صفحة 1
الكتاب: مسلم ولكنه يَحْلِق ويُدخِّن لمعمر وبيوض
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مُسلم ولكنه يحلق ويدخن
بقلم الشيخين
بيوض إبراهيم بن عمر وعلي يحيى معمر
بسم الله الرحمن الرحيم
"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ، أنا ومن أتبعني ، وسبحان الله وما أنا من المشركين" صدق الله العظيم
(سورة سيدنا يوسف : آية 108)
تقديم
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد : ففي مطلع القرن التاسع عشر الميلادي اشرأبت أعناق الغربيين وتلمظت شفتاهم على بلاد الإسلام . وبدأت طلائع الاستعمار تزحف على أرض العالم الإسلامي بغية استغلال خيراته والاستيلاء على موقعه الهام ، وكان بيت القصيد هو القضاء على المجتمع الإسلامي وعاداته الحميدة ، وقد جلب المستعمرون معهم عادات يتنافى معها الطبع السليم .
وكانت الكارثة عندما وجد هؤلاء المستعمرون في البلاد الإسلامية أرضاً خصبة لغرس بذور تلك العادات ونموها .
وما أن رحل الاستعمار وطوى خيامه من بلاد المسلمين إلا وقد ترك في المجتمع الإسلامي عادات كانت وبالاً عليه وآثاراً كانت نكالاً على أفراده ، ومن هذه العادات ، حلق اللحى وشرب الدخان .
ولقد انبرى عملاقاً الفكر الإسلام المصلحان الكبيران الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر والشيخ علي يحيى معمر وأسلساً للقلم القياد ، فكتبا هذين البحثين الذين يتكون منهما كتيب "مسلم ولكنه يحلق ويدخن" .
والكتيب ينم عن عمق في التحليل ومنهجية في البحث وموضوعية في الكتابة ، حيث أن مؤلفيه وضعا الدواء في موضع الداء ، فهو يناقش موضوع الحلق والتدخين على هدي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بأسلوب يسقط على القلوب كسقوط الندى على الأزهار ، ويلصق في الأذهان كلصوق الصمغ على أصول الأشجار ، وبإخلاص يجذب النفوس ويستلهم الوجدان أما المؤلفان فهما في غنى عن التعريف بطائر سمعتهما وفائق شهرتهما تأليفاً وتدريساً واستقامة وسلوكا ، فجزاهما الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء . (1/1)
صفحة 2
وقد قامت "الدعوة" ينالوت في ليبيا بالطبعة الأولى لهذا الكتيب القيم ضمن سلسلة الكتيبات التي تصدرها تحت عنوان " رسالة المسجد" وها هي مكتبة الإستقامة ـ إيماناً منها بأهمية هذا الكتيب وما يشتمل عليه من معالجة هادفة لظاهرتين وقع الكثيرون من أبناء العالم الإسلامي في حبائلهما ، وصاروا أسارى شراكيهما ـ تعيد نشره في طبعته الثانية لينتفع به رواد الحقيقة والباحثون عن الصواب .
والله نسأل أن يعم بنفعه الجميع ، وأن يجعله رسول هداية إلى القراء الكرام ، أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله .
أحمد بن سعود السيابي
19 ربيع الأول 1400هـ
6/2/1980م
مقدمة
في بعض الدروس التي كان يلقيها العلامة الفاضل الشيخ / إبراهيم بيوض بن عمر ، عند زيارته المباركة إلى ليبيا ، سأله أحد الناس عن حكم الإسلام في حلق اللحية ، فأجابه ـ حفظه الله ـ بأن له فتوى مكتوبة في الموضوع ، فتقدم إليه مندوب دار الدعوة واستأذنه في نشرها في سلسلة ـ رسالة المسجد ـ فأذن له بذلك . وعندما استلمها وجد أنها بمفردها لا تملأ الحجم المقرر لرسالة المسجد ، فعرضت الموضوع على الشيخ / علي يحيى معمر ، وطلبت منه تزويد الدار بما يملأ الفراغ ويتناسب مع الموضوع . فاختار لذلك الفصل الأول من كتاب "سمر أسرة مسلمة" الجزء الثاني الذي لم ينشر بعد ، والفصل يعالج موضوع حكم الدخان ، وهو موضوع آخر هام .
ولقد رأت "دار الدعوة" أن تضع لهذا العدد من الرسالة عنواناً يوحي بما تشتمل عليه ، فاختارت العنوان التالي :
مسلم ـ ولكنه يحلق ويدخن
"ودار الدعوة" حين تقدم لقرائها الكرام هاتين الرسالتين ترجو أن تكون قد وفقت في عرض موضوعين هامين . وأنها أوضحت فيهما حكم الشريعة الإسلامية . وعلى من يلتزم الإسلام ديناً أن يلزم الجادة الواضحة وأن لا تتفرق به بنيات الطريق ، وأن لا تؤثر عليه موازين البشر وعاداتهم أمام موازين الله وأحكامه . (1/2)
صفحة 3
والله تبارك وتعالى هو المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن يتقبل منا صالح الأعمال وأن يهدينا ويأخذ بأيدينا ، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله .
"دار الدعوة"
من وحي العنوان
عندما قرأت عنوان هذا العدد من "رسالة المسجد" أثار في نفسي عدداً من الخواطر ، أحبت أن أسجلها هنا : العنوان يمثل واقعاً مؤلماً للمسلمين اليوم .
فلو أن إنساناً أراد أن يقف جميع المسلمين اليوم في صفين أحدهما تحت عنوان "مسلم" فقط هكذا ، والآخر تحت عنوان "مسلم ولكنه" ، لقل عدد من يسلك في الصف الأول ولتزاحم العدد في الصف الثاني .
لا شك أن المسلم الذي يلم بخطيئة كبيرة أو صغيرة ثم يتوب من قريب أو تغلبه شهوة عارمة ، فينزو على معصية ، ثم يسارع إلى الندم والاستغفار . هذا النوع من المسلمين هم من النوع الأول ولا يقفون في طابور الاستدراك . وإنما يقف في طابور الاستدراك ذلك الرجل أو تلك المرأة اللذان يملأن الدنيا ضجيجاً بأنهما مسلمان ثم تجد لأحدهما معصية أو عدداً من المعاصي ترافقه أكثر مما يرافقه لباسه وسلاحه أو أدوات زينتها ، هذا الرجل الذي يبدأ حلق اللحية قبل أن يبدأ الصلاة ويؤدي هذه المعصية كل صباح أكثر مما يواظب على أداء الصلاة ، وترافقه هذه العملية حتى إذا بلغ من العمر عتياً أضاف إلى ذلك صبغ ما بقي في رأسه من شعرات وحاول أن يخفي تجاعيد وجهه ببعض المساحيق .
وهذا الرجل الذي يبدأ تعاطي السيجارة أو السعوط منذ المراهقة أو البلوغ ثم تستمر علبة الدخان في صحبته إلى أبواب القبر .
وتلك المرأة التي لا تستقبل القبلة إلا إذا كانت متجهة إلى سينما أو مرقص .
وذلك الرجل الذي لا يهمه من أين يأتيه القرش وإنما يهمه أن يأتيه القرش .
