صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علم اللغة - دراسات لغوية - لغة عربية
------------------------------------------
العنوان: أصول النحو النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
المؤلف: خالد بن سليمان الكندي
الناشر: بيت الغشام للنشر والترجمة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 2018م
الطبعة: 1
ردمك: 978-99969-2-146-9
الإيداع القانوني: 2017/510
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6525&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/623
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 شعبان 1446ه/ 10 - شهر 02 - 2025م. أصول النحو
النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
دراسة
خالد بن سليمان الكندي (1/1)
صفحة 2
أصول النحو
النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
خالد بن سليمان الكندي (1/2)
صفحة 3
الكتاب: أصول النحو تأليف: خالد بن سليمان الكندي
الطبعة الأولى 2018
جميع الحقوق محفوظة
المؤسسة بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان
رقم الإيداع: 510/ 2017
رقم الإيداع الدولي (ISBN)
978 - 99969 - 2 - 146 - 9
(سلطنة عُمان - مسقط)
هاتف: 24591646 - 99260386 ص. ب: 2068 الرمز البريدي: 133
alghshamoman@gmail.com
www.takweeen.net
بيت الغشام
لصحافة واشر والرحلات
التصميم الداخلي والغلاف: أحلام الرحبي (1/3)
صفحة 4
أصول النحو
النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
خالد بن سليمان الكندي (1/4)
صفحة 5
المقدمة
5
المقدمة
قدير
الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو على كل شيء والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين ..
إن نظرية أي علم هي بوابته إلى فهم مسالك الاجتهاد فيه، وهي الأداة التي يعتمد عليها المجتهد في الترجيح، وهي الأسس التي تفرق بين اتجاه مدرسي وآخر في العلم نفسه. وتُعَدّ أصول النحو العلم الذي يشرح النظرية النحوية
المعيارية، ويكشف مدى أصالة النحو وارتباطه بالتراث الإسلامي العربي. ومباحث أصول النحو العربي يرتبط بعضُها ببعض ارتباطا وثيقا، ولا يمكن الوعي بقيمة أي موضوع فيها إلا بعد استيعاب سائر أجزاء النظرية. ومبحث العلة على الخصوص متشعب تشعبًا كبيرًا لأنها ترتبط بأكثر مباحث النظرية النحوية، فهي ترتبط بالمسموع لأنها تسعى إلى تفسير أوضاعه، وترتبط بالقياس -الحمل - لأنه محتاج إليها باعتبارها ركنا يسوغ حمل المقيس على المقيس عليه، وهي ترتبط بالأصول المستصحبة لأنها تبين سبب خروج الشواذ عنها، وقد تعلل العلة الأصول نفسها، وهي ترتبط بالقواعد لأنها في بعض معانيها - القرائن والعلامات التي يجب توافرها لإعطاء المحكوم عليه وهي مرتبطة بالاطراد لأنها لا بد من أن تطرد في كل أمثلة الباب المعلَّل، ومرتبطة بالاستحسان لأن علته ضعيفة والعلة بعد كل ذلك ترتبط بكل أدلة النحو من حيث إن أدلة النحو تصلح كلها أن تكون عللا حقيقية
حکمه، (1/5)
صفحة 6
6
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
تفسر لنا سبب وضع النحاة للمصطلحات والقواعد النحوية على هذه الصورة التي وصلتنا منهم. ولأجل هذا جعلنا موضوع التعليل في الفصل الخامس هذه الدراسة، وقدمنا موضوع الاطراد والشذوذ لأن سائر الفصول تبنى
من
عليه، وهكذا كان ترتيب كل فصل حسب مدى تشعبه وارتباطه بغيره. وأصول النحو موضوع مستعص على من لم يكن له جَلَدٌ على القراءة الواسعة، وذلك لارتباطه بأصول الفقه وإبستمولوجيا اللغة، وهو موضوع مُغْرٍ لأن فهمه يعني القدرة على فهم كثير من مسائل التقدير والتأويل والاستدلال، وهي المفتاح للتحليل النحوي التقليدي. ولا تخلو أصول النحو من مباحث لها أهمية في اللسانيات والسيميائيات الحديثة؛ لذلك خصصنا فصلا لهذا الأمر. وقد قالوا قديمًا (ما ترك الأول للآخر شيئًا)، وقالوا حديثًا (الباحث يبدأ من حيث انتهى الآخرون؛ لكننا في موضوع هذه الدراسة ندرك أن كلتا المقالتين لا تنطبقان عليه، فقد ترك الأول لنا شيئًا كثيرًا لنقوله في مباحث أصول النحو، ولم نجد الذين أنهوا أبحاثهم في أصول النحو قد أوصلونا إلى حقيقة ما نريد أن نصل إليه هنا.
وقد اضطررنا أن نقرأ أغلب مباحث أصول النحو عند القدماء من جديد؛ بعد أن وجدنا الطريق غير سوي، وبعد أن وجدنا أن كثيرًا مما أقره جملة من المحدثين الذين قرأنا لهم لا يمكن أن يمثل الصورة الكاملة لمباحث أصول النحو؛ الأمر الذي تطلب منا إعادة صياغة مفهومات مباحث أصول النحو، والعودة إلى النبع الأصيل؛ إلى كتب النحاة القدماء ولا سيما الأصوليين
منهم؛ لتنطلق من فهم صحيح للنظرية النحوية المعيارية. (1/6)
صفحة 7
المقدمة
7
ولا شك أننا قصدنا بالنحو في دراستنا هذه ما يعنيه القدماء من دراسة للمستويات اللغوية المختلفة الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية؛ وإن
كانت أصول النحو ارتبطت بالدراسة التركيبية أكثر من غيرها.
إن أكثر الكتب التي تناولت قضايا أصول النحو سواء أكانت في القديم أم الحديث لم تراع الترتيب المنطقي لموضوعات أصول النحو، ولم تكلف نفسها تفسير العلاقات بين أجزاء النظرية النحوية القديمة تفسيرًا يقود إلى الفهم الصحيح المفصل لأدلة النحو؛ فوقعت في مغالطات سنذكرها في موضعها، ولأجل ذلك كله كُنّا مضطرين إلى التدرج في فهم النظرية النحوية. وكم ظللنا نفكر في ترتيب هذا التدرج الذي كان يصعب وضعه لارتباط مصطلحات النظرية النحوية ومباحثها بعضها ببعض بحيث يستحيل الحديث عن جزء منها دون التطرق إلى علاقته ببقية الأجزاء، فماذا صنعنا لحل هذه المعضلة؟ لقد قررنا أن نبدأ بأهم مباحث الأصول النحوية التي يترتب عليها فهم ما بعدها أكثر من غيرها من المباحث الأخرى؛ وصولا إلى التعليل النحوي الأكثر تعقيدًا وتشعبًا، مع الاستعانة بالحواشي لشرح أي مصطلح أو قضية يرتبطان بموضوع المتن شرحًا مختصرًا يشير إلى أنه سيتم التفصيل فيهما في موضع لاحق؛ وفي سبيل هذا التدرج جاءت الدراسة مرتبة على خمسة فصول:
- الفصل الأول: السماع والاطراد والشذوذ.
- الفصل الثاني: الأصل والفرع.
- الفصل الثالث: القياس.
- الفصل الرابع: أدلة النحو. (1/7)
صفحة 8
8
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
- الفصل الخامس: التعليل
وأما الفصل السادس دور أصول النحو في بناء تصور لساني حديث“ فقد جاء للتحقيق في أصالة الدرس الأصولي النحوي وعدم ربط نظريته بفلسفة اليونان، ثم بيان قيمة هذه النظرية الأصولية في الدرسين اللساني والسيميائي المعاصرين.
ولا شك أن دراستنا هذه كان فيها الكثير من العناء: - إذ كان علينا أن نفك رموز المصطلحات الغامضة الكثيرة الخاصة بأصول
النحو، وقد اتخذنا لحل هذه المشكلة قبل كتابة البحث طريقة الجدولة وذلك بوضع المصطلحات ذات الصلة والتداخل في المفاهيم في صورة أعمدة يضم كل عمود مصطلحا معينًا مثل مصطلح الأصل ومصطلح القياس ومصطلح القاعدة ... إلخ، وفي صفوف الجدول نفسه وضعنا الخصائص التي تفرق بين مصطلحات الأعمدة؛ مثل خاصة الاطراد أو الشذوذ، وخاصة الحسي أو العقلي، وخاصة العدم أو الوجود إلخ. وبهذه الجدولة -التي تبين نقاط الاتفاق والافتراق بين المصطلحات التي طالما اختلف المحدثون فيها- استطعنا أن نعالج مصطلحات الباب الأول متجاوزين عقبات إشكال فهمها؛ متوصلين إلى الفهم الذي نرتضيه لأصول النحو.
- وكان علينا أيضًا أن نجري وراء مصطلحات أصول الفقه والفلسفة والمنطق والكلام؛ لندرك مدى العلاقة بينها وبين مصطلحات أصول النحو. - ثم كان علينا أن نشرح موضوعات أصول النحو التي وجدنا أن أكثرها موضوعات لم يقم المحدثون بشرحها؛ بل اكتفى أغلبهم بنقلها من على ما هي عليه من الغموض والتعقيد.
القدماء (1/8)
صفحة 9
المقدمة
9
- والعقبة الكبرى تمثلت في إعادة تصنيف أدلة النحو؛ وترتيبها الترتيب المنطقي المتدرج؛ وبيان الفرق بين كل منها؛ لأن النحاة في القديم تركونا في خلاف حولها؛ مع تضارب آرائهم في كثير من مواضع أصول النحو، ولسبب آخر هو أن أكثر النحاة المحدثين لم يكلفوا أنفسهم جهدًا كبيرًا لإعادة النظر في مفهوم كل دليل نحوي وعلاقته بالأدلة النحوية، ووضع الحدود الفاصلة الدقيقة لكل أجزاء النظرية النحوية، ورفعِ حُجب الغموض عن كثير من قضايا أصول النحو، فنحن لو تصفحنا ما كتبه المحدثون لوجدناهم على خلاف في فهم المطرد والأصل والقياس والاستصحاب والتعليل والعلاقة بين الأدلة المعتبرة وغير المعتبرة .. إلخ.
- وكان من الواجب علينا ونحن نتدرج في موضوعات كتابنا فصلا فصلا- أن نجعل الحواشي وسيلتنا المثلى في حل مشكلة ارتباط كل فصل من فصول الكتاب بالفصول التي تليها، فكُنّا نشرح في الحواشي بصورة ميسرة كل ما يمر بنا من مصطلحات لا بد من التطرق إلى شرحها في الحاشية؛ وذلك لفهم المراد مما جاء في المتن؛ حتى إذا ما جاء الدور لمصطلحات الحواشي شرحناها مفصلة في المواضع التي تحتاج إلى تفصيلها في فصول لاحقة، وبذلك حَلَلْنا المشكلة التي وقع فيها أكثر المحدثين حين تركوا الربط بين مصطلحات أصول النحو لفهم العلاقة بينها في كل موضع يتطلب ذلك، ولأجل قيمة حواشي الكتاب نوصي بقراءتها لأنها في كثير من المواضع تكون مفتاحًا لفهم ما جاء في متن الكتاب. - وقررنا في نهاية كل فصل أن نزود الفصل بخرائط ذهنية تُسهل فهم ما (1/9)
صفحة 10
10
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
جاء في الفصل من مصطلحات وقضايا أصولية متفرعة يهمنا تيسيرها لتشعبها؛ ليَتَبَيَّنَ بوضوح جهدنا.
- وكثيرًا ما تجنبنا نقل نصوص القدماء حرفيًا لئلا نقع في المشكلة نفسها التي وقع فيها كثير من المحدثين حين تركوا مباحث القدماء على غموضها ناقلين إياها حرفيا على أننا حين تَجَنَّبْنا نقل النصوص الغامضة أشرنا إلى مصادرها أو ألحقناها بالمتن بعد تقديم شرح عليها.
- ومن أكثر الصعوبات ارتباط التعليل النحوي بأكثر قضايا أصول النحو؛ الأمر الذي جعلنا في كل فصل جديد نعيد نظرتنا إلى بعض ما سبق في الفصول الماضية، واستمرت الحال هكذا حتى آخر فصل من هذه الدراسة؛ حينها اطمأننا كما نتصور- لنتائجنا التي جاءت بعد أخذ للتأكد ورد صحتها؛ إذ يمكن القول بعد هذا إن نقض أية فكرة في التعليل أو في جزء من النظرية النحوية سيؤثر حتما في فهم سائر أجزاء النظرية.
من
- ثم كان علينا المقابلة بين مباحث أصول النحو وأصول الفقه جيدا للرد على مزاعم اعتماد النحاة على منطق اليونان في بناء نظريتهم المعيارية وهذا تطلب قراءة آراء المحدثين في هذا الجانب وتصنيف آرائهم وفق ميلها إلى الأصالة أو التبعية أو التوسط.
والفضل في النهاية يرجع إلى رب العباد الموفق إلى كل خير، وعلى الله
قصد السبيل، وما أجري على الله وحده، عليه توكلت وإليه أنيب. (1/10)
صفحة 11
الفصل الأول:
السماع والاطراد والشذوذ (1/11)
صفحة 12
12
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الأول: السماع
يطلق النحاة على ما ورد عن العرب الموثوق بعربيتهم (الأعراب الذين لم يختلطوا بالمدن والحضر) في عصر الاستشهاد العصر الذي يسبق عام 150 هـ) من ظواهر لغوية عن طريق الرواية أو مشافهة الأعراب- مصطلحات متعددة، منها (المسموع) و (الاستعمال) و (النقل) و (السماع) و (الشواهد) و (النص) و (كلام العرب) و (المروي) وغير ذلك من المصطلحات التي قد نجدها في كتبهم. ولا شك أن الاستدلال بالسماع يتطلب مرحلتين هما:
1 - السماع عن العرب.
2 - استقراء المسموع.
1 - تجد مثل هذه المصطلحات في كتاب "لمع الأدلة" للأنباري (1/12)
صفحة 13
أولاً: مفهوم المطرد:
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
المبحث الثاني:
الاطراد
13
المطرد والشاذ اسما فاعل أُخِذ معناهما من اللغة، وهما صفة لمحذوف، والتقدير: الشيء المطرد، والشيء الشاذ، وإذا طالعنا عددًا من النصوص التي ورد فيها مصطلح المطرد وجدنا أنه عادةً صفة للمسموع، لا سيما إذا أطلق دون تقييد بموصوف قبله أو بعده في الكلام.
قال أبو الفتح عثمان بن جني (ت 392 هـ) في "الخصائص": ((أصل مواضع ط ر (د في كلامهم التتابع والاستمرار من ذلك طَرَدْتَ الطريدة إذا تتبعتها واستمرت بين يديك ... وأما مواضع (ش ذ ذ) في كلامهم فهو: التفرق والتفرد ... هذا أصل هذين الأصلين في اللغة، ثم قيل ذلك في الكلام والأصوات على سَمْتِه وطريقه في غيرهما، فجعل أهل علم العرب ما استمر في الكلام من الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطردًا، وجعلوا ما فارق ما
2 - يقابل العلماء المتقدمون بين النحو والمعجم بأن النحو علم قائم على الاستقراء الناقص باعتماد الأمثلة الغالبة ثم القياس عليها دون استقراء كل الأمثلة؛ ومن ثم استخلاص القواعد؛ على خلاف المعجم فإنه معرفة تعتمد على الاستقراء التام لمحاولة معرفة معاني كل الكلم العربي. قال ابن خلدون في مقدمته ص 254: ((اعلم أن الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري وبكونه عمليا هو جسماني محسوس، والأحوال الجسمانية المحسوسة فنقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل؛ لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية أتم، فائدة والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرره مرة بعد أخرى
حتى ترسخ صورته ... )). (1/13)
صفحة 14
14
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذا حملا لهذين الموضعين على
أحكام غيرهما)).
ثانيا: مفهوم المسموع المطرد:
وضف المسموع بالمطرد يعني أحد معنيين:
المعنى الأول: غلبة الأمثلة المسموعة عن العرب في بابها:
وذلك أن يكون معنى المطرد هو: الظاهرة اللغوية - سواء أكانت صوتية أم صرفية أم نحوية التي تغلب أمثلتها على ما خالفها في بابها من الأمثلة). الأمثلة والنحاة يعبرون عن التي تندرج تحت الباب بمصطلحات
مختلفة منها:
- الحرف، وجمعه أحرف.
- النظير، وجمعه نظائر.
قال أبو بكر محمد بن سهل البغدادي (ت 316 هـ) في كتابه "الأصول في النحو: ((واعلم أنه ربما شذ الشيء عن بابه؛ فينبغي أن تعلم أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يُغن بالحرف الذي يشذ منه فلا يطرد في 1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 96 - 97.
4 - القياس مصطلح متعدد الدلالة، وقد اختلف فيه النحاة المحدثون؛ لأن القدماء، كما يظهر، لم يجمعوا معانيه الاصطلاحية المتعددة في مبحث، واحد، وسيأتي الحديث عنه في الفصل الثالث وعن علاقته بالقاعدة والأصل، وإنما أذكر هنا باختصار أن استقراء النصوص التي ورد فيها مصطلح القياس يشير إلى أن له معنيين:
أ- المعنى الأول وهو الذي جاء في المتن، ويقصد به القاعدة التي وضعها النحاة بعد أن استقروا كلام العرب لكي تدل على حكم ينطبق على أمثلة مطردة في باب واحد. والقواعد والأقيسة نوعان: - النوع الأول هو القواعد الغالبة التي ليست فوقها قاعدة أعم منها في بابها تناقضها، وتسمى هذه= (1/14)
صفحة 15
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
نظائره ... )). وهذا التعريف يعني بالبديهة- أمرين:
- أن الأمثلة غير المطردة هي المسماة بالشاذ.
15
- أن تتجاوز أمثلة المطرد النصف من عدد أمثلة بابها لكي تكون غالبة على الأمثلة الشاذة.
وقد اعتمدت مصطلح (المثال) - وجمعه أمثلة- لعدم التباس مفهومه بمفهوم غيره من المصطلحات النحوية؛ ولأن معناه اللغوي قريب من المعنى الاصطلاحي. وقد ذكره ابن السراج أيضًا حيث قال: (( ... والشاذ على ثلاثة أضرب منه ما شذ عن بابه وقياسه ولم يشذ في استعمال العرب له نحو:: استحوذ فإن بابه وقياسه أن يعل فيقال: استحاذ مثل استقام واستعاذ، وجميع ما كان على هذا المثال ... )).
=
القواعد الأصول، وهي قد تخص بعض أبواب النحو أو تهتم بالقواعد الإجمالية التي ترسم العلاقة بين
أدلة النحو المختلفة من سماع وقياس وإجماع وغيرها.
- النوع الثاني هو القواعد الفرعية التي تُستثنى من القواعد الغالبة.
ب - المعنى الثاني هو الحمل، وهو أن يُخضع المتكلم العربي أو النحوي مثالاً أو بابا لحكم مثال آخر أو باب آخر؛ على أن تكون هناك علاقة تماثل أو تشابه أو اطراد بين المحمول والمحمول عليه، وهذه العلاقة أو الجامع- تسمى العلة. ويرى الباحث أنه لأجل أن نفرق بين معنى القاعدة ومعنى الحمل اللذين يحتملهما مصطلح القياس؛ ما علينا إلا أن نجعل أمام مصطلح القياس صفة تحدده فنقول: القياس القاعدي، والقياس الحملي .. أو نفسر القياس بالبدل فنقول: القياس أي الحمل، القياس أي القاعدة. وأما في حال إطلاق الباحث القياس بلا تقييد فإنه يعني الحمل؛ لأن القياس في اللغة مأخوذ من قاس
الشيء بالشيء أي حمله عليه وقدره به.
1 - ابن السراج، الأصول، ج 1 ص 56. 2 - نفسه، ج 1 ص 57. (1/15)
صفحة 16
16
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
مثال تطبيقي على المعنى الأول للمسموع المطرد:
إن الشواهد النحوية التي تدل على أن (لَمْ) تجزم الفعل المضارع مطردة؛ لأنها أكثر من الشواهد النحوية التي جعلت (لم) تنصب الفعل المضارع. قال أبو البركات الأنباري مؤيّدًا ذلك: النقل) هو الكلام العربي الفصيح؛ المنقول بالنقل الصحيح؛ الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة، فخرج عنه نه إِذًا ما جاء في كلام غير العرب من المولدين وما شذ من كلامهم؛ كالجزم ب (لن) والنصب ب (لم) ... )).
المعنى الثاني للمسموع المطرد: كثرة أمثلة الظاهرة اللغوية دون غلبتها
في بابها: وذلك لما جاء في لمع الأدلة: ((النقل) هو الكلام العربي الفصيح؛ المنقول بالنقل الصحيح؛ الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة. فخرج عنه إذا ما جاء في كلام غير العرب من المولدين، وما شذ من كلامهم ... ))، فقوله "ما شذ من كلامهم" يرادف قوله "حد القلة"، وما دام المطرد يقابله فإن المطرد هنا هو المعني ب "حد الكثرة".
مثال تطبيقي على المعنى الثاني للمسموع المطرد:
تحدث ابن جني عن أقسام المسموع حسب اطراده في القياس (أي في القاعدة والاستعمال، وحسب شذوذه في القياس والاستعمال، فقد جاء في الخصائص: (( ... والثالث المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس، نحو
1 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 81 - 82.
2 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 81. (1/16)
صفحة 17
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
17
قولهم: أخْوَصَ الرّمْتُ، واستصوبتُ الأمر ... ومنه اسْتَحْوَذَ وأغيلَتِ المرأةُ، واسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ، واسْتَتْيَسَتِ الشَّاةُ ... ومنه اسْتَفْيَلَ الْجَمَلُ ... واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ في القياس فلا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره، ألا ترى أنك إذا سمعت: اسْتَحْوَذَ واسْتَصْوَبَ أديتهما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما، ألا تراك لا تقول في استقام: اسْتَقْوَمَ، ولا في اسْتَساعَ: اسْتَسْوَغَ، ولا في اسْتَباع اسْتَبْيَعَ ولا في أعاد: أغوَدَ ... ))، فأنت ترى أن ثمة كلمات كثيرة نحو (استصوب، استحوذ) خرجت عن قاعدة الإعلال بالنقل التي تقول (إن حرف اللين إذا تحرك نقلت حركته إلى الحرف الصحيح قبله)؛ لكن هذه الأمثلة المخالفة التي وصفت باطرادها لم تغلب - في عددها- الأمثلة الملتزمة بالقاعدة نحو (استعان، استفاد، استقال، استعاد استبان، قال، سار، نام، عال، دار) ... إلى آخر الأمثلة الملتزمة التي لا يسع ذكرها كلها، من هذا لك أن قولهم للأمثلة المخالفة إنها (مطردة) يعني: كثيرة؛ لكنها ليست غالبة.
تنبيهان:
يتبين
- أولهما أن المطرد في الاستعمال لا يمكن أن يفهم على أنه هو مجرد ورود الظاهرة في المسموع عن العرب حتى لو لم تكن كثيرة؛ بل إن المطرد في المسموع لا بد أن يكون كثيرًا وإن لم يكن غالبا في بابه، ودليل هذا أن ابن جني قال: (( ... وحكى البغداديون: فرس مَقْوُودُ، ورجُلٌ مَعْرُودٌ من مرضه ... ))، ثم علق على ورود تتميم اسم المفعول الأجوف عن البغداديين
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 98 - 99.
2 - نفسه ج 1 ص 98 - 99. (1/17)
صفحة 18
18
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
بقوله: (وكل ذلك شاذ في القياس والاستعمال؛ فلا يَسُوعُ القياسُ عليه، ولا رد غيره إليه ... )، فعلى الرغم من كون ظاهرة تتميم اسم المفعول الأجوف شائعة عند البغداديين، فإنها تُعدّ ظاهرة شاذة مقابلة بما ورد عن أكثر العرب وهو نص يدلنا من جهة أخرى على أن العبرة بما كثر عند القبائل العربية المعتد بها لا بما عند بعضها.
- ثانيهما أن النحاة لم يتفقوا على الكثرة التي ينبغي أن يُعْتَدَّ بها ليصير المسموع مطردًا.
ثالثا: ثلاثة أمور أخرى توصف بالاطراد:
أولها القياس - أي القاعدة وثانيها أصل الظاهرة: فلا شك أن الأقيسة والقواعد والأصول النحوية تبنى على الظواهر اللغوية المطردة، ولذا توصف هذه الأقيسة والقواعد والأصول بالاطراد، فقد جاء في لمع الأدلة: (( ... والشواذ لا تورد نقضا على القواعد المطردة ... ولكن ينبغي أن نعلم بأن الفارق بين اطراد المسموع واطراد القياس أن اطراد المسموع لا يشترط فيه الغلبة، فقد يعني مجرد الكثرة؛ على خلاف اطراد القياس؛ إذ لا يعقل أن تبنى قاعدة على كثرة أمثلة باب وتترك أغلب الأمثلة من الباب نفسه، والدليل على اشتراط الغلبة في القياس القاعدي ما جاء عن الخصائص في "باب في جواز القياس على ما يقل ورفضه فيما هو أكثر منه من أن المهم في القياس غلبة
1 - نفسه ج 1 ص 99. 2 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 107.
3 - انظر فيما قاله ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 115 - 116.
3 (1/18)
صفحة 19
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
19
أمثلة الظاهرة على ما سواها في الباب حتى لو كانت هذه الأمثلة الغالبة تعد بالأصابع ولم يكن ثمة ما هو أكثر منها عددًا.
*
وثالثها العلة: فقد جاء في لمع الأدلة: (( ... وإذا ثبت بطلان هذه العلة مع اطرادها علم أن مجرد الطرد لا يكتفى به ... وقد ذهب قوم إلى أنه حجة واحتجوا على ذلك بأن قالوا: الدليل على صحة العلة اطرادها وسلامتها عن النقض" ... )). والاطراد في العلة الذي يقصده النحاة هو أن تكون العلة منطبقة على كل أمثلة الباب المُعلَّل؛ فإن شذ شيء عنها عُلّل بعلة أخرى تنطبق على جميع الأمثلة الشاذة. وسيأتي كل هذا في شروط العلة.
1 - العلة لها معنيان
1 - السبب المباشر أي القرينة أو العلامة التي إذا وجدت استحق المحكوم عليه حكمه. 2 - والعلة هي السبب الحقيقي لابتداع العرب ظاهرة نحوية أو لوضع مصطلح نحوي أو لحمل مقيس على مقيس عليه. وسيأتي الحديث عن هذه المعاني الفصل الخامس من الباب الأول للكتاب. 2 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 110 - 111. (1/19)
صفحة 20
20
20
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
الشاذ على معنيين:
المبحث الثالث:
الشذوذ
المعنى الأول: قلة أمثلة الظاهرة المخالفة لبابها دون تحديد هذه القلة: وقد أدركنا هذا المعنى من النصوص السابقة لا سيما رد ابن جني على ما حكاه البغداديون فرش مقْوُود" بقوله: كل ذلك شاذ في القياس والاستعمال، فظاهرة تتميم هذا النوع من اسم المفعول الأجوف لم تكن معدومة الورود عن العرب بل وردت عن البغداديين لكنها قليلة مقابلة باستعمال أغلب العرب.
المعنى الثاني: انعدام ورود الظاهرة اللغوية عن العرب: وإنما يَحْكم عليها النحاة بالشذوذ توقعًا أن يقولها أحد في المستقبل، ومثال ذلك الفعل (وَدَعَ) الذي هو ماضي (يَدَعُ) فإنه لم يأت عن العرب، ولم تنطق به؛ رغم أنهم جعلوا -عادة لكل فعل مضارع فعلا ماضيّا، وهذا يعني أن من سينطق بهذا الفعل يكون قد أتى بما هو شاذ في الاستعمال، ولذا جاء في "الأصول في النحو: (( ... ومنه ما شذ عن الاستعمال ولم يشذ عن القياس نحو ماضي (يَدَعُ)، فإن قياسه وبابه أن يقال: وَدَعَ يَدَعُ، إذ لا يكون فعل مستقبل إلا له ماض ولكنهم لم يستعملوا (ودع)؛ استغني عنه ب (تَرَكَ)؛ فصار قول القائل الذي قال ودعه" شاذًا، وهذه أشياء تحفظ ... )).
1 - ابن السراج، الأصول، ج 1 ص 57. (1/20)
صفحة 21
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
21
وحكم الشاذ في كلا المعنيين السابقين أنه لا يعترض به على المطرد ولا تبنى عليه القواعد، ووجود أي شذوذ يرد في استعمال بعض العرب لا ينافي القواعد النحوية المطردة؛ بل يعد ظواهر منفردة تحفظ عن العرب ولا يحمل عليها غيرها، (( ... ) ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم، فمتى وجدت حرفاً مخالفًا لا شك في خلافه لهذه
الأصول؛ فاعلم أنه شاذ ... )) '.
1 - نفسه ج 1 ص 56. (1/21)
صفحة 22
22
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الرابع:
قضيتان تخصان المطرد والشاذ
القضية الأولى: أن هناك جدلا واسعا في ترجيح منهج إحدى المدرستين: المدرسة البصرية والكوفية بين المُحدثين؛ فيما يخص بناء القواعد النحوية على الاطراد أو الشذوذ، وليس هنا مجال بحث هذا الجدل بينهم؛ فإنما اقتصرت في تعريف المطرد والشاذ على نقل ما ورد في الكتب المهتمة بالأصول، وعلى من شاء التوسع في الخلاف بين المدرستين في هذه المسائل أن يطالع الكتب الحديثة المهتمة بذلك.
القضية الثانية: يرى أمين الخولي أن المقصود بالمطرد والشاذ ليس الكثرة في عدد الألفاظ المستعملة في الباب وقلتها؛ وإنما هو ما عرف من الطبيعة العامة للعربية في الباب والشاذ يقابله فيخالف الحال العامة. ونرى أن الحالة العامة للباب لا يمكن التوصل إليها إلا باستقراء أمثلة من الباب
1 - مثال ذلك كتاب "القياس في النحو العربي نشأته وتطوره لسعيد جاسم الزبيدي، ص 47 - 77، وهو يحيلك إلى مصادر آراء المحدثين في تلك القضية. 2 - ذكر هذا سعيد الزبيدي في كتابه القياس في النحو العربي، ص 35، وقد نقل الزبيدي حديث الخولي من مجلة المجمع العلمي العراقي: مجموعة البحوث والمحاضرات لمؤتمر الدورة الثانية والثلاثين غير العادية ببغداد، 1385ھ / 1956 م، ص 101.
3 - جاء في الكليات لأبي البقاء الكفوي، ص 105 - 106: ((الاستقراء هو تتبع جزئيات الشيء، فالتام منه هو الاستقراء بالجزئي على الكلي نحو كل جسم متحيز"، فإنه لو استقريت جميع جزئيات الجسم من جماد وحيوان ونبات لوجدتها متحيزة، وهذا الاستقراء دليل يقيني فيفيد اليقين ... والناقص هو الاستقراء بأكثر الجزئيات نحو كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضع"، وهذا الاستقراء دليل ظني فلا يفيد
إلا الظن)). (1/22)
صفحة 23
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
23
نفسه استقراء ناقصا وكذلك الكثرة العددية للأمثلة تحتاج إلى الاستقراء الناقص؛ لأن أكثر القواعد النحوية - إن لم تكن كلها - لم تُبنَ على الاستقراء
التام، ولذا لا داعي للقول بالحال العامة. (1/23)
صفحة 24
24
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الخامس: تحديد المطرد والشاذ بنسب محددة تفرقهما عما عداهما من المصطلحات القريبة من معناهما
أولاً: عدم تعارف النحاة على نسبة للاطراد ولا على نسبة للشذوذ: لم يكن ثمة اهتمام واضح عند النحاة القدماء في البداية بوضع نسبة أو معيار ثابت للمطرد بحيث يُعد المسموع مطردًا إذا بلغ هذه النسبة؛ ويُعدّ شاذًا إذا لم يبلغها، وبذلك يُفَرَّق بينهما وبين مصطلحات أخرى كالغالب والكثير واليسير والقليل ... إلخ؛ بل وجدنا للمطرد في كلام النحاة مصطلحات ترادفه مثل الكثير، ووجدنا للشاذ مرادفاته أيضًا مثل النزر والقليل، فقد سئل أبو عمرو زبان بن العلاء البصري (ت 254 هـ): ((" كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات))، وفي "الإيضاح في علل النحو: (( ... إن الشيء إذا اطرد عليه باب، فصح في القياس، وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذ نزر قليل؛ لعلة تلحقه، لم يكن ذلك مبطلا للأصل والمتفق عليه في القياس المطرد، ومثال ذلك موجود في جميع العلوم؛ حتى في علوم الشرائع والديانات ... )).
1 - الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، ص 39. 2 - الزجاجي، الإيضاح في علل النحو، ص 113. (1/24)
صفحة 25
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
25
ثانيًا: محاولة ابن هشام وضع نسب الاطراد والشذوذ وغيرهما، ورأينا
فيما قاله:
ظهرت محاولة تحديد المطرد والشاذ عند النحاة المتأخرين، ومنهم ابن
هشام عبدالله بن أحمد الأنصاري (708) - 761 هـ) فقد رُوي عنه قوله: (( ... اعلم أنهم يستعملون غالبًا وكثيرًا ونادرًا وقليلا ومطردًا، فالمطرد لا يتخلف، والغالب أكثر الأشياء ولكنه يتخلف والكثير، دونه، والقليل دونه، والنادر أقل من القليل: فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب والثلاثة قليل والواحد نادر. فاعلم بهذا مراتب ما يقال فيه ذلك ... )).
فإذا أردنا أن نُخْرج النسب مما ذكره ابن هشام ظهر ما يلي:
1 - المطرد: 23 × 100 + 23 = 100 %.
2 - الغالب: 20 × 100 + 23 = 68.95 %.
3 - الكثير: 15 × 100 + 23 = 65.21 %.
1 - السيوطي، الاقتراح في علم أصول النحو، ص 21، وذكر السيوطي تلك النسب أيضًا في المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج 1 ص 234. وممن ذكر تلك النسب المفرقة أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت 1094 هـ / (1683 م) في موسوعته "الكليات" ص 529، ويظهر أنه في موسوعته يحاول جمع آراء من قبله بغض النظر عن اختلافها التخصص؛ لذا أضاف فروقًا أخرى بين المصطلحات فقال: ((الشاذ هو الذي يكون وجوده قليلا لكن لا يجيء على القياس. والضعيف هو الذي يصل حكمه إلى الثبوت. والشاذ المقبول هو الذي يجيء على خلاف القياس، ويُقْبَل عند الفصحاء والبلغاء ... والنادر ما قل وجوده وإن لم يكن بخلاف القياس ك (خزعال). والضعيف ما يكون في ثبوته كلام ك (قُرطاس) بالضم ... ))، ثم ذكر تلك النسب أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد النايلي الشاوي الجزائري (1030 - 1096ھ/ 1685 - 1621 م) في كتابه "ارتقاء السيادة في علم أصول النحو، ص 51. (1/25)
صفحة 26
26
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
4 - القليل: 3 × 100 + 23 = 13.04 %.
-4 - النادر: 1 x 100 : 23 = 4.34 %.
وتلك المحاولة لا جدوى منها؛ لعدم اتفاق النحاة على هذه النسب التفصيلية، ولأنا وجدنا كثيرًا من قواعد النحو لم تُبنَ على الاطراد الذي يعني عند ابن هشام خلوص الظاهرة من الشواذ تمامًا لأنه أمر يعسر حصوله في كل ظواهر اللغة، وإلا كانت قواعد اللغة العربية أقل بكثير مما هي عليه الآن، ولأدى هذا حذفَ الكثير من أبواب النحو الضرورية، فمن أمثلة القواعد التي شذت عنها بعض الأمثلة:
1 - مجيء كثير من الأسماء مبنية كأسماء الأفعال والضمائر وأسماء الموضولات وأسماء الإشارة والظروف؛ على خلاف الغالب في الأسماء إذ الغالب فيها الإعراب، وهذه الأسماء المبنية ليست كلها مطردة البناء تمامًا؛ لأن فيها المعرب مثل المثنى من اسم الإشارة: هذين وهاتين؛ والمثنى من اسم الموصول نحو: اللذين واللتين ..
2 - خروج الفعل المضارع عن البناء الذي عليه غالب الأفعال إلى الإعراب، وليس كل فعل مضارع مطردًا في الإعراب تماما؛ لأنه إذا اتصل بنون التوكيد أو نون النسوة بني على أصله.
ولعل الحل الأمثل الأخذ بما زاد على النصف إذا كانت الغاية منه وضع قواعد تعليمية مطردة لتدريس العربية لعامة الطلاب، وأما ما شذ فيحفظ للمتخصصين والباحثين والأدباء؛ ليجدوا فيه ما يحتاجونه من سعة واضطرار وظواهر تصلح للبحث والدراسة. (1/26)
صفحة 27
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
27
وقد توسع بعض القدماء والمحدثين في الاصطلاحات القريبة من معنى المطرد والشاذ مثل الوجه والباب والمُثلَئِب والشائع والمنكر والنادر والمهجور والمحال والرديء والغريب والفاسد والقبيح ... إلخ؛ فليرجع إلى كتبهم من أراد التوسع فيها، وكل هذه المصطلحات لا جدوى من الالتفات إليها؛ لأن النحاة في تنظيرهم أقسام المسموع حسب الاطراد والشذوذ لا يذكرون سوى مصطلحي المطرد“ و“الشاذ“، فلا يذكرون مصطلح الكثير ولا القليل ولا الغالب ولا النادر ولا غيرهما مما يعني أن الذي استقر عليه الاصطلاح النحوي هو مصطلحا المطرد والشاذ لا غير، وسيأتي الكلام في أقسام المسموع حسب الاطراد والشذوذ في الاستعمال والقياس قريبا من هنا.
1 - من القدماء الذين توسعوا في شرح الاصطلاحات القريبة المعنى من المطرد والشاذ- السيوطي في "المزهر" في جزئه الأول حيث فرق بين أربعة أنواع، أي أبواب هي: "النوع التاسع: معرفة الفصيح"، ثم النوع العاشر: معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات"، ثم "النوع الحادي عشر: معرفة الرديء والمذموم من اللغات، ثم: النوع الثاني عشر: معرفة المطرد والشاذ، ومن المحدثين سعيد الزبيدي في "القياس في النحو العربي" ص 35 - 37، 61، 135 - 159. (1/27)
صفحة 28
28
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث السادس:
علاقة الاطراد بعدد أمثلة الظاهرة
قد عرفنا أن اطراد المسموع إما أن يعني غلبة أمثلة ظاهرة معينة على أمثلة بابها المخالفة لها؛ وإما أن يعني كثرة الأمثلة دون غلبتها، وعرفنا أيضًا أن كثرة الأمثلة ليست حُجّة في إقامة القواعد؛ وإنما المطلوب غلبتها، ولكن .. ماذا لو وجدنا ظاهرة لغوية لم تَرِدُ لها من الأمثلة في اللغة سوى ثلاثة أمثلة؟ هل نقول إن هذه الظاهرة مطردة لأنها غالبة فنقيم لأمثلتها الثلاثة قاعدة؛ أو نتغاضى عن هذه الأمثلة ولا نفتح لها بابا؟
إن الإجابة حتى عن هذه الحالات الغريبة لم تفت النحاة القدماء؛ لسعة مداركهم؛ وتقليبهم المسائل على مختلف أوجهها، فقد وجدنا عبقرية ابن جني قد بحثت هذه المسألة، ووافتنا بالتفصيل التالي في "باب في جواز القياس على ما يقل ورفضه فيما هو أكثر منه": (( ... وذلك أن يقل الشيء وهو قياس، ويكون غيره أكثر منه إلا أنه ليس بقياس. الأول: قولهم في النسب إلى (شَنُوءَة): شَنَيَّيّ، فَلَكَ مِن بعد أن تقول في الإضافة إلى (قَتُوبَة): قتبي، وإلى رَكُوبَة رَكَبِي، وإلى حَلُوبَة: حَلبي، قياسًا على شَنَئِي ... قال أبو الحسن: فإن قلت إنما جاء هذا في حرف واحد يعني شنوءة- قال فإنه جميع ما جاء، وما ألطف هذا القول من أبي الحسن! وتفسيره أن الذي جاء
1 - يعني سعيد بن مسعدة البصري (ت 215 هـ)، تلميذ الخليل وسيبويه. (1/28)
صفحة 29
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
29
29
من (فَعُولَة) هو هذا الحرف والقياس قابله، ولم يأتِ فيه شيء ينقضه، فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضًا صحيحًا في القياس مقبولا؛ فلا غرو ولا مرام. وأما ما هو أكثر من باب (شنئي) ولا يجوز القياس عليه لأنه لم يكن هو على قياس؛ فقولهم في (ثقيف: ثقفي، وفي (قُرَيْش): قُرَشِي، وفي (سُلَيْم): سُلَمِي، فهذا وإن كان أكثر من (شنئي) فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس، فلا يجيز على هذا في سَعِيدٍ): سَعَدِي، ولا في (كريم): كَرَمي. فقد برد في هذا الموضع قانون يُحْمَل عليه ويُردّ غيره إليه ... )). وفي نظرنا: لو أن قائلًا قال: وكيف نطمئن إلى مثل تلك الأمثلة اليسيرة؛ وفي أنفسنا شك أن تكون مصنوعة بيد الراوي؛ أو منحولة بيد النحوي؛ ولم تقلها العرب ولا عرفتها؟! لأجابه ابن جني بقوله: إن ضابط ذلك ألا تخالف تلك الأمثلة اليسيرة أقيسةً أي -قواعد مبنية على أمثلة جَمَّة، ولذا قال ابن جني في النص السابق: (( ... وتفسيره أن الذي جاء من (فَعُولة) هو الحرف والقياس، قابله، ولم يأتِ فيه شيء ينقضه، فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضًا صحيحًا في القياس مقبولا: فلا غرو ولا مرام ... )). ونستفيد من كلام ابن جني السابق أيضًا في التأكيد على أن القياس -أي القاعدة- لا يكفي للتوصل إليه مجرد كثرة الأمثلة في بابها؛ بل لا بد من غلبتها
على غيرها.
هذا
1 - يقصد بقوله " والقياس قابله أن وزن (فَعُولَة) الذي جاءت عليه كلمة (شَنُوءَة) يمكن قياسه على وزن (فَعِيلة) الذي إذا نُسِبَ صار (فَعَلِيّ) نحو (حَنِيفَة: حَنَفِيّ)، وبذلك يصح أن ننسب إلى (فَعُولَة) فنقول (فَعَلِيّ)، والجامع بين الوزنين أمور عدة أولها أنهما ثلاثيان، وثانيهما أن ثالث حرف منهما حرف لين، وأنهما مختومان بتاء التأنيث. وكل هذه الجوامع لفظية (شكلية)، وقد ذكرها ابن جني في حديثه عما يقل وهو قياس وما يكثر وهو غير قياس؛ لكن الباحث لم يجد مسوّغا لسوقها لأنها تثير بلبلة لمن يقرأها؛ ذلك لأنها كالوصف الخارج عن الحد.
2 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 115 - 116. (1/29)
صفحة 30
30
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث السابع: الغاية من عناية النحاة
بالمطرد والشاذ
الغاية الأولى:
-
يعد الاطراد الغالب شرطاً من شروط المسموع التي ينبغي حصولها لإمكان الاستشهاد به في بناء قواعد النحو، وقد كان البصريون يصرون على ترك الشاذ واتباع المطردة؛ لبناء قواعد نحوية مضبوطة تقدم للطالب المتعلم النحو النقي لئلا يغرق في الخلافات التي يمثلها الشاذ، فتضيع غاية النحو التي هي نشر العربية بين الناس وتقويم اللسان العربي على ما كان عليه، والحفاظ على أن تبقى فصاحة القرآن العزيز وأساليبه معهودة بين أبناء الإسلام؛ غير غريبة عليهم في أي عهد والنحاة بعد ذلك لا يلغون الشاذ؛ بل يحفظونه لمن أراد الانتفاع به في غير تقعيد العربية، وهذا المنهج في تقعيد المسموع
الغالب معتمد حتى عند الذين لهم مآخذ على النحو العربي.
3 - قد ذكرت سابقا قول أبي عمرو بن العلاء البصري: أعمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات للتمثيل على ذلك.
4 - من هؤلاء إبراهيم مصطفى في إحياء النحو " ص 113 حيث تحدث عن العلامات الفرعية للإعراب وأول الحركات الفرعية إلى حركات جاءت للإشباع؛ لكنه وجد أن المثنى خرج عن هذه القاعدة فقال مقرًا بعدم اعتماد المثنى لخروجه عن الغالب في استعمال العرب ..... ولم يبق من العلامات الفرعية إلا باب المثنى، ونقرر أنه قد شذ عن أصلنا ... فليس يقدح شذوذ المثنى في أمر تقرر في سائر العربية واستقام في كل أبوابها)). (1/30)
صفحة 31
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
31
وقد مر بنا عند الحديث عن حد المطرد والشاذ تعريف أبي البركات عبدالرحمن بن محمد الأنباري (513 - 577 هـ) المتضمن شروط المسموع: النقل هو الكلام العربي الفصيح المنقول بالنقل الصحيح الخارج عن حد
القلة إلى حد الكثرة)).
وهنا ينبغي التنبيه على أمور:
2 u
- أولها أن ثمة مصطلحات يوصف بها المسموع ولا علاقة لها بالاطراد والشذوذ، ومثال هذه المصطلحات قوله ”الفصيح و “الصحيح - ثانيها أن المسموع الذي يبلغ حد الاطراد الغالب يُجَرَّد ليتخذ قاعدة مجردة أي قياسًا، ومن ثُمَّ يقاس عليه غيره من ن ثُمَّ يقاس عليه غيره من أمثلة الظاهرة؛ على رأي الجمهور من النحاة، ودليل ذلك قولهم: ... إن الشيء إذا اطرد عليه باب فصح في القياس وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذ نزر قليل، لعلة
شرح السيوطي في "المزهر" معنى الفصيح فقال ج 1 ص 18: ((الكلام عليه في فصلين: أحدهما بالنسبة إلى اللفظ والثاني بالنسبة إلى المتكلم به، والأول أخص من الثاني؛ لأن العربي الفصيح قد يتكلم بلفظة لا تعد فصيحة)). ثم تحدث عن فصاحة اللفظ فقال ص 185: (( ... والمفهوم من كلام ثعلب أن مدار الفصاحة في الكلمة على كثرة استعمال العرب لها ... )) ثم تحدث في "الفصل الثاني في معرفة الفصيح من العرب" عن القبائل العربية الفصيحة؛ فلترجع إلى حديثه ص 209 - 213. وفي رأينا أن النحاة لا يشغلهم سوى فصاحة القبائل، وأما فصاحة اللفظ فهي تهم البلاغيين. 2 - الكلام الصحيح هو ما صحَ سَنَدُ روايته من الراوي إلى العربي الفصيح؛ على أن يكون رجال السند ثقات أي عدولًا أمناء. وتنقسم الرواية حسب عدد الرواة إلى متواترة وآحاد، فالمتواترة هي التي نقلها جماعة من أهل الثقة لا يقلون عن عشرة فيستحيل بهذا كذبهم، وأما الرواية الأحادية فهي التي نقلها ثقات لا يصل عددهم إلى حد التواتر. انظر في "لمع الأدلة" للأنباري ص 81 - 83؛ بتصرف. 3 - نعني بجمهور النحاة أغلبهم، ولا شك أن أغلب النحاة يعتمدون المذهب البصري كما تدل أكثر
المصنفات النحوية. (1/31)
صفحة 32
32
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
تلحقه، لم يكن ذلك مبطلا للأصل، والمتفق عليه في القياس المطرد ... )) وقولهم كذلك: ((واعلم أنه ربما شذ الشيء عن بابه؛ فينبغي أن تعلم أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يُغن بالحرف الذي يشذ منه فلا يطرد في نظائره، وهذا يستعمل في كثير من العلوم ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم، فمتى وجدت حرفًا مخالفًا لا شك في خلافه لهذه الأصول فاعلم أنه شاذ ....
- ثالثها أن منهج القياس الذي يسعى إلى تقعيد ظواهر اللغة المطردة لا بد له من المرور بالاستقراء كما رأينا؛ إذ الوصول إلى القاعدة لا يتأتى إلا بالبحث في مدى اطراد أمثلتها، وهذا يعطي للمنهج القياسي شيئًا من الصبغة العلمية التي تؤكد عدم إمكان رفض كل دعائم المنهج القياسي الذي لا بد أن يُعتمد عليه في بناء قواعد مطردة تعليمية فلهذا نختلف في نظرنا مع قول بعض الوصفيين: ((إن رفض اتخاذ القياس منهجًا للبحث ليس رفضًا تحكميا؛ بل رفضا يقوم على أسس علمية ذلك أن اتخاذ القاعدة أساسًا ثم فرضها على المفردات عمل يجافي الروح العلمية الصحيحة؛ لأنه يقوم أساسًا
1 - الزجاجي، الإيضاح، ص 113. 2 - ابن السراج، الأصول، ص 56.
3 - الوصفيون هم أتباع علم اللغة الحديث الذي أسسه فردناند دو سوسور السويسري (1857 - 1913 م) في القرن العشرين الميلادي بعد أن ألقى محاضرات في علم اللغة العام" بين 1906 - 1911 م، ثم انتشر مذهبه عام 1972 م انتشارًا واسعا، وهو يرى أن الغاية من دراسة اللغة تَعَرُّف خصائصها لا علاقتها بالمؤثرات الخارجية. ويعد اللغة ظاهرة اجتماعية متطورة لا تظل على معايير ثابتة على مرور الزمن. ويفرق بين منهجين لدراسة اللغة: منهج تاريخي يعنى بتطور ظاهرة لغوية على مرور الزمن، ومنهج وصفي يدرس مستوى لغويا واحدًا كلهجة تميم مثلا في مدة زمنية محددة. انظر في "علم اللغة في القرن العشرين" لجورج مونان، ص 59 - 64. (1/32)
صفحة 33
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
333
على التحكم؛ إذ يبدأ من النهاية إن صح هذا التعبير، والتحكم لا يتفق في طبيعته مع الروح العلمية. أما الاستقراء فهو المنهج الصحيح الذي يتسم بالتسامح، ويبدأ من حيث يجب البدء؛ من المفردات إلى الملاحظة الشاملة. والاستقراء ليس منهجًا علميًا سليمًا في دراسة اللغة فقط؛ بل أصبح منذ وقت
طويل منهجًا في الدراسات الإنسانية والتجريبية على السواء ... )). الغاية الثانية:
العناية بالاطراد من ناحية أخرى راجع إلى أنه من الفروق بين علم اللغة في القديم وعلم النحو، لأن موضوع الأول هو البحث عن معاني المفردات اللغوية وما يتصل بهذا المجال، ووسيلته في ذلك الاستقراء التام الذي يسعى إلى الإحاطة بكل ألفاظ اللغة ومعانيها بقدر الإمكان، فهو بهذا على خلاف النحو الذي يستعمل الاستقراء الناقص؛ ليستغني بالقواعد المطردة عن الأمثلة الكثيرة، فعلى هذا: نتائج علم اللغة = معرفة تجميعية. ونتائج علم النحو = نظام مضبوط، وصناعة يمكن لطالب العلم أن يتعلمها ويطبقها على
أمثلتها المندرجة تحتها.
1 - عيد أصول النحو العربي، ص 99.
2 - علم اللغة في القديم هو ((نقل الألفاظ الدالة على المعاني المفردة، وضبطها، وتمييز الخاص بذلك اللسان من الدخيل فيه، وتفصيل ما يدل على الذوات مما يدل على الأحداث، وما يدل على الأدوات، وبيان ما يدل على أجناس الأشياء وأنواعها وأصنافها مما يدل على الأشخاص، وبيان الألفاظ المتباينة والمترادفة والمشتركة والمتشابهة. ومنفعته الإحاطة بهذه المعلومات خبرًا، وطلاقة العبارة، والتمكن من
اليقين في الكلام، وإيضاح المعاني بالألفاظ الفصيحة؛ والأقوال البليغة)). انظر في "إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد في أنواع العلوم" لابن الأكفاني، ص 111.
3 - العلم المضبوط هو الذي يتصف بالموضوعية والشمول والتماسك والاقتصاد، ومثاله أغلب العلوم الطبيعية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء. والعلم غير المضبوط هو أنواع المعارف الجمعية التي لا تتصف بتلك الخصائص، مثل علم المعجم وعلم الأدب. انظر في "الأصول" لتمام حسان، ص 13 - 19. (1/33)
صفحة 34
34
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
ولعل عبد الله بن أبي إسحاق (ت 117 هـ) أول من استخدم مصطلح المطرد في الدراسات النحوية، وبه فرق بين النحو واللغة حين سأله يونس بن حبيب (ت 182): ((هل يقول أحد الصُّوَيق .. يعني السُّوَيْق؟ قال: نعم ... وما تريد
إلى هذا؟!. عليك بباب من النحو يطرد وينقاس!)).
1 - ابن سلام طبقات الشعراء، ص 48 (1/34)
صفحة 35
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
35
المبحث الثامن: أقسام المسموع حسب اطراده أو شذوذه في الاستعمال والقياس أي القاعدة، وأحكام كل قسم
يمكننا الآن أن نفهم أنواع المسموع حسب اطراده في السماع والقياس القاعدي أو شذوذه فيهما؛ بعد أن سلف الحديث -سواء في المتن أو الحواشي عن معنيي القياس (القاعدة والحمل)، ومعاني الاطراد (غلبة المسموع، وكثرة المسموع وغلبة أمثلة (القاعدة)، وبعد أن مضى الكلام في معنى (المثال) و (الباب)، فإن الذي عقد بعض مباحث النحاة القديمة هو عدم التقديم لها بتفسير ما يتعلق بها من مصطلحات.
أولاً: تقسيم المسموع حسب الطراده أو شذوذه في الاستعمال والقياس: يرى النحاة أن كل ما يسمع من كلام عربي يمكن تقسيمه حسب اطراده
أو شذوذه في الاستعمال والقياس - أي القاعدة- إلى أربعة أقسام:
1 - فضلت أن أشرح الأقسام الأربعة بأسلوبي ليتجنب القارئ الصعوبة وعدم التفصيل اللذين قد يواجههما إذا اطلع على الكتب القديمة، وأنبهه على أن هذه التقسيمات لا تراعي اللهجات العربية القديمة، وإنما تراعي الفصحى أي الغالب في استعمال العرب القدماء، وهو أمر فعله النحاة قبلي ببداهتهم؛ إذ لا بد من الاقتصار على اللغة الشائعة في العربية ليتسنى معرفة ما شذ عنها وما لم يشذ. وقد قال ابن جني (ت 392 هـ) في الخصائص ج 2 ص 10: (( ... وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها؛ لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها ... )). ويبدو لنا أن ابن السراج (ت 316 هـ) أول من قسم الظواهر النحوية إلى مطردة وغير مطردة في السماع والقياس، وذلك في كتابه "الأصول في النحو" ج 1 ص 57؛ لكنه قسمها حسب الشذوذ فقط، فخرجت ثلاثة أقسام؛ فلم يذكر ما اطرد في السماع والقياس. ثم جاء ابن جني بعده فقسمها في "الخصائص" ج 1 ص 97 - 98 الأقسام الأربعة المذكورة التي سار عليها غيره مثل السيوطي (ت 911 هـ) في كتابيه المزهر، ج 1 ص 227 - 230، والاقتراح، ص 21. (1/35)
صفحة 36
36
اصول النحو .... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
القسم الأول: المطرد في القياس والاستعمال:
مثاله رفع الفاعل في جملة قام زيد، فإن رفع الفاعل هنا يوافق قياس النحاة أي قاعدتهم القائلة (كل فاعل مرفوع)، كما أن رفع الفاعل هنا يوافق الاستعمال أي الشواهد التي جاء فيها الفاعل مرفوعًا في أغلبها. وحُكم هذا القسم أنه يُتَّخَذ قاعدةً، ويقاس عليه في حكمه سائر الأمثلة التي توافقه، قال ابن جني: (( ... مطرد في القياس والاستعمال جميعًا، وهذا هو الغاية المطلوبة والمثابة المنوبة، وذلك نحو قام زيد ... )).
القسم الثاني: المطرد في القياس الشاذ في الاستعمال:
مثاله إذا نطق أحد العرب فأتى بالفعل الماضي (وَدَعَ)، فإنه يكون قد وافق القياس أي القاعدة القائلة (لكل فعل مضارع فعل ماض)، ولكنه من جانب آخر قد خالف الاستعمال إذ لا توجد شواهد نُطق فيها ماضي (يَدَعُ)؛ لأن العرب لم تضع لهذا الفعل المضارع فعلا ماضيا كما وضعت لغيره من الأفعال. وحُكم هذا القسم أنه إذا جاء يحفظ ولا يستعمل في الكلام، وأما بابه أو قاعدته التي لها أمثلة أخرى مطردة فإنه يقاس عليها. جاء في أصول ابن السراج: (( ... ) ومنه ما شذ عن الاستعمال ولم يشذ عن القياس نحو ماضي (يَدَعُ)، فإن قياسه وبابه أن يقال: وَدَعَ يَدَعُ، إذ لا يكون فعل مستقبل إلا له ماض، ولكنهم لم يستعملوا (ودع)؛ استغني عنه ب (تَرَكَ)، فصار قول القائل الذي قال (وَدَعَهُ) شاذا. وهذه أشياء تحفظ ... )).
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 97.
2 - ابن السراج، الأصول، ج 1 ص 57. (1/36)
صفحة 37
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
37
القسم الثالث: الشاذ في القياس المطرد في الاستعمال: كقول العرب (اسْتَصْوَبَ)، فهذا أمر شاذ في القياس أي القاعدة القائلة كل فعل أو اسم تحركت عينه اللينة نُقِلَت الحركة إلى الحرف الصحيح قبلها)، فكان ينبغي أن يقال (اسْتَصابَ) كما قيل (استقام) و (قام) و (استعادة) و (مستفاد) ... إلخ، ولكنه من جانب ثان مطرد في الاستعمال لورود كلمات كثيرة مثله وإن لم تغلب في عددها الكلمات الملتزمة بالقاعدة، ومثال هذه الكلمات: (استحوذ) و (أغيل) و (استنوق) و (استتيست) و (استفيل) و (أخوص) ... إلخ. وحكم هذا القسم نراه في قول ابن جني: (( ... واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ في القياس فلا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه؛ لكنه لا يُتَخَذ أصلا يقاس عليه غيره، ألا ترى أنك إذا سمعت (اسْتَحْوَذَ) و (اسْتَصْوَبَ) أديتهما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما، ألا تراك لا تقول في استقام: اسْتَقْوَمَ)، ولا في (استساغ): (اسْتَسْوَغ)، ولا في (استباع): (اسْتَبْيع)، ولا في (أعاد): (أغوَدَ) ... )).
القسم الرابع الشاذ في القياس والاستعمال: مثال ذلك قول البغداديين "فرسُ مَقْرُودٌ، فَهُم هنا قد تتموا اسم المفعول الأجوف بنطق الواو، وبذلك خالفوا القياس أي القاعدة النحوية القائلة "كل اسم مفعول على وزن (مَفْعُول) معتل العين تحذف عينه، وقد خالفوا الاستعمال أيضًا لأن أكثر العرب لم يرد عنهم ذلك في شواهدهم، وحَكَمَ النحاة على هذا القسم بقولهم: (( ... ومنه ما شذ عن القياس والاستعمال فهذا الذي يُطَّرَح ولا يُعَرَّج عليه ... )).
