صفحة 1
الكتاب: منهج تغيير المنكر في المجتمع لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنان الكريم، الرحمن الرحيم، الذي يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير، الذي وسع كل شيء علمه وأحاط بكل حادث حكمه، أحمده تعالى حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا نبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالدعوة القاطعة، والحجة الساطعة، والملة الجامعة، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين.
أما بعد،،،
فالسلام عليكم جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات ورحمته وبركاته.
أحييكم جميعا بهذه التحية الطيبة المباركة، وأحمد الله سبحانه الذي أتاح لنا الفرصة الميمونة للقاء في هذا المكان الطيب، في هذا الصرح الديني، والمعلم الخيري، الذي نرجوا بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن تنطلق منه دعوة الحق لتواكب مسيرة الحياة إلى شتى أرجاء الأرض، وأن تخرج منه كلمة الخير الجامعة، التي تؤلف القلوب وتجمع بين الشتات وتوحد الصف، وترأب الصدع، كما هو المراد من الإسلام الحنيف. (1/1)
صفحة 2
هذا ولا ريب أنكم تدركون جميعا أهمية الدعوة في الإسلام، فإن أمر المؤمنين والمؤمنات إنما نيط بهذه الدعوة، إذ الحق سبحانه وتعالى أراد للمؤمنين والمؤمنات أن يكونوا جميعا على ولاية بعضهم لبعض، هذه الولاية إنما تتحقق مع القيام بمسئولية الدعوة كما يدل على ذلك قوله سبحانه: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) والله سبحانه فرض على هذه الأمة أن تكون أمة دعوة، وذلك عندما قال: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) وليست كلمة (من) هنا دالة على التبعيض، بحيث يحمل الأمر في الآية على أن المراد أن يكون بعض من الأمة على هذا الشأن دون بعض، وإنما هي للبيان.
فإذا الدعوة مطلوبة من الكل، كيف والله سبحانه وتعالى حصر الفلاح في هذا الصنف من الناس عندما قال: (وأولئك هم المفلحون) والحصر حاصل بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما، وكل أحد مطالب بأن يحرص على الفلاح، وأن يسعى إليه جهدا، وأي مكسب للإنسان خير من الفلاح، الذي يفوز بسببه برضوان الله سبحانه، وما يتبع ذلك من جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. (1/2)
صفحة 3
وقد بين سبحانه أن هذه الأمة إنما تكون أمة خيرة تفوق الأمم جميعا في فضلها، عندما تضطلع بأمانة الدعوة إلى الله، فقد قال سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) إذاً هي على خير وعلى صلاح، وعلى بر وعلى عز ما حافظت على هذه الدعوة، إلى الله سبحانه وتعالى، على أن هذه الدعوة لم تترك بأساليب الناس التي ربما كانت بإيحاء نزغات ونزعات، وإنما وجه الله سبحانه وتعالى إلى الأسلوب الأمثل فقد قال الله خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). (1/3)
صفحة 4
فترون أن الله سبحانه في مقام دعوة الكفرة غير المسلمين إلى ملة الإسلام أمر أن تكون هذه الدعوة بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وأن تكون المجادلة ما يحقق الغاية المطلوبة وهي المجادلة بالحسنى، ثم إن الله سبحانه يبين كيف أنه يمكن أن يكون التأثير باللطف والرفق أبلغ بكثير من التأثير أن يكون بخلاف ذلك، وقد قال سبحانه: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) ترون أن الله سبحانه كيف أثر هذه الدعوة عندما تكون بالتي هي أحسن، يدفع الإنسان السيئة بالتي هي أحسن حتى يدفع ينسجم المدعو مع الداعي ويتفاعل معه تفاعلا تاما ويستجيب لهذه الدعوة وقد بين سبحانه أن الدعوة بهذا الأسلوب الحسن ربما يتألف النافر ويقرب الشارد، وتدني البعيد، حتى يكون الخصم اللدود كأنه ولي حميم في هذا الرفق وبهذه الحكمة وبهذا التأثير الحسن، والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب للناس أروع الأمثال في ذلك، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان