صفحة 1
بحث تخرج: منهج الإسلام في القضاء على البطالة ... شيخ أحمد الحاج أحمد كان ... الفكر الإسلامي ... 2003/2002م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
بحث تخرّج بعنوان:
منهج الإسلام في القضاء على البطالة
إشراف / الدكتور : سليمان محمد أحمد
مناقشة / الدكتور : رشدي أبو شبانة
إعداد وتقديم / الطالب : شيخ أحمد بن الحاج أحمد كان
1424هـ - 2003م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي أمر بالاجتهاد والعمل، ونهى عن الاتكال والكسل، فقال عزمن قائل: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } (1) والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - القائل في الحديث الشريف: " إن الله يحب المؤمن المحترف" (2) وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فمن المعلوم أن سعة دائرة الأمة تتحدد بمدى اتصالها، وتواصل أطرافها، وذلك بتضافر جهودها، وارتفاع روح أنشطتها المادية والمعنوية. وقد تواردت الأحاديث والنصوص الإسلامية بشكل يؤكد على احترام العمل، ويساعد على تعبئة البشرية، وتوظيفها؛ لرفع طاقة الإنسان الإنتاجية، ومكافحة الفقر والبطالة، وهما السببان الرئيسيان في وجود الانحطاط المادي والاجتماعي، والأخلاقي، والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وفي واقعنا المعاصر.
__________
(1) التوبة : الآية : 105
(2) أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ت 360هـ المعجم الأوسط ،دار الحرمين، القاهرة،1415هـ ،تحقيق، طارق بن عوض الله الحسيني، رقم الحديث: 8934، ج: 8 ص: 380 . وفي المعجم الكبير بغير قيد المؤمن. (1/1)
صفحة 2
والدراسات العلمية تشير إلى أن البطالة من أخطر المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها العالم في الوقت الراهن، وهي كالسرطان باتت تهدد كيان المجتمع بأسره؛ لذا توجه الإسلام إليها بالمعالجة والاهتمام البالغ؛ فراح يعالجها عن طريق الحث على العمل، والعناية بالجد والنشاط . ومن هنا يأتي دور هذا البحث المتواضع؛ الذي قمت بجمعه وإعداده محاولا من خلاله التوصّل إلى العلاج النافع، من وجهة نظر الشريعة الإسلامية الغراء فيما يخص هذه القضية.
وقد دعاني إلى ذلك أسباب عديدة أهمها:
1 - جدة الموضوع،
2- قلة الباحثين عنه وخاصة من خريجي معهد العلوم الشرعية،
3- إظهار دور الإسلام في تغيير هذه المشكلة ومحاربته لها،
4- استمرار تزايد مُعدَّل البطالة في أوساط الخِرِّيجين الحاملين شهادات عربية أو إسلامية.
وقد قمت بتقسيمه إلى ثلاثة فصول، تتخللها ستة مباحث، وستة عشر مطلبا، وبنود عديدة، وذلك على النحو التالي:
الفصل الأول: مفهوم البطالة، وحكمها،وأنواعها، وأسبابها، وفيه مبحثان.
الفصل الثاني: آثار البطالة اجتماعيا، واقتصاديا، وفيه مبحثان.
الفصل الثالث: علاج البطالة في ضوء الشريعة الإسلامية، وفيه مبحثان.
ثم خاتمة البحث،
وقائمة المصادر والمراجع،
وفهرس محتويات البحث.
هذا وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني وجميع الكُتَّاب والباحثين إلى ما فيه الخير والصواب؛ إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير؛ نعم المولى ونعم النصير،
{ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } . (1)
الفصل الأول:
مفهوم البطالة، وحكمها، وأنواعها، وأسبابها،
وفيه مبحثان
المبحث الأول: مفهوم البطالة،وأنواعها،وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول:مفهوم البطالة لغة:
__________
(1) هود : الآية : 88 (1/2)
صفحة 3
لاشك أن البطالة أصبحت مشكلة اجتماعية واقتصادية كبيرة، وأخذت تهدِّد الدُّول والشعوب، والمجتمعات بشكل مدهش؛ مما جعل الفرد يسعى بجِدِّية متواصلة؛ لوضع حدٍّ لهذه الظاهرة الخطيرة، أو إيجاد سُبُل كفيلة بالقضاء عليها بشكل نهائي؛ ولكن الطريق إلى ذلك الهدف المنشود لاشك يبقى مسدودا ؛ ما لم يتم التعرّف على ماهيتها، والوقوف على أسبابها.
وقديما قالوا:" الحكم على الشيء فرع عن تصوره" ولذلك أودُّ أن أعرّف البطالة قبل الخوض في غمارها العميقة؛ ليكون القارئ الكريم على بينة من الأمر الذي بين يديه فأقول:
البطالة لغة: تشتمل على معان متعددة منها:
1- بطل الشيء يبطل بُطلا... رجل بَطَّال ذو باطل ... . وبطل الأجير بالفتح يبطل بطالة وبطالة أي تعطل فهو بطال. (1)
2 - بَطَل الأجير يَبْطُل بالضم بَطَالةً بالفتح أي تعطل فهو بَطَّالٌ (2) .
3- بطل العامل، أو الأجير عن العمل فهو بطّال بيّن البطالة ( بفتح الباء ) وحكى بعض شارحي المعلّقات البطالة ( بالكسر ) وقال : هو أفصح. وربما قيل: البُطالة (بالضم) حملا على نقيضها أي العَمَالة. (3)
المطلب الثاني:مفهوم البطالة اصطلاحا:
__________
(1) ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمد بن منظور (ت711) لسان العرب ، مادة بطل ،ج 11 ص56 – 57 .
(2) محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح ، ط:1 دار الكتب العلمية، بيروت، 1414هـ \1994م، مادة بطل ، ص: 60 .
أنظر النهاية في غريب الحديث، ج: 1، ص: 136 .
جبران مسعود ، كتاب الرائد ، ط: 2، دار العلم للملايين، بيروت، ص:237.
المفردات في غريب القرآن، ج:1ص:51 .
(3) الموسوعة الفقهية)وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية:دولة الكويت، )،ج:8ص:86 Awkaf.net\mousoaa بتصرف . (1/3)
صفحة 4
على الرغم من كثرة تداول كلمة البطالة في ألْسِنة الناس، وخاصّة في مجال البحوث الاقتصادية، والدراسات الاجتماعية؛ إلا أنه لا يوجد حتى الآن تعريف متّفق عليه في ماهية البطالة، ولعل الخلاف في ذلك يرجع إلى أنها تتلون بألوان متعددة، وتتكوَّن من طبقات مختلفة، فهي عند الاقتصاديين تعني :
1- عدم وجود فرصٍ كافية لطالبي العمل. (1)
2- التعطل غير الإرادي عن العمل بالنسبة لشخص قادر على العمل، مع عدم الحصول على العمل المناسب. (2)
3- الحالة التي يكون فيها الشخص قادرا على العمل، وراغبا فيه، ولكن لا يجد العمل، أو الأجر المناسب (3)
ويلاحَظ أن الاقتصاديين يميلون في تعريف البطالة إلى نقطتين:
1- الفراغ عن العمل كليّاً، أو عن العمل المناسب لمستوى الشخص العلميّ،
2- البحث عن العمل مع القدرة عليه.
فالشخص الذي يعمل بعمل أقلَّ من مستواه العلميِّ أو الثقافيِّ ويتقاضى بأجرة أقل مما يستحقه _ يعتبر بطّالا في هذه الحالة، بغضِّ النظر عن تلك الأعمال التي يمارسها بشكل يومي؛ لأنه مضطر إليها فقط، ولكنه غير راغب للبقاء فيها.
البطالة في اصطلاح الفقهاء تعني: العجز عن الكسب في أي صورة من صور العجز: ذاتيا: كالصغر، والأنوثة، والعته ، والشيخوخة، والمرض، أو غير ذاتي:كالاشتغال بتحصيل العلم، ونحو ذلك (4)
المطلب الثالث: حكم البطالة:
__________
(1) مدني عبد القادر، تنمية القوى البشرية، دار الشعب،القاهرة، ط:1،1976م،ص:32 .
(2) حسين عبد الرحمن قدوس، فقه الدخل وتأثر إنهاء علاقة العمل: طبع مصر،مكتبة الجلاء، المنصورة ص: 69 بتصرف .
(3) جمال حسن أحمد، مشكلة البطالة،وعلاجها، اليمامة : للنشر والتوزيع،بيروت،ط:1،1420 هـ،ص:51 بتصرف .
(4) الموسوعة الفقهية)وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية:دولة الكويت، )،ج : 8 ص:86 . (1/4)
صفحة 5
لاشك أن البطالة في حدِّ ذاتها غير مرغوب فيها على الإطلاق، وللعلماء في الحكم عليها آراء مختلفة؛ نظرا إلى اختلاف الأسباب التي نشأت منها البطالة، وتدور تلك الأسباب حول الإباحة والكراهة والتحريم. فبعض العلماء يرون أن البطالة تكون مكروهة إذا كان السبب في ذلك ناشئا عن الكسل، أو التهاون بالعمل، مع عدم الحاجة إلى الكسب؛ لأن ذلك فيه ازدراء بصاحبها (1) .
أما إذا كان الشخص بحاجة إلى الكسب مع القدرة على العمل لكسب قوته، أو قوت من يعول؛ ثم ترك العمل ولو بدعوى التفرُّغ للعبادة فإن البطالة في هذه الحالة تكون حراما عند بعض العلماء (2) .
والإسلام لا يقرّ البطالة من أجل الانقطاع للعبادة؛ لأنّ في هذا تعطيلاً للدّنيا الّتي أمر اللّه عباده بالسّعي فيها، قال تعالى: { فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } (3) وقال جلّ شأنه: { فإذا قضيت الصّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللّه } (4) وروي عن مسلم بن يسار " أن رفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا يا رسول الله، ما رأينا أحدا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من فلان!! يصوم النهار، فإذا نزلنا قام يصلي حتى نرتحل، قال: من كان يمهن له ويكفيه؟ أو يعمل له؟ قالوا: نحن، قال: كلكم أفضل منه". (5)
__________
(1) أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت 279) سنن الترمذي، ج:4 تحقيق وشرح أحمدشاكر،مطابع الحلبي،القاهرة،1356 ص:668 بتصرف.
(2) إسماعيل بن محمد العجلوني ،كشف الخفاء ،مؤسسة الرسالة ج:1 ، الكويت،ط:3 ، 1986، ص: 291 .
(3) الملك، الآية: 15 .
(4) الجمعة: 10 .
(5) عبد الله بن مسلم بن قتيببة الدينوري،ت 276هـ، تأويل مختلف الحديث، دار الجيل،بيروت ، 1972م تحقيق، محمد زهري النجار، ج: 1،ص: 294 . (1/5)
صفحة 6
ويقول بعض العلماء : إن الشخص المتفرِّغ للعبادة: كالصلاة، والصوم، ونحوهما؛ مما يجعله يترك أعماله التي كان يكتسب منها قوته، وقوت عياله، لا ينبغي أن يعطى من الزكاة شيئا؛ لكونه قد ادَّعى الرَّهبانية، ولا رَهبانية في الإسلام. وهذا ما أفتى به كثير من علماء المسلمين .
وأما المتفرِّغ لطلب العلم؛ فإنه يُعطَى من الزكاة بقدر ما يعينه على أداء مهمته؛ لأنه يسعى لمصلحة الأمة جميعا، وليس لنفسه فقط. (1)
المطلب الرابع: أنواع البطالة، وأقسامها:
إن البطالة لها أشكال وأنواع مختلفة، وللاقتصاديين مصطلحات كثيرة في هذا الموضوع، منها:
البطالة الاختيارية، والبطالة الإجبارية،والتعبدية، (2) وهناك أنواع من البطالة يتم النظر إليها من خلال الدورة الاقتصادية؛ فتسمي بطالة دورية، (3) أو بطالة احتكاكية ، (4) وكما ينظر إليها من خلال التنقل بين المهن المختلفة ، ومنها بطالة هيكلية، وهي البطالة التي تحدث نتيجة تغيرات هيكلية في الاقتصاد الوطني ، وهناك بطالة موسمية، أو عَرَضية ، ومنها غير ذلك. وسوف أسلُّط الضوء على بعضها محاولا تحديد نوعيتها، وتمهيدا لخوض المعارك ضدّها عند ما يحين الوقت إن شاء الله تعالى.
فأقول:
1- البطالة الاختيارية:
__________
(1) د: يوسف القرضاوي، مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام: ص:91، مؤسسة الرسالة: ط:5 ، 1404هـ1984م،.بتصرف .
(2) ونعني بالتعبدية أن يظن الإنسان أن بعض مبادئ الإسلام تستدعي ترك العمل وتفضل الفقر وبالتالي فلا يعمل .
(3) وهي البطالة الناتجة عن توقف دوران بعض المنتجات الصناعية عن الرواج مما يؤدي إلي الاستغناء عن عدد كبير من العمال عن العمل في تلك الشركة أو المصنع .
(4) عدم الثبات في عمل معين مما يجعل صاحبه ينتقل من عمل إلي آخر في غالب الأحوال فكأنه يحتك _ يباشر _ كل وقت عملا جديدا. (1/6)
صفحة 7
هي بطالة من يقدرون على العمل؛ ولكنهم يمتنعون عنه، ويفضِّلون القعود والميل إلى الراحة، ويؤثرون أن يعيشوا عالة على غيرهم. (1) وما أكثر هذه الفئة في المجتمع الإسلامي المعاصر،كم من جهود ضاعت، وكم من طاقات أهدرت من الشباب المسلم، فالإسلام يقاوم هؤلاء ولا يرضى عن مسلكهم، بل إنما يعلن عليهم حربا ضروسا؛ بحيث يمنع المسلمين من تقديم الزكاة إليهم؛ خوفا من استمرارهم على البطالة، التي تؤدي إلي تعطيل القدرات الإنتاجية بآلاف من أ فراد الأمة.
2- البطالة الإجبارية:
البطالة الإجبارية: هي التي لا دخل، ولا اختيار للفرد فيها، وإنما تُفرَضُ عليه، أو يُبتلى بها الإنسان، كما يبتلى بكافة مصائب الدهر. قد يكون السبب عدم تعلُّمه بعض المهن في صغره، أو تعلَّمها ثم كسد سوقها؛ لتغير البيئة أو تطور الزمن، وقد يحتاج إلى آلات، وأدوات لازمة لمهنته، ولا يجد مالاً ليشتري به ما يريد. (2) وهذه الفئة لا بأس عليها في وجهة نظر الإسلام، بل الإسلام يحث على الاهتمام بشأنها، وتقديم يد المساعدة إليها، بكل ما أمكن؛ لإنقاذ حياتها، وجبر خاطرها؛ لتتمكن من استعادة مكانتها في صفوف المجتمع مرة أخرى.
"ومن الناس من يدع العمل والسعي؛ عجزا عن تدبير العمل لنفسه، ـ مع قدرته على العمل_ وذلك لقلة حيلته، وضيق معرفته بوسائل العيش، وطرائق الكسب. وربما كان أهون عليه أن يقعد عن السعي، ويضع عبء نفسه وأسرته على الحاكم المسئول، الذي عليه أن يدبر له معونة تكفيه وتغنيه. فهذا يوجب الإسلام أن ييسر له سبيل العمل الملائم لمثله، يعاونه في ذلك أفراد المجتمع عامة، وأولوا الأمر خاصة. (3)
3 - البطالة التعبدية:
__________
(1) د: زيد بن محمد الرماني ، البطالة والعمالة :ص30 بتصرف.
(2) البطالة والعمالة ،ص:29
(3) د:يوسف القرضاوي ،مشكلة الفقر ،ص:50 . (1/7)
صفحة 8
أمّا البطالة التعبدية، فهي التي تنعكس غالبا على الزهَّاد، والعُبَّاد، وبعض العلماء، والطلبة، الذين يتخذون الأحاديث الضعيفة المرويّة في بعض الكتب الحديثية ذريعة للجوء إلى الفقر والفاقة، ويرون أن الفقر أحرى للمؤمن من الغِنىَ، وأن الغِنى بكل أشكاله مذموم محذور؛ وأما الآيات أو الأحاديث الصحيحة، التي تحث على العمل والكسب، ومحاربة الفقر والبطالة، فهم لا يقيمون لها وزنا.
فهؤلاء الناس أضر للإسلام من غيرهم؛ لكونهم محل قدوة، ومكان ثقةٍ لدى الآخرين؛ مما جعل الكثير من الناس يتأسَّوْن بهم في تقشُّفهم، وخاصة في تأثير الفقر والفاقة، على مظاهر الغنى والعمل. ويزداد خطرهم سُوءا عند ما تحضر مجالسهم الخاصّة، أو محاضراتهم العامّة، التي يركُّزون فيها على الابتعاد من الدنيا، والتحذير من مخاطرها، بدون استثناء. فهم ينسون أو يتناسون قول الله عز وجل:
{ وابتغ فيما آتاك اله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } . (1)
4- البطالة الاحتكاكية:
هي بطالة تحدث نتيجة لنقص المعلومات الكافية لدي الباحثين عن العمل ، أو لدي أصحاب الأعمال الذين تتوافر لديهم فرص العمل . وتتمثل أيضا في كون الباحث عن العمل ينتقل من منطقة إلي أخري ، أو يكون مؤهَّلا على تخصص لا يتطلب غير الثانوية العامة، ويرتقي مؤهله إلي المؤهل الجامعي ؛ لكنه يبحث عن عمل ولا يجده ؛ لأنه لا يتمكن من الاتصال بصاحب العمل الذي لديه الفرصة؛ ليعمل لديه ، وخلال هذه الفترة تُسمى تلك البطالة بطالة احتكاكية .
5-البطالة الموسمية:
__________
(1) القصص، الآية: 77 (1/8)
صفحة 9
وهي بطالة تحدث خلال موسم معين ، أو بعد انتهاء عمل عرضي معين: مثلما يحدث بعد الأعياد السنوية، ومواسم الحج، والمعارض الدولية، أو ما يحدث في فصل معين من الفصول الأربعة؛ نتيجة لبعض المحاصيل الزراعية، أو الثمار، أو القطن، أو الشحن والتفريغ في الموانيء ، أوغيرذلك. فهذه الأعمال العرضية، أو الموسمية، تُدِرّ دَخْلا على صاحبها ؛ لكن هذا الدخْل منقطع بانقطاع العمل، أي انتهاء الموسم ،
أو انتهاء العمل العرضي .
6- البطالة الهيْكلية :
وتسمي في مراجع أخري: البطالة الفنِّية ، أسبابها كثيرة، منها: التغيُّر في هيكل الطلب علي المنتجات ، فيترتب عليه تغير في هيكل العمالة المستخدمة، أو إدخال تطور تقني معين في صناعة معينة، يترتب عليه نقص في أعداد المكلفين بأداء العمل ، أو بسبب انتقال الصناعة من مكان إلي آخر ، قد لا يستجيب بعض العُمّال لهذا الانتقال ؛ فيتعطلون عن العمل .
7 -البطالة الدورية:
يحدث هذا النوع حينما تتقلص فرص العمل في الاقتصاد الوطني، بعد رواج كبير تصل فيه العمالة إلي الذروة في التشغيل ، فإذا ما دخل الاقتصاد إلي دائرة الانكماش – الركود- حدثت البطالة .
"وتعتبر البطالة الدورية أشدّ أنواع البطالة تحدِّيا للدُّوَل الصناعية الكبرى؛ بصفتها سمة من سمات النظم الرأسمالية؛ التي تعتمد على آليات السوق (1) ". ومن المعلوم أنه كلما ازداد الركود والكساد الاقتصادي حِدَّة في أي دولة من الدول، ازدادت نسبة البطالة تلقائيا في سكانها.
"ففي أزمة الكساد الاقتصادي عام 1929م تعطَّل في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي 13 مليون عامل أي حوالي 25% من إجمالي القوى العاملة الأمريكية". (2)
__________
(1) Joan, Robinson: Essays in the theory of Employment, London , 1937 ,P.83 بتصرف.
(2) أ . د.إسماعيل عبد الرحمن، وآخرون، مفاهيم أساسية في علم الاقتصاد ، ط؛ 1، دار وائل للنشر، الأردن،1999،م،ص : 135. (1/9)
صفحة 10
8 - البطالة المقَنَّعة:
وهى البطالة التي تنشأ عادة في ميدان الزراعة؛ بسبب ضغط السكان الزراعيين على الموارد الزراعية؛ بحيث يكون هناك مجموع متعطِّل تعطيلا مستترا على الأراضي الزراعية، وإذا سحب هذا المجموع عن العمل فلا يتأثر الإنتاج الزراعي. وهذا التعطل مستتر؛ لأن الأسرة الرِّيفية تمثِّل الوحدة الإنتاجية عادة، ولا يتقاضى أعضاء الأسرة أجورا نقدية عن تأدية خدماتهم الزراعية؛ ولهذا لا يبدو واضحا ما إذا كان بعضهم متعطلا أم لا. وهذا يعني أنه يمكن سحب العدد الزائد من الزرَّاع الذين يمثلون البطالة المقنعة؛ لتشغيلهم في مجالات أخرى للعمل. (1)
المبحث الثاني: أسباب البطالة اختياريا، وإجباريا: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أسباب البطالة اختياريا: وفيه بنود منها:
البند الأول: الفقر،
تعتبر ظاهرة الفقر واحدة من أهمِّ المعضلات التي واجهتها المجتمعات، والحكومات، والدوائر الاجتماعية منذ أوائل العصور. وفي القديم ارتبطت ظاهرة الفقر بفقدان الموارد، أو بالحروب التي تؤدي إلى الاستعباد والقهر، والحرمان. وقد قامت العديد من الثورات الاجتماعية والسياسية الكبرى في التاريخ الإنساني، وكان الفقر سببها الرئيسي، أو أحد أسبابها المهمة.
إن الفقر يعتبر غالبا ظاهرة ريفية بشكل أساسي، فمعظم الفقراء يتركزون في المناطق الريفية، ويرتبط فقرهم بانعدام البنية الأساسية، وتنوُّع الهيكل الإنتاجي، وتركّز معظم النشاط الاقتصادي حول القطاع الزراعي.
__________
(1) حسين عمر، موسوعة المصطلحات الاقتصادية، دار الشرق،جدة، ط:1 1979م ص:52 بتصرف. (1/10)
صفحة 11
ومن جهة أخرى فإن الفقر يرتبط أيضاً بحجم الأسرة؛ فاحتمالات الفقر بين العائلات الكبيرة هي أكبر منها بين العائلات الصغيرة، ومن هنا فإن ارتباط الفقر بحجم العائلة ينبغي أن يؤخذ ضمن إطار أن العائلة الكبيرة غالباً ما ترتفع فيها معدلات البطالة؛ وذلك بسبب زيادة عدد الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة أو تفوق 60 سنة. فالدراسات العلمية تظهر بأن البطالة تزداد بين الأميين أو الذين حصلوا على مستويات تعليم متدنية.
الفقر في منظور الإسلام:
إن الإسلام - من خلال النصوص القرآنية، والسنة النبوية - له تصوُّره المتميز لهذه القضية، حيث يعتبر أن ظاهرة الفقر مصيبة وآفة خطيرة، يجب التعوُّذ منها ومحاربتها، وأنها سبب لمصائب أخرى أشد وأنكى. فالإسلام ينكر أشد الإنكار على الذين يقدسون الفقر ويرون أنه من قدر الله المقدور، يجب التسليم له، واللجوء إليه، فهم في هذه الحالة لا يرون أن الغِنىَ أيضا من قدر الله المقدور، يجب التمسك به للقضاء على الفقر، وأزمات الدهر؛ ليتمكن المسلمون من تعمير الأرض والانتفاع من ثرواتها كما سخرها الله تعالى لهم، وندبهم إلى ذلك عن طريق الامتنان إذ يقول:
{ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه } (1)
{ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } (2) .
فتسخير الله تعالى لهذه الأرض يعني الدعوة إلى تعميرها، واستخراج خيراتها، والمشي في مناكبها؛ ليتمكن الإنسان من العيش الكريم؛ الذي من خلاله يستطيع أن يعبد الله تعالى، مطمئن البال، غير مفتقر إلى غير الله تباك وتعالى؛ لأن من افتقر إلى غير الله تعالى هان له الخضوع لذلك الغير.
__________
(1) هود : 61 .
(2) الجاثية: 13 . (1/11)
صفحة 12
ولذا نرى أن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عندما أراد أن يتحدث عن الفقر لبيان آثاره السلبية على الفرد قال: "كاد الفقر أن يكون كفرا" (1) وكان يعلم أصحابه بعض الأدعية التي تنقذ الإنسان من الفقر، منها ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "تعوذوا بالله من الفقر، والمذلة" (2) ، كما استعاذ - صلى الله عليه وسلم - من الفقر،والفاقة في أدعية كثيرة، ومنها ما جاء عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو فيقول : "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والهرم والقسوة والغفلة والذلة والمسكنة وأعوذ بك من الفقر،والكفر والشرك والنفاق والسمعة والرياء" (3) .
__________
(1) محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري،ت 1353هـ ، تحفة الأحوذي ، ج:7 ، دار الكتب العلمية ، بيروت، ص : 17، والحديث فيه يزيد الرقاشي ، والحجاج بن فرافضة ضعفهما أهل الحديث. كما ضعفوا حديث " الفقر فخري وبه أفتخر" ونسبه إلى الباطل.
(2) محمد بن حبان التميمي البستي ، ت 354هـ، صحيح ابن حبان، ط؛2 مؤسسة الرسالة، بيروت،1414هـ تحقيق،شعيب الأرنؤوط، ج: 3 ص: 284 .
(3) المصدر السابق ، ج: 3 ص: 300. (1/12)
صفحة 13
وعلى العكس من ذلك جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يحث على الدعاء بطلب الغِنَى : ورد في صحيح مسلم من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى" (1) . - والغنى هنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم- (2) ولكن ذلك لا ينافي الغنى المالي أيضا؛ لأن الاستغناء عما في أيدي الناس مع الفقر المدقع يكون صعب التصوُّر إن لم يكن مستحيلا.
ونجد أنه - صلى الله عليه وسلم - يدعو لأصحابه بوفرة المال، كما أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لصاحبه وخادمه أنس بن مالك - رضي الله عنه - فقال : " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته" (3) . وهكذا دعا - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف وعروة بن جعد بالبركة في تجارتهما كما في صحيح البخاري أيضا. وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شرب من ماء زمزم قال: " اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء" (4)
__________
(1) مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري،ت 261هـ ،صحيح مسلم ،ج: 4،دار إحياء التراث العربي،بيروت تحقيق،محمد فؤاد عبد الباقي، رقم الحديث: 2721،ص: 208 .
(2) أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ت 676هـ شرح النووي على صحيح مسلم، ط،2 ، دار إحياء التراث العربي، بيروت،1392هـ ج: 17 ص: 14 .
(3) محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، ت 256هـ ،صحيح البخاري ،ج:5، ط؛ دار بن كثير،اليمامة،بيروت، 1407هـ \1987م تحقيق مصطفى ديب البغا، باب قول الله تعالى : وصل عليهم، رقم الحديث 5975، ص: 2333.
(4) محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، ت 405هـ المستدرك على الصحيحين ،ج: 1، ط؛ 1، دار الكتب العلمية ، بيروت 1411هـ – 1990م تحقيق: عبد القادر عطا، رقم : 1739 ، ص: 646 . (1/13)
صفحة 14
والإسلام يعتبر الغنى بعد الفقر نعمة يمتن الله بها على عباده ، والشاهد على ذلك قوله تعالى : { وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى } (1) . وأكد أن المال ركن هام لإقامة الدين والدنيا يقول الله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } (2) . وقد أوضح ذلك بعض العلماء في معرض حديثه عن المال فقال : " المال من ضروريات الحياة، فهو أحد أمور خمسة، لا غنى للنوع الإنساني عنها في بقائه، واستمراره في هذا الوجود، وهي : الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ومعنى ضروريتها أنه لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا". (3)
وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" (4) و قد قال - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص : يا عمرو، " نعم المال الصالح للمرء الصالح " (5) .
كما رأينا أن الإسلام قد م الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في معظم المواضع القرآنية. ومن ذلك قوله تعالى:
{ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } (6) وقوله: { فضل الله المجهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } (7) .
__________
(1) الضحى : 8 .
(2) النساء: 5 .
(3) الدكتور . سليمان محمد أحمد ، ضمان المتلفات في الفقه الإسلامي، ط؛ 1، مطبعة السعادة، ميدان أحمد ماهر، 1405هـ –1985م ، مكانة المال، ص: 117 .
(4) محمد بن حبان بن أحمد التميمي ألبستي ، ت 354هـ ، صحيح ابن حبان ، ج:15، ط؛ 2 مؤسسة الرسالة، بيروت،1414هـ\1993م، تحقيق شعيب الأرنؤوط ،رقم 6858، ص: 273 .
(5) أحمد بن حنبل الشيباني، ت 241هـ مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر العربية ،ج: 4 ص: 197. الحديث رواه البخاري في الأدب المفرد وفي رواية للرجل الصالح .
(6) التوبة : 41
(7) النساء : 95 (1/14)
صفحة 15
فالشارع الحكيم رفع قيمة المال إلي أعلى المستويات؛ حيث علق عليه ركنين عظيمين من أركان الإسلام، وهما: الزكاة، والحج، فلا يتصور أداؤهما بدون المال قطٌّ، لاسيما الزكاة، فمن لا نصاب له لا زكاة عليه باتفاق. والحج أيضا منوط بالاستطاعة، ومن مستلزمات الاستطاعة توفير المال عند من يريد الحج، وبدون ذلك لا يكون مستطيعا. { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } (1) .
