صفحة 1
الكتاب: معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين، محمد بن عبدالله النبي الأمي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، بعد،،،
فهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبتها، ونشرت في جريدة الوطن العمانية من عام 1997م إلى عام 2000م، وفي الآونة الأخيرة خطر لي أن أجمع بعضاً منها في كتاب، فقمت وجمعتها ورتبتها ترتيباً أولياً، وبعد ذلك حار ذهني في عنونتها، ولكن بعد تأمل بسيط وجدت أن بُعد الزمن هو البعد الحاضر بقوة في هذه الكتابات، ولا أدري هل كان ذلك عن وعي مني أم لا؟!.
المهم أن تصور المستقبل واستشراف آفاقه كان هاجساً مسيطراً على ذهني في معظم الكتابات التي كتبتها في السنوات الأخيرة.
أزمة الفكر وفكر الأزمة
ماذا جرى بالضبط؟!، وما الذي أوصلنا إلى هذه الأحوال المؤسفة؟! تيه وضياع!!، ولكننا أمة تؤمن بالمبدأ والمصير!!،لا وألف لا!!، لا يمكن أن يكون الخلل في القيم ذاتها، أظن أن الخلل في التفكير، والذي لا أشك فيه أن هذا الخلل قد انعكس أثره على القيم مما ساهم بشكل كبير في تحويل الفكر إلى مجرد نظريات خالية من كل روح، وتقادمت العهود بالناس، وطال عليهم الأمد وقست منهم القلوب فسُحِب ذلك الخلل ليلقى بظلاله الكئيبة على الفكر ذاته، وتلقف بعض السفهاء ذلك ليفرضوا الحلول المستوردة على أمتنا، فكان ما كان من التيه والضياع، إننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لما لدينا من الأفكار حتى نصل إلى الحقيقة الناصعة، ولنعلم يقيناً أن مدد السماء يكون بقدر ما نحن عليه من صواب، قال الله تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } محمد 7.
أزمة الفكر (1/1)
صفحة 2
مر العالم بمرحلة سموها مرحلة الحداثة وهي تمتد من ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى عام 1939م، والمرحلة التي تلتها سموها مرحلة ما بعد الحداثة، وتمتد من نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي المرحلة التي جاءت ردة فعل عنيفة لما صاحب الحرب العالمية الثانية من فظائع تشيب لهولها رؤوس الولدان، وختمت بقنبلة نووية على (هيروشيما) معلنة بداية عهد جديد، ومما ميز هذه الحقبة:
? القلق العقدي (الأيديولوجي).
? تفكيك القيم الإنسانية بفعل المذاهب المادية.
? عجز الفكر الديني النصراني عن التعامل مع الأزمة الأخلاقية التي اجتاحت المجتمعات الغربية، بل غرق هو في هذا المستنقع إلى الأذقان.
? تصاعد موجة القلق والخوف على مستقبل البشرية بسبب السباق النووي الرهيب بين القوى العظمى آنذاك، وبسبب الخواء الروحي الناشئ عن سيطرة المذاهب المادية على مسير الحياة. (1/2)
صفحة 3
واستمر هذا الوضع على ما هو عليه حتى انهار سور برلين الرمز الماثل لسياسة القبضة الحديدية للكتلة الشيوعية، وما هي إلا عدة سنوات حتى تهاوى الصنم الأكبر للشيوعية، وغدت أثراً بعد عين، وبدأ الحديث عن عالم أحادي القطب تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية في منظومة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، ورغم انزياح الخطر الشيوعي عن العالم، إلا أن المشكلات لم تنته بعد فهناك كثير من القوى الصاعدة في ظل هذا النظام، ومشكلات الفقر والبطالة والتخلف والاستبداد و.. و..الخ تتفاقم يوماً بعد يوم، والنظام العالمي الجديد لا يعنيه من ذلك سوى مصالحه الذاتية، فالنظام العالمي الجديد لا يحترم سوى الأقوياء فحسب ،ولا يعرف في مواجهته سوى كلمة (نعم)، أما (لا) فتعني أن تكون شريداً طريداً في المنظومة العالمية الجديدة ،عموماً لسنا بصدد الحديث عن ذلك، وإنما أردنا أن نقول ماذا يمكن أن يقدم النظام العالمي الجديد للبشرية؟!، سؤال وجيه أتحدى كل إنسان أن يقدم لي جواباً مقنعاً عنه، ويا للحقارة عندما نعلم أن النظام العالمي الجديد لا يهمه موت آلاف الأطفال في زائير، أو غرق المئات بسبب الفيضانات في بنجلاديش، أو المذابح الدموية الرهيبة بحق المدنيين الأبرياء في الجزائر أو.. أو.. الخ، بقدر ما يهتم بملابس الأميرة الفلانية ومغامراتها العاطفية، ولا شك فإن أدبيات هذا النظام تعتبر أمثال هؤلاء العالم ومثله معه، وكما قال بعضهم:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
ويا للخسارة عندما نعلم أن تلك المغامرات قد انتهت نهاية مأساوية!!، إنها مأساة تجعلنا نهتف مرددين قول أبى مسلم!!، قلوبنا تعتصر ألماً وعيوننا تذرف دمعاً
جمع العالم في حيزومه ... أترى العالم في القبر نزل (1/3)
صفحة 4
نعم لا شك أن تلك المغامرات قد هدت الحائرين وأطعمت الجياع وروت العطشى وكست العراة وأخذت بأيدي التائهين إلى الصراط المستقيم!!. أظن أن هذا هو الجواب لما يمكن أن يقدمه النظام العالمي للبشرية.
وقد يظن بعض الحمقى والبسطاء أن ما ذكرناه ينطلق من منطلقات عاطفية لا تراعي ما تجود به أيدي هؤلاء من خير، وما تبدعه عقول هؤلاء من تقدم هائل في مجالات المواصلات والاتصالات وغير ذلك كثير، ولا أظن عاقلاً تنطلي عليه هذه الأحابيل، فإن من شم رائحة العقل ولو مرة واحدة لأدرك أن كل هذه الإمكانيات الرهيبة قد سخرت لاستعباد البشرية وجعلها تحت سيطرتهم العسكرية والاقتصادية والثقافية، ولم يوجهوا هذه الإمكانيات لإسعاد البشرية بقدر ما وجهوها لمصالحهم الذاتية، ففي الوقت الذي تطالب فيه جمعيات الرفق بالحيوان عندهم بحماية كلب أو قطة، وتقام الدنيا ولا تقعد، نجد سكوتاً مطبقا على صادرات من بلدانهم لملابس فيها مواد تسبب السرطان، ويتم تصديرها إلى بلدان العالم الثالث تحت سمع وبصر حكوماتها، فأين حقوق الإنسان التي يتشدقون بها ويملئون الدنيا ضجيجاً وعجيجاً من أجلها؟!، إلا إذا كان المقصود بالإنسان هو الإنسان الأبيض ذي العيون الزرق فحسب، قال الله تعالى { والكافرون هم الظالمون } البقرة 254.
إن هناك تطورات قد حدثت في الساحة العالمية بعد استحداث النظام العالمي الجديد تجعلنا نعيد النظر في استمرار تسمية حقبتنا هذه بحقبة ما بعد الحداثة، ومن تلك الأمور: (1/4)
صفحة 5
? نبرة الوهن والضعف في أدبيات منظري الفكر الإنساني الغربي، فبعد أن كنا نسمع عن قدرة البعض عنهم على اختراق إطار السماوات بوصولهم إلى سطح القمر، وتجرؤ البعض منهم على تسمية الكتب السماوية بالكتب الصفراء البالية التي يجب أن تحنط في المتاحف، صرنا نسمعهم يتحدثون عن عدم قدرتهم على السير على سطح الكوكب الأرضي، فالمشكلات تكاد تعصف بالمجتمعات، وتنذر بالويل والثبور، لذا لم يستطع الرئيس الأميركي السابق (جورج بوش) أن يصمد أمام خصمه الرئيس (بيل كلينتون) لأنه رفع راية القضاء على الأدواء الداخلية التي تكاد تعصف بالمجتمع الأميركي، وتبعده عن مركز القيادة والصدارة في العالم، على الرغم من أن (جورج بوش) قد حقق نصراً إعلامياً ساحقاً بخروجه بمكاسب حرب الخليج الثانية، ولكن كل ذلك لم يشفع له.
? رغم أن المعلومات أصبحت في متناول كل أحد بسبب الثورة في عالم الاتصالات، فقد أحدث هذا شعوراً قوياً لدى كثير من الأمم والجماعات بالمكان والعرقية خوفاً من ضياع الهوية الثقافية في خضم هذا البحر المتلاطم، ويظهر هذا في القلق الذي أبدته فرنسا ذات الصبغة والثقافة الفرانكفونية من الحقائق الكامنة في أن: 80% من إيرادات شباك التذاكر يذهب لصالح الأفلام الأميركية في أوروبا، و40% من معدلات مشاهدة البرامج التلفزيونية لصالحها.
? انحلال الجمهوريات السابقة مما زاد الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات الجريمة المنظمة، حتى إن بعض التقارير تشير إلى امتلاك بعض العصابات لأسلحة نووية!!.
? ازدياد شمولية الأنظمة العالمية للاتصالات وتقنيات الكمبيوتر، حتى أن علم الكمبيوتر قد أفرد علماً مستقلاً في التصنيف العالمي للعلوم الذي يضم: العلوم النظرية البحتة والعلوم التطبيقية البحتة والعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية وعلم الكمبيوتر. (1/5)
صفحة 6
وهذه الشمولية أو ما يسمى بانفجار المعلومات قد أضعف قدرة المنتج المستقل وسلطة الكتاب وتأثير التراث المحلي والسلطة الواحدة، بل إن بعضهم بدأ يستخدم مصطلح (موت الكتاب) للدلالة على هذه الحقبة التي ستغني عن الكتب كما يقولون.
? تنادي المنظرين والمفكرين في العالم بوجوب البحث عن حل المشكلات المستعصية، وقد وضعت المشكلة الاقتصادية على رأس هذه المشكلات، وما يزال الخبراء والباحثون يطالعوننا بالجديد كل يوم حول هذه القضية ولكن دون جدوى، فلم تستطع أجهزة الـ (سوبر كومبيوتر) حلها برغم ذاكرتها الجبارة وإمكاناتها الرهيبة، مما ولد يأساً لا حدود له لدى الجماهير المسحوقة في بلدان العالم، وما روايات الخيال العلمي عن الأبطال الخرافيين إلا تعبير واضح عما يعتمل في نفوس الجماهير.
ويكفي أن شخصية (السوبرمان) التي ابتكرت إبان الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الأولى، جاءت من أوساط الشارع الأميركي الذي قاسى آنذاك المجاعة فكانت شخصية (السوبرمان) البطل القادم من كوكب آخر، والذي يحارب الأشرار ويتصدى لهم، ومن الطريف أن الناشر قد استولى على حقوق النشر لمبتكري الشخصية، فعاشا فقيرين معدمين لم ينعما بابتكارهما، ولم يستطع (السوبرمان) أن يتصدى للناشر (1) !!.
__________
(1) والأغرب من ذلك أن الذي قام بدور (السوبرمان) في أفلام السينما وهو الممثل (كريستوفر ريف) قد سقط من على ظهر جواد فأصيب بالشلل، وهكذا فقد أصبح (السوبرمان) أشل. (1/6)
صفحة 7
إن عالم اليوم لا يصلح فيه ذلك التعبير البارد (ما بعد الحداثة)، والذي اقترحه أن تسمى الحقبة القادمة بـ(عصر القلق) وأظن أنه المصطلح المناسب للعصر، فنحن نعيش أوضاعاً سياسية مضطربة لذا فنحن قلقون، ونحن نعيش أزمات اقتصادية طاحنة لذا فنحن قلقون، ونعيش أوضاعاً اجتماعية سيئة لذا فنحن قلقون ونعيش أوضاعاً ... ونعيش ... إن هذه الأوضاع كفيلة بتحطيم أعتى القوى، ألا يكفي أن منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في اجتماع جمعيتها العالمية لأطباء الأمراض النفسية في دورتها العاشرة أن هناك حوالي 1,5 مليار من البشر يعانون من اضطرابات نفسية والخبر في جريدة (الوطن) العمانية العام الماضي (1) .
أين نحن؟!
يبدوأننا في زحمة الأحداث نسينا أن نذكر دورنا في صنع هذه الأحداث، وموقعنا منها بالضبط، ولكن مهلاً.. الظاهر أنه لا دور لنا على الإطلاق، بل إننا اكتفينا بالقيام بدور المتفرج على الأحداث، بل أخشى أننا كنا الكرة التي يتقاذف بها اللاعبون المهرة.
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأمرون وهم شهود
وإذا كان العالم يمر بما يمر به من أزمة فكرية ظهرت آثارها على وقع حياته، فإن المسلمين ـ أمة الرسالة الخاتمة ـ يعيشون واقعاً أسوأ، ذلك أن مصادر الخير بين أيديهم ورغم ذلك فهم عاجزون عن تمثل المنهج في واقع حياتهم مما أوقع بالبشرية خسائر فادحة نتيجة سيادة الجاهلية في واقع حياتهم.
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
إننا نسينا في غمرة تكالبنا على متاع هذه الدنيا الفانية دورنا في هذه الحياة، وكأن الجميع لم يقرع آذانهم قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } آل عمران110
وقوله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } الأنبياء 107
وقوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } غافر40
__________
(1) كان ذلك عام 1996م. (1/7)
صفحة 8
وقوله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } المجادلة 21.
ولكن رغم إدراكنا لكل هذه الحقائق مازلنا غير قادرين على تغيير واقعنا السيئ، ومن البدهيات إن الخطأ ليس في المنهج بالطبع ولكن في فهمنا للمنهج، وهنا يكمن بيت القصيد، إن أزماتنا التي نعيشها حالياً لها جذور تعود إلى مئات السنين، وإن ظللنا نبحث في مشكلاتنا دون معرفة لجذورها فسنكون كمن يريد أن يقتل أفعى ولكنه يقطع ذيلها ولا يقطع رأسها، والآن وقد تهيأت الأذهان لتقبل ما سنقول، يمكن القول برجع أسباب أزمتنا الفكرية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى:
ـ انفصال العلم عن الحكم.
ـ سيادة عقلية التقليد والتعصب للأشخاص لا للمنهج.
ـ التهوين من قيمة العمل وسيادة الفكر الإرجائي.
ـ غياب النظرة الشمولية وسيادة النظر الجزئي.
ـ اختلال النسب والموازين في التعامل مع مصادر المنهج.
1- انفصال العلم عن الحكم ( إن فرعون علا في الأرض ).
أبدأ هذا الفصل بكلام الأستاذ الندوي في كتابه القيم ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين حيث قال: (ولكن من الأسف ومن سوء حظ العالم البشري أن تولى هذا المنصب الخطير رجال لم يكونوا له أكفاء، ولم يعدوا له عدة، ولم يأخذوا له أهبة، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية كما تلقى الأولون وكثيرون في عصرهم وجيلهم، ولم يسيغوا تعاليم الإسلام إساغة تليق بقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بزعامتها، ولم تنق رؤوسهم ولا نفوسهم من بقايا التربية القديمة، ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام، ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية، وهذا الحكم عام يشمل خلفاء بني أمية وبني العباس، حاشا الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز م 101هـ) (1) .
__________
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص121، أبو الحسن الندوي، ط دار الإيمان. (1/8)
صفحة 9
لقد تسبب الاستبداد السياسي –آنذاك- في بروز كثير من الإشكاليات الفكرية من أبرزها انفصال العلم عن الحكم، فسار كل منهما في طريق ولم يلتقيا إلا نادراً، وكانت تلك جناية كبرى في حق هذا الدين الحنيف، وكيف يكون ذلك والقرآن الكريم بعد أن قص علينا قصة فرعون وقصة قارون وكلاهما نموذج حي للطغيان والتكبر والفساد في الأرض جعل الخلاصة من تلك السورة وهي سورة (القصص) قوله تعالى: { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين } القصص 83، وفرعون لا يريد أن يحكم الإنسان فقط ولكنه يريد أن يحكم الأرواح والضمائر، ولذلك عندما آمن السحرة، قال باستكبار واستنكار: { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } طه 71 فهو ينتظر أن يكون الإيمان والكفر بإذن منه. (1/9)
صفحة 10
والعجب أن الذين ألفوا الانحناء لفرعون ظلوا فاسدين طيلة عمرهم، والقرآن يقول لنا عندما بدأ موسى – عليه السلام- دعوته للحرية وللإيمان وإلى طرح الخرافات لم يستجب له الكبار، وإنما استجاب له الشباب: { فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } يونس 83، لقد بقيت للذين كبروا في الضلال والظلم خصالهم هذه، قال الله تعالى: { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون - قال كلا إن معي ربي سيهدين } الشعراء الآيات 61-62، فالقوم مردوا على الذل، وهكذا استمر الذل في الحياة في كثير من الأجيال، إن الذل يقصم الظهور ويفسد الملكات، وهؤلاء هم الذين رفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، وفرعون قد استطاع أن يسود بأن مارس سياسة العصا والجزرة، فنجده يقسم الأمة إلى فئات، فئة يلحقها بخدمته ويغدق عليها العطايا والامتيازات وأخرى لا ينالها منه سوى التنكيل والبطش { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين } القصص 4، فكان لزاماً على الذين استضعفوا أن يتحرروا أو يبحثوا عن خلاص (1) { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين - ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } القصص 5-6.
إن قصة موسى وفرعون قد تكررت كثيراً في القرآن الكريم ولم تذكر للتسلية، وإن فيها الكثير من المنبهات والعواصم من السقوط الحضاري، حتى لا تتحول الشعوب إلى قطعان من الماشية ولا الحكام إلى فراعنة وقياصرة، ولعل القرآن الكريم قد تحدث كثيراً عن الأتباع الذين يلحقون متبوعيهم في جهنم لكي يفطم النفوس عن هذه التبعية الذليلة.
__________
(1) كيف نتعامل مع القرآن الكريم ص 173-176 مع زيادة وتصرف، محمد الغزالي، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي. (1/10)
صفحة 11
قال الله تعالى: { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب - وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد } غافر الآيات 46-47.
وقد أدى انفصال العلم عن الحكم في تاريخنا إلى نتائج خطيرة منها:
1-سيادة النزعة الجاهلية في رجال الدولة (1) : إذ أن رجال الدولة حتى الخلفاء أنفسهم -من أمثال بني أمية وبني العباس وأضرابهم- لم يكونوا أمثلة كاملة في الدين والأخلاق، بل كان في كثير منهم عروق الجاهلية ونزعاتها، فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع، وأصبحوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم، وزالت رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحسبة، وفقدت حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطانها، لأنها لا تستند إلى قوة لديهم ولا عقاب، والدواعي إلى خلافها متوفرة قوية، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها، وأخلد الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب، وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتاراً، ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو، وتهافت على الملاهي والملذات، ونهمة للحياة الدنيا وأسبابها، وبهذه السيرة، وبهذه الأخلاق المنحطة ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أن تؤدي رسالة الإسلام، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء، وتذكر بالله والآخرة وتحض على التقوى والدين وأن تكون أسوة للناس في أخلاقها، بل لا تستطيع أن تتمتع بالحياة والحرية زمناً طويلاً { سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً } الأحزاب 62.
__________
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص122-123 مع زيادة وتصرف، أبو الحسن الندوي، ط دار الإيمان. (1/11)
صفحة 12
2- سوء التمثيل للإسلام (1) : وكان هؤلاء في ما يأتون وما يذرون ممثلين لأنفسهم وسياستهم فقط ، لا يمثلون الإسلام ولا سياسته الشرعية ولا قانونه الحربي ولا نظامه المدني ولا تعاليمه الأخلاقية إلا في النادر، ففقدت رسالة الإسلام تأثيرها وقوتها في قلوب غير المسلمين، وضعفت ثقتهم به ، وفي لفظ مؤرخ أوروبي (بدأ الإسلام بالانحطاط، لأن البشرية بدأت تشك في صدق القائمين بتمثيل الديانة الجديدة).
3- قلة الاحتفال بالعلوم الكونية النظرية منها والتطبيقية، كالفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وغيرها (2) ، ويرجع ذلك إلى نوعية الثقافة التي أشاعتها السلطات – آنذاك – والتي هونت من شأن هذه العلوم، والتي نظر إلى المشتغلين بها نظرة دونية، مع العلم أن النظر في كتاب الكون واكتشاف أسراره وفهم نواميسه مما حث عليه القرآن الكريم.
قال الله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق } العلق الآيات1-2.
وقال تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون - الذي جعل لكم الأرض فراشاً و السماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } البقرة الآيات 21-22
وقال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } الحج46
وقال تعالى: { الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره } الجاثية 12، والآيات في ذلك كثيرة.
__________
(1) المرجع السابق.
(2) المرجع السابق. (1/12)
صفحة 13
ولكن انظر إلى كثير من هذه العلوم تكاد تبتدئ وتنتهي بالأوائل من واضعيها، لقد ابتدأت الكيمياء وانتهت بجابر بن حيان، ولم يعرف عمل يوازي عطاء الخوارزمي في الجبر، ولم يتقدم علم البصريات تقدما يذكر بعد الحسن بن الهيثم، ولذلك فليس من المصادفة أن رجلاً كسيف الدولة يهب المئات والآلاف من الدنانير لقصيدة تقال، في حين يعاني الكندي ظروفاً ألجأته لاعتزال الناس، وأن يقضي الحسن بن الهيثم بقية عمره كاسباً قوته من نسخ الكتب.
4-إشاعة أفكار خاطئة تثبيتاً لكراسي الحكم، أوإعطاؤها الضوء الأخضر للمرور، في حين أنها تعاملت مع الذين ينشرون أفكاراً تخالف تلك الأفكار بكل وحشية وضراوة، وما فكر الإرجاء إلا مثل وشاهد حي على ذلك، وارجع إلى تراجم بعض رواة الأحاديث ممن عرفوا بالإرجاء والدعوة إليه لتتحقق من صحة ما نقول (1) .
__________
(1) يقول الأستاذ أحمد أمين في ضحى الإسلام (3 /322-323) ط مكتبة النهضة المصرية: ( وقد تسرب كثيرا من عقائد المرجئة إلى أهل السنة كالقول بجواز تخلف الوعيد دون الوعد ونحو ذلك.
و إذا قال المتكلم بالأصول التي ذكرناها عد مرجئا. وكثير من المرجئة كان يقول بهذه الأصول، وفي الوقت عينه يقول ببعض أصول المعتزلة، كأن يري أن الإنسان يخلق أفعال نفسه ، أو أن الله لا يُرى بالبصر يوم القيامة. فيسمونهم - إذ ذاك - معتزلة المرجئة، وفي هذا التعبير تسامح من كتب الفرق، لأن الإرجاء في جوهره يخالف أصلاً هاماً من أصول المعتزلة، وهو اعتبار العمل ركناً من الإيمان وخروج الفاسق عن الإيمان، وإيجاب تعذيب العاصي وتخليد الفاسق في النار.وقد قدمنا أنه لا يسمى معتزليا إلا من قال بالأصول الخمسة السابقة).
وقال في (3/ 323-327): ( من نتائج تعاليم المرجئة - أعني أن الإيمان هو التصديق وأن العمل ليس داخلا في مفهومه- اتساع دائرة المؤمنين فكل من آمن بالله ورسله فهو مؤمن وإن ارتكب الكبائر، كما أن مبدأهم في جواز عفو الله عن العصاة أوجد احتمال أن مرتكب الكبيرة يدخل الجنة من غير عقاب) إلى أن قال ( وهذه الأنظار التي حكيناها عن المرجئة تخدم السياسة ولو من طريق غير مباشر. وأقل ما فيها أن أصحابها محايدين، لا ضد الدولة ولا معها، وبيان ذلك أنهم لما استعرضوا أعمال السياسة على مبادئهم رأوا أن المتقاتلين والذين قاتلوا مع معاوية، كلهم مصدق بالله ورسوله، وكلهم متأول، فكلهم مؤمن، وإذا أخطأ بعضهم فعفو الله قد يشملهم، إذا فهم لا يكفرون أحداً من هؤلاء المتقاتلين، لا يكفرون عمرو بن العاص ولا معاوية ولا غيرهما كما يفعل الخوارج وبعض المعتزلة، ولا يكفرون قتلة عثمان ولا يكفرون طائفة من طوائف المتحاربين، لأن غاية خطئهم إن أخطأوا أنهم ارتكبوا كبيرة، والكبيرة لا تخرج من الإيمان. على أنهم وقفوا في الحكم على أي الفرقين هو المخطئ لأن كل فريق متأول، وكل فريق له حججه، والأمر يتعلق بالنيات أكثر مما يتعلق بالأعمال، والله هو الذي يطلع على نيات الناس وضمائرهم، فلنكل أمرهم جميعا إلى الله، ولا نسب أحدا، ولا نقطع بأنه سيدخل النار حتماً.
... ونتيجة هذا أنهم كانوا ينظرون إلى معاوية وصحبه نظرتهم إلى علي وصحبه، ويرون مهادنة بني أمية صحيحة، وأن خلفاءهم مؤمنون لا يصح الخروج عليهم وتصح الصلاة وراءهم، وأن غاية ما يفعله أحدهم من الشر أن يرتكب كبيرة ومرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، ولذلك لم نر الأمويين اضطهدوا مرجئا لإرجائه، كما كانوا يضطهدون المعتزلة لاعتزالهم، والخوارج لخارجيتهم، والشيعة لتشيعهم، بل نراهم كانوا يستعملون من عرف بالإرجاء في أعمالهم، كما فعل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة بثابت قطنة، وهو شاعر المرجئة، فقد ولاه أعمالا من أعمال الثغور.
... فإن كان الأمويون قد عذبوا أحداً من المرجئة ، فليس سبب العذاب إرجاءه ولكن شيء أخر، فقتلوا الحارث بن سريج وهو زعيم من زعماء المرجئة في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية، لا لأنه مرجئ، ولكن لخروجه وثورته لأسباب قبلية وعدوات شخصية.
وتعذيب أبي جعفر المنصور لأبي حنيفة لا لإرجائه، لكن لأنه على ما يظهر أحس منه ميل إلى تفضيل محمد بن عبد الله بن الحسن(النفس الزكية) على المنصور وهكذا. ... ...
