبط إلينا فما عسى أن يشاهده سيجدنا نعد العدة لإهلاك بعضنا، ونتبادل الأنباء عنها ويخبر بعضنا بعضا كيف نستعمل هذه الآلات الجهنمية". (1/25)
صفحة 26
…ويقول الأستاذ الدكتور جود أستاذ الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن في النصف الأول من القرن المنصرم " إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة ولكننا نستعملها بعقل الأطفال الوحوش" ويقول أيضا " إن هذا التفاوت بين فتوحنا العلمية المدهشة وطفولتنا الاجتماعية المخجلة نواجه عند كل منعطف ومنعرج نستطيع أن نتحدث من وراء القارات والبحار ونرسل الصور بالبرق وتصب اللاسلكية في منازلنا ونستمع في سيلان إلى دقات الساعة العظمى تضرب في لندن ونركب فوق الأرض والبحر وتحتها والأطفال يتحدثون على الأسلاك البرقية والآلات الكاتبة صامتة ونملأ الأسنان من غير إيجاع والزروع تنمى بالكهرباء والشوارع تفرش بالمطاط وأشعة روتنجن نوافذ نطل منها على داخل أبداننا والصور المتحركة تتكلم وتغني ويكشف عن المجرمين والمغتالين باللاسلكية والغواصات تذهب إلى القطب الشمالي والطائرات تطير إلى القطب الجنوبي، ومع ذلك لا نقدر في وسط مدننا الكبرى أن نخصص رحبة يلعب فيها أطفال الفقراء في راحة وسلام، ونتيجة ذلك أنا نقتل منهم ألفين ونجرح منهم تسعين ألفا سنويا، قال لي فيلسوف هندي في انتقاده اللاذع لإطرائي لعجائب حضارتنا وكان بعض سواق السيارات قد نجح في قطع ثلاثمائة أو أربعمائة ميل في ساعة على رمال ( Pendine ) وطارت طائرة من موسكو إلى نيويورك في فترة قليلة من الزمن قال الفيلسوف "نعم إنكم تقدرون أن تطيروا إلى الهواء كالطيور وتسبحوا في الماء كالسمك ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون على الأرض". (1/26)
صفحة 27
…ويقول جود منتقدا ما أدت إليه هذه الحضارة من دمار وفساد ماحقين نتيجة الجشع المادي وضراوة الإنسان الحضاري الذي فاقت ضراوة السبع الفتاك "قد استطعنا أن نسافر بسرعة زائدة من مكان إلى مكان ولكن الأمكنة التي نسافر إليها قلما تصلح للسفر وقد زويت الأرض للرحالين وتدانت الأمم ووطئ بعضها عتبة بعض ولكن كان نتيجة ذلك أن توترت العلاقات بينها وأصبحت أسوأ مما كانت، أما المرافق التي استطعنا بها أن نتعارف بجيراننا فقد عادت فحشرت العالم في الحرب، اخترعنا آلة الإذاعة ولكن كيف كان عاقبتها أن كل شعب يستنفد موارد الهوى لإيذاء الشعب المجاور ومعاكسته إذ يجتهد أن يقنعه بفضل نظامه السياسي على نظامه".
…ويقول أيضا "أنظر إلى الطائرة تحلق في السماء يخيل إليك أن صانعيها كانوا في علمهم ولباقتهم وصناعتهم فوق البشر والذين طاروا عليها أولا لاشك أنهم كانوا في علو همتهم وعزمهم وجرأتهم أبطالا مغاوير ولكن انظر الآن إلى المقاصد التي استعملت لها الطائرة وتستعمل لها في المستقبل إنما هي قذف القنابل وتمزيق جثث الإنسان وخنق الأحياء وإحراق الأجساد وإلقاء الغازات السامة وتقطيع المستضعفين
الذين لا عاصم لهم من هذا الشر إربا إربا وهذا إما مقاصد الحمقى أو الشياطين".