فالإسلام ميّز بين الغَني المنفق، والفقير الآخذ، في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "اليد العليا خيرٌ من اليد السفلي، فاليد العليا هي المنفقة، واليد السفلي هي السائلة" (2) .
البند الثاني : الفراغ،
إن الليل والنهار هما الزمن الذي نعيشه وهما حياتنا ووقت أعمارنا " ما أكثر وقت الفراغ لكل إنسان تقريبا فيا ترى في ماذا يقضيه؟ أم إنه يضيعه هباء ويتلاشى في مهب الريح" (3) ؟ يرتع بعض الناس في الفراغ بلا هدف يسعى إليه، أو أمل يكرِّس حياته لأجله، أو رسالة سامية يقوم بها، فيضيع الجهد والمال والوقت. " فإذا عاش الإنسان دون هدف كانت حياته بلا قيمة. " (4)
__________
(1) البقرة : 286
(2) رواه البخاري،ج:2 ص: 519 .
(3) يوسف بن إبراهيم السرحني، زاد المسلم ص: 24 .
(4) وفا محمد مصطفى، أسرار التميز والنجاح،ط:1 _ 2001م دار ابن حزم ،ص : 42 . (1/15)
صفحة 16
كم من فارغ يقضي أوقاته في مجالس اللهو واللعب، والغيبة والسخرية بخلق الله، فلا يقوم من مجلسه هذا إلا وقد قضى على حسناته كلها. وعن أبي الدر داء - رضي الله عنه - قال: "يا ابن آدم إنما أنت أيام فكلما ذهب يوم ذهب بعضك" (1) فالأيام والليالي هي الحياة، ووقت العمر، فينبغي أن ننتهز فرصة أعمارنا بما نستفيد منه وننتفع فيه من العلم النافع، والعمل الصالح قبل أن تنتهي حياتنا، ونتأسف على ماضينا، قبل أن يقول الإنسان: يا ليتني قدمت لحياتي. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ" (2) .
وقال ابن الجوزي: "قد يكون الإنسان صحيحا، ولا يكون متفرغا؛ لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيا، ولا يكون صحيحا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة، فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم (3) . وعن الحسن أنه كان يقول: " أدركت أقواما كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره". (4) ذلك لأنه يعلم أن العمر إن ضاع فات ولم يعوض، وأن الدرهم إن ارتحل يوما حلّ في آخر.
__________
(1) أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت 458هـ كتاب الزهد الكبير،مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، 1996م تحقيق الشيخ عامر حيدر ، ج : 2، ص : 204 .
(2) رواه البخاري في الجامع الصحيح ج : 5 ص: 2357 ، ورواه الترمذي، والدا رمي وآخرون.
(3) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852هـ فتح الباري، دار المعرفة ،بيروت، 1379، تحقيق، محمد فؤاد عبد الباقي،
ج : 11،ص : 230
(4) عبد الله بن المبارك المر وزي ، ت 181هـ الزهد لابن المبارك، دار الكتب العلمية، تحقيق، حبيب الرحمن الأعظمي،
ج1 ص: 4 (1/16)
صفحة 17
قال ابن القيم : "فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادَّة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع من مر السحاب. فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة؛ فموت هذا خير له من حياته (1) ".
ونحن كمسلمين ينبغي أن نتأسى بصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شغل الأوقات بما ينفع. قال أبو بكر رضي الله عنه: "لست تاركا شيئا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل به إلا عملت به إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ (2) ".
لقد كان السلف الصالح يحرصون على كسب أوقاتهم فيشغلونها بما ينفعهم. كان أبو داود يكثر من القراءة في كتب العلم حيث إنه لم يكن يذهب إلى أي مكان لقضاء حاجة دنيوية أو أخروية إلا ومعه كتابه. وخرج القاضي شريح على قوم من الحاكة – النسَّاجين - في يوم عيد وهم يلعبون فقال: " ما لكم تلعبون؟ قالوا: إنا تفرغنا، قال: أو بهذا أمر الفارغ؟ ثم تلا قوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب } (3) .
__________
(1) محمد ابن أبي بكرا لزرعي ت 751، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت،
ج: 1 ص: 109
(2) أحمد بن عبد الحليم بن تيميه الحراني ت 728هـ ، منهاج السنة النبوية، مؤسسة قرطبة ، ط؛ 1، 1406 ، تحقيق د. محمد رشاد سالم ، ج: 4، ص: 233 .
(3) أحمد بن عبد الحليم بن تيميه الحراني، مجموع الفتاوى ، ج: 22 ص: 495. والآية في سورة الانشراح رقم : 8 (1/17)
صفحة 18
أخي المسلم إن مما يعينك على الاستفادة من وقتك معرفة أهمية الوقت، وأنه يذهب سريعا، وأن ما ذهب منه لن يعود،كما ورد ذلك في الحديث الذي رواه معقل بن يسار "ليس من يوم إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل فيّ عليك شهيد، فاعمل فيّ خيراً أشهد لك به؛ فإني لو مضيت لم ترني، ويقول الليل مثل ذلك" (1) . وكذلك تذكر الموت، وأن كل إنسان قادم على ما قدَّم، ومن نسي الموت أو تناساه وسوَّف في الأعمال الصالحة فإنه سوف يندم حين لا ينفعه الندم.
ومن العوائق التي تحول دون الاستفادة من الوقت عدم الإحساس بأهمية الوقت، وحب الدعة والسكون والراحة، وكثرة الأكل والنوم، وضعف الهمة، وفتور النفس، وميلها إلى اللهو ومجالس الفارغين.
قال ابن هبيرة: الوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
وقال ابن الجوزية:"ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه،وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدِّم الأفضل فالأفضل، من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور، بما لا يعجز عنه البدن من العمل" (2) .
أخي المسلم احفظ أوقاتك الذهبية، واحذر من السهر الضائع في متابعة الأفلام السيئة، والمسلسلات الإجرامية، واحذر من جلساء السوء الذين يزينون الأعمال السيئة، فإن جليس السوء إن لم تشاركه في إ ساء ته أخذت بنصيب وافر من الرضا بما يصنع. فابتعد عنه قبل أن تندم وتتمنى أن تقول: { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } (3)
__________
(1) أبي شجاع شيرويه بن شهر دار الديلمي، الهمذاني، ت 509، الفردوس بمأثور الخطاب، ط ؛ 1،دار الكتب العلمية ، بيروت، 1986م ، تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول، رقم الحديث: 5162، ج: 3، ص: 382 .
(2) أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، صيد الخاطر،ط: 1-1417هـ دار الكتاب العربي، ص: 28 .
(3) الزخرف: 38 (1/18)
صفحة 19
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخره" (1) . عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: " إني لأمقت الرجل أراه فارغا، ليس في شيء من عمل دنيا، ولا في آخره" (2) .
وهناك من الناس من يبدِّدُ وقت فراغه بما يعود عليه بالضرر والخطر؛ تلبية لشهوات نفسه من اللهو والمتعة في الحرام، وخاصة في بلاد الكفار والفجار، حيث يموج فيها الكفر والإلحاد، والانحطاط في السلوك والأخلاق، فالإلحاد فيها ظاهر، والفساد فيها منتشر؛ بلا رادع ولا وازع. إن بعض الشباب يرحلون إلى تلك الديار بين حين وآخر؛لمقاصد سيئة وأهداف خبيثة، وحيث إنهم ينتسبون إلى الإسلام فإنهم يشوِّهون الإسلام بأفعالهم وتصرفاتهم عند من لا يعرف حقيقة الإسلام، ويصدون عنه من يتطلع إليه بسبب أفعالهم القبيحة، وأخلاقهم الدنيئة.
البند الثالث: الجهل،
إن من أعظم أسباب البطالة الجهل، وقلة الخبرة بأساليب الإنتاج؛ مما يؤدي إلى عدم الانتفاع بالموارد الطبيعية، أو الاستغلال بالطاقات البشرية. إن لهذا العامل دوراً مهماً وفعالاً في قلة الانتاج، وتزايد الحاجة والفقر، لذا حث الإسلام المسلمين على طلب العلم، والانتفاع بخيرات الطبيعة، والاستفادة منها باكتساب الخبرة والتمرس في العمل والتنظيم.
فقد ورد في الحديث الشريف: " إن الله يحبّ المؤمن المحترف " . (3)
__________
(1) أبو القاسم جار الله محمود بن جار الله بن عمر الزمخشري ،ت 467هـ ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ، في وجوه التأويل ، دار المعرفة، بيروت .
(2) كشف الخفاء ، ج: 1ص: 291 سبق ذكر عنوان المصدر .
(3) الحديث سبق تخريجه في المقدمة ص:1. (1/19)
صفحة 20
وبهذه الطريقة المتقنة عمل الإسلام على تعبئة طاقة الإنسان الجسدية، والنفسية، والفكرية، وتسخير خبراته الفنية، والعلمية؛ من أجل زيادة الانتاج، وتوفير الحاجة، وتنمية الثروة. وكان سعيد بن المسيب يقول: "لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه، ويصون به عرضه، فإن مات تركه ميراثا لمن بعده. وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار، وخلف سفيان الثوري مائتين، وكان يقول المال في هذا الزمان سلاح. ومازال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء". (1)
وقد أكدت النصوص الشرعية على أهمية الثروة وضرورة تنميتها بزيادة العمل، والإنتاج الحلال؛ لسدِّ حاجة الإنسان، وتقوية موارده المالية بدليل نصه: (يكف به وجهه، ويقضي به دينه، ويصل به رحمه ). فكف الوجه، وقضاء الدين، معناه توفير الكفاية، وسد الحاجة من الجهد الشخصي، وعدم اللجوء إلى مساعدة الآخرين. وصلة الرحم: هي إعطاء ذوي الحاجة من رحم الإنسان مما توفر لديه بسبب زيادة الإنتاج، ونمو الثروة.
وهكذا كانت خطوط المنهج الإسلامي متوازنة، ومتقنة من أجل استنفار طاقات البشر، وحشدها في ساحة العمل والإنتاج.
البند الرابع : هجرة العقول والأموال:
إن الهجرة في حد ذاتها مباحة، ومأمور بها شرعا، وخاصة مع الاضطهاد الديني؛ بحيث لا يتمكن المسلم من ممارسة تعاليم دينه الحنيف، فإن الهجرة تصبح لزاما عليه في هذه الحالة، طبقا لقوله تعالى : { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها (2) } .
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن ج: 3 ص: 420
(2) النساء : الآية: 97 (1/20)
صفحة 21
فنحن عند ما نتحدث عن الهجرة كسبب من أسباب البطالة، لا نعني الحالة المذكورة، ولكن الحديث يدور حول أولئك الذين يسافرون إلى الخارج بهدف دنيوي معين: كطلب العلم في الجامعات، أو المعاهد التدريبية المهنية، سواء أكانوا مبعوثين من قبل حكومات معينة، أم شركات محددة، أم لأغراضهم الخاصة: كالتجارة، والصناعة، وغير ذلك، ثم بعد انتهاء المهمة، وبدلا من الرجوع بهذه الفوائد الضخمة التي أنجزها في الخارج ليفيد بها مجتمعه وأهله وبلده، إلا أنه يفضل البقاء في الخارج؛ للحصول على جنسيات غربية مزورة؛ ليفرغ تلك الطاقات الكبيرة، والحصيلة العلمية، والفوائد المالية كلها على حسابات الغرب، خيانة لتلك البلاد الأم التي نشأ فيها، وشب وترعرع في أحضانها وجنباتها؛ ليكون جزاؤها الهجرة، والحرمان، والهروب والتنفير.
وما أكثر هؤلاء المثقفين المهاجرين عن تلك الأوطان، من مختلف الطبقات: كالمهندسين، والأطباء، والصيدليين، والمدرّسين، والفنّانين، والممثّلين، والرياضيين من لاعبي كرة القدم، والملاكمين، وغيرهم من أصحاب المهارات المرموقة، الذين اغترّوا بأموال الغرب، وعماراتها، فباعوا أنفسهم على حساب دولهم، وتركوها تعاني من ويلات الفقر، والبطالة، والركود الاقتصادي المهين؛ مما جعل معدلات البطالة ترتفع بصفة مستمرة، جراء عدم وجود أصحاب الكفاءات العلمية العالية.
وكأمثلة على ذلك نورد ما يلي: (1/21)
صفحة 22
نقل راديو لندن عن الدراسة الأكاديمية تقديرها لعدد المثقفين الأفارقة، الذين يهاجرون إلى الغرب سنويا، بحوالي 22 ألف شخص، الأمر الذي يكلف الدول الإفريقية مبالغ ضخمة، تصل إلى أربعة مليار دولار سنويا. وأشار الراديو إلى أن أحد كبار أساتذة الاقتصاد في جامعة -أديس أبابا- بإثيوبيا، هو الذي أعد هذه الدراسة، وقال: "إن أفريقيا تعانى من نقص شديد في المفكرين والمثقفين؛ لأن ثلث المتعلمين الذين يبعثون لحضور برامج تدريبية في الخارج لا يعودون إلى أوطانهم (1)
وفي جولتي حول البحث عن هجرة العقول والأموال قرأت هذه الأخبار المدهشة، الخبر الأول تحت عنوان:
800 مليار دولار أموال عربية في الخارج ... متى تعود؟
"مابين600 إلى 800 مليار دولار أموال عربية يتم استثمارها في دول العالم حاليا،
في وقت يعاني فيه العالم العربي من نقص الأموال اللازمة؛ لتمويل مشروعات التنمية الراهنة، وتحديات النهضة المعاصرة ترتفع الأصوات منذ فترة طويلة مطالبة بعودة الأموال العربية المهاجرة إلى الخارج، وبحسب بيان الدكتور فؤاد شاكر - الأمين العام لاتحاد المصارف العربية- فإن حجم الأموال العربية المهاجرة للخارج يتراوح بين 600 إلى 880 مليار دولار، مشيرا إلى أن هناك سببين لاستثمار هذه الأموال في الخارج أولهما: التوترات السياسية بالمنطقة، التي انعكست على الاستثمار، والثاني وجود فرص استثمارية غير معروفة بالمنطقة" (2)
والثاني بعنوان:
(120مليار دولار خسائر العرب في أزمة الأسواق الآسيوية وأحداث 11سبتمبرفي أمريكا )
__________
(1) هيئة الإذاعة البريطانية تاريخ: (1\5\2002)
(2) مجلة الوعي الإسلامي، العدد: 440 – السنة:39 ربيع الآخر،عام: 1423هـ يونيو\يوليو2002م ص: 22بتصرف. (1/22)
صفحة 23
ذكر صاحب المقال إحصائيات كثيرة، ثم أردف قائلا: "بينما يعاني العالم العربي الشظف والفقر، وتحديات الجوع والعطش، وتأسيس البنية التحتية ... إلخ نجد أن 800 مليار دولار عربية يستثمرها العرب خارج العالم العربي، الأمر الذي يجعل من إعادة هذه الأموال ضرورة شرعية، كما يقول علماء الدين، وحتمية حياتية،كما يؤكد خبراء الاقتصاد، واستجابة وطنية،كما يقرر علماء السياسة" (1)
هل نبالغ والأمر هكذا، عند ما نرفع شعارا : استثمر دينارا في بلدك تنقذ طفلا من الأمية، أو شابا من البطالة، أو أسرة من الفقر، أو مجتمعا من التأخر، والتخلف والاحتياج للآخرين؟.
وفي خبر آخر وهو أدهى وأمرُّ جاء فيه ما يلي:
"الأموال السعودية المهاجرة حجمها: 700 مليار دولار.
الإمارات: 266 مليار دولار.
الكويت: 163مليار دولار.
بقية دول الخليج: 065 مليار دولار.
وهى تشير إلى أن المستثمر الخليجي يوزع استثماراته في الخارج غالبا، بنسبة60% في الولايات المتحدة، التي يفضل أوراقها المالية ... أما نسب الاستثمار الباقية فتتوزع بين30% في أوروباو10% في دول أخرى." (2) هذه هي الدول الإسلامية، وهذا هو العالم الإسلامي، إلى متى سنتخلص من البطالة، والفقر مادام الحال _ وللأسف_ كما ترى؟ وللمزيد من المعلومات عن أضرار الهجرة وآثارها السيئة أنظر هذه الكتب (3) .
البند الخامس : التبذير:
__________
(1) مجلة الوعي الإسلامي العدد 440 ص:25.
(2) مجلة (( المجلة )) العدد:1177 –1- 7\9\2002 م ص: 53 .
(3) فتحي أبو عيانة: مشكلات السكان في الوطن العربي، بيروت ،دار المعرفة،ط: 1،1987م ص: 131 ،
وكتاب لسمير عبد ه: البطالة المقنعة في الوطن العربي، دار طلاس للدراسات والترجمة،دمشق،ط:1،1984م ص:35
وكتاب لسلوى سليمان: العمالة المصرية،دار النهضة للنشر،القاهرة،1989م ص:75 . (1/23)
صفحة 24
معناه: التفريق، وأصله: إلقاء البَذر، وطرحه، فاستُعير لكلّ مُضيِّعٍ لماله. (1) والتبذير هو أحد الرذائل الأخلاقيّة المنهيّ عنها في القرآن الكريم، ولاشك أنه يؤدي إلى البطالة؛ لما ينطوي عليه من إتلاف المال في غير وجه شرعي، وهو محرم عند الله تعالى باتفاق العلماء. قال تعالى: { وآتِ ذا القُربى حقَّهُ والمسكينَ وابنَ السَّبيلِ ولا تُبذِّرْ تبذيراً إنّ المبذِّرينَ كانوا إخوانَ الشياطينِ وكان الشيطانُ لربِّه كَفوراً } (2) "قوله تعالى : ولا تبذر أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق. عن ابن عباس قوله: { ولا تبذر تبذيرا } قال: المبذر: المنفق في غير حقه. وسئل ا بن مسعود عن هذه الآية : { ولا تبذر تبذيرا } قال إنفاق المال في غير حقه. (3)
__________
(1) الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني المفردات في غريب القرآن، 40 بتصرف.
(2) الاسراء / 26 و 27.
(3) إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي،ت 774هـ ،تفسير بن كثير ج: 1، دار الفكر،بيروت، 1401هـ ،ص : 3 . وانظر أيضا تفسير الطبري ج: 15 ص: 73. تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 37. مصنف ابن أبي شيبة ج: 5 ص: 331.
شعب الإيمان ج: 5 ص: 249. (1/24)
صفحة 25
قال الإمام الشافعي: "والتبذير إنفاق المال في غير حقه ولا تبذير في عمل الخير وهذا قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك: التبذير هو: أخذ المال من حقه، ووضعه في غير حقه، وهو الإسراف، وهو حرام؛ لقوله تعالى: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين. وقوله: إخوان يعني أنهم في حكمهم؛ إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار ثلاثة أقوال" (1) . وقال علي بن ثابت: العقل آفته الإعجاب والغضب، والمال آفته التبذير والنهب (2) .
وقال الماوردي: الإسراف تجاوز في الكمية، وهو جهل بمقادير الحقوق، والتبذير تجاوز في موضع الحق، فهو جهل بمواقعها، وكلاهما مذموم، والثاني أدخل في الذم؛ إذ المسرف مخطئ بالزيادة، والمبذر مخطئ بالكل، ومن جهل مواقع الحقوق ومقاديرها بماله وأخطأها، فهو كمن جهلها بفعاله (3) . والتبذير جملة وتفصيلا محرّم عند المسلمين، بل حتى الكفار والملحدين، فهو مذموم مطلقا.
وإليك بعض ما نشرته وكالة الأنباء الصينية في 5 مارس 2002 / تحت عنوان:
- تشو رونغ جى - ينتقد نشاطات التبذير- حيث تقول الوكالة:
__________
(1) محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ،ت 671هـ ، الجامع لأحكام القرآن، ج: 10 ط ؛ 2 دار الشعب، القاهرة 1372هـ تحقيق أحمد عبد العليم البردوي ، ص:247 بتصرف.
(2) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، ت463هـ ، التمهيد لابن عبد البر ج: 7 ، وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية ، المغرب ، 1387هـ ،تحقيق مصطفى بن أحمد البكري ، ص: 250 . أنظر المحلى ج: 7 ص: 428 . بداية المجتهد ج: 2 ص: 210 .
(3) عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير ج: 1 ط؛ 1 المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1356هـ ص: 51 . (1/25)
صفحة 26
"دعا رئيس مجلس الدولة الصينية [تشو رونغ جى] إلى الكفاح ضد التبذير والإسراف، وقال: إنهما يشكِّلان معضلة خطيرة في الإنتاج، والبناء، وتداول السلع. وحث الجميع على تقليل النفقات، ومقاومة التبديد. وانتقد بعض السلطات المحلية التي تريد بناء مشاريع للتباهي والتفاخر ، وأكَّد بأن سوء السلوك هذا يستهلك بلا شك مبالغ مالية طائلة؛ لذلك على الحكومة أن توقف هذا الاتجاه بكل حزم وصرامة". (1)
فإذا كان الكفار يقفون ضد التبذير بهذا الموقف الصارم، ويحذرون شعوبهم من مغبة الوقوع فيه، فماذا نقول نحن مسلمون؟! ولماذا نعيش مع التبذير في مجتمعنا الحاضر على هذا الشكل المدهش المقيت؟!! والعياذ بالله.
البند السادس: الاتكال على الغير:
لاشك أن الاتكال على الغير مفسدة كبيرة، وأيما مفسدة، فكم من أناس يتمتعون بكامل الصحة والعافية، والفطنة والذكاء؛ إلا أنهم أهدروا طاقاتهم في دهاليز الفقر، والبؤس، والحرمان، وأصبحوا عالة ثقيلة على مجتمعاتهم، أو عبئا وخيما على شعوبهم، يلتقمون كلما يصل إليهم من حلال أو حرام، دون أن يحركوا ساكنا. فترى الواحد منهم رغم اتكاله المستمر على كفيله الذي رباه صغيرا، وعلَّمه أمور دينه، وتحمَّل تكاليف زواجه، ثم يتولى تربية أولاده، ورعاية أزواجه، وغير ذلك من التكاليف الباهظة؛ إلا أنه – المتكل- لا يتفكر في يوم من الأيام أن يقوم بمسئولية نفسه، أو شئون أهله، فضلا من أن يقدِّم إلى هذا الكفيل المحسن جزاء إحسانه السابق.
__________
(1) China Internet Information Center
E-mail: mailto:webmaster@china.org.cn Tel: 86-10-68326688 . (1/26)
صفحة 27
وما أكثر هذا الصنف في هذه الأمة، وخاصة في القارة الأفريقية، التي يمكن أن ترى فيها الشخص الواحد يتحمل مسئولية حوالي ثلاثين شخصا أشداء، أقوياء، أو قبيلة كاملة، ثم لا يزال يقدم المساعدات، ويتحمل التكاليف، وينفق ما بيده بدعوى أن هؤلاء من الأقرباء، أو أنهم من ذوي الأرحام، حتى يصبح هو الآخر لا يملك قوت يومه، وما عنده مثقال حبة من خردل يمتلكها لنفسه.
فبالله عليكم أهكذا أمر القرآن يا مسلمون؟! أليس القرآن هو الذي يخاطبنا بقوله:
{ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } (1) .
وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين – رضوان الله عليهم- يعملون ويكتسبون لأنفسهم، ولا يتكلون على أحد غير الله تبارك وتعالى. والتاريخ الإسلامي يشهد لهم ذلك، وكانوا يحذرون الناس عن الميل إلى الكسل، والراحة، والفراغ، ولو كان الغرض من ذلك الفراغ هو محض العبادة. وكان بعضهم يفضِّلون العمل والاشتغال بطلب القوت على العبادة النافلة. ومن ذلك ما روي عن أبي قلابة أنه قال لرجل: "لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد". وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم، وعلى عنقه حزمة حطب، فقال له: " يا أبا إسحاق إلى متى هذا؟ إخوانك يكفونك، فقال: دعني عن هذا يا أبا عمرو، فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة"!!. وقال أبو سليمان الداراني: "ليست العبادة عندنا أن تصف قدميك، وغيرك يقوت لك؛ ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد" (2) .
__________
(1) الإسراء : 29
(2) أبو حامد محمد بن محمد الغزا لي، ت: 505هـ ، إحياء علوم الدين، دار المعرفة ، لبنان، 1403هـ، -1983م .:ج: 2\63 . (1/27)
صفحة 28
وما هذه الظاهرة السيئة التي نعاني منها اليوم _ اتكال الناس بعضهم على بعض_ إلا جزء من تلك العادات القبيحة، التي خيَّمت ظلالها على الأمة، وأصبح البعض يعتمدون عليها كل الاعتماد، ويعتقدون حرمة تغييرها، أو تبديلها في أي وقت من الأوقات، بل ويتهمون من يتصدى لذلك بقطع الأرحام، أو الذي يسعى بالنفاق.
أليست العادة عبارة عن اصطلاح أمة ما على سلوك طريقة خاصة في معيشتهم، ومعاملاتهم حسب ما يناسب الزمان والمكان؟ من ذا الذي يمكنه أن يتصور أن العوائد لا تتغير، بعد أن يعلم أن ثمرة عقل الإنسان يختلف باختلاف الأماكن والأيام. هل نعيش للماضي أم للمستقبل؟ هل نريد أن نتقدم أو نريد أن نتأخر؟ نرى أن العالم في تقلب مستمر، وشئونه هي في تغير دائم.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور قاسم أمين: "إن تمسكنا بالماضي[الجمود على العوائد] إلى هذا الحد هو من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعاً بمحاربتها؛ لأنه ميل يردنا إلى التدني والتقهقر، و لا يوجد سبب لبقاء هذا الميل في نفوسنا إلا شعورنا بأننا ضعفاء عاجزون عن إنشاء حالة خاصة بنا تليق بزماننا، ويمكن أن تستقيم بها مصالحنا، فهو صورة من صور الاتكال على الغير" (1)
البند السابع : تضييق مفهوم العمل:
__________
(1) د: قاسم أمين، مقال بعنوان: مختارات مضيئة، تحرير العقل.. تحرير المرأة . بتصرف. (1/28)
صفحة 29
أعني بذلك أن يقيد الشخص نفسه في دائرة واحدة من دوائر الشغل، أوفي مجال من مجالات الأعمال، بحيث إذا بحث عن العمل في وزارة مّا، أو شركة معينة وأخفق عن التوظيف فيها فإنه يصاب باليأس والحرمان، ولا يفكر في البحث عن أي عمل آخر، فكأن بقية الأعمال محرمة عليه. وكذلك الباحث عن التجارة مثلا في نوع معين فقط، ولا يرى أي شغل آخر، إما جهلا، أو استنكافا، أو يكون شخصا عرف أبوه أو قبيلته مثلا بحرفة معينة ثم أصيبت هذه الحرفة بنوع من الكساد، أو الخسارة، ثم يبقى هو متمسكا بأذيال تلك الحرفة اعتقادا منه حرمة التحول إلى غيرها من المهن الرائجة أو الحرف الرابحة.
وكثيرا ما يوجد هذا النوع عند أصحاب الأعمال اليدوية كالحدادين، والنجارين، والنساجين، والدباغين. لاسيما في البوادي والأرياف؛ بحيث تعتبر بعض الأُسر نفسها مسئولة عن حرفة مّا، قد يحتاج إليها بعض الناس أحيانا، فتراها مهتمة بتلك الأشياء، ولو كانت تافهة.
نعم إن الاحتفاظ بالأمور الضرورية للناس أمر مقبول وجيد؛ ولكن ما المانع من الاشتغال بشيء آخر معها جنبا إلى جنب؛ ليكون الكسب أوفر، ولكن الجهل والتمسك بالتقاليد، والعادات الموروثة هي التي تمنع من تحقيق ذلك، والتوفيق بينها.
فلو كان الشاب المسلم الراغب في العمل يقبل أن يقوم بكل عمل يستفيد منه ويستثمر قوته، وقوت عياله، لما كان هنالك هذه الأعداد المتزايدة من البطالين الذين يمشون في الشوارع فارغين عن كل شغل، أو عمل، لا يفيدون ولا يستفيدون. (1/29)
صفحة 30
ولقد كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام قدوة حسنة لكل مسلم تقي محترف، فكانوا يمارسون شتى أنواع الأعمال، دون أن يفرقوا بين عمل وآخر، أو يخصصوا بعض الأعمال لفئة معينة، دون الأخرى، طالما أن ذلك العمل مباح شرعا ومنتج نوعا مّا. فلذلك وجد منهم الحدادون: كداود عليه السلام، والنجّارون: كنوح عليه السلام ، والتجار: كإبراهيم ،ومحمد عليهما السلام، والأطباء: كعيسى عليه السلام، والرعاة: كموسى، ونبينا محمد عليهما السلام.
وكذلك الصحابة رضوان الله عنهم كانوا يمارسون أنواع الأعمال كلها: من زراعة، وتجارة، وصناعة، وتعليم، وغير ذلك من الحرف المباحة. "فأبو بكر كان يبيع الثياب، وعمر كان يرعى الجمال، وعلي بن أبي طالب كان خياطا ... (1)
المطلب الثاني: أسباب البطالة إجباريا:وفيه بنود:
البند الأول : الحروب الطاحنة.
