صفحة 1
الكتاب: محطات للصائمين لـ؟؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] فتح مكة
فتح مكة المكرمة جاء إنجازاً من الله تعالى لما وعد به عباده المؤمنين من التمكين والاستخلاف في الأرض، ومكة هي أم القرى، وفيها قبلة المسلمين بيت الله الحرام، الذي جعله مثابة للناس وأمنا، وفرض على عباده حجه، وأمر عبده إبراهيم عليه السلام أن ينادي داعياً الناس إلى حجه { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق } (الحج27) .
... ففتح مكة مكسب كبير للأمة الإسلامية، فالمسلمون كانت أفئدتهم مشدودة إلى مكة المكرمة؛ لأن جميع العرب ورثت التعظيم للبيت الحرام من حنفية إبراهيم عليه السلام، ولكنها أدخلت ما أدخلت فيه من شوائب الجاهلية؛ لأن معظم المهاجرين جاءوا إلى المدينة المنورة من أرض الحرم الشريف، فمنهم من أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وكانوا مشدودين إلى أوطانهم، يرغبون في العودة إليها لولا دار الهجرة.
... ومن جانب آخر فإن فتح مكة يؤذن بعالمية الدعوة الإسلامية؛ فقد كانت الوفود من العرب تأتي إلى بيت الله الحرام في كل عام، وفي هذا ما يؤذن بانتشار دعوة الإسلام في أصقاع البلاد العربية بفتح مكة المكرمة، ومن هنا جعل الله تبارك وتعالى الحج بعد ذلك فرضاً على جميع المسلمين القادرين، فكانت الوفود تفد إلى هذا البيت الحرام من جميع بقاع الأرض .
... والمسلمون كانت في نفوسهم رغبة في أن يذهبوا إلى (1/1)
صفحة 2
حرم الله تعالى، وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه أنه دخل ومن معه من المسلمين المسجد الحرام وهم آمنون مطمئنون قبل أن يذهبوا إلى مكة، فعلموا أن هذه الرؤية التي رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - رؤيا حق، إذ إن الشيطان لا يحوم حول حماه عليه أفضل الصلاة والسلام فلا يتمثل له - صلى الله عليه وسلم - في منامه، وحرصوا كل الحرص على أن يكونوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذهابهم إلى البيت الحرام لأداء العمرة، فكانت عمرة الحديبية، حيث صد المشركون المسلمين عن المسجد الحرام، ورضي النبي عليه الصلاة والسلام أن يعقد مع المشركين خطة صلح، وكبر ذلك على المسلمين ورأوا ذلك إهانة لكرامتهم، ولكن مع ذلك استكانوا لأمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - سورة الفتح التي افتتحت بقوله سبحانه وتعالى: { إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزا } (الفتح1). فقال بعض المسلمين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو فتح هو يا رسول الله ؟ فقال : نعم .
... نعم هو فتح وأي فتح، مع أن بنود الصلح حسب ظاهرها لم تكن في صالح المسلمين، ولكن في حقيقتها كان فيها الخير الكبير للمسلمين، وقد غرب ذلك عن علمهم وإدراكهم، فلذلك أحسوا بغضاضة من هذا الصلح وانقلبوا إلى المدينة وافئدتهم تحمل شيئاً من الأسى والأسف لما حصل، ولكن مع ذلك لم تكد تمضي فترة حتى تحقق للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين ما تحقق من المكاسب، وأول تلك المكاسب أنه أتيحت فرصة للمسلمين لأن ينشروا الدعوة من خلال تلك الهدنة، فدخل الناس في دين الله أفواجا،ً وانتشرت أصداء الدعوة الأسلامية في أرجاء الجزيرة العربية، ودخلت الكثير من قبائل العرب في دين الله تعالى. (1/2)
صفحة 3
ثم فتح الله تبارك وتعالى على المسلمين خيبر في ذلك الوقت، وقضوا على الوجود اليهودي فيها، وبهذا الفتح مكن الله تبارك وتعالى للمسلمين من الاستعداد لمواجهة عدوهم بمكة المكرمة، وقد نكثت قريش في صلحها بعدما غدرت بخزاعة التي دخلت في حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن من بنود ذلك الصلح أن العرب بالخيار من أراد منهم أن يدخل في حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل، فدخلت خزاعة في حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولما دخلت في حلفه وقع ما وقع من قبل قريش من الغدر بخزاعة، وعندئذ تمكن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حلّ ذلك الصلح الذي وقع بينه وبين قريش، ووجد الفرصة لأن يثب إلى مكة المكرمة، فخرج إليها في عشرة آلاف مقاتل وهز وجود قريش هزاً عنيفاً، وأدركت قريش أنها لا قبل لها بهذا الجيش العرمرم من المسلمين الذين جاءوا من جزيرة العرب من أجل فتح مكة، فكانت فتحاً مبيناً، وقد جعله الله في هذا الشهر الكريم .
الإفطار في المساجد (1/3)
صفحة 4
... لا يمنع الفطر في المسجد إن كان هناك التزام تام، وذلك بألا تكون ضوضاء في وقت الفطر منافية لقدسية المسجد، وألا تكون هذه الفطرة مجلبة للناس الذين يأتون للمسجد لا لأجل الصلاة ولكن لأجل الإفطار فقط، فقد كان العلماء المتقدمون يشددون في الفطرة التي أوصي بها في مسجد معين ألا تخرج عن ذلك المسجد، وكانوا يقولون بأنها تكون في ذلك المسجد دون غيره ومن الأمكنة الأخرى عملاً بقول الله تبارك وتعالى: { فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم } (البقرة181) ولكن الإمام أبا نبهان رحمه الله تعالى كان رأيه خلاف ذلك؛ نظراً لما رأه من تغير الناس في وقته وعدم التزامهم بآداب دخول المساجد، فقد رأى أن هذه الفطرة تجلب إلى المساجد عوام الناس وجهلتهم اللذين لا يأتون إلى المساجد إلا من أجل الفطرة وحدها من غير رعاية لحقوق المساجد وعدم التزام بآدابها. (1/4)
صفحة 5
ومن ناحية أخرى رأى أن هذه الفطرة تسبب في أن يترك الناس نوى التمر الذي يأكلونه في المسجد، وهذا قد يجر بعض الحيوانات إلى المساجد التي ليست لها أبواب تغلق؛ لذلك شدد في عدم أكل الفطرة في المساجد، وأمر أن تخرج الفطرة من المساجد إلى أمكنة أخرى، وقال بأن الوصية لا يجب التقيد بها في مثل هذه الحالة، لأن الوصية إن جرّت مضرة لا يجوز التقيد بها، وضرب مثلاً لذلك فيما لو أوصى أحد بأن تؤكل الفطرة في منزل يتيم أو في منزل غائب أو من لا يرضى بدخول الناس في منزله، فإن ذلك لا يتيح للناس أن يدخلوا منزل الكاره أو منزل اليتيم أو منزل الغائب، ولا يكون التزام قيد الوصية من الموصي ملزماً في ذلك، وإنما يتبع في ذلك حكم الشرع أولاً ويتقيد به، وهكذا المسجد فإن حكمه حكم اليتيم الذي لا بد من رعاية حقوقه، والله تبارك وتعالى أمر بأن تصان هذه المساجد إذ هي بيوته التي لا يباح فيها إلا ما أذن به كما دلّ قوله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتا الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار } (النور36)، وهذا ما ذهب إليه الأمام أبو نبهان رحمه الله إنما هو بحسب حالة الناس في الأوقات التي قد يكون فيها اختلاف بين فترة وأخرى، فعندما تتحسن أحوال الناس ويلتزمون آداب دخول المساجد ويتقيدون بكل الواجبات من غير إخلال بشئ منها، فإنه لا يكون في ذلك وجه للحيد عن أكل هذه الفطرة في المساجد ما دامت مقيدة بذلك في الإيصاء بها.
حقيقة الصيام
... الصوم في اللغة مطلق الإمساك يقول الشاعر : ـ
خيل صيام وخيل غير صائمة
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما . (1/5)
صفحة 6
... وهو في الشرع إمساك عن الأكل والشرب والوقاع وجميع مكروهات الأقوال والأعمال، فكل محظور من الأقوال والأعمال على الصائم أن يتجنبه، وقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه الإمام البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، وروى الإمام الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم ألا بالكف عن محارم الله) ، فالكف إذن عن محارم الله بالأقوال والأعمال أمر لابد منه، وعلى الصائم أن يلتزم ذلك فإن ذلك من واجبات الصيام. (1/6)
صفحة 7
ثم إن الصائم ليس مطالباً بأن يكف أذاه عن الغير فحسب، ولكنه أيضا بأن يحتمل أذى الغير ولا يقابل الإساءه بمثلها، فلا يقابل الهجر بالهجر ولا القبيح بالقبيح، وإنما يقابل القبيح بالإحسان، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (الصوم جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم) (1) والنبي - صلى الله عليه وسلم - يربي أمته من خلال هذه الشعيرة المقدسة على احتمال أذى الغير، وذلك بألا يقابل الصائم الأذى بأذى وإنما عليه أن يقول: إني صائم. ليوقظ ضميره ولينبه شعوره بأنه في حالة عبادة مقدسة، وأن هذه العبادة تتنافى مع التشفي والانتقام، وبذلك تطمئن نفسه وتسكن شهوته الانتقامية التي تتأجج نارها في صدره، فلا تلبث نار الحمية أن تنطفي بتذكره أنه في عبادة مقدسة، وهي جديرة بأن يحرص على نزاهتها وقدسيتها حتى لا تشوبها أية شائبة، وبهذا تنغرس في المؤمن روح التقوى التي يشير إليها القرآن الكريم عندما قال عز من قائل: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } (البقرة183) فإن الغاية من الصيام كالغاية من سائر العبادات في غرس روح التقوى في نفوس العباد؛ حتى يلتزموا أوامر الله ويجتنبوا نواهيه في السر والعلانية؛ ذلك لأن الإنسان عندما يؤدي هذه الشعيرة المقدسة على هذا النحو المطلوب، بحيث يقيم جوارحه ويضبط نفسه عن الوقوع في محارم الله قولاً وفعلاً، كان صيامه ذلك سبباً لأن يتمرن على تقوى الله تبارك وتعالى، ويعتاد السير في سبيلها في سائر العام على هذا المنهاج الصحيح الذي يؤدي إلى سلامة الدنيا والعقبى، ولا يكاد يزول عنه أثر صيامه حتى يتجدد مرة أخرى بدخول رمضان، ويتزود كل شهر زاداً لسائر العام وهو زاد التقوى.
