صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - لغة عربية
------------------------------------------
العنوان: الخليل وكتاب العين
المؤلف: هادي حسن حمودي
مقدمة: محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي
الناشر: د.ن
مكان النشر: لندن
تاريخ النشر: 1414ه/ 1994م
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 94/79
الملاحظات: ألف بمناسبة التراث العماني
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1513&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/476
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 26 رجب 1446ه/ 26 - شهر 01 - 2025م. بمناسبة عام التراث العُماني
الخليل .. وكتاب العين
دكتور هادي حسن حمودي (1/1)
صفحة 2
مناسبة العام المتلاث العماني
الخلية. وكباب العين
ANYANYANYANYAN
وكتر هادي جتين عمودي (1/3)
صفحة 3
الخليل .. وكتاب الدين (1/4)
صفحة 4
العنوان: الخليل وكِتَابُ العَين ألّفه دكتور هادي حسن حمودي لندن: 1414 هـ / 1994 م
بمناسبة عام التراث العُماني
حقوق الطبع محفوظة (1/5)
صفحة 5
بسم
الله الرّحمن الرّحيم (1/7)
صفحة 6
مقدمة
قدَّر لي أن أتصفح كتاب «الخليل وكتاب العين» الذي أشرقت به عبقرية الأستاذ الموفق الدكتور / هادي حسن حمودي، فجاء نوراً وهاجاً يعمي من تجاهل عن الحقيقة، وينير طريق المسترشد، ويهتدي
بسناه الباحث عن الصواب والطالب للمعرفة من أوضح الأبواب.
،
هنا نقف لنقول: أن العين هو الخليل، والخليل هو العين، ولا عبرة بغير هذا «إذ لا أثر بعد عين»، تأمل أيها القارئ هذه الإضاءة التي أنقلها إليك:
>>
... ذكر عند العزيز بالله (1) كتاب العين للخليل بن أحمد، فأمر خُزَّان دفاتره، فأخرجوا من خزانته نيفاً وثلاثين نسخة من كتاب العين، منها نسخة بخط الخليل بن أحمد
إنتهى
«
نقلا من كتاب «أقدم المخطوطات العربية في مكتبات العالم»
للمؤلف كوركيس عواد - عضو المجمع العلمي العراقي - منشورات
وزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية سنة 1982 م.
هذه هي الحقيقة لمن طلبها، والله ولي التوفيق
محمد ك
محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي
(1) هو الخليفة الفاطمي بمصر العزيز بالله بن المعزّ دامت خلافته من سنة 365 إلى 386 هـ (975 - 996 م).
- (1/9)
صفحة 7
تعديم تقديم لتقديم
تحديم يهديم تقديم تقديم (1/11)
صفحة 8
لا
يمكن لأي نهضة أن تكون عظيمة، وذات نتائج إيجابية باهرة، من غير أن تجعل الانسان غاية لها .. وعلى يديه تشيد بنيانها .. ضمن خطط علمية مدروسة باستجابة خلاقة وانبثاق صميم من ذلك الانسان نفسه ومكوناته الحضارية، تراثا وحاضرا ومستقبلا. إن هدف النهضة الحقيقية هو الانسان وسعادته وإحساسه بكرامته، وارتباطه ببلاده وقيمه الأصيلة ..
وهذا ما هو ملموس، وبكل وضوح، في مسيرة النهضة العمانية، سواء في الاطار النظري أم في الاطار العملي الواقعي .. ومن الطبيعي أن الاستمرار في مسيرة النهضة ينبثق بالدرجة الأولى، من وجود إرادة النهضة، ومكانتها في التوجه الاجتماعي .. وذلك لا يتأتى الا بارتفاع درجة نضوج المواطن وتحوله الى جزء فعّال في العمل النهضوي .. لأن المواطن، حين يشعر ذلك الشعور، ويتكوّن عنده الوعي الكافي بأنه هدف للنهضة، وبأن التاريخ سيقف أمام إنجازاته الآنية ليضعها في موضعها الملائم لها، سيخترق، وبكل تصميم، شرنقة الجمود والكسل ويلتزم باختيارات بلاده في النمو المتزن، والمتواصل وعلى جميع المستويات ..
ويتحقق هذا بممارسة الوعي التاريخي برسالته الحضارية، وضرورة اندماجه وانتظامه في متطلبات تلك الرسالة، لا على أساس أنه جزء لا يتجزأ منها، فحسب وإنما أيضا على أساس أنها جزء لا يتجزأ من
إرادته هو ..
ولقد أثبت التطور التاريخي للمجتمع العماني، أن هناك ارتباطا
- 13 - (1/13)
صفحة 9
وثيقا بين ماضي العمانيين القريب والبعيد، وبين حاضرهم .. وأيضا مستقبلهم الذي يرسون أسسه منذ أربعة وعشرين عاما .. وما زالوا
مستمرين ..
أن
فمسيرة عُمان نمت بشكل مطّرد وطبيعي، كما ونوعا .. بمعنى المجتمع قد تطور ماديا، كما اغتنى روحيا عبر تطوير كوامنه الموروثة، فأصبح ذاتا فاعلة واعية للابداع الحضاري ..
إن هذا النمو أخذ على عاتقه التخلص باستمرار، من مظاهر التخلف في ميادين الحياة كافة كما هيأت القيادة العمانية الحكيمة، مرتكزات القوة في نجاح مسيرة البلاد، سياسيا واجتماعيا
واقتصاديا .. عبر العمل المنتج أولا، والتثقيف المستمر ثانيا. ومن البديهي أن عملية النهضة ليست عملية عفوية، ولا عملا عشوائيا، يقدم عليه من شاء وقت شاء، أو يتوقف عنه وقت يشاء .. بل هي عملية معقدة، لا يمكن أن تظهر للوجود، ولا أن تستمر بنجاح، إن لم تتهيأ لها قيادة حكيمة واعية، تفهم التاريخ وقوانينه، على مختلف جوانب الحياة ..
معه
ولعل من حسن طالع أبناء عُمان أن قيض الله تعالى، لهم قائدا من أنفسهم، أخذهم في مدارج التطور والتقدم .. فكانت هذه النهضة التي لا يمل الانسان من الحديث عنها، لما فيها من عمل خلاق، ومشاريع تنجز، أو قيد الانجاز في فترة وجيزة، لا تتجاوز العقدين من عمر الزمن ..
وللشعب العماني وعبر التاريخ ميزاته التي تساعده على انضاج مشاركته في النهضة، فقد عرف عنه الترابط الاجتماعي، والانشداد (1/14)
صفحة 10
الى التراث والتطلع الدائم الى العطاء والى صياغة (غد مشرق) على حسب تعبير قائد النهضة العمانية المعاصرة، جلالة السلطان قابوس بن سعيد.
شعب عُمان يتمتّع ومنذ القديم، بميزات انسانية رائعة .. شهد لها كل من زار عُمان كما كتب عنها الرحالة والمؤرخون .. إن الانسان العماني، لا يمكن أن يتنازل عن مكوّناته الذاتية، لأنه أنه يفهم ابن التاريخ، ولأنه يشاهد أمامه، دائما، آثار مجده الغابر .. فتتغلغل حضارته السابقة على هذا القدر أو ذاك من الوعي التاريخي، بأعماق مشاعره .. ولعلنا نلاحظ اليوم، أن هناك شعوبا قد ركنت الى نعومة الحياة، ولونتها الدعة بألوان من البطر والكسل .. ولكن، ليس العماني من بينهم بكل تأكيد ..
ان المجتمع العماني، ومهما تطورت حياته، ومهما اكتسب من جديد العالم، واستعمل من أدوات الحضارة الحديثة، وتنعم
بمكتسبات، نهضته سيبقى ذا روحية متوقدة .. مجتمع، هو الذي يصنع الغد الحقيقي المستقر على
إن هكذا
معطيات تاريخه وتراثه ..
ومن
هنا يأتي تخصيص هذا العام /1994/ عاما للتراث العماني، على ما أعلن عنه قائد عمان وسلطانها المبجل في 1993/ 11/18 تجسيدا حيا لعراقة هذه البلاد، ومدى ارتباطها المكين بماضيها الحافل الذي تستمد منه صورا رائعة من العطاء لبناء واقعها الحالي، ومستقبل أجيالها القادمة ..
_10_ (1/15)
صفحة 11
ولقد كان من توفيق الله سبحانه أن عُنيت بالتراث العماني، ونظرت في بعض من شواهده الشاخصة للأجيال، ودعتني أمجاد ذلك التراث للتجول في ساحاته المترامية الأبعاد .. ولكني أعترف أن الخليل بن أحمد الفراهيدي، هو الذي شغلني أكثر من غيره، من أعلام عمان وعلمائها .. ولا أظنني مخطئا في الاستجابة الى ذلك الانشغال .. فالخليل بن أحمد رجل خلق من الذهب والعنبر، على حسب تعبير معاصريه من أهل الحكمة والعلم
والمعرفة.
عبر
والخليل، ذلك الرائد الذي لا يكذب أهله .. بل كتب لهم الخلود الأجيال المتمادية في الزمن .. إذ ترك لهم صيتا لا يبلى من العلم المبدع والخلق الرفيع .. وحقا ان أعمال الخليل، كانت (نهضة) بكل ما في كلمة النهضة من معان .. فهو الذي أنهض الأمة، ونقلها من حال الى حال .. وأخذ بيدها في مدارج العلم والعمل النافع .. فكوّن مجموعة من الطلاب الذين أصبحوا علماء رأسوا الأمصار في العلم، والتف حولهم المريدون يأخذون عنهم، ويتطورون الى يوم الناس هذا، وفي جميع البلدان العربية أو المهتمة بلغة العرب وتراثهم .. وهم ما أخذوا الاغلالة من علم الخليل بن أحمد الأزدي، وما تطوروا الا
بنهجه
الذي سنّهُ لهم .. وقادتني احتفالات عمان بعام تراثها .. الى هذا البحث الذي آمل أن يسد فراغا تشكو منه المكتبة العربية عموما .. حول العبقري الأول في تراثها اللغوي والنحوي والعروضي .. وحول أول كتاب علمي ممنهج
-17 - (1/16)
صفحة 12
كتبه العرب في حياتهم، وهو كتاب (العين) .. هذا الكتاب الذي جار عليه الزمان كما جار عليه المتقوّلون هنا وهناك، ما بين تشكيك بنسبته، وما بين عبث بمادته ..
ولذلك صححت العزم على أن أطرق هذا الباب، وأن ألج في مضمار البحث عن الحقيقة .. وكنت قد وطنت نفسي أن آخذ بالحقيقة مهما كانت .. بل وضعت أمام عيني احتمالا قويا، في أن يكون المتشددون في عدائهم للخليل ولكتاب (العين) على حق فيما يقولون .. ولكني، وبعد أن سرت في الشوط الى آخره، وجدت الحق مرتكنا الى الخليل، وأن مقاليد الابداع قد ألقت رحالها عند ركاب
راحلته ..
بي
ولذا استهللت هذا البحث بالحديث عن العلاقة التي شدتني الى الخليل وكتابه ((العين) .. ليكون ذلك مهادا أدخل عبره الى الفصل الأول الذي بحثت فيه عن حياة الخليل، ومجرياتها .. ثم لأصل الى دراسة كتاب العين في الفصل الثاني الذي هو أوسع فصول البحث لأنه انصرف الى مناقشة المشككين في نسبته الى الخليل .. وليصل الحديث الى المشككين من المعاصرين الذين أبوا الا أن يدخلوا مضمارا لم يخلق لهم، ولم يخلقوا له .. فكان الفصل المخصص للحديث عما كتبوه وتعجّلوه وكأنهم (مستغربون) يأبون على الخليل أن يكون مبدعا، وأن يكون للعرب مجد علمي باذخ رسّخ الخليل أسسه في (العين) و (الكتاب) وأوزان الشعر والعروض والقوافي .. حتى إذا انتهيت من محاورتهم ومناقشتهم عدت الى كتاب العين أستجلي منهجه، وأثبت طريقة مؤلفه ..
- 17 - (1/17)
صفحة 13
ثم رأيت اتماما للفائدة وإظهارا للحجة، أن أثبت مقدمة كتاب
العين التي نقلها عن الخليل، تلامذته وهو يشرح فيها كيف كتب (العين) .. وكيف نظر الى تركيب حروف اللغة وأصواتها، وكيف أمكنه أن يجعل ذلك طريقا جديدا في حصر الألفاظ العربية، ثم كيف فهم طبيعة تركيب الأصوات لتكوين الحروف فالكلمات، بما لا تزول جدته وصوابه ..
الفقير،
من
وما زالت آراء الخليل يحتفل بها ويحتفى في أوساط العلماء، شرقا وغربا، وهم في أشد العجب من كيف استطاع ذلك العربي والذي لم يمتلك لا مخبرا صوتيا، ولا أجهزة سمعية، ولا أي أداة أدوات العلم اللغوي المعاصر .. أن يصل الى ما وصل اليه من نظريات صائبة لم يستطع العلم أن يدحضها .. بل جاءت جميع التجارب والاختبارات والكشوف اللغوية بما يؤكد ما ذهب اليه الخليل بن أحمد قبل ألف ونيف من السنين. ثم شئت أن أقدم هذا الجهد لأحفاد الخليل، ومحبيه، من أهل عمان خاصة، ولكل محبي العربية، في كل مكان .. فكتبته بكل ما أملك من جهد وإخلاص .. معتذرا عما قد يكون مثيرا لحزازة هنا، أو ضيق
صدر هناك ..
- 18 -
د هادي حسن حمودي لندن في 1/ 1994/1 (1/18)
صفحة 14
رسالة
بين يد
الخليل (1/19)
صفحة 15
أيّها
أحمد
العبقري المصوغ من الذكاء والاخلاص .. طالما تساءلت: ما الذي يشدني اليك، وأنت الخليل بن الفراهيدي الأزدي الذي عشت بعيدا عن زمني
هذا،
بألف وثلاثمائة عام وعام؟! وتساءلت: وما هذا الذي يشدني الى عُمانك المنبثقة من أقدم ما عرفته البشرية من عصور الحضارة وصورها؟
أهي صلة النسب عبر الآماد المتقادمة من الزمن؟ أم هي وشائج الاسلام العظيم، ولغة قرآنه الكريم؟ أم هي هذه النهضة الحديثة الرائعة التي تشيد عُمانك بنيانها الراسخ الوطيد؟ أم كلّ ذلك مجتمعا؟ فلقد شَغَلَتْني عُمان منذ أن بدأ منها، ومن اليمن قبل انهيار سد مأرب، ومن بعد انهياره توغل القبائل العربية في عمق شبه الجزيرة العربية، محمّلة بتراث من العراقة والأصالة، وقيم الحضارة، صُعُدا
باتجاه نجد وبلاد الشام وأرض الرافدين .. ثمّ شَغَلَتْنِي عُمان، حينما حمل أزدها عراقتهم، الى العراق، وابتنوا بلبناتها أولى حواضر العلم والفكر والثقافة، في تاريخ الاسلام الحضاري، وأعني بها مدينة البصرة، ومدرستها العلمية، التي ترفدت منها سائر الحواضر الثقافية في الكوفة وبغداد، وغيرهما .. ثم شغلتني عُمان أن من أزدها انطلق العلم اللغوي العربي، الباحث في اللغة الفصيحة وقوانينها، وأساليبها في النحو وفقه اللغة والعروض، وتطوّرات ذلك في الدراسات القرآنية، وقضايا الحضارة العربية الإسلامية الاخرى .. على يدك، أيها الخليل بن أحمد، وعلى
- 21 - (1/21)
صفحة 16
أيدي تلامذتك والسائرين على دربك .. ابن دريد والمبرد، وكلاهما من أزد عُمان فلله درّ عُمان، وأزدها أي سحر مستكن فيها! وأيّ علم موروث عنها! وأيّ حضارة مفادة منها! الخليل الجليل يغادر عُمان الى أعماق الجزيرة، ثم الى البصرة،،فخراسان فالبصرة فعُمان فالبصرة أيضا، حيث ثوى فيها، بعد حياة حافلة بالعلم وجلائل الأعمال كان، رضوان الله عليه، يحجّ سنة، ويغزو أخرى، وما بين الحج والغزو، أو الغزو والحج، يبني للعرب وللمسلمين عموما مجد التاريخ العلمي، فيضع أوّل معجم عرفته العرب في تاريخها عوّلت عليه علماؤها، وتطوّرت به فصحاؤها، وصار أساسا لكلّ الدراسات اللغوية، والأعمال المعجمية الى يومنا هذا، وسيبقى الى ما شاء الله سبحانه، نبعا للغة ومعينا للدارسين هو كتاب العين. ثم ان الخليل رسم للعلماء والأدباء وأهل النظر والكلام والفلسفة القوانين التي تنظم كلامهم وتعرفهم على مواقع الجمال في التعبير، وهي المتمثلة في النحو الذي نقله سيبويه عنه في (الكتاب). ويكتشف لهم، بعبقرية نادرة التكرار عديمة المثال، قوانين العروض، في البحور والدوائر العروضية إفصاحا عن جمال سبق، وتحقيقا لابداع آت أخذ به شعراء العربية، فأملوا على الأيام شعرا باقيا هو ملء السمع، وفخر التاريخ نبضات إنسانية راقية، مهد لها الخليل دروب الإيجاد، والتقويم، عبر استنباطه موسيقى أشعار العرب، لا عن
مثال سبقه ولكن عن عبقرية ما جاد الزمان بمثلها بعد .. هذا الى خُلُق قويم عظيم، منبثق من ذلك النسب العربي الأزدي
22 - (1/22)
صفحة 17
الباذخ ومن قيم الاسلام وأخلاقياته الفذة ..
ثم شغلتني عُمان بنهضتها الحديثة المباركة .. تبتني مجد المستقبل على أساس قويم من مجد التراث العماني العريق ..
سيدي ..
أيها الخليل الجليل ..
لقد جَنّت الأيام عليك فهذا كتابك العظيم (العين) وهو واحد من أكثر الكتب عراقة، إذ هو أوّل معجم في العربية، أدخلت الأيام على عبارته كثيرا من أغلاط هنا وتحريفات هناك، وتصحيفات هنالك، فكان لا بد من دفع الضير عنه وتقريبه الى مدارك أهل هذا الزمان، وذلك بإعادة تبويبه تبويبا عصريا ينسجم مع المراد من العمل المعجمي، بحسب مواضعات عصرنا لا عصر الخليل .. وهو التبويب المعمول به في المعجمات الحديثة، بالتنسيق على الألفباء (أ، ب، ت، ج، ح، خ، د .. الخ .. ) تيسيرا للطلب، وإحياء للكتاب، وبذلك تجتمع أصالة التراث بمنهج النظر العصري العملي في ميدان تأليف المعجمات اللغوية. فمن أجدر من عمان، موطن الخليل بن أحمد، وهي تبتني نهضتها الحديثة المباركة بالعناية بهذا الكتاب وإحيائه، ووضعه بين أيدي الدارسين والعلماء المعنيين بلغة العرب وتراث الإسلام، تخليدا لسفر أثمن أسفار التراث، ونفعا لأجيال الأمة المتطلعة الى مستقبل
ث
من
علمي مشرق؟! ومن أجدر من عُمان باحياء ذكراك أيها العالم الفذ خاصة، وسائر علمائها الآخرين عامة .. وهي تحتفل بعام تراثها المجيد؟!
- 23 - (1/23)
صفحة 18
الفصل الأول
القصة
للفارس العماني
الكاملة
الذي ترجل.