كم من شعوب دمرتها الحروب القبلية والعرقية، ومزقتها النزاعات الدينية، والسياسية، حتى تحول نعيمها إلى جحيم لا يطاق. وكم من دولة تحطمت في اقتصادها إلى حضيض الفقر، وهوَّة البطالة؛ بعد أن اجتاحها من الحرب إعصار فيه نار فاحترقت.وكم من دولة مزدهرة كانت تقدم مليارات الدولارات إلى شركائها ثم أصبحت كواهلها مثقلة من الديون والتبعات، وانخرطت هي الأخرى في سلك الدول النامية الفقيرة، فما أغنت عنها أموالها، بل زال عنها سلطانها، بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
فهذه (فلسطين المحتلة) عانت ما يكفيها من الدمار الشامل، والتحطم الاقتصادي الهشِّ، خلال نصف قرن من الزمن. ولا يستطيع الإنسان أيا كان أن يقوِّم خسائرها البشرية، أو المادية، خلال هذه الفترة الزمنية على الإطلاق، وحتى الخسائر المادية التي منيت بها بعد الانتفاضة المباركة كانت كبيرة جدا. وهناك خبر تحت العنوان التالي:
(( النشاشيبي: 9 بلايين دولار خسائر الاقتصاد الفلسطيني))
__________
(1) ... محمدحسين هيكل، مجلة الوعي الإسلامي: - العدد:440 ربيع الآخر 1423 هـ ص:98 . (1/30)
صفحة 31
" قدَّر وزير المال الفلسطيني محمد زهدي النشاشيبي حجم الخسائر التي لحقت بالقطاعات الاقتصادية المختلفة منذ اندلاع الانتفاضة بنحو تسعة بلايين دولار..مشيرا إلى أن قيمة الخسارة التي لحقت بالناتج القومي الإجمالي بلغت نحو: 6170 مليون دولار" (1)
وبالمقابل رأينا أن إسرائيل هي الأخرى أصيبت بتدهور اقتصادي حاد، نتيجة للعواقب الوخيمة التي تلقتها من حربها المستمر ضد العرب والمسلمين؛ لأن دمار الحرب وآثارها إذا وقعت عمت المعتدِي والمعتدَى عليه بلا تمييز، تصديقا لقوله تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } (2) .
لاشك أن الدمار الذي حل بإسرائيل كبير جدا، رغم أنها هي المعتدي، وهي الأقوى والأشد، حسب زعمها، ورغم كل ذلك فإن جهودها باء ت بالفشل.
واقرأ هذا الخبر التالي تحت عنوان:
( اثنا عشر مليار دولار خسائر إسرائيل بسبب الانتفاضة )
" قدر خبراء اقتصاديون ومتخصصون في الشئون الإسرائيلية خسائر الاقتصاد الإسراء يلي نتيجة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والعمليات الاجتياحية الأخيرة لأراضي السلطة الفلسطينية، بما يتجاوز: 12 مليار دولار، وقال هؤلاء الخبراء: إن الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من تباطؤٍ شديد، وأصبح على مشارف الركود ... وقدرت وزارة السياحة، ومكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي الخسارة التي تكبدها هذا القطاع منذ اندلاع الانتفاضة الثانية بما قيمته نحو: 3 مليارات دولار .. وتمّ تسريح: 60 ألف موظف من أصل: 202 ألف كانوا يعملون في هذا القطاع وحده" (3) .
__________
(1) ... الوعي الإسلامي: - العدد: 439 ربيع الأول 1423هـ ص: 92.
(2) الأنفال: 25
(3) مجلة ((المعالم)) العدد العاشر، رجب – شعبان:1423هـ سبتمبر – أكتوبر 2002م ص: 7 . (1/31)
صفحة 32
وانظر إلى العراق كيف كان حالها قبل حرب الخليج الأولى، والثانية، والثالثة، التي أدت في النهاية إلى انهيار الحكومة العراقية في أيدي الأمريكان، وما تربت على ذلك من أعمال سلب ونهب واسعة النطاق، ثم انظر إلى كشمير، وأفغانستان، والشيشان، أو القارة الإفريقية بصفة عامة، وخاصة الصومال والسودان وأثيوبيا وإيرتيريا،وأوغندا،ورواندا، وبروندي، وغيرها من الدول التي أكلت الحروب المدمرة الأخضر منها واليابس، وأصبح الفقر والبطالة تحكمان السيطرة والخناق على سكانها بشكل رهيب أعاذنا الله منها جميعا.
ورغم ما تسببه هذه الحروب من الدمار الاقتصادي فإن هناك أطرافا مستفيدة اقتصاديا من هذه الحروب. وإليك أخي القارئ ما ذكره أحد المحلِّلين السياسيين في ما يتعلق بهذا الأمر حيث قال: " أن الظروف والعوامل السياسية والاقتصادية التي كانت وراء النمو القياسي الذي حققه الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الماضية، قد تغيرت كثيرا، فقد لعب المستثمرون العالميون، ورؤوس الأموال المهاجرة إلى الولايات المتحدة دوراً رائداً في تمويل الشركات الأمريكية؛ فكان وراء هذا التدفق الهائل للاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة مجموعة من الأحداث الضخمة، والحروب الطاحنة التي تدور حول العالم: منها انتهاء الحرب الباردة، واندلاع حرب الخليج الثانية، والأزمات الاقتصادية التي ضربت مختلف الاقتصاديات الدولية، بدءاً بالمكسيك، ومروراً باقتصاديات النمو الآسيوية، وانتهاءً بروسيا، ودول أمريكا اللاتينية، وأخيراً- وليس آخرا- أزمة البلقان، والحرب الأطلسية ضد يوغسلافيا". (1)
البند الثاني : الأمراض المزمنة.
__________
(1) يا سمين \عبدالشكور\موقع: اسلام أون لاين نت تاريخ : 2001/8/19 بتصرف . (1/32)
صفحة 33
وهناك أنواع من الأمراض الفتَّاكة مثل: الجذام، والكوليرا، والملاريا، والسرطان، والإيدز، بحيث إذا ابتلي بها فرد من الأفراد، أو قطر من الأقطار، أو دولة من الدول؛ فإنها لاشك ستقوم بصرف مبالغ كبيرة وضخمة في سبيل البحث عن العلاج النافع للوباء المحيط حولها، فهذه الفئة المصابة بهذه الأوبئة الفتاكة ستصبح لا محالة منعزلة تماما عن الحياة الاقتصادية، والسياسية، وحتى الاجتماعية؛ مما يخلق فراغا واسعا في حقل الأعمال الإنتاجية ليرتفع بذلك معدل البطالة بصورة سريعة جدا.
البند الثالث: الكوارث:
ونحن حين نصنِّف هذه الكوارث في قائمة أسباب البطالة فإننا لا نتناولها جغرافيا، وإنما نريد أن نبين تلك الآثار الوخيمة التي يصاب بها المجتمع الإنساني، من فقدان جزء كبير من القوى العاملة، التي كان لها دور بارز في الإنتاج، والاستهلاك، وبالتالي فقدان الكثير والكثير من الممتلكات العامة، التي كانت ستسد فراغا واسعا من البطالة لولا حدوث تلك الأحداث السيئة، والمشكلات العظيمة.
ومن هنا حاولت أن أعطي بعض النماذج التي تكشف عن تلك الآثار الكوارثية:
أ_ القحط:
بعد الدمار الذي ألحقته ظروف الجفاف ببلدان شمال أفريقيا، وشرقها بالإضافة إلى الخسائر الجسيمة في الثروة الحيوانية الناجمة عن الافتقار إلى الماء والكلأ، والعشب،والعلف، فإن هناك قلقاً متزايداً من أن القحط سيختطف أرواح عدد متزايد من بني البشر؛ بسبب شح المياه والأغذية. وقد شملت تلك الأضرار أيضاً المحاصيل الزراعية، والثروة الحيوانية في عدة بلدان في الشرق الأدنى وجنوب آسيا.وقد أصدرت منظمة الأغذية والزراعة إحصائيات خاصة عن الأوضاع في كل من أفغانستان، وجمهورية إيران الإسلامية، والعراق، والصين:
ففي أفغانستان (1/33)
صفحة 34
" تحتاج أعداد كبيرة من الأسر التي فقدت محاصيل القمح حاجة ماسة إلى المساعدة الغذائية. وقد هاجر الكثير من هذه الأسر إلى المراكز الحضرية بحثاُ عن الماء والقوت. وانخفض إنتاج الحبوب الإجمالي عام 1999 بنسبة 16% تقريباً عما كان عليه في العام السابق بسبب القحط الشديد، وتفشي الآفات. ووفقاً للتقديرات فإن احتياجات البلاد من واردات الحبوب خلال السنة التسويقية 1999 - 2000 تبلغ مستوى قياسياً قدره : 1.1 مليون طن، ومن المنتظر أن تؤدي موجة الجفاف هذا العام إلى زيادة هذه الاحتياجات مرة أخرى (1) ".
وفي العراق
"أدى الجفاف إلى انكماش بالغ في الرقعة المزروعة وإلى خفض حجم مواسم عام 2000 وتشير التقارير إلى أن منسوب المياه في نهري دجلة والفرات قد ''انخفض بنسبة 20% تقريباً عن المستوى المعتاد، مما عرقل كثيراً من الإنتاج المروي الذي يغطي أكثر من 70 % من الرقعة المزروعة (2) ''
جمهورية إيران الإسلامية:
عانت البلاد على مدى عامين متتالين من الجفاف. ويهدد نقص المياه بتشريد ما يصل إلى 60 في المائة من سكان الريف. ومع استمرار الجفاف فإن أعداداً متزايدة من السكان ستعتمد اعتماداً شبه كلي على صهاريج المياه.
وتتسم أوضاع منتجي الثروة الحيوانية بالخطورة على وجه خاص. إذ تقدر خسائر الماشية الناجمة عن سوء التغذية والأمراض بنحو 800000 رأس، كما ينتظر أن تتفاقم هذه الخسائر بسبب نقص المياه والعلف. وطبقاً للتقديرات فإن زهاء 200000 من الرعاة المتنقلين قد فقدوا أو كادوا مورد رزقهم الوحيد (3) .
جمهورية الصين الشعبية:
__________
(1) منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO ) ( في12 مايو/أيار2000 بتصرف.
(2) منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO ) ( في12 مايو/أيار2000 بتصرف.
(3) منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO ) ( في12 مايو/أيار2000 بتصرف. (1/34)
صفحة 35
"دمرت موجة جفاف حادة المحاصيل وأدت إلى حالات نقص في المياه على نطاق واسع في شمال الصين. ويقدر حجم محصول الحبوب الصيفي هذا العام بنحو 107.5 مليون طن، وهو ما يقل بمقدار 11 مليون طن تقريباً، أي 9 في المائة، عما كان عليه الحال عام .1999 كما ينتظر أن ينخفض حجم محصول الأرز المبكر، الذي يزرع من مارس/آذار إلى يوليو/تموز، وذلك بسبب انكماش المساحات المزروعة. ومن المتوقع أن يصل حجم محصول الأرز المبكر إلى نحو 37.5 طن أي أنه يقل بنسبة تقرب من 8 في المائة عن مستوى العام الفائت". (1)
ب - الفيضانات الجارفة.
أمواج الفيضانات والأعاصير المبيدة تلحق الخراب بالقارة الأوربية،والآسيوية:
أدت الأحوال المناخية القاسية، التي شهدتها القارة الأوربية، والآسيوية، في الآونة الأخيرة، إلى إزهاق أرواح المئات من بني البشر، وأجبرت آلاف الأسر على هجر منازلها، وألحقت أضراراً بالغة بقدرة الإنتاج الزراعي؛ بحيث هددت بحدوث حالات نقص غذائي حاد. ويبرز التحذير الخاص الذي أصدره (النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر في المنظمة) مؤخراً الدول التي تواجه أقسى الأزمات في هذا الميدان:
"بنغلادش ألحقت الفيضانات الموسمية خسائر فادحة في العديد من مناطق البلاد. وفي حين انحسرت مياه الفيضان في الشمال فإن المناطق الوسطى والجنوبية ما تزال متضررة بشدة. ومن المنتظر أن تتفاقم الحالة في المناطق المنخفضة المحيطة بالعاصمة، نظراً إلى أن مستويات مياه معظم الأنهار تفوق مستوى الخطر (2) .
كمبوديا:
__________
(1) منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO ) ( في12 مايو/أيار2000 بتصرف.
(2) لتقرير القطري في موفر خدمات جيوويب. (1/35)
صفحة 36
"هطلت الأمطار هذا العام في البلاد بأكثر من ضعف معدلاتها المعتادة. واخترقت مياه نهر ميكونغ الضفاف محدثة فيضانات محلية في منطقة الدلتا الخصبة. وأدت هذه الفيضانات إلى مقتل 13 شخصاً وأضرت بنحو 106000 هكتار من الأراضي المزروعة بالمحاصيل". (1)
الهند:
ألحقت الأمطار الغزيرة، والفيضانات الجارفة خراباً واسعاً بالولايات الشمالية من البلاد. وعانت ولاية آسام أشد المعاناة حيث غمرت الفيضانات نحو 3000 قرية وشردت نحو 2.5 مليون نسمة. وفي بيهار اجتاحت الفيضانات قرابة 1000 قرية وألحقت الضرر بنحو 1.6 مليون نسمة. وفي البنغال الغربية أجبرت الفيضانات زهاء 200000 نسمة على النزوح من ديارهم. وأثارت الأوضاع مخاوف من حدوث نقص غذائي وتفشي الأمراض مثل الملاريا. ونشرت الفيضانات التعاسة أيضاً في ولاية هيما شال براديش الشمالية حيث قتلت ما لا يقل عن 150 شخصاً وشردت الكثيرين. ومنيت المحاصيل بخسائر جسيمة ودمر عدد من مرافق الري. (2)
ج -الزلازل المدمرة.
والزلازل عبارة عن هزات أرضية تصيب قشرة الأرض، وتنتشر في شكل موجات خلال مساحات شاسعة (3) تسببت الزلازل والهزات الأرضية في القرن الماضي على وفاة مئات الآلاف من سكان المعمورة، ومحقت ممتلكاتهم من الوجود وتركتهم مشردين بلا مأوى. ويقدر خبراء الزلازل الرقم السنوي للخسائر، التي طالت بني البشر جرّاء الزلازل خلال القرن العشرين، بنحو مآت آلاف من الضحايا البشرية وفقدان البلايين من الممتلكات الإنسانية التي يصعب التكهن عنها. وإليك نموذج من الأحداث التي نتجت عن بعض الزلازل العقيمة:
__________
(1) انظر التقرير القطري في موفر خدمات جيوويب.
(2) النداء الموحد للأمم المتحدة والمشترك بين الوكالات
(3) د: جودة حسنين جودة ، معالم سطح الأرض دار النهضة العربية،بيروت لبنان ص:160 . وانظر كتاب مبادئ الجغرافيا الطبيعة، للدكتور صلاح الدين بحيري، ط :1 دار الفكر، ص: 83. (1/36)
صفحة 37
ففي آخر يوم من أغسطس وأول يوم من سبتمبر من عام 1968م وقعت في إيران كارثة الزلازل التي محت من الوجود مناطق عمرانية بأكملها فقد اهتزت الأرض بعنف شديد، فهدمت مساكن القرى على رؤوس قاطنيها، وبلغ عدد الضحايا زهاء خمسين ألف شخص. ويقال إن عدد الضحايا في إيران وحدها خلال القرن الماضي بلغ حوالي سبعمائة وخمسين ألف نسمة.
"وفي 1970م ضرب زلزال قوي مدينة يونجاي السياحية في بيرو، فأسفر عن مصرع ما يزيد على ثلاثة وخمسين ألف نسمة ولم ينج من سكان المدينة إلا حوالي ألفي شخص فقط" (1)
في 1989: زلزال -لوما بريتا- يضرب كاليفورنيا ويسبب مقتل ثمانية وستين شخصا ويلحق أضرارا بقيمة سبعة ملايين دولار (2)
__________
(1) معالم سطح الأرض، ص: 165_166 بتصرف.
(2) هذا من تقرير نشر في الشبكة على موقعBBC Arabic.com وذلك يوم الاثنين 21/1/2001وهو لمصطفى كاظم ذكر فيه الزلازل التي حدثت في القرن الماضي بعنوان (تاريخ الزلازل في مائة سنة) وللفائدة أحببنا أن ننقل نص التقرير وهو كالتالي:
ديسمبر كانون/ الأول 1999: في الأيام الأخيرة من القرن العشرين زلزال شدته خمس درجات وثمانية أعشار الدرجة يضرب مناطق في غرب الجزائر وقتل ثمانية وعشرين شخصا ويصيب مائة وخمسة وسبعين آخرين
نوفمبر/تشرين الثاني 1999: ومع أفول القرن أيضا تتعرض تركيا مرة أخرى لزلزال عنيف تزيد قوته على سبع درجات ويودي بأرواح أكثر من أربعمائة وخمسين شخصا
سبتمبر/ أيلول 1999: أعنف زلزال يضرب تايوان تبلغ قوته سبع درجات وستة أعشار الدرجة على سلم ريختر، يؤدي إلى مقتل ألف وخمسمائة شخص وإصابة وتشريد ألوف آخرين
سبتمبر/ أيلول 1999: هزة أرضية قوية تقع في اليونان وتبلغ شدتها خمس درجات وتسعة أعشار الدرجة على مقياس ريختر، ومركزها بالقرب من أثينا. أدت الهزة إلى مقتل تسعة وأربعين شخصاً
أغسطس/ آب 1999: زلزال مروع تتراوح قوته بين ستة درجات وثمانية أعشار الدرجة وسبع درجات على مقياس ريختر يهزّ شمال غربي تركيا مسبباً عشرات الآلاف من القتلى والجرحى
مارس/ آذار 1999: زلزالان هزّا أتار براديش في شمال الهند وأديا إلى مقتل أكثر من مائة شخص
يناير/ كانون الثاني 1999: هزة أرضية في مدينة أرمينية الكولومبية قتلت نحو ألف شخص
يوليو/ تموز 1998: قُتل أكثر من ألف شخص في الساحل الشمالي الغربي في بابوا غينيا الجديدة بفعل الأمواج التي سببها زلزال وقع تحت سطح البحر
يونيو/ حزيران 1998: هز زلزال منطقة أضنه في جنوب شرقي تركيا مما أدى إلى مقتل مائة وأربعة وأربعين شخصاً. وبعد أسبوع من ذلك شهدت المنطقة هزتين ارتداديتين سببت جرح أكثر من ألف شخص
مايو/ ايار 1998: زلزال في أفغانستان يقتل أربعة آلاف شخص
فبراير/ شباط 1997: زلزال بقوة خمس درجات ونصف الدرجة حسب مقياس ريختر يهز المناطق الريفية في شمال غربي ايران ويقتل ألف شخص. وبعد ثلاثة أشهر تقع هزات عنيفة تؤدي إلى مقتل ألف وخمسمائة وستين شخصاً في شرق إيران
مايو/ أيار 1995: زلزال بقوة سبع درجات ونصف الدرجة يضرب جزيرة ساخا لين الروسية النائية ويقتل ألفاً وتسعمائة وتسعة وثمانين شخصاً
نوفمبر/تشرين الثاني 1995: زلزال يضرب منطقة الشرق الأوسط مركزه في خليج العقبة ويشمل مناطق الساحل السياحية في مصر إضافة إلى الأردن وإسرائيل والمملكة العربية السعودية ويشعر به سكان لبنان وسوريا وقبرص
يناير/ كانون الثاني 1995: زلزال يهز مدينة كوبي اليابانية ويؤدي إلي مقتل ستة آلاف وأربعمائة وثلاثين شخصاً
يونيو/ حزيران 1994: مقتل ألف شخص في زلزال وانزلا قات أرضية في كولومبيا
سبتمبر/ أيلول 1993: زلزال يؤدي إلى مقتل نحو اثنين وعشرين ألف قروي في جنوب وغرب الهند
أكتوبر/ تشرين الأول 1992: زلزال بقوة خمس درجات وثماني أعشار الدرجة يضرب مصر ويؤدي إلى مقتل نحو ثلاثمائة وسبعين وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف شخص. كان مركز الزلزال جنوب غربي القاهرة بالقرب من الفيوم والجيزة التي ضربت بعنف
في 1990: مقتل أكثر من أربعين ألف شخص في منطقة غيلان شمال إيران
أكتوبر/ تشرين الأول 1989: زلزال لوما بريتا يضرب كاليفورنيا ويسبب مقتل ثمانية وستين شخصاً ويلحق أضراراً بقيمة سبعة ملايين دولار
ديسمبر/ كانون الأول 1988: زلزال بقوة ست درجات وتسع أعشار الدرجة على مقياس ريختر يدمر شمال غربي أرمينيا ويقتل خمسة وعشرين ألف شخص
سبتمبر/ أيلول 1985: زلزال عنيف يهز العاصمة المكسيكية يدمر المباني ويقتل عشرة آلاف شخص
أكتوبر/ تشرين الأول 1980: زلزالان عنيفان متتاليان الأول بقوة سبع درجات وثلاث أعشار الدرجة والثاني بقوة ست درجات وثلاث أعشار الدرجة حسب مقياس ريختر، يضربان مدينة الأصنام (الشلف حالياً) في غرب الجزائر ويؤديان إلى مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص ويدمران معظم أجزاء المدينة
في 1980: مقتل المئات في هزات أرضية في مناطق جنوب إيطاليا
في 1976: تحولت مدينة تانغشان الصينية إلى أنقاض بفعل زلزال أتى على أرواح خمسمائة ألف شخص
في 1960: أقوى زلزال على النطاق العالمي سجل في تشيلي، وبلغت قوته 9.5 على مقياس ريختر، وقد أزال عن وجه الأرض قرى بكاملها وقتل الآلاف من البشر
في 1954 : زلزال ضرب مدينة الأصنام (الشلف) الجزائرية التي كان أسمها آنذاك اورليانزفيل وقتل ألفا وستمائة وسبعة وخمسين شخصاً
في 1950: زلزال عنيف ضرب ولاية أسام شمال شرقي الهند. أدت الهزات إلى تسجيل مستويات مختلفة الشدة إلا أنها سجلت رسميا بدرجة تسع بمقياس ريختر
في 1948: زلزال فوكوي في شرق بحر الصين دمر مناطق غرب اليابان وقتل ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعين شخصاً
في 1931 : زلزال شدته خمس درجات ونصف الدرجة بمقياس ريختر مركزه ساحل بحر الشمال في بريطانيا. كانت الخسائر بالأرواح قليلة
في 1923: زلزال كانتو ومركزه خارج العاصمة اليابانية مباشرة، يحصد أرواح مائة واثنين وأربعين ألف شخص في طوكيو
في 1906: سلسلة من الهزات العنيفة مدتها دقيقة واحدة ضربت سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة وقتلت نحو ثلاثة آلاف شخص بسبب انهيار المباني أو بسبب الحرائق. (1/37)
صفحة 38
د- البراكين الثائرة.
وغالبا ما تحدث كارثة البراكين في المناطق التي تتعرض للزلازل، أو الهزات الأرضية؛ بسبب ما في جوف الأرض من ضغط على القشرة الخارجية التي نعيش عليها فتتشقق ويحدث من تلك الشقق ما يسمى بالبراكين وهو جمع بُركان على وزن برهان ".
وأشهر براكين العالم: "فيروز"، و"سترمبولي"، و"اثنا" في إيطاليا، وبراكين جزر هاواي، وبركان "بيلي" في جزيرة "مرتيتينك"، وبركان "فوجي ياما" في اليابان". (1)
والبراكين تنقسم إلى قسمين: ثائرة، وخامدة، فالثائرة هي التي تثور وتلقي غازات واسعة النطاق إلى عشرات، بل مئات الكيلومترات، وتدمر القرى، والمناطق السكنية، وتسبّب أضرارا بالغة في الممتلكات، وبالتالي تشرِّد الآلاف من السكان عن أماكنهم الأصلية، ومحلاتهم التجارية، وتحصد أعدادا كبيرة من الأرواح البشرية.
وهذا ما تيسر لي جمعه في هذا الفصل من الأمور التي تسبب أزمات اقتصادية حادة التي تتمخض عنها أزمة البطالة، وهناك أسباب أخرى كثيرة، لا يسعني ذكرها الآن خوفا من الإطالة، وسأقوم بالحديث عن آثار البطالة في الفصل التالي إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني:
آثار البطالة اجتماعيا،واقتصاديا:
وفيه مبحثان
المبحث الأول : آثارها اجتماعيا: وفيه أربعة مطالب :
المطلب الأول : التسول، والتشرد.
__________
(1) إعداد جماعة من أساتذة الجغرافيا، والتاريخ، (أطلس العالم الصحيح،) دار مكتبة الحياة ،بيروت،لبنان، ص: 12 . (1/38)
صفحة 39
تبدو ظاهرة التسول مشكلة اجتماعية خطيرة، وهي آخذة في الازدياد مع انتشار حالات البطالة، والفقر، والتشرد؛ ولكن ما يلفت الانتباه في هذه الظاهرة السيئة هو دخول العديد من الأطفال والنساء في هذا المجال الذي يوشك أن يتحول إلى مهنة عالمية يتنافس حولها الفقراء البائسون. فكثيرا ما نشاهد ونقرأ أخبارا في الصحف، والمجلات العربية، والعالمية؛ عن إلقاء القبض على متسول، كان يتظاهر أمام الناس بأنه صاحب عاهة مستديمة. وكثيرا ما يستوقفنا منظر طفل يبكي، يستدر عطفنا في تقديم ما يسد به جوعه ورمقه.
وقد أثنى الله - عز وجل - في القرآن الكريم على الفقراء والمساكين، الذي لا يدنسون أعراضهم بفضيحة التسول وتكفف الناس؛ حيث قال: { لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ احصروا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } . (1) يعني أنهم لا يؤذون الناس بالإلحاح على السؤال، أو الاحتراف بوسيلته لكسب الأموال، وقد تخلوا عن كل مظاهر التسول والاستجداء، حتى أصبحوا يعدون في صفوف الأغنياء الذين يمتلكون القناطر المقنطرة من شدة التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس.
وقد ورد في السنة الشريفة تحذير شديد عن التسول؛ مما يدل على عواقب وخيمة في الدنيا، والتشويه الفظيع بصورة المتسول في الآخرة، ومن ذلك ما جاء عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم". (2) متفق عليه.
__________
(1) البقرة : 273
(2) رواه البخاري في صحيحه ،ج: 2 ص: 535 ، و مسلم في صحيحه ج: 2 ص :720 . مزعة لحم : قطعة صغيرة من اللحم (1/39)
صفحة 40
بل ولقد سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - من يسأل الناس أموالهم، ويتخذ ذلك حرفة ومهنة بمن يمسك جمرة من النار في يده. ومن ذلك ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل الناس أموالهم تَكثُّراً فإنما يسأل جمراً، فليستقلَّ، أو ليستكثر" (1) .
كما حذر الإسلام عن التصدق على غير المحتاج سدا لباب التسول والبطالة، ويظهر ذلك في الأحاديث التالية :" لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّةٍ سوي" (2) وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: " تحملت حمالة، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال: ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: _ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، _ ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال سدادا من عيش، _ ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقةٌ، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة، سحتا يأكلها صاحبها سحتا . (3)
ومن عجائب عالم التسول، وغرائب أساليبه: أنه توجد في بعض الدول نقابة للمتسولين! ومن شروط الالتحاق بالنقابة:
1- ألا يكون العضو المتسول قد سجن بجريمة مخلة بالشرف والمروءة!،
2-التفرغ التام للتسول!!، فالمتفرغ يعتبر عضواً عاملاً، أما غير المتفرغ فهو عضو، منتسب فقط!!،
3- ألا يكون للعضو المتسول محل إقامة ثابتة،
4-أن يتسول بطريقة حضارية جيدة!،
5-ألا يعتدي على مكان زميله في التسول!،
__________
(1) رواه مسلم في الصحيح ، ج:2 ص: 720 .
(2) رواه الترمذي في سننه عن ابن عمر ج:3 ص: 42. وأبن حبان في صحيحه عن أبي هريرة :ج:8 ص: 83. (ذو المرة السوي: القوي سليم الأعضاء ).
(3) رواه مسلم في صحيحه ،ج:2 ص: 723 والنسائي ،ج:5 ص: 89 ، وابن خزيمة ،ج:4 ص65. (1/40)
صفحة 41
6- أي خطأ يصدر من أحدهم فستناله عقوبات صارمة قد تنهي حياة المخطئ!" (1)
ومن المؤسف جدا، ما نشاهده اليوم في الشوارع العامة، وخاصة أمام إشارات المرور؛ من جموع غفيرة من المتسولين الأطفال؛ الذين يتسارعون بين السيارات المتوقفة يتنقلون بين سيارة وأخرى، وهم يحملون المناديل الورقية، أو زينة السيارات، و تبدو في أعينهم نظرات الاستعطاف، يشيرون إليك بأيديهم الصغيرة للتسول بإلحاح شديد، قد تتأملهم مستغرباً، وبعضهم في سن الطفولة الأولى ست سنوات أو سبع!!، كيف حدث أن تسرب هؤلاء الأطفال الأبرياء إلى الشوارع؟، من أرسلهم ليقوموا بجولاتهم النهارية والليلية؟ أين أهلوهم ؟، وكيف يعرضون أطفالهم للخطر من أجل نقود قليلة ؟، تلوح على ملامحهم الطفولية كل معاني البؤس والشقاء.
