صفحة 1
محاضرة: لطالبات معهد العلوم الشرعية
مصدر الكتاب: موقع المجرة الإسلامية محاضرة ألقاها الشيخ: أحمد بن حمد الخليلي لطالبات معهد العلوم الشرعية في القاعة الثقافية للمعهد، يوم السبت عصرا بتاريخ: 12 محرم لعام 1424هـ الموافق 15 مارس 2003م
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمده تعالى حمداً كثيرا يليق بجلال وجهه، حمداً لا حد لغايته، ولا أمد لنهايته، كما هو له - سبحانه وتعالى - أهل، سبحانه، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وعلّم من الجهالة، وأنقذ من الضلالة، وبصّر من العمى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد:
فالسلام عليكنّ بناتي الطالبات ورحمة الله وبركاته ...
إنها لفرصة سعيدة أن نلتقي في هذا الصرح العلمي بهذه الكوكبة المنيرة من حاملات العلم-بمشيئة الله-إلى الأجيال المقبلة، ومن الداعيات إلى الله - سبحانه وتعالى - على بصيرة وعلى بينة من الأمر، لتسير هذه القافلة بكل من فيها من ذكور وإناث إلى الخير، والرشد والسلامة والصلاح والاستقامة والبر في السريرة وفي العلانية؛ ولا ريب أنّ طلب العلم شرفٌ عظيم، فبالعلم رقى الإنسان إلى حيث رقى، وفضّله الله-تبارك وتعالى-على الملإ الأعلى، ورفع ذكره في الدنيا وفي الآخرة. (1/1)
صفحة 2
فإنّ الله-سبحانه-عندما أراد أن يكَرِّم الإنسان بتبوئه منصب الخلافة في هذه الأرض بيَّن أنّ فضله كان بسبب العلم، وقد قال-عز من قائل-: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ - وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } . (1/2)
صفحة 3
ولا ريب أنّ رسالات الله - سبحانه وتعالى - التي شرّف بها الإنسانية ومنّ الله عليها بها من أجل إنقاذها من الضلالة، ومن أجل تبصيرها بطريق السلامة، جاءت هذه الرسالات مقرونة بالعلم؛ فإن رسل الله المصطفين الأخيار إنما جاءوا معلمين ومبشرين ومنذرين، وعندما منّ الله-سبحانه-على هذه الأمة بمبعث عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - إليها ليجمع شتاتها، وليوحد صفوفها، وليهدي قلوبها، وليبصرها بطريق السلامة والخير، كان أول ما وصل إليه-صلوات الله وسلامه عليه-من وحي الله تبارك وتعالى كلمة تقلب موازين هذا الوجود، وتغير مسيرة هذه الحياة، فإن الله-تعالى-خاطبه بكلمة اقرأ وهو الأمي-صلوات الله وسلامه عليه-الذي لم يكن يقرأ من كتاب ولا يخطه بيمينه، وما هذا إلا خطاب لهذه الأمة؛ لتتحول من الأمية التي كانت عليها إلى أن تكون أمة قارئة، أمة معتدلة بالعلم، أمة متشرفة بحمل هذه الرسالة، أمة تهدي هذه الإنسانية إلى الخير على أنّ هذا العلم الذي تتعلمه ليس هو علماً إلهامياً فحسب، بحيث يكون علماً وجدانياً فطرياً لا يحتاج معه الإنسان إلى اكتساب ولا يحتاج معه إلى قراءة وكتابة وإنما هو علم يحتاج إلى بذل مؤونة وطلب المعونة، وهو علم يحتاج معه الإنسان إلى المدارسة، ويحتاج معه الإنسان إلى ضبط وتقييد بآلات الضبط والتقييد. (1/3)
صفحة 4
فالله تعالى ما خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمة اعلم ولا بكلمة افهم أو أدرك أو تبيّن أو نحو هذه الكلمات، وإنما خاطبه بكلمة: { اقْرَأْ } ، القراءة التي هي قراءة للمكتوب، قراءة لما سُطر في الكائن قراءة لما يُنقل من مكان إلى مكان من المعلومات التي تتوارثها الأجيال عبر ما تلقاه مدوناً في الكراريس أو مما ينتقل من أمة إلى أمة على اختلاف أقطارها بسبب انتقال هذه المدونات وهو أمر يحتاج إلى بذل أموال وإلى جهد، وقد أيّد الله-تعالى-ذلك عندما ذكر أهم وسيلة من وسائل هذا العلم وضبطه وهي وسيلة القلم، فقد قال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } وبذكره تبارك وتعالى هنا خلق الإنسان من علق إيماء على الإنسان خُلق خلقاً عجيباً، خُلقَ متطوراً من طور إلى طور، من طور كان فيه حقيراً لا يساوي شيئاً إلى طور آخر صار فيه شريفاً كريماً لما أفاض الله عليه من الخير ووهبه من العلم، وبوأه من مناصب التكريم وأتاه من الحواس: أتاه السمع والبصر والعقل وصار مدبراً، وصار مستخلفاً في هذه الأرض، فجديرٌ بهذا الإنسان أن يعتني بما هو محمل إياه ؛ لأنه لم يُخلق ليعيش كما يعيش غيره من الكائنات الأخرى التي ينشرها الميلاد، ويطويها الموت، وإنما خلق ليتحمل أمانة كبرى، فوجود الإنسان لا ينحصر في هذه الحياة القصيرة المحصورة بين الميلاد والوفاة وإنما وجود الإسلام يمتد عبر الأجيال المتسلسلة المتعاقبة بما يقدمه من علم، ثم إن هذا الوجود يعقبه وجود آخر يحاسب فيه الإنسان على ما قدم و أخر يختلف ذلك الوجود عن هذا الوجود بكون هذا الوجود وجود عمل و ذلك وجود جزاء، ولكون هذا الوجود وجوداً محدوداً، وذلك وجوداً مطلقاً وهكذا، فإذاً على هذا الإنسان أن يعلم ليعمل، وأن يتبين حقيقة هذه الحياة، وأن (1/4)
صفحة 5