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 99. 2 - ابن السراج، الأصول ج 1 ص 57. (1/37)
صفحة 38
38
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
ثانياً: ملحوظاتنا في أقسام المسموع السابقة:
الملحوظة الأولى:
يلاحظ أن مصطلح المطرد في السماع في تلك الأقسام يقصد به عموم الكثرة؛ بغض النظر عن كون هذه الكثرة غالبة في بابها أو غير غالبة، على الرغم من أن المطرد في السماع كما رأينا في حد المطرد- قد يعني الغالب في الباب أو الكثير غير الغالب. وكذلك نراهم قد جعلوا الشاذ في هذه الأقسام بمعناه العام وهو القليل بغض النظر عن كونه معدوم الورود أو قليل الورود. ولو أن النحاة اعتمدوا الفارق بين معنيي الاطراد في المسموع) و (معنيي الشذوذ في المسموع)، كما جاء في دراستنا هذه؛ لخرجت تلك الأقسام على ثمانية كما يلي: 1 - مطرد في القياس - كثير في الاستعمال: لم يضربوا له مثالاً. 2 - شاذ في القياس - كثير في الاستعمال: وهو الصورة التي يمثلها القسم
الثالث (ج). 3 - مطرد في القياس - غالب في الاستعمال: وهو الصورة التي يمثلها القسم الأول (أ).
4 - شاذ في القياس - غالب في الاستعمال: لم يضربوا له مثالاً. 5 - مطرد في القياس - قليل في الاستعمال: لم يضربوا له مثالًا. 6 - شاذ في القياس - قليل في الاستعمال: وهو الصورة التي يمثلها القسم الرابع (د).
7 - مطرد في القياس - معدوم في الاستعمال: وهو الصورة التي يمثلها القسم الثاني (ب). (1/38)
صفحة 39
الفصل الأول: السماع والاطراد والشذوذ
39
8 - شاذ في القياس - معدوم في الاستعمال: لم يضربوا له مثالاً. والثمرة من هذا التقسيم الجديد إلى ثمانية هو توضيح المقصود من المطرد والشاذ في الاستعمال والقياس توضيحًا تفصيليًا يدفع سوء الفهم والإشكال اللذين يُحْدِثهما التقسيم الرباعي القديم للقدماء الذي لا يُعيننا على فهم المطرد والشاذ في القديم على حقيقتهما.
الملحوظة الثانية:
إن الحكم باطراد ظاهرة أو شذوذها في السماع أو القياس يتطلب بحثًا مضنيا لاستقراء أمثلتها من ألوف الشواهد، فعلى طالب هذا العلم ألا يعد آراء القدماء في تلك الأقسام أمورًا مُسَلَّما بها، فقد يجد بعد البحث والتنقيب ما يخالف به القدماء. ثم إنه يمكن التوفيق في أحيان كثيرة - لسعة قواعد اللغة العربية - بين الكلام الشاذ والقاعدة المطردة؛ فقد (( ... يختلف ظاهر الكلام مع مطالب القاعدة، ولكنه يمكن التوفيق بينهما بالتأويل)).
1 - التأويل والتقدير سيان، ومعناهما: صرف) الكلام عن ظاهره إلى وجوه خفية تحتاج لتقدير وتدبر، وأن النحاة قد أولوا الكلام وصرفوه عن ظاهره لكي يوافق قوانين النحو وأحكامه)). أو هما: رد الفرع أو الظاهرة اللغوية التي شذت أو عدلت عن أصل اللفظ أو عن القاعدة الأصلية إلى أصلها. وقد تحدث القدماء من النحاة عن تأويل الخارج عن أصل اللفظ كثيرًا فمن أمثلته:
أ - تأويل المصدر غير الصريح.
ب - تأويل اسم الفاعل إلى (الذي ضرب).
ج - تقدير استتار الضمير.
د - تقدير المحذوف.
ه - تقدير استتار أن الناصبة.
انظر في أصول النحو العربي لمحمد عيد ص 163 - 167، والأصول لتمام حسان ص 157 - 171.
2 - تمام، الأصول، ص 169. (1/39)
صفحة 40
40
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الملحوظة الثالثة:
كان على النحاة أن يضعوا ضوابط متعددة قبل الخوض في هذه
الأقسام منها:
1 - كان عليهم أن يمهدوا لها بشرح المصطلحات المتعلقة بهذه الأقسام؛ لئلا يشكل على طالب العلم فهمها ولعل عذرهم في ذلك شهرة هذه المصطلحات في عهدهم لكثرة استخدامها، لكنه عذر لا يلغي الحاجة إلى
التفرقة بين هذه المصطلحات ولو في موضع آخر من مباحثهم. 2 - وكان عليهم أن يصرحوا بأن العبرة في هذه الأقسام بما شاع عن أغلب
العرب دون الالتفات إلى الظواهر في كل لهجة عربية.
الملحوظة الرابعة:
الحكم باطراد ظاهرة في القياس أمر نسبي؛ لأنه يختلف باختلاف الباب الذي ينظر إليه النحوي فيما يخص الظاهرة، فنحن نجد أن النحاة في القسم الثاني (المطرد في القياس؛ الشاذ في الاستعمال قد حكموا على ماضي يدع (وَدَعَ) بالنظر إلى باب الفعل بصفة عامة الذي يقرر أن لكل فعل مضارع ماضيا)، وكان يمكنهم أن ينظروا إلى الباب الصغير المباشر الذي ينتمي إليه الفعل (وَدَعَ) وهو باب الفعل المعتل المثال، ثم يسألوا أنفسهم: هل لأكثر الأفعال المضارعة المعتلة الفاء فعل ماض؟ فإن كان الجواب بنعم فإن الفعل (ودع) مطرد في القياس لأنه مطرد في بابه. وإن كان الجواب بلا فإن الفعل (وَدَعَ) شاذ في القياس لأنه شاذ في بابه.
في حين نجد النحاة في القسم الثالث الشاذ في القياس؛ المطرد في (1/40)
صفحة 41
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
41
الاستعمال قد حكموا على الفعل (استضوب) بأنه شاذ في القياس نظرًا إلى الغالب في أمثلة بابه المباشر الذي ينتمي إليه وهو باب (الأجوف المتحرك العين)، ولو أنهم نظروا إلى الباب البعيد الكبير الذي ينتمي إليه -وهو باب الفعل بصفة عامة لوجدوا أن أغلب الأفعال - لا سيما الصحيحة الحروف. تحتفظ بحروفها الأصول في أغلب الحالات فلا تُعلُّ ولا تقلب ولا تُبدل، ولَحَكَموا باطراد الفعل (استضوب) في القياس. وذلك الأمر إذا تدبرناه جيدا يفتح ثغرة كبيرة في منهج النحاة القدماء إذ إنه يترتب عليه اختلاف وجهات النظر في المسألة الواحدة، فكل نحوي قد يقيس المسألة على الباب الذي يراه مناسبًا بحسب بعد نظره أو قربه كما رأينا، والحل المثالي في رأينا لدفع هذا الإشكال هو الاعتداد بأقرب باب تنتمي إليه الظاهرة ما دامت هناك أمثلة متعددة لها.
الملحوظة الخامسة:
إن حكم النحاة على ما شذ بأنه يحفظ ولا يقاس عليه يُبرئ ساحتهم من اتهامهم بمحاولة إخضاع المتكلمين وإجبارهم على الالتزام بقواعدهم وأقيستهم في كل حال، واتهامهم بتضييع ثروة النصوص الشاذة التي كانت تصلهم؛ لأن قولهم "يحفظ" يعني أنه يُسجّل؛ لكنه لا يتخذ لبناء قواعد مطردة غايتها تعليمية، وإلا ضاعت غاية علم النحو. ولذا نختلف مع تمام حسان حين يقول: (( ... وما اطرد في السماع والقياس فهو الغاية التي سعى إليها وودوا بجدع الأنف أن يلزموا بها النصوص وأصحاب النصوص، وهيهات فاللغة ملك المتكلمين لا ملك النحاة ... )).
1 - نفسه، ص 152.
النحاة (1/41)
صفحة 42
42
تنبيه
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
وفي ختام الحديث عن المطرد والشاذ نود أن نشير إلى أن ما ذكرناه في قضية الاطراد والشذوذ ليس هو كل ما يتصل بهما؛ لأنما القصد هو ذكر ما يعني القارئ من ضرورة فهم هذين المصطلحين بتعريفهما وذكر أقسامهما ودفع الإشكال فيما يتصل بهما من مصطلحات أو مسائل مختلف فيها تؤدي صعوبة تصور مفهوميهما وعلاقتيهما ببقية المفاهيم والقضايا الأخرى، فمن القضايا التي تركتُ الحديث عنها: أسباب شذوذ الظواهر اللغوية، كيفية استثمار الظواهر الشاذة في العصر الحديث وضوابط ذلك. فعسى أن نكون قد وفّينا مطلب هذا الفصل بفضل الله عز وجل. (1/42)
صفحة 43
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
خرائط ذهنية لمباحث المطرد والشاذ
تعريف المسموع بشروطه:
العروبة:
الصحة باتصال الفصاحة: فلا تؤخذ الاطراد:
فلا تؤخذ السند وعدالة الراوي | العربية من القبائل
الكثرة
العربية من
المتحضرة
غير العربي
الشكل 1
النقل
I
من أسماء دليل السماع
الاستعمال الاستشهاد كلام العرب | النص المروي
الشكل 2
43 (1/43)
صفحة 44
44
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
مرحلة السماع
مراحل الاستدلال بالمسموع
مرحلة الاستقراء
بالرواية
بالمشافهة استقراء تام: يقيني | استقراء ناقص ظني
الشكل 3
الشاذ صفة ل: المسموع حسب كميته المطرد صفة ل:
القاعدة أو القياس
المسموع
القاعدي) وأصل المسموع
العلة
المعدوم
الشاذ
المطرد
القليل
الظاهرة. وأركان هذه الأمور هي:
المطردة
المسموع الكثير المسموع الغالب المحكوم عليه المحكوم به الحكم
الشكل 4 (1/44)
صفحة 45
الفصل الاول: السماع والاطراد والشذوذ
المسموع حسب اطراده أو شذوذه في السماع والقياس:
45
شاذ في
مطرد في
مطرد في شاذ في القياس
القياس
القياس كثير في
القياس غالب غالب في
كثير في
الاستعمال
في الاستعمال
الاستعمال
الاستعمال
مطرد في شاذ في القياس مطرد في القياس شاذ في القياس
القياس قليل في قليل في معدوم في معدوم في
الاستعمال
الاستعمال
الاستعمال
الشكل 5
الاستعمال (1/45)
صفحة 46
الفصل الثاني:
الأصل والفرع (1/47)
صفحة 47
48
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الأول: تعريف الأصل والفرع
إذا طالعنا كتب النحاة لا سيما كتب أصول النحو؛ وقلبنا المعاني الظاهرة الجلية لمصطلح الأصل، وجدناها لا تخرج عن معنيين رئيسين يتفرع منهما معان أخرى، وهذان المعنيان الرئيسان للأصل نتوصل إليهما إذا نظرنا إلى الأصل وسألنا أنفسنا هذا السؤال: أيطلق مصطلح الأصل على شيء إطلاقًا تَجَوُّزِيًا فلا يكون له مقابل
1 - تعريف الأصل يراعي الزمان الذي استقر فيه هذا المصطلح بفضل الخليل بن أحمد الفراهيدي كمفهوم مجرد في أوساط النحاة يعني الصورة المثالية للفظ أو للقاعدة التي لها صورة أخرى فرعية تقابلها، كما سيأتي بيانه في المتن: وأما قبل الخليل فقد نُسب وضع الأصل أول ما نسب إلى أبي الأسود الدؤلي (1 قبل ه - 267)؛ وأكتفي بما جاء في "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 11: ((فكان أول من أصل ذلك وأعمل فكره فيه أبو الأسود ظالم بن عمرو؛ ونصر بن عاصم؛ وعبد الرحمن بن هرمز، فوضعوا للنحو أبوابا، وأصلوا له أصولا))؛ لكن كل ذلك لم يكن يعني سوى أن أبا الأسود وضع بعض قواعد النحو التعليمية وزاد عليها من بعده، ومثل ذلك قيل عن عيسى بن عمر (ت 149 هـ) في "مراتب النحويين لأبي الطيب ص 46. ولا نعرف نصا واحدًا لأبي الأسود ولا لغيره ممن جاء قبل الخليل يثبت معرفتهم بأصل الظاهرة اللغوية وصورتها الفرعية، وإنما تدل الشواهد المطردة على أن الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 - 175 هـ) هو صاحب فكرة أن للظواهر اللغوية أصلا وفرعًا، ففي كتاب "العين" مج 1 ص 50: ((قال الخليل: بل الفم أصله (قوه) كما ترى، والجمع أفواه، والفعل: فاهَ يَفُوهَ فَوْها. وفكرة الأصل وفرعه هدفها إرجاع اللغة إلى صورتها المثالية التي يظن الخليل أنها كانت عليها قبل أن يشذ منها شيء. ولذا اشتهر الخليل بالتعليل الذي قصد به أن يبرئ العربية من كل عيب ويفسر شذوذها بما يليق للعقل والحس، وفي الإيضاح كذلك ص 77 ما يشير إلى معرفة الخليل بفرضية الأصل والفرع: (قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: المستحق للإعراب من الكلام الأسماء، والمستحق للبناء الأفعال والحروف، هذا هو الأصل ... )).
2 - اكتفيت بتتبع معاني الأصل دون الفرع؛ لأن الفرع هو المقابل له، فجميع معاني الفرع هي المعاني المقابلة للأصل، علما أن مصطلح الأصل هو الذي يدور حوله أكثر حديث النحاة، ثم إنه المقدم على الفرع. (1/48)
صفحة 48
الفصل الثاني: الاصل والفرع
49
يخالف بنيته؛ أم يطلق إطلاقا حقيقيًا يراد به أن يكون له فرع يمثل صورته
البنيوية المقابلة؟
والجواب عن هذا السؤال يقودنا إلى أن للأصل معنيين هما: - أولا: الأصل التجوزي وينقسم إلى مفهومين هما: المقيس عليه،
والدليل النحوي.
- ثانيا: أصل الظاهرة اللغوية: وينقسم إلى مفهومين أيضًا هما: أصل
اللفظ والقاعدة المثالية.
"
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولاً: الأصل التجوزي، وينقسم إلى مفهومين:
المفهوم الأول: أن يطلق الأصل على المقيس عليه في الحمل دون أن يراد بذلك أن له صورة بنيوية أخرى مقابلة، ومثاله أنك إذا سمعت "قامَ زيد" جاز لك أن تقيس عمرًا على زيدٍ في الفاعلية فتقول "قام عمرو“، فالمقيس هنا هو "عمرو" والمقيس عليه هو "زيد" والحكم هو الفاعلية، والعلة الجامعة بينهما هي الاسمية؛ إذ إن كل اسم يصلح أن يكون فاعلا، ففي هذا المثال وغيره يسمي النحاة المقيس عليه أصلا أحيانًا بدلا من مصطلح مقيس عليه، وأنت ترى أن البنية "عمرو" ليست فرعًا حقيقيا لبنية "زيد" المسماة بالأصل، وإنما هما بنيتان مختلفتان لا تتقابلان.
ومما يدل على تسمية المقيس عليه بالأصل عند النحاة ما جاء في الاقتراح“ في أثناء الحديث عن جواز أن يتعدد المقيس عليه: «أُخْتلِف، هل يجوز (1/49)
صفحة 49
50
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
أمثلة ذلك:
تعدد الأصول المقيس عليها لفرع واحد؟ والأصح: نعم، ومن (أيّ) في الاستفهام والشرط؛ فإنها أعربت حملا على نظيرتها (بعض) وعلى نقيضتها (كل)، فانظر كيف سمى السيوطي الأجزاء المقيس عليها: أصولاً.
وربما يرجع
ذلك إلى محاكاة النحويين مصطلحات الفقهاء الأصوليين فهم يسمون النص القرآن والسنة والإجماع المقيس عليهما: أصلا، وهذه المحاكاة تدلك على أن هذا المعنى للأصل ليس مقصودًا في ذاته؛ بل هو
مجرد محاكاة.
المفهوم الثاني: أن يقصد به الدليل النحوي الذي يستدل به على الأحكام والقواعد النحوية، وقد خصصوا لهذه الأدلة علما سموه علم
1 - السيوطي، الاقتراح، ص 44.
2 - جاء في "المستصفى من علم الأصول" لأبي حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي (450 - 505 هـ)، ج 2 ص 335: ((الباب الرابع: في أركان القياس وشروط كل ركن، وأركانه أربعة: الأصل والفرع والعلة والحكم)) ثم بين ماهية الأصل في موضع آخر ذكر فيه شروطه فقال ج 2 ص 372: (( ... أن يكون حكم الأصل معلوما بنص أو إجماع ... )). (1/50)
صفحة 50
الفصل الثاني: الاصل والفرع
51
1
أصول النحو تشبيها له بعلم أصول الفقه، وكلاهما يبحث فيما يخص الأدلة الإجمالية التي ينبغي للمجتهد أن يعرف درجاتها وترتيبها وشروطها؛ ليمكنه الاجتهاد في المسألة الفقهية أو النحوية ثم يبت فيها بالحكم
1 - ((أصول النحو علم يبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية؛ من حيث هي أدلة النحو الإجمالية؛ من حيث هي أدلته، وكيفية الاستدلال بها وحال المستدل فقولي (علم) أي صناعة ... وقولي (عن أدلة النحو) يُخرج كل صناعة سواه وسوى النحو ... وقولي (الإجمالية احتراز من البحث عن التفصيلية؛ كالبحث عن دليل خاص بجواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ... ونحو ذلك، فهذه وظيفة علم النحو نفسه لا أصوله، وقولي (من حيث هي أدلة) بيان لجهة البحث عنها أي البحث عن القرآن بأنه حجة في النحو ... وعن السنة كذلك ... وعن كلام من يوثق بعربيته كذلك، وعن اجتماع أهل البلدين، أي إن كلا مما ذكر يجوز الاحتجاج به دون غيره، وعن القياس وما يجوز من العلل فيه، وما لا يجوز. وقولي (وكيفية الاستدلال بها) أي عند تعارضها ونحوه كتقديم السماع على القياس ... وقولي وحال المُسْتَدِل) أي المُسْتَنْبِط الأدلة المذكورة أي صفاته وشروطه وما يتبع ذلك من صفة المقلّد والسائل ... )). انظر في الاقتراح
من
للسيوطي ص 4 - 5.
2 - جاء في "الإحكام في أصول الأحكام" لأبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي مج 1 ج 1 ص 8: ((وأما موضوع أصول الفقه، فاعلم أن موضوع كل علم هو الشيء الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة لذاته، ولما كانت مباحث الأصوليين في علم الأصول لا تخرج عن أحوال الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية المبحوث عنها فيه، وأقسامها واختلاف مراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية عنها على وجه كلي؛ كانت هي موضوع أصول الفقه)). ومن المعلوم أن مباحث الفقه متقدمة زمانًا على مباحث النحو لذا ظهر أول كتاب في أصول الفقه للإمام الشافعي (150 - 204 هـ) كما يذكر ابن خلدون في مقدمته ص 288، وإن كنا نظن أن أستاذ الشافعي وهو محمد بن الحسن الشيباني (131 - 189 هـ) أسبق في ذلك لأنه وضع كتبا يبدو أنه لم يبق منها شيء، منها "أصول الفقه" و "اجتهاد الرأي" و"الاستحسان" كما يذكر ابن النديم في الفهرست ص.253. ولا شك أن التلميذ يأخذ عن أستاذه عادة، وأما أصول النحو فقد حملت بعض الكتب عنوان أصول النحو" أو قيل عنها إنها اهتمت بها ككتاب الأصول لابن السراج (ت 316 هـ)؛ إلا أن هذه الكتب منها ما يهتم بقواعد النحو التعليمية، ومنها ما لم أجد له وجودًا إلى وقتي هذا حسب علمي. وإنما أظن أن أول كتاب لا يزال موجودًا عالج أصول النحو وأدلته هو "الخصائص" لابن جني؛ وإن جاءت مباحثه مفرقة، وأظن أن أول كتاب يُخصص كله في أصول النحو ولايزال موجودًا هو "لمع الأدلة" لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري البغدادي (513 - 577 هـ)، وله أيضًا "الإغراب في جدل "الإعراب الذي يبحث في الرد على الجدل المثار حول أصول النحو. (1/51)
صفحة 51
52
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
:
المناسب، ومثال الأدلة الإجمالية السماع، والإجماع، والقياس، والاستصحاب، فكل من هذه الأدلة يصح أن نطلق عليه مصطلح "أصل“ على رأي النحاة، والمجموع أصول النحو، ومن الواضح أن مصطلح الأصل هنا لا يدل على وجود صورة بنيوية فرعية مقابلة لهذا الدليل وإنما مرد التسمية محاولة محاكاة مصطلحات أصول الفقه.
1 - يعد الإجماع من أدلة النحو، وقد ذكره ابن جني في "الخصائص"، ولم يتعرض له الأنباري في "لمع الأدلة" ولا في "الإغراب في جدل الإعراب: ربما لأنه لم يعتد به لصعوبة تحققه، أو اقتفاء منه بعدم اتفاق الفقهاء على حجية الإجماع الفقهي. وإنما أضافه السيوطي بين سائر الأدلة مرتبا إياه بعد السماع في أول كتابه "الاقتراح" في باب الكلام على المقدمات). وتعريف ابن جني للإجماع سابق فيلزم ذكره كما جاء في "الخصائص " ج 1 ص 189: ((اعلم أن إجماع أهل البلدين [يعني أهل البصرة والكوفة] إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة عليه)).
2 - عزف الأنباري استصحاب الحال في "لمع الأدلة" بأنه تمشك النحوي بأصول النحاة (أي قواعدهم في الحكم على الظاهرة العارضة له حين لا يوجد لها دليل من السماع؛ ولا يمكن حملها على غيرها بالقياس؛ لأن التمسك بأصولهم يعني التمسك بما يغلب على باب تلك الظاهرة المستصحبة وتعريف الأنباري هذا يفهم من قوله ص 141: ((اعلم أن استصحاب الحال من الأدلة المعتبرة، والمراد به استصحاب حال الأصل في الأسماء وهو الإعراب، واستصحاب حال الأصل في الأفعال وهو البناء؛ حتى يوجد في الأسماء ما يوجب البناء، ويوجد في الأفعال ما يوجب الإعراب. وما يوجب البناء في الأسماء هو شبه الحرف أو تضمن معنى الحرف ... وما يوجب الإعراب في الأفعال هو مضارعة الاسم، في نحو (يَذْهَب) ... واستصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ ولهذا لا يجوز التمسك به ما وُجد هناك دليل، ألا ترى أنه لا يجوز التمسك به في إعراب الاسم مع وجود دليل البناء من شبه الحرف أو تضمن معناه ... )). والدليل على أن استصحاب الحال يأتي بعد النقل والقياس قوله ص 81: (( ... في أقسام أدلة النحو. أقسام أدلته ثلاثة: نقل وقياس واستصحاب، حال ومراتبها كذلك، وكذلك استدلالاتها)). (1/52)
صفحة 52
الفصل الثاني: الاصل والفرع
53
ثانيًا: أصل الظاهرة اللغوية:
:
وهو الأصل الذي يمكن أن نضع له صورة بنيوية مثالا عليه، ثم نتخيل له صورة بنيوية أخرى تقابله نسميها الفرع ونضرب لأصل الظاهرة مثالين: - (( ... ) كقولنا الأصل في قامَ: قَومَ ... ))، فأنت ترى كيف اعتبر النحاة قام" فرعًا على "قوم"؛ لأن حروفها الثلاثة الأصلية التي تخرج منها سائر مشتقاتها هي (ق) و (م) فمنها نشتق قامَ يَقُوم قُمْ، قائم مقام، قيام ... إلخ. - (( ... الأصل في الفعل المضارع أن يكون مبنيا ... ))، فهذه قاعدة وضعها النحاة بعد أن وجدوا أن أغلب الأفعال مبنية لعدم تصرفها في المعاني تَصَرُّفَ الأسماء، فلذا تُعَدّ أية جملة فيها فعل مضارع مبني - لاتصاله بنون النسوة أو نون التوكيد بنية توافق قاعدة (الأصل في الأفعال البناء)، وأما البنية التي يأتي فيها الفعل المضارع معربًا -بالرفع أو النصب أو الجزم-
فهي الفرع. ومن خلال المثالين السابقين نلاحظ أن لأصل الظاهرة مفهومين وهما: المفهوم الأول: أصل اللفظ: فاللفظ هو: (( ... جنس يشمل الكلام والكلمة والكلم، ويشمل المهمل كـ (ديز) والمستعمل كـ (عمرو) ... )). ومعنى أصل
1 - يمكن تصنيف أصول الظواهر من حيث إمكان نطقها إلى ... ما لا يمكن النطق به أصلا، نحو ما اجتمع فيه ساكنان ك (سماء) و (مبيع) ... ومنها ما يمكن النطق به غير أن فيه من الاستثقال ما دعا إلى رفضه واطراحه إلا أن يشذ الشيء القليل منه فيخرج على أصله منبهة ودليلا على أولية حاله؛ كقولهم (لَحِحَتْ عينه) و (ألِلَ السقاء) .... )). انظر في خصائص ابن جني ج 1 ص 261 - 262.
2 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 256.
3 - أبو البركات الأنباري، أسرار العربية، ص 35.
4 - شرح ابن عقيل، ج 1 ص 19. (1/53)
صفحة 53
54
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
اللفظ: الصورة المفترضة التي كان ينبغي أن يكون عليها الحرف أو الكلمة
أو الجملة:
- فمثال أصل الحرف حرف النون قبل أن يقلب إلى ميم في قولنا (خُذُ
مما تشاء).
- ومثال أصل الكلمة: (أقوم) وهو فعل ماض لا ينطق رغم أنه هو الأصل، وإنما ينطق فرعه (أقام).
- ومثال أصل الجملة: جملة (محمد في الدار) فإن أصلها (محمد كائن في الدار)؛ لأن شبه الجملة في رأي البصريين لا تقع خبرا.
المفهوم الثاني: القاعدة المُغَلَّبة أو المثالية:
ثمة ثلاثة مصطلحات هي (القاعدة) و (القياس) و (الأصل) شرحتها شرحًا ميسرا في حواشي فصل "المطرد والشاذ"، وبقي أن أبسط الحديث فيها هنا بالأدلة التي تُبين معانيها وعلاقاتها بعضها ببعض في القضايا الآتية:
القضية الأولى: الأدلة على أن القواعد قد تطلق على قوانين النحو المثالية
(أي الأصول) وقد تطلق على قوانين النحو الاستثنائية (أي الفروع):
القواعد في أي علم مضبوط عبارة عن صيغ وضعها العلماء لتجريد الأمثلة المطردة في بابها على حكم واحد، حتى يستغنوا بهذه القواعد عن تلك الأمثلة
1 - سميتها المُغلَّبة والمثالية لأن النحاة يغلبونها على غيرها باعتبارها تمثل أكثر الأمثلة في بابها ويعدونها القواعد المثالية التي كان ينبغي للغة أن تسير عليها، وسيتضح ذلك من الحديث القادم بعدها، مع العلم أن أصل الظاهرة يميل إلى المثالية سواء كان أصل لفظ أو أصل قاعدة؛ كما سيتضح في ختام هذا الفصل أثناء الحديث عن معايير اختيار الأصل والفرع. (1/54)
صفحة 54
الفصل الثاني: الاصل والفرع
55
في التعبير عنها، وما دامت القواعد تخص العلم المضبوط وحده؛ فإن قواعد اللغة العربية التي وضعها النحاة تقتصر على ما اطرد من ظواهر صوتية وصرفية ونحوية، ومن أمثلتها قولهم: ((المصدر يعمل عمل الفعل))، ((كل اسم عم اثنين فما زاد فهو نكرة))، ((ألف) "إنّ» تكسر في كل موضع يصلح أن يقع فيه الفعل والابتداء جميعا)).
والقواعد منها ما هو مثالي غالب ليس مستثنى من غيره ويسمى
أصلا،
ومنها ما هو مستثنى من القواعد المثالية الغالبة ويسمى فرعًا: فأما الدليل على تسمية القوانين النحوية المثالية الغالبة بالقاعدة والأصل معًا فقولهم: ((قاعدة: أصل الإعراب أن يكون بالحركات، والإعراب بالحروف فرع عليها))، ((قاعدة الأصل في البناء السكون))، ((قاعدة: الأصل في الأسماء الصرف))، ((قاعدة: الأصل في الأسماء التنكير والتعريف فرع على التنكير))، ((قاعدة: الواو أصل حروف العطف)). فكل هذه القواعد جعلها النحاة أصولاً مثالية؛ لأنها في نظرهم هي التي يميل إليها الذوق والعقل العربيان وهي عادةً قوانين غالبة في بابها لا تراعي الشواذ؛ فلا يصح أن تكون هناك قواعد وأصول أخرى أولى وأعم منها تخالفها، وعلى العكس
1 - ابن السراج أصول النحو، ج 1 ص 138.
2 - نفسه ص 148.
3 - نفسه ص 263.
4 - السيوطي، الأشباه والنظائر في النحو، ج 3 ص 47، 48، 62، 71، 210.
5 - نفسه ص 48.
6 - نفسه ص 62.
7 - نفسه ص 71.
8 - نفسه ص 210. (1/55)
صفحة 55
56
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
من ذلك يصح أن تجد قواعد فرعية أضيق منها لأنها في رأي النحاة تفارق الطبع العربي وتشذ عادة عن أبوابها.
ودليل ثان على ترادف الأصل والقاعدة إذا كانا بمعنى القانون المثالي أنهم عرفوا الأصل بالقاعدة: ((الأصل هو أسفل الشيء، ويطلق على الراجح بالنسبة إلى المرجوح وعلى القانون والقاعدة المناسبة المنطبقة على الجزئيات ... والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد ... ))، ثم عرفوا القاعدة بالأصل ..... كل قاعدة فهي أصل لما فوقها)). وإذا تَبَيَّنَ أن القاعدة قد تعني الأصل، فبقي أن نستدل أن الأصل لا يمكن أن يدل على قاعدة استثنائية شاذة، وذلك بما يلي:
1 - من خلال تطبيقات النحاة التي ذكرتها قبل قليل نجد أن الأصل قانون مثالي له الأولوية، وأنه لا يوجد أصل يستثني أصلا؛ فإن قولهم مثلا (الأصل في الإعراب أن يكون بالحركات، والإعراب بالحروف فزع عليها) يدلك على أن الأصل هنا قانون مثالي غالب على المعربات، فأكثر المعربات تعرب بالحركات لا بالحروف، وإذن فالإعراب بالحروف قاعدة فرعية استثنيت من الأصل الذي هو القاعدة المثالية. وكذلك قولهم (الأصل في البناء السكون) فإن العقل يقتضي أن الحركة دليل على التصرف في المعاني، وأن السكون دليل على جمود الكلمة وعدم تصرف معانيها، وربما لو بحثت في عدد الكلمات المبنية بالسكون لوجدتها أكثر من غيرها؛ فكان الأولى أن تجعل
1 - الكفوي الكليات، ص 122
2 - نفسه ص 702. (1/56)
صفحة 56
الفصل الثاني: الأصل والفرع
57
ظاهرة البناء بالسكون هي الأصل وما خالفها فرعًا عليها. وهكذا قل في سائر الأصول التي تقرؤها للنحاة. 2 - جاء في "لمع الأدلة" ما يدل على أن الأصل لا يمكن أن يكون قاعدة شاذة بل لا بد من أن يكون قاعدة مطردة: (( ... وأما شهادة الأصول فمثل أن يدل على بناء (كيف) و (أين) و (أيان) و (متى) لتضمنها معنى الحرف. فإن طولب بصحة العلة قال: الدليل على صحة هذه العلة أن الأصول تشهد وتدل على أن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب أن يكون مبنيا. فإن قيل: ومن أين زعمتم أن الأصول تشهد ... وقد أعربوا (أيا) مع تضمن معنى حرف الاستفهام؟ قيل: إنما بقوا (أيا) وحدها على إعرابها مع تضمن معنى الحرف تنبيها على أن الأصل في الأسماء الإعراب ... على أن (أيا) جاءت شاذة في بابها والشواذ لا تورد نقضًا على القواعد المطردة ... ))، فانظر كيف رفض النحاة أن يعترفوا بتسمية الشاذ أصلا، وحصروا الأصل في القاعدة المطردة؛
لأن الأصول لا تتعارض أي لا يَسْتَثْنِي بعضُها بعضًا.
1 - الأنباري، لمع الأدلة. ص 106 - 107. 2 - إذا وجدت أصلين متعارضين فتوقع أن السبب في الغالب هو أحد أمرين: الأمر الأول احتمال أن يكون الأصلان المتعارضان أو القاعدتان المثاليتان قد صدرا عن نحويين مختلفين قد نظر كل منهما حين وَضَعَ أصله من باب يختلف عن الباب الذي نظر منه النحوي الآخر إلى أصله بُعدًا وقُربًا، أو لاختلاف منطق كل منهما، ومثال هذا الخلاف بين صاحب "الكافية" وشارحها في أصل المرفوعات، فذهب الأول إلى أن ((المرفوعات هو ما اشتمل على علم الفاعلية))، وذهب الآخر إلى أن ((المرفوعات ما اشتمل على عَلَم العُمدة؛ لأن الرفع في المبتدأ والخبر وغيرهما من العُمد ليس بمحمول على رفع الفاعل ... بل هو أصل في جميع العُمد)). الأمر الثاني احتمال اختلاف الأصول أي القواعد باختلاف المدارس النحوية، كخلاف الكوفيين والبصريين في عامل المفعول به أهو الفعل أم الفعل والفاعلة انظر في "الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين" لأبي البركات الأنباري، ج 1 ص 78 - 79. وكذلك "شرح الرضي على الكافية " لمحمد بن الحسن الأستراباذي (ت 688ھ) ج 1 ص 183 - 184. (1/57)
صفحة 57
58
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
3 - والدليل الأقوى على أن القواعد يمكن أن تعني الأصول (القواعد المثالية) أو تعني الفروع (القواعد الاستثنائية) معا على خلاف الأصول التي لا يمكن أن تعني سوى القواعد المثالية أن النحاة نصوا على تسمية بعض القوانين الشاذة عن الأصول بالقواعد؛ ومن ذلك:
أ- قولهم: ((قاعدة: الأعلام لا تفيد معنى لأنها تقع على الشيء ومخالفه وقوعا واحدًا))، فهذه قاعدة تخالف الأصول التي تشير إلى أن الاسم يدل على معنى؛ ومن هذه الأصول: ..... والأصل في الاسم - صفة كان ك (عالم) أو غير صفة كـ (غُلام) - الدلالة على الثبوت، وأما الدلالة على التجدد فأمر عارض في الصفات)).
ب- قولهم: ((إذا كان الخبر معرفة كالمبتدأ لم يجز تقديم الخبر لأنه يُشكل ويَلْبِس))، فهذه القاعدة تتعلق بشرط من شروط تقديم الخبر، وهو أمر تأباه الأصول ذلك لأن الأصول لا تتحدث عن الشذوذ، وإنما ترى أن .... الأصل في المبتدأ التقديم)).
ج- قولهم: ((قاعدة الفاعل كجزء من أجزاء الفعل))، فالأصول تقول
بخلاف ذلك: (( ... والاسم المفرد هو الأصل والجملة فرع عليه)).
والقاعدة على العموم باعتبارها صيغة مقننة سواء أكانت مثالية أم
1 - السيوطي، الأشباه، ج 3 ص 81.
2 - الكفوي، الكليات - ص 123. 3 - السيوطي، الأشباه، ج 3 ص 104. - الكفوي، الكليات، ص 122.
5 - السيوطي، الأشباه، ج 3 ص 136. 6 - الكفوي، الكليات، ص 127. (1/58)
صفحة 58
الفصل الثاني: الاصل والفرع
59
استثنائية- لها ثلاثة أركان، وذلك أن ((القاعدة قولنا: كل فاعل مرفوع ... )) '،
فأركان هذه القاعدة المذكورة:
1 - محكوم عليه: هو في المثال المذكور كل فاعل".
2 ومحكوم به هو قوله "مرفوع".
3 - وحكم: هو النسبة المفهومة بين المحكوم عليه والمحكوم به، وهي الرفع. ويمكن أن تسمى القاعدة الاستثنائية فرعًا، فيكون مصطلح الفرع هو المقابل للأصل (القاعدة المثالية)، ولذا قالوا: (( ... وحمل المفهوم الكلي على الموضوع على وجه كلي بحيث يندرج فيه أحكام جزئياته يسمى أصلا وقاعدة. وحمل ذلك المفهوم على جزئي معين من جزئيات موضوعه يسمى فرعًا ومثالاً)).
القضية الثانية: علاقة القياس بالقاعدة:
علمنا أن القياس يعني أمرين:
1 - الحمل، وهو أن يقوم المتكلم العربي أو النحوي بإخضاع مثال أو
1 - الأزهري شرح التصريح على التوضيح، ج 1 ص 104. 2 - جاء في المصدر السابق ج 1 ص 104: ((القاعدة) لغة الأساس، واصطلاحًا حكم كلي منطبق على جميع جزئياته لتتعرف أحكامها منه؛ لكن الشيخ يس بن زين الدين العليمي علق في حاشيته في الصفحة نفسها على خلاف ذلك؛ إذ يرى أن القاعدة ليست هي الحكم وحده بل هي تشمل الحكم (النسبة) والمحكوم به (المسند) والمحكوم عليه (المسند إليه، فقال: ((قوله (حكم كلي): قال الدنوشري: (مراده به قضية كلية انتهى) يعني أن الشارح [خالدًا الأزهري] أطلق اسم الجزء، وهو الحكم، على الكل وهو (القضية التي هي اسم للحكم والمحكوم عليه والمحكوم به والتسمية مجاز، وسبب ذلك أن القاعدة قولنا: (كل فاعل مرفوع)، وليست هي الحكم فقط)). 3 - الكفوي، الكليات، ص 122. (1/59)
صفحة 59
60
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
باب لحكم مثال آخر أو باب آخر على أن تكون هناك علاقة تماثل أو تشابه أو اطراد أو تضاد بين المحمول والمحمول عليه، وهذه العلاقة (أو الجامع تسمى العلة. وكان القدماء يعرفون القياس بقولهم: (( ... وهو في عرف العلماء عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل، وقيل هو حمل فرع على أصل بعلة وإجراء حكم الأصل على الفرع، وقيل هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع، وقيل هو اعتبار الشيء بالشيء بجامع)).
وسيأتي التفصيل في معنى الحمل بذكر أنواعه في الفصل الثالث عن القياس النحوي، وإنما يهمنا الآن المعنى الثاني للقياس وهو:
2 - القاعدة سواء أكانت مثالية أم استثنائية، والأدلة على هذا أنهم عرفوا
النحو بالقياس في قولهم: [من الرمل]
إنما النحو قياس يُتَّبَع
وبِهِ فِي كُلّ أَمْرٍ يُنْتَفَعْ
فإذا ما نَصَرَ النحوُ الفَتَى
مرَّ في المَنطِقِ مرًّا فَاتَّسَعْ
فإن معنى القياس هنا يُفَسَّر بأنه القواعد النحوية سواء أكانت مثالية أم استثنائية؛ لأنه لا يُعقل أن يتعلم طالب النحو القواعد المثالية فقط. وإذا كان القياس كالقاعدة في الدلالة أحيانًا على الأصول المثالية فإن
1 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 47. 2 - انظر في "معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" لياقوت الحموي (ت 626 ه)، ج 4 ص 99. والبيتان لعلي بن حمزة الكسائي الكوفي (102 - 192 هـ). (1/60)
صفحة 60
الفصل الثاني: الاصل والفرع
61
هذا ما يسوّغ اقترانه مع الأصل في بعض نصوص النحاة؛ نحو حكايتهم: (( ... إن الشيء إذا اطرد عليه، باب فصح في القياس وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذ نزر قليل لعلة تلحقه، لم يكن ذلك مبطلا للأصل، والمتفق عليه في القياس المطرد ... )).
وفي خلاصة الحديث عن تعريف الأصل تَرِدُ هذه الملحوظات: الملحوظة الأولى: إذا اعْتَرَضَ معترض قائلا: إن اعتبار إمكان أن تكون القاعدة فرعية يتعارض مع ما علمناه من أن القواعد لا تبنى إلا على الغالب؛ لأن الغاية من القاعدة أن يستغني بها طالب النحو عن الأمثلة، فكيف يمكن
له أن يفقه النحو ما دامت القواعد التي سيتعلمها يُعارض بعضها بعضًا؟! فالجواب أن طالب النحو إذا حفظ الأصول الغالبة فقد فقه أكثر النحو، ولا يبقى له إلا أن يعلم ما استثني من هذه الأصول من قواعد قليلة تنطبق على ظواهر أقل عددًا، وذلك خير وأيسر له من التركيز على الشاذ من القواعد وترك الأصول. وأما قوله إن أية قاعدة لا تبنى إلا على الغالب فهذا لا ينافي أن تستثنى قاعدة من صاحبتها، وذلك لأن القاعدة الفرعية هي غالبة في بابها الوحيد فقط، ولكن القاعدة الأصلية غالبة في أبواب أكثر، وشرح ذلك أن القاعدة الأصلية التي تقول الأصل) في الأفعال البناء) غالبة في باب الفعل الماضي وفعل الأمر والفعل المضارع المتصل بنون النسوة ونون التوكيد، وأما القاعدة الفرعية يعرب الفعل المضارع إذا لم يتصل بنون النسوة ولا نون التوكيد) فهي غالبة في باب الفعل المضارع فقط؛ لأن أكثر الأفعال
1 - الزجاجي، الإيضاح، ص 113. (1/61)
صفحة 61
62
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المضارعة معربة، وهذا التمثيل يعني أن القاعدة الأصلية أشمل وأوسع مدى، وأن القاعدة الفرعية أضيق حدودًا، وإن كان كل منهما يوصف بالغلبة
كما يوصف القياس بذلك إذا كان يعني القاعدة.
الملحوظة الثانية: يتبين من العلاقة بين الأصل والقاعدة أن بينهما عموما وخصوصا من جهة؛ لأنهما يلتقيان في مواضع ويفترقان في مواضع أخرى، وكذلك بين الأصل والقياس، وأما العلاقة بين القاعدة والقياس فهي علاقة عموم وخصوص مطلقين؛ لأن القياس دائما أعم من القاعدة؛ والقاعدة بدورها تندرج تحته على الاستمرار، وبيان ذلك فيما يلي: - يلتقي الأصل مع القاعدة في أن كلا منهما قد
أنه
يعني القاعدة المثالية
1 - أما دليل بناء القاعدة على الغالب تعريف الأزهري إياها في "شرح التصريح“ ج 1 ص 104 بأنها (( ... حكم كلي منطبق على جميع جزئياته لتتعرف أحكامها منه. وأما عن بناء الأصل على الغالب فقد جاء في "لمع الأدلة" للأنباري ص 102 حديث عن سبب بناء الاسم الشبيه بالحرف: ((وذلك أن الاسم لما خرج عن أصله إلى شبه الحرف ضعف في بابه، والحرف لما لم يخرج عن أصله قوي في بابه ... )) ففي هذا النص يتضح أن الأصل ظاهرة مطردة في الباب كالقاعدة. وقد جاء في "الاقتراح" للسيوطي ص 79 - 80 ما يوهم أن الأصل غير غالب، وذلك أنه قال إذا تعارض أصل وغالب في مسألة عُمل بالأصل، ويقصد بذلك أن ذلك الغالب إنما هو غالب في بابه المباشر، أما بابه العام فهو ملتزم بالأصل؛ بدليل ضرب مثالاً بأننا إذا وجدنا اسمًا على وزن (فعل) ولم نعلم أصرفته العرب أم لم تصرفه، ولا نعلم له اشتقاقا ولا قام عليه دليل فإن فيه قولين: قولا بمنعه من الصرف لأن الغالب في باب الأسماء التي على وزن (فعل) هو المنع من الصرف، وقولا آخر لسيبويه بصرفه لأن الأصل في الأسماء الصرف، هكذا نجد أن الأصل غالب في النهاية لأنه يأخذ بما اطرد في الباب الأعم وهو باب الأسماء بصفة عامة دون النظر إلى أبواب الأسماء التفصيلية. وأما عن غلبة القياس في بابه فيتضح في رد البصريين على الكوفيين القائلين بعمل (أن) في الاسم النصب وعدم عملها في الخبر الرفع كما جاء في "لمع الأدلة" (( ... هذا فاسد لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا ويعمل الرفع، فالقياس يقتضي أنها ترفع الخبر كما تنصب الاسم ... فقد صرتم إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة وذلك لا يجوز))، فقوله "ليس في كلام العرب" يدل على اطراد ذلك القياس أو الأصل القائل "كل عامل يعمل في الاسم النصب يعمل فيه الرفع".
الأدلة" ص 140: (1/62)
صفحة 62
الفصل الثاني: الاصل والفرع
63
ويفترقان في أن القاعدة قد تدل على الفرع الذي هو عكس الأصل، كما يفترقان في أن الأصل قد يدل على المقيس عليه أو الدليل النحوي أو أصل اللفظ في حين لا تدل القاعدة على كل ذلك.
- يلتقي الأصل مع القياس في كونهما قد يدلان على القاعدة المثالية، ويفترقان في كون القياس دالا من ناحية ثانية على القاعدة الفرعية وعلى الحمل، كما يفترقان فى أن الأصل قد يدل على المقيس عليه أو الدليل
النحوي أو أصل اللفظ في حين لا يدل القياس على كل هذا.
- وأما علاقة القياس بالقاعدة: فالقياس أعم من القاعدة لأنه يشمل القاعدة بصنفيها المثالي والفرعي، ويتجاوز ذلك إلى كونه يدل على الحمل أيضًا في حين لا تدل القاعدة عليه.
الملحوظة الثالثة: كل من الأصول والأقيسة حين تَرِدُ بمعنى القواعد تتصف بقبول التبويب؛ أو بمعنى آخر صفة العمومية والخصوصية؛ كما تتصف القواعد به. ولفهم معنى التبويب نُذَكَّرُ بما مر من أن أبواب النحو التي منها القريب المباشر، ومنها البعيد غير المباشر، ومثال هذا أن الفعل (قال) ينتمي إلى عدة أبواب حسب زاوية النظر إليه، فهو من حيث الصيغة ينتمي إلى باب الفعل الماضي، وهو الباب الأقرب إليه المباشر له. وينتمي من حيث الصيغة أيضًا إلى باب الفعل بصفة عامة، وهو باب عام بعيد غير مباشر. وكذلك الحال في الأصول والقواعد والأقيسة؛ فبعضها أعم من الآخر، مثال ذلك (( ... أن القاعدة قولنا: كل فاعل مرفوع، فهي قاعدة تتحدث عن وظيفة الفاعلية
1 - الأزهري: شرح التصريح، في حاشية الشيخ يس على الشرح، ج 1 ص 104. (1/63)
صفحة 63
61
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الأعم:
التي هي وظيفة من وظائف الإعراب التي تندرج تحت القاعدة ((الإعراب اختلاف أواخر الكلم باختلاف العوامل لفظا أو تقديرًا)). وكذلك حال الأصول نحو: (( ... الأصل في الجملة أن تكون مقدرة بالمفرد))، فهو أصل يندرج تحت الأصل القائل ((التركيب فرع الإفراد). وكذلك لو قلنا: إن القياس في إضافة الاسم أن يضاف إلى اسم غيره، فإن هذا القياس يندرج تحت قياس أعم منه هو قولهم: (( .... والأصل والقياس ألا يضاف اسم إلى فعل، ولا بالعكس)).
وقضية التبويب تنبهنا على أن الظاهرة اللغوية يمكن أن تكون أصلا وفرعًا في الوقت نفسه، وذلك بأن تكون أصلا في باب وفرعًا في باب آخر. أما أن تكون أصلا وفرعًا في باب واحد فلا. ويمكن التمثيل على ذلك بالفعل المضارع واسم الفاعل، فالفعل المضارع أصل في العمل على خلاف اسم الفاعل فهو فرع في العمل، وعلى العكس من ذلك فإن اسم الفاعل أصل في الإعراب على خلاف الفعل المضارع إذ هو فرع في الإعراب. وعلى هذا الأساس ينبغي أن نفهم قول ابن جني: (باب) من غلبة الفروع على الأصول ... أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مَكَّنت ذلك الشبه لهما، وعمرت به الحال
1 - انظر في أسرار العربية" للأنباري، ص 32.
2 - الكفوي، الكليات، ص 124. 3 - تحدث رضي الدين الأستراباذي (ت 688 هـ) في شرحه على كافية ابن الحاجب (ت 646ھ)، ج 1 ص 106 - عن العلل المانعة من صرف الأسماء، فذكر أنها فروع من أصول، ومنها علة التركيب فهي فرع الإفراد الذي هو الأصل.
4 - انظر في باب الإضافة في شرح ابن عقيل ج 2 ص 47 - 48.
5 - الكفوي، الكليات، ص 124. (1/64)
صفحة 64
الفصل الثاني: الاصل والفرع
65
بينهما؛ ألا تراهم لَمّا شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأعر بوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شَبَّهوا اسم الفاعل بالفعل فأعْمَلوه)).
الملحوظة الرابعة ما دمنا قد علمنا أن الأصول والأقيسة والقواعد قد تدل على معنى واحد؛ فإن هذا يعني أنها ليست بالضرورة أحكاما تفصيلية مقصورة على وضع قوانين لتعليم اللغة العربية؛ بل هي أيضًا أصول وأقيسة وقواعد إجمالية يُغنّى بها الأصوليون المجتهدون من النحاة لا معلمو النحو، ويسميها بعض المحدثين قواعد التوجيه ومهمتها أن تضبط العلاقة بين أدلة النحو. وأمثلة هذه القواعد والأصول والأقيسة الإجمالية موجود في كتب أصول النحو والخلاف والعلل؛ ونمثل لها بقولهم: (الفروع تنحط أبدًا
عن
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 300، 304. 2 - يمكن تقسيم الأصول والقواعد من حيث علاقتها بعلم النحو أو بعلم أصول النحو إلى قواعد تفصيلية تخص النحو كقولنا كل مفعول به منصوب)، وقواعد إجمالية تخص أصول النحو كقولنا (السماع مقدم على القياس). وقد فضلنا تسميتها بالقواعد الإجمالية التزاما بمصطلح النحاة، فقد قال السيوطي في الاقتراح" ص 4: ((أصول النحو علم يبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية من حيث هي أدلته، وكيفية الاستدلال بها وحال المستدل ... وقولي "الإجمالية احتراز من البحث عن التفصيلية؛ كالبحث عن دليل خاص بجواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ... ونحو ذلك، فهذه وظيفة علم النحو نفسه لا أصوله .... ). وأما تمام حسان فيسمي القواعد الإجمالية بقواعد التوجيه، فهو يقول في "الأصول" ص 221 - 222: (( ... والمقصود بقواعد التوجيه تلك الضوابط المنهجية التي وضعها النحاة ليلتزموا بها عند النظر في المادة اللغوية، سواء أكانت سماءًا أم استصحابًا أم قياسًا، التي تستعمل لاستنباط الحكم ... وإنما آثرت أن أسمي هذه القواعد قواعد التوجيه لارتباطها بتوجيه الكلام عند التأويل؛ واعتبار وجه منها أولى من الآخر بالقبول، حتى ليصلح أن تلحق به الألف واللام فيسمى الوجه أي الذي لا وجه أفضل منه وقد يسمى أيضًا الراجح والمختار. وإذا كانت قواعد التوجيه ضوابط منهجية فهي دستور للنحاة. والذين يعرفون الفرق بين الدستور والقانون يستطيعون أن يقيسوا عليه الفرق بين قواعد التوجيه وما نعرفه باسم قواعد النحو أي قواعد الأبواب)). (1/65)
صفحة 65
66
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
درجة الأصول)، و (التمسك بالأصل من الأدلة المعتبرة عند البصريين)،
و مراتب أدلة النحو حسب أولويتها: النقل ثم الإجماع ثم القياس). الملحوظة الخامسة: الأصول أو الأقيسة أو القواعد المثالية دليل من أدلة النحو لاستنباط الأحكام النحوية، يستخدمه النحاة حين لا يجدون في السماع ولا في الإجماع ولا في الحمل ما يستدلون به على حكم الظاهرة اللغوية التي تواجههم، فيلجأ إلى قواعدهم وأصولهم التي وضعوها فيحكمون
على الظاهرة العارضة لهم بحكم الباب أو الأصل الذي تنتمي إليه. وقد عرفوا الاستدلال بالأصول بقولهم: (( ... وأما الاستدلال بالأصول فمثل أن يُسْتَدَلّ على إبطال مذهب من ذهب إلى أن رفع الفعل المضارع إنما كان لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة؛ بأنّ ما ذهب إليه يؤدي إلى خلاف الأصول؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم، وهذا خلاف الأصول؛ لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب؛ لأن الرفع صفة الفاعل والنصب صفة المفعول، وكما أن الفاعل قبل المفعول فكذلك الرفع قبل النصب، وكذلك تدل الأصول على أن الرفع قبل الجزم؛ لأن الرفع في الأصل من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، وكما أن رتبة
1 - انظر في "الإنصاف" للأنباري المسألة الثامنة ج 1 ص 60، والمسألة السابعة والخمسين ج 2 ص 396. 2 - يرى الأنباري في "لمع الأدلة" ص 81 أن ترتيب الأدلة المعتبرة (أي الكلية) هو: النقل ثم القياس ثم استصحاب الحال على حين يضيف السيوطي في "الاقتراح" ص 4 دليل الإجماع دليلا معتبرًا. ونرى
أن الأدلة الكلية تنقسم إلى ثلاثة أصناف:
أ - أدلة نقلية هي السماع والنقل.
ب - أدلة عقلية هي التحليل والقياس وبيان العلة والعكس.
ج - دليل عقلي وحسي هو التعليل.
وسيأتي تفصيل هذا إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع عن علم أصول النحو. (1/66)
صفحة 66
الفصل الثاني: الاصل والفرع
67
الأسماء قبل رتبة الأفعال، فكذلك الرفع قبل الجزم ... )). وحقيقة الأمر في رأينا أن الاستدلال بالأصول ما هو إلا الاستصحاب.
الملحوظة السادسة: لم نُفصّل الحديث عن أصل اللفظ لأننا وجدنا أن الأستاذ تمام حسان قد كفانا مؤونة تفصيل شرحه في كتابه "الأصول؛ لكنه
يسميه "أصل الوضع"، ولم نشأ أن نسميه كذلك للأسباب الثلاثة التالية: السبب الأول: لأن (الوضع) في قول النحاة "أصل الوضع“ يعني الحال التي كان ينبغي أن تكون عليها الظاهرة النحوية حين وضعها واضع اللغة (وهو العربي الأول أو الحكماء أو الله عز وجل- حسب الخلاف في كتب فقه اللغة)، وإذا كان معنى الوضع كذلك فإنه لا يقتصر على أصل الحرف وأصل الكلمة وأصل الجملة كما يرى تمام؛ بل ينطبق أيضا على أصل القاعدة؛ لأن واضع اللغة لم يكتف بوضع أصول الحرف والكلمة والجملة بل ألزمها قوانين وقواعد صوتية وصرفية ونحوية وإن لم يجردها.
السبب الثاني: أن النحاة كانوا لا يقصرون مصطلح الوضع على أصول الكلمة والحرف والجملة؛ بل كانوا يجعلونه مصطلحا عاما يقصدون به كل اللغة ما وضعه واضع من أصول للظواهر اللغوية دون تمييز، وهذا يعني أن (الأصل) و (أصل الوضع مترادفان، ودليل ذلك أنا وجدنا القدماء يراوحون بين المصطلحين في الموضع الواحد مما يعني ترادفهما. قال أبو
1 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 132 - 133.
2 - مما يؤكد ذلك قول الأنباري في "الإنصاف المسألة الثامنة والثمانين ج 2 ص 634: (( ... فمن تمسك بالأصل فقد تمسك باستصحاب الحال، ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنا بالدليل ... )). والتفصيل في ذلك آت بإذن الله عز وجل في الفصل الرابع عن علم أصول النحو. 3 - انظر في "الأصول" لتمام حسان ص 124 - 139، وهو يسمي أصل اللفظ بأصل الوضع. (1/67)
صفحة 67
68
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
البقاء الكفوي في "الكليات" مراوحًا بين استخدام الأصل وأصل الوضع: والأصل في تعريف الجنس اللام والإضافة في ذلك التعريف ملحقة باللام، واللام للاختصاص في أصل الوضع، ثم إنها قد تستعمل في الوقت إذا كان للحكم اختصاص به، وقد تستعمل في التعليل لاختصاص الحكم بالعلة))، وكذلك أورد العكبري في "مسائل خلافية في النحو عند الحديث عن صناعة الاشتقاق: (( ... أما الفرع والأصل فهما في هذه الصناعة غيرهما في صناعة الأقيسة الفقهية، فالأصل ههنا يراد به الحروف الموضوعة على المعنى وضعًا أوليا، والفرع لفظ يوجد فيه تلك الحروف مع نوع تغيير ينضم إليه معنى زائد على الأصل والمثال في ذلك: (الضَّرْب) مثلا، فإنه اسم موضوع على الحركة المعلومة المسماة ضربًا، ولا يدل لفظ الضرب على أكثر. من ذلك، فأما ضَرَبَ ويَضْرِبُ وضارب ومضروب ففيهما حروف الأصل وهي الضاد والراء والباء، وزيادات لفظية لزم من مجموعها الدلالة على معنى الضرب معنى آخر)). واستعمل أبو البركات الأنباري في "الإنصاف في مسائل الخلاف" مصطلح (الوضع) نيابة عن مصطلح (الأصل) في قضية كون النكرة أصلا وكون المعرفة والتوكيد فرعًا، وذلك في المسألة الثالثة والستين: (( ... النكرة تدل على الشياع والعموم، والتوكيد يدل على التخصيص والتعيين وكل واحد منهما ضد صاحبه؛ فلا يصح أن يكون مؤكدا له، ولو جوزنا ذلك لكنا قد صيرنا الشائع مخصصًا، وهذا ليس بتأكيد؛ بل هو ضد ما وضع له ... )).
وإذا ثبت ما ذهبنا إليه بهذه النصوص المتعددة؛ علمنا أنه كان ينبغي
1 - الكفوي، الكليات، ص 124.
2 - العكبري، مسائل خلافية في النحو، ص 74. (1/68)
صفحة 68
الفصل الثاني: الاصل والفرع
69
للأستاذ تمام أن يختار مصطلحًا آخر غير أصل الوضع لئلا يتعارض مع مفهوم القدماء الذي يعني أصل الظاهرة سواء أكان أصل لفظ أم أصل قاعدة. السبب الثالث: كان الأستاذ تمام على اطلاع بأن القدماء يعنون بالوضعيات: أصل الوضع وأصل القاعدة؛ وإن المتحري في كتابه "الأصول“ يستطيع أن يدرك معرفة تمام بذلك، فما كان ينبغي له أن يعد أصل الوضع
خاصا بأصل اللفظ دون أصل القاعدة.
1 - قال تمام حسان في "الأصول" ص 188: (( ... ) وأصل اشتقاق "ضرب" وأصل صيغتها كلها أصول لا تقبل التعليل؛ لأن الأصل يُعد أحد الأدلة كما سنرى عند ذكر أدلة التعارض والترجيح، والدليل لا يعلل له. ولقد شرح أبو حيان هذا الفهم أثناء استنكاره ظاهرة التعليل في النحو؛ إذ قال: "هذه التعاليل لا يحتاج
إليها لأنها تعليل وضعيات والوضعيات لا تعلل". والوضعيات تشمل أصل الوضع وأصل القاعدة)). (1/69)
صفحة 69
70
70
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الثاني: كيفية توصل النحاة إلى أصل الظاهرة
رغم أن لقضية الأصل والفرع من الأهمية ما يجعل الباحث النحوي إن لم يدركها غير قادر على استيعاب المعاني الدقيقة والأقسام التفصيلية المباحث كثيرة (كالحمل بشتى أنواعه؛ والعلة على اختلاف معانيها؛ وتخريج اجتهادات للنحاة، وقضايا الخلاف بين البصريين والكوفيين، ومسألة الاستصحاب، والفروق بين أدلة النحو ... إلخ)؛ ورغم قيمة هذه القضية عند القدماء أيضًا؛ واعتمادهم إياها في تطبيقاتهم ومناهجهم لا سيما بعد عهد الخليل بن أحمد الفراهيدي (100) - 174 هـ)؛ فإني لم أعثر -حسب جهدي على مبحث كامل في كتب النحاة أنفسهم يُعنى بتعريف الأصل والفرع تعريفا مفصلًا؛ بل وجدت هذين المصطلحين يترددان في تطبيقاتهم لا سيما في كتب الخلاف والعلل، وربما كان لابن جني (ت 392 هـ) فضل التعرض لهما في كثير من مواضع "الخصائص لكنه يضل تعرضا مفرقًا لا
شتات القضية.