تله
البصرة (1/25)
صفحة 19
عمان في أقصى جنوب جزيرة العرب، وبين ظهراني قبيلة الأزد في حدود سنة مائة للهجرة، ولد طفل سمّي خليلا، وربّما كان اوّل طفل يولد في الاسلام يسمّى بذلك، كما ان أباه، هو أول من سمّي بـ (أحمد) بعد رسول الله (ص) (1). بين ظهراني الأزد، عربيا فصيحا درج على ما درج عليه القوم من قيم الاخلاق الرفيعة، فنشأ في نفسه عزيزا، كريما، طموحا. ولا بد انه أخذ نفسه بتلقي العلم عن شيوخ قبيلته ومعلميها، وشدّ الرحال نحو أعماق البوادي تجارة، أو رحلة، او طلبا للغة الفصيحة
نشأ
وشواردها. ويبدو ان (البصرة أولى عواصم الادب والثقافة يومئذ، قد اجتذبته اليها فكسبت به صيتا لا يبلى، حيث عقد فيها مجالس العلم المعروف آنذاك، مدارسة القرآن الكريم، وما يتصل به من رواية للغة،
واستنباط لقواعد التعبير، الذي عرف فيما بعد بالنحو.
هناك
البصرة، كان للأزد مقام عريق من قبل الفتح الاسلامي
للعراق .. فالبصرة كانت ملتقى الطرق البرية التي تربط بين الشمال والخليج واليها تنتهي سفن العمانيين القادمين من عمان، أو المتاجرين بين البصرة وسائر الموانئ حتى موانئ الهند والصين وزنجبار على شواطئ أفريقيا الشرقية .. لقد كانت طرق التجارة والسياحة برا وبحرا تفرض على العمانيين أن يتواجدوا في جميع الموانئ .. حتى أن الفاتحين المسلمين حين دخلوا البصرة بنوا فيها سبعة معسكرات سكنية اثنين، بالخريبة واثنين بالزابوقة وهما حارتان من حارات
- YV_ (1/27)
صفحة 20
البصرة، وثلاثة في ديار الأزد، بحسب تعبير ياقوت الحموي (2). وإضافة الى هؤلاء، فقد شكل الأزديون قسما كبيرا من جيش الفتوحات التي توجهت الى العراق، بينما غلبت قبائل شمال الجزيرة على الجيوش التي توجهت لفتوحات الشام وغيرها ..
وقد حظيت جيوش الفتح في القسم الجنوبي من العراق، بمساعدة لدن الأزديين الذين كانوا قد استوطنوا البصرة، قبل ذلك
كبيرة من
بما لا يُعرف من السنين. وحينما أمر الخليفة عمر بن الخطاب (رض) بتمصير مدن تكون مستقرا للفاتحين وعوائلهم التي كانت تصحبهم في الفتوحات، لم يجد المسلمون خيرا من البصرة والكوفة لكثرة العرب فيهما وعدم وجود موانع طبيعية بينهما وأرض الحجاز ..
ويذكر المؤرخون أنه كان في موقع البصرة الحالي خطط للأزديين، ولأقوام أخرى، وكانت المنطقة تسمى بس راه) أي ملتقى الطرق الكثيرة، وهي كلمة فارسية عربت الى البصرة) (3) .. وبالطبع فان هناك تعليلات كثيرة لتسميتها بالبصرة، ولكن هذا أقربها الى الواقع، فيما أراه، نظرا لطبيعة المنطقة التجارية والتقاء الطرق البرية والبحرية
فيها.
وينقلون أيضا أن البصرة قد نمت بالقبائل العربية حتى بلغ عدد سكانها حوالي النصف مليون نسمة .. وكان معظم هؤلاء السكان من قبائل الأزد، سواء كانوا مقيمين فيها من قبل الفتح، أم اتخذوها موطنا بعده، وسواء كانوا من المحاربة الذين قدموا بمعية الجيوش، أم هاجروا اليها بعد ذلك .. فلم يكن عجبا أن يشد الخليل رحاله اليها،
_ YA_ (1/28)
صفحة 21
وبخاصة أنها أصبحت المدينة التي استوطنها العلم، وكثرت فيها مدارسه، وتياراته، واتجاهاته ..
حلقات
لقد فاجأ الخليل البصرة بعلمه وزهده وتقاه كان يحج سنة ويغزو سنة، وفيما بين الحج والغزو أو الغزو والحج، يمضي أيامه في الدرس، او تصنيف المؤلفات زاهدا فيما تسابق اليه غيره من ثمن مادي ربيح او صيت شائع ذائع فسعى اليه الربح الوفير، والصيت المستطيل، فحافظ على صيته وبذل غيره، فظل حيّا على الرغم من تطاول الايام والشهور والسنين منح الاجيال علم النحو عبر الكتاب، وعلم اللغة عبر العين وضبط موازين الاشعار عبر استنباطه لبحور الشعر ودوائر العروض وأغنى الكتب بما رواه من أدب ولغة
وحكايات.
ولا يخامرنا الشك في أن الخليل لم يدخل البصرة الا بعد أن اكتملت أدواته العلمية، ووجد في نفسه القدرة والكفاءة على أن يقدم رسالة العلم والثقافة في أولى حواضر العلم والثقافة، يومذاك، وهي البصرة ..
ومن
أدل الأدلة على هذا الذي نراه ما يذكره ابن العماد في شذرات الذهب عن كيفية بدء العلاقة بين الحسن البصري، فقيه البصرة وعالمها المشهور (4) وبين الخليل بن أحمد، فينقل أن الخليل حين نزل البصرة كان يعتزم مناظرة الحسن البصري، وجلس مع الجالسين يستمع الى ما يقوله الحسن، وهو ساكت، فسئل عن سكوته فقال هو رئيس منذ خمسين سنة فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد (5).
- 29 - (1/29)
صفحة 22
أنه
وهذه الواقعة لا تشير الى اكتمال أدوات الخليل العلمية من قبل دخوله البصرة، فحسب، وإنما تشير، أيضا، الى خلقه الرفيع، وتواضعه الجم الذي عرف به طيلة حياته .. وهذا لا يعني أنه لم يأخذ عن شيوخ البصرة وعلمائها، وإنما يعني: جلس الى أولئك العلماء، كما يجلس عالم الى عالم، يستفيد كل الآخر .. فلم يكن أخذه للعلم أخذ تقليد ومتابعة، وإنما كان أخذ تجديد ومناقشة وحوار وإضافات ثرة، وقد أثر عنه أنه كثيرا ما كان يقول: (كن) على مدارسة ما في قلبك أحرص منك على
منهما من
حفظ كتابك) (6).
وبعد
أن أدى رسالته أفضل أداء، انتقل الى رحاب رحمة ربه في
حوالي سنة 175 هـ.
أقوال له:
كان،
الله رحمه يقول البيتين والثلاثة في الأحداث التي تمر به،
شعرا سلسا جميلا منسابا.
يروون
أنه كان يقطع العروض، فدخل عليه ابنه وهو على تلك الحال، فخرج الى الناس وهو يقول انّ أباه قد جُنّ، فدخلوا عليه وأخبروه بما قال ابنه فقال له: لوكنت تعلم ما أقول عذرتني
أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني
ومما يروونه له:
وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
- r. (1/30)
صفحة 23
وقبلك داوى الطبيب المريض
فكن مستعدا لداعي الفناء
فعاش المريض ومات الطبيب
فان الذي هو آت قريب
وأرسل اليه والي الاهواز ولده ليؤدبه راسما له مرتبا مغريا، فأخرج الخليل الى رسول الوالي خبزا يابسا، وقال كل، فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي في سليمان، فقال له الرسول: فما
أبلغه؟ فأنشأ يقول:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة
سخى بنفسي أني لا أرى أحدا
وفي غنى غير اني لست ذا مال
يموت هزلا، ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
فالرزق عن قدر، لا العجز ينقصه
ولا يزيدك فيه حول محتال
ويروون له قوله في أهل العلم ان لم تكن هذه الطائفة اولياء الله، تعالى، فليس لله تعالى، وليّ.
وكان رحمه الله يقول: انّي لأغلق علي بابي فما يجاوزه همي. وله: أكمل ما يكون الانسان عقلا وذهنا إذا بلغ أربعين سنة، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمدا (ص). وأصفى ما يكون
ذهن
الأنسان في وقت السحر.
وكثيرا ماكان يردد قول الشاعر:
واذا افتقرت الى الذخائر لم تجد
- 31 - (1/31)
صفحة 24
ذخرا يكون كصالح الأعمال
ونسب اليه قوله في الشيخ عيسى بن عمر وكتابيه (الاكمال)
و (الجامع):
بطل النحو جميعا كله
غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع
وهما للناس شمس وقمر ..
:
ورئي في النوم، بعد وفاته فقيل له ماصنع الله بك؟ فقال: أرأيت ماكنا فيه!؟ لم يكن شيئا وما وجدت افضل من: سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر.
رحمة الله عليه. من الشهادات فيه:
( .. وبعد، فان دولة الاسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب، اصول، من الخليل وليس على ذلك برهان اوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم، أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه، وانما اخترعه من ممر له، بالصفارين، من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجّة ولا بيان يؤديان الى غير حليتهما، او يفيدان غير جوهرهما. فلو كانت أيامه، قديمة ورسومه بعيدة، لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا، من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ومن امداد سيبويه من علم النحو بما صنّف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الأسلام).
حمزة بن الحسن الأصبهاني (1/32)
صفحة 25
أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين،
وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال.
تلميذه: النضر بن شميل
كنا نمثل بين ابن عون والخليل بن أحمد أيهما يقدّم في الزهد
والعبادة، فلا ندري ايهما نقدّم.
به
النضر بن شميل
مارأيت رجلا أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن
أحمد.
النضر بن شميل
أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه، وهو في خص لا يشعر
النضر بن شميل
* من أحبّ أن ينظر الى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر الى
أحمد.
سفيان بن عيينة
الخليل بن * الخليل بن أحمد .. سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو.
أبو البركات الأنباري الى عشرات الشهادات الأخرى في حقه، مما سنورد بعضا منها في مواضعها المناسبة من هذا البحث. ثم تسكت المصادر والمراجع عن تفصيلات حياته، حتى قال أحد الباحثين وهو يقدم رسالة جامعية عن الخليل: (ومما يدعو الى الأسف أن كثيرا من جوانب شخصية الخليل مجهول لدى الباحث، فلم يكد يعرف الا جانبا ضئيلا جدا من حياته العقلية، يوم ان عرف (1/33)
صفحة 26
أستاذا
من أساتذة البصرة، وشيخا من شيوخ العلم فيها وهي فترة لا يمكن تجاهلها، ولا يسع التاريخ ان يمر عليها دون أن يقف عندها طويلا. ولم نكد نعرف عن نشأته الا أنه ولد سنة مائة للهجرة، وتوفي سنة سبعين ومائة أو سنة خمس وسبعين ومائة، وإلا أخبارا هنا وهناك. أما كيف نشأ؟ وكيف قضى فترة صباه؟ بدأ تعلمه؟ وكيف تدرج في حياته العلمية؟ فهذه أسئلة يستطع الباحث الاجابة عنها لأنّ التاريخ نفسه لم يستطع الاحاطة بها حتى الآن) (7).
متفرقة من
ومتى
لم (1/34)
صفحة 27
حواشي الفصل الأول
1 - وفيات الأعيان 2/ 248. وينظر في ترجمة الخليل: نزهة الألباء 27 - 30، طبقات النحويين 43 - 47، بغية الوعاة 1/ 557 - 561، مرآة الجنان 1/ 303، النجوم الزاهرة 1/ 311، التهذيب لابن حجر 3/ 163 - 164، شذرات الذهب 275/ 2/1 .. والخليل بن أحمد للدكتور مهدي المخزومي .. وغيرها ..
2 - معجم البلدان 1/ 431. المصدر السابق 1/ 430.
- تنظر في ترجمته طبقات ابن سعد 7/ 156، وتهذيب التهذيب 2/ 263، وحلية
الأولياء 131/ 2 .. وغيرها كثير.
ه شذرات الذهب لابن العماد 2/ 106
6 - الكامل للمبرد 171 (ط. ليبزج). - الخليل بن أحمد: مهدي المخزومي 43
_ to_ (1/35)
صفحة 28
الفصل الثاني
كتاب العين
الذي
سار
ستار
المعجم
الشمس (1/37)
صفحة 29
البصرة
في أواسط القرن الثالث للهجرة، وهي تعيش في خضم حركة علمية مكينة نشيطة، غبر العلماء يعالجون أمور العلوم ومسائلها فريق
ينظر الى العلوم المستجدة، والمنقولة من اللغات الأخرى، في ميادين الفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك والكيمياء وما اليها، مما لم يكن للقوم فيها عهد قديم وانما هي مابين جديد وما بين موروث عن القرن الثاني بما لا ينفي جدَتَه في قوانين التطور العلمي الوئيد في تلك الايام (1)، وفريق يبني اضافاته على تراث وطيد راسخ من القراءة القرآنية والرواية اللغوية والادبية وتصنيف الاحاديث النبوية الشريفة، والتأريخ لما كان وما يتصل بذلك مما تعارف عليه القوم وشاع بين العلماء (2).
البصرة، في هذه الاجواء، فوجئت بظهور كتاب عنوانه (العين) (3)، قيل ان مؤلّفه هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي ترك على البصرة، بل على عموم أمصار المسلمين بصماته التي لا تقوى الايام على ازالتها، ومحو آثارها.
نقول: فوجئت البصرة بظهور ذلك الكتاب، كما لم تفاجأ بظهور اي كتاب آخر. لا لأنّها استكثرت على الخليل أن يؤلف معجما، فللخليل في نفوس الناس عامة وعلمائهم بخاصة، مكان رفيع من التبجيل والاحترام والاعتراف بالفضل بل لأنها وجدت في العين (1/39)
صفحة 30
تخليطا وغلطا وتداخلا في المواد، حيث يوضع في مادة، أحيانا، ما يصير الى مادة أخرى. وغني عن القول ان الخليل,
أن كان يجب عند القوم, أجلّ من يقع في ذلك.
كما لحظ بعض الناظرين في العين روايات عن علماء تأخروا عن زمن الخليل، فقويت شبهة أن الخليل لم يكتبه.
إضافة الى مسائل أخرى، نحن مستعرضوها بايجاز غير مخلّ، كي نصل الى قول ربّما يكون سديدا في هذه المشكلة التي عنّت الكاتبين
والباحثين قديما وحديثا.
وقبل الدخول في هذا، ينبغي أن نذكر أن المنهج العلمي يفرض علينا أن نرفض التشنيع على الذين كان لهم رأي في نحل الكتاب للخليل، ولا نعرف أشدّ اساءة الى العلم والعلماء من اتهام الجهابذة المدققين بالحسد) لليث راوية العين الوحيد، حين فاتهم أن يكونوا رواته) (4). فانّ التحاسد على افتراض حصوله، يكون بين بعض المتعاصرين، لا بين الأحياء ومن مات قبل قرن من الزمان. وهي الفترة التي مرت بين كتابة العين وانتقاله الى ميادين علماء البصرة. إن المسألة ليست مسألة تحاسد ولا حسد، بل هي مسألة النظر العلمي الدقيق في مادة تلك النسخة التي أخذت البصرة على حين غرّة .. فنظر فيها العلماء، نظرا حداهم الى اتخاذ موقف من (العين) .. وفي تطور العلوم، بما فيها مدارسة التراث فسحة واسعة للاجتهاد المبني على ما يستجد من مناهج ووثائق ورؤى. النظر العلمي الدقيق في الكتاب إذن هو السبب الرئيس في انقسام (1/40)
صفحة 31
العلماء في قضية تصحيح نسبته للخليل الى ثلاثة اقسام هي: -1 الفريق الأول: ويضمّ الذين أنكروا أن يكون للخليل أية علاقة بالكتاب الذي فاجأهم ظهوره والذي يحمل عنوان (العين). ويمثل هذا الفريق كلّ من أبي حاتم السجستاني (5) وأبي علي القالي (6)، وعلى الرغم من اننا لم نجد في آثارهما المتبقية مايفيد انكارهما البات هذا، فاننا لا نجد ما يمنع من الاعتماد على ما رواه الآخرون عنهما وعن نظرائهما، محتملين أن يكون ذلك الانكار، قد منهما أو سمع روي عنهما من غير أن يدوّناه في كتاب، أو انهما قد دوّناه وضاع
فيما ضاع من تراثهما.
يزعم السيوطي (7)، من غير أن يذكر مصدره، أن ابا علي القالي قال: ( ... لما ورد كتاب العين من بلد خراسان في زمن أبي حاتم، أنكره أبو حاتم وأصحابه أشدّ الانكار، ودفعه بأبلغ الدفع. وقد غبر أصحاب الخليل بعد مدة طويلة لا يعرفون هذا الكتاب، ولا يسمعون به منهم: النضر بن شميل (8)، ومؤرج (9)، ونصر بن علي (10)، وابو الحسن الأخفش (11)، وأمثالهم. ولو ان الخليل ألف الكتاب لحمله هؤلاء عنه وكانوا أولى بذلك من مجهول الحال (12) غير مشهور في العلم تفرد به وتوحد بالنقل له. ثم درج أصحاب الخليل فتوفي النضر ابن شميل سنة ثلاث ومائتين، والأخفش سنة خمس عشرة ومائتين ومؤرج سنة خمس وتسعين ومائة، ومضت مدة طويلة، ثمّ ظهر الكتاب بأخرة في زمان أبي حاتم وفي حال رياسته، وذلك فيما قارب الخمسين والمائتين، لأن أبا حاتم
- 41 - (1/41)
صفحة 32
توفي سنة خمس وخمسين ومائتين، فلم يلتفت أحد من العلماء اليه يومئذ، ولا استجازوا رواية حرف منه ولو صح الكتاب عن الخليل لبدر الأصمعي (13) واليزيدي (14) وابن الأعرابي (15) وأشباههم الى تزيين كتبهم وتحلية علمهم بالحكاية عن الخليل والنقل لعلمه، وكذلك من جاء بعدهم كأبي حاتم وأبي عبيد (16) ويعقوب (17) وغيرهم من المصنّفين فما علمنا أحدا منهم نقل في كتابه عن الخليل من اللغة حرفا) (18).