وتلك المرأة التي تحفظ كل ما يجد من أزياء ، وتضع لكل مناسبة زيتها المناسب ، غير مناسبة واحدة لا تفكر فيها ولا تضع لها زيتها المناسب ، تلك المناسبة هي وقوفها لمناجاة ربها . (1/3)
صفحة 4
هذه أمثلة من واقع المسلمين ، وإنه ليكثر عندك العدد لو أردت أن تتبعهم بالتسمية مسلم ولكنه يغش .. يكذب .. يرابي .. يخدع .. يقامر .. يسكر .. يترك الصلاة .. يأكل رمضان .. يسرق زكاة ماله ، إلى آخر ما هنالك من هذه السلسلة الطويلة .
لقد كان بعض المسلمين يأتون بعض هذه الموبقات في جميع عصور التاريخ ، ولكن إتيانهم لها كان على شكل إلمامه تعقبها التوبة والندم والاستغفار حتى لو تكررت من شخص واحد . أما على هذا الإصرار الملازم للإنسان فهي ميزة هذه العصور المتأخرة .
ومنذ دخل هذا الاستدراك على المسلمين فصح أن يقال فيهم "مسلم ولكنه" تأخروا على المرتبة التي أختارهم الله لها ، لأن تلك المنزلة لا يكون فيها إلا الملمون الذي لا ينالهم الاستثناء أو الاستدراك .
إن الإسلام يسحب صفة الإيمان من المؤمن حين يلم بمعصية "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يقتل النفس حين يقتلها وهو مؤمن" . هذا إذا كان إلمامه بالمعصية لنزوة طارئة ، فما حال من يتخذ ذلك عادة وديدنا ؟ ما حال ذلك الرجل الذي يجمع المال طول السنة ليقتصد مبلغاً منه يذهب به كل سنة مرد أو أكثر حيث يستطيع أن يباشر عملية الزنا دون رقيب من أهل أو معارف ، ويستخفي من الناس ولا يستخفي من الله . وقس على هذا أشباهه ممن يرتكب المعصية بإصرار وعزم ونية سابقة .
الواقع أن عنوان هذه الرسالة "مسلم ولكنه" ينطبق على الأكثرية الغالبة من مسامي اليوم ، ولن يعود المسلمون إلى مكانهم وينتصروا على عدوهم ، ويتمتعوا بنصر الله لهم وبتوفيقه إياهم إلا إذا حذف حرف الاستدراك هذا عنهم فأصبح كل واحد منهم "مسلم" دون أن تكون هناك معصية أو معاصي ترافقه ويصر عليها ويرتكبها فيما يشبه الاستحلال .
والله ولي الهداية والتوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل .
علي يحيى معمر
بسم الله الرحمن الرحيم
"والصلاة والسلام على رسول الله"
القرار : 22 ماي 1972 (1/4)
صفحة 5
أخي الكريم فرحات بن علي الجعبيري ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
سألتني أيها الأخ الكريم عن حكم حلق اللحية في الشريعة الإسلامية ، وعن قول الشيخ / محمود شلتوت في فتاواه أن (حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة ...) ، فدونك الجواب :
يقول الشيخ / شلتوت في أول فتواه ما نصه : (تكلم الفقهاء على حلق اللحى ، فرأى بعضهم أنه محرم ، ورأى آخرون أنه مكروه ، ومنهم من شدد فوصفه بأنه من المنكرات وبأنه سفه وضلالة أو فسق وجهالة ، ونحن لا نشك في أن إبقاءها وعدم حلقها كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان اخذ من أطرافها وأعلاها بما يحسنها ويجعلها متناسبة مع تقاسيم وجهه الشريف ، وأنه كان يُعنى بتنظيفها وتخليلها بالماء عملاً على كمال النظافة ، وكان الأصحاب رضوان الله عليهم يتابعونه في كل ما يختاره ويسير عليه في مظهره وهيأته حتى مشيته) اهـ . (1/5)
صفحة 6
ولا يخفى على كل من له إلمام بكتب السنة الصحيحة المعتمدة في استنباط الأحكام بعد كتاب الله تعالى عند فقهاء المسلمين ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره بإعفاء اللحية وتوفيرها مما لا داعي إلى إيراده هنا لشهرته ، كما لا يخفى أن ذلك كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أسبق الناس إلى إتيان كل ما يأمر به ، ما تخلى عنه ولا تركه حتى لقي ربه ، وكان ذلك شأن الصحابة رضوان الله عليهم ، وشأن التابعين وتابعيهم من أئمة الإسلام إلى عهد قريب . يتبين من هذا أن إعفاء اللحية وتوفيرها وتكريمها بالتعهد بالتنظيف سنة عملية صحيحة مؤكدة بسنه قولية صحيحة متمثلة في الأمر الصريح بذلك ، مؤكدة بعد ذلك بإجماع المسلمين في خير القرون عليها قولاً وعملاً . فمن الذي يجرؤ بعد ذلك على القول بإباحة حلقها ؟ فالحق الذي لا مرية فيه أن إعفاءها وتركها طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة لله تبارك وتعالى لقوله عز وجل : "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى اله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" ، ولقوله سبحانه : "من يطع الرسول فقد أطاع الله" . (1/6)
صفحة 7
وأن إعفاءها وتوفيرها اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا تتحقق محبة الله إلا بإتباعه لقوله تبارك وتعالى : "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" ، أن إعفاءها وتوفيرها تأس بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تبارك وتعالى : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" ، وأن إعفاءها وتوفيرها أمر من أمور النبي صلى الله عليه وسلم وأمر من أوامره ، وأن أمره صلى الله عليه وسلم من أمر الله ، وقد قال الله تبارك وتعالى : "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو اذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" ، فسواء أقلنا أن الضمير في أمره يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو المتبادر والذي يؤيده السياق ، أم قلنا أنه يعود إلى الله تبارك وتعالى فإن المآل واحد ، لأن أمر رسول اله هو أمر الله ، فالو عيد موجه إلى من يخالف عن أمره .
فحلق اللحية إذاً معلوم بالضرورة أنه ترك لطاعة رسول الله التي هي طاعة لله ، وعدم اتباع لرسول الله الذي هو شرط للمحبة المتبادلة بين الله وعباده ، وترك اختياري للتأسي بالأسوة الحسنة التي وضعها الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر ويذكرون الله كثيراً في شخص الرسول الكريم صلوات الله ليه وسلامه ، ومخالفة عن أمره صلى الله عليه وسلم وعن أمر ربه التي يتوعد الله عليها بالفتنة والعذاب الأليم . (1/7)
صفحة 8
فأي شئ يكون عدم الطاعة وعدم الإتباع وترك التأسي ومخالفة الأمر إلا أن يكون معصية ظاهرة معلنة لا شكر فيها ؟ ومن ذا الذي يجرؤ على إنكار تسمية ذلك معصية أو عصياناً إلا أن تسل المعاني الحقيقية من الألفاظ اللغوية الصريحة ، أو تسلخ هذه الألفاظ عن معانيها ؟ وإذاً لكانت اللغة الصريحة ، أو تسلخ هذه الألفاظ عن معانيها ؟ وإذاً لكانت اللغة فوضى لا نظام لها ولا قانون ، فنزول الثقة بكل كلام حتى كلام الله تبارك وتعالى .
