صفحة 1
الكتاب: وقفات حول المزاح لخالد الخوالدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] { وقفات حول المزاح }
محاضرة قيمة لفضيلة الشيخ خالد بن سالم الخوالدي نفع الله بعلمه الإسلام والمسلمين وأنار له طريق الخير والسداد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين سيد الأولين والآخرين محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأزكى وتسليم أما بعد السلام عليكم أخوة الإيمان والعقيدة ورحمة الله تعالى وبركاته نحمد الله سبحانه وتعالى بداية على أن يسر لنا هذا الاجتماع الطيب المبارك في هذا اليوم المبارك في هذا المسجد الشريف لنتدارس معا شيئا من أحكام ديننا نبتغي بذلك مرضاة الله تعالى والفوز بما أعده من الأجر والمثوبة لمن اجتمعوا لمثل هذا الغرض النبيل حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ". فنسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى الخير وأن يعيننا على البر وأن يهديّنا إلى سواء السبيل إنه سبحانه على ذلك قدير . (1/1)
صفحة 2
بلا شك أن الإسلام جاء لأجل أن يحرر البشرية من كل التفاهات ولاجل أن ينقذها من كل الضلالات 0 جاء الإسلام ليكون للناس نورا ينير لهم جنبات الطريق ونبراسا يهديهم إلى سواء السبيل 0 جاء الإسلام بكل خلق سام ودعا إلى كل أدب نبيل 0 حث أتباعه دائما على والسمو الرفعة والتميز في شخصياتهم عن كل الخلق جميعا 0 الإسلام لا يرتضي من أبنائه أن يكونوا ذيلا لأعدائهم وأن يكونوا تبعا لأولئك الذين يتربصون بهم الدوائر وأن يكونوا جارين وراء كل ناعق 0 لا ، الإسلام يريد من أتباعه أن يكونوا قادة أبطالا ينيرون أو يوضحون للناس جميعا السبيل الذي عليهم أن يسيروا عليه، قدوة للناس في أخلاقهم وسلوكهم وللأسف أننا نجد كثيرا من أبناء الإسلام – هداهم الله تعالى – قد تنكروا لدينهم العظيم ونبذوا تعاليمه السامية بل منهم من أصبح يرى التزامه بتعاليم الإسلام وتحليه بآدابه وأخلاقه نوعا من الرجعية والتخلف والتزمت إلى غير ذلك من الأوصاف الشيطانية ، والى ما دعا الإسلام ؟ إنما دعا إلى الفضل ، إنما دعا إلى التقى ، إنما دعا إلى الخير 0 وبماذا أمر أتباعه ؟ إنما أمرهم بكل ما يحقق لهم المصلحة في هذه الدنيا وفي الآخرة ، ولأجل شيوع تلك الأفكار في الأذهان كثير من أبناء الأمة الإسلامية نجد أنهم وللأسف أصبحوا تبعا لاعدائهم يقلدونهم في كل شيء ويسيرون وراءهم حتى أنهم لو دخلوا بهم جحر ضب لدخلوه كما قال صلى الله عليه وسلم . وأبناء الإسلام حريّ بهم أن يعودوا إلى دينهم وأن يعتزوا بمواريثهم وأن يتخلقوا بالأخلاق السامية التي دعا الإسلام إليها ونحن على كل حال في هذه الليلة المباركة سنحاول تسليط الضوء على أحد الأمور المهمة التي شاعت وانتشرت في أوساط مجتمعاتنا فأصبحت سائدة بلا ضوابط ولا قيود وأصبح الناس يتبعون فيها الأهواء ويقلدون فيها من هب ودب 0 وقفات حول المزاح هذا هو موضوع محاضرتنا وقد قسمته إلى ثمانية محاور :
المحور الأول : أسباب المزاح 0 (1/2)
صفحة 3
المحور الثاني : المنافع أو المصالح والمفاسد التي تترتب على المزاح 0
المحور الثالث : حكم المزاح 0
المحور الرابع : صور من المزاح النبوي 0
المحور الخامس : صور من مزاح الصالحين 0
المحور السادس : صور من مزاح العابثين الظالمين لأنفسهم 0
المحور السابع : قيود وضوابط 0
المحور الثامن : العلاج لمن وقع في المحظور ، العلاج لمن ابتلي بكثرة المزاح 0
سنحاول أن نعرض ما يدخل تحت هذه المحاور بشيء من الاختصار حيث يحصل ذلك و بشيء من البسط حيث يحصل ذلك أيضا .