مثالا في الدعوة بالتي هي أحسن ومحاولة التأثير على الناس بالتلطف بهم والترفق بهم، فقد كان بذلك يتألف النافر ويقرب الشارد ويدني البعيد، ولذلك تأثر أولئك الذين كانوا على قسوة وعلى غلظة حتى أنهم تسابقوا إلى اعتناق هذا الدين، واتباع هذا الحق والتفاعل مع دعوته صلى الله عليه وسلم، فكم من رجل كان شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم، وشديد الخصومة لهذه الدعوة، ولكن بحسن التلطف وحسن المعاشرة والكلمة الهادئة الهادفة التي كانت تنطلق من لسان الرسول صلى عليه وسلم بالحكمة والموعظة الحسنة كانت مؤثرة على أولئك ذلك التأثير البالغ حتى تفاعلوا مع هذه الدعوة فصاروا من أنصارها المتحمسين للقيام بها. (1/4)
صفحة 5
والمطلق، ولا بين المجمل والمبين، ولا بين الناسخ والمنسوخ، فإذا بهم يندفعون ليقولوا من قبل أهوائهم ما يسنح لعقولهم من غير أن يلتفتوا إلى أحكام الله سبحانه وتعالى ويضبطوا كل ذلك بضابط الشرع، مع أنه ولا ريب كما هو مقرر في الأصول أنه عندما يتعارض القطعي والظني فإنه يقدم القطعي على الظني ولا يلتفت إلى الظني وكذلك عندما يتعارض الناسخ والمنسوخ فإنه يقدم الناسخ على المنسوخ فلا يؤخذ بالمنسوخ بعد ثبوت نسخه وكذلك عندما يكون هنالك تعارض بين خصوص وعموم، فإنه يقدم الخصوص على العموم، إذ الخاص كما يقول العلماء هو قطعي الدلالة، ولو كان هو ظني المتن، بحيث ثبت بالآحاد ولكن لكثرة الورود المخصصات على الأدلة الشرعية أي الأدلة المتعلقة بالجوانب العملية فإن الخصوص يقدم على العموم، ولذلك يخصص عموم القرآن الكريم بالأحاديث الآحادية، ويخصص عموم القرآن الكريم بمفهوم المخالفة، ويخصص عموم القرآن الكريم بالقياس، وهكذا، فهذه الجوانب لا بد من مراعاتها في الدعوة وكم سمعت من أناس ولربما كان بعض هؤلاء موتورين من قبل دعوة الإسلام في أخص خاصتهم، وأقرب قرابتهم وأحب الأحبة إليهم، فكم من أحد وتر في قريبه من أب أو ولد، ولكن بتأثير هذه الدعوة تأثر حتى صار يحمي حماها، ويحرص على الدفاع عنها، ويقاوم أعداءها، كما كان ذلك من قبل عكرمة بن أبي جهل الذي كان والده شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم وقد قتل في غزوة بدر ثم سحب إلى قليب بدر وقد تحمل ابنه تبعة الأخذ بثأره، ولذلك رزء المسلمين في غزوة أحد وكان شديد الخصومة على الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما استأمنت له امرأته في عام الفتح حتى وجد من النبي صلى الله عليه وسلم خلق المؤلف والمعاملة الحسنة المقربة فتحول من خصم لدود إلى صديق حميم، حتى أخذ من بعد يقاوم أعداء هذه الدعوة متحديا لهم غير لاو على شيء من هذه الحياة الدنيا، وانصرفت همته كل الانصراف إلى تأييد الرسول صلى الله (1/5)
صفحة 6
عليه وسلم وتأييد دعوته، وهكذا يكون أثر الدعوة بالرفق وبالتي هي أحسن.
ومن المعلوم أن الداعية شأنه شأن الطبيب، فالطبيب إنما يعالج الأبدان، والداعية يعالج القلوب، وكما أن الطبيب عندما يعالج الأبدان يحرص على معرفة طباعها ومعرفة ما يجدي فيها من الدواء، كذلك الداعية عليه أن يكون حريصا على معرفة هذه الطباع، وكيفية التأثير عليها، حيث أنه يتخلل الناس بالموعظة الحسنة بحسب ما يرى من الأساليب المؤثرة عليهم المقربة لبعيدهم، المؤلفة لنافر هم، ومع هذا فإن الداعية إنما عليه أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث تكون دعوته في إطار ما أمر الله سبحانه وتعالى به حتى لا تتصادم هذه الدعوة مع ما يقصده الداعية نفسه، لأن الداعية عندما يكون على غير فقه ودراية لا ريب أن هذه الدعوة ربما تأثر تأثيرا سلبيا فقد يتصور هو الكثير من القضايا بأنها أهم بالعناية بها ويدع ما هو أهم وما هو أجدى، وما هو أولى بأن يعتني به، ثم بجانب ذلك قد يتصور الحق باطلا والباطل حقا، والدين رأيا، والرأي دينا، ويتصور أيضا القضايا المختلف فيها أنها مجمع عليها، أو يتصور القضايا المجمع عليها بأنها مختلف عليها، فمن هنا كانت الدعوة أيضا منوطة بالفقه حيث كان لزاما على الداعية أن يحرص على التفقه في دين الله تعالى قدر مستطاعه، ونحن نرجو في كتاب الله سبحانه وتعالى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه لا تكون دعوتهم إلا على بصيرة، فالله تعالى يقول مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) ونجد وضوح الارتباط بين الدعوة والفقه في قوله سبحانه: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى ناط بالتفقه في دينه الإنذار، والإنذار هو عين الدعوة إلى الله، فإذن الداعية (1/6)