فالمرجئة أميل إلى المسالمة. حكى الطبري أنه لما تولى يزيد بن عبد الملك بن مروان خرج عليه يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، واستولى يزيد بن المهلب على البصرة وعلى ما يليها من فارس والأهواز، ودعا الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه، وحثهم على الجهاد، وزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم، وتبعه في ذلك قوم من المرجئة، وعلى رأسهم رجل يقال له أبو رؤبة، وقد أرسل يزيد بن عبد الملك جيشاً لمحاربة ابن المهلب يقوده أخوه مسلمة بن عبد الملك. فلما حرض يزيد بن المهلب أصحابه على قتال مسلمة بن عبد الملك وجنده قال أبو رؤبة المرجئ ( إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وقد زعموا أنهم قبلوا ، فليس لنا أن نمكر ولا نغدر ولا نريدهم بسوء)، فقال لهم يزيد بن المهلب ( ويحكم! أتصدقون بنى أمية، إنهم أرادوا أن يجيبوكم ليكفوكم منهم حتى يعملوا في المكر)، قالوا (لا نرى أن نغفل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قبلوه منا). فهم إذا خاصموا بني أمية خاصموهم في لين ورفق.
... وكذلك كان شأنهم مع العباسيين، مهادنين مسالمين. وقد روى طيفور أن المأمون قال: ( الإرجاء دين الملوك)، وهذه الجملة تمثل معاني متعددة فمنها أن الإرجاء هو الدين الذي يرضاه الملوك من أتباعهم ، لأنهم يقفون موقف مسالمة فلا يثيرون شغباً، ولا يخرجون عن طاعة مهما ارتكب الملوك من معاص، ومصلحة الملوك -دائماً- أن تسالمهم الرعية، وتكل أمر العاصي منهم إلى الله يتولى عقابه أو العفو عنه ،ولو اعتنق الناس هذا المبدأ مبدأ الإرجاء ما خرج خارج على عثمان ولا على علي ولا على معاوية، ولارتاح الملوك من الثورات المتتالية.
وهناك معنى آخر لهذه الجملة ، وهو أن الإرجاء أنسب المذاهب لأن يعتنقه كل ملك، لأنه يحمله على أن ينظر لأهل الأخرى من معتزلة وخوارج وشيعة وغيرهم نظرة معتدلة، فلا يكفر أحداً، ولا يتدخل في عقيدة أحد، فكلهم مؤمنون، ومن عصى منهم فأمره إلى الله، وهذا يجعل الملك فوق المذاهب وفوق الأحزاب الدينية، فهو مَلِكُ الجميع، وهذا أصلح للملك). (1/13)
صفحة 14
5- تمزيق الأمة الإسلامية وشق عصا وحدتها: فمواقف تلك الدول من المعارضين لها أشهر من أن تذكر، مما حدا بالغلاة من كل حزب سياسي من تلك الأحزاب المعارضة إلى توسيع الهوة بينهم وبين غيرهم من الإسلاميين، فاتسع الخرق على الراقع حتى غدت الوحدة الإسلامية حلماً صعب المنال في نظر الكثيرين.
6- محاولة بعض تلك الدول –آنذاك- إخضاع العلم نفسه لتأييد سياساتها الغاشمة، وإيجاد الفتاوى المبررة لتصرفاتها المنحرفة، أدى أن يضع بعض الغيورين من الأمة أيديهم على قلوبهم من هول ما يحدث، فلم يجدوا أمامهم إلا أن يفرضوا التقليد البغيض على الأمة لقطع الطريق على هؤلاء المنحرفين.
2-سيادة عقلية التقليد والتعصب للأشخاص لا للمنهج (1) ( إنا وجدنا آباءنا على أمة ).
__________
(1) يقول الأستاذ خميس العدوي في كتابه الواقعية والوحدة الإسلامية ص35 الطبعة الأولى :( لا بد هنا أن نفرق بين المنهج الإسلامي والفكر الإسلامي، فالمنهج الإسلامي هو الكتاب والسنة وبالرجوع إليهما يتحقق المنهج، والمنهج والمنهاج لفظتان شرعيان لقوله تعالى { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } .فالشرعة والمنهاج هما المجعولان من الله تعالى.
والفكر الإسلامي هو إعمال الآلة العقلية في فهم هذين المصدرين والاستمداد منهما وإعمالهما على أرض الواقع ، وفي هذا الإطار تدخل المذاهب والمدارس الإسلامية) . (1/14)
صفحة 15
إن الاختلاف في وجهات النظر حتمية تفرضها طبيعة الكون والأشخاص والبيئة واللغة { لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } هود 119، وهذا التباين في المدارك والاختلاف في المشارب والتعاكس في الاتجاه هو سبب تعدد مذاهب الناس في الأمر الواحد، وكثيراً ما تتأصل الحمية في نفوس الجماهير فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة مستحكمة في العقل والوجدان مستعصية على الدليل والبرهان، لا تتزعزع لمحرك ولا تنقاد لداع، والأدهى من ذلك أن تجعل أقوال أئمة الفرق والأحزاب أصولاً تطوع لها الأدلة والحجج لتأييدها حتى لو كان في ذلك كسراً لأعناق النصوص وجراً لها من تلابيبها.
( إن آراء الأئمة والعلماء ومواقفهم السياسية ما هي إلا جداول صغيرة تتفرع عن النبع الصافي الذي أراد خالق الإنسان أن تشرب البشرية منه في زمن الظمأ العقلي والوجداني على حياة الإنسان، وجاء بعدهم أناس شقوا لأنفسهم ترعاً من هذه الجداول، وأصبح كل واحد يدعي أن ترعته أنظف وأطهر من غيرها وعلى الناس أن يشربوا منها إن أرادوا الارتواء، وغفل هؤلاء أنه كلما زاد طول الترعة كلما زادت التعرجات فيها، وأن تغييراً كثيراً يمكن أن يحصل للمياه خلال هذا الجريان في هذه الترع التي شقتها معاول الإنسان) (1) .
__________
(1) الإباضية في موكب التاريخ (1/161-162)، علي يحيى معمر، الطبعة الثانية مطابع النهضة. (1/15)
صفحة 16
وكان الأحرى بكل أصحاب الجداول والترع أن يعودوا إلى الارتواء من النبع الصافي الذي لا تكدره شائبة ألا وهو كتاب الله عز وجل الذي وعد سبحانه بحفظه { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الحجر 9، وهو الموئل عند الاختلاف والتنازع لا قول فلان وفلان، قال الله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً } النساء 59، وجاءت آيات الكتاب العزيز بوجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } النساء 59
وقال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } النساء 80
وقال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } آل عمران 31، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. (1/16)
صفحة 17
ونجد الأئمة قد نصوا على وجوب التحاكم إلى الكتاب العزيز وإلى السنة الصحيحة الثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا الإمام أبو سعيد الكدمي يقول عند ذكر قول من قال بمشروعية تحية المسجد لمن دخل المسجد والإمام يخطب: ( إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به الرجل فهو أولى)، ويأتي معاصره الإمام ابن بركة مؤيداً له فيقول: ( فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها)، ويتلاحم الموقف المغربي مع الموقف المشرقي، فيقول عالم المغرب العربي أبو يعقوب الوارجلاني: ( لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر، وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال)، وهاهم رجال مدرسة المتأخرين الذابين عن حرمات الدين يسيرون على نفس النهج ، فيقول أحدهم، وهو الإمام الرباني جاعد بن خميس الخروصي: (وإياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال)، ويأتي تلميذ مدرسته الإمام سعيد بن خلفان الخليلي ويعلنها صرخة مدوية أصاخ لها الدهر وخلدتها دفاتر الفكر: (ومن العجيب أن أنص لك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت تعارضني بعلماء بيضة الإسلام بغير دليل ولا واضح سبيل أليس هذا في العيان نوعاً من الهذيان)، وعلى حين غرة من الزمان يجيء مجدد القرن الرابع عشر الهجري الإمام نور الدين السالمي صائغاً شتات فكر المتقدمين والمتأخرين في ثنايا عبارات رصينة فيقول:
ولا تناظر بكتاب الله ... ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيراً ... ولو يكون عالما خبيراً (1/17)
صفحة 18
ويأبى الخليلي الحفيد إلا أن يسير على نهج الخليلي الجد فإذا بنا نراه يشتد غضبه حتى لنكاد نشم ذلك من رائحة كلامه فيقول: ( وقول بخلاف الحديث يضرب به عرض الحائط )، وإذا بهذه المدرسة تخرج نباتاً طيباً يانعاً يملاْ العالم عطراً فواحا يتمثل في حافظ العصر ومفخرته العلامة أحمد بن حمد الخليلي، فيلخص لنا كل ذلك بقوله: (ولا عبرة بقول يخالف الحديث الصحيح، فالسنة حجة على غيرها ولا يكون غيرها حجة عليها)، ويقول: ( فالواجب يحتم أن يكون الأصل الذي يرجع إليه ما دل عليه صريح الكتاب العزيز والسنة الصحيحة. (1) (2) .
إن التمسك بما قرره الآباء والأجداد تمسكاً يفضي إلى ترك ما دلت عليه نصوص الكتاب العزيز والسنة الصحيحة الثابتة يفضي إلى نتائج خطيرة منها:
1-عدم القدرة على الرجوع إلى المصادر الأصلية وهي الكتاب والسنة عند تجدد القضايا باختلاف الأزمنة والأمكنة، وبالتالي تكون الأمة أمة مفلسة من الرصيد العلمي، ولا شك أن في ذلك تعطيل لهذين المصدرين والاكتفاء عنهما بأقوال الرجال التي كثير منها حلول وقتية أملتها ظروف معينة، وهي نابعة من فكر محدود لا يؤمن عليه الخطأ والنسيان، بخلاف الكتاب والسنة فإنه لا ينضب معينهما ولا يأفل نورهما، وعندما تتعطل هذه المصادر تجد الأمة نفسها مدفوعة إلى الحل الأجنبي المستورد.
__________
(1) هذه الأقوال كلها دالة على أن منهج الأصحاب هو التعامل المباشر مع النص خارج الدوائر المذهبية والتأريخية.
(2) رواية الحديث عند الإباضية ص10-13، صالح بن أحمد البوسعيدي، الطبعة الأولى. (1/18)
صفحة 19
2-الركود العقلي والجمود الفكري بسبب الخمول الذهني الذي سببته عقلية التقليد، وبهذا يصبح العقل جامداً غير قادر على استنباط الحلول للقضايا المتجددة ولا إمداد الحياة والواقع بالحلول الإسلامية المستمدة من أصفى ينابيع الحق، لأنه لم يمارس المران العقلي القائم على أصول صحيحة، بل حجر عليه مثل هذا المران فتنزل رتبته إلى الحضيض، فتضيع بذلك رؤيته الصحيحة للأمور ويصبح مهيئا لقبول الفاسد من الأفكار، وما موقف الذين عارضوا الباروني باشا (1)
__________
(1) هو سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني، واحد من ألمع قادة الجهاد الإسلامي في ليبيا أيام الغزو الإيطالي ، وكان له دور كبير في توجيه سياستها خلال العقد الثاني من القرن العشرين.
ولد سليمان الباروني سنة 1287هـ/ 1870م في مدينة (جادو) من أعمال جبل نفوسة الواقع إلى الجنوب من مدينة طرابلس الغرب في ليبيا.
وعند بلوغه الثامنة عشرة من عمره، بعثه أبوه إلى تونس حيث تلقى العلوم العربية والشرعية في جامع الزيتونة على يد كبار علماء زمانه. ولبث في تونس خمس سنوات، بعدها ارتحل إلى مصر فدرس في الأزهر ثلاث سنوات، ثم غادرها إلى الجزائر، وبالتحديد إلى منطقة وادي ميزاب ليستكمل علومه على يد الإمام العلامة محمد بن يوسف اطفيش المعروف بقطب الأئمة.
عاد سليمان الباروني إلى وطنه عام 1898م، ومن هذا التأريخ بدأت محنته الشهيرة ، إذ سعى به الوشاة لدي الدولة العثمانية، فتم تفتيشه في طرابلس، وأوقف رهن التحقيق ثم حوكم، وحكم عليه بالسجن المؤبد، وهنا ثارت ثائرة الناس لما عرفوا من إخلاص الباروني وبراءته مما نسب إليه، وتسكيناً للخواطر أفرجت المحكمة عنه بكفالة.
ولكن المشكلة أثيرت مرة أخرى فألقى القبض عليه في عام 1900م وحكم عليه بالسجن خمس سنين، فقضى في السجن عاماً واحداً ثم خرج منه، وفي عام 1904م أسس في يفرن مدرسة أسماها المدرسة البارونية، وتولى الإشراف عليها والده الشيخ عبدالله الباروني، وأسس بجانب المدرسة مكتبة عامرة بشتى أنواع المخطوطات والكتب سماها المكتبة البارونية، ثم قذفت به المقادير إلى مصر، حيث أسس عام 1906م مطبعة أسماها ( مطبعة الأزهار البارونية ) تطبع شتى كتب التراث، وفي عام 1908م أصدر جريدته التي أسماها (الأسد الإسلامي).
وفي عام 1908م أصبح سليمان الباروني نائباً في مجلس المبعوثان بالآستانة عن ولاية طرابلس الغرب.وعندما غزت إيطاليا ليبيا عام 1911م، كان الباروني على رأس المجاهدين المناضلين لصد هذا العدوان الغاشم، وكانت له معهم صولات وجولات حتى عام 1916م عندما عينته الدولة العثمانية والياً على طرابلس الغرب، وفي هذه الفترة تفرغ لتنظيم الجبهة الداخلية، وحل المنازعات والمشكلات الداخلية وتنظيم القوات الطرابلسية، ثم أخذت تلك الكتائب تشن الغارات المنظمة على القوات الإيطالية.
وفي عام 1918م تم الإعلان عن قيام الجمهورية الطرابلسية وانتخب أربعة من رجال البلد أعضاء في مجلس الحكومة هم: سليمان الباروني ورمضان السويحلي وأحمد المريض وعبد النبي بن خير،كما انتخبوا مجلساً للشورى.وفي عام 1919م وبعد مفاوضات اتفق الطرابلسيون والطليان على (منح الشعب الطرابلسي دستوراً يخوله مباشرة حقوقه المدنية والسياسية، ويعطيه الحق في القيام بجميع واجباته الكبرى مثل الشعوب المتمدنة).
وفي نفس العام وضع القانون الأساسي (الدستور)، وعين بموجبه أعضاء مجلس حكومة القطر الطرابلسي وهم ثمانية،لم يكن من بينهم سليمان الباروني الذي اعتذر عن الدخول في المجلس، وما لبث الباروني أن غادر طرابلس إلى الآستانة في نوفمبر من نفس العام، ولكن صادف قدومه التغييرات الهائلة في بنية الخلافة العثمانية من أثر الانقلاب الكمالي، فعاد أدراجه إلى طرابلس.
وفي عام 1922م أجبرته السلطات الإيطالية على مغادرة طرابلس فتوجه صوب الآستانة، وهناك وجد أن الانقلاب الكمالي قد أتى على البقية الباقية من الدولة العثمانية. وحاول الباروني السفر إلى بلاد الشام أو مصر، ولكن السلطات الفرنسية والإنجليزية منعته من ذلك، فاجتاز رومانيا في طريقه إلى أوروبا وفي باريس اكتشفت السلطات الفرنسية أمره فمنعته من مغادرة البلاد، ولكنه استطاع مغادرتها بحيلة، وأبحر إلى تونس ولكن السلطات الفرنسية لم تسمح له بالنزول فيها فرجع إلى مرسيليا.
وفي عام 1924م غادر فرنسا بعد شفاعة الشريف حسين له لدى الفرنسيين، واستقر به المقام في عمان، وظل يتنقل بينها وبين العراق حتى وفاته عام 1940م في الهند أثناء رحلة علاجية.
وفي عمان تقلد عدداً من المناصب لدى الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إمام عمان، ومارس منهجاً إصلاحياً، وقدم للبلاد مشاريع وأفكار سبقت عصرها، ولم يكتب له النجاح فيها بسبب عوامل لا مجال لذكرها الآن. راجع (سليمان الباروني في أطوار حياته، أبو اليقظان إبراهيم). (1/19)
صفحة 20
في سياسته الإصلاحية إلا مثال على صحة ما نقول، وما جرأهم على ذلك إلا العزلة عن العالم والانكفاء على الذات، وغياب النظرة الشمولية عن أذهانهم، وكل ذلك سببه هذا الركود والجمود الفكري.
3-محاربة الفكر الأصيل القائم على القراءة الصحيحة للمنهج من مصادره الأصلية الكتاب والسنة لمجرد مخالفته ما عليه الآباء والأجداد وفلان وفلان من الأئمة والعلماء، وكأن الأصل أصبح كلام البشر والفرع الكتاب والسنة؟!!، وهذا شيء لا يستغرب فإن من ساءت أفكارهم وتكدرت فطرهم معادون لكل ما هو غير مألوف في حياتهم.
4-رواج بضاعة البدع والخرافات في سوق المقلدين المعرضين عن كتاب رب العالمين وسنة النبي الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، ونجد هذا بوضوح تام في سلوك الطرقيين من المتصوفة الذين ابتعدوا بطرقهم السلوكية عن الفقه الصحيح، فجاءت طقوسهم مزيجاً عجيباً من الخرافات والبدع التي لا يقرها شرع أو دين كالنذر للقبور والرقص والغناء والموالد التي ترتكب فيها المنكرات العظيمة، وتكمن الخطورة عندما نعلم أن التصوف هو بضاعة التدين الرائجة في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وانظر الكتاب النقدي القيم تلبيس إبليس (1)
__________
(1) قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص 264 ط دار القلم -بيروت: (وفيهم من همت نفسه إلى الفاحشة فقتل نفسه. حدثني أبو عبد الله الحسين ابن محمد الدامغاني قال: كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلى بحدث فلم يملك نفسه أن دعته إلى الفاحشة فراقب الله غز وجل ثم ندم على هذه الهمة، وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى بنفسه إلى الماء وتلا قوله تعالى: { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } فغرق في البحر.
قال المصنف رحمه الله : انظر إلى إبليس كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمر وإلى إدمان النظر إليه إلى أن مكن المحبة من قلبه إلى أن حرضه على الفاحشة، فلما رأى استعصامه حسن له بالجهل قتل نفسه فقتل نفسه، ولعله هم الفاحشة ولم يعزم، والهمة معفو عنها لقوله عليه السلام: عفي لأمتي عما حدثت به نفوسها، ثم إنه ندم على همته، والندم توبة فأراه إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو إسرائيل فأولئك أمروا بذلك بقوله تعالى: { فاقتلوا أنفسكم } ، ونحن نهينا عنه بقوله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } فلقد أتى بكبيرة عظيمة، وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً فيها أبداً" ). (1/20)
صفحة 21
للإمام ابن الجوزي ومجموع الفتاوى لابن تيمية المجلد الحادي عشر في السلوك والتصوف لتدرك ماذا فعل التصوف البدعي (1) بالأمة الإسلامية؟!!.
5-التخلف في العلوم التطبيقية والنظرية ، وكيف تستطيع عقول جامدة راجت الخرافة والبدعة بين أظهرها أن تستلهم قراءة كتاب الكون الذي دعا إليه القرآن الكريم في أوائل الآيات التي أنزلت على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟، قال تعالى { اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق } العلق الآيات1-2.
3- التهوين من قيمة العمل وسيادة الفكر الإرجائي (الذين آمنوا وعملوا الصالحات ).
إن العمل ركن ركين وأساس متين في بناء الإيمان، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد قرنه بالإيمان في كثير من آيات الكتاب العزيز، وهذا الشيء لا يمكن أن يختلف فيه أحد، وقد نقل عن كثير من السلف أن الإيمان قول وعمل، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ وهؤلاء هم أهل الإرجاء. (2)
إن القول بأن الإيمان مجرد كلمات تتشدق بها الألسن يحول الفكر إلى مجرد نظريات خاوية الروح لا تستطيع أن تفرض نفسها على واقع الحياة، بل إن الناس عندئذ يستهترون بالمنهج استهتاراً يفضي بهم إلي التحرر من قيوده دون أدني شعور بالندم والرغبة في التوبة والإقلاع عن الذنب، بل لا يجدون الطاقة المحركة للخير عندهم والتي تدفعهم إلى الاستعلاء عن اللذات والشهوات المحرمة، فيصبح حال أحدهم كما قال الشاعر:
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني ... فكيف لي بهوى اللذات والدين
ورغم ما ورد في كتاب الله عز وجل من التحذير من الاغترار بالأماني الكاذبة، فإن الكثير سلك هذا المسلك بالفعل ووجه ضربة قاصمة للعمل عبر عنها ناظمهم بقوله
__________
(1) وراجع كذلك كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين لماجد الكيلاني، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
(2) علق الأستاذ خميس بن راشد العدوي على هذه العبارة بقوله: (وهؤلاء هم منبت الإرجاء الذي طغى بعد ذلك بفعل دعمه من السلطة الحاكمة آنذاك). (1/21)
صفحة 22
من عصى ولم يتب من ذنبه ... فأمره مفوض لربه
وأين هذا من قوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } النساء 123، وقوله تعالى عن اليهود: { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } الأعراف169.
قال مجاهد ـ وهو من التابعين ـ في تفسير الآية (لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالاً كان أو حراماً ويتمنون المغفرة) (1) .
إن التعلق بمثل هذه الأوهام قد أضر بالأمة إضراراً بالغا وجرأها على التحرر من الأخلاق والفضيلة والانغماس في مستنقعات الرذيلة حتى غدت أمة مزدراة في عيون أعدائها، وفقدت مصداقيتها فيما تدعو إليه بسبب سلوكها المخالف لأقوالها، ولا عجب إذن أن نعاني من الأزمات الفكرية وما صاحبها من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية، ونحن نعاني انفصاماً بين القول والعمل، والعمل هنا بمعناه الشامل صنو الإيمان هو سلوك يترجم عن نية حسنة وقد يكون صناعة أو إدارة وقد يكون قتالاً أو سلماً، إنه مسلك غير محدود لباعث واحد هو رضا الله.
__________
(1) تفسير القرآن العظيم (2/365)، ابن كثير، ط مؤسسة الريان بيروت. (1/22)
صفحة 23
إن أدواء الأمم السابقة قد تسربت إلينا من حيث لا ندري، ووجدنا أنفسنا نقول كما قالت اليهود: { سمعنا وعصينا } البقرة 93، وكما حكى الله تعالى عنهم كذلك: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون - ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون - فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } آل عمران الآيات 23-25، قال ابن كثير في تفسيره: ( أي إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق وافترائهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة في الدنيا يوماً) (1) .
وقد تنبه لخطورة هذه الأفكار بعض من العلماء والمفكرين المعاصرين فنفضوا غبار التقليد عن عيونهم فجاءت كلماتهم مضيئة مشرقة وإليك أيها القارئ بعضاً منها:
? يقول الأستاذ الإمام محمد عبده فيما نقله عنه تلميذه السيد محمد رشيد رضا في تفسير قول الله عز وجل: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة 275.
:(
__________
(1) تفسير القرآن العظيم (1/465)، ابن كثير، ط مؤسسة الريان بيروت. (1/23)
صفحة 24
أما نحن فنقول ما كل ما يسمى إيماناً يعصم صاحبه من الخلود في النار، الإيمان إيمانان، إيمان لا يعدو التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه، ومجاراة أهله، ولو بعدم معارضتهم فيما هم فيه، وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين على يقين بالإيمان متمكنة في العقل بالبرهان، مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الإرادة المصرفة للجوارح في الأعمال، بحيث يكون صاحبها خاضعا لسلطانها في كل حال إلا ما يخلو عنه الإنسان من غلبة جهالة أو نسيان، وليس الربا من المعاصي التي تنسى، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود في سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمداً إيثار لحب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والمصالح، وأما الإيمان الأول فهو صوري فقط، فلا قيمة له عند الله تعالى، لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب الله تعالى كثير جداً، وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدعون اتباع السنة حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين، وإن لم يعمل به، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم ، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إنني لا أنكر إنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام، وقد فاته بأنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد، وبأنه يرضى أن يكون محارباً لله ورسوله، وظالماً لنفسه وللناس كما سيأتي في آية أخرى، فهل يعترف بالملزوم أم ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ نعوذ بالله من الخذلان) (1) .
__________
(1) تفسير المنار (3/98 ـ99)، رشيد رضا، ط دار الفكر. (1/24)
صفحة 25
? ويقول تلميذه السيد محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } آل عمران 24.
... :( لعل المراد بعبارة الآية أنهم كانوا يعتقدون أن الإسرائيلي إذا عوقب فإن عقوبته لا تكون إلا قليلة، كما هو اعتقاد أكثر المسلمين اليوم، إذ يقولون إن المسلم المرتكب لكبائر الإثم والفواحش إما أن تدركه الشفاعات، وإما أن تنجيه الكفارات، وإما أن يمنح العفو والمغفرة بمحض الفضل والإحسان، فإن فاته كل ذلك عذب على قدر خطيئته ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وأما المنتسبون إلي سائر الأديان، فهم خالدون في النار كيفما كانت حالهم، ومهما كانت أعمالهم، والقرآن لا يقيم للانتساب إلى دين ما وزناً، وإنما ينوط أمر النجاة من النار والفوز بالنعيم الدائم في دار القرار بالإيمان الذي وصفه وذكر علامات أهله وصفاتهم وبالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، مع التقوى وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن. (1/25)
صفحة 26
وأما المغفرة فهي خاصة في حكم القرآن بمن لم تحط به خطيئته، وأما من أحاطت به حتى استغرقت شعوره، ورانت على قلبه فصار همه محصوراً في إرضاء شهوته، ولم يبق للدين سلطان على نفسه { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة 217، لهذا يحكم هذا الكتاب الحكيم بأن من يجعل الدين جنسية وينوط النجاة من النار بالانتساب إليه أو الاتكال على من أقامه من السلف فهو مغتر بالوهم مفتر، يقول على الله بغير علم ، كما قال الله تعالى: { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } آل عمران 24، أي بما زعموا من تحديد مدة العقوبة للأمة في مجموعها، وهذا من الافتراء الذي كان منشأ غرورهم في دينهم، ومثله لا يعرف بالرأي ولا بالفكر لأنه من أمر عالم الغيب فلا يعرف إلا بوحي من الله، وليس في الوحي ما يؤيده ولا يوثق به إلا بعهد من الله عز وجل، ولا عهد بهذا، وإنما عهد الله هو ما سبق من سورة البقرة { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون - بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون - والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } البقرة الآيات 80-82) (1) .