يكشف عن سرها المعمّى، وأن يحاول أن يحل لغزها الغامض ليعرف لماذا وجد ؟ ومن أين يبدأ ؟ وإلى أين ينتهي ؟ وماذا عليه أن يعمل بين المبدأ والمنتهى ؟ لأنه خلق ليحمل رسالة، رسالة عظيمة، ولئن كان أي عمل من الأعمال التي يكلفها الإنسان لا يمكنه أن يتقنه إلاّ إذا كان على بصيرة من أمرة، عارفاً بأوله وآخره, وظاهره وباطنه، وكيف يتصرف فيه ؟ فإنّ هذه الأمانة الشاقة التي حُمِّلها هي أمانة أكبر من ذلك فعليه أن يتبين كيف يتحملها ؟ وكيف يؤديها ؟ والله - سبحانه وتعالى - يقول: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } وعندما شرّف الله - سبحانه وتعالى - هذه الأمة بأن بعث فيها رسولاً كريماً ليهديها صراطاً مستقيما، منّ عليها بالعلم، بيّن أن رسالة هذا الرسول، رسالة تعليم لهذه الأمة، فقد امتنّ الله - سبحانه وتعالى - على الأميين وهم العرب الذين كانوا معروفين بالأمية وكانوا أوغل الناس في الضلالة قدماً، وأعماهم عن البصيرة، كانوا كما يصفهم جعفر ابن أبي طالب - رضي الله عنه - عند النجاشي إذ بيّن كيف كان حال العرب قبل أن يكرمهم الله-تعالى-بالإسلام، كانوا يسيئون الجوار، ويأكلون الميتة، ويعبدون الأصنام، ويقتل بعضهم بعضا، كانوا أشد الناس أمية .. امتنّ الله عليهم بأن قال: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } ثم امتنّ على غيرهم من الأمم والشعوب التي دخلت في دين الله-تعالى-فقال: { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم - ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو (1/5)
صفحة 6
الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } فعلينا إذاً أن نبين هذه النعمة العظيمة بأن أرسل الله إلينا هذا النبي الكريم ليهدينا ويعلمنا ويزكينا، وامتنّ الله على جميع المؤمنين بهذه النعمة العظيمة عندما قال: { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } على أن هذا العلم ليس نظريات يتلقاها الإنسان ويحشو بها دماغه وإنما هو منهج يسير عليه، وهو منهج يبدأ بإصلاح النفس وتطهير الباطن، وإصلاح السريرة حتى يكون الإنسان ظاهره وباطنه صالحاً مستقيما، ويكون تقياً منيبا، فإن العلم لا يفيد شيئاً عندما يكون الإنسان غير عامل به، وبذلك قُرنَ التعليم بالتزكية. (1/6)
صفحة 7
الله تبارك وتعالى يقول: { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ } بدأ بالتزكية قبل التعليم .. { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } فلابد من التزكية بحيث يكون الوعاء الذي يحمل هذا العلم وعاًء نظيفاً نقياً فالعلم نور من الله لا يمكن أن يصب في أي وعاء كان وإنما يصب في وعاء طاهر نظيف قدسي، وكذلك قال - سبحانه وتعالى - : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } ، وقال فيما يحكيه عن ابراهيم وإسماعيل-عليهما السلام-: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } والتزكية هي عكس التنسية.
التزكية هي أن يحرص الإنسان على تنقية نفسه من معاصي الله-تعالى-الظاهرة والباطنة، فإن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا - وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } ، كلمة التزكية من حيث الدلالة اللغوية لها معنيان: معنى هو بمعنى التطهير يقال بأن هذا الشيء زكي، أي: طاهر نظيف ويقال: زكاه بمعنى طهره.
والتزكية تأتي بمعنى التنويع وكلا الأمرين مرهون ومأخوذ به فإنه من الضروري بالنسبة للإنسان أن يزكي نفسه أي أن يطهرها من جميع الأدناس وأن ينمي فضائلها أيضاً أن يزكيها أي: أن ينمي فضائلها بحيث يغرس فيها أنواع الفضائل المختلفة والتزكية-كما قلت-هي عكس التنسية .. والتنسية هي إهمال النفس بحيث تقع في محارم الله وتتصف بالصفات الغير طيبة. (1/7)
صفحة 8
فإذاً العلم لابد من أن تكون معه تزكية، هذه التزكية هي: أن يكون هذا العلم أولاً قبل كل شيء لوجه الله-تعالى-بحيث لا يبتغي به الإنسان عرضاً من أعراض هذه الدنيا لا يريد أن يجعله وسيلة إلى مال يكتسبه ولا يريد أن يجعله وسيلة إلى منصب يتبوأه، ولا يريد أن يجعله وسيلة إلى سمعة ينالها من الناس، إنما يريد به وجه الله-تبارك وتعالى-، يريد أن ينال به الشرف العظيم .. أولاً قبل كل شيء أن يعرف ربه وحق الله-تبارك وتعالى-الذي خلقه فسواه، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة ومع هذا عليه أن يتجنب أيضاً أن يحسّ في نفسه بأنه عندما ينال شيئاً من العلم يكون مفضلاً على غيره، فإنه بقدر ما ينال سيئاً من العلم تكون مسئوليته أمام الله-تعالى-أكبر فلذلك عليه أن يزداد ورعاً وأن يزداد قرباً من الله-تبارك وتعالى-فمن ازداد علماً ولم يزدد ورعاً لم يزده من الله إلاّ بعدا، ومن هنا كان السلف الصالح حراصاً على أن يتعلموا الإخلاص في طلبهم العلم، كما يتعلمون الإخلاص في الأعمال التي يتقربون بها إلى الله-سبحانه-على نحو: الصلاة والزكاة والصيام والحج والصدقة وبر الوالدين وسائر القربات التي يتقربون بها إلى الله؛ لأن العلم هو وسيلة هذه الأعمال جميعاً والطريق السليم الذي يتمكن من خلاله الإنسان أن يؤدي العمل على أحسن وجه فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون هذا الإنسان المتعلم حريصاً على تنقية نفسه وتطهيرها من جميع الأدناس ومن ذلك أن يكون طلبه للعلم خالصاً لوجه الله تعالى الكريم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( من طلب العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله وهو خائب من الحسنات ) نعم من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء كان ذلك نصيبه ولم يكن له نصيب في الدار الآخرة-والعياذ بالله-وإن من أبلغ الشعر الذي قيل في هذا الجانب ما قاله عالم الشعراء وشاعر العلماء العلامة أبو مسلم في رائيته المشهورة (1/8)