صفحة 7
عندما يكون غير متفقه في دين الله كثيرا ولربما يقلب الأمور رأسا على عقب كما ذكرت، فمن هنا كانت ضرورة التفقه في دين الله سبحانه وتعالى، على أن القرآن الكريم جاء بما يقطع لسان كل متقول على الله بغير علم، فإنه قرن بين ذلك وبين الإِشراك بالله سبحانه وتعالى إذ جعل التقول على الله بغير علم مقرونا بالشرك به وذلك في قوله سبحانه وتعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فإذاً التقول على الله سبحانه ليس بالأمر الهين، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيده عن جابر بن زيد رحمهم الله إرسالا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر له ولو أنه وافق الحق) ولأن كانت موافقة الحق لهذا الذي يفتي بغير علم أو يفسر رؤيا بغير علم لا تجديه شيئا، بحيث يكون حاله كحال ما لو لم يوافق الحق، فكيف إذا كان غير مأمون بأن يكون فيما يقول غير موافق للحق والجاهل على أي حال لا يؤمن أن يكون غير موافق للحق فإن القول بالجهل والعياذ بالله يؤدي إلى الكثير من الفساد، ولذلك قيل بأن فساد الأمة من رجلين من جاهل متنسك وعالم منتهك، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
فساد كبير عالم متهتك *** وأعظم منه جاهل متنسك
هما فتنة للعالمين عظيمة *** لمن بهما في دينه يتمسك (1/7)
صفحة 8
فالعالم الذي لا يباليه فيما يأتيه وما يذره قد يحسن الناس به ظنا عندما يرونه يأتي المخالفات الشرعية قائلين بأنه لو لم يعلم أن ما يأتيه صواب وحق لم يفعله لأنه على علم ودراية فهم ينظرون إلى علمه ولا يعرفون كيفية عمله، وكذلك الذي يتظاهر بالنسك وهو جاهل ربما اغتر الناس بتصرفاته وأعماله ظانين أن ما يأتيه إنما يأتيه على بينة من أمره وبصيرة من دينه، فلا يتصرف إلا وفق مقتضى أمر الله، مع أن تصرفاته وأعماله مخالفة لله سبحانه وتعالى. (1/8)
صفحة 9
على أن كثير من هؤلاء ربما اجترءوا على القول في أحكام الله سبحانه وتعالى، لا يستطيعون التفرقة بين الأدلة الشرعية ولا بين الأحكام الشرعية، فهم ربما لا يفرقون بين خطاب التكليف ولا خطاب الوضع في شريعة الله عندما يأتي الخطاب الشرعي في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يفرقون بين ما يكون منه خطاب تكليف ولا يكون منه خطاب وضع، بل يحملون هذا على هذا وهذا على هذا، ثم بجانب ذلك أيضا ربما لا يفرقون بين المتواتر والآحادي ولا بين الخاص والعام، ولا بين المقيد يجترئون على حرمات الله سبحانه وتعالى بغير علم، يجترئون على ذلك لينفوا بعض القواعد رأسا مع أن هذه قواعد متأصلة في أصول الفقه وقد أجمع عليها العلماء كان حديث بيني وبين أحد هؤلاء الذين يمارون بدون علم قبل أكثر من عقدين من السنين، وسمع مني بعض الأحاديث المتعلق بالاستئناس على حمل آية من كتاب الله سبحانه بما تفيده سنة بالحديث الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لي: وهل تقول بأن الحديث النبوي يخصص القرآن؟ قلت له: نعم، وهذا ليس بالتخصيص هذا الاستئناس مع ذلك تخصيص القرآن الكريم بالسنة أمر ثابت، ولا يجحده إلا جاهل، فإن تقول بأن السنة لا تخصص عموم القرآن، وكيف يمكن للسنة أن تخصص عموم القرآن؟ قلت له: إذن ماذا تقول في الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، فالله سبحانه وتعالى بعدما عدد المحرمات بنص القرآن الكريم قال: (وأحل لكم ما وراء ذلك) من أدوات العموم لكن السنة النبوية التي أجمع المسلمون على الأخذ بها خصصت هذا العموم فحرمت الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها بما أفاده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها ولا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى) ثم ليس هذا فحسب، فإن الآية الكريمة التي عددت المحارم من النساء عندما تعرضت لحرمة الرضاع ما ذكرت إلا الأمهات (1/9)
