صفحة 1
الكتاب: مظاهر الذبح في عيد الفطر وأبعاده الشرعية والاجتماعية لبدر العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) مظاهر الذبح في عيد الفطر وأبعاده الشرعية والاجتماعية
اعتادت العديد من الأسر العمانية على الذبح في يوم الفطر، وقد أجازه الفقهاء المتقدمون من منطلق إباحة العادات ما لم تعترض مع نص شرعي، ولأنّه - في السابق - لا مفسدة منه، حيث يقتصر على الفئة القادرة، ولترابط شرائح المجتمع في التعامل مع هذا العرف، مع وجود بعض الآراء الفقهية التي تعاملت مع هذا العرف من منظور آخر، حيث ينكر مثل هذه العادات.
وإذا جئنا ننظر إلى هذه العادة وتطبيقها في المجتمع العماني اليوم نجد أضرارها أكبر من منافعها، فضلا عن الأبعاد الاجتماعية التي أرهقت جانب الفقراء، مع ارتفاع الأسعار، وضعف التكاتف الاجتماعي عمّا كان عليه في السابق.
فمن الأبعاد الشرعية اعتقاد كثير من الناس أنّها سنة من السنن الشرعية الداخلة ضمنا في قوله - تعالى -: " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ " (1)، مع أنّ هذه العادة قطعا لم تكن من السنن الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعندما شرع الذبحُ يوم الأضحى كان لمقصد تعظيم الله، والتقرب إليه بالأضاحي، وهي مقتصرة على القادر دون إسراف ولا تبذير؛ ليعان بها الفقير، كذلك شُرعت زكاة الفطر لتحقيق مقصد إعانة المحتاج، حتى لا يلجأ إلى السؤال في يوم العيد.
بيد أننا لا نجد هذا المقصد متحققا في الذبح يوم الفطر، مع كون هذه العادة ليس لها أصل شرعي لا من كتاب ولا سنة، وأمّا قوله - تعالى -: " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ"، فالمراد من الآية إخلاص المقصد لله – تعالى - في شعيرتين عظيمتين الصلاة والذبح.
ومن الأبعاد الشرعية أيضا اعتقاد كثير من النّاس أنّه لا بد أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، وإن ذبح قبل العيد فعليه إعادة ذبيحته، فهو يرهق نفسه بعد الصلاة، وهذه - كما رأينا - ليس لها أصل شرعي، فكيف يُقال يجب الذبح بعد الصلاة!، وهذا راجع إلى اعتقاد الكثير من الناس أنّ لها نفس حكم أضحية عيد الأضحى.
__________
(1) الكوثر / 1. (1/1)
صفحة 2
أمّا الأبعاد الاجتماعية فكثيرة، وعلى رأسها اضطرار الفقير إلى الاقتراض لتوفير ذبيحته؛ بل أحيانا متوسط الدخل يضطر إلى الاقتراض بسبب المباهاة والإسراف، فبدلا أن يكتفي بشاة يذبح بقرة أو عجلا مع ارتفاع سعره، فيضطر إلى القرض، وقد يقترض من المصادر الربوية المحرمة، فيقع في الربا المحرم من أجل عادة، مع أنّ الأصل في القرض ولو بدون ربا المنع إلا لحاجة يضطر إليها، لما فيه من الذل وإراقة ماء الوجه، وما يصحبه من هم وفكر يرهق المقترض بالليل والنهار، وهذه العادة ليست من الحاجات الضرورية حتى يُقترض لها، فضلا إذا ترتب على هذا القرض الوقوع في الربا المحرم.
والعجيب أنّ الذي لا يستطيع الذبح يوم الفطر سوف يواجه حربا كلامية من قبل المجتمع، فهذا يتهمه بالبخل، وذاك يتهمه بعدم مراعاة أهله والإحسان إليهم، وتركهم يشاهدون الناس وهم يتلذذون باللحوم، مع أنّ أضحية عيد الأضحى واجبة على القادر المستطيع، وهي تستند إلى أصل شرعي، فكيف يطلب من غير القادر الذبح يوم الفطر مع عدم مشروعيتها؟! والأصل في الفقير والمحتاج يُعان في مثل هذا اليوم، من هنا شرع الله لعباده زكاة الفطر.
ومن الأبعاد الاجتماعية المباهاة والإسراف، فأصبح التنافس في جنس الأنعام وعدده عادة يتنافس فيها الناس، ويتفاخرون بها في المجالس، فهذا يقول قد ذبحت عجلا صفته كذا، وآخر يتباهى بأنه ذبح بقرتين بقيمة كذا، ولو قيل لهؤلاء تبرعوا بعشرين ريالا لإقامة مشروع، أو مساعدة فقير، أو تعليم جاهل، لاختلقوا عللا متعددة، والله – تعالى - يقول: " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (1) (لأعراف: من الآية31).
__________
(1) الأعراف/ 31. (1/2)
صفحة 3
ومن الأبعاد الاجتماعية أيضا إضاعة الوقت، فبدلا أن يستمر في زيارة الأرحام والأقارب وتقوية الصلة، أو الاستجمام والسياحة النافعة، أصبح الناس يقضون عيدهم في تعب ونكد، صباحهم مع الذبح، ومسائهم مع إعداد وجبة المشاكيك، ويقضون يومهم الثاني مع إعداد وجبة الشواء بما فيها من تعب الحفر وإشعال النار، كلّ هذا جعل من العيد موسما للتعب وإرهاق النفس، والله – تعالى - يقول: " وَالْعَصْر، إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" (1).
والله – تعالى - شرع لعباده عيد الفطر ليكون يوما يفرحون فيه، بعد صيام وقيام شهر، يأكلون ويمرحون، ويذكرون الله على ما منّ به عليهم من نعمة الصيام والقيام، يساعد غنيهم فقيرهم، تسود بينهم المحبة والمودة، وتعمّ بينهم الرحمة والألفة، من هنا لا بدّ من إعادة النظر في هذه العادة، لما فيها من الأبعاد الشرعية والاجتماعية البعيدة عن مقاصد الشريعة ويسرها. (2)
__________
(1) النصر/ 1 - 3. (1/3)