2
يجمع
ثم وجدنا أبا البركات الأنباري (513 - 577 هـ) في لمع الأدلة يشرح المقصود بالاستدلال بالأصول، ويتحدث عن الاستصحاب، فكانت إضاءة
1 - من أمثلة كتب الخلاف كتاب "مسائل خلافية " لأبي البقاء العكبري (538 - 616 هـ)، ومن أمثلة كتب العلل "علل النحو" لابن الوراق (ت 381 هـ).
2 - راجع أحاديث متفرقة في الخصائص عن الأصول العامة واللغوية كما يسميها عبد الفتاح السيد سليم كشافه المسمى "الفهارس المفصلة لخصائص ابن جني" ص 17 - 26. (1/70)
صفحة 70
الفصل الثاني: الاصل والفرع
71
جيدة في طريق الوصول إلى فهم الكثير عن الأصل والفرع، لكن جهده بقي مشتتا كجهد ابن جني، ولعل أفضل مصنف وفى الموضوع كثيرًا من حقه هو الكليات لأبي البقاء الكفوي؛ إذ أعُده صاحب الفضل عليَّ في تعرف ماهية الأصل والفرع وقد أجهدتني بحثًا وتنقيبًا واطلاعا، فمن خلال هذا المعجم تتضح صور الأصل المختلفة من دليل ومقيس عليه وأصل للفظ
وأصل للقاعدة، وإن لم يكن أبو البقاء يسميها كلها بأسماء محددة.
وذلك الشح في المصادر القديمة ينطبق على المراجع الحديثة، فلم أجد في تنظير ذينك الأصل والفرع أحسن مما كتبه الأستاذ تمام حسان في كتابه
شتات
الأصول“، وهو مع ذلك لا يجمع جميع المعاني المحتملة للأصل والفرع في موضع واحد؛ بل صب همه في أصل الوضع وأصل القاعدة، وفي ذلك على العموم خير كثير.
ولعل تجنب الخوض في تنظير الأصل والفرع راجع إلى غموض المصطلحين في القديم؛ واتساع معانيهما؛ وتشتت مباحثهما؛ ما جعل القناعة بتكرار ما قاله القدماء في شأنهما أحوط وأسلم!
1 - من المراجع الحديثة المؤلفة في أصول النحو ولم تتعرض لتنظير الأصل والفرع وتفصيل معانيهما، على سبيل المثال: في أصول النحو" (1963 م) لسعيد الأفغاني، "أصول النحو العربي" (1973 م) لمحمد عيد، "أصول النحو العربي" (1983 م) لمحمد خير الحلواني، "أصول النحو العربي" (1987 م)
لمحمود محمد نحلة.
2 - انظر في حديثه عن الأصل والفرع والعدول عنهما وتأويل العدول ص 122 - 171، وهو في ذلك يتحدث عن أصل الوضع وأصل القاعدة كما يسميهما، ولا يتحدث عن الأصل الذي بمعنى الدليل ولا عن الأصل الذي بمعنى المقيس عليه؛ لأنه تحدث عن الدليل في "التعارض والترجيح" ص 212 - 219، وتحدث عن المقيس عليه في أركان القياس ص 180 - 183، وهذا يتطلب من قارئ الكتاب مراجعة أبواب متعددة من الكتاب لفهم الأصل والفرع. (1/71)
صفحة 71
72
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وكانت الصعوبة في فهم الأصل والفرع تكمن في وجود أمور تعيق فهمهما، هي: 1 - استخدام مصطلح الأصل في علوم مختلفة مثل الفقه والبلاغة والكلام والعروض؛ الأمر الذي يجعل أي باحث متشككا ظانا أن بعض معاني الأصل لا دخل لها في علم النحو وأصول النحو.
2 - استعمال مصطلح الأصل استعمالا تجوزيًا للدلالة على المقيس عليه تارة وعلى الدليل النحو تارة أخرى؛ الأمر الذي يجعل الباحث في المصطلحين لا يرى علاقة مقنعة بين كون الأصل دالا على أصل الظاهرة من جهة، وكونه دالا على معنى الدليل أو المقيس عليه من جهة أخرى، فيظل في قلق من أن يكون مصطلح الأصل مصطلحا مختلفا فيه لا يمكن حصر مفهومه في النحو.
3 - والأهم من ذلك كله عدم تصريح النحويين بالمعايير التي تخذوها للتمييز بين الأصل والفرع، اللهم إلا ما ذكره ابن جني في "في مراتب الأشياء، وتنزيلها تقديرًا وحكما لا زمانًا ووقتا من أن الأصل لا يعني ما كانت عليه الظاهرة اللغوية في القديم، وإنما يعني أنه هو الصورة المثالية التي يميل إليها الحس اللغوي عند العربي؛ يقول: ((هذا الموضع كثير الإيهام لأكثر من يسمعه؛ لا حقيقة تحته، وذلك كقولنا: الأصل في (قام): قَوَمَ ... وإنما معنى قولنا: إنه كان أصله كذا: أنه لو جاء مجيء الصحيح ولم يُعلل لَوَجَبَ أن يكون مجيئه على ما ذكرنا، فأما أن يكون قد استعمل وقتا من الزمان كذلك؛ ثم انْصُرِفَ عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ؛ فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر.
1 - انظر في أمثلة من استخدام الأصل في تلك العلوم في "الكليات" للكفوي ص 122، 123، 126 - 128. (1/72)
صفحة 72
الفصل الثاني: الاصل والفرع
73
ويدل على أن ذلك عند العرب معتقد كما أنه عندنا مراد معتقد إخراجها
بعض ذلك مع الضرورة على الحد الذي نتصوره نحن فيه، وذلك قوله:
صَدَدْتِ فَأَطْوَلُتِ الصُدُودَ وقلّما
(1)
وصال على طول الصدودِ يدوم)
فقد أتى بالأصل (أطْوَلْتِ) بدلا من الفرع (أطلت).
ومع تصريح ابن جني بذلك فإن كلامه لا يخدم البحث كثيرًا؛ لأن ما يميل إليه العربي بطبعه لا بد له من معايير تحكمه؛ وإلا صار مصطلح عند النحاة مصطلحا نسبيًا لا يضبطه شيء، ولا يمكن حده بحد ثابت، والذي يؤكد ما يخالف نظرة ابن جني ما ورد في النصوص التي تشير إلى بعض معايير الأصل، ومن هذه المعايير:
الأصل
استعمله
المعيار الشرعي: كقولهم: ((والاسم المفرد هو الأصل، والجملة فرع عليه، نظير ذلك شهادة المرأتين على شهادة رجل))، فهنا معيار شرعي النحاة لتمييز الأصل من الفرع في موضوع الجملة والمفرد.
المعيار العقلي: حين يسوّغ بعض النحاة في موضع آخر سبب اختيارهم فعل المستقبل أصلا للأفعال؛ إذ سُئلوا: أي أقسام الفعل أصل؟ فأجابوا: الأصل هو المستقبل؛ لأنه يُخبر به عن المعدوم، ثم يَخْرُج الفعل إلى الوجود، فيُخْبَر عنه بعد وجوده، فهم ينظرون إلى الأصل نظرة عقلية؛ إذ إن قوانين الكون تُثبت أن كلامنا عن شيء مستقبل يكون أسبق زمانًا من وقوع
1 - الكفوي، الكليات، ص 127.
2 - نفسه ص 124 - 125. (1/73)
صفحة 73
74
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
ذلك الشيء المستقبل، فكذلك الفعل المستقبل يتحدث عن فإذا وقع كان حدثًا حاضرًا.
حادث سيقع؛
وهكذا قولهم: (والأصل في اسم التفضيل أن يكون المفضّل والمفضل عليه فيه مختلفين بالذات؛ ففي صورة الاتحاد ضعف المعنى التفضيلي))، فهذا شيء يؤيده العقل إذ من البدهي أن تقع المفاضلة بين طرفين مختلفين
وليست بين شيئين مترادفين
المعيار التربوي: الذي يراعي الغالب نفورًا من الشاذ، فالأصل هو الغالب والشائع سواء أكان غالبا لكثرة نظائره من أمثلة بابه في اللغة؛ أم لكثرة استخدام المتكلمين له من هذا ما جاء في الرد على الكوفيين وقد جوّزوا جمع (طَلْحَة) على (طَلَحُونَ)؛ إذ يقول البصريون (( ... والذي يدل على فساد ما ذُهِبَ إليه: فتح العين [أي عين الكلمة] من قوله (الطَّلَحُونَ)؛ لأن الأصل في الجمع بالواو والنون أن يسلم فيه لفظ الواحد في حروفه وحركاته، والفتح قد أَدْخَلَ في التصحيح تكسيرا))، فالأصل هنا يعني الغالب في الأمثلة التي تجمع جمع المذكر السالم، وهو ألا تتغير بنيتها التي قبل الجمع. ومثال الأصل الذي يعني الغالب في استعمال المتكلمين قولهم: (( ... والأصل في المبتدأ التقديم؛ أي ما ينبغي أن يكون عليه المبتدأ إذا لم يمنع مانع، أي إن أكثر المتكلمين يقدمون المبتدأ على الخبر وإن كان الجائز
1 - نفسه ص 125.
2 - يرى البصريون أن جمع (طلحة) بالواو والنون لا يصح؛ لأنه مؤنث لفظا، ولا بد من تأنيث جمعه
فيقال فيه (طلحات) بالجمع المؤنث السالم.
3 - الأنباري، الإنصاف، ج 1 ص 43. 4 - الكفوي، الكليات، ص 122. (1/74)
صفحة 74
الفصل الثاني: الاصل والفرع
75
الاثنين، وذلك لأن تقديم المبتدأ مطلق بلا قيد على خلاف الخبر إذ يحتاج
تقديمه إلى مسوغات.
المعيار اللغوي: قد يعني الأصل البنية الأولى التي كان عليها اللفظ قبل أن يتركب مع غيره، ويندرج تحت هذا المفهوم كل لفظة لم يضف إليها حروف أو حركات، ولا حدث لها تغيير في بنيتها التي استنتجها النحاة من خلال ملاحظة الحروف التي تجمع مشتقاتها؛ أو استنتجوها بإضافتها أو تصغيرها أو إسنادها إلى تاء الفاعل أو جمعها أو تثنيتها أو بالنظر إلى المضارع منها والماضي والأمر أو غير ذلك من وسائل.
فمثال ذلك: ما رواه ((سيبويه عن بعض أصحاب الخليل، قال: الأصل في (لَنْ): لا أَنْ، فهذا يعني أن العرب وضعت (لن) أولا على صورة (لا أنْ ثم تغير تركيبها باستعمالها فصارت (لن) التي نعهدها.
ومثال البنية المجردة من كل تغيير: أن (ناسا) من العرب يقولون: (كيد زيد يفعل كذا)، و (ما) زِيلَ زيد يفعل ذاك)، يريدون: زال وكاد؛ لأنهم كسروها في (فَعَلَ) كما كسروها في (فَعَلْتُ كِدْتُ، زِلْتُ]، حيث أسكنوا العين وحوّلوا الحركة على ما قبلها، ولم يرجعوا حركة الفاء إلى الأصل)) فالأصل في
حركة الفاء في بنيتها الأساسية قبل أن يغيرها أولئك الناس هي الفتحة. ويدخل في معنى البنية المجردة قول النحاة: "إن الكلام أسبق من 1 - من ذلك ما ذكره السيوطي في الأشباه والنظائر أن الإضافة ترد الأشياء إلى أصولها، وكذلك التثنية والتصغير. انظر في ج 1 ص 169، 224، 241.
2 - النحاس، إعراب القرآن، ج 1 ص 240. 3 - سيبويه، الكتاب، ج 4 ص 342 - 343 (1/75)
صفحة 75
76
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الإعراب، وهذا يعني أن الكلام هو الأصل، وأما الإعراب فطارئ؛ لأنه غير أساسي في بنية الكلام ... وقولهم: الإضافة فرع على الأصل، كما أن التثنية والجمع فرع على الواحد.
والأصل ما يُؤخذ منه غيرُه: قال الكوفيون: المصدر مشتق من الفعل وفرع عليه؛ لأن المصدر يصح بصحته ويعتل باعتلاله ... )). وكذا قولهم: ((الاسم
مشتق من السمة، وهي العلامة، وذلك لكونه علامة يعرف بها المسمى)). فكل تلك الوسائل لاكتشاف الأصل وسائل لغوية تقوم بالتحليل اللغوي للبنى؛ بتفكيكها وتصفيتها من الزوائد فتعود إلى صورتها المجردة الأصلية. ومن الوسائل اللغوية أيضًا النظر فيما كانت له قدرة على التصرف والعمل أكثر من غيره؛ كقولهم: (الأصل في العمل الفعل))؛ لأنه أكثر قدرة على العمل من اسم المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل، ولأجل ذلك جعلوا مرتبته في العمل أعلى من غيره، فقالوا: (((ضاربٌ) تعمل عمل (يضربُ)؛ كما أن (يضربُ) أُغرب لأنه ضارعه، فكذلك (ضاربٌ) يعمل عمله لمضارعته إياه .... والمصدر الذي يكون بمعنى (أن يفعل) يعمل عمل اسم الفاعل ... ولا يتقدم مفعوله على فاعله؛ لأنه لم يقو قوة اسم الفاعل ... و (إنَّ) المشددة وأخواتها و (ما) في لغة أهل الحجاز
1 - قال الزجاجي في الإيضاح ص 67: (( ... إن الكلام سبيله أن يكون سابقا للإعراب؛ لأنا قد نرى الكلام في حال غير معرب، ولا يختل معناه، ونرى الإعراب يدخل عليه ويخرج)). 2 - ذكره أبو الحسن محمد بن عبدالله المعروف بابن الوراق (ت 325 هـ) في كتابه علل النحو، ص 150. 3 - الشرجي ائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة، ص 111.
4 - نفسه ص 27.
- الكفوي، الكليات، ص 125. (1/76)
صفحة 76
الفصل الثاني: الاصل والفرع
77
تعمل عمل الفعل المضارعتها إياه، ولا يتقدم خبرها عليه، ولا على اسمها؛ لأنها لم تتصرف تصرف الأفعال ... والصفة المشبهة باسم الفاعل هي أنقص مرتبة من المصدر)).
الأولى،
هي
المعيار الفسيولوجي: نسبةً إلى علم وظائف الأحياء الباحث في تركيب الكائنات الحية كقولهم: إن الفعل) أثقل من الاسم؛ لأن الأسماء وهي أشد تمكنا من الأفعال؛ لأن الأسماء يستغني بعضها ببعض الأفعال كقولك: الله، (بنا)، فكأن الأسماء أخف على العضو الناطق من الأفعال التي تكون أطول في النطق لارتباطها.
عن
اللسان
ولا يتسع المجال للتمثيل لكثير من المعايير؛ فإنما ذكرت أهم هذه المعايير، ويمكن للقارئ إن رام التوسع أن يطلع على بعض ما كتبه المحدثون
في ذلك.
1 - الزجاجي، الإيضاح، ص 135.
2 - نفسه، ص 101.
3 - انظر فيما كتبه مفرح السيد عبد البر سعفان في رسالته للدكتوراه بعنوان "علل النحو العربي: بين التراث النحوي وعلم اللغة الحديث"، حيث يقول في المبحث الثاني من الفصل الأول للباب الأول ص 30: (( ... ويمكننا إجمال هذه المعايير التي استند القدماء إليها للاستدلال على الأصل والفرع في الظواهر اللغوية فيما يأتي: 1 - المعيار التركيبي -2 - معيار الصيغة - معيار السماع أو الاستعمال + المعيار الدلالي - المعيار الحسي - المعيار المنطقي - المعيار الديني)). (1/77)
صفحة 77
78
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الثالث:
أسباب نشأة فكرة الأصل والفرع
من خلال معرفة تلك المعاني السابقة للأصول والفروع؛ نرى أن أسباب نشأة فرضية الأصل والفرع قد ترجع إلى ما يلي:
1 - طبيعة اللغة العربية التي تشتمل -مثلا- على مشتقات متقاربة الحروف نحو (قتل ويقتل وقاتل ومقتول وقتال وقتل ... إلخ)؛ ما يدفع النحوي إلى تصور الجذر المشترك الذي يجمع بين هذه المشتقات، ولعل هذا ما لاحظه الخليل وقد اشتهر بالعناية بجمع اللغة وتقليب كلماتها، وكتاب العين شاهد على ذلك.
2 - تمجيد اللغة العربية ومحاولة تبرئتها من الشذوذ والعيوب، الأمر الذي جعل النحويين يحصرون أنواع الشذوذ فيها ويحاولون تعليلها، وقالوا (( ... من تمسك بالأصل خرج عن عُهدة المطالبة بدليل))، ولم يكن هذا التمجيد من العرب وحدهم بل كان أيضا من علماء وأدباء عَرَفُوا مميزات العربية، فقد قال أبو حيان علي بن محمد التوحيدي الشيرازي الأصل (ت 414 هـ): ((وقد سمعنا لغات كثيرة - وان لم نستوعبها - من جميع الأمم ... فما وجدنا
1 - الأنباري، الإنصاف، المسألة 40، ج 1 ص 300. 2 - انظر في ترجمته في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي ج 4 ص 287 - 314، و"البلغة في تراجم أئمة اللغة" لمحمد الفيروزآبادي ص 145. (1/78)
صفحة 78
الفصل الثاني: الاصل والفرع
79
لشيء من هذه اللغات نُصوعَ العربية: أعني الفرج التي في كلماتها، والفضاء الذي نجده بين حروفها والمسافة التي بين مخارجها ... )) إلى آخر ما قال. 3 - الرغبة -التي تستولي عادة على الباحث والعالم في أي مجال علمي في اكتشاف ما يلاحظه من ظواهر وفروق وتغييرات وشذوذ في موضوع بحثه وقد كان النحاة منذ القديم ينقدون الشعراء والأدباء وغيرهم ممن يخطئون في اللغة، فقد روي أن ابن أبي إسحاق سمع الفرزدق ينشد: [من الطويل] وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ
مِنَ المالِ إِلا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ
فقال له ابن أبي إسحاق: على أي شيء ترفع (أو مجلف)؟! فقال: على ما يسوؤك وينوؤك! قال أبو عمرو: فقلت للفرزدق: أصبت. وهو جائز على المعنى أي إنه لم يبق سواه)).
4 - منهج البصريين في الاقتصار على المطرد وترك الشاذ الذي لا يجدي في تقعيد اللغة؛ ما جعلهم يفكرون في سبب اطراد تلك الظواهر، والبحث
عن أصلها الذي كانت عليه، وهو الصورة المثالية الأولى للغة العربية. ومن خلال هذه الدوافع جميعًا يتبين أن الدافع الأساسي الذي يجمع بين كل تلك الدوافع لفرضية الأصل والفرع هو السعي نحو مثالية اللغة العربية، وهو الأمر الذي اقتضى منا أن نسمي أصول الظواهر بالأصول المثالية؛ لأنه
1 - التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، ج 1 ص 77 - 78.
2 - الأنباري، نزهة الألباء، ص 27 - 28.
3 - ذكرتُ هذا في حديثي عن حد المطرد والشاذ من هذا الفصل. (1/79)
صفحة 79
80
هو
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المعنى العام الذي يمكن أن يجمع كل أصل من أصول الظاهرة. وليس الأصل هو (الحكم الذي يستحقه الشيء بذاته) كما رأت منى إلياس إذ قالت: (( ... وعلى تشعب فكرة الأصل فإنه يكاد يكون المعنى الأول الذي تؤول إليه كل صورة - هو الحكم الذي يستحقه الشيء بذاته، والأصل بهذا المعنى- يتناول أول ما يتناول: الحكم الذي تقتضيه طبيعة كل من أجناس الكلم الثلاثة من حيث البناء والإعراب؛ ثم العوامل ومراتبها في العمل ... ولما كانت الأسماء يعرض لها في أوضاع التركيب معان تضاف إلى معانيها التي تدل عليها مفردة؛ كالفاعلية والمفعولية والظرفية وما أشبه ذلك؛ وكانت تؤدي بصيغتها هذه المعاني لحقها الإعراب ليبين هذه الناشئة المعاني عما يسمى بالوظيفة النحوية، ومن ثُم قال النحويون (إن الإعراب أصل في الأسماء) ... إلا أنهم هداهم الاستقراء والتأمل في واقع اللغة أن الإعراب غير مقصور على الأسماء ... وإنما يوجد في ضرب من الأفعال وهو الفعل المضارع خاصة، ووجدوا وجوها من الشبه ما بين هذا الضرب من الأفعال وبين الأسماء، ومن ثم جعلوا إعرابه عائدًا إلى ما فيه من شبه الأسماء، فهو لم يستحق الإعراب بذاته، وإنما استحقه بالتبعية بحكم هذا الشبه؛ فذهبوا أن الإعراب في الأفعال المضارعة (فرع)).
1 - منى إلياس القياس في النحو مع تحقيق باب الشاذ من المسائل العسكريات لأبي علي الفارسي،
ص 32 - 33. (1/80)
صفحة 80
الفصل الثاني: الأصل والفرع
خرائط ذهنية لمباحث الأصل والفرع
مفاهيم الأصل
أصل الظاهرة
المعنى التجوزي
||
المقيس عليه دليل الحكم أصل اللفظ
القاعدة المثالية المغلبة
الشكل 6
81 (1/81)
صفحة 81
82
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
نقاط الالتقاء والافتراق بين القاعدة والأصل والقياس
الأصل
القياس
الدليل أصل اللفظ المقيس عليه القاعدة
الحمل
القاعدة الأصلية
القاعدة الفرعية
الشكل 7
تقسيم الأصول والأقيسة التي بمعنى القواعد من حيث علاقتها بالنحو أو أصوله
إجمالية: أصولية
تفصيلية: نحوية
الشكل 8 (1/82)
صفحة 82
الفصل الثاني: الاصل والفرع
83
333
أهم معايير اختيار الأصل
المعيار الفلسفي المعيار الشرعي المعيار الوظيفي الحيوي | المعيار اللغوي
الوجودي
المنطقى
التحليل البنيوي، ومن وسائله
:
الثقل
I
التصرف
الخفة
الماضى والمضارع والأمر الإسناد إلى الضمائر التكبير التصغير الإضافة
الجمع
التثنية
المفرد
الشكل و
تقسيم أصل الظاهرة من حيث إمكان نطقه
ما لا يمكن نطقه
الشكل 10
ما ينطق (1/83)
صفحة 83
الفصل الثالث:
القياس (1/85)
صفحة 84
86
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الأول:
تعريف القياس
ذكرنا في الفصلين الماضيين أن القياس مصطلح يحتمل معنيين: - المعنى الأول: وهو القاعدة: أكانت إجمالية أم تفصيلية؛ وأصلية أم فرعية. - المعنى الثاني: وهو الحمل: ويقصد به أن يقوم المتكلم العربي أو المجتهد النحوي بإخضاع مثال أو باب لحكم مثال آخر أو باب آخر؛ على أن تكون هناك علاقة تماثل أو تشابه أو اطراد أو تضاد بين المحمول
والمحمول عليه، وهذه العلاقة -أو الجامع- تسمى العلة. ولعل عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري (29 - 117 هـ) أول من وجه القياس إلى معنى الحمل حين قال: (( ... عليك بباب من النحو يطرد وينقاس)) أي عليك بباب يُحْمَل عليه غيرُه في حكمه. ونرى أن ما يؤكد أن القياس ذينك المعنيين هو أن النحاة الأصوليين حين قاموا بوضع أصول النحو وتنظير أدلته تحدثوا عن دليل القياس مشيرين إلى معنييه هذين وإن كانوا قد عرفوا القياس بأنه الحمل؛ ففي لمع الأدلة نجد أولا إشارة إلى أن القياس من أدلة النحو الضرورية: ((الفصل الثاني في أقسام أدلة النحو: أقسام أدلته ثلاثة: نقل وقياس واستصحاب حال، ومراتبها كذلك، وكذلك استدلالاتها ..... وبعد انتهاء الأنباري من الحديث عن الدليل الأول "النقل" في سبعة فصول؛ استأنف أدلة النحو فتحدث عن
1 - ابن سلام طبقات الشعراء، ص 48
2 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 81. (1/86)
صفحة 85
الفصل الثالث: القياس
87
الدليل الثاني "القياس" معرفاً إياه بأنه الحمل: ((الفصل العاشر اعلم أن القياس في وضع اللسان بمعنى التقدير، وهو مصدر قايست الشيء بالشيء مقايسة وقياسًا: قدرته ... وهو في عرف العلماء عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل، وقيل هو حمل فرع على أصل بعلة، وإجراء حكم الأصل على الفرع ... ولا بد لكل قياس من أربعة أشياء: أصل وفرع وعلة وحكم ... )). ثم وضع فصلا آخر يمكن أن نستنتج منه المعنى الثاني للقياس؛ وهو أنه يعني القواعد النحوية أيضًا؛ فقال: ((الفصل الحادي عشر في الرد على من أنكر القياس: اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق؛ لأن النحو كله قياس؛ ولذا قيل في حدّه: "النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو ... وذلك أن أئمة الأمة من السلف والخلف أجمعوا قاطبة على أنه شرط في رتبة الاجتهاد؛ وأن المجتهد لو جمع جميع العلوم لم يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يعلم من قواعد النحو ما يعرف به المعاني المتعلقة معرفتها به منه ... وإذا بطل أن يكون النحو رواية ونقلا وجب أن يكون قياسًا وعقلا. والسر في ذلك هو أن عوامل الألفاظ يسيرة محصورة الألفاظ، والألفاظ كثيرة غير محصورة، فلو لم يجز القياس واقتصر على ما ورد في النقل من الاستعمال؛ لأدى ذلك إلى ألا يفي ما نخص بما لا نخص، وبقي كثير من المعاني لا يمكن التعبير عنها لعدم النقل، وذلك مناف لحكمة الوضع ... فلو قلنا إن النحو ثبت نقلا لا قياسًا وعقلاً لأدى ذلك إلى رفع الفرق بين اللغة والنحو؛ وإلى التسوية بين المقيس والمنقول، وذلك مخالف للمعقول).
1 - نفسه ص 93، وقد تابع أبا البركات الأنباري في تعريف دليل القياس بالحمل والقواعد السيوطي
(ت 911 هـ) في كتابه "الاقتراح"، ص 38.
2 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 95، 99، 100. (1/87)
صفحة 86
88
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
ومن خلال ذلك النص يتبين لك السبب في عدم تفرقة النحاة بين (القياس الذي هو عملية عقلية يجريها العربي بفطرته أو النحوي بصنعته وتُدعى هذه العملية الحمل والقياس الذي هو قواعد نحوية مسجلة في كتب النحو أو أصوله يتعلمها الطالب ليفقه أنظمة لغته أو يعمل بها المجتهد)؛ ذلك السبب هو أن الغرض من قواعد النحو هو أن تكون مقاييس تنطبق على جميع أمثلة الباب الواحد؛ فإذا فقهها المرء قاس عليها سائر أمثلة الباب التي يتعلمها، فالقواعد إذن قوانين مسجلة تقود طالب العلم إلى حملها على غيرها من الأمثلة، فالعلاقة بين المعنى الأول للقياس "القواعد" والمعنى الثاني "الحمل" هو أن الأول يقود إلى استخدام الثاني. وكان يفترض على النحاة أن يفرقوا بين الاثنين لئلا يشكل الأمر على المتخصصين حين يرغبون في فهم مناهج النحو وأصوله.
وإذا كان القياس القاعدي قد أخذ حقه في الحديث؛ فما علينا إلا أن نولي الحمل اهتمامنا؛ لأن كل حمل يحمل لونًا من ألوان العلة، وفهم الحمل يترتب عليه فهم أنواع من العلة.
1 - العقل هو عكس الحواس الخمس، وهو الآلة المشتركة بين الناس التي تدرك المعلومات أو الأشياء المعنوية إدراكًا يمكن أن يصل إليه كل إنسان سليم العقل وتوجد تعريفات متفاوتة متعددة للعقل لا أرغب في الخوض فيها، وإنما يرجع إليها من أرادها في كتب الفلسفة والمنطق ككتاب الكليات للكفوي ص 617 - 619، والمعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1399 هـ/ 1979 م مادة عقل ص 120 - 121، والمعجم الفلسفي لمراد وهبة في الطبعة الثالثة 1979 م الصادرة عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة، مادة عقل ص 274 - 279. 2 - سيأتي في الفصل الرابع من الباب الأول الحديث سبب تفرقة النحاة في كتب أصول النحو بين دليل "القياس" ودليل "استصحاب الأصل" ودليل "الاستدلال بالأصول" رغم أن القواعد والأصول شيء واحد كما ذكرت. (1/88)
صفحة 87
الفصل الثالث: القياس
89
المبحث الثاني: أركان الحمل
أي حمل نحوي إذا تحقق لا يخلو من أربعة أركان يقوم عليها، هي: 1 - الحكم: وهو ((في العرف إسناد أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبًا))، ومثاله أن (الرفع) حكم يُعطى للفاعل وهو حكم إيجابي، وأن (عدم الصرف) حكم سلبي يُعطى للممنوع من الصرف مثل (عُمر)، وإذا أردنا تبسيط معنى الحكم قلنا إنه (كل ظاهرة لغوية سواء أكانت صوتية أم صرفية أم نحوية أم دلالية منسوبة إلى مثال أو باب). وقد دأب بعض النحاة على تقسيم الحكم إلى واجب وممنوع وحسن وقبيح وخلاف الأولى وجائز على السواء، وهو تقسيم متأثر بأصول الفقه الإسلامي يرفضه علماء اللغة المحدثون لمفاضلته بين الظواهر اللغوية، فليس للباحث (( ... أن يقتصر في بحثه على جوانب اللغة مستحسنًا إياها، ويُنحي جوانب أخرى استهجانا لها؛ أو استخفافاً
من
3
بها، أو لغرض في نفسه، أو لأي سبب آخر من الأسباب)).
2 - المحمول عليه أو المقيس عليه: وهو البنية اللغوية - المثال أو الباب
1 - الكفوي، الكليات، ص 380.
2 - نجد ذلك عن السيوطي في الاقتراح ص 10 - 11 والشاوي في ارتقاء السيادة ص 41. 3 - قال الغزالي في المستصفى ج 1 ص 127) ... فإن أقسام الأحكام الثابتة لأفعال المكلفين خمسة: الواجب، والمحظور، والمباح، والمندوب والمكروه)).
4 - السعران: محمود حسن عطية علم اللغة مقدمة للقارئ العربي القاهرة، دار الفكر العربي
1992 م، ص 51. (1/89)
صفحة 88
90
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الذي يتصف بحكم معين مثال ذلك: المفعول به، فهو باب نحوي من أحكامه النصب وجواز أن يتقدم على الفاعل؛ والاسمية .. إلخ. ومثال آخر: الفعل ذَهَبَ، فهو بنية لها أحكامها التي منها: أنها فعل؛ وأنه ماض؛ وأنه مبني؛ وأنه لا يتقدمه الفاعل؛ وأنه متصرف؛ وأنه مشتق على رأي البصريين ... إلخ. فإذا عرفت أن كل محمول عليه له عدة أحكام فاعلم أن المحمول لا يأخذ جميع أحكام المحمول عليه بل بعضها؛ لأنه لا يمكن لبنيتين في أية لغة أو لبابين أن يتحدا في كل حكم وإلا كانا متماثلين (أي
يصيران شيئًا واحدًا).
3 - المحمول أو المقيس: وهو البنية اللغوية المثال- أو الباب الذي نُريد أن نعطيه حكما من أحكام المقيس عليه. 4 - العلة: هي العلاقة التي رأى المتكلم العادي أو النحوي أنها تربط بين المحمول والمحمول عليه فقاس أحدهما بالآخر، وهذه العلاقة أو السبب أو الجامع الذي يربط بين المحمول والمحمول عليه قد تكون قوية أي مقنعة وقد تكون واهية ضعيفة، وعلى هذا قد يكون الحمل جليا مقبولا لاستعمال اللغة إياه، وقد يكون خفيًا ضعيفا لعدم قبول اللغة به.
وينبغي التنبه أن هذه العلة التي تصاحب الحمل ليست إلا مفهومًا واحدًا من مفاهيم مصطلح العلة؛ لذا سيأتي الحديث مطولًا عن مفاهيم العلة في الدرس النحوي. ويمكننا أن نضرب مثالين على الحمل ليتبين لك المقصود بأركانه الأربعة: 1 - يرى النحاة أن نائب الفاعل حُمِلَ على الفاعل في الرفع لعلة الإسناد، فهم يقصدون بذلك أن نائب الفاعل لم يكن مرفوعا في الأصل (عند وضع (1/90)
صفحة 89
الفصل الثالث: القياس
91
اللغة)؛ لأن معناه يدل على من وقع عليه الفعل، فهو مفعول به في المعنى، فكان يستحق النصب؛ لكنه أشبه الفاعل في كونه مسندًا إليه، ولذا أعطي الرفع كالفاعل لعلة الإسناد. فالمحمول عليه في هذا المثال هو الفاعل (وهو باب نحوي والمحمول هو نائب الفاعل (وهو) باب نحوي والحكم هو الرفع، والعلة هي الإسناد، والذي قام بالحمل هو النحوي وإن كان النحوي يتخيل أن العرب قامت بذلك. 2 - ونحو ذلك أن تسمع من العرب قولهم "زيد كريم"، فتقيس عليه وتقول عمرو كريم"، فتكون أنت كمتكلم قد رفعت ”عمرو“ على الابتداء ما رفع العرب "زيد"، فالمحمول هو "عمرو" وهو مثال، والمحمول عليه هو "زيد" وهو مثال والحكم هو الرفع، والعلة الجامعة بينهما هي الابتداء. والحمل في النحو شبيه بالقياس الفقهي لأن القياس الفقهي يعني: إلحاق الأمثلة التي لم يرد فيها نص بالأمثلة التي ورد فيها نص شرعي من الكتاب العزيز والسنة المطهرة؛ إذا كانت من الباب نفسه الذي ينتمي إليه المثال المنصوص عليه، وهذا يدلك على أن أركان الحمل في النحو منتزعة من أركان القياس في الفقه.
كما
1 - للقياس في أصول الفقه أركان أربعة كذلك هي: 1 - الحكم: وهو ((خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ... ))، فالحكم عند الأصوليين في قوله تعالى:] أوفوا بالعقود [هو هذا النص القرآني نفسه وليس الإيفاء بالعقود، وأما الحكم عند الفقهاء فهو الأثر الذي يقتضيه حكم الشارع في الفعل وهو في تلك الآية: الإيفاء بالعقود. 2 - الأصل المقيس عليه: وهو ((محل الحكم الذي ثبت بالنص أو الإجماع))، ومثاله الربا الذي ثبتت حرمته بالنص القرآن الكريم والسنة الكريمة 3 - الفرع المقيس: ((وهو المحل الذي لم يرد فيه نص ولا إجماع)) ومثاله النبيذ الذي لم يرد في تحريمه نص صريح يذكره بالاسم؛ لا في القرآن المكرم ولا الحديث المطهر، ولكن قيس النبيذُ على الخمر لاتفاقهما في علة الإسكار؛ لأن الشارع العظيم جعل الإسكار هو الوصف الذي لو انطبق على مادة لوجب تحريم= (1/91)
صفحة 90
92
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الثالث:
أنواع الحمل
إعلم أن أصناف القياس الحملي تختلف باختلاف الزاوية التي ينظر من خلالها المُقَيّم، فقد ينقسم القياس الحملي بحسب قوة العلة أو ضعفها إلى قياس جلي (مقنع) وقياس خفي، وقد يُصنف الحمل بحسب عدد المقيس عليه إلى قياس على أكثر من مقيس عليه؛ وقياس على مقيس عليه واحد .. إلخ تلك الأقسام وزوايا التقسيم.
ولا شك أن السبق في تصنيف الحمل والعناية الطيبة به يُذْكَرانِ لسلفنا من النحاة، ولكننا وجدنا بعض القدماء يخلطون بين زوايا التقسيم؛ لأجل هذا ارتأينا لنفسنا أن نقسم أنواع الحمل حسب كل زواية على حدة؛ لاسيما أن هذا يسهل على القارئ فهم الحمل وعلاقته بالعلة؛ علمًا أننا سَنَنُصُّ في كل تقسيم على كونه من تقسيمات النحاة القدماء أو ليس منها؛ ليتبين للقارئ حقيقة ما قاله القدماء:
= هذه المادة؛ لأنه ليس من المعقول أن يذكر المُشرع العزيز كل أصناف الخمر في القديم والحديث بالتحريم العلة: هي الوصف الذي بني عليه حكم الأصل، وهو في المثال الإسكار)). ويسمى المقيس عليه في الفقه أيضًا المحمول عليه والمشبه به كما يسمى المقيس محمولا ومشبها. والقياس الفقهي بهذه الأركان يدل على أنه عملية عقلية يقوم بها المجتهد لإلحاق مثال فرع بنظيره الأصل، ولعل هذا يسوغ تعريف القياس في أصول النحو بأنه "حمل أصل على فرع رغم أن للقياس معنى آخر هو القاعدة انظر في كل ذلك من الكفوي، الكليات، ص 381، ثم وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، دمشق، دار الفکر، 1416 هـ / 1996 م- ج 1 ص 605، 606 ثم عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، ط 8، القاهرة، مكتبة الدعوة الإسلامية، ص 60، 100. (1/92)
صفحة 91
الفصل الثالث: القياس
93
الزاوية الأولى لتقسيم الحمل: تقسيم القياس بحسب نوع المقيس والمقيس عليه: أكل منهما مثال من أمثلة حكمه؟ أم إن أحدهما باب؛ والآخر مثال؟ أم أن كليهما بابان؟
فقد ظهر لنا أن الحمل ينقسم إلى الأصناف أو الصور التالية التي لم
يتطرق إليها القدماء لعدم طَرْقِهم هذه الزاوية من التقسيم:
1 - الصورة الأولى: إخضاع مثال لحكم بابه الذي ينتمي إليه: كأن تعلم أن كل اسم يصلح أن يكون مرفوعًا بالفاعلية، فتأخذ الاسم (زيد) -وهو مثال من أمثلة الاسم وتدخله في جملة تقول فيها: (صام زيد شهر رمضان الواجب)، فأنت بهذا تكون قد طبقت وقِسْتَ حكم الباب (وهو رفع الأسماء في حالة الفاعلية على أحد أمثلته وهو (زيد)؛ لأن (زيد) مثال الاسم أي فرد من أفراده.
والجدول التالي يوضح صورة هذا الحمل:
من
حكم المقيس المقيس عليه المقيس، ونوعه | حكم المقيس عليه الذي ونوعه: مثال أم مثال أم باب؟ قبل القياس
سينطبق على باب؟
أمثلة
المقيس
الرفع
الفاعل:
باب زيد مثال من الرفع
يندرج تحته كل أمثلة الاسم
اسم يقوم بالفعل
ويتبين لنا من هذا الجدول أن هذا النوع من القياس لا يعطي المقيس -وهو (1/93)
صفحة 92
94
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
(زيد) - حكمًا جديدًا؛ بل هو يُطَبّق عليه حكمه الذي يستحقه. وهكذا ترى أن تطبيق أية قاعدة نحوية مطردة سيؤدي هذا النوع من القياس الحملي، وقد تنبه لهذا أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني البصري (ت 249 هـ) فقال: ((ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست عليه
غيره، فإذا سمعت (قام زيد) أجزتَ (ظرُفَ بشر) و (كرُمَ خالد))).
ويُعدّ إخضاع المثال لحكم بابه أقدم صور الحمل؛ لأنه ولد مع ولادة اللغة البشرية، ويمكننا أن نسميه بالحمل الفطري.
ومن أمثلة حمل المثال على بابه نوع آخر يخالف السماع، مثاله أن يُعلَّم الطفل أن لكل فعل مضارع فعلا، ماضيا، فيأتي إلى الفعل (يَدَعُ) فيصنع له الفعل (وَدَعَ)؛ في جملة يقول فيها (وَدَعْتُ قلمي في المدرسة أي تركته فالطفل تصور أن (وَدَعَ) من أمثلة الفعل الماضي، فقاسه على سائر الأفعال لغتنا، الماضية، والصواب أنه خالف السماع؛ إذ لا يوجد الفعل (وَدَعَ) في ويمكن أن نسمي هذا الصنف الثاني من حمل المثال على بابه بالحمل الإلحاقي؛ لأنه يسعى إلى جبر الشاذ في اللغة وإلحاقه أو إخضاعه لحكم
نظائره الغالبة في بابه؛ حتى لو كان السماع لا يؤيد ذلك.
وربما ترجع العناية بالحمل الإلحاقي إلى زمن الخليل بن أحمد الفرهودي
1 - قرأ المازني على الأخفش الأوسط، وتتلمذ على يديه البصريون من بعده، وهو أول من فصل التصريف عن النحو، وعمل فيه كتابه " التصريف" انظر في ترجمته في طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص 87 - 93.
2 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 357. (1/94)
صفحة 93
الفصل الثالث: القياس
95
فقد وضع فكرة الأصل والفرع للظواهر اللغوية، وحاول جبرا الشاذ بها؛ كمحاولته حصر أصول الأبنية العربية في أربعة أصناف لا خامس لها؛ إذ يقول: ((كلام العرب مبني على أربعة أصناف على الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، فالثنائي على حرفين نحو: قد ... والثلاثي من الأفعال نحو قولك: ضَرَبَ ... ومن الأسماء نحو: عُمَر ... والرباعي من الأفعال نحو: دَخرَجَ ... ومن الأسماء: نحو عَبْقَر ... والخماسي من الأفعال نحو اسْحَنْكَكَ ... ومن الأسماء نحو:
سَفَرْجَل ... والألف التي في اسحنكك ... ليست من أصل البناء ... )). 2 - الصورة الثانية: إخضاع مثال لحكم باب غير بابه: يكثر مثل هذا النوع في الحمل التدريبي؛ كأن تجعل كلمة ذات وزن معين فتخضعها لوزن، آخر، ولعل أقدم ما جاء فيه قول أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي (ت 182 هـ): ((تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: قد استذاب الرجلُ)) فكلمة (ذئ) مثال ينتمي في الوزن إلى باب: (فعل)، ولكننا إذا أخضعناه إلى باب آخر هو الوزن (اسْتَفْعَلَ) لصار (اسْتَذْأَبَ)، وهكذا يكون قد خرج من بابه وهو وزنه الأول إلى باب آخر هو وزن (اسْتَفْعَلَ).
1 - الخليل، العين، ج 1 ص 48 - 49. 2 - أبو الحسن علي بن حمزة بن عبدالله الأسدي مولاهم، قيل سمي بالكسائي لأنه أحرم في كساء، هو عالم أهل الكوفة وإمامهم، عليه يعولون في روايتهم انتهت إليه رئاسة القراءة في الكوفة، أخذ القراءة عرضا عن حمزة الزيات وغيره، وأخذ عنه القراءة عرضًا وسماعا إبراهيم بن زاذان وغيره، قرأ كتاب سيبويه على أبي الحسن الأخفش الأوسط، خرج إلى البدو فأخذ اللغة، كان صدوق اللسان حسن الدعابة وقد توفي في 189 هـ. (أبو الطيب، مراتب النحويين، ص 120 - 121 ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير بن محمد، (ت 883 هـ)، غاية النهاية في طبقات القراء، ط 2، تحقيق برجستراسر)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1400 هـ / 1980 م، ج 1، ص 535 - 540).
محمد
3 - ياقوت، معجم الأدباء، ج 4 ص 88.
عنهم (1/95)
صفحة 94
966
اصول النحو .... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
والجدول التالي يوضح صورة حمل المثال على باب غير بابه:
حكم المقيس
عليه الذي المقيس عليه المقيس، ونوعه | حكم المقيس
سينطبق على ونوعه
المقيس
مثال أم باب؟ قبل القياس
جعل الكلمة على الوزن استفعل ذئب مثال من | كونه على وزن
وزن: اسْتَفْعَلَ
باب
أمثلة الوزن فعل
(فعل)
الأفعال وهي
3 - الصورة الثالثة: حمل مثال ينتمي إلى باب معين على مثال ينتمي إلى باب آخر: ويحدث ذلك في التضمين ومثاله أن الفعل المتعدي بحرف الجر (من) باب تندرج تحته مجموعة من الأفعال منها (يشرب من الماء- يأكل من اللحم- يقطف من الشجرة يأتي من الخلف .. إلخ) وأن الفعل المتعدي بحرف الجر (الباء) باب تندرج تحته مجموعة من (يتلذذ بالعصير - يرتوي بالماء- يستمتع بالمطر - يفتدي بالمال .. إلخ)، فإذا أردنا تضمين فعل من الباب الأول فعلا من الباب الثاني ذكرنا المثال التالي: قال الله عز وجل في سورة الإنسان في الآيتين 5، 6:] إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجها كافُورًا. عينًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا، فأنت ترى كيف تضمن الفعلُ (يَشْرَب) معنى الفعل (يَتَلَذَّذ) فأصبح متعديًا مثله بالباء، وكأن المعنى صار: عينًا يشرب منها مُتلذذا بها عباد الله، وكان المعنى في الأصل: عينًا يشرب منها عبادُ اللهِ.
1 - في تضمين تلك الآية انظر في البلاغة العربية لعبد الرحمن حسن حنبكة الميداني، دمشق، دار القلم، 1416ھ / 1996 م ج 2 ص 51. (1/96)
صفحة 95
والجدول التالي يوضح ذلك الحمل التضميني:
الفصل الثالث: القياس
حكم المقيس المقيس عليه
حکمه قبل
المقيس
القياس
عليه
ونوعه
يتلذذ: مثال يشرب: مثال
التعدي بالباء من
أمثلة الفعل من أمثلة الفعل التعدي ب (من)
97
المتعدي بالباء المتعدي ب (ن)
4 - الصورة الرابعة: إخضاع باب لحكم باب آخر: كاعتقاد النحاة أن العرب أخضعت اسم الفاعل لحكم الفعل المضارع؛ فأعطته العمل كما أعطت المضارع؛ لما بينهما من المشابهة، ولولا ذلك ما استحق اسم الفاعل العمل؛ لأن الأصل في العمل أن يكون للأفعال لا للأسماء، ففي هذه الحال يكون العرب قد قاسوا باب (اسم الفاعل بكل أمثلته على باب (الفعل المضارع في حكم العمل؛ أي إن كل اسم فاعل قد طبق عليه حكم العمل الذي يملكه كل فعل مضارع.
وعلى العكس من ذلك فقد أعطي الفعل المضارع الإعراب حملا على اسم الفاعل المعرب أصلا. (1/97)
صفحة 96
98
888
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
حكم
والجدول التالي يوضح حمل الشبه:
المقيس عليه
المقيس ونوعه
المقيس عليه
ونوعه
حكم المقيس قبل القياس
الفعل المضارع:
اسم الفاعل:
باب تندرج تحته
العمل
باب يشمل كل
كل الأفعال
عدم العمل
أسماء الفاعلين
المضارعة
الفعل المضارع:
الإعراب اسم الفاعل: باب
البناء
باب
وهي
تَحْدُثُ
- الصورة الخامسة: حمل الباب على مثال شذ عنه: حين تجعل الشاذ في بابه مقيسًا عليه؛ فتقيس عليه باقي أمثلة بابه المطردة، ومثاله ذلك "عَسَى زيد قائمًا"، فهذا مثال جاء فيه اسم "عسى“ صريحًا، وهو مثال شذ عن بابه الذي يتطلب أن يكون خبر (عسى) مصدرًا مؤولًا لا اسمًا صريحًا، فإذا أردت أن تعتد بهذا الشذوذ قِسْتَ عليه كل خبر (عسى) فجوزت جعله اسمًا صريحًا، فتكون قد حملت باب (خبر عسى) على مثال (قائما) كما يتضح من الجدول التالي:
1 - مثال جعل اسم " عسى " صريحًا ما ورد في كتاب سيبويه، ج 3 ص 158: ( ... "عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسا، فهذا مثل من أمثال العرب أجروا فيه عسى مجرى كانَ)). (1/98)
صفحة 97
الفصل الثالث: القياس
عليه
حكم المقيس المقيس عليه
ونوعه
حكم المقيس
المقيس ونوعه
قبل القياس
اسم صريح
قائمًا: مثال من
عدم جواز کونه
واقع خبرا
أمثلة الاسم خبر عسي اسمًا صريحًا
ل (عسى)
الصريح
99
ويحسن التنبه للملحوظات التالية فيما يخص أقسام الحمل السابقة: 1 - أكثر صور الحمل من الصناعة النحوية؛ مثل حمل الشبه والحمل التدريبي والحمل الإلحاقي وحمل الباب على مثاله الشاذ. والقليل منها مما مارسه العرب مثل الحمل الفطري والحمل التضميني، ولذا فإن تقسيم الحمل حسب هذه الزاوية الأولى يفيد الباحث النحوي في مدى الجدوى من أي قياس يَعْرِضُ له فالقياس كالسكين ذو حدين: حد نافع وحد ضار، ولا يمكن أن يوصف دومًا بما وصفه بعض المحدثين من أنه آلة من آلات فلسفة النحو؛ يُشرعُ به النحاة أساليب في العربية لم يسمعوها من العرب بل
يقيسونها على ما سمعوا. 2 - هذه الصور الحملية ليست كلها مما أقره النحاة؛ بل بعضها صور وضعناها لنبين الأصناف التفصيلية للحمل من حيث كون المقيس والمقيس عليه بابين أو مثالين.
الزاوية الثانية لتقسيم الحمل: تقسيم الحمل بحسب أصالة المقيس
1 - هو إبراهيم مصطفى في "إحياء النحو“ ص 30. (1/99)
صفحة 98
100
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
:
والمقيس عليه أو تفرعهما وفائدة هذا التقسيم توضيح أن النحاة كانوا يعتقدون أن كلا من الأصل والفرع اللذين تصوروهما للظواهر اللغوية- يأخذ من صاحبه بعض أحكامه عمارة لما بينهما على حد قول ابن جني، فهو إذن تقسيم عرفه أجدادنا، وبيان أقسامه فيما يلي: 1 - القسم الأول: حمل فرع على أصل: ومثاله أن نائب الفاعل (الفر) حمل على الفاعل (الأصل) فأخذ حكم الرفع مثله؛ كما يزعم النحاة. ومثاله الآخر: حمل الاسم على الحرف أو الفعل في حكم البناء؛ مثل بناء (مَنْ) حملا لها على الحروف المركبة من حرفين مثل (في، من، بَلْ)؛ لأن الأصل في البناء للحروف لا للأسماء وإنما تبنى الأسماء إذا أشبهت حروف المعاني في عدد حروف مبانيها؛ أو أشبهت الأفعال في أوزانها.
2 - القسم الثاني حمل أصل على فرع: وهي صورة تُعارِضُ أصول النحويين؛ يمكنك أن تفترضها بنفسك، وطريقتها: أن تهمل الأصول في الحمل وتجعل المقيس عليه هو الفروع أي إن تعتد بالفرع ولا تعتد بالأصل، ومثاله أن تنصب الفاعل حملًا على المفعول لأن الفرع يقتضي ألا تعطي الفاعل الحركة الأقوى، ومثاله الآخر أن تبني كل الأسماء لأن الفرع في الأسماء ألا تعرب!!
1 - في الخصائص حديث عن ذلك يقول فيه ابن جني ج 1 ص 63 (( .. وهذه عادة العرب مألوفة، وسنة مسلوكة: إذا أعطوا شيئًا من شيء حكمًا ما قابلوا ذلك بأن يعطوا المأخوذ منه حكمًا من أحكام صاحبه، عمارة لبينهما وتتميما للشبه الجامع لهما، وعليه باب ما لا ينصرف؛ ألا تراهم لما شبهوا الاسم بالفعل فلم يصرفوه، كذلك شبهوا الفعل بالاسم فأعربوه)).
2 - ذكر السيوطي في الاقتراح ص 42 أن النحاة يسمون حمل الفرع على الأصل بقياس المساوي. النحاة حمل الأصل على الفرع: قياس الأولى على غير الأولى، كما ذكر السيوطي في
3 - يسمي اقتراحه ص 42. (1/100)
صفحة 99
الفصل الثالث: القياس
101
ذلك ما ارتضيناه في تصنيف الحمل بحسب أصالة المحمول والمحمول عليه أو تفرعهما، وأما أسلافنا النحاة فقد كان لهم السبق في التصنيف؛ إلا
أنهم ذكروا أمثلة من حمل الأصل على الفرع ودَدْنا أن نناقشها كما يلي: جاء في الاقتراح القياس في العربية على أربعة أقسام: حمل فرع على أصل، وحمل أصل على فرع، وحمل نظير على نظير، وحمل ضد على ضد ... ومن أمثلة الثاني: إعلال المصدر لإعلال فعله، وتصحيحه لصحته ك (قُمْتُ قيامًا) و (قاوَمُتُ قِوَامًا)، وفي الخصائص من حمل الأصل على الفرع تشبيها له في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل: تجويز سيبويه في قولك (هذا الحَسَنُ الوَجْهِ أن يكون الجر في الوجه تشبيها بالضاربُ الرجل الذي إنما جاز فيه الجر تشبيها بالحسن الوجه)، قال فإن قيل: وما الذي سوّغ لسيبويه هذا وليس مما رواه عن العرب وإنما هو شيء رآه وعلل به؟! " قيل: يدل على صحته ما عُرِف من أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مكنت ذلك الشبه الذي لهما وعَمَرَت به الحال بينهما، ألا تراهم شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه)). والتعليق على المثال الأول - وهو أن العرب تُعِلُّ المصدر وتصححه قياسًا على الفعل الذي هو فرع على المصدر؛ كما في قمت قيامًا وقاومت قوامًا- أنه لا دليل يثبت أن العرب قاست المصدر على الفعل في إعلاله وتصحيحه،
1 - انظر في الخصائص لابن جني ج 1 ص 183 - 184، فلم أشأ أن أنقل كلام ابن جني بدل كلام السيوطي لأن كلام السيوطي أكثر تنظيما وأوضح بيانًا وتفصيلا.
2 - في كتاب سيبويه ج 1 ص 182 في باب "هذا باب صار الفاعل فيه بمنزلة الذي فعل في المعنى وما يعمل فيه".
3 - السيوطي، الاقتراح ص 42. (1/101)
صفحة 100
102
أصول النحو .... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وإنما هو ظن للنحاة لا يستند إلى قاعدة متينة .. ولماذا لا يكون الفعل هو
الذي أُعِلَّ وصحح قياسًا على المصدر؟! أو لماذا لا نقول إن العرب أَعَلَّت
المصدر والفعل معا دون أن نقيس أحدهما بالآخر؟!
أن وأما المثال الثاني -وهو هذا الضاربُ الرجل) قيس على جر المضاف إليه في قولهم (هذا الحسنُ الوجه)، ثم قيس هذا الأخير بالأول: أي إنهما تبادلا القياس فقيس الأصل (عمل اسم الفاعل) على الفرع (عمل الصفة المشبهة)، ثم قيس الفرع بالأصل
جر المضاف إليه وهو (الرجل) في جملة
مرة أخرى فإن الرد على هذا من وجوه: 1 - الوجه الأول: لماذا اعتبر النحاة اسم الفاعل أصلا في العمل؛ والصفة المشبهة فرعًا عليه في العمل، ثم اعتبروا اسم الفاعل فرعًا في العمل على الفعل، والفعل هو الأصل؟! أليس من الجدير أن يعدوا كلا من اسم الفاعل
والصفة المشبهة فرعين على الفعل في العمل لأن الفعل أقوى منهما؟ 2 - الوجه الثاني: إذا كان اسم الفاعل أصلا للصفة المشبهة في العمل؛ فلم يُقاس معموله (الرجل) على معمول الفرع (الوجه)؟! أليس الأولى أن يقاس الفرع على الأصل؛ لأن الأصل أقوى منه؟
3 - الوجه الثالث: وقع النحاة هنا في نوع من التسلسل أو الدور' يرفضونه هم أنفسهم؛ وذلك حين جعلوا علة جر الأصل (الرجل) هي علة جر الفرع
(الوجه) نفسها.
1 - التسلسل أو الدور من قوادح العلة وعيوبها، ومعناه أن تكون هناك علتان كل منهما علة للأخرى، وسيأتي تفصيل هذا التسلسل أو الدور في الفصل الخامس من الباب الأول عند الحديث عن قوادح العلة. (1/102)
صفحة 101
الفصل الثالث: القياس
103
وأما المثال الثالث وهو أن العرب شبهوا اسم الفاعل بالفعل في عمله، ا فحملوه عليه وأعطوه حكم الفعل على الرغم من أن الأصل في العمل للفعل، وقد أباحوا هذا الحمل لكونهم قد حملوا الفعل المضارع أيضًا على اسم الفاعل في الإعراب فإن الجواب عنه هو أن في ذلك الأمر مغالطة كبيرة، إذ إنهم يَعُدُّون كلا الحملين نوعا من تبادل الحمل بين الأصل والفرع، والصواب أن كل حمل منهما حمل اسم الفاعل على المضارع، وحمل المضارع على اسم الفاعل) من باب حمل الفرع على الأصل، ولا يمكن اعتبار أي منهما من نوع حمل الأصل على الفرع، وذلك للأسباب الآتية:
- لأن اسم الفاعل أصل في الإعراب والمضارع فرع فيه، وقد حمل المضارع عليه، فهو حمل فرع على أصل في الإعراب.
- وكذلك الفعل المضارع أصل في العمل؛ واسم الفاعل فرع فيه، وقد حمل اسم الفاعل عليه في العمل، فهو حمل فرع على أصل في العمل. وهكذا يتبين لك أن الصور التي طرحها النحاة في حمل الأصل على الفرع غير مقبولة، وهذا يدل على عدم منطقية هذا النوع من الحمل البتة. الزاوية الثالثة لتقسيم الحمل: هي زاوية لم يُعنَ بها القدماء، ومرادها تقسيم الحمل حسب القائم به إلى:
1 - قياس يقوم به المتكلم بفطرته أو المستعمل للغة: كالحمل الفطري، والتضمين، وما سواهما من أنواع الحمل التي يجيزها السماع.
2 - قياس يصنعه النحوي، ولا واقع له في كلام العرب، كأكثر صور الحمل (1/103)
صفحة 102
104
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
التي عرضت عليك سابقا، ومنها الحمل الإلحاقي، وحمل الأصل على الفرع، وحمل الفرع على الأصل، وحمل الباب على الباب .. إلخ.
وسبب عدم تقسيم النحاة القدماء الحمل إلى هذين القسمين حسب القائم به؛ هو أنهم كانوا يظنون أن كل ما يقومون به من أقيسة أو يتوهمونه هو من صنع العرب الذين وضعوا اللغة، وأنهم -أي النحاة- مجرد نَقَلَةٍ مهمتهم الالتزام بما وضعه العرب من هذه الأقيسة، ألا ترى جواب النحاة السابق عما أحدثه سيبويه من قياس: .... فإن قيل: "وما الذي سوّغ لسيبويه هذا وليس مما رواه عن العرب، وإنما هو شيء رآه وعلل به؟! “ قيل: يدل على صحته ما عرف من أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مكنت ذلك الشبه الذي لهما، و عمرت به الحال بينهما ... )).