صفحة 10
والأخوات ولم تذكر الخالات ولم تذكر الجدات، ولم تذكر العمات، ولم تذكر بنات الأخ، ولم تذكر بنات الأخت، ولكن جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لتفيد إنما يحرم من قبل النسب يحرم مثله من قبل الرضاع، فإذن ماذا عسى أن يقال في لك، ماذا عسى أن يقال في الرجل مع أن الله سبحانه وتعالى يقول (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ومع هذا جاءت السنة النبوية لتبين أن هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين وأما الزاني والزانية الثيبان فإنهما يرجمان كما دلت على ذلك السنة ووقع عليها الإجماع. (1/10)
صفحة 11
فهكذا ربما مارى الإنسان وقلب الأحكام رأسا على عقب بالتنطع وعدم معرفته بأحكام الله سبحانه وتعالى، ولأنه ليست عنده القواعد التي يبني عليها النظر لم يتمكن في أصول الفقه، حتى يتمكن من النظر في الخاص والعام والمطلق والمتشابه والمجمل والمبين والناسخ المنسوخ وهكذا، على أن الخوض في هذه القضايا أيضا لابد من أن يكون مبنيا على النظر في مقاصد الشريعة الغراء، فإن الشريعة لابد أن تعتمد على مقاصد عند الترجيح أو عند استنباط الأحكام حتى يكون الإنسان على بينة من الأمر، فالإنسان من الأغمار الجاهلين عندما أشكل عليه صنيع عمر رضي الله عنه عندما منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يعطونه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه من نصيب في الزكاة، وقد نص القرآن الكريم على هذا السهم الذي لهم ولكن عندما يرجع الإنسان إلى الشريعة الغراء يدرك أن الفاروق رضي الله عنه ما نفذ إلا الأمر القرآني فإنه أدرك أن إعطاء هؤلاء ما أمر الله سبحانه وتعالى في إعطائهم إياه لأجل كفكفة غلوائهم والحد من شرهم، وذلك عندما يكون أمر المسلمين في حالة ضعف، أما عندما يكون المسلمون في غنى عن ذلك بسبب قوتهم وعدم الحاجة إلى هؤلاء وعجزهم عن تصرف يعود بالنكاية على الأمة، فلا ريب أن إعطاء غيرهم من مستحقي الزكاة أولى من إعطائهم، فلذلك آثر الفاروق رضي الله عنه هذا السهم في بقية الأصناف التي شرع الله سبحانه وتعالى لها الزكاة. (1/11)
صفحة 12
وهكذا التصرف أي تصرف الداعية بالقول بغير علم وبغير بينة في مثل هذه الأمور أمر فيه خطر كبير، ومن هنا كان عليه لزاما ألا يقدم على شيء من ذلك، إلا عندما يكون على بينة من الأمر، نعم هنالك مسائل الدين وهنالك مسائل الرأي لابد من التمييز بينها، فمسائل الرأي للإنسان مجال واسع في الأخذ بالآراء التي تتفق مع المصلحة، لابد من ترجيح المصلحة، لأن النظر في مصالح الأمة مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الغراء، ولذلك قال بعض العلماء بأن دين الله سبحانه وتعالى يدور مع المصلحة، وأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله وهذا بطبيعة الحال عندما يكون الأمر لم ينص فيه على حكم من قبل الله، أما عندما يكون هنالك نص قطعي من قبل الله أو من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم فالمصلحة حيث أمر الله، ونحن إن تصورنا المصلحة في غير ذلك فإنما ذلك بسبب قصور عقولنا، وإلا فلا تخرج المصلحة عن دين الله، ولكن في مسائل الرأي ربما يرجح الإنسان رأيا على رأي نظرا إلى مصلحة من المصالح، ولا ينبغي التعنيف في ذلك فإن النظر في المصالح من أولي النظر أي القادرين على النظر، من أهل الكياسة والفطنة والنباهة العارفين بالأحكام الشرعية أمر مطلوب، ومسائل الدين كما قلنا هي المسائل القطعية، والمسائل القطعية هي المسائل التي نص عليها أي على أحكامها في نصوص من