نعم ، ليست لنا الصلاحية ولا القدرة على تصنيف المعاصي وترتيب درجاتها من الفاحشة إلى الكيرة إلى السيئة كما يصفها الله في كتابه الكريم ، فإن ذلك أمر من أمر الله ، أما أن لا تكون هذه الخلة ، أعني حلق اللحية معصية لله ولرسوله فهذا ما لا يقول به مؤمن عاقل يحترم نفسه ويدري ما يقول .
أما ما يقوله الشيخ / شلتوت في آخر فتواه ، ونصه بالحرف الواحد : (والحق أن أمر اللباس والهيآت الشخصية ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة ، فمن درجت بيئته على استحسان شئ منها كان عليه أن يساير بيئته ، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذاً عن البيئة ، والله الموفق للسداد) اهـ ، فإنا نرى أن الشيخ / شلتوت على تقديرنا واحترامنا له لمقامه وعلمه لم يوفق إلى السداد في كلامه هذا ، ونحن لا نرد على كلامه هذا ولا نعلق عليه بما يدحضه ، ونترك هذه المهمة للشيخ / شلتوت نفسه ونفسح له المجال ، فيرد الشيخ / شلتوت على الشيخ / شلتوت . (1/8)
صفحة 9
لقد سُئل الشيخ / شلتوت عن حكم صبغ الشعر فأجاب بفتوى نشرت في كتاب فتاواه الذي نُشرت فيه فتوى حلق اللحية الذي تولت نشره دار القلم بالقاهرة ، قال في فتواه هذه ص 389 – 390 تحت عنوان : (حرص النبي على تميز المسلمين) والعنوان له ، ما نصه بالحرف : (كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على تميز المسلمين عن غيرهم في شخصيتهم الظاهرة ، وبذلك يحتفظون بتميزهم في الشخصية الباطنة ، فلا تقترب العقائد من العقائد ولا الأخلاق من الأخلاق ولا التقاليد من التقاليد ، ذلك أن التشابه في الأمور الظاهرة سبيل لمسارقة النفوس للتشابه في الأمور الباطنة ، ومن ذلك نرى المسلمين الذين تكثر معاشرتهم للأجانب أضعف اهتماماً بشؤون الدين من غيرهم ، ونرى غير المسلمين الذي يكثرون من معاشرة المسلمين أقرب إلى احترام المسلمين واحترام دينهم من غيرهم . هذا وجه . ووجه آخر هو أن المشابهة في الظاهر تحدث ألفة ومودة ، ومن ذلك نرى الرجلين إذا اجتمعا في بلد غريب وكانا من بلد واحد تقوى بينهم الألفة وإن لم يكونا مؤتلفين في بلدهما ، وكذلك نرى الألفة تربط بين الرجلين متى كان بينهما مشابهة ولو في العمامة أو الثياب أو الشعر ، ويعرف كل ذلك الشرقيون المحافظون على زيهم الشرقي إذا تلاقوا في بلد غربي لأهله زي غير زيهم ، ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو في الدور الأول لتكوين أمته ، ولمساكينهم في المدينة عادات خاصة عُرفوا بها ـ كان يأمر أصحابه بمخالفة غيرهم في كثير من الشؤون الظاهرة احتفاظاً بتميز الشخصية التي يرتبط بها كثير من الأحكام كإعفاء اللحية وقص الشارب والصلاة في النعال وقيام الإمام في المحراب وغير ذلك مما نرى تعليل الأمر به والإرشاد إليه بكلمة "خالفوهم") . (1/9)
صفحة 10
هذا نص كلامه بالحرف الواحد ، وقد بر وصدق ووفق فيه إلى أبعد حدود التوفيق وما نرى أن بأحد ما حاجة إلى فضل بيان ومزيد شرح للحكمة العظمى في تميز شخصية المسلمين التي حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحرص الملح الشديد بعد هذا البيان الرائع الذي دبجته يراعة الشيخ / محمود شلتوت ، وإن في ذلك لدليلا قاطعا وبرهانا ساطعا على أن المسلمون مطالبون بل مأمورون بخلق شخصية لهم تميزهم عمن عداهم ممن لم يكون على دينهم يعرفهم بها الناس ويعرف بها بعضهم بعضاً ، وتكون شارة لهم وسيماء يمتازون بها عن غيرهم في كل زمان ومكان ، وما ينبغي لهم أن يأخذوا في مقومات شخصيتهم وسمتهم وهيأتهم الذاتية الظاهرة أساليب غيرهم من مخالفيهم ، وإن كان لهم أو عليهم أن يأخذوا عن غيرهم العلوم الدنيوية النافعة والصناعات المفيدة وأساليب التعمير ووسائل القوة ونظم إدارة شؤون الدولة ونحو ذلك مما تقتضيه طبيعة تأسيس الدول ومواجهتها لجميع التحديات الممكنة والمتوقعة من خصومها .
أما هيأة أفراد الأمة الإسلامية وسمتهم وهديهم في ذواتهم ، فما كان ينبغي أن يؤخذ إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن خلق الله وأجملهم وأفضلهم هدياً وسمتاً . (1/10)
صفحة 11
قد يمكن بعض الترخص في أمر اللباس ، فلا يضيق على الناس في شأنه ما دام ساتراً للعورات محافظاً على الحشمة والوقار ن فإن اللباس يتبدل مادة وكيفية ويتغير بتغير الزمان والمكان والمجتمعات ، وحتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن اللباس متحداً ولم تكن له هيأة خاصة يلتزم الناس بها ، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المسلمين بلباس خاص ، بل تركهم على ما اعتادوه من لباسهم ، إلا ما تنكشف به العورات فإنه ينهى عنه ويشدد الإنكار عليه ، وإلا ما أمر الله تبارك وتعالى به في قوله عز وجل : " خذوا زينتكم عند كل مسجد" من لبس أحسن الثياب وأكرمها عند زيارة الله تبارك وتعالى في بيوته ، وبهذا يتبين الفرق الكبير بين ما يتعلق بالذات ، أي بالبدن ، كاللحية والشارب وبين اللباس والثياب ، من حيث أن البدن بكل أجزائه واحد في كل زمان وكل مكان وكل بينة ، بينما الثياب واللباس في تبدل مستمر .
ومن هنا وردت أوامر ونواه مدّدة عن أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بسياسة البدن ، وذلك ما يعبّر عنه بخصال الفطرة ؛ ولم يرد عنه شيء فيما يتعلق بأمر اللباس كما تقدم ، لأنه يعمل أن ذلك مما يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة ، وهذا كما أطلق الأمر في شئون الدنيا حيث قال : (أنتم أعلم بشئون دنياكم) ، فلا يلذ إذاً في قرن حلق اللحية وتوفير الشارب مع لبس السراويل الطويلة أو القبعة ، فقول الشيخ شلتوت : (والحق أن أمر اللباس والهيآت الشخصية ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة ، فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذاً عن البيئة) مخانف للصواب ، 0فالفرق كبير جداً بين ما يتعلق بالبدن وما يتعلق بالثياب ، ولا أدل على ذلك من وصايا النبي وأوامره ونواهيه في أمر البدن وإطلاقه الأمر وسكوته في شأن اللباس . (1/11)
صفحة 12
إن البيئة الإسلامية قد تبلورت وتكونت وأخذت صورتها الخاصة وشخصيتها الممتازة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واستقرت على ذلك طوال ثلاثة عشر قرناً أو تزيد ، فما يكون لمسلم أو لجماعة مسلمة أن تنسلخ منها ، وإذا فعلت فقد عصت الله ورسوله ، وإذا انسلخت جماعة منها وكونت لنفسها من بدعتها ما سمته بيئة ، فإن المسلم المؤمن المتحري لدينه لا يجوز له أن يتبعها في ذلك ، بل عليه أن يعمل جاهلاً لرد هؤلاء المتمردين عن دينهم المنحرفين عن السبيل السوي إلى الصراط المستقيم .
