صفحة 1
الكتاب: لحظة لو سمحت لأسعد بن حمود المقيمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:-
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
? وقتك أيها المسلم .
وإن الوقت في حياة المسلم تجارته التي يعلق عليها ربحه وخسارته في الدارين لذلك كان مقياس ارتفاع المسلم وانخفاضه بما أدى من عمل وإن قصر عمره، فخير الأعمار وأبركها ما طال وكثر فيه العمل الصالح، ولعظم مكان الوقت في ديننا الحنيف أقسم الله به في آيات كثيرة بل سمَّى سورة بأكملها سورة العصر، ولذلك كان الحساب عليه شديداً يوم القيامة، ففي الحديث الشريف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه )) فأول ما يسئل عنه المرء يوم القيامة عمره، لذلك كان المفترض أن يكون المسلم أحرص الناس على وقته وتنظيمه . (1/1)
صفحة 2
وإن أمر تنظيم الوقت واستغلاله بالنسبة للمسلم أيسر بكثير من غيره، فالمسلم كفى مؤونة تجزئة الأربع والعشرين ساعة التي تتعاقب عليه في يومه، فالنهار وقت كسب عيشه وكدحه في الدنيا، وإذا ما أقبل الليل حان وقت حَطّ الرحل والركون إلى السكون مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: { وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً } بل إن المسلم مكفي أمر تجزئة ساعات نهاره وليله من خلال الصلوات الخمس المفروضة عليه في يومه وليله فما عليه إلا أن يقسم أعماله حسب ما يتسع لها الوقت، ولئلا يطغى جانب على آخر من المتطلبات والالتزامات فرض الإسلام حقوقاً أوجب على المسلم أن يرعاها ويتكيف وفقها، فأوجب عليه حق نفسه وحق أهله وحق رحمه وغيرها من الحقوق، كل ذلك -أخي المسلم- ليفرض المسلم نفسه على الوقت بطرح أعماله بحيث تكون هذه الواجبات في حسبان المسلم وإن شغلته الشواغل، وألهته الأعمال، ومن يسر الإسلام أنه لم يفرض على المسلم مواداً يشغل به فراغه أو يقضي فيها وقته بل ترك كل إنسان وفق مشاغله وما يتناسب معه فكل إنسان على نفسه بصيرة، على أن يكون ذلك في مصب طاعة الله سبحانه وتعالى .
أخي القارئ إن تنظيم الوقت يحتاج إلى وعي، ويحتاج إلى حنكة وإدارة للنفس وتدبير للأمور بحيث يعطي كل عمل من الوقت ما يكفي لإنجازه، ولا بأس على المرء أن لو استعان بقصاصة ورق يكتب فيها أعمال يومه ثم يرتب أمر إنجازها بتوزيعها على فراغه بحيث يجعل في اعتباره أنه مطالب بإنجاز تلك الأعمال على أتم وجه وفي أقصر وقت، ومما يستعين به المسلم على تنظيم وقته واستغلاله ضرب الآجال وتحديد المواعيد بحيث يربط كل عمل يقوم به بموعد أو أجل ينتهي عنده العمل دون أن يترك حبل الوقت على الغارب ضبطاً للنفس وإلزاما لها، فطبع النفس التسويف وتأجيل الأعمال ما لم تلزم بموعد أو تحدد بأجل ينتهي العمل الموكول إليها عنده . (1/2)
صفحة 3
أخي الكريم: هناك عقبات تعترض أمر تنظيم الوقت، ومن تلك العقبات النوازل الطارئة والأحداث المستجدة بحيث تفرض نفسها على الإنسان فرضاً لا يملك معه تأجيلها في حين كان الأصل فيه أن يشتغل بغيره، وكذلك من العقبات أيضاً أن يتعرض لأناس لا يرعون للوقت قيمة ولا للوعد قدراً فيقحمون على صاحب الوقت أنفسهم زيارة أو اتصالا، وهنا ينبغي للمؤمن أن يعلم أن ما استجد من الحوادث مما لا محيص عنه لا بد وأن يعتني به ويشتغل بأمره، وما أمكن الاعتذار عنه حبذ له الاعتذار عنه، وليتعود دائما النظر في حساباته ومدى فراغه، فإذا كان مزدحما بالأعمال ممتلئ الجدول أوضح للناس ذلك وأخبرهم بأنه مشغول لا يتأتى له القيام بعمل آخر مع شغله، فيا أخي ليس هناك من يستطيع أن يفرض نفسه فرضاً لا يمكن معه الرد فالإسلام شرع آداباً وأخلاقاً تتبع، فمن لا ترغب في فتح باب دارك له وترغب عن استقباله لعدم سابق موعد بك لا يلزمك أن تفتح له باب ضيافتك، بل يحق لك أن تأمره بالرجوع ويلزمه ذلك بناء على ما أوضحت سورة النور وآداب الزيارة والاستئذان والاستئناس.
