صفحة 1
الكتاب: كيف نستشرف عاما هجريا جديدا؟ لعبد الله القنوبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
كيف نستشرف عام هجريا جديدا ؟
للشيخ عبدالله بن سعيد القنوبي - حفظه الله تعالى –
ألقاها في ولاية السويق جامع البطحاء جنوب ليلة السبت 28/12/1423هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ، نحمده سبحانه وتعالى هو أهل الفضل والثناء له الحمد في الأولى والآخرة وهو على كل شئ قدير سبحانه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي )) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ )) {الإخلاص/3-4 } (( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )) {الإسراء/44} جعل في مرور الأيام وانقضاء السنوات عبرة لأولى الألباب ، ونشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا وإمامنا محمدا بن عبد الله ، أرسله الله تعالى على فترة من الرسل وانقطاع من الأمم فقام بالحجة وأبلغ المحجة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وجاهد في الله حق جهاده ، اللهم صلى وسلم عليه صلاة وسلاما دائمين لا ينقطعان وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة وعلى آله وأزواجه وأصحابه وأتباعه وعلى من سار على دربه من أهل الهدى والتقى إلى يوم الدين أما بعد ،،،، (1/1)
صفحة 2
أيها الأخوة المؤمنون نحيكم جميعا بتحية الإسلام المباركة فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وما أسعد أن نلتقى هذا اللقاء المبارك في هذا الصرح العظيم لننتهز هذه الفرصة لكي نذكر شيئا يذكرنا بربنا وخالقنا وما يفعنا في أولانا وأخرانا ، إن هذه الأعوام وهذه الأعمار نعمة من نعم الله تبارك وتعالى على البشر ولا يقدر النعمة إلا من عرفها قدرها ، ولذلك فإن الرب جل وعلا الذي خلق هذا العمر وأوجد هذا العالم هو الذي قدر هذا العمر خير تقدير ، فقد أقسم به كما تعلمون في كثير من الآيات كما أقسم بالعصر والضحى والليل وغير ذلك والمقسم عليه يكون معظما لأن الله تعالى لا يقسم على شئ إلا إذا أراد أن يلفت انتباه العباد إليه ، وكذلك يكونون في غفلة عنه فينبههم إلى أهميته. (1/2)
صفحة 3
وبما أن العمر هو مضمار التسابق إلى العمل الصالح فجدير بالعبد أن يعرف قيمة هذا الزمن ، ولم يكن هذا الزمان بدعا من الأمر فقد عاشه أفضل الناس وعاشه أشر الناس ، فقد عاشه أفضل الناس وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون وأفضلهم محمدا صلى الله عليه وسلم كما عاشه أهل الضلال والشر والفسوق والفجور كفرعون وهامان وقارون ، أما الأولون فإن الله تعالى قد رفع ذكرهم وأعلى شأنهم وخلد آثارهم فقال: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )) {الأنعام/90 } وقال عن الصنف الثاني الذين هم شرار الخلق: (( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ )) {القصص/42 } ، فإذن الله سبحانه وتعالى يسطر هذا العمر تستطيرا إما لك وإما عليك ، وليس السعيد من طال عمره وإنما السعيد هو الذي لا تمر عليه لحظة من لحظاته إلا وهو في ميزان حسناته ، وإلا فإن العمر لو طال وهو على ظهرك وزر ما كان إلا بلاء وشقاء وثقلا تحس بغصصه يوم أن تقف بين يدي الله تبارك وتعالى. (1/3)
صفحة 4
كم رأينا من المصلحين والنابهين بل والأنبياء عليهم السلام كانت بعض أعمارهم قصيرة ولكنهم استطاعوا أن يفعلوا وأن يفعلوا وأن يصلحوا وأن يثمروا وأن يعمروا وأن يبنوا وأن يقدموا الخير للناس ، وكم من إنسان عاش كثيرا وخلد كثيرا ولكنه ملىء الأرض شرا وزاده الله شرا ، وهل يوجد إنسان خلد كما خلد إبليس الذي طلب من الله تعالى أن ينظره إلى يوم يبعثون ، وكان اللعين يريد أن يتخلص من غصص الموت يريد أن يمهله إلى يوم البعث لأن يوم البعث لا موت فيه فقال له الله لست أنت الذي تحدد الزمان نحن نحدد الزمان " إنك من المنظرين إلي يوم الوقت المعلوم" نحن نحدد الوقت المعلوم الذي تمكث فيه فمكث هذا الزمان الطويل وهو ماكث إلى إن يشاء الله تعالى بانتشار هذه الحياة ولكن أبى إلا أن يحمل هدفا مسموما مريضا لينشر الشر في البشر ولكي يفرق المجتمعات ويمزق الأواصر ، وهكذا فالعبرة إذن بالعمل الصالح في هذا الزمان.