__________
(1) المرجع السابق (3/267 ـ 268). (1/26)
صفحة 27
? ويقول الأستاذ محمد قطب عند حديثه عن مفهوم لا إله إلا الله وتفسيرها الاعتقادي والعملي: ( ولكنها ظلت خلال القرون المتوالية تضمر تدريجياً في حس الناس وظل مفعولها يضمر في داخل النفوس وواقع الحياة، حتى أصبحت في النهاية لا تعمل. وإنما تقال فقط ، ثم تجري الحياة بعد قولها في مجراها الذي تسوقها إليه الظروف، كمن يضع في طريق التيار حاجزاً يريد به ضبط التيار أو تحويله، ولكن الحاجز مملوء بالثقوب، فهو قائم ولكنه لا يصنع شيئاً، والماء يجري من خلاله كأنه غير موجود، أو كورقة العملة المزيفة، تحمل ذات الألفاظ والرسوم التي تحملها الورقة الحقيقية، ولكنها لا تغني صاحبها، ولا تشتري له شيئا من السوق، إن لم تعرضه للعقاب وللخزي لأنها ورقة بلا رصيد) إلى أن قال: ( ويجيء الفكر الإرجائي فيواكب هذا التخلف العقدي المهلك، ويتسع تدريجياً مع كل تخلف جديد على أساس قاعدته العظمى انه لا يضر مع الإيمان شيء، وأن الإيمان هو التصديق، أو هو الإقرار والتصديق، وأن العمل خارج من مسمى الإيمان) (1) .
__________
(1) واقعنا المعاصر ص 166 -167، محمد قطب ،ط مكتبة الصحابة. (1/27)
صفحة 28
? ويقول الشيخ محمد الغزالي: (وهناك ألوف مزقت المعاصي صلتهم بالله شر ممزق، وظلت أهواؤهم تجمح بهم بعيداً عن الله حتى نسوا الله أتم نسيان، فلو قارنت بين ضمائرهم وضمائر أهل الجاهلية الأولى، ما وجدت فرقاً بين جحود وجحود، وكنود وكنود !!، إلا أن هؤلاء نطقوا بكلمة التوحيد ولم يفهموها، وأولئك فهموها ولم ينطقوا بها) إلى أن قال: (ما كانت كلمة التوحيد نبتاً مشلولاً في تربة خبيثة، لكنها نبت تمتد أصوله في القلب الخصب، وتظهر آثارها ظلالاً وارفة وثمرات شهية، تظهر أعمالا طلبها الإسلام أكدها وربط وجوده بنمائها ووفرتها { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء - تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } إبراهيم الآيات 24- 25 (1) .
وقال:(وانظر إلى قوله تعالى { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة 81، فإن إحاطة الخطيئة بالفاسدين تتأتى على مر الليل والنهار وهم يتقلبون في مهاد الخزي والعار، فهيهات أن يكون لهم إلا النار وبئس القرار، أما تفسير كلمة (سيئة) في الآية بأنها الشرك، وعبادة الأصنام، فلا معنى له، فإن سياق الآية في مخاطبة أحبار اليهود، واستعمال اللغة، واصطلاح الشارع ذلك كله ينفي هذا التأويل الذي لا مبرر له) (2) .
? يقول الدكتور مصطفى محمود في كتابه الشفاعة: ( القرآن ينفي إمكانية خروج من يدخل النار في الكثير والعديد من آياته؛ من الكفار ومن المسلمين أيضاً.
{ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } المائدة 37
وقيلت في الكفار.ويقول أهل النار في سورة المؤمنون:
{ ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون - قال اخسأوا فيها ولا تكلمون } المؤمنون 107-108
وقيلت في الكفار.
وعن الكفار أيضاً في سورة البقرة:
{
__________
(1) عقيدة المسلم ص139، محمد الغزالي، ط دار القلم .
(2) المرجع السابق ص156. (1/28)
صفحة 29
كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } البقرة 167 ولكن القرآن يعود فيقول نفس الكلام عن المسلمين المنافقين:
{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً } النساء 145، ويقول عن عصاة المسلمين:
{ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } النساء 14
ويقول عن الظالمين؛ والظالمون فيهم المسلم الظالم والكافر الظالم: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } غافر 18
ويقول عن قاتل النفس ويدخل فيه المسلم وغير المسلم: { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } النساء 93
ويقول الله لمحمد عليه الصلاة والسلام في سورة الزمر: { أفمن حق عليه العذاب أفأنت تنقذ من في النار } الزمر 19
(والكلام لرسول الله مباشرة في استفهام استنكاري).والله ينكر على رسوله أن يقول مثل هذا الكلام عن أهل النار ممن حقت عليهم كلمة العذاب من كفار أو مسلمين.
كما ينكر الخروج من النار على من كتب عليهم بدخولها.. فكل من يدخل النار تتأبد إقامته فيها، ولا يوجد في القرآن حكاية التعذيب لأجل محدود في جهنم ولا فكرة (المطهر) التي نقرأها في كتب إخواننا المسيحيين.. يقول ربنا في الآيات 80-81 من سورة البقرة: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، قلت اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون - بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته (وهو كلام عن مسلمين) فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . (1/29)
صفحة 30
وفي سورة يونس الآيات 26-27 يتكلم عن الخطائين من المسلمين: { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } والمذنبون موضوع الآيات هم الذين أذنبوا ولم يتوبوا وتمادوا وانغمسوا في ذنوبهم حتى أحاطت بهم فهم أهل الإصرار والاستكبار والتفاخر بالذنوب.
وهذه الثوابت القرآنية تتناقض تماماً مع مرويات الأحاديث النبوية في كتب السيرة عن إخراج الرسول عليه الصلاة والسلام لمن يشاء من أمته من النار، مما يؤكد أن هذه الأحاديث موضوعة ولا أساس لها من الصحة، ولا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبي) (1) .
في عالم المرويات
إن التعامل مع النصوص الشرعية سواء كانت من الكتاب العزيز أو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ يحتاج إلى فكر متكامل يمتاز بالشمولية والدقة، والعلماء قد أشبعوا هذه القضايا بحثاً في مصنفاتهم العقدية والحديثية والأصولية والفقهية، والمهم هو حسن تطبيق هذا الفكر، ومن هذه القواعد لهذا الفكر:
1- حمل المتشابه على المحكم.
2- التعويل في باب الاعتقاد على النصوص القطعية الدلالة والثبوت.
3- رد النصوص الآحادية الظنية الثبوت متى ما خالفت النصوص القطعية الثبوت والدلالة، وهذا بالطبع يكون إذا لم يمكن الجمع بينها بوجه من وجوه الجمع المعروفة.
والآن وقد تقرر ذلك في أذهانكم هلم بنا إلى رحلة في عالم المرويات لنتعلم كيف نحسن تطبيق تلك القواعد.
__________
(1) الشفاعة ص31-34، مصطفى محمود، ط دار أخبار اليوم. (1/30)
صفحة 31
جاء في الحديث المتفق عليه من طريق أنس ابن مالك ـ رضى الله عنه ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على الرحل ، قال: (يا معاذ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثاً)، قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار). قال: (يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا)، وأخبر به معاذ عند موته تأثماً (1) .
كيف يمكن أن نفهم هذا الحديث؟، هل نقبله على ظاهره وننقض بناء الإسلام ونهدم أركانه ونهون من شأن العمل؟، أم نحاول أن نفهمه الفهم الصحيح في ضوء النصوص القطعية الثبوت والدلالة من كتاب الله عز وجل، وما أكد تلك النصوص من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الثابتة؟
لا شك أن المنهج الثاني هو منهجنا، والآن ما هو موقفنا من هذا الحديث؟
__________
(1) علق الأستاذ خميس العدوي على هذه الرواية فقال:( هذا حديث ينقض آخرُه أولَه، ودلائل وضعه :-
- ... معارضته لنصوص الكتاب العزيز.
- ... فيه كتم للعلم والشرع في قضية خطيرة جداً مع قوله تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } البقرة 159، وقوله تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } المائدة 67.
- ... مخالفة معاذ -رضي الله عنه- أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإخباره، وهذا طعن في هذا الصحابي الجليل، وعلى من يثبت هذا الطعن أن يسقط الرواية أصلاً.
ومع كل هذا وذاك، فهذه الرواية تبين بوضوح مدى الخبط واللبط والاضطراب والتناقض بين الروايات المثبتة لإخلاف الوعيد، إذ أنهم يثبتون الإخلاف بالكثير من الروايات، وهذا يدل على أنها لا توجد حتى موت معاذ -رضي الله عنه-، فانظر فإنه واضح ). (1/31)
صفحة 32
أولاً: يجب أن نعلم أن هذا الحديث آحادي فهو ظني الثبوت (1) ، أي لا يفيد القطع، ومثل هذه الآحاديات لا يمكن أن تستقل بإنشاء عقيدة، لأن العقيدة ما انعقد عليه القلب فلا يمكن أن تبنى العقيدة على الظن. (وهذا هو مذهب جمهور الأمة كما حكاه عنهم النووي في شرحه على صحيح مسلم وفي المجموع، وإمام الحرمين في البرهان، والسعد في التلويح، و الغزالي في المستصفى، وابن عبد البر في التمهيد، وابن الأثير في مقدمة جامع الأصول، وابن السبكي في جمع الجوامع، والصنعاني في إجابة السائل، وغيرهم كثير) (2) .
ثانياً: دلت النصوص القاطعة من كتاب الله عز وجل على أهمية العمل ومنزلته العظيمة في بناء صرح الإيمان، وتوعدت من ضيعه بالعذاب الشديد في الآخرة ومن تلك النصوص:
? قوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } النساء 132.
? قوله تعالى: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } غافر 18
? قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } الأنبياء 28
__________
(1) لا يفيد الحديث الآحادي القطع لكنه يفيد العمل، وعدم إفادته القطع يرجع إلى:
-أن أخبار الآحاد مما يحتمل الصدق والكذب واحتمال الصدق أرجح من الكذب ومع هذا الاحتمال لا يمكن القطع.
-أن التحسين والتصحيح والتضعيف من الأمور الظنية لاحتمال أن يكون الواقع بخلافه.
-لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران لأن العلمين لا يتعارضان ولكنا وجدنا في أخبار الآحاد التعارض.
- شيوع الرواية بالمعنى عند أكثر الرواة، والرواية بالمعنى لا يؤمن معها الغلط.
- احتمال الخطأ والنسيان والذهول عند رواة الآحاد، بل وحتى الكذب إذ أن حكمنا على شخص ما بأنه عدل حكم بالظاهر لاحتمال أن يكون الواقع بخلافه.. الخ.
(2) السيف الحاد ص8، الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، الطبعة الثالثة. (1/32)
صفحة 33
?? قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } النساء 93 .
? قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون - والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يونس الآيات 26-27.
? قوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم - وإن الفجار لفي جحيم - يصلونها يوم الدين - وما هم عنها بغائبين } الانفطار الآيات 13-16.
?? قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً } الجن 23.
وغيرها من الآيات الكثيرة والتي أيدتها كثير من النصوص النبوية الصحيحة الثابتة، وعلى هذا فإنه من المستحيل أن يشغب ذلك النص الآحادي على تلك النصوص القاطعة، ولكن يمكن فهمه في ضوئها، ولذلك نقل عن الإمام الحسن البصري قوله في مثل هذه الأحاديث (في من أدى حقها وفرضيتها)، وهذا الفهم للإمام الحسن ناشئ من فهمه العميق أن كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) لها تفسيران:
-اعتقادي.
-وعملي.
وهذا التفسير العملي مأخوذ من قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الإمام الربيع والشيخان من طريق ابن عمر -رضى الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله). (1/33)
صفحة 34
وفي رواية أخرى (فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) فمن هذا الحديث يعلم أن الشهادة قاعدة الإيمان وأساس الإسلام، وأن الإسلام له حقوق لا بد منها للمسلم، وما هذه الحقوق إلا ترجمة عما تضمنته الشهادتان اللتان يقوم عليهما نظام حياة المسلم، وأن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين، وبعد هذا كيف يمكن أن يعتد بظواهر هذه النصوص الآحادية مع ورود العشرات من النصوص القاطعة من الكتاب العزيز وما يؤيدها من السنة النبوية تربط الإيمان أوثق رباط بالعمل؟!.
ومثل ذلك يقال في حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام مسلم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي هريرة: (يا أبا هريرة ـ وأعطاني نعليه ـ قال (اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة)، فكان أول من لقيت عمر ، فقال: (ما هاتان النعلان يا أبا هريرة فقلت: (هاتان نعلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي، فخررت لأستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكاه ما كان من أمر عمر بن الخطاب، فقال عمرـ رضى الله عنه: (بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة)، قال: نعم، قال عمر: (فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون)، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (فخلهم) (1) ،
__________
(1) علق الأستاذ خميس العدوي على هذه الرواية فقال: ( وما قلناه عن الحديث السالف نقوله هنا مع الآتي :
- ... رفضُ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
- ... طعنٌ في رسول - صلى الله عليه وسلم - المعصوم -حاشاه- بأنه لا يعرف دقائق التشريع.
- ... رضوخ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمر في التشريع -حاشاه-.
ومع كل ذلك، فهذه الرواية أشبه بمسرحية هزلية، الرسول - صلى الله عليه وسلم - وراء الحائط يخبر أبا هريرة بهذا الكلام المناقض لكتاب الله تعالى والهدي الذي يعلمه أصحابه، وفي هذه اللحظة وهذا المكان يقرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي سرية ومن وراء الجُدُر والحوائط أن ( يمنح الأمة كرامة فعل المعاصي). ثم يكون خاتم الرسالة النبوية النعال، ثم إتماماً للمشهد الهزلي يلقى أبو هريرة عمر ويخبره، ويحدث الموقف المضحك، يضرب عمر أبا هريرة ضربة قوية بين ثدييه ويقع على أسته، ولابد أننا نتصور حركة أقدام، ونسمع صوت الارتطام، ثم النهوض بعد التعثر والوجع، ثم الشكوى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر المسرحية، حاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته عن هذا الهراء الذي لا يستقيم عن عوام الناس فضلاً عن خاصتهم وفيهم سيد الثقلين فداه وفدى شرعه أبي وأمي ونفسي). (1/34)
صفحة 35
فإن قوله: (مستيقناً بها قلبه) لا يتأتى إلا عندما تحجزه عن محارم الله، وموقف عمر بن الخطاب مع أبي هريرة كان بسبب الخوف من سوء الفهم لتلك العبارات من بعض أولي النظر الجزئي، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجهة نظره فوافقه عليها، وهذا الفهم العمري المسترشد بالتوجيه النبوي ينبغي أن يتبع عند إلقاء مثل هذه المرويات للعوام وإلا كانت النتيجة خراب الدنيا وضياع الآخرة.
4 ـ غياب النظرة الشمولية وسيادة النظر الجزئي (وزنوا بالقسطاس المستقيم).
إن تعاليم الإسلام نسيج متشابك ملتحم مع بعضه البعض، تختلط فيه العقيدة مع العبادة مع الأخلاق مع أنواع المعاملات المختلفة، ولو نظرنا إلى سورة كسورة الطلاق نجد أن نصفها الأول في أحكام الطلاق والنصف الثاني مباشرة يبدأ بقوله تعالى: { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذابا نكراً - فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً } الطلاق 8-9، وما صلة هذا الكلام بأحكام الطلاق، ووضع الأسرة ومناشدة الناس الرفق بالنساء { وأتمروا بينكم بمعروف } الطلاق 6، من خلال السرد القرآني يفهم أن تدمير الأسرة هو فتح باب الشر على المجتمع كله (1) ، فالنظرة الشمولية هي النظرة الصحيحة التي يجب أن تسود ثقافتنا وتحكم تقويمنا للأمور، وإلا كان حالنا كالعميان مع الفيل الذين لمسوا أجزاء متفرقة من الفيل فظن كل واحد منهم أنه عرف الفيل حق المعرفة، والنظرة الجزئية عندما تسود تنشأ ثقافة شلاء لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها في الحياة.
__________
(1) كيف نتعامل مع القرآن الكريم ص 160، محمد الغزالي، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي. (1/35)
صفحة 36
إن القرآن الكريم يعلمنا أصول هذه النظرة منذ الآيات الأولى التي نزلت على قلب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم - اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم - الذي علم بالقلم - علم الإنسان ما لم يعلم - كلا إن الإنسان ليطغى } العلق 1-6، فالأمر بالقراءة أولاً، وكون هذه القراءة باسم الله، وليست ثقافة مجردة من الإيمان وقيمه، وهذه القراءة لها هدفان: الله الذي خلق فهنا ربطت القراءة بتكوين الإنسان من علق، وهذه قراءة في كتاب الكون المفتوح لاكتشاف أسراره وفهم نواميسه وهي من الطرق الموصلة إلى الإيمان واليقين، والقراءة الأخرى في الوحي المسطور والكتاب المنشور الذي هو وحي كامل يستجيب لما كان من حالات تاريخية سابقة، ويستمر باتجاه المستقبل عبر مختلف العصور قال تعالى: { والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير - ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } فاطر 31-33، ثم تدخل الآيات بعد ذلك في قضية اقتصادية واجتماعية، وهي طغيان الإنسان عندما يترف وينعم ويجيئه المال { كلا إن الإنسان ليطغى } العلق 6، هذه المعاني المتباعدة في ظاهرها هي القرآن الذي يكون مائدة متماثلة في ما ذهب من حقائق الحياة وعناصرها لمن يسمع ويعقل. (1/36)
صفحة 37
وما منهج العلماء في تقعيد القواعد وتأصيل الأصول لتكون فكراً متكاملاً شاملاً لفهم النصوص وللتعامل مع قضايا الحياة إلا تحقيق لهذه الشمولية ونأي عن النظر الجزئي، وما علوم النحو والتفسير وأصول الفقه ومصطلح الحديث إلا أساسات متينة في بناء هذا الفكر، والمهم هو حسن إسقاط هذه القواعد على النصوص لاستخراج الحقائق، ولكن يا للأسف الشديد عندما نعلم أن البعض قد تنكب عن هذا الطريق ونأى بنفسه عن هذا المنهج، وسلك متاهات مظلمة، ويعود هذا الأمر إلى عوامل كثيرة ذكرنا بعضها،المهم أن هذا اللون من التفكير قد أضر بواقعنا إضراراً بالغاً، ولا شك أن شلل التفكير ينعكس أثره على واقع الحياة، ولا بأس بذكر بعض الأمثلة على الجزئية في النظر وعدم القدرة على الوصول إلى شموليته:
1ـ موقف البعض من العلوم التطبيقية والنظرية: وقد ذكرنا أن هذا الموقف يرجع إلى ثقافة أملتها ظروف معينة، ولكن كل ذلك لا يبرر الموقف المعادي (1) لبعضهم لهذه العلوم التي نعتبرها علوما قرآنية، والذين درسوها هم منطلقون من فهم لآيات القرآن العظيم في النظر والتدبر لعظمة الخلق والأمر بالسير في الأرض وسبر أغوار هذا الكون الفسيح، ورغم ذلك وجدنا أناساً لهم أقدام راسخة في العلم يقفون منها موقفاً عجباً واكتفي هنا بنقلين عن عالمين أحدهما مفسر ومحدث، والآخر له إلمام بالعلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية بل هو أحد الأعلام البارزة فيها.
__________
(1) المرجع السابق ص 71 ـ 72 مع زيادة وتصرف. (1/37)
صفحة 38
? قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: { إنما أوتيته على علم عندي } القصص 78 :( أي أنه كان يعاني علم الكيمياء، وهذا القول ضعيف ،لأن علم الكيمياء في نفسه باطل، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل قال الله تعالى: { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له } الحج 73، في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله: ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة)، وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى (1) ، هذا زور ومحال، وجهل وضلال وإنما يقدرون على الصنع في الصورة الظاهرة وهي كذب وتمويه.. الخ).
إلى أن قال: (ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون.. الخ) (2) .
__________
(1) لا شك أن كلام الحافظ ابن كثير ليس له أدنى نصيب من الصحة، وإقحام النصوص الشرعية في هذه القضية لا معنى له، ولو تيسرت للحافظ ابن كثير فرصة الاطلاع على مبادئ علم الكيمياء لعلم أن التفاعلات الكيميائية لا تلغي ماهية المواد بل تحفظها في نواتج التفاعل في صورة مركبات أخرى.
(2) تفسير القرآن العظيم (3/525-526)، ابن كثير، ط مؤسسة الريان بيروت (1/38)
صفحة 39
? قال ابن خلدون في مقدمته: ( فصل في إنكار ثمرة الكيمياء واستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد عن انتحالها: اعلم أن كثيراً من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على انتحال هذه الصناعة، ويرون أنها أحد مذاهب المعاش ووجوهه وإن اقتناء المال منها أيسر وأسهل) (1) إلى أن قال: (وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما يزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان ومسلمة ابن أحمد المجريطي وأمثالهم، فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعي، وليس كلامهم من منحى الطبيعيات، إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق) (2) .
2ـ الفهم الخاطئ لبعض الأحاديث التي يوهم ظاهرها التجسيم والتشبيه، ولنضرب مثالاً على ذلك الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (خلق الله آدم على صورته)، فجاء هؤلاء وأثبتوا لله بزعمهم صفة تسمى صورة، وهذا الزعم منشأه أمور منها:
__________
(1) مقدمة ابن خلدون ص482-484، عبد الرحمن بن خلدون، ط دار الكتاب العربي.
(2) المرجع السابق. (1/39)
صفحة 40
? تعويلهم على هذا الحديث الآحادي وهو كما أسلفنا لا يستقل بإنشاء عقيدة لأنه ظني الثبوت، فعلى هذا إما أن يرد لمخالفه ظاهره لآيات التنزيه القاطعة من كتاب الله عز وجل (1) كقوله تعالى { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } الشورى 11، وقوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } الإخلاص 4، والصور هيئة وتخاطيط وتآليف وتفتقر إلى مصور ومؤلف، وهذا يستحيل على الله سبحانه وتعالى.
وإما أن يؤول بوجه مقبول، وهذا الوجه دلت عليه الروايات الأخرى لهذا الحديث وهي:
? ما رواه أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد وابن أبي عاصم في سنته والبيهقي في الأسماء والصفات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل يضرب غلامه أو يزجره ويقول له: ( قبح الله وجهك ووجه من أشبهك)، فسمعه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:(لا تقبح الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، والضمير في (صورته) يعود على ذلك المضروب لأن وجهه على صورة آدم، لأن البشر صورهم على صورة أبيهم آدم.
__________
(1) هذا المنحى في التعامل مع هذا النوع من المرويات له أدلة قوية تسنده، ويكفي ذلك التشابه والنقل الحرفي لمتون هذه المرويات من أسفار أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهذا أحد أنماط تسرب الفكر الإسرائيلي إلى المسلمين، وأرجع القارئ للتوسع في دراسة هذه القضية الهامة إلى تحقيق السيد حسن السقاف لكتاب العلو للعلي الغفار للذهبي ط دار الإمام النووي عمّان. (1/40)
صفحة 41
? نزعة التشبيه التي تجعلهم يجنحون إلى التشبيه دوماً، وإلا فإنه على الرواية المجملة في الصحيحين (خلق الله آدم على صورته) (1) ، فإن الضمير في (صورته) كناية على اسمين ظاهرين، ودلت الأدلة القاطعة من كتاب الله عز وجل على أنه سبحانه ليس بذي صورة فبذلك يمكن أن يقال إن الضمير يعود على آدم، فيكون المعنى انه خلقه على صورته التي هو عليها لم ينقله من نطفة إلى علقة إلى مضغة كما هو الحال في بني جنسه من بعده. وعادت هذه النظرة الجزئية على المسلمين بنتائج خطيرة منها:
1ـ تعطيل طاقات وقدرات الأمة ببث الوهن واليأس في قلوب أبنائها، وما بث أحاديث الفتن والملاحم بين العامة، والفهم الطائش العشوائي لها إلا مثال على ذلك.
2ـ حرمان الأمة من التقدم في مجال العلوم النظرية والتطبيقية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب والهندسة والزراعة وغيرها مما أوقع الأمة في دوامة التبعية للأمم الأخرى، والمصيبة أن البعض مازال مصراً على تكرار الأخطاء السابقة، فيصدر الفتاوى بأن الشمس ثابتة لا تدور، وأن الأرض مسطحة، ويصدر الأحكام الرهيبة بالتكفير والتفسيق على من يقول بخلاف ذلك، ويأتي آخر لينظم لنا ألفية تضاهي ألفية ابن مالك فيقول في مطلعها:
والأرض قيل إنها كرة ... وقولهم هذا ما أكفره
وإفريقيا يا عالما بحالي ... تحد بالبحر من الشمال
وأقول إن لم تتوقف هذه السخافات فلا نلوم إلا أنفسنا إن ظللنا ذيلا للأمم.
لا يلام الذئب في عدوانه ... إن يك الراعي عدو الغنم
3ـ إفراز عقليات غير قادرة على القراءة الفكرية الصحيحة لمصادر المنهج وهما الكتاب العزيز والسنة الصحيحة الثابتة، ثم عدم القدرة على تطبيقها في واقع الحياة فتنشأ كل الازدواجيات في حياتنا.
__________
(1) جاء في العهد القديم في سفر التكوين الإصحاح الأول :(فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقها)!!. (1/41)
صفحة 42
4ـ غياب الفهم للسنن الإلهية في الأنفس والآفاق بسبب ما تفرزه هذه العقليات من جمود وتحجر وانكفاء على الذات وعدم القدرة على التفاعل الحضاري.
5ـ ضمور العلوم الإنسانية والاجتماعية كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ والتربية وغيرها، ولا شك أن هذه العلوم ونظرياتها هي التي تحكم الإعلام والسياسة والاقتصاد والفن والتعليم.
6ـ تكدير صفاء عقيدة التوحيد بما داخلها من التشبيه والتجسيم فيما يتعلق بصفات البارئ عز وجل، يقول الأستاذ أحمد أمين: (ويقول الشهرستاني في الكلام عن المشبهة ـ إنهم أجروا الأحاديث الواردة في ذلك على ما يتعارف في صفات الأجسام وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه السلام، أكثرها مقتبس من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع ،حتى قالوا في الله تعالى اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الجديد) (1) .
7ـ إحداث مزيد من التصدع في جدار وحدة الأمة الإسلامية (2) .
5- اختلال النسب والموازين في التعامل مع مصادر المنهج (وإن هم إلا يظنون ).