كيف وصل الحال بالآباء أن تخلوا عن مسئوليتهم تجاههم؟ وماذا عن الأمهات !! أين الأمهات الحنونات اللاتي تعبن في الحمل،وفي عملية الإنجاب كيف استطعن أن يفقدن أمومتهن، ويضحين بأفلاذ أكبادهن لذل السؤال ؟وهل يذهب هؤلاء الصغار إلى المدرسة؟ ومتى؟ هل هم جيل محكوم عليه بأن ينشأ متسولاً بقية العمر؟ ولله في خلقه شئون فلا حول ولا قوة إلا بالله.
التشرد :
هو أيضا بات يهدد المجتمع الدولي بشكل خطير، ولقد وصلت طلائع التشرد إلي أعلى مستوياتها في القارة الأمريكية، وخاصة في ( الأرجنتين )، ويؤكد هذا النبأ ما تقوله المندوبة "باتر يشيا مالانكا" من جماعة "بوينس آيرس بريزنتيه" التي تسعى إلى إيواء المشردين؛ حيث قالت :
__________
(1) مفلح بن حمود الأشجعي مقالة في صحيفة الجزيرة، العدد :10283 الخميس 27 ,شعبان 1421 بتصرف (1/41)
صفحة 42
"نرى أعدادا متزايدة من الناس في الشوارع؛ لأن الخدمات الاجتماعية انهارت، والناس يُطرَدون؛ لأنهم لم يدفعوا الإيجار، وتابعت تقول: هناك عائلات تأتي من الأقاليم للتسول؛ لمدة أسبوع في شوارع العاصمة، ثم العودة في نهاية الأسبوع، وقد أصبح مشهدا مألوفا في العاصمة أن يرى المرء عشرات العاطلين، والمشردين، ينظمون مسيرات، واحتجاجات؛ للمطالبة بوظائف، وطعام، واضطرت البنوك في العاصمة مثل "الكونغرس" إلى تغطية نوافذها بحواجز معدنية؛ لحمايتها من حجارة الغاضبين الباحثين عن الحقوق الطبيعية في العمل والطعام" (1) .
المطلب الثاني: السرقة، وجريمة القتل:
من الظواهر المقيتة، والمزعجة، والمشوهة؛ للشكل الحضاري، والتي تنشط، وتتزايد يوما بعد يوم، ظاهرة السرقة، والقتل. فالسرقة من الأمراض الاجتماعية الخطيرة، التي يجب علينا جميعاً أن نتعاون، ونتكاتف لاستئصالها من مجتمعنا، حتى لا تستفحل أكثر من هذا.
وهناك أعداد كبيرة من الشباب العاطلين، الذين يتخذون عملية السرقة مهنة لهم، ويرون أن الاعتماد على العمل الحر في هذا الوقت؛ نوع من الرجعية والانحطاط، فعلى الإنسان أن يحاول جمع المال بأي وسيلة كانت؛ حتى ولو أدى الأمر إلي الفتك بصاحب المال؛ للاستيلاء على ممتلكاته بالقوة والجبروت، طبقا للقاعدة المشهورة لديهم؛ بأن الغاية تبرر الوسيلة.
وهذا هو السبب في انتشار ظاهرة السرقة في الدول الغربية، والأفريقية بشكل كبير، وبالتالي يفقد الكثير من الأغنياء أموالهم بسبب السرقة؛ مما يوقعهم في نهاية الأمر على هوة البطالة، والعجز والافتقار، ويصل الأمر بالبعض الآخر إلى فقدان أرواحهم في أيدي أولئك اللصوص الفسقة الفجرة.
__________
(1) ... الإنترنت بي بي سي : تاريخ النشر الخميس 14/1/1423هـ الموافق 28/3/2002م، (1/42)
صفحة 43
ويستغل السارقون أموال الناس بالباطل لما في ذلك من كسب المال بدون الكد والمعانات، ويحاولون أن ينصبوا شباكهم بكل براعة وإتقان، وينتشرون في الأماكن المزدحمة، وعند المحلات الفخمة، ومتى ما حاول المختصون القبض عليهم انطلقوا هاربين وسط الزحام!.
إن القضاء على ظاهرة السرقة مسئوليتنا جميعاً؛ لأن الغاية العظمي للشريعة الإسلامية هي تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، وذلك بإقامة مجتمع صالح يعبد الله، ويعمر هذه الأرض، ويسخر طاقات الكون في بناء حضارة إنسانية متكاملة، يعيش في ظلها الإنسان في جو من العدل والأمن والاستقرار؛ مع تلبية كاملة لمطالبه الروحية والمادية، وعدم إغفال أي عنصر من عناصر شخصيته: روحا، وعقلا، وجسدا.
وهذا الهدف النبيل عبرت عنه عدة آيات من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } (1)
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ? (2)
فالأحكام الشرعية تهدف دائما إلي حفظ مصالح الناس التي ترجع في مجملها إلي كليات تندرج تحتها سائر المصالح الإنسانية وهي : حفظ النفس، والدين، والعقل، والنسل، والمال. والنظام العقابي في الإسلام هدف هو الآخر حفظ هذه الأمور المذكورة وشرع للحفاظ على المال حد السرقة، قال تعالى في محكم كتابه:
{
__________
(1) ... الحديد : الأية : 25.
(2) النحل الآية : 90. (1/43)
صفحة 44
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (1) وشرع للحفاظ على النفس والمال، حد الحرابة يقول الله تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (2)
المطلب الثالث : تناول المخدرات:
لا ريب أن المشاكل الاقتصادية لها تأثير بالغ في الإدمان بالمخدرات لدى كثير من الشباب، فمن ناحية نجد المؤثر هو الترف والرفاهية ، ومن ناحية أخرى نجد المؤثر هو الفقر، والحرمان، والبطالة. فالمشكلة المادية الناجمة عن البطالة والفقر، سبب هام في الإدمان. فالأسرة التي تعيش في ظروف حرجة، يسودها غالبا غياب التربية الروحية، وضعف بناء القيم الأخلاقية، والتكافل والتعاون الأسري .
كما أن الأسرة التي تحاول رسم خط المستقبل لأبنائها، دون تقييم واقعي لإمكانياتهم وقدراتهم ، تؤدي بهم في النهاية إلى الفشل، والإحباط، والشعور بانعدام قيمتهم الاجتماعية، مما يدفعهم للهروب من هذا الواقع المر، ليقعوا ضحايا مرة أخرى. ولكن هذه المرة لن يكونوا ضحايا أسرهم وذويهم ، بل ضحايا للمخدرات وأمراضها؛ لينخرطوا في النهاية في قائمة المشردين والشريرين؛ الذين يريدون الاستيلاء على أموال الناس بطرق غير مشروعة، ويستخدمون وسائل متنوعة لابتزاز الأموال من أصحابها، ولو بالسرقة، والقتل، والتهديد، أو باستعمال الحيل، والخديعة، والمكر، فهم في سبيل تحقيق ذلك يستعينون بالمخدرات، والمنشطات التي تجعلهم يواجهون كل المخاطر، والمهالك، من دون خوف، ولا استحياء.
__________
(1) المائدة:الآية: 38.
(2) المائدة: الآية: 33. (1/44)
صفحة 45
لقد انتشر بيع المخدرات في العالم، وتزايد أعداد الشباب الذين يتعاطونها بشكل كبير، فشمل الدول الكافرة والمسلمة، وبالتالي انتشر الفساد في البر والبحر، وظهر فقدان الوعي بين الشباب بصورة غير مسبوقة؛ مما جعلهم لا يدركون مسئولياتهم ولا يقدرونها حق قدرها. فالشريعة الإسلامية جاءت لتطهر الأرض من دنس الكفر، والطغيان، والأخلاق الذميمة، فأعلنت الحرب علي كل وسيلة، أو ذريعة تؤدي إلي الفساد. قال الله - عز وجل - : { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } (1)
ففي هذه الآية الشريفة بين الله سبحانه وتعالى: أن الخمر والميسر الخ رجس، ونجاسة، وسوء، وفساد، وأنه من عمل الشيطان اللعين الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وأنه يجب الاجتناب عن الخمر، وعن كل مسكر ومخدر، وعن كل ما يؤدي إلي الضياع، وإهدار الأوقات في اللهو، واللعب، والخسران.
وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"كل مسكر حرام" . (2) متفق عليه وقال أيضا : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (3)
__________
(1) المائدة : الآية : 90 – 91.
(2) رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى ج: 4 ص: 1579. ورواه مسلم في صحيحه عن أبي موسى ،ج: 3 ص: 1586.
(3) رواه الترمذي في سننه عن جابر بن عبد الله ، ج:4 ص292. وقال هذا حديث حسن غريب.
ورواه الحاكم في المستدرك عن خوات بن جبير، ج: 3ص: 466. قال عبد الله بن صالح بن إسحاق عن آبائه أن خوات بن جبير مات سنة أربعين. (1/45)
صفحة 46
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سمى الخمر بأم الخبائث، فما من خبيثة، أو سيئة كبيرة، أو صغيرة إلا ويستطيع المخدر أن يقوم بتنفيذها في أقرب وقت ممكن. وهذا ظاهر جدا لدى كثير من الشباب العاطلين عن العمل، الذين يستأجرون أنفسهم في تنفيذ أعمال تخريبية؛ في مقابل تقديم بعض الحبيبات التخديرية إليهم.
وهناك أنواع كثيرة من المخدرات التي يتعاطاها الناس يوميا بصورة أو بأخرى، وكلها لا تقل خطورتها عن الخمر في التخدير، والفساد، والحرمة؛ بل هي الخمر نفسها، ألبست بلباس آخر لا غير. ومن بين تلك الأنواع :
1- الكوكايين:
هو مخدر مسبب للإدمان بشكل قوي. والمدمنون عليه يحسون بقوة وهْمية طاغية، تجعلهم يشعرون بالسيادة . وإذا ما تعاطاه شخص مّا لأول مرة ، فلا أحد يستطيع إيقاف، أو تحديد مدى التعاطي الذي سيصل إليه. والكوكايين يمكن تعاطيه بالشم، أو بالحقن ، أو بالتدخين .
" بينت الأبحاث العلمية أنه عند ما يقوم المتعاطي، بخلط الكوكايين مع الكحول ، فقد يؤدي ذلك إلى حدوث تداخل في التفاعلات الكيميائية داخل جسمه ، حيث تقوم الكبد بربط الكوكايين والكحول ، لإنتاج مركب يسمى {كوكا إثيلين} ،
و يقوم هذا المركب بزيادة تركيز الشعور بالنشاط والخفة ، وربما زيادة خطر حدوث الموت البطيء " (1) .
2- الإكستاسي: هو عقار سيئ له تأثير نفسي خطير.
الأخطار الصحية: تشمل عدة مصاعب نفسية، منها: الارتباك والإحباط، ومشاكل النوم، والقلق الشديد. وهي تظهر خلال أو بعد تعاطي المخدر بأسابيع. كما تظهر النوبات النفسية في بعض الحالات. (2)
3- الهيروين:
__________
(1) مخدرات النوادي:m www.benanti drugs.org.co بتصرف.
(2) المصدر السابق بتصرف. (1/46)
صفحة 47
ويبدأ تأثير الهيروين بعد الجرعة مباشرة، ويتلاشى تأثيره بعد عدة ساعات . ويقول المتعاطون ، بعد تناولهم للهيروين بالحقن: إنهم يشعرون بشعور جيّاش من النشاط والخفة بشكل مقترن بتوهج ساخن في الجلد ، وجفاف في الفم، وتثاقل الأطراف. إن أخطر النتائج التي يسببها إدمان الهيروين ، هي فقدان التمسك بالمبادئ والقيم، والتفريط في كل المشاعر الإنسانية، ولن يكون للشرف والعفة أية معانٍ عند متعاطي ومدمن الهيروين.
الأخطار الصحية للهيروين:
"حدوث الموت بالجرعات المفرطة ، الإجهاض التلقائي ، انطواء العروق والأعصاب ، الإصابة بالأمراض الوبائية مثل الإيدز، والتهاب الكبد الفيروسي ، وهبوط التنفس" (1) .
4- المستنشقات: الأخطار الصحية للمستنشقات:
يؤدي تعاطي كل المستنشقات تقريباً ، إلى الإصابة بتأثيرات تشبه التخدير، والتي تسبب هبوطا في كل وظائف الجسم . وعند تعاطي المستنشقات بتركيزات كبيرة ، تظهر علامات التسمُّمِ لعدة دقائق ، وربما تستمر لساعات إذا تكررت الجرعات.وفي البداية، يشعر المتعاطي بنشاط، وعند توالي الجرعات التي يتعاطاها، يبدأ في الشعور بفقدان التحكم، وقد يصاب بفقدان الوعي."
5- الكيتامين: "هيدرو كلوريد الكيتامين" ، أو الـK الخاص ، هو مخدر قوي، يستعمله البيطريون؛ كمهدئ للحيوانات، يؤدي إلي فقدان الشعور بالوقت والإحساس والتمييز. ويستمر تأثيره قوياً من نصف ساعة إلى ساعتين ، ولكن تأثيره العادي على الجسم يستمر لمدة 24 ساعة".
6- التبغ:
هو أكثر أنواع المخدرات استهلاكاً في العالم، وقد أصبح تدخين السيجارة هو أكثر الطرق انتشاراً في العالم منذ بداية القرن العشرين. وقد وصل عدد المدخنين حاليا إلي 28% من سكان العالم والنسبة في تزايد مستمر.
__________
(1) مخدرات النوادي:m www.benanti drugs.org.co بتصرف. (1/47)
صفحة 48
وأثبتت خلاصة الأبحاث" أن السجائر وأشكال التبغ الأخرى كلها تسبب الإدمان، وأن مادة النيكوتين الموجودة في التبغ هي المسؤولة عن هذا الإدمان.كما أن الأبحاث أثبتت أن التدخين هو السبب الرئيسي للجلطة الدماغية، وأنه أحد أهمِّ ثلاثة أسباب للوفاة في العالم" (1) .
وهناك أنواع كثيرة مثل : - حبوب الهلوسة، - الماريجوانا، - الميتامفيتامين:
- الريتاتيل- الرويفينول، - المنشطات، - التبغ، - الحشيش، وغير ذلك لا ندخل في تفاصيلها خوفا من الإطالة، والإشارة تكفي اللب
المطلب الرابع: انتشار الأوبئة والأمراض الاجتماعية:
لا يخفى على ذي لب بصير؛ ما تتركه آثار البطالة والفقر؛ من سلبيات كبيرة على المجتمعات والشعوب. فالمجتمع الفقير الذي يعيش تحت وطأة البطالة والفقر، مجتمع متأخر ورجعي، تسوده البأساء والضراء، والأوساخ المنتشرة في كل مكان؛ لفقدان الآلات اللازمة التي تساعد على الحفاظ الملائم للبيئة والأجواء المحيطة بها. فالحكومات الفقيرة هي التي تتعرض شعوبها غالبا للأمراض الوبائية؛ بسبب عجزها عن تقديم ما يلزم القيام به تجاه الشعب والمواطنين.
فعلى سبيل المثال لا الحصر: هناك أمراض الملاَرِيَا التي تقتل الآلاف من الناس في العالم، سببها هو انتشار البعوض في المجتمعات الفقيرة التي لا تستطيع مقاومة البعوض؛ بسبب ارتفاع تكاليف مبيدات الحشرات، أو النقص في المعدات الضرورية، وبالتالي تجد أفراد تلك الشعوب معرضين لخطر الإصابات بحالات المرض أكثر من غيرهم.
وهناك مياه غير صالحة للشرب، ولا تستطيع الحكومات الفقيرة القضاء عليها أو معالجة جراثيمها مما يضطر الناس إلى تناولها في الضروريات المعيشية؛ فيصابون بأمراض مزمنة: كالكُوليرا الذي يحصد الكثير من الأرواح، ويقضي على الأخضر، واليابس؛ من ممتلكات الناس؛ في سبيل العثور على العلاج النافع.
__________
(1) مخدرات النوادي:m www.benanti drugs.org.co (1/48)
صفحة 49
وما زلنا نسمع من وسائل الإعلام اليومية: أن هناك في العراق آلاف الوفيات من الأطفال، الذين يعانون من الأمراض الخطيرة، التي نجمت عن الحظر التجاري المفروض على العراق؛ مما أوقع الشباب العراقيين والحكومة العراقية في قعر عميق من البطالة والفقر، وانتشار الأمراض في المدن والقرى العراقية. وغير بعيد عن أفغانستان التي يموت فيها الآلاف من الأطفال، والنساء، والشيوخ، تحت المخيمات من جراء البرد القارس، فالحكومة بفقرها المدقع، لا تستطيع الدفع عن نفسها السوء، فضلا من أن تدفع عن شعبها الضراء والبأساء. وهناك أمثلة كثيرة توضح عن مدى مستوى الأضرار التي خلفتها آثار البطالة والفقر، على المجتمعات القديمة والمعاصرة.
المبحث الثاني: آثارها اقتصاديا: وفيه مطلبان :
المطلب الأول : الركود الاقتصادي:
إن النمو الاقتصادي مرتبط ارتباطا وثيقا بتضافر الجهود من الأيدي العاملة، وكلما ازدادت قوة العُمّال حركة وانتعاشا ازداد النمو الاقتصادي ارتفاعا، وتحسنا، ورواجا، وعلى العكس من ذلك، نرى تباطؤا شديدا، وركودا كبيرا، في حركة الاقتصاد العالمي عندما تتفاقم الأزمات، وتزداد الأمور تعقيدا؛ من جراء ويلات الحروب، ودوامة العنف، التي تفرضها الدول الكبرى المتقدمة على الفقيرة النامية.
وكم من شركات عملاقة شرَّدت عمّالها عن بواخر العمل، بعد ما منيت حركتها بالركود، والإفلاس، فأصبحت أمواج البطالة تلاطمهم من كل جانب ومكان. وفي ظل التطورات الحالية، التي تشهدها الساحة العالمية أمام تهديدات أمريكية، وبريطانية متزايدة، بعد شنِّهما حربا ظالمة على الشعب العراقي، نرى أزمة اقتصادية حادة تزداد سوءا يوما بعد يوم، وتُحكم الخناق على الاقتصاد العالمي ككل، وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا؛ من تزايد ارتفاع معدل البطالة، وشل حركة النموِّ الاقتصادي في البلدين المذكورين. (1/49)
صفحة 50
وكمثال على ذلك، نختار الولايات المتحدة التي كانت مضرب الأمثال في النمو الاقتصادي في فترة من الزمن، وأصبحت هي الأخرى مهددة بالانهيار الكامل؛ بسبب تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة في أوساطها.
وللمزيد من الإيضاح اقرأ هذا الخبر التالي:
" سجلت أسعار الأسهم انخفاضا حادًّا في أسواق المال بأوروبا، وأمريكا الشمالية، بعد إعلان الولايات المتحدة عن ارتفاع حاد في معدل البطالة . وانخفض مؤشر سوق الأسهم الأمريكية بأكثر من اثنين فاصل أربعة من عشرة بالمائة بينما أقفلت بورصتا لندن وفرانكفورت عند أدنى مستوى لهما منذ ثلاث سنوات. وقال محلل - البي بي سي- للشؤون الاقتصادية: إن المتعاملين يشكون من أنه لا تبدو ثمة نهاية لتراجع قيمة الأسهم في الوقت الحالي .كما انخفض المؤشر الرئيسي لسوق المال في كندا إلى أدنى مستوى له منذ اثنين وعشرين شهرا " (1) .
وجاء هذا التراجع الحاد في أسعار الأسهم بعد أن أعلنت وزارة العمل الأمريكية أنه في خلال شهر أغسطس الماضي ارتفعت معدلات البطالة إلى أربعة فاصل تسعة بالمائة . وذلك أعلى مستوى للبطالة في الولايات المتحدة منذ أربعة أعوام، مما أثار المخاوف من حدوث تراجع في إنفاق المستهلك .
وقد أعرب الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" عن قلقه العميق لهذا الارتفاع الحاد في معدل البطالة . وقال متحدث باسمه: إن الرئيس بوش يأمل في أن تؤدي التخفيضات الضريبية التي أعلنها في وقت سابق من العام الحالي- 2003- إلى حفز حركة الاقتصاد الأمريكي (2)
__________
(1) موقع : إسلام ويب نت على الإنترنت بتصرف. موقع الشبكة الإسلامية لبي بي سي .
(2) موقع الإنترنت تاريخ: 12/1/2003 م www.bbc Arabic. Com بتصرف. (1/50)
صفحة 51
لم يعد الحديث عن تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، واتجاهه نحو الركود مجرد مخاوف وهواجس، يعبر عنها بعض الاقتصاديين الأمريكيين المتشائمين، بل أصبح حقيقة واقعة، مقترنة باتخاذ إجراءات اقتصادية احترازية، سارع المسؤولون في بنك الاحتياط الفيدرالي إلى اتخاذها للحد من هذا التدهور. وكان البنك المركزي الأمريكي قد خفّض الضرائب خلال العام 2001 ست مرات بهدف إنعاش الاقتصاد، وهو مالم يحدث منذ أكثر من 8 سنوات تقريبا؛ مما يدل على مدى خطورة الوضع الاقتصادي الأمريكي حاليا.
وكان ارتفاع أسعار الطاقة أحد أهم المشكلات التي تعوق ازدهار الاقتصاد الأمريكي؛ حيث قامت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بتخفيض إنتاجها عدة مرات خلال عام 2001_ 2002 للتغلب على انخفاض الأسعار، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، وبالتالي انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.كما تراجع أسهم شركات التكنولوجيا التي تعد أحد أعمدة هذا الاقتصاد؛ حيث أدى الانخفاض الملحوظ في قيمة أسهمها إلى حدوث هبوط اقتصادي مفاجئ.
وحسب دراسات قام بإعدادها مركز أبحاث التجارة الإلكترونية بجامعة تكساس، خلال عام 2001، شكلت خسائر الأسهم ما نسبته 60 في المائة من القيمة السوقية الإجمالية التي تمتلكها 280 شركة تعمل في مجال الصناعات الإلكترونية الأمريكية، في حين أن القيمة السوقية لجميع الأسهم في الولايات المتحدة تتجاوز مبلغ 14 ألف مليار دولار. وقد طالت الخسائر أسهم شركات عملاقة، مثل: "سيسكوسيستمز"، التي تقلصت قيمتها السوقية بنحو 210 مليارات دولار، والبوابة الإلكترونية "ياهوو" 102 مليار دولار، و"أميركا أون لاين" 92 مليار دولار". (1)
المطلب الثاني : المظاهرات الشعبية والانقلابات الحكومية:
__________
(1) نقلا عن موقع الإنترنت: إسلام أون لاين نت بتصرف. (1/51)
صفحة 52
إن العلاقة بين الفقر والبطالة من جهة، وبين المظاهرات الشعبية والانقلابات الحكومية من جهة أخرى- هي علاقة وثيقة الاتصال. فتفشي البطالة وتدهور القدرة الشرائية؛ بسوء الأوضاع الاقتصادية، و انخفاض موارد الدولة ، تجعل نفوس الشباب مرتعا خصبا لكل الأفكار المغرية ، و عرضة لكل إغراء مادي يستعمل مصيدة لهؤلاء؛ لتوريطهم في أعمال العنف؛ بهدف إخراجهم من وضعيتهم الصعبة؛ فتنقاد تلك النفوس الفارغة بسهولة وراء كل داع إلي الحق، أو ناعق إلي الباطل.
فالشباب المحرومون من العمل، الفارغون من الأشغال، كثيرا ما ينتقدون حكوماتهم، التي لم تستطع أن توفر لهم فرص العمل؛ مما يجعلهم يفكرون في التعبير عن غضبهم بشتى الوسائل، محاولين في الوقت نفسه إيجاد البديل عن تلك الأنظمة التي تحكمهم بالحديد والنار، وهناك الكثير من المشكلات الاقتصادية التي دمرت الشعوب والمجتمعات نتيجة لأزمات الفقر والبطالة، والتي تحولت إلى قيام مظاهرات شعبية واسعة النطاق، وأدت إلى تحطيم الكثير من الممتلكات الخاصة والعامة، وإحراق العديد من الأسواق التجارية الضخمة، مما يجر الشعوب إلي معاناة المزيد من المشكلات الاقتصادية. (1/52)
صفحة 53
والمتظاهرون الغاضبون غالبا ما يقومون بأعمال تخريبية في ممتلكات الحكومة، بما فيها بعض الممتلكات التي تتعلق بها مصالح الشعب أيضا: كتخريب أجهزة الهواتف العامة، وكسر أعمدة إشارات المرور الضوئية، وقطع أسلاك الكهرباء، وإشعال الحرائق في محطات البنزين، وكسر زجاجات السيارات، وإحراق إطاراتها، وشل حركة المرور، وإغلاق المؤسسات، والمحلات التجارية، وغير ذلك من الأعمال التخريبية التي تتولد من العنف والمظاهرات. وقد تقوم الحكومة بمحاولة إيقاف تلك المظاهرات بقوة مفرطة فيفضي إلى إراقة الدماء، وفرض حظر التجول، ووضع حواجز أمنية على الطرق، وفتح أبواب السجون لزج المئات في زنزاناتها. وقد تستمر المظاهرات أحيانا فترة طويلة؛ مما يحدو بعض المسئولين إلي محاولة القيام بانقلاب عسكري ضد الحكومة لإراحة الشعب من الدمار الحاصل وربما يسقط فيه المئات بل الآلاف من القتلى والجرحى جراء استخدام العنف والتشدد .
ولا ريب أن ما يجري حاليا في ساحل العاج، بين المتظاهرين والحكومة، وما يجري في "زيمبابوي" بين المتظاهرين والحكومة، وما يجري في " فنزويلا" بين المتظاهرين والحكومة، كل هذا يؤكد صحة ما أشرنا إليه من أن البطالة لها آثار سلبية على المجتمع الدولي. (1)
وللمزيد من التفاصيل اقرأ التقرير التالي:
__________
(1) وكان تاريخ وقوع تلك الأحداث المذكورة هو: 10/ذو القعدة/1423هـ الموافق: 12/1/2003م (1/53)
صفحة 54
" ألقت الشرطة الفنزويلية القنابل المسيلة للدموع، والرصاص المطاطي؛ لتفريق مسيرة ضخمة للمتظاهرين انطلقت نحو ثكنة عسكرية رئيسية في العاصمة كارا كاس. وسار عشرات الآلاف من أنصار المعارضة نحو – فورت تيوانا- (1) لكن أعدادا كبيرة من قوات الشرطة اعترضت طريقهم" (2) . وتأتي الاضطرابات الجديدة في اليوم الثاني والأربعين من الإضراب العام الذي يهدف إلى إسقاط الرئيس الفنزويلي "هيوجو شافيز".
وكان الرئيس الفنزويلي قد اتهم منظمي الاضراب، المطالبين بإجراء انتخابات جديدة، بأنهم يسعون إلى قتل الشعب الفنزويلي من خلال تعريضه للمجاعة. وفي محاولة منه لكسر طوق الإضراب الذي تسبب في مقتل العديد من الأشخاص في مواجهات دامية بشوارع العاصمة كرا كاس، أوقفت صادرات النفط، وأثرت سلبا على قيمة العملة، قال الرئيس إنه سيقيل نحو ألف موظف، وعامل من شركة النفط الفنزويلية المملوكة للدولة.وكانت أزمة الاقتصاد الناجمة عن انتشار رقعة البطالة هي التي زعزعت الاستقرار في البلدان المذكورة وأدت إلى نشوب مظاهرات دامية راحت ضحيتها آلاف من الأبرياء أعاذنا الله منها جميعا.
الفصل الثالث:
علاج البطالة في ضوء الشريعة الإسلامية
تمهيد
__________
(1) منطقة عسكرية في العاصمة كارا كاس.