…ويقول كذلك " ما عسى أن يقول المؤرخ غدا كيف نستعمل معدن الذهب سيذكر أنا توصلنا إلى أن نخبر الذهب باللاسلكي وسيستعرض الصور التي تمثل اللباقة والمهارة التي كان أصحاب المصارف يزنون بها الذهب ويعدونه وكيف تحدينا قانون الجاذبية في نقله من عاصمة إلى عاصمة وسيسجل أن أشباه الوحوش الذين كانوا ماهرين وخبراء في فتوحهم الصناعية كانوا عاجزين عن التعاون الدولي الذي يقتضيه ضبط الذهب والتقسيم الصحيح وكانوا لا يعنون إلا أن يدفنوا المعادن بالسرعة الممكنة وكانوا يستخرجون الذهب والمعادن من بطون الأرض في جنوب أفريقية ويدفنونها في مصارف لندن ونيويورك وباريس". (1/27)
صفحة 28
…ويقول المستر لويد جورج بطل الحرب الكبرى ورئيس وزراء بريطانيا حينئذ " لو رجع سيدنا المسيح إلى العالم لما عاش إلا قليلا إنه سيرى الإنسان لا يزال بعد ألفي سنة مشغوفا بالشر والإفساد والقتل والفتك بين نوعه والنهب والإغارة بل إن أكبر حرب في التاريخ قد استغرقت دم جسم الإنسانية وأهلكت الحرث والنسل حتى أصابت الناس مجاعة وماذا يرى السيد المسيح يا ترى ؟ هل يرى الناس يتصافحون كالإخوان والأصدقاء ؟ لا بل يراهم يتهيأون لحرب أشد هولا من الأولى وأعظم فتكا وتعذيبا يراهم يتسابقون في اختراع الآلات الجهنمية ويبتدعون وسائل التعذيب".
…وهذا اعتراف من أحد أكبر صانعي الحرب العالمية بجريمة تلك الحرب وآثارها السلبية التي انعكست على جميع البشر وأولئك هم القادة والرادة في هذه الحضارة الحديثة وهذه شهادة أخرى من أحد مفكري الغرب وفلاسفته المشهورين وهو الدكتور زليكسي كاريل صاحب كتاب "الإنسان ذلك المجهول" وهو فرنسي المولد أمريكي المستقر يقول :"يظهر أن الحضارة العصرية لا تستطيع أن تنتج رجالا يملكون الابتكار والذكاء والجرأة وفي كل قطر تقريبا يرى الإنسان في الطبقة التي تباشر إدارة الأمور وتملك زمام البلاد انحطاط في الاستعداد الفكري والخلقي".
…"إننا نلاحظ أن الحضارة العصرية لم تحقق الآمال الكبيرة التي عقدتها بها الإنسانية وأنها أخفقت في تنشئة الرجال الذين يملكون الذكاء ولإقدام الذي يسير بالحضارة على الشارع الخطر الذي تتعثر عليه، إن الأفراد ولإنسانية لم تتقدم بتلك السرعة التي تقدمت بها المؤسسات التي نبعت من عقولها إنها هي نقائص القادة السياسيين الفكرية والخلقية وجهلهم الذي يعرض أمم العصر للخطر". (1/28)
صفحة 29
…ويقول أيضا إن الوسط الذي أنشأته العلوم الطبيعية وعلم الصناعات للإنسان لا يناسب للإنسان لأنه مرتجل لم يقم على تصميم وتفكير سابق ولم يراع فيه الانسجام مع شخصية الإنسان، إن هذا الوسط الذي هو وليد ذكائنا واختراعاتنا لا يطابق قاماتنا ولا أشكالنا، نحن غير مسرورين، نحن في انحطاط الأخلاق والعقول، إن الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجها هي أضعف مما كانت وهي تسير سيرا حثيثا إلى الهمجية ولكنها لا تدرك ذلك إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته العلوم الطبيعية حول هذه الأمم، الحق يقال أن حضارتنا – كالحضارات التي تقدمتها – قد فرضت شروطا للبقاء ستجعل – لأسباب لا تزال مجهولة- الحياة محالة، إن علمنا بالحياة وكيف يجب أن يعيش الإنسان متأخر جدا عن علمنا بالماديات وهذا التأخر هو الذي جنا علينا".