والقالي، ان صح هذا النقل عنه، لم يصل الى آخر الشوط، وما زالت الغاية أبعد مما وصل اليه ولنا على ما روي عنه، هذه الملاحظات:
أ قوله: (لما ورد كتاب العين من بلد خراسان في زمن أبي حاتم، أنكره أبو حاتم وأصحابه أشدّ الانكار .. ) بحاجة الى مزيد من التثبت، فأبو حاتم قد توفي في سنة 255 هـ، كما ذكرنا في احدى الحواشي السابقة، وأبو علي القالي لم يلتق به ولم يشافهه. وانما أخذ عن تلميذه ابن دريد (19) وابن دريد أحد كبار العلماء المعترفين بفضل الخليل وفضل العين كما سيأتي فيما بعد، وهو لم يذكر عن شيخه أبي حاتم السجستاني ما يشم منه رائحة الانكار والدفع. فمن أين للقالي، اذا صحت الرواية عنه، معرفة انكار ابي حاتم للكتاب؟! ولو افترضنا أن هذا المروي عن أبي حاتم صحيح، أبي حاتم صحيح، فان هذا المروي نفسه لا يحمل أدنى اشارة الى ان الخليل لم يؤلف العين، بل ومن المحتمل جدا أن يكون الانكار منصبا على تلك النسخة الواردة من خراسان، إذ وجد فيها السجستاني وأصحابه ما لا يصح أن يصدر
- EY_ (1/42)
صفحة 33
النسخة
لا
هي
الكتاب
عن عظيم من عظماء العربية الكبار كالخليل من اضطراب وأغاليط. وها نحن اليوم وبين أيدينا طبعة سنة 1967 لجزء من العين، والطبعة التي صدرت مؤخرا بتحقيق الدكتورين مهدي المخزومي وابراهيم السامرائي، فلو اعتبرنا أن هاتين الطبعتين تمثلان كتاب العين، لأنكرنا أن يكون المؤلف هو الخليل بن أحمد، بعبقريته وحسّه اللغوي الرهيف، وبراعته فيما يتعاطاه من شؤون العلم (20). فالانكار، إذن، قد ينصب على نسخة يقال انها المقصود، لا على الكتاب ذاته وصدوره عن مؤلّفه. وردت من خراسان بعد وفاة المؤلف بخمسة وسبعين عاما، أي بعد مرور جيل كامل بحيث يمكن أن ينتسخ فيه من الأصل ما يحصى من النسخ. ولا بد أن احدى هذه النسخ هي التي وقعت الى البصرة، وهي المقصودة بالانكار والدفع. لأن الطاهريين الذين حصلوا على النسخة الأمّ من العين (21) لم يكونوا من اولئك الذين يفرطون بالنفيس من الآثار. اضافة الى ان النسخة الأم مكتوبة بخطّ الخليل نفسه، ولو كانت النسخة الأمّ هي التي وردت البصرة لانتهى كلّ خلاف بشأن نسبتها لأنّها بخط المؤلّف. يقول الليث: (كنت أصير الى الخليل بن أحمد، فقال لي يوما: لو ان انسانا قصد وألف حروف ألف وباء وتاء وثاء على ما أمثله، لا ستوعب في ذلك كلام العرب، فتهيأ له أصل لا يخرج عنه شيء منه بتة، قال: فقلت له وكيف يكون ذلك؟ قال: يؤلّفه على الثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي، وانه ليس يعرف للعرب كلام أكثر منه. قال الليث: فجعلت استفهمه ويصف لي ولا أقف على ما يصف، فأختلف اليه
جميع
- (1/43)
صفحة 34
في هذا المعنى أياما، ثمّ اعتل وحججت، فما زلت مشفقا عليه، وخشيت أن يموت في علّته فيبطل ماكان يشرحه لي، فرجعت من الحج، فصرت اليه فاذا هو قد ألف الحروف كلّها على ما في صدر هذا الكتاب) (22). هذا اذا كان المقصود من قوله: ( .. فاذا هو قد ألف الحروف كلّها .. ) انه قد ألّف الكتاب، برمته، أما اذا كان المقصود، وهذا محتمل أيضا، أن الخليل قد وضع عناوين الابواب والجذور اللغوية بناء على طريقة التقليبات، في مرحلة أولى تأتي بعدها مرحلة حشو المادة اللغوية، فيكون الكتاب بخط الليث. ومما يسند هذا الاحتمال ماذكره ابن الانباري (23) من انّ الخليل أملى كتاب العين على الليث بن المظفّر
(24). ويسنده، أيضا رواية عن الليث، نحن ذاكروها قريبا. ومهما يكن الأمر، فانّ النسخة التي وقعت الى البصرة، بعد وفاة الشيخ وتلميذه، بعدد من السنين، لم تكن بخط أي منهما، ولو كانت بخطّ الخليل، أو بخط الليث الذي يكتب ما يمليه عليه الخليل، متلقفا اياه عن النسخة فمه (25)، لما وقع في الأغاليط والأوهام ما جعل بعض العلماء ينكرونه أو يحاولون ايجاد تعليلات وقع فيه من ذلك. كذهاب بعضهم الى أن الخليل مات ولم يكمل الكتاب فأكمله من بعده من لا يقوم في ذلك مقامه) (26)، وانّ
لما
سبب
من
الغلط والخلل غير الخليل ممن نسخ الكتاب (27) .. ومما يؤكد أن أبا حاتم السجستاني ما كان يهدف الى نفي نسبة العين للخليل، ما حكاه واحد من أكثر المتحاملين على العين تطرفا، وهو الازهري (28) حين يقول: (ولم أر خلافا بين اللغويين أن
_ E ? _ (1/44)
صفحة 35
التأسيس للخليل) (29). فمدار القضيّة كلها على النسخة التي وقعت للبصيرة من كتاب العين، وكان ينبغي على العلماء أن يحددوا ميدان شكهم في تأليف الخليل لتلك الاظهارة التي وقفوا عليها، لا على تأليف الخليل للكتاب، ولكن اطلاقهم الرأي على جري عادة أزمانهم، أوحى
للخالفين أنّهم إنّما شككوا في تأليف الخليل للكتاب. وقد أومأ أبو العباس ثعلب (30)، وكان معاصرا للضّجّة التي أحدثتها تلك النسخة الى هذه الحقيقة بقوله: (إنما وقع الغلط في كتاب العين لأنّ الخليل رسمه ولم يحشه، ولو كان حشاه ما بقى فيه شيئا، لأنّ الخليل رجل لم يُرَ مثله. وقد حشا الكتاب قوم علماء الا أنهم لم يؤخذ منهم، رواية، وإنما وجد بنقل الوراقين فاختل الكتاب) (31). فالوراقون أو النشاخون هم السبب، سواء وافقنا ثعلبا فيما يراه من انّ الكتاب ولم يحشه أم لم نوافقه .. ونحن، في عدم موافقته في هذا، أميل لأن المؤلف قد يكتب الكتاب بخطه، ثمّ يعبث به النساخ والوراقون، عبثا أيسره أن يقع الشك في الكتاب، وفي مؤلفه، بل وفي تبوييه ومادته أيضا، والأمثلة على ذلك ليست قليلة في تراث العرب ..
الخليل رسم
وبذلك نرجّح أنّ أبا حاتم السجستاني إنما أنكر تلك النسخة المضطربة، ودفعها عن أن تكون من تأليف العالم الجليل الخليل بن أحمد، ويبدو أنّه لم يلتفت الى عبث الوراقين فيها، فوقع في محذور (1/45)
صفحة 36
تعميم رأيه على العين جملة وتفصيلا. وهو التعميم الذي فهم الشك في كتاب العين، لا الشك نسخة
القالي
الرديئة.
في
نسخه
من
ب قوله: (وقد غير أصحاب الخليل بعد مدة طويلة لا يعرفون هذا الكتاب ولا يسمعون، به منهم النضر بن شميل، ومؤرّج، ونصر بن علي، وأبو الحسن الأخفش، وأمثالهم. ولو أنّ الخليل ألف الكتاب
الحمله هؤلاء عنه .. ).
هذا قول غير دقيق من أكثر من وجه فمن أين للقالي أن يعرف ان هؤلاء لا يعرفون الكتاب؟ وهذا النضر بن شميل الذي توفي قبل ظهور نسخة من (العين) في البصرة بأكثر (العين) في البصرة بأكثر من أربعين عاما، يؤلف المدخل الى كتاب العين) (32).
ثم .. من قال ان الخليل قد كتب العين لطلابه، أو انه ألقاه عليهم في، مجالسه كي ينقل عنه طلابه ذلك؟! وليس كل الكتب مما يُلقى في حلقات الدرس، وبخاصة ما يخرج عن إطار الرواية والشرح والتفسير الى إطار التأليف الممنهج مما لم يكن للقوم عهد به.
ومن المعلوم ان الخليل كان يرتب الطلاب منازل ودرجات، وكان يختار لهم أبواب العلم الذي يتوقع لهم فيها تبريزا وسدادا، فيمكن أول العلماء الذين آمنوا بضرورة التخصص في مجالات الدرس
عده (1/46)
صفحة 37
يحسن
الا ما
لا ذلك التخصص الجامد الذي يجعل صاحبه لا يتخصص فيه، بل ذلك التخصص المرن المبني على مهاد ثقافي واسع ومن ثمّ التبريز في باب أو بابين من العلوم. ومصداق ذلك ان نحو الخليل، مثلا، لم يروه غير سيبويه (33) الذي بنى على أقوال استاذه الخليل كتابه الرائع الكتاب) (34). ولم ينقل سائر التلامذة عن الخليل رأيا في النحو إلا تلقاه في كتاب سيبويه .. وما تخصيص سيبويه بحمل نحو الخليل الا ان الشيخ تفرس في تلميذه إمكانية التخصص في النحو، فيسر له ذلك. وعلى كثرة ما سيبويه من آراء الخليل النحوية، فانه لم يرو عن الخليل ما يعتد به في أبواب العلوم الاخرى في اللغة والعروض وغيرهما، مما اختص بنقله وروايته تلامذة آخرون أصبحوا فيما بعد، أئمة في العلوم التي وجههم الخليل للتخصص فيها.
نقله
فلا نستغرب بعد هذا أن نرى الخليل قد وجّه العين الى الليث، بعد أن تفرس فيه النزعة اللغوية، والحرص على جمع لغة العرب، وقد رأينا، قبل قليل، مدى حرص الليث على استكمال الخليل لمشروع كتابه، واشفاقه على هذا الرجل العظيم أن يموت قبل اتمام فكرته. ويحدثنا المعنيون القدماء أنّ الخليل كان في فترة من فترات حياته، منقطعا الى الليث وانّه خصه بكتابه (35) (فحظي عنده جدا، ووقع عنده موقعا عظيما، ووهب له مائة ألف، وأقبل على حفظه
وملازمته .. ) (36).
وهذا النّصّ يُدخل سببا آخر لاختصاص الليث بحمل العين، ذلك أنه
- {V_ (1/47)
صفحة 38
وهب الخليل مائة ألف.
وبذلك يكون حامل الكتاب واحدا هو الليث، كما كان حامل نحو الخليل واحدا هو سيبويه، ثم يشترك الجميع في رواية عموم دروس الخليل التي يقدمها لطلابه في حلقات الدرس مما لا يحوج الى مكنة من الاشياء التي تعارف القوم على تداولها في حلقات
خاصة،
دروس
تلك الأيام.
ج- قوله: ( ... وكانوا أولى بذلك من مجهول الحال، غير مشهور في العلم تفرّد، به وتوحّد بالنقل له .. قول يجمع التناقض والغفلة علاقة الليث بالخليل.
عن
أما التناقض فيتوضح من توصيفه لليث بأنه (مجهول الحال غير مشهور في العلم) .. إذ لو كان الليث كذلك فكيف يستطيع أن يؤلف كتاب العين وقد نحلوه، له وجعلوا منه مؤلفه؟!! هذا العين
حتى
الذي بني عليه القالي نفسه كتابه (البارع) من الغلاف الى الغلاف قال فيه محققه ... ولكنني، بعد أن حققت النص – يريد نص البارع للقالي - وقعت على حقيقة طريفة جديرة بالإعلان، هي ان البارع ما هو الا كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي) (37).
وعلى الرغم من ان بعض القدماء قد وصف الليث بأوصاف حسنة (38) الا اننا لا نريد الدخول فى المماحكة بمنزلة الليث، الذي نعتقد فيه انه لولا روايته للعين لم يعرف في ميدان التاريخ اللغوي، وهذا أنه لولا فراسة الخليل فيه وتكريمه بتقديم العين له، وجعله
يعني
_ E^ _ (1/48)
صفحة 39
راويته لغبر الليث كما غبر العشرات من تلامذة الخليل ممن لم يستطيعوا موازاة علمه والحرص على نقله أو الانطلاق منه نحو أشياء جديدة تؤهلهم أن يوضعوا في مصاف العلماء من ذوي الرأي الحصيف، أو أن يحتفل بهم التاريخ الثقافي للأمة.
المشهورين من
ولو عدنا الى دراسة حياة العلماء الكبار، لوجدنا لكلّ منهم عشرات المتتلمذين أو مئاتهم، ولكنّ الذين ينبغون منهم والذين يحتفل بهم التاريخ، لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، فابن فارس (39) مثلا، كان يعقد مجالس العلم في كل مدينة يحلّ فيها (40) ولكن تلامذته ثلاثة هم بديع الزمان الهمداني (41)، وفخر الدولة البويهي (42) وأبو الفتح بن العميد (43) .. وهكذا كان حال العلم ومتلقيه، وما زال. أما الغفلة التي وقع فيها أبو علي القالي فتتمثل في عدم التفاته الى طبيعة علاقة الخليل بالليث، إذ لم يكن الليث راوية للخليل، بل نزعم أنه لم يكن تلميذا له بالمعنى الشائع للتلمذة بل هو صاحب، وصديق، وولي نعمة ولا يمنع هذا من أن يكون الليث مستفيدا من علم الخليل مقبلا على حفظه وملازمته مستفيئا بظلال عبقرية الخليل، وروايته الباذخة.
-
-
فلليث، بين تلامذة الخليل وضع خاص لا يمكن تفهمه الا
من دراسة
شخصية الليث ذاته.
فمن هو الليث؟ (1/49)
صفحة 40
الليث .. مفتاح توثيق كتاب العين
فمن هو الليث؟
المصادر
هو
ان هذا لا تسعف بشيء ذي بال، ويبدو السبب الذي جعل الكاتبين المعنيين يهربون
من الموضوع، على الرغم من ان مفتاح توثيق
العين بيد الليث لا بيد الخليل. فالليث هو الذي أظهر الكتاب، والليث هو الذي شرح طريقة تأليفه والليث هو الذي بين مراحل ذلك التأليف، والليث هو الذي اتهم (بوضع) العين ونحله للخليل. ومرة أخرى نتساءل: من هو الليث؟
المصادر تسكت سكوتا، مريبا باستثناء انها تذكر اسمه بضمن تلامذة الخليل، بل انها تختلف في ذلك الاسم، فهو الليث المظفّر بن (44) وهو الليث بن نصر بن سيار الخراساني (45) .. وهو الليث ابن نصر أو ابن رافع (46) .. وهو الليث بن نصر بن يسار الخراساني (47) .. وهو الليث بن رافع بن نصر بن يسار (48) .. ثم يضع أحد الكاتبين المحدثين تسمية طريفة جديدة هي الليث بن المظفر بن نصر ابن سيّار (49).
ويضاف الى اختلافهم في تحديد اسمه أنهم تجنبوا الترجمة له، فلم يذكر في مصادر عديدة، لا بضمن تلامذة الخليل، ولا بترجمة (1/50)
صفحة 41
مستقلة، على ما ملاحظ في وفيات الأعيان وفوات الوفيات هو وكل الذي قاله فيه من ذكره أنه كان رجلا صالحا، وأنه نظر في العلوم، وأنه رحل الى خراسان، ومات فيها في حدود سنة 180 هـ. وللوصول الى رأي صواب في موضوع الليث، وعلاقته بالخليل، نبدأ أحداث أخريات أيامه فنتساءل: ولماذا خراسان بالذات؟ الناس ترحل الى العواصم وحواضر العلم والمعرفة فلماذا الهجرة من البصرة لا الى بغداد، كما هو متوقع، بل الى خراسان في أقصى ديار الإسلام المعروفة آنذاك؟
من
اختيار خراسان يصحح الاسم الذي ذكره صاحب البلغة، وصاحب طبقات الشعراء ونعني به الليث بن نصر بن سيّار. فنصر بن سيّار هو آخر ولاة الأمويين على خراسان (50) عربي صليبة من بني ليث، ولذلك عُرف بالليثي (51) وعلى أيامه ظهر أبو مسلم الخراساني (52) فهرب نصر بن سيّار منه ومات فى طريقه الى العراق سنة إحدى وثلاثين ومائة للهجرة.
في
ماله وجماعة من
خاصة
ولا نشك أن نصر بن سيار قد خلّف في خراسان شيئا من أهله وعشيرته وأصحابه وأهل مودّته، وتلك طبائع الأشياء في حالات الهجرة القسرية كما لا نشك في ان الابن سيشدّ الرحال، يوما، الى تلك الديار التي كان أبوه واليها، وبخاصة بعد ضعف العباسيين في خراسان إثر إعدام أبي مسلم الخراساني. أما تسمية نصر بن سيار بالمظفّر فلا نعرف أحدا قبل الأزهري استعملها، ويبدو أن استعماله لها كان إما عن سهو، واما على طريقة
_01_ (1/51)
صفحة 42
السخرية منه إذ كان منهزما من أبي مسلم الخراساني من قبل أن يناجزه هذا الأخير، وذلك جريا على لغة العرب في تسمية الأشياء، أحيانا بأضدادها، فيما عُرف في التراث باسم الأضداد، تفاؤلا أو شماتة، وتذكيرا هنا، بهزيمة الآب (53) .. كي تجتمع على الابن
السيئات والنقائص، في ذاته هو، وفي هزيمة والده.
الوالي الأموي، هذا نصر بن سيار كان شاعرا، وكان كثيرا ما يستعمل الشعر والأمثال في مراسلاته مع مروان الثاني في الشام، وكان يعتمد على جملة من الشعراء والبلغاء الفصحاء في مكتبه في خراسان، مثل أبي مريم عبد الله بن اسماعيل البجلي الكوفي، الذي
يقول في شأن الدعوة الخراسانية:
أرى خلل الرماد وميض نار
فان النار بالعودين تُذكى
لئن لم يطفها عقلاء قوم
ومما لا
ويوشك أن يكون لها ضرامُ
وان الحرب أولها الكلام
يكون وقودها جُثث وهام
ريب فيه ان الابن قد ورث عن أبيه، إضافة الى المال، حبّ الأدب واللغة وعلى هذا وطد علاقته بالخليل بن أحمد في مدينة البصرة، بعد أن اطمأنّ مقامه فيها، إثر استقرار الأوضاع للعباسيين، وانتهاء مرحلة التنكيل بولاة الامويين ومن يمت اليهم بسبب القربى أو النسب.
52 - (1/52)
صفحة 43
ومن
هنا تأتي العلاقة الخاصة بين الخليل والليث، هي علاقة صحبة أكثر منها علاقة تلمذة، أو بالأحرى، هي علاقة صحبة أولا، ثم علاقة تلمذة، ثانيا .. فالخليل هو شيخ العصر، ولا يملك من يتصل به الا أن يستفيد منه، وينتفع به.