(2) موقع الإنترنت: BBC Arabic.com تاريخ: 13/1/2003 م بتصرف. (1/54)
صفحة 55
عزيزي القارئ الكريم قد رأيت مما مضى كيف تعصف البطالة بالأفراد والمجتمعات عصفا فتذر الفرد مشرد البال والحال وتجعل المجتمع مرتعا للأمراض الاجتماعية بأنواعها حتى إذا أحاطت بالمجتمع الظلماتُ وعصفت به رياح الضياع وأرسل صرخاته مستنجدا جاءه الحل الإسلامي الذي يجعل الدواء على الداء ويضع المقصل على المفصل بل ويبين طرق الوقاية من ذلك الوباء. وهو إذ يطرح الحل الإلهي فإنه يتخذ أساليب متنوعة وطرقا متعددة منها ما يتعلق بالترغيب، والالتزام: كالدعوة إلى تطبيق نظام الزكاة ، وتطبيق مسئولية الدولة ، والحث على العمل بشتى أنواعه وأشكاله في إطار شرعي، كإحياء الأرض الموات، وعقد المضاربة ، والقرض الحسن، والاعتماد على النفس ، والتكافل الاجتماعي، وغير ذلك، ومنها ما يتعلق بالترهيب والتهديد:كالتحذير من المعاملات الربوية، والتحذير من تضييع الأوقات وإهمالها بدون فائدة ومن خلال هذا الفصل سأذكر موقف الإسلام في معالجة البطالة من خلال هذه العناصر المذكورة على التفصيل. وفي هذا الفصل مبحثان فأقول وبالله التوفيق:
المبحث الأول: ما يجب فعله،والاهتمام به ،وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ما يجب فعله: وفيه بنود:
البند الأول: تطبيق نظام الزكاة:
يعتبر تطبيق نظام الزكاة من أهم الوسائل التي استخدمها الإسلام في القضاء على البطالة، والفقر؛ لما يتضمنه هذا البند من إيصال الخير إلى الفقراء والمساكين؛ لتخفيف آلامهم، والمسح على جراحاتهم، وتطييب نفوسهم؛ بالإنفاق عليهم مما يساعدهم على تحمل مسئولياتهم في المجتمع. وينعكس هذا جليا واضحا في كلام صاحب النص التالي حيث قال حفظه الله: (1/55)
صفحة 56
"الزكاة هو الركن الاجتماعي المالي من أركان هذا الدين الحنيف، وإنما قلنا بأنه اجتماعي نظرا إلى أن هذا الركن يشد المسلم إلى المسلم، ويربط بينهما برباط الأيمان في ظل التعاون الإسلامي، بحيث لا يستأثر ذو المال بماله، وإنما يشاطر منه إخوانه المسلمين. وهو ركن مالي، نظرا إلى أن الزكاة تعني إنفاقا لجزء من مال المسلم ليكون عونا للمحتاجين والضعفاء " (1)
ويؤكد هذا الاتجاه ما ذهب إليه العلامة الإباضي في تفسيره حيث قال : "وإنما شرعت الزكاة –والله أعلم- تأليفا بين صاحب المال والمحتاج، وإعانة على العبادة، ورحمة للمحتاج ... ولتطييب نفس المحتاج؛ إذ ربما تعلقت نفسه بما في يد غني ، ولأن الفاضل عن الحاجة من المال يبقى متعطلا؛ فشرعت لئلا يتعطل المال بالكلية. (2)
هذا بالإضافة إلى أن الإنفاق في سبيل الله عن طريق أداء الزكاة أمر واجب على الأغنياء، وليس فيه تبرع، أو اختيار. كما أنه أيضا ليس من باب الإحسان المذكور في قوله تعالى : { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } (3) فقط، بل هو أكبر من ذلك؛ بحيث يعتبر مانعه كافرا بالله - عز وجل - يجوز قتله، ومصادرة ماله الذي منع منه الزكاة؛ بدليل حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مانع الزكاة يقتل". (4)
__________
(1) سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة محاضرة بعنوان: الزكاة من موقع الإنترنت: مكتبة الندوة.
(2) محمد بن يوسف الوهبي الإباضي ، هميان الزاد إلى دار العباد ، وزارة التراث القومي والثقافي ، سلطنة عمان ، ج: 7
ص: 170-171 بتصرف.
(3) الإسراء الآية:26
(4) الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي ، مسند الربيع ، دار الحكمة ،مكتبة الاستقامة سلطنة عمان،ط؛1415هـ ت: عاشور بن يوسف، ج:1ص: 138. (1/56)
صفحة 57
كما يجب أخذ الزكاة منه جبرا إذا امتنع من أدائها طواعية؛ لما ورد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن ما نعي الزكاة حيث قال: "ومن منعها فإنا آخذوها، وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا عز وجل. " (1) ويؤيد ذلك قول بعض العلماء : " يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرا إذ لم يرض رب المال (2) "
فالإسلام يدلنا على أن هذا المال الذي بيد الإنسان إنما هو في الحقيقة مال الله سبحانه وتعالى، والإنسان إنما هو مؤتمن عليه، ومستخلف فيه. فعليه أن يتصرف فيه وفق أمر صاحب المال الذي استخلفه. فقد جاء في الحديث عن أبي برزة الأسلمي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم". (3)
جاء الحديث ليدل على ما يسأل عنه العبد، ومن بين هذه الأشياء التي يسأل عنها المال. يسأل عنه سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ لأنه مال الله سبحانه وتعالى. لا يحل لأحد أن يكتسبه إلا من طرقه المشروعة، ولا يحل له أن ينفقه إلا في طرقه المشروعة. فهو مال الله بنص القرآن الكريم، فإن الله تعالى يقول:
{ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } . (4) والإنسان مستخلف فيه بنص من القرآن أيضا فإن الله سبحانه وتعالى يقول: : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } (5)
__________
(1) سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي ، ت: 275هـ سنن أبي داود، دار الفكر ، ت:محمد محي الدين،ج:2ص:101.
(2) محمد بن علي بن محمد الشوكاني ، ت 1255 ، نيل الأوطار، دار الجيل، بيروت ،1973 ، ج:1 ص: 180.
(3) رواه الترمذي في سننه :ج:4 ص:612.
(4) النور الآية :33 .
(5) الحديد : الآية : 7. (1/57)
صفحة 58
فيه تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره، ويتركها لغيره، وليس له من ذلك إلا ما أكل فأفنى، أو تصدق فأمضى.
ويروى أن رجلا مرَّ بأعرابي له إبل فقال له: يا أعرابي لمن هذه الإبل؟ قال: هي لله عندي" (1) فهذا يؤكد ضرورة الإنفاق في سبيل الله.
"فالزكاة كما هو معلوم واجبة على الحر المسلم ... الذي يملك نصابا، ملكا تاما، وحال عليه الحول (2) .والأدلة على فرضيتها متوافرة من القرآن، والسنة، والإجماع : فمن القرآن قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا } (3) وهناك آيات كثيرة تدل على هذا المعنى في القرآن الكريم، ومن ذلك أيضا قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، وتزكيهم بها، وصل عليهم؛ إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم } (4) .
__________
(1) عبد الرحمن بن محمد الثعالبي، الجواهر الحسان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ج، 4، ص: 262 .
(2) كمال الدين ابن الهمام ، ت 981 شرح فتح القدير ، المكتبة التجارية ،1351، ج:1 ص: 481 بتصرف.
(3) المزمل ، الآية : 20
(4) التوبة : الآية : 103 . (1/58)
صفحة 59
وفي السنة النبوية الشريفة أيضا أخبار كثيرة، وردت حول الزكاة، ومكانتها في الإسلام. ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا (1) فهي تمثل الحد الأدنى المفروض في أموال الأغنياء ليرد على فقرائهم، وبقية الأصناف المذكورة في الآية التي بينت في آخرها أنها فرض واجب حيث قال تعالى : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (2) .
ويؤيد ذلك ما جاء على لسان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عند ما أرسل الداعية الأول معاذ بن جبل إلي اليمن للدعوة الإسلامية، وهو يوصيه بالأوامر الشرعية التي ينبغي أن يركز عليها الداعي، أن قال له في شأن الزكاة المفروضة: " فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة في أموالهم، وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس". (3)
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ، ج:1 ص: 12 ورواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر بلفظ مختلف، ج:1 ص:45.
(2) التوبة: الآية: 60
(3) رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ،ج:2 ص: 529. (1/59)
صفحة 60
وأما الإجماع فيدل على ذلك ما روي أن أبا بكر - رضي الله عنه - قاتل مانعي الزكاة على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينكروا عليه. والد ليل على ذلك حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: "بلغنا أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - عنه قال: "والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم عليه" (1) قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك إذا منعها من إمام يستحق أخذها، وأما غيرها فلا يقتل من منعه إياها. والسبب في مشروعية هذه الحرب عليهم هو إعراضهم عن استجابة أمر صاحب المال الحقيقي، وهو الله تبارك وتعالى الذي استخلفهم على هذا المال؛ لينفذوا أوامره فيه، فلما أعرضوا عن ذلك أصبح الحرب عليهم لزاما؛ " لأن المال مال الله، والأغنياء خزان الله، والفقراء عيال الله، فليصرفوا على عياله من خزائنه، وإلا عوقبوا" (2)
ومن هنا نعلم أن المسلمين لو أخرجوا زكاة أموالهم من جميع الموارد، والثروات التي بحوزتهم، ووضعوها في أيدي أصحابها كما ينبغي لما بقي هناك فقير، أو مسكين يتكفف الناس، أو عاطل عن العمل يعيش على حساب الآخرين؛ في منتهى الذل والهوان .
يقول أحد العلماء في هذا الصدد : " فمتى ما وضعت الزكاة في محلها اندفعت الحاجات، والضروريات، واستغنى الفقراء، أو خف فقرهم، وقامت المصالح الخاصة والعامة". (3)
__________
(1) رواه الإمام الربيع في مسنده ج: 1 ص: 138 رقم الحديث: 341.
(2) محمد بن يوسف الوهبي الإباضي ، هميان الزاد إلى دار العباد ، ج: 7 ص: 171.
(3) عبد الله بن جار الله بن إبراهيم ، مصارف الزكاة في الشريعة الإسلامية، ط؛ 3، 1408هـ مؤسسة الرسالة، ص: 32. (1/60)
صفحة 61
ذلك لأن العالم الإسلامي غني بالموارد الطبيعية، والثروة الهائلة التي تسد حاجات أبنائها لو أنهم أحسنوا استخدامها، والتصرف معها وفق التعاليم الإلهية السامية. فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك الكثير من القناطير المقنطرة والثروات المتوفرة لدى المسلمين التي تجب فيها الزكاة إما باتفاق وإما باختلاف في بعضها وهي:
أولا: الثروة الحيوانية: التي تضم الغنم، والإبل، والبقر بأنواعها وأشكالها،
ثانيا: الثروة النقدية: التي تضم الذهب، والفضة، بأنواعها وأشكالها،
ثالثا: الثروة التجارية: العروض، والسلع الإدارية، والاحتكارية،
رابعا: الثروة الزراعية: التي تضم الحبوب، والثمار المقتات، والمدخرة،: المثليات، والمكيلات، والموزونات ، والمخروصات، بأشكالها وأنواعها.
خامسا: زكاة العسل، والمنتجات الحيوانية على خلاف في ذلك.
سادسا: الثروة المعدنية: الركاز، المناجم، بأنواعها المختلفة.
سابعا: ثروة المستغلات، والمقتنيات: الدور، والعمارات الحلي ، وشبهها، على خلاف فيها.
ثامنا: ثروة الأسهم، والسندات.
تاسعا: الثروة البحرية : اللؤلؤ، والمرجان، والسمك، ونحو ذلك.
عاشرا: ثروة كسب العمل، والمهن الحرة: الرواتب ، والأجور ونحو ذلك.
حادي عشر: الثروة الجوفية العملاقة : آبار البترول، عصب الحياة وشرايينها روح البلدان وأنفاسها. (1/61)
صفحة 62
وقد ذكر الشيخ : كشك ما يؤكد هذا الاتجاه عند ما قال : " إن هناك زكاة لو طبقت ما رأيت في الطريق سائلا، ولا في البيوت عاطلا، ولا في السجون قاتلا، وهي زكاة الركاز –المعادن، والبترول _ الموجود في باطن الأرض، ففيها الخمس. فخبرني بربك لو أخرجنا خمس بترول الأمة الإسلامية حقا لله في الزكاة، وأنشأنا به من شركات الاستثمار للفقراء والمساكين، فهل تبقى هناك من أزمة. وقد صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: " لن يجهد الفقراء إلا ببخل الأغنياء" (1)
لا ريب أن هذه الخيرات كلها وهبها الله للناس؛ بهدف إيصال الراحة، والطمأنينة إليهم جميعا، فإذا أراد البعض السيطرة عليها دون البعض، غاب سلطان العدالة، وغربت شموس الأمن، والاستقرار، وحدث مالا يحمد عواقبه من الحروب، والفقر، والبطالة وهذا ما نعيشه الآن. ولذلك فالإسلام وحده هو الذي يستطيع أن يعيد الأمور إلى طبيعتها إن تمسك به أهله تطبيقا، وتشريعا؛ لأن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق الكون كله، وهو أعلم بما فيه مصلحتهم؛ ولذا استخلف الله - عز وجل - فريقا من الناس على هذه الأموال، واستأمنهم عليها، وأمرهم بالاستفادة منها، ثم بإيصال نصيب منها إلى أهلها، بعد ما تولى سبحانه وتعالى تقسيم ذلك على مستحقيها، فإذا امتنع الأمناء عن تنفيذ ما طلب منهم تنفيذه فقد أصبحوا من الخونة الظالمين. ومن هنا أوجب الله قتالهم، وسفك دمائهم، حتى يؤدوا أمانة الله إلى أهلها، وهذا الظلم الوخيم هو الذي يخيم ظلاله على المجتمع الإسلامي، فلو استطعنا أن نخرج الزكاة من الموارد المذكورة آنفا إخراجا كاملا، ووزعناها على أصحابها، فلن يبقى هناك مسكين، أو فقير، أو عاطل، أو مشرد في الشوارع.
__________
(1) الشيخ عبد الحميد كشك ، كتاب فتاوى الشيخ كشك ، المختار الإسلامي للنشر والتوزيع والتصدير ، 16 شارع كامل صدقي بالفجالة ، القاهرة، المجلد الثاني ، ج: 5 ، ص: 20 _ 21 . (1/62)
صفحة 63
ولكن رغم وجود هذه الكمية الكبيرة من الموارد في العالم الإسلامي، إلا أن العالم الغربي الكافر، هو المستفيد الوحيد لتلك الخيرات، له فوائدها، ومغانمها، وعلى المسلمين حسابها، وتبعاتها. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } (1) فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولكي تؤتي الزكاة ثمارها في القضاء على الفقر والبطالة، فلا بد من توزيعها على الشكل المطلوب شرعا؛ لأن وظيفة الزكاة ليست لسد رمق الجائعين من الفقراء والمساكين فحسب؛ ولكنها تعمل أيضا على تحويل الفقراء القادرين على العمل، إلى عاملين منتجين، سعيا لتحقيق الخير والكسب، والنماء للمجتمع، ولا يتم ذلك إلا إذا كان التوزيع على شكل الإغناء والكفاية، كما ورد ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله :"إذا أعطيتم فأغنوا" (2) . يعني إذا أعطيتم الفقراء والمساكين من هذه الأموال فأعطوهم ما يسد حوائجهم، ويغنيهم عن الاحتياج إلى السؤال بعد ذلك.
وقد علم من سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يعمل على إغناء الفقير بالزكاة، لا مجرد سد رمقه بلقيمات بسيطة، أو إقالة عثرته بدريهمات زهيدة، كما هو عادة الناس في هذا الزمن العصيب، وقد ورد عن عمر أنه كان يقول : " لأكررن عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مائة من الإبل". (3) وقد قيل : "خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة (4)
__________
(1) التكاثر الآية: 8.
(2) أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ت: 458 ، سنن البيهقي الكبرى، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ 1994م ، ج:7 ، ص: 23.
(3) الدكتور يوسف القرضاوي ، فقه الزكاة ، ط؛ 22 مؤسسة الرسالة ، 1414هـ 1994م ج:2 ص: 567 .
(4) فتح الباري، ج: 3، ص: 296 . (1/63)
صفحة 64
ومن هنا اختلف الفقهاء في قدر ما يعطى الفقير، والمسكين من الزكاة، نظرا إلى أن الهدف الأول من الزكاة هو القضاء على الفقر وأشكاله، وأسبابه كلها، وإعطاء الفقير قدر الكفاية. ولذلك رأى بعض العلماء ضرورة إعطاء كل من الفقير والمسكين من الزكاة، القدر الذي يخرجه من الفقر إلى حد الغنى، ومن الحاجة إلى الكفاية. وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فذهب الشافعية، وبعض الحنابلة إلى القول بأن كلا من الفقير والمسكين يعطى كفاية العمر، وهو ما يكفيه مدى الحياة؛ بدليل الحديث الذي رواه مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال فيه : "تحملت حمالة فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها، قال: ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: _ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، _ ورجل أصابته جائحة، اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال سدادا من عيش، _ ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة، سحتا يأكلها صاحبها سحتا (1) .
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه ،ج:2 ص: 723 والنسائي ،ج:5 ص: 89 ، وابن خزيمة ،ج:4 ص65. (1/64)
صفحة 65
حيث إن هذا الحديث أجاز للفقير المسألة حتى يصيب قواما من عيش، وذهب المالكية، وجمهور الحنابلة إلى أن كلا من الفقير والمسكين يعطى قدر ما يكفيه سنة كاملة؛ لأن ذلك أوسط ما يطلبه الفرد من ضمان العيش له ولأهله، كما أن غالب أموال الزكاة تأتي سنويا (1) . وإلى هذا الرأي يشير بعض العلماء البارزين قائلا : " إن ما يصبو إليه الإسلام هو إغناء كل فرد في المجتمع الإسلامي، فتعميم الغنى، هو الهدف الذي تضعه النصوص أمام ولي الأمر، والغنى في الإسلام هو إنفاق الفرد على نفسه وعائلته حتى يلحق بالناس، وتصبح معيشته في المستوى المتعارف الذي لا عسر فيه" (2) .
وورد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قوله: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم" (3) . فكلمة ما يكفي فقراءهم تحمل معني ذا قيمة كبيرة، لو فهم الناس حقيقتها، وأنزلوها في الواقع، لاستراح الكل؛ ولكن الغالب في أصحاب الأموال اليوم لا يزكون، والقلة القليلة التي تزكي لا تعرف كيف توزع، وعلى من توزع، بل وقد تتخذها مغرما، أو شيئا آخر؛ بسبب الجهل، وعدم المبالاة.
مع أن النصوص الشرعية تشير بوضوح إلى أن الزكاة ينبغي أن تدفع إلى الإمام، أو من ينوب منابه؛ ليتولى توزيعها على من يستحقها؛ لأنه أدرى بما فيه المصلحة. والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم } (4) .
__________
(1) مصارف الزكاة في الشريعة الإسلامية،ص: 50-51 بتصرف. وانظر كتاب فقه الزكاة ج: 2، ص: 567 . وللمزيد انظر كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي، ج:2 ، ص: 277 _ 279.
(2) الدكتور: محمد عبد المنعم الجمال، موسوعة الاقتصاد الإسلامي، دار الكتاب المصري ، القاهرة ، ص: 43 .
(3) المصدر السابق نفس الجزء والصفحة.
(4) التوبة: الآية (1/65)
صفحة 66
ومن السنة حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - حيث أمره - صلى الله عليه وسلم - بأخذ ذلك من أغنيائهم؛ ليردها على فقرائهم، كما حذره من أخذ كرائم أموالهم (1) . كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من أنه استعمل مجموعة من الصحابة؛ لجمع الصدقات. ومن أشهرهم: عمر بن الخطاب ، وعدي بن حاتم الطائي ، وخالد بن سعيد بن العاص ، كما بعث علي بن أبي طالب إلى نجران؛ لجمع الزكاة والجزية (2) .
وكذلك الصحابة، والتابعون – رضوان الله عليهم- كانوا يعينون السعاة لجمع الزكاة من الناس، ثم يأتون بها إلي الإمام، أو الخليفة؛ ليضعها حيث يرى المكان المناسب لها، وبدون ذلك فلا يكون الإخراج كافيا لرفع معاناة الأمة؛ لأن التوزيع الذي يقوم به الناس في هذا الزمن بدعوى أنهم أصحاب الأموال، يعطون بزكاتهم من يشاءون، ولو كان غنيا، أو قريبا جدا: كالوالد، أو الولد، أو الزوجة، أو توزيعها على غير أهلها؛ بهدف اكتساب السمعة. فهذا شيء يرفضه روح الشريعة، وتأباه العقيدة الإسلامية، التي خوّلت لكل فرد مسئوليته في المجتمع، وفي ذلك إسناد الأمور إلى أهلها؛ ليبقي التوازن، والتكامل بين بني الإنسان، في ظل الشريعة الإسلامية الغراء .
"ولقد برز النجاح في تحقيق التوازن، وتعميم الغِنى في المجتمع الإسلامي، كما حدث في عهد عمر بن عبد العزيز إلى حدِّ أنه لم يبق للفقر مكان بين جميع المواطنين في الدول الإسلامية، في ظل من الأخوة ورعاية العلاقات الإنسانية". (3)
البند الثاني: تطبيق مسؤولية الدولة.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه ، ج: 1، ص: 50 بتصرف
(2) عبد الحي الكتاني، نظام الحكومة النبوية النبوية المسمى : التراتيب الإدارية، بيروت، ج:1، ص: 136 .
(3) موسوعة الاقتصاد الإسلامي، ص: 42 . بتصرف. (1/66)
صفحة 67
أوجب الإسلام على الإمام، أو ما يطلق عليه في عصرنا (الدولة أو الحكومة) كفالة أبناء شعبه عامة، وأصحاب الحاجة خاصة، فجعلهم أمانة عنده، كما جعله مسؤولاً عنهم، يلزم عليه أن يقوم برعايتهم، ومساعدتهم، وتوفير الأمن، والاستقرار في مناطقهم، وتسهيل المنافع، والمصالح لهم؛ استجابة لقوله - عز وجل - : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } (1) وكما ورد ذلك أيضا في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله - صلى الله عليه وسلم - :
" كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته " (2) .
وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسؤولية ولي الأمر تجاه الفقراء والمساكين، والمحتاجين من أبناء الدولة، فبدأ بنفسه - صلى الله عليه وسلم - حيث أعلن أن مسؤولية هذه الفئة من المجتمع تقع على عاتقه هو - صلى الله عليه وسلم - . وينعكس ذلك في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته (3) . لاشك أن من كان إماما، أو خليفة، أو أميرا، أو حاكما، أو ولي أمر للمسلمين، فلا بد أن يكون مسؤولا هو الآخر عن كل ما يتعلق بمصالح أولئك الناس.
__________
(1) النساء، الآية : 85 .
(2) روا البخاري في صحيحه ، ج:2 ، ص: 848، ورواه مسلم في صحيحه بلفظ مختلف حيث قال : فالأمير الذي على الناس راع، ج: 3،ص: 1459 .
(3) البخاري في صحيحه ، ج:2 ، ص: 805، باب الدين ، رواه مسلم في صحيحه، ج:3 ،ص:1237، باب من ترك مالا فلورثته . (1/67)
صفحة 68
ومن هنا يأتي دور الحكومة، إذ يجب على حكومة كل دولة إسلامية كانت، أم علمانية، أن تبذل ما في وسعها من قوة، وعلم، وثقافة، وأمانة؛ لخدمة رعاياها، ومكافحة الفقر، والبطالة ضدهم. وذلك عن طريق إنشاء مؤسسات التعليم، والثقافة، والتدريب المهني، وإنشاء الأسواق، والمحلات الخاصة لهم؛ بحيث يتم توفير فرص العمل الملائم بمستواهم، وذلك: كالمستشفيات، ومراكز التجارة، والزراعة، والصناعة، ومشروعات أخرى، تختص للجمعيات الخيرية، والبنوك الإسلامية، التي تقدم القروض لمن يرغب فيها، في إطار شرعي، دون اللجوء إلى المطالبة بالفوائد الربوية المحرمة.
ويرى بعض المفكرين المعاصرين أن على الحكومات الإسلامية، ضرورة إنشاء هيئة عامة، أو مؤسسة خاصة، أو وزارة مستقلة، تتولى جمع التبرعات، وتحصيل الزكاة، وتوزيعها، وفق التعاليم الشرعية. وخاصة أن بعض المسلمين يتراخون في إخراج الزكاة، وإذا أخرجوها فلا يحسنون توزيعها، ويؤكد أن وجود تلك الوزارة، أو المؤسسة كمسؤولة عن الزكاة بنشاطها، وأموالها، والعاملين عليها يعتبر دلالة قوية على التزام الدولة بهذا الركن الإسلامي العظيم (1) .
وهناك كثير من الحكومات التي تشن حربا عشوائية على التسوُّل، والتشرُّد؛ حيث يصل الحد إلى مطاردة المتسوِّلين لإلقاء القبض عليهم، وانتهاك أعراضهم أمام الناس بأسلوب غير مقبول على الإطلاق، وربما يؤدي الأمر إلى نتائج عكسية، غير محمودة؛ لعدم اهتمام تلك الحكومات البربرية عن التفكير للتوصُّل إلى إيجاد بدائل كافية، تضْمن توفير فرص العمل؛ لتلك الفئة المتسولة، المتشردة، الهائمة؛ في شوارعها.
__________
(1) المستشار مدحت حافظ إبراهيم، دور الزكاة في خدمة المجتمع ، دار غريب ، القاهرة ، ص: 182 بتصرف . (1/68)
صفحة 69
ومثل ذلك كمثل رجل رأى فقيها مضطرا يأكل الميتة، فأراد أن يمنعه ذلك بمنطق القوة، والتهديد، دون أن يقدم إليه البديل المناسب. فتجد أن هذا الفقيه أدرى بحرمة أكل الميتة، وأضراره، ولكن الضرورة الملِحَّة هي التي ألجأته إلى تناول تلك العملية الرهيبة .
وكثيرا ما نرى، أو نسمع كلاما شديد اللهجة، يوجه ضد المتسولين، عبر وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة، دون محاولة الإطلاع على أوضاعهم المعيشية، أو التعرُّف على ظروفهم الشخصية، مع العلم بأن الإسلام لم يأمر بحال من الأحوال بمهاجمة السائلين، من الفقراء، والمساكين؛ بالأقوال الشنيعة المنكرة، بل الإسلام ما فتئ يركز في توجيهاته النبيلة، على التعامل مع الفقراء، بأساليب اللطف، واللينة، والرحمة، والرأفة. حيث قال الله تعالى، مخاطبا نبيه الأكرم، ومعلما إياه طريقة التعامل مع هذه الفئة المضطهدة من المجتمع { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } (1) وقال أيضا { وأما السائل فلا تنهر } (2) .
كما اعتبر الإسلام أن عدم إعطاء الفقير شيئا من الصدقة، أفضل من إعطائه إياها بشيء من الأذى القولي، أو الفعلي،
قال - عز وجل - : { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، والله غني حليم، يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } (3)
فهذه النصوص تبين بوضوح مستوى العناية الإسلامية، تجاه رعاياها عامة، وبالأخص الفقراء منهم، ولذلك عالج مشكلاتهم بأساليب متنوِّعة، تضْمن لهم حقوقهم اللازمة؛ بكل اعتزاز، واحترام، حيث خصص لهم تلك الحقوق في آية الصدقة، فأعلن أنها تختص لهذه الأصناف الثمانية دون غيرها من الناس.
__________
(1) الإسراء، الآية: 28 .
(2) الضحى، الآية: 10 .
(3) البقرة ،الآية: 264 . (1/69)
صفحة 70
إذا فليعلم الجميع، أنه ليس هناك طريق للقضاء على مشكلة البطالة، المتمثلة في التسول، والتشرد، إلا بالرجوع إلى توجيهات الكتاب، والسنة؛ لإعطاء كل ذي حق حقه، من مال الله الذي آتاه المسلمين، دون الاعتماد على الأقوال الفارغة، التي من يتكلم بها يصبح كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
قال أبو محمد بن حزم الظاهري:" وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء، والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف، والشمس، وعيون المارة (1) برهان ذلك قول الله تعالى: { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } (2) "
لكي يتمكن ولي الأمر، أو الحكومة على مساندة الرعية، والقيام بحق الكفالة المطلوبة تجاه الشعب، والدولة، فلا بد من وجود موارد ضخمة، وكافية؛ لتحقيق هذا الغرض؛ لذلك شرع الإسلام الاعتماد على كثير من الموارد المالية نذكر منها ما يلي:
1_ الزكاة : التي يجمعها ولي الأمر، ويأخذها من الأغنياء؛ ليردها على الفقراء. قال تعالى: : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } (3) .
2_ خُمس الغنائم : والغنائم : المال المأخوذ من الكفار بالقتال، يؤخذ خمسه لبيت مال المسلمين. قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أ نَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ } (4) .
__________
(1) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، ت: 456هـ ، المحلى، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج:6، ص: 156 .
(2) الإسراء، الآية: 27 .
(3) التوبة ، الآية : 103 .
(4) الأنفال، الآية: 14 . (1/70)
صفحة 71
3_ الفيء : ما أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال. قال تعالى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ، وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } (1) .
4_الخراج : ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة عنوة، وتُرِكتْ بيد أهلها، يزرعونها، ويستغلونها.
5_ الجزية : ما يؤخذ من الذِّمي بشروط محددة، مقابل الحماية، والمنع.
6_ العشور : ضريبة تجارية، يخضع لها الذِّميون، والمستأمَنون في أموالهم المعدة للتجارة التي تدخل، وتنتقل في ديار الإسلام، ويختلف مقدارها باختلاف التجارة، والبلاد، ومدة الإقامة، والمعاملة بالمثل.
7_ خمُسُ الرِّكاز : ما وجد مدفوناً من كنوز الأرض، في أرض موات، وهو من ضرب الجاهلية، أما ما كان من ضرب الإسلام فهو لقطة، تجري عليها أحكامها.
8_ غلة أراضي الدولة وعقاراتها.
9_ الضوائع، والودائع التي تعذر معرفة صاحبها.
10_ ميراث من لا وارث له.
11_ الضرائب : ويقصد بها ما تفرضه الدولة على الأغنياء، في حالة عدم تحقيق الكفاية من الموارد السابقة الذكر. (2)
وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الإسلام قد خوَل لولاة أمور المسلمين صلاحيات واسعة، في جباية الأموال اللازمة من الموسرين، وأصحاب الثروات، في ظل القوانين الإلهية، والضوابط الشرعية؛ لتحقيق رغبات الشعب، ورفع مستواهم الاجتماعي، أو لمتطلبات البلاد الضرورية: مثل الدفاع عن أهلها، وتوفير الأمن، والاستقرار في ربوعها.
__________
(1) الحشر، الآية: 7 .