أولا : لكل شيء سبب ، فما سبب المزاح ؟
المحور الأول : أسباب المزاح : كثيرة من ذلك :
السبب الأول: الفهم الخاطئ لمسألة الترويح عن النفس : نجد أن بعض الناس يقراؤن ما ورد عنه –صلى الله عليه وسلم – بأن الإنسان عليه أن يجعل ساعة لجده وساعة لراحته ساعة وساعة فيفهم من حديثه – صلى الله عليه وسلم – هذا أن الساعة التي يكون فيها الجد يأتي فيها بما أمر به من الطاعات والقربات بقدر ما يستطيع ، وأن الساعة التي تكون فيها الراحة حق له أن يأتي بها بما شاء من غير أن يجعل ضوابط تحكم ترويحه عن نفسه ، ولذلك نجد أن كثيرا من الناس لا يراعون طاعة الله سبحانه تعالى فيما يقصدون به الترويح عن أنفسهم فنجد أن كثيرا منهم ربما يقع في المحظور وربما يرتكب المخالفات ويأتي بما حرم الله تعالى عليه تحت شعار أنه يروح عن نفسه.فالفهم الخاطئ لمسألة الترويح عن النفس يجر إلى الوقوع في المزاح 0 (1/3)
صفحة 4
السبب الثاني : جلب الأنظار وحب الظهور : هنالك أناس ابتلوا بحب التفات أنظار الناس إليهم لا يهنأ له عين ولا يقر له قرار إلا حينما ينظر إلى الأنظار وقد توجهت إليه في تلك الساعة ترتاح نفسه ويهدأ باله فيريد أن يكون المقدم ويريد أن يكون الملتفت إليه ويريد أن يكون الظاهر أمام الناس فيدعوه ذلك إلى فعل ما يجلب الأنتباه ويلفت النظر إليه فيأتي ببعض الأمور التي تكون فعلا سببا في لفت الأنظار إليه فيرتكب من المزاح الشيء الكثير ويكثر في ذلك ، أيما إكثار حتى يلفت الناس إليه ويحقق ما أراده ويشعر بالراحة لذلك 0 صورة بسيطة وان كانت خارجة عن المزاح أولئك الشباب الذين يرتدي الواحد منهم القبعة على الوراء ويحلق
( البنكس ) ويلبس الجينز ويمكن أن يقطع بعضا من قميصه أو بعضا من سرواله ويلبس السلاسل المذهبة وربما يحمل جهاز التسجيل ويرفع صوت الموسيقى وهو يمشي في وسط الناس بتبختر وتمايل هذا أو ليس مبتلى ؟ إنه مبتلى هل هو في حقيقة ذاته مقتنع بما يصنع ؟ هل يرى أن هذه الصورة صورة ترتضى ؟ ما الحسن فيها ؟ وما الجمال الذي يظهر منها الإنسان يشمئز من تلك الصورة التي يراها أمامه ؟ ولكن هو لا يظن بأنه أسد يصول ويجول هكذا ( خالف تعرف ) يلتفت الناس إليه يتعجبون( إيش هذا اللي جاي الآن ) طيب فيلتفتون إليه وينظرون إليه وذلك الذي يريح نفسه ، فمثله ذلك الذي يأتي بالمزاح الثقيل الكثير لأجل أن يلفت الأنظار أيضا إليه 0
السبب الثالث : الفراغ : (1/4)
صفحة 5
للأسف أن بعض المسلمين هداهم الله يشعرون بالفراغ وليت شعري منذ متى كان المسلم فارغا 0 المسلم الذي نيطت عليه مسئولية عظيمة 0 المسلم الذي ينتظر الحساب و الجزاء ، الثواب أو العقاب ، الجنة أو النار 0 المسلم الذي يعلم بأنه مخلوق مكلف والذي يعلم بأنه مهما قدم من الطاعات ومهما تقرب بالقربات فهو مقصر بحق الله تعالى 0 متى يجد وقت الفراغ ؟ إنما هذا الشعور يشعر به أولئك الذين ضعف الإيمان في قلوبهم واستحكمت الأهواء على عقولهم وتكدرت نفوسهم بالشهوات والتفتت إلى الملذات فتجد أن الواحد منهم بسبب خلو قلبه من الإيمان يقع فيه أو يشعر بالفراغ ويحاول أن يملأ هذا الفراغ على حد تعبيره بأي شيء من الأشياء التي يشعر بأنها ترفه عن نفسه أو أنها تعوضه عن النقص الذي يشعر به فيلتفت حينئذ إلى شغل الأوقات بالضحك والنكات والمزاح وما إلى ذلك من الأمور 0
السبب الرابع : التربية والصحبة : (1/5)
صفحة 6
نعم التربية لها دور في ضبط المزاح أو إطلاق الأمر فيه فالصحبة كذلك لها دور ، فالأب الذي يربي أبناءه دائما على الجد وعلى الجدية في الأمور وعلى الالتفات إلى محاسنها تنغرس هذه المبادئ القيمة في نفوسهم منذ نعومة أظافرهم فلا يلتفت الواحد منهم بعد ذلك إلى هذه السفاسف ويكون متوجها إلى الخير في جده وفي هزله وأما ذلك الأب الذي لا يحسن إلا إشاعة كل ما يؤدي إلى فساد أخلاقهم واستئلاب كل ما يؤدي إلى ذهاب حيائه ويشجعه كذلك على انتهاك الحرمات ويحاول دائما أن يغرس فيه الهزل وأن يدعوه إلى عدم الجد في الأمور بلا شك أن هذه التربية أيضا تؤثر في نفسية ذلك الابن ، والصحبة كذلك لها دور وهي سبب من أسباب المزاح 0 فالإنسان الذي يصاحب شخصا ينصرف في أفكاره إلى معاني الأمور ويتخذ من الجد منهجا يسير عليه في حياته بلا شك أنه يختلف عن ذلك الذي يصاحب إنسانا عابثا لا يعرف إلا الهزل ولا يلتفت إلا إلى الضحك والنكات وما إلى ذلك فالصحبة أيضا سببا من أسباب المزاح 0