وعموماً أن إدارة الوقت وحسن استغلاله تدور مع وضوح الهدف وهمة الشخص، فمن اتضح هدفه لم يجد فراغاً لتضييعه ، بل ألزم نفسه خدمة هدفه والسعي للوصول إليه بصرف الطاقة إليه ، والمؤمن واضح الهدف متضح الغاية، فهدفه وغايته رضوان الله - عز وجل - المتمثلة في إعلاء دينه وخدمة الإسلام وطاعة الله ورسوله . (1/3)
صفحة 4
ولا شك أن للتربية دوراً بارزاً في الإحساس بعظم المسؤولية وعدم تضييع الوقت أو التهاون فيه ، فالطفل الصغير وهو يسمع من والديه عبارات اغتنام الوقت والندم على ما مضى تغرس فيه أهمية عمره الذي يعيشه، ويخوفه من إضاعته، فما أحسن ذلك الأب الذي يلهج بين الحين والآخر لابنه بقوله "يا ولدي اغتنم وقتك فإنك إن كبرت تنازعتك الأعمال وتناوشتك الشواغل، وسوف تندم على تضييعه كما ندمنا" وما أحسن قول المعلم الذي يوضح أهمية وقته لتلاميذه ويذكرهم بمرحلة الصغر الثمينة، "فالعلم في الصغر كالنقش على الحجر" فاجتهد قبل أن تعض على أصابع الندم "ولات ساعة مندم" وينبغي للمربي أن يضع جدولاً لولده أو تلميذه ، أو أن يطلب منه إعداد جدول لنفسه ثم يأمره بعرضه عليه، وينبغي أن يراعى في الجدول تكامل متطلبات النفس فيه، من طلب المرح واللهو مقابل ساعات الجد والعمل، على أن لا يكون الجدول مزحوماً بحيث يصبح عبئاً لا يستطيع المرء الاستمرار عليه، "فقليل متواصل خير من كثير منقطع" "فالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"، والمنبت هو الذي يواصل مسير ليله بنهاره .
أخي : إن الانضباط على جدول ما يحتاج إلى صبر ومصابرة وإلى مجاهدة عظيمة للنفس إذ طبع النفس أنها تضيق ذرعاً بالقيود وتتوق للمرح وعدم الانضباط وليسلي المرء نفسه بقول الحق سبحانه : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ونسأل الله - عز وجل - أن يعيننا على استغلال أوقاتنا فيما يرضيه وينفعنا.
? هدفك في الحياة .
ولعل كل واحد منكم يدرك -أيها الأخوة- تمام الإدراك أن الذي يسعى إلى هدف في حياته يكون محدد الخطى متضحاً سيره بعيداً عن الهمجية وبعيداً عن الفوضى وما نراه اليوم في واقعنا المعاصر من أزمات ومشكلات تتفوه بها ألسنة حال أبناء هذا العصر كالقلق والضجر واللامبالاة ما هي إلا آثار من آثار عدم وضوح الهدف وتحدده. (1/4)
صفحة 5