…ويقول أيضا " لا يجنى نفع من الزيادة في عدد المخترعات الآلية، لا فائدة في أن نعلق أهمية كبرى على اكتشاف علوم الطبيعة والفلكيات وعلم الكيمياء، أي خير في الزيادة في الراحة والشرف والجمال والمنظر وكماليات حضارتنا إذا منع ضعفنا من الانتفاع بذلك وتوجيهه إلى صالحنا، إنه لا خير في إحكام طريق للحياة يقضي فيه على العنصر الخلقي، ونبعد منه أشرف عناصر الأمم العظيمة، إن الأليق بنا أن نعنى بأنفسنا أكثر من أن نعنى بصناعة بواخر أسرع وسيارات أريح وراديوات أرخص وتلسكوبات لفحص هيكل سديم على بعد سحيق".
…ويقول كذلك " ما هو مدى التقدم الحقيقي الذي نحققه حينما تنقلنا أحدى الطائرات إلى أوربا أو إلى الصين في ساعات قلائل؟ هل من الضروري أن نزيد الإنتاج بلا توقف حتى يستطيع الإنسان أن يستهلك كميات أكثر فأكثر من أشياء لا جدوى منها؟ أليس هناك أي ظل من الشك في أن علوم الميكانيكا والطبيعة والكيمياء عاجزة عن إعطائنا الذكاء والنظام الأخلاقي والصحة التوازن العصبي والأمن والسلام". (1/29)
صفحة 30
…هكذا تتوالى الصيحات المدوية في وسط ذلك العالم الغارق في محيط الفساد الذي أذهبت لبه المادية المفرطة فتجرد من معاني الإنسانية وانقلب إلى وحشية ضارية وبهيمية منحطة، تتوالى تلكم الصيحات ممن أيقضهم هاجس الفطرة فانقدح فيهم شعاع من فكر وروية من أجل إنقاذ شيء من إنسانية ذلك العالم ولكن يأبى أن يستجيب لها الرأي العام فهي صيحات ضائعة في وسط ضجيج التيار المادي الذي ذهب بكل الفضائل والأخلاق الإنسانية، وقد أصبح أولو الفطنة والرأي اليوم يرنون بأبصارهم نحو الإسلام دين الله الحق لينقذ تلك الأمة من التردي في مهاوي الدمار الشامل الذي لا يبقي ولا يذر إذ كل ذي بصيرة يدرك أنه لا منقذ سواه لفشل جميع التجارب البشرية وهُوي جميع الأنظمة المادية فقد وجد من ينادي بذلك عندما هدأت الحرب الساخنة لتحل محلها الحرب الباردة وما أعقبها – بعد وضع أوزارها – من ميلاد النظام العالمي الجديد، ولو أخذنا نتتبع ما قيل في هذا من قبل الساسة والمفكرين وأساتذة الجامعات وغيرهم في بلاد الغرب لملأنا منه صفحات مجلدات، وإنما اقتصر على نقل بعض الصور من ذلك، ففي شهر ذي الحجة من عام ألف وأربعمائة وخمسة عشر هجرية حضر بمجمع أبي النور بدمشق مسلم أمريكي وهو فاروق عبد الحق الذي كان قبل إسلامه "روبرت كرين " وهو رجل ذو خبرة واسعة في الأوضاع السياسية وغيرها بالولايات المتحدة الأمريكية، فقد تقلد عدة مناصب من بينها أنه كان في عهد الرئيس نيكسون أكبر مستشاريه للسياسة الأمريكية الخارجية، وقد ألقى في المجمع المذكور محاضرة بعنوان "القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين" وقد تحدث فيها عن رؤية بعض الساسة والمفكرين الأمريكان للأوضاع التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية وهي تدل على منتهى التشاؤم من تردي الأخلاق هناك وفقدان القيم وانعدام التوازن وتكاد تتفق رؤى الجميع أن ما في الإسلام من قيم وفضائل كاف لملء هذا الفراغ الروحي والخواء الذي (1/30)
صفحة 31