إن من الشمولية المطلوبة أن تكون النسب والموازين صحيحة في التعامل مع مصادر المنهج، فلا تتبع المتشابهات وتترك المحكمات، ولا يعول على الظنيات فيما أريد أن يستدل عليه بالقطعيات، ولا يعول على الأقيسة فيما وردت فيه النصوص الصحيحة الثابتة وهكذا يوضع كل شيء في موضعه الصحيح، بحيث لا تختل النسب والموازين، وقد أشبع العلماء هذه القواعد بحثاً في مصنفاتهم قديماً وحديثاً، والمهم كما قلنا حسن التطبيق على الواقع، ومن الأمثلة على اختلال النسب والموازين في التعامل مع مصادر المنهج:
__________
(1) ضحى الإسلام ( 1/355) ، أحمد أمين، ط مكتبة النهضة المصرية.
(2) ضحى الإسلام (3/161- 207 )، أحمد أمين، ط مكتبة النهضة المصرية. (1/42)
صفحة 43
1ـ التعويل على أخبار الآحاد- وهي التي لم تبلغ درجة التواتر- في باب الاعتقاد، وقد قلنا سابقاً إن الآحاد ظني الثبوت فلا يمكن أن يستقل بإنشاء العقيدة، لأن المطلوب في باب الاعتقاد عقد القلب على الثابت الذي لا يمكن أن يطرأ عليه في وقت من الأوقات خطأ ولا وهم، وذلك لا يمكن حصوله إلا بنص الكتاب والمتواتر من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بشرط أن تكون دلالة كل منهما نصاً صريحاً لا يحتمل التأويل، وما عدا ذلك لا يمكن الاعتماد عليه في باب الاعتقاد، ولا شك أن الاعتماد على أخبار الآحاد في مثل هذه القضايا الخطيرة يفضي إلى أن يتخبط الإنسان في مبادئه وعقائده خبط عشواء، فتراه يصوب اليوم من كان يفسقه بالأمس، وتراه في الغد يحكم بفساد ما اليوم يعتقده.
2ـ الفجوة المصطنعة بين مدرستي الفقه والحديث، فنلاحظ أن كثيراً من المشتغلين بالحديث لا يهتمون بالدراسات الفقهية والأصولية ولا يوجهون عنايتهم إلى علل الأحكام ومقاصد التشريع وعلل المتون الحديثية، في حين أننا نجد لدى كثير من المشتغلين بالفقه وأصوله ضعفاً ظاهراً في الحديث وعلومه ورجاله، حتى أنهم كثيراً ما يستدلون في كتبهم بالأحاديث الضعيفة أو التي لا أصل لها.
وقد شكا كثير من أهل العلم من هذه الجفوة بين المدرستين قديماً وحديثاً، وطالب بمد الجسور وردم الفجوة القائمة بينهما. (1/43)
صفحة 44
3ـ التعويل على الضعيف من الأخبار والآثار في واقع الحياة، فإذا ما صادفت تلك الأخبار واقعاً قائماً اعتمدت، ولم تجد الأدلة والبراهين على عدم صلاحيتها شيئاً لأنها رسخت في أذهان من اعتمدوها، ويظهر ذلك واضحاً جلياً في سلوك كثير ممن ينسبون إلى التصوف، فترى في سلوكهم رهبانية كالتي كانت عند النصارى، وترى نظرتهم إلى الواقع نظرة سلبية لا ينكرون منكراً ولا يقاومون شراً ومدار حياتهم على البطالة والكسل، باعتبار أن الفقر هو الأفضل للتخلص من التبعات الدنيوية، بل إنهم ينظرون إلى العلم نظرة ازدراء باعتباره يعوق السير إلى الله كما يزعمون... الخ، وفي كل ذلك تجدهم يستدلون بأخبار وآثار لم تصح، وإن صحت فهي على خلاف ما يزعمون، يروى عن بعضهم قوله متفاخراً بالخرق البالية التي يلبسها المتصوفة:
إذا طالبوني بعلم الورق ... برزت عليهم بعلم الخرق
وقد شن كثير من العلماء حملة شعواء على هذا اللون من التدين المغشوش، وألف فيه العلامة ابن الجوزي كتابه النقدي القيم تلبيس إبليس.
القضية الكبرى (1/44)
صفحة 45
إن القضية الكبرى في حياة البشر هي قضية العقيدة، إن كل انحراف وكل بلاء سببه البعد عن منهج الله، والمتتبع للتاريخ البشري يجد أن الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ما جاءوا إلا لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وتلقي التشريع من عنده سبحانه، قال الله تعالى { وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم } الأعراف 85، والله سبحانه وتعالى عد الشرك به أعظم الظلم { إن الشرك لظلم عظيم } لقمان 13، وهذا الكفر الذي ينسي الخالق يجعل الإنسان سبعاً كاسراً لا يبالي بما يصيب غيره من أذى من جراء أعماله قال الله تعالى: { والكافرون هم الظالمون } البقرة 254، لذا كان لزاماً على الناس أن يعوا أن قضيتهم الكبرى هي قضية العقيدة وتصحيحها إذ لا يصلح المصب ما دام المنبع آسناً.
فكر الأزمة
? إن المشروع التغريبي اللاديني قد باء بالفشل بكافة مدارسه، وكانت النتيجة أرقاماً مخيفة من البؤس والشقاء الذي تعانيه البشرية من جراء سيادة حضارة الرجل الأبيض. (1/45)
صفحة 46
إن كثيراً من دول العالم على وشك الانفجار بسبب الأوضاع المهينة التي تعيشها، بل إن بعضها لم يبق لديه سوى أن يعلن إفلاسه ليقوم نادي باريس أو صندوق النقد الدولي بما يراه مناسباً لاستيفاء ربا الديون فحسب، إن هذا المشروع الذي ساد العالم وأصبح متحكماً في مصائر أبنائه لا يعرف الرحمة أو الشفقة أو الإنسانية، وهذا بسبب كفره بالله واليوم الآخر، ولذا فهو لا يستحق أن يقود البشرية، إنه يقود البشرية إلى الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة (إنهم دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها). وحقيقة لست بصدد الإطالة في نقد هذا الاتجاه ومدى صلاحيته فهو بمثابة الأقوال الباطلة التي لا ينبغي الاشتغال بها، فبطلانها واضح جلي ظاهر غير خفي، ومما هو جدير بالذكر أن الكاتب الأميركي (فرانسيس فوكوياما) عندما ألف كتابه المثير للجدل نهاية التاريخ، والذي خلاصته أن التاريخ قد توقف عند الحضارة الغربية التي سوف تبقى إلى نهاية العالم، عندها انهالت الردود على هذا الكاتب من كثير من الكتاب والعلماء من مختلف الاتجاهات والتخصصات يسفهون رأيه ويدمغونه بالجهل والغباء والحمق، إنهم الآن يؤمنون بحتمية سقوط هذا المشروع الضخم وأدبياتهم المعاصرة تصرح بهذا، في حين أن كثيراً من الحمقى عندنا مازالوا يعيشون على أوهام هذا الحلم.
? المشروع الذي يلبس عباءة السلفية ويتمسح بآثارها، وهذا المشروع يعتمد على الجدال والخصومة فيما يختص ببعض مسائل الاعتقاد كمسألة الأسماء والصفات التي يذهب فيها إلى التجسيم والتشبيه ويدمغ معارضيه بالإلحاد والكفران عبر عنها ناظمهم قديما بقوله:
والمشركون أخف في كفرانهم ... وكلاهما من شيعة الشيطان
إن المعطل بالعداوة قائم ... في قالب التنزيه للرحمن
وينسب كل هذا إلى سلف الأمة ، وحقيقة إن هذا الاتجاه لا يصلح لقيادة سفينة الحياة لأسباب منها: (1/46)
صفحة 47
1ـ أنه يفهم السلفية على أنها بعض القضايا في علم الكلام أو الفقه، ونسي أو تناسي أن السلفية نزعة عاطفية تعمق الولاء لهذا الدين وتعلي كلمته وتحفظ نهجه، آخذة في ذلك بحجز النصوص الشرعية، ثم إنه ـ أي الاتجاه المنسوب إلى السلف ـ يلقي العباءة السلفية على من شاء، وإلا فما دخل السلفية بعلماء في القرن الثامن الهجري كابن تيمية وابن القيم!!، أو علماء في القرن الثاني عشر الهجري.
2ـ أن فهمه لمسائل العقيدة يتسم بالنظر الجزئي، والذي سبق أن قلنا إنه ليس منهجاً قرآنياً، وفكره فيه صلة وثيقة بالثقافات اليهودية والنصرانية وغيرها، ومن كان فكره يتسم بهذه الجزئية في النظر والتلفيق من الأفكار المنحرفة لا يصلح لقيادة سفينة الحياة.
3ـ أنه يحرص على غرس حب الجدل والخصومة في نفوس اتباعه بدلا من غرس اليقين ومعاني الإيمان الفاضلة، ولذلك شكا الكثير من أهل العلم ومن غيرهم من قسوة هؤلاء وغلظة أكبادهم وجفوة طباعهم، حتى غدت هذه الصفات مميزة لأتباع هذا الاتجاه، وهذه القسوة لعنة إلهية تهبط على رؤوس الناقضين للمواثيق والعهود الإيمانية قال تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية } المائدة 13.
4ـ أنه اتجاه جبري يحرص على الإبقاء على مظاهر الاستبداد السياسي مهما بلغت من الانحراف، ما دامت ترعى شئونه وتنفق عليه من خزائنها، ولذلك فإن من أدبيات هذا الاتجاه ضرورة التسليم لذلك الواقع وإن ُظلمت وُقهرت وأخذ مالك، في حين أنه يوجه كل إمكاناته الجبارة إلى طوائف المسلمين المختلفة ليدمغها بالكفر والإلحاد والزيغ والضلال والانحراف عن هدى السلف!!، بل إنه يحرض الاستبداد عليها ليبيدها عن بكرة أبيها لتقر عينه بذلك!!.
الخطوط العريضة (1/47)
صفحة 48
ترنو أنظار الكثيرين إلى الخلاص من الأوضاع المزرية التي تعيشها البشرية، ونفض الكثيرون أيديهم من الحلول المزورة والمغشوشة، واتجهت أنظارهم إلى الإسلام مخلصاً ومنقذاً، والإسلام بما يملكه من طاقات جبارة قادر على تغيير وجه الحياة ليحيلها إلى السعادة والاطمئنان الذي تنشده البشرية، وقادر على التعامل مع كل المشكلات التي خلفتها الجاهلية المعاصرة، والكلام حول هذا الموضوع يطول والمقام لا يتسع لذلك ولذا فسنعرض خطوطاً عريضة للمشروع الحضاري الإسلامي.
? تنقية العقيدة مما شابها من البدع والانحرافات: (1/48)
صفحة 49
إن العقيدة الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم نقية صافية لا تشوبها شائبة، ولكن أفهام بعض الناس أدخلت عليها بدع ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا بتأثير بعض الثقافات الأخرى، ولذلك فلا مكان للتشبيه والتجسيم في عقيدتنا الإسلامية القائمة على التنزيه المطلق للبارئ عز وجل، وكل ما ورد من الظواهر الموهمة بغير ذلك يؤول بما يتفق مع نصوص التنزيه القاطعة وبما يتفق مع أساليب اللغة العربية (1) ، وبهذه الطريقة في الفهم يتبين سلامة المنزع، فهي طريقة لم تلق بالعقل في زوايا الإهمال، لأن الله خاطب بوحيه أولي الألباب { لأولي الألباب } الزمر21 ، غافر54 كما تجد فيه { لآيات لقوم يعقلون } الرعد 4، كما تجد فيه { إنا أنزلناه قرأناً عربيا لعلكم تعقلون } يوسف 2، ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة ونادى عليهم بالخذلان { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } الحج 46 ، بيد أنها لم ترفع العقل فوق مستواه، ولم تعطه أكثر مما يستحق فلم تؤثره على النص، وإنما جعلته وسيلة من وسائل فهم مراده وتعيين مقاصده قطعاً أو ظناً، وفي كل ذلك تنطلق من فهم عميق للغة النص التي تستخدم تارة في حقيقتها وأخرى في مجازها حسبما تقتضيه أصولها مراعية في ذلك جميع القرائن والأحوال التي تعين على تشخيص المراد.
__________
(1) هذا على فرض ثبوت هذه المرويات الموهمة بهذا التشبيه (والتي يسمونها أحاديث الصفات)، وإلا فإن أغلبها يشتم منه رائحة الإسرائليات والثقافات الهرمسية فتحتاج إلى مزيد نظر. (1/49)
صفحة 50
والعقيدة الإسلامية كذلك بسيطة ليست معقدة، يستطيع البدوي في الصحراء أن يفهمها دون عناء أو مشقة، وهذه البساطة هي التي حببت الناس في الإسلام، ولذلك فإنه يجب عرض العقيدة على منهج القرآن وطريقته في إيقاظ نداء الفطرة وشحذ حواس الإنسان للنظر في ملكوت الله وبديع صنعه، وهذه الطريقة هي الطريقة الناجحة لإيقاظ النفس من غفلتها من غير تعمق في الجدل ولا غلو في البحث، بخلاف المنهج الإغريقي الذي شاب طريقة المتكلمين فحشروا به مصنفاتهم، فأصبح علم العقيدة كأنه مسائل رياضية جافة (1) ، ولذلك اتجهت العامة إلى التصوف لينعشوا عاطفة الإيمان في قلوبهم، نعم إن هذه المباحث قد تفيد المشتغل بها مهارة في الجدل وبسطة في النقاش ودربة على ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج، بيد أنها أبعد شيء عن تعليم الإيمان وشرح الأفئدة ببشاشته.
? إعطاء العمل أولوية كبرى ونبذ الإرجاء بكافة صوره.
إن العمل الصالح ركن ركين وأساس متين في بناء صرح الإيمان، ويكفي أن الله عز وجل قد قرنه بالإيمان في كثير من آي الكتاب العزيز: { إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } العصر الآيات 2-3، وسمى الله العمل إيماناً كما في قوله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } البقرة 143 أي صلاتكم، وقد تحدثنا بإسهاب عن هذه القضية، والذي نريد أن نقوله هنا إن الأفكار الإرجائية قد شوهت صورة هذه الأمة حتى غدت أمة مزدراة بين الأمم، وما ذلك إلا نتيجة الاستهتار بالأوامر الربانية والبعد عن قيود الفضيلة والاسترسال وراء شهوات النفس واقتحام لجج أهوائها، وكل ذلك نتيجة لإيحاءات الأفكار الإرجائية، ولا أدل على ذلك من صورة الأدب الهابط الذي تصوره كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد وغيرها.
__________
(1) راجع هذه المسألة من جواهر التفسير ( 2 /430 ـ 432) للشيخ أحمد ابن حمد الخليلي، ط مكتبة الاستقامة. (1/50)
صفحة 51
إن الصورة التي تعرضها هذه الكتب للمجتمعات الإسلامية تجعل المرء يشك هل هذه هي أمة القرآن أم غيرها؟!! ، في حين نجد أن الذين لم يسمحوا للأفكار الإرجائية بأن تطأ ساحتهم (لا يعرفون خمراً ولا مجوناً فلا تجد في أدبهم خمراً ولا مجوناً) (1) كما صورهم الأستاذ أحمد أمين.
? الوقوف ضد الظلم والاستبداد بكافة صوره:
وذلك انطلاقاً من الرؤية القرآنية التي تنبذ الظلم والطغيان قال الله تعالى: { لا ينال عهدي الظالمين } البقرة 124 وقال تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } الشورى 41 وقال تعالى: { ألا لعنة الله على الظالمين } هود 18 ، وهذه النظرة لا تختلف في أي صورة من صور الظلم عبر أدواره التاريخية (2) ، إذ أن إجازة ظلم البعض وتسويغه، له إسقاطات ستظل باقية مطردة تلاحق الأجيال القادمة ما لم يتخلص الناس من آثارها النفسية.
? الانفتاح على تراث الأمة الإسلامية بكافة مدارسها واتجاهاتها:
وهذا الانفتاح يعني أن كل هذا التراث ليس حكرا على طائفة بعينها تمنعه غيرها، وتحتكر فهمه وتفسيره، ويعني كذلك عدم التعصب لإمام من الأئمة بعينه، وإنما يكون الكتاب والسنة هما الميزان الذي توزن به الآراء والاتجاهات المختلفة، وهذا الانفتاح كفيل بأن يزيل حواجز التوجس والخوف والحذر من نفوس الكثير من مدارس الأمة
ونأخذ الحق متى نراه ... لو كان مبغضاً لنا أتاه
والباطل المردود عندنا ولو ... أتى به الخل الذي له اصطفوا
? المرونة والتسامح في معاملة مدارس الأمة المختلفة:
__________
(1) ضحى الإسلام (3/342)، أحمد أمين، ط مكتبة النهضة المصرية.
(2) راجع كتاب دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابن الجوزي تحقيق السيد حسن السقاف التعليق رقم (181)، ط دار الإمام النووي. وكتاب الإمام الربيع مكانته ومسنده ص 190 ـ 194، للشيخ سعيد القنوبي ط مكتبة الضامري. (1/51)
صفحة 52
ما دامت تلك المدارس لا تنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أما من استند إلى التأويل، وإن كان أوهى من نسج العنكبوت ـ فحسبه تأويله واقياً له من الحكم عليه بالخروج من حظيرة الأمة، وهذا المبدأ يعبر عنه القائد المغوار والعالم الملهم أبو حمزة المختار بن عوف بقوله: ( الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً بالله عابد وثن أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً).
? الجمع بين السلفية والتجديد:
فليست السلفية تقطيب الجبين واصطياد أخطاء الناس والتشهير بهم في كل محفل ،إن السلفية نزعة عاطفية تعمق الولاء لهذا الدين وتعلي كلمته وتحفظ نهجه آخذة في ذلك بحجز النصوص الشرعية، وهي بجانب ذلك تفرق بين الثوابت والمتغيرات فتميز بين ما هو ثابت باق على أصله وبين ما هو وسيلة تتغير زماناً ومكاناً، وهي بذلك تنطلق من فهم لمقاصد الشريعة الإسلامية الجامعة بين الثبات والمرونة.
? القدرة على استئناف حياة إسلامية جديدة:
وهذه الحياة ملؤها تلك المعاني السالفة الذكر وتفجير الطاقات الإيمانية المبدعة التي تستكشف الكون والحياة لتسخرها لخدمة الإيمان وتسابق بها عجلة الزمن لحوز قصبة السبق في ميدان الصراع العالمي.
مدرسة الإصلاح و قراءة جديدة (1/52)
صفحة 53
جاء في الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة:(جمال الدين الأفغاني رجل غريب الأطوار، وفي حياته كثير من الغموض، تجول كثيراً في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، وقد أدخل نظام الجمعيات السرية إلى مصر، كما انضم إلى المحافل الماسونية ... الخ ) (1) وفي نفس الصفحة: (محمد عبده من أبرز تلاميذ الأفغاني وشريكه في إنشاء مجلة العروة الوثقى، كانت له صداقة مع اللورد كرومر والمستر بلنت، وقد كانت مدرسته - ومنها رشيد رضا - إنما تدعو إلى مهاجمة التقاليد والمطالبة بإعادة النظر في التشريع الإسلامي ... الخ) (2) ، ومن اللافت للنظر أن يكون اسما هذان العلمان واردين ضمن أبرز دعاة التغريب في العالم الإسلامي، ويحق أن نتساءل ما الذي جناه الأفغاني ومحمد عبده حتى يحشرا ضمن دعاة التغريب والعلمنة وسدنة الاستعمار؟!، إن هناك محاولات جادة لطمس معالم مدرستهما، وأفكار هذه المدرسة - إن لم ينتبه لها الجيل - فأظن أن النتيجة ستكون مزيداً من الحيرة والتيه.
لماذا المدرسة الإصلاحية؟
... لقد آلت القراءات المختلفة للنص الشرعي إلى قراءات مبتورة وجزئية، بل إن كثيراً منها صرن يتعاملن مع النص تحت ضغط وإيحاءات المسلمات الفكرية السابقة، وفي إطار الدوائر المرسومة سلفاً، بحيث أصبح لا يمكن التعامل مع النص إلا من تلك الفهوم والايحاءات، وإلا كانت النتيجة ضغطاً وإرهاباً فكرياً يخرجها من تلك المنظومة.
__________
(1) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ص 147، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الطبعة الثالثة.
(2) المرجع السابق. (1/53)
صفحة 54
... وبسبب تأثير السلطة في عهد تدوين العلوم - وبخاصة الحديث - على واقع الفكر، وما أفرزته من صراعات حول منهج التعامل معها، صاحب ذلك سيطرة كبيرة للمدرسة الأثرية - التي وجدت نفسها في خندق واحد مع السلطة -، وفي تلك الفترة بدأت حركة التدوين والتأليف، وما إن انصرم القرن الرابع الهجري حتى تكاملت هذه المنظومة الفكرية، وغدت هي المسلمات التي يجب على العقل المسلم أن يمررها ويصبها في دماغه، وغدا أصحابها ومنظروها هم المتحدثون الرسميون باسم الإسلام، ووجدت المدارس الفكرية الأخرى نفسها خارج إطار هذه الدائرة فيما يسمونه بأهل (البدع والأهواء).
ولقد كان الانقلاب الذي قام به الخليفة المتوكل عندما (أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال، والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق، وأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر الشيوخ المحدثين بالحديث وإظهار السنة والجماعة) (1) منعطفاً هاماً ونقطة حرجة بدأ العقل المسلم فيها بالتقهقر، وفقد قدرته على النقد، وفي المقابل فرضت
السلطة نوعاً من التفكير أضاع مبدأ الشورى ودوره في قيادة الأمة.
__________
(1) مروج الذهب للمسعودي نقلاً عن السلطة في الإسلام ص144، عبد الجواد ياسين، ط المركز الثقافي العربي. (1/54)
صفحة 55
... ومنذ تلك الفترة والعقل المسلم يتشكل وفق منظومة المدرسة الأثرية، التي أغرقت العقل المسلم بسيل جارف من المرويات، ثم لم تحسن التعامل معها، فوقع الكثير من الاضطراب، واضطر العقل المسلم أن يسلم بكثير من تلك المرويات وبإيحاءاتها في تعامله مع الكون والحياة، رغم عدم اقتناعه ببعضها في بعض الأحيان، أما أن يتعامل مع النص مباشرة دون تلك الوسائط وتلك القنوات فغدا أمراً صعباً، لخص هذا المنهج يحيى بن سعيد القطان بقوله: (لا تنظروا إلى الحديث (أي المتن) ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث) وعقب الذهبي على هذا الكلام بقوله: ( كان السلف يزجرون عن التعمق ويبدعون أهل الجدال).
... ولقد كان هناك محاولات جادة للخروج من هذه الأزمة والرجوع إلى الأصل، والتعامل مع النص من خلال واقع النص، إلا أنها لم تجد إلا النكران والجحود، ولم يكتب لها النجاح، وواصلت الأمة سيرها نحو مزيد من الجمود والتقهقر والوقوع في إشكاليات الاستبداد وضياع قيم العدالة والحرية والشورى، إلى أن وجدت نفسها مقيدة بسلاسل وأغلال الاستعمار. (1/55)
صفحة 56
... وهنا تبرز أهمية وخطورة الدور الذي قامت به المدرسة الإصلاحية التي أرسى دعائمها الأستاذ جمال الدين الأفغاني وتلميذه الأستاذ الإمام محمد عبده، وعند التتبع والاستقراء يلاحظ أن أهم خط يميز هذه المدرسة تعاملها المباشر مع النص والخروج من دائرة وتأثير المدرسة الأثرية عند هذه القراءة (1) .
... ولعل كل هذا العداء لهذه المدرسة محاولتها الجريئة لإعادة قراءة كثير من النصوص دون الوصاية (السلفية) عليها، بعد أن أدرك هذان الرجلان - وبخاصة محمد عبده - أن واقع التخلف له جذور عميقة ضاربة في القدم ، تغلغلت في جسد الأمة حتى أنهكتها فلم تستطيع مجابهة الأفكار الوافدة التي أخذت تعمل عملها في هذا الجسد المنهك ، وهذا الاتجاه أسهم في:
1- التحرر الفكري والتقدم العلمي الذي صاحب هذه القراءة المعتمدة على التعامل مع النص دون الدخول في باب (الوصاية) من قبل بعض الجهات على فهم النص.
2-القدرة على الرجوع إلى المصادر الأصلية عند تجدد القضايا باختلاف الأزمة والأمكنة، وبالتالي تكون الأمة غنية برصيدها من الفقهاء والمفكرين القادرين على قراءة النص والتعامل معه دون خوف من الوصاية.
3-انحسار سوق البدع والخرافات بفتح نوافذ العقل لينطلق محلقاً في آفاق بعيدة لا تعرف له الخرافة طريقاً فتتبعه.
نماذج
إن المتتبع لتراث الأفغاني ومحمد عبده ويجد أنه يدور حول المحاور التالية:
__________
(1) ما نعنيه بالتعامل المباشر مع النص هو الخروج من الأطر المذهبية والتاريخية لفهم النصوص في ضوء إيحاءاتها وضغطها على العقل، وقد يكون هناك نوع من عدم اقتناع بسلامة الفكرة، ولكن ضغط هذه الأطر يجعل العقل في النهاية يسلم بها ويمررها دون عناء، وهكذا تصب العقول في قالب واحد، وهذا القالب في نظرنا لا يصلح للتعامل مع الكون والحياة لعدم دربته على المران العقلي والابتكار الذهني، وفي النهاية مصيره الجمود والتحجر والإصرار على الرأي وغلق الأبواب على الآراء الأخرى. (1/56)
صفحة 57
1-الدعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة.
2- نبذ التعصب المذهبي وإنكار البدع.
3- معالجة أوضاع التخلف في العالم الإسلامي.
4- مقاومة الاستعمار.
5- الدعوة إلى وحدة العالم الإسلامي فيما يسمى بالجامعة الإسلامية.
6- دعوة المسلمين إلى الأخذ بأسباب الصناعة والتقدم التقني.
وكل هذه المحاور يمكن إجمالها في محور واحد، وهو التعامل المباشر مع النص خارج الأطر المحددة تاريخياً، ومن أجمع المراجع في تراث المدرسة الإصلاحية تفسير المنار للعلامة محمد رشيد رضا تلميذ محمد عبده ، وسنستعرض نماذج من كلام الأفغاني ومحمد عبده لبيان ما قررناه.