إن الإنسان الذي يعيش في هذه البسيطة لا بد وأن يعلم أنه وضع فيها لغرض يقوم به يكمله من يأتي بعده فالناس خلقوا لعمارة الأرض وإصلاحها بعبادة الله والتوجه إليه وهي غاية هذا الخلق { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وفي حالة ما إذا شاب هذا الهدف شيء من الشوائب وخفيت معالمه برزت العشوائية والكآبة، ولربما صنع المرء صنعاً لا يلقى من جرائه إلا المشقة والتعب، لكن في سبيل خدمة هدفه يجد لذته وحلاوته، ولذلك لما استنكر على أحد العجائز كونه يفسل فسيلة صغيرة يؤمن أنه لن يعمر حتى يأكل من ثمرها قال كلمته بكل فخر مالئاً بها فمه: "زرعوا فأكلنا -أي السابقون- ونزرع فيأكلون" فهو لا يعيش لنفسه وإنما لهدفه وإذا نظرنا إلى هذه القاعدة وغيابها في مسرح الحياة وجدنا أنها هي سبب كثير من المشكلات الواقعية، ففي مسرح الحياة، الأسرة والزواج مطلب فطري وغريزة لا بد وأن تلبى إلا أن هذا لا يكون هو أس الزواج الرئيسي فلا بد وأن يسخر الزواج لخدمة هدف أنت تسعى إليه وبقدر عظم الهدف وصحته يكون الزواج موافقاً لقواعد السعادة مقترباً منها، فمن علق زواجه بذات المال وجعل المادة هدفا يسعى إليه نجد أن مثله سرعان ما ينهار كيان أسرته لحقارة هذا الهدف ولعدم ثباته، إذن فلا بد من أن يتصف الهدف بالسمو العظيم كما يتصف بالثبات فالمال غير ثابت والجمال غير ثابت فلا يمكن أن يعلق به الاختيار لشريكة الحياة أو شريك الحياة؛ لان حقيقة الزواج ارتباط كيان بكيان وروح بروح ومشاعر بمشاعر لا ربط مال أو جمال، نعم لا ننكر كونها تزيد الحسن حسنا أحياناً لكنها لا تجعل غاية تقصد ولطالما أرتنا الحياة في مسارحها نماذج فشل مثل هذه الزيجات التي لم تقم على أساس من عظم الهدف. (1/5)
صفحة 6
وهذه أحد الزوجات تحكي مأساتها لأنها لم تحدد الهدف من الزواج وبالتالي أساءت الاختيار لقد تزوجت رجلاً اختاره أبوها أبعد ما يكون عن الدين كأنما شق من صخرة لشدة قساوته كانت تتقاضى كل شهر مرتبا عاليا وتعطيه قدراً كبيراً منه تصرف على البيت بنفسها كما تصرف عليه، كلما وفقها الله وزرع في أحشائها جنينا ينبض بالحياة أجهضه زوجها برفسة قوية في ظهرها فعل بها ذلك أكثر من مرة فاضطرت للفرار عنه إلى بيت أهلها فقوي سلطانه عليها وأخرجها ولقد حاول قتلها مرة عندما أخذها إلى أعلى جبل وحاول أن يرديها منه لولا صراخها، فبنت بيتا بالقرب من بيت أهلها عله يلين ويسكن معها بالقرب من أهلها ليسهل فرارها منه عند إرادة الإطاحة بها، حملت هذه الزوجة المسكينة فتجنبته حتى وضعت وها هو الآن يضيق عليها وعلى طفلتها وهي تطرح مشكلتها تبحث عن حل .
أخي الكريم: إن الاختيار كشأنه من القرارات التي لابد وأن تسخر لهدفك الذي تسعى إليه، ولا أعظم وأسمى من الدين ورضى الله، أي هدف فلو أن الواحد جعل هدفه في جميع حياته رضى الله لأفلح في سيره وانقادت له السعادة تجرر أذيالها لأنه لا هدف أعظم من هذا الهدف ولا هدف يتسم بالثبات أكثر من هذا الهدف، ولا يتصور الإنسان نفسه سعيداً كما ينبغي حتى يرى نفسه حقق خدمة لهدفه وسعى لإنجاحه .
