صفحة 1
الكتاب: لقاء حول الصحوة لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] محاضرة: لقاء حول الصحوة (1)
لسماحة الشيخ الخليلي المفتي العام للسلطنة
سماحة الشيخ:-
*يعيش العالم الإسلامي صحوة إسلامية وقد فسر بعض المحللين هذه الصحوة أنها ظاهرة عابرة تجاه الإسلام حوارية متباينة وأن هذه الصحوة مثل بقية الظواهر التي تطفو على السطح ولا تلبث أن تضمحل. ما رأيكم في هذا القول؟
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . أما بعد
فإن الإسلام الحنيف هو دين الفطرة. يقول الله تبارك وتعالى" فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (2). وما هذه الصحوة الإسلامية إلا رجوع إلى الفطرة الإنسانية التي فطر الله تبارك وتعالى البشر عليها وهذا التكبير الذي يفسر به كثير من الناس هذه الصحوة ما هو إلا دليل على قصر بالهم وضيق أفقهم وعدم استيعاب فكرهم لحقيقة الإسلام.
فإن الإسلام ليس هو كالمبادئ الأخرى التي هي ولورة التفاعلات الحضارية وإنما الإسلام دين الله سبحانه وتعالى الذي فطر الناس عليه وفي الحديث الشريف " كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبويه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " (3). والتفاعلات الحضارية التي تتصرف بالإنسان من هنا إلى هناك وتنحرف به عن طريق الفطرة هي أمور سرعان ما تلبث وتتلاشى ويعود الإنسان إلى فطرته التي فطره الله تبارك وتعالى عليها، وعودته إلى الفطرة يعنى عودته إلى مبادئ الحق إلى دين الله تبارك وتعالى إلى الأخذ عن الله وعن رسله عليهم أفضل الصلاة والسلام، والله تبارك وتعالى قد أنزل هذا الدين الحنيف على
جميع رسله لوجوه مختلفة يسحب اختلاف الملابسات التي كانت تكتنف رسالات أولئك
(1) الصحوة:- هي انبعاث بعد الخمول والعطاء وتجدد الهمم لبد الرقاد. وفي المختار: ذهاب الغيم.
(2) الروم: 30
(3) رواه البخاري في كتاب الجنائز ص 79 (1/1)
صفحة 2
المرسلين. قد أنزل سبحانه على اتم وجوهه وأوسع مداخله ومخارجه واشمل أحكامه وأدق تعاليمه على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ويبّين الله عز وجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذه الأمة أن ما شرعه لهم من الدين شرعه للمرسلين من قبل فقال " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب "(1). ويتم الله تبارك وتعالى على المؤمنين عندما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - رسالة ربه وأوضح على دينه وبّين لهم ما يأتون وما يذرون. أتم الله على هذه الأرض بقوله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتمتت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً "(2).
والصحوة الإسلامية التي نراها اليوم إنما تجد على أصاله هذا الدين الحنيف وعلى أنه كما أخبر أن يقاوم التيارات التي وقفت في سبيله وحاولت أن تجتاجه حتى تحفز أثره فالدين تحدى جيمع التيارات تحدى التيارات الصليبية والتيارات النسومية والتيارات الشيوعية والتيارات ألإلحادية على اختلافها والتيارات الإباحية المتنوعة فوقف صامداً أمام ذلك كله. ونجد الناس الذين تخلوا عن الإخلاق وانحرفوا عن الصراط السوى وزاغوا عن عقيدة الحق وبعدوا عن منهج الله يعود أولادهم اليوم الذين تربوا في غير أكناف الإسلام إلى صراط الله سبحانه ويتمسكون بأهداب هذا الدين ويعضون على تعاليمه بالنواجد فما ذلك إلا برهان قاطع على أن هذا الدين دين الله وعلى أن الله سبحانه وتعالى عندما أنزله على عباده جعله منصباً في منصب الفطرة الإنسانية التي فطر الله عليها البشر.