? جاء في تفسير المنار من كلام الأستاذ محمد عبده في تفسير قول الله عز وجل: { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } النساء 93، قال: (ومن نظر إلى انحلال أمر الإسلام والمسلمين بعد ما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا، وأن القاتل لا يعذر بهذه الجراءة على هذه الجريمة، وهو لم تعرض له شبهة في أمر الله، إذ لا رائحة للعذر في عمله، بل هو مرجح للغضب محب الانتقام وشهوة النفس على أمر الله تعالى، ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المسلمين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة ... ) (1) . فتراه في هذا النص يقرأ تأريخ الأمة المسلمة ويشخص الداء الكامن وراء جرائم القتل الجماعية والفردية، التي استطار شررها من القصور إلى الدور، حتى غدت أمراً لا يثير في النفس قلقاً ولا رعباً، وهذه القراءة الدقيقة استخلصها من تعامله مع النص القرآني الصريح وخارج إطار الدائرة المحددة.
__________
(1) تفسير المنار(5/34)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر . (1/57)
صفحة 58
? وجاء في تفسير المنار عند الحديث عن بعض القضايا العقدية: (وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة الشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقب دعائه، وليس فيها أيضاً ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتماداً على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحد في الآخرة إلا طاعته ورضاه، { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ، إلى أن قال: (هذا وقد ذكر الأستاذ الإمام أن اليهود الذين خوطبوا ببيان هذه الحقيقة كانوا - كغيرهم من أهل الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصرين واليونان - يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا، فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلاً وجزاء عنه - كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية، ثم ذكر أن الإسلام اكتسح هذه العقائد وآثارها العلمية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها، فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزاراً مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن، ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولقنوه كما ترشد كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل الإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقاً والكذب صدقاً) (1) .
ومن هذا النص يتبين لنا الآتي:
أولاً: أن الأستاذ الإمام محمد عبده تعامل مع نصوص الشفاعة مباشرة خارج إطار المدرسة الأثرية، مما جعله يضع اليد على مكمن الداء وموضع العلة.
ثانياً: الاستقلال الفكري الذي تميز به هذه الإمام مما جعله يعلن رأيه بكل حرية وجرأة، ما دام قد وصل إلى درجة القناعة التامة به.
__________
(1) تفسير المنار (1/306-308)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر. (1/58)
صفحة 59
ثالثاً: القدرة على تحليل ونقد التراث الفكري للمدارس الإسلامية وبيان الخلل في بعضها لأجل تلافيه وإصلاحه دون اجترار لكل ما فيها من غث وسمين كما هو شأن عبدة النصوص والأقوال البشرية.
? قال في تفسير سورة الفلق من تفسير جزء عم عند الحديث عن الرواية التي فيها أن يهودياً سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - : (وأما الحديث فعلى فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون، على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل) (1) .
ففي هذا الكلام للأستاذ الإمام يظهر تعامله المباشر مع النص من خلال واقع النص، ويلاحظ كذلك ترتيبه للدلالات ترتيباً منطقياً بحيث يحفظ للنص القرآني مكانته من أن تطغى عليه مرويات معرض رواتها للوهم والخطأ والنسيان، وهذا الرد لهذا الخبر الآحادي الذي يراه معارضاً للظواهر القرآنية في أي كتاب كان، فتنقية الأخبار والآثار وحفظ الدين أهم ألف مرة من حفظ سمعة فلان وفلان من الناس (2) .
ماذا بعد؟!
__________
(1) تفسير جزء عم ص186، محمد عبده، نقلاً عن السيف الحاد ص 77، للشيخ سعيد القنوبي، الطبعة الثالثة.
(2) ما قلته إنما هو محاولة لتحليل منهج الأستاذ الإمام في تعامله مع النصوص، وأما القضايا المطروحة فليس غرضنا الحديث عنها. (1/59)
صفحة 60
... إن من الإنجازات التي قدمتها المدرسة الإصلاحية إعادة الثقة للجيل في دينه في وقت غزا فيه الفكر الوافد كل شبر من أراضينا، ومع تلك العقليات الجامدة والخرافات السائدة كادت تكون الكارثة بفقدان الجيل الثقة في دينه، وهنا ظهرت المدرسة الإصلاحية التي جددت الفهم لهذا الدين وأزالت الكثير من الغشاوات التي حجبت عالمية هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان، ولكن هذه المدرسة كانت تعيش ظروفا صعبة وتواجه تيارات مضادة حاولت أن تبقى وسطها، لكن كل ذلك لم يشفع لها، فوجه لها النقد العنيف من كل هذه التيارات، وأضف إلى ذلك استقلالها في عملية البناء الفكري خارج الأطر التاريخية والمذهبية مما جعلها تقع في بعض العثرات، وهذا أمر لا يستغرب من المنظرين الأول، فما نعده الآن من البدهيات استغرق منهم وقتاً طويلاً من البحث والدراسة وإعمال الفكر حتى وصلوا إليه.
إن كثيراً من المصلحين من بعد تلقفوا أفكار مدرسة الإصلاح، ولا نبالغ إن قلنا إن كل حركات الإصلاح ومقاومة الاستعمار خرجت من عباءة هذه المدرسة، وما هذا الزخم من المؤلفات في التعامل مع الفكر الوافد ونقده وإبراز أوجه علو وسمو الفكر الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان إلا أثر من آثار توجهات مدرسة الإصلاح.
وعلى ذلك فعلى الجيل أن يدرك أن هذه المدرسة ساهمت بشكل كبير في إعادة الثقة له بدينه (1) ، وإلا ما يكون مصيره لو بقي المسلمون على حالتهم تلك، والغزو الفكري الوافد الذي ظل يتطور حتى وصل إلى عصر الفضائيات والإنترنت؟!!.
أظن أن نتيجة ذلك لا يمكن تصورها حتى في أشد الكوابيس بشاعة.
في المنهج
__________
(1) مدارسة مع الأستاذ الشيخ خميس بن راشد العدوي جرت في ولاية بهلا. (1/60)
صفحة 61
... ألف الكثيرون كتباً وكتبوا مقالات ضد مدرسة الإصلاح، واعترضوا على كثير من معالم منهجها، وحاولوا جاهدين إهالة التراب عليها ووصمها بالانحراف والضلال، كل هذا دون القدرة على فحص ودراسة مضامينها وأدبياتها، وقراءة الأثر الذي أحدثته أطروحاتها.
وحقيقة إن هذه القضية بالذات تعكس أزمة العقل المسلم مع النقد وحساسيته المفرطة تجاهه، في الوقت الذي ضعفت فيه حاسته النقدية وتضاءلت قدرته العقلية.
... ومن أبرز الاعتراضات على منهج مدرسة الإصلاح:
1- محاولة تضييق نطاق الغيبيات وتقريب هذه المفاهيم إلى الطبقة المثقفة بأسلوب يغلب عليه الطابع المادي: ونحن لا ننكر وجود هذا المنحى في تراث المدرسة الإصلاحية في بعض جزيئاته، ولسنا ممن يوافقون على ذلك، لكن ينبغي أن يعلم أن هذه القضية لا تكدر على المدرسة الإصلاحية منهجها في التعامل المباشر مع النص، وإنما مرد ذلك إلى بعض الملابسات التاريخية، فقد نشأت هذه المدرسة وبين أظهر المسلمين تياران متضادان:
? التيار الأول: ويمثله جماعة تنتسب إلى العلم وأهله، وتعانى من جمود فكرى وتبلد ذهني، وقد تأثرت المجتمعات كثيراً بأدبيات هذه النخبة فسيطرت الخرافة على عقول العوام وانتشرت البدع والمنكرات في أوساطهم.
? التيار الثاني: ويمثله جماعة من حملة الشهادات العلمية التي أتوا بها من بلاد الغرب، وكان بريق الحضارة الجديدة قد أعشى أبصارهم واستولى على عقولهم وقلوبهم، فعادوا ليكونوا معاول هدم لكل ما يمت بصلة إلى دينهم، متأسين في ذلك بأساتذتهم الأوربيين الذين حطموا سلطة الكنيسة بمعاول العلم، ولكن فاتهم الفارق بين الحالين وبين المنهجين، فالإسلام يختلف عن النصرانية بأنه ينسجم مع العلم ولا يصطدم مع حقائقه، وقد ظهر للناس في هذه الزمان من وجوه إعجازه ما حير أولي الألباب. (1/61)
صفحة 62
وفي هذه الظرف القاسي، وبين هذين التيارين نشأت المدرسة الإصلاحية، فلم يرض بمنهجها كلا الطرفين رغم محاولاتها للوصول إلى عقول كليهما، لكن العقل البشري مهما بلغ فإنه لا يتجاوز حدوده التي أرادها الله، على أن هذا العقل كثيراً ما تؤثر عليه البيئة التي يتقلب فيها، ولذلك يتطور العقل بتطور الحياة، فيتقبل ما كان يرفضه ويكذب ما كان يصدقه، ولأجل هذا القصور في طبيعة العقل كان الحكم في العقائد إلى الوحي الخالص لا إلى العقل (1) .
لكن ينبغي أن ننتبه إلى أمر، وهو أن المدرسة الإصلاحية من أوائل من حاول الوقوف بجرأة أمام مسلمات ظلت تسيطر على العقول ردحاً من الزمن، وممن قام بمراجعة فكرية شاملة للتراث الفكري وقراءته خارج الأطر المذهبية والتاريخية المعدة سلفاً، والتعامل معها في ضوء النصوص (2) ، وبعبارة أخرى محاكمة التراث في ضوء النص، وكل هذا الجهد وفي تلك الفترة الحرجة ومع كثرة الأعداء المتربصين لا نتوقع إنتاجاً سليماً بدرجة كاملة، لذا كان على الجيل أن يفهم مثل هذه الملابسات ولا يتهور فيسقط في فخاخ القراءات المبتورة.
__________
(1) للتوسع في هذا الموضوع يمكن مراجعة كتاب جواهر التفسير (1/38-42) للشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، ط مكتبة الاستقامة.
(2) مدارسة مع الأستاذ محمود بن سليمان الريامي جرت عام 1995م في ولاية نزوى. (1/62)
صفحة 63
2-محاولة التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية: وهذه المحاولات جعلت من النصوص مطية للنظريات العلمية القاصرة. لكن لنتساءل عن مقدار ثقة الجيل بدينه في الفترة التي غزا فيها الوفد الوافد البلاد الإسلامية؟!، لقد تزعزت هذه الثقة كثيراً وغدا فيها الفكر الوافد دجال العصر الذي تبعه الجم الغفير من الناس، إن أحداً لم يكن يجرؤ على قول إن الإسلام لا يتعارض مع حقائق العلم، بل إن الخطاب الإسلامي في تلك الحقبة وقع في مأزق خطير أمام ذلك التيار العارم الذي اجتاح العقول والقلوب معاً، وفي نظري أن ظهور المدرسة الإصلاحية وتفنيدها لمزاعم سدنة الغرب والمستشرقين وردها على خصوم الإسلام بأسلوب علمي رصين قائم على القراءة المباشر للنص وفهم لأدبيات وفلسفات الفكر الوافد قد دفع بالخطاب الإسلامي المعاصر خطوة كبيرة إلى الأمام، أعطى الجيل فرصة لالتقاط أنفاسه كي يتعامل مع الفكر الوافد وينتقل الخطوة بعد الأخرى في طريق التعامل معه، حتى وصل نقده إلى درجة أذهلت أربابه ومنظريه.
لقد كان أسلوب الأفغاني ومحمد عبده هو ما كانوا يقدرون عليه وفق معطيات عصرهم وظروفه، ويكفي أنهم مهدوا الطريق للجيل ليصل إلى ما وصل إليه.
3-مخالفة إجماع الأمة في كثير من المسائل وإعلان استقلال الفهم: وهذا الاعتراض من أعجب الاعتراضات، إذ أن الإجماع المقصود فيه هو اتفاق طائفة من المسلمين ومدرسة من مدارسهم الفكرية، وهذه لا يحق لها أبداً أن تجعل مسلماتها إجماعاً وتلغي من اعتباراتها المدارس الإسلامية الأخرى التي لها آراء مخالفة في هذه القضايا، وكل ما قامت به المدرسة الإصلاحية هو أن تعاملت مباشرة مع النص خارج دائرة الوصاية (السلفية) على الفهم، فوصلت إلى آراء مخالفة للفكر السائد، لكنه لا يخرج خارج الدائرة الإسلامية الواسعة، واعتباره باطلاً لكونه أتي من خارج الدوائر الأثرية ليس بشيء، إذ أن ذلك يعرف بمناقشة الأدلة لا بمجرد الدعاوى الفارغة. (1/63)
صفحة 64
... ومن الغرور بمكان أن تعتبر مدرسة إسلامية نفسها ممثلاً شرعياً للإسلام دون غيرها، ومتحدثاً رسمياً باسمه، إن الحوار هو الطريق الأمثل للوصول إلى منطقة وسط تلتقي فيها المدارس الإسلامية، والمدارس الإسلامية بكافة توجهاتها خدمت الإسلام ودافعت عن حياضه، فلا يمكن بمجال أن يتكلم البعض باسمه ويخرس صوت الباقين.
مع المؤسسين
... من أكثر الذين انتقدوا المدرسة الإصلاحية في العصر الحديث، وألفوا في ذلك المؤلفات الدكتور محمد محمد حسين، الذي يعد من أحسن الذين كتبوا في رصد التيارات الأدبية التي عاشتها المنطقة في العصر الحديث، لكن موقفه من المدرسة الإصلاحية يتسم بالشك والريبة في منهجها ومؤسسيها، ومن المؤلفات التي ألفها في ذلك الإسلام والحضارة الغربية والاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ، ولقد ساهمت كتبه بشكل فعال في تصنيف الأفغاني ومحمد عبده في نهاية الأمر ضمن دعاة التغريب!!، كما في الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، وهذا أمر لا ينبغي السكوت عنه بحال.
... يقول الدكتور محمد محمد حسين: (وحقيقة الأمر في حركة محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني الذي اقترن به اسمه في الشطر الأول من حياته، لا تزال تحتاج إلى مزيد من الوثائق التي توضح موقفهما، وتزيل ما يحيط به من غموض) (1) .
__________
(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (1 /325 )، محمد محمد حسين، ط دار الرسالة. (1/64)
صفحة 65
هكذا يبدأ الأستاذ محمد محمد حسين حديثه عن محمد عبده والأفغاني وروح الشك والريبة تسيطر عليه، ثم أخذ يتتبع حياتيهما وما كتباه فلم يجد شيئاً أخطر من انتسابهما إلى المحافل الماسونية ليقوض أركان مشروعهما الحضاري، يقول في ذلك: (وإلى جانب ذلك كله وجدت إشارات صريحة في كتاب لأحد كبار رجال الماسونية في مصر- ومن المعروف أنها دعوة تخدم الصهيونية العالمية- تؤكد أن جمال الدين الأفغاني كان رئيساً لمحفل كوكب الشرق الماسوني، كما تؤكد أن محمد عبده كان عضواً في هذا المحفل) (1) .
... ونتساءل هل هذا الكلام الذي يذكره الأستاذ حسين صحيح؟!
... الظاهر أنه كذلك بدليل أن الشيخ محمد رشيد رضا- وهو أخص تلاميذ محمد عبده وناشر فكره- قد أكد ذلك في كتابه تاريخ الأستاذ الإمام.
... لكن دعونا لا نتسرع في الحكم قبل أن نقف أمام الحقائق الآتية:
... أولاً: من المعلوم أن الماسونية منظمة تسعى لبسط النفوذ اليهودي على العالم- كما ظهر للناس بعد - عبر وسائل ووسائط غاية في الخبث والدهاء ، وكانت دول الاستعمار تحتضنها وتيسر لها أمورها، ولكن وجدنا من الأفغاني ومحمد عبده حرباً ضروساً ضد الاستعمار وعملائه عبر كافة الوسائل التي أتيحت لهما، وخاصة الأفغاني الذي ظل شريداً طريداً بسبب عدائه للمستعمر، أضف إلى ذلك دعوته المستمرة للجامعة الإسلامية، فكيف يتفق هذا وذاك؟!.
... ثانياً: كما هو معلوم أن للأفغاني ومحمد عبده أعداء متربصون يترقبون أية زلة لهما، ورغم ذلك لم نجد أحداً من أعدائهم قد طعن فيهم لأجل ذلك، مع العلم أن انتسابهما إلى هذه المحافل كان علنياً ولم يكن سرياً، ويؤكد صحة ذلك ما ذكره الأستاذ أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح، وذكره لانتساب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لهذه المحافل ولم ينقل عن أحد طعنه فيهما لأجل ذلك ، مع قرب عهده بهما.
__________
(1) المرجع السابق (1/328-329). (1/65)
صفحة 66
... ثالثاً: كيف تكشفت للناس حقائق الماسونية وأهدافها الخبيثة؟!، وهل كان الناس يدركون ما تنطوي عليه؟، إن الذين حكموا على الأفغاني ومحمد عبده كان بناء على ما استقرت عليه معلوماتهم المعاصرة عن الماسونية، وإلا فإن هذه الحقائق كانت غائبة عن الأذهان بسبب ما كانت ترفعه من شعارات كالحرية والإخاء والمساواة، وما تحرص عليه من سرية في تنظيماتها، ففي تلك الحقبة لم نجد مفكراً واحداً حذر منها، بل إن بعض الأزهريين الذين كانوا يطعنون في الأفغاني ومحمد عبده كانوا منتمين إلى هذه المحافل.
... ولكن تكشف عوارها عندما سقطت الخلافة العثمانية ووقعت فلسطين في قبضة اليهود، وظهر ضلوع هذه المنظمة في المؤامرات على الإسلام وأهله، وذاعت بعض نشراتها السرية، وتسربت بعض أسرارها الخفية، وهؤلاء يؤيدون نظريتهم هذه بما جاء عن الأفغاني نفسه في تاريخ الأستاذ الإمام:(وبذلك أصبحت الماسونية شعبة سياسية أو حزباً سياسياً لا شأن للدين فيه). وممن ذهب إلى هذا الرأي الشيخ محمد الغزالي في كتابه علل وأدوية حيث يقول هناك: (وهنا سأل: أمن خدمة الإسلام الانتساب إلى الماسونية؟!، وقلت: إنني أكره هذا العمل، وهو خطأ بولغ في تضخيمه، والماسونية نحلة ما كان أحد يدري خباياها، كانت تخادع بشعار الحرية والإخاء والمساواة، فلما دخلها جمال الدين وأحس أن أعضاءها مزورون شن عليهم الحرب وفض محفلهم وأسس محفلاً آخر يقول فيه ما يريد) إلى أن قال: (والدول الإسلامية تنتمي إلى هيئة الأمم المتحدة وتحرص على البقاء فيها - وهي ماسونية كبيرة إن صح التعبير- وليس ذلك عيباً، إنما العيب أنها نسيت حقوق الإسلام عليها، ولم يكن حديثها في هذه الهيئة ترجماناً لأهدافه الإنسانية الرفيعة، ودفاعاً عن المظلومين وما أكثرهم في ظلال هذه الحضارة) (1) .
__________
(1) علل وأدوية ص105، محمد الغزالي، ط دار الدعوة. (1/66)
صفحة 67
... وهناك رأي آخر في هذه المسألة مفاده أن عقليات جبارة كالأفغاني ومحمد عبده لا يمكن أن تنطلي عليهم مثل تلك الأحابيل، وإنما كان غرضهم الأساسي من الانتماء إلى تلك المحافل أمرين:
1- الوصول إلى عِلية القوم وإيصال أفكار المدرسة إليهم، سيما وكثير منهم كانوا من أعضاء في هذه المحافل، وهذا الذي يذهب إليه الأستاذ أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح حيث يقول:(وسبب دخول الأفغاني مصر هو أن هذه الجمعية الماسونية في مصر كانت تضم كثيراً من عِلية القوم لعله بذلك يتمكن من إيصال أفكاره إليهم، ولكن ما إن دخل السيد فيه حتى ثارت ثائرته وأخذ يهاجمه وينقده في خطبة المتوالية) (1) .
2- تحويل مسير هذه المحافل لتحقيق المبادئ الإسلامية وخدمة الأهداف الإنسانية التي يدعو إليها الإسلام، وهذا الرأي الذي يذهب إليه الأستاذ خميس العدوي (2) والنص السابق الذي نقلناه عن أحمد أمين يؤيده، ويقول أحمد أمين كذلك:(وأخيراً استقال من هذا المحفل وأنشأ محفلاً آخر تابعاً للشرق الفرنسي، وسرعان ما بلغ أعضاؤه أكثر من ثلاثمائة عضو من نخبة المفكرين والناهضين والمصريين، وكان في هذا المحفل مطلق الحرية ... ) (3) .
وعلى أي حال دعونا من كل ما قيل حول هذه القضية، ولننظر في فكر الرجلين، هل يعقل أن يكون عميلاً استعمارياً من:
? دعا إلى العودة إلى الكتاب والسنة.
? ومن نبذ التعصب المذهبي وأنكر البدع.
? ومن عالج أوضاع التخلف في العالم الإسلامي.
? ومن قاوم الاستعمار.
? ومن دعا إلى وحدة العالم الإسلامي.
? ومن دعا إلى الأخذ بأسباب الصناعة والتقدم العلمي.
كل هذه الأمور تجعلنا ننظر إلى هذه القضية من منظار آخر ونعطي هذين العملاقين حقهما من الاحترام والتقدير.
__________
(1) زعماء الإصلاح ص73، أحمد أمين، دار الكتاب العربي.
(2) مدارسة مع الأستاذ خميس العدوي جرت عام 1998م في ولاية بهلا.
(3) زعماء الإصلاح ص72، أحمد أمين، دار الكتاب العربي (1/67)
صفحة 68
يقول الشيخ محمد الغزالي: (إن الرجال الثلاثة جمال الدين ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا هم قادة الفكر الواعي الذكي في القرن الأخير، والنقيق العالي الذي يثور ضدهم من أشخاص علمهم بالإسلام سطحي، ودفاعهم عنه دفاع الدبة التي قتلت صاحبها) (1) .
إلى أين؟
كانت الأطروحات التي قدمتها المدرسة الإصلاحية قد أثارت جدلاً واسعاً واختلفت آراء الناس في التعامل معها، ولكنها في النهاية وجدت لها قبولاً زاد مع الأيام، وأنتجت تياراً استطاع أن يجابه الفكر الوافدعغتا7، وأن يقيم الحجة عليه ويهزمه هزيمة نكراء في ساحة الصراع الفكري ، ولكن الذي يبدو أن كثيراً من الباحثين لم ينتبه إلى نقطة في استقرائه لفكر المدرسة الإصلاحية، وهي أنها حاولت أن ترجع هذا الخلل في التفكير في الأمة إلى بدايات سابقة على الحقبة الغربية، ولعل الاشتغال بنقد الفكر الوافد قد حجب الأنظار عن ذلك.
( لقد جاء الغرب في مطلع القرن الماضي، بعد أن كانت الأمة قد تهيأت لاستقباله طويلاً بكل أسباب الوهن والموات ، كانت دفقة الحيوية الهائلة والعريضة التي انبثقت من ينابيع النصر الأولى قد تم سحقها إلى حد بعيد تحت مطارق الاستبداد والقهر، وكانت مفردات كثيرة من مباهج القيم العليا كالحرية والعدالة والعلم والحضارة وحمل أمانة الخير إلى هذه البشرية ، قد خفت وهجها في ذاكرة الوعي العام) (2) .
وترجع عودة كثير من المفاهيم الغائبة إلى الطرح الجريء العميق للمدرسة الإصلاحية، التي استطاعت أن تبرز الحقيقة الغائبة وسط هذا الركام من الروايات وأقوال الرجال والمناهج البشرية.
لذلك كان من المناسب أن نتتبع مسير أفكار هذه المدرسة في الفكر المعاصر لنحكم في نهاية الأمر إلى أين وصلنا ؟!!.
السيد محمد رشيد رضا
__________
(1) علل وأدوية ص106، محمد الغزالي، ط دار الدعوة.
(2) السلطة في الإسلام ص7، عبد الجواد ياسين، ط المركز الثقافي العربي. (1/68)
صفحة 69
هو تلميذ محمد عبده ورفيق دربه وناشر فكره ومنهجه، له العديد من المؤلفات أشهرها تفسير المنار، وبناء على اعتبار البناء الأساسي للمدرسة الإصلاحية وهو تعاملها المباشر مع النص خارج الأطر المذهبية والتاريخية ، فهل نعد محمد رشيد رضا امتداداً للمدرسة الإصلاحية ؟.
الحقيقة إن تحديد ذلك أمر صعب ، يحتاج إلى قراءة عميقة ودقيقة لإنتاجه طوال السنوات التي عاشها في كنف أستاذه محمد عبده وبعدها، حسب الأطوار التاريخية التي مرت بها مؤلفاته، ولكن يمكن تتبع شئ من ذلك في تفسيره المنار لشموله ولطول مدة تأليفه ، ومن خلال هذه القراءة يتبين الآتي:
1-أن وفاء رشيد رضا لمنهج شيخه ظل باقياً على حاله ، وظل يشكل حيزاً كبيراً من مساحة التأثير العقلي والبناء الفكري لديه بحيث لا يرتاب مرتاب في نزعته التحررية ومنهجه الاستقلالي (1) .
2-أن تعمقه في دراسة تراث المدرسة الأثرية أثر على منهجه الذي أرساه الأفغاني ومحمد عبده، فعاد ليقرأ النصوص داخل الأطر المذهبية بكل انفعالاتها وإيحاءاتها (2) ، وهنا يظهر التجاذب بين المنهجين، فتراه أحياناً منجذباً نحو الأفكار التي تلقاها عن شيخه محمد عبده معجباً بأطروحاته ، وأحياناً أخرى تجذبه المدرسة الأثرية بزخمها الهائل وضغطها الكبير.
__________
(1) تفسير المنار (9/ 499-507)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر.
(2) تفسير المنار (3/ 163-201)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر. (1/69)
صفحة 70
وذهب بعض الباحثين إلى أن العلامة رشيد رضا قد رمم ما أخل به محمد عبده والأفغاني من قلة اطلاع على تراث المحدثين وأهل الأثر، والحقيقة إن الأستاذ الإمام لم يكن ينقصه ذلك، بل يعود الأمر إلى أنه قام بعملية مراجعة شاملة للإنتاج الفكري للمدارس الإسلامية، وبعد ذلك حدد مواضع الخلل، وأخذ يعمل على إعادة البناء الفكري ، فأصبح يتعامل بحذر شديد مع التراث الفكري للمدرسة الأثرية (1) ، وهذا هو سبب إقلاله من إيراد تراث المدرسة الأثرية في مصنفاته.