يقلق العقلاء هناك ومن بين أولئك الرئيس نيكسون نفسه إذ كان مما تضمنته تلك المحاضرة قول المحاضر "مع نهاية الحرب الباردة يلح نيكسون أن نسأل أنفسنا ماذا نؤيد بالإضافة إلى القوة والازدهار القوميين، فالديمقراطية والرأسمالية هما مجرد أساليب فنية ما لم يوظفها الذين يسعون لها نحو هدف أسمى من أجل أنفسهم ومن أجل المجتمع ويعارض نيكسون أولئك الذين يرون الصدام الحتمي للحضارات فهو يؤكد قائلا :"عدونا اليوم في داخلنا" وما يهدد العالم فعلا كما ذكر نيكسون لزملائه الأمريكيين "هو أن بلدنا قد يكون غنيا بالبضائع ولكننا فقراء في الروح" فالتربية والتعليم الرديئان والجرائم المتزايدة والعنف المتصاعد والانقسامات العرقية النامية والفقر المستشري وآفة المخدرات والثقافة المنهارة في وسائل التسلية والانحدار في تأدية الواجب المدني والمسئولية وانتشار الفراغ الروحي ساهمت جميعا بفصل الأمريكيين وتغريبهم عن بلادهم ويصرح نكسون واضعا نصب عينيه أولئك القديسين من المسلمين والمسيحيين قائلا :"إن أزمتنا في القيم في الداخل مشفوعة بفقدان سياسة منسجمة في الخارج فقد خلقت للروح ليلا مظلما". (1/31)
صفحة 32
…وبعد أسطر ينتقل المحاضر الأمريكي إلى شخصية أمريكية بارزة لها دور كبير في بناء السياسة الأمريكية الحاضرة فيقول :"وهناك قائد بارز آخر يحمل نفس هذه الرسالة وهو زبينجيو بريجسكي والذي كان مستشار الرئيس كارتر لشئون الأمن القومي في البيت الأبيض وقد نال شهرته كمتنبئ بالتغير الحضاري حيث ألف كتابا قبل عشر سنوات يتنبأ فيه أن الشيوعية ستختفي قريبا كقوة في العالم وهو الآن يحذر أن نفس القدر قد يصيب التجربة الأمريكية الكبرى والتي بدأت قبل قرنين من الزمان وهذا المنظور الجديد عن العالم وعن أمريكا وعن الإسلام قد تطرقت إليه قبل سنتين وللمرة الأولى إحدى الصحف الأمريكية الواسعة الانتشار وأسمها(New perspectives Quarterly) وفي إصدار خاص لهذه الصحيفة قدم بريكنسكي ما يسمى بـ "عقيدة بريجنسكي" والتي تؤمن "بأن المجتمع المنغمس في الشهوات لا يستطيع أن يسن قانونا أخلاقيا للعالم وأن أي حضارة لا تستطيع أن تقدم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى".
…وأن المحرر لهذه الصحيفة "ناثان جارولز" قدم لهذا الإصدار الخاص بمقال افتتاحي تحت عنوان "روح النظام العالمي" يوحي فيه أن روح الإسلام قد تصبح قريبا روح القرن الواحد والعشرين وقد تكون العلاج الوحيد للمشاكل المستعصية والتي سببتها علمانية الحضارة الغربية وكتب قائلا :"وربما ساعد الصدام مع الدين الإسلامي على إيجاد عصر ما بعد العلم في الغرب والذي يفسح المجال ثانية للوجود الروحي بعد ما حذف من القائمة وربما أدى الانهماك بسبب السعي المجنون وراء مستقبل أجوف إلى نظرة فورية ثانية إلى قيم الإسلام في التوازن والاعتدال والتبصر". (1/32)
صفحة 33
…هذا وقد ألقى محاضرة أخرى في المجمع المذكور وفي نفس العام أمريكي مسلم آخر وهو الأستاذ الدكتور محمد أسعد الذي كان قبل إسلامه "مايكل بيردان" وهو أستاذ مادة التاريخ في جامعة أريزونا الأمريكية وكانت محاضرته أخرى تصب في نفس هذا المصب ومما جاء فيها قوله :"أمريكيا تحتاج إلى الإسلام والإسلام هو الطريق الوحيد أمام أمريكيا لتخرج من مشاكلها ومتاعبها التي تواجهها في صميمها كانعدام القيم وعدم الإيمان بالله، والإسلام كما أعتقد هو الحل لجميع مشاكل العالم أيضا وليس لأمريكا فقط".