الكتاب العزيز، أو السنة المتواترة، هذه مسائل لا تحتمل الرأي بحال من الأحوال، عندما يأتي نص قطعي من القرآن ولا ريب أن على الإنسان الذي يريد أن يعرف هذه الأمور أن يكون على بينة من الأمر حتى يستطيع أن يفرق بين النص والظاهر، فقد يتصور الإنسان النص كل متن، ولكن ليس الأمر كذلك، فليس متون الآيات القرآنية بأسرها أو متون الأحاديث النبوية بأسرها ناصة وإنما قد يكون الحكم فيها من طريق الظاهر، فدلالة العام على الحكم إنما هي دلالة كما قلنا ظنية، دلالة العام دلالة ظاهر، وليست دلالة قطعية، ومن أجل هذا خصصت (1/12)
صفحة 13
العموميات بالكثير الكثير من المخصصات، أنتم ترون كما ذكرنا كيف جاء بعدما عدد الله سبحانه وتعالى المحارم من النساء قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) و(ما) من أدوات العموم، ولكن جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لتخصص هذا العموم بما أشرنا إليه، وكذلك حكم الرجم، خصص عموم قول الله سبحانه: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وكذلك خصص قوله سبحانه: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) حيث افترض أن يكون ذلك من حرص وأن يكون قد بلغ النصاب، بحيث تكون السرقة قد بلغت النصاب الذي تقطع فيه اليد، أما ما دون النصاب نصاب القطع، فلا يكون قطع، وكذلك إن كانت السرقة من غير حرز وهكذا، فإذن هذه القطعيات يجب عدم التردد فيها، فالآية القرآنية والحديث المتواتر إن نصا على حكم نحو قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) وقوله: (وآتوا الزكاة) وقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى آخره، وقوله: (حرمت عليكم الميتة) فلا مجال للنظر في ذلك لأن الأمر التحريم معروف، ولكن ما هي الميتة؟ أولا ينظر كلمة ميتة بنفسها عامة، فيها أنواع، وقد جاء التخصيص في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال: (أحلت لكم ميتتان ودمان) فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن ميتة الجراد وميتة السمك محللة لا تدخل في هذا العموم، وكذلك دما الكبد والطحال هما من جنس الدم، ولكنه دم مباح، وليس دما محرما، والعلماء يقولون بأن العام هو ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن، أي دلالته دلالة لا تتجاوز أن تكون دلالة ظنية، ولو كان متنه متنا قطعيا، وذلك لكثرة المخصصات على العموم بخلاف الخاص، فإن الخاص دلالته دلالة قطعية، ومن أجل هذا يخصص العموم كما ذكرنا في الحديث الآحادي وبالقياس وبغير ذلك وهذا ما فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، مسائل الرأي هي المسائل التي ربما تعارضت فيها الأدلة، أو ربما كانت الأدلة في نفسها فيها أخذ ورد من حيث ثبوتها، فقد يرى بعض (1/13)
صفحة 14
العلماء ثبوت رواية من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ويرى آخر عدم ثبوت تلكم الرواية، فمن هنا يكون الاختلاف بينهم، ولا يفسق بعضهم بعضا، ولا يضلل بعضهم بعضا، ولا يقطع بعضهم عذر بعض، لأن قطع الأعذار إنما هو في مخالفة القطعيات، وقد قال علماؤنا بأن الدين ما فارقت فيه كل فرقة فرقة أخرى من الأصول أي في قضايا الأصول، والمذهب إنما هو ما خالفت فيه كل فرقة فرقة أخرى في قضايا الفروع، فالاختلاف في الدين يعتبر اختلافا في الأصول، لأنه لا يمكن أن يكون اختلافا دينيا في الفروع، أما قضايا الفروع يقال ذهب فلان إلى كذا وذهب فلان إلى كذا فهذه اختلافات إنما تعد اختلافات فرعية لا تصل إلى حدود القطع، فلذلك لا يفسق الناس بعضهم بعضا، ولا يضلل بعضهم بعضا، ونحن نرى إقرار النظر والاجتهاد في مثل هذه الأمور في القرآن الكريم وفيما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أما القرآن الكريم فإنه أقر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على ما اختلفوا فيه في قتالهم لبني النظير حيث إن بعضهم رأى أن تستأصل نخيلهم من أجل قطع دابر هم، حتى لا تبقى لهم قوة، والبعض الآخر