نعم ، يجوز لمن اعتنق الإسلام وهو في بيئة تحلق اللحى وتلبس القبعة والبدلة المعروفة بـ ـ البدلة الأوروبية ـ أن يستمر على لباس بيئته غير حمل الصليب وشد الزنار ، لكنه لا يجوز له مطلقاً أن يحلق لحيته ولا أن يوفر شاربه ، بل عليه عند اعتناقه للإسلام أن يوفر لحيته وأن يقص شاربه أو يحلقه ، ولا يعذر أبداً في المخالفة اتباعاً لبيئته في هذا الأمر الذي يتعلق ببدنه ، كما يتمثل أمر الرسول صلى الله عليه وسليم في بقية خصال الفطرة وكلها تتعلق بالبدن ؛ وبذلك يميز شخصيته الإسلامية عن بقية أبناء جنسه ويحقق إسلامه وهو حر فيما وراء ذلك من هيآت اللباس ، ولا شك أنه إذا غير لباسه إلى هيأة من هيآت المسلمين تحقيقاً لتعلقه بالإسلام وإظهاراً له بين قومه وشروعاً في خلق بيئة إسلامية وسط مجتمعه يأوي إليها من عسى أن يهديه الله إلى الإسلام مثله فحسناً يفعل . وهكذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يكونوا لأنفسهم بيئة خاصة ممتازة بهيأتهم وسمتهم وهديهم الظاهرية زيادة على عقيدهم الصحيحة وقولهم الصادق وعملهم الصالح ، فالنبي صلى الله عليه وسلم حريص كل الحرص على أن يمتاز المسلمون عن غيرهم ببواطنهم وظواهرهم ، ولا أدل على ذلك من تعليله أمره ونهيه في هذا الباب بقوله : (خالفوهم) . (1/12)
صفحة 13
قد يقوم قائل : إن رهبان النصارى وأحبار اليهود يوفرون لحاهم ، وإذا فعلينا نحن أن نحلقها عملاً بقول صلى الله عليه وسلم : (خالفوهم) . والجواب أن هذا خطأ في الفهم يقع فيه من لا يعمل الوضع الذي كانت عليه بيآت اليهود والنصارى والمجوس يومئذ ، وهل كانت عامتهم تقلد في هيأتها رجال الدين ؟ وهل كان صلى الله عليه وسلم يجهل حالهم في ذلك ؟ الحق أن الأحبار والرهبان وسائر رجال الدين كانوا يوفرون لحاهم منذ أدقم العصور ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك منهم ولا يجهله ، ولكن هؤلاء قليلو العدد يلزمون غالباً كنائسهم وبيعهم وأجيرتهم لا يخالطون عامتهم إلا قليلاً في بيوت العبادة عند ممارسة طقوسهم الدينية مع من يغشاها ، ورجال الدين هؤلاء هم قلة في كل زمان ومكان مع انزوائهم في معابدهم لا يكونون بيئة ولا يتصل بهم المسلمون إلا نادراً ولبعض أفراد قليلين ، لكن عامتهم الكثيرة العدد المنتشرة في كل مكان والتي يحتك بها المسلمون ويخالطونها ويتعاملون معها هم الذين يكونون البيئة العامة التي يتأثر بها معاشروهم ويخشى النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين من سريان عدواهم وهم يحلقون لحاهم خلافاً لأحبارهم ورهبانهم كما هي حالهم اليوم تماماً ، فلا خشية أبداً لا اليوم ولا قبل اليوم من تأثر الناس بهيآت الأحبار والرهبان ، وإنما الخوف كل الخوف من تأثر الناس بمعاشريهم من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار . هذا وجه . (1/13)
صفحة 14
وهنالك وجه آخر لا بد من ملاحظته واعتباره عند تفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : (خالفوهم) والتفقه في وإدراك حقيقة المراد به ، فإنه من غير الممكن أن يكون المراد به مطلق المخالفة في كل ما سبقوا إليه أو كانوا عليه ، فقد يكونون على شئ مما يوافق الفطرة السليمة وتستحسنه العقول الصحيحة ، ولا يكون مبعث الهوى ، ولا يخالف هدي رُسُل الله مثل ما نحن بصدده من توفير الأحبار والرهبان للحاهم ، فإن مثل هذا مما لا يأمر الرسول بمخالفته ، فليس المخالفة مطلوبة لذاتها حق تعم كل شئ حسناً كان أو قبيحاً ، مشروعاً كان أو غير مشروع ، فلقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا : (هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون فنحن نصومه) ، فقال صلى الله عليه وسلم : (نحن أولى بموسى منكم) فأمر بصيامه مع سبق اليهود إليه ، ولم ير بذلك بأساً ولم يأمر بمخالفتهم فيه ، فإنما الأمر بالمخالفة كان لحكة عظيمة هي التي شرحها الشيخ / شلتوت فيما تقدم مما نقلناه عنه ، وذلك لا يكون إلا في أشياء مخصوصة معينة ، أعلمُ الناس بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فلا يصح الإعتراض إذا بتوفير الأحبار والرهبان للحاهم ، ولا يدخل هذا تحت أمر النبي صلى الله عليم وسلم بالمخالفة ، كما لا تدخل أشياء كثيرة أخرى سكت عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بالمخالفة فيها . (1/14)
صفحة 15
وبعد ، فإن اعتبار توفير اللحية وحلقها مجرد عادة من العادات كهيأة اللباس ينزل المرء فيها على استحسان البيئة مخالفة صريحة صارخة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوفيرها وإعفائها وقص الشارب أو حلقه ، وهذه المخالفة معصية من غير شك ، فعلى من ابتلي بها أن يقلع عنها ويتوب إلى الله ويستغفره ، والله غفور رحيم ، وعليه أن لا يمعن في خطئه باستحلال ذلك ، فإن أمر الإستحلال كبير ، واستحلال المعصية أكبر عند الله من مزاولة المعصية مع الإعتراف بأنها معصية ، فإن لا يرى أنه ارتكب شيئاً تجب التوبة منه فيلقى ربه مصراً على ذنبه ، وفي ذلك الخطر العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . وفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه . والسلام عليكم ورحمة الله .
حرره وأملاه الفقير إلى مولاه بيوض إبراهيم بن عمر لطف الله به ، آمين .
