صفحة 1
الكتاب: لقاء مع الشيخ أحمد الخليلي حول أهم قضايا الإسلام والمسلمين
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] لقاء مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان
حول أهم قضايا الإسلام والمسلمين
فلسفة الصيام
* فلسفة الصيام العظيمة.. ما هي أبعادها؟
- الصيام عبادة من العبادات التي تبعث في النفس روح التقوى ولذلك نيطت بالتقوى في القرآن الكريم كما نيطت بها سائر العبادات والله تعالى يقول في مطلق العبادة:
{ (1/1)
صفحة 2
ا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ويقول في الصيام: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } , فالغاية من الصوم كالغاية من سائر العبادات هي تقوى الله وهذا إنما يحصل إذا أدى الإنسان هذه الفريضة على الوجه المشروع بحيث لا يكون صيامه هو مجرد الكف عن الأكل والشرب وقضاء الوتر والجنسي فحسب بل بجانب ذلك أيضا أن يضبط نفسه وإن يقيد جوارحه عن كل ما هو مستقبح من الأقوال والأعمال فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لا صوم إلا بالكف عن محارم الله ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام :" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل الصيام مدرسة خلقية يعود فيها الإنسان نفسه احتمال الأذى من الغير فالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم " الصيام جنة إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم" فترون أن النبي صلى الله عليه وسلم يربي أمته من خلال هذه الفريضة على مكارم الأخلاق ويعودها محاسن الطباع بحيث يأمرها أن تحتمل الأذى من الغير وأن لا تقابل الإساءة بمثلها فإن بدرت من احد بادرة السوء تجاه أخيه الصائم فليس له أي الصائم أن يتشفى منه وينتقم بل يقابله بقوله أنى صائم ليذكر نفسه أولا أنه في حالة عبادة مقدسة هذه العبادة تتنافى مع إشباع رغبة النفس بالتشفي والانتقام ثم بجانب ذلك أيضا يذكر الآخر الذي بدرت منه هذه البادرة السيئة بأنه أيضا في حالة الصوم أن كان هو من المسلمين وإن صيامه يتنافى مع هذا الأمر الذي صدر منه فعليه أن يراجع نفسه سماع هذه الكلمة أيقاظا لشعوره وتنبيها لإحساسه بأن الإسلام دين عظيم فالإسلام إذا كان الإنسان في عبادة من عبادته يطالب بأن يحتمل (1/2)
صفحة 3
الأذى وأن يقبل الإساءة بمثلها وبجانب ذلك أيضا فإن الصيام يربي في الإنسان العزيمة ويربي فيه الضمير فالصائم قد يكون في مكان خال لا يراه احد من الناس وهو في حالة الجوع أو الظما ولكنه يمتنع عن الطعام وعن باقي الشراب بسبب خوفه من ربه ومحاسبته لنفسه ومع هذا أيضا الصيام يوقظ الشعور بالرحمة فإن الصائم عندما يتضور جوعا يتذكر الفقراء والمساكين الذين قد تعوز احدهم لقمة العيش فيعمل نهاره في سبيل تحصيلها وهذا شعور يدفع هذا الصائم إلى مواساة إخوانه الفقراء والمساكين إلى غير ذلك فمن هنا تتحقق الغاية التي شرعت من اجلها الصيام وهو الوصول إلى ساحة التقوى تحقيقا لقوله الله تعالى: { لعلكم تتقون } .