السبب الخامس : قلة العلم :
الشخص الذي يرزقه الله العلم تزداد معرفته بأحكام الدين ويزداد قربا من الله ومعرفة لحدوده فيجعل مرضاة الله هي المقياس الذي يقيس بها أعماله فأي طريق بل أي عمل يرى أنه يفضي به إلى غضب الله تعالى يبتعد عنه وأي سبيل يوصله إلى مرضاة الله تعالى يسارع إليه وبسبب قلة العلم يقع الناس في الجهالة ويرتكبون الحماقات ويأتون بالكبائر العظام – نسأل الله العافية – هذه بعض الأسباب التي تؤدي إلى المزاح 0
المحور الثاني : المصالح والمفاسد أو المنافع والمضار التي تترتب على المزاح : (1/6)
صفحة 7
على كل حال للمزاح المحمود المباح شرعا مصالح ومنافع توجد فيه فمن ذلك : 01إشاعة الأنس والراحة في النفوس : فالنفوس بلا شك تحتاج إلى ترويح عنه حتى يتجدد نشاطها فإذا ما أتي بمزاح مباح أشاع السرور والغبطة في النفوس وأوجد فيها الأنس والسعادة فجدد ذلك نشاطها 0 كذلك من ضمن المصالح التي تتحقق من الإتيان بالمزاح . 02إزالة الهم والخوف : وما إلى ذلك فنجد بأن الإنسان ربما تتكدر نفسه بسبب المشاكل التي يتعرض إليها في حياته ، ربما يصاب ببعض الأمور التي تجعل نفسه متعبة منهكة 0 الأمور التي إلى توتر وإلى ربما تحطيم نفسيته ، فهذا يحتاج إلى أمر يسهل عليه هذا الوضع الذي يعيشه ويخفف عنه هذا العبء الذي يحمله ويهون من تلك المصائب التي وقعت عليه فيكون المزاح في مثل هذا الحال دواء ناجعا ينتفع به ذلك الشخص المهموم هذه المصالح التي تترتب على المزاح بالإضافة إلى . 03استعطاف النفوس : التي تحتاج إلى استعطاف هذه منفعة من منافع المزاح 0 (1/7)
صفحة 8
أما مفاسد المزاح فكثيرة من أعظم المفاسد : 01تعدي حدود المولى ( جلّ وعلا ) : نعم المزاح إذا فرط فيه تعدى به الشخص حدود الله تعالى وانتهكت الحرمات وسخر من الدين وهذا كله محرم كذلك 0 02ذهاب الهيبة : هذه مفسدة من مفاسد المزاح الناس دائما يتوجهون بالاحترام إلى الشخص الذي يعرفون فيه الجد والوقار والسكينة ومن جانب آخر الناس ينظرون نظرة استقلال – أي قلة – واستحقار لأولئك الأشخاص الذين لا يعرفون إلا العبث في حياتهم ولا يتوجهون إلا إلى الهزل ، فالشخص الذي يعرف بكثرة ضحكه وكثرة مزاحه نجد أن الناس أصلا لا يلتفتون إليه في معاني الأمور التي يطلبونها بل يكون معهم من سخط المتاع ، ولذلك تجد بعض العبارات من بعض الأشخاص اتجاه أولئك الذين رضوا بأن يجعلوا أنفسهم في تلك المنزلة يقول الواحد منهم : هيا مع فلان يضحكنا وإلا قوم مع فلان نسمع نكتتين فيقصد لماذا ؟ للهزل - مثل الآلة التي يطلب منها عمل معين ثم تنتهي الفائدة منها بعد أن يتحصل على ما أريد تحقيقه من العمل - وهكذا بعض الأشخاص فالمزاح يذهب الهيبة للشخص الذي يمازح كثيرا ويتخذ ذلك مذهبا تنحط هيبته عند الناس وتقل ثقتهم به تبعا لذلك . 03موت القلب : لأن المزاح في الغالب يجر إلى الضحك وكثرة الضحك تميت القلب هذه بعض المفاسد التي تترتب على المزاح 0 ... ... ... ... ... ...
المحور الثالث : حكم المزاح :
على كل حال المزاح لا يخلو من حالتين :
01إما أن يكون مزاحا معتدلا :
يحسن به القصد وتتوجه النية بفعله إلى الخير ثم يكون منضبطا بالضوابط الشرعية التي سوف نبينها وهذا مزاح مباح قد فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأجل تحقيق مصالح ذكرنا بعضها .
ونوع آخر أو حال أخرى يكون فيها المزاح منهي عنه 02وذلك حينما يكون مزاحا مفرطا : (1/8)
صفحة 9
بحيث أنه تنتهك به الحدود ولا تراعى فيه الضوابط الشرعية ويكثر منه أيضا فهذا مزاح منهي عنه 0 وعلى كل حال سوف تبين هذه الأمور بعد أن نعرض شيئا من المزاح النبوي ومزاح الصالحين ونعرض كذلك شيئا من مزاح العابثين ثم نذكر الضوابط الشرعية للمزاح .