صفحة 9
قال:
ورافق دليل العلم يَهدِك إنه *** طريق يحار العقل فيه وعير
وفعلك حد المستطاع من التقى *** على غير علم ضيعة وغرور
فما زكت الأعمال إلاّ لمبصر *** على نور علم في الطريق يسير
أتدخر الأعمال جهلاً لوجهها *** وأنت إلى علم هناك فقير
فيا طالب العلم إئتِهِ من طريقة *** وإلاّ فبالحرمان أنت جدير
فلست إذا لم تهتد الدرب واصلاً *** قبيلك في جهل السلوك دبير
وما العلم إلاّ ما أردت به التقى *** وإلاّ فخطأُ ما حملت كبير
وكم حامل علماً وفي الجهل لو درى *** سلامته مما إليه يصير
وما أنت بالعلم الغزير بمبصرٍ *** ومالك جدٌ في التقاة غزيرُ
وحسبك علماً نافعاً فرد حكمة *** بها السر حي والجوارح نور
تعلم لوجه الله وأعمل لوجهه *** وثق منه بالموعود فهو جدير
تعرض لتوفيق الإله بحبه *** ودع ما سواه فالجميع قشور
هو الشأن بالتوفيق تزكو ثماره *** ومتجره والله ليس يبور
كأي رأينا عالماً ضل سعيه *** وضل به جمٌ هناك غفير
معارفه بحر ويصرف وجهه *** إلى الباطل الخذلان وهو بصير
وافلح بالتوفيق قوم نصيبهم *** من العلم في رأي العيون حقير
وتلك حظوظ للإرادة قسمها *** وحكمة من يختارنا ويخير (1/9)
صفحة 10
فإذاً على الإنسان أن يحرص على أن يكتسب التقى والورع والفضل بقدر ما ينال من العلم وعليه أيضا أن يحرص بأن ينقي صفحته من معاصي الله-تبارك وتعالى-الظاهرة والباطنة بقدر ما ينال من العلم وعليه أن يحرص على التواضع وحسن المعاملة للغير بقدر ما يكتسبه من العلم، على أن الإنسان الذي يطلب العلم ذكراً كان أو أنثى هو مطالب بأن يكون شأنه شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين يحملون هذه الدعوة إلى عباد الله ؛ لأنه يحمل أمانة الله، يحمل كتاب الله، ويحمل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعليه أن يدعو إلى الله-تعالى-على بصيرة، عليه أن يتجرد لله-تعالى-في دعوته بحيث لا يريد جزاءاً ولا شكورا، إنما يعمل لوجه الله-تعالى-إرضاءً له - سبحانه وتعالى - ولما كان كذلك، عليه أن يعامل الناس بتواضع وأن لا يستعلي عليهم، وأن يتسع صدره للجهلة الذين لم يبلغوا ما بلغ من العلم، وأن لا يحسسهم بأنه أرفع منهم درجة أو أكرم منهم منزلة، وأنّ له من الفضل ما ليس لهم، إنما عليه أن يكون دائما متواضعاً بقدر ما يناله من العلم خالصاً لوجه الله-تعالى-، على أ ن العلم هو نور، نور من الله-تبارك وتعالى-ولذلك كان هذا النور جديراً أن يكون وعاؤه-كما قلنا-وعاءاً نظيفاً وقد أجاد في هذا من قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن الحفظ نور *** ونور الله لا يهدى لعاصي (1/10)
صفحة 11
بقدر ما يكون الإنسان متواضعاً ومتقياً لربه - سبحانه وتعالى - ومطيعاً له يعطيه الله-تبارك وتعالى-العلم النافع، ليس العلم النافع كثرة الرواية وإنما العلم النافع هذا السر الإلهي الذي يكون في النفوس فيزكيها ويحبب طباعها وأن يكون الإنسان مستبصراً بنور الله، ولا ريب أن الناس عندما استبصروا بنور الله تحولت حياتهم من حياة كانت ذات طبيعة معينة إلى نقيضها وهذا واضح في ما يحكيه الله-تبارك وتعالى-في كتابه عن الأمم ومن ذلك ما حكاه عن سحرة فرعون، سحرة فرعون كانت نظرتهم نظرة مادية، كانوا يريدون متاع هذه الحياة الدنيا كانوا يريدون أن يتبوؤا منصب القرب من ذلكم الطاغية، من فرعون فهم عندما جاءوا إليه أول ما سألوا عن المادة، قالوا له: { أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } وقد أكدوا أنهم بجانب رغبتهم في المادة، يرغبون أيضاً في التقرب إليه فلذلك قال لهم: { نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } أي لكم كلا الأمرين، لكم المادة التي تطلبونها وبجانب ذلك أيضاً لكم الحظوة والقربى فأنتم تتقربون إليّ { وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } ولكن بعدما استبصروا بنور الله ولامس إيمانهم شغاف قلوبهم تحولوا من تلكم النظرة إلى نظرة معاكسة عرفوا قيمة هذه الحياة، وعرفوا قيمة الآخرة وهكذا العارف بربه - سبحانه وتعالى - يعرف قيمة هذه الحياة ويعرف قيمة الدار الآخرة، فلذلك يعطي هذه الحياة بقدر قيمتها ويعطي الدار الآخرة أيضاً قدر قيمتها.
قيمة هذه الحياة بقدر ما يعيش الإنسان فيها وبقدر ما ينتفع به منها .. فما هذا الانتفاع الذي ينتفعه الإنسان في هذه الدنيا بجانب منافع الآخرة ؟ ما قيمة هذه العيشة القصيرة التي لا يدري الإنسان متى ينتهي ؟ لا يدري متى يفجعه ريب المنون ؟ فينتزعه من هذه الحياة نفسها ؟ ذلك أمر مجهول. (1/11)
صفحة 12
أما الدار الآخرة فهي دار بقاء، دار خلود، دار لا نهاية لها .. من منع الخير هنالك بُوأ جنة عرضها السماوات والأرض وتلكم الجنة كما يقول النبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-: ( لموضع صوت أحدكم في الجنة خير من هذه الدنيا وما فيها )، موضع صوت الإنسان في الجنة خير من هذه الدنيا وما فيها .. وإنها لجديرة بذلك وهي لا تنتهي، وحياتها غير مهددة بنوم أو بموت، راحتها غير مشوبة بتعب، لذتها غير مشوبة بألم وهكذا.