وهذا هو سر سعادة المؤمن في الحياة فهو يشعر أنه لا يفعل إلا ليرضي الله ولا يترك إلا ليرضي الله ففعله وتركه خدمة لهدفه يضفي عليه سعادة ولذة يغبط عليها ولربما كان هذا المؤمن فقيراً يعيش في ضنك من العيش والضيق ولكنه يتضاءل الشعور بذلك في نفسه عندما يعلم أنه من عند الله وصبره عليه فيه إرضاء لله ولربما المؤمن يرضى بالزوجة الصالحة التقية التي تقربه إلى الله مع أنها فقيرة لا تملك شيئاً أو أنها فقدت قسطاً من الجمال بل يجد نفسه بهذا يخدم هدفه فيهنأ بسعادة ورضى وأمن وسكن لا يجده في صاحبة المال أو الجمال . (1/6)
صفحة 7
ولكن أخي: كيف يجعل المسلم هذا الهدف هو البغية المنشودة فيغرسه في نفسه ويسعى لخدمته؟ أن أول ما يقرر ذلك هو فهم حقيقة هذا الوجود وأنه زمن محدود ثم بعده منقلب يجازى فيه المرء بما كسب ولا كسب ينجيه إذا وجد إلا ما كسبه لرضى الله ولا شيء يرديه إذا فقد إلا رضي الله تعالى إذن جدير به أن يجعله نصب عينيه يتحرك ويسكن في سبيل خدمته، كذلك تعلم أن كل صانع أعلم لصنعته ما يصلحها وما يفسدها فصانع الجهاز أرشد إلى كيفية استخدام الجهاز ليظهر نفعه وضرره من طرق تؤدي إلى إتلافه ولله المثل الأعلى فالإنسان صنع من صنع الله تعالى وهو أعلم بما ينفعه ويرضيه وما يضره ويرديه فما من أمر أَمَرَ الله به عباده إلا وكان صلاح العبد في تنفيذه والعمل به وما من نهي نُهي العبد عنه إلا وكان صلاحه في الانتهاء عنه فبلال - رضي الله عنه - سئل كيف كان يشعر تحت وطأة التعذيب وكيف يصمد بل ويتحدى بقوله أحد أحد فقال بأن العذاب الذي يلقاه عندما يلقى في الرمال المحرقة وتوضع على صدره الصخرة العظيمة يختلط بحلاوة الإيمان فتطغى حلاوة الإيمان فتستحيل لذة وسعادة بعد أن كانت مرارة ونغص، ما الذي جعل بلالاً كذلك؟ إنه الهدف وهو رضى الله والتسمك بهذا الدين وما الذي جعل الواحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحي بنفسه وأهله وماله مقابل أن لا يشاك الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشوكة تؤذيه وما الذي جعل الواحد يرضى بقول كلمة الحق ويقّطع لحمه فيثور دمه وتدحرج القطعة من جسده أمامه ولا يرجع عن دينه إنه الهدف الذي كان يدعو به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألا وهو رضى الله فاللهم نعوذ برضاك من سخطك وبمعفاتك من عقوقك وبك منك لا نحصي ثنائك عليك أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ونتوب إليك .
? ارتباط القول بالعمل . (1/7)
صفحة 8
لقد من الله تعالى علينا بنعم كثيرة لا تحد ولا تقصى ولا تعد ولا تستقصى وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام، هذه النعمة التي تضبط جوانب الإنسان المختلفة تضبط فكره وعقيدته وسلوكه وعمله، ذلك لأن واقعية هذا الدين تفرض لزوم ارتباط القول بالعمل وبالقلب، فالإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح ، ولقد تظافرت الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام توضح هذا الارتباط الوثيق بين القول والاعتقاد والعمل، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لمن كثر ارتياده المسجد وحضور الصلوات (( اشهدوا له بالإيمان )) وكذلك فإن أي اختلال بين هذه الجوانب يفضي إلى انهدام الإيمان الحقيقي فالرسول - صلى الله عليه وسلم - نفى الإيمان عن أعمال تخالف المعتقدات فقال: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) فكون هذه الأفعال مخالفة لمعتقدات الإسلام ومبادئه جعلت من فاعلها خارجاً عن دائرة الإيمان الحقيقي، وهكذا شأن كل عمل يخالف مبادئ الإسلام ولو كان صاحبه مؤمناً الإيمان الشكلي فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قال فيمن يؤذي جاره: (( لم يؤمن، لم يؤمن، لم يؤمن، فقيل من يا رسول الله فقال: من لا يأمن جاره بوائقه )) وقال: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) . (1/8)
صفحة 9