الدخان (1)
الليلة الأولى
ذلفت الأم إلى حجرة الاجتماع ، وقد أخذت معها موقد الغاز ، وأواني القهوة ، فقد عزمت أن تسقي أفراد الأسرة قهوة هذه الليلة .
وجلس الأب مستنداً على ظهر الكرسي المريح ، وقد سبح بنظراته في أفق بعيد ، كأنه في حلم لذيذ .
أما نجيب ، فقد جلس وبين يديه أدوات الكتابة ، وهو متحفز للإستماع والحديث ، لا ينتظر إلا بدء المناقشة .
وضعت الام إبريق القهوة على الموقد ، ثم التفتت إلى وزجها المستند على ظهر الكرسي المريح ، سابحاً في فضاء محدود من الخيال ؛ وقالت له :
ـ لقد جلست يا أبا نجيب ! جلسة خيالية كثيرأً ما وصفها الشعراء وتغنوا بها ، وتتم الصورة الشعرية عندهم لو أنك كنت تأخذ أنفاساً متلاحقة من سيجارة فاخرة ، ترسل دخانها متصاعداً في حلقات ودوائر متتابعة ، خارجة من فمك مرة ، ومن منخريك أخرى ..
فاعتدل الرجل في جلسته ، ونظر إلى زوجته التي أرادت أن تثيره بهذا الحديث نظرة حادة صارمة ، وقال : (1/15)
صفحة 16
ـ عما اله عنك يا أم نجيب ! .. ألم تجدي لي صورة غير هذه الصورة التي يزينها الشيطان في نظر المفتونين من الناس ! حتى يستحلوا ما حرم الله ، ويزينوه باسم الخيال ، أو الشعر أو الفلسفة ، أو الحضارة ، أو التقدم ، أو ما شئت من الأسماء والشعارات ؟ ..
قال نجيب : لقد قرأت في بعض القصص صوراً شبيهة بهذه الصورة التي ذكرتها أمي ، وقرأت أيضاً أن تعاطي الدخان ساعد على تركيز الفكر ، وسعة الخيال ، وتفريج الهموم ، وتعويد السخاء والكرم ، وأشياء ، كثيرة من هذا النوع .
قال الأب : تريد أن تقول يا نجيب أنت وأمك انه لكي تكون لي صورة شعرية جميلة ولكي أنفي الهموم عن نفس ، ويتسع خيالي ، ويتركز تفكيري ، وأتعود على الكرم يجب أن أتناول الدخان .
قال نجيب : لست أقول هذا ، وإنما ذكرتني أمي بحديثها عن الصورة الشعرية ما كان يمر بي أثناء مطالعاتي المختلفة للقصص . (1/16)
صفحة 17
قال الأب : صدقت ! فإن أولئك يكتبون تلك القصص لا يهمهم من آثار أقلامهم إلا العدد الذي يباع منها ، والشهرة التي تنتشر لهم بين الناس على ألسنة المعجبين ، وهم في ذلك يستغلون سذاجة المراهقين وعواطفهم وأخيلتهم المجنحة ، تماماً كما يفعلون بالقصص الجنسي ، فيحسنون لهم صوراً تستثيرهم وتستهويهم ، وتحرك فيهم الغرائز والميول ، والدخان يا بني من أكثر المحرمات انتشاراً بين الناس ، والسبب في انتشاره هذا الانتشار الواسع في أكثر البلاد الإسلامية يعود في الغالب منه إلى تلك الدعاوي التي أشرت إليها ، فإن تلك القصص تقع في أيدي الأطفال والمراهقين ، فتعجبهم ، ويعتقدون أنها ـ حقاً ـ من مظاهر التقدم ، وأنها تساعد على التفكير ، فيتعاطونها انسياقاً وراء الصور الجميلة والأخيلة الحالمة ، ثم يتعودونها ويصبحون مدمنين عليها ، وعندما يستيقظون من غفوة المراهقة ، ويتنبهون من أحلامهم الذاتية ، ويدركون تفاهة تلك الأخيلة ، وعقم تلك الصور التي أغرتهم . يجدون أنفسهم مكبلين بأغلال العادة ، فلا يستطيعون التخلص منها . وانك يا ولدي لا تجد شخصاً واحداً من المتعاطين للدخان ، لا يقر بأنه أخطأ أيام الصغر ، فشرب هذا الداء ثم ندم حيث لا ينفعه الندم ، لأنه أصبح لا يستطيع التخلص منه مهما بذل من جهود ، وأجرى من محاولات ، وكثير من المدخنين يعزمون على تركه ثم يهجرونه بالفعل لمدد قد تطول وقد تقصر ولكنهم يعودون إليه مرغمين في أغلب الأحوال ، وشواذ منهم استطاعوا أن يتركوه إلى الأبد .
قال نجيب : هل الدخان حرم يا أبي ؟
قال الأب : وهل تشك في ذلك يا بني (1) ؟
قال نجيب : إنني أعرف كثيراً من الناس المنتمين إلى العلم ، بل من علماء مشهورين يرجع الناس إليهم في الفتوى ، وكثيراً من الناس الذين يبدو من مسلكهم أنهم يحرصون على المحافظة على دينهم والتمسك به ، وأنهم يتقون المحرمات عن الشبهات ، ولكنهم مع ذلك يتعاطون شرب الدخان في نهم وإسراف . (1/17)
صفحة 18
قال الأب : إن أعمال الناس يا بني ، ليست حجة على الشرع وإنما الشرع هو الحجة على الناس ، وارتكاب الناس لعمل من الأعمال ، أو تخليهم عنه لا يؤثر على حكمه الشرعي ، فلو اجتمع الناس على تحليل حرام لم يحل ، ولو اجتمعوا على تحريم حلال لم يحرم من أجل اجتماعهم ، والناس هم الذين يجب أن يخضعوا لحكم الله ، ولا يصح أبداً أن يخضع حكم الله لرغبات الناس وأمانيهم .
قال نجيب : ارغب يا أبي أن أعرف بعض الحكم أو الأسباب التي حرم الدخان من أجلها .
قال الأب : ولم ذلك يا نجيب ؟ هل أنت غير مظمئن لحكم الله هذا ،
قال نجيب : إنني مظمئن يا أبي ! غير أنني أسمع زملائي حين يتناقشون في هذا الموضوع . يذكرون أنه لا يوجد نص في كتاب الله يحرم الدخان ، فأردت أن أعرف ما أجيبهم به إذا جرت مناقشات في الموضوع .
قال الأب : من المؤسف في هذا العصر أن يتجرأ كل أحد ويتطاول على القرآن الكريم فيزعم أن هذا في القرآن وهذا ليس فيه ، ومنهم من لم يتم قراءته ولو مرة واحدة في عمره ، ومنهم من لم يتم قراءته ولو مرة واحدة في عمره ، ومنهم من يقرأ ولا يفهم .
قال نجيب : هذا صحيح يا أبي ولكنني مع ذلك أريد ما أجيب به أولئك المتنطعين .
قال الأب : إن المصادر التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية يا ولدي هي : القرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة ، وإجماع علماء المسلمين ، ثم قياس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص إذا تساوت الأسباب واتحدت العلل .