أحمد أمين
يعتبر أحمد أمين من أبرز الكتاب المعاصرين الذي حاولوا قراءة تراث المدارس الإسلامية قراءة متأنية خارج الأطر المذهبية والتاريخية كما يظهر ذلك في مؤلفاته الموسوعية فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام.
ولعلنا نستطيع أن نعد أحمد أمين امتداداً لمدرسة الإصلاح للأسباب الآتية:
1-إعجابه البالغ بمنظري المدرسة الإصلاحية وأفكارهم ، كما يظهر ذلك في كتابه زعماء الإصلاح، حيث خصص فصلين كاملين للحديث عن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
2- منهجه الاستقلالي في التعامل مع التراث الفكري للمدارس الإسلامية كما هو الحال في مؤلفاته، التي خصصها لتتبع ورصد مظاهر وحركة سير العلوم العقلية والنقلية عند المسلمين.
__________
(1) جاء في تفسير المنار (9/506) :(ولقد كان الأستاذ الإمام يقول إن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه أهل الصدر الأول قبل ظهور الفتن، ولم يكن يثق إلا بأقل القليل مما روي في الصحاح من أحاديث الفتن ). (1/70)
صفحة 71
ولعل مثل هذا الكلام قد يثير حفيظة البعض ممن يعدون أحمد أمين من أذناب المستشرقين، ونحب أن ننبه إلى أن وجود أخطاء لأحمد أمين وقعت له في مؤلفاته لا يعني بحال إغفال كثير من الجوانب المشرقة في كتبه، وذلك الطرح الراقي لبعض القضايا التي لم يسبق لأحد أن تناولها بذلك العمق والشمول (1) .
ومن أبرز الذين تعرضوا لكلام أحمد أمين بالنقد الدكتور مصطفى السباعي في كتابه السنة ومكانتها في التشريع ، ولكن ينبغي لنا التريث قبل إمرار كلام الأستاذ السباعي على إطلاقه، فإنه والحق يقال - لم يلتفت إلى النقد الذي قدمه أحمد أمين لبعض جوانب البحث العلمي عند المحدثين، فيما يتعلق بنقد المتون، وأغفل وجود إشكاليات في كثير من المرويات حكم عليها أهل الأثر بالصحة حسب مقياس السند، لكنها دفعت أمثال هؤلاء المثقفين الذين حاولوا قراءة التراث خارج الأطر المذهبية والتاريخية إلى قول ما قالوه.
وعلى كل حال فكتب الأستاذ أحمد أمين من الكتب القيمة الجديرة بالدراسة والتحليل، وتكمن قيمتها في منهجها القائم على استقلال التفكير والخروج من دائرة الوصاية للسلفية للأفهام، وحضور الحاسة النقدية وغياب حساسية النقد ، وحضورها داخل الدائرة الإسلامية الواسعة.
محمد الغزالي
مفكر صاحب قلم سيال وحس أدبي راق وعقل واع ذكي، عرف بجرأته في الجهر بما يحسبه صواباً، وفي خطته العامة التي يمكن استقراؤها من واقع تآليفه يمكن عده امتداداً للمدرسة الإصلاحية التي نادت بالقراءة المباشرة للنصوص خارج الأطر المذهبية والتاريخية. ولعل هذا الاتجاه من الشيخ الغزالي هو الذي أخرجه من دائرة الحركيين الإسلاميين، والذين عدوه اتجاهاً يخالف أهل الأثر بنزعتهم الموغلة في (الماضي).
__________
(1) راجع على سبيل المثال ما كتبه عن المعتزلة وتحليله لفكرهم بأسلوب لم يسبق إليه، ضحى الإسلام (3/21 - 207) ط مكتبة النهضة المصرية. (1/71)
صفحة 72
ورغم اشتغال الشيخ في أدوار حياته بإشكاليات الحاضر وتقديم الحلول لها، إلا أنه كثيراً ما كان يحاول ربطها بأصولها التراثية ومرجعياتها التاريخية، وهنا لا يتردد في نقدها مهما جر ذلك إليه من نقد وتضييق.
ومن أبرز إشكاليات التراث التي حاول الشيخ قراءتها خارج الأطر المذهبية والتاريخية قضية السلطة وإشكاليات الشورى والاستبداد، فقرر في صراحة أن (تقاليد الإسلام في الحكم تحولت عن مجراها الرشيد على عهد معاوية وأسرته ثم التاث أمر الدين، واضطربت مصالح الناس) (1) ، وأن(محاولة إصلاح الحكم عندنا، تأثر بعقدة صفين أولاً، وتأثرت ثانياً: بما شاع من أحاديث وأحكام كثيرة تسوغ الظلم) (2) ، ورد ذلك الأمر إلى أنه (عندنا أحاديث كثيرة، أكثرها ضعيف أو موضوع - للأسف - جعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل في نطاق محدود) (3) .
بل إنه صب جام غضبه على بعض الرموز التاريخية التي أحيطت بهالة من القداسة واتهمها - بناء على القراءة المباشرة للنص - بأن لها اليد الطولى في غياب مبادئ العدالة والشورى من ذاكرة الوعي العام ، وحضور قيم الاستبداد والظلم في واقع الحياة، وهذا شامل للدولتين الأموية والعباسية بما في ذلك الرمز التاريخي معاوية بن أبي سفيان الذي وصف الشيخ كلامه بأنه (باطل كل البطلان، ولكن السياسة التي لا دين لها حملت وزره، ولا تزال إلى يوم الناس تنفذه) (4) .
__________
(1) الإسلام والاستبداد السياسي ص48، محمد الغزالي، ط دار نهضة مصر.
(2) كيف نتعامل مع القرآن الكريم ص95، محمد الغزالي، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
(3) المرجع السابق ص95.
(4) الإسلام والاستبداد السياسي ص44. (1/72)
صفحة 73
ومن أبرز مؤلفات محمد الغزالي عقيدة المسلم الذي تناول مختلف المباحث الكلامية بأسلوب سهل ميسر للقارئ المعاصر مستثيراً العقل والعاطفة معاً، وفي هذا المؤلف يظهر حضور النص القرآن وهيمنته على الكتاب، لذلك خرج منه بآراء خالفت المستقر في الأجواء التي عاشها الكاتب، ويبرز من خلال هذا الكتاب كذلك حضور الآلة العقلية في فهم النصوص، ولذلك لم تجد كثير من المرويات ذات الطابع (المثيولوجي) حضوراً في طرح الكاتب.
بل إنه استطاع الخروج من عهدة الخلاف الجدلي الكلامي في كثير من القضايا العالقة في العقل المسلم، لينفذ إلى عرض الفكرة بعيداً عن إيحاءاتها كما صنع عند الحديث عن القضاء والقدر.
وبالجملة فإن مفكراً مثل محمد الغزالى يعد امتداداً أصيلاً لفكر المدرسة الإصلاحية من قراءة للنصوص خارج الأطر المذهبية والتاريخية، ويتمثل ذلك من خلال المحاور الآتية:-
1-الحضور البارز للنص القرآني ودلالاته وهيمنته على دوائر التشريع والفكر.
2-عدم التوجس من استخدام آلة العقل في فهم النصوص.
3-القدرة على استخلاص الكليات من استقراء النصوص وعرض الفكر من خلال هذه الكليات، ووضع المفردات الجزئية في إطار من هذه الكليات.
4- تضييق الدائرة الأثرية ذات الحضور البارز في ذاكرة العقل المسلم، وإخضاعها لهيمنة الدلالات القرآنية ودلائل العقل الكلي ومنهج الرواية التاريخية.
عبد الجواد ياسين
قاض سابق لم نقرأ له من المؤلفات سوى السلطة في الإسلام، وهذا الكتاب من أهم وأبرز الإصدارات التي خرجت في الآونة الأخيرة، وحقيقة إن طرح المؤلف في هذا الكتاب قد أذهل الكثيرين، لقوته وعمقه وقدرته الكبيرة على النقد والتحليل، وإبراز نقاط القوة والضعف في منظومة الفكر. (1/73)
صفحة 74
... يقدم المؤلف طرحاً جديداً متكاملاً لجدليات النص والتأريخ، وتأثير كل منهما على الآخر موضحاً أن (أصول الخلل في تأريخ الأمة الإسلامية ترجع إلى بدايات سابقة على الحقبة الغربية بأمد غير قصير) (1) .
... وقد بين المؤلف في هذا الكتاب أن العلمانية المعاصرة قد وقعت في خلط مزدوج :
أولاً: حين خلطت بين النص والتأريخ ، واعتمدت في خدمة دعواها على نقد التأريخ السياسي للمسلمين، الأمر الذي هو في حقيقته ليس مرادفاً موضوعياً للإسلام، لأن الإسلام في نهاية الأمر ليس شيئاً آخر غير النص.
ثانياً: حين خلطت في خصوص السلطة بين (الشكل) و(الموضوع)، فأسقطت الأدلة النصية والتاريخية التي تنفي الإلزام بشكل معين من أشكال السلطة على منهاج السلطة الموضوعي نفسه (2) .
يدور الكتاب في ثلاثة محاور وهي:
1-إشكالية عملية التدوين للنص الحديثي وتداخلها مع جدليات التاريخ مما أوجد ظاهرة (التنصيص السياسي).
2-منهج التعامل مع الرواية الحديثية عند المحدثين ماله وما عليه.
3-تأثير السلطة في بنية النص والعقل.
... وهذا الكتاب يمثل تتويجاً لجهود الأفغاني ومحمد عبده في قضية التعامل المباشر مع النص خارج الأطر المذهبية والتاريخية ، حيث قدم أطروحة شاملة لأكبر مشكلة عالقة في ذاكرة العقل المسلم وهي قضية السلطة.
الزمن القادم
__________
(1) السلطة في الإسلام ص7، عبد الجواد ياسين، ط المركز الثقافي العربي.
(2) المرجع السابق ص12. (1/74)
صفحة 75
... هناك أسماء كثيرة سارت على درب مدرسة الإصلاح بمنهجها القائم على التعامل المباشر مع النص، ومن هؤلاء سيد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، وأبو الأعلى المودودي في الخلافة والملك، وأحمد الكاتب في تطور الفكر السياسي الشيعي وغيرهم، ولكن الذي يلاحظ أن هؤلاء لم يستطيعوا حتى الآن تكوين تيار قوي، يتناسب والطرح الراقي الذي قدمته مدرسة الإصلاح، إن الحضور البارز في الساحة الإسلامية منذ القرن الرابع وإلى يومنا هذا ما يزال لأطروحات المدارس الأثرية بمختلف اتجاهاتها، وكان من المتصور أن يكون للمدرسة الإصلاحية المكانة البارزة خلال الخمسين سنة الماضية، ولكن ظهور اتجاهات أثرية جديدة على الساحة قلب كافة الموازين، إذ عصفت رياحها العاتية في كل اتجاه، فكان من الطبيعي أن يعد إنتاج من ذكرنا (شذوذاً)، له إرهاصته العقلية والاجتماعية، فيأتي من بعد من (يرمم) ويصحح، وهكذا توءد التجربة وتدفن، ورجع ذلك إلى أمور منها:
1-الحضور البارز للمدرسة الأثرية بمختلف اتجاهاتها ، والعقل المسلم المعاصر- إلا قليلاً - هو امتداد تاريخي لها، ومن أبرز خصائص المدرسة الأثرية خفوت هدير الآلة العقلية في أدبياتها، لذلك لم تلق أطروحات الإصلاحيين سوى الجحود والنكران في أحسن الأحوال.
2- أن العقلية الأثرية في مجملها عقلية جمعية تضمر فيها حاسة النقد وتتعاظم معها حساسيتها للنقد، ومع غياب الحاسة النقدية لا يمكن قبول أي فكر ذي نزعة تحررية من الوصاية (السلفية) عليه.
3-عدم اكتمال نظريات مدرسة الإصلاح وحداثتها بالمقارنة مع أطروحات استقرت أسسها منذ نهاية القرن الرابع الهجري ، أضف إلى ذلك بعض العثرات في الاستقراء التي وقع فيها بعض منظري مدرسة الإصلاح والتي استغلها خصومهم للتشنيع عليهم وتشويه صورتهم. (1/75)
صفحة 76
... عموماً إن الزمن القادم بتحدياته وتجلياته يفرض علينا أن نبدأ بالتخلص من عقدنا التاريخية التي ظلت حاجزاً بيننا وبين المراجعة الشاملة للتراث، إن علينا أن نختار بين سمعة الإسلام وقداسته وبين آراء بشرية أضفيت عليها هالة من القداسة والعصمة، علينا أن نشتغل بعرض الإسلام نقياً صافياً من أكدار الآراء البشرية والمفردات التاريخية، من خلال النص الخالص، من خلال التعامل المباشر معه خارج الأطر المذهبية والتاريخية.
نظرة في أحاديث الفتن والملاحم
إن شيوع بعض المرويات في ثقافتنا كان له أكبر الأثر في تعطيل الطاقات الكامنة في نفوس أبناء هذه الأمة ، ورغم أن بعضاً من هذه المرويات صحيح إلا أنه لم يتم التعامل معها في إطار منهج سليم يضعها في موضعها الصحيح، ويحدد لها الحيز الذي يجب أن تحتله ، بحيث لا تشغب على الحقائق الكبرى المستفادة من النصوص القاطعة، وسنحاول في هذه العجالة أن نعرض بعضاً من هذه المرويات وكيفية التعامل معها.
... قواعد عامة
? عرف علماء المصطلح الحديث الصحيح بأنه الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ، ولا يكون شاذاً ولا معللاً (1) . نظمها الحافظ العراقي بقوله:
وأهل هذا الشأن قسموا السنن ... إلى صحيح وضعيف وحسن
فالأول المتصل الإسناد ... بنقل عدل ضابط الفؤاد
عن مثله من غير ما شذوذ ... وعلة قادحة فتؤذي
...
__________
(1) اختصار علوم الحديث ص21، ابن كثير، بتعليق الشيخ أحمد شاكر ط مؤسسة الكتب الثقافية. (1/76)
صفحة 77
ورغم أن العلماء كافة يتداولون هذا التعريف إلا أن البعض ما يزال يظن أن صحة السند كافية للحكم على الحديث بأنه صحيح، مع أن علماء المصطلح قالوا: إن صحة السند شرط من شروط الحكم بالصحة، ولكن لابد أن يخلو المتن من الشذوذ والعلة، قال ابن كثير: (والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن إذ قد يكون شاذا أو معللاً ) (1) ، وقال السيد محمد رشيد رضا في المنار:( وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة، مخالفة راويه لغيره من الثقات، فمخالفة القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه) (2) .
? حديث الآحاد- وهو ما سوى المتواتر- يفيد العمل ولا يفيد العلم، أي أنه لا يقطع بثبوته فلا يعول عليه استقلالاً في قضايا الاعتقاد كمسائل الصفات والوعد والوعيد وغيرها، لأن الاعتقاد ثمرة اليقين وحديث الآحاد ظني فكيف يبنى قطعي على ظني؟!!، وهذا القول سار عليه جمهور الأمة المحمدية، وممن قال به أصحابنا قاطبة والمعتزلة والزيدية، وجمهور الحنفية والشافعية وجماعة من الظاهرية، وهو مذهب مالك على الصحيح وعليه جمهور أصحابه، وبه قال كثير من الحنابلة، وهو المشهور عن الإمام أحمد (3) ، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
__________
(1) اختصار علوم الحديث ص37، ابن كثير بتعليق الشيخ أحمد شاكر ط مؤسسة الكتب الثقافية.
(2) تفسير المنار (1/85-86)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر.
(3) السيف الحاد ص8، الشيخ سعيد القنوبي، الطبعة الثالثة. (1/77)
صفحة 78
- لو أفاد خبر الآحاد العلم- أي القطع - لوجب تصديق كل خبر نسمعه ، ولكنا لا نصدق كل خبر نسمعه ولو كان ناقله ثقة، ولمزيد بيان قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ:(وكان أبو بكر-رضي الله عنه- أول من احتاط في قبول الأخبار، فروي ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورّث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، وما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه أبو بكر -رضى الله عنه) (1) .
... فإذا كان أبو بكر- رضى الله عنه- يتثبت في قبول الأخبار في العمليات، فكيف نقبل أي رواية في باب الاعتقاد؟!.
? احتمال الذهول والنسيان والخطأ وارد في حق رواة الآحاد، ولا يمكن استبعاد أي راو من هذه القاعدة، بل حتى أعدل رواة الآحاد يجوز في حقهم الكذب، إذ أن حكمنا على شخص ما بأنه عدل حكم بالظاهر فحسب، وإلا فما أدرانا بخبايا النفوس.
والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - طبقوا هذا المنهج على بعضهم البعض، ومن ذلك رد عمر ابن الخطاب- رضي الله عنه- حديث فاطمة بنت قيس الذي فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها نفقة ولا سكنى فقال -رضي الله عنه- ( لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت) (2) .
__________
(1) تذكرة الحفاظ (1/2)، محمد بن أحمد الذهبي، ط دار الكتب العلمية بيروت.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي (10/104)، دار إحياء التراث العربي بيروت. (1/78)
صفحة 79
إن الحكم بالصحة على حديث ما حكم بالظاهر لاحتمال أن يكون الواقع بخلاف ذلك، وعلى هذا اتفق علماء المصطلح أن التصحيح والتحسين والتضعيف أمور ظنية، وقد وجدنا كثيراً من العلماء يحكمون على أحاديث بأنها صحيحة، ثم يتبين لهم بعد ذلك بأنها ضعيفة والعكس كذلك، وكل ذلك يدل على أن الآحاد لا يفيد القطع، وإلا لزم أن يقطع الإنسان اليوم بكذا وغدا بضده، وهذا لا يخفى بطلانه على أحد، وكما يقال: وبضدها تتميز الأشياء، فأحد الذين ينكرون هذا الذي نقوله وقع في مثل هذا التناقض، فقد قال عن الحديث الذي رواه الخلال في كتاب السنة من حديث قتادة بن النعمان قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وقال: إنها لا تصلح لبشر) قال عنه في مختصر العلو: (رواته ثقات رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة له) (1) .
... فيلزم بذلك أن يعتقد بما في هذا الحديث اعتقاداً جازماً، وجاء بعد فترة وحكم على هذا الحديث بالضعف في سلسلة الأحاديث الضعيفة حديث رقم (775) (2) ، وبذلك نقض هذا الشيخ اعتقاده، ولا ندري لعله يجد لهذا الحديث الموضوع شواهد ومتابعات فيرجع إلى اعتقاده الأول، وهكذا هو حال من أسس عقائده على الظن { إن الظن لا يغني من الحق شيئاً } يونس 10.
? لو أفاد خبر الآحاد العلم لما تعارض خبران، لأن العلمين لا يتعارضان، ولكن وجدنا التعارض في أخبار الآحاد، حتى أن العلماء في مباحثهم الفقهية والأصولية خصصوا أبواباً طويلة لمناقشة ظاهرة التعارض بين أخبار الآحاد، ووضعوا قواعد للجمع والترجيح بينها، وهذا أمر لا يخفى على أحد فيما أظن.
__________
(1) مختصر العلو ص98، محمد ناصر الدين الألباني، ط المكتب الإسلامي.
(2) سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 2/177)، محمد ناصر الدين الألباني، ط المكتبة الإسلامية عمّان. (1/79)
صفحة 80
? الرواية بالمعنى من أكثر المحدثين، والرواية بالمعنى لا يؤمن معها الغلط، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أن كثيراً من الرواة ليس لديهم كثير فقه يمكنهم من فهم ما يروون، بل إن بعضهم من الأميين وأشباههم، وبعضهم من الأعاجم الذين لا معرفة لهم بلسان العرب، ولا ننس كذلك الرواسب الثقافية المتخلفة عن الديانات والملل السابقة لبعض أولئك الرواة، وهذا قد يفسر كثيراً من المرويات التي رويت ولوحظ عليها صبغة الثقافات السابقة على الإسلام، ومن تتبع الروايات في ذلك علم صدق ما نقول، ولا نترك هذا الكلام عاماً دون ضرب أمثلة على ذلك:
? روى مسلم من طريق معاوية بن الحكم من قصة الجارية التي قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : أين الله؟، قالت: (في السماء). فهذا اللفظة (أين الله؟) والجواب عليها، من أين جاءت؟!، أليست من بعض الرواة الذي لا يفقهون شيئاً في العربية؟!، أو كونهم من الضعاف في الفقه، أو ممن يعتقدون التشبيه والتجسيم أو.. أو.. احتمالات كثيرة، ومن المعلوم أن الله سبحانه تعالى لا يُسأل عنه بكيف، وكيف عنه مرفوع، لأنه سبحانه لا تحده الأزمنة والأمكنة، والقاعدة في ذلك قوله سبحانه: { ليس كمثله شيء } الشورى 11، وقد أبطل العلماء هذه اللفظة من عشرة أوجه (1) .
? روى البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله عز وجل: ( ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ).
__________
(1) السيف الحاد ص131-146،الشيخ سعيد القنوبي، الطبعة الثالثة. (1/80)
صفحة 81
... وفي إسناد هذا الحديث خالد بن مخلد القطواني وشريك، فأما خالد فقال فيه الإمام أحمد: له مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحتج به (1) ، وشريك فيه مقال أيضاً وله انفرادات بألفاظ منكرة (2) ، قال الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: (ومما انفرد به ما رواه البخاري في صحيحه) وذكر هذا الحديث ثم قال: (فهذا حديث غريب جداً، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد ، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ ، ولم يرد هذا المتن إلا بهذا الإسناد ولا خرجه من عدا البخاري ولا أظنه في مسند أحمد) (3) .
وقال السيد حسن السقاف: (والخلاصة أن حديث من عادى لي ولياً صحيح إلا لفظ (التردد) الذي فيه لا يثبت لاحتمال أن يكون من تصرف الرواة، وخصوصاً أن فيه ضعفاء والله تعالى أعلم) (4) .
? روى البزار والطبري وأبو يعلي والدارقطني طريق عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله)، وعلى ما في هذا الحديث من ضعف في السند، فإنه موضوع المتن.
ولا يخفى على منصف الصبغة اليهودية التجسيمية على هذا الحديث الموضوع، ولا تعجب عندئذ أن تجد دعاة التجسيم المحسوبين على هذه الأمة يسارعون إلى ضم هذا الهراء إلى مستودعات الحشو، ودعوة الناس إلى اعتقاد هذه الترهات رغم معرفتهم ببطلانها.
اليأس والسلبية
__________
(1) تهذيب التهذيب(2/75)، أحمد بن علي العسقلاني، ط دار المعرفة بيروت.
(2) المرجع السابق(2/491-493).
(3) ميزان الاعتدال (1/641-642)، محمد بن أحمد الذهبي، ط دار الفكر للطباعة والنشر.
(4) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ابن الجوزي، تعليق السيد حسن السقاف ص264-265 ط دار الإمام النووي. (1/81)
صفحة 82
إن أخطر ما يفتك بالإنسان اليأس والقنوط، لأنهما يقتلان كل طاقة كامنة فيه، ويحطمان كل رغبة في الخير عنده، ولذلك كان القنوط منافياً للإيمان قال الله تعالى: { إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون } يوسف87، إن على الإنسان أن يسعى لتحقيق الخير دائما وأبداً، لا يقنط ولا ييأس ولا يستكين قال تعالى { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين } آل عمران146، ولذلك كان اليأس من الإصلاح منافياً للسنن الإلهية التي اقتضت
{ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } الأنبياء 105
{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } المجادلة21
ولكن المشكلة تعظم عندما تشيع مرويات يتداولها العوام، ويقرأونها في مجالسهم، ثم يقومون وقد امتلأت قلوبهم باليأس، يطلب كل واحد منهم العزلة لنفسه، بعيداً عن المجتمعات التي لا يمكن بحال من الأحوال إصلاحها، وهنا لنا وقفة، هل يمكن أن تجيء الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذه المعاني وهو القائل: (استعن بالله ولا تعجز) ؟!! ، الجواب بالنفي طبعاً، ولكن في غياب التوجيه السليم، يلتقط هؤلاء هذه المعاني ويطيرون بها في كل مجلس.
... ولنأخذ على ذلك مثالاً الحديث رواه الإمام البخاري بسنده إلى الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس ابن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: (اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ). يتخذ هؤلاء من هذا الحديث حجة في القعود عن الإصلاح، بدعوى أن الشر عم والبلاء طم، ونحن ننتقل من سيئ إلى أسوأ حتى تقوم الساعة على شرار الناس، ويحق لنا أن نتساءل هل هذا الكلام صحيح؟!، إن العلماء قد وجهوا مثل هذه الروايات توجيهات مختلفة:
? فالإمام الحسن البصري حمل الحديث على الأكثر الأغلب، وقال: لا بد للناس من تنفيس. (1/82)
صفحة 83
? وابن مسعود - رضي الله عنه - حمله على ذهاب أهل العلم.
? وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أنه (يحتمل أن يكون المراد بالأزمنة أزمنة الصحابة بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك، فيختص بهم، فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور لكن الصحابي فهم التعميم، فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر، وهم -أو جلهم - من التابعين ) (1) .
فكما ترون من أقوال العلماء في توجيه الحديث، أنهم جميعاً لم يفهموا هذا الحديث كما فهمه أولئك المتشائمون، وأما الأمر بالصبر في هذا الحديث ليس معناه الرضا بالواقع القائم، إنما غاية ما فيه الصبر عند عدم القدرة على تغيير الواقع القائم، وفرق شاسع بين الرضا والصبر.