المحور الرابع : صور من المزاح النبوي :
والآن آن لنا أن نعرج إلى سماء البهاء والصفاء ، آن لنا أن نرتقي إلى القدوة والمثل الأعلى الذي أكرمنا الله تعالى به " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ". (1/9)
صفحة 10
كيف كان تعامل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع مسألة المزاح ؟ هل كان صلى الله عليه وسلم مزاحا ؟ حاشاه وإنما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يمزح في النادر من أحواله ، ويكون مزاحا بهدف نبيل ويكون مزاحه منضبطا بالضوابط الشرعية ، فرسول الله – صلى الله عليه وسلم – قدوة في هذا الأمر ، وليت المسلمين يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر وفي غيره من الأمور إذاً لحسنت حالهم ولصلح أمرهم 0 كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يمازح أتباعه نعم وكانوا يعرفون ذلك منه ، وكانوا يقولون له –صلى الله عليه وسلم – والله يا رسول الله إنك لتداعبنا فيقول: نعم ولكن لا أقول إلا حقا 0 ومما ورد عنه – صلى الله عليه وسلم – في هذا المقام ما ورد عن أنس ( رضوان الله تعالى عليه ) أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يناديه فيقول له : يا ذا الأذنين تعال يا ذا الأذنين 0 وهو فعلا فيه أو يحمل أذنين ، كان صلى الله عليه وسلم يداعبه بذلك 0 وقد ورد عن أنس ( رضوان الله تعالى عليه ) أنه قال : بأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يداعب أخا صغيرا له يسمى أبا عمير ، كان أبو عمير هذا يحمل طائراً صغيراً في يده يلعب به ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما لقيه داعبه قائلاً له : يا أبا عمير ما فعل النغير – يعني صلى الله عليه وسلم الطائر الصغير الذي كان يحمله – 0 (1/10)
صفحة 11
وورد عنه – صلى الله عليه وسلم – أن رجلاً جاءه يستحمله يعني يطلب منه أن يعطيه راحلة لأجل أن يركبها فقال صلى الله عليه وسلم : أحملك على ولد الناقة . فتعجب الرجل وقال : سبحان الله يا رسول الله وما أصنع بولد الناقة ؟ فيقول صلى الله عليه وسلم : وهل تلد الإبل إلا النوق ؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم . ويروى أنه صلى الله عليه وسلم جاءته في يوم من الأيام امرأة تقول له : إن زوجي يدعوك 0 فقال لها صلى الله عليه وسلم ممازحا: من زوجك ؟ الذي في عينيه بياض ، قالت : والله يا رسول الله ما في عينيه بياض . (1/11)
صفحة 12
قال لها : في عينيه بياض فإرتاعت المرأة وذهبت إلى زوجها تفتش عينيه ، وقال لها: ما بك ؟ فقالت : قال رسول الله حينما أخبرته بأنك تدعوه من زوجك الذي في عينيه بياض ؟ فقلتُ له : ما عهدت أن في عينيه بياضاً ، فقال لها الرجل : أوما تعلمين بأن كل عين فيها بياض وسواد 0 وورد أنه صلى الله عليه وسلم جاءته في يوم من الأيام امرأة عجوز تسأله أن يدعو الله لها بأن يدخلها الجنة فقال لها – صلى الله عليه وسلم – لا تدخل الجنة عجوز 0 فمضت العجوز تولول وتبكي فأرسل إليها- صلى الله عليه وسلم – من يخبرها بأن الجنة لا تدخلها عجوز وإنما يكنّ( أبكاراً عرباً أتراباً ) 0 وورد عن عوف بن مالك ( رضي الله تعالى عنه ) أنه قال : جئت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تبوك وقد نصبت له قبة من جلد كانت قبة صغيرة ، فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أُدخل ، قلت : يا رسول الله أأدخل كلي -لأنها لا تسع كلي أدخل وإلا أدخل رأسي بس - فقال له – صلى الله عليه وسلم – : أدخل كلك يعني أدخل بأكملك0 وورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يأتيه رجل في البادية اسمه زاهر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه وكان يقول : زاهر باديتنا ونحن حاضرته 0 جاءه صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام وكان زاهر يبيع متاعا في السوق فجاءه صلى الله عليه وسلم من خلفه واعتنقه وقال : من يشتري العبد ؟ وكان ذميم الخلقة من يشتري العبد ؟ وزاهر يريد أن يلتفت ولا يعرف هذا الذي احتضنه فحينما علم أنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحرى أن يلصق ظهره في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : والله يا رسول الله إذا تجدني كاسدا ( أي من يشتريني أنا ) فقال له – صلى الله عليه وسلم – : ولكنك عند الله لست بكاسد 0أو كما قال صلى الله عليه وسلم فمازحه قائلا من يشتري العبد وهو عبد لله على كل حال. (1/12)
صفحة 13
