صفحة 1
الكتاب: لقاء جريدة عُمان مع الشيخ أحمد السيابي في قضايا فكرية
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] عالج لقاء جريدة عمان في يوم الجمعة الماضي مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي قضايا فكرية كثيرة وأدلى برأيه فيها
وقد طابق رأي الشيخ في الكرامة ( التي كثر الحديث فيها لأختلاف الناس في أمرها ) رأي الشيخ خميس العدوي والاستاذ خالد الوهيبي في كتابهم الاخير الايمان بين الغيب والخرافة
وهذا نص اللقاء :
الإسلام نقل المرأة نقلة نوعية حضارية!
الكرامة موجودة ولكن من غير تغيير في نظام الكون ونواميسه
حوار ــ سليمان بن مسعود الراشدي
العقل واستعمالاته ودوره في حياة الانسان وفي تكريمه من قبل مبدع الأكوان أمر ليس بخاف على ذي بصر وبصيرة كذلك فإن الكرامة الإلهية للإنسان عموما وما اختص به المولى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين الذين اوقدوا شمعة عقولهم فاستنارت لهم مسالك الحياة الموصلة الى رضا الرحمن وسعادة الدارين، وايضا ما منحه الإسلام للمرأة من تكريم ورفع للشأن وما منحها من حقوق تجعل المرء يقف مشدوها متعجبا من كمال التشريع الاسلامي وتناسقه مع السنن الكونية الربانية كانت هذه المحاور محور الجزء الثاني من الحديث مع سعادة الشيخ أحمد ابن سعود السيابي الأمين العام بمكتب المفتي العام للسلطنة وهو مفكر مبدع يتقلد منصب خبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي، وهو عضو في مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي في الاردن، عندما تدخل عليه يستقبلك بعقله وبقلبه يفرش لك الارض معرفة وفكرا، يضيء جوانب شتى في حنايا النفس كانت تعصف بها الافكار، فتستقر في وضعها الصحيح، يدعو الى الخير والإصلاح القويم بالتي هي احسن، وليس للتزمت إليه سبيلا، التقيته فحاورته فكان يملي علي دررا ولآلئ، يقود دفة سفينة المعرفة بفكر وقاد يقرأ بوصلتها الفكرية بفكر عصري متجدد متوائم ليرسو بها في مراسي المنهج القرآني والسنة النبوية فإلى ما قاله سعادته:
? ما دور العقل في ارشاد المؤمن نحو الإيمان بالغيبيات؟ (1/1)
صفحة 2
?? الإيمان بالغيب مصدره معروف هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة وينزل هذا على فهم العقل السليم لهذين الوحيين فما يأتينا عنه صلى الله عليه وسلم هو وحي يوحى بلا شك من الله تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى)، وكذلك القرآن فهو معلوم على أنه كتاب منزل من الله تعالى خطابا للبشرية، فاصبح لا بد من معرفة الغيب عن طريق هذين المصدرين مع استعمال العقل فيهما إذ لا بد من وجود هذين المصدرين مع وجود عقل يفهمهما ويستوعبهما، وهنا يأتي دور العقل في فهم النص ويأتي دور النص كدليل على الإيمان بالغيب.
كرامة الأولياء
? هناك رؤى متفاوتة حول الكرامة للأولياء، كيف تنظرون الى الامر؟
?? الكرامة في حد ذاتها موجودة وهي تنقسم الى قسمين؛ كرامة عامة لبني البشر جميعهم، وهو خلق الله تعالى لهم، وإنعامه عليهم بالنعم الكثيرة كما يدل عليه قوله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). وهناك كرامة خاصة وهي للمؤمن الولي، وهذه من وجهة نظري لا تكون إلا لحصول منفعة لذلك الولي المؤمن أو لدفع أذى عنه لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) ولقوله تعالى (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة).