(2) مقالة لياسين بن طه الشرجبي، مجلة البيان، العدد: 152، ربيع الآخر : 1421، ص: 118- 127 بتصرف . (1/71)
صفحة 72
فمن هنا نقول إن الإسلام كمنهج رباني المصدر والتشريع يكون لا ريب أنه قد شخَّص الداء والمرض، ووضع الدواء والعلاج لمشكلة الفقر والبطالة، وبيَّن الحلول المتنوعة؛ لمعضلة الحاجة، والحرمان. ولم يكن ذلك مجرد دعايات فارغة، يتم الحديث عنها بعيداً عن صلاحيتها للواقع. بل إن المسلمين قد طبقوها، وأقاموها في مجتمعاتهم، فحصل ما تكلم عنه التاريخ بفخر، واعتزاز.
إن تأريخ الأمة الإسلامية ليفتخر بذلك العهد الزاهي الذي لحق عهد الخلفاء الراشدين، ونقصد به عهد خلافة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز. وهذا ما يشير إليه العلامة ابن كثير في قوله : " وقد اجتهد – رحمه الله تعالى- في مدة ولايته مع قصرها حتى ردّ المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي : أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلاً من هؤلاء" (1) . وقد أيد ذلك الإمام السيوطي بقوله: " قال عمر بن أسيد: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح حتى يرجع بماله كله، وقد أغنى عمر الناس". (2)
فهل لولاة أمر المسلمين أن يفهموا هذه الحقائق الناصعة، ويعودوا إلى كتاب الله - عز وجل - وإلى سنة نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ؛ ليسوسوا شعوبهم، ورعاياهم في ضوئهما؛ فيفوزوا بخير الدنيا، ونعيم الآخرة، وينعموا بالعيش الكريم، والعز، والتمكين، بعيداً عن دعايات الشرق، وضلالات الغرب، واستغلالهم. لعلهم يفعلون!! وبالله التوفيق .
البند الثالث : الحث على العمل:
__________
(1) إسماعيل بن عمر بن كثير الفرشي، ت: 774 هـ ، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، ج: 9 ، ص: 200 .
(2) عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، ت: 911هـ ، تاريخ الخلفاء ، ط؛ 1، سنة: 1371هـ ، مطبعة المنارة ، مصر، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، ج:1 ، ص: 235 بتصرف. (1/72)
صفحة 73
يعرف الاقتصاديون العمل بأنه : (( كل نشاط يبذله الإنسان عن وعي، وقصد ، ويحس بالألم حين يبذله، وهدفه من بذله هو خلق الأموال، أي: الأشياء التي تشبع الحاجات بطريق مباشر، أو غير مباشر )) (1)
إن العمل في وجهة نظر الإسلام يعتبر أمرا ضروريا لا محيد عنه، ولابد منه لبقاء جنس البشر، وحفظ كيان هذا الكون من الانقراض، والذوبان. وقد دعا الله - عز وجل - إلى الاهتمام بالعمل، وحث عليه في القرآن الكريم بعبارات مختلفة، وألفاظ متنوعة، منها ثلاثمائة وثمانية وعشرون آية تحتوي على مادة ( عمل)، ومائة وثلاث آيات عبرت عن العمل بمادة ( فعل) (2) . فالعمل هو مطلب الجميع، ومعيار الأمم .
أيّ أمة دخلت التاريخ فإنما وصلت إليه من بوابة العمل. وفتش إن شئت في صفحات التاريخ فإنك لن تجد فيه مكاناً لأمةٍ من الكسالى، أو العاطلين عن العمل. وهكذا فإن العمل بمسئوليته الدنيوية، والأخروية هو عمل في الأرض في معترك الحياة، لا في اعتزال المرء إلى محاريب الصوامع، أو قبَّة الكنائس، يحمل الأماني الباطلة، في انتظار نزول الجواهر من فوق السماء، أو نبوع الكنوز من تحت الأرض. { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } (3) ولكن العمل هو النزول في ميدان الحياة؛ لتحريك عجلة النشاط نحو التطبيق الكامل لتوجيهات المولى - عز وجل - ، وفهم نصوص كتابه الكريم؛ بهدف إنزالها في الواقع الملموس. وما أوضح تلك النصوص الشريفة التي نقرأها في كل وقت وحين، وما أقل من يُطَبِّقها منا في حياته اليومية.
__________
(1) د ، صالح حميد العلي، عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي، ط ؛ 1، 1420هـ - 2000م ، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق – بيروت، ص: 195 .
(2) محمد فؤاد عبد الباقي، معجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مطابع الشعب، 1945 م ص: 483 – 488 .
(3) النساء، الآية : 123 . (1/73)
صفحة 74
ويعتبر الخبراء الاقتصاديون أن العمل أساس الاقتصاد الإسلامي، فهو المصدر الرئيس للكسب الحلال. والعمل مجهود شرعي، يقوم به الإنسان لتحقيق عمارة الأرض التي استخلف فيها، والاستفادة مما سخره الله فيها؛ لينفع نفسه، وبني جنسه في تحقيق حاجاته وإشباعها.
وقد حث الإسلام على السعي، والعمل من خلال النصوص الشرعية: الكتاب، والسنة، وآثار السلف الصالح،- رضوان الله تعالى عنهم- ومن بين تلك النصوص ما ورد عن طريق الامتنان بنعمة تسخير الأرض، وما فيها، وطلب الاستفادة منها عبادةً لله، قال تعالى: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } (1) وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } (2) . ومناكب الأرض هي أنحاؤها العريضة، وآفاقها الممتدة أفقا وراء أفق، أي أنه يجعل الواقع كله ميدان عمل يعمل فيه. والعمل بذلك عمراني في التصنيع، والزراعة، والتجارة، وضح به القرآن الكريم حين قال : { هو أنشأكم من الأرض، واستعمركم فيها } .
وقد قال علماء التفسير : " إن الاستعمار هنا هو طلب العمارة ، والطلب من الله على سبيل الوجوب، ويكون بالزراعة، والأبنية، والصناعة، واستخراج المعادن؛ لأن الرسول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قال : " التمسوا الرزق في خبايا الأرض" (3)
__________
(1) الأعراف، الآية : 10
(2) الملك : 15
(3) د . علي عبد الرسول، المبادئ الاقتصادية في الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، ط؛ 2 ، ص: 16 . (1/74)
صفحة 75
ومنها ما ورد في الحث على العمل من خلال أفعال النبي وأقواله - صلى الله عليه وسلم - فإنه من المعلوم بالضرورة أنه - صلى الله عليه وسلم - اشتغل في التجارة مع عمه أبي طالب إلي الشام، ثم مع أم المؤمنين خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها-. كما اشتغل - صلى الله عليه وسلم - في رعي الغنم، وأخبر بعد ذلك بأنه ما من نبي أرسله الله إلى الناس إلا وقد رعى الغنم. "عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (1) .
وهكذا كانت توجيهاته الرشيدة إلى أمته المجيدة فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحث على العمل، ويمدح عليه، ويشجع فيه.
__________
(1) صحيح البخاري ، ج: 2 ، ص: 789 . (( قال سويد أحد رواته يعني كل شاة بقيراط يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم قال إبراهيم الحربي قراريط اسم موضع بمكة ولم يرد القراريط من الفضة وصوبه بن الجوزي تبعا لابن ناصر وخطأ سويدا في تفسيره لكن رجح الأول لأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له قراريط)) فتح الباري ،ج:4، ص:441 ، (1/75)
صفحة 76
ولا بأس أن نسوق بعض النصوص الوارد ة في السنة النبوية الشريفة التي يدور مدارها حول العمل، والإنتاج. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه المقدام رضي الله عنه : " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده" (1) . وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الكسب أطيب، أو أفضل؟ قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" (2) . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحدا فيعطيه، أو يمنعه" (3) .
و عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "على كل مسلم صدقة، قالوا: فإن لم يجد، قال: فيعمل بيديه، فينفع نفسه، ويتصدق" (4) . وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا؛ فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة" (5) متفق عليه.
إن الإسلام دين عبادة وعمل، وليس دين عبادة فحسب، كما يظن الكثير من الناس. وهكذا نجد معشر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مارسوا في حياتهم العديد من الحرف، والأعمال البدنية الشاقة، ومنها رعي الأغنام، وصناعة الحديد، والتجارة، وغيرها. ومما ورد في ذلك من الأدلة : قول الرجل الصالح لموسى - عليه السلام - وهو من أولي العزم من الرسل : { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ } . (6)
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه ،ج:2 ص: 730 .
(2) المستدرك على الصحيحين، ج:2، ص: 12 .
(3) رواه البخاري في صحيحه ، ج:2 ص: 730 _ 836 .
(4) رواه البخاري ،ج:5، ص: 2241 .
(5) رواه البخاري، ج: 2، ص: 817 . ومسلم ، ج: 3، ص: 1189 .
(6) القصص : الآية : 27 (1/76)
صفحة 77
وقد ربّى الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - صحابته الكرام البررة على علوِّ الهمم، وكمال الجِدِّ، والنشاط. فقد كانوا سبَّاقين إلى كل خير في الدين والدنيا والآخرة. وكان البعض منهم يمتلكون شتى أنواع الثروات: كأبي بكر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله وغيرهم- رضوان الله عليهم أجمعين –. مع ما يقومون به من أنواع التبرعات بتلك الأموال في سبيل الله - عز وجل - . وكان سلمان الفارسي - رضي الله عنه - رجلا مجتهدا في حياته، لا يعرف الكسل، ولا البطالة. وكان يكتسب لقمة عيشه بكد يمينه، وعرق جبينه. وكان يأتي بخوص النخل، فيصنع منه المكاتل (1) ، ويبيعها، ويقسم الربح إلى ثلاثة أقسام : قسم يتصدق به على الفقراء والمساكين، وقسم ينفق منه على نفسه، وأهله ، وقسم يعمل فيه بالتجارة (2) " .
فإذا نظرنا إلى سيرة التابعين، وجدنا هم أيضا في المركز الأول بعد الصحابة- رضوان الله عنهم- فقد كانوا يجوبون الآفاق المترامية الأطراف في طلب الرزق والمعيشة، ومع ذلك يقومون بنشر الإسلام في المناطق التي وصلوا إليها. وما من قارة في العالم إلا ولهم فيها ذكر جميل، وسيرة عطرة. وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث: "ويلكم!! ألزموا السوق، فإنما أنا عيال على أخوي" (3) .
__________
(1) جمع مكتل ، المكتل شبه الزبيل يسع خمسة عشر صاعا . وفي حديث الظهار أنه - صلى الله عليه وسلم - أتي بمكتل من تمر ؛ هو بكسر الميم ، لسان العرب، ج: 11، ص: 583 .
(2) فتاوى الشيخ كشك ،المجلد الثاني، ج:5 ، ص: 19 ، بتصرف .
(3) محمد بن أحمد الذهبي، ت: 748 هـ سير أعلام النبلاء ، ط؛ 9، مؤسسة الرسالة ،بيروت، 1413، تحقيق، شعيب الأرناؤوط، ج: 7 ،ص: 207 . (1/77)
صفحة 78
وفي كتب الفقه نجد الكثير من أبواب المعاملات، بشتى أنواعها وأشكالها، بما فيها البيوع، والمزارعة، والمغارسة، والمضاربة، وغيرها. مما يدل بوضوح على اهتمام علماء المسلمين القدامى في مجالات العمل الإنتاجي، والاستهلاكي.
وقد اشتهرت في التاريخ الإسلامي، صفاتٌ أُطلقت على أصحابها، فأصبحت علما ملتصقا بهم إلى الأبد، وذلك من كثرة ممارستهم المستمرة لتلك المهن، والحرف التي عرفوا بها، من أمثال : البزَّاز، القفاف، الجصَّاص، الخوَّاص، القطَّان، الزجَّاج. وغير ذلك من الصفات، والألقاب التي عرفناها عبر التاريخ، فإنها إن دلت على شيء فإنما تدل على شحذ الهمم، وارتفاع الروح المعنوي لأولئك الرجال الذين صنعوا في العالم حضارات مزدهرة في آسيا، وأوربا، وأفريقيا، وغيرها. لمثل هذا فليعمل العاملون.
وقد أعجبني قول الشيخ : أبو سرور، حميد بن عبد الله الجامعي، أحد المشايخ العمانيين، عندما تحدث عن الجد، والاجتهاد في العمل، وكيف قسم أوقات عمره في طلب العلم، والكسب الحلال، حيث قال:
وإن بدا الصبح حملت معولي ومنجلي ملتمسا لمأكل
حتى أعود بحلال القوت كيلا أكون كالفتى الممقوت
وكم قطعت حَجر الجبال وكم سردت كُوَمَ الحِبال
وكم غرست باسقات النخل مستأجرا وبتُّ أشكو وَحْلي
وكم بنيت جُدرا وجَدوُلا مؤجرا حتى أنال مأكلا
والعصر إن جاء لبست ثوبي مطهرا من تربه والعيب
أمشي كأني ملك الزمان وما بكيسي ثمََّ درهمان
وأنتضي عزمي لنحو العلما ملازما دروسهم تعلما (1)
وقد ورد عن الإمام علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول: " قيمة المرء ما يحسنه" ولما سمع عمرو بن بحر هذه الكلمة قال : لا أعلم في كلام الناس، كلمة أحكم من هذه الكلمة (2) .
__________
(1) الشيخ : أبو سرور حميد بن عبد الله الجامعي، بغية الطلاب ، ط ؛2 ، 1418هـ –1997م ، ص: 14-15 .
(2) أحمد بن علي البغدادي ، ت: 463 ، تاريخ بغداد ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ج: 5 ، ص: 35 . (1/78)
صفحة 79
تلك هي بعض الشواهد التي نقلتها من الكتاب والسنة وآثار السلف الصلح، كدليل واضح على أن الإسلام ليس دين الكسل والبطالة والدعة إلى الراحة، وإنما هو دين الجد والاجتهاد والمثابرة، دين صالح لكل زمان ومكان، ولكل وقت وحين، هذا وبالله التوفيق .
المطلب الثاني: ما ينبغي الاهتمام به:وفيه بنود:
البند الأول : إحياء الأرض الموات.
الموات بالفتح هي : "الأرض التي لا مالك لها، ولا ينتفع بها أحد". (1) يعني الأرض المتروكة، التي لا ينتفع بها أحد انتفاعاً معتدّاً به، ولو بسبب انقطاع الماء عنها، أو استيلاء المياه، أو الأحجار، أو الرمال عليها. والموات في الأصل ملك للإمام
( الحكومة )؛ لأنها من الأنفال، ولكن يجوز إحياؤها لكل أحد، فمن أحياها كان أحقّ بها من غيره.
وقد ورد في الفتح ما يدل على ذلك. "قال القزاز: الموات: الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياء الموات: أن يعمد الشخص لأرض، لا يعلم تقدُّم ملك عليها لأحد؛ فيحييها بالسقي، أو الزرع، أو الغرس، أو البناء؛ فتصير بذلك ملكه. سواء كانت فيما قرب من العمران، أم بعد، سواء أذن له الإمام في ذلك، أم لم يأذن. وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا بد من إذن الإمام مطلقا. وعن مالك فيما قرب. وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي ونحوه". (2)
__________
(1) مختار الصحاح ، للأمام الرازي، مادة (مَوَتَ)، ج 1، ص: 266 .
(2) فتح الباري ، ج: 5 ، ص: 18 . (1/79)
صفحة 80
فمن هذا المنطلق نقول : إن الأمر بإحياء الأرض الموات، ليعتبر من أهمِّ الوسائل الناجحة في القضاء على أزمة الفقر والبطالة، وذلك بالنظر إلى العناية البالغة، التي دعا إليها الإسلام فيما يتعلق بموضوع الأرض، لحثّه على عمارتها، واستخراج خيراتها، بُغْية استغلال الموارد، وتوزيع الثروات، والدخول ، وتنمية الناتج، وسد الحاجات العامة، والخاصة. لا ريب أن ذلك يعطينا صورة مهمة عن أهداف هذه الشريعة الغرّاء؛ في تحقيق مصالح الناس؛ بجلب النفع لهم، ودفع الضرر عنهم .
والأرض هي أم الشعب، ووعاء نعم الله عليه، ويتحقق ذلك بأمرين: إما عن طريق استثمار باطنها؛ لاستخراج نفطها، ومخزوناتها، المكونة من المعادن الكثيرة المتنوعة، وإما عن طريق استثمار خيراتها الظاهرة، المتمثلة في مزارعها، ومياهها، وغاباتها، ومراعيها المتعددة. مصداقا لقوله - عز وجل - { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً } (1)
وفي آية أخرى { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ } (2) ومعنى ذلك أن جميع موارد الحياة، قد خلقها الله لنا، وهي أمانة في أيدينا، ولنا في هذه الأرض حق الاستثمار، والانتفاع، وبذل الجهد الكبير؛ في عمارتها، وتنميتها عن طريق المزارعة، والمغارسة ، والمساقات، والإجارة، وغير ذلك، من كل ما يؤدي إلى التنمية ، والإنتاج.
__________
(1) البقرة ، الآية : 29 .
(2) الجاثية ، الآية : 13 . (1/80)
صفحة 81
والتسخير الذي شرعه الله للإنسان، يقابله بالضرورة واجب يقتضى المحافظة على تلك الموارد الطبيعية، كمًا وكيفاً. وذلك عن طريق الحفاظ عليها، ومنع الفساد، أو العبث فيها، أو إبعاد العقل عن التفكير في طرق استغلالها، إذ أن ذلك يتعارض مع الهدف الأسمى الذي أراده الإسلام، وهو الاستفادة من خيرات الأرض، حتى يتسنى لكل فرد من أفراد المجتمع أن يمتلك لنفسه قطعة خاصة، يعمل فيها، ويستثمر منها؛ ما يجعله في غنى عن التسول، وتكفف الناس.
ويؤكد هذا الرأي ما جاء في الحديث الذي رواه هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" قال مالك والعرق الظالم كل ما احتفر أو أخذ أو غرس بغير حق. (1) وفي هذا الحديث شحذ للهمم، وتشجيع على العمل، وبذل الجهد في الإنتاج، ونهي عن الكسل، والعجز، والبطالة . فالذي لا يجد عملا، فهذا الباب مفتوح أمامه على مدار الساعة، فمن دخله أصبح منتجا قويا، بعد أن كان مستهلكا ضعيفا.
__________
(1) موطأ مالك ،مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي ، ت 179 ، دار إحياء التراث العربي ، مصر تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، ج:2 ، ص: 743 . (1/81)
صفحة 82
ومن هنا ندرك تماما، أن الشريعة الإسلامية، قد سمحت لجميع الأفراد بممارسة إحياء الأرض، وإعمارها ، ومنحتهم حقا خاصا فيها، على أساس ما يبذلون به من جهد كبير؛ في سبيل إحياء الأرض، وعمارتها . ومن لم يقم بتعمير الأرض بعد الحصول عليها؛ لمدة ثلاث سنين، فإنها تخرج من ملكيته إلى يد شخص آخر. وهذا هو رأي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ونفهم ذلك من قوله : " من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها، فجاء غيره فعمرها فهي له". (1) لأن المراد من هذا الإحياء، هو الحرث، أو حفر العيون، والآبار، أو البناء، وما شابه ذلك. فعندما يتعذر على الإنسان تحقيق المطلوب، فلا مانع من أن تسلب منه تلك النعمة التي أضاعها، وأساء التصرف فيها. وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من مغبة الكسل، والميل إلى البطالة، وشجع على النشاط، والمشاركة في الإنتاج، حتى ولو كان الإنسان في اللحظة الأخيرة من عمره الدنيوي، ولعله يترك ما يفيد الناس بعد موته. وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم - : " إن قامت الساعة،وفي يد أحدكم فسيلة،فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها (2)
والحاصل أنه ينبغي للإنسان ألا يكون مقصرا في تقديم الخير إلى الناس، وأن يسعى لخدمة نفسه، وأهله، ووطنه، قدر الإمكان. وفي ذلك شكر لنعمة المولى - عز وجل - ؛ لأنه هو الذي خلفه، وسواه، وأعطاه هذه الأعضاء القوية؛ ليقوم بالوظائف التي كلفه إياها، ومن بينها، عمارة الأرض، وإحيائها، والمشي في مناكبها، وغير ذلك؛ لتحقيق الأهداف المطلوبة من هذا الإنسان. وبالله التوفيق.
البند الثاني: عقد المضاربة:
__________
(1) فتح الباري ، ج: 5 ، ص: 20 .
(2) مجمع الزوائد، ج: 4، ص: 63 . (1/82)
صفحة 83
المضاربة هي: " أن يدفع إنسان ماله إلى آخر، يتجر فيه، والربح بينهما. وهي جائزة بالإجماع. يروى إباحتها عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وحكيم بن حزام،- رضي الله عنهم- في قصص مشتهرة، ولا مخالف لهم؛ فيكون إجماعا" (1) .
وكوسيلة أخرى في سبيل القضاء على البطالة، والفقر، وخلق المزيد من فرص العمل؛ للإنتاج، والاستثمار، – شرع الإسلام عقد المضاربة، تحقيقا لمصلحة الجميع : الطرفين، والمستهلكين، نظرا إلى أن صاحب المال رغم كونه يملك هذا المال ملكا تاما، إلا أنه قد لا يحسن استثماره بحال من الأحوال، كما أن الطرف الآخر قد يملك من القوّة، والعلم، والفطنة في الاستثمار، ما يأهِّله الصدارة في المجتمع الذي يعيش فيه، إلا أنه لا يملك من المال ما يشبع به حاجاته الشخصية، فيبقى كل واحد منهما بحاجة ماسة إلى من يتعاون معه؛ لسد هذا الفراغ، فشرع الإسلام بينهما هذه الشركة التي تحقِّق للجميع الوصول إلى هدفه المنشود.
وقد اتفق جمهور العلماء على جواز هذا العقد؛ بدليل ما ورد في الكتاب، والسنة، والإجماع ، فمن الكتاب قوله تعالى : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } . (2) ومن السنة ما رواه ابن عباس : " أن أباه كان إذا دفع مالا مضاربة، اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا، ولا ينزل به واديا، ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجازه" (3)
__________
(1) عبد الله بن قدامة المقدسي ، الكافي في فقه ابن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت ، 1408هـ – 1988م ، ج: 2، ص: 267 .
(2) المزمل ، الآية، 20 .
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، ج، 7، ص: 111 . (1/83)
صفحة 84
كما استدلوا أيضا بما رواه مالك في الموطأ أنه قال: " خرج عبد الله، وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب، في جيش إلى العراق، فلما قفلا، مرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما، وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤدِّيان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما، باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما!! أديا المال، وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال، أو هلك، لضمناه، فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا، فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال، ونصف ربحه، وأخذ عبد الله، وعبيد الله: ابنا عمر بن الخطاب، نصف ربح المال. (1)
__________
(1) موطأ مالك ، ج، 2، ص: 687 . (1/84)
صفحة 85
ومن ذلك أيضا ما قام به النبي - صلى الله عليه وسلم - من المضاربة في مال السيدة خديجة رضي الله عنها، إذ أنها كانت تضارب الرجال في مالها " فلما بلغها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بلغها من صدق حديثه، وعظيم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها، يقال له ميسرة، فقبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة، حتى قدم الشام " (1) .
وهناك شروط لا بد من توافرها حتى يصح العقد وهي مذكورة في كتب الفقه. وقد فصل الشيخ : علاء الدين الكاساني هذا الموضوع تفصيلا دقيقا في كتابه : بدائع الصنائع في كتاب المضاربة (2) فارجع إليه إن شئت.
وبهذا يكو ن الإسلام قد لعب دورا كبيرا في إيجاد حلٍّ لمشكلة كل من صاحب المال الذي كان عاجزا عن تحقيق رغباته الاستثمارية، - والمضارب الذي كان راغبا في إشباع حاجاته الضرورية، فهذا عمل إيجابي، وتوسعة على المسلمين، وحل لمشكلات كثيرة في فتح فرص عمل جديدة، واستيعاب أكبر عدد ممكن من العاملين في السوق ، لأن المضاربة قد تتحول إلى زراعة ، أو صناعة، أو تجارة ،وكل ذلك إسهام في تحريك اليد العاملة ،والاستفادة من العمالة الموجودة بالأسواق ، وتنشيط لعملية الإنتاج ، وزيادة في الاستهلاك التي بدورها تقلل من نسبة البطالة ، وتحل مشاكل العاملين ،والباحثين عن العمل. فتجربة الإسلام هنا رائعة جدا، كعادته في كل موضوع يقوم لبحث العلاج فيه.
__________
(1) عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، ت: 213، السيرة النبوية، ط؛ 1، دار الجيل ، بيروت ، 1411هـ ، تحقيق ، طه عبد الرؤوف سعد، ج:2 ، ص: 6 .
(2) علاء الدين الكاساني ، ت ، 584، بدائع الصنائع ، ط؛ 2 ، دار الكتاب العربي، بيروت، 1982، ج: 6، ص: 81 . (1/85)
صفحة 86
" والهدف من فتح باب المضاربة، هو الاستثمار، ودفع العجلة الاقتصادية ، والتشغيل ، وتحريك المال ، فهي من المسائل التي تساعد على حل لأزمة البطالة " (1) .
البند الثالث : القرض الحسن.
والقرض الحسن : نوع من السلف، وهو جائز شرعا؛ إذا خلا من الأشكال الربوية كلها، وروى عن فضالة بن عبيد صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا" (2) موقوف عليه. أما جوازه فقد ورد في السنة، والإجماع:
أما السنة فقد روى أبو رافع: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلف من رجل بكرا فقدمت على النبي - صلى الله عليه وسلم - إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول الله،لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فقال أعطه، فإن خير الناس، أحسنهم قضاء. (3)
وأما الإجماع فقد أجمع فقهاء المسلمين قديما، وحديثا، على جواز القرض، ولم يختلف اثنان في ذلك، حسب ما سمعنا.
" وفي فضيلة القرض، أحاديث، وعمومات الأدلة القرآنية، والحديثية، القاضية بفضل المعاونة، وقضاء حاجة المسلم، وتفريج كربته، وسد فاقته، شاملة له، ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته، قال ابن رسلان: ولا خلاف في جواز سؤاله عند الحاجة، ولا نقص على طالبه، ولو كان فيه شيء من ذلك لما استلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ". (4)
لا ريب أن القرض فضله عظيم، وأمره جسيم؛ لأن الدرهم منه بثمانية عشر درهما، مع أن درهم الصدقة بعشرة دراهم . قيل والسر فيه هو: أن الصدقة تقع في يد المحتاج، وغير المحتاج، والقرض لا يقع إلا في يد المحتاج غالبا، وأن درهم القرض يعود فيقرض ثانيا، ودرهم الصدقة لا يعود.
__________
(1) مشكلة البطالة وعلاجها ، ص: 287 ، بتصرف .
(2) سنن البيهقي الكبرى ، ج: 5، ص: 350 .
(3) رواه مسلم في صحيحه ، ج: 3، ص: 1224 .
(4) محمد بن علي الشوكاني، ت ، 1255، نيل الأوطار ، دار الجيل ، بيروت، 1973، ج: 5، ص: 347. (1/86)
صفحة 87
وقد وردت نصوص كثيرة، ترغب المسلمين، وتدعوهم إلى فتح أبواب التعاون فيما بينهم، على أساس الأخوة الإسلامية، من خلال تقديم القروض المالية إلى من يحتاج إليها. ومن بين تلك النصوص ما رواه الإمام الربيع عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مكتوب على باب الجنة، العطية بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. (1) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "رأيت ليلة أسرى بي، على باب الجنة مكتوبا، الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر؛ فقلت يا جبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة (2) .
وعن أبي الدرداء أنه قال: "لأن أقرض دينارين ثم يرَدَّا، ثم أقرضهما، أحب إلي من أن أتصدق بهما. " (3) لأن فيه تفريجا عن أخيه المسلم، وقضاء لحاجته، وعونا له.
ومن خلال ما ذكر من النصوص الشرعية، وغيرها، نستطيع أن نقول: بأن الإسلام قد ركز على موضوع القرض الحسن ، وشجع عليه في كثير من المواضع ؛ مما يدل على أهميته الكبيرة، ودوره البارز في حقل المجتمع الإسلامي المبارك؛ من حيث إيصال الخير إلى المحتاج ، وإغاثة الملهوف ، وإعانة الفقير، مما يساعد بشكل كبير على احتواء أزمات الفقر، و تخفيف معاناة البطالة، وتوسيع دائرة العمل، لمن يحسن التصرف والاستخدام مع القروض التجارية، بحيث أنه يقترض قرضا يشتري به السلع ، أو آلات العمل، ليشتغل فيه، ويستثمر فوائده ثم يرد رأس المال إلى صاحبه.
البند الرابع: الاعتماد على النفس ، وإدراك المسئولية:
__________
(1) مسند الربيع ج:1 ص: 147 رقم 365
(2) محمد بن يزيد القزويني ، ت، 275، سنن ابن ماجه ، دار الفكر ، بيروت ، ج:2 ص: 812
(3) عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ، ت: 620، المغني، ط ؛، دار الفكر، بيروت، 1405، ج: 4، ص: 207. (1/87)
صفحة 88
اقتضت حكمة الله - عز وجل - في خلق الجنس البشري في هذه الحياة الدنيوية، ليؤدي رسالته الاجتماعية فيها. ولئلا يكون للناس على الله حجة، خلق لهم هذا العقل الكامل، الذي يميزون به بين الخير والشر، كما خلق لهم هذه الأعضاء المختلفة، التي بواسطتها يستطيعون القيام بكل ما من شأنه تحقيق مصالحهم الدينية، والدنيوية، والأخروية.