صلاة التراويح
__________
(1) رواه الإمام الربيع رحمه الله والبخاري ومسلم وأبو داود وأحمد والطبراني في الكبير وغيرهم. (1/7)
صفحة 8
... كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي القيام ثماني ركعات، فصلاها أبو بكر رضي الله عنه ومعها ثمان ركعات أخرى, وصلى عمر رضي الله عنه مع هذه الست عشرة ركعة ثماني ركعات أخرى، فكان مجموع ذلك أربعاً وعشرين ركعة، ثم إن عمر رضي الله عنه جمع الناس بعد ذلك على إمام واحد وهو أبّي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ركعة في المدينة المنورة، ولعل أصحابنا -أهل عمان- الذين اختاروا صلاة الاثنتي عشرة ركعة نظروا إلى ما كانوا يصلونه أيضاً في السحر، فإن كثيراً منهم كانوا يصلون في السحر اثنتي عشرة ركعة بجانب كونهم يصلون في صلاة التراويح اثنتي عشرة ركعة، فيكون مجموع ذلك أربعاً وعشرين ركعة، ويحتمل ما قاله الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله حيث قال: إنهم كانوا يصلون سنة العشاء الراتبة، ولكنهم يصلونها أربع ركعات، وكان يدعو لأن تنوى الأربع ركعات الأولى سنة العشاء الراتبة؛ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العشاء ركعتين وصلى بعد العشاء أربعاً، فلا غرو في صلاتها أربعاً كما لا ضير أيضاً في صلاتها جماعة؛ لأن صلاة السنن تجوز في الجماعات كما جوزت صلاة الوتر في شهر رمضان في الجماعة، وقد كان الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله يذهب هذا المذهب في بادئ الأمر، ولكنه بعد ذلك رجّح أن تصلى سنة العشاء انفراداً، وتصلى سنة القيام ثماني ركعات تأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وحرصاً على تطبيق ما كان يفعله أفضل الصلاة والسلام، وذلك أن الناس قد يجهلون أن الأربع ركعات الأولى هي سنة العشاء ويظنونها من ضمن التراويح، ولئن أفردت وحدها وجعلت ركعتين وصليت فرادى كان ذلك ما يدفع هذا الوهم وما يقضي على هذا اللبس، فلذلك اختار هذه الطريقة، ومن ناحية أخرى فإن ذلك يترجح بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يزيد على ثلاث عشرة ركعة، وهذا واضح بأن سنة العشاء ركعتان وسنة القيام ثمان (1/8)
صفحة 9
ركعات والوتر ثلاث ركعات سواءً صلي متصلاً أو منفصلاً فيكون مجموع ذلك ثلاث عشرة ركعة، وهذا العمل ينطبق على ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فالأخذ بذلك أولى، ومن أجل ذلك اخترنا أن نصلي سنة القيام ثماني ركعات، وأن نصلي سنة العشاء قبل ذلك ركعتين وندعو الناس إلى تطبيق ذلك، لأن في ذلك تأسياً بما كان عليه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام .
وقفات رمضانية
? عمل المسلم كله طاعة:
أعمال المسلم كلها بركة وقربة إلى الله سبحانه وتعالى، فهو وإن أقدم إلى عمل ظاهره أنه دنيوي غير أن حسن النية وخلوص الطوية تقلب هذه الأعمال إلى أعمال أخروية، فلا يعني دخول شهر رمضان الكريم أن ينقطع الإنسان عن جميع أعمال الدنيا، بل ينبغي له أن يعمل من الأعمال ما لم يكن له بد منها لكسب رزق العيال ونحو ذلك من الأعمال التي يقيم بها أَوَدَه وأَوَدَ عياله، ذلك لأن حياة المسلم كلها لله تعالى فهي أخروية.
? تلاوة القرآن:
كما ينبغي له أن يكثر من تلاوة كتاب الله سبحانه
وتعالى إقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعرض القرآن على جبريل في شهر رمضان، كما دل على ذلك حديث ابن عباس .
? الصلاة والذكر والاعتكاف:
وينبغي له أن يكثر من الصلاة، وأن يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى آناء الليل وآناء النهار، وأن يكثر من الاستغفار، فإن دخلت العشر الأواخر اعتكف، و الاعتكاف من أقرب القربات إلى الله سبحانه وتعالى، وقد لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - الاعتكاف في العشر الأواخر تحسباً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
? ثمرة فقه الصيام: (1/9)
صفحة 10
وينبغي له ألا يهمل مطالعة العلم النافع؛ فإن العلوم على اختلافها تزيد إيمان المؤمن وتقوي يقينه وتصله بربه وتصلح أعماله؛ على أن للصيام أحكاماً كثيرة يؤمر المسلم بفقهها، فلا بد أن يعرف واجبات الصوم ونواقضه ومبطلاته وآدابه؛ حتى يكون واقفاً عند حدود ما يشرع الله تبارك وتعالى من جميع ذلك، فإذا صام على النحو الذي أمره الله تبارك وتعالى كان صيامه عبادة محضة، وقربة إلى ربه عز وجل وسببا لتطهير نفسه من أدرانها، وكان وسيلة من وسائل غرس التقوى في روحها، وبذلك يكون بسبب صيامه هذا مكتسباً لأعظم ربح وهو غرس روح التقوى في نفسه، وتهذيبها وتنقيتها من شوائب أخلاقها السيئة المذمومة، وذلك كله يتم بدراسة العلم النافع.
? النصيحة:
لا بد للإنسان وهو في شهر رمضان الكريم أن يتأمل تأملات في عبادات الله سبحانه وتعالى، حتى يقف عند حدود ما أمر الله، ويضبط نفسه بضوابط البر والتقوى، وعليه أن يكثر ً من أمر غيره بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دعائم الإسلام، ومن القربات التي تقرب العبد إلى الله تبارك وتعالى، فلا يهمل هذا الجانب، على أن ذلك مطلوب من الإنسان في أي حال من أحواله، وهو في رمضان أدعى، فالحسنات فيه تضاعف، وكذلك يؤمر بصلة الأرحام، ومواصلة المساكين ذوي الحاجات بالعطايا والهبات حتى يكون ساداً لحاجاتهم وقاضياً لمآربهم، وبذلك ينال المنزلة والقربة من الله تعالى .
استقبال رمضان (1/10)
صفحة 11
... على المسلم وهو يستقبل هذا الشهر الكريم أن يستشعر عظيم نعمة الله تبارك وتعالى عليه؛ إذ جعل هذا الشهر شهراً تمحى فيه الذنوب، وتحط فيه الأوزار، وترفع فيه الدرجات، وتضاعف فيه أجور الأعمال، وأن يستشعر كذلك وجوب محافظته على عهد الله تبارك وتعالى، إذ أنزل سبحانه وتعالى في هذا الشهر الكريم كتابه العظيم، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فإن الله تعالى يقول: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } (البقرة185) فجدير إذاً بالمسلم وهو يستقبل هذا الشهر الكريم أن يكثر من تلاوة كتاب الله، وأن يتأمل أحكامه فيحل حلاله ويحرم حرامه، ويؤمن بمتشابهه ويرد ذلك إلى محكمات القرآن لأنها أمهات لمتشابهاته، كما نص على ذلك كتاب الله سبحانه وتعالى إذ يقول عز من قائل حكيماً: { هو الذي أنزل على عبده الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرى متشابهات } (آل عمران7)، فالتعبير عن المحكمات بأنها أم الكتاب يدل على أنها الأصل في القرآن، وأن المتشابه يرد إلى المحكم، فعلى المسلم أن يتبع ما أحكم من القرآن الكريم، وأن يقف عما لم يعلمه من معان متشابهة مع الإيمان به جميعاً أنه من عند الله سبحانه وتعالى، وأن جميع ذلك لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أن يجعل بعضه محكماً وبعضه متشابهاً، وبعضه مفصلاً وبعضه مجملاً، وبعضه ناسخاً وبعضه منسوخاً، وعلى العبد أن يتبع في عمله المحكمات وأن يرد إليها المتشابهات إن أمكنه تأويلها بحسب القواعد العلمية التي يرجع إليها في تفسير كتاب الله عز وجل . (1/11)
صفحة 12
... وكذلك عليه أن يتخلق بأخلاق القرآن فإن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن ليتحلى به، بحيث يكون خلقاً للمؤمن كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخبرت عنه عائشة رضى الله عنها، وينبغي للمؤمن مواساة الفقراء والمساكين بما آتاه الله سبحانه وتعالى من رزق، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جوده العظيم الذي لا يقاس به أي جود، كان يضاعف ذلك في شهر رمضان، وفي حديث ابن عباس رضى الله عنه (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسله، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان عندما يلقاه جبريل) (1) .