فالكرامة موجودة بدءا من خلق الانسان نفسه وما هيأ الله له من الرزق وما هيأه له من أسباب الحياة فهي كرامة، وايضا فإن الكرامة للمؤمن هي في حدود الأسباب والمسببات وليست هي خرق لنواميس الكون وليست هي بأن يخل الله بنواميس ونظام هذا الكون البديع لكي يثبت كرامة انسان. (1/2)
صفحة 3
ثم إن أناسا توسعوا في مفهوم الكرامة فاصبحوا يقولون لكل امر بسيط بأنه كرامة وكأنهم يخرقون نظام هذا الكون في سبيل تسخير هذا الخرق وتداعي الكون لشخص ما، وطبعا هذا أمر مبالغ فيه، فالكرامة بحد ذاتها موجودة للانسان وللمؤمن كمؤمن ولكن من غير تغيير في نظام هذا الكون ونواميسه.
كذلك فإن الله ربط اسبابا للمسببات فالله سبحانه وتعالى يقول (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) وغير ذلك من الآيات التي تدل على ذلك، فليس معنى ذلك ان الإنسان اذا اصابه امر ما وهي سنة الحياة بأنه نقمة او كرامة؛ فقد يصاب احيانا المؤمن ويصاب المستقيم في دينه ويصاب غير المستقيم في دينه لكن هناك من يعتبر ان ما يصيب المستقيم في دينه هو كرامة من الله له وتذكير الى غير ذلك بينما ما يصيب غير المستقيم يعتبرونه كأنه نقمة إلهية من الله مع أنها نفس الاصابة، لكن هذه هي الحياة فأحيانا ربما يبتلى المستقيم في دينه أكثر من غيره واحيانا يحدث العكس وكل شيء بقدرة الله تعالى ولكن هذه القدرة بناها الخالق جل وعز بربط الاسباب بالمسببات في هذا الكون. فليس كل ابتلاء هو نعمة او هو نقمة إنما الامر هو ان الجميع خاضع لما قدره الله عليه، صحيح انه قد تكون نقمة او نعمة في بعض الحالات والظروف، وقد تكون لأمر أراده الله ولحكمة يعلمها في ذلك.
بلوى الشائعات
? تسري في بعض الاحايين شائعات هنا وهناك ما هو موقف الاسلام منها وكيف حاربها؟ (1/3)
صفحة 4
?? الشائعات هي جزء من الحرب النفسية، ولا شك بان الإسلام حاربها لأن الإسلام يريد الخبر اليقين والشائعة هي دائما الخبر غير اليقين فهي تنبني على الخبر الكاذب وأما الخبر الصادق فلا يقال له شائعة فلذلك نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ) فالجهالة هنا معناها الخبر الكاذب فهي نتيجة له، لانه دائما الذي يبنى على الخبر الكاذب هو الجهل وليس العلم فالعلم يبنى على الخبر الصادق، فلكون ان مصدره ذلك الخبر الكاذب انبنى عليه الجهل فلذلك حذر الله تعالى منه المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) ويقول كذلك (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فدائما الشائعة هي جزء من الحرب النفسية، من متضادِين في الحياة فمبناها الخبر الكاذب ومبناها العداء للشخص الآخر فالإسلام حرم ذلك في كثير من آياته.
ولا شك ان المقصود في قوله تعالى (فَتَبَيَّنُوا) باستعمال العقل فعندما أفند الشائعة واعتبرها كذبا، فهنا استعمال العقل (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ) أي عليكم استعمال العقل حتى تعرفوا أن هذا الخبر كاذب وأن هذه اشاعة فقط. (1/4)
صفحة 5
أما العلاج فيكون اولا بكثرة القراءة والاطلاع، والوعي بحقيقة الإيمان بالغيب، ولاشك ان المهم ايضا ضرورة اعطاء العقل دورا في فهم كتاب الله تعالى وفي فهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، واستقصاء الموضوع من حيث الأدلة حتى يخرج الإنسان بالحكم الشرعي الصحيح في هذا الجانب، فالمقصود من الإنسان أن يكثر من القراءة المتنوعة في الموضوع وأن يطلع على جميع الآراء، وعليه ان يميز بين هذه الآراء مستعملا للعقل، وعلينا ان نعلم ابتداء ان النص الصحيح دائما هو موافق للعقل، اما النص غير الصحيح فهو الذي يختلف معه العقل. فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (استفت قلبك يا وابصة وإن أفتوك وأفتوك)، كما جاء في هذا المعنى.