•
الزاوية الرابعة لتقسيم الحمل: هي تقسيمه حسب
العلة الجامعة بين العلة نفسها التي أعطت الحكم للاثنين
المقيس والمقيس عليه هل هي أو أن الجامع غير ذلك مثل الشبه والاطراد والتضاد؟ وهذه الزاوية ذكرها
القدماء الذين قسموا الحمل أو القياس إلى ثلاثة أقسام:
1 - القسم الأول: قياس العلة (أو قياس الإخالة أو قياس المناسبة): وهو الذي يسعى من خلاله النحاة إلى تسويغ الفروع التي شذت عن أصولها المثالية؛ بقياسهم إياها على الأصول؛ وادعاء أنَّ العرب لاحظوا وجود علة الحكم نفسها في كل من الأصل والفرع؛ ما أعطى للفرع الحق في أن ينال نفس حكم الأصل. ومثال ذلك أن النحاة يرون أن الفاعل يستحق الضمة لأنه
1 - ذكرت أن ذلك جاء في الاقتراح ص 42.
2 - ذكر هذه التسميات يحيى الشاوي في ارتقاء السيادة ص 82. (1/104)
صفحة 103
الفصل الثالث: القياس
105
الأقوى، والضمة أقوى الحركات لذا استحقها الفاعل، فالأصل إذن أن تكون الضمة للفاعل، لكن النحاة تورطوا في هذا الاعتقاد بوجود نائب الفاعل الذي نال الرفع أيضًا في اللغة، على الرغم من أنه في معناه (مفعول به)، والمفعول
به لا يستحق الرفع بل النصب لأنه ضعيف، فماذا صنعوا لرتق أصولهم؟ قالوا: إن نائب الفاعل استحق الرفع كالفاعل لأنه مسند إليه كالفاعل تماما، وأضافوا: إن الفاعل إنما استحق الرفع لعلة كونه مسندًا إليه، وهكذا يكون نائب الفاعل قد اتصف بالعلة التي أوجبت حكم الرفع للفاعل، فأُلحق بالفاعل وقيس عليه. وفي هذا النوع من الحمل يقول أبو البركات الأنباري: ((اعلم أن قياس العلة أن يُحمل الفرع على الأصل بالعلة التي علق عليها الحكم في الأصل،
نحو ما بَيَّنَّا من حمل ما لم يُسَمَّ فاعله على الفاعل بعلة الإسناد)). وقد وجدت هذا النوع أول ما وجدته عند الكسائي الكوفي (ت 182 هـ)، فقد سأله أحدهم ذات مرة فقال: ما حد الفاعل والمفعول به؟ قال الكسائي: حد الفاعل الرفع أبدا، وحد المفعول به النصب أبدا، قال: فكيف تقول (ضُرِبَ زيد؟ فقال: ضُرِب، زيد قال: فلم رفعت زيدًا وقد شرطت أن المفعول به منصوب أبدًا؟ قال: لأنه لم يُسمَّ فاعله، قال له: فقد أخطأت في العبارة إذ لم تقل إن من المفعولين من إذا لم يسم فاعله كان مرفوعًا، ومَن جَعَلَ لك الحكم بأن تجعل الرفع لمن لم يسم فاعله؟! قال: لأنا إذا لم نذكر
1 - ذكر سيبويه في الكتاب ج 1 ص 42): ((اعلم أن المفعول، الذي لم يتعد إليه فعل فاعل في التعدي والاقتصار، بمنزلته إذا تعدى إليه فعل الفاعل، لأن معناه، متعديًا إليه فعل الفاعل، وغير متعد إليه فعله، سواء، ألا ترى أنك تقول: ضربت زيدًا فلا تجاوز هذا المفعول، وتقول ضُرِبَ زيد) فلا يتعداه فعله؛
لأن المعنى واحد)). 2 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 105. (1/105)
صفحة 104
106
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الفاعل أقمنا المفعول به مقامه؛ لأن الفعل الواقع عليه غير مستحكم النقص، وعدم النقص مطابق للرفع، فإذا ذكرنا مَنْ فَعَلَ به وأفصحنا بذلك نصبناه)). فالكسائي يقيس نائب الفاعل على الفاعل في حكم الرفع لعلة كون جملته تامة مفيدة كجملة الفاعل التامة العلة التي أعطته حكم الرفع نفسه
الذي أعطته للفاعل.
وهي
2 - القسم الثاني: قياس الشبه (أو إلغاء الفارق): وفيه نوع من التعليل كذلك، هدفه تسويغ شذوذ الفرع ببيان سبب إلحاقه بالأصل، لكنه يختلف عن قياس العلة في أنه لا يهمه أن تكون العلة الموجبة لحكم الأصل هي نفس العلة الموجبة لحكم الفرع، بل يُعلّل هذا القياسُ الشبهي وجود الحكم في الفرع بأن الفرع يشبه الأصل في بعض النواحي، سواء كانت نواحي بنيوية أو دلالية، وقد عرفه أبو البركات الأنباري بقوله: ((اعلم أن قياس الشبه أن يحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه غير العلة التي علق عليها الحكم في الأصل)).
ولعل أول من ابتدع هذا النوع من القياس إمام النحاة الخليل بن أحمد (100 - 175) فقد جاء في الإيضاح: قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: المستحق للإعراب من الكلام الأسماء والمستحق للبناء الأفعال والحروف، هذا هو الأصل. ثم عَرَض لبعض الأسماء علة منعتها من الإعراب فبنيت، وتلك العلة مشابهة الحرف، وعرض لبعض الأفعال ما أوجب لها الإعراب
1 - ياقوت، معجم الأدباء، ج 4 ص 101.
2 - سماه بإلغاء الفارق يحيى الشاوي في ارتقاء السيادة ص 84.
3 - الأنباري، لمع الادلة، ص 107. (1/106)
صفحة 105
الفصل الثالث: القياس
107
فأعربت، وتلك العلة مضارعة الأسماء وبقيت الحروف كلها على أصولها مبنية؛ لأنه لم يعرض لها ما يخرجها عن أصولها)). فالخليل -وقد وضع فرضية أصل الظاهرة وفرعها- حاول أن يسوّغ بعض ما شد عن نظريته، فرأى في مسألة الإعراب والبناء أن الأسماء تستحق الإعراب دون الأفعال والحروف؛ لأن معانيها تختلف من الفاعلية إلى المفعولية والمصدرية والظرفية؛ فوجب أن يكون الأصل في الإعراب أنه للأسماء، لكنه لاحظ أن بعض الأسماء رغم ذلك بُنيت، فحاول البحث عن سبب بنائها .. فوجد أن ثمة علاقة تشابه كما يظن بين الأسماء المبنية والأفعال المبنية والحروف، وأن هذه المشابهة هي علة بناء الأسماء المبنية على الرغم من أنها ليست هي سبب بناء الحروف والأفعال لأن الحروف والأفعال تستحق البناء أصلا لثبوت معانيها، ثم جاء من بعدِهِ مَنْ حدد أوجه مشابهة الأسماء الحروف والأفعال، ومن هؤلاء الفاكهي إذ يقول: ((حد) المبني ما شابه الحرف شبها قويًا يدنيه في وصفه، أو معناه أو استعماله، أو افتقاره، أو إهماله، أو لفظه)). ثم فصل حديثه فقال: حد) الشبه الوضعي: أن يكون الاسم موضوعا في الأصل على حرف أو حرفين))، مثال ذلك: (تاء الفاعل) و (مَنْ) اللتان تشبهان همزة الاستفهام و (هل) في عدد حروفهما.
و ((حد الشبه المعنوي: أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف
1 - الزجاجي، الإيضاح، ص 77.
2 - الفاكهي: عبد الله بن أحمد المكي (899 - 1072 هـ)، حدود النحو، ضمن كتاب الحدود في ثلاث رسائل)، تحقيق: عبد اللطيف محمد العبد القاهرة دار النهضة العربية 1398ھ / 1978 م، ص 17،
19.18
3 - نفسه ص 17. (1/107)
صفحة 106
108
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وإن لم يوضع لذلك (حرف))، ومثاله: (متى) التي تستعمل للشرط كما تستعمل (إن) الشرطية، وكذلك (هنا) للإشارة؛ فإن معنى الإشارة من معاني الحروف وإن لم يوضع حرفٌ للإشارة؛ لأن معنى الإشارة كمعنى المنادى في
(يا) النداء وكمعنى التنبيه في (ألا) وهما معنيان للحروف كما ترى. و ((حد الاستعمالي: أن يكون الاسم نائبًا عن الفعل ولا يتأثر بالعامل))، ومثاله أسماء الأفعال نحو (هيهات) و (صه).
،
و ((حد الافتقاري: أن يكون الاسم لازم الافتقار على جملة يتم بها معناه)) مثاله: (إذ) و (إذا) فإنهما تحتاجان إلى جملة بعدهما، فتقول: (أعطيتك الكتاب إذ كنت في المدرسة). وأما حد الإهمالي فهو: أن يكون الاسم مُشْبِها للحرف في كونه غير عامل وغير معمول، نحو اسمي الاستفهام: (مَنْ) و (ما)؛ إذا وقعا خبرًا؛ نحو (ما الصلاة؟) و (مَن المؤمنُ؟)؛ إذا اعتبرنا أن الخبر ليس معمولا للمبتدأ وليس عاملا فيه.
ثم حد اللفظي وهو أن يكون الاسم مشبها للحرف في صورته ولفظه))، مثاله: (قد) الاسمية التي تشبه حرف التحقيق (قد)، ومثاله الآخر أن يُسمى شخص باسم (عَلَى) الشبيهة بحرف الجر (عَلَى).
وعلى الرغم من أن علاقة الشبه بين الأصل والفرع التي يدعيها النحاة هي
1 - نفسه ص 18.
2 - نفسه ص 18.
3 - نفسه ص 18.
4 - نفسه ص 18.
5 - نفسه ص 18. (1/108)
صفحة 107
الفصل الثالث: القياس
109
علة واهية تشبه بيت العنكبوت لأنه ما من لفظة في اللغة إلا وتشبه اللفظة الأخرى في شيء وتفترق عنها في شيء آخر- فإن النحاة دافعوا عن وجهة نظرهم واعتقادهم بمنطق الشبه بوضع ضابط للشبه؛ هو في قولهم: (( ... وليس كل شبه بين شيئين يُوجب لأحدهما حكما هو في الأصل للآخر، ولكن الشبه إذا قوي أوجب الحكم، وإذا ضعف لم يوجب، فكلما كان الشبه أخص كان أقوى، وكلما كان أعم كان أضعف، فالشبه الأعم كشبه الاسم الفعل من جهة أنه يدل على معنى، فهذا لا يوجب له حكمًا لأنه عام في كل اسم وفعل، وليس كذلك الشبه من جهة أنه ثان باجتماع السببين فيه؛ لأنه يخص نوعا من الأسماء دون سائرها، فهو خاص مُقَرّب للاسم من الفعل)). وذلك الدفاع لا جدوى منه؛ لعدم ثبوت ذلك عن العرب، وإنما هو نوع من الاجتهاد الظني، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، كما أن أوجه الشبه التي يعتد بها النحاة ليست مقنعة ولا قطعية، وقد قال أبو البقاء الكفوي (1028 - 1094 هـ): ((ولا ينبغي أن يجذب الأصل إلى حيز الفرع إلا بسبب قوي، ويكفي في العودة إلى الأصل أدنى شبهة؛ لأنه على وفق الدليل، ولذلك صَرِفْ (أربع) في قولك: (مررتُ بنسوة أربع) مع إن فيه الوصف والوزن؛ اعتبارًا لأصل وضعه وهو (العدد.
1 - يقصد بالسببين: السببين الخفيفين والسبب الخفيف في علم العروض هو متحرك يليه ساكن: (/0)، ومعنى ذلك أن فعل المضارع استحق الإعراب كاسم الفاعل لأنه يشبهه في حركاته وسكناته، مثال ذلك اسم الفاعل: ذاهب، عند الوقف، يشبه الفعل المضارع: يَذْهَبْ، عند الوقف، فكلاهما ذو
سببين خفيفين: /0/ 0
2 - يقصد اسم الفاعل.
3 - السيوطي، الأشباه والنظائر، ج 2 ص 181.
4 - الكفوي، الكليات، ص 128. (1/109)
صفحة 108
110
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
ويعد سيبويه (148 - 180 هـ) تلميذ الخليل (100 - 175 هـ) أكثر من رسّخ
هذا النوع من القياس الشبهي بعد الخليل، ففي أول كتابه: - يرى أن سبب إعراب الأفعال المضارعة هو لمضارعتها أسماء الفاعلين. - وأن سبب بناء الأسماء غير المتمكنة هو لمضارعتها ومشابهتها بعض الحروف.
- وأن سبب فتح الفعل الماضي وعدم تسكينه هو مشابهته اسم الفاعل في بعض المواضع القليلة، ولو شابهه في مواضع كثيرة لأعرب كالفعل المضارع.
- وأن سبب المنع من الصرف الذي يحدث لبعض الأسماء- لمشابهتها الأفعال في وزنها.
- وأن سبب تصرف بعض الظروف وعدم التزامها بالظرفية هو مشابهتها الأسماء في قبولها الإسناد إليها، أو أن تسند هي إلى غيرها، وكان يمكنه أن يقول في هذا الأخير: "إن الظروف من الأسماء، والأصل في الأسماء التصرف لا البناء، لذا جاز تصرف الظروف. 3 - القسم الثالث: قياس الطرد: وهو أن تعلل الظاهرة الموافقة للأصول بترك الاستصحاب فتقول: "إن السبب الذي أوجب لها حكمها هو وجود صفة مطردة في جميع نظرائها، ولأجل أن علة الفرع مطردة في جميع الأصل أيضًا فقد قيست تلك الظاهرة بالأصل، وأعطيت حكمه“.
1 - سيبويه، الكتاب، ج 1 ص 13 - 15.
2 - انظر في المصدر نفسه ج 1 ص 15. 3 - انظر في المصدر نفسه ج 1 ص 16. 4 - انظر في المصدر نفسه ج 1 ص 21. - انظر في المصدر نفسه ج 1 ص 84.
أمثلة (1/110)
صفحة 109
الفصل الثالث: القياس
111
ومثال ذلك: أننا نعلم أن من أصول النحاة قولهم: (الأصل في الفعل البناء)، وهذا يعني أن أي فعل إنما هو مبني على أصله، ومثاله (ليس)، فنحن إن قلنا إن سبب بناء (ليس) هو كونه فعلا فقد عملنا بالاستصحاب؛ أي استدللنا بالأصول .. ولكن .. ماذا لو قال أحد النحاة "إن سبب بناء (ليس) هو جمودها وعدم تصرفها في أكثر من زمن كالأفعال: (حبذا، ما أفعله، أفعِل، به نِعْمَ بئس، عسى، ساء هَلُمَّ هات، وأن هذه الأفعال الجامدة قيست على الأفعال الماضية المتصرفة في حكم البناء، والعلة الجامعة هي اطراد
علة كل منهما:
- فالأفعال الماضية المتصرفة علة بنائها مجيئها على الأصل، وهي
علة مطردة.
- والأفعال الجامدة علة بنائها كونها جامدة،
الأفعال الجامدة.
فهل يقبل احتجاج ذلك النحوي؟
الحقيقة أن في استدلاله مغالطات:
وهي علة مطردة في كل
1 - لأنه استثنى الأفعال الجامدة من أمثلة الأصل دون مسوغ، وكان الأولى أن يقول إنها بنيت لأنها جاءت على الأصل كالأفعال الماضية المتصرفة. 2 - ولأن قوله (بنيت لجمودها) يوهم أن كل ما عدا الأفعال الجامدة غير مبني وليس هذا صحيحًا فإن الأفعال الماضية المتصرفة وأفعال الأمر مبنية أيضا. (1/111)
صفحة 110
112
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
علة
3 - ثم إن العلة التي أتى بها ليست مقنعة؛ بل تهرب من علة أقوى (وهي علة الاستصحاب إلى علة عقلية أضعف وهي ملاحظة اطراد كل من الأصل وعلة الفرع؛ على الرغم من أن هذا الاطراد في الفرع لا تأثير له في
الحكم؛ ذلك لأن الأفعال مبنية في الأصل سواء اطرد البناء في الأفعال الجامدة أو لم يطرد.
ومثال آخر لقياس الطرد عرضه أبو البركات الأنباري (513 - 577 هـ) وهو أن يقول أحد النحاة: (إن علة إعراب ما لا ينصرف هو كونه لا ينصرف) والصواب أن ما لا ينصرف يعرب؛ لأن الأصل في الأسماء الإعراب؛ سواء أكانت مصروفة (منونة) أم ممنوعة من الصرف.
ويرى أبو البركات الأنباري أن النحاة مختلفون في قبول أنواع الحمل الثلاثة السابقة على النحو التالي:
1 - قياس العلة معمول به بإجماع أهل البلدين كافة.
2 - قياس الشبه: معمول به عند أكثر النحاة.
3 - قياس الطرد معمول به عند كثير من النحاة أي إن أكثر النحاة لا
يرضونه.
الزاوية الخامسة: تقسيم أنواع الحمل حسب تطابق المقيس والمقيس عليه في اللفظ والمعنى أو تضادهما إلى أربعة أصناف، ولا يهمنا إن كان هذا
1 - انظر في قضية قياس الطرد في لمع الأدلة الأنباري ص 110 - 112.
2 - انظر في المصدر نفسه ص 105. (1/112)
صفحة 111
الفصل الثالث: القياس
113
التطابق أو التضاد عن قصد من واضع اللغة أو عن غير قصد، وهو تقسيم
اعتنى به القدماء على الأصناف التالية:
الصنف الأول: حمل النظير على نظيره في اللفظ والمعنى: كاعتقاد النحاة أن العرب صغرت فعل التعجب في مثل (ما أُمَيْلِحَ زيدًا) قياسًا على تصغير اسم التفضيل في مثل (رأيتُ زيدًا أُمَيْلِحَ مِنْ عَمْرٍو)؛ لأن فعل التعجب - مثل: أَمْلَحَ - على وزن اسم التفضيل -مثل: أملح- ولهما المعنى نفسه؛ ألا ترى أن كليهما يدلان على شدة ملاحة زيدٍ وتفوقه في الحسن على غيره. 2 - الصنف الثاني: حمل النظير على نظيره في اللفظ وضده في المعنى: من ذلك أن الحرف (إنْ) يزاد بعد ما الموصولة ويزاد بعد ما المصدرية؛
- يرى محمد عرفة في " النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة "، القاهرة، ص 131: أن الشيء إذا أشبه
الشيء في اللفظ أو المعنى أعطي الشبيه حكم شبيهه، ويرجح أن يكون هذا الشبه من غير قصد. 2 - يسمي النحاة حمل النظير على النظير سواء كان نظيره في اللفظ أو المعنى أو في كليهما: بقياس المساوي = ذكر هذا السيوطي في الاقتراح ص 42. 3 - جاء في ارتقاء السيادة ليحيى الشاوي ص 66: أنَّ التفضيل حُمِلَ على التعجب في عدم رفع الظاهر، أي إن المُفَضَّلَ عليه لا يأتي مرفوعًا بعد اسم التفضيل كقولك (زيد أكرم من سعيد) وإنما يكون مجرورًا؛ وذلك لأن العرب، كما يزعم العرب، كما يزعم النحاة، قاسوه على المُتَعَجَّب منه الذي يكون مجرورًا أيضًا في مثل قولك (أكرِم بسعيد)، ومن ناحية أخرى حُمِلَ التعجب على التفضيل في التصغير كما بينت في المتن. وقد سيبويه عن تصغير اسم التفضيل وفعل التعجب في كتابه ج 3 ص 477 - 478 فقال: (( ... وذلك قولك (هو أُصَيْغِرُ منك)، وإنما أردت أن تقلل الذي بينهما ... وسألت الخليل عن قول العرب: (ما أُمَيْلِحَهُ)؛ فقال لم يكن ينبغي أن يكون في القياس؛ لأن الفعل لا يُحقر وإنما تحقر الأسماء، لأنها توصف بما يعظم ويهول، والأفعال لا توصف، فكرهوا أن تكون الأفعال كالأسماء لمخالفتها إياها في أشياء كثيرة، ولكنهم حقروا هذا اللفظ وإنما يعنون الذي تصفه بالملح، كأنك قلت: مليح، شبهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئًا آخر؛ نحو قولك يَطَؤُهُمُ الطريقُ)، و (صِيدَ عليهِ يَوْمَانِ) أي يطؤهم أهل الطريق الذين يمرون فيه، وصيد عليه الصَّيْدُ في يومين)).
تحدث
4 - ذكر هذا النوع من الحمل السيوطي في الاقتراح ص 43، وكذلك الشاوي في ارتقاء السيادة ص 65. (1/113)
صفحة 112
114
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
قياسًا لهما على ما النافية التي يزاد معها هذا الحرف بكثرة، فكل من ما النافية وما المصدرية وما الموصولة متناظرات في اللفظ.
فمثال زيادة إن بعد ما النافية قول الشاعر: [من الوافر]
فَمَا إِن طِينَا جُبْن، ولكن
منايانا ودَوْلَةُ آخَرِينَا
ومثال زيادتها بعد ما الموصولة الاسمية: قول الشاعر [من الوافر]
يُرجى الْمَرْهُ ما إِن لا يَرَاهُ
وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْناهُ الخُطُوب
ومثال زيادتها بعد ما المصدرية: قول الشاعر [من البسيط] وَرَجَ الفَتَى لِلْخَيْرِ مَا إِن رَأَيْتَهُ
عَلَى السِّنِ خَيْراً لا يزال يَزِيدُ
-3 الصنف الثالث: حمل النظير على نظيره في المعنى وضده في اللفظ: وربما كان من أقدم صوره عند النحاة ما ذكره أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الكبير البصري (ت 177 هـ): (( ... أنهم يقولون: مَلِثْتُ من الطعام) كما يقولون (شبِعْتُ) و (سَكِرْتُ)، وقالوا: (قَدَحْ نَصْفانُ) و جُمْجُمَةٌ نَصْفَى) و (قَدَح وجُمْجُمَةٌ قَرْبَى)، جعلوا ذلك بمنزلة (الْمَلآن) لأن
النصف قد امتلأ، والقزبان ممتلئ أيضًا إلى حيث بلغ ... )).
1 - أخذ عنه يونس بن حبيب وهو من طبقة البصريين الرابعة على ما ذكره الزبيدي في طبقات
النحويين واللغويين ص 40.
2 - سيبويه الكتاب، ج 4 ص 23. (1/114)
صفحة 113
الفصل الثالث: القياس
115
الصنف: الرابع: حمل الضد على الضد في اللفظ والمعنى': وهو كثير شائع لأجل أن طبيعة أية لغة تتطلب التغاير بين أمثلتها لتنويع مفرداتها وأساليبها، لذا يمكن لأي نحوي أن يجد ما شاء من كلمات وجمل مختلفة لفظا ومعنى ليقيس بعضها على بعض سواء أكان قياسًا محكما أم عشوائيا! ومن أقدم تجارب النحاة في هذا القياس ما رآه ابن أبي إسحاق (ت 117 هـ) من أنك إن سميت المؤنث بعمرو أو زيد لم يجز الصرف)). فالحضرمي يقيس المثال (عمرو أو زيد) على أمثلة العلم المؤنث الذي يُمْنَع من التنوين، على الرغم من عدم وجود تناظر بين الاثنين، فالأول -وهو زيد أو عمرو- في حقيقته مذكر لفظا ومعنى، والثاني -وهو العلم المؤنث كأميمة وغيرها- مؤنث في الأصل لفظًا ومعنى.
الزاوية السادسة: تقسيم الحمل من حيث مدى قوة العلة وحجيتها: قد مر بك في الزاوية الرابعة - التي قسم النحاة فيها الحمل إلى قياس علة وقياس شبه وقياس طرد ما ذكره الأنباري من أن النحاة مجمعون على صحة قياس العلة، وأما قياس الشبه فأكثرهم يؤيده، وأما قياس الطرد فرغم أن كثيرًا منهم يقبله فإن أكثرهم يرفضه، ولا شك أن الرضا بنوع من القياس دون غيره أمر نسبي يتوقف على الأساس الذي يعتمده المجتهد في تقدير قوة العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه.
ويضاف هنا القول إن النحاة يخُصُّون القياس الضعيف العلة بمصطلح آخر
1 - يُسمي النحاة حمل الضد على الضد في اللفظ والمعنى: بقياس الأذون= انظر في "الاقتراح" للسيوطي
ص 42.
2 - سيبويه، الكتاب، ج 3 ص 242. (1/115)
صفحة 114
116
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
هو: "الاستحسان"، وأما ما عداه فهو الذي يسمى بالقياس مطلقا، وعلى هذا يكون النحاة قد قسموا القياس من حيث حجية العلة - عندهم إلى نوعين:
- قياس.
- استحسان.
الزاوية السابعة: تقسيم الحمل من حيث ورود حكم المقيس عليه في
السماع أو.
عدمه:
جاء في الاقتراح: القياس جلي وخفي، فمن الأول: قياس حذف النون من المثنى في صلة الألف واللام على حذف النون من الجمع فيها، فإن الأول لم يُسمع بخلاف الثاني ... )). ولفهم ذلك نقبنا عن مثال للقياس الخفي فوجد قول الشاعر: [من المنسرح]
1 - الاستحسان عند النحاة له معنيان كما يُفهم من كلام ابن جني في الخصائص ج 1 133 - 134، وكذا حديث الأنباري في لمع الأدلة ص 133 - 134، المعنى الأول: أن يكون الاستحسان مجرد رغبة في استعمال ظاهرة شاذة تخالف بابًا مطردًا؛ بحجة قياسها على ظاهرة بعيدة القرابة منها، وكان الأولى أن تقاس على نظيراتها من ذلك الباب. المعنى الثاني: أن يكون الاستحسان بمعنى تعليل ظاهرة لغوية تعليلا غير مقبول عند أكثر النحاة وسيأتي بإذن الله تعالى الحديث عن الاستحسان في أثناء عرض
أدلة النحو. 2 - السيوطي، الاقتراح، ص 71 - 72، ونقل يحيى الشاوي كلام السيوطي في " ارتقاء السيادة " ص 95. تقسيم القياس إلى جلي وخفي مستمد من أصول الفقه كما جاء في أصول الفقه الإسلامي" للزحيلي ج 1 ص 703 - 705، حيث يرى أن القياس الجلي هو ما لم يثبت فيه فرق بين الأصل والفرع يَمْنَعُ قياس الثاني على الأول، وذلك بأن يكون الأصل والفرع متساويين في أحقيتهما بالحكم (وهذا هو قياس المساوي على المساوي) أو يكون الفرع أولى بالقياس من الأصل وهذا هو قياس الأولى على غير الأولى). وأما القياس الخفي فهو قياس الأدون وذلك بأن تكون العلة غير واضحة ولا مكتملة في الفرع؛ مما يجعل قياسه على الأصل ضعيفًا غير مُسَوَّع تسويغا مقنعا. ويسمي بعض الفقهاء القياس الجلي بالقياس الظاهر؛ ويسمون القياس الخفي بالاستحسان (1/116)
صفحة 115
الفصل الثالث: القياس
117
الحافِظُو عَوْرَةَ الْعَشِيرَةِ لا
يَأْتِيهِمُ من ورائنا نَطَفُ
فقد حذف الشاعر نون الجمع المذكر السالم من اسم الفاعل الحافظو“ وأبقى - رغم هذا عمله في المفعول به "عورة"، وكانت القاعدة أن يجر ”عورة“ بالإضافة؛ لأن حذف نون جمع المذكر السالم يؤدي إضافته إلى ما بعده، ولكن الشاعر خالف القاعدة لضرورة طول الكلام، ومعنى طول الكلام أن كلمة ”الحافظو“ معناها في الأصل الذين حفظوا"، فلو أتينا بالنون لطال التركيب دون زيادة في المعنى.
وإذا كان حذف نون جمع المذكر السالم هنا قد ورد في هذا الشاهد، فإن حذف نون المثنى من اسم الفاعل لم يرد عن العرب كما يقرر النحاة؛ إذ لم نسمع عنهم "الحافظا عورة العشيرة" ولا أي شاهد نحوه. لأجل ذلك قال النحاة إنهم لو قاسوا المثنى على الجمع المذكر في حذف النون مع نصب ما بعده لكان هذا القياس جليًا؛ لأنه قيس على ما سمع عن العرب.
وأما لو صنعوا العكس فقاسوا جمع المذكر السالم على المثنى في ذلك الحكم نفسه؛ فإنه سيكون قياسًا خفيًا؛ لأنه لم يستند إلى دليل يدل على أن العرب صنعت بالمثنى ذلك حتى يجوزوا أن يقيسوا غيره عليه.
ملحوظات على بعض تقسيمات القدماء للحمل:
أردنا أن نبين هنا ما قلناه من خلو منهج تقسيم القياس القديم من تحديد زاوية القياس وما لاحظناه من تعقد مباحث القياس، واختلاط صور القياس (1/117)
صفحة 116
118
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
التي قد توقفنا مدة ليست باليسيرة لكسر شوكتها، وجلاء غامضها؛ فإليك نماذج من حديثهم في ذلك فيما يلي:
التقسيم الأول: قال أبو البركات الأنباري (513 - 577 هـ) في لمع الأدلة: ((اعلم أن القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس علة، وقياس شبه وقياس طرد .... فأنت تلاحظ كيف قسم القياس إلى ثلاثة أقسام دون أن يبين زاوية التقسيم، ولك أن ترجع إلى تعريفات هذه الأقسام وأمثلتها التي يصعـ فهمها على الذي يقرؤها دون أن يطلع على كثير من كتب الأصول اطلاعا واسعا، وقد بَيَّنَّا هذه الأقسام في الزاوية الرابعة التي قسمت الحمل حسب العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه.
وأود هنا التنبيه على أن تقسيم النحاة أي قياس إلى قياس علة أو شبه أو طرد- هو تقسيم ناقص غَفَلَ عن نوع من أنواع القياس لا تشمله هذه الأقسام الثلاثة؛ ألا وهو قياس الضد على الضد في اللفظ والمعنى.
مدي
اتحاد وكان يفترض على النحاة في تقسيم القياس الحملي بحسب
العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه أن يقسموه على النحو الموجود في الشكل (15) الموجود في نهاية هذا الفصل.
التقسيم الثاني: جاء في الاقتراح: ((القياس في العربية على أربعة أقسام: حمل فرع على أصل، وحمل أصل على فرع، وحمل نظير على نظير، وحمل ضد على ضد وينبغي أن يسمى الأول والثالث قياس المساوي، والثاني قياس الأولى والرابع قياس الأدون، فمن أمثلة الأول: إعلال الجمع 1 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 105. (1/118)
صفحة 117
الفصل الثالث: القياس
119
وتصحيحه حملا على المفرد، فمن ذلك قولهم (قيم) و (دِيَم) في قيمة ودِيمَة، و (زِوَجَة) و (ثِوَرَة) في زوج وثور. ومن أمثلة الثاني: إعلال المصدر لإعلال فعله، وتصحيحه لصحته، كقُمتُ قيامًا وقاوَمْتُ قِوَامًا. وأما الثالث: فالنظير إما في اللفظ أو المعنى أو فيهما، فمن أمثلة الأول: زيادة إن بعد ما المصدرية الظرفية والموصولة؛ لأنهما بلفظ ما النافية، ودخول لام الابتداء على ما النافية حملا لها في اللفظ على ما الموصولة ... ومن أمثلة الثاني: جواز (غير قائم الزيدانِ حملًا على ما قامَ الزيدانِ)؛ لأنه في معناه، ولولا ذلك لم يجز؛ لأن المبتدأ إما أن يكون ذا خبر أو ذا مرفوع يغني عن الخبر ... ومن أمثلة الثالث اسم التفضيل وأفعل في التعجب فإنهم منعوا أفعل التفضيل أن يرفع الظاهر لشبهه بأفعل في التعجب وزنًا وأصلا وإفادة للمبالغة، وأجازوا تصغير أفعل في التعجب لشبهه بأفعل التفضيل في ذلك ... وأما الرابع - أي حمل الضد على الضد- فمن أمثلته النصب بلم حملا على الجزم بأن فإن الأولى لنفي الماضي، والثانية لنفي المستقبل.
فانظر كيف خَلَطَ السيوطي بين زاويتين في التقسيم:
- زاوية أصالة المقيس والمقيس عليه أو تفرعهما.
- وزاوية تناظر المقيس والمقيس عليه أو تضادهما في اللفظ والمعنى. خلطه وينتج عن بين تينك ما يلي: قد يكون الأصل أو الفرع في الوقت نفسه نظيرًا لمثال آخر أو مضاد له، ومثال ذلك أن المثال (قيم) هو جمع، والجمع فرع على المفرد والمفرد هو الأصل، وهو في الوقت نفسه ضد المفرد،
1 - السيوطي، الاقتراح، ص 42 - 44. (1/119)
صفحة 118
120
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
وهذا يعني أن حمل الجمع على المفرد في الإعلال والتصحيح يمكن أن يسمى حمل الفرع على الأصل أو يسمى حمل الضد على الضد في الوقت نفسه.
التقسيم الثالث: وجاء في الاقتراح أيضًا: ((أختلف: هل يجوز تعدد الأصول المقيس عليها لفرع واحد؟ والأصح نعم، ومن أمثلة ذلك (أيُّ) في الاستفهام والشرط؛ فإنها أعربت حملا على نظيرتها: (بعض)، وعلى نقيضها: (كل)))، فنفهم من هذا أن المقيس عليه يمكن أن يتعدد أو لا يتعدد، وعلى
هذا يصح تقسيم القياس إلى نوعين حسب تعدد المقيس عليه:
1 - قياس لم يتعدد فيه المقيس عليه كقياس الفعل المضارع على اسم الفاعل في إعرابه.
2 - قياس تعدد فيه المقيس عليه وهو المثال الذي ذكره السيوطي، وتوضيحه: أن الاسم (أيّ) الذي قد يأتي شرطًا في نحو] أَيَّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى، أو يأتي استفهاما نحو] أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمانا يكون
معربًا في كلا الحالين وسبب إعرابه أنه قيس على شيئين:
1 - قيس على الاسم (بعض) الذي هو نظيره في المعنى، لأن (أيّ) -كما يتضح من الآيتين- لا تشمل كل الأسماء الحسنى ولا تشمل كل المخاطبين؛ بل تعني بعض الأسماء الحسنى وبعض المخاطبين.
2 - وقيس على الاسم (كُلّ) الذي يضاده في المعنى.
1 - نفسه ص 44.
2 - سورة الإسراء الآية 110.
3 - سورة التوبة الآية 124، وقد ذكر ابن هشام (ت 761 هـ) في المغني ص 107 - 111 أوجها أخرى ل (أيّ). (1/120)
صفحة 119
الفصل الثالث: القياس
121
وعلى العموم فإن تقسيم القياس إلى نوعين حسب تعدد المقيس عليه لا حاجة إليه؛ لأنه لا داعي للقياس على أكثر من مقيس ما دام القياسان سيؤديان إلى نتيجة واحدة، كما في قياس (أيّ) مرةً على (بعض) ومرةً على (كل)؛ فإن القياس على أحدهما كافٍ، وكان ينبغي على النحاة ألا يتطرقوا إلى هذا التقسيم لا سيما أنه معقد ولا جدوى منه. (1/121)
صفحة 120
122
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
خرائط ذهنية لمباحث القياس النحوي
أركان الحمل
المقيس عليه أو
المقيس أو المحمول
المحمول عليه أو
الحكم
العلة
أو الفرع
الأصل
الشكل 11
أنواع الحمل حسب كل زاوية
بحسب نوع المقيس والمقيس عليه: أباب أم مثال؟
إخضاع
إخضاع
إخضاع إخضاع مثال
المثال
الباب
مثال
من باب إخضاع باب
لحكم بابه لمثال شد | الحكم باب لحكم مثال لحكم باب
عنه: عسى غير بابه من باب آخر کحمل
كالحمل || آخر كالحمل
كالحمل
الفطري
الغوير
والحمل
الإلحاقي
أبوسًا
التدريب
التضميني
الشكل 12
الشبه (1/122)
صفحة 121
الفصل الثالث: القياس
بحسب أصالة المقيس والمقيس عليه أو تفرعهما
1
حمل أصل على فرع
الشكل 13
قياس المتكلم
بحسب القائم به
حمل فرع على أصل
قياس النحوي
الشكل 14
123 (1/123)
صفحة 122
124
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
بحسب مدى اتحاد العلة الجامعة
قياس المتقابلين: وهو قياس الضد على الضد في اللفظ والمعنى
قياس المتقاربين
قياس العلة أو قياس الشبه أو إلغاء الفارق، وأنواع الشبه قياس الإخالة أو المناسبة حسب قربها من باب المقيس عليه:
1
الطرد
شبه أعم: شبه يخص بابًا أعم من شبه أخص: يخص باب المقيس
باب المقيس عليه
عليه
الشكل 15
بحسب تطابق المقيس والمقيس عليه في اللفظ والمعنى
قياس المساوي حمل النظير
حمل النظير
قياس الأدون:
حمل النظير
على نظيره في على نظيره في حمل الضد
على نظيره في اللفظ وضده في المعنى وضده على ضده في
اللفظ والمعنى
المعنى
في اللفظ اللفظ والمعنى
الشكل 16 (1/124)
صفحة 123
قياس
من حيث قوة العلة
الشكل 17
الفصل الثالث: القياس
استحسان
بحسب ورود حكم المقيس عليه في السماع
جلي
الشكل 18
خفي
كيفية حصول الشبه
بقصد
الشكل 19
بغير قصد
125 (1/125)
صفحة 124
الفصل الرابع:
أدلة النحو (1/127)
صفحة 125
128
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
علم أصول النحو هو العلم الذي يدرس الأدلة الإجمالية التي يستطيع بها الأصوليون من النحاة - إن صح التعبير أن يتوصلوا إلى الأحكام النحوية، وهذه الأدلة وضوابطها هي التي تشكل نظرية النحو التي يلتزم بها النحاة في تطبيقاتهم وما يعرض لهم من مسائل نحوية. فهو علم يشتغل به المجتهدون النحاة لا النحاة أنفسهم، وبمعنى آخر أنه إذا كان النحوي يسعى إلى حفظ قواعد العربية وتطبيقها وتعليم غيره إياها؛ فإن الأصولي هو الذي يعرف الطريق التي تُوصِلُ إلى وضع القواعد وضعا سليما مستندا إلى الأدلة الصحيحة المعترف بها. وقد مضى الحديث في تعريف القدماء علم أصول النحو في مبحث "الأصل والفرع".
من
ونفضل أن نعرض في البداية أدلة النحو الإجمالية حسب مواضعها ومراتبها في كتب أصول النحو؛ ثم نقوم بشرح كل دليل؛ لنصل في النهاية إلى
التعليق عليها بصورة عامة: (1/128)
صفحة 126
الفصل الرابع: ادلة النحو
المبحث الأول: عرض أدلة النحو
حسب ترتيبها ومصادرها
مسل
الدليل
نوعه
ترتيبه
المصدر
الموضع
1
النقل
الأول
لمع الأدلة للأنباري الفصل 2، 3
الأول
الإغراب للأنباري الفصل 7، 8
معتبر
الأول
الاقتراح للسيوطي
المقدمات
الكتاب
الأول
الارتقاء للشاوي
المقدمة
الكتاب
2
الإجماع
غير مذکور
غير
لمع الأدلة للأنباري غير مذكور
مذکور
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذکور
معتبر
الثاني
الاقتراح للسيوطي
المقدمات +
الكتاب 2
معتبر
الثاني
الارتقاء للشاوي
المقدمة
الكتاب 2
3
القياس
معتبر
الثاني
لمع الأدلة للأنباري الفصل 2، 10
الحملي
معتبر
الثاني
الإغراب للأنباري الفصل 7، 9
الثالث
معتبر
الاقتراح للسيوطي
المقدمات+ الكتاب 3
129 (1/129)
صفحة 127
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
S
الثالث
الارتقاء للشاوي
معتبر
المقدمة الكتاب 3
الثالث
الاستصحاب
معتبر
لمع الأدلة للأنباري الفصل 2، 29
معتبر
الثالث الإغراب للأنباري الفصل 7، 10
الرابع
الاقتراح للسيوطي
المقدمات
الكتاب
معتبر
الرابع
الارتقاء للشاوي
المقدمة الكتاب
السبر
ثانوي
ليس
لمع
الفصل 24 الأدلة للأنباري
والتقسيم
معتبرا
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذكور
غير مذكور
غير
الاقتراح للسيوطي غير مذكور
مذکور
غير مذكور
غير
الارتقاء للشاوي
غير مذكور
مذکور
الأولى
ثانوي
ليس
لمع الأدلة للأنباري الفصل 24
معتبرا
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذکور
مذکور
غير مذکور
غير
الاقتراح للسيوطي غير مذكور
مذكور
غير مذكور
غير
الارتقاء للشاوي
غير مذكور
مذكور
7
بيان العلة
ثانوي
ليس
لمع الأدلة للأنباري
الفصل 24
معتبرًا
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذكور
6
4
130 (1/130)
صفحة 128
131
الفصل الرابع: أدلة النحو
الكتاب
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
معتبرًا
ثانوي
ليس
الارتقاء للشاوي
الكتاب
معتبرًا
الأصول
ثانوي
ليس
لمع الأدلة للأنباري الفصل 24
معتبرا
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذكور
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
الكتاب
معتبرا
ثانوي
ليس
الارتقاء للشاوي
الكتاب
معتبرا
الاستحسان
ثانوي
ليس
لمع الأدلة للأنباري الفصل 25
معتبرا
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذكور
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
الكتاب
معتبرًا
ثانوي
ليس
الارتقاء للشاوي
الكتاب
معتبرًا
عدم الدليل
ثانوي
ليس
لمع الأدلة للأنباري الفصل 30
معتبرًا
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذكور
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
الكتاب
معتبرًا
ثانوي
ليس
الارتقاء للشاوي
الكتاب
معتبرا
العكس
غير مذكور
غير
لمع الأدلة للأنباري غير مذكور
مذکور
8
9
10
11 (1/131)
صفحة 129
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
132
127
13
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذكور
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
الكتاب
معتبرا
ثانوي
ليس
الارتقاء للشاوي
الكتاب
معتبرا
عدم النظير غير مذكور
غير
لمع
الأدلة للأنباري غير مذکور
مذكور
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذکور
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
الكتاب
معتبرا
ثانوي
ليس
الارتقاء للشاوي
الكتاب
معتبرا
الاستقراء غير مذكور
غير
لمع الأدلة للأنباري غير مذكور
مذكور
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذكور
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
الكتاب
معتبرا
غير مذکور
غير
الارتقاء للشاوي
غير مذكور
مذكور
الباقي
غير مذكور
غير
لمع الأدلة للأنباري غير مذكور
مذكور
غير مذكور
غير
الإغراب للأنباري غير مذكور
مذکور
ثانوي
ليس
الاقتراح للسيوطي
الكتاب
معتبرا
ثانوي
ليس
الارتقاء للشاوي
الكتاب
معتبرا
14 (1/132)
صفحة 130
الفصل الرابع: أدلة النحو
133
المبحث الثاني: شرح أدلة النحو
1 - الدليل الأول: السماع أو النقل: ((والمراد به الكلام الذي اتفق على فصاحته ككلام الله؛ ونبيه حيث تحقق أنه كلامه صلى الله عليه وسلم، ولم يحتج المحققون بالحديث لجواز نقله بالمعنى أو جواز لحن ناقله ممن ليس بفصيح وكلام العرب: والعرب المأخوذ عنهم هم الموثوق بعربيتهم ... )). ويرادِفُ السماع النحوي في الفقه النص القرآني العظيم والسنة المطهرة، ففي مفاتيح العلوم: (( ... فأما كتاب الله سبحانه فإن سبيل الفقيه أن يعرف تأويله ووجوه الخطاب فيه من الخصوص والعموم والناسخ والمنسوخ والأمر والنهي والإباحة والحظر ونحوها ... وأما سنة رسول صلى الله عليه وسلم فهي ثلاثة أضرب أحدها القول والثاني الفعل، والثالث الإقرار ... )).
2 - الدليل الثاني: الإجماع: اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة عليه)). ويرادف إجماع البصريين والكوفيين في الفقه ((اتفاق العلماء في الأمصار
1 - الشاوي، ارتقاء السيادة، ص 47.
2 - الخوارزمي: أبو عبدالله محمد بن يوسف الكاتب، مفاتيح العلوم، تحقيق: نهى النجار، بيروت، دار
الفكر اللبناني، 1993 م، ص 69.
3 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 189. (1/133)
صفحة 131
134
أصول النحو .... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
في كل عصر دون غيرهم من العامة، وقد مر في الفصل الثاني عن "الأصل والفرع في النحو" أن الإجماع إما أن يكون علنيًا أو سكوتيا.
3 - الدليل الثالث: القياس: وله في الحقيقة معنيان:
- القاعدة.
- الحمل.
ولكن معناه هنا في ترتيب أدلة النحو هو الحمل، وقد مر بنا أن السبب في ذلك محاكاة أصول الفقه التي تعتبر القياس حملًا أو عملية عقلية يقوم بها المجتهد لإلحاق المثال - الفرع - بنظيره الأصل، ولأجل سبب آخر هو كون القواعد مدعاة إلى حملها على أمثلة بابها ليستغنى بها عن هذه الأمثلة. 4 - الدليل الرابع: الاستصحاب هو الاستدلال بالأصول المثالية إذا لم يوجد دليل من السماع أو الإجماع أو القياس الحملي. جاء في ارتقاء السيادة: ((وهو إبقاء ما كان على ما كان عند عدم دليل النقل عن الأصل، وهو معتبر كبقاء الأسماء على الإعراب والأفعال على البناء حتى يوجد الناقل))، ومثاله أنك تستخدم الفعل (ذهب) في نطقك وكتابتك دالا على الزمان والحدث؛ لأن الأصل في الأفعال أن تدل على الزمان والحدث. فإذا قيل لك: لماذا استخدمته دالا على الزمان والحدث؟ قلت في جوابك: إن من (( ... تَمَسَّكَ بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بالدليل)).
1 - الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص 70.
2 - الشاوي، ارتقاء السيادة، ص 97.
3 - الأنباري، الإنصاف المسألة 40، ج 1 ص 301، ونقلها عبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي (ت 802 هـ) في "ائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة"، تحقيق: طارق الجنابي، بيروت، عالم الكتب؛ مكتبة النهضة العربية، 1407 هـ/1987 م، ص 41. (1/134)
صفحة 132
الفصل الرابع: أدلة النحو
135
وقريب من هذا تعريف الاستصحاب في الفقه: ((اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام وتأييدهم بالمعجزات. وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع، فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة؛ لا بتصريح النبي بنفيها؛ لكن كان وجوبها منتفيًا إذ لا مثبت للوجوب، فَبَقِيَ على النفي الأصلي؛ لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمس، فبقي على النفي في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد)).
لكن الفارق بين الاستصحاب في النحو والاستصحاب في الفقه، أن النحوي قد يستدل بأصول مثالية لها وجود في اللغة، على خلاف الأصولي إذ
كذلك،
لا يستصحب إلا ما لم يرد فيه نص ولم يصح إلحاقه بغيره بالقياس. 5 - الدليل الخامس: الاستدلال بالسبر و التقسيم: وهو استدلال عقلي ويعني أن تصل إلى الحكم المناسب بعد استبعاد سائر الأحكام المشتبهة به، مثال ذلك أن نِعْمَ و بِئْسَ يُشتبه أن تكونا اسمين أو فعلين أو حرفين، فإذا اختبرنا هذه التقسيمات وجدنا أنهما ليستا حرفين لدخول تاء التأنيث عليهما في مثل نِعْمَتِ المرأةُ)، والحرف لا يدخل على الحرف، فلم يبق إلا أن تكونا اسمين أو فعلين فإذا اختبرنا اسميتهما وجدنا أنهما ليستا اسمين لإمكان أن يرفعا فاعلين ويدلا على حدث، فيقال (نَعِمَ زِيدٌ وبَيْسَ
1 - الغزالي المستصفى، ج 1 ص 377. (1/135)
صفحة 133
136
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
عمرو)، فلا يبقى إلا أنهما فعلان ماضيان.
6 - الدليل السادس: الاستدلال بالأولى: وهو استدلال بقياس الأولى على غير الأولى. ومثاله أن يقول النحوي: "إن نائب الفاعل مرفوع لأنه يقبل الإسناد، فنقول بالبداهة: إن الفاعل يرفع أيضًا لأنه يقبل الإسناد كنائب الفاعل؛ بل إنه أولى بالرفع لأن الرفع كما يظن النحاة للأقوى، والفاعل أقوى من نائب الفاعل الذي يدل معناه على المفعول به. وكان ينبغي أن يوضع هذا النوع من
الدليل ضمن دليل القياس؛ لأنه صورة من صور القياس النحوي الحملي. وقياس الأولى كغيره من المصطلحات والمباحث الأصولية موجود في الفقه أيضًا، وهو: ((أن يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل لقوة العلة فيه، مثل: قياس ضرب الوالدين على التأفف منهما بجامع الإيذاء؛ فإن الضرب أولى بالتحريم من التأفف لشدة الإيذاء فيه، فإذا كان قول (أُفّ) منهيًا عنه
في قوله تعالى: [وَلا تَقُلْ لَهُمَا أُنّ]، فأولى بالنهى عنه الضرب ... )).
1 - انظر في التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري البغدادي (538) - 616 هـ)، تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان، العثيمين، بيروت، دار الغرب، 1406ھ / 1986 م، ص 275 - 276. ولمزيد الأمثلة يمكننا النظر في مسائل الخلاف للعكبري نفسه ص 56، وأسرار العربية للأنباري ص 30 - 31، ولمع الأدلة للأنباري أيضًا ص 127، ويسمى السبر والتقسيم بالتحليل أيضًا
كما في الاقتراح ص 48 - 49 حين تحدث عن علل الجليس الدينوري فذكر منها علة التحليل. 2 - لمزيد الأمثلة انظر في لمع الأدلة للأنباري ص 131 - 132. 3 - كنت قد ذكرت في حواش متفرقة هي،22 55 63 من الفصل الثالث الخاص بالقياس النحوي أن النحاة يسمون حمل الأصل على الفرع بقياس الأولى على غير الأولى، ويسمون حمل النظير على النظير في لفظه أو معناه أو في كليهما بقياس المساوي، ويسمون حمل الضد على الضد في اللفظ والمعنى بقياس الأدون.
4 - من الآية 23 من سورة الإسراء.
5 - الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، ج 1 ص 702. (1/136)
صفحة 134
الفصل الرابع: أدلة النحو
137
7 - الدليل السابع: الاستدلال ببيان العلة: ومعناه أن يبقى الحكم ببقاء العلة الموجبة له، وأن يزول بزوالها، وهو أمر بدهي إذ إن أية ظاهرة نحوية لابد أن تستمر على حالها إذا بقيت شروطها ومواصفاتها كما هي، وأن تتغير إذا تغيرت بتأثير غيرها. فكلمة (عمرو) ستظل مصروفة في الإعراب ما دامت تدل على علم من أعلام الرجال، أما إذا سُمِّيَتِ امرأة باسم (عمرو) فإنه جاز منعها من الصرف. ويسمى بقاء العلة مع الحكم بالطرد، ويسمى انتفاء الحكم لانتفاء العلة بالعكس، وفي هذا أمثلة كثيرة، وهذا الاستدلال ببيان العلة ليس نوعًا من التعليل؛ بل هو استدلال عقلي يستدل على حق المحكوم عليه في الحكم ببقاء القرينة - العلة- التي أوجبت له هذا الحكم. 8 - الدليل الثامن الاستدلال بالأصول: هو والاستصحاب سواء، وإن
كان بعض الأصوليين من النحاة فَصَلَه عن الاستصحاب. 9 - الدليل التاسع: الاستحسان: ((اعلم أن العلماء اختلفوا في الأخذ بالاستحسان: فذهب بعضهم إلى أنه غير مأخوذ به لما فيه من التحكم وترك القياس، وذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ به واختلفوا فيه: فمنهم من قال: "هو ترك قياس الأصول لدليل" ومنهم من قال: "هو تخصيص العلة"، فمثال ترك قياس الأصول ... مذهب من ذهب إلى رفع الفعل المضارع لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة، وكذلك مذهب من ذهب إلى أنه ارتفع بالزائد في أوله فإنه أيضًا مخالف لقياس الأصول؛ لأن الزائد جزء من الفعل المضارع ...
1 - أجاز ذلك ابن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء = انظر في كتاب سيبويه ج 3 ص 242. 2 - انظر في لمع الأدلة للأنباري ص 132، واقتراح السيوطي ص 73 - 74، وارتقاء السيادة للشاوي ص 99. 3 - انظر في تعريفه في لمع الأدلة للأنباري ص 132 - 133 - واقتراح السيوطي ص 74 - 75، وارتقاء السيادة للشاوي ص 100 (1/137)
صفحة 135
138
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وإذا كان الزائد جزءًا منه فالأصول تدل على أن العامل يجب أن يكون غير المعمول؛ وألا يكون جزءا منه)).
وقال ابن جني في الخصائص: ((باب) في الاستحسان: وجماعه أن علته ضعيفة غير مستحكمة إلا أن فيه ضربًا من الاتساع والتصرف، من ذلك تركك الأخف إلى الأنقل من غير ضرورة نحو قولهم: الفتوى، والبقوى، والتقوى، والشروى؛ ونحو ذلك، ألا ترى أنهم قلبوا الياء هنا واوا من غير استحكام علة أكثر من أنهم أرادوا الفرق بين الاسم والصفة)).
مما سبق نفهم أن الاستحسان عند النحاة على نوعين: 1 - النوع الأول: أن يكون الاستحسان مجرد رغبة في استعمال ظاهرة شاذة تخالف بابًا مطردًا؛ بحجة قياسها على ظاهرة بعيدة القرابة منها، وكان الأولى أن تقاس على نظيراتها من ذلك الباب، ومثال ذلك ما ذكره ابن جني سابقا من أن العرب قالت (الفَتْوَى) فقلبت الياء التي هي لام الكلمة واوا للتفرقة بين هذا الاسم وبين صفته (الفتي) التي تحافظ على الياء الأصلية، وعلة التفرقة هذه ليست مقنعة في رأي ابن جني؛ بل كان الأجدر أن تبقى الياء في الاسم فيقال (الفتيا) قياسًا على قاعدة وجوب إبقاء الحروف الأصلية
ما دام بقاؤها لا يؤدي النقل.
1 - للأنباري، لمع الأدلة، 133 - 134.
-
:
2 - ابن جني الخصائص ج 1 133 - 134، ولمزيد الأمثلة الاقتراح للسيوطي ص 75 - 77، وارتقاء السيادة للشاوي ص 101 - 103، ولمع الأدلة للأنباري ص 133 - 134. ص 101 3 - جاء في مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر بن القادر الرازي (ت بعد 666 هـ)، بيروت، مكتبة بيروت، 1995 م، باب الياء، فصل الفاء: ((الفَتَى الشاب والفتاة الشابة، وقد فتي بالكسر فتاء بالفتح والمد فهو فَتِي السن بين الفتاء ... والاسم: الفتيا والفَتْوَى ... )). (1/138)
صفحة 136
الفصل الرابع: أدلة النحو
139
ويمكن أن نسمي هذا القياس الضعيف الذي أوجد (الفتوى)
بالحمل الخفي. 2 - النوع الثاني: أن يكون الاستحسان بمعنى تعليل ظاهرة لغوية تعليلا غير مقبول عند أكثر النحاة، كأن يقول نحوي: "إنما جُمعت (أَرْض) على (أَرَضُون)؛ لأن أصل أرض هو (أَرَضَة)؛ لكن العرب حذفوا التاء فقالوا (أرض)، وأرادوا أن يعوضوا ما حذفوه فقالوا في الجمع (أرَضُون)، فنرد على تعليله هذا بقولنا: "إن هذا يتناقض مع كلمات مثل (شمس، دار، قذر)، فهذه الكلمات أصلها (شَمْسَة دارَة، قِدْرَة؛ لكنها مع هذا لا يجوز جمعها على الواو والنون كما تُجمع (أَرَضُون).
ويوجد
الاستحسان في الفقه كذلك، ويسمى قياس الأذون؛ وهو ((أن يكون الفرع فيه أضعف في علة الحكم من الأصل، أي إنه أقل ارتباطا بالحكم من الأصل؛ مثل قياس التفاح على البر بجامع الطعم في كل منهما، ليثبت فيه حرمة التفاضل كما ثبت في البر، ومثل إلحاق النبيذ بالخمر في
تحريم الشرب وإيجاد الحد)).
ومعنى
هذا أن الاستحسان في الفقه يعني أن يجتهد الفقيه في إعطاء فرع غير منصوص على حكمه الحكم الذي للأصل المنصوص عليه؛ لظنه أن العلة الجامعة بينهما واحدة، رغم أنها علة قد لا يقبلها غيره من الفقهاء
المجتهدين لعدم كونها علة تقبلها العقول.
1 - انظر في ذلك في لمع الأدلة للأنباري ص 134. 2 - الزحيلي أصول الفقه الإسلامي ج 1 ص 702. (1/139)
صفحة 137
140
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وخلاصة الجامع بين الاستحسان النحوي والاستحسان الفقهي أن كلا منهما يشتمل على علة خفية لا يتفق عليها كل النحاة ولا كل الفقهاء، وأما الفارق بين الاستحسانين أن استحسان النحاة له نوعان أحدهما قياس - أو حمل - خفي، والثاني تعليل خفي، وأما استحسان الفقهاء فليس إلا قياسًا خفيًا.
10 - الدليل العاشر: الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفيه:
وهو في الحقيقة نتيجة للاستقراء الذي يدخل ضمن دليل السماع ((وذلك مثل أن يَسْتَدِلُّ على نفي أنّ "أقسام الكلام أربعة" أو نفي أنّ "أنواع الإعراب خمسة" فيقول: لو كان أقسام الكلم أربعة، أو أنواع الإعراب خمسة؛ لكان على ذلك دليل، ولو كان على ذلك دليل لَعُرِف ذلك مع كثرة البحث وشدة الفحص ... )).
11 - الدليل الحادي عشر الاستدلال بالعكس: وهو استدلال عقلي، ومثاله أن البصريين ردوا رأي الكوفيين القائل: (إن الظرف الواقع خبرًا نحو: "زيد" أمامك" منصوب بعامل معنوي اسمه الخلاف)، ويستدل البصريون على خطأ رأيهم بالاستدلال بالعكس، وهو أن الخلاف في معناه اللغوي يحصل بين طرفين؛ لأنه مأخوذ من الفعل خالف الذي هو من أفعال المشاركة، فإذا كان الكوفيون يعتقدون أن (زيد) هو الذي نصب (أمام) لمخالفته في الحركة الإعرابية، فلا بد أيضًا أن يَنْصِبَ (أمامَ) زيدًا لأنه خالفه أيضًا، والخلاف يكون بفعل واشتراك الاثنين.
1 - الأنباري، لمع الأدلة، الأدلة، ص 142.