رأى خلاف ذلك رأى أن تستبقى هذه النخيل لعلها تكون فيئا للمسلمين، فنزل القرآن الكريم بتصويب تلك الطائفتين يقول الله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) هكذا أقر القرآن هؤلاء وهؤلاء، كذلك وقع الاختلاف بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عندما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى بني قريضة وحثهم على الإسراع في هذا الذهاب، حتى أنه قال لهم: لا تصلوا العصر إلا في بني قريضة، فظن بعضهم بأن المراد بذلك أن صلاة العصر تصلى في بني قريضة ولو تأخر الوقت، ولو وصلوا إلى بني قريضة في وقت العشاء، فليؤخروا الصلاة وليصلوها متى وصلوا، وذهب فريق آخر إلى أن المراد التعجيل في المسير فلو حضرت صلاة العصر قبل ذلك عليهم أن يصلوها (1/14)
صفحة 15
قبل أن يفوتوا وقتها، لأن الصلاة كتابا موقوت، فعمل هؤلاء بما وقر في وجدانهم، وعمل الآخرون بما وقر أيضا في وجدانهم، هؤلاء هذا الذي حصل لهم أي هذا الذي انقدح في أذهانهم، والآخرون هذا الذي انقدح في أذهانهم، فعمل هؤلاء بما رأوا وعمل الآخرون بما رأوا، ولما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر كل فريق منهم على ما فعلوا، لم يعنف هؤلاء الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريضة وقال لهم: خالفتم أمري، ولم يعنف الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريضة وقال لهم: لم أقصد أن تؤخروا الصلاة عن وقتها، وإنما قصدت تعجيل مسيركم إلى بني قريضة، أقر كلا الفريقين على اجتهاده، وفي هذا ما يدل على أن الاجتهاد في المسائل الفرعية الظنية وكل فريق من الفريقين على ما وصل إليه. (1/15)
صفحة 16
فإذن لا ينبغي أبدا للداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ من هذه المسائل عندما يجد أخاه عمل بغير الرأي الذي يعمل به، لا ينبغي أن يجعل من هذه المسائل سببا للفرقة وسببا للنصرة وسببا لقطع الحبال الواصلة ما بين الجانبين، بل عليه أن يعذر أخاه في ذلك، إن كان هو انقدح في ذهنه وترجح في قرارة نفسه رأي فذلك، ثم إن العلماء المجتهدين أيضا هم مختلفون في الكثير من المسائل، ربما ضيق هذا في رأيه من الناس ووسع الآخر، والذي يقلد عالما من هؤلاء العلماء إنما عليه أن يرجع عليه في هذه القضايا، فلربما كان هذا مقلدا لذلك العالم، ولكن لا يعني ذلك أن يحمل الناس على تقليده هو للعالم الذي يقلده، كما أن الذي يقلد العالم المترخص أيضا لا يحمل الناس على تقليده على ذلك العالم المترخص، فكل واحد من المقلَدَين عليهما أن يرجعا إلى مقلده ليأخذ رأيه ويعتمد عليه، وقد وقع الخلاف بين الترخيص والتشديد في عهود الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فنجد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان متشددا جدا، فكانت فتاواه فتاوى تشدد، لا يفتي إلا بما هو أشد وإن اطلع على أمر فعله الرسول صلى الله عليه وسلم يلتزم ذلك الأمر مهما كلفه ذلك، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى جمع وقف بمكان هنالك ليقضي حاجته أي يريق البول وقيل له الصلاة يا رسول الله، فقال: الصلاة أمامك، فابن عمر رضي الله عنهما عندما يمر عندما يصل إلى ذلك المكان وهو محرم بالحج قبل أن يصل إلى المكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتزم أن يقف هنالك ويريق البول كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان من الذين يفتون بالرخص، كان كثيرا ما يترخص في الكثير الكثير من الأمور، فبعض الناس عمل برأي ابن عباس، وبعضهم عمل لرأي ابن عمر، ولم يعنف هؤلاء هؤلاء ولا هؤلاء هؤلاء بل كانوا يعذر بعضهم بعضا، ونجد أن في علمائنا أيضا من نحى هذا (1/16)
صفحة 17