وكذالك أخوتي الإيمان أعمارنا تمر ولا يمكن لأحد أن يقول بأنني سأوقف هذا الزمان لكي أحاسب نفسي محاسبة ، الزمان سيمر وهو يمر ومستمر حاسبت نفسك أو لم تحاسب ، عملت أم لم تعمل اجتهدت أو لم تجتهد فما عليك إلا أن تستغل ما بقي حتى تكفر عن ما مضى وأن تستغل العمر الباقي في الأعمال الصالحة
أيها الأخوة الكرام كيف نستشرف عام جديدا ؟ (1/4)
صفحة 5
هذه الأمة الإسلامية مرت عليها حقب من الزمان مرت يها أصفى الحقب عندما لا يوجد على ظهرها مشرك وإنما ملئت بالخير والفضل والإحسان والإيمان فإن الله تعالى أنزل أدم عليه السلام إلى الأرض ومعه زوجه حواء وكانا بمفرديهما صالحين مصلحين ،ثم جاء أبنائهما ليعلمنا الله سبحانه وتعالى بأن الشر لا ينتظر فترة حتى ينقطع المصلح وتنتهي الرسالة وإنما يقع الشر حتى في وجود النبي أو وجود الرسول، فعصى أحد ولدي أدم بأن قتل أخاه فكان أعظم جريمة ، القتل جريمة بشعة خطيرة ورغم ذلك وقعت عند أول نبي وعند أول أحداث التاريخ على وجه هذه الأرض وخلد الله ذكرها في كتابه الكريم ، ثم يمضي أدم عليه السلام وتكون هناك إنقطاعه ويضل الناس بعد ذلك إلى أن يبعث الله نوح عليه السلام لكي يجدد ميثاق النبوة ولكي يغسل هذا الدرن الذي لحق برسالة آدم عليه السلام ثم بعد ذلك مكث معمرا هذا هو العمر الصالح الذي يكون في ميزان الإنسان: (( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا )) {العنكبوت/14 } تسعمائة وخمسون سنة وهو في صلاح ، وقد قال بعض المفسرين بأن هذا العمر ما هو إلا عمر الدعوة فقط غير العمر السابق الذي مكثه فإذن عمره كان طويلا ولكنه كان عمرا صالحا مليئا بالخيرات والبركات والدعوة لقومه والنصح والإرشاد إليهم إلى سواء السبيل ، ورغم ذلك ما آمن معه إلا قليل ، يقول المفسرون هؤلاء القلة لا يتجاوزن أثنى عشرا رجلا أو ثماينة رجال (رجالا ونساء) ، تسعمائة وخمسون عاما وهو يدعو إلى الله ويؤمن له هذا العدد القليل هذا مما يدلنا على أن الدعوة أمانة والداعية إلى الله سبحانه وتعالى لا يعمل ليهدي الناس ولكنه يعمل لينفذ أمر الله أولا ، ثانيا ليكسب الأجر ، ثالثا لكي يصلح في هذه الأرض ، أما فتح القلوب المستعصية وهداية الناس فهذا لم يوكله الله تعالى لبشر ولو كان محمدا صلى الله عليه وسلم قال: (( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ (1/5)
صفحة 6
يَهْدِي مَن يَشَاء )) {البقرة/272 } فالهداية بيد الله ، وإذا فهم الداعية من أن رسالته هداية الناس فإنه سيقف عاجزا ، لكن أعمل ، وإياك أن تكسل أو أن تخمل أو أن تتراجع أو أن تتزحزح تكرارا ومرارا ، فإن الله سبحانه وتعالى إن لم ييسر لك هداية ذلك الإنسان فيكون عملك في ميزان حسناتك " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من حمر النعم" (1/6)
صفحة 7
ثم تتوالى الرسالات إلى مجيى عيسى عليه السلام الذي جاء بالإنجيل وبشر بمحمد صلى الله عليه وسلم (( وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد )) {البقرة/272 } هو محمد صلى الله عليه وسلم هو محمد وأحمد والحاشر والماحي والشافع هكذا بين صلى الله عليه وسلم في حديث له ، فهو أحمد كما ذكره القرآن ، وهو محمد كما سماه عمه عندما سُئل قال: " لأني أريده أن يكون محمودا في الأرض وفي السماء " وهو العاقل الذي لا نبي بعده ، وخاتم النبيين أي لا معقب يأتي عقبه ، وهو الحاشر الذي يحشر يوم القيامة وأول مخلوق تنشق عنه الأرض ، وهو الشافع المشفع بيده اللواء المعقود وعنده الحوض المورود من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، بشّر عيسى عليه السلام به ، وعيسى عليه السلام الذي جاء بدعوة الحق إلى الله سبحانه وتعالى إنما يحمل هذه الرسالة لكي يمهد لهذا النبي الكريم ولم يزعم أحد من الأنبياء بأنه مفوض من قبل الله سبحانه وتعالى حتى يمنح الناس صكوك غفران يوقع لهم على بطاقات شفاعة إنما شفاعتك بعملك الصالح ولذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم خطابه لأقرب الناس إليه فاطمة إبنته وصفيه عمته فقال: يا فاطمة إبنت محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا نفسيكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم" ماذا يغني النسب ؟ ماذا يغني الجاه ؟ إنما ذلك العمل الصالح يرفعك أو يخفضك يرفعك إلى الدرجات العلى أو ينزلك إلى أسفل سافلين ، عيسى عليه السلام عندما زعم الناس بأنه إله من دون الله نفي ذلك عن نفسه وقد ذكر الله تعالى ذلك على لسانه عندما يسأله يوم القيامة: (( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ (1/7)