والقرآن الكريم يا ولدي ليس بكتاب إحصاء ، فيذكر جميع الأشياء المحرمة جزءاً جزءا ، والأشيا المباحة جزءاً جزءاً ، وإنما يذكر القواعد الكلية والأسباب التي من أجلها أنزل الحكم ، والحكم التي يقتضيها ذلك التشريع ، وقد يترك ذلك إلى اجتهاد المجتهدين ، ومن هذا يتضح لك أن الشارع الحكيم ، وضع كليات عامة للأحكام جاءت في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وتلك الكليات هي أصول لجميع الأحكام . (1/18)
صفحة 19
قال نجيب : لقد فهمت هذا يا أبي ، وأريد الآن أن تذكر لي بعض الأسباب التي حرم الدخان من أجلها .
قال الأب : يمكن أن نستخلص أهمها فيما يأتي :
1 ـ دخوله تحت نصوص عامة من الكتاب والسنة .
2 ـ قياسه على المسكرات والمفترات بل انطباق وصف المسكر والمفتر عليه .
3 – إن الإسلام حريص على أن يكون المسلم نظيفاً طاهراً طيب الرائحة . وقد شرع أحكاماً ، لنقاء الفم واللثة والأسنان . وسن لذلك السواك . وجعله من سنن الفطرة . والتدخين مناقض لهذه السنة ، مخالف لهذه الحكمة مخالفة كاملة ، وما خالف السنة وناقضها فارتكابه حرام .
4 ـ الإسلام يطالب المسلمين بالاقتصار على الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ، ولا يوجد عاقل يزعم أن الدخان طيب ، وأن رائحته عطرة ، وأن لونه بعد حرقه يكون ناصع البياض .
5 ـ الإسلام يحافظ على سلامة العقل ونقائه ، وعلى استقامة السلوك واعتداله ، ويأمر بالمحافظة على الآداب العامة ، والدخان يؤثر على عقل الرجل وسلوكه في حالة الوجود أو العدم ، ومن شك في ذلك فعليه أن يحضر بعض أسواق المسلمين الذين يتعاطون الدخان في أصائل رمضان ، ويرى هل يجد في اولئك الصائمين المدخنين رجلاً تنطبق عليه أخلاق المسلمين الكريمة ، أو رجلاً سليم العقل والفهم ، وإذا شك في الأمر فليحتك بواحد منهم إذا اراد أن يعود على بيته ملعون الوالدين أو ممزق الثياب ، أو ممسكاً بجروح ينزف منها دم مسفوح.
6 ـ الإسلام يحرم الاسراف والتبذير ، وشراب الدخان من أقبح أنواع الاسراف والتبذير ، دون أن يعود على متعاطيه أي كسب أو مصلحة .
7 ـ الإسلام يأمر بالمحافظة على الصحة ، وتعاطي الدخان سبب لأمراض كثيرة وخطيرة ، تحدث عنها علماء الصحة من مختلف الأديان ، ولا يزالون يكتشفون أمراضاً أخرى قتالة تنتج عن تعاطي الدخان .
8 ـ الإسلام يحارب العادات السيئة ، وتحكمها في النفوس . وشرب الدخان من أقبح العادات وأشدها تسلطاً على نفوس أصحابها . (1/19)
صفحة 20
9 ـ الإسلام يدعو كل مسلم أن تكون أعماله منزهة عن العبث ، مبنية على حكمة ، جالبة لمنفعة أو دافعة لمضرة ، وليس في تعاطي الدخان جلب لأي منفعة أو حكمة ، وليس فيه دفع لأية مضرة ، بل ربما يكون جالباً لها ، ولا يوجد في أعمال الناس كلها ما يشبه العبث تمام الشبه كشرب الدخان .
10 ـ الإسلام يريد من المسلم أن يحيا في واقعه ، وأن لا يكون فريسة للأوهام . وليس كمثل شارب الدخان ضحية للأوهام ، وفريسة للأحلام .
11 ـ الإسلام يريد من المسلم أن يحل مشاكله بالتفكير فيها لا بالهروب منها ، ومتعاطي الدخان كشارب الخمر يريد أن يهرب من الواقع الذي فيه ، وأن يترك المشاكل التي تنهال عليه ملتجئاً على فقدان العقل والتفكير السليم .
12 ـ الإسلام يحرم السكر ، وهو تغير العقل سواء كان بالأخذ أو بالترك ، والدخان يؤثر على العقل تماماً كبقية الحشائش التي أجمعوا على تحريمها .
13 ـ إن أكثر المساوىء الموجودة في الخمر وفي الحشائش وفي المخدرات ، موجودة في الدخان ، ولا يمكن مطلقاً أن ينفصل الدخان بحكم شرعي غير الحكم المعطي لتلك المخدرات .
هذه الأسباب وغيرها كانت مستند علماء الإسلام من مختلف المذاهب الذي قالوا بتحريم الدخان . ولا شكل أنك تعرف نصوصاً كثيرة من الكتاب أو السنة وردت في النقاط السابقة ، ومعنى ذلك أن الدخان محرم بالنص ، أي محرم بالكتاب والسنة ، ثم بإجماع المسلمين ، ثم بالقياس ، وعلى الذين يسارعون إلى الحكم فيزعمون أنه لم يرد نص في كتاب الله لتحريم الدخان أن يعيدوا دراساتهم وتفهمهم لنصوص الشرع الحنيف .
قال نجيب : انها أسباب معقولة جداً وواضحة كل الوضوح . ولو لم يكن فيها إلا الاسراف لكان سبباً كافياً للتحريم .
قالت الأم : إن كثرة تعاطي الناس له خفف الشعور بالإثم على من يرتكبه . (1/20)
صفحة 21
قال الأب : وهذه إحدى البلايا التي جاء بها أعداء الإسلام ، فقد فتحوا للناس أسباب المعصية ، وحسنوا لهم تعاطيها بمختلف الدعاوى وأغروهم بها ، فلما شاع ارتكابهم لها ، والتشرب بينهم ، خف شعورهم بإثمها ، وأصبح الفجار والعصاة وقليلو الحياء . يزعمون أن ذلك من دواعي الحضارة والتقدم ، ومن متطلبات العصر ومميزاته ، كأن الحضارة لا تقوم إلا على الجريمة ، وكأن العصر الحاضر ضائع لا يعرف إلا بمواقعة المحرمات ، حتى أصبح أوزاع ممن لا خلاق لهم ، يرتكبون ما حرم الله في انتفاخ واعتداد وتبجح ومجاهرة ومكابرة .
قالت الأم : هل عزمت يا أبا نجيب أن تجعل من هذا الموضوع سمر الليلة ؟
قال الأب : لا يا أم نجيب ! ولكنك سقتنا إليه بالصورة التي أردت أن تضعيها لي وأنا مستند على ظهر الكرسي .
قالت الأم : معاذ الله أن أضع لك تلك الصورة ! وإنما هو حديث عابر جرى على لساني فأرجو عفوك .
قال الأب : لا تثريب عليك ! يغفر الله لك ! ..
قال نجيب : هل يعتبر الدخان نجساً يا أبي ؟ وهل ينتقض وضوء من يمسه ، وتنجس ثياب من يحمله !