نعيمها غير مكدر ببؤس، شبابها غير مهدد بمشيب، هكذا الدار الآخرة .. فإذاً ما قيمة هذه الدنيا بجانب الدار الآخرة ؟ فلماذا يضحي بآخرته من أجل هذه الدنيا القصيرة المحدودة ؟
ومن هنا يكون الإنسان الذي هو على بصيرة من أمرة حريصاً على الدار الآخرة، أولئك الذين شرفهم الله-تعالى-بالإيمان هم سحرة فرعون-كما قلنا-انقلبت نظرتهم إلى الحياة بمجرد ما لامس الإيمان شغاف قلوبهم فقالوا لفرعون: { لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } .. هكذا قالوا له. (1/12)
صفحة 13
تحوُّل سريع في مدة قصيرة بسبب هذا النور الإلهي .. فإذاً طالب العلم ينبغي له بقدر ما يكتسبه من العلم أن يستزيد من هذا النور الذي يمضي خلفه بحيث يكون حريصاً على الدار الآخرة، هذا لا يعني أنه لا يستمتع بمتع الحياة لكن يجعل هذه المتع وسيلة إلى ما هو خير له، يجعل هذه المتع وسيلة إلى العمل لصالح، وسيلة إلى تقوى الله، وسيله إلى الدعوة إلى الله-تبارك وتعالى-وهكذا كل ما يهيئه الله-تبارك وتعالى-له في هذه الدنيا، ومعنى ذلك أن تكون الدنيا في يديه لا في قلبه، ولا تكون ملء سمعه وبصره، إنما ينظر الدر الآخرة، ويحسب لها حسابها .. هذا ومن المعلوم أن هذا العلم الذي هو نور من الله-تبارك وتعالى-يُبصِّر الإنسان بالحقيقة، وإن من فضل الله-تبارك وتعالى-علينا أن نجد في كتاب الله-تعالى-ما يدلنا على أن العقيدة الحقة عقيدة مرتبطة بالعلم لأنها جاءت من عند الله - عز وجل - والعلم إنما هو تصور للواقع فالإنسان عندما يتصور الواقع يجد هذا الواقع كما جاء عن الله-تبارك وتعالى-فنحن نرى أن الله تبارك وتعالى عندما يذكر لعباده أهم قضية من قضايا العقيدة وهي الإيمان بالله والإيمان بوحدانية الله ويربط ذلك بحقائق هذا الوجود ويأخذ بفكر الإنسان ليطوف به في آفاق هذا الكون حتى يرى أسرار الله-تعالى-في خلقه ؛ ليكتشف أ ن هذا الكون بكل أبعاده وحدة متكاملة وأنه في وحدته هذه يُعرب عن وحدانية خالقه - سبحانه وتعالى - فقد قال - عز وجل - : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم } ثم أتبع ذلك بقوله: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ (1/13)
صفحة 14
الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ؛ فلا ريب أن الله - سبحانه وتعالى - ذكر أولاً وحدانيته ثم بين نظام هذا الكون الذي ينبئ عن كون الكون بأسره وحدة متكاملة بحيث أنه بكل أبعاده متناسق تناسقاً غريباً وأن كل ما فيه من حركات متناسق وهذا مما يدعو إلى التفكير أن هذا الكون لم يصدر إلا عن مكون واحد، فلو كان هناك أكثر من مكون لكانت لكل واحد منهم إرادة مستقلة، وباستقلال كل واحد منهم بإرادته يكون أيضاً مستقلاً بمراده وهذا مما يؤدي إلى الاختلاف، والاختلاف يؤدي إلى فساد هذا الكون. (1/14)
صفحة 15
ولكن بما أن الكون منسجم في جميع حركاته، متناسق بكل أبعاده فذلك دليل على وحدة مكونه - سبحانه وتعالى - وكذلك ما نراه في آيات شتى من الكتاب العزيز فالله-تبارك وتعالى-يقول: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } ويقول: { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ - أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ - أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } هذا كله-كما قلنا-مما يدخل في كون الحق - سبحانه وتعالى - يربط العقيدة بالعلم ولذلك بقدر ما يكون الإنسان متبحراً في هذا العلم عارفاً بحقائق الوجود موصولاً بالله - سبحانه وتعالى - مستمداً لنوره يكون على دراية أكثر فأكثر للعقيدة الصحيحة عقيدة وحدانية الله - سبحانه وتعالى - وكذلك بقدر ما يكتسب الإنسان من العلم ويدرك أبعاد هذا الوجود وأسراره يتوصل إلى معرفة إعجاز كتابه - (1/15)
صفحة 16
سبحانه وتعالى - فإن الكتاب الكريم جعل الله-تعالى-من وجوه إعجازه: الإعجاز العلمي كما هو واضح والله - سبحانه وتعالى - قال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ - سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ } . (1/16)
صفحة 17
وبهذا ندرك أنه ليس هناك غشاء مابين هذا العلم، العلم الديني الذي تُعُبدنا نه وبين العلوم الكونية بل عندما يكون الإنسان مستبصراً بنور الله ويكون متضلعاً في العلوم الشرعية علوم القرآن والسنة يكون مستفيداً من تلكم العلوم الأخرى أكثر فأكثر حتى تكون له رافداً إيمانياً وتكون له نوراً في طريقه يستبصر به فإذاً علينا أن نسعى دائماً إلى الجمع بين هذه العلوم .. فعلى الإنسان بقدر ما يتبحر في علوم الشريعة أن لا يكون بعيداً عن واقع الكون وحقيقة الكون وعلوم الكون ؛ لأجل أن يكون داعية إلى الله-تبارك وتعالى-يحسن الدعوة إليه-تبارك وتعالى-وهذه مهمة يشترك فيها الكل فالذكور والإناث الكل منهم بحاجة إلى بعضه فنحن نرى في العلم الآن قطعاناً من البشر حائرة لا تعرف حقيقة هذه الحياة، فالحياة أمامها برج معمَّى، سواء الذكور أو الإناث هؤلاء بحاجة إلى أن تُجند الطاقات وتستخدم الملكات التي وهبها الله عباده وإمائه من المؤمنين والمؤمنات من أجل إنقاذ هذه القطعان البشرية، ولا ريب أن المرأة لها دور كبير في إصلاح نفسها وفي إصلاح قرابتها وإصلاح بنات جنسها بجانب إصلاحها لبيتها فهي مسئولة عن تربية أولادها على الاستقامة والبر والتقوى، وهي مسئولة بجانب ذلك أيضاً عن إصلاح بنات جنسها، حيث بإمكانها أن تُسهم إسهاماً كبيراً في الدعوة العالمية التي تشمل الذكور والإناث جميعاً والآن المجال مفتوح لذلك بإمكانها أن تشارك فيما يكتب ويبث عبر شبكات المعلومات التي تنتقل بسرعة مذهلة إلى العلم فهذه وسيلة منحها الله-تبارك وتعالى-الأمة، وعلى الأمة أن تستغلها، ونحن نرجو بمشيئة الله من هذه الكوكبة الفاضلة من المؤمنات الصالحات أن تؤدي هذا الدور، وأن تتطلع بالعلم، وأن تضطلع بهذه المسئولية، وأن تكون مخلصة لله-تبارك وتعالى-في عملها وأن تكون متعاونة فيما بينها لا يفرق بين أي واحدة وأخرى أي شيء كان إنما على الجميع أن ينسجم تحت مظلة الإيمان وفي (1/17)
صفحة 18
طريق الدعوة إلى الله.