إذاً -أخي القارئ- الارتباط بين العقيدة والسلوك لا ينفصم ولا بين الفكر والعمل لا ينفصل فوجود الثاني وهو العمل يؤكد وجود الأول وهو الفكر والاعتقاد، فإذا كان ارتباط العقيدة بالعمل هذا الارتباط فإن القول باللسان والعمل بالأركان بينهما من الارتباط كذلك ما ليس بالقليل حيث حرص الإسلام على إيضاح التلازم بين القول والعمل وشدد النكير على أناس خالف قولهم أفعالهم، ومن ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } فقد رتب على مخالفة القول العمل مقتاً كبيراً وإثما عظيما لما في لزوم ارتباط القول بالعمل ولذلك فإن أركان هذا الدين بعد أن قامت على الشهادتين وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الذي جاء به حق من عند الله جاءت بعدها الأركان العملية التي هي ترجمة لهذه العبارة فبعد الشهادتين إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، فلفظ الشهادتان قول يحمل في طياته جميع الإسلام فمن آمن بالله رباً ورضي بمحمد رسولاً من عند الله لا شك أن إيمانه ورضاه يدفعه إلى امتثال حقيقة ما يكنه من رضا وإيمان تجاه الله ورسوله فمعنى أنه تلفظ بالشهادتين أي أنه استعد لفعل كل ما أمره به الشارع وترك كل ما نهاه عنه الشارع، وهذه هي حقيقة الإيمان بالله ورسوله، ولو كان الإيمان مجرد قول باللسان لما توانت قريش والعرب عن الدخول في الإسلام بمجرد نطق الشهادتين إلا أنهم عرفوا أن حقيقة هاتين الشهادتين عمل وتكليف ولذلك تجهموا قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معّرضين أنفسهم للقتل وأموالهم للغنم وذراريهم ونسائهم للسبي . (1/9)
صفحة 10
ولأن دين الإسلام أبعد ما يكون عن التناقض نسّق هذا الترابط بين جوانبه الثلاثة ولعظم الجانب العقدي القلبي في تشكيل الشخصية الإسلامية المتكاملة حرص الإسلام كل الحرص على صقل مرآة الباطن القلبي لأنها هي مصدر القول والفعل ولقد ضرب لنا التأريخ أروع الأمثلة وأعجبها عندما استحكمت العقيدة في النفوس ضرب لنا أناساً أخرجوا حق الشيطان من أنفسهم بل أخرجوا حق نفوسهم من نفوسهم وأصبحوا في الدنيا رجال الدنيا والآخرة لا تطغيهم النعمة ولا تثنيهم المصيبة يعيشون لهدف ولأجله يبذلون الطارف التليد والنفس والنفيس وإذا ما وقع الواحد منهم في مناقضة بين ما يعتقد وبين فعله تعرض لألم الضمير ووخز النفس الحية وأصبح لا يهنأ بعيش ولا يرقأ له دمع ولا يغمض له جفن حتى يرجع إلى تناسق إيمانه وموافقته لمبادئه فقد روى مسلم أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا رسول الله إني ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني)) فرده فلما كان من الغد أتاه فقال: ((يا رسول الله إني قد زنيت)) فرده الثانية فأرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قومه فقال: ((أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئا)) فقالوا: ما نعمله إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى. فأتاه الثالثة: فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كانت الرابعة حفر له حفرة ثم أمر فرجم.
ما الذي دفع به أن يلقي بنفسه إلى هذا المصير وهو الرجم بالحجارة إنه الإحساس بعظم التناقص الذي وقع منه والإحساس بجلاله ما سيؤول إليه أن لو لم يتخلص منه . (1/10)
صفحة 11
وهذا الأمر نفسه دفع بالغامدية حين جاءت فقالت: ((يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، فردها فقالت: يا رسول الله لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً فوالله إني لحبلى قال: فاذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها))
وهذا الأمر نفسه هو الذي قذف بعمر وبن الجموح الصحابي الأعرج شديد العرج إلى ساحة القتال ومعمعة السيوف ولقد قال: ووالله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة فقتل شهيداً يوم أحد رضوان الله تعالى عليه هكذا أصبح شأنهم عندما تشربت عروقهم بالإسلام وصفوة الإيمان أصبح مبدأ الدين فوق عاداتهم وفوق آرائهم وفوق رغباتهم بل أصبح هواهم وفق ما أراد الله وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإذا ما علم الواحد بحكم أمر ما يخالف عاداته أو يخالف رأيه أو يخالف رأي الناس أعمى عينه عن جميع ذلك فعينه لا تبصر إلا مرضاة الله وأينما وجدها اتجه إليها ولو كان على حساب أعز ما يملك .
فهلموا أخوة الإيمان إلى التمسك بأهداب هذا الدين فإن حقيقة الحياة ونعمة السعادة تنبع من بين ثناياه ومن منا لا يريد السعادة .