المنحى في وقت واحد، منهم من يتشدد ومنهم من يكون رأيه بخلاف ذلك، ابن محبوب رحمهما الله كان كابن عمر في تشدده، فلذلك يفتي بما هو أشد، وموسى بن علي رحمهما الله كان من العلماء الذي يترخصون ويفتي بالرخص، ولذلك وقع الخلاف بينهما الكثير الكثير من القضايا وقد كانا في عصر واحد، يفتي ابن محبوب بما فيه التشدد، ويفتي موسى علي بما فيه الترخص، ولم يكن أحد العالمين يعنف العالم الآخر ولا يعنف من أخذ برأيه ومن أمثلة المسائل التي اختلفوا فيها أن ابن محبوب رحمه الله كان يقول في المرأة التي تزوج بدون ولي إن دخل بها الزوج يفرق بينهما، ولا تحل لأن الولي شرط من شروط صحة النكاح، وبما أنه شرط من شروط صحة النكاح فالشرط هو الذي يلزمه من عدمه العدم، فإذن انعدم الشرط وبانعدامه ينعدم المشروط، وكان يرى ما فعله عمر رضي الله عنه في جلد المتزوج والمتزوجة ومن عقد بينهما الشروط والشهود مع التفريق بين الزوجين، هكذا كان يرى ابن محبوب، بينما موسى بن علي يرى الزواج بغير ولي لا يصح، ولكن إن وقع الدخول لم أفرق بينهما، وقد علل العلماء قوله هذا بأنه وجد ولو كان قولا خارجا عن مقتضى الأدلة وجد رأي لبعض أهل العلم أنه لا مانع من أن تزوج المرأة نفسها فلئلا يكونا الزوجان آخذين بهذا الرأي رأى عدم التفريق بينهما، هكذا رأى موسى بن علي وكثير من المسائل وقع الخلاف فيها ما بين هذين العالمين الجليلين ولم يكن أحدهما يعنف الآخر ولا يعنف من أخذ برأي الآخر. (1/17)
صفحة 18
هذه التشددات التي تؤدي إلى التحامل تحامل البعض على البعض، إنما هي نتيجة عدم الفقه في دين الله، وعدم التفريق بين مسائل الرأي ومسائل الدين، فمسائل الدين يتشدد فيها، بحيث يقطع عذر المخالف لأنه خالف نصا في كتاب الله أو في سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك لا مجال لعدم التشدد عليه لعدم قطع عذره، بينما مسائل الرأي إنما هي بخلاف ذلك، ثم إن الداعية يجب عليه بنفسه أن يعمل لمسائل الدين بحيث يكون في مسائل الدين صارما، غير متساهل، ونتيجة الجهل وعدم التفرقة بين مسائل الدين ومسائل الرأي ربما تساهل بعض الناس في مسائل الدين وتشددوا في مسائل الرأي، وهذا مما يدل على عدم الوعي الديني، فالداعية ليس له أن يتساهل أبدا في مسائل الدين من العمل ومن حيث التطبيق حكم البراءة فيمن خالفها، لأن مسائل الدين كما قلنا لا يعذر الإنسان في ترك عليه أن يعمل بمقتضى الحق، هذا الذي يدعي مثلا أن للإنسان أن يترك الصلاة في أوقات لم يرخص الرسول صلى الله عليه وسلم لترك الصلاة فيها خالف أمرا قطعيا لأن الصلاة كتاب موقوت، بنص القرآن الكريم (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فلا يمكن التساهل في هذا الأمر، ولكن مع هذا إذا كان الخلاف مبنيا على نظر في الأدلة والأدلة كلها غير قطعية فلا ريب أنه لا يقطع عذر أحد الفريقين، والداعية إذا كان غير قادر على النظر في الأدلة الشرعية بحيث يكون غير متمكن من النظر وغير متمكن من التفرقة بين الأشخاص الذين يعملون ببعض الرخص أو الذين ينبغي أن يتشدد عليهم فلا ريب أنه عليه يرجع إلى العالم الخبير بذلك، لأن الداعية كما قلنا يجب عليه أن يكون كالطبيب، والطبيب إنما يضع الدواء المناسب في العلة المناسبة لاستئصالها، فلربما أخطأ الطبيب وأعطى الدواء الذي يصلح في فصل الشتاء لأحد في فصل الصيف وكان ذلك سببا لإصابته، ثم إن طبائع الناس تختلف (1/18)
صفحة 19
ربما كان أحد إن عولج بهذا العلاج أدى ذلك إلى تثور علة أخرى في جسمه، فلربما كان مريض القلب مثلا لا يحتمل كثيرا من العقاقير التي هي علاج لبعض الأمراض التي في جسمه، فيجب الاحتياط لئلا تؤدي تلك العقاقير إلى ثوران مرض القلب، فكذلك الداعية ومن أجل ذلك نظرة الدعاة الذين هم على بينة من الأمر إلى أحوال الناس تجعلهم ينزلون كل واحد منزلته، كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه جاءه رجل يستفتيه في قبلة الصائم لامرأته، فقال له: هي مباحة، فجاءه له آخر فقال: هي ممنوعة، فنظر الناس إلى حال الرجلين فإذا الذي جاء يستفتيه أول الأمر وأباحها له هو شيخ، فهو أدرك أن هذا الشيخ لا تثوره ثائرة الشهوة فيه بمجرد القبلة، ولذلك يمكن أن يملك نفسه، وألا يتورط، وأما السائل الآخر الذي منعه ابن عباس من القبلة