وأسأل الله تعالى التوفيق للجميع وأشكركنَّ جميعاً، والسلام عليكنَّ ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة:
س1: نطلب أن تدعو لنا بالثبات على طريق الحق والإخلاص في العمل وأن تدعو لنا بالخير والصلاح وكذلك فإن لنا أختاً في الله مصابة في حادث سيارة وهي الآن ترقد في المستشفى ونطلب منك الدعاء لها بالشفاء العاجل .
ج1: أسال الله ـ تبارك وتعالى ـ لي ولكنَّ جميعاً ولجميع المؤمنين والمؤمنات أن يوفقنا للصلاح والتقوى والاستقامة في السريرة والعلانية وأسأله - سبحانه وتعالى - أن يمنحنا جميعاً الإخلاص في القول والعمل والخلاص في الدنيا والآخرة كما أسأله - سبحانه وتعالى - أن يطهر سرائرنا وأن ينور بصائرنا وأن يلهمنا رشدنا وأن يجعلنا من الصالحين المتقين إنه على كل شيء قدير وأسأله - سبحانه وتعالى - أن يمن على هذه المصابة بالشفاء العاجل وأن يبارك في حياتها وأن يمد في عمرها وأن يعيد عليها صحتها كاملة ويدفع عنها كل ضراء إنه على كل شيء قدير .
س2: اكتشف شخص أن عليه قضاء صلوات سنة تقريباً فهل عليه بجانب الفرائض قضاء شيء من السنن وإن كان كذلك فما هي ؟
ج2: يؤمر أن يقضي السنن المؤكدة وهي سنة المغرب وسنة الفجر والوتر، يؤمر بأن يقضي هذه السنن وإن لم يقضها لا يأثم ولكن يتأكد قضاؤها كما يتأكد أداؤها .
س3: قال رسول الله: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " السؤال عن مدى صحة هذا الحديث وإن كان صحيحاً فما معناه ؟ (1/18)
صفحة 19
ج3: بحسب معايير أهل الحديث هو صحيح يقولون بأن الحديث صحيح الإسناد، وهو على أي حال يؤول، فإنه لابد أن تؤول المتشابهات حتى تتفق مع المحكمات وهذا ما دلّ عليه القرآن الكريم فالله تبارك وتعالى يقول: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأجر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأميله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌ من عند ربنا وما يذكر إلاّ أولوا الألباب " الله تبارك وتعالى بين هنا أن القرآن الكريم مشتمل على المتشابه والمحكم وأن المحكمات هنّ أم الكتاب أي أصول الكتاب بحيث ترد إليها المتشابهات والآية الكريمة نزلت عندما جاء نصارى نجران إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاجوه في أمر المسيح عليه السلام وقالوا له: ألست تقول هو كلمة من الله وروح منه ؟ قال: نعم . قالوا له كفى، أي يكفينا دليلا على أن المسيح ليس هو بشراً عادياً وإنما هو ابن الله أو أنه هو الله لمّا كان هو كلمة من الله وروحاً منه، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية رداً عليهم بأن كونه كلمة من الله إنما ذلك من المتشابه الذي يجب أن يرد إلى المحكم، والمحكم هو قوله تعالى: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " فإذاً عيسى مخلوق خلقه الله تعالى ولا يعني كونه كلمة من الله وروحاً منه أنه جزء من الله أو أنه ابن الله أو أنه هو الله تعالى الله عن ذلك، فإذاً كذلك كل المتشابهات إنما يجب أن تُعاد إلى المحكمات لأن الذين في قلوبهم زيغ هم الذين يتعلقون بالمتشابهات . فهذا الحديث إنما جاء مجاراة لما كان يقوله العرب، العرب كانوا يقولون: ما يهلكنا إلاّ الدهر، وكانوا يسبون الدهر عندما يرون ما يحدث لهم من أمور عجيبة، كانوا يسبون الدهر وينسبون إليه ما ينسبون فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يبين لهم أن هذا الذي يصدر من الدهر (1/19)
صفحة 20
هو من الله تعالى ؛ لأن الله هو الذي خلق الموت والحياة هو الذي قدّر هذه الأمور كلها هو الذي أحدث هذه الشدائد التي تنالكم جميعاً والتي تسبون لأجلها الدهر فلا تسبوا الدر فإن الدهر إنما هو الله أي هو مصدر هذه الأشياء هو الله حقيقة هذه الأشياء هي جاءت من عند الله فالدهر مصرف بأمر الله ولذلك جاء ( فإن الله هو الدهر ) أي هو مصرف هذا الدهر ومكونه وموجهه فهذا من الأحاديث المتشابهة التي يجب أن ترد إلى المحكمات .