ويظهر من الروايات أن الخليل كان يعامل الليث معاملة خاصة، فهو يستشيره ويتحدث معه ولا يلقي عليه محاضراته كما كان يفعل مع سائر، تلامذته، قال الليث: ( .. كنت أصير الى الخليل بن أحمد، فقال لي يوما: لو ان إنسانا قصد وألّف حروف أ، ب، ت، ث، على ما أمثله لاستوعب في ذلك كلام العرب، وتهيّأ له أصل جميع لا يخرج منه منه شيء البتة. فقلت له وكيف يكون ذلك؟ قال: يؤلّفه على الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، فانّه ليس في كلام العرب أكثر منه. قال الليث: فجعلت أستفهم ويصف لي، ولا أقف على ما يصف (55) .. فأختلفُ اليه في هذا المعنى أياما، ثم اعتل وحججت، فما زلتُ مشفقا عليه، وخشيت أن يموت بعلته فيبطل ما كان يشرحه لي، فرجعت من الحجّ وصرت إليه، فإذا هو قد ألف الحروف كلّها على ما هي عليه في هذا الكتاب، وكان يملي علي ما يحفظ، وما شكّ فيه يقول لي: سل عنه فإذا صح فأثبته .. ) (56). فقد جلس الرجلان يتجاذبان أطراف الحديث في الموضوع الذي اقترحه الخليل، وليس ذلك شأن الشيخ مع عموم تلامذته، بل هو شأن الخليل مع الليث. وانظر الى قول الليث: ( .. فما زلت مشفقا عليه، وخشيت أن يموت بعلته فيبطل ما كان يشرحه لي .. ) ألا تشعر (1/53)
صفحة 44
بان (الاشفاق) لا يصدر الا نظير وقرين أو ممن هو أكثر من من النظير والقرين؟! ثم انظر الى اختصاص الشرح بالليث من دون سائر الطلاب، ألا تحس بفراسة الخليل فيه وهو ينتقيه ليحمل عنه واحدا من أعظم
آثاره؟
وربّما كان ثمة آخر ... سبب
فالليث كان ذا وضع مالي جيّد، فهو من عائلة غنيّة، والخليل يعيش في خُص لا يكاد يشعر به أحد، ثمّ يقدم الخليل الى الليث فكرة (العين) وحين يوافقه الليث عليها على الرغم من عدم استيعابه لها، يخرجها الخليل عمليا في كتاب يرسم عنواناته، ويضع أصوله بخطه ثم يملي على الليث حشوه فيحظى الكتاب بولع الليث، ويكافيء الخليل بمائة ألف (57) .. ثم ينصرف الى الكتاب يحفظه. ويبدو مما لدينا من أخبار أنّ الليث كان قد رحل الى خراسان لينال نصيبه من ميراث أبيه، وليتصل بالفصحاء والبلغاء الذين سبق لهم العمل بمعية والده، وبغيرهم من أهل الادب واللغة في تلك الديار النائية، فيؤسس معهم حركة ثقافية عربية، على غرار ما اطلع عليه في البصرة، بل ربما أراد أن يحول خراسان الى (بصرة) أخرى فقام باستدعاء بعض رجالات الأزد الذين كانت لهم قدمة في تأسيس البصرة وتطويرها، وبناء مجدها العلمي الباذخ .. وهكذا قام بدعوة صاحبه وشيخه الخليل بن أحمد. ولا نجد مدفعا لما ذهب اليه بعض
- 54 - (1/54)
صفحة 45
الباحثين من ان الخليل بن أحمد قد صنّف العين في خراسان لا في البصرة (58) .. وعلى ذلك يكون علماء البصرة على غير معرفة به حتى يصل النّضر بن شميل الى خراسان لضيق ذات يده (59) فيطلع على الكتاب، ويراه بحاجة الى تيسير استعماله، والاستفادة منه، فيكتب المدخل الى كتاب (العين) (60) .. ومن الثابت ان النضر توفي في خراسان (61).
وتكشف هاتان الرحلتان للخليل، اولا ثم للنضر ثانيا، مدى المكانة التي تبوأها الليث في خراسان، سواء في حياته أم بعد مماته، إذ استمر النشاط الثقافي الذي أرسى الليث دعائمه هناك، حتى آل الامر الى الطاهريين الذين كانوا من المعنيين كثيرا بأن تكون حاضرتهم حاضرة ثقافية مهمة تنافس الحواضر الثقافية الأخرى.
فإذا أضفنا الى ذلك أن الليث كان أسنّ من الخليل، وانه توفّي بعيد وفاة الخليل بثلاث سنوات أو أربع أدركنا تلك العلاقة بين الرجلين، علاقة الأقران، قبل أن تكون علاقة الشيخ بأحد طلبته.
وهذا ما غفل عنه كثير من الكاتبين كما انهم جميعا، قد تجاوزوا الموضوع ولم يتوقفوا عنده وكان من بينهم أبو علي القالي، فساقه ذلك الإغفال أو الغفلة، الى تقرير مقولته السابقة التي تابعه فيها
جمع من الكاتبين قديما وحديثا.
- (1/55)
صفحة 46
عودة الى مزاعم القالي
د وبرغم هذه الحقائق، يواصل القالي قوله: ( .. ثمّ درج أصحاب الخليل، بعد مدة طويلة لا يعرفون هذا الكتاب، ولا يسمعون به، منهم النضر بن شميل، ومؤرّج، ونصر بن علي، وأبو الحسن الأخفش، وأمثالهم ولو ان الخليل ألف الكتاب لحمله هؤلاء عنه .. ). أمّا ان هؤلاء لم يسمعوا به فمسألة طبيعية جدا، بالنظر الى ما قلناه ان (العين) قد ألف في خراسان، وأنه قدم الى الليث، وان الليث قد احتفى به احتفاء عظيما، ومنح مؤلفه مائة ألف، فليس من الغريب ان يضنّ الليث بالكتاب وأن يعتز به، وأن يصونه عن الآخرين .. وعلى هذا فكيف يتسنى لأهل البصرة الاطلاع عليه؟ على ان بعضهم كان قد سمع به وشهد، بوجوده، فقد نقل ابن دريد سمع بوجود ذلك الكتاب في خزانة الطاهريين في
من
انه كان قد
خراسان قبل ظهوره في البصرة على يد أحد الوراقين (62). غير ان هذا السماع لم يتخذ صفة العموم والشمول، وما كان مقدرا له أن يتخذ تلك الصفة، إذ لم يكن الخليل ممن يحب التفاخر بما يفعل، كما لم يكن هناك ما يسوغ إشهار أمره بين الناس، ولذلك لا نستغرب ان النضر بن شميل وهو أحد تلامذة الخليل المتقدمين كان ينكر تأليف الخليل للعين فقيل له: لعلّه ألّفه بعدك؟ فقال: أو خرجت من البصرة حتى دفنت الخليل!) (63). وقد سارع بعض الكاتبين، اندفاعة توثيق نسبة العين للخليل الى تكذيب هذه الرواية المنقولة
- 56 - (1/56)
صفحة 47
عن النّضر، وعدّها رواية مصطنعة (64). غير ان الشواهد تثبت صحة الرواية، فأما الارتكاز على ان النضر قد كتب المدخل الى كتاب العين بما يُبطل ذلك المنقول عنه، فأمر يجب التأني في مسايرته فالنضر طيلة حياة الخليل، لم يسمـ بكتاب العين، وليس من الضروري أن بذلك، ولا ننسى ان العين كُتب لليث لا يسمع
لغيره، وليس من دافع يدفع الخليل الى إشهار ذلك على رؤوس الأشهاد. فالنضر قد بالكتاب بعد وفاة الخليل بدليل قوله الآنف سمع الذكر: (أو خرجت من البصرة حتّى دفنت الخليل) .. فأنكره .. غير انه سافر الى خراسان، كما سلف القول، وهناك اطلع على الكتاب، فعرف فيه شخصية شيخه الخليل، فزال الشك من نفسه، وكتب (المدخل الى كتاب (العين الذي إن دلّ على شيء فعلى تأكيد تصحيح نسبة العين للخليل، وكذلك على أهمية الكتاب، ومنزلته الرفيعة بحيث يُعَنِّي النضر نفسه لكتابة المدخل اليه. وأما قول القالي ان الآخرين ممن ذكرهم كانوا أولى بحمل الكتاب الليث، فقول لا يقوم على ساق، باعتبار ما من علاقة بين ومن كتابة الكتاب لليث لا لغيره فهو أولى بحمله ومن ثم نقله وروايته إن شاء أن ينقله ويرويه. هـ - قوله: ( .. ثم ظهر الكتاب بأخرة في زمان أبي حاتم .. فلم يلتفت من العلماء اليه يومئذ، ولا استجازوا رواية حرف منه، ولو صح الكتاب عن الخليل لبدر الأصمعي واليزيدي، وابن الأعرابي، وأشباههم الى تزيين كتبهم وتحلية علمهم بالحكاية عن الخليل، وكذلك من جاء بعدهم كأبي حاتم وأبي عبيد ويعقوب وغيرهم من
من
الرجلين
أحد
:
مر بنا
_ ov_ (1/57)
صفحة 48
من
المصنّفين، فما علمنا أحدا منهم نقل عن الخليل حرفا). وهذا قول مليء بالتخليط والأوهام البينة، فعدم التفات أحد العلماء اليه، حين ظهوره في البصرة كان بسبب النسخة السقيمة التي قدم بها وراق مجهول غير معروف (65) وبلا ريب، فان تلك النسخة كانت من السقم بحيث أنكرها أبو حاتم ومن في عصره من العلماء، وقد سبق لنا الكلام على هذا.
وأمّا عدم نقل الأصمعي واليزيدي وابن الأعرابي عن العين قولا، فسببه انهم جميعا كانوا قد توفّوا قبل أن تعرف البصرة ذلك الكتاب، فكيف يريدهم القالي أن ينقلوا عن كتاب لم يكونوا قد
رأوه ولا طرأ على مدينتهم طيلة حياتهم؟!
وأما ما جاء في آخر قالة القالي من ان العلماء لم يذكروا عن الخليل في اللغة حرفا، فأمر يدعو الى التوقف عنده، إذ يتجاوز القالي فيه الكتاب الى مؤلّفه، فماذا أراد بذلك؟ ليس أمامنا لإجابة هذا التساؤل الا أحد ثلاثة احتمالات:
انه أراد القول ان الخليل ليس له شأو في اللغة. أو انّه أراد ان الخليل ليس بثقة عند أولئك العلماء.
أو أنّه أراد أن يقول أن مرويات الخليل اللغوية لم تقع اليهم، أو أنّ شيئا منها قد وقع اليهم لكنهم لم يكونوا بحاجة اليه. أمّا الاحتمالان الأولان فيكذبهما النص المنقول عنه والذي اعتبر استشهاد العلماء بروايات الخليل وآرائه بمثابة التزيين لكتبهم، والتحلية لمصنفاتهم، كما يكذبه ان القالي نفسه قد ارتكن على الخليل في مادة كتابه (البارع) كما سبق أن ذكرنا، وأيضا استشهاده بروايته في (1/58)
صفحة 49
أكثر من موضع من الأمالي والنوادر (66).
لم يبق الا الاحتمال الثالث الذي لا نرى ما يدفعه، بل يؤكده ان دروس الخليل اللغوية تصلح للأعمال المعجمية بخاصة، وهذا ما نلحظه بجلاء في كلّ المعجمات التي ظهرت بعد عصر الخليل، كما صلحت آراؤه النحوية لبناء كتاب سيبويه
هذا إضافة الى ما ذكرناه قبل قليل من ان تلامذة الخليل كانوا يمارسون عملية التخصص تحت إشرافه بحسب ما يتوسم في كل منهم من القدرة على المضي في جانب من جوانب العلم فكان أن اختص الليث بحمل العلم اللغوي للخليل، كما اختص سيبويه بحمل نحوه. ولعل من الطريف أن القالي الذى نسخ من العين كتابه البارع، قد حفظ في أماليه ونوادره جملة من مرويات الخليل في الأدب والأخبار مما لم يروها غيره (67).
فحشاه
2 - الفريق الثاني الذي يرى انّ الخليل رسم الكتاب ولم يحشه من بعده من أوقع فيه الأغاليط ما لا من يصح حمله على أصغر تلامذة الخليل بله الخليل نفسه ومن أقدم القائلين بهذا أبو العباس ثعلب الذي مرت بنا مقولته فيما سبق، وكذلك الأزهري في أحد أقواله حين يقرّر:) .. ولم أرَ خلافا بين اللغويين ان التأسيس المجمل في أوّل كتاب العين لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد وانّ ابن المظفّر (!) أكمل الكتاب عليه بعد تلقفه الكتاب من فيه .. ) (68) غير انّ هذا القول يناقض بعضه بعضا، فاذا كان الكتاب قد أكمله (1/59)
صفحة 50
بحسب
فيه
ابن المظفر، كما يسمّيه الأزهري، على الخليل وانه تلقفه من ما يقوله النص السابق، فليس لابن المظفر، اذن، دور في تأليف الكتاب الا انه كان يكتب ما يمليه عليه شيخه، ثمّ ان يتوثق تما شك فيه المملي، بحسب تفصيلات الليث لمراحل تأليف (العين)
على ما سبق ذكره. وللأزهري رأي آخر يذكره في نفس مورد كلامه السابق، يذهب به الى إنكار نسبة العين للخليل انكارا، تاما، فيقول في تعداد مصادر: كتابه .. فمن المتقدمين الليث بن المظفّر الذي نحل الخليل بن أحمد كتاب العين جُملة لينفقه باسمه.) (69). ثمّ له رأي ثالث يناقض الرأيين الأولين يذكره في نفس مورديهما حين يتعرّض لمن حاول المساس بكتاب العين، فيقول: ( .. حتّى توهّم بعض المتحذلقين أنّ الخليل لم يف بما شرط، لأنه أهمل من كلام العرب ما وجد في لغاتهم مستعملا .. ولما قرأت هذا الفصل من كتاب البشتي (يعني صاحب كتاب التكملة لما في العين و استدللت به على غفلته، وقلّة فطنته وضعف فهمه واشتففت أنه لم يفهم عن الخليل ما أراده، ولم يفطن للذي قصده) (70). حيث يعترف بوضوح انّ الخليل هو مؤلف (العين)، وانّ بعض من لم يفهم مراد الخليل حاول الاعتراض عليه، وانّ ذلك الاعتراض دال على الغفلة وقلّة الفطنة!! فمواقف الأزهري في هذا الموضوع متضاربة مضطربة، لا نستطيع أن نعوّل على أي منها. ويبدو انّ الرّجل كان حائرا أمام معطيات متضاربة مضطربة منها جلالة قدر الخليل، ومنها رداءة النسخة،
-
- (1/60)
صفحة 51
ورتما صارت نسخا في زمانه تحفل بمزيد من صور الاضطراب باعتبارها منتسخة عن أصل مضطرب، ومنها مواقف الآخرين من العلماء والشيوخ بهذا الشأن، ومنها اعتداد ابن دريد بالعين ونسجه (الجمهرة) بوحي منه وتقليد، له وبين الرجلين الجليلين الأزهري وابن
دريد ما بين جرير والفرزدق. ولقد تعرّض الأزهريّ، بحجّة هذا الموقف الى حملة شنيعة من قبل بعض الكاتبين المعاصرين (71) الذين عدّوا موقفه حسدا وغباء، وما الى ذلك.
أحمد
ولكن .. ليس الأزهري بدعا في هذا التناقض، خذ موقف الشيخ بن فارس فتراه مرّة يقول وهو في صدد ذكر مصادره: ( .. فأعلاها وأشرفها كتاب أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، المسمّى كتاب العين، أخبرنا به .. ) (72)؛ ويعده واحدا من (الأصول الكبار) (73) لكتاب (مجمل اللغة؛ وتراه تارة أخرى يقول: ( .. وأمّا الكتاب المنسوب الى الخليل وما في خاتمته من قوله: هذا آخر كلام العرب، فقد كان الخليل أورع وأتقى لله جلّ ثناؤه من أن يقول ذلك .. ثمّ انّ في الكتاب الموسوم به من الإخلال ما لا خفاء به على علماء اللغة، ومن نظر في سائر الأصناف الصحيحة علم صحة ما
قلناه) (74).
ان قصارى مواقف العلماء في هذا الموضوع وأشباهه، أن يعبّروا عن آرائهم بموجب معطيات خاصة، وظروف خاصة، وحين ندرك تلك المعطيات والظروف نجد لمواقفهم المختلفة مسوّغاتها. وقديما قال ابن
فارس مقولته الشهيرة ولا نقول لعلمائنا الا خيرا). (1/61)
صفحة 52
وتابع
الأزهري جماعة لا تخرج مقالتهم عن
مقالته
في
ان
الرسم للخليل، والحشو لليث بن المظفر. كما ظهرت جماعة رأت أنّ الخليل كتب باب العين وحده (فأحب الليث أن تنفق سوق الخليل فصنّف باقي الكتاب، وسمّى نفسه الخليل.) (75).
ويتوسع آخرون في هذه الفرضية فيرون ان الخليل (كان قد شرع فيه ورتب أوائله وسمّاه بالعين ثم مات فأكمله تلامذته النضر بن شميل ومن في طبقته وهم مؤرج السدوسي ونصر بن علي الجهضمي، وغيرهما، فما جاء الذي عملوه مناسبا لما وضعه الخليل في الأوّل، فأخرجوا الذي وضعه الخليل منه، وعملوا، أيضا، الأول،
فلهذا وقع فيه خلل كثير يبعد وقوع الخليل في مثله.) (76). وهذا قول غير دقيق لما بيناه من انّ النضر لم يعرف العين الا بعد رحيله الى خراسان حيث وجده كتابا تاما فكتب المدخل. أمّا الآخران: مؤرّج ونصر، فلم ينقلا شيئا عن الخليل، وربّما كانت تلمذتهما للخليل موضع تساؤل في حدودها ومكانها ومدتها، وقد أشرنا الى هذا في حواشي ترجمتيهما.
ومن الجدير بالذكر ان معظم القائلين بإحدى المقالتين السابقتين في (2 - 1) قد تراجعوا عن مقولاتهم، وصححوا نسبة العين للخليل برسمه وبحشوه، فيمكن أن ندرجهم مع الفريق الثالث. ويبدو ان (1/62)
صفحة 53
وقوفهم، أو وقوف بعضهم على نسخة أخرى للكتاب غير تلك التي قدم بها (وراق) الى الكوفة، قد ساعدهم على الوصول الى الرأي الصواب في تصحيح نسبة العين للخليل.
3 - الفريق الثالث الذي صحح نسبة الكتاب الى الخليل، ويمثل هذا الفريق جمهور غفير من العلماء، وبضمنهم أبرز من ذكرناهم سابقا في (1 - 2) ... فقد رأينا الأزهري في ردّه على البشتي يعترف ان الخليل هو مؤلف العين، كما رأينا انّ الأزهري استدل من تكملة البشتي (على غفلته وقلّة فطنته وضعف فهمه، واشتففتُ أنّه لم يفهم عن الخليل ما أراده، ولم يفطن للذي قصده) (77)، وهذا لا قناعة بان عن الكتاب للخليل رسما وحشوا. والقالي يعود عن مقالته في تطبيقه العملي، بنسخ كتاب العين، وتسميته بالبارع، ولولا قناعته بجلال الكتاب، وقيمته العلمية، ولكونه لا يصدر الا عن عالم ثقة بارع فيما يتعاطاه من العلم اللغوي، لما لجأ اليه ونقل عنه.
يصدر
الا
ومثلهما صاحب الفهرست (ت 380) الذي كان يقرّر: (ولم يرو هذا الكتاب عن الخليل أحد، ولا رُوي في شيء من الأخبار انّه عمل هذا الكتاب البتة) (78) ليعود فيعترف انّ الخليل هو مصنّف العين (79)، ثم ليذكر أنّ الخليل ألّف العين لليث. (80). وابن فارس الذي أنكر نسبة العين للخليل في بعض مواضع كتبه، عاد فاعترف بفضل العين، وتصحيح نسبته للخليل، على ما مرّ ذكره
_.15 - (1/63)
صفحة 54
قبل قليل. فأما العلماء المتقدّمون كالمبرّد والزجاجيّ (81) وابن درستويه (82) فقد احتفلوا بالكتاب احتفالا كبيرا؛ يقول السيوطي: ( .. وقديما اعتنى به العلماء وقبله الجهابذة، فكان المبرد يرفع من قدره، ورواه أبو محمد بن درستويه وله كتاب في الردّ على المفضّل بن سلمة (83) فيما نسبه اليه من الخلل، ويكاد لا يوجد لأبي اسحاق الزجاجي حكاية في اللغة الا منه) (84). ونميل الى الاعتقاد انّ تباين المواقف من كتاب العين كان منبثقا من تباين نسخه المخطوطة المتداولة آنذاك، ولو سلمت للعلماء نسخته الأصلية أو ما بمنزلتها لما وقع بينهم خلاف في توثيق الكتاب، على ما سلّموا به من شأن النحو والعروض. ويمكن ان نمثل لرؤية هذا الفريق للموضوع بمقولة أبي بكر بن دريد حين يتحدّث عن تأليفه لكتاب الجمهرة فيقول: ( .. ولم أجر في إنشاء هذا الكتاب الى الإزراء بعلمائنا ولا الطعن في أسلافنا، وأنّى يكون ذلك، وإنما على مثالهم نحتذي وبسئلهم نقتدي، وعلى ما أصلوا نبتني. وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي، رضوان الله عليه كتاب العين فأتعب من تصدّى لغايته، وعنّى من سما الى نهايته، فالمنصف له بالغَلَب معترف والمعاند متكلّف، وكلّ من بعده تبع أقر بذلك أم جحد .. ) (86).