سماحة الشيخ:-
* هل تعتقد أن هذه الصحوة ستضحمل كما يقول هؤلاء الناس؟ (1/2)
صفحة 3
أرجو أن تنتشر وتظهر وتأتي على جميع مبادىء الضلال وأصول الكفر كما وعد الله تبارك وتعالى بذلك فالله تعالى يقول " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على دين كله ولوكره المشركون" (3) فسيظهر الإسلام على جيمع الأديان وسيظهر على جميع المبادىء والأفكار وسيذهب بجميع المبادىء الهدامة بمشيئة الله تعالى.
(1) الشورى : 13
(2) المائدة: 3 (3) الصف:9
فضلية الشيخ:-
يقال أن الصحوة الإسلامية نتجت نتيجة تردد فعل المادية التي غطت على كل ما هو محامية اليماني فما مدى صحة هذا القول؟ (1/3)
صفحة 4
الصحوة الإسلامية كما قلت من قبل هي رجوع إلى الفطرة وهي عودة إلى الطريق إلى فطرة الإنسان . . فالصحوة الإسلامية ليست وليدة المتفاعلات الحضارية ولا وليدة المصادفات العمياء كما يتصور كثير من الناس وإنما هي ناشئة عن قدرة الله تبارك وتعالى الذي هدى الفئة إلى طريق الحق وشرح صدورها بالإيمان فجأة من النقيض إلى نقيضه ومن الضد إلى ضده أولا ترون أن الإيمان هو الذي خرج بسحرة فرعون عن ملكهم المادي الذي كانوا يسلكون فقد حكى تبارك وتعالى عنهم عندما كان الحوار بينهم وبين فرعون أنهم " قالوا لفرعون إن لنا لأجر إن كنا نحن الغالبين" (1). ما كانوا ينظرون إلى الحياة إلا نظرة مادية ولا كانوا يطمحون إلا إلى المصالح المالية وقد رد فرعون عليهم بقوله" نعم وإنكم إذاً لمن المقربين" إذاً علم منهم أن الرغبة في الدنيا حب الاستكثار من حطامها وحب الترقي في مناصبها وعندما خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم فإنشرحت به صدورهم تحولوا فجأة عن تلك النظرة التي كانوا ينظرون بها إلى الحياة الدنيا وعن ذلكم المسلك والذي كانوا يسلكون في هذه الحياة إلى نظرة مناقضة لها ومسلك مضاد لهذا المسلك وقالوا لفرعون نفسه فأقض أن تقاتل إنما تقضية هذه الحياة الدنيا. ما كانوا يفكرون بعد ذلك إلا في مرضاة الله سبحانه وتعالى فإذاً الصحوة هذه ليست وليدة التفاعلات الحضارية أو وليدة قضايا معنية وإنما هي وليدة أمر الله سبحانه وتعالى الذي وعد بأن يظهر هذا الدين على الدين كله ومن أصدق من الله قيلاً. فلا بد من أن وعده ينجز جميعا لأنه يعود بالإنسان الذي نشز وبعد عن منهج الحق إلى منهج الحق الذي كثيراً ما إبتعد عنه.