__________
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/26)، أحمد بن علي العسقلاني، ط دار الكتب العلمية بيروت. (1/83)
صفحة 84
ومثال آخر بعض المرويات التي فيها الرضا بالواقع المر والتحذير من تغييره، وحقيقة إن مثل هذه المرويات يجب أن تدرس في ضوء الواقع التاريخي التي رويت فيها، حيث إنها ظهرت في أوقات تمكنت فيها بعض قوى الشر من السيطرة على مقدرات الأمة، فكرست جهودها لتخدير الجماهير الثائرة، وإبعادها عن الرغبة في تغيير الواقع، ومن تأمل الواقع التاريخي وجد أن الجيل الأول من الصحابة والتابعين لم يعرفوا مثل هذه المرويات، وإنما شاعت وذاعت بعد عهدهم بفعل العوامل التي ذكرناها، وهي مصادمة لأبسط دلالات العقل والنقل، ولا يعتد بعد ذلك إنها رويت في كتاب كذا أو كذا، ومن أمثال هذه المرويات ما رواه مسلم عن حذيفة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك. قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ). فأين هذه الرواية من قول الله عز وجل: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل - إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } الشورى41-42، وقد كفانا الإمام الدارقطني أمر هذا الرواية بقوله: (هذا عندي مرسل لأن أبا سلام لم يسمع من حذيفة ) (1) ، ومثل هذه الروايات لا شك أنها تشيع استكانة وتسليماً بالواقع المخالف للحق، وهذا كفيل بإهدار طاقات وقدرات أبناء الأمة، إن على الأمة بكافة أفرادها أن تسعى لحياة نظيفة ملؤها الإيمان، وإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
__________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي (12/237)، ط دار إحياء التراث العربي. (1/84)
صفحة 85
وأخطر من ذلك كله أن تحبس الأمة وتسجن في قفص التبعية لحفنة من البشر، يحاولون بكل ما أوتوا أن يصبغوا هذه التبعية بصبغة دينية تبرر هذه الانتكاسة، ولقد عانت الأمة من ذلك كثيراً عبر أدوارها التاريخية، بل أقول: إن معظم مشكلاتنا المعاصرة هي إفراز من إفرازات تلك القضايا، إننا نعاني من مشكلة اسمها التأريخ، وما لم نقف عند تلك المشكلات ونعالجها بكل وضوح وجرأة فسنظل ندور كما يدور الحمار بالرحى، إن البعض لا يزال يروج لتلك الانحرافات التاريخية، ويخترع لها شتى المعاذير والتأويلات، وإسقاطات تلك الأوضاع ما تزال تطاردنا في معالجتنا لكثير من قضايا الحياة، إن الوقوف أمام تلك الإشكاليات التاريخية ليس من قبيل المذهبية البغيضة ولا الطائفية المقيتة، إنما هو جهد فكري يتطلبه واقعنا لإخراج الطاقات الكامنة لهذه الأمة، والتي قتلتها تلك الأفكار، وحكمت علينا بالذل والهوان، ومن تلك الإشكاليات قضية اشتراط القرشية في الحكم (1) ،
__________
(1) قال المستشار عبدالجواد ياسين في (السلطة في الإسلام) ص341- 344: ( أخرج البخاري في (صحيحه) من طريق الزهري قال: كان محمد بن جبير ابن مطعم يحدث أنه (بلغ معاوية -وهم عنده في وفد من قريش- أن عبدالله ابن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين) .
ومرة أخرى يرد النص مسبباً من جهة الراوي غير مسبب من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - . والراوي هو معاوية وسبب الرواية ، هو خوف معاوية من طموحات القبائل ونوازع الطامعين إلى السلطة. ويشير الغضب الذي أبداه معاوية إلى تلك الحساسية التي تكلمنا عنا. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الموضع هو : لماذا يتصادف أن يسمع معاوية وعمرو حديث القرشية من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بينما لا يسمعه أبو بكر وعمر وسعد وعبدالرحمن وطلحة والزبير، على الرغم من أن هؤلاء هم الأطول صحبه والأكثر معية؟ وهل يحق لنا الاعتراض على من يربط في هذا الصدد بين الحاجة إلى التحديث وبين التصريح بالسماع؟ .
لقد كانت الحاجة إلى النص واضحة جلية، وهي دفع طموح القحطانيين إلى السلطة، أوسد الطريق أمام أية مطامع محتملة منهم فيها ، لا سيما وأن معاوية لم يفرغ بعد من سد المطامع المتبقية لدى سائر قريش، ولا من تهديدات الخوارج.
وكما أشار الحديث عن (الملك القحطاني) حساسية معاوية وفجر غضبه، فقد أثار مشكلة أمام الشراح السلفيين، من حيث كونه يناقض الروايات الواردة بالقرشية ، لا سيما وأنه مروي في (صحيح البخاري) من طريق أبي هريرة مرفوعاً على النحو التالي ( لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه). ويؤكده حديث آخر مروي عند أحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم، وصيره في قريش، وسيعود إليهم). وقد علق ابن حجر على هذا النص بأن (سنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني، فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان ).
ولأن هيبة البخاري السلفية لم تكن قد ولدت بعد، وكذلك لأن معاوية كان يفهم جيداً في مسألة التنصيص السياسي فقد بادر على الفور إلى رد حديث القحطاني، رغم أن الذي حدث به فيما بلغه هو عبدالله بن عمرو بن العاص. وقد اشتد معاوية في رده للحديث حتى وصف رواته بأنهم (جهال) يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
أما شراح النصوص الذين أدركتهم هيبة البخاري، فقد كان عليهم مواجهة المشكل الذي يصنعه التناقض بين حديث القحطاني وأحاديث القرشية، من غير أن يضطروا إلى رد أي منها من جهة المتن، وكيف يردونها وقد وردت جميعاً بأسانيد صحيحة في صلب البخاري. فماذا صنعوا؟
كان الحل كالعادة –هو اللجوء إلى الوسيلة (الخالدة) المعهودة في فك التناقض (وكثيراً ما هو) بين النصوص المنسوبة إلى السنة، لا سيما النصوص الأخبارية والسياسية، ألا وهي (التأويل). وقد اقتضى الأمر هذه المرة من ابن حجر أن يلمز أبا هريرة، راوي حديث القحطاني، (وراوي حديث القرشية أيضاً) لمزاً صريحاً حين قال (ولعل أبا هريرة لم يحدث بحديث القحطاني حينئذ، فإنه كان يتوقى مثل ذلك كثيراً، وإنما يقع منه التحديث به في حالة دون حالة ، وحيث يأمن الإنكار عليه) وابن حجر يريد من وراء هذا اللمز، تفسير قول معاوية إن هذه الأحاديث لا تؤثر عن رسول الله، ليصل إلى أنها مأثورة عنه وأن أبا هريرة لم يخترعها اختراعاً، ولكن معاوية لم يسمعها منه. ولكنه في سبيل الوصول إلى هذه الغاية، وصف أبا هريرة بالجبن، وإخفاء النصوص (وهذا ضرب من التنصيص غير المباشر أو التنصيص بالامتناع). وإن صح ما يرجحه ابن حجر عن السكوت العمدي لأبي هريرة –وهو أمر لا نستبعده. من جانبنا- فإن معناه بالضرورة أن أبا هريرة كان على وعي (بالتناقض) بين هاتين الروايتين، راوية القرشية، وراوية القحطاني، الأمر الذي يدفع إلىالسؤال التالي:كيف يتسنى لأبي هريرة أن يكون راوياً لحديث القرشية المتفق عليه عند البخاري ومسلم، وراوياً في نفس الوقف لحديث القحطاني الذي يتصادف أن يكون بدوره متفقاً عليه أيضاً عند البخاري ومسلم؟ .
على أن هذا التناقض –وقد مر بنا الكثير من نماذجه في فقرات هذا الفصل-لم يعد يدهشنا في الحقيقة، لأنه أحد النتائج الضرورية لطوفان الرواية في عصر التدوين، ومع ذلك فنحن نعجب من الصورة التي ترسمها هذه الروايات للإسلام، إذ تبدو مناقضة تمام التناقض للصورة التي يرسمها له القرآن والسنة المتواترة ففيما يبدو الإسلام القرآني ديناً يخاطب الإنسانية كلها عبر الزمان والمكان، تصر هذه الروايات على الربط بين الإسلام ومفردات العرب التاريخية والإقليمية، فإذا خرج الأمر من يد قريش، فلا بد أن يكون إلى حمير، وكأن الإسلام والعالم سيظلان أبد الدهر في الجزيرة العربية. وكأن الإسلام لا يخاطب البشرية بأسرها والأرض بطولها وعرضها، وكأن هذه الروايات القرشية والقحطانية، شأنها في ذلك شأن أحاديث الفتن، تختزل العالم في العرب ما بين قحطان وعدنان وقريش.
فأما الإصرار على أن هذه الروايات (صحيحة) بسبب ورودها في البخاري ومسلم ، فهو يعادل الإصرار على وصم الإسلام بالإقليمية، وتلك جناية كبرى في حق الإسلام، تنطوي على ظلم فادح لحقيقته، تلك الحقيقة التي لا يجوز التعبير عنها، إلا من خلال الوحي الخالص، أي خلال من خلال النص الثابت ثبوتاً قطعياً لا شك فيه .
إن على العقل الإسلامي الراهن أن يختار بين خيارين لا ثالث لهما، بين المخاطرة بحقيقة الإسلام وسمعته في العالم، وبين التضحية بتلك القداسة الزائفة التي أضفاها السلف على أخبار الآحاد، حين رادفوا بينها وبين مصطلح السنة، لا سيما عند ورودها في البخاري أو مسلم. عليه أن يختار بين الإسلام في ذاته، أي الإسلام كما يعرضه الوحي الخالص ، أي النص الثابت ثبوتاً قطعياً لا شك فيه، وهو ما لا يتوافر إلا من خلال القرآن والسنة المتواترة العملية، وبين الإسلام في التاريخ، أي الإسلام كما كتب في عصر التدوين على يد فريق واحد من فرق السلف هو فريق أهل الحديث، الذي صنعوا بأنفسهم إشكالية الرواية وأحاديث الآحاد ، ثم راحوا يفرضون على الأجيال، حلولهم المقترحة لها من خلال المنهج الإسنادي التقليدي لعلم الحديث، وهو المنهج الذي لم يستطع أن يمنع ظهور هذه الروايات المناقضة للتاريخ، والمعارضة للقرآن، والمنافية لمنطق العقل الكلي المفطور). (1/85)
صفحة 86
وكما لا يخفى على أحد أن سلب بني أمية الحكم من الأمة وتسلطهم على رقاب العباد أوجد بيئة ثقافية خصبة لنشر فكرة حتمية القرشية في الحكم، وروجت هذه الفكرة بين أوساط العلماء ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير، وحورب كل اتجاه يدعو إلى خلاف هذه الفكرة، والداعي إلى اختيار الأفضل والأكفأ لهذه الأمة من خيرة أبنائها.
روى البخاري في صحيحه برقم (7140): أن معاوية بن أبي سفيان -وهو من أرسى دعائم حكم الأمويين - عندما بلغه وعنده وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:(أما بعد، فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين). ولو تريث معاوية قليلاً لروى الحديث الآخر الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: (يهلك أمتي هذا الحي من قريش)، ورواية البخاري :(هلاك أمتي على يد أغيلمة من قريش) وقد وقع ذلك بالفعل. (1/86)
صفحة 87
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: ( كانت نهاية الخلافة الراشدة واستحكام الدولة الأموية - التي كانت باختصار دولة عربية أكثر منها إسلامية - انتقالاً جديداً في تاريخ الإسلام، وفرصة انتهزتها الجاهلية التي كانت لا تزال بالمرصاد، فعاشت النزعات التي قضى عليها الإسلام، وعادت العصبيات القبلية والنخوة الجاهلية) (1) إلى أن قال: (وقد أصبح بيت المال الذي كان ملكاً للأمة، ملكاً لفرد واحد خاضعاً لشهواته وتصرفاته، وكان المبدأ الإسلامي المسيطر على هذه الأمور هو ما ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كلمته الجامعة (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) فأصبح المبدأ المسيطر على هذا العهد (تؤخذ من فقرائهم وترد إلى أغنيائهم وأمرائهم وشعرائهم).
أحاطت بالخليفة هالة من الشعراء المحترفين والندماء المتزلفين المتملقين، تنفق عليهم أموال الصدقات بسخاء، وبينما كان علي- الخليفة الراشد -يعاتب أحد عماله على أنه حضر دعوة لقوم (عائلهم مجفو وغنيهم مدعو) أصبحت دعوة الأغنياء وإكرامهم وطرد الفقراء وأهانتهم عادة فاشية متبعة، وبينما كان الفاسق يقصى ويخفى، أصبح يكرم ويدنى لشعره أو غنائه في السياسة أو مصالح الدولة) (2) .
إلى أن قال:( وظلت الحكومة الأموية تؤثر في الميول والنزعات وفي مقاييس الحياة، وتفعل فعلها الطبيعي في المجتمع والحضارة والأخلاق والاجتماع، وظلت الشخصيات الدينية تفقد نفوذها على مر الأيام وينتقص عددها، وتضيق دائرة نفوذها) (3) .
أزمة التاريخ
__________
(1) رجال الفكر والدعوة في الإسلام ص33-39، أبو الحسن الندوي، ط دار القلم.
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق. (1/87)
صفحة 88
إننا لا نزال نعاني من مشكلة اسمها التاريخ، إنها عبارة عن قضايا ساخنة تم تبريرها بأساليب عجيبة يحار منها عقل اللبيب، وتظهر فيها آثار الصنعة السياسية، ونحن لا نود أن نقلب صفحات الماضي وننكأ الجراح القديمة، إذ أن الحاضر بتحدياته كاف في صرف كل جهودنا إليه، ولكن المشكلة تكمن في إسقاطات هذا الماضي على حاضرنا، إنه يمثل عقدة لنا كلما تقدمنا خطوة إلى الأمام يرجعنا مائة إلى الخلف، وما لم نقف أمام تلك الإشكاليات التي بلبلت العقل المسلم وجعلته عقلاً يؤمن بكل ما يلقى إليه، فسنسقط في دوامة التاريخ ولن نخرج منها.
... خذ أيها القارئ المسلم على سبيل المثال الأحاديث التي تروى في الصحاح والسنن والمسانيد، والتي تصنف تحت باب التحريض على قتل الخوارج، أو ما جاء في ذكر الخوارج ، ثم يأتي الشراح فيحملونها على أقوام بعينهم ويجزمون بأن الأحاديث قد قصدتهم، وأن الاتفاق قد جرى على ذلك. وقبل أن نعلق على أي منها نسوق طائفة منها:
? روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق جابر ابن عبد الله- رضي الله عنه- قال: (أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبض منها يعطي الناس. فقال: يا محمد اعدل. قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت إن لم أكن اعدل. فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ).
? ومن طريق أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- ( إن من ضئضي هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد). (1/88)
صفحة 89
? وروى الإمام مسلم كذلك عن يحيى بن سعيد يقول أخبرني محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرها: قال: لا أدري من الحرورية، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:(يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء).
? وروى الإمام مسلم كذلك عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق، هم شر الخلق أو من أشر الخلق، يقتلهم أدني الطائفتين إلى الحق)، إلى أن قال:(وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق).
ولنا وقفات مع هذه الروايات :
أولاً : إن كثيراً من هذه الروايات لم تذكر طائفة بعينها هي المقصودة، ولكن ينطبق هذا على كل من كانت هذه صفته، وعلى هذا حمل أصحابنا هذه الروايات على علماء السوء الذين يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، ومن تأمل هذه الروايات في الصحاح والسنن والمسانيد علم صدق ما نقول. (1/89)
صفحة 90
ثانيا: حمل الروايات وغيرها على أهل النهروان والتحامل الشديد عليهم، ينبغي أن ينظر إليه بعين الحذر والشك، لأن أصابع السياسية الغاشمة بادية عليه، ولا يخفى أن تلك الفتنة العمياء التي غشيت المسلمين وشقت صفوفهم ساهمت في صعود الأمويين إلى سدة الحكم وتحكمهم بمقدرات الأمة، وبما أن بقايا النهروانيين الذين رفضوا التحكيم من أول الأمر يعدون في مقدمة صفوف المعارضين للحكم الأموي، فلذلك كيلت التهم لهم كيلاً وساهم الإعلام الأموي في تشويه صورتهم، والتشكيك في نبل مقصدهم، وزاد الطين بلة ظهور اتجاهات متطرفة من بقايا النهروانيين فيما بعد استغلها الإعلام الأموي في تأكيد ما كان يدعو إليه قبل. (1/90)
صفحة 91
ولذلك لا تعجب أن تجد في بعض تلك الروايات ما يدل على أن فيهم علامة كذا، وأن من قاتلهم وجدها..إلى غير ذلك، وأكتفي هنا بمثال واحد على الخبط واللبط في متون تلك الروايات التي ذكرتها: ففي إحدى الروايات أن أبا سعيد الخدري- رضي الله عنه- عندما سأله أبو سلمة وعطاء بن يسار: هل المقصود بتلك الروايات أهل النهروان - الحروريون- فأجابهم بعدم علمه بذلك، ولكنه روى لهم الحديث الذي سمعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي رواية أخرى يجزم فيه أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- بأنهم المقصودون بهذا الحديث، ويهنئ أهل العراق بفعلتهم تلك!!، وفي روايات أخرى عنه -رضي الله عنه- تذكر أن علامتهم رجل أسود إحدى يديه مثل ثدي المرأة (1) !!.
يقول العلامة السالمي عند الكلام على هذا الحديث:(وللقوم في ذلك أهويه حملت بعضهم على وضع أحاديث في القضية، وبعضهم على تأويل الصحيح على غير وجهه. قال القطب: وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد يصح الحديث ويزيدون فيه، وقد يصح الحديث ويؤولونه فينا وليس فينا) (2) .
__________
(1) يقول الأستاذ ناصر السابعي في الخوارج والحقيقة الغائبة ص304: (أن زيادة ذي الثدية عن أبي سعيد تفرد بها الزهري عن أبي سلمة، وأصحاب أبي سلمةلم يذكروا هذه الزيادة، وهم: محمد بن إبراهيم التيمي، والأسود ابن العلاء ومحمد بن عمرو، بل إن لفظ البخاري من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري، فسألاه عن الحرورية: أسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟، قال: لا أدري ما الحرورية؟،سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول( يخرج في هذه الأمة ... ... الخ ) ، بدون زيادة ذي الثدية).
(2) شرح الجامع الصحيح (1/58-59)، عبدالله بن حميد السالمي، ط مكتبة الاستقامة. (1/91)
صفحة 92
وقال قبل ذلك: (ثم ساق الحديث مع زيادة في آخره واختلاف في بعض الألفاظ وذكر في آخره: أن آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأشهد أن علي بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس حتى نظرت إليه على نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي نعته. وهذه الزيادة لم يروها جابر بن زيد، وهو قد سمع الحديث من أبى سعيد أيضاً، أتراه يأخذ عن أبى سعيد ويسمع منه ذلك ثم يتولى من كان هذا وصفه؟، كلا بل هو أورع من ذلك، وقد أدرك عصر الصحابة وسمع من كثير منهم، إني لأنزه البخاري عن الكذب، لكنه يأخذ عن أهل الأهواء والمرجئة ثقة بهم، وإن لهم أهواء لا يؤمنون معها على نقل ما يخالف ما هم فيه) (1) .
ثالثاً: العجيب أن هذه الروايات لم تحمل قط على من بدلوا معالم الخلافة الإسلامية وحولوها ملكاً عضوضاً، وساموا الناس سوء العذاب، وأكلوا المال الحرام، وقتلوا النفوس المؤمنة بالآلاف، كل تلك التجاوزات وغيرها يغض الطرف عنها تحت شتى المعاذير والتبريرات الباطلة، مع أن كل الأوصاف الواردة في الحديث تنطبق عليهم .
__________
(1) شرح الجامع الصحيح (1/56-57) ، عبدالله بن حميد السالمي ، ط مكتبة الاستقامة. (1/92)
صفحة 93
خذوا على سبيل المثال: تناول الشراح للحديث المتفق عليه (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية)، فتجد بعضهم يعلنها صريحة وينقل الإجماع بأن فئة معاوية هي الفئة الباغية ثم يتبع ذلك بعبارة- رضي الله عنه-، ويعلن أن معاوية كان مجتهداً !!، وإذا كان معاوية مجتهداً لماذا لا يكون الباقون مجتهدين؟! (1) .
وكيف يسوغ لمعاوية الاجتهاد في مخالفة الحق الواضح ولا يسوغ لغيره ؟!، تساؤلات كثيرة لا تكفي الإجابة عنها رواية (يقتلهم أولى الطائفتين بالحق) (2) .
وقد تساءل البعض: ما الفائدة من تقليب صفحات هذا التاريخ ؟!، ولماذا لا نلتفت إلى حاضرنا ونترك مثل هذه القضايا التي أكل الدهر عليها وشرب ؟!.
ونحن نجيب السائل: إننا ندعو إلى ذلك أيضاً، لكن استصحاب ما جره علينا الماضي لا نرحب به أبداً، ولذا لا مانع من المناقشة الهادئة للوصول إلى الحقيقة، وللوصول إلى منطقة وسط تلتقي فيها كل الإطراف، وقد جرَّت مثل هذه القضية التاريخية آثاراً سلبية منها:
? الظلم والعزلة الفكرية لبعض المدارس الإسلامية، التي حوربت عسكرياً وفكرياً بدعوى أنها تنتمي إلى اتجاه يجب استئصاله من جسد الأمة، وقد جر ذلك بدوره إلى سفك الدماء ونهب الأموال وتدمير الكتب والمخطوطات الثمينة وغير ذلك، وما زالت بعض الأصوات تظهر بين حين وآخر تنادي بذلك وتصدر الفتاوى المأجورة التي تحدث فتناً هوجاء (3) .
__________
(1) للأستاذ ناصر بن سليمان السابعي دراسة موسعة حول الأحاديث الواردة في الخوارج سماها الخوارج والحقيقة الغائبة، تناولها من الجانبين التأريخي والحديثي، وهذه الدراسة جديرة بالعناية والاهتمام من قبل الباحثين والمهتمين بهذه القضايا.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي (18/41-40)، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.
(3) راجع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ج2، ط دار عالم الكتب. (1/93)
صفحة 94
? نشأة فكر انهزامي يدعو إلى تبرير الواقع المنحرف واختراع شتى التأويلات الباطلة لتبريره وإعطائه طابع الشرعية، ولا شك أن في ذلك تحايلاً على الشرع واتباعاً لخطى من قبلنا شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وفي الحديث الذي رواه مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - (قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه (1) ثم باعوه فأكلوا ثمنه) (2) ، ولو كانت هناك وقفة جادة من قبل علماء المسلمين ومفكريهم لما وجد الباطل أرضاً يقف عليها ولسحب البساط من تحت أقدامه.
? إيجاد الثغرات في منظومة الفكر وهذه الثغرات تظل تتسع إلى أن تصبح منفذاً للأخطاء والانحرافات، بل تصبح هذه الثغرات عقائد يدافع عنها بكل عنف وقسوة.
إن النفرة من كلمة (خوارج) أوجدت رغبة عارمة في حب المخالفة واتخاذ أي سبيل غير سبيل هؤلاء، ولو كان الحق الواضح البين، وتصبح عندئذ منظومة فكرهم (أهواء وبدع)، والكلام عن هذه الجزئية يطول ويحتاج إلى موضوع مستقل، وأرجع القارئ إلى مثال واحد فقط يجده في ترجمة الحسن ابن صالح بن حي في كتاب تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر (3) .
بين يدي الساعة
بين يدي الساعة أحداث عظيمة، وردت فيها أحاديث كثيرة، ومن الأحاديث المتداولة في أشراط الساعة نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وظهور الدجال، وظهور عيسى- عليه السلام- ليكذب الخرافة عن ألوهيته وليكون حجة على من اتخذوه إلهاً مع الله، واستدل على ذلك بالإشارة في قوله تعالى { وإنه لعلم الساعة فلا تمترن بها } الزخرف 61 وأيدت دلالة الإشارة في الآية بالأحاديث الكثيرة في ذلك، والتي قالوا إنها بلغت حد التواتر.
__________
(1) يقال أجمل الشحم وجمله أي أذابه.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي (11/6).
(3) تهذيب التهذيب (1/553-556)، أحمد بن علي العسقلاني، ط دار المعرفة بيروت. (1/94)
صفحة 95
وذهب آخرون إلى أن الأحاديث في ذلك لم تبلغ حد التواتر، فلا يمكن القطع بثبوتها، وذهبت طائفة منهم إلى تأويلها تأويلاً مجازياً، فقالوا: إن نزول عيسى معناه رجوع الإسلام لقيادة دفة الحياة مرة أخرى، والدجال هو الحياة المادية بكل شرورها والتي تمثلت خير تمثيل في الحضارة المعاصرة، ولم يسلم لهم أصحاب القول الأول بتأويلهم هذا ورفضوه تماماً، يقول الشيخ محمد رشيد رضا:(وللعلماء هنا طريقتان إحداهما- وهي المشهورة، أنه رفع حيا بجسمه وروحه وأنه سينزل آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيباً) (1) ، إلى أن قال: (والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح) (2) ، إلى أن قال: (ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان:
أحدهما: أنه من أمور الغيب والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي لأن المطلوب فيها اليقين وليس في الباب حديث متواتر.
__________
(1) تفسير المنار( 3/316)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر.
(2) المرجع السابق ص317. (1/95)
صفحة 96
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلام والأخذ بمقاصد الشريعة دون ظواهرها..) (1) إلى أن قال: (هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح ولكن ظواهر الأحاديث في ذلك تأباه، ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث والناقل للمعنى ينقل ما فهمه، وسئل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له فقال: إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقدير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك) (2) .
أما موقف أصحابنا من هذه القضية يتبين من خلال تتبع مؤلفاتهم والتي سكتوا فيها عن الخوض في هذه القضية وأمثالها، ولم يلزموا أحداً باعتقادها، عبر عن ذلك الإمام السالمي في أحد جواباته (وسع من قبلنا السكوت فلا يضيق علينا) (3) .
ولا يعني ذلك بحال من الأحوال أنهم ينكرون صحتها، وإنما يقولون:إن أهل الروايات أولى بما رووا، لكنهم لا يلزمون اعتقاد ذلك- يقول: الإمام السالمي في شرحه على الجامع الصحيح ( وفي اقترانهما في هذه الرؤيا إشارة إلى ما يرويه قومنا أن عيسى علية السلام ينزل آخر الزمان فيقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية، ولم يثبت هذا عند أصحابنا غير أنهم لا يردونه، ويقولون أهل الروايات أولى بما رووا، ونحن نشهد بصدق ما أخبر به الصادق الأمين عليه من ربه أفضل صلاة وتسليم، ونعوذ بالله من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن ومن فتنة المسيح الدجال) (4) .
المهدي المنتظر
__________
(1) المرجع السابق.
(2) المرجع السابق.
(3) جوابات الإمام السالمي (6/224)، عبدالله بن حميد السالمي، الطبعة الأولى.