... فينبغي للمسلم أن يقتدي برسول الله صلى الله وعليه وسلم في ذلك، وأن يضاعف أعمال البر، وأن يواسي الفقراء والمساكين، وأن يعطف على المحرومين؛ حتى تضاعف أجوره في هذا الشهر الكريم.
حكم الصيام
... الصيام له تأثير في سلوك الإنسان، وفي تطهير سيرته وتمتين صلته بإخوانه، وهذا ليس محصوراً في صيام الفرض وحده، بل صيام النفل أيضاً يُكسب صاحبه هذه المكاسب، فلذلك كان فضل صيام النفل فضلاً عظيماً وخيره خيراً كبيراً .
__________
(1) رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي في الشمائل وأحمد والبيهقي. (1/12)
صفحة 13
... وخير صيام النفل ستة أيام من شوال لأجل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كمن صام الدهر) (1) ، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر كله) (2) ، وكذلك صيام يوم عاشوراء لما جاء فيه من الخير العظيم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن صيام يوم عاشوراء يعادل عبادة سنة (3) ، وكذلك صيام يوم عرفة لغير الواقف بعرفة(2)، وصيام التسع من شهر ذي الحجة كلها -وهي التسع الأيام التي تسبق يوم عيد الأضحى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أكثر ما يصوم في شهر شعبان (4) ، فينبغي للمسلم أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وأن يصوم هذه الأيام .
__________
(1) رواه الإمام الربيع رحمه الله ومسلم والنسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد والطبراني وغيرهم.
(2) رواه الإمام الربيع رحمه الله والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهم.
(3) روى أحمد من طريق قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال له رجل: أرأيت صيام عرفة قال: أحتسب عند الله أن يكفر السنة الماضية والباقية قال: يا رسول الله أرأيت صوم عاشوراء قال: أحتسب عند الله أن يكفر السنة".وجاء عند الإمام الربيع رحمه الله أنه كفارة لستين شهرا من طريق ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام يوم عاشوراء كان كفارة لستين شهرا أو عتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام".
(4) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان ". رواه الإمام الربيع رحمه الله ومسلم والترمذي وأبو داود وأحمد. (1/13)
صفحة 14
... ومما ينبغي التنبيه عليه أن الست الأيام التي حض النبي - صلى الله عليه وسلم - على صيامها من شهر شوال لا تنحصر في أيام معينة، فإن بادر بعد يوم الفطر كان ذلك خيراً وإن تأخر فلا حرج عليه، وله أن يصومها متفرقات، ومن قدم في صيام الست من شوال كان أفضل لأنه يكون قد سارع في الطاعة .
... وأما الأيام التي يحرم صيامها فهي صيام العيدين، فلا يجوز للإنسان المسلم أن يصوم يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى بالإجماع؛ وذلك لأنهما يوما ضيافة الله تعالى لعباده ولا يجوز لأحد أن يرد ضيافة الله تعالى فيصومه.
أما الصيام الذي اختلف فيه هل هو مكروه أو محرم فصيام أيام التشريق، وهي صيام اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر واليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة، وكذلك صيام يوم الشك، وهو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو شعبان، وهو اليوم الثلاثون من شعبان، والصحيح من هذه الأقوال أن صومه حرام لأجل التأكيد في الروايات الكثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمنع عن صوم ذلك اليوم، والأصل في النهي أن يكون للتحريم حتى تصرفه قرينة عن ذلك إلى الكراهة، وفي بعض أقوال الصحابة رضوان الله عليهم من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - وهو يدل على أن صوم ذلك اليوم حرام، لأن معصيته - صلى الله عليه وسلم - حرام يقول الله تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } (النور63). (1/14)
صفحة 15
... والقول باستحباب صيامه في حالة الغيم قول مناف لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) (1) .
... فإذن الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهر في أن لا يصوم أحد حتى يرى الهلال وألا يفطر حتى يرى الهلال فإن غم فعليه إكمال العدة ثلاثين يوماً .
العشر الأواخر
... تكمن أهمية العشر الأواخر في رمضان من حيث إنها مظنة ليلة القدر، فإن ليلة القدر ليلة ذات فضل عظيم، وقد طوي علمها عن البشر، فإن الله تبارك وتعالى بعدما أظهرها لنبيه - صلى الله عليه وسلم - طوى علمها عنه وعن أمته، من أجل حكمة بالغة أرادها الله تعالى وهي أن يتجرد الناس للعبادة في أيام شهر رمضان، ولا يخصوا هذه الليلة فقط بالتهجد والقيام دون غيرها من الليالي، كما أخفى الله سبحانه وتعالى ساعة الإجابة من يوم الجمعة في طوايا ساعات يوم الجمعة جميعاً، حتى يجتهد الناس في الدعاء والعبادة في جميع يوم الجمعة، وكذلك أخفى الله الصلاة الوسطى من بين الصلوات الخمس من أجل أن يحرص الناس على الصلوات كلها من غير تفريط في شئ منها .
__________
(1) رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، ورواه الإمام الربيع من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غمي عليكم فاقدروا له" وفي رواية أخرى: "فأتموا ثلاثين يوما". (1/15)
صفحة 16
... والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلتمس هذه الليلة، فكان يعتكف عليه أفضل الصلاة والسلام في العشر الأوائل من رمضان، فجاءه جبريل فقال له: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الوسطى ثم جاءه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأخيرة من رمضان وظل عليه أفضل الصلاة والسلام يعتكف هذه الأيام العشر كلها لأجل الرغبة في ليلة القدر، وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: (التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر) (1) .
... والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يولي هذه العشر الأواخر عناية بالغة، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلت العشر الأواخر شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله (2) .
... والمقصود بشد المئزر الاجتهاد، فإن الإنسان عندما يريد أن يعمل عملاً شاقاً من عادته أن يشد مئزره ويشمر لأجل القيام بذلك العمل الذي يريد أن يقوم به، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان هكذا يقابل العشر الأواخر بهذا الجد والعزم والقوة من أجل كسب هذا الخير العظيم في هذه الليالي .
... والمقصود بإيقاظ أهله أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا ينام في العشر الأواخر، بخلاف بقية ليالي رمضان فقد كان يتهجد وينام، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يترك التهجد في أي ليلة من الليالي، فقد كان حريصاً على التهجد سواءً كان ذلك في شهر رمضان أو في غير رمضان، وكان في رمضان أحرص على التهجد منه في غيره، وكان في العشر الأواخر أكثر حرصاً حتى أنه كان يحيى ليله كله بالتهجد رغبة فيما عند الله تبارك وتعالى.
غزوة بدر الكبرى
__________
(1) رواه الإمام الربيع رحمه الله من طريق أبي سعيد الخدري والترمذي، ورواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وغيرهم بألفاظ متقاربة.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن جرير وابن أبي عاصم والفريابي في السنن. (1/16)
صفحة 17
... الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد، وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الا وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بدعوة الحق وكلمة الصدق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وكشف الغمة، صلى الله وسلم تسليماً عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى
تابعيهم بإحسان الى يوم الدين .