? عوامل تقوية الشخصية الإسلامية .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، أما بعد فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن المسلم الحق كامل الإيمان يختلف تماماً في حركاته وسكناته في أقواله وأفعاله عن البشر، فهو أشبه ما يكون بمنارة يهتدي بها البشر أو نبراساً يضيء لهم الطريق، ذلك كله بحكم واجبه الرسالي في حمل وأداء أمانة الإسلام، لذلك كانت الشخصية المسلمة تختلف كل الاختلاف عن غيرها من الشخصيات وما كانت كذلك إلا لعظم ما أنيط بها من ثقل. (1/11)
صفحة 12
وعوامل قوة الشخصية الإسلامية كثيرة جداً وكل واحدة منها ينادي بأهميته، ونحن في هذا اللقاء سنتأمل في بعض العوامل التي جعلت الشخصية الإسلامية الحقة بهذا المكان السامق .
إن من أعظم ما يدفع المرء إلى إيجاد الشخصية الإسلامية الحقة "حب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - " ذلك لأن المرء مجبول على الإنسياق وراء من اتجه قلبه إليه وأحبه وبقدر ما يكون في القدوة التي أحبها القلب من صفات وكمال ينعكس الحال على الشخص المحب فأي شخصية أعظم من شخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأي صفات أكمل من صفاته فإذا أحبه المسلم حتما سيتبع أثره ويترسم خطاه ويهتدي بهديه فيظل في كل لحظة يصعد إلى قمم الكمال بما يقتبس من شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العظيمة.
أخي لأن إسلامنا يفرض علينا حب الرسول والإقتداء
به كان من الواجب علينا أن نعمل بسنة رسول الله وهذا يتطلب من المؤمن أن يقرأ في أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - وفي معاملاته مع ربه ومع صحابته ومع أهل بيته ومع كل طبقة من طبقات المجتمع، إن المسلم لا يحمل هماً غير رضى الله والنجاة يوم القيامة وقد أرشدنا الله سبحانه إلى سبيل ذلك بقوله: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } فإذا إن كنت تريد الله والدار الآخرة فأقرب الطرق إلى ذلك أن تتأسى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحبه حباً يفوق نفسك ومالك والناس أجمعين. (1/12)
صفحة 13
ولقد ضرب لنا التأريخ أروع الأمثلة في حب الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي بلغهم إلى عزة نفوسهم وبذلهم حتى النفوس في سبيل هذا الدين فعلى بن أبي طالب عندما سئل عن كيف كان حبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا وأحب إلينا من الماء البارد على الظمأ )) ولقد صدّق هذا الوصف أفعالهم فهذه امرأة استشهد يوم أحد أبوها وأخوها وزوجها وهي تقول: ما فعل رسول الله حتى إذا قالوا لها خيرا قالت أرونيه فلما رأته واطمأنت إليه قالت (( كل مصيبة بعدك جلل)) هان أبوها وأخوها وزوجها ما دام الرسول - صلى الله عليه وسلم - باقيا يبلغ هذا الدين .
وهذه سمية رضوان الله تعالى عليها تجعل نفسها ترساً لرسول الله تقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجسدها حتى لا يصاب بسوء فخرجت ولا مكان في جسدها إلا وقد وقعت فيه السهام والسيوف، فحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أعظم ما تتشرب به الشخصية الإسلامية لتصل إلى الكمال في كل شيء .