وكذا بمقولة ابن فارس وهو يبين رسوم كتابه (مقاييس اللغة): ( .. وبناء الأمر في سائر ما ذكرناه على كتب مشتهرة عالية، تحوي أكثر اللغة؛ فأعلاها وأشرفها كتاب أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد،
64 - (1/64)
صفحة 55
المسمى كتاب العين، أخبرنا به عليّ بن إبراهيم القطان .. ) (86).
وقريب من هذا ما ذكره في مجمل اللغة (87).
معجم
وشهادة هذين العالمين لها دلالتها المهمة على ما نريد الوصول اليه من تصحيح نسبة العين للخليل بن أحمد، لأنهما يمثلان الامتداد الطبيعي للحركة المعجمية الخليلية؛ فابن دريد صاحب ثاني معجم في العربية بعد العين تاريخيا. وكان في وسعه أن يُنكر كتاب الخليل، وأن يشنّ عليه قوارع الكلام ليجعل من كتابه (الجمهرة) ابتداعا جديدا لم يسبق اليه ولكنّ ابن دريد (الذي تصدر في العلم ستين سنة) (88) كان يتمتّع بذلك الخلق العلمي الرصين الذي يعترف بفضل من سبق، ويُنزل النّاس منازلهم التي يستحقون. وابن فارس مؤلّف ثالث يعتد به في العربيّة (89) ونعني به (مجمل اللغة (أشاد بالخليل حيثما ذكره في مواطن مؤلفاته، حتى انه لا يكاد يُخطيء الخليل في شيء لا في روايته ولا في رؤيته وتحليله وتفسيره للألفاظ والمعاني. (90). ومن الواضح ان لابن فارس ثلاثة مواقف متباينة في موضوع تأليف العين، فهو يقرر، مرات، انّ الكتاب منسوب للخليل (91) من غير أن يحدّد موقفه من النسبة، ويقرر، مرّة، أنّ العين لا يصح حمله على أصغر تلامذة الخليل، فكيف على الخليل نفسه؟ وقد مرّ معنا، قبل قليل، اعتراضه على العين من حيث ما رآه تخليطا وغلطا، وقول المؤلف في آخره: هذا آخر كلام العرب) (92). ثم هو نفسه، يقرر، فيما عدا ذلك، أنّ الكتاب للخليل، وأنّه من صنعه، وأنه من مصادره (أعلاها وأشرفها) (93).
تلك (1/65)
صفحة 56
وقت
وهذه المواقف ليست متناقضة إلا حين يتحقق وجودها واحد، وفي ظروف متشابهة .. لكن المسألة ليست كذلك، فابن العلماء الذين مارسوا التعليم والتأليف في وقت مبكر من
فارس من حياته، وكلّما مرّ به الزمان كان تفكيره يتطوّر، ومنهجيته تتغلغل في كيان العلم اللغوي، وإذا كان موقفاه الأوّلان من العين مذكورين في المجمل وفي الصاحبي، فانّ موقفه الثالث المذكور في (المقاييس) هو الرأي النهائي له، لانه ذكره في كتاب يُعد من أواخر كتبه، وبخاصة إذا أدركنا أنّ) المقاييس) هو الغاية التي ما بعدها غاية فيما يتعلّق بابن فارس وتطوّره المنهجي العلمي. (94). فأما المذكور في الصاحبي، فلا يعدو كونه اندفاعة عاطفية استثارتها عبارة (هذا آخر كلام العرب التي وردت في آخر العين، لأنّ لغة العرب عند ابن فارس لا يجوز أن يحيط بها الا نبي (95). والا فانّ الصاحبي ذاته حافل بأقوال الخليل و آرائه تذكر في سياق من الاحترام والاجلال.
ولا تخرج مقالات الكاتبين الآخرين عن هذه الاتجاهات المذكورة سابقا، وقد ظلّ بعض المحدثين وهذا ما سنفرد له حوارا خاصا) .. في إسار نظرة القالي والأزهري، غير أننا وبناء على ما عرضناه، وعلى نظرة دقيقة مستأنية في كتاب العين لا نجد محيصا عن تصحيح نسبة العين للخليل رسما وحشوا منتبهين الى وقوع جملة أمور في
-11 - (1/66)
صفحة 57
جبهم
بعض نسخه بفعل النّاسخين والوراقين، والشارحين الذين أن يضعوا على حواشيه أو بين سطوره ما يخالونه توضيحا للنّصّ أو إضافات ذات فوائد فيظنّها بعض اللاحقين جزءا من مادة الكتاب، فاذا بك تطالع فيه نقولا عن علماء تأخّروا عن الخليل، وإذا بك ترى إخلالا في ترتيب بعض مواد الكتاب وبخاصة في المعتلات من الجذور، أو تكرارا في بعضها الآخر. على اننا لا نستبعد أن يكون بعض هذا الذي نظنّه إخلالا قد وقع من الخليل نفسه، سهوا منه، ه، أو إرادة لمسائل كان له فيها رأي خاص. كما لا ننسى أن هذا الذي نظنّه إخلالا قد وقع فيه المعجميون الذين جاؤوا بعد عصر الخليل کابن دريد وابن فارس والأزهري والجوهري (96) وغيرهم إلى أيام الناس هذه. (1/67)
صفحة 58
الفصل الثالث
العين
التشكيك الى
التطوير (1/69)
صفحة 59
لعل
مما يلفت النظر، أنه منذ أواخر القرن الماضي، ظهرت حملات تشكيك جديدة، حول نسبة العين للخليل .. أحمد أمين والدكتور إبراهيم بيومي
قادها في مصر، مدكور وآخرون .. ثم تلامذتهم من بعدهم، وفي لبنان كان آل
البستاني يومئون من حين لآخر الى ذلك المعنى ..
وإذا كان بعض المستشرقين قد ذهب الى مثل ذلك الرأي، حين استكثر على العرب والمسلمين أن يضعوا كتابا من غير العودة الى تراث الأمم الأخرى، فلا أعرف سببا مقنعا يدفع كتابا عربا الى
مشايعة ذلك الرأي الذي لا يقوم على ساق .. فأحمد أمين شن حربا لا هوادة فيها على كتاب العين، إذ أخذ عليه: -1 - صعوبة الأخذ منه لصعوبة ترتيبه .. 2 - أن المؤلف يذكر الكلمة، ومقلوبها، فمن الصعب، عند البحث عن كلمة معرفة أيها الأصل، وأيها المقلوب ..
في
-- أن الكتاب وقع فيه تصحيف كثير .. (97). ومن الواضح أن هذه المؤاخذات التي عدها أحمد أمين قادحة المستوى العلمي للكتاب، لا تسلم له .. لأن الصعوبة والسهولة مسألتان نسبيتان، ثم أن الخليل قد كتب (العين) بناء على مواضعات عصره، وعلى قضية فنية تتعلق بتنظيم اللغة تنظيما أصواتيا، وكفاه
ذاك ..
وأما موضوع التقليب، فانه لا يقدح في الكتاب، لأنه منهج من
- VI_ (1/71)
صفحة 60
مناهج التأليف، ولأن الخليل قد نص في كثير من الأحيان، على أصالة جذر، أو كونه منقلبا، كما فعل في (جذب) و (جبذ) حيث اعتبر كل جذر منهما أصلا غير منقلب عن غيره. وأما موضوع التصحيفات التي دخلت (العين) فليس ذلك ذنب الخليل، بل هو ذنب الوراقين على ما أوضحناه سابقا .. وحينما وجد أحمد أمين أن هذه (المؤاخذات) غير كافية للطعن على الكتاب ومؤلفه، اتخذ سمتا آخر، إذ زعم أن الخليل قد أفاده من دراسات اليونانيين للغة، ونص على أن الخليل قد أخذ فكرته من تلميذه حنين بن اسحاق .. (98).
وهذا زعم أعجب من الأول، فأحمد أمين نفسه الذي يذكر هذا القول في الجزء الأول من كتابه المسمى (ضحى الاسلام) .. يقرر في نفس الجزء أن حنين بن اسحاق قد ولد بعد سنة 194 للهجرة .. فاذا كان الأمر كذلك، وهو صواب فعلا، فكيف أتيح للخليل بن أحمد أن يأخذ عن حنين بن اسحاق، علما أن وفاة الخليل كانت قبل ولادة حنين بحوالي عشرين عاما؟! إذ ان المؤرخين يجمعون على أن وفاة الخليل كانت بين سنة 170 و 175 للهجرة .. على ان أحمد أمين نفسه ينص في الجزء الثاني من (ضحى الاسلام) على أن وفاة الخليل كانت في سنة 175، وذلك حين ترجم للخليل .. وكأنه ما كان قد قرره في الجزء الأول من تأثر الخليل بحنين بن
نسي
اسحاق!!
بل انه لا يكتفي بذلك، فيقص علينا أسطورة من أساطير ألف ليلة وليلة، يتحدث فيها كيف أن حنين بن اسحاق قام بجولة واسعة في
- 72 - (1/72)
صفحة 61
بلاد اليونان وأنه اكتسب منهم علما غزيرا، فلما جاء الى البصرة، جلس الى الخليل وأفاده من علومه .. !
عقده
وأما الدكتور إبراهيم بيومي مدكور فقد ألقى محاضرة في مؤتمر مجمع فؤاد الأول للغة العربية سنة 1948/ 1949 ذهب فيه الى نفس ما قرره أحمد أمين من تأثر دراسات الخليل للنحو العربي، بما كان قد اطلع عليه من النحو السرياني معتمدا على وجود القياس في كل منهما، ولكنه سرعان ما يناقض نفسه حين يقرر أن الخليل كان متأثرا بما قرأه من منطق أرسطو .. وقد قام الدكتور مهدي المخزومي بتفنيد هذه الآراء، ذاكرا ما قرره أن النحو السرياني هو المتأثر بالنحو الخليلي وليس العكس .. وأن بول كراوس أكد على أن الترجمة العربية لمنطق أرسطو قد تمت بعد القرن الثاني للهجرة .. ولذا لم يكن في مستطاع الخليل أن يطلع عليها .. (99). وهبه اطلع على منطق أرسطو، فما هو الدليل على تأثره به؟! إذ ان مسألة التأثير والتأثر لا يمكن أن تثبت الا بشواهد لا تقبل المحتمل أن يكون النحو العربي قد تأثر بطبيعة
ليتمان من
النقض .. على أن من التفكير المنطقي الأرسطي .. فيما بعد زمن الخليل بن أحمد (100) .. والى هذا أشار كثير من الباحثين .. أما النحو الخليلي فهو أثر من آثار العقل العربي .. وقد نص ليتمان على أنه لا يوجد في
كتاب سيبويه الا ما اخترعه هو والذين سبقوه .. (101 وفي لبنان سار البستانيون على هذا الطريق، فخلطوا الوهم بالأساطير، وخرجوا من ذلك بنتيجة مفادها أن علم الخليل هو صورة
- vr_ (1/73)
صفحة 62
من صور علوم اليونان .. (102).
ومن عجب أن مرتكزهم في ذلك هذه الرواية الخرافية التي رواها الزبيدي، وهو في معرض الاشادة بالخليل:
أن
قال: ان ملك اليونان كتب الى الخليل كتابا باليونانية فخلا بالكتاب شهرا حتى فهمه فقيل له في ذلك، فقال: قلت أنه لا بد من يكون ملك اليونان قد افتتح الكتاب باسم الله أو ما شابه ذلك، فبنيت أول حروفه على ذلك فاقتاس لي. فكان هذا هو الأصل الذي عمل له الخليل كتاب المعمّى. (103).
هذه الرواية غير المعقولة استند اليها البستاني ليقرر أن الخليل كان له المام تام باللغة اليونانية .. من غير أن يسأل البستاني نفسه عن مدى العلاقة بين الخليل وملك اليونان ولماذا أرسل له تلك الرسالة؟ بل وكيف تصور الخليل أن ملكا نصرانيا يفتتح رسالته بالبسملة؟ ثم كيف أداه قول الملك اليوناني (باسم الله الى معرفة كل حروف اللغة اليونانية؟ وكل كلمات اللغة اليونانية ومعانيها، كي يتاح له القول بأن الخليل كان يجيد اللغة اليونانية إجادة تامة!! كما لم يسأل نفسه أنه لو كان الخليل على المام تام باللغة اليونانية،
فلماذا يحتجب في بيته شهرا لكي يقرأ تلك الرسالة؟! والحق أن هؤلاء ومن تابعهم، غافلون عن مسألة مهمة جدا .. هي أن نشأة العلوم العربية كانت بسبب الحاجة الاجتماعية، ولم تنزل الى البصرة بمظلة يونانية ولا سريانية ..
_ VE - (1/74)
صفحة 63
باستذكار
فلو رجعنا الى تاريخ العلوم العربية، لوجدناها لا يظهر أي باب من أبوابها الا إذا دعت الحاجة اليه .. وبحسبنا هنا، للبرهنة على ذلك، سريع لنشأة ما أبدعه الخليل في اللغة والنحو والعروض .. فحينما بدأ اللحن يتفشى على ألسنة الناس، ووقع في قراءتهم للقرآن الكريم، قام والي البصرة، زياد بتكليف أبي الأسود الدؤلي، بضبط الألفاظ القرآنية، منعا للخطأ في قراءتها .. الا أن أبا الأسود لم يستجب لذلك .. غير أنه بدل رأيه حينما سمع من يقرأ (ان الله بريء من المشركين ورسوله (التوبة 3) .. بجر (رسوله) .. وقد تمثلت طريقة أبي الأسود في ضبط الألفاظ القرآنية، بقوله
لكاتبه:
(إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فان ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف فان أتبعت شيئا من ذلك غُنّة فاجعل مكان النقطة نقطتين) (104).
وكان هذا النقط ملائما لأوضاع اللغة العربية يومذاك، لأن حروفها لم تكن منقوطة بل كان التمييز فيما بينها يتم بناء على اختلاف
رسم
أحدها
عن الآخر .. ولكن ذلك الرسم كان عسيرا على الأقوام غير العربية التي دخلت الاسلام وجاورت العرب، فكان لا بد من تجديد في رسم الحروف نفسها بحيث تكون ميسرة للعرب ولغيرهم ..
_ Vo_ (1/75)
صفحة 64
وتحقيقا لهذا الغرض قام الحجاج بن يوسف باستدعاء نصر بن عاصم أحد تلامذة أبي الأسود الدؤلي (105) وكلفه بايجاد حل
الليثي،
لهذه المشكلة ..
وتوصل نصر بن عاصم الى طريقة نقط الحروف، فيما سمّوه
بالاعجام .. وظل الحال على هذا .. الحروف العربية تكتب منقوطة نقط الاعجام، ونقط أبي الأسود، مما دفع الى وقوع بين النقطين، والوهم في عد نقط أبي الأسود هو نقط الاعجام .. وكان في هذا ما فيه من
خلط
المحاذير كاختلاط النون بالتاء والباء بالياء .. وهكذا ..
حتى
الضمة
هي
إدراك
ظهر الخليل بن أحمد، الذي استطاع بعبقريته الفذة، من أن الفتحة ما هي الا ألف قصيرة، وأن الكسرة هي ياء قصيرة، وأن واو قصيرة .. فابتكر للفتح الفتحة، وللضم الضمة وللكسر الكسرة .. وهي على التوالي ألف صغيرة توضع فوق الحرف، وواو صغيرة توضع فوق الحرف أيضا، وياء حذف أحد شقيها توضع تحت الحرف .. كما وضع علامات للروم والاشمام والهمز والتشديد (106). وبهذا أمن العرب على قرآنهم من وقوع الخطأ في ألفاظه .. وشاعت هذه الطريقة التي وضعها الخليل بن أحمد في مدارس القراءات القرآنية التي كانت منتشرة يومئذ في البصرة .. ومنها انتقلت الى مدارس القراءة في المدن الأخرى ..
وعن مدارس القراءة القرآنية، التي كانت من قبل الخليل، وتطوّرت
- 76 - (1/76)
صفحة 65
في زمانه، انبثقت مدارس أخرى، لا تكتفي بالقراءة، وذلك لأن الحاجة أصبحت ماسّة للتعريف بحركات أواخر الألفاظ، ولماذا تظهر الفتحة تارة والكسرة أخرى والضمة ثالثة .. وهكذا أدى هذا الى بدايات الدرس النحوي الذي ظهر من يتكلم عليه كعيسى بن عمر أحمد
الذي يقال أنه وضع كتابين في ذلك أشار اليهما الخليل بن
فيما نسب اليه في بيتين من الشعر، هما:
بطل النحو جميعا كله
ذاك (إكمال) وهذا (جامع)
غير ما أحدث عيسى بن عمر
فهما للناس شمس وقمر
ولكن هذين الكتابين لم يرهما أحد (107) .. فمن الصعب أن يعرف الشوط الذي قطعته الدراسة النحوية قبل الخليل .. على أن هذا لا يمنع من تفهم أن عمل الذين سبقوا الخليل في هذا الباب، لم يكن متسعا شاملا ولم يكن دراسة منهجية، بل كان أقرب الى رواية الألفاظ بحسب السماع، ضبطا للفظها، وإزالة للحن والخطأ في قراءتها مع شيء من التعليل الذي كان ينسجم مع طبيعة تفكير الناس حينذاك .. وقد تضمن كتاب سيبويه آراء أولئك العلماء الذين سبقوا الخليل، بحيث نستطيع أن نكوّن فكرة عمّا كانوا قد وصلوا اليه من مستوى في النظر النحوي .. حيث أن ما رواه سيبويه عنهم لا يكاد يتجاوز أقوالا في اللغة، لا في
- VV _ (1/77)
صفحة 66
النحو، أو هي تدخل باب النحو بحسب تدخل باب النحو بحسب ما فهموه، لا باب النحو بحسب مفهومه الفني الاصطلا. المتأسس في كتاب سيبويه .. ينقل سيبويه، على سبيل المثال، عن عيسى بن عمر الذي وصفوه بأنه أول من بعج النحو ومد القياس .. أن سائلا سأله: أتقول العرب السفر؟ فأجاب: نعم، والزقر أيضا، مالك ولهذا؟ عليك بباب من النحو يطرد
وينقاس ..
فقد فهم النحو هذا الفهم البسيط الذي هو أقرب الى الرواية اللغوية منه الى النحو (108). كما ينقل عنه أنه كان يقيس نصب (مطرا) في قول الشاعر:
سلام الله يامطرا عليها
وليس عليك يامطر السلام
على نصب (يارجلا) .. وعقب عليه سيبويه بقوله: لم نسمع عربيا، يقوله وله وجه من القياس (109).
وحينما يظهر الخليل، في أوليات القرن الثاني للهجرة، تتجمع بين يديه خيوط التطور في التفكير العربي الاسلامي، ويتحسس بوعي خلاق حاجة المجتمع الى أشياء جديدة وعديدة، فينظر في اللغة نظرته العقلية الموسوعية، فيخرج من ذلك بوضع أسس الدراسة النحوية، التي لا نغالي إذا أكدنا ما ذهب اليه الدارسون من أن الجمهرة الغالبة كتاب سيبويه هي آراء للخليل .. كما يخرج بنظريته الأصواتية في ترتيب الحروف، والتي قادته الى
من
78 - (1/78)
صفحة 67
وضع معجم العين، كي يجمع أشتات كلام العرب لئلا يخرج منه شيء البتة، بحسب قوله هو .. فالناس بحاجة الى أن يجمعوا تلك
اللغة حفظا لها من الضياع ..