هو شاب، وبسبب شبابه منعه من التقبيل لأن الشاب أسرع هيجانا من الشيخ، فهذه الأمور ينبغي أن لا تعزب عن ذهن الداعية، والداعية عليه أن يتخير الوسائل والأساليب المجدية في تغيير المنكر وفي مسائل الرأي أيضا، فإنه قد يترخص أحيانا إلى الأخذ برأي المرخصين من أجل أنه يراه أجدى في مقام من المقامات، يكون علاجا لعلة من العلل، فلربما يتشدد أحيانا لأجل استئصال شأفة فساد، عندما يرى أن الشدة هي أجدى، ولربما يتسامح ولا يأخذ برأي الشدة ويأخذ بالرأي هو أقل شدة أو برأي المرخصين فعليه أن يتحرى ذلك، وأن يشاور من كان أعلم منه. (1/19)
صفحة 20
ولابد أيضا من إحسان الظن بالمسلمين، المسلم يحسن الظن بإخوانه المسلمين، والدعاة هم أولى بذلك، أولى بأن يحسنوا الظن بخاصة المسلمين وعامتهم، ويدخل في ذلك إخوانهم الدعاة، فلا يتحامل عليهم بمجرد اختلاف قضايا الرأي، ومع هذا إن دخل في نفسه ريب أو رأى حرجا في أمر من الأمور فليقدم النصيحة بالتي هي أحسن من غير تجريح، ومن غير إساءة ظن، ومن غير تفسيق، تقديم النصيحة مطلب ضروري ومن أهم القضايا التي يجب على الداعية أن يجعلها نصب عينيه ويجعلها الشغل الشاغل لفكره الوحدة، وحدة الصف، فإن وحدة الصف من أهم الأمور التي تبنى عليها أعمال الداعية عليه أن يحرص على وحدة الصف، فعند أسلوبه للدعوة عليه أن يكون أسلوب من يحرص على الاتحاد لا على الفرقة، والتنافر وإساءة بعض الناس ظنونهم بالبعض الآخر، فعليه دائما أن يحرص على ما يجمع الشمل، ذلك بأن الله تعالى جعل فرض الوحدة فرض الوحدة على هذه الأمة فجعلها أمة وحدة كما جعلها أمة توحيد (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) فالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق من الأمور التي تؤدي بفضل الله سبحانه وتعالى إلى العز وأنتم ترون قضايا الساعة ما الذي جعل الأمة الإسلامية بهذه الحالة من الضعف بحيث تستجدي الحل من أعدا أعدائها، تريد الرحمة من أعدا أعدائها، إنما أدى بهم ذلك التفرق والتمزق فلو كانت الأمة كما أمرها الله سبحانه وتعالى متحدة لما وقعت في هذا الأمر المحرج، ثم من المعلوم أن اعتراف الإنسان لذوي الفضل، بما قدموه من خير أمر لابد منه، والداعية هو أولى بذلك ففي الحديث عن النبي الله صلى الله عليه وسلم: (لم يشكر الله من لم يشكر الناس) على الإنسان أن يحسن شكر الناس كما عليه أن يشكر الله تبارك وتعالى، وذلك بأن يعترف لأهل الفضل بفضلهم، فجحد فضل أهل الفضل مما يعتبر نكرانا للجميل، وليس ذلك من شأن الذين يخشون (1/20)
صفحة 21
الله تعالى ويتقونه ويحرصون على تأليف القلوب ووحدة الصف وجمع الكلمة، وهذا كله مما يندرج في البصيرة، التي ذكرها الله سبحانه وتعالى عندما قال: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله أنا على بصيرة ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) الدعوة على بصيرة تسلتزم ما ذكرته جميعا وما لم أذكره مما فاتني وهذا أيضا مما يدخل في الحكمة لأن الحكمة أن يضع الإنسان الشيء موضعه، فيستعمل الشدة في مقام الشدة، ويستعمل الرفق في مقام الرفق وهكذا حتى تؤتي الدعوة بمشيئة الله ثمارها، ونحن واثقون بأن الدعاة المخلصين مع تعاونهم وتآزرهم ووضع بعضهم أيديهم في أيدي البعض الأخر سيسيرون بهذه الأمة قدما إلى الأمام فنحن نشاهد هذا التحول العجيب بين الأمس واليوم، هذا الجمع الذي يجمع هذا اللفيف من المؤمنين والمؤمنات هو دليل على تقدم الدعوة إلى الأمام، وعلى حسن تصرف الكثير من الدعاة، فنرجو أن يتآزروا جميعا وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يضطلع من كان كسلان غير مؤد لواجبه في الدعوة إلى الله بما يجب عليه من الدعوة فكل أحد عليه أن يبذل جهده، وأن يستبصر من لم يكن مبصرا بالمبصرين أي أن يتوجه من لم يكن متفقها في دين الله ومن لم يكن عارفا بأحكام الله لأولئك الذين منحهم الله سبحانه وتعالى الفقه والمعرفة حتى تسير الدعوة في سبيل الخير والله تعالى ولي التوفيق. (1/21)