استغلال التكنولوجيا
* إلى متى سنظل في حالة التضارب إزاء رؤية الهلال في العالم الإسلامي؟ وهل من الممكن أن نستغل التكنولوجيا والعلم الحديث في خدمة رؤية هلال رمضان؟ (1/3)
صفحة 4
- أن صيام شهر رمضان الكريم عبادة من العبادات التي تنبني على حالة كونية طبيعية كالعبادات الموقوتة الأخرى فإن الله سبحانه وتعالى فرض الصلاة في أوقات معلومة حيث قال عز من قائل: { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } , وقال عز من قائل: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } , فالصلوات الخمس تعلم وجوبها من هاتين الآيتين الكريمتين كما يدل أيضا على أن أداءها موقوت قول الله عز وجل من قائل: { إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً } , ونحن ندرك أن هذه الحالة الطبيعية الكونية التي نيطت بها الصلاة وهي دنوك الشمس وغسق الليل والفجر هذه الحالات تختلف بين منطقة وأخرى فمن المعلوم قطعا أن الكرة الأرضية يتداقب عليها الليل والنهار باستمرار ففي منطقة من المناطق تكون ساعة من الساعات صبحا وفي منطقة أخرى ضحا وفي منطقة أخرى زوالا وفي منطقة أخرى عصرا وفي منطقة أخرى غروبا وفي منطقة أخرى ما بعد الغروب وفي منطقة أخرى منتصف الليل وهكذا فالليل والنهار يلفان هذه الكرة الأرضية باستمرار ونحن ندرك أننا عندما نصلي الظهر مثلا في بلدنا فإن طائفة أخرى من المسلمين يصلون العصر في ذلك الوقت وطائفة تصلي المغرب في ذلك الوقت وطائفة تصلي العشاء في ذلك الوقت وطائفة تصلي الفجر في ذلك الوقت وقد شاء الله سبحانه وتعالى في جميع أوقاته ومن خلال اختلاف الأوقات بين منطقة وأخرى كذلك الصيام نيط برؤية الهلال وعلماء الفلك أنفسهم يثبتون أن رؤية الهلال يختلف أمكانها بينه منطقة وأخرى بحسب اختلاف تلك المناطق بوجودها على رقعة ما من هذه الأرض فقد تكون الرؤية مثلا ممكنة من الأوقات في الولايات المتحدة لأنها على جهة الغرب والليل (1/4)
صفحة 5
والنهار يتأخران عن ما هما عندنا وقد تمكن هذه الرؤية في بلاد المغرب مثلا ولا تمكن في بلد آخر وقد حدد العلماء أنه يمكن أن يحصل التفاوت بين منطقة وأخرى بما إذا كان التباعد بين منطقتين بمقدار 500 ميل جوى ومن أجل ذلك قد يكون هنالك اختلاف لأن هؤلاء وهؤلاء يأخذون بالرؤية جميعا ويعتمدون عليها في إثبات رؤية الهلال فيرى الهلال في منطقة ولا يرى في منطقة أخرى لهذه الأسباب التي شرحناها وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذه الحالة فقد أخرج الإمام مسلم وأصحاب السنن عن كريب مولى عباس رضي الله عنهما قال: أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبدالله بن عباس إلى معاوية بالشام فاستهل على هلال شهر رمضان وأنا بالشام فلما قضيت حاجتها ورجعت إلى المدينة سألني ابن عباس ثم قال متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية وقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نرى الهلال فقلت أولا تكتفي برؤية معاوية وصيام قال لا هكذا امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قمن المعلوم إن الصحابي عندما يقول أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهانا عن كذا يعطي كلامه حكم الرفع إلى الرسول صلى الله عليه أفضل الصلاة والسلام وقد قال العلماء بأن مجرد قول الصحابي كنا نؤمر بكذا أو كنا ننهى عن كذا يعطى حق الرفع فكيف إذا صرح بأن الأمر أو الناهي هو الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما يمكن أن توضع ضوابط معينة هذه الضوابط قد تقلل من الاختلاف وذلك أننا ندرك إدراكا لا ريبة فيه لأن بعض الناس يتسرعون في إثبات رؤية الهلال من غير يقين ومن غير ترو وإنما بمجرد أن يأتي آت ويقول أنه رأى الهلال سارع الناس إلى قبول قوله وهذه قضية خطيرة فأننا نجد أن الهلال قد يعلن عنه في مكان ما ثم يأتي اليوم الثاني ولا يبصره أحد وقد يأتي اليوم الثالث ولا يبصره إلا القليل (1/5)
صفحة 6