وما أحسنها من ذكرى تتقد فيها جذوة الأمل بعد انطفائها، وتحيا فيها روح الرجاء بعد موتها، وينبعث فيها ما خمد من الهمم، ويتحرك ما سكن من العزائم، تلكم هي ذكرى (غزوة بدر الكبرى) التي هي أول غزوة في عهد الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في فترة ظهرت فيها هذه الأمة التي حملها الله سبحانه وتعالى الأمانة العظيمة لتسود بين الأمم، ولتبني تأريخاً ما مثله تأريخ، لقد شرف الله تعالى هذه الأمة بالرسالة الخالدة، وقد شاءت الحكمة الإلهية أن يشع نور هذه الرسالة في وقت تراكمت فيه الظلمات، وأن يكون مطلعها في أفق مسود محلولك، إذ كان مطلع هذه الرسالة في جزيرة العرب وفي أم القرى، بين العرب الأميين الذين كانوا يعيشون فترة من أحلك الفترات، بسبب بعد الأرض عن عهد الرسالات السماوية . (1/17)
صفحة 18
وكانت الحكمة الإلهية تعدّ هؤلاء الذين رضوا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً وهادياً وبالقرآن الكريم دليلاً ودستوراً لأن يكونوا أساتذة العالم وقادة الأمم وبناة التأريخ، وكان العالم آنذاك محكوماً بقوى الطغيان، وقد كان المسلمون قبل هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعانون ما يعانونه من الويلات؛ بسبب تآمر أعداء الإسلام من أمة الكفر على هذه القلة المؤمنة في مهبط الوحي ومنطلق دعوة الإسلام، وكانوا يحرصون على أن يجهضوا الدعوة الإسلامية وهي في بداية تكوينها؛ لأنهم يتصورونها شبحاً مخيفاً وخطراً رهيباً، فقد جاءت هذه الدعوة بكلمة الحق العادلة التي تقيم الناس جميعاً على قدم المساواة، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير، ولا بين حاكم ومحكوم، لأن هذه الدعوة أساسها ومحورها كلمة لا إله الا الله، وهذه الكلمة تعني العبودية المطلقة من الإنسان إلى الله الواحد سبحانه وتعالى، وتعني تحرر الإنسان مما عدا هذه العبودية، فلا عبودية إلا لله تبارك وتعالى، وجميع الناس بالتساوي أمام هذه العبودية، وقد تصور هؤلاء المتألهون في الأرض عبادة الله خطراً يهدد صفو عيشهم؛ لأنه قائم على أساس الفوارق الطبقية بين الناس، فلذلك اشتد نكران الطبقة التي تدّعي الرفعة والعلو في هذه الأرض على هذه الدعوى، وإذا كان هذا الأمر حدث في مهبط الوحي مع مشاهدة أولئك الذين تنكروا لهذه الدعوى معجزات النبوة وعلى رأسها معجزة القرآن الكريم، التي خارت أمامها جميع قواهم، وتحداهم بأن يأتوا بمثله فعجزوا أن يأتوا بعشر سور من مثله بل عجزوا أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فمن باب أولى أن يعرض غيرهم ويشتد نكيرهم، مما أدى بالقوى العالمية التي كانت تسود العالم آنذاك أن تتنكر لهذه الدعوة، وأن تترقب لها في كل تدبير، وأن تبذل كل ما في وسعها لأجل إجهاضها والقضاء عليها في مهدها، من هذا المنطلق (1/18)
صفحة 19
كان القدر الإلهي يعد تلك الفئة المؤمنة لمواجهة هذه القوى كلها، ليست قوة قريش فحسب ولا قوة العرب في جزيرة العرب بل لمواجهة القوى العالمية التي كانت متألهة في الأرض، لأجل تحرير الإنسانية من نير الاستعباد، ولأجل إذاقتها طعم العدل والإنصاف والحرية والأمن والأمان والإيمان في ظل الإسلام الحنيف. (1/19)
صفحة 20
كان الوعد الإلهي يتنزل في مكة المكرمة والمسلون يواجهون ما يواجهونه من تحديات الكفر وأهله، كان القرآن الكريم يتنزل في ذلك العهد مبشراً المؤمنين بأن الله تعالى سيظهرهم على أعدائهم وسيستخلفهم في الأرض، فكم من آية مكية فيها هذا الوعد الإلهي للمسلمين، ويكفي ما في القرآن المكي من ضرب الأمثال من سير المرسلين قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان القرآن المكي مفعماً بأخبار النبوات وقصص المرسلين مع قومهم وما آل إليه أمرهم من بعد ظهور أولئك المرسلين وظهور دعوتهم، رغم التحديات التي تنبعث من القوم الطاغين الذين يقفون في كل سبيل لدعوات المرسلين: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } (هود:120). ويقول الله سبحانه وتعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي اليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } (يوسف:109-111) وكان المسلون لا يخفون مشاعرهم تجاه هذه الوعود الإلهية على خصومهم، بل يبوحون بها أمام خصومهم، وقد اتخذها خصومهم مادة للسخرية والاستخفاف بالمسلمين، فإذا رأوهم مقبلين -وهم ضعفاء محقرون في ذلك الوسط الجاهلي- أخذوا يتهكمون بذكر هذه الوعود الإلهية التي يتصورونها أحلاماً تدغدغ مشاعر أولئك المؤمنين، فيقولون جاءكم ملوك العالم الذين سيتغلبون غداً على ملك كسرى وقيصر . (1/20)
صفحة 21
... وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحرج المواقف وأدقها يبوح بهذه الوعود، فعندما هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ولحقه سراقة في طريقه، وحدث من أمره ما حدث، وطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاب الأمان قال له - صلى الله عليه وسلم - : ((كيف بك إذا لبست سواري كسرى)) (1) ؛ ذلك لأن الإيمان قد أفعم تلك القلوب وملأ تلك العقول، فكان هو مصدر هذا القول والتحدث بهذه النعمة الإلهية التي تتمثل في هذه الوعود.
__________
(1) ذكره ابن كثر في البداية والنهاية وذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين، والقاضي عياض في كتابه الشفا. (1/21)
صفحة 22
وبعدما هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة ووجد الإسلام حمىً يأزر إليه وقوة يعتضد بها، أخذ المشركون يتحرشون بالمسلمين من خلال جولاتهم التجسسية حول المدينة التي تأوي الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وأخذت خيلهم تطأ بحوافرها حرم مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جولات يريدون أن يحبسوا من خلالها القوة التي كانت عند المسلمين وما كانوا يحسبون حساباً لهذه القوة كما هو شأنها بحسب ما أوصلها الله تعالى إليه، فقد كانوا يطمعون أن يقضوا عليها في يوم من الأيام، وإذا لم يتمكنوا من القضاء عليها في مكة المكرمة، فبإمكانهم مع تعاونهم مع أخوانهم العرب أن يقضوا عليها في هذه القلعة التي تأوي إليها؛ ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهز السرايا لأجل مواجهة هذه القوة العدوانية من القوم الكافرين، ولم يصل الأمر إلى اصطدام بين هذه السرايا المؤمنة وبين القوى الكافرة، مع أن أول سرية انطلقت من مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الشهر السابع من هجرته عليه أفضل الصلاة والسلام، اللهم إلا ما كان من الاصطدام الذي وقع في شهر رجب الحرام بين المؤمنين والكافرين فقتل عمر بن الحضرمي من قوات الكافرين، وأخذوا بعد ذلك ينددون بالمسلمين بسبب القتل الذي وقع في الشهر الحرام، وكان على رأس السرية التي قتلت عمر بن الحضرمي عبدالله
ابن جحش رضي الله تعالى عنه. (1/22)
صفحة 23
... وعندما خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة بدر بعدما استنفر أصحابه لأجل الغنيمة ولم يخرجوا من أجل الملحمة، جاءته أنباء العير التي كان فيها أبو سفيان، وكانت هذه العير تحمل متاعاً لقريش فيه الطيب والثياب من قبل بلاد الشام، وقد رجا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينفلهم الله سبحانه وتعالى هذه العير، فخرجوا وكانوا قلة ، ومنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن له ظهر في الحال أن ينتظر ظهره حتى يخرج إليهم، فلذلك خرج قليل من المسلمين؛ لأنهم ما كنوا يحسبون حسابا للنفير، بل كل همهم ملاقاة هذه العير، وإذا كان الأوس وهم من أشد الناس وأمضاهم وأقواهم شكيمة وأصلبهم في الجهاد، ما خرج منهم إلا واحد وستون، فكفى ذلك دليلاً على أنهم لم يكونوا مستعدين للقاء العدو، فعدد المجاهدين في غزوة بدر يتجاوز الثلاثمائة وسبعة عشر مجاهداً، لأن المهاجرين الذين اشتركوا فيها ستة وثمانون، والخزرج مائة وسبعون والأوس واحداً وستون، وكان القدر الإلهي يعدّهم من غير شعور منهم لموقعة تكون فاصلة وفرقاناً؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل، وتميز بين الهدى والضلال، وتفصل بين عهدين من عهود الدعوة الإسلامية عهد فيه المسلمون مستذلون محتقرون وعهد أصبحت الجزيرة العربية تحسب لهم فيه كل حساب، وما كانوا يشعرون بهذا الإعداد الإلهي في تلك الفترة، والله تبارك وتعالى أراد أن يكون هذا العدد نزراً يسيراً، حتى إذا ما انتصر على عدو مدجج بالسلاح ومزود بوسائل الدفاع ووسائل الهجوم، أصبح ذلك أقوى في التأثير على نفوس المسلمين، حتى يستميتوا بعد ذلك في الجهاد في سبيل الله في سائر الغزوات المقبلة وما أكثرها؛ لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعد هذه الطائفة المؤمنة لمواجهة القوى العالمية العاتية آنذاك: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ليحق الحق (1/23)
صفحة 24
ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } (الأنفال: 7-8).