…هذا هو الغرب وهذه حضارته في أعين أبنائه الذين خبروا حضارته وحلبوا أشطريها، لا ترنوا أبصار عقلائهم إلا إلى الإسلام لإنقاذ هذه الحضارة وأهلها من هذا الطوفان الذي جرف بالأخلاق ومحا آثار القيم، فهل يجدر مع هذا بأمة الإسلام أن يقلدوا الغربيين في سقطات أقوالهم وقبائح أعمالهم ؟ أو أن الجدير بها أن تحرص على تتبع فضائل الإسلام والتحلي بها حتى تكون قادرة على التأثير في ذلك العالم والأخذ بزمامه إلى ما يعود بالإنسانية جمعاء إلى الخير والسلام والهداية والصلاح؟ وهل يمكن لأمة الإسلام أن تكون قادرة على التأثير إلا عندما تكون قائمة في جميع شئون حياتها على أسس إيمانها وهداها مستبصرة بالقرآن متمسكة بهدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام مع عدم تفريطها في الوسائل والأسباب وشد العزيمة لاستدراك ما فاتها حتى تندفع إلى مكان الصدارة والقيادة بين الأمم وهي تلوح في وسط هذا الظلام الدامس بمشاعل من نور القرآن لتستهدي الإنسانية الحائرة وتعود إلى فطرتها الزكية؟.
…ولا ريب أنها إن فعلت ذلك جسدت حقيقة الإسلام الذي يجمع بين الروح والمادة وينسق ما بين مطالب الدنيا والعمل للدار الآخرة ويبني مدنيته على أسس من الفضائل ودعائم من الأخلاق حتى تبسق دوحتها فتظل العلم بظلها الوارف فيجنى منها طيبات ثمارها وينتعش بشميم من شذى نفحات أزهارها. (1/33)
صفحة 34
…هذا وبينما كان اليراع يسطر هذه الكلمات وهو بين استرسال وإبطاء وقد أرخيت عنانه أتى على هذا المنعطف إذ به يصادف معلومة تكشف أصول ما يسمى بكذبة إبريل بثتها شبكة المعلومات العالمية في الموقع المسمى "إسلام أون لاين" خلاصتها أن المسلمين عندما كانوا يحكمون الأندلس وكان بجوارهم النصارى وقد شق عليهم أن تكون للمسلمين مملكة في القارة الأوربية وقد استعصت عليهم حصاتهم أن يفتتوها فلم يرو سبيلا إلا أن يغروهم بالشهوات وإتباع الهوى والتخلي عن الفضائل والأخلاق فبدأوا بشبابهم يغزونه بالخمر التي هي جماع الإثم ومنشأ فقدان العقل واختلال التفكير إذ صاروا يهدون شباب المسلمين من الخمور ما كان يجري أنهارا فلانت إرادتهم وتشتت عزيمتهم واندفعوا وراء الشهوات يلهثون بغير روية ولا عقل يتهالكون عليها كما يقع الفراش على لهيب النار فلم تعد لهم هيبة في نفوس أولئك فما كان منهم إلا أن قلبوا لهم ظهر المجن وشنوا عليهم حروبا دامية اجتاحت معاقلهم إذ أخذت تتهاوى في أيدي النصارى معقلا بعد آخر وكان آخر معقل يسقط في أيديهم هو غرناطة التي اجتاحوها في أول يوم من إبريل ولما تحقق لأولئك من هدف كان بعيد المرمى في ذلك اليوم أخذوا يحتفلون فيه بفكاهة يلقيها بعضهم على بعض فيها تندر واستخفاف بأولئك المسلمين الذين ديست بيضتهم وسلبت كرامتهم وفقدوا عزتهم وقد بدأت هذه العادة عند الأسبان الكاثوليكيين ثم انتشرت في الطوائف الأخرى وكانت تدعى أولا "خدعة إبريل" رمزا إلى ما خدعوا به المسلمين حتى تمكنوا من إبادتهم وإجلائهم في تلك القارة، فهل وعى هؤلاء الحمقى الذين يسارعون إلى ابتكار الأكاذيب في ذلك اليوم لأجل التندر والفكاهة أنهم بذلك إنما يحتفلون بإضاعة الأمجاد وهدم مملكة وتقويض عز شامخ كان أسلافهم يفاخرون به وقد ألبسوا بعده ثوب الذل والمهانة وصاروا عبرة في التاريخ ؟ "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم". (1/34)