النادر فمن اغرب الأمور أن يرى الهلال أو القمر بالاحرى في جهة الشرق في نفس اليوم ثم يعلن عن رؤيته في جهة الغرب في مساء ذلك اليوم يرى في صبيحة ذلك اليوم في جهة الشرق ثم يعلن عن رؤيته مساء في جهة الغرب هذه قضية غريبة جدا لأنه من المعلوم أنه لا يتأتى أن يرى في الشرق في نفس اليوم ويرى في الغرب في نفس اليوم إلا اللهم في المناطق الشمالية النائية فيطول النهار فيها صيفا طولا فاحشا فيطول النهار يمكن أن يرى في الشرق وأن يرى في الغرب في يومين في العام كما قال علماء الفلك ولا يمكن أن يكون ذلك في سائر العام على أن هذه الحالة قد تحصل في الشتاء والنهار يكون قصيرا جدا فيتعذر أن يرى الهلال في نفس اليوم في الشرق ويرى في نفس اليوم في الغرب بل هذه المناطق التي نعيش فيها يتعذر ذلك تعذرا تاما بسبب أننا لسنا بعيدين جدا عن خط الاستواء فالصيف وأن طال فيها نهارنا لا يطول طولا فاحشا ولهذه الأسباب مع أسباب أخرى يمكن أن نعول على الفلك في تحديد ما إذا كانت الرؤية ممكنة أو غير ممكنة فإننا نرى علماء الفلك كثيرا ما يصرحون بأنه لا يمكن أن يرى هلال في مساء يوم كذا ولكن سرعان ما يعلن عن رؤيته في مساء ذلك اليوم مع أن علماء الفلك يقولون خلاف ذلك تماما فبالامكان إيجاد المراصد التي تحدد سير الهلال ومدى تأخره عن الشمس حتى تمكن رؤيته أولا تمكن رؤيته بل نجد نحن علماء الفلك كثيرا ما يصرحون في يوم ما أن الهلال لا يولد في ذلك اليوم إلا بعد غروب الشمس ولكن يعلن عن رؤيته وراء الشمس فهذا أمر غريب جدا من أجل ذلك بالإمكان الاستفادة من التكنولوجيا في تحديد ما إذا كانت الرؤية ممكنة أو غير ممكنة ويرد ما لا يمكن قطعا لأن الشهادة أن خالفت الأدلة القطعية ردت عند جميع الفقهاء.
خصوم الإسلام
* كيف نتصدى لمحاولات النيل من الإسلام وبخاصة أن العديد من دول أمريكا وأوروبا أعلنت أن الإسلام عدوها الأول؟ (1/6)
صفحة 7
- هذه الأمور ليست وليدة الأمس أو اليوم فإنما هذا أمر عميق عمق التاريخ وجذوره عميقة في أحشاء التاريخ ذلك لأن الله تعالى يقول: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } , ويقول الله تعالى في الكفار: { وودوا لو تكفرون } , وهم غير راضين مهما جاء الإسلام بالخير وجاء الإسلام بالمساواة بين البشر وجاء الإسلام بالعدالة وجاء الإسلام بالحق وجاء الإسلام بالهدى أعداء الإسلام لا يفتأون ويصورونه شبحا مخيفا وخطرا رهيبا ولا أدل على ذلك من تلك الحروب الصليبية التي أتت على الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل مع أنه من المعلوم قطعا أن القائمين على هذه الحروب عندما كان المد الإسلامي يمتد باستمرار كانوا ينعمون بما لم ينعموا بهم في ظل دولهم فالأمة الإسلامية عندما امتد نفوذها في رقعة كبيرة من الأرض حصلت بسكان هذه المناطق التي امتدت فيه نفوذ الإسلام والمسلمين من الاستقرار والخير والهدوء ما لم يكن حاصلا في أي وقت من الأوقات ونعم غير المسلمين بما لم ينعموا به في أي دور من ادوار التاريخ حتى أن الرجل الكتابي الذي كان يقدم دعوى على الخليفة المسلم وينصف له من الخليفة بحيث يوقفه القاضي موقفا واحدا مع الخليفة ويستمع إليها جميعا وعندما تعوز البيئة الخليفة يقول له يا أمير المؤمنين أما بينتك وإما يمينك هكذا الإسلام يعامل أولئك الناس وكفي بعد ذلك قلبوا المجن في مواجهة الإسلام والمسلمين وعملوا تلك المجازر ولا أدل على ذلك من تلكم العاملة البشعة والمجازر الرهيبة التي حصلت في بلاد الأندلس بعد ما قلب المجن على المسلمين فعلى أي حال هذه الأمور غير مستغربة ولكن مهما يكن من أمر فإن الواقع كما يقول الله تعالى: { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } , نحن ندرك تمام الإدراك أن الإسلام (1/7)
صفحة 8
وحده هو الذي يقدم الحلول المختلفة إلى الإنسانية بأسرها رغم تباين مشكلاتها ورغم اختلاف حالاتها والأنظمة التي سادت الأرض في هذه العصور لم تقدم حلا من الحلول فنجد مثلا الشيوعية ما هي إلا في الحقيقة ردة فعل للظلم رأسمالي ولكن ماذا كانت عاقبتها بعد أن صورت للناس أنها الفردوس الذي يحلمون به فإذا بها تتكشف عن سعير لا يطاق وإذا بسدنتها والمحافظين عليها هم الذين يلقطون بنيانها حجرا حجر هذا من الأدلة التي تثبت أن القيم المادية لا تبني شيئا مع انحسار القيم الروحية وقد اخذ غير المسلمين الآن يعترفون بمثل هذه الحقائق فنجد أن جورباتشوف نفسه يصرح ويعلن بأن البديل لا يكون في الرأسمالية ولا يكون في الاشتراكية وإنما يكمن في حلا آخر وقال علينا أن نكيف أنفسنا في ظل حضارة جديدة فأي حضارة هذه إلا حضارة الإسلام دين الله تعالى ومع هذه المشاكسات ومع هذه الحروب الدامية ضد الإسلام والمسلمين نجد أ، المد الإسلامي الحمد الله يتخطى الحواجز ويقتحم السدود ففي أمريكا نفسها وفي أوروبا نفسها يتزايد عدد المسلمين يوما بعد يوم بحمد الله تعالى وبفضله.