السؤال:-
نسمع كثيراً بأمر باب الألقاب على المتدينين والمتمسكين بأهداب دينهم أمثال التعصب والرجعية والتعقيد والتطرف فما تحليلكم لهذا القول وردكم عليه؟
(1) الشعراء : 41
(2) الشعراء: 42 (1/4)
صفحة 5
الجواب :- هذا أمر غير مستغرب فإنه وجد في جميع العصور فالله تبارك تعالى حكى في كتاب العزيز ما يقول من اختلاف من مسلك المؤمنين الأبرار واعدائهم الكافرين الفجار وما تقوله نظرة الفجار إلى الأبرار فالله سبحانه وتعالى يقول " إن الذين أجرموا كانوا من الذين يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين" (1) فهذه هي سنه الله في خلقه وشأن الفجرة أن يسخروا من البررة وشأن الفجرة أن يتفككوا لهذه السخرية من البررة وأن يستدعوا السخرية منهم والهزء بهم وقد استهزؤا برسل الله سبحانه وتعالى ولقبوهم بألقاب مختلفة. فقيل عنهم مجانين وقيل عنهم سحرة وقيل عنهم ما قيل ولكن هذا كله لن يصدهم عن إبلاغ رسالة الله والقيام بدعوة الله سبحانه وتعالى في أوساط قومهم الساخرين والرسول ? نفسه تعرض لما تعرض له من هذه الألقاب ومن هذه السخرية ومن هذا الهزء. وقد كان القرآن الكريم ينزل عليه ليثبت قلبه عندما كان يقص عليه أنباء المرسلين من قبل وعندما أمر الله تبارك وتعالى عبده ورسوله ? أن يعلن سبيله وسبيل اتباعه أشار إلى الأمر بعد معركة حامية الوطيس ما بين أولئك الرسل وما بين قومهم فالله يقول في سورة يوسف" قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة وأنا ومن أتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"(2) ثم أتبع الله سبحانه وتعالى ذلك بقوله "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين أتقوا أفلا تعقلون"(3) ثم بّين أنه انقلب فقال "حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين. (1/5)
صفحة 6
لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولى الألباب ما كان حديثاً يفُترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفضيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"(4) فالناس في هذه الأونة الأخيرة هم الناس السابقون في طبائعهم وفي مالكهم لا بد من أن يكون هناك صراع ما بين الحق والباطل ولا بد من أن يحاول الباطل أن يشوة الحق بكل ما يعطى من قوة ومن خبرة ومن حيلة حتى يصد الناس عن اتباعها
(1) المطففين :- 29: 31
(2) يوسف : 108
(3) يوسف :- 109
(4) يوسف : 110 (1/6)
صفحة 7
ومن هذا نشأت هذه الألقاب للمتمسكين بدين الله وسموا بالمتطرفين وسموا بالمتعصبين وسموا بالرجعيين وتسجلت عليهم الألقاب المختلفة وقيلت لهم التعابير المتنوعة لأجل تشوية صورتهم في أذهان الناس ولكن الحقيقة لا بد أن تنجلي في يوم من الأيام والحق لا بد أن يشق طريقه فيصل إلى غايته المنشودة وهؤلاء الذين يشوهون صورة المسلم المتمسك بدينه ما يلمزونه به من الألقاب ما يلقونه لهم من هؤلاء يسعون وراء سراب البقيعة يحسبنه مكانهما. وأغلبُ هؤلاء من المنافقين الذين ينتسبون إلى هذه الأمة وهم يتحدثون بألسنتنا وهم من أنباء جلدتنا. ولكنهم كالببغاء ولا يملكون إلا ترداد ما يقوله أسيادهم من الكفرة الفجرة الملاعين ويظنون أن التقدم بإتباع تلكم الطرق الزائغة للحق التي يسلكها الفجار الكفرة من أعداء الله تعالى وأعداء الإنسانية والغاية ان كشف الأمر على حقيقته مهما كانت من محاولة عند اعداء الإسلام لطمس هذه الحقيقة ومهما كانت عندهم من قوة لا بد من أن ينكشف الأمر على حقيقته فهم الفئة المتحللة من دين ويُقيلْ إلى الهاوية ويزهق إلى الجحيم ويسير بمن معه إلى لعنة الله تعالى خزى الدنيا وعذاب الأخرة والعياذ بالله ولكن ليس المتقبلاً بالمعنى الصحيح لأن يتضل إلى ساحة الخير وهو بعيد عن النجاح وقد ثبت فشل هذه المبادىء المنحرفة التي اعتنقها هؤلاء فقد تآكلت والحمد الله المداخل وخرت على وجوهها، تآكلت بنفسها فقضت على وجوهها. فهذه الشيوعية التي كانوا يعتبرونها الآن رمز التقدم ومنال الرقى. ودليلاً على مجاوزة مراحل التقدم أصبحت الآن متآكلة متطاحنة آكله بعضها بعضاً وطحن بعضها بعضاً فهوت على وجهها. فسوف يأتي اليوم الذي تجري فيه مبادىء التاريخ إن شاء الله ولا يبقى لها أي تأثير يذكر بمشيئة الله سبحانه وتعالى وكذلك المبادىء الأخرى من العنبلة والإباحية تتلاشَ كما تلاشت الشيوعية فأما الزبد فيذهب جفائاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. (1/7)