فخرج المسلمون وكانوا على سبعين بعيراً، حتى إذا وصلوا بدراً إذا بالخبر يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العير أفلتت، وقد كان أبو سفيان يتحسس أخبار المسلمين لأنه يتوجس خيفة منهم، فبلغه تحرك المسلمين من أجل الاستيلاء على هذه العير، فأرسل ضمضم بن عمر الغفاري إلى مكة المكرمة ليتسنفر القوم المشركين، وعندما وصل إلى مكة المكرمة نادى : اللطيمة اللطيمة -والمراد بذلك العير التي تحمل الطيب والثياب- ما أراكم تدركونها فإن محمداً وصحبه قد خرجوا لها. (1/24)
صفحة 25
فهبت قريش وكان الله سبحانه وتعالى يريهم من آياته، فضمضم نفسه رأى وادياً من دم يسيل من مكة المكرمة، بينما عاتكة عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - رأت تلك الرؤيا التي كانت مرعبة حقاً، ولكنها لم تؤثر في تلك النفوس العاتية، فخرجت قريش بقياداتها وكبرائها وأشرها وبطرها كما أخبر الله تعالى عنها في قوله: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله } (الأنفال: 47) ذلك لأن الشيطان الرجيم نفخ في كل واحد منهم، فظنون أنهم سيقطعون دابر المؤمنين، وما علموا أن الله سبحانه وتعالى أعدّ لهم ذلك اليوم ليقطع دابرهم فيه، فلما انحرف أبو سفيان بالعير وشعر أنه في مأمن وخرج من دائرة الخطر الذي كان يتوجسه، أرسل إليهم بأن عيركم سلمت ولا تعرضوا أنفسكم لأهل يثرب، وقد أثر هذا الكلام في بعض ذوي العقول من القرشيين، ولكن أبا جهل العاصي (فرعون هذه الأمة) أبى ذلك وأصّر على أن يصلوا إلى بدر، لأن ينحروا الجزر ويشربوا الخمر ويقيموا هناك ثلاثة أيام حتى تسمع بهم العرب فتهابهم جميعاً، ويشيع خبرهم أنهم غلبوا محمداً وصحبه، فلما قارب النبي - صلى الله عليه وسلم - بدراً مع أصحابه لم يخبرهم بأن العير انصرفت، وعرض على أصحابه مواجهة المسير والدخول في معمعة الحرب، فقال: "أشيروا عليّ أيها الناس" (1) ،
__________
(1) رواه البيهقي وذكره ابن كثر في البداية والنهاية .. (1/25)
صفحة 26
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد بذلك الأنصار لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام خشي أن يكون في نفوس الأنصار الاقتصار على حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة فقط كما تقتضي المعاهدة التي كانت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الأنصار في العقبة الأولى، وقد أدرك الأنصار هذا المغزى من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أشيروا عليّ أيها الناس" فتكلم سعد بن معاذ بما شرح صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدور المؤمنين واستعدوا للقاء العدو، وانطلقت هذه القلة لملاقات أولئك الأعداء بدون تواعد: { ولو تواعدتم لأختلفتم في الميعاد } (الأنفال: 42)فكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - معه في العدوة الدنيا التي هي أقرب إلى المدينة المنورة، والفريق الآخر في العدوة القصوى التي هي أقرب الى مكة المكرمة، والوادي ما بين العدوتين، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يُري عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في منامه أولئك القرشيين قلة، وهذا لأن الرؤيا إما أن تكون دالةً على الواقع حسب صورتها الظاهرة، وذلك هو الغالب في رؤيا النبيين، وإما أن تكون رامزة إلى الحقيقة وليست الحقيقة بحسب ظاهر الرؤيا، وهذا هو الغالب في رؤيا الناس، وقد يكون ذلك في رؤيا النبيين كهذه الرؤيا التي رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن قلة العدد ما كانت مقصودة بذاتها، ولكن المقصود بذلك أنهم خواء، فالعدد وإن كان كثيراً إلا أن الروح المعنوية فيهم قليلة ضعيفة. (1/26)
صفحة 27
وعندما ترآى الجمعان استقل كل واحد من الفريقين الجمع الآخر، فقريش استقلت المؤمنين، وقد حددهم أبو جهل بمقدار أكلة الجزور بحيث لا يزيدون على المائة، كما أن المؤمنين قدروا الكفار بين السبعين وبين المائة، والله سبحانه وتعالى يقص علينا ذلك في كتابه العزيز فيقول: { وإذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو اراكهم كثيراً لفشلتهم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم انه عليم بذات الصد ور ، واذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في اعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً } (الأنفال: 43-44) فكانت إرادة الله سبحانه وتعالى هي التي تدبر هذه المعركة وتسوس أمرها من غير أن يشعر بذلك أحد، فإن الله سبحانه وتعالى لو أرى المسلمين عدد الكفار كما هم عليه لكان ذلك من أسباب التأثر النفسي فيهم، ولو أن المشركين رأوا عدد المؤمنين كما هم عليه لكان ذلك داعياً إلى الاحتراز وإعداد العدة، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الأمر الواحد له نتيجتان، وقد التقت النتيجتان من بعد على نتيجة واحدة وهي النصر الساحق للمسلمين، فأصبحوا في إقبال من العزة والتمكين والمشركون في إدبار وإندحار، فكانت بدر الكبرى بحق منعطفا عظيما في حياة البشرية.
تهنئة وإرشاد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين أما بعد : (1/27)
صفحة 28
... فبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك أهنئ المسلمين جميعاً بهذه المناسبة الغالية العزيزة، التي تعيد إلى نفوسهم ذكرى من أعز الذكريات، وهي ذكرى نزول القرآن على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، من أجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الحيرة إلى البصيرة، ومن الضلال إلى الهدى، ومن التفرق إلى الاجتماع .. فشهر رمضان المبارك شهر كريم عظيم جعله الله تعالى ميقاتاً لنزول الكتاب العزيز على قلب سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فكان نوراً للعالمين وهدى للمتقين بيّن الله سبحانه وتعالى فيه للإنسانية ما تأتي وما تذر، وربط بين الدنيا والآخرة وبين العمل والجزاء، وألف به بين القلوب المتنافرة ووحد به بين الصفوف المتفرقة.
خير رمضان خير عظيم، فقد فرض الله تبارك وتعالى فيه عبادة من أسمى العبادات، ربط الله تبارك وتعالى بينها وبين الامتنان على عباده بنزول القرآن الكريم على قلب سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ قال عز من قائل:
{ (1/28)
صفحة 29
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه } (البقرة: 185) . فقد امتن أولاً بإنزال القرآن على قلب سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشهر الكريم، ثم وصل ذلك بفرضية صيامه على عباده المؤمنين، لأن الصيام إحياء للنفوس بهداية القرآن الكريم؛ وذلك لأن العبد يستطيع أن يأسر شهواته وأن يتصرف في رغبته بسبب صيامه، وبذلك يتقوى على إنفاذ أحكام القرآن الكريم والقيام بتوجيهاته وإرشاداته، فكان ذلك خيراً عظيماً للإنسانية كلها، وقد جاء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيان فضل شهر رمضان الكريم حيث قال - صلى الله عليه وسلم - : (إذا كان رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وغلقت الشياطين ) (1) . وفي بعض الروايات (وسلسلت مردة الشياطين) ففي هذا فضل عظيم على عباد الله تبارك وتعالى، فعلى المسلمين أن يراعوا حرمات هذا الشهر، وأن يغتنموا فرصة وجودهم فيه حتى يتقربوا إلى الله تبارك وتعالى بما يقربهم إليه زلفى، فإن العبادات تضاعف أجورها في رمضان، وقد روى في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أن من أدى فيه نافلة كان كمن أدى في غيره فريضة ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى في غيره سبعين فريضة) (2) فنسأل الله تعالى التوفيق للخير وهو حسبنا ونعم الوكيل .
ليلة القدر
__________
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) رواه ابن خزيمة والبيهقي (1/29)
صفحة 30
... اختص الله شهر رمضان بليلة القدر ليكون شهر بذل وخير، وقد ثبت في الصحاح من حديث أبي هريرة رضى الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن من قام ليلة القدر إيماناً وإحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه (1) ، وكان الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام يحرص عليها ، وقد اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشر الأواخر من رمضان يتحرى هذه الليلة بعد ما أخفيت عنه - صلى الله عليه وسلم - ، فقد علمها النبي عليه الصلاة والسلام أولاً ثم طُوي عنه علمها عندما تلاحى رجلان من أمته كما ثبت ذلك في الحديث (2) عن أبي سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه حتى تحرص الأمة على العبادة في جميع الشهر، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان تحريا لليلة القدر فيها، وكان كثير من الناس يعتكفون معه عليه أفضل الصلاة والسلام وظل يعتكفها - صلى الله عليه وسلم - حتى قبضه الله تعالى، ولذلك سُن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان للقيا ليلة القدر، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها عن جهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليالي العشر الأواخر من رمضان فقالت : (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأحيا ليلته وأيقض أهله) (3) ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشد مئزره ويعني ذلك بذله وسعيه في العبادة وملازمة قيام الليل أما في العشر الأواخر فقد كان يقوم جميع الليل ويوقض أهله حتى ينالوا من هذا الخير العظيم.
__________
(1) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد والبيهقي وغيرهم.
(2) رواه الإمام الربيع رحمه الله والخاري ومسلم .