هذه بعض الصور من مزاح النبي صلى الله عليه وسلم وإنكم لترون بأنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان لا يقول إلا حقا في مزاحه وكان يتحرى بمزاحه تطييب النفوس وجلب الأفئدة إليه – عليه أفضل الصلاة والسلام – وهكذا فليكن المزاح 0
المحور ا لخامس : صور من مزاح الصالحين :
فالصالحون كانوا يتمازحون أيضاً ، ولكن كان مزاحهم منضبطاً ، فليس هنالك تعدٍ لحدود الله ، وليس هناك انتهاك لحرمات الله تعالى ، وهم أفضل من فهم الدين عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ورد أن صحابة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في بعض الأخبار أنهم كانوا يتقاذفون فيما بينهم بالبطيخ تمازحا ،ولكن في ساعة الجد يكونوا كالجبال الشماء 0
وقد ورد عن أم المؤمنين عائشة ( رضوان الله تعالى عليها ) أنها قالت : أنها صنعت في يوم من الأيام طعاما وكان معها رسول الله- صلى الله عليه وسلم – وسودة ( رضوان الله تعالى عليها ) أم المؤمنين وكانت سودة لا تحب ذلك الطعام فقالت لها عائشة – وكانت تحبها – كلي . فقالت لها : لا أحبه . قالت لها : كلي وإلا لطخت وجهك به ، فقالت : ما أنا بباغيه قالت عائشة فتناولت شيئا من ذلك الطعام ولطخت به وجهها ، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينظر ثم خفض رسول الله – صلى الله عليه وسلم لها ركبته وطلب منها أن تفعل بعائشة كمثل ما فعلت بها 0 قالت: فتناولت شيئا منه ولطخت به وجهها 0
وقد ورد عن أحد التابعين بأنه دخل في يوم من الأيام في مكان للاغتسال فرأى أحد أصحابه وهو عار من غير إزار فأغمض عينيه ودخل فلما دخل صاحبه قال له : منذ متى أصابك العمى يا فلان ؟ فقال له : منذ أن هتكتَ سترك 0 (1/13)
صفحة 14
ويروى أن بعض الصالحين أو اثنان منهم زارا صديقا لهما وكان صالحا ووضع له خبز شعير وملح جريشا ، فقال أحدهم : لو كان مع هذا الملح زعتر لكان أفضل فأحضره لنا وصاحب البيت ليس معه زعتر فرهن الإناء الذي يتوضأ منه ؛ لأجل أن يشتري لهما زعترا ، واشترى الزعتر وجاء به ووضعه لهما وبعد أن انتهى صاحباه من الأكل قال طالب الزعتر : الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا ، قال له : لو كنت قانعا بما رزقك لما كانت مطهرتي مرهونة – وهو مازحا – 0
ويذكر عن إمامنا نور الدين السالمي ( رضوان الله تعالى عليه ) أن رجلا جاءه يشتكي إليه الإمام سالم بن راشد الخروصي ( رضوان الله تعالى عليه ) حيث أن هذا الرجل كان نائما في مسجد بالقابل وكان من أهل البلد فجاءه الإمام سالم وطلب منه أن يخرج من المسجد فالمسجد لا يصلح للنوم وهو ليس غريبا عن تلك البلد بل إنه من أهلها وله مكان يرتاح فيه ، فقال له الرجل : عندما تكون في بلدك فأمر وانهي كما تشاء إنما هنا أسكت إنما هنا فأسكت يقال بأن ذلك الرجل وجد نفسه في المقبرة وقد تلطخت ثيابه وامتلأت بالغبار كرامة للإمام ، وذهب بعد ذلك إلى الإمام السالمي ( رضوان الله تعالى عليه ) يشكوا إليه تلميذه فقال له : هذا التلميذ ساحر لا بد أن تخرجه من هذا المكان قال : وماذا فعل بك ؟ قال : فعل بي كذا وكذا فمن لطافة الإمام وسماحته ومزاحه ( رضوان الله تعالى عليه ) قال له : يعني أنك تريد أن يَفعل بنا مثل الذي فعل بك أو ما مثل ذلك ممازحا ومطيبا له 0 على كل حال هذه بعض الصور من ممازحة الصالحين وهي كما ترون صور تفي عن الانضباط الذي كان يراعيه الصالحون في مزاحهم بحيث تتحقق به المصلحة 0
المحور السادس : صور من مزاح العابثين الظالمين لأنفسهم المتجرئين على حدود الله: (1/14)
صفحة 15
نجد بأن هؤلاء لا يراعون قيودا في مزاحهم وللأسف أننا نجد كثيراً من الناس في هذا الزمان يعجبهم أن يأتوا بكل جديد في فن المزاح ، وقد طاب لكثير منهم أن يتجرؤا حتى باختراع الكذب ؛ لأجل أن يضحكوا الناس وهذا أمر منهي عنه 0
من ذلك ما يروى أن أحدهم كانت لديه بقرة حلوب فدخل في يوم من الأيام ووجد البقرة ميتة والحمار واقفاً بجانبها ، فقال مخاطباً ربه متجرئاً عليه : يا رب ألم تعرف أن تفرق بين البقرة والحمار؟ لماذا أخذت البقرة وتركت الحمار ؟
بعض السذج الحمقى من الذين سلبت كرة القدم ألبابهم وسحرت عقولهم ، خرج إلى زملائه في ملعبهم فقال لهم مشجعاً وهو يشير إلى الكرة : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) 0
وأحدهم كان معجباً بتفننه في اتباع الكرة فقال مخاطباً زملاءه : ( دعوها دعوها فإنها مأمورة ) .
كنت جالساً في يوم من الأيام مجيباً دعوة أحد الأخوة ، وكان جالساً بقربنا أحد الناس ، وابتدأ الجميع بتناول الطعام فحدثه أحد زملائه فقال : دعنا منك أنا الآن في جهاد ، أنا الآن في جهاد فقلت له : لطف الله بك حتى لا تسقط شهيداً، هذا الجهاد.