صفحة 8
السؤال :-
إن للشخصية الإسلامية صفات وسمات تميزها عن غيرها من الشخصيات الأخرى. هلا بينتم لناشيئا من هذه الصفات المميزة لها والتي تعد بمثابة العريض للشخصية الإسلامية الواعدة؟
الجواب ? الشخصية الإسلامية تجسد الإسلام في عقيدته في قيمة في مثله في أخلاقه في جميع تعاليمه فالإسلام الحنيف تيزل المبادىء ليكون ديناً مثالياً يذكر ولا يكسر وتيزل ليطبق تطبيقاً دقيقاً. والله تبارك وتعالى بين لنا صفة المؤمن في العديد من كتاب الله ومن ذلك قوله عز من قائل" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً"(1) . ويقول الله عز وجل" إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم" (2). ويقول سبحانه وتعالى" إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون"(3). ويقول عز من قائل" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما"(4). ويقول سبحانه وتعالى"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"(5) . هذه الآيات كلها تدل في مجموعها على أن المؤمن الحق هو الذي لا يتلقى إلا عن الله تعالى وعن رسوله ? ولا يحتكم إلا الله ورسوله ? ولا يرضى أن يقلد في حياته غير رسول ? ولا يحيد قوله ة عن مسلك الحق وموازين الهدى التي أنزلها الله في كتابه وبيّنها رسول الله ? . فالشخصية الإسلامية هي التي تجسد الإسلام كما هو في العقيدة. (1/8)
صفحة 9
الشخصية الإسلامية هي التي تبث بالإسلام في النفوس في العقيدة والتصورات في المدح والسمات في الأخلاق والعادات في كل ناحية من نواحي الحياة بحيث يكون هذا المسلم قرآناً يمش على الأرض وسنة تمش على الأرض ومسلكاً حميداً يمش على الأرض وإيماناً يمش على الأرض وإسلاماً يمش على الأرض فإلىمتى يضرب بعيني الإسلام وإذا مد فإنما يمد يد الإسلام وإذا قبض مقتضيات يقبض يده إيضاً بمثل ما يقتضيه الإسلام وإذا رضى فإنما يرضى بحسب مقتضيات الإسلام وإذا سكت فإنما يسكت بحسب مقتضيات الإسلام فهو يؤثر الله تبارك وتعالى على رضا نفسه و الناس
(1) الأحزاب: 36 (3) الحجرات: 15 (5) الأخراب:21
(2) الأنفال : 2/4 (4) الأخراب: 65 (1/9)
صفحة 10
أجميعن لا يقدم رغبة نفسه ولا رغبات الناس أجمعين على رضون الله سبحانه وتعالى فهو في جيمع السلوك بل في جميع أحواله في معاملاته يذكر ردود الله سبحانه وتعالى وبهذا الدين إلى الناس كانوا قلة في وقت لم تكن توجد فيه وسيلة من وسائل الأعلام إلا الكلمة وحدها ولكن هذه الكلمة كانت تنبعث من أعماق النفس ومن القلب. فكانت لا تلبث أن تغزو أو تغزى القلوب فتصل إلى مركز العقول فتحول أولئك الذين تصلهم من مسلك إلى مسلك ومن حياة إلى أخرى ومن تصور الى تصور وأنها تنبعث من أعماق النفس وأكثر تأثيراً في مبدأ السلوك الذي كان يثبت هذه الكلمة وبالأخلاق التي كان يتجلى وتسابق الناس بالاعتناق لهذا الدين أما الآن توافرت وسائل الإعلان وتوافرت وسائل النقل والمواصلات ولكن ذلك لن يؤثر التآلف في أي مبدأ من المبادئ كما أثرت الدعوة الإسلامية في الصدر الأول وعلى الناس وأن هذه المقومات أصبحت مفقودة الآن فعلى المسلمين أن يستعينوا بهذه المقومات فإن استعانوا بهذه المقومات لن تلبث الدنيا بأسرها أن تمش ورائهم وأن تنقاد لأمرهم وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه وإذا حصل هذا حصل ذلك كله وليست الشخصية الإسلامية التي تجرى وراء المقادير والشهوات وتؤثر رضى الناس على رضى الله تعالى وتؤثر رغبات النفس على طاعة الله سبحانه وتعالى.