كما يخرج من
ورسم
ذلك بوضع العروض الشعري الذي ضبط ايقاعاته، تفعيلاته، وحدد زحافاته وعلله متمشيا مع نظرته الموسوعية الشاملة، ومنسجما مع ذات تفكيره المستنير ومتطلبات المجتمعات العربية .. من غير حاجة الى أن يتعلم لغة اليونان، ولا أن يأخذ عن أمة أخرى، ما دامت بحوثه تنصب على لغة العرب التي وعاها طفلا صغيرا، واستوعبها طالبا جادا، وقننها ونظر لها شيخا كبيرا، وعالما معترفا بفضله وعلمه ..
وبغض النظر عن ذلك كله فكيف يمكن أن نعيد آراء الخليل الى آراء اليونان والفرس والهنود؟!
ومَن من هؤلاء الأقوام حدد أصوات الحروف العربية، وفكر في جمع
كلام العرب في معجم ما وضبط الايقاع الشعري للعرب؟! ومَن منهم يستطيع أن يفهم الفرق بين (صرّ الجندب صريرا .. الأخطب صرصرة وأن العرب إنما قالوا ذلك، لأنهم لحظوا و صر صر في صوت الجندب مدا فقالوا: صرّ، وفي صوت الأخطب ترجيعا،
فقالوا: صر صر؟!
ومن منهم يستطيع أن يفهم تلك القوانين النحوية التي تضمنها كتاب سيبويه، وهي من خصائص اللغة العربية، كالمعاني العامة لصيغة (فَعَلان) كالجيشان والغَلَيان؟! أو الميزات الصوتية المختلفة بين
- V 9_ (1/79)
صفحة 68
الخاء والقاف في خضم) و (قضم) .. الى غير ذلك من نظريات ثبتها
الخليل في (العين) .. وغير العين؟!
من منهم
تمكن من كل تلك الانجازات العلمية الباهرة، مما هو مثبت في العين والكتاب، وما لا يحصى من كتب التراث .. كي يُستطاع
نفي الابداع عن الخليل، وعزو نتائج دراساته لأقوام آخرين؟! الدراسات التي قدمها الخليل والنتائج التي توصل اليها، لا يمكن أن تكون الا ملمحا من ملامح عقلية عبقرية نادرة التكرار .. منبثقة ذات اللغة وذات المتعاملين بها من أجل فهمها والكشف عن
من
قوانين الجمال فيها .. وتيسيرها للناس ..
- ^. (1/80)
صفحة 69
لقد
كان العين مستجيبا لضرورات القرن الثاني الثقافية، سواء من حيث نمط التفكير المعجمي الذي وصل إليه الخليل، أم من حيث حاجة المعنيين بأمور اللغة والتراث الى كتاب يجمع بين دفتيه كلام العرب مبوّبا مرتبا فكان أن تم بناؤه على الطريقة الأصواتية، إبتداء من أدخل الحروف في الحلق، وانتهاء بحروف الشّفة، ثمّ ما عُرف في العربية بحروف العلة، على هذا
الترتيب:
ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ت ر ل ن ف ب م و ا ي الهمزة.
وجعل الخليل كلّ حرف كتابا قسمه إلى أبواب، هي:
باب المضاعف.
باب الثلاثي الصحيح. باب الثلاثي المعتل.
باب اللفيف.
باب الرباعي.
باب الخماسي.
وفي داخل كلّ، باب كان يأخذ حرف الباب فيركبه مع ما يأتي بعده من حروف كلّ حرف على حدة، على طريقة التقليبات. ففي كتاب (ع) مثلا، وهو أوّل كتب الكتاب وأطولها، يبدأ في باب
- 81 - (1/81)
صفحة 70
الثنائي، جاعلا فيه: ع ح، ع هـ، ع خ، ع ق، ع ك ... وهكذا
الى آخر الحروف.
ثم يقوم بتقليب كل مجموعة فيتكوّن لديه لفظان في كلّ منهما: ع ح، ح ع ا ع ه، ه ع ا ع خ، خ ع / ع ق، ق ع / ...
وهكذا
فان وجد اللفظة مستعملة ذكر معانيها، وإلا أعرض عنها.
ثم ينتقل الى الثلاثي الصحيح، فيركب (ع) مع ما يليه وهو (ح) ثم يثلثهما بالحروف الواقعة بعد الحاء بحسب ترتيبه، فيتكون عنده: ع ج هـ، ع ح خ، ع ح غ ..... الخ ... يأخذ بتقليب كل مجموعة منها فمن العين والحاء والهاء، مثلا،
يتولد:
ع ح هـ، ع ه ح ح ع هـ، ح ه ع ه ح ع ه ع ح فاذا انتهى من تقليب مجموعة منها انتقل الى المجموعة التي تليها الألفاظ حتى يأتي على جميع التي وردت فيها حروف الجذر اللغوي
المكوّن لتلك المجموعة. ثم يعود فيركب العين مع ما بعد الحاء وهو الهاء، ويثلثهما بما بعد الهاء وهو الخاء، الى آخر التسلسل الأصواتي للحروف، تاركا ما سبق له ذكره ومتجاوزا عمّا أهملته العرب.
وفي باب الثلاثي المعتل يجمع بين الحرف وما يليه، مع حروف العلة ا - و - (ي) فيتكوّن عنده في حرف العين، مثلا:
- AY_ (1/82)
صفحة 71
ع ح
+
وي
ح ع + 1
وي
ع
1+
1+
وي
ه ع و ي .... الى آخر التسلسل الموصوف فيما سبق.
وفي باب اللفيف، يجمع الالفاظ التي فيها حرف الكتاب مع حروف ا) و ي الهمزة على مختلف صور التقليب، على غرار هذا المثال من حرف القاف:
قوقاً، قوقى، قوق، قوى، قاء، قاق، أقا، وقوق، واق، وقى، أوق،
أيق.
ومثل هذا في سائر الحروف.
جمع
الالفاظ
وأما في باب الرباعي والخماسي من كلّ كتاب، فقد الرباعية ثمّ الخماسية التي فيها حرف ذلك الكتاب، مثل: صلقم وقلصم، في حرف القاف.
ولئن كانت هذه الطريقة التي رسمها الخليل لمعجم العين والمبنية على تذوّق الحروف تذوّقا أصواتيا ترتيبيا مستجيبة لمنهجه الفذ في التذوّق اللغوي، فانّها لم تستطع ان تستجيب لحاجة دارسي العلم اللغوي، ولذا عمد الخالفون الى تغييرها الى ما ظنّوه أكثر استجابة
- AY- (1/83)
صفحة 72
لتلك الحاجة.
منهج
العين، ثمّ
وقد بدأ هذا التغيير بخطوات وئيدة كانت في بدئها، قريبة كثيرا من أخذت تبتعد رويدا رويدا، عنه ... حتى استقرت في أيامنا هذه على تسلسل الحروف (أ ب ت ث ج ح خ ... ). وإذا كانت الضّرورة قد ألجأت المعجميين العرب الذين ظهروا بعد الخليل الى إنشاء معجماتهم علي هياكل أخرى، وبمناهج تغاير منهج ترتيب العين، فإنّ مادة العين شكلت أساسا رئيسا في كل المعجمات
التالية له.
فهذا ابن دريد يعترف بذلك فيقول: ( .. وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي، رضوان الله عليه، كتاب العين، فأتعب تصدّى لغايته، وعنّى وكلّ من .... ) (110).
من
وهذا ابن فارس يقول: (إنّي، لما شاهدت كتاب العين الذي صنّفه ألفاظه، وشدّة الوصول إلى استخراج
الخليل بن أحمد، ووعورة أبوابه .. أنشأت كتابي هذا .. ) (111).
فكتاب العين باق ولكنّه يتخذ صورا هيكلية اخرى، وعناوين اخرى، مع شيء من إضافة أو حذف لا يخلّ أي منهما بكون العين هو الرافد الأساس لكلّ المعجمات التي ظهرت بعده.
_ AE - (1/84)
صفحة 73
إن
هذا الكتاب القيم، ونعني به (العين) أوّل معجم في العربية، قد تعرض لظلم فادح منذ أن ظهر به ذلك الوراق في
البصرة، وإلى أن ظهر مؤخرا في محاولات طبعه. واذا كانت النسخ القديمة للكتاب قد فُقدت، ولم يتبق منه الا ثلاث نسخ سقيمة متأخرة كثيرا، فانّ الجهد الذي بذله المعتنون به في هذا القرن العشرين لم يستطع أن يُنقذ الكتاب تما عمّه في مسيرته عبر التاريخ من تصحيفات وتحريفات بل زاد المعتنون المحدثون عليه، جمّا غفيرا من الأغاليط والأوهام وأخطاء الاحالات، وشيئا كثيرا من
التصحيف والتحريف إنّ للعين ثلاث محاولات للإظهار فشلت اثنتان الا في إظهار جزء يسير منه إظهارا أقل ما يقال فيه ان عدمه خير من وجوده، لأنه، فيهما، قد مُسخ مسخا تاما. ثمّ كانت الإظهارة الثالثة للكتاب، ويحمد لها انها أكملت الكتاب كله، ولكنها لم تستطع أن تنجو من مهاوي التحريفات والتصحيفات وأخطاء الإحالة، بل أدخلت من ذلك على الكتاب شيئا ليس باليسير، إضافة الى سوء الترقيم، ورداءة عبارات الحواشي التي لا نرى ضرورة لها وبالجملة فانها افتقدت قواعد التحقيق العلمي افتقادها العناية التي تستلزمها عملية إحياء هذا السفر
الجليل.
أ, فأنت واجد على صفحاتها أرقاما ليس لها مقابل في الحواشي،
- (1/85)
صفحة 74
كثير من المواضع. ب وأنت واجد صفحات كثارا تبدأ بأرقام كان حقها التأخير، وتنتهي بأرقام كان حقها التقديم، كأن تبدأ صفحة بالرقم 4 لتنتهي
بالرقم 1
ج
وأنت واجد اختلافات في قواعد الترقيم، ما بين استقلال صفحة بأرقامها، وما بين اندماج عدد من الصفحات بأرقام تتجاوز
د
المائتين
- وأنت واجد آيات من القرآن تحيلك الحواشي فيها الى دواوين شعر، بدلا من أن تدلّك, إن كنت بحاجة، على مواضعها في القرآن الكريم. وأنت واجد شواهد من الشعر أحالتك حواشيها الى غير
،مظانّها، ونَسَبَتْها الى غير شعرائها. و - وأنت واجد شواهد جمّة أعلنت الإظهارة أنها لا تعرف مظانّها
ولا قائليها، بل ولا وجه الصواب في إنشادها، أحيانا كثيرة! ز – وأنت واجد في متن تلك الإظهارة أنواعا من الأقواس عديدة، حتى كأنك تنظر في كتاب للجبر والهندسة، مثل: (()] .. ! وان كثيرا من تلك الأقواس ليس لها أدنى ضرورة كما انّ كثيرا منها ترى بدايته، ولا تعرف أين نهايته، إذ يُترك سائبا، أو أن ترى نهايته من غير أن تمر بك بدايته ..
ح - وأنت واجد الكتاب مثقلا بحواش وهوامش ما كان يصح أن توضع في أي عمل تحقيقي مرضي .. ! واليك أمثلة يسيرة جدا شاهدة على ما وراءها من خروج على أبسط
-11 - (1/86)
صفحة 75
شروط منهج التحقيق العلمي:
الجزء الثامن ص 337: الحاشية 59: لم نهتد الى القائل ولا الى
تمام القول!
الحاشية 60: لم نهتد الى الراجز.
الحاشية 61: لم نهتد الى القائل ولا الى تمام القول.
ص 340، الحاشية 70: عمرو بن كلثوم مطولته!
ص 185، الحاشية 18: الرجز في اللسان غير منسوب. الحاشية 19: البيت في اللسان والتهذيب. ص 169، الحاشية 60: البيت في التهذيب من أصل العين غير
منسوب.
ص 155، الحاشية 20: البيت في التهذيب واللسان من
العين!!
أصل
الى غير ذلك من مؤاخذات تتصل بصلب المنهج التحقيقي المعتمد في إظهار كتب التراث. ولا ندري ما أهمّيّة كلّ هذا للقارئ المعاصر؟ كما لا ندري ما أهمية هذه الحواشي في عملية تحقيق العين، هذا الكتاب الذي لا يحتاج الى توثيق نصوصه على الكتب الأخرى، لأنها جميعا نقلت عنه؛ إن وجود الشاهد في العين يغني
المعتنين به من الرجوع إلى المتأخر من الكتب لغرض التوثيق، على التوثيق عمل خاص بالمحقق، من غير حاجة إلى إثقال الكتاب به، وإشغال المتلقي الذي يهمّه من العين مادته، ألفاظه ومعاني تلك
الألفاظ.
على ان هذه الامور على أهميتها تهون حين تصطدم، وأنت تنظر
- 87 - (1/87)
صفحة 76
في
كتاب الخليل الجليل بمئات من تصحيفات الألفاظ وتحريفات العبارات التي جاوزت الألفي تصحيف وتحريف ناهيك عن الأوهام في فهم الدلالات المسبب لمزيد من المسخ والتشويه، مما لا يصح اغتفار وقوعه في أقلّ كتب التراث شأنا، فما بالك إذا وقع في أعظم كتب التراث ريادة وخطورة شأن؟!
ولقد سبقت لنا الإشارة الى شيء من ذلك كله، ذلك كله، في حواشي تحقيقنا لكتاب (مختصر كتاب العين للخطيب الاسكافي، في المادة
المشتركة بينهما، فحسب .. فما بالك بجميع مادة الكتاب؟!
لهذا كله ..
ولغير هذا مما يتصل بصعوبة الاستفادة من العين) بمنهجه المتصعب المعقد الذي رسم بحسب مواضعات عبقرية الخليل للقرن الثاني للهجرة والذي سبب ابتعاد الدارسين عن الانتفاع به والاستفادة منه. وإحياء لكتاب من أهم كتب التراث العربي العريق الذي ابتدعه عالم من أكابر علماء الأزد العمانيين، ورائد علماء العربية على مر التاريخ، وتيسيرا للكتاب، ووضعه بين أيدي الدارسين، بتقريبه اليهم، وتقريبهم منه واستنقاذا له من الظلم الفادح الذي اعتوره على مرّ
الأيام .. فقد تمكنا بتوفيق الله، من إعادة الحياة (لعين) الخليل، بإعادة تحقيقه، ومن ثم ترتيبه على حروف (أ-ب- ت- ث- .. الخ .. ). ومن المنتظر صدوره قريبا، إن شاء الله .. ولذلك فانّ عملنا في (العين) قد ارتكز على تغيير تنظيمه وتبويبه القديم، فقد مضت أيام الترتيب الأصواتي للمعجمات، وأصبح من
- 88 -
- (1/88)
صفحة 77
العسير تتبع المواد اللغوية وهي موزّعة أصواتيا، وثنائيا، وثلاثيا، ورباعيّا، وخماسيا، ولفيفا ومعتلا، وغير ذلك.
إن القارئ المعاصر بحاجة الى معجم ثمين كالعين، ولكن بعد إعادة ترتيبه ترتيبا ميسورا، وتخليصه من الأغلاط والأوهام والأخطاء التي
أدخلت عليه فشوّهته، ومسخته.
وكان لا بد لنا، لتحقيق هذه الغاية النّبيلة أن نلجأ الى منهج يحقق لنا ما نصبو إليه من عمليّة (إحياء) كتاب العين وتحديثه، فكان أن رسمنا لنا هذه الخطوات والتي نذكرها هاهنا، لأنها تمثل الطريقة العلمية المتاحة في تحقيق كتب التراث العريق، وعلى وجه الخصوص، كتب الخليل الفراهيدي، وآثاره:
العودة الى المخطوطات المتوفّرة لكتاب العين، وللأسف الشديد، فانّ الأيام لم تحفظ لنا الا ثلاث نسخ متأخرة سقيمة يعود تاريخ أولاها الى سنة 1054 هـ، وتاريخ الثانية الى سنة 1087 هـ، واما الثالثة فمنتسخة سنة 1354 هـ .. وهي النسخ ذاتها التي اعتمد عليها الذين عُنوا بالعين مؤخرا.
2 - ولما كانت هذه النسخ، على هذه الدرجة من السوء، صار لزاما علينا أن نعود إلى الكتب التي هدفت الى اختصار كتاب العين كمختصر كتاب العين للخطيب الأسكافي، ومختصر أبي بكر الزبيدي، في أصولهما المخطوطة، لتوجيه مخطوطات العين. ثمّ الاستفادة من الذين نقلوا عن الخليل وكتابه العين، كالأزهري في التهذيب وأبي علي القالي في البارع، وابن فارس في مجمل اللغة ومقاييس اللغة، وغيرهم .. كما أفدنا من النقول التي ثُبَتَتْ في
- 19 - (1/89)
صفحة 78
الإظهارة الأخيرة للكتاب والمنقولة عن تهذيب الأزهري ولسان العرب لابن منظور، وذلك في المواضع التي ثبت لنا صواب النقل
والرواية فيها.
3 - أعدنا تبويب مادة الكتاب الى الترتيب الألفبائي المعمول به اليوم في شتّى أرجاء العالم تيسيرا للفائدة من الكتاب، وتعميما للانتفاع منه، واحياء للخليل بن أحمد بتطوير مادة كتابه وتطويع منهجه
ليلائم عقول أهل هذا الزمان ومداركهم.
ندري
4 - وبسبب كون العين أوّل كتاب في العربية، وبسبب كون جميع الكتب التالية له نقلت عنه مادته وشواهده، ولطبيعة الأهداف التي نتوخاها من وراء تحقيق الكتاب، وإحيائه عمدنا الى الاستغناء عن الحواشي. فالعين مستغن عنها، وقائم بنفسه، غير محتاج اليها، ولا أن ما جدوى تخرّج شواهد (العين) على كتب نقلتها عنه، فما نفع أن نقول انّ الشاهد موجود في التهذيب والجمهرة ولسان العرب مثلا وهذه المصادر تنص على أنّها نقلت البيت عن العين، فالمسألة الطبيعية أن يعمد محققو تلك المصادر الى تخريج نصوصها على كتاب العين، لا أن نُخرج نصوص العين عليها، وأن يقوم العين بتوثيق تلك الكتب لا أن تقوم تلك الكتب بتوثيق العين.
هذا
من ناحية ..
الاستفادة من
ومن ناحية أخرى فانّ القارئ المعاصر الذي يروم المعجم لا يهمه الا ان تكون مادة المعجم صحيحة سليمة نافعة، ميسورة الاستعمال مأنوسة العبارة منظمة بطريقة عصرية واضحة. فأما الحواشي فلا تعني غير كاتبها وواضعها لتكون له بمثابة المعيار
-
90 (1/90)
صفحة 79
الذي يزن به تحقيقه ويتأكد بواسطته من سلامة طريقة عمله. ولهذا لم نرغب في إثقال المعجم بحواش هي عندنا، في العين، وفي سائر تراث الخليل من فضول الكلام، وتزيد المقالات.