قال الأب : إن الموضوع في أصل المسألة خلافي ، فبعض أئمة المذاهب وبعض الفقهاء يرون أن كل محرم نجس ، بينما يرى آخرون أنه لا ارتباط بين التحريم والنجاسة ، فقد يكون الشيء محرماً وليس بنجس ، ومما اختلفوا فيه في هذا الباب الخمر ، ولا شك أن الخمر محرم بالنص ، ولا مجال للخلاف في تحريمها تحريماً مشدداً ، ومع ذلك فبعض القهاء لا يحكم بنجاستها والدخان لا يخرج عن هذا النطاق .
قالت الأم : يعني أن من يرى الإرتباط بين التحريم والنجاسة يحكم بنجاسة الدخان ، ومن لا يرى الإرتباط بينهما يحكم بطهارته .
قال نجيب : وما رأيك أنت يا أبي !
قال الأب : أنا لست مجتهداً يا ولدي ، ومع ذلك فأنا أميل على الرأي الذي يقول بالارتباط بين التحريم والنجاسة لا سيما فيما ذكرته النصوص تصريحاً كالخمر. (1/21)
صفحة 22
قال نجيب : هذا جواب عن النقطة الأولى عن سؤالي ، فما الجواب عن النقطة الثانية ؟
قال الأب : الجواب عن النقطة الثانية فيما يلي : إن ملاقاة الشيء الطاهر من بدن أو ثوب أو غيرهما للشيء النجس لا يكون سبباً للحكم بنجاسة الطاهر إلا إذا تأثر به . أما إذا لم يتأثر الطاهر بالنجس فلا يحكم بنجاسته .
قال نجيب : أرجو مزيداً من الإيضاح فإنني لم أفهم بعد ! .
قال الأب : إنما يتنجس الشيء الطاهر إذا انتقلت إليه النجاسة ولا تنتقل النجاسة من جسم نجس إلى جسم طاهر إلا إذا تلامسا وهما رطبان أو كان النجس منهما رطباً ، لأن اليابس منهما يمتص الرطوبة ، أما إذا كان الطاهر رطباً والنجس يابساً فلا ينجس الطاهر إلا إذا طال أمد التلامس .
قال نجيب : ومعنى هذا يا أبي أن الدخان إذا كان يابساً ولو رجحنا القول بنجاسته ، وكانت اليد التي تناولته يابسة ، فإن اليد لا تنجس ، لأن النجاسة لا تنتقل إليها في هذه الحالة ، وكذلك الثوب إذا كان جافاً وكان الدخان يابساً فإن النجاسة لا تنتقل إلى الثوب الطاهر .
قال الأب : لقد وفقت في تطبيق الحكم با بين .
قال نجيب : وهل هذا حكم عام أم خاص بالدخان ؟
قال الأب : بل هو حكم عام في أحكام الطهارة .
قال نجيب : إذن فالمتوضي إذا كانت يده جافة ومس بها دخاناً جافاً لا ينتقض وضوؤه .
قال الأب : لا ينتقض وضوؤه سواء مس بها دخاناً جافاً أو أي نوع من أنواع النجاسات الجافة ما دامت النجاسة لا تنتقل ولا تؤثر عليه . فانتقاض الوضوء بمس النجاسة خاضع لهذا الحكم العام .
قالت الأم : بقي لك الحكم على من يصلي وهو يحمل الدخان في جيوبه .
قال الأب : إن من يصلي وهو يحمل في جيوبه شيئاً نجساً أو محرماً ، فإن صلاته باطلة ، وحامل الدخان لا يخرج عن هذا النطاق .
قالت الأم : يبدو أن في هذا الحكم تشديداً كبيراً يا أبا نجيب وقد عمت به البلوى . (1/22)
صفحة 23
قال الأب : إن أحكام الفروع تنبني على أصولها . وما دام الدخان محرماً فإنه يجب على المسلم الحريص على إيمانه أن يبتعد عنه ، وليس في البعد عن أي حرام شدة ، وما الذي يدعو مسلماً إلى تناول محرم أو الاحتفاظ به في جيوبه . أما عموم البلوى فمع أنها مصيبة كبيرة ، إلا أنه لا حيلة لنا فيها ، وفي بعض البلاد الإسلامية اليوم يكثر تعاطي شراب الخمر حتى كأنه مباح ، فهل يؤثر عموم البلوى بها هناك في حكمها الشرعي !
قال نجيب : قد يكون تاجراً أو من جملة الأشياء التي يبيعها الدخان !
قال الأب : ان ما يحرم تعاطيه ، تحرم المتاجرة فيه وبيعه للناس .
قال نجيب : وإذا كان لا يبيعه للمسلمين ، وإنما يبيعه للأجانب الذين يستحلونه في دينهم .
قال الأب : إن الله حين حرم على المسلمين ما حرم ، لم يرد أن يكونوا آلة لإشاعة الحرام بين غير المسلمين ، وكل ما حرم على المسلم حرم ما يدخل منه عليه من الفوائد والمكاسب ، اللهم إلا أشياء يسيرة استثناها الشارع استثناء مؤقتاً لحكم يعلمها هو .
قالت الأم : إذن فكل ما جاء من طريق حرام فهو حرام .
قال الأب : هذا صحيح .
قال نجيب : يبدو أن زراعته أيضاً حرام .
قال الأب : إن زراعته في نظري أشد حرمة من بيعه ، فما يجوز لمسلم حريص على إسلامه وعلى مصلحة أمته أن يتخذ من أرضه مزارع للدخان ، ومن يفعل ذلك يكون قد ارتكب محرماً وعمله هذا بالإضافة إلى ذلك عامل هام في تضييع مال نفسه ومال أمته ، لأن مبالغ طائلة من الأموال تصرف عبثاً إذ تدفع في الدخان ليتولى أسراء العادة وعبيد التقليد حرقها بالنار دون أن تكون منها فائدة . لا عامة ولا خاصة .
قالت الأم : إني لا أعرف عبثاً أشبه بالجنون من خدمة الدخان هذه التي يتولاها أفراد من الشعب ، وترعاها أجهزة من الدول ، وهي جهود جبارة تذهب هدراً ، وعرق وأموال مآلها إلى النار . (1/23)
صفحة 24
قال الأب : أضيفي إلى ذلك أن الأراضي التي تخصصت لزراعته تختار من أجود الأراضي وأخسبها . ثم يعتني بها عناية فائقة عدداً من المرات في السنة الواحدة ، ويستمر المزارع في الاشتغال فيها وتنقيتها وتقليبها وتعريضها للشمس ، وتسميدها والاهتمام بالبذور والمشاتل ، وصونها من البرد والريح وما إليها إلى أن تستوي . وتأتي بغلتها الملعونة التي يكون مآلها إلى النار وبئس القرار . تلك الأرض التي أعتني بها تلك العناية ، وبذلك فيها تلك الجهود ، تذهب دون أن يستفيد منها فرد أو جماعة .
قالت الأم : ومعنى هذا أن الأمة حرمت من مجهود عظيم كما حرمت من استثمار أرض طيبة ، لو زرعت غلة لسدت فراغاً ، وأشبعت بطوناً ، ومونت أسراً، وخففت من استيراد أنواع كثيرة من الفاكهة والخضرة .
قال الأب : ومع ذلك ينازع بعض في تحريم تعاطيه ، حتى جرأوا الناس عليه، وأصبح بلية من البلايا التي تعم ولا تحصى .