السؤال:-
نعيش في هذا العصر على كثير من الأفكار والمبادئ الهدامة التي تسير خط معاكساً لتعاليم الإسلام فما هي أهم الأفكار الهدامة التي تلفت أنظار الشباب المسلم لأخذ الحيطة والحذر؟ (1/10)
صفحة 11
الجواب – كل المبادئ الهدامة المخالفة للحق يجب الحذر منها فالمسلم يجب عليه أن يحذر قطب الشرق وأن يعتبر كل ما خالف دينه مضاراً للحق فالعنبلة التي انتشرت الآن والإباحية وسائر المبادئ التي غزت الأفكار هي التي غزت سلوك المسلم يجب على المسلم أن يحتزرها أنا لا أخص نبذة عن دون أخرى أو فكرة عن دون أخرى فيجب على المسلم أن يحذر من المسئولية وآثارها ومن الشيوعية وآثارها ومن العنبلة وآثارها الحركات المنافية للإسلام والحق يجب على المسلم أن يحذرها فليس هناك نبذة بقصد الحذر. إن هذه الأمة أكرمها الله سبحانه وتعالى بالإسلام ويجب عليها أن لا تنهج لنهج غير الإسلام وأن لا ترجع لرابطة غير رابطة الإسلام فالروابط الأخرى بالإنتساب إليها يعني التفلت من رابطة الإسلام سواء كانت هذه الرابطة قومية أو كانت رابطة عنصرية يجب على المسلم أن يعتزل ذلك كلياً فالله تعالى يقول "وإن هذا صراطي مستقيماً فتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"(1) فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بين هذا في صورة شيء محسوس ترسل خطاة مستقيماً لا عيب فيه ثم رسم خطوطاً متعددة عن اليمين والشمال تطغي عليه. وقد قال هذا صلوات الله عليه وسلم وهذه هي السنة ولا سبيل لغيرها إلا وعلى رأسه الشيطان- فالشيطان يدعوا اتباع هذه السبل إليه. وكل المبادىء المخالفة للحق يجب الحذر منها سواء كانت تؤثر على العقيدة أو كانت تؤثر على السلوك.
السؤال:-
إن إقرارنا لمبدأ السعي لتحقيق وحدة الأمة وترك التنابذ بالألقاب وقد سمعنا من بعض الناس إنها وما للمذهب الأباضي وكتابة "أن المذهب الأباضي مذهب كلامي وأصحابه يتبادلون الجدل ويحاولون إخضاع القرآن والسنة من أجل متطلباته ويحملون إعتناق النصوص التي تتمثل لمن يواجههم نحو آرائهم". فما قولكم في هذا الموضوع؟ (1/11)
صفحة 12
الجواب - قولي في هؤلاء أنهم ينطبق عليهم المثل الذي يقول[ رمتني بدائها وإنسلق] فلينكروا القول بالمعروف. والذين حاولوا طي أعناق النصوص القرآنية والحيثية إذا ما أرتجفوا(4) مع هواهم.