صفحة 8
مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) {المائدة/116-118 } إن تعذبهم فإنك القادر وإنك الحكم وأن تغفر لهم لم يقل فإنك أنت الغفور الرحيم وإنما قال : (( فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) هذا فيه دلالة على أن غفران الذنوب تكون عن مقدرة وليست عن ضعف ولذلك فلا يقدر على المغفرة إلا القادر أما الضعيف فأنه لا يستطيع أن يمنح ذلك الإنسان عفوا الإنسان لو أتاه من ظلمه ثم استطعت أن تسيطر عليه وأن تنتقم منه ثم عفوت كنت كريما وسيدا حليما لكن لو كنت ضعيفا ومن ظلمك كان قويا هل تستطيع أن تأتي إليه لتقول له قد عفوت عنك إنما ذلك العفو ما هو إلا مجرد ضعف وخور لأنك لا تملك ذلك العفو فالله عز وجل إنما يعفو وهو مقتدر وليس بضعيف. (1/8)
صفحة 9
ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم هذه الرسالات ولكي ينسخها إلا ما بقي منها ولكي تكون تلك الرسالة مهيمنة على ما بين يديها وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث من أعلى الناس رتبة في المنازل الدنيوية لم يبعث من الأغنياء ولم يبعث من كبراء هذه الدنيا ولم يبعث من جنس معين ، نعم شرفه الله تعالى بالعربية وشرف نسله بأنه نسل طاهر ، وشرفه من ناحية أنه بعث في مجتمع طاهر أيضا ، ولكنه صلى الله عليه وسلم ولد وحوله كثير من الظروف التي تفرض عليه الضعف فإنه ولد يتيما وولد فقيرا وولد في مجتمع يعبد الوثن ويحمل كثيرا من الفتن ولكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أمرا كان ولو كره الناس أجمعون فإن الله سبحانه وتعالى قد أراد أن يكون هذا النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا خاتما مبشرا ونذيرا وأن تكون دعوته خالدة ما بقي الليل والنهار. (1/9)
صفحة 10
أيها الاخوة ليس حديثنا في هذه الليلة عن الهجرة وأحداثها فإن الهجرة وأحداثها قد سمعتموها مرارا وتكرارا ولها جلسات ومواقف لا يمكن عدها ولا حصرها ، ولكننا في هذه اللحظات نحاول أن نتحسس بعض أمراضنا التي حلت بأمتنا لكي نستطيع أن نعالجها فيما بقي من أعمارنا وفيما يقدم علينا من سنوات جديدة فإن المسلمين الآن وفي هذه الأزمان لا يتلقون صفعة إلا وتأتيهم الصفعة الأخرى ، ولا ينهضون من كبوة إلا ويقعون في كبوة أخرى ، ولا ينجون من مصيبة إلا وتحل بهم مصيبة أعظم منها ولماذا كل ذلك؟ أليس في كتاب الله مددا رباني؟ أليس فيه النجاة والمخلص؟ بلا وربي إن فيه المخلص لكن أين المسلمون الذين يحملون هذه الهداية والذين يجسدون ذلك الرعيل العظيم الذي عاشه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرعيل الذي لم يعطى من الإمكانيات ما أعطينا ولم يهيأ له من وسائل الاتصال ما هيأ لنا ولم يبسط له في النعمة والرزق والرفاهية ما بسط لنا ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر من ستر خفي عندما يرى حال أمته بعد عمر طويل وبعد قرون متطاولة فقال: " ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم " ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا هذه الدنيا التي طوحت بكثير من الناس وجعلته لا يبصر ضياء من ظلام ولا يرى خيرا من شر إلا من رحم الله ، وإلا من تمسك بهدي الله تبارك وتعالى وفي هذا أيضا بيان على أن الفقر وحده ليس عيبا وليس سببا لتخلف الأمة رغم أن الأمة مأمورة بأن تأخذ بأسباب السعادة والرقي والتقدم لكن لا يكون فقرها في مادتها وإنما يكون فقرها في شيء أخر هو الإيمان الذي يصنع المعجزات والذي يؤدي بهذه الأمة أن تقف على رجليها فإن الأوائل من الفاتحين الأبطال لم يكونوا يمتلكون ما يمتلكه الناس اليوم من أسلحة وعتاد وغير ذلك من القوى البشرية ولكنهم كانوا يملكون الإيمان فلا يسعى (1/10)
صفحة 11
أحدهم لله تبارك وتعالى خالصا من كل قلبه إلا ويتساقط الظلمة وينهزم الأعداء وتفتح في وجوههم البلدان حتى أن الله سبحانه وتعالى قد فتح أكثر الأرض على أيديهم بدون حرب بسبب أخلاقهم وسلوكياتهم وغير ذلك الكثير.