أين الخلاص ؟
* المسلمون يقتلون في مواقع عديدة من العالم أما بأيديهم كالصومال وأفغانستان وأما بيد أعداء الإسلام كالبوسنة وغيرها... أين الخلاص يا سماحة المفتي؟ (1/8)
صفحة 9
- الخلاص في الرجوع إلى الله أما الذين يتقاتلون بأنفسهم فهم في الحقيقة يتقاتلون على المناصب ونحن نتأسف كثيرا أن يحرص المسلمون على الغنائم بعض النصر كالذي حصل في أفغانستان فإن الغنائم يجب أن تكون ليست مناصب يحرزونها وإنما قوة الإسلام وظهور الإسلام ولكن الذي حصل خلاف ذلك وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على أن الوازع الإيماني أصبح ضعيفا فيهم أمام مطامع حياة الدنيا ومن هنا كان الواجب اللجوء إلى الإيمان والذي يوحد ولا يفرق ويجمع ولا يشتت ويؤلف بين القلوب ولا يخالف بينهما وكذلك الذي يحصل في الصومال فهو نتيجة السعي إلى المناصب وحب الظهور والاستعلاء فسبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ,فالحرص على العلو يؤدي إلى الحرص على الفساد والعياذ بالله وأما الذين يتعرضون للحروب الدامية من المسلمين من قبل أعدائهم الكافرين هذا أمر كما قلت ليس بغريب فإن المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام وضد المسلين هي قديمة قدم التاريخ والله تبارك وتعالى حذرنا غير مرة في كتاب الكريم من الكفار ومعاداتهم للإسلام ونصبهم الحيل لهتك أستار المسلمين واستباحة بيضتهم وتشتيت جماعتهم وإنما الواجب قبل كل شيء الأخذ بأسباب النصر وهي ظاهرة في كتاب الله: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } , فالإيمان الصادق الصحيح الذي يترجم العمل الصالح إلى واقع ملموس بحيث يتجلى في كل جزئية من جزيئات هذه الأعمال وسبب للنصر هذا الإيمان الذي عناه الله عز وجل عندما قال: { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } , فلئن عادت هذه الأمة إلى الأخذ بأسباب القوة والعمل بما فرض الله تعالى أن تعمل به لا ريب (1/9)
صفحة 10
أنها ستنتصر على اعادئها وهذا الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية الآن اخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: " يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها قالوا أن القلة نحن يوما يا رسول الله قال لا أنكم كثير ولكنكم وغثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم وليقذفن الوهن في صدوركم قيل له وما الوهن يا رسول الله: قال حب الدنيا وكراهة الموت" فحب الدنيا هو الذي استأثر بهذه القلوب كما رأينا الآن من التفرق والاختلاف والتنازع على المناصب والتقاتل عليها والحرص على أن يكسب كل واحد قدرا أوفر واكبر منها ومن المعلوم أن السلف الصالح عندما كانوا قلة وواجهوا الكثرة الكاثرة من أعداء الإسلام واجهوهم بسلاح الإيمان والتقوى فعمر رضي الله عنه عندما جند الأجناد لمواجهة اعتى إمبراطورية في ذلك الوقت وهي إمبراطورية أخرى وهي إمبراطورية الروم عندما جند الأجناد لمواجهة هذه الإمبراطورية العاتية زود قائد الجند بنصيحة كانت هذه النصيحة الذخيرة الحية والقوة الفعالة والمرشد النصوح جاء فيها أوصيك ومن معك من الأخيار بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب وأقوى المكيدة على العدو وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا اشد احتراسا من المعاصي من عدوكم فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله فإن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وألا ننتصر عليهم بفضلنا لن نغلبهم بقوتنا واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظه يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ولا تقولوا أن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم كما سلط على بني إسرائيل إذا عملوا بمعاصي الله كفار مجوس فجاسوا خلال الديار واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل (1/10)