أما الأباضية فإنهم يسعون لتحقيق شيء يؤدي إلى وحدة الأمة وقد كان السبب المعلمين في ذلك منذ قديم الزمان فأبو حمزة الشاري رحمة الله يقول على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله"الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة المشرك بالله والعابد وثن أو الكافرين من أهل الكتاب ذو دايراً وكذلك جميع أئمة الأباضية وعلمائهم في هذا الطريق ويكتبون عن أثارهم الشاهدة على ذلك وينفي ذلك ويستمدون من القرآن الكريم ومن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فالقرآن الكريم دعا إلى وحدة ولم يدعو إلى التفرق بقول الله تبارك وتعالى" إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون"(5) ويقول"إن هذه أمتكم واحدة وأنا ربكم فاتقون" ويقول الله عز وجل محذراً من الفرقة وداعياً إلى الوحدة"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات"(1)
(1) الأنغام : 153 (3) يقال هذا المثل لمن يرمي بعيوب هي فيه أصلاً (5) الأنبياء : 92
(2) أي تسير على نهج سليم (4) أي إذا وقعوا في الباطل (1/12)
صفحة 13
ويبّين الله عز وجل وجوب الاعتصام بحبل الله على هذه الأمة جميعاً وأن لا يتفرقوا ويقول تعالى"يا أيها الذين اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"(2) ويبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطابه له وأنه عليه أفضل الصلاة والسلام بينهم من أولئك الذين يسلكون مسالك مبتدئة لدينهم ويتصرفوا به كأمة إلى مباحث متعددة ومسالك مختلفة بعيدة عن مبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينه الله لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شعياً لست منهم في شيء"(3) وهكذا يسير النهج القرآني والحديث الشريف يسلك هذا المسلك بعينة إذ لا يخرج حلمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسوله القرآن الكريم والنبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف بيسر " المؤمنون لهم يد على مسيئتهم" ويقول أيضاً عليه افضل الصلاة والسلام " المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعىله سائر الجسد بالسهر والحمى"(4) إلى غير ذلك من الروايات المتباقية على الدعوة إلى الوحدة فالذين يحكمون على من تمسك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ورضي بالإحتكام إليها بالكفر والضلال وبالبدعة وبما وراء ذلك ويلقون إلتهم والألقاب هم الذين يسعون إلى تمزيق شيئية وإلى زعزعة أمن الأمة وإلى تقليد سطحها وقد ظهرت آثار هؤلاء الناس جميعاً والحمد لله ولا بد أن يمتد الأمل فيبدوا الصبح وبعينيين والمذهب الأباضي سيظهر للناس جميعاً وإن شاء الله بتقاوته وأصالته وتمكسه بكتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام فالكلام بالألقاب والتهم التي تأتي من قبل أولئك الذين إلا أن يكونوا جهلة وإما أن يكونوا حقاداً أضطربت(5) في نفوسهم نار الحقد على طائفة من المسلمين تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
( (1/13)
صفحة 14
1) آل عمران : 105 (2) آل عمران: 102 - 103 (3) الأنعام: 159
(4) رواه البخاري في كتاب الأدب ص 27 وغيره (5) أي إشتعلت
السؤال التالي، مع إشراقة فجر الصحوة الإسلامية وتمدد كثير من الأوهام التي نسجتها الحضارة المادية ما هي توجيهاتكم لإخواننا الشباب المسلم وهم يشقون طريقهم نحو حياتهم الكريمة لاستعلاء الدين تلك التوجيهات التي تعدها بمثابة القُدسَ المتوقد في وساط الظلام الحالك؟ (1/14)