(3) تقدم تخريجه ص 40. (1/30)
صفحة 31
فينبغي للإنسان أن يحرص على العبادة في الليالي العشرة الأخيرة من رمضان وأن يضاعف جهده في العبادة في الأوتار منها رجاء أن يصادف خير هذه الليلة العظيمة، ولحرص الناس على هذه الليلة أخذوا يلتمسونها فاختلفوا اختلافاً كثيراً فيها حتى بلغت الأقوال التي قيلت فيها أكثر من أربعين قولاً: منهم من أخرجها رأسا عن رمضان وجعلها في غير رمضان، ومنهم من قال بأنها في أوله، ومنهم من رأى أنها في وسطه، ومنهم من رأى أنها في آخره، ومنهم من قال بأنها رفعت رأساً وكانت في عام واحد هو العام الذي نزل فيها القرآن، وهذا القول مرفوض لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يحث على قيامها، وكان نفسه يحرص على مصادفتها، وقد ورد كثير من الروايات عنه - صلى الله عليه وسلم - دالة على أنها في شهر رمضان، وأن التماسها يكون في العشر الأواخر، وهي ليلة طبيعية لا تختلف عن بقية الليالي، وإنما وصفت بفضلها العظيم، وقد نسج الناس خيوطا من الخيال حتى قال كثير من العوام أن الأشياء تنقلب فيها رأساً على عقب، فالأشجار تكون غصونها أعلى وقممها أسفل، والحيوانات تنقلب رأسا على عقب وكل ذلك ليس من الصحة في شيء، وهذه الليلة هي كبقية الليالي لا يحدث فيها شيء مما يقوله العوام، وإنما يمكن أن يستدل الإنسان عليها بما روته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: ( سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما إذا وافقت ليلة القدر ماذا تقول ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) (1) . فسؤالها للنبي - صلى الله عليه وسلم - عما إذا صادفت هذه الليلة الكريمة ماذا تقول دليل على إمكان الاستدلال عليها .
__________
(1) رواه النسائي والترمذي وصححه وابن ماجه وأحمد والبيقهي والحاكم في المستدرك وابن النجار وغيرهم. (1/31)
صفحة 32
... وفي هذه الليلة الكريمة تجليات خاصة، فقد تشرق فيها أنوار لا تراها العامة، وإنما يراها الناسكون القائمون المجتهدون أو من يختصه الله تعالى منهم ، فلذلك سألت عائشة فأجابها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما أجابها به، ولا ريب أن فضل هذه الليلة يعطي هذا الشهر الكريم مزيداً من الخير ومزيداً من القدر؛ فلذلك اخُتص هذا الشر الكريم بهذه الليلة من شهور العام إذ أراده الله تعالى أن يكون درساً للخير ومدرسة للخلق ووسيلة إلى التقوى؛ ولذلك فرض الله تبارك وتعالى فيه الصيام لأجل هذه الحكمة البالغة، وجدير بالإنسان أن يحرص على أن يستمد من كل ليالي الشهر الكريم زاداً من تقوى الله سبحانه وتعالى بحيث تتلاءم أعماله مع ما جاء به القرآن الكريم، والصيام نفسه هو وسيلة من وسائل التقوى فالله عز وجل يقول: { يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على اللذين من قبلكم لعلكم تتقون } (البقرة: 183)، فالغاية من الصوم هي التقوى، والقرآن الكريم مجمع الفضائل ومصدر التقوى وأساس كل خير ومنبع كل سعادة ، فالله سبحانه وتعالى أنزل القرآن ليكون قائداً للخلق إلى طريق الحق يقول الله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً } ( الإسراء: 9). . ويقول تعالى فيه: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب } .
روح الإسلام (1/32)
صفحة 33
... يقول الله تعالى: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } (البقرة: 386) لقد جاء الإسلام والناس فوضى يتصارعون على الشيء القليل التافه ، فصارت حالة الناس كما وصفها الله في كتابه العزيز حيث يقول: { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } ( آل عمران: 102)، وقد كانت حالة الناس صراعاً لا تكاد تنجلي ظلمة إلا وتعقبها ظلمات بعضها فوق بعض، ومن ينظر في صفحات التاريخ قبل طلوع شمس الإسلام يرى برهان ذلك، فجاء الإسلام بنوره ينير للناس طريق الخير، طريق المحبة والإخاء، طريق العزة والكرامة، طريق الفلاح والرشاد، طريق التعاون والتراحم، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ففازوا بسعادة الدارين، بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة .
...
لقد جاء الإسلام فغير مجرى التاريخ، ودخل رجاله فيه من أوسع أبوابه، ليكتبوا تلك الصفحات الناصعة، كتبوها بدمائهم وسلوكهم وأخلاقهم، فتصدروا في العالمين، وقد جاء أبو سفيان ذات يوم قبل بلال بن رباح فطلب الدخول فأذن له بعد بلال، فعلق أبو سفيان بقوله: سبقونا إلى الإسلام فقدموا، وتأخرنا فأخرنا . (1/33)
صفحة 34
... دخل فئة من الناس الإسلام فاضطُهدوا فلم يجدوا بداً من الخروج فراراً بدينهم، فهاجر أولئك النفر إلى الحبشة، فبعثت قريش في طلبهم عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة فقالا للنجاشي ملك الحبشة: (أيها الملك إنه قد ضوى (1) إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم (2) عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ) فأحضر النجاشي المسلمين وسألهم قائلاً (ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا به في دين، ولا في دين أحد من هذه الملل؟) فانبرى من المسلمين للإجابة على سؤال النجاشي جعفر بن أبي طالب فقال: (أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسئ الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ) (3) .
تلك كانت حالة الناس قبل الإسلام وتلك شهادة سجلها التاريخ .
صيانة الجوارح بالصوم
__________
(1) لجأ.
(2) أبصر بهم من غيرهم.
(3) السيرة النبوية لابن هشام 2/289. (1/34)
صفحة 35
... روى الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي عباس رضى الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء) وذكر الإمام أبو غانم بشر بن غانم الخراساني رحمه الله في مدونته حديثاً من غير سند ولم أجد له سنداً وإن كان مذكوراً في بعض الكتب: ( خمس ينقضن الوضوء ويفطرن ويهدمْن الأعمال الغيبة والنميمة والكذب واليمين الغموس والنظر بشهوة) ، وإن لم يكن له سند فإنه يعتضد بالنصوص التي تدل على أن الصيام يتنافى مع قبائح الأعمال والأقوال، وفي مقدمة هذه النصوص قول الله تبارك وتعالى : { يا أيها الذين آمنو كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } ( البقرة: 183)، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الصيام مدرسة يتدرب فيها الإنسان على التقوى وعلى الخلق الفاضل، لأنه يعتاد أن يضبط لسانه وجوارحه بألا يقع في قبائح الأعمال والأقوال والغيبة والنميمة والكذب، واليمين الغموس في مقدمة الأقوال القبيحة، والنظر بشهوة مفتاح لباب الشر ونافذة الشيطان -والعياذ بالله-، فهذه الأعمال كلها تتنافى مع قدسية الصيام، ولذلك كان الواجب على الصائم أن يصون لسانه بألا يقع في أعراض الناس، وأن يمنع نظره من التطاول على عوراتهم، فإذا اعتاد الصائم في شهره كل هذا هان عليه ذلك في سائر العام، وتمكن من أن يكون مسارعاً إلى الخير ناهياً عن المنكر والشر .
ثمرة الصيام
الصيام وإن كان عبادة تركية لأنه ترك للطعام والشراب وقضاء الوطر من الحاجة الجنسية وسائر المفطرات، فإنه ذو أثر إيجابي في سلوك الصائمين، بل هو من عوامل وحدة الأمة وترابطها وأسباب تعاونها وتكافلها، فإن أحاسيس البشر هي مبعث تفاعل بعضهم مع بعض، وإن الأخلاق الحميدة هي الجسر الذي يعبر عليه التعاطف بينهم فيلاحم أفرادهم ومجتمعاتهم فتندمج فئاتهم وطبقاتهم . (1/35)
صفحة 36
... ومن شأن الصيام أن يرهف الحس ويرقق الشعور ويزكي في النفس مشاعر الرحمة والإحسان، وهو بجانب ذلك مدرسة خلقية يتربى فيها الضمير الإنساني، وتتهذب بايحاءاتها النفس البشرية، وتنجلي عنها أطباعها المذمومة وعاداتها السيئة، كما أن استقامة أحوال البشر لا تتم إلا باستعلائهم على الأنانيات الفردية والمصالح الشخصية التي هي أكبر عائق في طريق وحدة الأمة وتآزرها وتعاطفها وتآلفها، وذلك لا يتحقق إلا بتقوى الله سبحانه؛ ولذلك نجد الأمر بالتقوى والإشادة بالمتقين والثناء عليهم ووعدهم بحسن العقبى يتخلل آي الكتاب في معرض الأمر والنهي والتبشير والإنذار والقصص والأمثال والتذكير والامتنان والتشريع والبيان إلى غير ذلك من الأغراض التي نزل من أجلها القرآن، ولا نجد في القرآن تكرار الأمر بشئ كما تكرر الأمر بالتقوى؛ وما ذلك إلا لأن التقوى إطار واسع يشتمل على كل خير، فتدخل فيه فضائل الأقوال والأعمال ومحاسن السجايا والأخلاق كما تدخل فيه العقيدة الصافية القائمة على دعائم النقل الصحيح والعقل الصريح وتخرج عن هذا الإطار وتنأى عنه جميع الأفعال المنكرة والخصال المذمومة والأقوال القبيحة، وربط الله سبحانه وتعالى بين التقوى ومطلق العبادة في قوله { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } (البقرة:21) ، وحصن الصوم بهذا الرابط حيث قال: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم للعلكم تتقون } ( البقرة: 183)، وهذا لأن الصوم ليس مجرد الكف عن المفطرات الثلاث فحسب، ولكنه مع ذلك كف للجوارح واللسان عن قبائح الأعمال والأقوال والتجرد التام من مذام الأخلاق والخصال، لما يقتضيه الحديث الشريف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله ) (1)
__________
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله.. (1/36)
صفحة 37
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) (1) وقوله: - صلى الله عليه وسلم - ( الصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن أحد سابه أو قاتله فليقل أني صائم ) (2) .