س4: هذا السؤال دائماً يشغل البال ولا يكاد يفارقه: ـ إذا كانت العقيدة كلاً متكاملاً لا يجوز أن ينفصل فيها جزء عن جزء آخر حتى تكون عقيدة سليمة تنجي صاحبها فما قولكم في الخلاف المتعلق بمسألة الميزان والصراط ـ مثلاً ـ كيف يكون الاعتقاد حيالهما وهل يجوز إمعان العقل تصديق الفهم في مثلهما وإن لم يجز ذلك فكيف يفعل المسلم وما الواجب عليه حتى ينجوا باعتقاده ؟ (1/20)
صفحة 21
ج4: المسألة ليست مشكلة، مسألة الصراط ومسألة الميزان ليست مشكلة، هناك فارق ما بين قضايا قطعية، القضايا القطعية التي جاء الدليل القطعي بها ولابد أن نفرق بين الدليل القطعي والدليل الظني، الدليل القطعي قطعيته من ناحيتين: من ناحية المتن ومن ناحية الدلالة أما من ناحية المتن فلابد أن يكون متواتراً إذ الدليل الأحادي الذي متنه آحادي كالحديث الأحادي مثلاً فهو ظني لا يتعدى الظني وإن كان نصياً وقطعية دلالته، إن كان نصاً فدلالته قطعية وإن كان غير نص بأن يكون ظاهراً فدلالته ظنية فالدليل القطعي هو الدليل الذي هو نص، نص من حيث الدلالة وهو في نفس الوقت متواتر كأن يكون آية من القرآن أو أن يكون حديثاً روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتواتر وذلك بأن يكون قد روته جماعه عن جماعه لا يمكن التواطؤ فيها على الكذب أي جماعة كبيرة هذه الجماعة الكبيرة لا يمكن أن تجتمع وتختلق هذا الكذب، يستحيل ذلك عادة وتروي ذلك عن جماعة كبيرة حتى يصل ذلك إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتفقت على أن تختلف هذه الرواية، محتمل ذلك وهذا يعتبر مشهور إن كان متواترا، وإن كان رواه آحاد فهو حديث آحادي فعلى أي حال الحديث المتواتر أو القرآن الكريم دلالته قطعية عندما يكون نصياً أما عندما يكون ظاهراً فحسب فدلالته لا تعدو أن تكون دلالة ظنية، ونحن نرى أن قضية الصراط أولاً ما روى من أن الصراط جسر على متن جهنم أولاً هذا جاءت به روايات أحادية ليست روايات متواترة، الأمر الثاني أن ذلك أيضاً محتمل أن يُتَأول، أي سلوك هذا الدين لأن نحن نجد في القرآن الصراط المستقيم لا خلاف فيه أنه هو دين الله ـ تعالى ـ وفُسِّرَ بالقرآن تفسيراً لا تناقض فيه: تفسيره بالدين وتفسيره بالقرآن، هذا لا تناقض فيه اختلاف العبارات لا اختلاف الاعتبارات وإلاّ فالمؤدى واحد فالله ـ تبارك وتعالى ـ بين أنه هو الدين بقوله: " قل إني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً (1/21)
صفحة 22
ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين " هذا معنى الصراط هنا هو الدين، القرآن فسره بأنه هو الدين، من المحتمل أن يكون هذا الدين مبطل لما يعتري الإنسان من شهواته ونزغاته ونزعاته ومُثِّل بالجسر الذي يمر على متن جهنم والإنسان قد يمر ناجياً وقد يتساقط نظراً إلى أنه قد يتبع بعض شهواته وهو في طريقه لإتباع هذا الدين ويدل على هذا حديث النواس بن سمعان الذي هو مروي عند أصحاب السنن وغيرهم حديث النواس بن سمعان قال: عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جبني الصراط سوران فيهما أبوا مفتحة عليها ستور مرخاة وعلى رأس الصراط منادي إذا أراد الإنسان أن يفتح ستراً من تلكم الستور ناداه لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط المستقيم هو دين الله، والسوران اللذان على رأس الصراط هما محارم الله والأبواب هي منافذ الدخول إلى هذه المحارم، فمعنى ذلك أن يحذر من أن يلج شيئاً من هذه المحارم، فإذاً المحارم هي التي مثلت بفريق بجهنم هذا محتمل ولا نقطع عذر من قال: إن تلك الروايات تحمل على ظاهرها ما لم يقطع هو أيضاً عذر من خالف ذلك فإذاً القضية ليست معقدة إلى هذا الحد، كذلك قضية الميزان، الله تعالى يقول: " ونضع الموازين القسط " القسط ما هو ؟ هو العدل والعدل بدل من الموازين، فالميزان من المحتمل أن يكون تمييز العمل، ومن قال بان الميزان هو توزن به الأعمال لا يُضلل في هذا لأن القضية قضية تحتمل النظر ولكن مع هذا، هذا الذي يترجح لأن الله تعالى قال: " ونضع الموازين القسط " وقال: " والوزن يومئذٍ الحق" الحق هو الوزن إذاً القضية ليست بهذا القدر من التعقيد .
س5: فيمن ترى الدم إثر دواء يسبب خروجه أو إثر جماع أول أو إثر زوال البكارة لسبب من الأسباب ويستمر معها ثلاثة أيام، هل تبدأ بحساب الحيض من اليوم الأول للدم أم من اليوم الثالث ؟ (1/22)
صفحة 23
ج5: حقيقة الأمر أن الفقهاء قالوا في مثل هذا: بأنها تنتظر ثلاثة أيام وبعد ثلاثة أيام تعتبره حيضاً والقول في هذا على الاستقراء لأن هذه الأسباب لا يستمر خروج الدم فيها أكثر من ثلاثة أيام يعني يخرج لمدة ثلاثة أيام فإن لنفس السبب ينقطع بعد ثلاثة أيام وإن كان ذلك دم حيض فإنه يستمر، هكذا قال الفقهاء وبناءً على هذا الذي قالوه فإنه من المعلوم أنها ما لم تتيقن أنه حيض لا تجعله حيضاً لأنه خرج لسبب من الأسباب فهي لا تجعله حيضاً إذ تستصحب الأصل واستصحاب الأصل من الأمور المتبعة في الفقه ولكن في وقتنا هذا هناك وسيلة للتمييز، هناك طب، هناك تحليل للدم مادام هناك تحليل للدم فأنا أختار في مثل هذه القضايا أن تعرض على الطبيبات المتخصصات لعله من الممكن أن يصلن إلى هذا الدم ومعرفة إذا ما كان هذا الدم دم حيض أو دماً خرج لسبب آخر وهذا أولى لأن التحاليل الطبية أصبحت قريبة من الشيء المتيقن ولما كانت هذه الوسيلة موجودة فلا ينبغي أن تعدل عنها إلى غيرها .
س6: ما المدة الواجب انتظارها لمن رأى الدم إثر قفزة أو نحوها حتى تعده حيضاً إذا نزل بمواصفات الدم المعروفة ؟
ج6: في نفسي كذلك هذه المسألة شبيهه بالمسألة الأولى هذا الذي أراه أن يعوَّل على التحاليل الطبية وفي هذا يمكن للمر أه أن تصل إلى نتيجة ليست ضرورية فحسب يمكن أن تصل إلى نتيجة يقينية فلذلك لا أرى العدول عن التحاليل الطبية .
س7: ما هي مدة الجفاف التي تنتظرها المرأة حتى تعتبر نفسها قد طهرت بالجفاف خاصة وأن كثيراً من النساء تنزل منهن إفرازات اعتيادية في طهرها وليس في وقت معروف فكيف تفرق بينها وبين توابع الحيض ؟ (1/23)
صفحة 24
ج7: على أي حال: الجفاف قد يكون في امرأة اعتادت الطهر بالقصة البيضاء وقد يكون في امرأة اعتادت الطهر بالجفاف، فإن من اعتادت الطهر بالجفاف فإن الجفاف طهر لها من أول ما تراه وأما من اعتادت الطهر بالقصة البيضاء فلا يكون الجفاف طهراً لها والعكس بالعكس فمن كانت معتادة الطهر بالجفاف ورأت القصة البيضاء فالقصة البيضاء تكون طهراً لها على أي حال لأنها أقعد في الطهر، والتي اعتادت الطهر بالقصة البيضاء إن أتاها الجفاف واستمر إلى ما بعد الأيام التي اعتادت الحيض فيها فإنها تنتظر لمدة 24 ساعة وبعد ذلك تغتسل وتصلي .