صفحة 35
…هذا وما أشبه الليلة بالبارحة فإن أمة الإسلام يخطط لها اليوم من المكائد من ورثة الأحقاد والبغضاء ممن كاد لها سابقا ما هو أنكى وأمر، ألا ترون كيف تجرد اليوم من عزها وتذاق من كئوس الذل أمرها وتجرع من المصائب أغصها إذ يحاكمها خصمها بجريرة هو مرتكبها دونها ويحاسبها على ما أباحه لنفسه وحرمه عليها ويلبسها من التهم ما لم تكن منه في قبيل ولا دبير ويجرد من نفسه حاكما وشاهدا عليها فيدينها بما لم تأته ويؤاخذها بما لم ترتكب وهي لا تملك من الأمر شيئا إلا أن تبالغ في الخنوع وتفرط في الانقياد وتركع وتسجد لمن لا يزيدها ركوعها وسجودها له إلا تآمرا عليها وتعديا على حرماتها واستلابا لحقوقها ومع ذلك تعقد آمال نجاحها وأماني انتعاشها ونهوضها من عثرتها على التبعية العمياء والتقليد في الرذائل والسقطات لتمعن إذابة شخصيتها وإعدام هويتها ولسان حالها يعرب عن مكنون ضميرها تجاه خصمها الألد مناديا:
وقضيت نحبا في جنابك خدمة ... لأكون مندوبا قضى مفروضا (1/35)
صفحة 36
…هذا ولئن استبان لمن كان له قلب أن ما يسمى بكذبة إبريل لا يسوغ شرعا ولا عقلا لمسلم أن يأتي به لحرمة الكذب في كل الشرائع وقبحة في جميع الطبائع بجانب ما فيها من انحراف المسلم وراء عادات الآخرين –وذلك مما يسرع في دينه- فإن هنالك سببا آخر لمضاعفة وزرها وهول فحشها وهو ما تسببه من إزعاج الناس وترويعهم بغير حق وكفى به إثما مبينا فقد أخرج الإمام الربيع من طريق جابر–رحمه الله- إرسالا أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال " من روع مسلما روعه الله يوم القيامة " وكم تؤدي هذه الكذبة الي الترويع والإزعاج إلى حد أن تكون سببا لتلف الأنفس؟ فقد يفاجأ المكذوب عليه بما يذهب بلبه عندما يقال له بأن حادثا الم بحميمه فمات فلربما خرج يقود مركبته بدون وعي فيمنى بصدمة تقضي على حياته، وربما زاد الأمر خطورة عندما يكون أيضا سببا لأهلاك أصحاب المركبة التي يرتطم بها، ألا يعد ذلك كله من جرائر الكذب الذي جنى بإفكه على هؤلاء جميعا؟ وقس على ذلك ما أشبهه وكفى بهذه الحادثة المذكورة في السؤال، فإن الكاذبة فسرت رؤيا أختها بما يروق لها لتكون ممعنة في مشاركة الكذابين في ذلك اليوم بجانب ما استجمعته من أوزار هذه الكذبة لم تبال أن تفتري على الله ما لم ينزل به سلطانا إذ أقدمت على تأويل رؤيا بغير علم بل بما تعلم أنها لا تدل عليه مع أن القول في الرؤيا بغير علم عظيم الوزر ولو ظن القائل أنه وافق الصواب بل ولو وافقه فعلا كما يدل على ذلك ما أخرجه الربيع عن أبي عبيده عن جابر بن زيد –رحمهم الله- أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال "من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق" وذلك لأنه مما يدخل في التقول على بغير علم وما هو إلا من أمر الشيطان فإن الله يقول فيه((أنما يأمركم بالفحشاء والمنكر وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) وقرنه سبحانه بالشرك في قوله ((قل إنما حرم (1/36)