... وفي الأحاديث تأكيد بأن الصوم المشروع هو الصوم الخالص من شوائب المعصية، الصافي من أكدار القبائح، الذي فيه تعويد النفس على الالتزام بواجبات الإسلام وآدابه.
ومراقبة الله في أحكامه أثناء الصوم في شهر رمضان تجعل النفس معتادةَ على هذه الفضائل والقيم، فتستمر على هذه الخصال والأعمال سائر العام، حتى تكون كأنها من سجاياها التي جبلت عليها، وبهذا يتحقق المراد من التقوى.
مراقبة الله تعالى
إذا كان التسامح ضرورة من ضرورات الوحدة بين الناس، فإن الصيام أهم مصدر لهذا العنصر من عناصر الوحدة، على أن جميع خصال التقوى التي تقوي الصيام هي من أهم العوامل في اجتذاب النفوس بعضها إلى بعض، ومزج مشاعرها وأحاسيسها، وهدم حواجز الأنانيات بينها، كيف والله تعالى ينبئنا عن أمة الإيمان أنها أمة واحدة، وأن اتحادها يجب أن يكون في ظل العبادة والتقوى، كما هو واضح في قوله تعالى : { وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } (الأنبياء:92)، وقوله: { وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقونى } (المؤمنون:52) .
__________
(1) رواه البخاري والترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجه.
(2) تقدم تخريجه ص 18 (1/37)
صفحة 38
... وقد أجاد الإمام محمد عبده في شرحه لإعداد الصيام نفوس الصائمين للتقوى، حيث ذكر بأن إعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله يظهر من وجوه كثيرة أعظمها إحساناً وأنصعها برهاناً وأظهرها أثراً وأعلاها قدرا إنه أمر موكول إلى نفس الصائم، لا رقيب عليه فيه إلا أنه سر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهوته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات بمجرد الاشتغال بأمر ربه والخضوع لإرشاده ودينه مدة شهر كامل في السنة، ملاحظاً الإمساك عند عروض كل رغبة له من أكل نفيس وشراب عذب وفاكهة يانعة وغير ذلك كزينة زوجة أو جمالها الداعي إلى ملامستها لمجرد اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة ملكة للعمل لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه، وفيها إعداد للنفوس ومؤهل لها لضبطها ونزاهتها في الدنيا، ولسعادتها في الآخرة، فهل يقدم من تلمس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم ؟ وهل يسهل عليه أن يراه الله آكلاً لأموالهم بالباطل؟ وهل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة، وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه ؟ وهل يحتال على أكل الربا؟ وهل يقترف المنكرات جهاراً ؟ وهل يقترف السيئات ويسدل بينه وبين الله ستاراً ؟! كلا إن صاحب هذه المراقبة لا يستسهل من المعاصي شيئا؛ً إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألم بشئ منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } (الأعراف:201) .. فالصيام أعظم مرب للإرادة وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حراً يعمل ما يعتقد أنه خير لا عبداً للتهاون، فروح الصوم وسره المراقبة، وهذا معنى كون العمل لله تعالى. (1/38)
صفحة 39
... ويذكر في هذا الإمام الطاهر ابن عاشور بأن الصيام إنما كان موجباً لاتقاء المعاصي لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكير كالخمر والميسر والسرقة والغصب فتركه يحمل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواعي طبيعية، كالأمور الناشئة من الغضب والشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية لتلك المعاصي ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتباط بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية، وفي الحديث الصحيح (الصوم جنة) (1) أي رقابة ، وفي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم وعذاب الآخرة والعلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في الملذات، فهو أقوى الضمانات لحفظ كيان الوحدة وإبعادها عما يهددها من مخاطر الأنانيات ومعاول الغرائز والشهوات .
من مات وعليه صيام
... جاء في الحديث عن النبي : - صلى الله عليه وسلم - ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه) أخرجه الشيخان من طريق عائشة رضي الله عنها، والحديث يدل على أن المفطر بسبب يباح له الفطر شرعا،ً فإن مات قبل أن يقضي مع تمكنه من القضاء يؤمر وليه بأن يقضي عنه.
ولكن اختلف العلماء هل يؤمر وليه بأن يقضي عنه أمراً إلزامياً؟ أو أن ذلك محمول على الندب؟ بحيث إنه يستحب له أن يقضي عن وليه الذي مات، فالذين حملوا هذا الأمر على الندب نظروا إلى عموم الآيات التي جاءت في مثل هذا من نحو قول الله تعالى: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } (البقرة:) و { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } (الطلاق:7)، ولا ينقل التكليف من ذمة إلى ذمة.
والذين حملوا الأمر على الوجوب استندوا على الروايات في قياسه - صلى الله عليه وسلم - دين الحق على دين الخلق.
__________
(1) تقدم تخريجه ص: 18 (1/39)
صفحة 40
... وصوم الولي عن الميت إذا كان له أكثر من وارث يكون بقسمة الصيام بينهم، كل حسب نصيبه من الميراث، فمثلاً من كان يرث النصف فإنه يصوم نصف ما على الهالك، ومن كان يرث الثمن فإنه يصوم الثمن، ومن كان يرث السدس فإنه يصوم السدس، ومن كان يرث الثلث فإنه يصوم الثلث وهكذا، على أن يكون الصيام متتابعاً بحيث يصوم الأول وعند إفطاره يبدأ الثاني ثم الثالث ثم الرابع على التوالي حتى تنتهي كل الأيام التي على الهالك بحيث لا يكون فاصلا في الإفطار، وإنما يكون الصوم متصلا.
... ويؤمرون بتقديم النساء في ذلك لأجل ما يعتريهن من موانع الصيام، وإذا كان الورثة في بلدان مختلفة فليتفقوا فيما بينهم حتى يكون الصوم متتابعاً .
سواك الصائم
... جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء ) (1) وقد رواه غيره من أئمة الحديث، فالحديث يدل على أهمية السواك والمحافظة عليه، خصوصاً عندما يقوم إلى الصلاة لأنه يناجي ربه تبارك وتعالى، فينبغي أن تكون هذه المناجاة بفم ليست فيه ريحة كريهة، وهذه الطهارة الحسية هي رمز للطهارة المعنوية، فالذي يناجي ربه سبحانه وتعالى بفم نظيف ليست فيه ريحة كريهة غالباً ما تكون مناجاته طهارة القلب وخلوص النية والإقبال إلى الله تبارك وتعالى، لأنه عظّم أمر الله فأبى أن يناجيه إلا بفم نظيف ليس فيه شئ من الأقذار .
__________
(1) رواه الإمام الربيع رحمه الله والبخاري ومسلم وغيرهم. (1/40)
صفحة 41
... والسواك بناء على هذا الحديث مطلوب من الإنسان على أي حال من الأحوال، خصوصاً عندما يقوم إلى الصلاة والوضوء، وإنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بذلك لأن في الأمر إلزاما؛ً إذ الأصل في الأمر أن يصرف للوجوب ما لم تكن هنالك قرينة صارفة له عن ذلك، فأمره - صلى الله عليه وسلم - يلزم أمته اتباعه، كيف والله تبارك وتعالى يقول: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } (النور:63) لذلك ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر اشفاقاً على أمته وحرصاً على ألا يكلفها شططاً. (1/41)
صفحة 42
... وبعض العلماء قال: إن السواك يكره للصائم، وهؤلاء اختلفوا متى يكره للصائم؟ فمنهم من قال بأنه يكره للصائم مطلقاً في نهار الصوم، ومنهم من قال بكراهيته بعد الزوال، واختلفوا أيضا في السواك هل يكره بأي حالة كانت أو لا؟ فمنهم من قال إنه يكره بالرطب ولا يكره باليابس، وهؤلاء أخذوا هذه الكراهة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (1) فقالوا بأن الإنسان ينبغي له أن يحرص على بقاء هذا الخلوف بحيث لا يقضي عليه بالسوك، هذا الذي عوّل عليه القائلون بهذا الرأي، وهناك رأي آخر مخالف لهذا الرأي، وهو رأي ابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهما، وذهب إليه الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد من التابعين، وكذلك الإمام الربيع والإمام أبو نبهان، وقال به كثير من العلماء خصوصاً أهل الحديث، وهو أن السواك لا يكره للصائم في أي وقت من الأوقات، وهذا القول هو الذي تعضده الأدلة، ومن بين هذه الأدلة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء) (2) إذ لم يفرق بين صائم وغيره، ويتعضد ذلك أيضاً بما جاء في السنن عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستاك بالرطب واليابس وهو صائم ما لا أحصي، وهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستاك في صيامه، أما حديث: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (3)
__________
(1) رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم.
(2) تقدم تخريجه ص:92.