موضوع قديم جديد
? موضوع المرأة قديم جديد تختلف حوله الآراء وتتشعب كيف كرم الإسلام المرأة وما هو الدور المناط بها؟
?? موضوع المرأة لا شك انه موضوع قديم حديث وهو موضوع متجدد بتجدد الحياة، لانه متعلق بحياة وحركة الإنسان رجلا كان او امرأة، فبالتالي فموضوع التجديد فيه دائم لذلك نرى الكثير من المؤتمرات تعقد لمناقشة قضايا المرأة وأحوال المرأة يكاد يكون في كل عام هناك مؤتمرات ومؤتمرات تعقد هنا وهناك لمناقشة هذه القضايا وآخرها الندوة التي عقدت في قاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر التي نظمها مركز السلطان قابوس للثقافة الاسلامية بعنوان (ندوة المرأة المسلمة وقضايا العصر) وغيرها من الندوات. (1/5)
صفحة 6
ولا شك ان هناك احكاما اسلامية وهناك ممارسات اجتماعية، وقد تكون تلك الممارسات احيانا غير متسقة او متناسقة مع تلك الأحكام الاسلامية، فهنا يبدأ الخلل، فلا شك ان الإسلام انتقل بالمرأة ونقلها نقلة نوعية حضارية، فكلنا نعرف كيف كانت المرأة تعامل في القوميات والعرقيات السابقة التي كانت تعامل المرأة تلك المعاملة القاسية التي عرفنا انها تعاملها ايضا من منطلق ديني بمعنى اسقاط الحكم الديني على تلك المعاملات، عندما جاء الاسلام انتقل بالمرأة نقلة ضخمة جدا وكبيرة من التكريم لها، فاعتبرها انسانا بجانب الرجل فكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما النساء شقائق الرجال) فلفظة الشقيقة نفسها توحي بمدلول المساواة والنصفية أي ان الرجل نصف والمرأة نصف وهو ما يعبر عنه بـ (المرأة نصف المجتمع) وأن شق الشيء هو نصفه، فقول الرسول بأنهن شقائق للرجال فيه إيحاء كبير لأهمية المرأة بجانب الرجل اجتماعيا وغيره، فالاسلام لا شك انه كرم بني آدم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وهو بلاشك ان معناه الرجل والمرأة وليس التكريم مقتصرا على الرجل، فمعاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجاته وبناته وكيف كرم المرأة حتى إنه اخذ على النساء البيعة بدءا من بيعة العقبة الأخيرة الثانية او الثالثة على قول ان هناك ثلاث بيعات او بيعتين ولكن البيعة الاخيرة كانت فيها المرأة موجودة ثم في المدينة اخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من نساء المهاجرين ونساء الأنصار فهذه نقلة نوعية للمرأة انها تشارك في الحياة الاجتماعية، والبيعة في الحقيقة ليس مقصودا بها فقط الإسلام وإنما المقصود بها الدخول في المنظومة الإسلامية الكاملة، منظومة التشريع منظومة العمل منظومة تكوين الكيان الإسلامي كله، منظومة تكوين المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، فقد كان بإمكان النبي ألا يحتاج الى بيعة وإنما يقول بالشهادة وتنتهي القضية ولكنه اخذ منهن البيعة كدليل على (1/6)
صفحة 7
أهمية المرأة في الحياة والمشاركة فيها والمشاركة في بناء الدولة الإسلامية والمشاركة في بناء المجتمع الإسلامي والمشاركة في كل هذه المنظومة الإسلامية بتشريعها بإيمانها بعباداتها بأعمالها.
فالإسلام فعلا انتقل بالمرأة نقلة كبيرة أما ما وجد من ممارسات ربما تكون جاءت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم او بعد عصر الخلافة فهو رجوع الى العادات التي كانت قبل الإسلام من تهميش المرأة ويحدث اكثر في المجتمعات البدوية او الصحراوية او المجتمعات بشكل عام حصل فيها تهميش للمرأة، فتلك النقلة التي انتقل به الإسلام للمرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع الاسف لم تطور وإنما رجعت المرأة كما كانت قبل الاسلام في التعامل معها وكان من المفترض ان تطور تلك التجربة الإسلامية بما يتناسب مع كل مرحلة من مراحل العصر في التوسع ولكن الذي حصل ان المرأة فعلا رجع بها الى التهميش من جديد والتجربة الإسلامية النبوية لم تطور في هذا المجال. (1/7)