(4) شرح الجامع الصحيح (1/92)، عبدالله بن حميد السالمي، ط مكتبة الاستقامة. (1/96)
صفحة 97
وردت في المهدي أحاديث عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه والحاكم والطبراني وغيرهم، واختلف العلماء هل هي من قسم المتواتر أم لا؟، يذهب بعضهم إلى إنها كذلك، ويذهب آخرون إلى أنها لم تبلغ حد التواتر، وأن بعضاً من شروط المتواتر لا تنطبق عليها، فلا يقطع بثبوتها، ويقولون إن دعاوى التواتر ما أكثرها، لكنها لا تثبت عند التدقيق والتحقيق، ويذهب فريق ثالث إلى إنكارها رأساً معتمداً على بعض دلائل العقل والنقل (1) ،
__________
(1) رغم كثرة الروايات الواردة في المهدي وتعدد طرقها، إلا أن المسألة تحتاج إلى مزيد نظر وبحث للاعتبارات الآتية:
- ... التضارب في متون هذه الروايات، وعدم القدرة على تحديد مواقع ومعالم هذه الملاحم المذكورة فيها، وأرجع القارئ الكريم إلى معجم أحاديث المهدي من خمسة مجلدات، والذي ألفته مؤسسة المعارف الإسلامية، فإنك لا تكاد تنتقل من رواية إلا وتعجز عن فهم الرواية الأخرى، لما في متونها من اضطراب وتناقض كبير، بل وهذه الكثرة الكاثرة من الروايات حول هذه القضية تبعث على الدهشة والاستغراب لعدم جدواها في واقع المسلمين ودينونتهم لربهم، في حين أن قضية كقضية التوحيد في القرآن الكريم لم تتضخم نصوصها لتصل إلى هذا الحد الذي بلغته أحاديث المهدي، وهذه العناية المفرطة بهذه القضية لدى المدارس الأثرية المختلفة ما هو إلا اجترار لأدبيات الصراع السياسي بين أفراد الأسر القرشية المتنازعة على السلطة، والتي تعدى صراعها ميادين القتال إلى الحرب الإعلامية بالنصوص، وهو ما يسميه بعض المعاصرين بـ( التنصيص السياسي).
- ... ما تقدمه هذه الروايات هو في جملته نفس ما تقدمه روايات القرشية في الحكم، والتي تكلمنا عنها، وقلنا إنها تعكس الواقع الإقليمي القبلي للصراع بين الأسر القرشية وغيرها، وهي في مجملها مصادمة للنصوص القاطعة التي لا تفرق بين جنس وآخر، ولا تجعل لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، وكذلك الحال بالنسبة إلى الروايات الواردة في المهدي التي تحاول إعطاء فكرة القرشية امتداداً تأريخياً يستمر إلى آخر الزمان.
- ... والملاحظ كذلك أن المهدي ليس وحده في الساحة، فهناك روايات السفياني المنتظر والقحطاني المنتظر وهي موجودة في الصحاح والسنن، وهذا وحده كاف لإعطائنا البعد السياسي التأريخي لهذا اللون من المرويات.
- ... الطابع المثيولوجي(=الأسطوري) واضح كل الوضوح على هذه المرويات، والتي يُشتم منها رائحة الإسرائيليات، بل وبالتتبع والفحص وجد أن بعضاً منها نُقُول صريحة عن مسلمة أهل الكتاب(راجع كتاب الفتن لنعيم بن حماد شيخ البخاري) الذين ما فتئوا يروجون لمثل هذه الأساطير الميتافيزيقية بين المسلمين، وعلى رأس هؤلاء كعب الأحبار، ومن المعلوم أن بعض الصحابة قد تتلمذوا على يد كعب من أمثال أبي هريرة وابن عباس وعبدالله بن عمرو بن العاص، ولذلك فإن على الباحثين أن يتنبهوا لمرويات أمثال هؤلاء الصحابة في مثل هذه القضايا، إذ أن ما يرفعونه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختلط بمروياتهم عن مسلمة أهل الكتاب، وهذا يفسر انتشار الظاهرة المثيولوجية في مرويات بعض الصحابة كأبي هريرة.( وفي سير أعلام النبلاء (2/606) والبداية والنهاية لابن كثير(8/109) عن بسر بن سعيد- وهو من كبار التابعين، ومن رجال الستة- قال: ( اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ). راجع مقدمة كتاب العلو للعلي الغفار للذهبي ص29 التي كتبها السيد حسن السقاف، ط دار الإمام النووي.
- ... قضية شكل السلطة من القضايا المسكوت عنها في القرآن الكريم، ولذا فإن القواعد العامة في الكتاب العزيز والسنة المتواترة هي التي تحكمها وتنظمها كالشورى والعدالة والحرية والمساواة، وما عدا ذلك فإن المرجع فيه إلى الأمة فيما تراه مناسباً زماناً ومكاناً بما ينسجم مع القواعد العامة المستفادة من النصوص، وهذا هو الذي يعطي للدلالات القرآنية ديمومتها الزمانية وسقفها العالي الذي يتسع للعالم أجمع.ولكن الملاحظ أن روايات المهدي المنتظر أو الغائب-كما في بعض الأدبيات الأثرية- تنسف هذه القناعات نسفاً، وتعطي القضية أبعاد النسب والنقاء العرقي والاستبداد بالسلطة والنص الإلهي في التعيين، وهي كما أسلفنا دلالات تخالف الدلالات القرآنية القطعية.
- كان من آثار انتشار روايات المهدي تأسيس نظريات الغيبة والانتظار، المؤدية بدورها إلى السلبية تجاه قضايا الأمة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بواجب العدل والسعي للحياة الإسلامية النظيفة، واختلفت درجات هذا التأثير بقدر تحكيم هذه الروايات في واقع الفكر، وأحد المدارس الأثرية التي عمها تيار المهدي ظلت قروناً طويلة تعاني من داء السلبية والانتظار حتى نفضت يدها منها،وبدأت بالالتفاف حول تلك النظريات بالقول بالنيابة العامة التي تطورت من بعد إلى ولاية الفقيه، ثم المطالبة بعدها بالشورى ورفض كل النظريات المتولدة من إرهاصات القول بنظرية المهدي المنتظر أو الغائب. راجع كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي، أحمد الكاتب، ط دار الجديد.
- هذه الروايات كلها في حقيقتها ذات طابع أخباري بحت، بمعنى أنه كان يجب بجانب فحص أسانيدها ومتونها، أن تخضع لمنهج الرواية التأريخية القائم على المطابقة للواقع وقبول العقل لها، وبإعمال هذا المنهج سوف يتبين أن بعضها -في حقيقته- ما هو إلا محاولة لقمع طموحات قبائل معينة باسمها في الحكم، أو هو تصوير لبعض الملاحم المتوقعة في القريب بناء على بعض الحسابات السياسية أو ما شابه ذلك، لأن مفردات تلك الروايات لا تصلح إطلاقاً لوصف أحداث آخر الزمان، إذ أنها تنتمي في مفرداتها وتراكيبها إلى القرنيين الثاني والثالث الهجريين، بل إن بعضها تصوير لملاحم وقعت بكافة تفاصيلها.
ولعل كلام السيد محمد رشيد رضا كان أقرب إلى الصواب عندما أكد أن في ( روايات الفتن و أشراط الساعة من المشكلات والتعارض ما ينبغي لك أن تعرفه إجمالاً) تفسير المنار 9/488 .
... وأكد على ضرورة البحث في هذا الموضوع الأستاذ سيد قطب في الظلال 16/13 ( نقلاً عن كتاب الصراع بين الإيمان والمادية، أبو الحسن الندوي) عندما قال: ( ولا تزال أبواب الفتن والملاحم والأحاديث التي جاءت في أشراط الساعة وما كان ويكون بين يدي الساعة، تنتظر باحثاً عالي الهمة، راسخ القدم في العلوم الدينية، عالي الكعب في التأريخ ... ... ). (1/97)
صفحة 98
وممن ذهب إلى ذلك من القدماء ابن خلدون في مقدمته (1) ، ومن المعاصرين محمد رشيد رضا في تفسير المنار (2) ، وأحمد أمين في ضحى الإسلام (3) ، والشيخ عبد الله آل محمود في كتابه لا مهدي ينتظر بعد موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - خير البشر (4) ، وعموماً ليست هذه القضية ذات بال حتى تلزم في اعتقاد المسلم ودينونته لربه، وأصحابنا لم يذكروا هذه المسألة في معظم مؤلفاتهم، ولم يوجد لها ذكر في أدبياتهم، ولم يكن لها أي تأثير على واقعهم، فكانوا -ولله الحمد-هادين مهديين يسعون جاهدين في كافة أدوار التاريخ أن يملئوا الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
ابن خلدون والتجديد
... ( كان عبد الرحمن بن خلدون شخصية غير متوقعة بالنسبة لعصره) (5) لما قدمه من تفسير راق لحركة التاريخ، التي لأجلها يعد بحق رائد التفسير العلمي للتاريخ، وابتكاره علماً جديداً من العلوم الإنسانية وهو (علم العمران) الذي أخذ حيزاً كبيراً من مقدمته الشهيرة.
... ولكن رغم المنهج الراقي للمقدمة ، إلا أن الاستفادة منها في عصره كانت ضئيلة، وذهبت صرخاته في المقدمة أدراج الرياح ، في حين (تيقظ الأوروبيون منذ بداية عصر النهضة على أصداء المقدمة، وقد بدأوا في النظر إلى التاريخ نظرة أقرب إلى الشمول والتكاملية، فلم يعد التاريخ ، مجرد حروب ومعاهدات، بل أصبح في رأي أكثرهم: الأرض التي يجب أن تقف الفلسفة عليها ، وهي تنسج ألوان المعرفة في نسيج لينير طريق الحياة الإنسانية) (6) .
__________
(1) مقدمة ابن خلدون ص290-307، عبد الرحمن بن خلدون، ط دار الكتاب العربي.
(2) تفسير المنار (9/499-504)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر.
(3) ضحى الإسلام (3/235-246)، أحمد أمين.
(4) لا مهدي ينتظر بعد موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - خير البشر، عبدالله بن زيد آل محمود، مطابع علي علي الدوحة.
(5) التأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون ص43، عبد الحليم عويس، سلسلة كتاب الأمة.
(6) المرجع السابق ص109. (1/98)
صفحة 99
... إن المنهج الذي طرحه ابن خلدون لتفسير حركة التاريخ وكيفية التعامل مع الروايات التاريخية وربط ذلك (بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار) مفترق الطرق بين مرحلتين في التاريخ الإسلامي، بل في التاريخ الإنساني وهما:
? عصر ما قبل ابن خلدون.
? عصر ما بعد ابن خلدون (1) .
وهذه النظريات جعلت من مقدمة ابن خلدون (بلا مراء أعظم عمل من نوعه ابتدعه عقل في أي مكان أو زمان) (2) .
ابن خلدون والتأريخ
إن علم التاريخ هو في ظاهره (لا يزيد على أخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذ أغصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال) (3) ، وفي باطنه (نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق) (4) .
إن هذين التعريفين اللذين ساقهما ابن خلدون في المقدمة يجملان منهجه الشمولي الكلي في النظر التاريخي، إنه لا يجعل منه مجرد منهج جمعي أثري، بل ينتقل به من ظاهره إلى باطنه الذي هو التحقيق والمقارنة لأحداث التاريخ.
... ولذلك كان من ابن خلدون نقد لمنهج كثير من المؤرخين الذين سبقوه، والذين اهتموا بعملية الجمع التاريخي دون (تحكيم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني) (5) .
__________
(1) المرجع السابق ص110.
(2) المرجع السابق ص111، نقلاً عن أرنولد توينبي، مقال بمجلة عالم الفكر، المجلد الخامس، العدد الأول الكويت.
(3) مقدمة ابن خلدون ص10، عبد الرحمن بن خلدون، ط دار الكتاب العربي.
(4) المرجع السابق ص10.
(5) المرجع السابق ص16. (1/99)
صفحة 100
وكأن ابن خلدون بهذا المنهج القائم على النقد الداخلي لمتن الرواية التاريخية يستدرك على ابن جرير الطبري الذي صرح في مقدمة تأريخه بأن (أخبار الماضين وما هو كائن من أبناء المحدثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقل والاستنباط بفكر النفوس) (1) ، فالطبري يعلنها صريحة بأن لا مجال لإعمال العقل في نقد الرواية التاريخية بناء على تحكيم أصول العادة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، وإنما يكفي الثقة بالناقلين أو النظر إليهم بناء على منهج الرواية الحديثية على أحسن الأحوال.
وهذا المنهج قاصر من عدة أوجه:
1-أنه يبتر الرواية التاريخية عن ملابساتها وموقعها من تركيبة الأحداث ، وهذا البتر يفقدها صيرورتها الزمانية وإحداثياتها المكانية، وهذا هو ما عبر عنه ابن خلدون بـ(أصول العادة وطبيعة العمران).
2-أنه يغفل الصراعات السياسية والمذهبية التي جعلت من الرواية التاريخية مطية لتحقيق النصر الإعلامي، وأثر ذلك لا ينكره أحد، والمعروف أن المنتصر هو دائماً من يكتب التاريخ.
3-ونحن نتساءل هل سلمت الرواية الحديثية من تلفيق الأسانيد واختراعها؟!!، وبالطبع الأمر أيسر بكثير في الرواية التاريخية، فمن فرق تتصارع، ومذاهب تتقارع، وسلطة ومعارضة، وأهواء وبدع، كلها أجواء خصبة (للتنصيص السياسي) الذي يمكنك ضبط الكثيرين وهم في حالة التلبس به في كتب التاريخ، بل حتى كتب الحديث، وعليه فإن تمحيص الرواية التاريخية (إنما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار، وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل الرواية حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع) (2) .
__________
(1) تاريخ الطبري (1/13)، محمد بن جرير، دار الكتب العلمية.
(2) مقدمة ابن خلدون ص43 . (1/100)
صفحة 101
4-خمول دور الآلة العقلية في تمحيص الرواية التاريخية ، وأي منهج يخفت فيه هدير الآلة العقلية يتحول إلى أداة طيعة لتمرير الخرافات والخزعبلات تحت شتى اللوائح والشعارات.
ويمكن إعادة صياغة كلام ابن خلدون في ضوابط قبول الرواية التاريخية بالتعبير المعاصر في:
- قبول العقل لها.
-مطابقتها للواقع.
وبناء على ذلك فإن ابن خلدون يرى أن منهج المحدثين غير كاف لتمحيص الرواية التاريخية، لأن (الأخبار الشرعية معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها متى حصل الظن بصدقها ، وسبيل صحة الظن، الثقة بالرواة والضبط)، في حين أن الأخبار التاريخية هي(الأخبار عن الواقعات، فلابد في صحتها من اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه ، وصار فيها ذلك أهم من التعديل والتجريح ومقدماً عليه).
ولقد ساق ابن خلدون في مقدمته عدة أسباب لوقوع كثير من المؤرخين في خطأ الاعتماد على الروايات المكذوبة وذكر منها:
1-الثقة بالناقلين
2-الذهول عن المقاصد
3-تقرب الناس لأصحاب السلطة
4-الجهل بطبائع الأحوال في العمران (1) .
الدائرة الأثرية
إن مما هو جدير بالملاحظة والتأمل في مقدمة ابن خلدون، أنه رغم المنهج الراقي الذي قدمه ابن خلدون لتمحيص وفحص الرواية التاريخية، إلا أنه لم يقترب من الدائرة الحديثية الأثرية، مع العلم أن المنهج الخلدوني في التعامل مع الرواية التاريخية ينسحب على الروايات الحديثية ذات الطابع الأخباري التاريخي. وهنا نتساءل: ما الذي دعا مفكراً عبقرياً كابن خلدون ينأى بمنهجه عن هذه الدائرة الواسعة؟، ولماذا وقف بمنهجه عند حدود الروايات الأخبارية الواردة في كتب التاريخ؟!.
__________
(1) الرواية التاريخية في الميزان ص22-23، خميس بن راشد العدوي، (مخطوط). (1/101)
صفحة 102
... والجواب: هو أن إعلان ابن خلدون ذلك يمثل تمرداً على منظومة أهل الحديث والأثر، والذين تضخم النص النهائي للسنة عندهم، وأعلنوا إعلاناً شبه نهائي عن اكتمال المنظومة نقداً وتمحيصاً باستخدام آليات مصطلح الحديث.
... كان من المنتظر من مثل ابن خلدون بمنهجيته التاريخية الراقية أن يعي إشكالية النص الحديثي المدون وبالذات الأخباري منه، إذا أن هذا النص (البالغ الضخامة والتنوع والطول قد تم تدوينه عبر مراحل زمنية ممتدة ومتطاولة، وأنه شهد على مدى هذه المراحل كافة ضروب الصراع بين الدول والفرق والمذاهب، فتم تدوينه على صهد لهيبها، فخرج مصبوغاً بصبغات متعددة، تعدد الأيدي التي كتبته، وبالطبع فقد كان الشق السياسي من هذا النص، هو الأقرب إلى جوف اللهيب، ومن ثم الأكثر اصطلاء به، الأمر الذي يعني استحالة فهمه أو فك رموزه، بل والتثبت من ثبوته إلا على ضوء التاريخ) (1) .
... إن ابن خلدون لم يرد الصدام مع منظومته الفكرية، لكنه لم يطق صبراً عندما وجد أن بعض هذه الروايات الأخبارية تصطدم اصطداماً مباشراً مع نظريته التي أصلها في المقدمة وهي نظرية العصبية، فحاول دراستها وتفريغها من مضمونها المستقر في الأذهان كما فعل مع أحاديث القرشية ، وأنكر البعض الآخر كما فعل مع أحاديث المهدي المنتظر.
... وهذا المنهج الخلدوني يجرنا إلى تساؤل: هل الشروط الخمسة التي وضعها المحدثون للحكم على الرواية الحديثية بالصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم والسلامة من الشذوذ والعلة كافية للحكم على الرواية الحديثية ذات الطابع التاريخي الأخباري؟!.
__________
(1) السلطة في الإسلام ص326-327، عبد الجواد ياسين، ط المركز الثقافي العربي. (1/102)
صفحة 103
... يذهب الأستاذ أحمد أمين إلى أن المحدثين لم يتوسعوا كثيراً في النقد الداخلي، فلم يتعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا؟ (1) ، وهذه العبارة غامضة، ولا ندري أيهما يعني: هل الخلل في الفكر أم في التطبيق؟!!، والذي يذهب إليه الأستاذ خميس العدوي والمستشار عبد الجواد ياسين (2) إلى أن الخلل في الفكر لعدم كفاية تلك الشروط الخمسة للتعامل مع الروايات ذات الطابع الأخباري التأريخي،
ورغم وجود بعض المحاولات لقراءة بعض الروايات على ضوء حقائق التاريخ الثابتة، إلا أنها في جملتها قليلة وكانت على استحياء وجوبهت بالصد والرد، ولم تتحول إلى منهج ثابت يركز في ذاكرة علم الحديث وينسحب بدوره على مئات الروايات الحديثية ذات الطابع الأخباري التاريخي.
... ولا نترك هذا الكلام دون ضرب أمثلة توضح عمق هذا المنهج وضرورة تطبيقه على هذا الصنف من الروايات:
1-ما رواه مسلم في كتاب الزكاة برقم (1066) من طريق زيد بن وهب الجهني أنه كان مع الجيش الذين كانوا مع علي بن أبي طالب الذين ساروا لقتال أهل النهروان، فقال علي بت أبي طالب: (أيها الناس، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء......الخ ،إلى أن قال: (لويعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي على لسان نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لاتكلوا عن العمل).
... يقول الأستاذ ناصر السابعي: (وهذا فيه المبالغة ما لم يرد حتى في الجهاد في سبيل الله ضد أعدائه الكافرين) (3) ....إلى أن قال: (على أن الإمام علياً - كما مضى - ما كان يرى أهل الشام أحسن حالاً من أهل النهروان فيجعل أمر قتال هؤلاء يكاد يفضي إلى ترك العمل) (4) .
__________
(1) ضحى الإسلام (2/130)، أحمد أمين، ط مكتبة النهضة المصرية.
(2) راجع السلطة في الإسلام.
(3) الخوارج والحقيقة الغائبة ص 307، ناصر السابعي، الطبعة الأولى.
(4) المرجع السابق. (1/103)
صفحة 104
والعجيب أن يُغفَل عن الخصومات السياسية وأثرها حتى تتسرب مثل هذه المرويات التي تجعل من قتل الموحدين مفض إلى الاتكال عن العمل، الذي هو ركن أصيل في بناء صرح الإيمان، ويبدو أن صناع مثل هذه العبارات قد بلغت بهم الخصومة إلى حد لم يمكنهم من صياغة عباراتهم بالشكل المناسب.
... وتمضي بنا هذه الرواية لتصف واقعة النهروان الشهيرة، حيث تذكر أنه (ما أصيب من الناس - أي من جيش الإمام علي - إلا رجلان)، وهذه العبارة كما يقول ابن خلدون لا تتفق وطبائع الأحوال في العمران ، وإلا فليس من المعقول أن يقتل من جيش الإمام علي رجلان اللهم إلا إذا كان أهل النهروان مكبلين بالسلاسل والأغلال، أضف إلى ذلك أنهم كانوا يشكلون القوة الضاربة في جيش الإمام علي في صفين ، بل إن الروايات التاريخية الأخرى تذكر أعداداً أخرى للقتلى في جيش الإمام علي أقرب إلى القبول من تلك الرواية الحديثية.
2-روى البخاري في كتاب الفتن برقم(7109) من طريق أبي موسى إسرائيل قال: حدثنا الحسن قال: (لما سار الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولي حتى تدبر أخراها، قال معاوية: من لذراري المسلمين؟، فقال: أنا، فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: تلقاه فنقول له: الصلح. قال الحسن: لقد سمعت أبا بكرة قال: بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب جاء الحسن فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).
هذه الرواية يستدل بها على تصويب موقف الحسن بن علي في تسليمه الأمر لمعاوية ومبايعته له بالخلافة حقناً للدماء وإيقافاً لنهر الدماء الذي لم يتوقف منذ مقتل الخليفة عثمان، ويستدل بها كذلك علي صحة خلافة معاوية بن أبي سفيان الذي بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلافته كما يقولون.
ولكن ماذا لو حاولنا قراءة هذه الرواية علي ضوء الحقائق التاريخية الثابتة؟!. (1/104)
صفحة 105
أولاً: من تتبع سير الأحداث منذ تمرد الوالي الشامي معاوية على السلطة المركزية في المدينة نجد أن مستندها الأول في هذا التمرد كان المطالبة بدم عثمان - كما يزعمون - فما الذي حولها إلى المطالبة بالخلافة والسلطة والتفاوض مع الحسن على ذلك؟!!، وهو السؤال يثير الكثير من الشكوك حول الزعيم الأموي معاوية بن أبي سفيان.
... ثانياً: أن معاوية بإعلانه التمرد على الخليفة المنتخب، وخوضه صراعاً دموياً رهيباً معه، وما صاحب ذلك من تكشف لكثير من سلوكيات الزعيم الأموي في الحرب والسلم من قتل للأبرياء وعدم المبالاة بالحرمات وانتهاك العهود والمواثيق، وهذه أمور تتفق عليها المراجع التاريخية، كل هذه الأمور تجعل معاوية في خانة لا تسمح له بتسنم هذا المنصب الخطير، لا سيما والأمة لا زالت تحفل بأهل الصلاح والتقوى والعلم.
... ثالثاً: مع وضوح كل هذه الحقائق عن معاوية في ذلك الوقت، كيف يمكن القول بأن ما فعله الحسن كان حقناً للدماء، أليس هو من باب توكيل الأمر إلى غير أهله، ولنتساءل هل توقف نهر الدماء بعد تسليم الحسن الخلافة لمعاوية؟!، وإذا أضفنا إلى هذا اتفاقهم في ذلك الوقت على بغي فئة معاوية وعدوانها ، فهل يجوز تسليم الأمر إلى الباغي الظالم؟!!، والله تعالى يقول: { فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله } الحجرات9.
... رابعاً: من خلال قراءة هذا النص على ضوء حقائق التاريخ، كان من المفترض أن يكون هذا النص السند الأول للحسن في مواجهة معارضيه، وكان من المفروض أن يكون منتشراً شائعاً لتبرير موقف الحسن، ولكن من خلال قراءة النصوص التاريخية نجد أن الحسن نفسه لم يكن يحتج بهذه الرواية على معارضيه، بل اعتذر عن ذلك برغبته في حقن الدماء، والمعارضون وعلى رأسهم أخوه الحسين، لم يسلموا له بموقفه من معاوية، مع أنه كان من المفترض أن يحسم النص النزاع ويرفع الخلاف. (1/105)
صفحة 106
... روى الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب عن أبي الغريف:( كنا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفاً بمسكن مستميتين تقطر أسيافنا على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمر طه، فلما جاء الحسن الكوفة أتاه شيخ منا يكنى أبا عامر سفيان بن ليلى، فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لا أبا عامر، فإني لم أذل المؤمنين، ولكنى كرهت أن أقتلهم في طلب الملك) (1) ، ويظهر ذلك أيضاً في خطبة الحسن في الكوفة حين قدم إليها معاوية حين سلم الأمر إليه، فخطب في حشد من الناس، ومثل هذا الموقف يكون الحسن في أمس الحاجة إلى نص يبرر تنازله لمعاوية، ولكن كل ذلك لم يكن، لأن النص يومئذ لم يولد بعد، فكان مما قاله الحسن فيما يرويه ابن عبد البر في الاستيعاب:(أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول) (2) .
... ومع كل هذا الحقائق ، يبدو العقل المسلم مستسلماً أمام إيحاءات هذه المرويات التي تختزل قضايا مصيرية تمس الأمة بمجموعها، ويعجز عن فهمها على ضوء حقائق التاريخ الثابتة من مطابقتها للواقع وقبول العقل لها.
... خامساً: ما هذه البشارة بخلافة معاوية؟!، أهي البشارة بغياب قيم الحرية والعدالة والشورى؟!، أم ببداية عهود مظلمة من القمع والكبت والإرهاب الدموي؟!، أم باستبدال قيم الأرستقراطية الجاهلية بنظم الإسلام في الاقتصاد والسياسة؟!، إن هذه الحقائق بمجموعها ثابتة بالتواتر والشهرة التي لا تدفع.
بعد هذا نأتي لنلغي كل الحقائق برواية خميرتها الأولي تولدت من رأي للحسن - وهو رأي بشري - في كون ذلك حقناً للدماء، إلى أن صارت منهجاً يدافع عنه أتباعه ، ثم انتقلت في طورها النهائي لتصبح حديثاً نبوياً.
...
__________
(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (1/438)، ابن عبد البر، ط دار الكتب العلمية بيروت.
(2) المرجع السابق (1/439). (1/106)