وناهيكم بتاريخ العمانيين الذين وصلوا إلى أعماق القارة السوداء أفريقيا ولم يكونوا بتلك الإمكانية المادية وإنما كانوا يحملون النور الإيماني ساعتها استطاعوا أن يتوغلوا في تلك المناطق وأن يقيموا فيها الممالك ، وأن يدخل كثير من الناس على أيديهم في الإسلام وهذا لا ينكره أحد أبدا ، وكذلك يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر آخر وهو تبديل هذا الدين وتضيع معانيه فإن الركون إلى الدنيا أورث الناس عداء الدين لماذا ؟ نحن نرى في موقف واحد من المواقف التي وقفها المشركون في وجه النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال كبيرهم أبو جهل عندما سأل ما الذي يمنعكم أن تتابعوا هذا الرجل قالوا: لا شيء نعلم أنه على الحق ولكن أطعم وأطعمنا وسقوا وسقينا حتى إذا كنا كفرسين رهان قالوا : منا نبي والله متى ندرك ذلك كله أو كيف نطيق ذلك كله ، إذن القضية قضية حسد وقضية بغضاء ولذلك فمن جهل شيئا عاداه ، والناس إنما تسعى إلى حتفها بظلفها لو أن الحرام كان حلال لتركه كثير من الناس ولكنه لأنه ممنوع فكل ممنوع مرغوب ، ولذلك ترى الناس كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم يتهافتون على ذلك تهافت الفراش على النار يقول صلى الله عليه وسلم :" وأنا أخذ بحجزكم" يعنى يمسكهم صلى الله عليه وسلم حتى لا يقعوا فيما يغضب الله وحتى لا يقعوا في هذه النار الحامية ورغم ذلك يقتحمون ، النفس تريد لذتها وتريد شهوتها وتريد أن تنغمس ولا أن تحاسب بإفعل كذا ولا تفعل كذا لا يريد أن يقيد (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ (1/11)
صفحة 12
وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) {آل عمران/14} الإشارة أحيان تكون للتعظيم: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ )) {البقرة/2 } وأحيانا تكون للتحقير: (( ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) {آل عمران/14} ، هذا الذي تتهافتون عليه والذي يشغل أوقاتكم هو: (( مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ )) {آل عمران/14-15 } فلا مقارنة بين الدنيا والآخرة ولذلك فبعد الناس عن الدين بان بعض النفوس استمرأت المعاصي واستمرارها للمعاصي جعلها تخلد إلى شهوات نفسها وجعل هذه الذنوب تغطي على قلوبها: (( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) {المطففين/14 } ثم يشير صلى الله عليه وسلم إلى داء الأمم الترف فإن الله تعالى ما أخبر عن أمة إلا بين سبب تلفها بأنه ترف الترف الذي يجعل الغني لا يعرف حق الفقير والذي يجعل من الكبير يعتدي على الصغير هذه من ضمن الحقائق وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم (1/12)
صفحة 13
فلو نظر أحدنا في تأريخ الأمة الذي يدرس لشبابنا وأبنائنا وأجيالنا تأريخ يحمل بين دفتيه الغث والسمين الصحيح والسقيم ورغم ذلك يدرس على أن هذا هو تاريخ الإسلام فتأريخ بني أمية وبنى العباس ومن بعدهم أين أولئك ذهبوا إنهم ذهبوا بسبب أنهم ركنوا إلى شهوات أنفسهم فحاق بهم عذاب الله تبارك وتعالى انقضت دولة بني أمية في عدة سنوات معدودة على الأصابع وجاءت دولة بنى العباس وسارت على نهجها وانقضت وسارت من بعدها وهي الدولة العثمانية أو من قبلها ثم بعد ذلك جاء أعداء الإسلام ما هو السبب ؟ السبب هو الترف وكثير ما أشرنا إلى ذلك في عدة مرات ما ذكره الحافظ بن كثير في البداية والنهاية في مثال واحد يبين لنا فداحة الخطب وما ينبغي أن تعيه هذه الأمة لكي تنهض لأجيالها ذكر ابن كثير في البداية والنهاية بأن أخر خلفاء بني أمية مروان الثاني الذي يسمى مروان الحمار بعد أن قتل هذا الرجل وتمزقت دولة بني أمية وجاء بنو العباس الذين قتلوا كأنهم إنما ورثوا دولة الكفر وإنما ورثوا دولة الإسلام جاء السفاح الذي هو أول خليفة عباسي فقتل ودمر حتى ذكر المؤرخون بأنهم أخرجوا الجثث من القبور فأحرقوها بالنار تفرقوا شجر بذر فمنهم من شرق ومنهم من غرب وبقي عبد الله هذا الولد هو أخر ولد خليفة أموي ولد مروان الثاني أسمه عبد الله وفر لماذا؟ حتى يرجع لكي يصلح ما فسد أو لكي يحرر الأمة الإسلامية من العباسيين الذين أتوا من بعدهم كلا والله لقد فر بالقياني والجواري ومعه ما يتبعه من فضائحه ونزل في بلاد النوبة وهي بلاد السودان أي في القارة الأفريقية وكان يملكها في ذلك الزمان ملك نصراني أي يدين بالديانة النصرانية فسمع به ملك النوبة سمع بأن ولد آخر خليفة أموي نزل ببلاده فذهب إليه هذا الملك النصراني فوجد عبد الله هذا ما يفعل؟ وجد قد فرش له الحرير والديباج وحوله القيان والجواري يغنينه ويعزفن عليه ويشرب ما حرمه الله فجاء هذا الملك وجلس على (1/13)