أخي الكريم : إن عظم الشخصية وقوتها إنما يظهر بصدقها فيما تحمل من مبادئ، وتفانيها في خدمة هدفها فالمؤمن صادق في ظاهره وباطنه لا يقول إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يرضي الله ورسوله لذلك إذا تكلم دوّى كلامه في الأفق ليحطم الباطل بعز وإباء، والذي يدفع المؤمن إلى هذا الأمر هو عقيدته التي نبذة المسلم أن يفارق قوله فعله. (1/13)
صفحة 14
وقد حذر الله سبحانه وتعالى من مخالفة القول للفعل حيث يقول في كتابه: { يا أيها الذي آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ويقول: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } ولقد أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمشهد من يأمر ولا يأتي ما أمر به وينهى ولا ينتهي عما نهى عنه فقال: (( أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من هؤلاء يا جبريل، قال: خطباء أمتك الذي يقولون ما لا يفعلون ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به)) لذلك فإن المؤمن وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يعلم يقينا أن كل حركة وسكنة تقع منه سيسأل عنها يوم القيامة فهو أبعد ما يكون عن الظلم وأبعد ما يكون عن الفحش كيف لا والنار تترآى أمام عينيه إذا وقعت منه مظلمة على أحد، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع. (1/14)
صفحة 15
فقال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)) لذلك وجهنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم)) كل هذا يجعل من الشخصية الإسلامية شخصية متزنة حافظة لفرجها ولسنها ويدها ورجلها وكل جوارها خشية أن تفارق شيئاً من منهج الله فتقع في مظلمة لا يحتملها الإنسان على أن النصوص تشهد بأن من ارتكب سيئة من الكبائر ولم يتب منها دخل النار وإن كانت حسناته ما بين السماء والأرض؛ لذلك فما يعتقده المسلم من مقتضى لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يترجمه في ظاهره ترجمة دقيقة لا تحيد عن هذا المفهوم كل ذلك خشية أن يخالف معتقده ما يفعل، بل إن المؤمن الحق يرقب قلبه فهو أبعد ما يكون عن البغض والحسد والضغينة الكراهية لأخيه المسلم لأنه يعلم أن الذي يراه حين يقوم وتقلبه في الساجدين يعلم منه السر وأخفى، يعلم منه خائنة الأعين وما تخفي الصدور فيسارع في تطهير قلبه من الحسد والضغينة ويتمثل دعاء إخوانه من قبله الذين أثنى الله عليهم لدعائهم إياه بإزالة الغل من قلوبهم { ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } . (1/15)
صفحة 16
أخي المسلم: إن شخصية المسلم شخصية مستقلة في قولها وفعلها بل حتى في تفكيرها وتوجهاتها ذلك لأنها تعيش لهدف وتسعى لهدف ترى أن وجودها مقرون بتحقيقه فلا يهدأ لها بال ولا يقرّ لها قرار حتى تصل إلى هدفها أو تهلك دونه لذلك كانت الشخصية الإسلامية أقوى ما تكون تمسكا بمبادئها ولو كان ذلك على حساب النفس والنفيس والطارف والتليد ولقد ضرب لنا القدوة المربي والرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - أروع مثال في ذلك عندما حاول المشركون ثنيه عن عزمه وإرجاعه عن هدفه عرضوا له المال فإن كان فقيراً أغنوه وعرضوا له السيادة وعرضوا له النساء وكل ذلك لا يزيده إلا تقبضاً بمبدئه حتى قال: (( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه )) وإن مما يندى له الجبين أن نرى الواحد يبيع مبدأه بثمن بخس إذا ما عرضوا له المال أو الجاه أو النساء وهي كلها تصب في حب الدنيا الذي هو رأس هوان الشخصية أيا كانت وإذا ما داهم هذا الخطر الشخصية المسلمة فإن الهشاشة والضعف ستجدان سبيلهما إلى الإطاحة بالمسلم وفتنته عن دينه ولقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمة من أن تؤول إلى هذا المآل بقوله:
(( يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أمن قلة يا رسول الله، قال: لا إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم وليقذفن الوهن في صدوركم، قيل له: وما الوهن يا رسول الله، قال: حب الدنيا وكراهية الموت)) .
? الفهم الصحيح للإسلام :
مما لا شك أن التأثر النفسي بشيء ما بغضاً أو حباً له الدور البارز في إقدام النفس إليه أو إحجامها عنه فإذا ما أخذت النفس عن ثقافة من الثقافات أو فكر من الأفكار انطباعاً حسنا تبنت ذلك الفكر وانتصرت له وسعت لتحقيق أهدافه والعكس في حالة بغضها لفكر ما. (1/16)
صفحة 17
إن تصور الناس لحقيقة الالتزام تعكس في أفعالهم وأقوالهم ما تنطبع به نفوسهم فمن الناس من يتصور أن الالتزام والتمسك بالدين تمسكاً شديداً يطبق معه المسلم كل أوامر ربه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يعد غلواً وتزمتا لا يستطيع الملتزم معه العيش في الحياة بسلاسة، لذلك كثيراً ما يطلق هؤلاء على من يتمسك بالدين لفظ التعقد والانقباض والغلو، بينما ينطبع أناس عن الالتزام بانطباع حسن فيحبون الملتزمين ذلك أنهم يرون الالتزام درجة سامقة لا يصلها إلا صاحب القوة الشديدة والعزم الأكيد ويرون أنفسهم دون ذلك، إما لأنهم واقعون في براثن معصية لا يستطيعون الفكاك عنها لغلبة هوى النفس أو فرض الواقع البيئي عليهم ذلك الحال، وصنف ثالث يرون أن الالتزام قمة السعادة فيسعون إليه وينخرطون في سلكه ويرون أنفسهم مقصرين تجاهه فيندفعون كل يوم قدماً إلى الكمال والالتزام، هذه تصورات عدة عن حقيقة التمسك بالدين فما هو التصور الحقيقي الذي يجب على المسلم أن
يتصوره تجاه دينه؟ .