2 - انظر في ذلك الاقتراح للسيوطي ص 73، وارتقاء السيادة للشاوي ص 99. (1/140)
صفحة 138
الفصل الرابع: أدلة النحو
141
12 - الدليل الثاني عشر: الاستدلال بالنظير أو عدمه: وهو نوع من الحمل، وكان ينبغي أن يضيف النحاة هذا الدليل إلى دليل القياس، ويعني الاستدلال بالنظير" أنه إذا واجَهَتْكَ ظاهرة لغوية غريبة لا تعرف حكمها أو أعطاك أحدهم حكمًا على ظاهرة غريبة؛ فإن سبيلك إلى معرفة الحكم الصحيح على تلك الظاهرة هو أن تنظر إلى ما يماثل تلك الظاهرة من لغوية، فإذا وجدت لها نظيرًا قستها على هذا النظير وأعطيتها حكمه، وإذا لم تجد أنها تناظره نفيت عنها حكمه. ولنا مثالان على ذلك:
أمثلة
أ- إذا قال لك نحوي: إن العامل الذي يرفع الفعل المضارع هو (السين) و (سوف)؛ فإنك تجيبه بأن (السين) و (سوف) تدخل عليهما اللام كما في قولنا (لَسَوْفَ تَعْلَمُ مَنِ المجتهد)، والذي نعرفه أنه لا يوجد عامل في اللغة العربية من العوامل المؤثرة على الأفعال تدخل عليه اللام، لذا لا يصح أن نقول إن (السين) و (سوف ترفعان الفعل المضارع، وهنا نكون قد حكمنا على قول ذلك النحوي بالخطأ لعدم وجود نظير آخر من العوامل تدخل عليه اللام. ب المثال الثاني: إذا قيل لك: عَلامَ تزن (عزويت)؟ فإنك تقول: إنها على وزن (فغليت لوجود نظائر لها في اللغة مثل (عفريت) و (نفريت). 13 - الدليل الثالث عشر: الاستقراء وهو في حقيقته يدخل في السماع؛ لأنه يعني التوصل إلى الحكم من خلال تتبع الشواهد العربية الدالة عليه، فالاستقراء مرحلة تأتي عقب جمع المسموع بالرواية أو المشافهة لتنظر فيما
1 - ذكر المثال ابن جني في الخصائص ج 1 ص 197. 2 - نفسه ج 1 ص 197. (1/141)
صفحة 139
142
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الكلمات من
جمع قبل أن تبدأ بالتصنيف والتجريد، ولا يمكن الاستدلال بالنقل إلا إذا تعاونت الرواية والمشافهة مع الاستقراء ومثال الاستقراء أن النحويين توصلوا باستقراء المسموع إلى أنه لا توجد سوى ثلاثة أصناف في العربية وهي الاسم والفعل والحرف. 14 - الدليل الرابع عشر: الباقي: وهو كذلك من الاستصحاب، ومثاله ((الدليل يقتضي ألا يدخل الفعل شيء من الإعراب؛ لكون الأصل فيه البناء لعدم العلة المقتضية للإعراب، وقد خولف هذا الدليل في دخول الرفع والنصب على المضارع لعلة اقتضت ذلك، فبقي الجر على الأصل الذي اقتضاه الدليل من الامتناع).
1 - راجع الاقتراح السيوطي ص 77.
2 - نفسه، ص 77، وكذلك ارتقاء السيادة للشاوي ص 103. (1/142)
صفحة 140
الفصل الرابع: ادلة النحو
143
المبحث الثالث:
التعليق على أدلة النحو
الملحوظة الأولى: تأثر النحاة بالأصوليين من الفقهاء في الأمور التالية: 1 - الأمر الأول: قسم النحاة أدلة النحو إلى قسمين من حيث الاتفاق عليها: أ- أدلة معتبرة: اتفق جمهور النحاة أي أكثرهم على الاستدلال بها
وترتيبها، وهي أربعة أدلة النقل والإجماع والقياس والاستصحاب. ب أدلة ثانوية: لم يتفق أكثر النحاة عليها؛ لذا لم يُعنوا بترتيبها، وهي
سائر الأدلة العشرة المتبقية.
الأدلة وهذا التمييز بين المعتبرة وغير المعتبرة، وكذلك كون المعتبرة أربعة فقط: كلاهما ناتجان عن التأثر بعلم أصول الفقه إذ يرى أنه: ((ثبت بالاستقراء أن الأدلة الشرعية التي تستفاد منها الأحكام العملية ترجع إلى أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه الأدلة الأربعة اتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، واتفقوا أيضًا على أنها مرتبة في الاستدلال بها هذا الترتيب)). وهذا التأثر بأصول الفقه في العناية بحجية الدليل ومدى اتفاق العلماء عليه هو الذي يسوّغ انفصال الاستصحاب عن القياس في تقسيم النحاة رغم أن القياس النحوي ليس كالقياس الفقهي؛ باعتبار أن القياس النحوي قد
1 - خلاف علم أصول الفقه، ص 21. (1/143)
صفحة 141
144
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
يعني
الأصول والأقيسة والقواعد على خلاف القياس الفقهي الذي لا يعني
سوى الحمل.
2 - الأمر الثاني: في نظرنا أن النحاة يجمعون بين أدلة كلية وأدلة جزئية تندرج تحت تلك الأدلة الكلية: إذ نرى أن الأدلة النحوية يمكن تقسيمها إلى
ثلاثة أنواع:
الأول: الأدلة النقلية وتشمل دليلين كلتين هما (السماع)
:
- النوع و (الإجماع التصريحي والسكوتي)، وتحت السماع يندرج دليلان جزئيان هما (المسموع) و (الاستقراء أو عدم الدليل).
- النوع الثاني: الأدلة العقلية: وهي أربعة أدلة كلية تتمثل في (القياس) و (بيان العلة) و (التحليل أي السبر والتقسيم) و (العكس)، ويتفرع عن دليل القياس الذي يعني دليلين جزئيين هما الحمل والأصول) و (الاستصحاب والباقي والقواعد المثالية).
- النوع الثالث: الدليل العقلي والحسي: وهو التعليل الذي قد يكون حسيا أو عقليًا، ويعني التعليل أمرين القرائن النحوية والعلة الحقيقية. وبهذا التقسيم الجديد نلاحظ أن النحاة كانوا يفصلون بعض الأدلة الجزئية عن أدلتها الكلية كما اتضح من شرح الأدلة الأربعة عشر التي وضعوها. وأن الأدلة الكلية سبعة هي: السماع والإجماع والتحليل والقياس وبيان العلة والعكس والتعليل، وأن ما عداها من الأدلة التي تحتها هي الأدلة الجزئية. الأدلة بين الكلية وأنواعها التفصيلية راجع في رأينا إلى مجاراة الفقهاء في تحليل الأدلة الكلية إلى أدلة جزئية، مثال ذلك أن الفقهاء
وفضل النحاة (1/144)
صفحة 142
الفصل الرابع: أدلة النحو
145
الاستحسان
حين وجدوا أن القياس قد يكون ضعيف العلة فصلوا بينه وبين المتصف بضعف العلة، وكذلك صنع النحاة حين فصلوا بين القياس وأنواعه كالاستحسان والاستدلال بالأصول والاستدلال بالنظير والاستدلال بالأولى، فقد مر بنا أن للقياس نوعين وأن للحمل أنواعًا شتى بحسب زوايا التقسيم المختلفة؛ الأمر الذي يجعل للقياس أدلة تفصيلية كثيرة. ونجد النحاة أيضًا قد فصلوا بين الاستقراء والسماع رغم أن الأول مرحلة من مراحل الثاني.
3 - الأمر الثالث: الاشتغال بمباحث ليست مهمة في نظرية النحو: اهتم القدماء بعرض أدلة النحو الكلية السبعة، وزادوا عليها أدلة تفصيلية جزئية، وعقدوا مباحث في العلة وأنواعها ومسالكها وقوادحها، ومباحث في تعريف النحو؛ وأقسام الدلالة النحوية؛ وأنواع المطرد والشاذ؛ وأنواع الحكم النحوي؛ والرخص النحوية والفرق بين الكلام العربي والعجمي؛ وشروط المجتهد والسائل؛ والترجيح بين الأدلة النحوية؛ وتاريخ النحو.
والملاحظ أن النحاة نَسُوا الاهتمام والتفصيل في مباحث مهمة من فلسفة النحو كفرضية الأصل والفرع، وقضية العدول عن الأصل وتأويله أو تقديره، والقرائن .. فأما فرضية الأصل والفرع فلم يكن لها نصيب وافر من التجريد سواء في كتب أصول النحو أو في كتب النحو التعليمية، وكذلك التقدير والتأويل، وأما القرائن فقد جردها المتأخرون؛ لأن أكثر المتقدمين اشتغلوا
1 - من هؤلاء الرضي الأستراباذي في شرحه على كافية ابن الحاجب؛ حيث يتردد في الجزء الأول مصطلح القرينة كثيرًا، وهو يقسمها في هذا الجزء إلى قرينة لفظية ومعنوية وحالية= انظر في شرح الرضي ج 1 ص 190 - 191، 339 - 340 (1/145)
صفحة 143
146
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
أكثر ما يكون بعوامل الإعراب وإن لم يذكروها في كتب أدلة النحو؛ رغم أن الأصوليين من الفقهاء - الذين تأثر بهم النحاة اهتموا بالقرائن
وعلى العكس من ذلك اهتموا في كتب أصولهم بقضايا ليست من الأصول؛ وبمباحث مساعدة للأصول، منها الفرق بين الكلام العربي والعجمي وأقسام الدلالة فإن هذين يخصان اللغة، ومنها شروط الاجتهاد والسائل فإنها آداب الفقه في باب المعاملات، ومنها واضع علم النحو فإنه من تاريخ النحو، ومنها تعريف النحو فإنه للنحو إلا أن يذكر عرضًا للتفرقة بينه وبين أصول النحو.
من
1 - على الرغم من أهمية القرائن النحوية التي تعرض النحاة لأكثرها لا سيما في تعريف الأبواب النحوية. فإنهم لم يشغلوا كثيرًا بتجريدها كما شغلوا بعوامل الإعراب؛ بدليل تأليفهم كتبا في العوامل ككتاب العوامل المائة" لعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ)، وكتاب "المصباح في النحو" لأبي الفتح المطرزي (38) - 610 هـ)، وهما كتابان مطبوعان. وقد بلغت العوامل المائة فقسموها إلى عوامل معنوية الابتداء ووقوع الفعل المضارع موقع الاسم المبتدأ به، وإلى عوامل لفظية بعضها قياسية وأكثرها
هي
سماعية.
2 - شغل بالقرائن الأصوليون من الفقهاء؛ لكن قرائن الفقه لمّا كانت مرتبطة بالنص قصد بها الوسائل المعينة على فهم المعنى الحقيقي للنص الذي قصده المتكلم أو المشرع الحكيم، ولذا قسموا القرائن إلى خمسة أنواع -1 - قرينة العرف أو الاستعمال أو العادة كأن ينذر شخص بصلاة؛ فإن الصلاة التي نذرها ينبغي أن تفهم على أنها العبادة المعروفة في عرف المسلمين؛ لأن العرف يدل على هذا المعنى 2 - قرينة دلالة اللفظ: كأن ينذر شخص بألا يأكل السمك فإن السمك معناه هو ما يدل عليه لفظ السمك نفسه في اللغة 3 - قرينة سياق الكلام كما في قوله عز وجل فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا للظالمين نارًا فإن قوله تعالى إنا أعتدنا للظالمين نارًا يدل على أنه لا يخير المرء في الكفر بل يوبخه وينكر عليه كفره 4 - قرينة حال المتكلم كأن يقول رجل لزوجته إن خرجت فأنت طالق؛ فإن الخروج هنا معناه على الفور - - قرينة المجاز: كقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فإن المعنى رفع عن أمتي حكم الخطأ؛ فقد ذكر الشيء وأراد لازمه فهو مجاز مرسل. وأما القرائن النحوية فهي تختص بما يهم علم النحو من أحكام ترتبط بالجملة كالذكر والترتيب والإعراب والإسناد والعطف والنفي .. إلخ = انظر في أصول الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي ج 1 ص 298 - 299. (1/146)
صفحة 144
الفصل الرابع: أدلة النحو
147
والسبب في حذف بعض الأبواب المهمة في نظرية النحو هو أن النحاة أرادوا أن يقلدوا أصول الفقه في أبوابها ومصطلحاتها؛ لذا ركزوا على الأدلة النحوية التي يتوصل بها إلى الحكم النحوي وتركوا الفرضيات التي لا يتوصل بها إليه كفرضية أصل الظاهرة، وفرضية التقدير أو التأويل.
وأما سبب إدخال أبواب لا تُهِم نظرية النحو إليها- فهو الرغبة في التشبه بمباحث أصول الفقه التي تدرس كل ما يتصل بالحكم من حاكم ومحكوم عليه ومحكوم فيه. يقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف: ((مباحث الأحكام في علم أصول الفقه أربعة: 1 - الحاكم وهو من صدر عنه الحكم 2 والحكم: وهو ما صدر من الحاكم دالا على إرادته في فعل المكلف -3 والمحكوم فيه: وهو فعل المكلف الذي تعلق الحكم به 4 - والمحكوم عليه: وهو المكلف الذي تعلق الحكم بفعله)).
4 - الأمر الرابع: لسنا محتاجين إلى الاستدلال على تأثر النحاة بمصطلحات علم أصول الفقه ومباحثه بأكثر مما مضى: وهذا يجعلنا مؤيدين لفكرة تأثر النحو بأصول الفقه أكثر بكثير من تأثره بالمنطق والفلسفة والكلام وإذا كان لنا من كلمة سريعة في هذا الأمر فإننا نرى أن تأثر النحو بالمنطق اليوناني في بعض مسائله التفصيلية ومصطلحاته لا قيمة له في مقابل تأثره بأصول الفقه الإسلامي في مناهجه وأدلته.
الملحوظة الثانية: إشكالية اختلاف زاوية التقسيم والنظر للأدلة فنحن قد رأينا كيف فَصَلَ النحاة بين الاستقراء والنقل وعدم الدليل رغم
3 - خلاف أصول الفقه الإسلامي، ص 96. (1/147)
صفحة 145
148
له
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
أنها أدلة تصب في واد واحد وعلمنا كيف فرقوا بين الاستصحاب والاستدلال بالأصول والاستدلال بالباقي رغم أنها أوجه لعملة واحدة، وكل ذلك لا مسوّغ سوى ضيق الرؤية في تقسيم الأشياء، فالذي سمّى الاستدلال بالأصول استصحابًا نظر إلى أنه ظاهرة كانت سائدة في أول وضع اللغة فاستصحبت فيما بعد، ثم سمّى الاستدلال بالأصول أيضًا: استدلالا بالباقي؛ نظرًا إلى أن الظاهرة إذا لم يغيرها شيء بقيت على حالتها وكان الأجدر به أن يعدها مصطلحات تدل على معنى واحد وإن اختلفت ألفاظها.
وكذلك النحوي إذ فرق بين النقل والاستقراء؛ لكون الأول هو المرحلة الأولى. عند جمع كلام العرب، وكون الثاني هو المرحلة الثانية منه، ونحن نستفسر مستغربين: وهل يصح استدلال بكلام العرب إذا تفرقت المرحلتان؟! فلم هذا الفصل بينهما؟! وكذلك حين فرقوا بين النقل وعدم الدليل لم يكن ثمة مسوّغ مقبول، وإنما دفعهم إلى ذلك كون الاستقراء وسيلة تأتي بعد توفر مادة يمكن البحث فيها، وأما عدم الدليل فهو يعني عدم وجود مادة للاستشهاد ينطلق منها النحوي للحكم في المسألة العارضة، ولو تفكر النحاة جيدا لوجدوا أن عدم الدليل جاء بعد الاستقراء والبحث عن حكم المسألة، فالاستقراء وحده هو الذي يثبت إن كان ثمة دليل على الحكم أو لا، وما دام الاستقراء هو الذي سيحكم في النهاية على المسألة فما الداعي إلى اعتبار عدم الدليل من أصول النحو وأدلته المستقلة؟! (1/148)
صفحة 146
الفصل الرابع: أدلة النحو
149
الملحوظة الثالثة: عدد الأدلة النحوية غير محصور:
لاحظنا
من خلال جدول مصادر أدلة النحو وترتيبها أن أصول النحو لم
يتفق عليها كلها، وذلك لأسباب:
1 - بعض هذه الأدلة يصعب تحقيقها؛ كدليل الإجماع إذ يتطلب إجماع نحاة البصرة ونحاة الكوفة معًا على ألا يخالفوا النص والقياس كما نقل عن ابن جني سابقا، وربما هذا هو السبب الذي دفع الأنباري إلى استبعاد الإجماع من كتابيه "الإغرا " و "لمع الأدلة“.
2 - ولأن النحاة جوزوا الاستدلال بأدلة عقلية؛ ففتحوا الباب على مصراعيه لمن أراد أن يزيد من هذه الأدلة قد أحدثها أدلة النحو؛ لذا تجد بعض المتأخرون، فالأنباري أضاف دليل السبر والتقسيم الذي لا نجده كما يبدو عند ابن جني، كما نجد دليل الأولى في لمع الأدلة ولا نجده في الاقتراح ولا في ارتقاء السيادة، ونجد أن الاقتراح أضاف أربعة أدلة لم تكن في لمع الأدلة هي العكس وعدم النظير والاستقراء والباقي.
وفي ختام الحديث عن أصول النحو نرى أننا استغنينا عن تفصيل الحديث عن ترجيح أدلة النحو المختلفة بما ذكرناه من ترتيب الأدلة المعتبرة وذكر الأدلة غير المعتبرة كما جاء في كتب أصول النحو المتبقية وهي لمع الأدلة، والإغراب والاقتراح وارتقاء السيادة. وعلى من أراد مزيد التوسع أن يطالع هذه الكتب لاسيما الاقتراح. (1/149)
صفحة 147
150
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
خرائط ذهنية لمباحث أدلة النحو
نظرية النحو (أو أصول النحو أو أدلته عند القدماء
الأدلة المعتبرة
1 - النقل أو السماع - 2 - الإجماع 3 - القياس الحملي 4 - الاستصحاب
تصريحي
سكوتي
الأدلة غير المعتبرة
السبر والتقسيم أو التحليل بيان العلة الأولى الأصول الاستقراء
الاستحسان النظير أو عدمه عدم الدليل العكس الباقي
تعليل ضعيف | قياس ضعيف العلة
الشكل 20 (1/150)
صفحة 148
الفصل الرابع: ادلة النحو
تقسيم الأدلة التي ذكرها القدماء من وجهة نظرنا
الدليل النقلي الدليل العقلي بعضه عقلي وبعضه حسي
151
السماع الإجماع
التحليل
القياس || بيان || العكس
التصريحي
أو السبر
العلة
والسكوتي والتقسيم
المسموع
الاستقراء
الحمل ومن أنواعه
القواعد
التعليل
|
وعدم الدليل الأولى والاستحسان والاستصحاب
وعدم النظير، أما
والأصول
أركانه فهي:
والباقي
العلة الحقيقية
القرائن
تعليل الظواهر تعليل المصطلحات
المقيس عليه المقيس الحكم العلة القياسية العلة غير القياسية
7
ضعيفة: استحسان غير ضعيفة: قياس ضعيفة: استحسان غير ضعيفة
الشكل 21 (1/151)
صفحة 149
152
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
نوعا التقدير (أو التأويل أو رد المعدول عن الأصل)
رد المعدول عن أصل اللفظ
رد المعدول عن أصل القاعدة
الشكل 22 (1/152)
صفحة 150
الفصل الخامس:
التعليل (1/153)
صفحة 151
154
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الأول: التعريفات اللغوية للعلة
1. العلة هي المرض:
والتعليل في القديم
جاء في كتاب العين للخليل باب العين واللام (( ... والعِلَّةُ الْمَرَض، وصاحبها مُعْتَلُّ ... والْعَليلُ الْمَرِيض""، وفي لسان العرب باب اللام- فصل العين: (عَلَّ يَعِلُ واعْتَل أَي مَرِضَ؛ فهو عَليل ... )).
2. العلة الحدث يشغل صاحبه:
جاء أيضًا في كتاب العين باب العين واللام: (( ... والعِلَّةُ: الْحَدَثُ يشغل
صاحبه عن وجهه ... )).
عن
3. العلة: الإعاقة:
جاء في المحيط في اللغة في حرف العين- باب العين واللام ((واعْتَلهُ كذا: أعاقه، واعْتَلَلْتُ فلاناً: تجنيت عليه، وهذا المعنى قريب من
المعنى السابق.
1 - الخليل، كتاب العين - مادة "علل" كتاب العين باب العين واللام.
2 - ابن منظور، لسان العرب - مادة "علل" باب اللام فصل العين.
3 - الخليل - العين - مادة "علل" كتاب العين باب العين واللام.
4 - ابن عباد: الصاحب إسماعيل (326) - 385 هـ)، المحيط في اللغة، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، بيروت، عالم الكتب - مادة "علل" حرف العين باب العين واللام. (1/154)
صفحة 152
الفصل الخامس: التعليل
155
4 العلة ما يُتلهى به ففي مختار الصحاح باب اللام فصل العين (( ... وعله بالشيء تعليلا أي لهاه به كما يعلل الصبي بشيء من الطعام يَتَجَزَّأُ به عن اللبن. يقال: فلانٌ يُعَلِّلُ نفسَه بِتَعِلَّة. وتَعَلَّلَ به أي تلهى به وتجزا. والْمُعَقِلُ يوم من أيام العجوز؛ لأنه يُعَلِّلُ الناس بشيء من تخفيف البرد. الغلالة بالضم: ما تَعَلَّلت به ... ))، وهذا المعنى يكاد يكون هو والمعنى الثاني شيئًا واحدا. 5. العلة: السبب الطبيعي للأشياء:
جاء في لسان العرب باب اللام فصل العين (( ... وهذا عِلَّةٌ لهذا: أي
سبب)).
6. وأما التَّعْلِيلُ فهو مصدر عَلَّلَ لقولهم: (( ... وعلله بالشيء تغليلا أي لَهاه به ... ))، وأما التَّعْليلُ الذي هو: (( ... سقي بعد سقي، وجني الثمرة مرة بعد أخرى)) فهو مأخوذ في رأينا من العلل وهي السقية الثانية؛ لا من العلة.
1 - الرازي، مختار الصحاح - مادة " علل " باب اللام فصل العين، ويقصد بأيام العجوز آخر أسبوع من أيام الشتاء كما جاء في لسان العرب باب اللام فصل العين.
2 - ابن منظور، لسان العرب - مادة " علل " باب اللام فصل العين. 3 - الرازي مختار الصحاح - مادة " علل " باب اللام فصل العين. 4 - نفسه مادة " علل " باب اللام فصل العين. (1/155)
صفحة 153
156
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الثاني: العلة والتعليل
في اصطلاح النحاة القدماء
لم أجد فيما قرأت -حسب جهدي- كتابًا نحويًا جمع معاني العلة والتعليل الاصطلاحية. ولم يكن ثمة بُد من متابعة هذين المصطلحين في تطبيقات النحاة واللغويين وأحاديثهم المتفرقة؛ سواء في كتب أصول النحو أو في
غيرها، فإليك ما وجدته
:
الأسماء
معه سبب
1 - العلة هي القرينة أو العلامة التي إذا وُجِدَتْ في الكلام أو في المقام تَحَقَّقَ الحكم بسببها، فهي تَجَوُّزًا - كالسبب الموجب للحكم، جاء في الأصول" في النحو فيما يخص علل منع الصرف: ((فما جاء من على أفعل أو يفعل أو تفعل أو نفعلُ، أو فعل أو يفعل، وانضم من الأسباب التي ذكرنا لم ينصرف، ف (أفعل) نحو أحمر وأصفر وأخضر لا ينصرف؛ لأنه على وزن أَذْهَبُ وأَعْلَمُ، وهي صفات، فقد اجتمع فيها علتان ... ))، وذلك أن علل منع الصرف هي قرائن لفظية ومعنوية إذا توفرت سببت منع الاسم من الصرف.
1 - يعني الأسباب التي تمنع الصرف عن الأسماء، وقد ذكرها في ج 2 ص 80، وهي (( ... 1 - وزن الفعل الذي يغلب على الفعل والصفة،2 والتأنيث الذي يكون لغير فرق -3 - والألف والنون المضارعة لألفي التأنيث 4 - والتعريف 5 - والعدل 6 - والجمع 7 - والعجمة 8 - وبناء الاسم مع الاسم كالشيء الواحد)). 2 - ابن السراج، الأصول، ج 2 ص 80. (1/156)
صفحة 154
الفصل الخامس: التعليل
157
2 - والعلة تطلق كصفة لحروف ثلاثة هي: الواو المضموم ما قبلها، والياء
المكسور ما قبلها وألف المد، وتسمى (( ... حروف العلة والاعتلال ...
سميت بذلك للينها وموتها!)).
جاء في ملحة الإعراب:
والواو والياء جميعا والألف
هُنَّ حُرُوفُ الاعْتِلالِ المُكْتَنِفُ)
ومنه الإعلال، وهو ((تخفيف حرف العلة بالإسكان، والقلب والحذف))، ويشترط أن ينقلب حرف العلة حرف علة آخر لئلا يصير إبدالا. 3 - والعلة هي الجامع بين المقيس والمقيس عليه: أي إنها العلاقة التي تربط بين المقيس والمقيس عليه سواء كانت علاقة تماثل أو تشابه أو اطراد أحد أو تضاد؛ فتُسوّغ إعطاء المقيس حكم المقيس عليه، وهي بهذا تعتبر أركان الحمل الأربعة، وقد مضى ذكرها في عدة مواضع عند الحديث عن الحمل وأصنافه. 4 - والتعليل: بيان سبب ابتداع العرب ظاهرة لغوية:
وهذا السبب يكون غير الجامع بين المقيس والمقيس عليه؛ لأنه سبب لا يقوم بحمل شيء على شيء، ومثاله ما جاء في ”علل النحو“ لأبي الحسن محمد بن عبد الله الوراق (ت 381 هـ): (( ... ليس في كلام العرب الجمع بين
1 - ابن منظور، لسان العرب - مادة "علل" باب اللام فصل العين
2 - الكفوي، الكليات، ص 150. 3 - كان خَتْن أبي سعيد السيرافي على ابنته، قرأ القرآن بالروايات على أبي بكر محمد بن علي بن مقسم، وقرأ عليه أبو علي الأهوازي له شرح مختصر الجرمي المسمى بالهداية = انظر في بغية الوعاة للسيوطي
ج 1 ص 129 - 130. (1/157)
صفحة 155
158
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
ساكنين في الوصل؛ لأن الجمع بينهما في الوصل محال، ولكنه ليس بموجود؛ فلم يكن بد من حذف أحد الساكنين أو تحريكه ليخرج إلى كلامهم. وقد يمكن تعليل امتناع الجمع بين ساكنين بأن يقال: إن الحرف الساكن إذا تُكلّم به؛ أنَّ المتكلم في حكم الواقف عليه والمبتدئ بما بعده، وقد بينا أن الابتداء بالساكن محال، فكان الجمع بينهما يشبه الابتداء بالساكن، فلهذا امتنعوا ... )).
5 - والتعليل يشمل ذكر سبب تسمية بعض الظواهر والقضايا اللغوية بمصطلحات معينة:
مثال ذلك أن من التعليلات التي ذكرت في "الإيضاح في علل النحو“ تعليل تسمية أقسام الكلم (الاسم والفعل والحرف) بهذه الأسماء: (( ... سؤال آخر على أصحاب سيبويه، يقال لهم: لم سمى سيبويه وغيره هذه الأشياء أسماء وأفعالا وحروفًا ... وقد علمتم أنها كلها أفعال المتكلم؛ لأنها كلام ونطق، والكلام يفعله المتكلم ويُوجده بعد أن لم يكن .. الجواب أن يقال: إن هذه الأشياء - وإن كانت كما ذكرتم أنها أفعال للمتكلمين الناطقين بها- فهي مختلفة المعاني متباينة المجاري في طريق الإعراب ... فلما كان ذلك كذلك وجب الفرق بينها؛ وأن يوسم كل جنس منها بأشكل الأشياء به)) ..
وجاء في كتاب علل النحو" تعليل لتسمية الحرف بالحرف: ((وأما تسمية النوع الثالث بالحرف في اللغة؛ فموضوع لطَرَفِ الشيء، وكأن هذا النوع إنما يقع طرفًا للاسم والفعل معا، خُص بهذا اللقب؛ لقولك: أزيد ترى
1 - ابن الوراق علل النحو، ص 158
2 - الزجاجي، الإيضاح، ص 43. (1/158)
صفحة 156
الفصل الخامس: التعليل
159
الدار؟ فالألف إنما دخلت للاستفهام عن كون زيد ولم تدخل هي لمعنى يختصها، وهي في اللفظ طرف مع ذلك، فاعرفه)).
ومن كتب العلل: أسرار العربية" لأبي البركات الأنباري (513 - 577 هـ) جاء فيه: ((إن قال قائل: لِمَ سُمي الإعراب إعرابا والبناء بناء؟ قيل:: أما الإعراب ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن يكون سمي بذلك لأنه يبين المعاني؛ مأخوذ من قولهم: (أعرب الرجل عن حجتِه) إذا بينها ... )).
وتعليل ما وضعه النحاة قد يكون بأدلة النحو؛ كأن نعلل تقسيم الكلم إلى ثلاثة أقسام بعلة السبر، والتقسيم، وهي أننا سبرنا أصناف الكلم فما وجدنا لها
قسما رابعا. وكان الأجدر أن يترك النحاة تعليل مصطلحات النحو للفلسفة التي تعنى
بحدود العلوم وتعريف مصطلحاتها والفروق بينها.
•
كانت تلك هي المعاني الاصطلاحية القديمة للعلة والتعليل، وينبغي أن أنبه على الملحوظات التالية:
1 - الملحوظة الأولى: إن مصطلح التعليل لا يخص علم النحو وحده؛ بل تشتغل به علوم أخرى كعلم اللغة القديم؛ وعلم البلاغة؛ وعلوم المنطق والفلسفة
1 - ابن الوراق علل النحو - ص 139. 2 - الأنباري، أسرار العربية - ص 31.
3 - قد ذكرت المعاني اللغوية للتعليل في حديثي عن التعريفات اللغوية للعلة والتعليل. 4 - التعليل في البلاغة يعد من الإطناب، ويعرفونه بقولهم: زيادة في الكلام عن أصل المعنى الذي يقصد التعبير عنه لبيان علته أو سببه، أو الدليل على صحته أو نفعه أو فائدته = انظر في كتاب البلاغة العربية" للميداني ج 2 ص 93. (1/159)
صفحة 157
160
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
والكلام، ولكننا نهتم في هذا الكتاب بالعلل التي اشتغل بها النحاة دون غيرهم،
وهي علل تشمل المستويات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية.
2 - الملحوظة الثانية: تبين من تعريف التعليل لغويا أنه مصدر "عَلَّلَ" أي أتى بالعلة أي السبب، وبهذا المعنى نجد أن مصطلح العلة أعم من مصطلح التعليل؛ لأن العلة يمكن أن تشمل حروف العلة، وهي حروف موجودة في اللغة العربية كغيرها من الحروف ولا تحصل نتيجة تعليل، وإنما تتعلق باعتلالها أنفسها، أو بإعلال بعضها بعضا. ولأجل أننا في هذا الكتاب نشتغل بأصول النحو استثنينا الحديث عن حروف العلة، وانصب اهتمامنا بالتعليل الذي يمكن أن يشمل ما تبقى من معان اصطلاحية سابقة وهي:
(أ) - إيجاد القرينة اللغوية أو المعنوية أو المقامية التي تقود إلى معرفة الحكم النحوي؛ لأنها سبب في إعطاء المحكوم عليه هذا الحكم، وبدونها
لا يستحقه.
(ب) - بيان السبب الحقيقي الذي جعل العرب يضعون ظاهرة لغوية معينة. (ج) - إيراد الجامع بين المحمول والمحمول عليه الذي جعل المحمول مستحقا لحكم المحمول عليه؛ لأنه لو لم يكن هذا الجامع موجودًا لما استحق المحمول حكم المحمول عليه.
1 - تتقارب هذه العلوم في مصطلحاتها لتداولها مباحث متشابهة تُعنى بالاستدلال بالعقل، وقد قال علي بن محمد الجرجاني (740) - 816 هـ) في كتابه التعريفات تحقيق إبراهيم الأبياري، ط 2، بيروت، دار الكتاب العربي، 1413 هـ / 1992 م، ص 86 معرفًا التعليل بأنه تقرير ثبوت المؤثر لإثبات الأثر؛ كأن ترى النار فتستدل على وجود الدخان وعكس التعليل هو الاستدلال؛ كأن ترى الدخان فتسلّم بوجود النار، ونفهم من هذا أن التعليل عند أهل المنطق والكلام هو إيجاد السبب الحقيقي الذي أوجد الشيء. (1/160)
صفحة 158
الفصل الخامس: التعليل
161
(د) - تعليل تسمية المصطلحات النحوية بأسمائها.
وإذا تدبرنا هذه المعاني الأربعة للتعليل أمكننا حصرها في معنيين حسب مصدرها، وهذان المعنيان هما السبب المباشر والسبب الحقيقي؛ على النحو الآتي: - المعنى الأول: العلة هي السبب المباشر أو التجوزي غير الحقيقي: وأعني بها القرائن اللفظية والمعنوية والمقامية التي تعرف بها الأحكام النحوية، وهذه القرائن إنما توجد في الكلام الذي نتكلم به إذا كانت لفظية أو معنوية؛ أو توجد في الظروف المحيطة بالموقف اللغوي وهو الذي يسميه القدماء بالمقام.
فمثال القرائن أن يقال إن "الفعل هو عامل رفع الفاعل"؛ أي إن الفعل يتسبب وجوده في رفع الفاعل، فهذا لا يعني أن الفعل هو السبب الحقيقي الذي جعل واضعَ اللغة العربية يرفع الفاعل لأجله في الحقيقة الطبيعية؛ وإنما معنى كون الفعل عاملا هو أنه قرينة مذكورة أو مفهومة في الكلام، فهو إذن سبب مباشر ينبغي تعليمه لطلاب العلم ليتمكنوا من تعلم العربية، وليس السبب الحقيقي الفلسفي، ومثاله الآخر أن يقال "إن سبب رفع (زيد) في قولنا (حضر (زيد هو لأنه فاعل، فالفاعلية قرينة إذا توفرت لاسم رفعته. وهذا المعنى الأول للعلة السبب المباشر" يختص به المعنى الاصطلاحي الأول للتعليل فيما سبق في (أ).
العلة - المعنى الثاني:
السبب الحقيقي: الذي يظن النحاة أنه هي
جعل واضع اللغة يضع حكمًا معينًا أي ظاهرة لغوية معينة، وهذا يعني أن (1/161)
صفحة 159
162
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
العلة الحقيقية ليست كالقرينة الموجودة في الكلام أو أثناء الكلام بحيث يمكن استحضارها؛ بل العلة الحقيقية تتعلق بنشأة الظواهر اللغوية فهي أمر ميتافيزيقي لا يمكن أن نجدة في الكلام.
ومثال العلة الحقيقية أن يقال إن سبب رفع الفاعل بالضمة هو الأقوى، والضمة هي أقوى الحركات فأُعْطِي إياها.
a
لأنه
والعلة أيضًا هي السبب الحقيقي الذي جعل النحاة يسمون بعض الظواهر أو القضايا النحوية بمصطلحات علمية تعارفوا عليها. وإذن فهذا المعنى الثاني للعلة "السبب الحقيقي يدخل ضمنه المعاني الاصطلاحية الثلاثة للتعليل وهي التي في (ب)، (ج)، (د). والذي يؤكد أن العلة والتعليل في عُرف النحاة لا يخرجان عن هذين المعنيين: السبب المباشر والسبب الحقيقي هو تقسيمهم العلل إلى علة
تعليمية وقياسية وجدلية كما جاء في "الإيضاح في علل النحو“:
(( ... ) وعلل النحو بعد ذلك ثلاثة أضرب: علل تعليمية، وعلل قياسية وعلل جدلية نظرية. فأما العلل التعليمية فهي التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب، لأنا لم نسمع نحن ولا غيرنا كل كلامها منها لفظا، وإنما سمعنا بعضًا فقسنا عليه نظيره، مثال ذلك أنا لما سمعنا قام زيد فهو قائم) ... عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب ... وما أشبه ذلك ... فمن هذا النوع من العلل قولنا: (إِنَّ زيدًا (قائم)؛ إن قيل: "بم نصبتم (زيدا)؟ قلنا ب (إنّ) لأنها تنصب الاسم وترفع الخبر؛ لأنا كذلك علمناه ونعلمه ... فهذا وما أشبهه من نوع التعليم، وبه ضبط كلام العرب. فأما العلل القياسية فأن يقال لمن قال (1/162)
صفحة 160
الفصل الخامس: التعليل
163
في
نصبتُ (زيدًا) ب (إنّ) ... ": ولِمَ وجبَ أن تنصب (إنّ) الاسم؟ فالجواب ذلك أن يقول: لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلى مفعول؛ فحملت عليه فأُعملت إعماله لما ضارعته، فالمنصوب بها مُشبَّه بالمفعول لفظا، والمرفوع مشبه بالفاعل لفظا، فهي تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله على فاعله نحو ضربَ أخاك محمد) ... وأما العلة الجدلية النظرية: فكل ما يُعتل به في باب (إنّ) بعد هذا، مثل أن يقال: فمن أي جهة شابهت هذه الحروف الأفعال؟ وبأي الأفعال شبهتموها .. وهلا حين مثلتم عملها بعمل الفعل المتعدي إلى مفعول واحد نحو ضرب زيدًا عمرو"؛ امتنعتم من إجازة وقوع الجمل في موضع فاعلها في قولكم إن زيدًا أبوه قائم ... والفاعل لا يكون جملة .. ما أرى كلامكم إلا ينقض بعضه بعضا.
فأنت تلاحظ أن العلل التعليمية ما هي إلا القرائن أي السبب المباشر؛ سميت تعليمية لأن الغرض منها الاستعانة بها كعلامات لتعرف القاعدة النحوية لدى الطلاب، وأما العلل القياسية فهي السبب الحقيقي الذي جعل واضع اللغة يضع الحكم لأجله؛ سميت قياسية لأنها إذا انطبقت على أي
مثال قيس على الأصل المستحق لها.
وأما العلل الجدلية فهي في رأينا علل قياسية؛ لأن الطرف الثاني الذي يطرحها يحاول أن يجيب عن السبب الحقيقي الذي أوجب الحكم للمثال؛ رافضًا السبب الحقيقي الذي اقترحه الطرف الأول المناظر إياه، وهذا يعني أن كلا منهما قدم علة قياسية لتعليل الحكم تعليلا حقيقيا، ثم إن العلة الجدلية
1 - الزجاجي، الإيضاح، ص 64 - 65. (1/163)
صفحة 161
164
اصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
من صحتها،
ما هي إلا تكملة للعلة القياسية؛ لأنها مجرد اختبار لها للتأكد ومِنْ ثُمَّ قبولها أو رفضها، وكان يمكن أن يجاب بالعلة الجدلية مباشرة بدلًا
من العلة القياسية.
ولتوضيح ذلك تَدَبَّرُ العلل المستخرجة من رفع نائب الفاعل في المثال
الآتي: "قام زيد":
- لماذا رفع "زيد"؟ = لأنه فاعل.
ولماذا يُرفع الفاعل؟ = لأنه الأقوى.
- ولماذا رُفع الفاعل بالضمة دون غيرها؟ = لأنها أقوى الحركات.
وتمثيل ذلك في الجدول التالي:
العلة التعليمية العلة القياسية
العلة الجدلية
زيد مرفوع بعلة الفاعل مرفوع بعلة الفاعل مرفوع بالضمة دون كونه الأقوى غيرها لعلة كونها الحركة الأقوى
الفاعلية
فأنت تلاحظ أن العلة الجدلية كان يمكن أن تكون العلة القياسية، فيكون
جواب السؤال عن سبب رفع الفاعل هو التالي: لأن الضمة
فأعطيت للأقوى وهو الفاعل.
ولأجل ذلك نرى أن العلل نوعان لا ثالث لهما، وهما:
- العلل المباشرة: التي يسميها الزجاجي العلل التعليمية.
هي
الأقوى
- العلل الحقيقية: التي يسميها الزجاجي العلل القياسية والجدلية، وهذه (1/164)
صفحة 162
الفصل الخامس: التعليل
165
العلل قد تكون تعليلا لأصل الظاهرة أو لفرعها، فقد رأينا كيف علّل رفع
الفاعل رغم أن الأصل في الفاعل الرفع.
وقد أدرك هذه الحقيقة من القدماء علماء لهم وزنهم منهم:
"
- ابن السراج: محمد بن سَرِيّ البغدادي (ت 322 هـ) في كتابه "الأصول في النحو فقال: ((واعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب كقولنا: كل فاعل مرفوع، وضرب آخر يسمى علة العلة؛ مثل أن يقولوا: لِمَ صار الفاعل مرفوعًا والمفعول به منصوبًا؟ ولِمَ إذا تحركت الياء والواو وكان ما قبلهما مفتوحًا قلبتا ألفًا، وهذا ليس يكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما تستخرج منه حكمتها في الأصول التي
وضعتها وتبين بها فضل هذه اللغة على غيرها من اللغات ... )).
- ابن جني المشغوف بالعلل: وحديثه تعليق على قول أبي بكر بن السراج علة العلة؛ إذ يقول: ((باب) في العلة وعلة العلة: ذكر أبو بكر في أول أصوله هذا، ومثل منه برفع الفاعل ... فإذا قيل: ولم صار الفاعل مرفوعا؟ فهذا سؤال عن علة العلة. وهذا موضع ينبغي أن تعلم منه أن هذا الذي سماه علة العلة إنما هو تجوز في اللفظ، فأما الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلة، ألا ترى
1 - محمد بن سري السراج له كتاب شرح كتاب سيبويه، وكتاب يلقب بالجمل، وكتاب "الموجز"، وله شعر حسن الصنعة، توفي سنة 322 ه = انظر في ترجمته "تاريخ العلماء النحويين" لابن مسعر ص 40 - 45. 2 - ابن السراج، الأصول، ج 1 ص 35، وقد جاء في أصول ابن السراج أيضا تقسيم آخر للعلل إلى أول
وثوان لا يختلف عن تقسيمها إلى مطردة وعلة العلة، وذلك في ج 1 ص 54 حيث يقول بعد أن ذكر أن الفاعل هو الذي يتم الفائدة وكل ما عدا الفعل والفاعل فهو يذكر لزيادة على الفائدة: (( ... وهذه العلل التي ذكرناها هاهنا هي العلل الأول، وهاهنا علل ثوانٍ أقرب منها يصحبها كل نوع من هذه الجمل إن
شاء الله. (1/165)
صفحة 163
166
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
أنه إذا قيل له: فلم ارتفع الفاعل؟ " قال: "لإسناد الفعل إليه“ ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا "قام زيد إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه، فكان مُغْنِيًا عن قوله "إنما ارتفع بفعله" ... نَعَمْ؛ ولو شاء لماطَلَهُ فقال له: "ولم صار المسند إليه الفعل مرفوعًا؟ فكان جوابه أن يقول "إن صاحب الحديث أقوى الأسماء، والضمة أقوى الحركات فجعل الأقوى للأقوى، وكان يجب على ما رتبه أبو بكر أن تكون هنا علة وعلة العلة وعلة علة العلة، فقد كان له أن يتجاوز هذا الموضع إلى ما وراءه فيقول: "وهلا عكسوا الأمر فأعطوا الاسم الأقوى الحركة الضعيفة لئلا يجمعوا بين ثقيلين"، فإن تكلف متكلف جوابًا عن هذا تصاعدت عدة العلل وأدى ذلك إلى هجنة القول وضعفة القائل به ... ومن بعد؛ فالعلة الحقيقية عند أهل النظر لا تكون معلولة ... )). 3 - الملحوظة الثالثة: أورد أبو البقاء الكفوي نَصَّيْنِ يوهمان بأن العلة. الشرط، وذلك فيما يلي:
هي
. والنحويون لا يفرقون بين السبب والشرط، وكذا بين السبب والعلة، فإنهم ذكروا أن اللام للتعليل، ولم يقولوا للسببية، وقال أكثرهم: الباء للسببية،
ولم يقولوا للتعليل ... )).
وقال في موضع آخر:
((قال بعض المحققين ما يسميه النحاة شرطا هو في المعنى سبب
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 173 - 174.
2 - الكفوي، الكليات، ص 504. (1/166)
صفحة 164
الفصل الخامس: التعليل
167
لوجود الجزاء، وهو الذي تسميه الفقهاء علة ومُقْتَضِيّا ومُوجِبًا ونحو ذلك ....
والشرط عندنا ما يقتضي وجوده وجودَ المشروط، ولا يقتضي عدمه عدمه، وهذا مقتضى الشرط الجعلي (النحوي
وحين نتدبر مصطلح الشرط عند النحاة نجد أنه أحد معنيين: - المعنى الأول أنه يعني القضية المُتسبّبة في إحداث قضية أخرى ناتجة عنها، وهذه القضية الناتجة عن قضية الشرط تسمى "الجزاء"، وبهذا يكون الشرط في حقيقة الأمر سببًا أو علة لوقوع الجزاء. ومثال ذلك قولنا "إن
"
1 - المعلوم أن الحكم في أصول الفقه هو النص الشرعي الذي يتضمن فعلا من أفعال المكلفين يود المشرع أن يطالبهم بفعله أو تركه أو يخيرهم فيه أو يجعله سببًا لمسبب أو شرطا لمشروط أو مانعا من ممنوع. وبهذا التعريف ينقسم النص الشرعي حسب صيغته إلى قسمين: 1 - صيغة إنشائية تفيد التكليف بفعل شيء نحو "اتقوا الله أو ترك شيء نحو "ولا تقربوا الزنا أو التخيير فيه نحو "وأحل الله البيع" فهو بهذا يقسم إلى واجب ومندوب ومحرم ومكروه ومباح. 2 صيغة خبرية تفيد وضع شيء لشيء على النحو الآتي: أ- تفيد وضع سبب لمُسبَّب: فالسبب ما جعله الشارع علامة على مسئبه وربط وجود المسبب بوجود السبب وربط عدمه بعدمه؛ مثال السبب السرقة فإنها سبب لقطع يد السارق، فبوجود السرقة يوجد القطع وبعدمها ينعدم القطع وهذا التعريف للسبب على رأي بعض الأصوليين لا كلهم. ب- تفيد وضع مانع من ممنوع والمانع هو الذي إذا وجد انعدم الحكم وبطل السبب؛ فقد يتوافر للحكم أسبابه الموجبة له ثم يظهر مانع يمنع الحكم، فمثاله القتل عمدا أو خطأ فإنه يمنع الزوج القاتل من الإرث رغم توفر سبب الزوجية الذي يوجب الإرث. ج- تفيد وضع شرط المشروط: والشرط هو ما لا يتوقف وجود الحكم على وجوده ولكن يلزم من عدمه عدم الحكم، ومثال الشرط: الزوجية؛ فإنها شرط لإيقاع الطلاق فلا يقبل الطلاق إلا إذا كانت المرأة زوجة المطلق؛ فإذا انعدمت الزوجية انعدم الطلاق؛ لكن لا يشترط عند وجود الزوجية وجود الطلاق وحدوثه. وبهذا يمكن فهم الشرط الفقهي الأصولي؛ ليتبين الفارق بينه وبين الشرط النحوي انظر في علم أصول الفقه لخلاف ص 100 - 120
2 - الكفوي، الكليات، ص 530. 3 - القضية في علم المنطق هي التي يسميها البلاغيون الجملة الخبرية التي تحتمل الصدق أو الكذب، ولعل سبب تسميتها عند المنطقيين بالقضية بدل الجملة لئلا تقتصر على لغة واحدة؛ ولئلا تختلط بمفهوم الجملة عند النحاة فتشتبه بالجملة غير المفيدة = انظر في قواعد المنطلق الصوري والرمزي ومناهج البحث العلمي" لمحمد محمد بالروين الليبي، بيروت، دار النهضة العربية، 1998 م ص 10 - 11 بتصرف. (1/167)
صفحة 165
168
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
تجتهد تنجح فإن جملة تجتهد“ شرط للجزاء الذي هو جملة تنجح“. - المعنى الثاني أن الشروط تعني الضوابط أو المتطلبات التي يجب حصولها قبل تحقق الحكم النحوي، ومثال ذلك مسوغات الابتداء بالنكرة، فهي شروط يجب حصولها حتى يتحقق حكم "الابتداء بالنكرة، وبدونها لا يصح الابتداء بالنكرة.
ومما جمع ذينك المعنيين للشرط: ما جاء في "شرح شذور الذهب“: (( ... مسائل الحذف الواقع في باب الشرط والجزاء ثلاثة: المسألة الأولى: حذف الجواب، وشرطه أمران: أحدهما أن يكون معلوما، والثاني أن يكون فعل الشرط ماضيًا، تقول: "أنت ظالم إن فعلت“ لوجود الأمرين ... )). فقوله "باب الشرط والجزاء" يعني بالشرط القضية المتسببة، وقوله "وشرطه أمران يعني به الضابط.
ولأجل ذلك نقول إن اعتبار الشرط علة مباشرة أو حقيقية ليس واردا عند النحاة، وإنما قصد أبو البقاء الكفوي بكلامه أن الشرط لو تدبرناه في الحقيقة- لوجدناه عبارة عن قضية تتسبب في حدوث قضية أخرى، فهو كالعلة المسببة لغيرها، فالشرط في معناه علة وإن كان النحاة يسمونه شرطاً، ويتضح قصد أبي البقاء الكفوي بما أورده في أحد ذينك النصين: "ما يسميه شرطاً هو في المعنى سبب لوجود الجزاء"، فقوله " في المعنى "إشارة إلى ما
النحاة
1 - ابن هشام: عبد الله بن هشام الأنصاري، شرح شذور الذهب، ومعه: منتهى الطلب بتحقيق شذور الذهب، ومعهما: رحلة السرور إلى إعراب شواهد الشذور، تأليف بركات يوسف هبود، ط 2، بيروت، دار الفکر، 1419 هـ، 1998 م، ص 454. (1/168)
صفحة 166
الفصل الخامس: التعليل
169
ذكرته. ومثال كلامه كما لو قال أحدنا هذه الجملة: "سقط زيد على الأرض فكسرت ساقه، فإن فاء السببية هنا تدل على أن سقوط زيد هو سبب كسر ساقه؛ لكن هذا لا يدعونا إلى القول بأن النحاة يسمون الجملة السببية في تنظيرهم علة"، فإن معنى العلة في الاصطلاح النحوي شيء؛ ومعناها في اللغة والحقيقة الطبيعية شيء آخر.
4 - الملحوظة الرابعة: يعد الاستدلال ببيان العلة من أدلة النحو كما فات ومعناه أن يستدل النحوي على بقاء الحكم في المثال الذي يتعرض له بأن
ينظر: هل العلة التي تبيح الحكم باقية في هذا المثال أم لا؟
والعلل التي يستدل بها على إثبات حكم ما لا تخرج عن كونها أحد النوعين التاليين:
- القرائن النحوية كالاستدلال على حق "زيد" في الرفع في جملة "قامَ زيد بعلة الفاعلية، وهي علة أولى تعليمية.
- الجامع بين المقيس والمقيس عليه؛ كالاستدلال على حق ”عمرو “ في الحصول على حكم الرفع في جملة ضُرِبَ عمرو “؛ بأنه شابه الفاعل في علة
الإسناد فاستحق الرفع مثله على رغم أنه مفعول به في المعنى. (1/169)
صفحة 167
170
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
المبحث الثالث: تقسيم العلل
إلى أنواع عند القدماء
التقسيم الأول: تقسيم العلل إلى موجبة (برهانية حقيقية) وغير موجبة: أي تقسيمها إلى علة حقيقية هي التي أوجدت الحكم أو الظاهرة بالفعل ولو لم تكن هذه العلة ما وجدنا هذه الظاهرة في اللغة، وإلى علة غير حقيقية أي علة يسميها النحاة بالعلة تجوزًا وهي ليست في الحقيقة علة فلسفية. يرى الزجاجي أن العلة النحوية ليست موجبة: ((باب القول في علل النحو: أقول أولا إن علل النحو ليست موجبة، وإنما هي مستنبطة أوضاعًا، ومقاييس وليست كالعلل الموجبة للأشياء المعلولة بها، ليس
هذا
1
من تلك الطريق)). ويري ابن جني في أنَّ علل النحو منها ما هو سبب حقيقي موجب لأن الحس يسانده؛ ولا يمكن أن يطيق الذوقُ العربي غيره، ومنها ما هو أسباب غير موجبة للحكم: (( .. إنّ علل النحويين على ضربين: أحدهما واجب لا بد منه؛ لأن النفس لا تطيق في معناه غيره، والآخر ما يمكن تحمله، إلا أنه على تجشم واستكراه. الأول .... قلب الألف واوّا للضمة قبلها؛ وياءً للكسرة
1 - قال الزجاجي ذلك في الإيضاح، ص 64 - 66، والزجاجي هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق، نُسب إلى أستاذه أبي إسحاق الزجاج، وكان يدرس في جامع دمشق، وقيل أنه تشيع، ألف " الجمل *
و "شرح خطبة أدب الكتاب" و "الأمالي" = انظر في ترجمته في إشارة التعيين لليماني ص 180. (1/170)
صفحة 168
الفصل الخامس: التعليل
171
قبلها ... أما الواو نحو قولك في سائر سُوَيْئر، وأما الياء فنحو قولك في نحو تحقير قرطاس وتكسيره: قُرَيْطِيس وقراطيس ... فهذه علة برهانية ولا لبس فيها، ولا توقف للنفس عنها، وليس كذلك قلب واو عصفور ونحوه ياءً إذا انكسر ما قبلها؛ نحو عُصَيْفِير وعصافير، ألا ترى أنه يمكنك تحمل المشقة في تصحيح هذه الواو بعد الكسرة، وذلك بأن تقول: عُصَيْفِوْر وعصافور، وكذلك نحو ... مؤزان و موعاد ... )).
والذي نذهب إليه أن قول ابن جني هو الصواب؛ لأن من العلل ما هو قرائن فقط وليست أسبابًا حقيقية للظاهرة؛ ولأن الزجاجي نفسه قد قسم العلل إلى تعليمية وقياسية وجدلية، وهو تقسيم يدل على أن بعض العلل
غير موجبة.
التقسيم الثاني: تقسيم العلة إلى بسيطة ومركبة:
((العلة قد تكون بسيطة، وهي التي يقع التعليل بها من وجه واحد كالتعليل بالاستثقال ... وقد تكون مركبة من عدة أوصاف: اثنين فصاعدًا؛ كتعليل قلب (ميزان) بوقوع الواو ساكنة بعد كسرة، فالعلة ليس مجرد سكونها؛ ولا وقوعها بعد كسرة؛ بل مجموع الأمرين ... )).
التقسيم الثالث: تقسيم العلل إلى متعدية (مطردة في بابها) وغير متعدية
(قاصرة):
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 88.
2 - السيوطي، الاقتراح تحقيق حمد عبد الفتاح مصطفى خليل القاهرة، جامعة الأزهر الشريف
1420 هـ/ 1999 م، ص 126. (1/171)
صفحة 169
172
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وهو أنّ شرط العلة أن تكون مطردة فإن كانت قاصرة رفضت؛ كما ذكر ابن جني في باب في أن العلة إذا لم تتعدَّ لم تصح: من ذلك قول من اعتل لبناء نحو (كُمْ) و (مَنْ) ... بأن هذه الأسماء لما كانت على حرفين شابهت بذلك ما جاء من الحروف على حرفين؛ نحو (هل) و (بل) ... وهذه علة غير متعدية، وذلك أنه كان يجب أن يبنى ما كان من الأسماء أيضًا على حرفين؛ نحو (يد) و (أخ) و (أب) و (دم) و (فم) ... )).
والمقصود من كلام ابن جني أن العلة لا بد أن تنسحب على جميع أمثلة الباب؛ فإن كانت هناك أمثلة شاذة لهذا الباب لا تتفق وهذه العلة وجب أن تُعَلَّل الأمثلة الشاذة بعلة أخرى تنطبق عليها كلها، ومثال ذلك أن يقال أن الأصل في المفعول به أن ينصب لأنه ضعيف يدل على من وقع عليه الفعل؛ فإن قيل أن نائب الفاعل مفعول به في المعنى لكنه لم ينصب؛ عللنا رفعه بأنه أسند إليه الفعل كما أسند إلى الفاعل. فهنا علتان:
- علة للأصل الذي هو نصب المفعول به في المعنى؛ هي: ضعف المفعول به لدلالته على من وقع عليه الفعل.
- علة للفرع الشاذ الذي هو نائب الفاعل؛ هي: إسناده إلى الفاعل.
التقسيم الرابع: تقسيمها إلى سبب وعلة:
وهو تقسيم لابن جني؛ ليفرق بين القرائن النحوية الموجبة للحكم التي لا تخير في الحكم؛ وبين القرائن النحوية المجوزة للحكم التي يكون حكمها تخييريًا، فقد قال في (باب) ذكر الفرق بين العلة الموجبة وبين العلة المجوّزة:
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 169. (1/172)
صفحة 170
الفصل الخامس: التعليل
173
اعلم أن أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها كنصب الفضلة ... ورفع المبتدأ والخبر ... فعلل هذه الداعية إليه موجبة لها، غير مقتصر بها على تجويزها، وعلى هذا مقاد كلام العرب، وضرب آخر يسمى علة، وإنما هو في الحقيقة سبب يجوز ولا يُوجب، ومن ذلك الأسباب الداعية إلى الإمالة؛ هي علة جواز لا علة الوجوب، ألا ترى أنه ليس في الدنيا أمر يُوجب الإمالة لا
بد منها! .. )).
التقسيم الخامس: تقسيم العلل إلى تعليمية، وقياسية أو جدلية: وقد مر بنا تعريف هذه الأقسام الثلاثة في التعريف الاصطلاحي للعلة؛ وتبين لنا أنه لا جدوى من فصل العلل الجدلية فإنما هي علل قياسية، وأشرنا إلى تقسيم ابن السراج العلل إلى قسمين:
- علل مطردة: وهي العلة التعليمية أي الأسباب المباشرة أو القرائن.
- علل حكمية: وهي العلل القياسية أي السبب الحقيقي. وأضيف هنا أن الحسين بن موسى بن هبة الله الدينوري (الجليس النحوي قسم العلل في كتابه ثمار الصناعة في النحو" إلى هذين القسمين
1 - نفسه ص 164.
2 - لم يذكر الفيروزآبادي في البلغة ص 91 - 92 زمان الجليس الدينوري ولا شيوخه، وكذلك السيوطي في بغية الوعاة ج 1 ص 541 لكنه ذكر أنه نقل كلامه عن العلل في تذكرته وجمع الجوامع، كما نقله ابن مكتوم في تذكرته، ولم أجد من هذه المصادر التي ذكرها السيوطي سوى همع الهوامع في شرح جمع الجوامع للسيوطي نفسه ق: عبد العال سالم مكرم، الكويت، دار البحوث العلمية، 1399 هـ: وفيه ذكر لكتاب ثمار الصناعة وصاحبه دون تاريخ، لكنني وجدت في تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان، ترجمة: رمضان عبد التواب، ط 2، 6 ج القاهرة، دار المعارف، ج 6 ص 40 أن الجليس الدينوري ألف كتابه قبل
سنة 583 هـ. (1/173)
صفحة 171
174
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
نفسيهما إلا أنه أدرج تحت العلل المطردة أمثلة كثيرة كما يلي: ((علة تطرد في كلام العرب، وتنساق إلى قانون لغتهم، وعلة تظهر حكمتهم في أصوله، وتكشف عن صحة أغراضهم، وعن صحة مقاصدهم في موضوعاته، ولكن الأولى أكثر استعمالا وأشد تداولا، وهي واسعة الشّعب كثيرة الأفنان؛ إلا أن مدارها على ثلاثة وعشرين نوعًا، وهي علة سماع، وعلة تشبيه، وعلة استغناء وعلة استثقال وعلة فرق وعلة توكيد وعلة تعويض، وعلة نظير وعلة نقيض، وعلة حمل على المعنى وعلة مشاكلة وعلة معادلة، وعلة قرب ومجاورة، وعلة، وجوب، وعلة تغليب وعلة اختصار، وعلة تخفيف، وعلة دلالة حال، وعلة أصل وعلة تحليل، وعلة إشعار، وعلة تضاد، وعلة أولى)).
وحين
2
اطلعنا على شرح هذه العلل في "الاقتراح وجدنا أنه زاد عليها علة الجواز“ فصارت 24 علة، وأن أكثر هذه العلل التي ذكرها الجليس ليست من العلل المطردة؛ بل أكثرها من العلل الحكمية، ويمكن التأكد ذلك من خلال الجدول التالي الذي يذكر في العمودين الأوليين جميع تلك العلل وأمثلتها كما جاء في الاقتراح؛ ثم يحلل في العمود الثالث المثال ليتضح نوع العلة:
من
1 - الفيروزآبادي، البلغة، ص 91 - 92.