س8: هل تكون القصة البيضاء شفافة كالماء لمن لم تعتد رؤيتها بصفتها المعتادة، والتي تكون فيها كبصاق إلاّ نادراً ؟
ج8: إن كانت تراها بهذه الحالة فهي القصة البيضاء، وفي نفس الوقت قطع دابر الشك بالرجوع إلى الطب في هذه المسألة أحسن في نفسي .
س9: هل تزيد عدة المرأة أم تنقص أكثر من مرة، أي هل يمكن أن يتكرر الطلوع والنزول وهل يترادفان بأن تطلع مرة وأن تنزل مرة ؟
ج9: نعم يمكن أن تكون أيامها أول مرة ثلاث أيام ثم تطلع إلى أربعة أيام ثم إلى خمسة وهكذا ويمكن أن تطلع تارة وتنزل تارة أخرى هذا من المحتمل وذلك بقدر طبيعة المرأة فإن هذه الإفرازات طبيعية .
س10: ما حكم من رأت ما يشبه القصة البيضاء إثر جماع غير مباشر، قبل انتهاء عدتها المعهودة استمر خروج الدم وتوابع إثرها ولم يستمر، هل تعتبر ذلك طهراً أم أن ذلك يعتبر إخراجاً متعمداًً للقصة قبل أوانها مع العلم أن الدم الذي يخرج بعد الجماع مباشرة يكون أفتح لوناً ثم يرجع لونه إلى ما كان عليه بعد سويعات من ذلك ؟.
ج10: في الحقيقة إلى الآن لم أستطيع أن أتصور كيف خروج القصة البيضاء بعد الجماع لأن الجماع لا يكون في فترة الحيض فكيف خروج القصة البيضاء بعد الجماع وأنا أرجو من السائلة أن تكتب سؤالها وتوضحه حتى أجيب بعد أن أتصور المسألة . (1/24)
صفحة 25
س11: كيف تتصرف من لم تمسك ما تغتسل به فتارة تطهر بالقصة البيضاء وغالباً تنتظر تمام العشر لعدم رؤيتها علماً أنها لم ترَ القصة ثلاث مرات متتالية ؟
ج11: إن استمرت على هذه الحالة بأن صارت لا ترى القصة البيضاء ثلاث مرات يمكنها أن تجعل التيبس طهراً لها .
س12: كيف يزكي الإنسان نفسه ويعرف أنه بعمله المخلص لوجه الله لا يريد أي غرض آخر سوى مرضاته تعالى ويبعد عنه وسواس الشيطان ؟
ج12: الإنسان مهما كان يزكي نفسه أي يحرص على تزكيتها بالعمل الصالح ولا يزكي نفسه أي لا يعتقد أن نفسه زكية عليه أن يتهم النفس دائماً والله تعالى يقول: " ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى " فالإنسان عليه أن لا يعتقد أن نفسه زكيه بل يسعى إلى تزكيتها بذكر الله بالقربات التي تقربه إلى الله بالمسارعة وبالتوبة من المعاصي هذا كله من تزكية النفس ولكن مع ذلك لا يعتقد أن نفسه زكيه بل تكون نفسه عنده دائماً عقدة للاتهام، أما الوساوس الشيطانية فهذه الوساوس لا يسلم منها الإنسان ولذلك كان مما عفا الله تعالى عنه فالله تعالى يقول: " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحسبكم به الله " ولما نزل ذلك شق ذلك على الصحابة ـ رضوان الله تعالى عنهم ـ ولكن الله تعالى بلطفه أنزل بعد ذلك: " لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " أي أن هذا الوسواس القهري مما لا يحاسب الله تعالى عباده .
س13: السؤال عن الشخصية الإسلامية الداعية هي بحاجة إلى التزود من العلوم اللازمة لتستطيع تحصين نفسها ومواجهة التحديات في الحياة . فما هي نصيحتكم لنا لتكوين شخصية متكاملة واعية ؟ وما الكتب التي يمكن أن نعتمد عليها لتكون وافية كافية تترجم ما نبغي من معرفة صافية في شتى العلوم الشرعية الضرورية ؟ (1/25)
صفحة 26
ج13: على أي حال أولاً قبل كل شيء إصلاح النفس باستحضار شأن الله ـ تعالى ـ بأن الله تعالى هو الذي يصرِّف الوجود وهو الذي يحي ويميت وهو الذي خلق الحياة والممات وهو الذي منه المبدأ وإليه الرجعى، هو الذي يحاسب الإنسان، هذه الأمور لابد من تزكية النفس بها . أن يكون الإنسان دائم الذكر لله تعالى ودائم الذكر لليوم الآخر بحيث يذكر الموت وغصته والقبر ووحشته والحساب وهوله والجنة ونعيمها والنار وجحيمها، أن يكون الإنسان دائم الذكر لهذه الأشياء حتى تطمئن نفسه، ثم مع هذا كله الكتب التي في نفسي لابد أن تقرأ فإنه بجانب قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف قراءة الكتب التي تزكي النفس والآن بين أيدي الجميع كتابان: كتاب قناطر الخيرات، قناطر الخيرات فيه الكثير من تربية النفس، وينبغي على كل واحد أن يحرص على اقتنائه وقراءته، و بجانب هذا أيضاً الكتب الفقهية والكتب العقدية وهي بمشيئة الله متيسرة يعني من المختصرات بداية مثل تلقين الصبيان، وجامع الأركان، والوضع ثم القواعد ثم الإيضاح، التدرج في هذه الكتب، وكذلك الكتب العقدية من المختصرات إلى المطولات إن شاء الله تعالى، كل واحدة تتذكر ـ بعون الله ـ من الوصول إلى هدف بقدر ما تتاح لها من فرصة .
س14: هل روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث: " حج البيت فإنه هدم مرتين وسيرفع في الثالثة " ؟
ج14: هو من ناحية الإسناد ضعيف .
وجاء في رواية: " حجوا قبل أن لا تحجوا " الروايات متعددة في هذا، على أي حال الله أعلم بالوضع وما يحدث وما يستجد، والإنسان يؤمر دائماً أن يحرص على أن يبادر إلى الخير .
س15: إذا كانت طالبة المعهد لا ترى في نفسها الإمكانيات لئن تكون داعية بمعنى أن تنشط في إلقاء الدروس وفي المشاركة في الأمسيات الدينية فما هي المسئولية الملقاة على عاتقها من جراء تعلمها هذا العلم ؟ (1/26)
صفحة 27
ج15: هي بإمكانها أن تعمل أي شيء بإمكانها أن تحث النساء على حضور الدرس، هي بإمكانها أن تسعى في البيوت من أجل إصلاح هذه البيوت، بإمكانها أن تجتمع ببنات جنسها لتذكيرهن بالله واليوم الآخر ولحثهن على تعلم هذا العلم النافع .