والله اسأل أن ينفع بالكتاب الغيارى الحريصين على لغة القرآن العزيز، وعلى تراث الحضارة العربية والإسلامية .. كما نفع به المتقدمين، وجعله أساسا مكينا لكل الأعمال المعجمية اللاحقة، وأيضا مرتكزا لا غنى عنه لكل الأجيال التي غبرت وهي معنية باللغة العربية العريقة بألفاظها ودلالاتها .. في هذا العصر الذي أصبحت هوية الدول فيه، تتحدد على وفق مكانتها الحضارية، وأصالتها،
ومدى اعتزازها بذاتها وتراثها ..
_91 - (1/91)
صفحة 80
حواشي
الفصلين الثاني والثالث (1/93)
صفحة 81
-1 ذكر ابن النديم كثيرا من أبواب تلك العلوم، وما ألف فيها، ينظر الفهرست 297،
-
504،433، 331، 319،318
وغيرها (ط. ليبزج 1872).
2 - ينظر الحياة الأدبية في البصرة، 160 وما بعدها ..
ينظر بغية الوعاة 1/ 453.
4 - تنظر مقدمة المخزومي والسامرائي 1/ 19 وما بعدها والدراسات اللغوية 235،
237
تلامذة مدرسة الخليل بن أحمد، قرأ كتاب سيبويه على من أحمد، قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، كما تلمذ للأصمعي وأبي عبيدة وكان أعلم الناس بالعروض الذي أرسى الخليل قواعده. توفي في سنة 255 هـ، وهو رأس البصرة حتى وفاته. ينظر في ترجمته: نزهة الأدباء 11/ 263، إنباه الرواة 2، 58، وبغية الوعاة 1/ 606.
الألباء 116،
معجم
- اسماعيل بن القاسم بن عيذون من أرمينية أصلا، دخل الموصل وبغداد، تلمذ لابن دريد وابن الأنباري ونفطويه وابن درستويه. رحل الى الأندلس بطلب من عبد الرحمن الناصر أو ابنه الحكم المستنصر، له الأمالي والبارع وغيرهما. توفي في قرطبة سنة ست وخمسين وثلاثمائة ينظر في ترجمته طبقات الزبيدي 202، الجذوة 154، نفح الطيب،70/ 3، وبغية الوعاة 1/ 453.
:
-7 - جلال الدين السيوطي، ولد في عائلة متصوّفة في سنة 849 هـ، له ما يقارب الثلاثمائة كتاب ورسالة توفي في سنة 911 هـ. تنظر ترجمته لنفسه في أول بغية الوعاة 1/ 8، وما بعدها.
-
من فضلاء تلامذة الخليل. أقام في البادية أربعين سنة طلبا للغة. أخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلام؛ من كتبه المدخل الى كتاب العين وغريب الحديث، وغيرهما .... تنظر ترجمته في نزهة الألباء 52، نور القبس 99، معجم الأدباء 19/ 138، درة
الغواص 105، وإنباه الرواة 3/ 348.
_90_ (1/95)
صفحة 82
أبو فيد مؤرّج بن عمرو السدوسي، من علماء أهل اللغة، ويعد بضمن تلامذة الخليل. دخل خراسان مع المأمون العباسي، توفي في حدود سنة 204 هـ. تنظر ترجمته في نزهة الألباء 82، المؤتلف والمختلف 54، وتاريخ بغداد 13/ 258.
10 - ربّما أخذ عن الخليل شيئا، لكن تلمذته للخليل ليس مما يُعتد بها، وكان صاحبا للأصمعي، وأخذ عنه. ينظر نزهة الألباء 71، 72: (وفيه علي بن نصر الجهضمي) ووفيات الأعيان 6/ 175 (وحواشيه).
11 - الأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة، ربّما أخذ عن الخليل شيئا، ولكن تلمذته للخليل موضع تساؤل. زاد على عروض الخليل بحر الخبب على ما يقال. قرأ على سيبويه، ويُعدّ الطريق الوحيد لكتاب سيبويه. توفّي في سنة 221 هـ، وقيل غير ذلك. تنظر ترجمته في نزهة الألباء 84، نور القبس 97، إنباه الرواة 2/ 36، ووفيات الأعيان 2
380/
12 - يريد الليث بن المظفر، المختلف في اسم أبيه كثيرا، وهو الذي تلقف العين من الخليل. ينظر في ترجمته: نزهة الألباء 120، تهذيب اللغة (المقدمة) 1/ 28، طبقات ابن
المعتز 97، و مراتب النحويين 31.
213 هـ،
13 - عبد الملك بن قُريب، صاحب اللغة والغريب والأخبار، توفي في البصرة في سنة أو ما هو قريب منها. ينظر في ترجمته: أخبار النحويين البصريين 45 520، مراتب النحويين 56 650، طبقات النحويين للزبيدي 183، 192، و إنباه الرواة 2/ 197. ومقدمتنا لمعجم الأصمعي.
عنه
14 - يريد أبا العباس محمد بن يزيد الأزدي، المعروف بالمبرد، صاحب الكامل والفاضل والمقتضب، أخذ عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وأخذ نفطويه وجمهور من العلماء. ولد في سنة 210 هـ، على الأشهر، وتوفّي في حدود سنة 286 هـ. ينظر في ترجمته: إنباه الرواة 3/ 219، نزهة الألباء 132، ووفيات الأعيان 4 /
_97_
313 (1/96)
صفحة 83
عن
15 - أبو عبد الله محمد بن زياد من أشهر رواة الكوفيين، ومن أئمة اللغة، أخذ الكسائي، وأخذ عنه ثعلب. توفي في سنة 231 هـ. ينظر في ترجمته: تاريخ بغداده / 282، طبقات النحويين للزبيدي 213، إنباه الرواة 3/ 128.
16 - القاسم بن سلام، سمع الحديث ودرس الفقه والأدب له أكثر من عشرين كتابا في القرآن والفقه والحديث واللغة سوى ما عداها توفي في سنة 223 15، ينظر: مراتب النحويين 93، طبقات النحويين للزبيدي 217، والفهرست 71 (ط اليبزج).
عن الفراء
17 - أبو يوسف يعقوب بن اسحاق السكيت من أكابر أئمة اللغة، أخذ وابن الأعرابي وأخذ عنه السكري وأبو عكرمة الضبي، قتله المتوكل في سنة 444 هـ وترك وراءه تراثا ثرا ينظر في ترجمته: نزهة الألباء 109، ومعجم الأدباء 7/ 300 (ط/
بيروت)
18 - المزهرا / 084
19 - أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من أزد عُمان كالخليل الفراهيدي، من أكابر العلماء الرواة له الجمهرة، والاشتقاق وكثير غيرهما، توفي في سنة 321 هـ. ينظر: شذرات الذهب 2/ 289، تاريخ بغداد 2/ 195، الأدباء /483، معجم والفهرست 61 وغيرها كثير ...
20 سنأتي الى هذه القضية قريبا، وتنظر حواشي مختصر كتاب العين للخطيب
الاسكافي من تحقيقنا. 21 - ينظر الفهرست 4
22 نفسه 65064
23 - عبد الرحمن أبو البركات الأنباري، قرأ على أبي منصور الجواليقي، ولازم ابن الشجري حتى برع له نزهة الألباء، والإنصاف في مسائل الخلاف، وغيرهما كثير. ولد سنة 513 هـ، وتوفي في سنة 577 هـ، تنظر ترجمته في إنباه الرواة 2/ 169، وفيات الأعيان 3/ 139، وبغية الوعاة 2/ 86.
- 9 V _ (1/97)
صفحة 84
24 - نزهة الألباء 28، وتنظر رواية عن الليث في هذا الصدد، في الفهرست 65
25 - بحسب ما يذكر الأزهري في التهذيب 1/ 41.
26 - مختصر العين للزيدي (1/ (ب) من مخطوطة مدريد.
27 - ينظر الخصائص 3/ 288.
- أبو منصور محمد بن أحمد، له كتاب التهذيب، وكتاب التفسير، وغيرهما، ولد في سنة 282 هـ، وتوفي في سنة 370 هـ. ينظر معجم الأدباء 17/ 164، نزهة
الألباء 192، مقدمة تهذيب اللغة (سيرة ذاتية)، ووفيات الأعيان 4/ 334. 29 - التهذيب 1/ 41.
20 هـ،
30 - أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب رأس مدرسة الكوفة في زمانه، ولد في سنة وتوفي في 291. سنة 291. تنظر ترجمته في الفهرست 74، تاريخ بغداده | 204، مرآة الجنان 2/ 218، معجم الأدباءه / 102، نزهة الألباء 139، الشذرات 2/ 207، والبداية والنهاية 11/ 98 ... وغيرها ...
31 - نقله عنه السيوطي في المزهر 1/ 53.
32 - ينظر نزهة الألباء 52 ... وكذا معظم المصادر التي ترجمت له.
33 - عمرو بن عثمان بن قنبر، ولد في إقليم اصطخر بفارس، وقيل انه ولد في الأهواز، أخذ عن الخليل، وحمّاد بن سلمة والأخفش الأكبر وعيسى بن عمر، ومن في طبقتهم، توفي في سنة 180 هـ، على أسلم الأقوال. ينظر: المعارف 237، مراتب النحويين 65، أخبار النحويين البصريين 48، مجالس العلماء 154، وتنظر مقدّمة المرحوم عبد السلام هارون لكتاب سيبويه 1/ 3 - 22.
-91_ (1/98)
صفحة 85
34 - ينظر الخليل بن أحمد 219 وما بعدها. - يراجع، مثلا: معجم الأدباء 17/ 46، طبقات ابن المعتز 97
35 -
36 - بغية الوعاة 1/ 0560
37 - البارع (المقدمة) 52
38 -
38 - ينظر طبقات ابن المعتز 97، التهذيب 1/ 28، إنباه الرواة 2/ 42 .. 39 - مصنف المجمل والمقاييس والصاحبي، توفي في الري في سنة 395 للهجرة. تنظر ترجمته في نزهة الألباء 190، يتيمة الدهر 3/ 400، إنباه الرواة 1/ 94، الأدباء معجم / 80 مقدمتنا لمجمل اللغة و أحمد بن فارس وريادته في البحث اللغوي. 40 - أحمد بن فارس 45 41 - أبو الفضل أحمد بن الحسين ولد في سنة 358 للهجرة، وتوفي 398 للهجرة،
معجم
وهو صاحب المقامات المعروفة باسمه. ينظر يتيمة الدهر 4/ 257، الأدباء 2/ 161، إنباه الرواة 1/ 93، النجوم الزاهرة 4/ 218، خزانة الأدب 4/ 71، المقامات من ابن فارس الى بديع الزمان 11 42 - آخر حكام آل بويه في المشرق، استدعى السلطان محمود الغزنوي الى عاصمته ليساعده في الفتنة التي أحدثتها أمه عليه، فاستولى السلطان الغزنوي على ملكه. ينظر الكامل 59، والعبر 4/ 466 .. 43 - هو ولد ابن العميد وزير ركن الدولة البويهي ما بين سنتي 328 للهجرة و 360 للهجرة. ينظر مثالب الوزيرين 254 - 272 273، ويتيمة الدهر 3/ 180 - 186 .. وغيرها ..
44 - أول من أطلق هذه التسمية، فيما نعلم الأزهري، في مقدمة كتابه (التهذيب)، وينظر نزهة الألباء 28، والخليل بن أحمد 44، وغيرها ..
45 - طبقات ابن المعتز 97
46 - التهذيب (المقدمة) 1/ 28.
47 - البلغة وعنه بغية الوعاة 2/ 270
48 - بغية الوعاة 2/ 270.
49 - الدراسات اللغوية 230، متابعة لبروكلمان 2/ 133.
10.
التفت بروكلمان الى هذه العلاقة، ينظر 2/ 133.
- 99 - (1/99)
صفحة 86
51 - وفيات الأعيان 3/ 149.
52 - صاحب الدعوة للعباسيين، قتل على يد أبي جعفر المنصور في حدود سنة 147 للهجرة، وله سبع وأربعون سنة. تنظر أخباره في تاريخ الطبري وابن الأثير وغيرهما، وترجمته في تاريخ بغداد 207/ 10، العبر 1/ 386، وشذرات الذهب 1/ 179. 53 - فلقد اتهمه بالكذب على الخليل ونحل العين له لينفقه.
54 - وفيات 3/ 150.
ه ه - فلا ندري بعد هذا كيف يقال أن الليث هو مؤلف العين، وها هو يعترف انه لم يفهم عن الخليل مراده.
56 - معجم الأدباء 17/ 51، والفهرست 64 - 65.
57 - طبقات ابن المعتز 97
5 - يراجع: الخليل بن أحمد 151، و بروکلمان 2/ 133
59 - وفيات 5/ 398، والخليل بن أحمد ه 4
-7. معجم الأدباء 19/ 243.
61 - إنباه الرواة 3/ 349، مراتب النحويين 108، وفيات الأعيانه /404.
62 الفهرست 64.
-63 معجم الأدباء 17/ 51.
64 - الدراسات اللغوية 238
65 - الفهرست 64
66 - كما في الأمالي 2/ 196، 269 - 3/ 198،197،199 ..
67 - المصدران السابقان.
68 - تهذيب اللغة (المقدمة): 1/ 41.
19 - نفسه 1/ 28.
70 نفسه 1/ 53
71 - مقدمة العين 1/ 22، والمعاجم العربية 56
72 - المقايس 1/ 3.
73 مجمل اللغة 1/ 141 - 142 - 143.
74 - الصاحبي 47 - 48.
75 - مراتب النحويين 31 (1/100)
صفحة 87
76 - وفيات الأعيان 2/ 247.
77 - تهذيب اللغة (المقدمة) 1/ 53.
78 - الفهرست 64
79 - نفسه 64
80 نفسه 64
81 - أبو القاسم عبد الرحمن بن اسحاق الزجاجي، صاحب الجمل في النحو، من أفاضل الكوفيين، أخذ عن الزجاج، واليه نُسب، وكذا عن ابن السراج، وعلي بن سليمان الأخفش، توفي في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ينظر الفهرست 80، العبر للذهبي 2/ 254، الشذرات 2/ 357، ونزهة الألباء 183
-
2 - أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه أخذ عن ابن قتيبة والمبرد ومن في طبقتهما، ولد في سنة 258 للهجرة، وتوفي في سنة 347 للهجرة. يراجع إنباه الرواة 113/ 2، ونزهة الألباء 171
83 - أبو طالب المفضّل بن سَلَمة من أكابر الكوفيين له معاني القرآن، والبارع في علم اللغة، وغيرهما، توفي في سنة 308 للهجرة. ينظر نزهة الألباء 124
الفهرست 214، وتاريخ بغداد 3/ 83.
8 - المزهر 1/ 053
85 - مقدمة الجمهرة 1/ 3.
8 - المقاييس 1/ 3.
87 - مجمل اللغة 1/ 141 - 143 ..
-88 - مراتب النحويين 84
89 - تنظر الحاشية 2 من مجمل اللغة 1/ 100.
90 - أحمد بن فارس وريادته في البحث اللغوي 318 - 321. 91 - كما في المجمل 145/ 1، وغيرها كثير ..
92 - الصاحبي 47 - 48. 93 - مجمل اللغة 1/ 141.
أحمد
بن فارس وريادته في البحث اللغوي 262 وما بعدها، ومقدمتنا
للمجمل 1/ 114 - 123 (1/101)
صفحة 88
95 - الصاحبي 47
96 - أبو نصر اسماعيل بن حماد الجوهري، أخذ عن أبي علي الفارسي، وعن خاله أبي نصر الفارابي، عُرف بكتابه الصحاح ينظر في ترجمته: نزهة الألباء 4 20، إنباه الرواة 1
/194، ومعجم
الأدباء 2/ 266، ومقدمة الصحاح.
97 - ضحى الاسلام 2/ 269. 98 - ضحى الاسلام 1/ 0298
99 - ينظر الخليل بن أحمد 64 100 - المصدر السابق.
101 - المصدر السابق 56
102 - دائرة المعارف للبستاني 7/ 461.
103 - طبقات النحويين للزبيدي 43 وما بعدها. 104 - أخبار النحويين البصريين 16
105 - وفيات الأعيان 2/ 32.
106 - المقنع للداني 125
107 - أخبار النحويين 31
108 - الكتاب 2/ 32.
109 - المصدر السابق.
110 - الجمهرة 1/ 3.
111 - مجمل اللغة 1/ 141 - 142. (1/102)
صفحة 89
ملحق
العين ..
النظرية
والتطبيق (1/103)
صفحة 90
كتاب
العين مبني على نظرية لغوية علمية، تحدد أصوات اللغة، وتكشف ما
بينها من تألف وتنافر .. وهي مستمدة من ذات اللغة العربية وهادفة الى فهم تلك اللغة، بذاتها، وبحد ذاتها ..
ولقد وجدت هذه النظرية الأصواتية التي لم يسبق الخليل إليها، والتي يعترف بصوابها علم الأصوات الحديث، مثبتة ملامحها العامة في مقدمة كتاب العين تلك المقدمة التي رواها أبو معاذ عبد الله بن عائذ، عن الليث عن الخليل .. ومن أجل بيان ملامح تلك النظرية، من جهة، وطريقة الخليل في النظر الى اللغة باعتبارها جهدا انسانياً وهي مكونة من أصوات يعبر بها كل قوم عن مقاصدهم، ثم منهجه في بناء كتاب العين وموقفه من المرويات اللغوية وتحذيره من الوضع والانتحال في اللغة. أثبت هاهنا تلك المقدّمة التي جاء فيها:
_1.0_ (1/105)
صفحة 91
بحمد الله نبتدئ ونستهدي، وعليه نتوكل.
هذا ما ألفه الخليل بن أحمد البصري رحمة الله عليه من حروف أ، ب، ت، ث مع ما تكملت، به فكان مدار كلام العرب وألفاظهم. فلا يخرج منها عنه شيء. أراد أن تعرف به العرب في أشعارها وأمثالها ومخاطباتها فلا يشذ عنه شيء من ذلك، فأعمل فكره فيه فلم يمكنه أن يبتدئ التأليف من أول أ، ب، ت، ث، وهو الألف، لأن الألف حرف معتل فلما فاته الحرف الأول كره أن يبتدئ بالثاني وهو الباء إلا بعد حُجّة واستقصاء النظر، فدبّر ونظر الى الحروف كلها وذاقها، فوجد مخرج الكلام كله من فصير أولاها بالابتداء أدخل حرف منها في الحلق. وانما كان ذواقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ثم يظهر الحرف نحو أب، أت، أح، أع، أغ، فوجد العين أدخل الحروف في الحلق، فجعلها أول الكتاب ثم ما قرب منها، الأرفع فالأرفع، حتى أتى على
الحلق،
آخرها وهو الميم. فاذا سئلت عن كلمة وأردت ان تعرف موضعها، فانظر الى حروف الكلمة فمهما وجدت منها واحدا في الكتاب المقدم فهو في ذلك
الكتاب. وقلب الخليل أ، ب، ت، ث، فوضعها على قدر مخرجها من الحلق
-1.7 - (1/106)
صفحة 92
وهذا تأليفه:
ع، ح، هـ، خ، غ، -ق، ك- ج، ش، ض، -ص، س، ز - ط، د، ت ظ، ث، ذ ر، ل، نف ب م و، ا، ي -همزة م- قال أبو معاذ عبد الله بن عائد حدثني الليث بن المظفر بن نصر بن سيار عن الخليل بجميع ما في هذا الكتاب.
قال الليث، قال الخليل: كلام العرب مبني على أربعة أصناف: على الثنائي والثلاثي، والرباعي، والخماسي. فالثنائي على حرفين نحو: قد لم هل لو بل ونحوه من الأدوات والزجر.
والثلاثي من ثلاثة أحرف.