صفحة 11
الله ذلك لي ولكم, هذه النصيحة هي القوة التي دمرت قوى الأعداء ومكنت المسلمين الذين كانوا قلة من عدوهم وأظهرتهم عليهم وجعلتهم متفقين متآزرين لأنهم اعتصموا بحبل الله المتين وتبعو نوره المبين واستهداو بذكره الحكيم واستناروا ونهجوا نهجه المستقيم فمكن الله تعالى لهم في الأرض كما وعد بذلك عباده المؤمنين والعمل بكتاب الله وأتباع هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان والذين سيعيد هذه الأمة إلى مكانتها التاريخية حتى تكون قائدة للأمم إن شاء الله.
كلمة أخيرة
* هل تود أن تقول شيئا في نهاية حديثنا هذا ونحن في بداية الشهر الفضيل؟ (1/11)
صفحة 12
- الذي أود أن أقوله إلى أخواني المسلمين من النصيحة بعدما أوجهها أولا إلى نفسي أنني أدعو الكل إلى الاعتصام بحبل الله واستذكار عهد الله فهذا الشهر أكرمه الله بأن جعله ميقاتا لحدث تاريخي عظيم لم تعرف له الأرض مثيلا وهو نزول القرآن فيه عطون على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ليكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان والله عز وجل ذكرنا هذه النعمة العظيمة في شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وقد عظم الله الوقت الذي بدأ فيه نزول القرآن وهو ليلة القدر فجعلها ليلة تفوق ألف شهر في فضلها أي من الشهور التي هي خالية منها أي ليلة القدر فعلى أي حال يجدر بالمسلم وهو يمر بهذا الشهر الكريم أن يستذكر عهد ربه وأن يحاسب نفسه وأن يقف معها وقفة طويلة وأن يتذكر بأنه لم يعد بالخلد بهذه الدنيا فوجوده فيها وجود محدود وحبل أمده فيها قصير وكل لحظة تمر به إنما هي على حساب عمره وقد من الله تبارك وتعالى عليه بأن أن مد في عمره حتى وصل في هذا الوقت مع أنه طوى سبحانه وتعالى ما بين شهر رمضان في العام وهذا الشهر المقبل علينا أعمارا كثيرة لا تحصى من أعمار البشر فيجدر بالإنسان المسلم وهو يمر بهذا الشهر الكريم أن يقف وقفة طويلة لمحاسبة النفس فيها وأن يحرص على أن يكيف حياته وفق تعاليم القرآن وأن يتأمل كتاب الله تبارك وتعالى ويقف مع كل آية منه وقفة طويلة فإن ما فيه من خطاب وتوجيه ونصائح وأمر ونهى ووعد ووعيد موجها إلينا نحن جديرون بأن نستفيد من ذلك كله وأن نحرص على أن لا يمر هذا الشهر ذرا سريعا علينا من غير أن نستفيد بهذه الذكرى العظيمة ذكرى نزول القرآن على قلب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وعلينا أيضا أن نحرص على أن يكون صومنا صوما مرضيا عند الله عز وجل والصوم نفسه يبعث على العمل بما في القرآن ذلك أن الله ربط ما بين الامتنان على عباده بنزول القرآن في هذا الشهر الكريم وما بين فرضه (1/12)
صفحة 13
وصيامه عليهم إذا قال: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } , كما اننى أوصى نفسي وأخواني المسلين جميعا بأن يسعوا إلى كل ما يجمع شمل الأمة وتوحيد صفها وإزالة أسباب الفرقة والخلاف عنها والله ولي التوفيق. (1/13)