صفحة 15
الجواب: لا أسلوب توجيه غير توجيه القرآن الكريم وتوجيه السنة النبوية على صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام فغاية ما أدعو إليه الشباب المسلم أن يجعل القرآن الكريم نصب عينيه وأن يجعل سنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه فلا يسير في شيء إلا عن توجيهات القرآن وعن وتوجيهات الرسول وألا يكثر مما نعتاب به كثيراً من الشباب الذين خلعوا رداء الإسلام سيرأؤا من أمته وأصحبوا يلبسون ملابس لا تليق بمن يعتقد عقيدة التوحيد ومن الأفكار ومن السلوك ومن الأخلاق إلى ذلك مم تلبس به أولئك الذين مهدتهم هذه الحضارة الزائفة فحاذوا سوء والعياذ بالله. (1/15)
صفحة 16
وعلى الشباب المسلم أن لا يظن مرحلة الشباب هي مرحلة السعي وراء الشهوات والرغبات وإنما هي مرحلة يجب أن تتسم بالجد والعمل والحزم والصلة بالله سبحانه وتعالى كما كان عليه السلف فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا شباباً ولكنهم لم يكونوا من الشباب الذي يهرع وراء الشهوات ما كان همهم مغازلة الفتيات أو التشبه بهن في التغنج والتكسر أو الإنسلاخ من صفات الرجولة أو العربلة واللهو وإنما كانوا رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار ويذلون النفس في سبيل الله ويدأبون(1) على طاعة الله ويحرصون على راضون الله ليس لهم في هذه الدنيا إلا إقامة الصلاة وإتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله وسواعدهم الفتية هي التي حملت السيوف لأجل حماية دعوة الحق وألسنتهم الطرية هي التي حملت هذه الدعوة فكانت وسيلة لإعلام لها فظهرهم هو الذي يتجسد فيه الإيمان هو الذي قلب مجرى هذه الحياة فدخل الناس في نور الله أفواجاً ولقد وقفنا الله عليهم في كتابه وخَّلد ذكرهم في كتابه لقد قال الله سبحانه وتعالى فيهم"محمدٌ رسول الله و الذين معه أشداءُ على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوارة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فأزره فاستغلظ فأستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين وعملوا الصالحات فما أجدراً أن نمش على طريق السلف وما أجدر شباب اليوم أن يكونوا صورة من شباب الأمس الغابر في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(1) يعملون بجد
السؤال: في البيوت الراهنة في العصر الحاضر تحتم على الشباب المسلم أن يتسلحوا بالثقافة الإسلامية؟ (1/16)
صفحة 17
حسب معرفتي أن المسلمين في العصر الحديث استطاعوا نقد الحضارة الغربية نقداً في العهد المجيد بل إستطاع أن يتصوروها تصوراً تاماً وينقدها نقداً كما يجب ، كذلك أيضاً ذكر أبو الحسن في كتابة ماذا حصل للعالم وما حقق من نجاح كذلك ففي الكتاب تاريخ مهم جداً.
فعلى كل شاب أن يقرأه وله كتابات أخرى لا بأس بها ولكن هذا الكتاب في مقدمه كتبه ومن أحسن كتبه وأيضاً ينبغي أن يقرأ رسالة السيد قطب خصوصاً كتاب "العدالة الإجتماعية في الإسلام " وكتاب " معالم في الطريق" وتفسيره رُبَ لا بأس قد كتب به اراء قليلة ولكن لا بأس بذلك التفسير ولمن هذا التفسير يعطى نواحي متعددة بل مركوزة مآخذة معينة ولمن رسالة فضه.
وكتب الشيخ الغزالي وهذه بها آراء متينة عن بعض الأشياء كقضية المرأة وهي آراء مأخوذة و عميقة فكرياً ومن يقرأ كتابة من كتب السيرة يستفيد من
ذلك.
(2) الفتح: 29
محاضرة :
لسماحة الشيخ الخليلي المفتي العام للسلطنة (1/17)