و نتكلم هنا فيما يتعلق بحياة الإنسان، وتفاعلاته مع هذا الكون، الذي يحيط به، ومن هنا وضع الإسلام مجموعة من القوانين، والأنظمة، التي تضمن لهذا الإنسان، السعادة الأبدية؛ عند ما يؤديها بنفسه، دون الاعتماد على الآخرين. يقول الله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في كبد } (1) وقد أطنب العلامة الطبري في ذكر المعاني الواردة في كلمة (كبد) من الآية المذكورة إلى أن قال: "وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال معنى ذلك أنه خلق يكابد الأمور ويعالجها". (2) يعني أن هذا الإنسان لا يزال يمارس العمل، والاكتساب، معتمدا في ذلك على نفسه، وعضلاته التي وهبها الله له، من غير أن يعطل أعمالها، ووظائفها؛ بالاتكال على غيره، أو تقصيره في أداء تلك المسئوليات.
__________
(1) البلد ، الآية: 4
(2) محمد بن جرير بن يزيد الطبري ت: 310، تفسير الطبري ، دار الفكر ،بيروت ، 1405، ج:30 ، ص: 193 . (1/88)
صفحة 89
هذا وقد ذكر السيد قطب في هذا الصدد، الأمور التي يكابدها الإنسان، منذ كونه نطفة في الرحم، إلى مرحلة معينة من عمره، فقال بعد ذلك : " ثم تفترق الطرق ، وتتنوع المشاق ، هذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره، وهذا يكدح بروحه، وهذا يكدح للقمة العيش، وخرقة الكساء، وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين، وعشرة آلاف ... وهذا يكدح لملك، أو جاه ... إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا. تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكبد في النهاية ... إن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير". (1)
وقد أتت النصوص الشرعية؛ لتعلن للجميع؛ بأن رزق الله تعالى، لا يناله إلا المجدون، الذين يضحون بأغلى الأوقات؛ في سبيل الحصول على الكسب الحلال، ولا يختلف في ذلك بين نبي مرسل، أو ولي صالح ، وبين كافر جبار، أ وفاجر طالح. ولكنه كما قيل " من جدَّ، وجد، ومن دق الباب ولجََّ، ولج.
وقد شجع النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته على الجد والاجتهاد، وتحمل المسئولية، وحذرهم كل التحذير من مغبة الاعتماد على الغير، والعيش في حساب الآخرين. عن المقدام - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود - عليه السلام- كان يأكل من عمل يده. وعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أن داود - عليه السلام- كان لا يأكل إلا من عمل يده". (2)
__________
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن ، مجلد :6 ، دار العلم للطباعة ، والنشر، جدة ، صك 3909- 3910 .
(2) والحديثان أخرجهما البخاري في صحيحه ، ج:2 ص: 730 . (1/89)
صفحة 90
ومن هذا المنطلق نفهم يقينا عما كان يعيش فيه الأنبياء، والأصفياء،- عليهم الصلاة والسلام- إذ لم يمنعهم أداء رسالات الله إلى الناس من الاعتماد على أنفسهم؛ في طلب الرزق؛ والكسب الحلال، ولم يعتمدوا على ما يقدمه إليهم أممهم؛ من الزكوات، والتبرعات المالية، كما هو الحال لدى كثير من دعاة العصر، إلا من رحم الله.
فقد كان داود زرَّادا، وكان آدم حراثا، وكان نوح نجارا، وكان إدريس خياطا، وكان موسى راعيا، وكذلك نبينا محمد - عليه وعليهم جميعا أفضل الصلاة وأزكى التسليم- كان راعيا للغنم، وتاجرا أيضا، قبل الرسالة، ثم أصبح رزقه تحت رمحه بعدها، لما رواه ابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله : إن الله جعل رزقي تحت رمحي، وجعل الذلة، والصغار على من خالف أمري . (1)
وكان - صلى الله عليه وسلم - يلقي على أصحابه دروسا عن الجد والاجتهاد، والاعتماد على النفس في طلب الرزق، وأداء المسئولية. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه" (2) مع العلم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف بتقديم التوجيهات المفيدة إلى أمته فحسب، بل لقد ذهب إلى أبعد من ذلك بصفته كمعلم الخير - صلى الله عليه وسلم - فأصبح يدعو أصحابه إلى التطبيق العملي وفق الخطة التي يحددها لهم، وينعكس ذلك في الحديث التالي :
__________
(1) أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ت: 235، مصنف ابن أبي شيبة، ط ؛ 1، 1409 مكتبة الرشاد، الرياض، ج: 6،
ص: 471 .
(2) رواه البخاري في صحيحه ،ج: 2 ص: 730 . (1/90)
صفحة 91
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلا من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله فقال: أما في بيتك شيء ؟ قال: بلى: حلس (1) نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء، قال: ائتني بهما؛ فأتاه بهما فأخذهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، وقال من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاما، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما، فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عودا بيده، ثم قال له: اذهب، فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما، فذهب الرجل، يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا خير لك من أن تجيء والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع." (2)
__________
(1) فقوله حلس وهو: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، ( النهاية في غريب الحديث، ج: 1، ص: 423 ) .
(2) سنن أبي داود، ج: 2 ، ص: 120 . ورواه بن ماجه ، ج: 2، ص: 740 . والطبراني في الأوسط ، ج: 3، ص: 111 . (1/91)
صفحة 92
ومن هنا أدركت الصحابة - رضوان الله عليهم- وجوب الاعتماد على النفس، وبذل الجهد في العمل والإنتاج، حتى ضرب بهم المثل في القصص القرآنية. ومن ذلك قوله تعالى : { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } (1) أي أنهم ينتشرون في شتى بقاء الأرض؛ لابتغاء الرزق من عند الله تعالى، نابذين الكسل، وحب الراحة، وراءهم ظهريا، كما شهدت لهم ذلك السيد عائشة – رضي الله عنها- من قولها: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمال أنفسهم، وكان يكون لهم أرواح، (2) فقيل لهم: لو اغتسلتم" (3)
فلو أمعنا النظر في حقيقة قولها ( عُمّال أنفسهم ) لأدركنا كثيرا من الحقائق التي غابت عنا في هذا العصر؛ لأننا لو فرضنا أن كل مسلم في العالم يعمل لنفسه، ولمجتمعه، ويؤدي واجبه بنفسه، دون اللجوء، أو الاعتماد على الآخرين، لاستطعنا أن نتخلص من آثار البطالة التي نعاني من ويلاتها اليوم.
فهذه الدول الغربية المتقدمة علينا في المجالات الاقتصادية،لم تتقدم علينا إلا بفضل تمسكها بسنن الكون، المتعلقة في جانب الرزق، وهي الحركة المستمرة المنتظمة بلا توقف. أنظر إلى دولة إسرائيل، متى أنشئت، وربما يكون أقل من قرن من الزمن، ولكنها اليوم رغم موقعها الجغرافي، الذي لا يوجد فيه حتى الماء الصالح للشرب، إلا أنها في قمة من التقدم العلمي، والاقتصادي ، والتكنولوجي. وذلك بسبب نشاط أفرادها في أداء مسئولياتهم، المتعلقة بمصالح شعبهم الفتي.
__________
(1) المزمل: الآية : 20 .
(2) أرواح جمع ريح أي يفوح منهم ريح العرق الذي ينصب من العامل في أثناء العمل فلذلك أمروا بالاغتسال والتطيب يوم الجمعة.
(3) رواه البخاري في صحيحه ، ج:2، ص: 730 . (1/92)
صفحة 93
فما من شخص، أو مجتمع، أو دولة، اعتمدت على غيرها في إنتاجاها، إلا وتجدها ضعيفة في كيانها، وهويتها، وعاجزة عن إصدار قراراتها بنفسها، أو إبداء رأيها للآخرين. ويقول ابن خلدون : " الإنسان يفقد سمة الرجولة، إن ترفع عن مباشرة حاجاته، أو عجز عنها، أو ربى على خلق التنعم، والترف. كما أن الإنسان عند الراغب الأصفهاني، مسافر، ومبدأ سفره هبوط من الجنة، ومنتهى سفره دار السلام، وهو بينهما محتاج إلى الكدح، والكبد، في حين أنه مجبول على طلب الراحة". (1)
وقد سفه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تلك العقول الفارغة، والأدمغة النخرة، التي تحمل في طياتها أمنيات كاذبة؛ من محاولة الحصول على الأموال، دون ممارسة الأسباب، والسنن الإلهية فقال: " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض، أما سمعتم قول الله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } (2) فضل الله لا يتأتى إلا بالانتشار، والسعي، وابتغائه من وجوهه المختلفة.
وعلى كل حال فإن الإنسان لابد أن يكدح، لابد أن تكدح اليمين، ويعرق الجبين في سبيل طلب الرزق، والتغلب على البطالة، والفقر. وهذا ما يدعو إليه روح الإسلام، وهو الذي يتناسب مع الفطرة السليمة، التي فُطِر الناس عليها. { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } . (3)
البند الخامس : إسهام الأغنياء في التكافل الاجتماعي:
على قاعدة ( في المال حق سوى الزكاة )
__________
(1) مجلة الشقائق ، العدد : 55 ، محرم 1423، الموافق : إبريل ، 2002 ، ص: 50 .
(2) الجمعة ، الآية: 10 .
(3) الرعد، الآية: 11 (1/93)
صفحة 94
لقد قام الإسلام بمد جسر التعاون بين أبنائه المسلمين، وحثهم على التضامن الكامل، تحت شعار - التكافل الاجتماعي - وأوجب على كل فرد التزامات تجاه الآخر، ومزج بين المصلحة الفردية، والمصلحة العامة؛ حيث يكون تحقيق المصلحة الخاصة، مكملا للمصلحة العامة، وتحقيق المصلحة العامة، متضمنا لمصحلة الفرد. قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } (1) فالفرد في المجتمع مأمور بأداء دوره الاجتماعي، ويعني ذلك أن يكون وجوده فعالا، ومؤثرا في المجتمع، الذي يعيش فيه. قال تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى } (2) وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" (3) متفق عليه. وقد بين - صلى الله عليه وسلم - حال أفراد المجتمع في تماسكهم، وتكافلهم بصورة تمثيلية رائعة؛ حيث قال : "مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". (4)
من جانب آخر فإن الجماعة أيضا مسئولة عن حفظ حرما ت الفرد، وكفالة حقوقه، وحريته الخاصة. وقد صور ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله : " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ". (5)
__________
(1) التوبة ، الآية : 71 .
(2) المائدة، الآية : 2
(3) رواه البخاري في صحيحه ، ج: 5، ص : 2242، ومسلم في صحيحه، ج: 4، ص: 1999 .
(4) رواه مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - ، ج: 4 ، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ، رقم ح ، 2586، ص: 1999 .
(5) رواه البيهقي ، في سننه الكبرى، ج: 8 ، ص: 29 . والدار قطني في سننه ، ج: 3 ، ص: 98 . (1/94)
صفحة 95
وينقسم هذا التكافل إلى قسمين : تكافل معنوي ، وتكافل مادي، ونقتصر على ذكر التكافل المادي؛ لما له من صلة مباشرة بالموضوع، وهو في مجمله حسب ما يراه بعض العلماء : أنه فريضة فرضها الله تعالى على المجتمع، أفرادا وحكومات ، وسنة سنها لهم ، وتبرعٌٌ حضهم عليه ، ويتمثل ذلك فيما يلي:
1-حق الحياة : وذلك يقتضي ضرورة تأمين الحاجات الضرورية للإنسان؛ باعتبار إنسانيته، بغض النظر عن دينه ، وعرقه ، ونسبه، وشرفه، ووطنه، وهي : المأكل ، والملبس، والمأوى ، بأي وسيلة مشروعة .
2- إيجاد العمل لكل مواطن ؛ لأنه من أهم وسائل الكسب، " (1) فقد ورد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ما يؤيد ذلك؛ إذ أنه يرى أن للفقراء في أموال الأغنياء؛
ما يكفل لهم حياة طيبة، خالية من الجوع، والحرمان، والبطالة. عن محمد بن علي أنه سمع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول: " إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا، أو عروا، أو جهدوا؛ فبمنع الأغنياء، وحق على الله - عز وجل - أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه " . (2)
__________
(1) مشكلة البطالة وكيف عالجها الإسلام ، مصدر سابق ، ص: 309 ، بتصرف .
(2) سعيد بن منصور، ت، 227 ، سنن سعيد بن منصور، ط ؛ 1، دار العصيمي، الرياض، 1414هـ ، تحقيق، د. سعد بن عبد الله آل حميد، ج: 5، ص: 109 . رواه بن حزم في المحلى ، ج: 6 ، ص: 158 . (1/95)
صفحة 96
هذا وقد قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بوضع الأسس الكفيلة؛ لنجاح عملية التكافل الاجتماعي، منذ اليوم الأول من وصوله إلى المدينة المنورة، عندما آخى بين أصحابه الكرام، بهدف إقامة جسر التعاون، والتكافل الاجتماعي فيما بينهم. ويحدثنا الدكتور البوطي قائلا: " لم يكن ما أقامه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم، وإنما كان حقيقة عملية، تتصل بواقع الحياة،.. وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع، الذي كان قد آخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، أن يشركه في بيته، وأهله، وماله، في قسمة متساوية ... ولم يكن سعد منفردا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه، كما يظن البعض بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم، وتعاونهم بعضهم مع بعض". (1)
كما حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على العمل في التكافل الاجتماعي، ومدح أولئك الذين يقومون بتطبيقه فيما بينهم، وأعلن انضمامه إليهم، ويتضح ذلك في حديث أبي موسى الأشعري عند ما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الأشعريين إذا أرملوا - افتقروا- في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم". متفق عليه (2) أيُّ وسام أغلى من هذا الوسام الشريف؟ وأي مزية أفضل منه ؟– فهم مني وأنا منهم-!! .
__________
(1) د. محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية ، ط ؛ ط ؛، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالاتفاق مع دار الفكر ، دمشق ، 1419هـ 1999م ، ص: 149 .
(2) رواه البخاري، ج: 2 ، 880 ، ومسلم ، ج: 4، 1944 ، (1/96)
صفحة 97
وقد فهم الفقهاء من هذه النصوص واجب الأمة بعضها على بعض في المجتمع المتكافل إن توفرت الحاجات الأساسية لكل مواطن ، فلا يحتاج إلى ذل السؤال، ولا يعاني هوان الفقر والبطالة" (1) وهذا التكافل المذكور هدفه الحقيقي هو إقامة مصالح الناس ودفع المفاسد عنهم وتبادل المنافع فيما بينهم في كافة المجالات كما كان الحال في سيرة عمر بن الخطاب وهدفه الرئيسي في أيام خلافته - رضي الله عنه - ويظهر ذلك جليا في رواية أبي وائل شقيق بن سلمة عنه قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين" (2)
وكما هو شأن الإسلام في مواجهة مشكلات الحياة، وغيرها، فإنك تجده يسلك السلوك نفسه في مشكلة البطالة. ففي الوقت الذي يفتح فيه فرص العمل أمام العاطلين عن العمل، ويزيل العقبات، والعراقيل أمام الفقراء؛ ليعملوا، فإنه يفرض على المجتمع المسئولية الكاملة عن فقرائه، الذين لا يجدون عملا، أو لا تتسع مواردهم للوفاء بحاجاتهم، وذلك من خلال: فريضة الزكاة التي تتمثل في قيمة : 25% من ثروة المجتمع الإسلامي، تجنيها الدولة كل سنة لتردها على الفقراء والمساكين. وقد سبق الحديث عن دور الزكاة في القضاء على البطالة، ولا داعي إلى إعادته الآن .
كما يسعى الإسلام إلى فتح الطريق أمام التطوع، والإحسان للمساهمة الفعالة؛ في خلق ميادين جديدة للعمل، وتوفير فرصه لمن يرغب في ذلك. طبقا لقوله تعالى :
{
__________
(1) د . عبد العزيز الخياط، المجتمع المتكافل في الإسلام ، ط ؛ 3 ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة 1406هـ 1986م، ص: 92 .
(2) رواه بن حزم في المحلى ، ج: 6 ، ص: 158 . (1/97)
صفحة 98
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ? (1) { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } (2) والحق المذكور في هذه الآية غير الزكاة، كما ذهب إليه كثير من المفسرين. وفي الحديث عن شعيب بن الحبحاب قلت يا رسول الله: "في المال حق سوى الزكاة؟ قال: نعم، ثم قرأ وآتى المال على حبه" (3)
وهناك وسائل كثيرة، استخدمها الإسلام في توفير الأموال اللازمة لصندوق مشروعية التكافل الاجتماعي، تحت شعار ( في المال حق سوى الزكاة) منها ما يلي:
أ - الكفارات : العقوبات الدنيوية المكفّرة لبعض الذنوب مثل :
1- كفارة اليمين:قال تعالى في شأن من حلف يمينا ثم حنث فيه: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } (4)
2- كفارة الجماع في نهار رمضان، وقد بيّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث عن الرجل الذي واقع امرأته في نهار رمضان، فقال له : " فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ " (5)
__________
(1) البقرة ، الآية: 177
(2) الذاريات، الآية : 19
(3) رواه الدارقطني ،في سننه ، ج: 2 ، ص: 107 بتصرف .
(4) لمائدة، الآية : 89.
(5) رواه مسلم في صحيحه ، ج: 2، ص: 781 ، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، رقم : 1111 . (1/98)
صفحة 99
3- كفارة الظِّهار : وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي، وقد قسم القرآن الكريم هذه الكفارة إلى ثلاثة أقسام، من بينها قوله تعالى : { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكين ا } (1)
ب - الفدية: لارتكاب محظورات الحج، أو العمرة :
قال تعالى: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (2)
ففدية الصيام : قال تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } ? (3)
ج - النذر :
قال تعالى: { وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ } (4)
د – الهدايا : التي تذبح ضمن مناسك الحج، ويكون للفقراء منها نصيب. قال تعالى : { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } (5)
هـ – الأضاحي :
التي تذبح في عيد الأضحى المبارك، وفيها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبد الله بن واقد: " فكلوا، وادخروا، وتصدقوا ". (6)
و – الصدقات المالية:
التي يتبرع بها الإنسان من طيب قلبه؛ لابتغاء مرضاة الله - عز وجل - ، طبقا لقوله تعالى: { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (7) وقوله تعالى: { ومَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرً ا } (8) .
__________
(1) المجادلة ، الآية : 4 .
(2) البقرة، الآية: 196.
(3) البقرة، الآية : 184.
(4) البقرة ، الآية : 270 .
(5) الحج ، الآية : 36.
(6) رواه مسلم في صحيحه، ج: 3 ، ص: 1561 .
(7) البقرة، الآية : 271 .
(8) المزمل ، الآية : 20 . (1/99)
صفحة 100
ز- الصدقة الجارية: لقوله تعالى: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } (1)
ولما ورد في الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (2) .
لقد تلقى المسلمون هذه التوجيهات الربانية السامية، بكل صدق وإيمان، فراحوا يتبرعون بأموالهم الكثير، والكثير من خلال الجمعيات الخيرية المنتشرة في العالم الإسلامي من أمثال:
( لجنة مسلمي أفريقيا ) ( هيئة الإغائة الإسلامية العالمية ) ( الرابطة الإسلامية) ( المنتدى الإسلامي ) ( جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ) وأخيرا ( جمعية الاستقامة الخيرية الإسلامية العالمية )
__________
(1) آل عمران ، الآية: 92 .
(2) رواه مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة ، ج: 3، ص: 1255 . وابن خزيمة في صحيحه ، ج: 4، ص: 122 . (1/100)
صفحة 101
التي ما فتئت تقوم بدور بارز، منقطع النظير في هذا المجال، سواء من ناحية توزيع الزكوات على أهلها، أومن ناحية تقديم الخدمات الضرورية لأبناء المسلمين، باختلاف ألسنتهم، وألوانهم، ومناطقهم، وقاراتهم المتباعدة. فهي تحمل أموال المتبرعين بكل صدق وأمانة؛ لتوصلها إلى أصحابها أينما كانوا في مشارق الأرض ومغاربها؛ بهدف توحيد صفوف المسلمين، والتعاطف معهم، والتضامن مع الأسرة الإسلامية المجيدة؛ من خلال بناء المساجد، والمدارس لهم، وحفر الآبار في مناطقهم، وتقديم المنح الدراسية لأبنائهم، وتوفير ما أمكن من فرص العمل لشبابهم، والسعي لكل ما من شأنه أن يضمن لهم سعادة الدارين. وهذا أمر واقعي شاهدته بأم عيني . (1)
{ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } (2) .
وهكذا قام الإسلام بملاحقة الفقر، والبطالة، أينما حلاَّ وارتحلا؛ بهدف إبعادهما عن المجتمع العالمي بشكل عام، وعن الأمة الإسلامية بشكل خاص.
المبحث الثاني: ما يجب تركه والتحذير منه: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المعاملات الربوية :
لقد جاء الإسلام والمجتمع الشركي يعوم في تيارات الظلم، والاعتداء على حقوق الناس وممتلكاتهم، تحت غطاء ما يسمى بالعمليات الربوية؛ مما جعل الناس يتسارعون في الوقوع على تلكم المعاصي المحرمة دون تحفظ أو استحياء. بل لقد أصبح التعامل بالربا يعتبر ضرورة من الضروريات البشرية ، وقانونا من القوانين الوضعية، له قواعده المعينة، وضوابطه الخاصة؛ باعتباره وسيلة لجلب المال دون كَدٍّ أو عناء.
__________
(1) ولي صلة وثيقة مع أعضاء هذه الجمعية المباركة، وخاصة مع أمين عامها فضيلة الشيخ / زاهر بن خليفة بن زاهر العلوي، الذي عُرف بأنشطته المستمرة ومساعيه الحميدة؛ في كل المجالات الخيرية، بهدف تحقيق كل ما من شأنه مصلحة هذه الأمة الإسلامية المجيدة.
(2) المطففين ، الآية : 26 . (1/101)
صفحة 102
ومن هنا يأتي التشريع الإسلامي؛ ليعلن معارضته الشديدة ضد هذه الظاهرة السيئة، التي سادت المجتمعات والشعوب؛ فأوشكت أن تقضي على الأخضر واليابس؛ مما أوقع الاقتصاد الإسلامي في مأزق كبير من الكساد والانهيار، مع استمرار تزايد نسبة الفقر، والبطالة، بين المجتمعات المختلفة؛ ولذلك كان لابد من الحديث عن الربا، وبيان خطره على الأمة الإسلامية؛ لعل المرابين يتّقُون، أو يحدث لهم ذكرا. فأقول وبالله التوفيق:
الرِّبا في اللغة: مادة ربا:
رَبا الشيءُ يَرْبُوا رُبُوّاً و رِباءً: زاد ونما. و أَرْبَيْته: نَمَّيته. قال أَبو إسحاق: يَعني به دَفْعَ الإِنسان الشيءَ ليُعَوَّضَ ما هو أَكثرُ منه. (1) وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة. (2)
حكم الربا في الإسلام :
الربا محرَّم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فمن القرآن : قوله تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَه مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (3) وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } (4) وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (5)
__________
(1) لسان العرب ، لابن منظور ، ج: 14، ص: 304 ،
(2) المغني ، ج:2 ، ص: 333 .
(3) البقرة ، الآية : 275 .
(4) البقرة ، الآية : 278 .
(5) آل عمران ، الآية : 130 . (1/102)
صفحة 103
ومن السنة المطهرة أحاديث كثيرة منها : ما ورد عن جابر قال: " لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء. (1) وعنه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم " (2) والربا من الكبائر الموبقة، كما ورد في حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (3) متفق عليه.
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على تحريم الربا، بل هو محرم حتى في الشرائع السماوية السابقة، كما في دلالة الآية عن أهل الكتاب : { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } . (4)
والحكمة من تحريم الربا هي : أن العمليات التجارية قابلة للربح والخسارة، أما العمليات الربوية فالربح فيها مضمون، ومحدود مطلقا. والسبب في ذلك هو ضمان الربح وتحديده، ولذا أحل الله البيع وحرم الربا .
__________
(1) صحيح مسلم، ج: 3 ، ص: 1219 ، رقم الحديث: 1598 .
(2) محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، ت، 405، المستدرك على الصحيحين ، ط؛،1، دار الكتب العلمية، بيروت ، 1411هـ – 1990م تحقيق ، عبد القادر عطا ، ج: 2، ص: 43، رقم ح، 2259 .
(3) صحيح البخاري ، ج:3 ، ص: 1017، رقم ح: 2615 . صحيح مسلم ، ج: 1، ص: 92 ، رقم ح: 89 .
(4) النساء ، الآية : 161 . (1/103)
صفحة 104
هذا وقد اعترض المرابون في عهد رسول الله على تحريم الربا، وتحليل البيع، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا في الجواز، والمنفعة، وكانت الشبهة التي ركنوا إليها هي أن البيع يحقق فائدة وربحا، كما أن الربا يحقق فائدة وربحا، وهي شبهة أوهى من بيت العنكبوت .
وهناك أضرار اقتصادية واجتماعية خطيرة أحلت بهذه الأمة من جراء انتشار التعامل بالربا، وقد ذكر العلماء منها صورا كثيرة نقتصر بذكر بعضها وهي :
1-" أن الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض ؛ لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين يحصل له زيادة من غير عوض ، ومال الإنسان متعلق بحاجته، وله حرمة عظيمة كما في الحديث " حرمة مال المؤمن كحرمة دمه " (1)
2- أن لاعتماد على الربا يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب؛ لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن منافع العالم لا تنتظم إلا بالتجارة، والحرف، والصناعات، والعمارات .
3-الغالب أن المقرض يكون غنيا، والمستقرض يكون فقيرا، فالقول بجواز عقد الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالا زائدا، وذلك غير جائز شرعا " (2) .
__________
(1) علي بن عمر الدار قطني ، ت: 385 ، سنن الدارقطني، دار المعرفة، بيروت، 1966م، تحقيق، السيد عبد الله هاشم المدني ، ج:3، ص: 26، رقم ح: 94 .
(2) د . يوسف القرضاوي، الحلال والحرام في الإسلام ، ط؛ 10، 1396هـ _ 1976م مكتبة وهبة ،14 شارع الجمهورية بعادين ،ص: 247 نقلا عن تفسير الفخر الرازي بتصرف . (1/104)
صفحة 105
4-الربا في حد ذاته يسهل على الناس أن يدخلوا في مغامرات لا قبل لهم باحتمال نتائجها، فالتاجر بدل أن يتجر في قدر من المال يتكافأ مع قدرته المالية على السداد، يأخذ مالا بفائدة ليزيد في متجره، وقد يكسب مع ذلك بلا ريب؛ ولكن العاقبة غير محمودة،
إن نزلت البضائع؛ فإنه لا يكون في قدرته البيع في الوقت الذي يريده؛ لأن الديون التي تركبه، تضطره للبيع في الوقت الذي لا يناسبه؛ فتكون الخسارة الفادحة، أو يكون الإفلاس المدمر، والديون تحيط بذمته كما تحيط الأغلال بعنقه. (1)
5- الربا يزيد من البطالة؛ لأن أصحاب الأموال الربوية يفضلون إقراض أموالهم بالربا على استثمارها في مشروعات إنتاجية، ومن ثم فإن ذلك يقلل من الطلب على العمل، فتنتشر البطالة حينئذ. (2)
6- الربا يجلب أموال المسلمين إلى أيدي الكفار وبنوكهم الربوية فتحصل الفائدة لهم خاصة دون المسلمين بل المسلمون هم الذين يتحملون مسؤوليات تلك الأموال عند الخسارة والإفلاس .
7" الإجماع يكاد ينعقد على أن النكبات التي أصابت وتصيب المجتمعات الرأسمالية من أزمات وكساد وبطالة وتضخم إنما تأتي إليها من نظام الفائدة – الربا- ، وعلى البلاد الإسلامية أن تتحرر كلية من نظام الفائدة خضوعا لتعاليم الدين الحنيف." (3)
__________
(1) الشيخ محمد أبو زهرة ، تحريم الربا تنظيم اقتصادي، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ص: 9 ، بتصرف .
(2) د . صالح حميد العلي، توزيع الدخل في الاقتصاد الإسلامي ،والنظم الاقتصادية المعاصرة، ط؛ 1، 1422هـ _ 2001م، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق- بيروت ، ص: 342 .
(3) علي عبد الرسول ، المبادئ الاقتصادية في الإسلام، ص: 23 . (1/105)
صفحة 106
وقد أعلن الله الحرب ضد المرابين، ومن يتعاونون معهم في هذه الجريمة النكراء بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } (1) وذلك بعد أن أقام عليهم الحجة الدامغة الناصعة، وبين لهم الأضرار الوخيمة، التي تترتب آثارها على عملية الربا. وهذه الحرب المعلنة أشد من القتال بالسيوف والمدافع؛ إذ إنها حرب على الأعصاب والقلوب، وحرب على البركة والرخاء، حرب على الأمن والاستقرار، وأخيرا حرب على الأمم ، والشعوب، يسلط الله بها الظالم، على الظالم، أعاذنا الله منها جميعا .
المطلب الثاني:
التحذير من تضييع الأوقات:
" المرء عدو ما جهل". والنفس البشرية إذا أدركت قيمة الشيء حرصت عليه، وعز عليها ضياعه، وإهماله، ولا شك أن وقت الإنسان هو حقيقة عمره، ومظهر سعادته، أو شقاوته . ومن هنا تأتي التوجيهات النبوية لإثارة مشاعر الإنسان، وعواطفه الجياشة، إلى استغلال أوقاته الذهبية، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل وهو يعظه: " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك،وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " (2)
__________
(1) البقرة ، الآية : 278 – 279 .