كثير من الناس يتجرءون فيجعلون المزاح حتى في الأوامر الشرعية ويعرضونها بصورة هزلية ، أحدهم يعلق فيقول : واحد مطوع تعدى إشارة المرور ولم يقف ، فسجد بعد أن انتهى سجدة السهو 0
ما هذا الهراء ؟ ما هذا الكلام البذيء ؟ ما هذا الاستخفاف بالدين ؟ أفي مثل هذه الأمور الشرعية يكون المزاح معاشر المسلمين ؟ هذه بعض الصور ، ولعل كثيراً منكم يستحضر الكثير والكثير والكثير من أمثال هذه الصور التي لا تنم إلا عن التجرؤ على الله تعالى 0
المحور السابع : ضوابط وقيود المزاح :
حتى يكون المزاح محموداً مباحاً يجب أن تتحقق هذه الأمور :
أولا : أن لا يتضمن استهزاء بالله ولا برسوله ولا بالدين وأحكامه : (1/15)
صفحة 16
فإن هذه أمور لا يجوز للمسلم أن يفعلها ، بل أن الاستهزاء بالدين كفر بالله تعالى نسأل الله العافية والسلامة واللطف ، وللأسف أننا نجد كثيرا من المسلمين لا يراعون مثل هذه الأمور، فيأتي الواحد منهم بالأوامر الشرعية ويصوغها في قالب من المزاح ؛ لأجل أن يثير مستمعيه ولأجل أن يشد انتباههم ، وهذا منهي عنه كما سبق 0
ثانيا : ألا يتضمن المزاح أذىً يلحق بأحدٍ من المسلمين : (1/16)
صفحة 17
المزاح لا بد أن يكون منضبطاً فأذى المسلم لا يجوز، فقد ورد عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جاداً أو لاعبا أو كما قال – صلى الله عليه وسلم – وقد ورد أن بعض الصحابة كانوا في سفرٍ معه صلى الله عليه وسلم فناموا في بعض الطريق فقام أحدهم ، وأخذ حبلاً كان بجانب شخصٍ منهم ، ولما قام ذلك الشخص النائم من نومه ارتاع بذهاب ذلك الحبل من جانبه ، وكان ذلك الشخص إنما فعل ذلك ممازحاً فنهاهم – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك 0 لماذا ؟ لأنه روع بذلك أخاه وذلك أمرٌ لا يجوز فقال صلى الله عليه وسلم : لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلماً 0 وللأسف أننا نجد كثيراً من الشباب في هذا الزمان لا يراعون هذه النقطة في المزاح مزاحا ثقيلاً بحيث أن أحدهم يدخل من الباب والآخر وراء الباب ليروعه هذا أمرٌ لا يجوز فهذا يروعه يلحق به الأذى وهذا كثيراً ما يحدث مع طلاب المدارس ، كأن يقف أحدهم للإجابة عن سؤال ما والذي يقف خلفه يسحب الكرسي قليلاً قليلاً وعندما يريد أن ينزل على الكرسي ينزل على الأرض فيتأذى هذا لا يجوز يؤذيه ، وأحدهم يضرب زميله ضربة قوية يهتز لها كيانه ويقول له : لا تهتم هذا مزاح بس يقول له الثاني : إن شاء الله مردودة ويتربص به الدوائر حتى يوقعه فيما أوقعه به هذا كله يلحق الأذى بالمسلمين ، بعضهم يفعل المقالب بأصدقائه حتى في الأوقات حتى في الأوقات التي ليست في وقتها بمعنى أنهم مثلاً يخرج الرجل من غرفته في ليلة زفافه بسبب من الأسباب ويشغلونه في تلك الليلة وبعد ذلك يقولون له : نحن نمازحك ويقول لهم تزوجوا وأنا أرجعها لكم وهكذا فتجد أن كثيراً من المسلمين لا يراعون هذه المسألة فيؤذي بعضهم بعضا ويحتجون بأنهم يمازح بعضهم بعضاً هذا مزاح مذموم منهي عنه إذا كان يلحق الأذى بأحد من المسلمين 0
ثالثا : ألا يتضمن كذباً ولا غيبةً ولا فحشاً : (1/17)
صفحة 18
ليس للمسلم أن يكذب أو أن يغتاب إنسانا ويحتج بأنه يمازحه للأسف أننا نجد كثيراً من المسلمين بلا عدد يخترعون قصصاً ونكاتاً ليست لها صلة بالحقيقة أصلاً بسب أنهم يريدون أن يضحكوا الناس وهذا أمر لا يجوز فقد ورد عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " ويل لمن يحدث بالحديث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له " . أو كما قال صلى الله عليه وسلم 0 فذلك كذب لا يجوز للمسلم أن يأتي بمثل هذه النكات التي لم تكن واقعة حقا بأشخاص يعرفهم أو نُقل له بأنها وقعت منه ، لذلك نجد كثيرا من الناس يتحدثون عن جحا وحماره وجحا عدّ الحمير ونسي الحمار الراكب عليه وجحا وجحا والله أعلم هذا الرجل المسكين الذي انهالت عليه الاتهامات بفعل كذا وترك كذا هل فعل تلك الأمور جميعا أم لا ؟ ولا أظن بأنه فعلها جميعا 0 يقال بأنه شخصية حقيقية عاشت في العصر الأموي ولكنه لم يفعل كل تلك الأشياء التي تنسب إليه وكل واحد عنده نكته جحا وجحا متى فعل جحا كل هذا؟ وإلا واحد يقول لك : إنسان فعل كذا وكذا من هو ؟ هل رأيته ؟ هل حدثك ثقة عنه ؟ لا ، كلها مجرد اختراعات لأجل أن يضحك وهذا لا يجوز له إذا هذا أيضا ضابط 0
رابعا : أن لا يخرج المزاح إلى حد الإفراط :