صفحة 14
التراب ولم يطأ على حريره وديباجه فقال له عبد الله: مالك لا تجلس على فراشنا انظروا فكر المسلم وفكر النصراني قال له : إني ملك وينبغي لمن رفعه الله أن يتواضع لله أدرك هذه الحقيقة نصراني ونسيها مسلم ثم بدأ الملك يسأل عبد الله هذا عدة أسئلة قال له مالكم تشربون الخمر وهي محرمة في كتاب ربكم ؟ النصراني يدرك هذه الأمور قال له عبد الله : إنما شربها غلمان دخلوا علينا وسفهاء جرونا إلى بلاء والملك يهز رأسه استنكارا عليه لأن هذا ليس بجواب غلمان وسفهاء أرغمونا على ذلك ما لكم تلبسون الحرير وهو محرم على رجالكم ؟ قال : فعله سفهائنا وتابعناهم ما لكم تطأون الزروع بدوابكم وأرجلكم وهو محرم على لسان نبيكم ؟ فقال : قوم دخلوا علينا وأعاجم غلبونا على أمرنا والملك يهز رأسه ويقول له لا والله إنكم قوم استمرأتم محارم الله وهتكتم حرمات الله وإن لله فيكم نقمة( غير النقمة التي أصابتكم) لم تنزل بعد وأخاف أن تنزل عليكم في بلادي وإنما أنتم أضياف ثلاثة أيام ولا أراكم بعدها أبدا (1/14)
صفحة 15
هذا مثال واحد يبين لنا بأن الترف سبب التلف وأن الأمة إذا ركنت إلى شهوات نفسها ضاعت وضيعت أمما وأجيال وهتكت أعراضها وهذا الذي حل بهذه الأمة وأورثها الضعف فأنها بعدت عن كتاب ربها وسنت نبيها صلى الله عليه وسلم أيها الأخوة الكرام عام مضي من أعمارنا ويأتي عام آخر والجميع ينظر إليه ويراه ولكن السعيد من تدارك بقية الأعمار السعيد من أخذ من صحته لمرضه ومن فراغه لشغله ومن سعته لضيقة ومن يومه لغده فالأعمار تمر وإنما تقرض من عمرك لكي توقفك على أعتاب الآخرة فأعمل كأنك تعيش أبدا وأعمل لدارك كأنك تموت غدا ما بين لحظة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال فالإنسان إنما يتردد في جوفه النفس فإذا خرج نفسه أنتقل من هذه الدنيا وودعها ثم يشار إليه كان فلان رحم الله فلان وفعل فلان ثم سرعان ما يطوي وينسى وإذا ذكره من أهله الذاكرون فهم قليل فإذا تطاول عليه العمر كان نسيا منسيا وربما يكون ملعونا مطرودا من كثير من الناس إذا كان على غير الصلاح وعلى غير الخير فإن الناس إنما تذكر من أحسن إليها ولا تتعرف إلى من أساء إليها هذه الأمة أصيبت بأمراض كثيرة ومن أهمها تركها لمنهج ربها " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله فما لم تجدوه ففي سنتي" فإذن ترك الله تعالى لنا نورين يهديان هذه الأمة في سبل الظلمات لمن تمسك بهما فالقرآن الكريم إنما أنزله الله لكي يعمل به لكي نطبقه في حياتنا (1/15)
صفحة 16
أيها الأخ المسلم إذا مررت بأية من الآيات فلا تظنن بأنها تخاطب غيرك بل تخاطبك أنت أول من تخاطب ، (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ )) ، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ )) هل هذه النداءات لكل الناس إلا أنت (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ )) هل هذا النداء للمؤمنين كلهم إلا أنت لك أولا فأنتبه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ )) {آل عمران/102} يقول والله الحمد لله أنا متقي ، طيب أنت وصلت إلى كل درجات التقوى ، التقوى له درجات ثم كذلك عليك أن تواصل في التقوى فإن الله تعالى لا ينبهك إلى أمر إلا لكي تستديم عليه وإلى أن تضاعف منه إلى أن تبقى عليه إلى أن يتوفاك الله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ )) {التوبة/119}، يقول أنا صادق ما أكذب طيب إن كنت صادقا فأستمر على ذلك وضاعفه وعلمه أبنائك ورب عليه أجيال الأمة ، وهكذا كل الأشياء التي وردت في كتاب الله عز وجل لو رأيناها بعيني قلوبنا لأصلحت أحوالنا ولكننا نظرنا إليها بأعيننا الظاهرة وقلبنا غافل لاهي قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: لقد رأيت أحدنا يؤتى الإيمان قبل أن يؤتى القرآن معنى ذلك أنه من مخافت الله يتمكن الإيمان في قلوبهم قبل أن يقروا القران فإذا قرءوه كان الإيمان راسخا وعندما جاء رجل فدخل في الإسلام فرآه أحد الصحابة يبكي فقال له: لم تبكي قال غلبتني مخافة الله قال هكذا كان حالنا قبل أن تقسو قلوبنا: (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ )) {الحديد/16}. (1/16)
صفحة 17