(3) تقدم تخريجه ص:93.. (1/42)
صفحة 43
فإنه لا يدل على كراهة السواك من قريب ولا من بعيد، وإنما غاية ما فيه أن هذا الخلوف الذي ربما يتأذى منه بعض الناس بسبب الصيام له منزلة عند الله تبارك وتعالى، فليس للناس أن يتأذوا منه بل عليهم أن يفرحوا به؛ لأنهم وإن رأوا رائحته كريهة ولكن بسبب قدسية الصيام وفضله وكرامته يكون ريحه عند الله أطيب من ريح المسك، ولا يعني ذلك وجوب المحافظة عليه أو الأمر بالمحافظة عليه، وإنما غاية ما فيه أن هذا الفضل هو فضل الصيام وليس فضل الخلوف لذاته، والصيام باق لا يقضي عليه السواك، فالفضل إذن باق وهذه الكرامة باقية ولا تتأثر بالسواك، فالسواك مشروع للصائم، جائز له ومستحب، سواء في أول النهار أو في آخره ولا فرق بينهما، والأولى أن يكون السواك بدون معجون مخافة ولوج شئ من المعجون الى الجوف.
حكم السحور والنية (1/43)
صفحة 44
السحور كل ما يتسحر به، وهو تناول أي شئ مما يطعم أو يشرب ليلاً في وقت السحر، سواءً كان طعاماً أو شراباً، فلو أن أحداً شرب ماءً صدق عليه أنه تسحر، وكونه بركة لأنه يقوي على الصيام، فهو إن كان طعاماً قوي به على صيامه، وإن كان ماءً قوي به على صيامه، فيكون الصائم مصبحاً على شئ من القوة، فمن هنا كان بركة، وكذلك فيه مخالفة لأهل الكتاب، لأن صيام أهل الكتاب ليس فيه سحور، وقد كان الصيام في صدر الإسلام كذلك، حتى شرع الصيام في الإسلام فعمل المسلمون به، وإلا فقدكانوا من قبل إذا صلى الواحد منهم العشاء أو نام لم يطعم شيئاً، وقد لطف الله تبارك وتعالى بعباده فأنزل في كتابه الكريم { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالئن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } (البقرة:187) . فالله تبارك وتعالى أباح في هذه الآية الأكل والشرب إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ومن أجل ذلك كان المسلمون بخير عندما يؤخرون السحور ويقدمون الفطور اتباعاً لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعراضاً عن هدي الأمم الأخرى، فأهل الكتاب إلى وقتنا هذا عندما يصومون يمتنعون عن الأكل من منتصف الليل لا من وقت طلوع الفجر فحسب، وقد سمعت ذلك من أحد قساوسة النصارى، كما أن هناك صياما عندهم عن مأكولات خاصة كأكل ذوات الأرواح وما خرج منها، فإنهم يصومون عنها في بعض الأوقات. (1/44)
صفحة 45
وأما النية فإنها تكفي من أول الليل؛ لأن الحديث يقول: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل) (1) فمن جعل رمضان كله فريضة واحدة رأى أن تبيت النية في أول ليلة من ليال رمضان، ومن رأى أن كل يوم فرض مستقل وهذا هو الذي يترجح؛ رأى أنه لا بد من أن يبيت النية في ليله سواءً عند فطوره أو عند التراويح أو عند سحوره أو في أي وقت كان، والنية القصد بالقلب، فعندما ينوي أن يصبح على صيام أداءً للفرض الذي فرضه الله تبارك وتعالى عليه كان ذلك مجزياً عنه .
حكم الحقنة والدواء
... الحقنة لا تفطر إلا إذا كانت مغذيةً، أما إن كانت حقنة عادية فهي لا تفضي إلى الجوف، وبما أنها لا تفضي إلى الجوف فهي غير مفطرة، والحقنة التي تحت الجلد أو في الوريد ما كانت معهودة عند العلماء السابقين، وإنما كانوا يستعملون حقنةً للعلاج في الدبر، ويستعملونها أحياناً في القبل لأجل علاج بعض الأمراض، وقد كان العلماء السابقون يقولون بأن حقن الدبر تغذي من حيث إنها تفضي إلى الجوف، وهذا الذي ذهب إليه أكثرهم، ولكن الإمام أبا نبهان رحمه الله تعالى كان يذهب إلى أنها لا تكون مفطرة؛ لأنها ليست من جنس الغذاء، وإنما هي من جنس العلاج الذي لم يدخل من مدخل الطعام المعهود فلا حرج في ذلك، ووصول أثرها إلى الجوف أمر مظنون وليس متيقناً، فلذلك كان يذهب إلى أنها غير مفطرة.
__________
(1) رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" بلفظ أبي داود والترمذي، ولفظ ابن ماجه :" لا صيام لمن لم يفرضه من الليل "، وجمع النسائي بين اللفظين. وأقرب منه ما رواه الدارقطني من طريق السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم:" من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له". (1/45)
صفحة 46
أما الحقنة التي تحت الجلد فأولى أن تكون غير مفطرة؛ لأنها لا تفضي إلى الجوف وإنما تفضي إلى الجسم، فحكمها حكم الماء يتخلل مسام الجسم في حال الاغتسال ويدخل الجسم فإنه لا يكون مفطراً.
... وأما الدواء الذي يتناول شراباً أو أكلاً فهو مفطر، ومن اضطر إليه فعليه أن يقضي يومه، ولا حرج عليه إن كان ذلك اضطراراً، وإنما اختلف الناس فيمن داهمه واضطر إلى الإفطار في نهار رمضان سواءً كان ذلك مرضاً أو كان جوعاً شديداً أو عطشاً بالغاً، فمنهم من قال يقتصر على مقدار الضرورة فحسب، فمن اضطر إلى الشراب ليس له أن يأكل وأنما عليه أن يمسك عن الأكل، ومن اضطر إلى الأكل فليس له أن يشرب، ومن اضطر إلى الشراب وكان الشراب يضره بدون أكل ليأكل بمقدار ما يدفع الضرر فقط من غير زيادة على ذلك، وإن زاد هدم صومه الماضي ولزمته كفارة، هذا قول طائفة كبيرة من علمائنا غير أن بعض المحققين ذهبوا إلى خلاف ذلك، وقالوا بأنه بمجرد إفطاره بالشرب أو الأكل انقلب من حكم الصيام إلى حكم الإفطار فلا حرج عليه إن واصل الإفطار بعد ذلك، وأيدوا ذلك بما هو مشهور عند العلماء فيمن كان في حالة سفر وأفطر فيه ثم عاد بعد ذلك إلى أهله ودخل بلده فليس عليه أن يمسك، والمرأة التي تصبح حائضاً وتفطر بسبب حيضها ثم تطهر بعد ذلك فليس عليها أن تمسك فيما بعد وإنما تستمر على فطرها، وقد قالوا بأن الرجل إن كان مسافراً وعاد من سفره وقد أفطر في سفره وعاد إلى أهله في بلده ووجد امرأته طاهراً من حيضها في نفس ذلك اليوم فإن له أن يغشاها، بسبب أنه أصبح على إفطاره واستصحب حكم الإفطار وأصبحت هي على الإفطار واستصحبت حكم الإفطار، وقد روي فعل ذلك عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى وهذا الذي يترجح والله تعالى أعلم .
حكم المفطر شرعا (1/46)
صفحة 47
... يرخص للمسافر والمريض بالفطر في نهار رمضان بنص القرآن الكريم، فإن الله تبارك وتعالى قال: { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر } (البقرة:184) وقال: { ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة:185) إذ المريض والمسافر يباح لهما الفطر في نهار رمضان بشرط أن يقضيا فيما بعد.
وكذلك يباح الفطر في شهر رمضان المبارك للشيخ الهرم الكبير الذي يشق عليه الصوم مشقة كبيرة، وكذلك الحبلى التي تخشى على نفسها وعلى جنينها، والمرضع التي تخشى على نفسها أو تخشى على ولدها إن صامت، فهؤلاء كلهم يباح لهم الإفطار، فأما الشيخ الهرم والمرأة العجوز وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه فهؤلاء حكمهم أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً ويكفيهم ذلك، لأن الشيخ الهرم لا يعود من الشيخوخة إلى الشباب، وكذلك المرأة العجوز لا تعود من عجزها إلى شبابها، والذي لا يرجى له برء لا ترجى له عافية حتى يتمكن من القدرة على الصيام، فلذلك كان الواجب على هؤلاء أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، والأصل في ذلك قول الله تبارك وتعالى: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } (البقرة:184)، بناءً على أن الآية محكمة غير منسوخة، وبناءً على أن المراد بـ"يطيقونه" يتكلفون كما هو قول طائفة من المفسرين، وأما المرضع والحامل الخائفتان على نفسيهما أو على ولديهما إن صامتا فيجوز لهما أن تفطرا، وقد قيل بوجوب القضاء والفدية معاً، وقيل بوجوب القضاء دون الفدية، وقيل بوجوب الفدية دون القضاء، وهذا هو الذي ذهب إليه ابن عباس رضى الله عنه فقد قال لأم ولد له وكانت مرضعاً: أنت من الذين يطيقون أي من الذين يتكلفون، ويجب الفطر في شهر رمضان المبارك على الحائض وعلى النفساء؛ إذ صوم الحائض والنفساء معصية ولا ينعقد لهما الصيام، فالفطر واجب عليهما، وعليهما القضاء بعد انسلاخ شهر رمضان الكريم، وبعد طهورهما من الحيض أو النفاس. (1/47)