صفحة 37
ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) وإنما كان تفسير الرؤيا كالإفتاء لأن في كل منهما اجتراء على الله سبحانه إن كان بغير علم فإن الإفتاء إخبار بحكم الله فيما يحتاج إليه العباد حتى يكونوا على بينة من الفعل أو الترك وتفسير الرؤيا إنباء عن أمر الله فإن الرؤيا جزء من الوحي كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ففي المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب –رحمه الله- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه – عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال"الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" رواه مالك والشيخان من طريق أنس أيضا ورواه مالك والشيخان أيضا بلفظ "الرؤيا الحسنة جزء من ستة وأربين جزءا من النبوة " رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي بمعناه من طريق أبي هريرة، ورواه الترمذي والطبراني من طريق أبي رزين العقيلي بلفظ "رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة" وفي رواية لأبي داود من طريقه بلفظ "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" وجاء بهذا اللفظ من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا عند مالك والبخاري ومن حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أيضا عند الشيخين والترمذي وأبي داود وفي رواية لمسلم من طريق ابن عمر –-رضي الله عنهما – "الرؤيا الصالحة جزءا من سبعين جزءا من النبوة" وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعا ورواه الطبراني من وجه آخر عنه مرفوعا وفي رواية لمسلم من طريق أبي هريرة -رضي الله عنه – "جزء من خمسة وأربعين جزءا" واخرج أحمد من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ "جزء من تسعة وأربعين" وروى الربيع –رحمه الله- من طريق أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم – كان إذا انصرف من صلاة الغداة قال: هل رأى أحدكم منكم الليلة رؤيا (1/37)
صفحة 38
ويقول إنه ليس يبقى من بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة" وأخرج البخاري من طريقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال "لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة" وجاء عند مالك وأبي داود من طريقه أيضا بلفظه عند الربيع، ورواه بمعناه الترمذي من حديث أنس.
…وبما أن الرؤيا جزء من الوحي كان ادعاؤها ممن لم تكن له من باب افتراء الكذب على الله فلذلك شدد في وعيده، فقد روى الترمذي عن علي –كرم الله وجه- مرفوعا "من كذب في حلمه كُلَّف يوم القيامة عقد شعيره" وسكت عنه الترمذي وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، ولكنه يعتضد بما رواه البخاري من طريق ابن عمر مرفوعا "من أفرى الفرى أن يرى الرجل عينيه مالم ترياه " وما أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود من طريق ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: من تكلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل" الحديث، ورواه البخاري أيضا من طريق أبي هريرة.