فإذن هذا الكتاب العزيز هو نبراس للأمة ولكنا بدلنا تلك السيرة فأصبح أحدنا يتلو القرآن ولا يتعض بمواعظه وفي بقية الحديث يقول عبد الله بن عمر :" ولقد رأيت أناس يقرأ أحدهم القرآن من فاتحته إلى خاتمته لا يدرى ما آمره ولا زاجره ينثره نثر الدقن" كالتمر الرديء الذي يسطح ويرمى به هكذا يقرا ويقرا ولا يعي ماذا يقرأ من أمر أو نهي أو زاجر أو تخويف أو ترهيب إن هذا القرآن إنما نزل ليحرك به القلوب فليحرك به المسلم قلبه وكذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها الهداية وفيها النبراس وفيها الخير العظيم وحياة النبي صلى الله عليه وسلم حياة واضحة في كل أمورها كانت صفحة مفتوحة كتابا مفتوحا يقرأه كل أحد منا ما خفية سيرته على أحد وما خفيت معالم حياته على أحد نقل إلينا الصحابة أخص الأشياء في حياته ، حياته مع نسائه حياته مع أولاده حياته مع خدمة حياته في مأكله ومشربه ومنكحه ومنامه وذهابه وإيابه في كل شيء حتى علمهم صلى الله عليه وسلم بأي رجل يدخلون الخلاء وبأي رجل يخرجون وماذا يقولون عند الدخول وماذا يقولون عند الخروج أي دين يهتم بهذه القضايا إنه دين الإسلام نحن عندنا جواهر ولكن ينبغي لهذه الجواهر أن تظهر للناس وأن تبين حتى تعرض عرضا صحيحا فالإسلام لا يفتقر إلى صحة منهجه ، منهجه صحيح وهو موجود لكنه يحتاج إلى من يحسن عرضه أريتم البائع ربما تكون عنده أحسن البضاعة وعنده أحسن الأسعار وعنده أحسن المميزات ولكنه قليل البيع أو قليل إقبال الناس عليه لماذا ؟ ليس لكساد سلعته ولكنه ما استطاع أن يعرض بضاعته عرضا جيدا ولذلك فنحن نرى بأن من يعرضون بضاعتهم اليوم يروجون لها ولذلك جاء الترويج الإعلاني هذا الإعلان الذي يستقطع منهم أموالا رهيبة هم يعلمون بأنهم لا يخسرون شيئا من الأموال إلا وسيدر عليهم أضعافا مضاعفة ونحن نستهين بالإعلان ونستهين بالعرض ونستهين بورقة إعلانية لأي شيء لأي مشروع خيري لأي عمل دعوى لأي شيء فيه (1/17)
صفحة 18
خير الناس فحسن العرض هو الذي نفتقده اليوم فالإسلام لم يجد من يعرضه على أحسن صوره ولو وجد ذلك لدخل الناس في دين الله أفواجا وكان للأمة حال غير هذا الحال فالنبي صلى الله عليه وسلم أوضح لنا الحجة وأبان لنا المحجة وتركنا على الصراط المستقيم فإذا أتى إنسان ليستهزأ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويقول من أين أتيتم بهذا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إلى غير ذلك من الكلام
هذا مسلم ويعيش في المجتمع الإسلامي كيف يرجى أن تصطلح أمته وهو عضو من أعضائها ينكر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما منع أولئك البطر والركون إلى شهوات النفس وسبحان الله فإن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر عن ذلك يقول صلى الله عليه وسلم :" كأني برجل شبعان متكأ على أريكته يقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " يعني سيأتي أناس يخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم إنسان بطر إنسان مكب على شهوات نفسه منكر للحق إذا قيل له كذا قال من أين قيل له هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعلها وأمر بها أمته وحض عليها ورغب فيها وأبان بأن فيها الأجر العظيم يقول لا أعترف إلا بالقرآن إذا كان القرآن أحله فنعم أو حرمه فنعم أما السنة فلا أعترف بها ثم يرد عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: " ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه " مثله معه سنته صلى الله عليه وسلم وبين بأن من ينكر هذه السنة إنما هو من أصحاب النار: (( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا )) {النساء/16}. (1/18)
صفحة 19
أخوة الإيمان: كذلك من ضمن سلبيات هذه الأمة التي وقعت فيها الانفرادية في الأعمال ، ونعني بالانفرادية عدم الجماعة -عدم الاجتماع علي يد واحدة- ، إذا رأيت مشروعا خيريا قل أن تجد من يجتمع عليه إلا في النادر ، وإنما هذا يريد أن يظهر بنفسه ، أن يظهر أمام الناس بأنه هو الذي قام بهذا المشروع ، وذاك يريد أن يظهر أيضا ، وهذا يريد أن يظهر أيضا ، ثم لا يهمه إذا كان الإنتاج ضعيفا ما ينتجه ضعيفا ولو اجتمعت الجهود لزاد الإنتاج ، هذه الانفرادية هي من ضمن بلاء هذه الأمة ، ثم يؤجج هذه الانفرادية الحسد والبغضاء والشحناء ، يقول هو أفضل مني في ماذا ؟ أنا أفضل منه عمل كذا سأعمل مثله عمل كذا سأفعل كما فعل تجد أيضا ذلك في كثير من الأشياء ، ويتبع ذلك أيضا الإتكالية فإن شريحة كبيرة من هذه الأمة إتكالية على غيرها ، هي تريد كل شيء أمامها جاهز لا تريد أن تتعب لا تريد أن تعمل لا تريد أن تكدح ، ولذلك كثيرا ما يضرب بهذه الأمة الكسل والخمول ، فلذلك يستوردون كل شيء ولا يصدرون إلا القليل ، انظروا إلى الصادر وإلى الوارد لبانت لكم حقيقة الأمر ، وما ذلك عن ضعف في هذه الأمة ولماذا يتقاتل عليها أعدائها لأن بيدها مواريث معنوية ومادية كل المواريث بيدها الحضارات الخيرات برية وبحرية وجوية بأيديهم زيادة على المعنويات التي هي محط الرسالات والنبوات ، ورغم ذلك هذه الأمة إتكالية على غيرها لا تريد أن تعتمد على نفسها وكثيرا ما تري في حياتنا هذه الإتكالية تظهر في أدنى الأشياء فإن التعاون أيها الأخوة رحمة والفرقة عذاب ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أقل الأعمال تجد أن الإتكالية تؤدي إلى ضعف العمل (1/19)
صفحة 20
وكذلك لو مررت أخي الكريم بمسجد من المساجد وكثيرا ما تمر على هذه المساجد ينقصها الكثير فلا يوجد فيها أمام راتب ولا مؤذن راتب بل حتى ترى بيوت العناكب تطوقها من كل جانب ، وإذا دخلت دورات المياه وجدت ما لا يسرك أبدا لماذا ؟ لماذا هذه الإتكالية على الغير دائما ؟ وأن ننتظر من يعمل لنا كل شيء ، على أقل تقدير أن الإنسان بمفرده لا يستطيع أن يفعل كل شيء لكنه باجتماع الجهود يستطيع أن يعمل وأن يعمل وأن يوظف هذه الطاقات وأن يصلح ، وانظروا إلى مدارس القرآن كم من مدارس القرآن معنا إنها ضئيلة بل إن المراكز الصيفية تعانى كأنها تمر بحالة مخاض حتى يسقط الولد ويسقط معوقا بعد ذلك بسبب أنها لا تجد من يأخذ بيدها جميع النقائص تحف بها من كثير من الجوانب وتبقى الجهود فردية وناهيكم إذا كانت هذه الأعمال البسيطة فما بالكم بالأعمال الكبيرة التي تكون محطا لأنظار المجتمعات المتقدمة ، فكم من شبابنا العزاب من يريد أن يتزوج ، وكم من شبابنا الذين لا تكفيهم مرتباتهم للدخل لكي يستطيعوا أن يواجهوا لأواء الحياة ، وكم من أسرة فقيرة ، وكم من أيتام ، وكم من أرامل ، هناك مؤسسات تتبناهم ليست بحكومية إنما هي بتكاتف الجهود واجتماع الناس على الخير ، ولكننا أمة إتكالية نتكل على غيرنا في كل شيء لا يهمه إن بات شبعا ريانا دفئانا إذا جاع غيره أو أصابه أي ضر إن القليل من عباد الله الذين جعل الله تعالى قلوبهم أوعية للإيمان
أيها الأخوة: (1/20)
صفحة 21
كذلك من أمراضنا وسلبياتنا عدم التضحية ، فإن الواحد منا لا يريد أن يضحي يريد من الآخرين أن يضحوا من أجله لكنه لا يحب أن يضحي من أجل الآخرين ، التضحية التي جعلها الله تعالى من ضمن النصرة: (( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ )) {التوبة/111} ، هذه التضحية أيضا مفقودة في مجتمعاتنا زيادة على ذلك فإن الناس لا يأتي عليهم يوم إلا وتراهم في بعد وفي شقاق وفي خصام إذا أصبح الجار عليه الصباح يقول الحمد لله بأنني لم أسمع كلمة بذيئة من جاري وهكذا ، لماذا ؟ لبعد الناس عن الإيمان ، فتجد الجيران في بعض الأحيان على اسوء ما يكون: قطيعة للرحم ، عقوق للوالدين ، الوالدان الذان عظم الله حقهما يداسان بالأقدام أو يركلان بالأرجل أو يرميان بالحصى ، وكذلك ناهيكم عن اليتامى والفقراء الذين لا يتحسس أحد شأنهم إلا في النادر ، فهذه هي أمراضنا وهذه هي أسقامنا التي أوجدت كتلة ميتة ضعيفة تداعت عليها الأمراض وجعلتها هباء منثورا ، وإذا كنا نريد أن نستقبل عاما جديا بحق وأن نستشرف مستقبلا صحيحا لأمتنا فلا بد أن نعيد حساباتنا المحاسبة ، تبدأ من الضمير نفسه بينه وبين نفسه وبينه وبين ربه وبينه وبين الناس ، لماذا يخادع نفسه ؟ ولماذا يخادع ربه ؟ وهو يعلم بأنه مطلع عليه وإذا غابت عن الناس مخادعته فلا تغيب عن رب الأرباب التصحيح يبدأ من النفس ثم الأهل ثم الأقرب فالأقرب ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)) {التحريم/6} فأذن لا بد أن يقي أحدنا نفسه وأن يصلحها وأن يقومها وهذا التقويم
أيها الأخوة: (1/21)
صفحة 22
لا يقوم الدعاة إلا على أساس العلم والفهم والثقافة ، فلا بد أن يتعلم الدعاة أولا كيف يعرضون هذا الميراث الذي تركه لهم محمد صلى الله عليه وسلم ، لا بد أن يعرض عرضا صحيحا بامتثاله في حياتهم وبعرضه على أحسن ما يكون ، فإنك لا ترى من بعض الدعاة هداهم الله إلا متشددا منفرا للناس فهم لا يريدون أن يستقبلوا الدعوة من طريق هذا لأنهم لم يعرفوا منه إلا التشدد والتزمت يقول مثل هذا الدين لا أريده ، ولم يعرفوا إلا الجانب الثاني المتساهل المتخاذل الذي يسرف على نفسه فدعواته غير أفعاله ومبادئه التي ينصبها لنفسه لا يطبقها في حياته ، وإنما الداعية الحق الذي يكون وسطا بين الناس هو كالطبيب يعرف المرض وينتقى له الدواء المناسب ، هذا الدواء ربما يناسب هذا المريض ولا يناسب هذا (1/22)