قال نجيب : لو لم يكن في زراعة الدخان شيء إلا أنه حرم الأمة من قطع خصبة من الأراضي الجيدة خصصت لزراعته دون أن تذرع غلة أو أشجاراً لكان ذلك سبباً كافياً للتحريم .
قالت الأم : ولكن كثيراً من الناس يعيشون اليوم بزراعته أو التجارة فيه ، كما أن الدول نفسها تتولاه بالرعاية ، وتمده بالمساعدة ، وتحتكر بيعه في أكثر الأحيان.
قال الأب : إن اتخاذ بعض الأسر له وسيلة عيش سواء كان ذلك بالزراعة أو التجارة لا يجعله مباحاً حلالاً ، ولا يرفع عنه حكم التحريم ، كما أن وجود أسرة تتخذ عصر الخمر أو بيعه وسيلة عيش ومصدر كسب لا يحله ولا يبيحه . وعلى كل حال فإن تصرف البشر ـ فرداً أو جماعة أو دولة ـ لا يغير أحكام الشريعة الثابتة.
قال نجيب : هل جميع المذاهب الاسلامية متفقة على تحريم الدخان يا أبي ؟ (1/24)
صفحة 25
قال الأب : يقول بالتحريم علماء من جميع المذاهب يا بني . بل لقد كان الرأي الغالب في جميع المذاهب هو التحريم ، ثم إن بعض العلماء تساهل فأفتى بالكراهة ، إما نزولاً عند عموم البلوى أو لأنه هو نفسه يتعاطى الدخان ويستمرئه فهو يفتي بالكراهية أو بالإباحة تبريراً لعمله .
قال نجيب : هل تذكر لي يا أبي أسماء بعض من يقول بالتحريم .
قال الأب : جميع علماء الإباضية متفقون على تحريمه ، وكذلك علماء الوهابية والحنابلة ، وأحسب أن أكثر علماء الشيعة كذلك . وإن كنت لم اطلع على آراء بعض فرقهم ، وذهب إلى تحريمه عدد جم من علماء المالكية منهم ابراهيم اللقاني ، وعبدالسلام اللقاني ، وخالد السنهوري الأزهري ، وأبو الغيث القشاش التونسي ، ومحمد بن الوارث الصديقي ، وغيرهم .
وذهب على تحريمه من علماء الحنفية عدد جم أيضاً منهم : صبغة الله الحسني البروجي ، وأسعد البلخي المكي ، وفروخ المكي ، وعيسى الشهاوي المصري ، ومحمد الحامي الزبيدي ، ومحمد بن سعد الدين خوجة ، وغيرهم .
وذهب إلى تحريمه من علماء الشافعية عد كبير أيضاً منهم : نجم الدين المغربي العامري ، وابراهيم بن ضبعان ، وأبو بكر الأهدل ، والشهاب القيلوبي ، ومحمد بن علاذ المكي . وغيرهم كثير .
قال نجيب : هل كتب عنه أحد يا أبي ؟ أم أن كل ما يقال عنه شفهي في المجالس والدروس ؟
قال الأب : ألفت كتب كثيرة في تحريمه بين مطولة ومختصرة منها : الدلائل الواضحات ، والحجة والبرهان في تحريم الدخان ، وإعلام الاخوان بتحريم تناول الدخان . وغيرها كثير .
قال نجيب : هل يترتب على متعاطيه حكم من الأحكام يا أبي ؟ (1/25)
صفحة 26
قال الأب : ذهب كثير من العلماء الذين ذكرناهم وغيرهم أيضاً إلى أن من يشرب الدخان لا تقبل شهادته ، ومنهم من يرى أنه يقام عليه حد شارب الخمر ثمانين جلدة ؛ ومنهم من يرى أنه يكتفى فيه بالتعزيز . وقد علمت أن منهم من يرى أن صلاة حامله باطلة ، ولذلك فهم يرون أن الصلاة وراء من يتعاطى الدخان بالشرب أو التجارة أو حتى النقل باطلة لا تصح .
قال نجيب : هل تذكر لي يا أبي أسماء بعض من يقول بهذه الأحكام ؟
قال الأب : حسناً يا ولدي ! .
1 ـ قال الشيخ خالد بن أحمد بن عبدالله المالكي الجعفري : (لا تجوز إمامة من يشرب التنباك وإن لم يدمن عليه ، والصلاة خلفه باطلة على الأرجح ، ولا تجوز شهادته وهي باطلة ، ولا يجوز الاتجار في ذلك ، ولا فيما يسكر والله أعلم) .
2 ـ قال الشيخ عمر بن أحمد المصري الحنفي : (الدخان الخبيث ثبتت حرمته عند كثير من العلماء المعتمد عليهم في مصر وديار الروم والحجاز واليمن ، وحرمته لا يتوقف فيها إلا مخذول مكابر معاند قد أعمى الله بصيرته) .
3 ـ قال الشيخ محمد حياة المدني : (قال بعض العلماء : التنباك حرام) .
4 ـ قال عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب : (والذي يشرب التنباك إن كان شربه له بعدما عرف أنه حرام فيضرب ثمانين جلدة ضرباً خفيفاً ما يضره ، فإن كان شربه وهو جاهل فلا حد عليه ، ويؤمر بالتوبة والإستغفار) .
وقال في جواب آخر : (وأما الذي يشرب التتن ويزرعه فيجلد ثمانين جلدة) .
5 ـ قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبو بطين : (وأما شارب التنباك ، فالذي نعتقد تحريمه وفيه التعزير ، ولا يتبين لي أنه يبلغ به حد الخمر) .
قال نجيب : يبدو من هذا أن أغلب علماء المسلمين كانوا يرون فيه التحريم. (1/26)
صفحة 27
قال الأب : هو كذلك ، فعندما دخل إلى البلاد الإسلامية لأول مرة توجه علماء الشريعة من مختلف المذاهب والفرق إلى دراسته ومعرفة آثاره فاتضحت لهم الأسباب لإعطائه حكماً شرعياً ، وقد أعلن أكثرهم الحكم بتحريمه وسكت آخرون ، ولو ادعى مدعٍ أن علماء الأمة قد أجمعوا على تحريمه في أول الأمر لكان لدعواه هذه وجه سليم ، وحظ من النظر قويم .
قال نجيب : وكيف تغير الحكم إذن .
قال الأب : انتشر بين الناس ، وشاع تداوله واستمرأه بعض من ينتسب إلى العلم فجعلوا يخففون من حكمه ويتساهلون حتى ذهب بعضهم إلى الحكم بكراهته فقط ثم إلى إباحته .
قالت الأم : يبدو أننا أطلنا سمرنا هذه الليلة أكثر من المعتاد .
قال الأب : صدقت يا أم نجيب .
ضم نجيب مذكراته وأدوات كتابته ثم ألقى تحية المساء على أبويه وغادر الحجرة ، ثم غادرها الأبوان .
(1) في الأصل لا يوجد هذا العنوان ، لأن الكتاب لا عناوين فيه ، وإنما يقتصر فيه على ذكر الليالي بالعدد .
(1) أنظر حاشية أبي ستة على القواعد ص 106 . (1/27)