2 - انظر الاقتراح" للسيوطي ص 48. (1/174)
صفحة 172
العلة
1 السماع
الفصل الخامس: التعليل
175
مثالها
نوعها
لا يقال رجل أثدى كما علة حكمية لأنها تجيب عن
قيل للمرأة ثذياء لأنه هكذا سبب الظاهرة، ولو أراد أن
ورد عن العرب
يجعل علة هذه الظاهرة مطردة
لقال هذه القاعدة المطردة: كل
ما كان على وزن أفعل فمؤنته
فعلاء ما عدا
الكلمات بعض
نحو ثدياء
2 التشبيه إعراب الفعل المضارع علة حكمية، وأما علتها المطردة لمشابهته اسم الفاعل فهي: كل فعل مضارع معرب ما
3
لم تتصل به نون التوكيد ونون
النسوة
الاستغناء استغني عن الماضي علة حكمية، وعلتها المطردة
n
” وَدَعَ" ب "تَرَكَ»
هي: كل فعل مضارع له ماض
عدا بعضها نحو "يدع"
4 الاستثقال حذف الواو في يَعِدُ" علة حكمية، وعلتها المطردة |
الفرق
لوقوعها بين ياء وكسرة هي: كل واو تقع بين ياء وكسرة
تحذف
رفع الفاعلُ ليُفرَّق بينه وبين علة حكمية، وعلتها المطردة: المفعول به المنصوب كل فاعل مرفوع وكل مفعول
به منصوب (1/175)
صفحة 173
176
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
6 التوكيد تدخل نون التوكيد
علة حكمية، وعلتها المطردة
الخفيفة والثقيلة فعل الأمر تدخل نون التوكيد فعل الأمر
لتأكيد إيقاعه
خفيفة كانت أو ثقيلة
7 التعويض | تعويض حرف النداء علة مطردة، وصيغتها: إذا
8
بالميم في "اللهم" حذفت يا في مناداة لفظ
الجلالة عوضت بالميم
المشددة آخره
علة النظير كسر أحد الساكنين إذا علة حكمية، وأما علتها التقيا لأن السكون علامة المطردة فهي أن يقول: إذا الجزم الذي هو من التقى ساكنان كسر أحدهما
خصائص الأفعال وحدها
كما أن الجر من خصائص
الأسماء، فحُمِلَ السكون
على الجر لأنه نظيره في
المعنى إذ إن كلا منهما
يدل على تمييز ما يدخل
عليه (1/176)
صفحة 174
الفصل الخامس: التعليل
177
9
10
علة
النقيض
على
نصب اسم لا النافية علة حكمية، وعلتها المطردة للجنس على المحل حملا هي: ينصب اسم لا النافية
على اسم إنَّ التوكيدية؛ للجنس على المحل
لأنها نقيضتها في المعنى
لكون الأولى نافية والثانية
مثبتة مؤكدة
لحمل تذكير فعل الموعظة في علة مطردة، لأنها قرينة تقول: قوله عز وجل في الآية يجوز تذكير فعل المؤنث أو 275 من سورة البقرة "فَمَنْ تأنيث فعل المذكر إذا حمل جاءَهُ مَوْعِظَةٌ .... حملا لها على غير جنسه في اللفظ أو
المعنى
على الوعظ
المعنى
11 المشاكلة صرف صيغة منتهى علة مطردة، وصيغتها: يصح
الجموع "سلاسلات
صرف ما لا ينصرف إذا شاكل
لمشاكلتها "أغلالا" في غيره في جملة
سورة الإنسان الآية 4 (1/177)
صفحة 175
178
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
12 | المعادلة سَلْبُ ما لا ينصرف من علة حكمية، فإذا أردناها أن الكسرة وإعطاؤه الفتحة تكون مطردة قلنا: يجر الممنوع
بدلا منها، ثم أعطوا الجر من الصرف بالفتحة نيابة عن
حقه حين سلبوا من جمع | الكسرة
المؤنث السالم الفتحة
في حالة النصب فأعطوه
الكسرة بدلا منها، فعادلوا
بينهما
13 | المجاورة جر "خرب" في قولهم علة مطردة، وصيغتها: كل اسم جحر ضب خرب" رغم يجوز أن يُجر إذا جاور اسمًا
أنه صفة للجحر المرفوع لا مجرورًا
للضب؛ وذلك للمجاورة
14 | الوجوب رفع الفاعل
علة مطردة لأنها قرينة ترى أنه
"يجب رفع الفاعل ولا تعلل
"
ظاهرة رفع الفاعل تعليلا حقيقيا
15 | الجواز إمالة الألف بنُطقها بين علة مطردة؛ لأنها قاعدة ترى الألف والياء، وإمالة جواز إمالة الألف أو الفتحة
الفتحة إلى الكسرة (1/178)
صفحة 176
الفصل الخامس: التعليل
16 الاختصار ترخيم الاسم المنادى نحو | علة حكمية؛ لأنها تبين سبب أصاح" أي يا صاحب الترخيم الحقيقي وهو رغبة
العربي في اختصار الكلام
لحاجته إلى استجابة المنادى
في أسرع وقت، ولو أردنا
تحويلها إلى علة مطردة قلنا:
يصح ترخيم الاسم المنادى إذا انطبقت عليه شروط الترخيم
| | 17 التخفيف الإدغام نحو إدغام النون علة حكمية، وعلتها المطردة في الميم فتصيران ميما هي: يصح إدغام الحرفين
واحدة مشددة "مِمَّا المتماثلين أو المتقاربين في
تُحبون
المخرج بحيث يدرج أحدهما
في الآخر فيصيران في النطق
حرفًا واحدًا مشددًا سواء أكانا
في كلمة واحدة أم في كلمتين
18 | التغليب تغليب الذكر على الأنثى علة مطردة، لأنها قرينة تقول: نحو قوله تعالى واصفًا يُغلب الذكرُ على الأنثى في
مريم بنت عمران في الآية العربية
12 من سورة التحريم
وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ"
179 (1/179)
صفحة 177
180
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
19 الأصل صرف ما لا ينصرف علة حكمية تقول يجوز صرف
ما لا ينصرف لأن الأصل
في
الأسماء الصرف، وعلتها
المطردة هي: يجوز صرف
الممنوع من الصرف للضرورة
20 | الأولى الفاعل أولى برتبة التقديم علة مطردة، وعلتها الحكمية
من المفعول به
أن يقال: الفاعل أولى بالتقديم
من المفعول به لأنه هو الصانع
والمؤثر في المفعول به فلا
بد أن يوجد في الطبيعة قبل
المفعول به
حذف
21 علة دلالة كقولك حين ترى الهلال | علة مطردة تقول: يصح | "الهلال" أي هذا الهلال أكثر الكلمات إذا دل الحال
الحال
فحذفت المبتدأ لدلالة أو المقام عليها
المقام عليه
22 | الإشعار فتح ما قبل واو
جمع علة حكمية، وعلتها المطردة
المذكر السالم إذا كان تكتفي بالقول: كل اسم مقصور
مفرده اسمًا مقصورًا نحو جمع
جمعا مذكرًا سالمًا فتح
مُوسَوْنَ" إشعارًا بأن ما قبل واو جمعه
المحذوف ألف (1/180)
صفحة 178
الفصل الخامس: التعليل
23 | التضاد إذا أحدث أفعال القلوب | علة حكمية، وكان يكفي المتصرفة بمصدر أو في القرينة أو العلة المطردة
بضميرها وتقدمت على أن يقال: إذا تقدمت أفعال معموليها لم يصح إلغاء القلوب وأكدت بالمصدر أو
عملها؛ لأن تأكيدها مُنافٍ بضميرها لم يصح إلغاء عملها
للإلغاء، ونحو ذلك:
علِمتُ الخبر صحيحًا
علما
24 | التحليل الاستدلال بأن "كيف" علة مطردة لأنها تقول: لكل
(وهو نفسه اسم بالقول: لا تخرج صنف من الكلم علاماته التي الكلمة عن كونها اسمًا أو يعرف بها، ولو أردنا أن نجعلها
السبر
181
والتقسيم
فعلا أو حرفًا، فإذا علمنا
علة حكمية أي جوابًا لسؤال:
في رأيي) أنها ليست حرفا لإمكان لماذا تختلف أصناف الكلم إسنادها إلى المبتدأ، بعضها عن بعض؟ لقلنا: لأن وليست فعلا لمجاورتها أي كلام لا بد له من إفادة ولا الفعل بلا فاصل فما بقي تتحقق الإفادة إلا بتنوع أركان إلا أن تكون اسما؛ لأن الإسناد ليكمل بعضها معنى شُبهة كونها فعلا أو حرفا الفائدة
قد تحللت بهذا التحليل
أو السبر والتقسيم (1/181)
صفحة 179
182
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وقد أرادنا من عرض هذا الجدول ما يلي:
1 - تبلغ العلل الحكمية أربع عشرة علة، والمطردة عشر علل، الأمر الذي يدفعنا إلى رد كلام الجليس في اعتبارها جُمع عللا مطردة.
2 - التقسيمات الخمس الماضية للعلل هي تقسيمات عامة لأنها لا بد أن تشمل أية علة، في حين نجد بعض التقسيمات خاصة كما رأينا في الجدول؛ العلة نحو تقسيم من حيث الخفة والثقل إلى علة تخفيف وعلة استثقال فهذا التقسيم لا يعني أن العلة إما أن تكون للتخفيف أو الاستثقال، ومثال آخر للتقسيمات الخاصة تقسيم العلل إلى لفظية ومعنوية، فهو تقسيم خاص بالقرائن دون غيرها من العلل الحقيقية.
3 - يمكننا أن نستنبط من الجدول تقسيما عامًا للعلل؛ وهو تقسيمها من حيث إمكان قبولها إلى:
- علل يقينية نقطع بثبوتها، وهي تشمل جميع العلل الأولى التعليمية، وكذلك بعض العلل الثواني القياسية إن وردت سماعا عن العرب، ومن هذه
1 - جاء في الخصائص لابن جني ج 1 ص 109 باب في مقاييس العربية: أحدها معنوي والآخر لفظي، وهذان الضربان وإن عما وفشوا في هذه اللغة؛ فإن أقواها وأوسعها هو القياس المعنوي، ألا ترى أن الأسباب المانعة من الصرف تسعة واحد منها لفظي، وهو شبه الفعل لفظا، ... والثمانية الباقية كلها معنوية كالتعريف والوصف والعدل والتأنيث ... )) والملاحظ أن ابن جني يصف هذه القرائن بأنها مقاييس مرة وأسباب مرة أخرى، وذلك ربما راجع إلى أن القرائن يُتَعَرَّفُ بها حكم المقاييس أي القواعد فكأنها جزء من القواعد، فوصفت القواعد بأنها معنوية ولفظية حملا على جزئها. 2 - يمكننا أن نجد الكثير من العلل المسموعة عن العرب في حديث ابن جني في الخصائص ج 1 في "باب أن العرب أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها"، ومن ذلك أن عمارة بن عقيل قرأ {ولا الليل سابقُ النهارَ} فقيل له: لم لم تقل {ولا الليل سابق النهار؟ فقال: لو قلته لكان أنقل
في النفس. (1/182)
صفحة 180
الفصل الخامس: التعليل
183
العلل التي وردت في الجدول علة الوجوب وعلة الجواز، وعلة التغليب وعلة المشاكلة دلالة، الحال الحمل على المعنى.
- علل ظنية يرجحها الحس والذوق والسليقة العربية والعقل البشري؛ ولكننا في النهاية لا نجزم بصدقها وصحتها، ومنها في الجدول: الاستثقال، المجاورة، الاختصار التخفيف الأولى الإشعار، التعويض، التضاد، التحليل. - علل شكّية: يقف عندها المرء فلا يرجح صحتها ولا بطلانها لأنها لم تؤيد بالدليل الذي يقويها ويصدقها أو حتى يرجحها، ومثالها: التوكيد، الأصل. - علل واهية يصعب تقبلها لدى الحس والعقل، ومنها في الجدول: علة التشبيه، وعلة الاستغناء النظير، والنقيض، المعادلة الفرق.
وأنبه على أن تقسيم العلل إلى يقينية وظنية وشكية وواهية لا يعني أن تظل كل أمثلتها تبعا لها دوما، ولفهم ذلك أقول إن علة الاستثقال مثلا ليست علة ظنية إلى الأبد؛ بل تصنيفها إلى ظنية أو يقينية أو واهية يعتمد على المثال الذي تقدمه، فإن كان مثالها مما سمع عن العرب فهي علة استثقال يقينية، وإن كان من ترجيح النحاة كما في المثال الذي قدمه الجليس النحوي وهو استثقال واو "يَعِدُ فهو علة استثقال ظنية، وإن كان مثالاً لا ترجيح فيها كانت علة الاستثقال شكية، وإن كان مثالاً أضعف مما قدمه الجليس ولا يستسيغه الحس العربي فهو علة استثقال واهية.
4 - كذلك يمكن أن نستنبط تقسيما آخر عاما، وهو تقسيم العلل من حيث مصدرها: (1/183)
صفحة 181
184
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
- علل سمعت عن العرب كالعلل الأولى التعليمية كعلة الوجوب وعلة
الجواز، وجميع هذه العلل يمكن تسميتها بعلة السماع.
- علل من صناعة النحاة وهي أغلب العلل القياسية كعلة التشبيه وعلة الاستغناء وعلة الاستثقال.
5 - الجدول السابق يجمع بين زوايا مختلفة في تقسيم العلل؛ وهي زوايا عامة وبعضها خاصة، وبعض علل الجدول لا رابط لها العلل الأخرى مع
كعلة الاختصار.
6 - يمكن لأي نحوي أن يعلل أية ظاهرة لغوية تعليلًا حقيقيا بذكر السبب الذي جعل واضعها يضعها على النحو الذي وصلنا، لأجل هذا لا ينبغي أن يقول أحد النحاة إن بعض الظواهر جاءتنا عن العرب ولا نعرف لها علة حقيقية، وإنما عليه أن يقول إن جميع الظواهر النحوية علل سماعية أي تعليمية، فإذا
عللت فهو تعليل حقيقي يبحث عن سر ظهورها بالكيفية التي عليها. وعلى هذا الأساس فإن قول الجليس النحوي في المثال الذي قدمه لعلة السماع: "لا يقال رجل أثدى كما قيل للمرأة ثدياء لأنه هكذا ورد عن العرب»؛ لم يقصد به أن يكون تعليلا حقيقيا للظاهرة؛ بل هو تسليم بما ورد
عن العرب وسكوت عن سر الظاهرة؛ ولهذا سمّى الجليس هذا السكوت علة سماع؛ أي إنه علة لا تضيف جديدا إلى فهم الظاهرة وبيان سرها بل هو مجرد ذكر لما جاء في السماع.
ودليل ذلك أن بعض اللغويين ذكر علة حقيقية لعدم وصف الرجل بأنه
: (1/184)
صفحة 182
الفصل الخامس: التعليل
185
«أَثْدَى" بقوله: (( ... وامرأةٌ ثَدْياءُ: عظيمة الثديين، وهي فغلاء لا أفعل لها؛
أن
جميع
لأن هذا لا يكون في الرجال، ولا يقال رجل أثدى)). 7 - كنا قد علمنا أن السبر والتقسيم من أدلة النحو العقلية، وقد أدرجه الجليس الدينوري هنا كعلة من العلل الأربع والعشرين، وهذا لا يعني أنه علة حقيقية لظاهرة لغوية بل هو علة لاصطلاح نحوي، وهذا يجعلنا نفهم أدلة النحو يمكن أن تصلح عللا حقيقية تفسر سبب وضع النحاة مصطلحاتهم وقواعدهم على هذه الصورة التي وصلتنا. 8 - علة دلالة الحال التي ساقها الجليس الدينوري هي قرينة المقام التي تحدثنا عنها في تعريف العلة الاصطلاحي، وهذا يؤكد ما قلناه من أن العلل التي بمعنى القرائن لا تخرج عن كونها قرائن مقالية لفظية وسماعية وقرائن مقامية. ونود في ختام الحديث عن أقسام العلل ذكر أمرين:
همهم
1 - أن أنبه على أن النحاة القدماء اهتموا في الغالب بتصنيف العلل تصنيفات عامة غير مفصلة، فلا نجد لهم تصنيفا مفصلا للعلل الحقيقية ولا للقرائن، وإنما ظفرنا منهم بعلل الجليس الدينوري فقط، فقد كان في مؤلفاتهم عن العلل أن يعلل كل حكم نحوي دون تجريد تعليلاتهم إلا قليلا. ولذا سيكون التفصيل في أنواع العلل الحقيقية وأنواع القرائن عندما نتعرض لأبحاث المحدثين في هذا المجال.
2 - أود أن أسرد الجدول التالي مبينا فيه المصطلحات المتنوعة التي استخدمها النحاة القدماء في تقسيم العلل؛ ليكون مختصرًا معينا على فهم
1 - ابن منظور، لسان العرب - مادة " ثدي باب الياء فصل الثاء. (1/185)
صفحة 183
186
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
العلاقة بين الأقسام رغم اختلاف المصطلحات، ولكي يكون دليلا قويًا على أن العلة لا تخرج في أصنافها عما ذكرناه؛ مع ملاحظة أن التقسيم يراعي أيضًا أسبقية النحاة زمنا في كل أساس للتقسيم:
أساس التقسيم كيفية التقسيم صاحب التقسيم من حيث كون العلة مؤدية إلى كلام ابن السراج ت 311 هـ
حقيقية أو تجوزية غير العرب - علة العلة
حقيقية
علة أولى - علة ثانية ابن السراج ت 311ھ
موجبة وغير الزجاجي ت 337 هـ
موجبة
تعليمية - قياسية - الزجاجي ت 337 ه
جدلية
موجبة برهانية - ابن جني ت 392ھ
غير موجبة
مطردة - حكمية | الجليس ت بعد 583 ه
أولى - ثانية - ثالثة ابن مضاء ت 595ھ
كونها مطردة في بابها أو متعدية - غير ابن جني ت 392ھ
غير مطردة كونها مخيرة للحكم أو
متعلية
سبب - علة
ابن جني ت 392ھ
ملزمة به
كونها على مرحلة أو أكثر بسيطة - مركبة السيوطي ت 911 هـ (1/186)
صفحة 184
الفصل الخامس: التعليل
187
المبحث الرابع: نشأة التعليل وتطور التأليف فيه
كنت قد سردت تاريخ نشأة التأليف في أصول النحو في حاشية حديثي عن أدلة النحو في الفصل الثاني من الباب الأول، فذكرت فيه بعضا من كتب الأصول، وعندما تحدثت عن أنواع الحمل حاولت أن أذكر أقدم صور الحمل. كل ذلك لأن تاريخ التعليل مرتبط بموضوع أصول النحو وأنواع القياس، وبقي هنا أن أذكر الكتب التي حملت موضوع التعليل بصفة تخصصية، وهي كتب لا تخرج عن كونها كتبا في التعليل الحقيقي أو التعليل المباشر (العوامل)، إضافة إلى ذكر النحاة الذين ساهموا في تطور العلة، ولا يتسع المجال لذكر الكتب القديمة التي لا تخلو من الحديث عن العلة بكثرة إلا أنها لا تتخصص فيها وحدها ككتب الخلاف التي تهتم بتعليل المسائل
الخلافية؛ لكنه اهتمام مشتت يقتصر على التطبيق فلا ينفعنا كثيرًا. من أقدم النحاة الذين نسب إليهم التعليل وإن لم يؤلفوا فيه- عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري (ت 117 هـ) إذ قيل إنه ((أول بعج النحو ومد القياس والعلل))، ((ويقال إنه أول من علل النحو)) ((وهو أول من نقح النحو ومد القياس وشرح العلل، وكل هذه الجمل نكرات لا تفيدنا العلم
1 - ابن سلام طبقات الشعراء، ص 47. 2 - الأنباري، نزهة الألباء، ص 27. 3 - الفيروزآبادي، البلغة، ص 119. (1/187)
صفحة 185
188
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
بنوع التعليل الذي مارسه الحضرمي، إلا أن ما وصلنا من توجيهاته النحوية المتناثرة في كتب تراجم النحاة والطبقات ومعاني القرآن وغيرها- قد يدلنا على أن تعليله يعني مجرد توضيح العلل الأولى أي القرائن التي توجه السياق إلى توجيه معين يحتاج إلى مسوّغ مثاله ما جاء عنه أنه قرأ: (( ... ] صاد [بالكسر والتنوين على القسم كما تقول: الله لأفعلن؛ على إعمال حرف الجر وهو محذوف لكثرة الحذف في باب القسم ... )). ثم جاء عيسى بن عمر الثقفي البصري 84 - 149 هـ) فزعم بعضهم أنه ألف كتابين في النحو، أحدهما الإكمال والآخر الجامع، وأن أحدهما كان كالإشارة إلى الأصول، ولا نرى أن هذين الكتابين قد اشتملا على شيء من التعليل ولا حتى أصول النحو أي أدلتها؛ لسببين:
1 - يشكك بعض النحاة والمؤرخين في وجود هذين الكتابين، فقد جاء في الفهرست بعد الحديث عن الكتابين: (( ... ) وقد فقد الناس هذين الكتابين مُذُ المدة الطويلة، ولم تقع إلى أحد علمناه، ولا خبر أحد أنه رآهما ... )). ومن قبله جاء في أخبار النحويين والبصريين .... وهذان الكتابان ما وقعا إلينا ولا رأيت أحدًا يذكر أنه (آهما وذكر هذا أيضًا أبو البركات الأنباري (513 - 577 هـ) في نزهة الألباء.
1 - القيسي: أبو محمد مكي بن أبي طالب (355) - 437)، مشكل إعراب القرآن، ط 4، حاتم صالح الضامن، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1988 م، القسم الأول ص 662.
2 - ذكر ذلك أبو الطيب اللغوي في مراتب النحويين ص 46.
3 - ابن النديم الفهرست، ص 64.
-
4 - السيرافي: أبو سعيد الحسن بن عبد الله البغدادي (284) - 368 هـ)، أخبار النحويين البصريين، تحقيق: مجموعة القاهرة، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1372 هـ / 1955 م، ص 25. 5 - انظر في ص 29 - 30 من نزهة الألباء للأنباري. (1/188)
صفحة 186
الفصل الخامس: التعليل
189
2 - لم تكن أصول النحو وأدلته قد اكتملت صورتها الكاملة، ولا اتفق على مصطلحاتها ولا أنواعها فلا نعرف كتابًا موجودًا الآن قبل كتاب الخصائص عالج أدلة النحو المعروفة.
ثم رأينا ظهور أول كتاب في التعليل في وقت مبكر، وأول كتاب في نقد التعليل، وكلا الكتابين وهما (علل النحو) و (نقض علل النحو) - لأبي علي الحسن بن عبد الله الأصفهاني وهو في طبقة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (ت 150 هـ)، وإذا كان لهذين الكتابين اللذين تفرد بهما ابن النديم- وجود في السابق؛ فإننا نتوقع أن تأليفهما حدث في أواخر القرن الثاني أو بداية القرن الثالث الهجري؛ أي بعد اكتمال نظرية الخليل بن أحمد (100 - 175 هـ)؛ وتأليف كتاب سيبويه (148 - 180 هـ)؛ اللذين ساعدا على نشوء أنواع من الحمل النظري غير المعهود عند المتحدثين بفطرتهم من العرب؛ كالحمل الإلحاقي؛ وقياس العلة؛ وقياس الشبه؛ وحمل النظير على نظيره في اللفظ والمعنى، إلى غير ذلك مما ذكرته في أنواع الحمل، وسبب توقعي ذلك أن نشوء تلك الأنواع من الحمل لازمه نشوء علل غريبة؛ لأن أي حمل يرتبط بعلة تربط
1 - ذكره ابن النديم في الفهرست ص 109 ضمن العلماء النحويين واللغويين الذين خلطوا بين مذهب البصرة ومذهب الكوفة؛ لكنه لم يحدد ولادته ولا وفاته وأما ياقوت الحموي في معجم البلدان مج 2 ص 502 - 503 فيذكر أنه يلقب بلغدة أو لكذة، وأنه أخذ عن الكرماني صاحب الأخفش، ولعله قصد بالأخفش: الأخفش الصغير أبا الحسن علي بن سليمان الذي ذكره السيوطي في المزهر ج 2 ص 454 وقال إنه توفي سنة 315 هـ، وذكر جملة من الذين لقبوا بالأخفش وعددهم 11 نحويًا. 2 - يعد الإمام أبو حنيفة من الطبقة السادسة من المحدثين الكوفيين، وكان ممن نزل ببغداد ومات بها سنة 150ھ / انظر في كتاب الطبقات لأبي عمرو خليفة بن خياط العصفري (ت 240 هـ)، تحقيق: أكرم ضياء العمري، جامعة بغداد، ص 167، 327 جزء من رسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي نوقشت في جامعة بغداد في نيسان 1966 م وفي تشرين الثاني 1966 م (1/189)
صفحة 187
190
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
بين المحمول والمحول عليه، ولعل هذا هو الذي أدى الهجوم على علل النحو من قبل الحسن الأصفهاني؛ إضافة إلى ذلك فقد عرفنا عن الخليل أنه كان أذكى العرب ((والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله)). وربما كان لكثرة اهتمامه بالعلل؛ وتعجب أهل أوانه مما يُخَرّجه من مسائل التعليل؛ أثر في استفسار بعض الشيوخ في عصره عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: "عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ " فقال: "إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله - وإن لم ينقل ذلك عنها - واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست وإن تكن هناك علة له فمَثَلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارًا محكمة البناء؛ عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، وكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: (إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا، وكذا، ولسبب كذا وكذا)، سنحت له وخطرت بباله، محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجاز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها)).
وفي كلام الخليل بن أحمد حكمة بالغة، وكان على من بعده أن يأخذ بها، وهي أن تعليل أي مجتهد يمكن أن يقبل أو يطرح بحسب قوته ودليله،
1 - الأنباري، نزهة الألباء، ص 45.
2 - أبو القاسم الزجاجي، الإيضاح، ص 65 - 66. (1/190)
صفحة 188
الفصل الخامس: التعليل
191
وهو أمر يدعو إلى إحياء النقد الموضوعي الهادف المؤيد بالحجة والبرهان؛ البعيد عن السباب والتجريح، وبعد عهد الخليل كثر الاهتمام بالتعليل، بل أصبح هناك من يتخصص فيه أو يشتهر به، فوجدنا رجلا مثل يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت 205 هـ) الذي يرجع نسبه إلى عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (29 - 117 هـ) يعد ((أعلم من أدركنا ورأينا بالحروف، والاختلاف في القرآن وتعليله ومذاهبه)).
ويأتي أبو علي محمد بن المستنير المعتزل البصري (ت 206 هـ) المشهور بقطرب فيضع كتاب العلل في النحو.
وكان للعوامل التي هي نوع من التعليل- نصيب في التأليف؛ حين سبق الكوفيون إليها فألف فيها لأول مرة أبو طالب المكفوف صاحب الكسائي كتابًا في حدود العوامل والأفعال واختلاف معانيها، ثم أعقبه أبو عبدالله هشام بن معاوية الضرير (ت 209 هـ) صاحب الكسائي أيضًا فألف كتاب العوامل.
1 - الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، ص 54. 2 - أول من ذكره ابن النديم (ت آخر القرن (4 هـ) في الفهرست ص 76، ثم نقل عنه من جاء بعده كالأنباري (513) - 577 هـ) في نزهة الألباء ص 37؛ وكأبي العباس أحمد بن محمد ابن خلكان (608 - 681 هـ) في وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، مج 4 ص 312، ثم خليل بن أيبك الصفدي (696 - 764 هـ) في الوافي بالوفيات تحقيق مجموعة، ط 2، فيسبادن، دار النشر: فرانز شتايز، 1389ھ / 1970 م، ج 5 ص 19، ثم السيوطي (849 - 911 هـ) في البغية ج 1 ص 242، ثم أبي الفرح عبد الحي بن العماد الحنبلي (ت 1089 هـ) في شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج 2 ص 16.
-
:
3 - هذا ما ذكره الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين ص 135، وأما أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (ت 646 هـ) في إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، 4 ج، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 4 ص 124 فذكر أن اسم كتابه هو " الحروف العوامل والأفعال
واختلاف معانيها".
-4 - انظر في البلغة للفيروزآبادي ص 236. (1/191)
صفحة 189
192
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
وعلى الرغم من أن الكوفيين أسبق من البصريين في تخصيص كتب للعامل؛ فإن فرضية العامل نفسها من فكرة البصريين، إذ إننا نجد في أول كتاب سيبويه (148) - 181 هـ) قوله في تجريد هذه النظرية: ((هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية، وهي تجري على ثمانية مجارٍ: على النصب، والجر، والرفع، والجزم والفتح والضم والكسر، والوقف ... وإنما ذكرت لك ثمانية مجار لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدث فيه (ما العامل، وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه وبين ما يُبنى عليه الحرف بناءً لا يزول عنه) لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها
ضرب من اللفظ في الحرف وذلك الحرف حرف الإعراب ... )). ويمر الزمن وتتوالى المصنفات المعللة ويتوالى الاهتمام بها، فهذا أبو عثمان بكر بن محمد بن بقية المازني البصري (ت 249 هـ) له كتاب ((علل النحو)) وهذا أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي الثمالي المعروف بالمبرد (210 285ھ) يحرص في كتابه "المُقْتَضَب على تعليل مسائل النحو وكأن العلة شغله الشاغل وكأن الأحكام بدونها قليلة الجدوى عنده فنراه في باب الإمالة يقول: ((وليس كل ألف تمال لعلة إلا نحن ذاكروها إن شاء الله)).
1 - سيبويه، الكتاب، ج 1 ص 13.
2 - انظر في بغية الوعاة للسيوطي ج 1 ص 465.
3 - ترجمته في أخبار النحويين البصريين للسيرافي ص 72 - 80.
4 - جمعة المبروك عون المبرد: حياته وآثاره ومنهجه من خلال كتابه المقتضب، بيروت، معهد الإنماء
العربي، 1988 م، ص 285. 5 - المبرد: أبو العباس محمد بن يزيد (ت 285 هـ)، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، القاهرة، عالم
الكتب، ج 3 ص 42. (1/192)
صفحة 190
الفصل الخامس: التعليل
193
ثم توسع في العلل أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم المعروف بابن كيسان (ت 299 هـ) فألف ((كتاب المختار في علل النحو ثلات مجلدات أو أكثر))، وقد كثر التعليل في القرن الرابع الهجري حتى إن أبا القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (ت 340 هـ) مُصَنِّف "الإيضاح في علل النحو“ -وهو أول كتاب يقسم العلل النحوية ويجردها- ذكر أن كتابه لم يُحص كل العلل؛ بل انتقى منها ما فيه كفاية ثم جاء أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الجزري (ت 340 هـ)؛ فصنف الإغراب في ضبط عوامل الإعراب.
وظلت كتب العلل رائجة تفوق كتب نقض العلل ونحن نجد من مؤلفاتها الشيء الكثير، فمن ألف فيها أيضا هارون بن الحائك الضرير الكوفي فقد صنف (العلل في النحو)، ولأبي بكر محمد بن علي العسكري البصري المعروف بمبرمان (ت 345 هـ كتاب المجموع على العلل. وقد ظهر في القرن الرابع الهجري كتاب أسرار النحو) لعبدالله بن جعفر بن درستويه
1 - ياقوت، معجم الأدباء ص 109، وأما السيوطي في بغية الوعاة ج 1 ص 19 فقد ذكره باسم "علل النحو". 2 - انظر ص 39 من الإيضاح للزجاجي. 3 - ذكر الكتاب السيوطي في البغية ج 1 ص 406، وأما وفات أبي إسحاق المروزي فقد ذكرها الشيرازي في طبقات الفقهاء، تحقيق: إحسان عباس، ط 2، بيروت، دار الرائد العربي 1401ھ / 1981 م، ص 112. 4 - هو من أصحاب ثعلب (200 - 291 هـ)، وقد ذكره ابن النديم في الفهرست ص 101 باسم هارون بن الحائل، والصواب أن أباه هو الحائك كما تذكر أكثر التراجم كمعجم الأدباء لياقوت مج 5 ص 579، والسيوطي في بغية الوعاة ج 2 ص 319. - انظر ترجمته في معجم الأدباء لياقوت مج 5 ص 377 - 379، وأما الفيروزآبادي في البلغة فيذكر أن - اسم کتابه هو "علل النحو".
مج 5 ص 94، أما ابن النديم فقد ذكره باسم "المختار" فقط في الفهرست (1/193)
صفحة 191
194
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الفارسي الفسوي (ت 347 هـ)، والراجح أنه من كتب العلل؛ لأن عنوانه يدل على ذلك؛ ولأنا نجد نظيره في التسمية كتاب "أسرار العربية" وقد قصد به صاحبه أبو البركات الأنباري (513) - 577 هـ) أن يكون من كتب التعليل كما يظهر من فاتحة الكتاب ومضمونه التطبيقي.
ومن
ولم نزل في القرن الرابع الهجري حتى وجدنا اتجاها جديدًا في التعليل النحوي يتجه إلى القراءات القرآنية، فيقوم بتعليل قراءاتها الغريبة وتفسير مشكلها بانتقاء الآيات والألفاظ الملفتة إلى قضايا نحوية وصرفية خلافية، هذه الكتب في القديم ما صنفه أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي (382 - 370 هـ)، وفي أواخر ذلك القرن تكثف التأليف؛ فقد شهدنا أبا علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي (ت 377 هـ) مؤلف "مختصر عوامل الإعراب، ثم أبا الحسن محمد بن عبد الله البغدادي المعروف بابن الوراق (ت 381 هـ) مُصَنِّف "علل النحو وهو كتاب مطبوع، ثم أبا القاسم
40
سعيد بن سعيد الفارقي (ت 391 هـ) مؤلّف تقسيمات العوامل وعللها في
النحو
•
Su
1 - انظر ترجمته من إشارة التعيين لليماني ص 162، وفي تاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، ط 2، المدينة المنورة، المكتبة السلفية، ج 9 ص 428 - 429، وفي البداية والنهاية لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (ت 774 هـ)، دار الفكر العربي، 1967 م، مج 6
ج 11 ص 233.
2 - انظر ترجمته في البلغة للفيروزآبادي ص 186، وإشارة التعيين لليماني ص 294. 3 - راجع معجم الأدباء ج 2 ص 413، 414، 417.
4 - ترجمته في البلغة للفيروزآبادي ص 200.
5 - ذكر الكتاب والوفاة معجم الأدباء لياقوت مج 3 ص 378، وفي الوافي بالوفيات ج 1 ص 223 أن أبا القاسم عبد العزيز بن محمد الشيرازي قرأه على الفارقي في سنة 377 هـ. (1/194)
صفحة 192
الفصل الخامس: التعليل
195
ومن أعيان القرن الرابع رجال اشتغلوا بالتعليل وذكرهم الفهرست ولم يستقص تاريخ بدايتهم ولا نهايتهم؛ لذا وضعهم في باب "أسماء قوم من جماعة بلدان لا تعرف أسماؤهم وأخبارهم على استقصاء" وهم: 1 - أبو العباس أحمد بن محمد المهلبي المصري: له "شرح علل النحو.
ألا
2 - إسماعيل بن محمد القمي: له كتاب "العلل".
3 - علي بن محمد بن عبدوس الكوفي: له "البرهان في علل النحو “
•
8 u
ويأبى القرن الرابع الهجري إلا أن يختم أعيانه برجل من أشهر النحاة؛ وهو أبو الفتح عثمان بن جني الرومي الأصل الموصلي النشأة، واضع "الخصائص" وقد أبقاه الدهر ليكون أقدم كتاب عالج بصورة تنظيرية وتجريدية- مباحث كثيرة من أصول النحو والقياس والتعليل، ففي الجزء الأول من كتابه على سبيل المثال تحدث ص 88 عن انقسام العلة إلى قسمين: نوع لا تطيق النفس غيره ونوع مستكره للنفس وإن تحملته، وفي ص 109 - 110 ذكر العامل اللفظي والعامل المعنوي، ثم أجاز أن يُعلل الحكم الواحد بعلتين ص 157، واشترط ص 169 اطراد العلة، وفي ص 173 - 174 رفض علة العلة (أو العلة الجدلية).
وفضلا على الخصائص يوجد لابن جني رسالة صغيرة مطبوعة سماها علل التثنية، ذكر فيها أسباب زيادة ألف التأنيث، واختلاف النحاة في
6 - راجع الفهرست ص 113.
7 - نفسه ص 113.
8 - نفسه ص 114.
و - طبعتها مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة، ط 1413/ 1992 م بتحقيق صبيح التميمي في 104 صفحات. (1/195)
صفحة 193
196
أصول النحو .... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
إعرابها وتحديد علاقتها ببنية المثنى وأسباب اختيارها من قبل العرب كحرف للمثنى دون غيرها، إضافة إلى قضايا تتعلق بالتأنيث؛ كحالات ألف
التأنيث وإمكان تشديد نون المثنى، وحركة نوني الجمع والتثنية .. إلخ. ويأتي القرن الخامس الهجري فيطالعنا أول ما يطالعنا كتاب تعليل القراءات السبع لأحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي المغربي، وكان في الأندلس في حدود الثلاثين والأربعمائة، وشهد النصف الأول من هذا القرن حدثا جللا؛ ألا وهو ظهور الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد الفارسي الأندلسي المعروف بابن حزم (383) - (456)، وهو فقيه مال (( ... أولا النظرُ به في الفقه إلى رأي. محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله - وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب سواه، حتى وُسم به ونُسب إليه؛ فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ، ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن علي ومن تبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه
وجادل عنه.
1 - ذكر ذلك القفطي في إنباه الرواة ج 1 ص 91 - 92.
3
أحمد
2 - هكذا جاء نسبه وزمانه في معجم الأدباء لياقوت مج 3 ص 546 - 547. 3 - هو إمام الشافعية أبو عبد الله القرشي المطلبي، قرأ على الإمام مالك كتابه الموطأ، وهو صاحب بن محمد بن حنبل، له كتاب الرسالة الذي يعد أقدم كتب أصول الفقه المتبقية = انظر في: طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي، ص 71 - 73. 4 - هو أبو سليمان داود بن علي بن سليمان الأصفهاني (202) - 207 هـ)، أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور، كان من المتعصبين للشافعي حتى إنه صنف كتابين في فضائله، ذُكِرَ من فقهاء الشافعية ببغداد وإن كان مولده بالكوفة، وانتهت أيامه بأن دعا إلى مذهب الظاهرية، وهي فكرة تدعو إلى نفي القياس والتعليل؛ والاقتصار في استنباط الأحكام على الكتاب المبارك والسنة العزيزة = انظر في ترجمته طبقات الفقهاء للشيرازي ص 92، ومعجم الأدباء لياقوت مج 3 ص 548.
- ياقوت، معجم الأدباء، مج 3 ص 552.
ص 548. (1/196)
صفحة 194
الفصل الخامس: التعليل
197
والفرق بين مذهب الظاهرية ومذهب القَيَّاسِينَ؛ أن أهل الظاهر يقتصرون في استخراج الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية على القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ في حين يرى أهل القياس - وهم أكثر المذاهب الإسلامية أن كثيرًا من المسائل لا يمكن استخراجها إلا بالقياس وأن القياس الذي يستخدمونه لا يُضيف أحكامًا وضعية خارجة عن نطاق الشرع؛ بل هو قياس يقوم بإلحاق
الأمثلة ببابها. ولنضرب مثالاً واحدًا ليتضح الفارق بين المنهجين: نهى الشارع الكريم عن قول (أُف) للوالدين فقال عز من قائل: [فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ ولا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا] [الإسراء من الآية 23].
فهل يجوز ضرب الوالدين إذا لم يَرِدُ نص تحريمه في الذكر الحكيم ولا في الحديث الشريف؟! الجواب: أما أهل القياس فسيُحَرِّمون ضرب الولد والديه وإن لم يرد فيه نص- لأنهم سيقيسون الضرب الذي لم يرد فيه نص على (أف) الوارد فيه نص؛ لأنه إن كان قول (أف) لهما محرمًا فمن باب أولى أن يحرم ضربهما، وهذا ما يسمى بقياس الأولى على غير الأولى.
وأما أهل الظاهر فسيقولون إن تحريم ضرب الوالدين ثابت في الكتاب العزيز ولا داعي إلى القياس، وذلك لأن الله عز وجل قال: ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) [الإسراء من الآية 23]، والإحسان هو كل قول أو عمل صالح حسن، فالضرب يتنافى مع الإحسان الذي أمر الله تعالى به. (1/197)
صفحة 195
198
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وهكذا ترى أن أهل الظاهر يحاولون في المسائل التي ليس لها أدلة نصية صريحة مباشرة - أن يخضعوها لمقاصد الشريعة العامة، والأحكام الكلية التي يمكن أن تدخل فيها كثير من القضايا والمسائل، وفي مذهبهم الله هذا زَيْن وشَيْن، فأما الزَّيْن فحاصل في الدعوة إلى التمسك بكتاب والسنة المكرمة؛ واستنطاقهما قبل الخوض في اجتهاد يصيب أو يخطئ، وأما الشَّيْنُ فحاصل في تكلف استخراج الأدلة الفقهية لكل مسألة؛ وهَجرِ القياس؛ رغم أن القياس ليس ابتداع أحكام جديدة بل هو إلحاق الأمثلة التي لم يرد فيها نص بالمثال النظير لها الوارد فيه نص شرعي، وهذا الإلحاق أمر شرعي واجب، وبهذا يكون القياس أيسر وأقرب إلى الوصول إلى الحكم من تكلف البحث عن الأدلة النصية الخفية أو العامة.
وعلى العموم فإن ثقافة ابن حزم الظاهرية خلفت وراءها موجة من المؤلفات المهاجمة للقياس والتعليل الفقهيَّين والمهتمة بالظاهرية، فمن كتبه:
-
1 - مقاصد الشريعة هي الأهداف والغايات التي قصد إليها المولى عز وجل حين أنزل الأحكام الشرعية؛ سواء أكانت في القرآن المقدس أم السنة العظيمة، والمقاصد تتمثل في جلب المنفعة ودفع المفسدة، وعلى الرغم من أنها أمور غيبية إذ لا يعلم أحد قصد المُشرع الحكيم؛ فإن العلماء قد توصلوا إلى مقاصده الحكيمة من خلال الأدلة النقلية؛ كقوله عز وجل (وَمَا أَرْسَلْناكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، ثم من خلال استقرائهم أغلب الأحكام الشرعية إذ وجدوا أنها جاءت على الظن الغالب لهذه المقاصد، وينبغي لفهم معنى المقاصد أن نفرق بين ثلاثة أمور تلازم أي حكم شرعي وهي: أعلة الحكم وهي الوصف الذي صرح به المشرع الكريم أو أشار إليه ليكون هو العلامة التي إذا وجدت وُجد الحكم معها. ب-حكمة التشريع التي هي الفائدة التي يستفيدها الإنسان من تطبيق الحكم سواء أكانت هذه الفائدة هي التي الشارع العزيز أم لا. ج- مقصد التشريع وهو الهدف الذي أراد المشرع العزيز، وأهم المقاصد التشريعية حفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وجلب المنفعة لهذه الأشياء ودفع الضرر عنها= راجع: أصول الفقه الإسلامي للزحيلي ج 2 ص 1017، 1018، ونحن حين نذكر هذه الأنواع من العلل الفقهية نتذكر بأن النحاة فرقوا بين العلة الحقيقية والعلة غير الحقيقية متأثرين بتفرقة الفقهاء بين مقصد التشريع والسبب الفقهي.
قصدها (1/198)
صفحة 196
الفصل الخامس: التعليل
199
- "التلخيص والتخليص في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها
من الكتاب ولا الحديث.
- كشف الإلباس ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس.
- النكت الموجزة في إبطال القياس والتعليل والرأي. - القواعد في المسائل المجردة على طريقة أصحاب الظاهر" نحو ثلاثة
آلاف ورقة.
ولأجل مهاجمة العلماء ابن حزم ظل المنهج القديم سائدا، وظل النحاة يؤلفون في القياس والتعليل على طريقة أسلافهم، فها هو أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير القهندري النيسابوري يصنف في العلل، فمن كتبه كتابه الكبير في علل القراءة المرتبة في كتاب الغاية "، ثم تلاه أبو الحسن ثابت بن أسلم الحنفي الشيعي (ت في حدود 460 هـ) مصنفا كتابًا في
1 - ياقوت، معجم الأدباء مج 3 ص 554.
2 - نفسه، وفي االبلغة للفيروزآبادي ص 147: الإعراب عن كشف الالتباس الموجود في مذاهب
أصحاب الرأي والقياس".
3 - الفيروزآبادي، البلغة، ص 147.
4 - نفسه، ومن كتب ابن حزم أيضًا في ذلك على ما ذكر الفيروزآبادي في البلغة ص 147 كتاب "الرد على الطحاوي في الاستحسان".
5 - جاء في معجم الأدباء مج 3 ص 552 في الحديث عن ابن حزم .... وكان يحمل علمه هذا، ويجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه؛ وبذل بأسراره واستناد ... فنفّر عنه القلوب وتوقع به الندوب؛ حتى استهدف إلى فقهاء وقته، فمالوا على بغضه وردّ أقواله فأجمعوا على تضليله؛ وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه ..... إلخ. 6 - ذكر نسبه السيوطي في بغية الوعاة ج 2 ص 186، إلا أنه لم يذكر زمانه، لكن ياقوتا ذكر في معجم الأدباء مج 3 ص 560 أنه شيخ أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي الذي توفي سنة 468 هـ. 7 - ذكر الكتاب ياقوت في معجم الأدباء مج 3 ص 560. (1/199)
صفحة 197
200
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
تعليل قراءة عاصم، وفي هذا القرن كذلك الإمام العلم المشهور عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الفارسي الأصل (ت 471 هـ)؛ وقد جمع العوامل اللفظية والمعنوية وعددها في كتابه: ”العوامل المائة، وساهم مساهمته الكبيرة بكتابيه "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز في العناية بقرائن أخرى غير العامل كالمقام؛ والعناية بالمعنى وأبواب الجمل، ((ولقد كانت مبادرة العلامة عبد القاهر رحمه الله بدراسة النظم وما يتصل به من بناء وترتيب وتعليق من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية قيمة في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق أو التركيب)).
"
ومن بعد عوامل الجرجاني برز كتاب العوامل والهوامل في الحروف خاصة لأبي الحسن علي بن فضال المجاشعي (ت 479 هـ). ويبدو أن صناعة العوامل طغت في أواخر القرن الخامس الهجري، فممن ألف فيها أيضًا: أبو نصر حسن بن أسد الفراقي (ت 487 هـ) صاحب ”العوامل“ وقد اتهم وضعه ناقلا كلام ابن جني على الحروف في سر الصناعة، ثم يقحم
بأنه
1 - انظر ترجمته في بغية السيوطي ج 1 ص 480. 2 - انظر في إشارة التعيين لليماني ص 188 - 189. 3 - ذكر الكتاب السيوطي في بغية الوعاة ج 2 ص 106، وقد شرحه خالد بن عبد الله بن أبي بكر الأزهري الجرجاوي (ت 905 هـ) باسم "العوامل المائة النحوية في أصول العربية"، ونشرته دار المعارف في القاهرة ط 1: 1983 م بتحقيق البدراوي زهران، وللجرجاني كتابان آخران في العوامل أحدهما "الجمل" الذي ذكره السيوطي في البغية ج 2 ص 106، وثانيهما كتاب "التتمة" الذي ذكره أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي (538) - 610 هـ) في كتابه "المصباح" تحقيق مقبول علي النعمة -بيروت- دار البشائر الإسلامية
ط 1: 1414ھ / 1993 م - ص 8
48
4 - تمام حسان اللغة العربية معناها ومبناها الدار البيضاء، دار الثقافة، 1994 م، ص 18.
5 - انظر في معجم الأدباء لياقوت مج 4 ص 200 - 201.
6 - انظر في إنباه الرواة للقفطي ج 1 ص 294 - 297. (1/200)
صفحة 198
الفصل الخامس: التعليل
201
1
بنا الزمان إلى عبدالله بن علي بن إسحاق الصيمري (تقريبا 541 هـ) ' مؤلّف كتاب "التبصرة " وقد أحسن فيه التعليل على قول البصريين، واشتغل بكتابه هذا أهل المغرب، ولم يكن له نسخة إلا من جهته، وفي زمانه ظهر كتاب كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في علل القرآن لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي الضرير الأصفهاني المعروف بالباقولي وبالجامع، وكان هذا النحوي موجودًا في سنة 535 هـ، ولأبي بكر محمد بن عبدالملك الشنتريني (ت 550 هـ) بعد ذلك كتاب تلقيح الألباب في عوامل الإعراب، وتوفي بعده بخمس سنوات أي في 555 ه أبو عبدالله محمد بن يحيى بن علي الحنفي الزبيدي مُصَنِّف "تعليل" من قرأ [وَنَحْنُ عُصْبَةٌ بالنصب، وتلاه أبو نزار الحسن بن أبي الحسن صافي البغدادي الملقب بملك النحاة (489 - 568 هـ)؛ فقد ألف في أصول الفقه، وكتب أسلوب الحق في تعليل القراءات العشر. وفي هذا القرن السادس الهجري ولد في عام واحد رجلان، هما أهم نحويين في تاريخ أصول النحو ومناهجه، وكل واحد منهما نقيض الآخر! أما الرجل الأول فهو: الإمام أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن عبد
صا 168 -
169، ولا في البلغة للفيروزآباد ص 125، ولا في بغية الوعاة للسيوطي ج 2 ص 49، وإنما ذكر تاريخ تأليف الكتاب كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي مج 5 ص 164، وسمى بروكلمان الكتاب "تبصرة المبتدي
وتذكرة المنتهي". 2 - انظر في إشارة التعيين لليماني ص 168 - 169. 3 - انظر في معجم الأدباء لياقوت مج 4 ص 86 - 87. 4 - انظر ترجمته في بغية الوعاة للسيوطي ج 1 ص 163. 5 - انظر في بغية الوعاة للسيوطي ج 1 ص 263 - 264. 6 - انظر في معجم الأدباء لياقوت الحموي مج 2 ص 493. (1/201)
صفحة 199
202
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
الله الأنباري البغدادي (513) - 577ھ) صاحب أشهر كتب أصول النحو والخلاف والتعليل؛ التي هي: "لمع الأدلة" و"الإغراب في جدل الإعراب" و "الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين" و"أسرار العربية"، وهو صاحب أقدم كتابين متخصصين في أصول النحو لا يزالان على قيد الحياة، وهما لمع الأدلة والإغراب في جدل الإعراب، وهو من أكثر النحويين
علما بأصول النحو وتحيزا إليها؛ بل هو واضع صورتها التجريدية النهائية. وأما الرجل الآخر النقيض فهو الإمام أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي القرطبي المعروف بابن مضاء (13 - 592 هـ) وكتابه المشهور "الرد على النحاة، وقد أحدث ضجة في وقته، واعتنى به مجددو النحو، فقد دعا صاحبه فيه إلى إلغاءات متعددة أهمها: إلغاء نظرية العامل، وإلغاء العلل الثواني والثوالث وإبقاء العلل الأولى، وإلغاء القياس المصنوع، وإلغاء التمارين غير العملية آخذا في كل ذلك بفرضية عامة هي إلغاء كل ما لا
يفيد نطقا.
وفي نهاية القرن السادس وجدنا من يقول: ((وقد عُزم لي بعد طول مطالبة من الزمان ... على جمع نُبَذ من " نتائج الفكر"؛ اقتنيتها في خلس من الدهر معظمها من علل النحو اللطيفة؛ وأسرار هذه اللغة الشريفة ... ))، هكذا قدم
1 - انظر في ترجمته في إشارة التعيين لليماني ص 185 - 186.
4
2 - انظر ترجمته من بغية الوعاة للسيوطي ج 1 ص 323. 3 - من هؤلاء: محمد عيد في كتابه أصول النحو العربي في نظر النحاة ورأي ابن مضاء وضوء علم اللغة الحديث" 1973، وشوقي ضيف في "تجديد النحو" 1982 م ومعاذ السرطاوي في "ابن مضاء القرطبي وجهوده النحوية" 1988. 4 - السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله (ت 581 هـ)، نتائج الفكر في وحنا، قيقة محمد إبراهيم البنا، بيروت، جامعة قاريونس 1398ھ / 1978 م، ص 35. (1/202)
صفحة 200
الفصل الخامس: التعليل
203
كتابه أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي (ت 581 هـ). وفي نهاية القرن السادس كذلك نحوي قسم العلل في كتابه "ثمار الصناعة في النحو“ إلى قسمين: ((علة تطرد في كلام العرب، وتنساق إلى قانون لغتهم، وعلة تُظهر حكمتهم في أصوله، وتكشف عن صحة أغراضهم، وعن صحة مقاصدهم في موضوعاته، ولكن الأولى أكثر استعمالا وأشد تداولا، وهي واسعة الشّعب كثيرة الأفنان إلا أن مدارها على ثلاثة وعشرين نوعا ... ))، واسم ذلك النحوي الحسين بن موسى بن هبة الله الدينوري، الجليس النحوي.
ثم طالعنا مجموعة من المخضرمين بين القرن السادس والسابع الهجريين، منهم أبو الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي المشهور بالمطرزي
3
الخوارزمي (538 - 610 هـ)، وقد ألف "مختصر المصباح في النحو وهو
کتاب مطبوع قصد به المؤلف اختصار کتاب "العوامل المائة لعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) ليُسَهِلَ على ابنه قواعد الإعراب، ومن المخضرمين أيضا عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري الضرير
??
(538 - 616ھ) صاحب اللباب في علل البناء والإعراب أضخم كتاب
1 - ترجمته في بغية الوعاة للسيوطي ج 2 ص 81. 2 - الفيروزآبادي، البلغة، ص 92.
3 - هذا ما ذكره السيوطي في بغية الوعاة ج 2 ص 311، وكتاب المطرزي محقق باسم "المصباح في النحو، ولعل السيوطي ذكر أنه مختصر المصباح من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، أي إنه الكتاب المختصر لكتاب العوامل المائة للجرجاني.
4 - طبعته دار البشائر الإسلامية ببيروت ط 1: 1414 هـ / 1993 م بتحقيق مقبول علي النعمة في 121 صفحة. 5 - راجع مقدمة كتاب المصباح للمطرزي ص 47.
6 - انظر في البلغة للفيروزآبادي ص 122. (1/203)
صفحة 201
204
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
باق في العلل، ومن المخضرمين أبو الحسن علي بن محمد الأندلسي المشهور بابن خروف (ت 609 هـ)؛ وهو الذي ردَّ على ابن مضاء (513 -
592 هـ) - مؤلّف الرد على النحاة - بكتابه تنزيه أئمة النحو عما نسب إليهم من الخطأ والسهو.
1
3 cc
ومن المخضرمين المكثرين من التأليف التعليلي أبو محمد القاسم بن الحسين الخوارزمي الملقب بصدر الأفاضل (555 - 617 هـ)، فله من الكتب: السر في الإعراب"، "الزوايا والخبايا في النحو، وكتاب مطبوع اسمه "ترشيح العلل في شرح الجمل، وهو شرح لكتاب الجمل لعبد القاهر الجرجاني. ومن المخضرمين أحمد بن عبد المؤمن بن موسى الشريشي (ت 619 ه) صاحب "شرح الإيضاح" لأبي القاسم الزجاجي (ت 340 هـ). وشرحه
5
مخضرم آخر هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأعلم البطليوسي (ت 637 هـ).
وبين القرنين السابع والثامن الهجريين ظهر من أحيا مذهب الظاهرية
من النحاة، ألا
وهو أبو حيان محمد بن يوسف بن علي الغرناطي (654).
- يقع الكتاب في جزأين ولا يقل عن 800 صفحة، وقد نشرته دار الفكر بدمشق بتحقيق غازي
مختار طليمات
2 - انظر في بغية الوعاة للسيوطي ج 1 ص 323، ج 2 ص 203.
3 - نفسه ج 2 ص 252 - 253، وأما تاريخ وفاته فقد ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية ج 13 ص 74 في
أحداث سنة 617 ه. 4 - طبعته جامعة أم القرى بمكة المكرمة ط 1: 1419 هـ / 1998 م، وأصله رسالة ماجستير للطالب عادل
محسن سالم العميري في 418 صفحة.
- انظر ترجمته في البلغة للفيروزآبادي ص 59.
6 - نفسه ص 48 - 49. (1/204)
صفحة 202
الفصل الخامس: التعليل
205
745 هـ) وقد قال: ((محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه))؛ ولعل صوت أبي حيان خلف لنا كتاب "الرد على النحاة" لأبي عبد الله محمد بن موسى بن محمد الدوالي الصريفي (ت 790 هـ).
3
لكن كلا الرجلين لم يغيرا شيئًا من مسار النحو التقليدي بأصوله الراسخة، وانطمس صدى الظاهرية تحت وطأة شروح العوامل التي آذنت بكساد سوق العوامل في القرن السابع الهجري وما بعده؛ فليس ثمة جديد يطرح؛ بدليل أنه بعد مضي قرن تقريبًا جاء كتاب العوامل المائة النحوية في أصول علم العربية وهو -كما رأيتُه- شرح لألفاظ كتاب عبد القاهر الجرجاني المعروف بالعوامل المائة، ومعناه أن يقوم بإعراب كل كلمة من متن عبد القاهر مع تفسير معناها إن كانت تحتاج إلى ذلك. وعلى نمط التجميع والتكرار لما قاله السالفون سارت ثلاثة كتب في نهاية القرن التاسع الهجري وبداية القرن العاشر: "الاقتراح" في أصول النحو، و"الأشباه والنظائر" ففيه مسائل متفرقة
على نمط الأشباه والنظائر في الفقه؛ و"المزهر في علوم اللغة أنواعها“. وفي القرن العاشر الهجري: محمد بن بير (929 - 981 هـ) مصنّف "إظهار الأسرار في النحو، ويليه بعد قرن مصنفان:
1 - السيوطي، بغية الوعاة، ج 1 ص 280 - 285. 2 - انظر ترجمته في البغية للسيوطي ج 1 ص 252.
3 - هو لخالد بن عبد الله الأزهري ت 905 هـ، وقد رجع إليه الباحث في الفصول السابقة 4 - الكتب الثلاثة لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ).
5 - ترجمة محمد بن بير في الأعلام للزركلي ج 6 ص 61. (1/205)
صفحة 203
206
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
- الأول الكليات الذي اهتم كمعجم للعلوم الإسلامية- بمصطلحات أصول النحو والعلة النحوية والقياس والأصل والفرع .. إلخ.
2
- والثاني "ارتقاء السيادة الذي يعد حتى الآن خاتم كتب أصول النحو في القديم، وهو مجرد ناقل للخصائص والاقتراح، وبهذا الكتاب الخاتم أختم تاريخ التعليل القديم الذي تعمدتُ الإطالة فيه لأوضح ذلك العدد الهائل من المؤلفات في العلل بشقيها: العلل التجوزية المباشرة - العوامل والعلل الحقيقية لنصل إلى ثلاث نتائج هي:
- تأكيد كون التعليل لا يخرج عن القرائن والأسباب الحقيقية. - الاستفادة من تاريخ التأليف فيما سيعرض لنا من أمور في بعض
قضايا التعليل.
- محاولة حصر كل ما وقع من جهود في التعليل في القديم.