المزاح يكون منضبطا ، ألا يكون شغل الواحد طوال الوقت مزاح ، وكل موقف يجب أن يعلق عليه، وكل شيء يأتي به بمزاح ، وهذا ليس بشيء حسن ، بل كما قلنا سابقا بأنها تجر إلى أضرار: موت القلب مفسدة من مفاسدها ، وذهاب الهيبة ، وتورق الضغائن ، إلى غير ذلك من الأمور، فليكن المزاح معتدلا. النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح ولكن بقدر المصلحة ، وكان ذلك في النادر من أحواله صلى الله عليه وسلم ، هذه ضوابط لا بد أن ينضبط المزاح بها 0
المحور الثامن : علاج المبتلى بكثرة المزاح : (1/18)
صفحة 19
كيف يكون ؟ الآن عرفنا جميعا بأن الإكثار من المزاح مذموم ، وأن عدم مراعاة ضوابط المزاح توقع في المزاح المنهي عنه ، ووضحنا الهدي النبوي في مسألة المزاح ، شخص من الأشخاص ابتلي بكثرة المزاح ولا يعرف كيف يتخلص منه وكيف يضبط نفسه أمام ذلك التيار الجارف الذي يدعوه إلى الإتيان بالكثير والكثير من هذا المزاح 0هنالك أمور على كل حال يمكن للإنسان أن يستعين بها إن شاء للتخلص من مزاحه 0
أولا : معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المزاح : أمر يعين على التخلص من المزاح ، أنت إذا ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مكثرا في مزاحه ، ولم يكن مزاحه صلى الله عليه وسلم يتضمن تجرؤا على حدود الله ولا كذبا ولا غيبة ولا فحشا من القول ولا أذى لأحد من المسلمين وأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يقول الحق في ذلك المزاح ، وكان بالقدر الذي تتحقق فيه المصلحة فقط ، إذاً لو أن الإنسان لو علم هذا لكان هذا بإذن الله عونا له بالسير على طريقه صلى لله عليه وسلم في هذا ، هذا أولا 0 (1/19)
صفحة 20
ثانيا : الإنسان لا بد أن يعود نفسه على معاني الأمور : الإنسان لا يقبل أن يكون في الدون ، لا يقبل لنفسه أن تكون في الحضيض ، فعليه أن يربي نفسه على الانصراف إلى معاني الأمور 0 يا أخي بدل أن تكون جالسا لتضحك هذا وتلفت نظر هذا وتسمع هذا وتنكت لهذا وتشتغل بهذه الأمور ، امسك لك كتابا تعلم منه اقرأ فيه ،انشغل بذكر الله ، تقرب إلى الله تعالى بشيء من الطاعات ، اجتهد في إرشاد الناس إلى الخير، عود نفسك دائما على معاني الأمور ؛ لأجل أن تصرفها عن دونياتها ، عوّد نفسك الانصراف إلى معالي الأمور؛ حتى لا يجد الهزل مجالا أو طريقا إلى قلبك 0 نعم الترفيه والترويح عن النفس مطلوب ، ولكن بالقدر الذي بيناه ، إذا فتعويد الإنسان نفسه بالانشغال بمعاني الأمور ،بطلب العلم ، بحضور الدروس النافعة ، بالاستماع إلى الأشرطة المفيدة ، بإرشاد الناس وتوجيههم بالصيام الذي يتنفل به متقربا إلى الله تعالى ، بقراءة القرآن ، إلى غير ذلك من الأفعال الخيرة الحسنة يصرفه بإذن الله تعالى عن الهزل 0
ثالثا : الصحبة الجادة : اختر صاحبا يجعل الجدية منهجا في حياته ، فالصاحب له تأثير بالغ على صاحبه الإنسان يتأثر حتى بمجرد النظر إلى صاحبه ، إذا كان مصاحبا شخصا هازلا عابثا لاهيا يتأثر حتى بالنظر إليه لماذا ؟ لأنه إذا نظر إليه لن ينظر إلا إلى عبث ولهو واستهزاء وما إلى ذلك 0 وإذا ما صاحب شخصا جديا في أموره تأثر حتى بمجرد النظر إليه فضلا عن مصاحبته أو مخالطته لأنه إن رآه رأى الجِد ، رأى الأعمال الخيرة التي تفيض حبا للطاعة وتقربا إلى الله سبحانه تعالى ، فدعاه ذلك أيضا إلى أن يفعل مثلما فعل صاحبه ، فإذاً الإنسان عليه أن يتخير صحبة خيرة اختر صاحبا يكون جديا ولا تختر صاحبا هزلاً لا يلتفت الناس إليه إلا ليضحكهم هذا أمر يعين على التخلص من المزاح أيضا 0 (1/20)
صفحة 21
رابعا : التفكر في أمر الآخرة : من أعظم ما يعين على التخلص من الهزل . نعم الإنسان الذي يعلم بأن هذه الحياة وقت يسير وعما قليل سينتقل إلى دار أخرى وذلك الانتقال ليس انتقالا بدنيا وانما هو انتقال له ما بعده فهنالك النشور ، وهنالك العرض والجزاء ، والحساب الثواب ، أو العقاب الجنة أو النار ، يعلم بأنه مساءل و محاسب ، يعلم بأنه مطالب بالعمل للآخرة بلا شك أنه سينصرف إلى الأمور التي تقربه إلى ربه وسيترك الإخلال والتفريط والتقصير 0 وقد ورد عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال :" لو كنتم تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" لو علمتم ما علمت من أمر الآخرة لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا أو كما قال صلى الله عليه وسلم . نعم كان صلى الله عليه وسلم متصلا بربه عاملا لما بعد الموت وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف يطيب للإنسان أن يقضي عمره في هزله ولهوه وعبثه وتفريطه وتقصيره وهو يطلب النجاة في الآخرة ، هذا أمر ينبغي أن يتنبه له الناس ، فالتفكر في أمر الآخرة يعين إن شاء الله على الانصراف إلى معاني الأمور وعلى الانصراف للعمل للآخرة ونبذ الهزل والعبث 0 (1/21)