أخي الكريم: إذا أردت أن تعرف حقيقة الدين فألق ببصرك إلى رسوله الأمين ونبيه الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - لتعرف حقاً أن هذا الدين دين يجمع بين الحزم دون مغالاة وبين الترويح دون إفراط فديننا الحنيف دين اعتقاد ودين سلوك ومنهج حياة وهو الدين الذي يرتقبه العالم بأسره ليجد فيه الحضارة الحقة التي نعمت الأمة بها ردحاً من الزمن، ثم استهوتها الأهواء فجربت أحكام الناس وتشريعاتهم وأفكارهم، فكان ما كان من ضجة العالم الشديدة في جميع مجالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن من الخطأ أن يظن المسلم في دينه القصور أو أنه صالح لزمان دون آخر، ولقد صدق القائل:
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا (1/17)
صفحة 18
إن الخطورة أكثر ما تكمن عندما يتسرب إلى قلب المؤمن أن الاستمساك بهذا الدين في العصر الحاضر صعب أيما صعوبة نظراً لشيوع الفتن وكثرة الفساد وانتشار الرذائل، ولكن الحقيقة هنا أن المؤمن هو المتصرف وليس العصر المتصرف فيه فهو القائد وهو الموجه، وما أحسن كلمات الشاعر الكبير محمد إقبال عندما قال: إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه مسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد)) .
أخي الكريم، إنك في زمان عرف الإسلام وفتح له الأبواب، ولئن كانت في هذا الزمان فتن فإن شأن الفتن ليس وليد الأمس ولقد ابتدأ هذا الدين بعد أن لم يكن ففتح له الناس صدورهم وتمسكوا به فأكرمهم بالعزة حتى قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : " نحق قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله" . (1/18)
صفحة 19
إن طبع النفس وهواها يميلان إلى الإباحية المطلقة وإلى المتعة الدائمة بدون قيود، وهذا ما لا يرضاه الإسلام، فهوى النفس مقيد بضوابط لا بد منها لتستقيم الحياة، والشهوة محترمة في الإسلام غير منكرة لكنها منظمة وهذا التنظيم هو الذي فهمه بعض الناس تزمتا أو غلواً، جعل منهم ينظرون إلى التمسك قيداً مانعاً من السعادة، بل صوّر لهم أنه حاجز يحول بينهم وبين ما يشتهون، ولو أنهم تفكروا فيما منعه الإسلام عليهم، لوجدوا السعادة تنبثق منه، كما أن الحرية معتبرة في الدين ولها منزلتها ولا يد لأحد على غيره في حريته، بشرط أن لا تعتدي على حقوق غيرك من منطلق حريتك وألا يبدر منك ما يسخط الله من منطلق حريتك فأنت حر في جمع شهوة المال لكن ليكن جمعك حلالاً، وأنت حر في طعامك وشرابك بنفس الشرط كذلك وهو الحلال، وهكذا الحال في نكاحك، لك أن تنكح من تشاء بشروط النكاح الحلال، أما أن ينطلق المرء بدافع حريته ليجمع المال من حله وحرامه، أو ينطلق من حريته ليشبع نهم غريزته و لو كان على حساب أعراض الناس، أو يأكل ويشرب ما وقع في يده ولو كان مضراً لها فهذا ما يأباه الإسلام حفاظاً على حرية المسلم لأن الشهوة تستعبد الإنسان إذا أنساق وراءها، واللذة تأسر المرء إذا اتبعها، والإسلام يرفض أشد الرفض عبد الدرهم والدينار هكذا سماه الحديث النبوي فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( تعس عبد الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة )) وعلى كل فالدنيا محل اختبار وهذا شأنها كما أوضحها الحديث الشريف الذي يرويه مسلم: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر )) .
والله أسأل أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجمعين . (1/19)