1 - نقلت من هذا المعجم كثيرًا فيما مضى وهو للكفوي. 2 - اسم الكتاب في الأصل "ارتقاء السيادة لحضرة شاه زاده" وهو ليحيى الشاوي كما مر بنا، وأما شاه زاده فهو السلطان العثماني محمد الرابع بن إبراهيم بن مصطفى الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الثاني الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان بن عثمان وقد كانت مدة حكم محمد الرابع من سنة 1618 م إلى 1687 م = انظر في المنجد في اللغة والأعلام، ط 35، بيروت، دار الشروق، 1996 م، ص 371. (1/206)
صفحة 204
الفصل الخامس: التعليل
207
المبحث الخامس:
شروط العلة المقبولة وصفاتها
كان النحاة يحرصون على تقييد عللهم بصفات تجعلها عللا مقنعة كالعلل المنطقية للأشياء، وقد دعا ابن جني إلى هذا الأمر حين قال: (( ... فإذا جرت العلة في معلولها، واستتبت على منهجها وأمها: قوي حكمها، واحتمى جانبها، ولم يسع أحدًا أن يعرض لها إلا بإخراجه شيئًا إن قدر على إخراجه منها)). وغرضه من ذلك ألا يعترض الخصم على علة النحوي: ((الآن قد أريتك بما مثلته لك من الاحتياط في وضع العلة كيف حاله، والطريق إلى استعمال مثله فيما عدا ما أوردته، وأن تستشف ذلك الموضع، فتنظر إلى آخر ما يلزمك علته لتسقط إياه الخصم؛ فتدخل الاستظهار بذكره في أضعاف ما تنصبه من عنك فيما بعد الأسولة والإلزامات التي يروم مراسلك الاعتراض بها عليها)). فالعلة القوية المقنعة هي التي لا تقبل التخصيص أي لا تقبل الاستثناءات والشواذ ومثالها علة الإسناد في رفع الفاعل؛ فإنها علة مطردة، لكن رغبة في طرد عللهم وتشبيهها بالعلل المنطقية الموجبة البرهانية المطردة لم ولن تتحقق؛ لأن اللغة ليست ظاهرة عقلية؛ بل هي ظاهرة اجتماعية تخضع لمتطلبات البشر وذوقهم، وتتطور بتطور حاجات الأفراد والجماعات،
النحاة
1 - ابن جني الخصائص، ج 1 ص 151. 2 - نفسه ج 1 ص 163. (1/207)
صفحة 205
208
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
ولذا نجد كثيرًا من العلل ليست مطردة في بابها نحو إعراب الأسماء بعلة احتياجها إلى المعاني المختلفة؛ فإنها لا تطرد في الضمائر مثلا.
وقد أقر النحاة بأن علل النحو ليست كلها موجبة؛ لذا قسموها إلى علة وسبب كما رأينا، كما أنهم أقروا بأن علل النحو أقرب إلى علل المتكلمين ولكنها ليست بدرجتها، فهي من حيث إيجابها أقوى من علل الفقه وأضعف من علل المتكلمين، وذلك لأن علل المتكلمين مطردة لا تقبل التخصيص وأما علل الفقهاء فأكثرها مجهولة، وأما علل النحاة - كما يزعمون - فأكثرها موجبة والقليل منها مخصصة، وهم بعد ذلك مختلفون في كون الطرد شرطا في العلة كما سيأتي. ورغم إقرارهم بعدم كون كل علل النحو موجبة؛ فإن كتبهم المؤلفة في العلة التي مرت بنا ولا تزال باقية حتى اليوم ككتاب الإيضاح في علل النحو للزجاجي، وكتاب علل النحو لابن الوراق، وعلل التثنية لابن جني، العربية للأنباري، وكتاب اللباب في علل الإعراب للعكبري؛ كل هذه الكتب حاولت أن تعلل من ظواهر النحو ما تستطيع تعليله بالإيجاب؛ وَوَدَّتْ لو تجد السبب الحقيقي لكل أحكام النحو؛ حتى إنك تلاحظ أن وصل غايته في كتاب اللباب للعكبري.
حجم
وأسرار
التعليل
وإذا بحثنا عن القيود والمواصفات التي وضعها النحاة للعلة المقبولة؛ وجدناها في مواضع متفرقة من كتبهم وأحاديثهم، وقد جمعنا منها ما يلي: 1 - أكثر النحاة على أن الطرد أي الاطراد شرط في العلة، وهذا يعني
1 - انظر فيما قاله ابن جني في ذلك في باب ذكر علل العربية أكلامية هي أم فقهية؟ “ ج 1 ص 48. (1/208)
صفحة 206
الفصل الخامس: التعليل
209
أنه متى وجدت العلة أُعطي الحكم للمحكوم عليه، فالحكم يلازم العلة، وأصحاب هذا الرأي شبهوا العلة النحوية بالعلة الكلامية المنطقية، ومثال العلة الموجبة علة الإسناد في رفع الفاعل، وقال قوم منهم أبو القاسم الزجاجي في الإيضاح أن علل النحو ليست موجبة؛ لأنها ( .... مستنبطة أوضاعًا، ومقاييس وليست كالعلل الموجبة للأشياء المعلولة بها))، ومثال العلة غير المطردة: علة عدم اعتوار المعاني المختلفة على الأفعال؛ الأمر الذي يجعلها مبنية؛ فإن هذه العلة لا تطرد في الأفعال المضارعة. والحقيقة أن الرأي الصائب في نظرنا هو أن يقال إن العلل قد تكون موجبة كالعلة المنطقية فتكون منطبقة على جميع أمثلة الباب سواء كانت علة حقيقية كعلة استثقال جمع ست حركات متتالية في كلمة واحدة؛ أو كانت علة غير حقيقية كعلة جر الاسم الواقع بعد حرف الجر. وقد تكون العلل غير موجبة سواء كانت علة حقيقية كعلة الفرق فإنه لا يشترط أن يكون الفرق دائما السبب في التفرقة بين إعراب الكلمات المختلفة، أو كانت علة غير حقيقية كعلة الإسناد في رفع المبتدأ؛ فإن المبتدأ قد يأتي مجرورًا بحرف الجر الزائد نحو "ما من رجل معهم".
وينبغي أن نتنبه هنا أن تسمية هذا الشرط بالاطراد جاء من قبل الأنباري، وكان الأولى من الأنباري أن يلتزم بمصطلحات من قبله، فإن معنى اطراد كونها منطبقة على أغلب أمثلة الباب وليس معناه كونها موجبة
العلة
هو
حقيقية تنطبق على كل أمثلة الباب كما ذكر هو هنا.
1 - هذا ما ذكره الأنباري، لمع الأدلة، ص 112.
2 - الزجاجي، الإيضاح، ص 64. (1/209)
صفحة 207
210
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
2 - والشرط الثاني هو العكس، وهو أن يعدم الحكم بعدم العلة؛ فإذا لم يكن ثمة إسناد فعل للاسم فإن هذا الاسم لا يستحق الفاعلية، وهذا العكس مختلف فيه أيضًا إلا أن الأكثرين يرونه.
وفي رأينا أن القائلين بالعكس يفترضون أن للحكم علة واحدة لا غير فإذا زالت زال الحكم وإذا بقيت بقي الحكم، فهم بذلك يشبهونها بالعلة الفلسفية، والحقيقة أن الحكم النحوي يمكن أن يعلل بأكثر من علة، مثال ذلك حكم الرفع للمبتدأ فإنه يعلل بعلل مباشرة عدة منها أنه ابتدئ به الكلام، أو لأن الخبر رفعه، أو لأنه جاء ترتيبه أول الكلام، أو لأنه أسند إليه الخبر، مما يعني أنه لو انتقضت إحدى علل رفع الخبر المذكورة هنا لم يكن ذلك مفضيًا إلى إسقاط حكم الرفع عن الخبر. وكذلك العلل الحقيقية يمكن أن تتعدد؛ فقد يكون الحكم قد ظهر لعدة أسباب من ذلك ظاهرة ترادف بعض المفردات في العربية؛ فإنه يمكن تعليلها بأن واضع اللغة رغب أن تكون اللغة واسعة فسيحة الكلمات؛ ولئلا يُضَيّق على المتكلم البحث عن كلمة بعينها في أداء المعنى، ولأن الترادف يحتاج إليه المتكلم لإيضاح المعنى الذي
يقصده للمخاطب.
وعلى العموم فإن شرط العكس هو على النقيض من شرط الطرد، وكان ينبغي وضعهما في شرط واحد فيقال: يشترط من يشبهون العلة النحوية بالفلسفية في العلة الطرد والعكس، ولا يشترط هذا الذين يقولون بخلاف ذلك.
3 - لا يُقبل التسلسل أو دَوْرُ العلة، وهو أن تكون العلة الأولى سببًا في
1 - الأنباري، لمع الأدلة، ص 115. (1/210)
صفحة 208
الفصل الخامس: التعليل
211
العلة الثانية، وتكون العلة الثانية سببًا في الأولى، ومثال ذلك ما ذهب إليه
محمد بن يزيد المبرد (210) - (285) في وجوب إسكان لام الفعل الماضي حين تتصل به نون النسوة أو تاء الفاعل نحو ضرَبْنَ وضربت، إلى أنه لحركة ما بعده من الضمير لئلا تصير أربع حركات متتالية، ثم علل سبب حركة نون النسوة وتاء الفاعل عند اتصالهما بالفعل الماضي بأن لام الفعل الماضي ساكنة. وعلة المبرد في رأينا مردودة من جهة أخرى: لعدم اطرادها في نحو ضَرَبَتا" التي تلتقي فيها أربع حركات. 4 - أن توصف العلة بالوصف المؤثر في الحكم، وهو شرط يصلح أن يكون في العلة نفسها أو في صياغتها، ومعناه أن تكون هناك إخالة ومناسبة لذكر هذا الوصف، وإلا صار هذا الوصف حشوًا في العلة، ومثال ذلك أن يعلل أحد النحاة عدم صرف ”حُبْلَى" بقوله: لأنها صفة مختومة بألف التأنيث المقصورة، فقوله "المقصورة" لا يفيد في منع الصرف شيئًا؛ فإن الذي يمنع الصفات الصرف هو كونها مختومة بألف التأنيث سواء كانت مقصورة أو ممدودة. 5 - عدم فساد الاعتبار: ومعناه ألا تكون العلة في قياس يخالف المسموع الغالب؛ لأنه إذا انتقض -الكل - القياس انتقض الجزء. وسيأتي بيان هذا في قوادح العلة بعد قليل.
من
6 - عدم فساد الوضع: ألا تخالف العلة القاعدة القائلة "إن ثبت الحكم
للأصل فهو أولى في الفرع"، وسيأتي شرح هذا أيضًا في قوادح العلة.
1 - تجد هذه القضية في خصائص ابن جني ج 1 ص 183، والذي سمى الدور بالتسلسل أيضا هو السيوطي في اقتراحه ص 71.
2 - انظر في هذا التقييد في لمع الأدلة للأنباري ص 125 - 126. (1/211)
صفحة 209
212
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
7 - التعدية: مر بنا أن ابن جني يشترط أن تكون العلة مطردة في أمثلة بابها؛ فإن شذت أمثلة عن الباب الغالب عُللت بعلة أخرى تطرد على هذه
الأمثلة الشاذة.
ونرى أن هذه الشروط التي وضعها النحاة للعلة المقبولة يمكن أن تكون شروطًا علمية مقبولة للعلة على أن يتم أمران:
- يلغى الشرطان الأول والثاني.
- أن تبنى العلة على خطوات المنهج العلمي من ملاحظة واستقراء
وتصنيف وتجريب للوصول إلى نتيجة علمية. (1/212)
صفحة 210
الفصل الخامس: التعليل
المبحث السادس:
مسالك العلة
213
ويقصد بها الوسائل التي نعرف بها علة أي حكم، وهذه الوسائل هي: 1 - بالإجماع: كإجماع البصريين والكوفيين على أن علة تقدير الحركات
في المقصور هي التعذر؛ وفي المنقوص هي الاستثقال.
-2
- بنص
العربي على العلة من ذلك ما حكي .... عن أبي عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها، فقلتُ له: أتقول جاءته كتابي؟! قال: نعم أليست بصحيفة))، فالعلة التي جعلت الأعرابي يؤنث فعل الكتاب هي علة حمل الكتاب على الصحيفة في المعنى
أي هي علة حمل النظير على نظيره في المعنى وضده في اللفظ. 3 - بالإيماء: حضر الفرزدق مجلس ابن أبي إسحاق فقال: كيف تنشد: وعينان قال الله كُونا فكانتا
فعولات بالألباب ما تفعل الخمرُ
فقال الفرزدق كذا أنشد فقال: ما كان عليك لو قلت فَعُولَيْنِ؟! فقال الفرزدق: لو شئتَ أن تُسَبِّح لسبحت ومعنى كلامه أن "كان" تامة، وأن الله
1 - هذه المسالك أكثرها من وضع السيوطي في الاقتراح ص 59.
2 - ابن جني الخصائص ج 1 ص 249. (1/213)
صفحة 211
214
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
تعالى أمرهما أن يَحْدُثا فَحَدَثَنَا، وقد أشار وأومأ الفرزدق إلى علة رفع فعولان“ بقوله "لو شئت أن تسبح لسبحت"، فقد أمره بالتسبيح إيماء إلى أنه ينبغي له يسبح ويتعجب من صنع الله إذ صَيَّرَ العينين.
4 - بالسبر والتقسيم: بأن يذكر الوجوه المحتملة ثم يسبرها أي يختبر ما يصلح منها وينفي ما عداه، وقد مر هذا في العلة الرابعة والعشرين من علل الجليس الدينوري، وهي علة التحليل.
5 - بالمناسبة أي بالإخالة: ومعناها أن نتعرف العلة إذا كان الظن يرجحها، ويخالُ المرء أنها هي العلة. ويحدث هذا إذا كانت العلة هي التي أوجبت الحكم للمقيس حملًا على المقيس عليه في قياس العلة. وقد مر بنا قياس العلة في فصل سابق، وبان لنا أمثلته. فـ
6 - بالشبه: وذلك في قياس الشبه، إذ نتعرف العلة إذا وجدنا أنها هي الشبه الذي أعطى للمقيس حكم المقيس عليه. وقد مر بنا قياس الشبه كذلك. 7 - بالطرد: وذلك إذا وجدنا الوصف أو العلة مطردة في المقيس كاطراد علة المقيس عليه؛ وإن لم تكن علة المقيس هي علة المقيس عليه نفسها. وقد مر بنا هذا في قياس الطرد.
8 - بإلغاء الفارق: ويستخدم إلغاء الفارق إذا وجدنا بين الفرع (المقيس) والأصل (المقيس عليه تشابها في كثير من الأحكام؛ إلا أنهما افترقا في بعض الأحكام، فلا يعتد بهذا الافتراق بل يُلْغَى الفارق بينهما في هذه المواضع التي افترقا فيه لإمكان قياس الفرع منهما بالأصل، وبذلك يتم التأليف بينهما
1 - انظر في المصدر نفسه ج 3 ص 302. (1/214)
صفحة 212
الفصل الخامس: التعليل
215
في كل المواضع. ومثاله قياس اسم الفاعل على الفعل المضارع في نصب المفعول به، فإنهما يتشابهان في نواح عدة في الوزن والمعنى، والزمن، ولم يبق إلا أن يأخذ اسم الفاعل عمل النصب من الفعل المضارع لأن الأصل في الأفعال العمل. وقد مر بنا أن إلغاء الفارق في الحقيقة هو قياس الشبه.
ونرى في ختام الحديث عن مسالك العلة أنها مسالك يمكن جمعها في نوعين:
1 - مسالك منقولة عن العرب وتشمل الإجماع، والنص، والإيماء. 2 - مسالك معقولة يصنعها النحوي وتشمل السبر، والإخالة، والشبه، والطرد. (1/215)
صفحة 213
216
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث السابع:
قوادح العلة
وهي العيوب التي إذا حلت إحداها بالعلة أحالتها علة مرفوضة، وقد ذكرها الأنباري في الإغراب" في جدل الإعراب" في "الفصل التاسع في الاعتراض على الاستدلال بالقياس، وذلك لأن العلة القياسية جزء مهم في القياس؛ فإذا بطلت بطل القياس، وأما تسميتها بالقوادح فقد جاءت في " الاقتراح "، وهي كما جاءت في الكتابين على النحو الآتي:
-1 فساد الاعتبار أن تكون العلة في قياس يخالف النص نحو قول البصري: (لا يجوز منع المصروف من الصرف للضرورة الشعرية؛ لأن الأصل في الاسم الصرف قياسًا على عدم جواز مد الألف المقصورة لكون الأصل في الاسم المعتل الآخر أن يكون مقصورًا).
فيقول له المعترض: (إن قياسك هذا باطل لأنه يخالف نصوص العرب الكثيرة التي تشهد بجواز منع المصروف والقياس إذا تعارض مع السماع بطل؛ لأن السماع مقدم عليه. وما دام القياس قد بطل فقد بطلت علته معه. 2 - فساد الوضع: هو أن تخالف العلة القاعدة القائلة "ما ثبت للأصل فهو أولى في الفرع"، ومثاله أن يقول الكوفي: (إنما جاز التعجب من السواد
1 - انظر في الإغراب في جدل الإعراب للأنباري ص 54 - 62. 2 - في ص 63 - 68. (1/216)
صفحة 214
الفصل الخامس: التعليل
217
والبياض بقولهم "ما أسوده وما أبيضه" دون سائر الألوان: لأن الأسود والأبيض هما أصل الألوان).
فيقول له المعترض: (إن علتك تخالف الأولى؛ لأن المعلوم أن الحكم إذا ثبت في الأصل فمن الأولى أن يثبت في الفرع؛ باعتبار أن الفرع تابع يخضع للأصل، فإذا الأسود والأبيض هما الأصل وكان التعجب منهما جائزا؛ فإن
التعجب من سائر الألوان أولى؛ لذا بطلت علتك لمخالفتها الأولى).
3 - القول بالموجب: وصورته ان يقول البصري: (إن علة جواز تقديم الحال على عامله - إذا كان هذا العامل فعلا متصرفا نحو "راكضا جاء محمد هي أن كل معمول يجوز تقديمه على عامله إذا كان عامله فعلا متصرفا). فيقول له الكوفي: (إني أقول بموجب ذلك أي أُقر بهذا الذي أوجَبَتْهُ تلك العلة التي ذكرها البصري؛ لكني أشترط في حالة كون المعمول المتقدم حالا أن يكون صاحب الحال ضميرًا نحو "راكضًا جاءه") وهذا يعني أن الكوفي
يريد تقييد العلة فلا يريدها أن تكون موجبةً مطردة في كل معمول. فيقول له البصري هذا) قول بموجب العلة في بعض الصور؛ رغم عموم العلة في جميع الصور أي إن هذا الذي قلته يا كوفي ليس قولا بكل أنواع الموجب الذي أوجبته العلة، فهو قول قاصر على ما عدا الحال؛ الأمر الذي يجعلنا نرفض أن نعتبر أنك تقول بموجب العلة كما زعمت؛ لأن موجب العلة العلة؛ بل يعني أنه كل صورة تنطبق عليها العلة الموجبة).
لا يتخلف عن 4 - منع العلة: وهو يعني اعتراض الخصم على علة المستدل وعدم إقراره بها من الأساس سواء كانت علة لتبرير أصل أو علة لتبرير فرع. (1/217)
صفحة 215
218
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
فمثال
منع علة الأصل أن يقول البصري: (علة رفع الفعل المضارع هي قيامه مقام الاسم المبتدأ به الذي يُرفع بعلة الابتداء). فيرد عليه الكوفي مانعا علة البصري: (لا أسلّم بأن الابتداء هو علة رفع المبتدأ)، وبهذا تكون علة البصري مرفوضة من قبل الكوفي.
:
ومثال منع علة الفرع أن يقول البصري: الدليل على أن فعل الأمر مبني هو أن ما أشبهه من أسماء الأفعال نحو دراكِ - بمعنى أذرك - مبني، ولولا أن فعل الأمر مبني ما بنيت أسماء الأفعال المشبهة به). فيقول له الكوفي مانعا علة بناء أسماء الأفعال لقيامها مقام فعل الأمر في المعنى والعمل: (ليس صحيحًا أنها مبنية لقيامها مقام الفعل؛ بل هي مبنية لتضمنها لام الأمر)
وبهذا تكون هذه العلة البصرية مرفوضة من قبل الكوفي أيضا.
5 - المطالبة بتصحيح العلة فإن المستدل إن لم يأتِ بما يطلبه خصمه من دليل على صحة العلة بتأثيرها وشهادة الأصول عليها: رُفضَتْ علته لعدم تصحيحه إياها.
- فأما التأثير فمعناه أن تتصف العلة بالطرد والعكس؛ فيوجد معها الحكم ويزول بزوالها كما مر بنا.
- وأما شهادة الأصول فيعني عرض العلة على أصول النحاة أي قواعدهم، فإن وافقتها قبلت وإن خالفتها، رميت ومثال ذلك أن يقال: إنما بنيت (كيف؟) لتضمنها معنى الحرف، فيقول المعترض وما الدليل على ذلك، فيقول المستدل: لأن الأصول تشهد بأن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب بناؤه. (1/218)
صفحة 216
الفصل الخامس: التعليل
219
6 - النقض: وهو أن ينقض الخصم علة المستدل ببيان عدم اطرادها في كل أمثلة المعلول بها. مثال ذلك أن يقول نحوي: (إنما بنيت (حذام) و (قطام) و (رقاش) لاجتماع ثلاث علل وهي التعريف والتأنيث والعدل)، فيقول له المعترض: لو كان ما تقول صحيحًا لَبْنِيتُ أذربيجانُ» (( ... وهو اسم اجتمعت في خمس موانع من الصرف: العجمة والتعريف والتأنيث والتركيب وإلحاق الألف والنون).
7 - المعارضة وهي أن تُعارض العلةُ بعلة أخرى؛ كأن يقول الكوفي: (إنما كان إعمال الفعل الأول في باب التنازع أولى لأنه سابق على الثاني ولأنه صالح للعمل؛ إضافة إلى قوة الابتداء به والعناية به. فيقول البصري معترضا بعلة أخرى: (بل إعمال الثاني أولى لأنه أقرب إلى الاسم، وليس في إعماله نقص في المعنى المراد).
وقد عد السيوطي القوادح تسع قوادح فأضاف إلى ما أتى به الأنباري
أمرين هما:
- تخلف العكس.
- وعدم التاثير.
وهما في الحقيقة يدخلان ضمن المطالبة بتصحيح العلة.
1 - ياقوت الحموي: أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي (ت 626ھ)، معجم البلدان، 4 ج، بيروت، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، 1417 هـ/ 1997 م، ج 1 ص 109.
2 - في ص 95 من الاقتراح للسيوطي.
3 - نفسه ص 95. (1/219)
صفحة 217
220
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
وفي ختام الحديث عن العلل بقيت هناك أصول إجمالية تتعلق بالعلة نجدها متفرقة في كتب أصول النحاة وأحاديثهم عن العلة، وكان لاهتمام ابن جني بها النصيب الأكبر، ولا يسعفني المجال للوقوف عندها، وإنما أذكر بعض أمثلتها:
- إذا تركت العربُ أمرًا من الأمور لعلة داعية إلى تركه وجب اتباعها
عليه).
- إذا اختلف فريقان في علة الشيء قدمت العلة الأقوى، فإن تساويا في
القوة فقد يكون الحكم معلولا بعلتين.
- سبب الحكم قد يكون سببًا لضده)).
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 362. 2 - نفسه ج 1 ص 100 - 101.
3 - نفسه ج 3 ص 51. (1/220)
صفحة 218
المرض
الفصل الخامس: التعليل
خرائط ذهنية لمباحث التعليل
تعريف العلة لغة
الحدث يشغل صاحبه أو الإعاقة السبب الطبيعي
أو ما يتلهى به
الشكل 23
تعريف التعليل لغة
?
بيان العلة
الشكل 24
للأشياء
221 (1/221)
صفحة 219
222
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
معنى العلة والتعليل اصطلاحًا
الأسباب المباشرة أو العلل الأولى السبب الحقيقي أو العلل القياسية أو العلل التعليمية أو القرائن اللفظية والجدلية أو علة العلة أو العلل
والمعنوية
الثواني
السبب الجامع في الحمل | السبب غير الجامع سبب المصطلح
الشكل 25 (1/222)
صفحة 220
الفصل الخامس: التعليل
علاقة العلة الأولى بالقاعدة
القاعدة صيغة لغوية لها ثلاثة
أركان، ومثالها: كل فاعل مرفوع
العلة الأولى: القرائن الحكم: وهو المحكوم | المحكوم التي إذا وجدت استحق النسبة بين عليه کل به مرفوع
المحكوم عليه (الفاعل)
المحكوم
حكم الرفع، وهذه والمحكوم عليه
فاعل
القرائن هي:
الرفع
كون الفاعل مسندًا إليه كون الفاعل يدل على كون الفاعل مرفوعا الفعل: قرينة معنوية اسم: قرينة معنوية بضمة: قرينة لفظية
الشكل 26
223 (1/223)
صفحة 221
224
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
تقسيم العلة من حيث كونها سببًا حقيقيا أو لا
?
موجبة أو برهانية: حقيقية
غير موجبة: غير حقيقية
الشكل 27
مطردة
تقسيم العلة من حيث كونها تنطبق
على جميع أمثلة الحكم أو تشذ
الشكل 28
قاصرة
تقسيم العلة من حيث كونها تعتمد على شرط واحد أو عدة شروط
مركبة من عدة أوصاف
بسيطة من وصف واحد
الشكل 29 (1/224)
صفحة 222
الفصل الخامس: التعليل
تقسيم العلة من حيث كونها تُختِرُكَ
في الحكم بوجهين أو تلزمك وجها واحدًا
سبب: مخيّرة
الشكل 30
شروط العلة
علة: ملزمة
الطرد
العكس
عدم الدور
التأثير
الشكل 31
الإجماع
مسالك منقولة
مسالك العلة
مسالك معقولة
النص الإيماء السبر الإخالة الشبه الطرد
الشكل 32
225 (1/225)
صفحة 223
226
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
فساد
فساد
القول
الاعتبار الوضع بالموجب
قوادح العلة
المنع المطالبة النقض المعارضة
بتصحيح
الشكل 34
العلة
درجات قبول العلة
علل يقينية علل ظنية
علل شكية
علل واهية
الشكل 35
القرينة المقالية
أصناف القرائن
لفظية
معنوية
الشكل 36
القرينة المقامية (1/226)
صفحة 224
الفصل السادس:
دور أصول النحو في بناء تصور لساني حديث
1 - هذا الفصل كان في الأصل بحثاً قدمته في مؤتمر "التراث اللغوي العربي ودوره في بناء تصور لساني حديث" في 22 - 23 أبريل 2015 الذي نظمته جامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس في المغرب. (1/227)
صفحة 225
228
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
تمهيد
تلاقح العلوم والمعارف ظاهرة حميدة رأينا آثارها على مر العصور في الدراسات اللغوية، فقد استعان النحاة بأصول الفقه في بناء أصول النحو كما استعان الفقهاء بالقواعد النحوية في تخريج الفروع الفقهية، واستفادت الدراسات النحوية الحديثة من الدراسات البلاغية في العناية بالمقام وربطه بالتركيب فطالبَتْ بدمج علم المعاني في علم النحو. واستفاد النحاة من
علماء المنطق في ضبط حدودهم وتدقيق مصطلحاتهم وتنظيم مادتهم. وما حدث في الدرس اللغوي العربي حدث في الدرس اللغوي الغربي أيضًا، فكم رأينا من فلاسفة ورياضيين يسهمون في وضع نظريات لغوية جديدة وإحداث تغييرات جذرية في مستوى التفكير اللغوي، فها هو تشومسكي يخرج بالنظرية التوليدية التحويلية ويَشْغَل اللغويين بالبنية السطحية والبنية العميقة. وها هو بيرس يحقق في مفهوم العلامة من خلال إيضاح الفارق بين الوجود الأولاني والوجود الثانياني والوجود الثالثاني.
ولأننا نعتني في هذه الدراسة بنظرية النحو الممثلة في أصول النحو فقد رأينا من المناسب أن تربط بين أصول النحو والدرس الحديث لننظر فيما يمكن أن تسهم فيه نظرية المتقدمين في اللسانيات الحديثة.
ورغم الصلة الوثيقة بين أصول النحو وأصول الفقه كما أوضحنا في الفصول (1/228)
صفحة 226
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
229
الماضية فإن هناك من ينسب نظرية النحاة إلى الفلسفة اليونانية، مما دفعنا
إلى تقسيم هذا البحث إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: جدل المحدثين في المؤثرات الخارجية التي تأثر بها النحاة في نظريتهم فمن المهم في هذه الدراسة التحقيق في أصالة الفكر النحوي عند العرب.
المبحث الثاني: دور الأصوليين النحاة في بناء تصور لساني حديث: وهو النحاة يتحدث عما انتفع به من الأصوليين الفقهاء من التصورات اللغوية المهمة، ونقلوه إلى الدرس اللساني في علم أسموه: أصول النحو.
المبحث الثالث: ما لم يعتن به الأصوليون النحاة وتنبه له الأصوليون الفقهاء. (1/229)
صفحة 227
230
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الأول: جدل المحدثين في المؤثرات الخارجية التي تأثر بها النحاة في نظريتهم
يختلف المحدثون في القول بوجود مؤثرات من خارج النحو أثرت في أصول النحو، ولا يتسع المقام لسوق جُل الباحثين هنا؛ فنفضّل تصنيف آرائهم إلى فرق والتمثيل لكل فرقة ببعض باحثيها، وقد وجدناهم ثلاثة فُرقاء:
الفريق القائل بتأثير الفلسفة والمنطق في النحو:
ذكر إبراهيم مصطفى أن نظرية العامل ((ملأت مئات الكتب خلافا وفلسفة وجدلا))، وذهب شوقي إلى أن المدارس النحوية أخذت من الخليل بن أحمد مبدأ العلية فصارت تُعَلّل الظواهر النحوية الجزئية والكلية بالعلل المنطقية. وسار على هذا إبراهيم أنيس حين اعتقد أن النحويين البصريين أهل منطق وفلسفة لغوية، وأن فلاسفة اليونان وضعوا قواعد منطقهم في صورة قوالب يُقاس عليها، ثم سلك العرب مسلكهم، وقنعوا بالتقسيم الثلاثي للكلم متبعين جرى عليه فلاسفة اليونان وأهل المنطق من جعل أجزاء الكلام ثلاثة سموها الاسم والكلمة والأداة. واقتضى المنهج الوصفي من خليل
ما
1 - إبراهيم، إحياء النحو، ص 35.
2 - شوقي، مقدمة الإيضاح، ص 7. 3 - أنيس، من أسرار اللغة، ص 24. 4 - نفسه ص 133 - 135.
5 - ينظر في المصدر نفسه ص 279. (1/230)
صفحة 228
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
231
عمايرة أن يقبل - كابن مضاء - بالعلل الأولى؛ لأن المتكلم بها يلتزم بما جاء
عن العرب، وأما العلل الثواني والثوالث فهي علل فلسفية يرفضها الوصفيون. الفريق القائل بالتأثير الإسلامي فقط:
ذكر الشيخ محمد عرفة أن النحاة نسبوا العمل إلى العوامل نسبة مجازية كما ننسب في اللغة العمل إلى الآلات بدل الفاعل الحقيقي، والأصل أن علل النحو وعوامله كالعلل الفقهية: مجرد أمارات وعلامات، وأن رغبة النحاة في تشبيه عللهم بالعلل الفقهية جعلتهم يختارون للنحو عوامل لفظية بدل العوامل المعنوية؛ لأن العوامل اللفظية ظاهرة منضبطة كالعلة الفقهية وليست كالعوامل المعنوية الخفية؛ لكنه رأى أن إقرار العوامل المعنوية هو أفضل لتعليم الطلاب النحو؛ لأن الطالب يراعي الصلة بين اللفظ والمعنى، ولأن هذه العوامل المعنوية هي التي في عقل العربي، فهو يرفع الفاعل بمعنى الفاعلية لا بالنظر إلى ما قبل الفاعل من فعل أو وصف مشبه بالفعل.
الفريق الذي التمس أكثر من تأثير خارجي:
عد تمام حسان النحو متأثرًا بالعلتين الصورية والغائية اللتين من علل أرسطو الأربع، وكانت الصورية تركة عصر النشأة الأولى، وأما الغائية فهي من تركة التحول الذي أصاب النحو من طابع البحث العلمي إلى طابع التلقين التعليمي، وكان تمام في كتابه "مناهج البحث في اللغة =1955 م“ قد ذهب
1 - ينظر في العامل النحوي لخليل عمايرة ص 71.
2 - ينظر في النحو والنحاة لمحمد عرفة ص 80 - 87، 136 - 137.
3 - نفسه ص 137 - 140.
4 - ينظر في ص 28 من الأصول لتمام. (1/231)
صفحة 229
232
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
إلى أن الدراسات اللغوية جزء من التفكير الفلسفي اليوناني الذي افترض اللغة اليونانية مقياسًا للغات العالم، وكان لترجمة العلوم اليونانية والسريانية لا سيما منطق أرسطو (384) - 322 ق. م) نصيب الأسد، وحدث بعدها أن ظهرت المناظرات بين المسلمين والنصارى مستخدمين المنطق في الدفاع عن دينهم، وتأثر النحو بمقولات أرسطو العشر في الأقيسة والتعليلات. ولكنه في كتابه "الأصول" التمس التأثير الإسلامي أكثر من التأثير اليوناني؛ إذ رأى أن علل النحو قبل عهد الخليفة المأمون (ت 218ھ) كانت علل الأعراب، وبعد عهده تأثر النحاة بالفكر اليوناني، لكن بنيان النحو كان مكتملا فكان التأثير قاصرًا على المسائل والجدل والشروح، لا على الأصول. ويشمل التأثير الإسلامي علم أصول الفقه وعلم الكلام، وقد كتر تمام ما قاله ابن جني من أن علل النحاة أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل الفقهاء، وكذلك تقسيم العلة إلى سبب وعلة من حيث جواز حكمها أو وجوبه، وذَكَرَ تمام مسالك العلة التي أخذت عن الأصوليين دون إضافات
1 - المقولات العشر هي الجوهر مثل رجل، والكمية مثل ثلاثة أشبار، والكيفية مثل أبيض، والإضافة أو الملك مثل نصف والمكان مثل السوق، والزمان مثل أمس، والوضع مثل جالس، والحال مثل شاكي السلاح، والفاعلية كالعقل الفاعل للمعقولات، والمنفعلية كالعقل المطبوع بالمعقولات= ينظر في "موسوعة الفلسفة والفلاسفة" للحفني ج 1 ص 124، 126.
2 - ينظر في مناهج البحث في اللغة لتمام حسان، ص 22 - 32. 3 - ينظر في الأصول لتمام ص 192.
4 - علم الكلام: ((علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فإن
الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علماء الكلام الأيجي، المواقف في علم الكلام، ص 7.
5 - ينظر في الأصول لتمام ص 190.
6 - نفسه ص 191 - 192. (1/232)
صفحة 230
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
233
مهمة إلى ما قاله القدماء. ثم إنه دفع شبهة التأثر المباشر للنحو العربي بالفكر اليوناني قائلا: ((الأخذ عن المتكلمين والفقهاء ليس بالضرورة أخذا عن اليونان؛ لأن المتكلمين والفقهاء حتى لو صح أخذهم عن اليونان؛ فإن أخذهم كان تأثرًا ولم يكن نقلا، فإذا تأثر النحوي بمتأثر عن اليونان فسوف يكون الأثر الواصل إلى النحوي أثرًا إسلاميا في طابعه؛ مهما حمل من مؤثرات لا تغير طابعه الإسلامي)).
وفي رأي سعيد الأفغاني أن مدرسة البصرة النحوية عاصرت مدرسة الرأي في الفقه لأبي حنيفة النعمان بن ثابت 80 - 150 هـ)؛ التي تعنى بالاجتهاد فيما لم يرد فيه نص؛ ورد النصوص أو تأويلها إذا تعارضت مع أصول الدين أو نصوص أخرى؛ ونقل كلام ابن جني في أنه أراد جعل أصول النحو على نمط أصول الكلام والفقه، ويقول الأفغاني: ((ولم تنقض المائة الثانية حتى كان للفقه كتبه ومذاهبه وأصوله؛ كما كان للدين أيضًا كتبه وجدله وأصوله ومتكلموه وفرقه دُونَ أولا الفقه وأصوله والحديث، ثم جاء النحو يتقدم رويدا رويدا، وبدأ يُدوّن وتنسق أبوابه وأصوله، ثم جاءت بعد الطبقة الأولى طبقات، وتميزت المذاهب فيه بعضها من بعض ثم كان له أصوله أيضا)). وينقل كلام ابن جني في علاقة النحو بعلل الفقهاء والمتكلمين، ويرى أن
1 - نفسه ص 205 - 206.
2 - نفسه ص 193.
3 - الأفغاني، في أصول النحو، ص 84.
4 - نفسه ص 92.
5 - نفسه ص 100.
6 - نفسه ص 100 - 101. (1/233)
صفحة 231
234
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
(علماء العربية احتذوا طريق المحدثين من حيث العناية بالسند ورجاله ... ثم احتذوا المتكلمين في تطعيم نحوهم بالفلسفة والتعليل، ثم حاكوا الفقهاء أخيرًا في وضعهم للنحو أصولا تشبه أصول الفقه ... )).
رأينا في مدى تأثر النحاة بغيرهم:
هي
إن الإضافة الأبرز والأولى التي كان ينبغي النظر إليها، أنه لما كانت أصول النحو ليست إلا صورة مقربة من أصول الفقه في مناهجها ومصطلحاتها وشروطها وأدلتها؛ كان الأولى لكثير من المحدثين أن يبحثوا عن الأثر الأصولي الفقهي الإسلامي في التعليل النحوي قبل أن يلتمسوا من مؤثرات اليونان البعيدة، وقد وجدنا أن أهم إضافة يمكن أن نضيفها في هذا الموضوع هي القول بأن أي تأثير خارجي لا يبلغ حده وقيمته إلا إذا كان في صميم أصول العلم المتأثر ومناهجه الإجمالية؛ لا في مسائله التفصيلية، ولذا فإننا لا ينبغي أن نعتد بتأثير الفلسفة والكلام في أصول النحو وعلله أكثر من اعتدادنا بتأثير أصول الفقه، وقد حاولنا جهدنا أن نقابل بين أصول الفقه وأصول النحو؛ فاتضح لنا أن منهج النحو ملتصق أشد الالتصاق بمنهج
أصول الفقه، ويمكننا أن نمثل لهذا الالتصاق بالجوانب التالية:
(1) أطلق النحاة الأصوليون على العلم الذي يدرس منهج النحو ونظريته اسم "أصول النحو أو أدلته كما فعل الأصوليون بأصول الفقه.
1 - نفسه ص 104.
20
2 - من الكتب التي خصصها مصنفوها لأصول النحو: "الإغراب في جدل الإعراب" و"لمع الأدلة" لأبي البركات الأنباري (ت 577 هـ)، "الاقتراح في علم أصول النحو" للسيوطي (ت 911 هـ)، "ارتقاء السيادة في علم أصول النحو لأبي زكريا الشاوي (ت 1096 هـ). (1/234)
صفحة 232
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
235
(2) نقل النحاة الأصوليون من المحدثين شرط عدالة الراوي واتصال السند في المروي كما فعل الأصوليون.
(3) جوز النحاة الأصوليون تسمية المقيس عليه بالأصل محاكاة للأصوليين.
(4) جعل النحاة الأصوليون أدلتهم المعتبرة أربعة كالأصوليين، وفصلوا أدلتها الجزئية المتفرعة عنها؛ كفصلهم بين دليل القياس والاستدلال بالأولى الذي هو قياس الأولى على غير الأولى؛ رغم أن
بعض
الأدلة الكلية عن
أدلة النحو تختلف عن أدلة الفقه لاختلاف مجال البحث.
(5) فرق النحاة بين الأدلة الإجمالية التي يبحثها أصول النحو والأدلة التفصيلية التي يختص بها النحو، كما فرق الفقهاء بين فروع الفقه وأصوله. 6) انشغل النحاة الأصوليون بمباحث ليست من نظرية النحو محاكاة لمباحث أصول الفقه، ومن ذلك استدلالهم بعدم الدليل في الشيء على نفيه؛ كنفيهم أن أقسام الكلام أربعة بحجة عدم وجود دليل عليه.
منهم
7) جعل النحاة للقياس أربعة أركان هي المقيس والمقيس عليه والحكم
والعلة؛ كما للقياس الفقهي.
1 - انظر مثلا في لمع الأدلة للأنباري ص 81.
2 - انظر مثلا في "الاقتراح في أصول النحو“ للسيوطي ص 44.
3 - قد فصلنا أدلة النحاة ورتبها في كتابنا التعليل النحوي في الدرس اللغوي القديم والحديث"
ص 103 - 106.
4 - ومثاله أن يقول النحوي: "إن نائب الفاعل مرفوع لأنه يقبل الإسناد"، فنقول بالبداهة: إن الفاعل يرفع أيضًا لأنه يقبل الإسناد كنائب الفاعل؛ بل إنه أولى بالرفع لأن الرفع - كما يظن النحاة- للأقوى، والفاعل أقوى من نائب الفاعل الذي يدل معناه على المفعول به. انظر في لمع الأدلة للأنباري ص 131 - 132.
5 - انظر في لمع الأدلة للأنباري ص 142.
6 - انظر في الاقتراح للسيوطي ص 44. (1/235)
صفحة 233
236
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
(8) قسم النحاة الحكم النحوي إلى واجب وممنوع وحسن وقبيح وخلاف الأولى وجائز على السواء، دون وجه مناسبة بين الشريعة واللغة الاجتماعية. 9) ذكر النحاة من أصناف الحمل: القياس الجلي والخفي، وقياس الأولى وقياس الأدون والقياس المساوي، وقياس العلة والشبه والطرد، والقياس والاستحسان، وكلها أصناف سبقهم إليها الأصوليون.
(10) تُشبه العلتان النحوية الحقيقية وغير الحقيقية العلتين الفقهيتين:
العلة
مقصد التشريع الذي هو السبب الحقيقي الذي قصده المشرع من الفقهية، والسبب الفقهي الذي هو علة اختارها المشرع وليست علة حقيقية. ولو كانت العلة النحوية مستمدة من الفلسفة والكلام لما سميت العلة النحوية غير الحقيقية بالعلة الأولى؛ لأن العلة الأولى عن الفلاسفة والمتكلمين هي
علة العلل ومصدر كل علة، ويُعدّ المولى عز وجل إياها في رأي بعضهم. (11) كما لاحظنا التطور النحوي المساير للتطور الفقهي؛ فحين تطورت أصول الفقه استفاد منها النحاة وأولهم ابن جني فعملوا للنحو أصولا على وفق أصول الفقه، وحين ازداد نفوذ مذهب الظاهرية الفقهي في القرن السادس
الهجري ظهر ابن مضاء في هذا القرن ليعمل بالظاهرية في النحو. (12) وأستأنس بذكر أن الأصوليين جعلوا للعلة 24 شرطا في الترجيح
1 - نفسه ص 10 - 11 ارتقاء السيادة للشاوي ص 41.
2 - انظر في: لمع الأدلة للأنباري ص 105؛ الاقتراح للسيوطي ص 42 - 43.
3 - انظر في: الإيضاح للزجاجي ص 64 - 65؛ التعرفات للجرجاني ص 86؛ التعليل النحوي للكندي ص 126
وما بعدها.
4 - ذكر ذلك العدد: وهبة الزحيلي في أصول الفقه الإسلامي" ج 1 ص 652. (1/236)
صفحة 234
الفصل السادس: دور أصول النحو في بناء تصور لساني حديث
237
بأن هذا العدد كان أثره على علل الجليس الدينوري لا سيما أنه لا يوجد بينها رابط موضوعي يسوّغ عددها؛ فكأنها وضعت محاكاة لعدد شروط العلة الفقهية كما حاكا النحاة الأصوليين في الأمور السابقة دون مسوغ مقنع. (13) ذكر النحاة مسالك العلة وشروطها وقوادحها كما ذكرها الأصوليون
قبلهم.
وبهذه الأدلة المفصلة على التأثير الفقهي البالغ نخالف ما ذهب إليه تمام من أن التأثير اليوناني على النحو بدأ يظهر بعد عهد المأمون، واقتصر على المسائل والشروح مستندا إلى أن أسس النحو كانت قد اكتملت. ونرى أن أكثر أسس النحو ومناهجه كانت مفرقة بلا تجريد حتى جَمَعَ أكثرها ابنُ جني في الخصائص، وبلغت غاية الترتيب والتجريد في لمع الأدلة والإغراب
في جدل الإعراب للأنباري
1 - ذكر أبو حامد الغزالي (450 - 505 هـ) مسالك العلة وشروطها وقوادحها في كتابه "المستصفى من علم
الأصول" ج 2 ص 298 - 318. (1/237)
صفحة 235
238
أصول النحو ... النظرية النحوية والأبعاد اللسانية
المبحث الثاني: دور الأصوليين النحاة
في بناء تصور لساني حديث
على الرغم مما عيب على الأصوليين النحاة من الإفراط في تحقيق أصولهم، والبحث عما وراء اللغة؛ فإننا لا نعدم لهم نظرات مهمة في بناء
تصور لساني متين، وسنعرض هنا مجموعة من هذه النظرات:
أولاً: فكرة المطرد والشاذ:
كان لجمهور النحاة العرب نظرة تربوية وأخرى علمية، وقد تجلّت هاتان النظرتان في التعاطي مع أمثلة كل ظاهرة لغوية، فرأوا أن لكل ظاهرة أمثلة تسير على منهاج واحد وأمثلة تخرج عن هذا المنهاج، فكان لابد لهم من موقف موازن يحفظون به حق النوعين ومن هنا قرروا أن الأمثلة الغالبة في بابها هي التي يعتد بها في صناعة القواعد لأن العلوم محتاجة إلى نظام منضبط، على حين تحفظ الأمثلة الشاذة ولا يفرط فيها، وذلك ليكون لها أهميتها في مجالات أخرى. قال ابن السراج: ((واعلم أنه ربما شذ الشيء عن بابه؛ فينبغي أن تعلم أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يُغن بالحرف الذي يشذ منه فلا يطرد في نظائره، وهذا يستعمل في كثير من العلوم، ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم، فمتى وجدت حرفاً مخالفًا لا شك في خلافه لهذه الأصول فاعلم أنه شاذ ... )).
1 - ابن السراج، الأصول، ص 56. (1/238)
صفحة 236
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
239
واختلاف التعامل مع المطرد والشاذ ضروري من جانب آخر للتفرقة بين علم النحو وعلم اللغة، ولعل عبدالله بن أبي إسحاق البصري' (ت 117 ه) أول من استخدم مصطلح المطرد في الدراسات النحوية، وبه فرق بين النحو واللغة حين سأله يونس بن حبيب (ت 182): ((هل يقول أحد: الصُّوَيْق .. يعني السُّوَيْق؟ قال: نعم ... وما تريد إلى هذا؟!. عليك بباب من النحو يطرد وينقاس!)).
ومن جانب ثالث نرى أن التفرقة بين المطرد والشاذ يوضح أن منهج النحاة في التوصل إلى القواعد قائم على الاستقراء، ذلك لأن قدرتهم على تمييز ما اطرد مما شدّ يدلُّ على جهدهم في استقراء اللغة، ورحلتهم في البوادي لمعرفة لغات العرب وغريبها.
ومن جانب رابع فإن مسألة المطرد والشاذ تنبهنا على المستعمل والمهمل في اللغة، مما يدفع إلى البحث عن سبب وجود مهمل في بعض الأبواب، ومن ذلك الفعل الماضي للفعل (يَدَع) فإنه لا وجود له، قال ابن السراج (( ... ومنه ما شذ عن الاستعمال ولم يشذ عن القياس نحو ماضي "يدع"، فإن قياسه وبابه أن يقال: وَدَعَ يَدَعُ، إذ لا يكون فعل مستقبل إلا له ماض ولكنهم
1 - وعلى الرغم من نسبة وضع النحو إلى أبي الأسود الدؤلي (ت 67 هـ)؛ إلا أن التاريخ لم يحفظ لأبي الأسود تطبيقات ومسائل نحوية، بل حفظها لابن أبي إسحاق متناثرة في كتب التراجم والنحو وعلوم القرآن؛ كما نجدها في كتاب سيبويه؛ والمحتسب لابن جني؛ ومشكل إعراب القرآن للقيسي تنظر ترجمته في "أخبار النحويين" لأبي طاهر المقرئ (ت 349 هـ)، ص 7، ونزهة الألباء في طبقات الأدباء لأبي البركات الأنباري (513) - 577 هـ)، ص 26 - 28. وانظر رأينا فيما كتبناه في بحثنا "عبدالله بن أبي إسحاق واضع القياس النحوي" بحث في مجلة نزوى، (1998)، (العدد 16). ص 119 - 126.
2 - ابن سلام الجمحي (ت 231 هـ)، طبقات الشعراء، ص 48. (1/239)
صفحة 237
240
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
لم يستعملوا ودع“؛ استغني عنه ب (تَرَكَ)، فصار قول القائل الذي قال:
وَدَعَهُ" شاذًا، وهذه أشياء تحفظ ... )).
ثانيا: فكرة الأصل والفرع:
الأصل مصطلح نحوي له أربعة مفاهيم
(1) المقيس عليه في عملية الحمل أو القياس: قال السيوطي: ((اخْتُلِفَ، هل يجوز تعدد الأصول المقيس عليها لفرع واحد؟ والأصح: نعم، ومن أمثلة ذلك: (أيّ) في الاستفهام والشرط؛ فإنها أعربت حملا على نظيرتها: (بعض) وعلى نقيضتها (كل)))، فانظر كيف سمى السيوطي الأجزاء المقيس عليها: أصولاً. (2) الدليل الذي يستدل به على الأحكام والقواعد النحوية، وقد خصصوا لهذه الأدلة علما سموه علم أصول النحو تشبيها له بعلم أصول الفقه، وكلاهما يبحث فيما يخص الأدلة الإجمالية التي ينبغي للمجتهد أن يعرف درجاتها وترتيبها وشروطها؛ ليمكنه الاجتهاد في المسألة الفقهية أو النحوية ثم يبت فيها بالحكم المناسب، ومثال الأدلة الإجمالية: السماع، والإجماع، والقياس،
1 - ابن السراج، الأصول، ج 1 ص 57. 2 - السيوطي، الاقتراح، ص 44.
3 - يُعد الإجماع من أدلة النحو، وقد ذكره ابن جني في الخصائص، ولكن الأنباري لم يتعرض له في "لمع الأدلة" ولا في "الإغراب في جدل الإعراب"؛ ربما لأنه لم يعتد به لصعوبة تحققه، أو اقتفاء بعدم اتفاق الفقهاء على حجية الإجماع الفقهي، وإنما أضافه السيوطي بين سائر الأدلة مرتبا إياه بعد السماع في أول كتابه "الاقتراح" في باب الكلام على المقدمات، ولأن تعريف ابن جني سابق فإنه يلزم ذكره كما جاء في "الخصائص ج 1 ص 189: ((اعلم أن إجماع أهل البلدين [يعني أهل البصرة والكوفة إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة عليه)). (1/240)
صفحة 238
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
241
أن نطلق عليه مصطلح "أصل"
يصح
والاستصحاب، فكل من هذه الأدلة على رأي النحاة، والمجموع "أصول النحو".
3) أصل الظاهرة اللغوية: وهو الأصل الذي يمكن أن نضع له صورة بنيوية كمثال عليه ثم نتخيل له صورة بنيوية أخرى تقابله ونسميها الفرع،. كقولنا الأصل في قَامَ: قَوَمَ ... )، فأنت ترى كيف اعتبر النحاة "قام“ فرعًا على قَوَمَ؛ لأن حروفها الثلاثة الأصلية التي تخرج منها سائر مشتقاتها
هي "ق و م"، فمنها نشتق: قامَ يَقُوم، قُمْ، قائم مقام، قيام ... إلخ. (4 القاعدة المُغَلَّبة أو المثالية: سميتها المُغلَّبة والمثالية لأن النحاة يغلبونها على غيرها باعتبارها تمثل أكثر الأمثلة في بابها، ويعتبرونها القواعد
1 - عزف الأنباري "استصحاب الحال" في لمع الأدلة بأنه تمسك النحوي بأصول النحاة أي قواعدهم في الحكم على الظاهرة العارضة له حين لا يوجد لها دليل من السماع؛ ولا يمكن حملها على غيرها بالقياس؛ لأن التمسك بأصولهم يعني التمسك بما يغلب على باب تلك الظاهرة المستصحبة. وتعريف الأنباري هذا يفهم من قوله ص 141): ((اعلم أن استصحاب الحال من الأدلة المعتبرة والمراد به استصحاب حال الأصل في الأسماء وهو الإعراب واستصحاب حال الأصل في الأفعال وهو البناء؛ حتى يوجد في الأسماء ما يوجب البناء، ويوجد في الأفعال ما يوجب الإعراب. وما يوجب البناء في الأسماء هو شبه الحرف أو تضمن معنى الحرف ... وما يوجب الإعراب في الأفعال هو مضارعة الاسم في نحو يَذْهَب .... واستصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ ولهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل، ألا ترى أنه لا يجوز التمسك به في إعراب الاسم مع وجود دليل البناء من شبه الحرف أو تضمن معناه ... )) والدليل على أن استصحاب الحال يأتي بعد النقل والحمل قوله ص 81: (( ... في أقسام أدلة النحو.
أقسام أدلته ثلاثة: نقل وقياس واستصحاب، حال ومراتبها كذلك، وكذلك استدلالاتها)). 2 - يمكن تصنيف أصول الظواهر من حيث إمكان نطقها إلى .... ما لا يمكن النطق به أصلا، نحو ما اجتمع فيه ساكنان كـ "سماء" و "مبيع" ... ومنها ما يمكن النطق به غير أن فيه من الاستثقال ما دعا إلى رفضه واطراحه إلا أن يشذ الشيء القليل منه فيخرج على أصله منبهة ودليلا على أولية حاله؛ كقولهم لَحِحَتْ عينه وألِلَ السقاء)) = خصائص ابن جني ج 1 ص 261 - 262.
3 - نفسه، ج 1 ص 256. (1/241)
صفحة 239
242
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المثالية التي كان ينبغي للغة أن تسير عليها، فالقواعد منها ما هو مثالي غالب ليس مستثنى من غيره ويسمى أصلا، ومنها ما هو مستثنى من القواعد المثالية الغالبة ويسمى فرعًا. قال أبو البقاء الكفوي: ((الأصل هو أسفل الشيء، ويطلق على الراجح بالنسبة إلى المرجوح وعلى القانون والقاعدة المناسبة المنطبقة على الجزئيات ... والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد ... )). وقال السيوطي: ((قاعدة: أصل الإعراب أن يكون بالحركات والإعراب بالحروف فرع عليها)).
والملحوظ في هذه المفاهيم الأربعة أن اثنين منها وردا من طريق أصول الفقه، وهما مفهوم المقيس عليه ومفهوم الدليل. والذي يهمنا هنا هو المفهومان النحويان أصل الظاهرة والقواعد الغالبة المثالية.
فأما أصل الظاهرة فإنه ليس بحثًا في الميتافيزيقا كما يحسبه البعض؛ بل هو بحث له فوائده في الجوانب الآتية:
الجانب الأول خصوصية اللغة العربية باعتبارها لغة اشتقاق، وهي خصوصية تقتضي من المشتغل في المعجم أن يبحث عن المادة الأصلية التي ترجع إليها مجموعة مشتقات، فمادة (قام، يقوم قيام مقام قائم ... ) لابد لها من موضع واحد في المعجم ليسهل الوصول إليها جميعًا، وهذا يتحقق بالنظر في أصلها، ولذا قالوا ((الأصل في قامَ: قَومَ ... )).
الجانب الثاني هو ملاحظة القواعد التي تحكم الأبواب الصرفية
4 - الكفوي، الكليات، ص 122. 5 - السيوطي (ت 911 هـ)، الأشباه والنظائر في النحو، ج 3 ص 47، 48، 62، 71، 210.
6 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 256. (1/242)
صفحة 240
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
243
والتغييرات التي تجري عليها، فباب الفعل المضارع من الثلاثي يأتي على ثلاث صيغ هي (يَفْعَل) و (يَفْعُل) و (يَفْعِل)، وعندما يشذ فعل مثل (يَقُول) عن هذه الصيغ فإنه ينبغي التفكير في صورته الأصلية والتغيير الذي لحقها. الجانب الثالث هو إيجاد خارطة ذهنية للأنواع التي تنتمي إلى جنس واحد، فقول النحاة (الأصل فى الأفعال البناء) هو أصل يتجاوز الفعل الماضي والمضارع والأمر إلى قاعدة كلية تحكم عموم جنس الأفعال وتقدم رؤية عُلوية وخارطة عامة لمشهد الأفعال، ولهذا قالوا في الفعل المضارع: .... الأصل في الفعل المضارع أن يكون مبنيا ... ((تقريبا وتسهيلا لا مجافاة لواقع اللغة.
الجانب الرابع هو ملاحظة قانون الشيوع في الكلام العربي، فقول النحاة (( ... الأصل في المبتدأ التقديم هو قانون لا يراعي أصل اللغة في الوضع بل يراعي ما شاع عند المتكلمين وكأنه قانون جاء بعد استقراء كلام العرب واختيارات متحدثيهم. فالمتكلم العربي يقدم المبتدأ على الخبر تارة ويؤخره تارة أخرى؛ لكن الغالب أن يقدم المبتدأ.
الجانب الخامس أن فكرة الأصل تعلّمنا جانب الاقتصاد في الجهد، فالطالب الذي يعلم أن أوزان جموع القلة أربعة وأن ما عداها من جموع التكسير للكثرة يختصر على نفسه بأن يحفظ القلة ويترك الكثرة، ومن أجل ذلك قالوا (( ... من تمسك بالأصل خرج عن عُهدة المطالبة بدليل)). وقس
1
- الأنباري، أسرار العربية، ص 35.
2 - الكفوي الكليات، ص 122.
3 - الأنباري، الإنصاف، المسألة 40 ج 1 ص 300. (1/243)
صفحة 241
244
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
على ذلك قولهم ((قاعدة: الأصل في الأسماء الصرف)) فإنه يعني عند وضع القواعد عدم الحاجة إلى السؤال عن الأسماء المصروفة: لِمَ صُرِفَتْ؟ وهذا ما يسمى باستصحاب الأصل، قال الأنباري في المسألة الثامنة والثمانين من كتابه "الإنصاف": (( .. فمن تمسك بالأصل فقد تمسك باستصحاب الحال، ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنا بالدليل ... )).
الجانب السادس ملاحظة الأداة الأكثر حضورًا، والأكثر تحرُّرًا من القيود في أداء الوظيفة، فنحن نعلم مثلا أن (حتى) تدل على انتهاء الغاية مثل (إلى)؛ لكن (حتى) لا تدل على انتهاء الغاية إلا إذا كان ما بعدها هو آخر الوقت فيجوز أن تقول انتظرته طوال الليل حتى طلوع الفجر، ولا يجوز أن تقول انتظرته طوال الليل حتى العَشِيّ). وأما (إلى) فهي الأصل في هذا المعنى
تدلّ عليه بلا قيود ومنه قولهم قاعدة الواو أصل حروف العطف)). والجانب السابع جانب تربوي، وهو أن طالب النحو إذا حفظ الأصول الغالبة فقد فقه أكثر النحو، ولا يبقى له إلا أن يعلم ما استثني من هذه الأصول من قواعد قليلة تنطبق على ظواهر أقل عددًا، وذلك خير وأيسر له من التركيز على الشاذ من القواعد ومن ترك الأصول.
والجانب الثامن جانب صناعي قياسي، وهو أن يعلم المجتهد أن للقواعد والأصول مراتب فى القُرب أو البعد من الباب النحو، وعلى المجتهد أن يُخْضِعَ الباب النحوي إلى قاعدته الأقرب إليه، ومثاله قولهم: ((قاعدة: الأعلام
1 - السيوطي، الأشباه والنظائر، ج 3 ص 62. 2 - الأنباري، الإنصاف، ج 2 ص 634. 3 - السيوطي، الأشباه والنظائر، ج 3 ص 210. (1/244)
صفحة 242
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
245
لا تفيد معنى لأنها تقع على الشيء ومخالفه وقوعا واحدًا))، فهذه قاعدة
الدلالة
????