(2) رواه الإمام الربيع في مسنده ، ص: 351، رقم ح: 896 . ورواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ، ج: 4، ص: 341، رقم ح: 7846 . (1/106)
صفحة 107
ومن فهم الحديث، وأدرك معناه الحقيقي، علم أن الوقت له أهميته البالغة، فعلى العاقل أن يصرف لحظات عمره فيما ينفعه في دينه ودنياه، ويعلم أن كل دقيقة مرت عليه فهو محاسب عليها، وأنها لن تعود إلى الأبد؛ ولذلك يجب المحافظة على الوقت لأداء الحقوق والواجبات المرتبطة به؛ كما قال الصديق في وصيته لعمر رضي الله عنهما: "واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل" (1) .
وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن الوقت يمضي بسرعة فائقة في ميدان مسابقته للإنسان مما جعله - صلى الله عليه وسلم - يحث الناس على مبادرة أوقاتهم قبل فوات الأوان كما ورد في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرا مُنسيا؟ أو غنى مطغيا؟ أو مرضا مفسدا؟ أو هرما مفندا؟ (2) أو موتا مجهزا؟ (3) أو الدجال؟ فشر غائب ينتظر، أو الساعة؟ فالساعة أدهى وأمر" (4)
فعلى المرء أن يشعر نفسه بالغيرة على ضياع الوقت ، بحيث يصبح هذا الشعور والإحساس يسري في جسمه كما يسري الدم في العروق، فينشأ عن ذلك شوق، وحرص شديد على حفظ الوقت، واستغلال الزمن؛ فيما يفيد النفس والمجتمع البشري كله.
__________
(1) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ، ت: 751، اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ط؛ 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404هـ ، ص: 37 .
(2) قولُه هَرَماً مُفْنداً : هو من الفَنَد، يقال: أفند الرجُل إذا كثُر كلامه من الخَرَف وأفْنده الكِبر، ( الغريب لابن قتيبة ) ج:1،ص: 311.
(3) وموت مُجْهِز وجَهِيز : أَي سريع . ( لسان العرب ) ج: 5 ، 325 .
(4) رواه الترمذي في سننه ، ج: 4 ، ص: 552، باب ما جاء في المبادرة بالعمل، رقم ح: 2306، وقال: حسن غريب . (1/107)
صفحة 108
ويقول بن القيم محذرا من مغبة سوء استغلال الوقت : " إن إضاعة الوقت يدعو إلى دَرَكِ النقيصة؛ إذ صاحب حفظه مترَقٍّ على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه؛ بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدُّم فهو متأخر، ولا بد، فالعبد سائر، لا واقف: فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، إما إلى أمام، وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبته" (1) .
إن الذين يستغلّون الأوقات هم الذين يستفيدون منه، أيا كانت هويّتهم: الدينية، أو الاجتماعية، ومن هنا استطاع الغرب أن يتفوَّقوا على المسلمين في مجالات التجارة ، والصناعة، ونحوها؛ بسبب استغلالهم لأوقاتهم، وإضاعتنا – نحن المسلمون – لأوقاتنا. فعلى سبيل المثال:
إن (اليابان) استطاعت بعد خروجها منهزمة من الحرب العالمية الثانية، أن توفِّر كفا آت علمية، تقنية يابانية، أحسنت استغلال الوقت في تعلّم العلوم الدنيوية، وسهرت لأجل إتمام البحوث، والتجارُب العلمية، والتقنية، الساعات الطوال، وكانت نتيجة هذا الجهد المتواصل أن أصبحت (اليابان) من أكبر الدول التجارية في العالم، وأصبحت بضائعها تغزوا كل الأسواق العالمية، وتلقى الرواج الكبير؛ لماذا ؟!! لأن (اليابانيين) أحسنوا استغلال أوقاتهم في التصنيع والإنتاج المادي الدنيوي فحصلت لهم هذه الثمرة الطيبة، والشهرة العالمية الواسعة" (2) .
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع.
__________
(1) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ، ت: 751، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ط؛ 2، دار الكتاب العربي ، بيروت، 1393هـ – 1973م ، تحقيق، محمد حامد الفقي، ج:1 ص: 267
(2) محمد بن صالح بن إسحاق، ( 125 طريقة لحفظ الوقت، ) ط؛ 2، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1420هـ ، ص: 35بنصرف . (1/108)
صفحة 109
ويمثل ابن القيم قيمة الوقت في مثال محسوس واضح عند ما قال: " السَّنَة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجذاد يوم المعاد، فعند الجذاد يتبين حلو الثمار من مُرِّها " (1)
ولقد أدرك أعداء الإسلام قيمة الوقت، وأهميته في حياة الفرد والمجتمعات، دينيا وسياسيا ، واقتصاديا ، واجتماعيا، فأخذوا يستخدمون أساليب الحسد ضد المسلمين؛ للحيلولة بينهم وبين استغلال أوقاتهم، ونتيجة لتلك التصرفات السيئة، تمكنوا من غزو الفكر الإسلامي؛ بأساليب وطرق مختلفة؛ لإهدار الطاقات، وقتل الأوقات بسفا سف الأمور، وتوافهها. ومن ذلك ما نذكره على السبيل المثال :
1- الأفلام، والمسلسلات التي قضت على الأخلاق والفضيلة.
2- مجلات الفسق والإهانة التي أودت بكرامة المرأة وأنوثتها.
3- القصص، والمغامرات الخيالية.
4- الأغاني الماجنة التي تدعو إلى الفاحشة والفجور.
5- ملاعب كرة القدم التي تضم التُّجار والموظَّفين الذين يتركون أعمالهم التجارية، والثقافية؛ لمتابعة المباريات اليومية.
6- دور السينما، ومقاهي الإنترنت الفضائية.
7- مراكز الرقص، وبيوت الدعارة.
وغير ذلك من الأمور التي ابتكرها الغرب للقضاء على الإسلام عن طريق السيطرة على عقول الشباب المسلم، وصرف أنظارهم عن دينهم وكرامتهم، وخدمة مجتمعاتهم وشعوبهم المسلمة؛ مما أدى إلى عواقب وخيمة، لا قِبَلَ لنا بها؛ حيث انتشر الفساد في البر والبحر، وساد الفقر والبطالة، وعم الجهل والخيانة، وأصبح المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والفاجر أمينا، والأمين حيران.
__________
(1) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ، ت: 751، كتاب الفوائد، ط؛ 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1393هـ ص: 164 . (1/109)
صفحة 110
ولم يبق لنا إلا أن نعود إلى كتاب الله الكريم،وسنة رسوله الأمين - صلى الله عليه وسلم - ،ومن طلب العلاج، أو الهداية بغيرهما فقد خاب وخسر. نسأل الله التوفيق، والسداد، وحسن الخاتمة.
خاتمة البحث
وقبل أن أضع القلم، أودُّ أن أقدِّم أهمَّ النتائج، التي توصَّلتُ إليها، من خلال هذه الرحلة العلمية الممتعة، التي قضيتها في ظلال تلكم الحديقة الغَنَّاء، التي كان هذا البحث المتواضع من نتائج ثمارها اليانعة، وعطاياها الفيّاضة.
ولا ريب أن البحث قد عالج الكثير من الأمور المهمة التي تدور حول البطالة، من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال تحديد مفهوم البطالة، وذكر آثارها السلبية، وبيان طرق علاجها الشرعية،وغير ذلك. وقد لخصت ذلك في الفقرات التالية:
1- مفهوم البطالة : قد وردت في تحديد مفهوم البطالة أقوال عديدة ، تناولتها الأقلام، والأفكار الغربية، والإسلامية؛ من خلال الدراسات الاقتصادية، والبحوث الاجتماعية. وهي تختلف في تعبيراتها الموضوعية تبعا لاختلاف الأمكنة، والأزمنة التي تحيط بها، ومن أبرز ما ورد في تعريف البطالة عند الاقتصاديين قولهم: " هي الحالة التي يكون فيها الشخص قادرا على العمل، وراغبا فيه؛ ولكنه لا يجد العمل أو الأجر المناسب".
2 - أسباب البطالة: هناك الكثير من الأسباب التي نشأت، أو انتشرت عنها البطالة، وتسربت بواسطتها إلى أطراف الدول والمجتمعات المختلفة؛ ومن تلك الأسباب:
الفقر، والفراغ ، والجهل المنتشر، وهجرة المثقفين، والتبذير في التصرفات المالية، والاتكال على الناس، وتضييق مفهوم العمل: يعني اعتقاد أن العمل محصور في الدوائر الحكومية فقط، أو نحو ذلك. (1/110)
صفحة 111
ومن الأسباب أيضا انتشار الحروب في أنحاء العالم، ووقوع الكوارث الطارئة: القحط والجفاف، والزلازل، والفيضانات، وغير ذلك من الحوادث، التي تدمِّر الكثير من الممتلكات الخاصة والعامة، وتجرُّ على المجتمع الويلات، والعاهات ، فضلا عن التكاليف الباهظة.
3 - آثار البطالة : هناك العديد من العواقب الوخيمة، والمظاهر السيئة، التي تمخضت عن البطالة، وأصبحت سموما فتّاكة، تجري في شرايين المجتمعات البشرية.
ومن بين تلك الآثار: الركود الاقتصادي: عند ما ترتفع نسبة البطالة يبدأ دخل الفرد في الانخفاض، وبالتالي تنخفض نسبة الاستهلاك؛ مما يترك أثرا سلبيا على الاقتصاد القومي بشكل كبير. ومن الآثار الملفتة للأنظار انتشار ظاهرة التسوُّل، وتكفف الناس، وتشرُّد الأطفال، والمساكين في الشوارع والأسواق، وارتفاع نسبة جريمة القتل في معظم الدول، والمناطق العالمية، وانتشار المخدرات في أوساط الشباب، والمراهقين؛ بشكل غير مسبوق، وبالتالي انتشار الأوبئة،والأمراض الاجتماعية أيضا.
3- علاج البطالة : لقد سلك الإسلام طرقا عديدة متنوعة في معالجته لمشكلة البطالة، فراح يعالجها: إما عن طريق الإلزام بتطبيق نظام الزكاة تطبيقا كاملا يشمل جوانب الأخذ والتوزيع، وإما عن طريق المطالبة بتطبيق مسئولية الدولة بهدف إعطاء كل ذي حق حقه، وأحيانا عن طريق الحث على العمل، والترغيب فيه ، وبيان فوائده ، وإظهار قيمته للناس: كالزراعة ، والتجارة، والصناعة، ويتضمن في ذلك: الدعوة إلى إحياء الأراضي، وعقد المضاربات، وتقديم القروض الحسنة، والسعي إلى التكافل الاجتماعي تحت ظل التعاون والاتحاد، وغير ذلك.
وحينا آخر يعالجها عن طريق التحذير من الوقوع في المعاملات الربوية المحرمة، أو التحذير من تضييع الأوقات الثمينة، كعدم استغلالها في المصالح الشرعية بشكل أو بآخر، كما سبق الحديث عنه بالتفصيل في مباحثه المتقدمة. (1/111)
صفحة 112
وبهذا أكون قد أنهيت من ذكر ما تيسر لي كتابته عن موضوع البطالة: أسبابا، وآثارا، وعلاجا. فأرجو من الله العلي القدير أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يفيد بهذا البحث المتواضع العباد، والبلاد، ويحُلَّ به مشكلات الأمة الإسلامية، والأزمات الإنسانية جمعاء، كما أسأله - عز وجل - أن يجزي الجزاء الأوفى؛ لكل من ساهم في إعداده، وتصحيحه، ومناقشته، وإخراجه إلى حيز الوجود، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا جميعا؛ إنه تعالى ولي ذلك، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته ذوي الفضل والتكريم ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
تمّ بفضل الله تعالى تحرير ومناقشة هذا البحث صباح يوم الأحد 9/ ربيع الأول/ 1424هـ الموافق / 11/ 5/ 20003م .
إعداد وتقديم / الطالب / شيخ أحمد كان، معهد العلوم الشرعية،
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية،
مسقط، سلطنة عمان .
البريد الإلكتروني: kanecheick130@hotmail.com
قائمة المصادر والمراجع:
القرآن الكريم
1- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ، ت: 751، ط؛ 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404هـ.
2- إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، ت: 505هـ ، دار المعرفة ، لبنان، 1403هـ، -1983م .
3- أسرار التميز والنجاح، وفا محمد مصطفى، ط:1 _ 2001م دار ابن حزم.
4- أطلس العالم الصحيح،إعداد جماعة من أساتذة الجغرافيا،والتاريخ،دار مكتبة الحياة ،بيروت،لبنان.
5- بدائع الصنائع ،علاء الدين الكاساني ، ت ، 584 ، ط؛ 2 ، دار الكتاب العربي، بيروت، 1982 .
6- البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، ت: 774 هـ ،مكتبة المعارف، بيروت .
7- البطالة المقنعة في الوطن العربي، سمير عبده،ط:1،1984م دار طلاس للدراسات والترجمة،دمشق. (1/112)
صفحة 113
8- بغية الطلاب ، أبو سرور حميد بن عبد الله الجامعي، ط ؛2 ،1418هـ –199م .
9- تأويل مختلف الحديث، عبد الله بن مسلم بن قتيببة الدينوري،ت 276هـ،دار الجيل،بيروت ، 1972م تحقيق، محمد زهري النجار.
10- تاريخ الخلفاء ، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، ت: 911هـ ، ط؛ 1، سنة: 137هـ ، مطبعة المنارة ، مصر، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد .
11- تاريخ بغداد ، أحمد بن علي البغدادي ، ت: 463 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
12- تحريم الربا تنظيم اقتصادي، الشيخ محمد أبو زهرة ، الدار السعودية للنشر والتوزيع .
13- تحفة الأحوذي ، محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري،ت 1353هـ ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
14- تفسير الطبري ، محمد بن جرير بن يزيد الطبري ت: 310، دار الفكر ،بيروت ، 1405 .
15- تفسير بن كثير، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي،ت 774هـ ، دار الفكر،بيروت، 1401هـ .
16- التقرير القطري في موفر خدمات جيوويب.
17- التمهيد لابن عبد البر ، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، ت463هـ وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية ، المغرب ، 1387هـ ، ، تحقيق مصطفى بن أحمد البكري .
18- تنمية القوى البشرية، مدني عبد القادر، دار الشعب،القاهرة، ط:1،1976م.
19- توزيع الدخل في الاقتصاد الإسلامي ،والنظم الاقتصادية المعاصرة، د. صالح حميد العلي، ط؛ 1، 1422هـ _ 2001م، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق- بيروت .
20- الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ،ت 671هـ ، ط ؛ 2 دار الشعب، القاهرة 1372هـ تحقيق أحمد عبد العليم البر دوي.
21- الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، محمد بن أبي بكرا لزرعي ت 751، دار الكتب العلمية، بيروت .
22- الجواهر الحسان في تفسير القرآن، عبد الرحمن بن محمد الثعالبي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت. (1/113)
صفحة 114
23- الحلال والحرام في الإسلام، د . يوسف القرضاوي،ط؛ 10، 1396هـ _ 1976م مكتبة وهبة ،14 شارع الجمهورية بعادين .
24- دور الزكاة في خدمة المجتمع ، المستشار مدحت حافظ إبراهيم، دار غريب ، القاهرة .
25- زاد المسلم، يوسف بن إبراهيم السرحني.
26- الزهد لابن المبارك، عبد الله بن المبارك المر وزي ، ت: 181هـ دار الكتب العلمية، تحقيق، حبيب الرحمن الأعظمي.
27- سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي ، ت: 275هـ دار الفكر ، ت:محمد محي الدين .
28- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني ، ت، 275، دار الفكر ، بيروت .
29- سنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ت: 458 ، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ 1994م .
30- سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت 279) مطابع الحلبي،القاهرة،1356،تحقيق، وشرح أحمد شاكر،.
31- سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني ، ت، 385، دار المعرفة، بيروت،1966م تحقيق، السيد عبد الله هاشم يماني المدني .
32- سنن سعيد بن منصور، سعيد بن منصور، ت، 227، ط ؛ 1، دار العصيمي، الرياض، 1414هـ ، تحقيق، د. سعد بن عبد الله آل حميد .
33- سير أعلام النبلاء ، محمد بن أحمد الذهبي، ت: 748 هـ ط؛ 9، مؤسسة الرسالة ،بيروت، 1413، تحقيق، شعيب الأرناؤوط .
34- السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، ت: 213 ، ط؛ 1، دار الجيل ، بيروت ، 1411هـ ، تحقيق، طه عبد الرؤوف سعد،.
35- شرح النووي على صحيح مسلم، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ت 676هـ ، ط،2 ، دار إحياء التراث العربي، بيروت،1392هـ .
36- شرح فتح القدير ، كمال الدين ابن الهمام ، ت 981 المكتبة التجارية ،1351 .
37- صحيح ابن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد التميمي ألبستي ، ت 354هـ ، ط؛ 2 مؤسسة الرسالة، بيروت،1414هـ\1993م، تحقيق شعيب الأرنؤوط . (1/114)
صفحة 115
38- صحيح ابن خزيمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، ت، 311، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ 1970م تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي .
39- صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، ت 256هـ ،دار بن كثير، اليمامة،بيروت، 1407هـ \1987م تحقيق مصطفى ديب البغا.
40- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري،ت 261هـ ،دار إحياء التراث العربي،بيروت تحقيق،محمد فؤاد عبد الباقي.
41- صيد الخاطر،أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، ط: 1-1417هـ دار الكتاب العربي .
42- ضمان المتلفات في الفقه الإسلامي، الدكتور . سليمان محمد أحمد ، ط؛ 1، مطبعة السعادة، ميدان أحمد ماهر، 1405هـ –1985م ،
43- العمالة المصرية، سلوى سليمان، دار النهضة للنشر،القاهرة،1989م.
44- عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي، صالح حميد العلي، ط ؛ 1، 1420هـ - 2000م ، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق – بيروت .
45- فتاوى الشيخ كشك ، عبد الحميد كشك ، المختار الإسلامي للنشر والتوزيع والتصدير ، 16 شارع كامل صدقي بالفجالة ، القاهرة.
46- فتح الباري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852هـ دار المعرفة ،بيروت، 1379، تحقيق، محمد فؤاد عبد الباقي.
47- الفردوس بمأثور الخطاب، أبي شجاع شيرويه بن شهر دار الديلمي، الهمذاني، ت 509، ط ؛ 1،دار الكتب العلمية ، بيروت، 1986م ، تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول .
48- فقه الدخل وتأثر إنهاء علاقة العمل، حسين عبد الرحمن قدوس، طبع مصر،مكتبة الجلاء، المنصورة.
49- فقه الزكاة ، يوسف القرضاوي ، ط؛ 22 مؤسسة الرسالة ، 1414هـ 1994م .
50- فقه السيرة النبوية ، محمد سعيد رمضان البوطي، ط ؛ ط ؛، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالاتفاق مع دار الفكر ، دمشق ، 1419هـ 1999م .
51- في ظلال القرآن ، سيد قطب، دار العلم للطباعة ، والنشر، جدة .
52- فيض القدير، عبد الرؤوف المناوي، ط؛ 1 المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 135هـ . (1/115)
صفحة 116
53- الكافي في فقه ابن حنبل، عبد الله بن قدامة المقدسي، المكتب الإسلامي، بيروت ، 1408هـ – 1988م .
54- كتاب ( 125 طريقة لحفظ الوقت) محمد بن صالح بن إسحاق، ط؛ 2، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1420هـ .
55- كتاب الرائد ، جبران مسعود ، ط: 2، دار العلم للملايين، بيروت،
56- كتاب الزهد الكبير، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت 458هـ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، 1996م تحقيق الشيخ عامر حيدر.
57- كتاب الفوائد، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ، ت: 751، ط؛ 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1393هـ .
58- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ، في وجوه التأويل ، أبو القاسم جار الله محمود بن جار الله بن عمر الزمخشري ،ت 467هـ دار المعرفة، بيروت ، .
59- كشف الخفاء ، إسماعيل بن محمد العجلوني ،مؤسسة الرسالة ج:1 ، الكويت،ط:3 ، 1986.
60- لسان العرب ، ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمد بن منظور (ت711)
61- المبادئ الاقتصادية في الإسلام، علي عبد الرسول، دار الفكر العربي، القاهرة، ط؛ 2 .
62- مبادئ الجغرافيا الطبيعة، صلاح الدين بحيري، ط :1 دار الفكر .
63- المجتمع المتكافل في الإسلام ، عبد العزيز الخياط، ط ؛ 3 ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة 1406هـ 1986م .
64- مجلة ( المجاهد ) العدد : 127، ذو القعدة، 1411هـ الموافق ، مايو 1991م .
65- مجلة (المعالم) العدد العاشر، رجب – شعبان:1423هـ سبتمبر – أكتوبر 2002م .
66- مجلة البيان، العدد: 152، ربيع الآخر ، 1421هـ ياسين بن طه الشرجبي.
67- مجلة الشقائق ، العدد : 55 ، محرم 1423، الموافق : إبريل ، 2002 م .
68- مجلة الوعي الإسلامي: - العدد: 439 ربيع الأول 1423هـ .
69- مجلة الوعي الإسلامي، العدد: 440 – السنة:39 ربيع الآخر،عام: 1423هـ يونيو\يوليو2002م .
70- مجلة( المجلة)العدد:1177 –1- 7\9\2002 م .
71- مجموع الفتاوى، أحمد بن عبد الحليم بن تيميه الحراني،. (1/116)
صفحة 117
72- محاضرة بعنوان: الزكاة، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، من موقع الإنترنت: (مكتبة الندوة).
73- المحلى، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، ت: 456هـ ، دار الآفاق الجديدة، بيروت .
74- مختار الصحاح ، محمد بن أبي بكر الرازي، ط:1 دار الكتب العلمية، بيروت، 1414هـ \1994م .
75- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ، ت: 751، ط؛ 2، دار الكتاب العربي ، بيروت، 1393هـ – 1973م ، تحقيق، محمد حامد الفقي.
76- المستدرك على الصحيحين ، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، ت 405هـ ، ط؛ 1، دار الكتب العلمية ، بيروت 1411هـ – 1990م تحقيق: عبد القادر عطا.
77- مسند أحمد، أحمد بن حنبل الشيباني، ت 241هـ مؤسسة قرطبة، مصر العربية ،.
78- مسند الربيع ، الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي ،ط؛1415هـ دار الحكمة ،مكتبة الاستقامة سلطنة عمان،تحقيق: عاشور بن يوسف.
79- مشكلات السكان في الوطن العربي، فتحي أبو عيانة: بيروت ،دار المعرفة،ط: 1،1987م .
80- مشكلة البطالة،وعلاجها،جمال حسن أحمد، ط:1، اليمامة للنشر والتوزيع،بيروت،1420هـ .
81- مشكلة الفقر، وكيف عالجها الإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة: ط:5 ، 1404هـ1984م،.
82- مصارف الزكاة في الشريعة الإسلامية، عبد الله بن جار الله بن إبراهيم ، ط؛ 3، 1408هـ مؤسسة الرسالة .
83- مصنف ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ت: 235، ط ؛ 1، 1409 مكتبة الرشاد، الرياض .
84- معالم سطح الأرض، جودة حسنين جودة ، دار النهضة العربية،بيروت لبنان.
85- المعجم الأوسط ، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ت 360هـ دار الحرمين، القاهرة،1415هـ ،تحقيق، طارق بن عوض الله الحسيني .
86- المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، ت، 360، ط؛ 2، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، 140هـ – 1983، تحقيق، حمدي بن عبد المجيد السلفي . (1/117)
صفحة 118
87- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي،مطابع الشعب،1945م .
88- المغني، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ، ت: 620، ط ؛1، دار الفكر، بيروت، 1405 .
89- مفاهيم أساسية في علم الاقتصاد، إسماعيل عبد الرحمن، وآخرون، ط؛ 1، دار وائل للنشر، الأردن،1999،م.
90- المفردات في غريب القرآن، الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني.
91- مقالة بعنوان: مختارات مضيئة، تحرير العقل.. تحرير المرأة ..قاسم أمين.
92- مقالة في صحيفة الجزيرة، العدد :10283، الخميس 27 ,شعبان،1421، مفلح بن حمود الأشجعي.
93- منهاج السنة النبوية، أحمد بن عبد الحليم بن تيميه الحراني ت 728هـ ، مؤسسة قرطبة ، ط؛ 1، 1406 ، تحقيق د. محمد رشاد سالم.
94- موسوعة الاقتصاد الإسلامي، محمد عبد المنعم الجمال، دار الكتاب المصري ، القاهرة .
95- الموسوعة الفقهية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية:دولة الكويت .
96- موسوعة المصطلحات الاقتصادية، حسين عمر، دار الشرق،جدة، ط:1 1979م.
97- موطأ مالك، مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي ، ت 179 ، دار إحياء التراث العربي ، مصر تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي .
98- موقع الإنترنت، إسلام أون لاين نت تاريخ : 2001/8/19 يا سمين عبد الشكور.
99- موقع الإنترنت، مخدرات النوادي: DRUGS.ORG.CO WWW.BENANTI
100- موقع الإنترنت، مصطفى كاظم . يوم الاثنين 21/1/2001 BBC ARABIC.COM
101- موقع الإنترنت، منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO في12 مايو/أيار2000 .
102- نظام الحكومة النبوية المسمى : التراتيب الإدارية، عبد الحي الكتاني، بيروت .
103- نيل الأوطار، محمد بن علي بن محمد الشوكاني ، ت 1255 ، دار الجيل، بيروت ،1973.
104- هميان الزاد إلى دار العباد، محمد بن يوسف الوهبي الإباضي، وزارة التراث القومي والثقافي، سلطنة عمان .
105- هيئة الإذاعة البريطانية، تاريخ: 1/5/2002 .
فهرس المحتويات
الموضوع الصفحة (1/118)
صفحة 119
مقدمة ............................................................................................... 1
الفصل الأول: مفهوم البطالة،وحكمها، وأنواعها، وأسبابها:
المبحث الأول: مفهوم البطالة،وأنواعها:
المطلب الأول:مفهوم البطالة لغة ..........................................................4
المطلب الثاني:مفهوم البطالة اصطلاحا ..................................................5
المطلب الثالث حكم البطالة............................................................. 6
المطلب الرابع أنواع البطالة،وأقسامها .................................................... 8
البطالة الاختيارية ................................................................. 8
البطالة الإجبارية ................................................................ 9
البطالة التعبدية ................................................ .................. 9
البطالة الاحتكاكية: .............................................................. 10
البطالة الموسمية .................................................................. 10
البطالة الهيكلية ................................................ ................. 10
البطالة الدورية ................................................................... 11
البطالة المقنعة ................................................................... 11
المبحث الثاني: أسباب البطالة اختياريا، وإجباريا:
المطلب الأول: أسباب البطالة اختياريا:
البند الأول الفقر. ................................................................. 12
البند الثاني الفراغ. ................................................................ 16
البند الثالث الجهل ...............................................................19 (1/119)
صفحة 120
الموضوع الصفحة
البند الرابع : هجرة العقول والأموال ... ... ... ... ... ... ........................ 20
البند الخامس: التبذير ............................................................ 23
البند السادس الاتكال على الغير .................................................... 25
البند السابع تضييق مفهوم العمل .................................................... 26
المطلب الثاني: أسباب البطالة إجباريا:
الحروب الطاحنة. .................................................................. 28
الأمراض المزمنة. ................................................................. 30
الكوارث: ......................................................... ............ 30
القحط. ................................................................... .... 31
الفيضانات الجارفة. ............................................................... 33
الزلازل المدمرة. ................................................................. 34
البراكين الثائرة. .................................................................. 36
الفصل الثاني: آثار البطالة اجتماعيا ،واقتصاديا:
المبحث الأول : آثارها اجتماعيا:
التسول ................................................................... ..... 39
التشرد: ................................................................... ..... 41
السرقة، وجريمة القتل. ............................................................ 42
تناول المخدرات .............................................................. 44
انتشار الأوبئة والأمراض الاجتماعية ............................................... 48
المبحث الثاني: آثارها اقتصاديا:
الركود الاقتصادي. ............................................................... 49 (1/120)
صفحة 121
المظاهرات الشعبية والانقلابات الحكومية. ........................................... 52
الفصل الثالث: علاج البطالة في ضوء الشريعة الإسلامية:
المبحث الأول: ما يجب فعله، والاهتمام به ،
المطلب الأول: ما يجب فعله:
تمهيد ................................................................. ........ 55
تطبيق نظام الزكاة .......................................................... 56
تطبيق مسؤولية الدولة. .......................................................... 64
الحث على العمل. .............................................................. 70
المطلب الثاني ما ينبغي الاهتمام به:
إحياء الأرض الموات .......................................................... 75
عقد المضاربة ............................................................... 78
القرض الحسن .............................................................. 80
الاعتماد على النفس وإدراك المسؤولية .............................................82
إسهام الأغنياء في التكافل الاجتماعي على قاعدة:( في المال حق سوى الزكاة)........... 86
المبحث الثاني: ما يجب تركه والتحذير منه:
المطلب الأول :
المعاملات الربوية ................................................. 93
المطلب الثاني :
التحذير من تضييع الأوقات. ........................................... 97
خاتمة البحث ................................................................... 101
المصادر والمراجع. ................................................................. 104 (1/121)