صفحة 22
خامسا: التفكر في سلبيات المزاح : تفكر قليلا فيما يجر المزاح إليه أنت إن أكثرت منه أصبحت محتقرا عند الناس فأنت لا تصلح عند الناس لأنك لست موضع ثقتهم أصلا ، لا ينصرفون إليك في شيء من الأمور ولا يستطيع الواحد منهم أن يطالبك بشيء من الأعمال ؛ لأنك لا تصلح إلا لهزلك وعبثك ، تثير الضغائن هذا تضربه وهذا تشتمه وهذا تكذب عليه وذلك تتكلم بفحش وتقدح في عرضه وكل ذلك عندك من باب المزاح بلا شك بأن ذلك أيضا ستحمل عليك نفوسهم الكثير والكثير من الحقد والضغينة وتصبح منبوذا عند الناس ، أنت بنفسك هل ترتضي أن تكون هكذا ألعوبة في أيدي الناس يستخدمونك كمثل يستخدمون الآلة كأن يقولون فلان جئناك اليوم لا تدعنا نذهب ونحن لم نضحك فلان جئناك اليوم إعمل لنا كم نكته ، ضحكتهم أنت ما قصرت حتى وقع الواحد منهم على ظهره من شدة الضحك وهو يقولون : عندما نحتاج لك نحن نأتيك ولكن هل هذا أمر يرتضيه إنسان ؟ لا ، أيضا ذهاب هيبتك تجد حتى الأطفال ستجرؤن عليك ويمزحون معك وربما يقومون بوضع المقالب التي تقع فيها لماذا أنت تحب ذلك ؟ هذه هي الطريقة التي تحب أن تتعامل بها مع الناس والناس يعاملون الإنسان بحسب ما يعاملهم به . كأن الواحد عندما تعمل معه المقالب يدعك ، يغفرها لك لا إنما يوقعك في أعظم مما أوقعته فيه وهكذا الإنسان إذا تفكر في هذه السلبيات الكثيرة التي تصيبه في حال كثرة مزاحه وسلوكه هذا الطريق بلا شك بأنه سوف يتراجع . (1/22)
صفحة 23
سادسا : مجاهدة النفس بترك المزاح : هذا أيضا علاج نعم النفس لا تعطى ما تريد ولا تحكّم في الأمور فان الإنسان إذا اتبع نفسه هواها أفسدت عليه حياته فلا بد من مجاهدة النفس ، النفس تأمرك وتطلب منك أن تأتي بالمزاح الكثير وتصنع المقالب بالناس وتنكت وما إلى ذلك ، ولكن أنت تعلم بأن هذه الأمور تضرك ، فلا بد أن تلزم نفسك وتجاهدها لترك ذلك 0 هذه أمور مضرة أنا لا أستطيع أن أفعلها لا بد أن أتركها لا أستجيب لرغبات نفسي ولا لشهواتها في هذا المقام فلا بد أن يجاهد الإنسان نفسه ليحليها بكل خير وليصرفها عن كل سوء 0
سابعا : الدعاء : استعن بالدعاء ابتهل إلى الله تعالى ليعينك على نفسك وعلى هواك وعلى شيطانك وليخلصك من عبثك ولهوك فإن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير 0
خاتمة : (1/23)
صفحة 24
هذه بعض الوقفات التي أردنا أن نقف معها فيما يتعلق بأمر المزاح وهذا تجوال سريع لهذا الأمر الخطير لأجل أن نتبصر بأحكامه ولأجل أن نلتزم بتعاليم الإسلام فيه 0 ونصيحتي الأخيرة التي أسديها لجميع أخواني الأفاضل أن يراجع كل منا نفسه وأن ينظر في تصرفاته وأن يزن أعماله بموازين التقوى ما أحوج الإنسان إلى مراجعة نفسه ليتعلم أخطاءه وليعرف الأضرار التي لحقته بسبب تلك الأخطاء فيحذر منها مستقبلا ليعود كل منا نفسه على مراجعة أعماله وأفعاله جميعا 0 راجع نفسك فلعل الكثير والكثير من الأعمال والصفات التي كنت تحملها وتتصف بها تحتاج إلى إعادة نظر ولعلك وقعت في بعض الأمور التي سببت لك أضرارا وجعلتك متصفا بصفات أنت لا ترتضيها والعاقل طبيب نفسه وليس هنالك شخص يستطيع أن يعالج أخطاء أي شخص آخر بقدر ما يستطيع الشخص بنفسه أن يستخلص أخطاءه وأن يتعرف على عيوبه وأن يحاول جاهدا بجده واجتهاده إصلاح ما وقع فيه من خطأ فعودوا إلى أنفسكم وراقبوا أعمالكم وامتثلوا أوامر الله فيها وليجعل كل منا نية حسنة يقدمها أمام كل عمل يقدم عليه حتى ينال أجره ومثوبته من الله تعالى0 (1/24)
صفحة 25
نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا إلى الخير وأن يعيننا جميعا على البر وأن يهدينا جميعا إلى سواء السبيل ، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين ، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها لك مماتها ومحياها اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل ونسألك الخلاص في الدنيا والآخرة ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين بارك الله فيكم والسلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته . (1/25)