فرعية تخالف الأصول التي تشير إلى أن الاسم يدل على معنى؛ ومن الأصول: (( ... والأصل في الاسم - صفةً كان كـ"عالم" أو غير صفة كـ "غلام“: على الثبوت، وأما الدلالة على التجدد فأمر عارض في الصفات)) وهنا على المجتهد أن يدرك أن للأعلام خصوصيتها فيستثنيها من الأصول. ثالثا: فكرة القياس:
القياس مصطلح متعدد الدلالة، وقد اختلف فيه النحاة المحدثون؛ لأن القدماء كما يظهر لم يجمعوا معانيه الاصطلاحية المتعددة في مبحث واحد، وقد تعرضنا لشرحه بالتفصيل في كتابنا "التعليل النحوي” وإنما أذكر هنا باختصار أن استقراء النصوص التي ورد فيها مصطلح القياس يشير إلى أن له معنيين:
- المعنى الأول: القاعدة التي وضعها النحاة بعد أن استقروا كلام العرب لكي تدل على حكم ينطبق على أمثلة مطردة في باب واحد. والقواعد والأقيسة نوعان: النوع الأول هو القواعد الغالبة التي ليست فوقها قاعدة أعم منها في بابها تناقضها، وتسمى هذه القواعد الأصول، وهي قد تخص بعض أبواب النحو أو تهتم بالقواعد الإجمالية التي ترسم العلاقة بين أدلة النحو المختلفة من سماع
وقياس وإجماع وغيرها.
1 - نفسه ج 3 ص 81. 2 - الكفوي، الكليات، ص 123.
3 - انظر في الحاشية (4) من كتابنا التعليل النحوي ص 25، وانظر في متن ص 39 - 44، وفي الفصل
الثالث "القياس النحوي“ ص 75 وما بعدها. (1/245)
صفحة 243
246
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
والنوع الثاني هو القواعد الفرعية التي تستثنى من القواعد الغالبة. المعنى الثاني: الحمل، وه: أن يقوم المتكلم العربي أو النحوي بإخضاع مثال أو باب لحكم مثال آخر أو باب آخر؛ على أن تكون هناك علاقة تماثل أو تشابه أو اطراد بين المحمول والمحمول عليه، وهذه العلاقة أو الجامع- تسمى العلة.
ولأجل أن نفرق بين معنى القاعدة ومعنى الحمل اللذين يحتملهما مصطلح القياس؛ ما علينا إلا أن نجعل أمام مصطلح القياس صفة تحدده فنقول: القياس القاعدي والقياس الحملي .. أو نفسر القياس بالبدل فنقول: القياس أي الحمل القياس أي القاعدة، وأما في حال إطلاق القياس بلا تقييد فإنه يعني الحمل؛ لأن القياس في اللغة مأخوذ من قاس الشيء بالشيء أي حمله عليه وقدره به.
وإذا ما تجاوزنا مفهوم القاعدة - الذي هو مفهوم يرعاه النحو - وركزنا اهتمامنا في فكرة الحمل وجدنا أنه يحمل فكرة توليد اللغة وإنتاجها، فإذا حللنا عملية القياس وجدنا أن رُكْنَيْها الأساسيين المقيس والمقيس عليه لا يخرجان في نوعهما من أن يكون أحدهما بابا (جنسا) أو مثالا، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نصنف أنواع القياس حسب نوع الركنين إلى الأنواع التالية:
النوع الأول: القياس الفطري وهو أن يلاحظ الطفل وجود تصديق بين تصوّرين، وأن هذا التصديق يتكرر كلما وُجِدَ مثل هذين التصوّرين، فتنقدح ذهنه عملية قياس كل تصديقات أخرى تقوم على هذين التصوّرين نفسيهما. وقد عبّر أبو عثمان بكر بن محمد المازني (ت 249 هـ) عن
في
هذا (1/246)
صفحة 244
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
247
بقوله: ((ما) قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره، فإذا سمعت (قام زيد) أجزتَ (ظرف بشر) و (كرُمَ خالد) ... )). ويمكن تقعيد هذا النوع من القياس بقولنا هو (إخضاع مثال لحكم بابه الذي ينتمي إليه).
النوع الثاني: القياس الاشتقاقي: وهو (إخضاع مثال لحكم باب غير بابه؛ بقصد اشتقاق كلمات جديدة، ومثاله أن كلمة (الذئب) اسم لا يُصرف تصريف الأفعال لأنه جامد؛ لكنا رأينا العرب خرجت به عن أصله فحملته على باب الأفعال، قال علي بن حمزة الكسائي (ت 182 هـ): ((تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: قد استذأب الرجل (فكلمة (ذئب) مثال ينتمي في الوزن إلى باب: (فعل)، ولكننا إذا أخضعناه إلى باب آخر هو الوزن: (اسْتَفْعَلَ) لصار (اسْتَذْأَبَ)، وهكذا يكون قد خرج من بابه وهو وزنه الأول إلى باب آخر هو وزن (اسْتَفْعَلَ).
النوع الثالث: القياس التضميني: وهو (حمل مثال ينتمي إلى باب معين على مثال ينتمي إلى باب آخر، ومثاله أن الفعل المتعدي بحرف الجر (من) باب تندرج تحته مجموعة من الأفعال منها يشرب من الماء - يأكل من اللحم - يقطف من الشجرة - يأتي من الخلف .. إلخ) وأن الفعل المتعدي بحرف الجر (الباء) باب تندرج تحته مجموعة من الأفعال وهي بالعصير - يرتوي بالماء - يستمتع بالمطر - يفتدي بالمال .. إلخ)، فإذا أردنا
1 - ابن جني، الخصائص، ج 1 ص 357. 2 - ياقوت، معجم الأدباء، ج 4 ص 88.
يتلذذ (1/247)
صفحة 245
248
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
تضمين فعل من الباب الأول فعلا من الباب الثاني ذكرنا المثال التالي: قال الله عز وجل في سورة الإنسان في الآيتين 5، 6: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجها كافُورًا. عينًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا، فأنت ترى كيف تضمن الفعلُ (يَشْرَب) معنى الفعل (يَتَلَذَّذ) فأصبح متعديًا مثله بالباء، وكأن المعنى صار: عينًا يشرب منها مُتلذذا بها عباد الله، وكان المعنى في الأصل: عينًا يشرب منها عبادُ اللهِ.
النوع الرابع: القياس التوهّمي: هو إخضاع باب لحكم باب آخر)؛ إذ النحاة أن بعض الأبواب النحوية أشبهت بابا آخر فأعطيت حكمه؛ يتوهم كقولهم إن الفعل المضارع أشبه اسم الفاعل في حركاته وزمانه فأعطي كل منهما حكم الآخر إذ أعطي الفعل المضارع الإعراب وأعطي اسم الفاعل العمل. قال ابن جني: (باب) من غلبة الفروع على الأصول ... أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مكنت ذلك الشبه لهما، وعمرت به الحال بينهما؛ ألا تراهم لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأعر بوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه)).
النوع الخامس: القياس الشاذ وهو حمل الباب على مثال شذ عنه)، حين تجعل الشاذ في بابه مقيسًا عليه؛ فتقيس عليه باقي أمثلة بابه المطردة، ومثاله ذلك "عَسَى زيد قائمًا، فهذا مثال جاء فيه اسم "عسى“ صريحًا، وهو
1 - في تضمين تلك الآية ينظر في البلاغة العربية لعبد الرحمن الميداني، ج 2 ص 51. 2 - ابن جني الخصائص، ج 1 ص 300، 304. 3 - مثال جعل اسم "عسى" صريحًا ما ورد في كتاب سيبويه، ج 3 ص 158: (( ... " عَسَى الغُوَيْرُ أَبُوسًا"، فهذا مثل من أمثال العرب أجروا فيه عسى مجرى كان). (1/248)
صفحة 246
الفصل السادس: دور أصول النحو في بناء تصور لساني حديث
249
مثال شذ عن بابه الذي يتطلب أن يكون خبر (عسى) مصدرًا مؤولًا لا اسمًا صريحًا، فإذا أردت أن تعتد بهذا الشذوذ قِسْتَ عليه كل خبر (عسى) فجوزت جعله اسمًا صريحًا، فتكون قد حملت باب خبر عسى) على مثال (قائما). مما سبق من أنواع القياس الخمسة تدرك أن بعض صور القياس يولّدها المتكلم العربي بفطرته، وأن بعضها صناعة نحوية يجتهد فيها الخبير بمحاكاة أقيسة كلام العرب أو يُنشئها إنشاء. وعلينا أن نستثمر هذه الأنواع لهندسة التوليد والإنتاج اللغوي.
والقياس من جانب آخر هدفه الوصول إلى كنه اللغة، وتفسير جانب من حركة تطورها، ولذا ترى النحاة الأصوليين يتحدثون عن أربعة أصناف من
القياس بحسب مدى تطابق المقيس والمقيس عليه، وهي:
الصنف الأول: حمل النظير على نظيره في اللفظ والمعنى: كاعتقاد النحاة أن العرب صغرت فعل التعجب في مثل (ما أُمَيْلِحَ زيدًا) قياسًا على تصغير اسم التفضيل في مثل رأيتُ زيدًا أُمَيْلِحَ مِنْ عمْرو)؛ لأن فعل التعجب - مثل: أَمْلَحَ- على وزن اسم التفضيل - مثل: أملح- ولهما المعنى نفسه؛ ألا ترى أن
كليهما يدلان على شدة ملاحة زيد وتفوقه في الحسن على غيره.
1 - يسمي
النحاة حمل النظير على النظير سواء كان نظيره في اللفظ أو المعنى أو في كليهما: بقياس المساوي ذكر هذا السيوطي في الاقتراح ص 42. 2 - جاء في ارتقاء السيادة ليحيى الشاوي ص 66: أن التفضيل حُمِلَ على التعجب في عدم رفع الظاهر، أي أن المُفَضَّلَ عليه لا يأتي مرفوعًا بعد اسم التفضيل كقولك (زيد أكرم من سعيد) وإنما يكون مجرورًا؛ وذلك لأن العرب كما يزعم النحاة- قاسوه على المُتَعَجب منه الذي يكون مجرورًا أيضًا في مثل قولك (أكرم بسعيد)، ومن ناحية أخرى حُمِلَ التعجب على التفضيل في التصغير كما بينت في المتن. وقد تحدث سيبويه عن تصغير اسم التفضيل وفعل التعجب في كتابه ج 3 ص 477 - 478 فقال: = (1/249)
صفحة 247
250
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
فهنا يفسّر النحاة حركة تطوّر فعل التعجب وقبوله التصغير بتشبيهه باسم التفضيل.
من
الصنف الثاني: حمل النظير على نظيره في اللفظ وخلافه في المعنى: ذلك أن الحرف (إن) يزاد بعد ما الموصولة ويزاد بعد ما المصدرية؛ قياسًا لهما على ما النافية التي يزاد معها هذا الحرف بكثرة، فكل من ما النافية وما المصدرية وما الموصولة متناظرات في اللفظ.
وهنا تفسير آخر لإعطاء بعض الأدوات حكم بعضها الآخر بجامع
الشبه اللفظي. اللفظ: الصنف الثالث: حمل النظير على نظيره في المعنى وضده في
=
: (( ... وذلك قولك (هو أُصَيْغرُ منك)، وإنما أردت أن تقلل الذي بينهما ... وسألت الخليل عن قول العرب: (ما أُمَيْلحَهُ)؛ فقال لم يكن ينبغي أن يكون في القياس؛ لأن الفعل لا يُحقر وإنما تحقر الأسماء، لأنها توصف بما يعظم ويهول، والأفعال لا توصف، فكرهوا أن تكون الأفعال كالأسماء لمخالفتها إياها في أشياء كثيرة، ولكنهم حقروا هذا اللفظ وإنما يعنون الذي تصفه بالملح، كأنك قلت: مليح، شبهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئًا آخر؛ نحو قولك (يَطَؤُهُمُ الطريقُ)، و (صِيدَ عليهِ يَوْمَانِ) أي يطؤهم أهل الطريق الذين يمرون فيه، وصيد عليه الصيد في يومين)).
1 - ذكر هذا النوع من الحمل السيوطي في الاقتراح ص 43، وكذلك الشاوي في ارتقاء السيادة ص 65.
2 - قال الشاعر:
يرجي الفتى ما إن لا يراه
وتَعْرِضُ دون أدناه الخُطُوبُ
3 - قال الشاعر:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته
على الين خيرًا لا يزال يزيد
4 - قال الشاعر:
وما إن طبنا جُبن ولكن
منايانا
ودولة
آخرينا (1/250)
صفحة 248
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
251
وربما كان من أقدم صوره عند النحاة ما ذكره أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الكبير البصري (ت 177 هـ): (( ... أنهم يقولون: (مَلِثْتُ من الطعام) كما يقولون (شبِعْتُ وسَكِرْتُ)، وقالوا: (قَدَحْ نَصْفَانُ وَجُمْجُمَةٌ نَصْفَى) و (قَدَح وجُمْجُمَةٌ قَرْبَى)، جعلوا ذلك بمنزلة (المَلآن) لأن النصف قد امتلأ، والقربان ممتلئ أيضًا إلى حيث بلغ ... )).
وهذا تفسير لتحوّر بعض الأفعال إلى صيغ أخرى لم تكن لها. الصنف الرابع: حمل الضد على الضد في اللفظ والمعنى: وهو كثير شائع لأجل أن طبيعة أي لغة تتطلب التغاير بين أمثلتها لتنويع مفرداتها وأساليبها، لذا يمكن لأي نحوي أن يجد ما شاء من كلمات وجمل مختلفة لفظا ومعنى ليقيس بعضها على بعض سواء أكان قياسًا محكما أم عشوائيا ومن أقدم تجارب النحاة في هذا القياس ما رآه ابن أبي إسحاق (ت 117 هـ) من أنك إن سميت المؤنث بعمرو أو زيد لم يجز الصرف)). فالحضرمي يقيس المثال (عمرو) أو (زيد على أمثلة العلم المؤنث الذي يمنع من التنوين، على الرغم من عدم وجود تناظر بين الاثنين، فالأول - وهو زيد أو عمرو- في حقيقته مذكر لفظًا ومعنى، والثاني - وهو العلم المؤنث كأميمة وغيرها - مؤنث في الأصل لفظا ومعنى.
وهذا تفسير لما يرتكبه المتكلمون أحيانًا ثم يصير عادة شائعة تبنى عليها
قاعدة مطردة ..
1 - سيبويه الكتاب، ج 4 ص 23.
2 - يُسمي النحاة حمل الضد على الضد في اللفظ والمعنى بقياس الأذون= ينظر في "الاقتراح"
للسيوطي ص 42.
3 - سيبويه، الكتاب، ج 3 ص 242. (1/251)
صفحة 249
252
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
المبحث الثالث: ما تنبه له الأصوليون الفقهاء
ولم يحفل به النحاة كثيرا
يمكننا هنا أن نعرض مجموعة من الأفكار والأصول التي وضعها الأصوليون الفقهاء ولم نجد النحاة الأصوليين يحفلون بها في كتبهم التي خصصوها لأصول النحو رغم ارتباطها الوثيق باللغة، وهذه الأفكار والأصول هي: أولاً: العبرة بالمفهوم لا بالمصطلحات والألفاظ: تنبه الأصوليون الفقهاء إلى أنّ الشريعة لم تربط كثيرا من الأحكام بالألفاظ والأسماء؛ بل ربطتها بالحالات والظروف فقالوا "الأحكام تُعَلَّق بالمعاني لا بالأسماء؛ لأن الأسماء والألفاظ من وضع البشر تتغير بمرور الزمن. ومن لطيف ما جرى في هذا الشأن أن القهوة اسم من أسماء الخمر، وقد أنكر شربها شمس الدين محمد الخطيب في مكة سنة 917 من الهجرة، ثم انتقلت العدوى إلى مصر سنة 939 ه إلى أن عادت الفتوى بحلها سنة 945 هـ، وكان من أسباب تحليلها أن الله حرم كل شراب مسكر والقهوة ليست مسكرة وإن كان اسمها يدل على الخمر، وذلك لأن علة التحريم هي الشكر فلا عبرة بالأسماء.
من هنا كان على النحاة أن يسيروا سير الفقهاء في الاهتمام بالمفهوم وعدم الإغراق في حدود المصطلح، وقد رأينا ثمرة هذا الخلاف في مبحث الاستثناء، فالنحوي شغله الأسلوب فَقَوْلَب الاستثناء في مستثنى ومستثنى
1 - انظر في الدراسة التي قدمناها في تحقيقنا لغاية الأمنية في القهوة البنية للشيخ الحسيني ص 46 - 48. (1/252)
صفحة 250
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
253
منه وأداة مثل إلا وسوى وغير وليس فلا يكاد يذكر الاستثناء في النحو إلا ويتصوره النحوي بهذا القالب لكن الفقيه نظر إلى الاستثناء كمفهوم بعيد عن قالب الاصطلاح النحوي، وخرج مفهوم الاستثناء في الفكر الأصولي بصور أخرى لم يكن النحاة يحفلون بها منها قولهم: (إذا أقر فلان بأن الخاتم لزيد وفصه لعمرو كان استثناء صحيحًا فالاستثناء هنا حاصل بذكر الجزء بعد الكل، وكل منهما في جملة إقرار بحق. ومن قواعد الأصوليين "إذا عُلّق الإيمان على فعل شيء أو تركه خرج في التأويل على معنى الفرض " وهو أسلوب جديد يُضاف إلى أساليب الأمر التي تطرق إليها النحاة، ومن قواعدهم "إذا قُرِئَتْ العبادة بالوعيد فهي غير جائزة وهذا أسلوب جديد يمكن أن يضاف إلى أساليب النهي.
ثانيا: الاهتمام بمباحث لغوية جديدة واستقلال البحث بها: لم يكن النحاة يتطرقون إلى التخصيص إلا حين يتحدثون عن النكرة المخصصة بصفة أو المخصصة بشبه جملة؛ لكن الأصوليين اهتموا بالتخصيص وجعلوا له بابًا مستقلا بل ألفوا فيه كتبًا كما فعل أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي (ت 557 هـ) إذ ألف كتاب "التخصيص" وقسم فيه الخصوص في القرآن إلى (خصوص يراد به الخصوص مثل السجود لآدم في قوله تعالى {وإذ قلنا للملائكةِ اسْجُدُوا لآدم ... } [البقرة: 34]، و (خصوص يراد به العموم) مثل مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم خطابًا يقصد به عموم أمته كقوله تعالى {ادْعُ
1 - المثال من "معجم القواعد الفقهية الإباضية" لمحمود آل هرموش ج 1 ص 214.
2 - نفسه، ج 1 ص 182.
3 - نفسه، ص 183. (1/253)
صفحة 251
254
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
إلى سبيل ربِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ... } [النحل: 125] و (عموم يراد به العموم) مثل عموم الأشياء في قوله تعالى { ... وله كُلُّ شيء ... } [النمل: 91] و عموم يراد به الخصوص مثل قوله عن بلقيس ملكة سبأ { ... وأُوتِيَتْ مِن كُلّ شيءٍ ... } [النمل: 23] فملكة سبأ لم تؤتَ مُلْكَ سليمان. وباب العموم والخصوص باب لغوي، مهم ويلحق به باب المطلق والمقيد؛ لأنهما يتناولان الوسائل اللفظية الدالة على العموم أو الإطلاق وهي دخول أل الاستغراقية ووجود الأسماء المبهمة (من، ما، أي، أين، متى، غير سِوَى ولا النافية للجنس، ويتناولان الوسائل اللفظية الدالة على التخصيص أو التقييد وهي العَلَم واسم الإشارة والأعداد والشرط والاستثناء والوصف. وتطرق الأصوليون في هذا المجال أيضًا إلى المخصص المتصل (في نص
واحد والمخصص المنفصل (في نصين منفصلين). وقد تحدث الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) عن تعريف العام وتعريف الخاص، واختلاف الفرق الإسلامية في إمكان وجود صيغ للعموم، وناقش طرق تخصيص العموم، وعلاقة التخصيص بالمجاز، وأدلة التخصيص، وتعارض العمومين، وجواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص، والوقت
الذي يجوز فيه للمجتهد الحكم بالعموم.
ثالثًا: التوسع في المباحث الدلالية: شغل النحاة بالمعنى التركيبي الناشئ بين العوامل والمعمولات من مثل
1 - انظر في "التخصيص" للكندي ص 140 - 143.
2 - انظر في كتاب "إضاءات على متن الورقات للدكتور عبدالسلام الحصين ص 127 - 149. 3 - انظر في القسم الرابع العام والخاص" من كتاب الغزالي "المستصفى من علم الأصول". (1/254)
صفحة 252
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
255
الفاعلية والمفعولية والابتداء والحالية وللبلاغيين الفضل في التوسع في البحث الدلالي إلى دلالات أعم تغطي الجملة مثل الخبر والإنشاء والنفي والإثبات، ولكن الأصوليين أضافوا بعدا دلاليًّا آخر هو محاولة التوفيق بين مقاصد النصوص الشرعية لأنهم كانوا ينظرون إلى أن مصدرها واحد هو الشارع الحكيم، وأنه لا ينبغي أن يكون بينها تعارض، ولذا دققوا في أسباب الخلاف في فهم النصوص، ووضعوا لهذه الخلافات قواعد تحكمها، ويمكننا
أن نلحظ هذا التنسيق بين دلالات النصوص الشرعية في القواعد التالية: القاعدة الأولى: قولهم "إذا وقع الإجمال ثبت الاحتمال" وقولهم "الإجمال خلاف الأصل" والإجمال أو المجمل هو أن يوجد في الشريعة قول أو
فعل مبهم يحتمل تفسيرات مختلفة لا يمكن الحسم في أن المراد أحدها، ولأن الشريعة جاءت لتعلم الناس أمور الدين، فلا يمكن أن تقدم لهم أمورًا هذا أن لفظ (القزء) من المشترك اللفظي إذ يحتمل الطهر أو
مبهمة. ومن الحيض؛ لذا جاءت الشريعة مفصلة لمعناه فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لامرأة (دعي الصلاة أيام أقرائك ولا تدع المرأة صلاتها إلا أيام حيضها. ومما وقع فيه الإجمال أن بعض العلماء استدلوا على أن وجه المرأة عورة بآية ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها فقالوا إن ما ظهر منها هو ما كشفته الريح أو انكشف بغير عمد منها أما أن تكشف هي بنفسها عن وجهها فذلك ما لا تريده الآية. وهذه الآية نفسها استدل بها الفريق الآخر القائل بعدم وجوب ستر الوجه وذلك لأنهم فسروا إلا ما ظهر منها بأنه الوجه والكفان باعتبار أنهما مما تحتاج إليه المرأة في غالب وقتها وهي تتعامل مع غيرها.
1 - انظر في معجم القواعد الفقهية الإباضية لهرموش ج 1 ص 79 - 83، 201 - 204. (1/255)
صفحة 253
256
اصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
القاعدة الثانية": "إذا ورد خبران أحدهما يثبت والآخر ينفي كان المثبت أولى"، فقد ذهب الإباضية والإمام محمد بن إدريس الشافعي في حال تعارض نصين شرعيين لا يعرف المتقدم منهما زمنا من المتأخر ولا الناسخ من المنسوخ، وكان أحدهما يثبت حكمًا والآخر ينفيه ذهبوا إلى الأخذ بالنص الذي يثبت الحكم؛ لأن الذمة إذا أعمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين. ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجمع بين بيع وشرط؛ لكن ورد أن الصحابي جابر بن عبدالله رضي الله عنه باع بعيرا واشتراه منه النبي في مكة واشترط جابر أن يحق له ركوبه من مكة إلى المدينة المنورة، وقبل الرسول شرطه. فهنا يؤخذ بالخبر الأخير وهو جواز الجمع بين بيع وشرط. القاعدة الثالثة: "الإذن العرفي كالإذن اللغوي": العُزف هو ما تعود عليه الناس ولم ينزل فيه حكم شرعي فيبقى حكمه على ما تعود عليه الناس، مثل تعارف الناس على أن اللحم يطلق على لحوم الأنعام لا على لحوم الخنازير والسباع ونحوها. فكل شيء تعارف الناس على إباحته لا يحتاج إلى استئذان وموافقة لفظية من صاحبه، ومن هذا أن دخول الفنادق ومجالس العزاء والأسواق ودورات المياه العامة لا يحتاج إلى إذن من أحد.
رابعا: ملامح التداولية في المباحث الأصولية:
إن الدراسات اللسانية الحديثة المتمثلة في التداولية قد تجاوزت العلاقة بين المقام والمقال التي عرفها البلاغيون والعلاقة بين السياق الداخلي والسياق الخارجي التي عرفها فيرث إلى نظرية الأفعال الكلامية التي مفادها
1 - نفسه ص 198 - 201.
2 - نفسه ص 204 - 205. (1/256)
صفحة 254
الفصل السادس: دور أصول النحو في بناء تصور لساني حديث
257
أن الفعل الكلامي يتعدى مستوى نقل المضمون وتبليغ المعرفة إلى مستوى التأثير في المتلقي وبيان المستوى السلوكي بين المتخاطبين، والعناصر غير
في
اللغوية القادرة على تأويل الكلام ومعرفة مقاصد المتحاورين. ومن جانب آخر نته أوزوالد دوكرو على مسألة الاقتضاء التي تعني النظر مدى نجاح الكلام أو فشله وعدم الاكتفاء بصحته التركيبية. ويمكن أن نفهم من هذا أن الكلام قد يحمل معنيين: معنى تركيبيا مباشرًا يعتمد على العناصر اللغوية، ومعنى قصديًا يفهم من ربط الكلام بالعوامل المحيطة به. وإذا نظرنا إلى أصول الفقه وجدناه علما قائما على العلاقة بين
عناصر هي:
(1) الحاكم: الله جل جلاله.
(2 المحكوم عليه: العباد المكلفون.
(3) الحكم الأمر الذي يريده الحاكم من المحكوم عليه.
(4 المجتهد: الذي يستنبط الحكم.
(5 طرق الاستنباط: القواعد اللغوية ومقاصد الشريعة.
خمسة
ولأجل وعي اشتغالات التداولية، ويمكننا أن نلحظ هذا في الملامح الآتية:
الأصوليين بالعناصر السابقة تفطنوا لأمور تُعدّ اليوم من
الملمح الأول: العناية بالعلامات غير اللغوية:
حين تحدث النحاة عن الكناية قالوا هي كل اسم وضع لعدد مبهم مثل (كم)، كذا أو لحديث مبهم مثل (كيت، ذيت)، وحين تحدّث عنها علماء البيان قالوا هي أن يُعَبَّر عن شيء بلفظ غير صريح في الدلالة عليه لغرض (1/257)
صفحة 255
258
ومن
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
من الأغراض كالإبهام على السامع أو لنوع فصاحة، وقسموها إلى كناية عن نسبة وكناية عن منسوب وكناية عما نسب إليه، وجعلوا الحقيقة هي الواسطة التي يتوسط بها إلى المعنى المراد. ولكن الأصوليين تجاوزوا العلامات اللغوية إلى العلامات غير اللغوية، ذلك قول محمد بن إبراهيم الكِنْدِي (ت 508 هـ): ((وإذا كان الكلام يخاف ضرره فاللازم تركه والسكوت عنه، وإن كان لا يرجى نفعه ولا يخاف ضرره فالسكوت أولى؛ لأن الاشتغال في غير معنى اشتغال عن معنى، وسكوتك عما لا يعنيك أولى بك من كلامك فيما لا يعنيك ولو كنت مصيبا. وكلام الكندي يدخل ضمن القاعدة الأصولية "الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود.
الملمح الثاني: التفرقة بين الحقيقة الشرعية والحقيقة العرفية
والحقيقة اللغوية:
مما
وقع فيه الأصوليون النحاة محاولة تسويغ أصولهم وقواعدهم على حساب اللغة، فقد اقتنعوا مثلا بتقسيم الكلم إلى ثلاثة أقسام إذ وجدنا أقدم كتب العلة المتبقية - الإيضاح للزجاجي- يقول إن سبب تقسيم الكلم إلى هذه الأقسام الثلاثة أنه تقسيم بدهي يستنتجه العقل لا يحتاج إلى برهان؛ لأنه لا بد لأي جملة في أي لغة كما يرى الزجاجي والنحاة- من شيء يخبر عنه وهو الاسم، وشيء يخبر به وهو الفعل، ورابط بينهما وهو الحرف؛ بدليل أنك لا
1 - الكفوي، الكليات، ص 742، 759 - 760.
2 - الكندي، بيان الشرع، ج 3 ص 126. (1/258)
صفحة 256
الفصل السادس: دور اصول النحو في بناء تصور لساني حديث
259
تستطيع أن تجد قسما رابعًا. وكان عليهم عدم إسقاط منطقهم وأصولهم على
اللغة؛ بل بناء القواعد والأصول على ما يوافق واقع اللغة.
وقد تنبه الأصوليون الفقهاء أنهم يدرسون نصا شرعيا له خصوصيته، فقدموه على العزف واللغة، ثم قدموا العُرف على اللغة، وقالوا "إذا تعارضت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية قدمت الحقيقة الشرعية" ومن ذلك أنهم قالوا بصحة التأمير على الاثنين إذا كانا مسافرين، وبصحة انعقاد الجماعة بالاثنين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "الاثنان فما فوق جماعة" فيحمل لفظ الجماعة على المعنى الشرعي لا اللغوي. ومنه أنه لو حلف شخص ألا يأكل البيض، ولم ينو نوع البيض، فإنه يحمل على المعنى العرفي (بيض الدجاج)، ولا كفارة عليه إذا أكل بيض السمك (المعنى اللغوي).
ومن الجيد ان نشير هنا إلى دراستين اعتنتا بالفكر التداولي عند بند الأصوليين، أما الأولى فهي دراسة قدمتها نصيرة محمد غماري بعنوان "النظرية التداولية عند الأصوليين: دراسة في تفسير الرازي (544 - 606 هـ)، خَلُصت فيها إلى أن الرازي -وهو من الأصوليين- تفطّن إلى ضرورة إدخال جانب الاعتقاد في تحليل القرآن، وكان يميز بين الكلام النفسي والكلام اللساني كما يميز بين المتكلم والقائل، ذلك لأن المتكلم تقع عليه مسؤولية المضمون القضوي وقوة أفعال الكلام الإنجازية فالرازي يتحدث عن المتكلم حين يكون ذاتا منتجة تسجل حضورها في ملفوظها مباشرة حين يحيل إليه الضمير "أنا"، وأما القائل فتقع
1 - الزجاجي، الإيضاح، ص 42 - 43.
2 - انظر في الجامع لابن جعفر ج 2 ص 68، 73، 89. 3 - نشرها عالم الكتب الحديث عام 2014 في إربد بالأردن. (1/259)
صفحة 257
260
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
عليه مسؤولية تأكيد أن متكلما ما قد أنتج الملفوظ دون أن يكون مسؤولا عن المضمون القضوي وفعل الكلام المضمَّن في القول، فهو يحدد حال المخاطب بأنه إما أن يكون متكلما أو قائلا. ويَعُدّ الرازي كل ملفوظ خلا من القصد هذيانا وإن كان مضمونه القضوي صحيحًا. ويتحدث الرازي أن قصد المتكلم قد لا يكون الإفهام بل التأثير، وأن هذا القصد لا يجعل الفعل التخاطبي مُلفّى. وجعل الرازي الاقتضاء غير متعلق بصحة التركيب بل بنجاح فعل الكلام أو فشله، ولذا عد الخبر الكاذب مساويًا للخبر الصادق في الاعتبار، وأن الخبر الكاذب والتعريض قد ينجحان في التأثير في المخاطب. وتنته الرازي إلى دور المثل والقصة والالتفات إلى توجيه المخاطب إلى قناعات يريدها المخاطب. وأما الدراسة الثانية فقدمها محمود طلحة بعنوان“ مبادئ تداولية في تحليل الخطاب الشرعي عند الأصوليين، وذهب فيها إلى أن في دراسة الأصوليين مباحث لغوية لا توجد في العلوم الشرعية الأخرى، وأن لمفهوم الخطاب مصطلحات متعددة عند الأصوليين لكنه استقر عندهم على أنه مجموعة من النصوص المستعملة لغويا تتسم بالإنجاز واللزوم والتماسك، وأن هذه الصفات هي الخصائص التداولية المعروفة للخطاب. أما خاصة الإنجاز الذي عرفت به نظرية الأفعال الكلامية فنجده عند الأصوليين عبر طريقين أولاهما ثنائية الخبر والإنشاء والاهتمام بمؤشرات الفعل الإنجازي، وثانيهما تتعلق بفعلي الأمر والنهي إذ استطاع الأصوليون تحديد التكليف الذي يضمّه الخطاب الشرعي. وإذا كانت التداولية قد تجاوزت الدلالات اللغوية إلى دلالات لزومية فإن الأصوليين قد فعلوا الأمر نفسه.
1 - نشرها أيضًا عالم الكتب الحديث في عام 2014 بإربد. (1/260)
صفحة 258
أهم نتائج الدراسة
261
كنا
أهم نتائج الدراسة
في نهاية كل فصل نضع أشكالاً ملخّصة لموضوعات الفصل، وذلك تسهيلًا لإلقاء نظرة عامة على مباحث كل فصل بعد كل التفصيلات التي
تضمنتها، ويمكن فيما يلي تلخيص أهم نتائج الدراسة:
1 - أعذنا ترتيب أدلة النحو بصورة مختلفة تراعي التدرج العلمي من المبحث الأقل تشعبًا إلى المبحث الأكثر تشابكا.
2 - اهتممنا بالتعريف بكل أجزاء النظرية النحوية بصورة ميسرة؛
نقاط
معتمدين على التدرج المنطقي لموضوعات أصول النحو؛ مع وضع الاتفاق والاختلاف بين الأدلة المتقاربة المفاهيم؛ مبتعدين في مواضع كثيرة عن نمط نقل شروح القدماء لأدلة النحو حرفيًا. وشرحنا بعض أجزاء النظرية النحوية التي تركها القدماء على غموضها.
3 - ربطنا بين أصول النحو وأصول الفقه لبيان تأثير الأخيرة على الأولى واعتنينا بتوضيح الإشكال في فهم قضايا أصول النحو الناتج عن تقليد النحاة للأصوليين من الفقهاء.
4 - شرحنا مفهومي المطرد والشاذ في المسموع والقياس والعلة معا؛ مبينين الفرق بين غلبة المسموع في بابه أو كثرته؛ مع وضع تقسيم جديد للظاهرة اللغوية إلى ثمانية أقسام حسب اطرادها أو شذوذها في القياس (1/261)
صفحة 259
262
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
والاستعمال، ثم إننا شرحنا قضية علاقة الاطراد بعدد أمثلة الظاهرة؛ لِنُجَلّي ما التبس على بعض المحدثين من اعتداد النحويين القدماء بالغالب رغم قلته.
5 - وضعنا لنفسنا قاعدة لحل الخلاف بين النحاة المحدثين في فهم بعض المصطلحات المشكلة في أصول النحو، وهي أن العبرة في فهم المصطلح النحوي بما وصل إليه تنظير النحاة لهذا المصطلح. ومن جانب آخر لفتنا الانتباه إلى العناية بنوع الزاوية في تقسيم أي موضوع نحوي؛ وبهذا حللنا مشكلة الخلاف في تقسيم بعض موضوعات أصول النحو كتقسيم الحمل؛ وتقسيم أدلة النحو، وتقسيم القرائن.
القضايا
6 - فرقنا بين الباب والمثال لنحل مشكلة الخلاف في فهم بعض النحوية مثل قضية الحكم باطراد ظاهرة في القياس؛ فهي في نظرنا قضية نسبية تعتمد على اختلاف الباب الذي ينظر منه كل نحوي، وكذلك قضية تقسيم الحمل، وقضية اتصاف كل من الأصل والقياس اللذين بمعنى القاعدة بصفة التبويب أي بالعمومية والخصوصية. صنغنا محاولة جديدة للتعريف بمفهومي الأصل والفرع في النحو، مبينين معنينهما التجوزيين وغير التجوزيين؛ مع ذكر علاقتهما بالقاعدة والقياس عمومًا وخصوصا؛ وبيان موقعهما من النظرية النحوية.
7 - بينا عدم الفرق بين أصل الظاهرة وأصل الوضع على خلاف ما ساد عند بعض المحدثين.
8 - وضعنا أقسامًا جديدة للقياس الحملي نزعم أنها أنفع للغة العربية؛ وأوسع تفصيلا، وأولى للإفادة من القياس النحوي. (1/262)
صفحة 260
أهم نتائج الدراسة
263
9 - في هذه الدراسة محاولة لتفصيل قضايا التعليل النحوي من كل جوانبها المهمة، وقد توصلنا فيها إلى معاني التعليل التي غاب بعضها عن كثير من المحدثين كغياب معنى القرينة ومعنى تعليل المصطلح، وخالفنا كثيرًا مما ساد عن التعليل ببيان أن للعلة صنفين لا ثالث لهما هما العلل الحقيقية والمباشرة؛ وأن علل الجليس الدينوري ليست كلها مطردة، وأن للعلة أقسامًا عامة وخاصة وأن بعض تقسيمات القدماء للعلل بمعنى واحد وإن اختلفت مسميات أقسامها باختلاف النحاة المصنّفين، ووضعنا تقسيمات العلل المختلفة بحسب كل زاوية لتتضح مفاهيم العلة النحوية بصورة أوضح وأوسع، كما وضعنا تاريخا مفصلا لكتب العلة التي ألفت قديمًا؛
بحيث يمكن الرجوع إليه لمن أراد تعرف كتب التعليل النحوي؛ بعد
أن
اجتهدنا في جمعها من كل كتب تراجم النحاة التي وقعت في يديه. وجمعنا شروط العلة من نصوص القدماء المتناثرة، وأعدنا النظر في تقسيم مسالك
العلة وقوادحها. 10 - أبدينا وجهة نظرنا المختلفة فيما رآه بعض المحدثين في بعض قضايا العلة؛ كقضية علاقة العلة بالعوامل والأحكام والقواعد والقياس والأصل،
وأنواع العلل والأقيسة في عصر نشأة النحو وعصر النحاة المتأخرين،
وعلاقة العلة النحوية بالعلة الفقهية والعلة الفلسفية، وماهية علل الكوفيين
والبصريين، وعلاقة الحمل بالحكم والمحدث الحقيقي للإعراب .. إلخ.
11 - وقفنا موقفًا وسطاً في تقويم نظرية النحو التقليدي؛ مبينين بعض الجوانب الإيجابية والسلبية فيها؛ كما في موضوع تقسيم الكلم والعوامل والعناية بالإعراب ودرجات قبول العلة. (1/263)
صفحة 261
264
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
12 - فتحنا بابا واسعًا لمقابلة أصول النحو والتعليل بأصول الفقه مبينين أن النحو يستمد نظريته من أصول الفقه لا من الفلسفة والمنطق، وخرجنا بنتيجة أن تأثير أصول الفقه أعمق لأن أكثره يقع في نظرية النحو ومنهجه لا في تفاصيله وشروحه.
وفي الختام أعتذر عن كل تقصير في هذه الدراسة، وأسأل الله أن يتقبلها
عملا خالصه لوجهه. (1/264)
صفحة 262
قائمة المصادر والمراجع والدوريات
265
قائمة المصادر
والمراجع والدوريات
1 - الآمدي: أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: الشيخ إبراهيم العجوز 4 ج، بيروت، دار الكتب العلمية،
1405 هـ / 1985 م.
2 - إبراهيم أنيس من أسرار اللغة ط 7، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية،
1994
3 - إبراهيم مصطفى، إحياء النحو، ط 2، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي،
1992/ 1413
4 - أحمد محمد قاسم، شرح ملحة الإعراب لأبي محمد القاسم بن علي الحريري (446، 516 هـ)، ط 2، الرياض، مكتبة دار الزمان، 1412 هـ/ 1991 م. 5 - الأزهري: خالد بن عبد الله الجرجاوي (838، 905 هـ)، شرح التصريح
على التوضيح، د. ط القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، د. ت. 6 - الأستراباذي: محمد بن الحسن (ت 688 هـ)، شرح الرضي على الكافية، د. ط،2 ج، تحقيق: يوسف حسن عمر، د. ن، د. ت.
7 - ابن الأكفاني: محمد بن إبراهيم الأنصاري (ت 749ھ / 1348 م)، إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد في أنواع العلوم، تحقيق: عبد المنعم محمد عمر، د. ط، القاهرة، دار الفكر العربي – 1990 م. (1/265)
صفحة 263
266
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
8 - الأنباري: أبو البركات عبد الرحمن بن محمد (513، 577 هـ)، أسرار العربية، تحقيق: محمد حسين شمس، الدين، بيروت، دار الكتب العلمية
1997
و - نفسه، الإغراب في جدل الإعراب؛ ولمع الأدلة، تحقيق: سعيد ط 2، بيروت، دار الفكر، 1391 هـ/ 1971 م.
الأفغاني،
10 - نفسه الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين تحقيق: محمد الدين عبد الحميد، د. ط 2 ج، بيروت، المكتبة
محيي
العصرية، 1414 هـ/ 1993 م.
11. نفسه، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، تحقيق: إبراهيم السامرائي، ط 3، الزرقاء مكتبة المنار، 1405 هـ / 1985 م.
12. الأيجي: عضد الله عبد الرحمن بن أحمد، المواقف في علم الكلام، د. ط، بيروت، عالم الكتب، د. ت.
13. بروكلمان؛ كارل، تاريخ الأدب العربي، ترجمة: رمضان عبد التواب، ط 2، 6 ج، القاهرة، دار المعارف، د. ت.
14. تمام حسان، الأصول: دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربي،
د. ط، الدار البيضاء، دار الثقافة، 1411، 1991 م.
15. نفسه اللغة العربية معناها ومبناها الدار البيضاء، دار الثقافة، 1994 م. 16 نفسه مناهج البحث في اللغة د. ط، الدار البيضاء، دار الثقافة 1400 ه = 1979 م.
•
17. الجرجاني: علي بن محمد (740، 816 هـ)، التعريفات، تحقيق: إبراهيم (1/266)
صفحة 264
قائمة المصادر والمراجع والدوريات
267
الأبياري، ط 2، بيروت، دار الكتاب العربي، 1413ھ/ 1992 م. 18. ابن الجزري، أبو الخير شمس الدين محمد بن محمد، (ت 883 هـ). غاية النهاية في طبقات القراء، ط 2، تحقيق برجستراسر)، دار الكتب العلمية،
بيروت، 1400 هـ / 1980 م.
:
19. ابن جعفر محمد بن جعفر الإزكوي الجامع، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط.
20 جمعة المبروك عون المبرد حياته وآثاره ومنهجه من خلال كتابه
المقتضب، د. ط، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1988 م. 21. ابن جني: أبو الفتح عثمان الموصلي (ت 392 هـ)، الخصائص، تحقيق:
محمد علي النجار، د. ط 3 ج، القاهرة، المكتبة العلمية.
22. الحسيني: عبدالله بن أحمد بن حمود، غاية الأمنية في القهوة البنية، تحقيق: خالد بن سليمان الكندي، وآخرين مكتبة الجيل الواعد، مسقط، ط 1: 1428ھ / 2007 م.
23. الحفني، عبد المنعم، موسوعة الفلسفة والفلاسفة، ط 2: 1999 م، القاهرة:
مكتبة مدبولي. .2 الحموي: أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت 626ھ)، معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، 6 ج، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411 هـ/
1991 م.
25. الحموي: أبو عبد الله ياقوت بن عبد
الله
الرومي (ت 626 هـ)، معجم
البلدان 4 مج، بيروت، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي (1/267)
صفحة 265
268
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
1417 هـ/1997 م.
26. أبو حيان التوحيدي: علي بن محمد الشيرازي (ت 414 هـ)، الإمتاع
والمؤانسة، تحقيق: مجموعة د. ط - 2 ج دار مكتبة الحياة، د. ت. 27. خديجة الحديثي دراسات في كتاب سيبويه، د. ط، الكويت، وكالة المطبوعات، 1980 م.
28. نفسها، الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه، د. ط، جامعة الكويت،
1974/ 1394
29. الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي (ت 463 ه)، تاريخ بغداد ط 2، المدينة المنورة، المكتبة السلفية، د. ت.
30. ابن خلدون: أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون (732، 808 هـ)، مقدمة ابن خلدون، د. ط بيروت، دار و مكتبة الهلال 1996 م.
31. ابن خلكان أبو العباس أحمد بن محمد (608، 681 هـ)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس ط 2، بيروت، دار صادر. 32. الخليل بن أحمد الفراهيدي، معجم العين، تحقيق: مهدي المخزومي،،وغيره، ط 3، دار ومكتبة الهلال، د. ت.
33. خليل أحمد عمايرة العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه ودوره في
التحليل اللغوي، عمّان، دار الفکر، د. ط.
34. الخوارزمي: أبو عبدالله أبو عبدالله محمد بن يوسف الكاتب، مفاتيح العلوم،:تحقيق نهى النجار بيروت دار الفكر اللبناني، 1993 م. (1/268)
صفحة 266
قائمة المصادر والمراجع والدوريات
269
35. الرازي: محمد بن أبي بكر بن القادر (ت بعد 666ھ)، مختار الصحاح، د. ط بيروت مكتبة بيروت، 1995 م.
36. الزبيدي: أبو بكر محمد بن الحسن الأندلسي (ت 379 هـ)، طبقات النحويين واللغويين، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2، القاهرة، دار المعارف، 1984 م.
37. الزجاجي: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق (ت 337 هـ)، الإيضاح في علل النحو تحقيق مازن المبارك، ط 5، بيروت، دار النفائس، 1406ھ /
1986
38. ابن السراج: أبو بكر محمد بن سهل البغدادي (ت 316 هـ)، الأصول في النحو، تحقيق: عبد الحسين، الفتلي، ط 3، 3 ج، بيروت، مؤسسة الرسالة،
†1988/ 1408
39. السعران: محمود حسن عطية، علم اللغة مقدمة للقارئ العربي، د. ط، القاهرة، دار الفكر العربي، 1992 م.
40. سعيد الأفغاني، في أصول النحو، د. ط، بيروت، المكتب الإسلامي،
1407 هـ / 1987 م.
41. سعيد جاسم الزبيدي، القياس في النحو العربي نشأته وتطوره، عمّان، دار الشروق، 1997 م.
42 ابن سلام محمد الجمحي (ت 231 هـ)، طبقات الشعراء، تحقيق: عمر فاروق الطباع، ط 2، بيروت، دار الأرقم بن أبي الأرقم، 1418ھ / 1997 م. 43. السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله (ت 581 هـ)، نتائج الفكر (1/269)
صفحة 267
270
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
في النحو، تحقيق: محمد إبراهيم البنا د ط، بيروت، جامعة قاريونس، 1398ھ / 1978 م 44 سيبويه الكتاب، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، 5 ج، بيروت، دار
الجيل، 1966 م.
45. السيرافي: أبو سعيد الحسن بن عبد الله البغدادي (284،368 هـ)، أخبار النحويين البصريين تحقيق مجموعة، د. ط. القاهرة، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1372 هـ/ 1955 م. 46. ابن السيرافي: أبو محمد يوسف بن المَرْزُبان (ت 385 هـ)، شرح أبيات سيبويه تحقيق: محمد الريح، هاشم،2 ج، بيروت، دار الجيل، 1416 هـ/ 1996 م. 47. السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ)، الأشباه والنظائر في النحو، تحقيق: عبد العال سالم، مکرم، ج مؤسسة الرسالة، بيروت،
1985/ 1406
نفسه، الاقتراح في علم أصول النحو، د. ط، حلب، دار المعارف، 1359ھ 49. نفسه بغية الوعاة تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، 2 ج، بيروت، المكتبة العصرية 1964 م.
50. نفسه، تاريخ الخلفاء، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط 2، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، 1417 هـ/ 1996 م.
51. نفسه، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.
،وغيره، د. ط،2 ج بيروت المكتبة العصرية، 1408 هـ / 1987 م.
52. نفسه، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تحقيق: عبد العال سالم د. ط الكويت دار البحوث العلمية 1399 هـ.
مکرم (1/270)
صفحة 268
قائمة المصادر والمراجع والدوريات
271
53. الشاوي: أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد النايلي الجزائري (1030، 1096ھ/ 1621 (1685 م)، ارتقاء السيادة في علم أصول النحو، تحقيق: عبد
الرزاق عبد الرحمن السعدي، بغداد، دار الأنبار، 1411 هـ/ 1990 م. 54. الشرجي: عبد اللطيف بن أبي بكر (ت 802 هـ)، ائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة، تحقيق: طارق الجنابي، بيروت، عالم الكتب؛ مكتبة النهضة العربية، 1407 هـ / 1987 م.
55
5 شوقي ضيف، تجديد النحو، د. ط، القاهرة، دار المعارف، 1982 م. 56. الشيرازي: أبو إسحاق الشافعي (393، 476ھ)، طبقات الفقهاء، ق:
إحسان عباس، ط 2 بيروت دار الرائد العربي، 1401، 1987 م. 57. صاعد: أبو القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي (ت 462 هـ)، طبقات الأمم تحقيق حسين مؤنس القاهرة، دار المعارف، 1993 م.
:
58. الصفدي: خليل بن أيبك (696 (764 هـ)، الوافي بالوفيات، تحقيق: محمد بن إبراهيم بن عمر، وغيره، ط 2،فيسبادن، دار النشر فرانز شتايز
1970/ 1389
•
59. أبو الطيب اللغوي: عبد الواحد بن علي الحلبي (ت 351 هـ)، مراتب النحويين، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2، دار الفكر العربي. 60. ابن عباد: الصاحب إسماعيل (326،385 هـ)، المحيط في اللغة، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، د. ط، بيروت، عالم الكتب.
61. عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني، البلاغة العربية، دمشق، دار القلم
1416 هـ/ 1996 م. (1/271)
صفحة 269
272
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
62. عبد الوهاب خلاف علم أصول الفقه، ط 8، القاهرة، مكتبة الدعوة
الإسلامية.
63 العصفري: أبو عمرو خليفة بن خياط (ت 240 هـ)، الطبقات، تحقيق:
أكرم ضياء العمري، د. ط، جامعة بغداد، 1966 م.
64. ابن عقيل: عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني المصري (698،769 هـ)، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق: قاسم الشماعي الرفاعي، بيروت، دار القلم، 1408 هـ / 1987 م.
65. العكبري: أبو البقاء عبد الله بن الحسين البغدادي (538، 616 ه)، التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين، تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، بيروت، دار الغرب، 1406ھ / 1986 م.
66. نفسه، مسائل خلافية في النحو، تحقيق: محمد خير الحلواني، بيروت، دار الشرق العربي، 1412 هـ/ 1992 م. 67. الكندي: أبو بكر أحمد بن عبدالله (480 - 557 هـ)، التخصيص، تحقيق: حمود بن عبدالله بن سليمان الراشدي، وزارة التراث والثقافة، 1: 1432 هـ / 2011 م. 68 عبد السلام بن إبراهيم الحصين إضاءات على متن الورقات، د. ن،
ط 1: 1427 هـ.
69. الكندي خالد بن سليمان بن مهنا (1427 هـ / 2007 م)، التعليل النحوي
الدرس اللغوي القديم والحديث، ط 1، عمان: دار المسيرة
70. نفسه. عبدالله بن أبي إسحاق واضع القياس النحوي. بحث في مجلة نزوي (1998)، (العدد (16). ص 119 - 126. (1/272)
صفحة 270
قائمة المصادر والمراجع والدوريات
273
71. الكندي: محمد بن إبراهيم بيان الشرع وزارة التراث القومي والثقافة المطابع مسقط، الذهبية، د. ت.
72. الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد الطوسي (450، 505 هـ)، المستصفى من علم الأصول، تحقيق: سليمان الأشقر، 2 ج، بيروت، مؤسسة الرسالة،
1417ھ/ 1997 م
73. الفاكهي: عبد الله بن أحمد المكي (899، 1072 هـ)، حدود النحو (ضمن كتاب الحدود في ثلاث رسائل)، د. ط، تحقيق: عبد اللطيف محمد العبد، القاهرة، دار النهضة العربية، 1398 هـ/ 1978 م.
74. أبو الفلاح الحنبلي: عبد الحي بن العماد (ت 1089 هـ)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: مجموعة، د. ط، بيروت، دار الآفاق الجديدة. 75. الفيروزآبادي: محمد بن يعقوب (729،817 هـ)، البلغة في تراجم أئمة اللغة، تحقيق: محمد المصري الكويت جمعية إحياء التراث الإسلامي، 1407ھ / 1987 م.
76. القفطي: أبو الحسن علي بن يوسف (ت 646 هـ)، إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، د. ط، 4 ج، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ت.
77. القيسي: أبو محمد مكي بن أبي طالب (355، 437 هـ)، مشكل إعراب القرآن، تحقيق: حاتم صالح الضامن ط 4، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1988 م. 78. ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي (ت 774 هـ)، البداية والنهاية، دار الفكر العربي، 1967 م. (1/273)
صفحة 271
274
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
79. كرم البستاني وغيره المنجد في اللغة والأعلام، ط 35، بيروت، دار
الشروق، 1996 م.
80. الكفوي: أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني (ت 1094 هـ/ 1683 م)، الكليات تحقيق عدنان درويش، وغيره، ط 2 بيروت، مؤسسة الرسالة
1998/ 1419
81 المبرد: أبو العباس محمد بن يزيد (ت 285 هـ)، المقتضب، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة 3 ج، القاهرة، عالم الكتب.
82. محمد خير الحلواني أصول النحو العربي، ط 2، الرباط، الناشر الأطلسي، 1983 م
83. محمد عرفة، النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة، د. ط، القاهرة، د. ن. 84. محمد عيد، أصول النحو العربي في نظر النحاة ورأي ابن مضاء وضوء
علم اللغة الحديث، ط 4، القاهرة، عالم الكتب، 1410 هـ/ 1989 م. 85. محمد محمد بالروين قواعد المنطلق الصوري والرمزي ومناهج البحث العلمي، بيروت، دار النهضة العربية، 1998 م.
86. محمود مصطفى عبود آل هرموش معجم القواعد الفقهية الإباضية 2 ج وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط، د. ط، د. ت.
87. مراد وهبة، المعجم الفلسفي، ط 3، القاهرة، دار الثقافة الجديدة، 1979 م. 88. ابن مسعر: المفضل بن محمد بن مسعر (ت 442 هـ)، تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين، وغيرهم تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، ط 2، هجر، الجيزة، 1412 هـ /1992 م. (1/274)
صفحة 272
قائمة المصادر والمراجع والدوريات
275
89. ابن مضاء: أبو العباس أحمد بن عبدالرحمن اللخمي الأندلسي (513،
592 هـ)، الرد على النحاة، د. ط، تحقيق: شوقي ضيف، دار المعارف، د. ت. 90. المطرزي: أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم (538، 610 هـ)، المصباح، تحقيق: مقبول علي النعمة، بيروت، دار البشائر الإسلامية، ط 1: 1414 هـ/
1993 م.
91 معاذ السرطاوي ابن مضاء القرطبي وجهوده النحوية، عمان، دار مجدلاوي، 1408 هـ / 1988 م.
92. مفرح السيد عبد البر سعفان، علل النحو العربي بين التراث النحوي
وعلم اللغة الحديث، رسالة دكتوراه جامعة المنوفية، 1415 هـ/ 1994 م. 93. المقرئ: أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد (ت 349 هـ)، أخبار النحويين، تحقيق: محمد إبراهيم البنا د، ط، القاهرة، دار الاعتصام،
1981/ 1401
94 منى إلياس القياس في النحو مع تحقيق باب الشاذ من المسائل العسكريات لأبي علي الفارسي، دمشق، دار الفکر، 1405ھ/ 1985 م. 95. ابن منظور: أبو الفضل محمد بن مكرم الإفريقي المصري (630، 711 هـ)،
لسان العرب، ط 3، 15 مج، بيروت، دار صادر، 1414ھ / 1994 م. 96 مونان؛ جورج، علم اللغة في القرن العشرين، ترجمة: نجيب غزاوي، د. ط دمشق، وزارة التعليم العالي، 1972 م.
97. ابن النديم: محمد بن إسحاق (ت آخر القرن 4 هـ)، الفهرست، تحقيق:
الشيخ إبراهيم، رمضان ط 2، بيروت، دار الفتوى، 1417 هـ/ 1997 م. (1/275)
صفحة 273
276
أصول النحو ... النظرية النحوية والابعاد اللسانية
98. النحاس: أبو جعفر أحمد بن محمد (ت 338 هـ)، إعراب القرآن، تحقيق:
زهير غازي زاهد، ط 3، 5 ج، بيروت، عالم الكتب، 1409 هـ/ 1988 م. 99. ابن هشام أبو محمد عبد الله بن هشام الأنصاري (708، 761 هـ)، شرح شذور الذهب ومعه: منتهى الطلب بتحقيق شذور الذهب رحلة السرور إلى إعراب شواهد الشذور تأليف بركات يوسف هبود)، ط 2، بيروت، دار الفكر، 1419 هـ، 1998 م. 100. نفسه، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق: مازن المبارك.،وغيره، بيروت، دار الفكر، 1412 هـ/ 1992 م.
101. ابن الوراق: أبو الحسن محمد بن عبد الله (ت 325 هـ)، علل النحو، تحقيق ودراسة: محمود جاسم الدرويش الرياض مكتبة الرشد، 1420 هـ /
1999
102. وهبة الزحيلي أصول الفقه الإسلامي د. ط، 2 ج، دمشق، دار الفکر،
1996/ 1416
103. اليماني: عبد الباقي بن عبد المجيد (680، 743 هـ)، إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين تحقيق عبد المجيد دياب، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1406، 1986 م. (1/276)
صفحة 274
الصفحة
المقدمة
كشاف الموضوعات
الموضوع
الفصل الأول: السماع والاطراد والشذوذ المبحث الأول: السماع
المبحث الثاني: الاطراد
المبحث الثالث: الشذوذ
المبحث الرابع: قضيتان تخصان المطرد والشاذ
المبحث الخامس: تحديد المطرد والشاذ بنسب محددة تفرقهما
عما عداهما من المصطلحات القريبة من معناهما المبحث السادس: علاقة الاطراد بعدد أمثلة الظاهرة
المبحث السابع: الغاية من عناية النحاة بالمطرد والشاذ المبحث الثامن: أقسام المسموع حسب اطراده أو شذوذه في الاستعمال والقياس أي القاعدة، وأحكام كل قسم
خرائط ذهنية لمباحث المطرد والشاذ الفصل الثاني: الأصل والفرع
المبحث الأول: تعريف الأصل والفرع
المبحث الثاني: كيفية توصل النحاة إلى أصل الظاهرة المبحث الثالث: أسباب نشأة فكرة الأصل والفرع خرائط ذهنية لمباحث الأصل والفرع
الفصل الثالث: القياس النحوي المبحث الأول: تعريف القياس (1/277)
صفحة 275
المبحث الثاني: أركان الحمل المبحث الثالث: أنواع الحمل
خرائط ذهنية لمباحث القياس النحوي الفصل الرابع: أدلة النحو
المبحث الأول: عرض أدلة النحو حسب ترتيبها ومصادرها
المبحث الثاني: شرح أدلة النحو
المبحث الثالث: التعليق على أدلة النحو خرائط ذهنية لمباحث أدلة النحو
الفصل الخامس: التعليل
المبحث الأول: التعريفات اللغوية للعلة والتعليل في
القديم
المبحث الثاني: العلة والتعليل في اصطلاح النحاة القدماء المبحث الثالث: تقسيم العلل إلى أنواع عند القدماء المبحث الرابع: نشأة التعليل وتطور التأليف فيه
المبحث الخامس: شروط العلة المقبولة وصفاتها المبحث السادس: مسالك العلة
المبحث السابع: قوادح العلة
خرائط ذهنية لمباحث التحليل
الفصل السادس: دور أصول النحو في بناء تصور لساني
حديث
المبحث الأول: جدل المحدثين في المؤثرات الخارجية التي تأثر بها النحاة في نظريتهم
المبحث الثاني: دور الأصوليين النحاة في بناء تصور لساني
حديث (1/278)
صفحة 276
252
261
265
المبحث الثالث: ما لم يعتن به الأصوليون النحاة وتنبه له
الأصوليون الفقهاء أهم نتائج الدراسة
قائمة المصادر والمراجع والدوريات (1/279)
صفحة 277
للاطلاع على قائمة إصداراتنا:
بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان
@ bait.alghsham
طبع بمطابع مؤسسة عمان للحملة والنشر والإعلان
Oman Establishment for Press, Pubion and Acherbung (1/280)