س16: امرأة تطلب من الناس أن يتصدقوا على أسرة فقيرة وعندما يعطونها ذلك المال تأخذه لنفسها بحجة أنها تقصد بالأسرة الفقيرة أسرتها المحتاجة لذلك المال ؟
ج16: إن كانت هي صادقة في ذلك فلا حرج عليها، والأصل أن المسألة غير جائزة إلاّ للمحتاج، فالمسألة كما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها تشديد كثير، ليس للإنسان أن يسأل إلاّ عندما تصيبه جائحة أو يتحمل حمالة أو نحو ذلك، أما ما عدا ذلك فالسؤال في جانبه شح لا يجوز له أن يسأل.
س17: فيمن يقول إن هذه الآية: " إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" ذلك على عصمة أهل البيت ولأن التطهير من الرجس لا يتحقق مع إمكانيات البذل والخطأ والظلم ولو سهواً . فما المراد بأهل البيت ؟ (1/27)
صفحة 28
ج17: على أي حال هذا غير مستثنى لأنه جاءت آيات تبين أن الله يريد أن يطهر ولكن يريد أن يطهركم فإذاً قصد التطهير للجميع فإذاً إرادة التطهير لكل التشريعات التي نزلت . والآية الكريمة: " إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " نحن لا ننكر أن بنت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأولادها وزوجها من أهل البيت . ولكن الآية فيمن نزلت ؟ السياق يدل على ذلك فهي مسبوقة بآيات وبعدها خطاب، لمن ؟ لأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الله تعالى يقول: " يا نساء النبي من يأتي منكن بفاحشةٍ مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا، ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقاً كريما، يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيرا" . هذا مما يدل على أن الخطاب لأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خوطبن بما خوطبن به من توجيهات ربانيه وقد عُلل ذلك وهذا التعليل واضح في القرآن الكريم وفي الكلام العربي، مجيء التعليل في مثل هذه الجملة واضح فالله تعالى يقول: " يأيها الناس اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون " جاء التعليل بجملة مبتدئة بأن وكذلك قال الله تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم " . هذا من التعليل . (1/28)
صفحة 29
في القرآن مئات الآيات التي جاءت معللة وقد يكون التعليل بإنما مثل ما في قوله تعالى: " فذكر إنما أنت مذكر " التعليل كثيراً ما يأتي بهذه الجملة التعليلية . التعليل في هذه الأوامر الربانية التي وجهها إلى أمهات المؤمنين لأن الله يريد لبيت النبوة أن يذهب عنه الرجس ويطهره تطهيرا وقد يقول قائل: لماذا وجه الخطاب بصيغة التذكير ولم يوجه الخطاب بصيغة التأنيث ؟ الجواب: نعم مراعاة لكلمة "أهل" لأنها جاءت بصيغة التذكير فلذلك وجه الخطاب بصيغة التذكير مراعاة للكلمة . كما إن ذلك ورد في خطاب امرأة واحدة وهي امرأة إبراهيم ـ عليه السلام ـ ولكن كتب بصيغة التذكير وصيغة الجمع عندما قال الله تعالى فيما يحكيه عن ملائكته قال: " قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ " .
وكيف تكون امرأة إبراهيم من أهل البيت ولا تكون نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل بيت الرجل أي نساء الرجل يدخلن فيه دخولاً أولياً . فكيف تكون زوجة إبراهيم ـ عليه السلام ـ من أهل بيته ولا تكون نساء النبي من أهل البيت، بعد الخطاب أولاً وأخيراً .
س18: ما حكم استعمال موانع الحمل والمباعدة بين الولادات علماً بأن امرأة تستخدمه لعدة سنوات رغبة منها في منع الحمل سنوات عديدة لأن الله تعالى منَّ عليها بعدد من الأطفال وأيضاً تتعرض لنقص في الدم أثناء حملها وقد منعها من الحمل لذلك السبب ؟
ج18: إن كان ذلك لسبب قهري كأن تكون تتعرض حياتها أو صحتها للخطر فلا مانع من ذلك، لكن بشرط أن تستخدم الوسيلة التي لا تضر بها لا أن تستخدم الوسيلة التي تضر بها فكثير من هذه الموانع التي تستخدم تؤدي إلى الضرر بالصحة حتى إلى ما يهدد الحياة والمحافظة على الصحة أمر ضروري ولابد منه .
س19: أشعر أحياناً برغبة شديدة في الإنجاز لكن هناك ما يثبط عزيمتي، إذن أريد أن أتعلم ما يقوي عزيمتي ويقوي نشاط الخير في ؟ (1/29)
صفحة 30
ج19: على أي حال الإنسان ينشط لذكر المنفعة التي تترتب على ما يسعى إليه فبإمكانك أن تذكري المنفعة الدنيوية والمنفعة الأخروية أما المنفعة الدنيوية فهي إصلاح المجتمع وعلى ما يترتب هذا الإصلاح من مصلحة عامة له وخروج الناس من الضلالة إلى الهدى أما المنفعة الأخروية فهي تنبُئية بمشيئة الله من فضل الله وجوار الله في جنات عدن، ذلك خير كبير فاستذكار ذلك مما يقوي العزيمة .
س20: طالبة تطلب أن أدعو لها بالذرية الصالحة وحسن الخاتمة .
ج20: أنا أسأل الله أن يهبها ويهب الجميع الذرية الصالحة المؤمنة الوفية الزكية العاملة بكتابه والتابعة لسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمجاهدة في سبيله والمضطلعة بأمانة العلم والعمل والمقيمة لحدود الله، وأسأل الله تعالى أن يهبنا وإياها ويهب الحاضرين والحاضرات حسن الخاتمة والتوفيق لما يحبه ويرضاه . ونسأل الله أن تكون هناك فرص أخرى للقاء .
س21: ما حكم من أخذ مبلغاً من مال زوجه بدون رضاها لأداء دين عليه ؟
ج21: الرجل ليس له أن يظلم زوجه، فليس له أن يأخذ من حقها شيئاً، إنما يأخذ ما تطيب به نفسها فليس له أن يرزأها بشيء قط وعليه أن يتقي الله في ذلك .
وأسأل الله التوفيق للجميع وأشكر الجميع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
كتبته هدى، حلقة الأسرة والمجتمع .
http: //www.almajara.com/print.php?sid=5166 (1/30)