… وهذا كله يدل على قبح ما أقدمت عليه هذه الجاهلة الرعناء التي افترت على الله الكذب بتأويل رؤيا أختها بما لا برهان لها عليه مع ما فيه من إزعاج الرائي وإثارة الخوف البالغ في نفسها وهي تضن أنها بذلك تحسن صنعا لما حبب إليها من تقليد الكفرة في سيء عاداتهم وسوء أعمالهم. (1/38)
صفحة 39
…أما أولئك الذين استباحوا هذه الكذبة لما فيها من الإبداع في النكتة والترويح عن النفوس – حسب ما يزعمون – فإن ذلك منهم لا ينبئ إلا عن داء دفين في نفوسهم وهو الإعجاب بالقوم الذين كفروا وما يصدر عنهم من قبائح الأعمال وسوء الأخلاق، وقد أنساهم هذا الإعجاب حكم الله عز وجل في الكذب وفي موالاة الذين كفروا الذي يتجلى في تقليدهم الأعمى، فقد ألقوا وراء ظهورهم بكتاب الله تعالى الذي تضمن ذلك "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى" ولست آمن على هؤلاء أن يكونوا في حكم المرتدين باستحلالهم ما ثبتت حرمته بالنص القطعي والإجماع القطعي، وقد علم أن استباحة محارم الله تعالى من غير تأويل تدفع بصاحبها إلى مهاوي الارتداد والعياذ بالله، وإنما يدرأ عنه حكم الردة إن تأول لضلاله شيئا من الأدلة الشرعية إن استمسك بظاهره وإن كان في حقيقته لا يدل على ما ذهب إليه من الباطل ؛ كما تأولت الخوارج المارقة قوله تعالى فيمن استحل الميتة "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " حيث حملوا طاعتهم لهم على أنها في أكلها مع أنها في الآية في استحلالها، فاستظهروا من ذلك ما ذهبوا إليه من الحكم على مرتكبي الكبائر بأحكام المشركين، فاستباحوا دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولئن كان هؤلاء درئ عنهم حكم الارتداد من أجل تمسكهم بهذا الدليل وإن كان لا يدل على ما ذهبوا إليه شكلا ولا مضمونا، فليت شعري بأي دليل شرعي يستمسك من أحل كذبة إبريل فأقدم عليها إقدامه على الأمر المباح شرعا بجانب الأدلة النصية القطعية الدالة على حرمة الكذب مطلقا والأدلة الأخرى الدالة على أن هذه الكذبة أشد في الحرمة بسبب ملابساتها كما ذكرنا حتى يدرأ عنه زعم ذلك حكم الارتداد، أو أنه يقال بأن التمسك بالإعجاب بمساوئ القوم الذين كفروا كاف لأن يكون في حكم التمسك بالدليل الشرعي وإن كان (1/39)
صفحة 40
بتأويل فاسد ؟ أوليس هذا الإعجاب البالغ بأعداء الحق والدين الذي استولى على مجامع قلوب هؤلاء وسيطر على مشاعرهم حتى سد عليهم منافذ الفكر فغدوا لا يفكرون إلا بعقول من أعجبوا بهم، ولا يقيسون إلا بمقاييسهم هو نفسه يزيدهم عن الحق بعدا وفي الباطل ارتكاسا ويضاعف وزرهم ويعمق ضلالتهم.
…هذا مع أن أصحاب هذه العادة هم بأنفسهم بدأوا يكتشفون قبحها ويحاولون التخلص منها والارتقاء بأنفسهم عن نذالتها، فقد قامت في فرنسا منذ أربع سنوات جماعة أطلقت على نفسها اسم "الفاكهية التائبية" وعدت هذه العادة مخدرا، واعتبرت أصحابها مرضى، وأنها لا تؤدي إلا إلى المصائب، فلذلك وقعت هذه الجماعة على ميثاق بأن لا تعود إليها، وكانوا في أول الأمر مائة شخص، ثم أخذوا يتكاثرون حتى وقع على هذا الميثاق في هذا العام نحو ستمائة عضو جديد، أفادت ذلك جريدة الوطن العمانية في عددها [ 7198] الصادر في يوم الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ / إبريل 2003م، فأين أولئك الذين يسارعون إلى الفوز بالجائزة الكبرى من لعنة الله وسخطه بمباراتهم في اختراع أسوأ الأكاذيب في ذلك اليوم، أما يكفيهم عارا وخزيا أن أئمتهم الذين ائتموا بهم هم أنفسهم بدأت عقولهم تصحوا وتردهم الفطرة إلى جادة الصواب في هذه القضية، ألا قاتل الله الجهل والحماقة ومذلة النفس وهوانها.
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
…نسأل الله تعالى العفو والعافية والسلامة في الدنيا والآخرة والتوفيق لما يحبه ويرضاه في الأقوال والأعمال.
…وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
…أحمد بن حمد الخليلي
…20 ربيع الأول 1424هـ (1/40)