صفحة 23
فأعرف يا أخي بأن الدعوة عنوانها (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ )) {النحل/125} يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا إن الناس في بعض الأحيان يكونون على حق عندما يجدون إماما متزمتا أو خطيبا فظا ينزل على الناس بالقوارع ويبين لهم بأنهم من أهل جهنم وأنه لا توبة لهم وينفرون من الواعظ الذي يعيشهم في عالم آخر ولا حقيقة له أنتم كذا وسيغفر لكم لا ، لا بد أن يكون الإنسان وسطا بين هذا وذاك الترغيب قبل الترهيب ولا بد أن يجمع الداعي بين الطريقتين بين الترغيب والترهيب ، رغب يا أخي ليس الناس كلهم كأبي لهب وكفرعون وكأبي جهل ، إنما الناس فيها الخير فيهما المعاني السامية فيهم العواطف الجياشة فيهم العقول المفكرة يرون ويبصرون وسرعان ما يتبعون والعنيد الذي يكابد دعوة الحق قليل فما عليك إذن إلا أن تعرض وأن تحسن العرض فالناس إذا أحبوك أقبلوا عليك من كل حدب وصوب ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة وأمثلة وناهيكم بالأمثلة الكثيرة فإنه صلى الله عليه وسلم عندما كان في مكة المكرمة يعامل أشد الناس عداء من صناديد الكفر والمشركين لا يصبحونه إلا بسباب ساحر مجنون إلي غير ذلك ولكنه كان يعاملهم معاملة الحريص ، فالداعي لا يحمل غل ولا حقدا على أحد عمل لهم مأدبة صلى الله عليه وسلم ودعاهم إليها ثم لم يبدأهم بالمواعظ جعلهم يأكلون وأنظر إلى إنسان تدعوه إلى بيتك فيأكل ويتروى من شرابك ويتظلع من طعامك هل سيهاجمك أو يسبك على أقل تقدير إن لم يستجب لدعوتك سيجعلك محترما سيكف أذاه عنك فلما أكلوا قال لهم :" إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " (1/23)
صفحة 24
فإذن استطاع صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أن يكف من غلوائهم وأن يكف من شراستهم ثم عرض دعوته بكل يسر وكل سهولة ، فإذن من صفات الداعية الذي يدعو إلى الله سبحانه وتعالى أن يكون على بصيرة من أمر دينه وأن يكون على وفق منهج الله سبحانه وتعالى وأن يكون ممتثلا مترسما لذلك وما أسعد أن نجد أسرة تقوم بتوعية أبنائها فنحن افتقدنا إلى الجلسات الأسرية أن يجلس الزوج مع زوجه وأولاده والأب مع أبنائه ولو في الأسبوع مرة لا لحديث دنيوي وإنما لله أن يقرأو شيئا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لكي يروا كيف عاش النبي صلى الله عليه وسلم لكي يستطيعوا أن يطبقوها في حياتهم فأن سيرته صلى الله عليه وسلم لن تنزل ولم تجعل لتكون فقط في برج عاجي لا نستطيع الوصول إليها وإنما لكي نعمل بها (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) { آل عمران /31} (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )) {الأحزاب/21} وكثيرا ما تخلو مجالسنا من هذه المذاكرات فعلينا أن نكثر منها وأن نصوغ عاما جديدا وفق منهج صحيح من هذه المبادئ السامية وأن نكثر فيه من ذكر الله عز وجل ومن الطاعة بشتى أنواعها فأن الله تعالى قد شرفنا بأن جعل لنا موارد من صلاة وصيام وصدقة وصلة للرحم وبر بالوالدين فعلينا أن لا نضيع لحظة من أعمارنا في سنواتنا وأيامنا إلا ونعمل فيه عملا صالحا (1/24)
صفحة 25
وفقنا الله سبحانه وتعالى لما يحب ويرضى واهدنا إلى سواء السبيل اللهم أجعل أجتماعنا هذا إجتماعا مرحوما وأجعل تفرقنا من بعدة تفرقا معصوما ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما اللهم أهدنا وأهد بنا وعافنا وأعف عنا اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى والعمل بما ترضى اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولاكربا إلا نفسته ولا جاهلا إلا علمته ولا مريضا إلا شفيته ولا مبتلا إلا عافيته ولا حاجة من حوائج الدنيا والاخرة هي لك رضا ولنا فيها صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها بيسر منك وعافية اللهم أجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك الفائزين وجندك المنصورين وأحشرنا في زمرة سيد المرسلين اللهم صلى وسلم أبدا أفضل صلواتك على سيدنا محمد وزده شرفا وتعظيما وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين والسلام عليكم ورحمةالله وبركاته ،،،،،،
تمت المحاضرة بحمد الله وتوفيقه
والشكر الجزيل لمن تبرع بنقلها مكتوبة (1/25)