ومن
الأفعال نحو قولك: ضرب خرج، دخل، مبني على
الأسماء نحو: عمر وجمل وشجر، مبني على ثلاثة أحرف. والرباعي من الأفعال نحو: دحرج، هملج، قرطس، مبني على أربعة الأسماء نحو: عبقر، وعقرب، وجندب، وشبهه.
أحرف. ومن والخماسي من
الأفعال نحو: اسحنكك واقشعر، واسحنفر، واسبكر
مبني علي خمسة أحرف. الأسماء نحو: سفرجل، وهمرجل، وشمردل، وكنهبل
ومن
وقر عبل، وعقنقل، وقبعثر، وشبهه.
والألف التي في اسحنكك واقشعر واسحنفر واسبكر، ليست من أصل البناء، وإنما أدخلت هذه الألفات في الأفعال وأمثالها من الكلام لتكون الألف عمادا وسلما للسان الى حرف البناء, لأن اللسان لا ينطلق بالساكن من الحروف فيحتاج إلى ألف الوصل إلا أن دحرج وهملج وقرطس لم يُحتج فيهن الى الالف لتكون السلم، فافهم إن
- (1/107)
صفحة 93
شاء الله.
اعلم أن الراء في اقشعر واسبكر هما راءان أدغمت واحدة في الأخرى. والتشديد علامة الادغام. قال الخليل: وليس للعرب بناء في الأسماء ولا في الأفعال أكثر من خمسة أحرف، فمهما وجدت زيادة على خمسة أحرف في فعل أو اسم فاعلم أنها زائدة على البناء وليست من أصل الكلمة، مثل قرعبلانة، إنما أصل بنائها قرعبل ومثل عنكبوت، إنما أصل بنائها
عنكب.
وقال الخليل: الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف، حرف يبتدأ به، وحرف تُحشى به الكلمة، وحرف يوقف عليه، فهذه ثلاثة أحرف، مثل سعد، وعمر ونحوهما من الاسماء بدئ بالعين، وحشيت الكلمة بالميم، ووقف على الراء، فأما زيد وكيد فالياء متعلقة لا يعتد
بها.
فان صيرت الثنائي مثل: قد وهل ولو اسما أدخلت عليه التشديد فقلت هذه لوّ مكتوبة وهذه قد حسنة، الكتبة، زدت واوا على واو، ودالا على دال، ثم أدغمت وشددت. فالتشديد علامة الادغام والحرف الثالث، كقول أبي زبيد الطائي:
ليت شعري وأين مني ليث
فشدد (لوا) حين جعله اسما.
ان ليتاً وان لوّاً عناء
قال الليث: قلت لأبي الدقيش: هل لك في زبد ورطب؟ (1/108)
صفحة 94
فقال: أشد الهلّ وأوحاه، فشدد اللام حين جعله اسما. قال: وقد تجيء أسماء لفظها على حرفين وتمامها ومعناها على ثلاثة أحرف، مثل يد ودم وفم وانما ذهب الثالث لعلة أنها جاءت سواكن، وخلقتها السكون مثل ياء يَدَي، وياء دَمي في اخر الكلمة، فلما جاء التنوين ساكنا اجتمع ساكنان فثبت التنوين لأنه إعراب، وذهب الحرف الساكن، فإذا أردت معرفتها فاطلبها في الجمع والتصغير، كقولهم: أيديهم في الجمع، ويُديّة في التصغير. ويوجد أيضا في الفعل كقولهم: دَمِيَت يده، فاذا ثنيت الفم قلت: فموان كانت تلك الذاهبة من الفم الواو. قال الخليل: بل الفم أصله (فوه) كما ترى والجمع أفواه، والفعل فاه يفوه، فوها: اذا فتح فمه بالكلام. قال أبو أحمد حمزة بن زرعة: قوله يد دخلها التنوين، وذكر أن التنوين إعراب، وليس الأمر كذلك، بل الاعراب الضمة والكسرة التي تلزم الدال في (يد) وفي وجوه والتنوين يميز بين الاسم والفعل، ألا تري أنك تقول: (تفعل) فلا تجد التنوين يدخلها؟ وألا ترى انك تقول: رأيت يدك، وهذه يدك، وعجبت من يدك، فتعرب الدال
وتطرح التنوين؟ ولو كان التنوين هو الاعراب لم يسقط.
فأما قوله: (فموان) فانه جعل الواو بدلا من الذاهبة، فان الذاهبة هي هاء وواو وهما الى جنب الفاء، ودخلت الميم عوضا منهما. والواو في (فموين دخلت بالغلط، وذلك أن الشاعر يرى ميما قد أدخلت الكلمة فيرى أن الساقط من (الفم) هو بعد الميم فيدخل الواو مكان ما يظن انه سقط منه ويغلط.
في
-1.9_ (1/109)
صفحة 95
قال الخليل: اعلم ان الحروف الذلق والشفوية ستة وهي: ر، ل، ن، ف، ب، م، وإنما سميت هذه الحروف ذُلْقا لأن الذلاقة في المنطق إنما هي بطرف أسلة اللسان والشفتين وهما مدرجتا هذه الأحرف الستة، منها ثلاثة ذلقة، وهي ر ل ن تخرج من ذلق اللسان، من طرف غار الفم، وثلاثة شفوية ف ب م مخرجها من بين الشفتين هذه خاصة، لا تعمل الشفتان في شيء من الحروف الصحاح إلا في الأحرف الثلاثة فقط، ولا ينطلق اللسان إلا بالراء واللام والنون. وأما سائر الحروف فإنها ارتفعت فوق ظهر اللسان من لدن باطن الثنايا التاء الى مخرج الشين، بين الغار الأعلى وبين ظهر مخرج اللسان. ليس للسان فيهن عمل أكثر من تحريك الطبقتين بهن، ولم ينحرف عن ظهر اللسان انحراف الراء واللام والنون. وأما مخرج الجيم والقاف والكاف، فمن بين عددة اللسان وبين اللهاة في أقصى
من
عند
الفم. وأما مخرج العين والحاء والهاء) والخاء والغين فالحلق. وأما الهمزة فمخرجها من أقصى الحلق مهتوتة مضغوطة، فاذا رُفّه عنها لانت فصارت الياء والواو والالف عن غير طريقة الحروف
الصحاح. فلما ذلّقت الحروف الستة، ومَذَل بهن اللسان، وسهلت عليه في المنطق كثرت أبنية الكلم، فليس شيء من بناء الخماسي التام يغرى منها أو من بعضها. قال الخليل: فان وردت عليك كلمة رباعية أو خماسية مُعَراة من حروف الذلق، أو الحروف الشفوية ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد أو اثنان أو فوق ذلك فاعلم أن تلك
- 11. (1/110)
صفحة 96
الكلمة محدثة مبتدعة، ليست من كلام العرب لأنك لست واجدا من يسمع من كلام العرب كلمة واحدة رباعية أو خماسية إلا وفيها من حروف الذلق والشفوية واحد أو اثنان أو أكثر. قال الليث: قلت فكيف تكون الكلمة المولدة المبتدعة غير مشوبة بشيء من هذه الحروف؟ فقال: نحو الكشعيج والخضعيج والكشعطج وأشباههن، فهذه مولدات لا تجوز في كلام العرب، لأنه ليس فيهن شيء من حروف الذلق والشفوية، فلا تقبل منها شيئا، وإن أشبه لفظهم وتأليفهم، فان النحارير منهم ربما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللبس والتعنيت.
وأما البناء الرباعي المنبسط فان الجمهور الأعظم منه لا يغرى من الحروف الذلق أو من بعضها إلا كلمات، نحوا من عشر
شواذ.
ومن
كأنهن
هذه الكلمات العسجد والقسطوس والقداحس والدعشوقة والهُدْعَة والزهزقة وهي مفسرة في أمكنتها. قال أبو أحمد حمزة بن زرعة: هي كما قال الشاعر:
ودَعْشُوقَةٌ فِيهَا تَرَنْحَ دَهْتَمْ
تَعَشْقْتُها ليلاً وتحتي خلاهِقُ
وليس في كلام العرب دعشوقة ولا جلاهق ولا كلمة صدرها (نر) وليس في شيء من الألسن ظاء غير العربية ولا من لسان الا التنور
فيه تنور.
وهذه الأحرف قد عرين من الحروف الذلق، ولذلك نزرن فقللن.
- 111 - (1/111)
صفحة 97
لانت
ولولا ما لزمهن من العين والقاف ما حسن على حال. ولكن العين والقاف لا تدخلان في بناء إلا حَسَنَتاه، لأنهما أطلق الحروف وأضخمها جرسا. فاذا اجتمعا أو أحدهما في بناء حسن البناء لنصاعتهما، فان كان البناء اسما لزمته السين أو الدال مع لزوم العين أو القاف، لأن الدال عن صلابة الطاء وكزازتها وارتفعت عن خفوت التاء فحسنت وصارت حال السين بين مخرج الصاد والزاي كذلك. فمهما جاء من بناء اسم رباعي منبسط مُعَرّى من الحروف الذلق والشفوية فانه لا يعرى من أحد حرفي الطلاقة أو كليهما، ومن السين والدال أو أحدهما، فلا يضر ما خالف من سائر الحروف الصتم. فاذا ورد عليك شيء من ذلك فانظر ما تأليف هو من العرب، وما ليس من تأليفهم نحو: قعثج ونعثج ودعثج لا إلى عربية ولو جاء عن ثقة لم يُنكر، فكيف إذا لم يُسمع به؟ ولكن
صحيح
ينسب
ألفناه ليعرف بناء من كلام العرب من الدخيل. وأما ما كان من رباعي منبسط مُعَرّى من الحروف الذلق حكاية مؤلفة، نحو: دَهْداق وزهزاق، وأشباهه فان الهاء والدال المتشابهتين مع لزوم العين أو القاف مستحسن، وإنما استحسنوا الهاء في هذا
الضرب للينها وهشاشتها وإنما هي نفس لا اعتياص فيها. وان كانت الحكاية المؤلفة غير معراة من الحروف الذلق فلن يضر كانت فيها الهاء أو لا نحو الغطمطة وأشباهها. ولا تكون الحكاية مؤلفة حتى يكون حرف صدرها موافقا لحرف صدر ماضم اليها في عجزها، فكأنهم ضموا (ده) الى (دق) فألفوهما، ولولا ماجاء فيهما
- 112 - (1/112)
صفحة 98
تشابه الحرفين ما حسنت الحكاية فيهما، لأن الحكايات الرباعيات من لا تخلو من أن تكون مؤلفة أو مضاعفة.
من
فأما المؤلفة فعلى ما وصفت لك، وهو نزر قليل. ولو كان الهعخع الحكايات لجاز في قياس بناء تأليف العرب، وإن كانت الخاء بعد العين، لأن الحكاية تحتمل من بناء التأليف ما لا يحتمل غيرها بما يريدون من بيان المحكي. ولكن لما كان الهعخع فيما ذكر بعضهم اسما خاصا، ولم يكن بالمعروف عند أكثرهم وعند أهل البصر والعلم منهم رد ولم يقبل. وأما الحكاية المضاعفة فانها بمنزلة الصلصلة والزلزلة وما أشبهها. يتوهمون في حسن الحركة ما يتوهمون في جرس الصوت، يضاعفون لتستمر الحكاية في وجه التصريف. والمضاعف في البيان في الحكايات، وغيرها ما كان حرفا عجزه مثل حرفي صدره وذلك بناء يستحسنه العرب، فيجوز فيه تأليف من ما جاء من الصحيح والمعتل، ومن الذلق والطلق الحروف جميع والصتم. وينسب الى الثنائي لأنه يضاعفه، ألا ترى في الحكاية أن الحاكي يحكي صلصلة اللجام فيقول صلصل اللجام، وإن شاء قال: صل، يخفف مرة اكتفاء بها، وإن شاء أعادها مرتين أو أكثر ذلك، فيقول صل صل، صل، يتكلف من ذلك ما بدا له.: ويجوز في حكاية المضاعفة ما لا يجوز في غيرها من الحروف ألا ترى أن الضاد والكاف إذا ألفتا فبديء بالضاد فقيل: (ضك)، كان تأليفا لم يحسن في أبنية الأسماء والأفعال إلا مفصولا بين حرفيه بحرف لازم أو أكثر؟ من ذلك الضنك والضحك وأشباه
من
تأليف
- 113 - (1/113)
صفحة 99
ذلك.
من
وهو جائز في المضاعف نحو الضكضاكة النساء، فالمضاعف جائز فيه كل غث وسمين من الفصول والاعجاز والصدور وغير
ذلك.
والعرب تشتق في كثير من كلامها أبنية المضاعف من بناء الثلاثي المثقل بحرفي التضعيف ومن الثلاثي المعتل، ألا ترى أنهم يقولون: صل اللجام يصل صليلا، فلو حكيت ذلك قلت: صلّ، تمد اللام وتثقلها، وقد خففتها في الصلصلة، وهما جميعا صوت اللجام، فالثقل مد، والتضاعف ترجيع يخفّ فلا يتمكن لأنه على حرفين، فلا يتقدر للتصريف حتى يضاعف أو يثقل فيجيء كثير منه متفقا، على ما وصفت لك، ويجيء منه كثير، مختلفا، نحو قولك: صرّ الجندب صريرا، وصرصر الأخطب صرصرة، فكأنهم توهموا في صوت الجندب مدا وتوهموا في صوت الأخطب ترجيعا. ونحو
ذلك كثير مختلف.
وأما ما يشتقون من المضاعف من بناء الثلاثي المعتل، فنحو قول
العجاج:
ولو انحنا جمعَهم تَنَخْنَخوا
وقال في بيت آخر:
لفحلنا إنْ سَرَه التَّنوخُ
_ \\ _ (1/114)
صفحة 100
ولوشاء قال في البيت الأول (ولو أنخنا جمعهم تنوخوا) ولكنه اشتق (التنوخ) من تنوّخناها فتنوّخت واشتق (التنخنخ) من أنخناها، لأن أناخ لما جاء مخففا حسن اخراج الحرف المعتل منه، وتضاعف الحرفين الباقيين في (تنخنخنا تنخنخا)، ولما ثقل قويت الواو فثبتت في التنوخ، فافهم.
قال الليث: قال الخليل:
العربية تسعة وعشرون حرفا منها خمسة وعشرون حرفا صحاحا
لها مدارج، وأربعة أحرف جوف وهي: الواو والياء والالف اللينة والهمزة، وسميت جوفا لأنها تخرج من الجوف فلا تقع في مدرجة من مدارج اللسان، ولا من مدارج الحلق، ولا من مدرج اللهاة، إنما هي هاوية في الهواء، فلم يكن لها حيّز تنسب إليه إلا الجوف. وكان يقول كثيرا: الألف اللينة والواو والياء هوائية، أي انها في الهواء.
الحاء
قال الخليل فاقصى الحروف كلها العين ثم الحاء، ولولا بحة في لأشبهت العين، لقرب مخرجها من العين. ثم الهاء، ولولا هتة في الهاء، وقال مرة: (هَهة)، لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء. فهذه ثلاثة أحرف في حيّز واحد بعضها أرفع من بعض ثم الخاء والغين في حيز واحد كلهن، حلقية، ثم القاف والكاف لهويتان، والكاف أرفع ثم الجيم والشين والضاد في حيز واحد، ثم الصاد والسين والزاء في حيز، واحد ثم الراء واللام والنون في حيز واحد، ثم الفاء والباء والميم في حيز واحد، ثم الألف والواو والياء في حيز واحد، والهمزة في الهواء لم يكن لها حيز تنسب إليه.
110 - (1/115)
صفحة 101
من
قال الليث: قال الخليل: فالعين والحاء والخاء والغين، حلقية لأن مبدأها من الحلق، والقاف والكاف لهويتان، لأن مبدأهما من اللهاة. والجيم والشين والضاد شجرية لأن مبدأها من شجر الفم أي مفرج الفم والصاد والسين والزاء أسلية، لأن مبدأها أسلة اللسان وهي مستدق طرف اللسان. والطاء والتاء والدال نطعية، لأن مبدأها من نطع الغار الأعلى. والظاء والذال والثاء لثوية، لأن مبدأها من اللثة والراء واللام والنون ذلقية، لان مبدأها من ذلق اللسان، وهو تحديد طرفي ذلق اللسان. والفاء والباء والميم شفوية، وقال مرة: شفهية، لأن مبدأها من الشفة. والياء والواو والالف والهمزة هوائية، في حيز واحد، لأنها لا يتعلق بها شيء، فنسب كل حرف الى مدرجته وموضعه الذي يبدأ
منه.
وكان الخليل يسمي الميم مُطبقة لأنها تطبق الفم اذا نطق بها، فهذه صورة الحروف التي ألفت منها العربية على الولاء، وهي تسعة وعشرون حرفا ع ح ه خ غ، ق ك، ج ش ض، ص س ز، ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب، م فهذه الحروف الصحاح، و (ايء)
فهذه تسعة وعشرون حرفا منها أبنية كلام العرب.
قال الليث: قال الخليل
اعلم
أن الكلمة الثنائية تتصرف على وجهين نحو: قد، دق، شد، دش والكلمة الثلاثية تتصرف على ستة أوجه، وتسمى مسدوسة،
- 116 - (1/116)
صفحة 102
وهي نحو ضرب ضبر برض بضر، رضب ربض. والكلمة الرباعية تتصرف على أربعة وعشرين وجها، يكتب مستعملها ويلغي مهملها، وذلك نحو عبقر تقول منه.
عقرب عبرق، عقبر عبقر، عرقب، عربق قعرب، قبعر، قبرع قرعب، قربع رعقب رعبق رقعب رقبع ربقع، ربعق، بعقر، بعرق بقعر بقرع، برعق، برقع. والكلمة الخماسية تتصرف على مائة وعشرين وجها، وذلك أن حروفها، وهي خمسة أحرف تضرب في وجوه الرباعي و وهي وعشرون حرفا فتصير مائة وعشرين وجها يستعمل أقله ويلغى أكثره.
أربعة
وهي نحو سفرجل، سفرلج، سفجرل، سجفرل، سجرلف، سرفجل، سرجفل سلجرف سلرفج، سلفرج، سجفلر، سرفلج، سجفرل، سلفجر، سرجلف، سجرلف، سرلجف، سجلفر، وهكذا .. وتفسير الثلاثي الصحيح أن يكون ثلاثة أحرف، ولا يكون فيها واو ولا ياء ولا الف لينة ولا همزة في أصل البناء، لأن هذه الحروف
يقال لها حروف العلل.
فكلما سلمت كلمة على ثلاثة أحرف من هذه الحروف فهي ثلاثي صحيح مثل ضرب خرج دخل. والثلاثي المعتل مثل: ضرا، ضري، ضرو، خلا، خلي، خلو، لأنه جاء مع الحرفين ألف أو واو أو
ياء، فافهم. وقال الخليل: بدأنا فى مؤلّفنا هذا بالعين وهو أقصى الحروف، ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب، وبدأنا الأبنية بالمضاعف، لأنه أخفّ على اللسان وأقرب مأخذا للمُتَفَهم.
- 117 - (1/117)
صفحة 103
الصفحة
11
19
25
35
37
50
93
الفهرس
الموض
وع
مقدمة بقلم معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي
تقديم
رسالة بين يدي الخليل
الفصل الأول - القصة الكاملة
حواشي الفصل الأول
الفصل الثاني - كتاب العين
الليث .. مفتاح توثيق كتاب العين
الفصل الثالث .. العين من التشكيك إلى التطوير
حواشي الفصلين الثاني والثالث
معجم العين .. النظرية والتطبيق (1/119)
صفحة 104
رقم الإيداع: 79/ 94
الإخراج الفني والطباعة
مدمات الإعلان الريع تليفون 790989 - فاکس 799333 (1/120)