صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: شريعة - لغة عربية
------------------------------------------
العنوان: الرؤية الإسلامية في كتاب أبو مسلم الرواحي حسان عمان
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية
تاريخ النشر: 1418ه/ 1997م
الطبعة: د.ط
ردمك: 9961-908-24-4
الإيداع القانوني: 97/510
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2068&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/425
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 ربيع الأول 1447ه/ 01 - شهر 09 - 2025م. الدكتور محمد ناصر بوحجام
البروية الاسلامية
في كتاب
الرواحي
سر جمعية الثراث القرارة
ربيع الأول 1418 - جويلية 1997 (1/1)
صفحة 2
/ (1/2)
صفحة 3
الرؤية الإسلامية في كتاب
(أبو مسلم الرواحي حسان عمان)
الدكتور
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
نشر جمعية التراث - القرارة - محرم سه ماي 1977 م (1/3)
صفحة 4
المطبعة العربية ". نهج طالبي احمد – غرداية
الهاتف: 88.36.53/ 34. 34. 87
ردمك: 43 - 24 - 08 - 9961:. I.S.B.N
الايداع القانوني: رقم 97/ 510 (1/4)
صفحة 5
بسم الله الأحمر الايام
مقدمة
لم يخلق الإنسان عبنا، بل خليق ليُؤدِّي رسالة، ويحمل أمانة. ولم تسخر له النعم ظاهرة وباطنة، ولم يؤت ما سأل ... إلا ليقوم بواجبه؛ بما يثبت حقيقة استعمار الله له الأرض، وبما يحقق خلافته الله فيها.
إنَّ قيمة الإنسان تتوقف على ما يفقهه من هَذا الواجب، وما يعيه من
هذه الرسالة، وما يقدمه من جلائل الأعمال، وما يسجله من عظائم الأفعال. الأديب الملتزم بهذا الخط المتشبع بهذه الروح والدارس المتقيد بهذا المفهوم، الصادر عنه في أبحاثه هذان القطبان اللذان ينشآن بهذه المواصفات يسهمان في حمل الأمانة وأداء الرسالة بكل جدارة. وهما اللذان ينجحان في رسم معالم الطريق المستقيم والنهج السليم، الذي يعين على نشر القيم الحسنة، وإذاعة الأخلاق
الفاضلة.
وقد أثبتت الممارسة العملية سلامة هَذَا التوجه. ولنا مثال للأديب الناجح في أدبه: «أبو مسلم الرواحي ومثال للباحث الموفق في دراسته: «د. محمد ناصر»، فالأدب الإسلامي يتمثل في نظم الأول، والرؤية الإسلامية تتجسد في دراسة الثاني وتحليله. ولإبراز هذه الحقيقة قمنا بعرض كتاب الدكتور: محمد بن صالح ناصر: «أبو مسلم الرواحي حسان عمان من دون التعمق في التحليل والنقد؛ لأنَّ غرضنا كان تقديم صورة أو نموذج للتناول الإسلامي للآثار الأدبية، التي تتحلى بهذه الروح، ولتلك التي تحمل رسالة؛ لتكون مثالاً يحتذي في هذا المجال،
-3 - (1/5)
صفحة 6
عسانا نسهم في دفع قافلة الدراسات الإسلامية إلى الأمام، وفي إرساء قواعد لكتابة الأدب الإسلامي أو إنتاجه.
بين يدي هذا العرض قدَّمنا تعريفا بالباحث الدكتور محمد ناصر؛ حتى يتعرف عليه القراء، وعلى بعض جهوده في خدمة الثقافة الإسلامية الأصيلة. وأعقبنا العرض ببعض الملاحق التي نراها مكملة له: الملحق الأول هو رسالة بعث ث بها أبو مسلم الرواحي إلى إمام المسلمين بعمان: سالم بن راشد الخروصي، وهي تحمل دلالات فكرية واجتماعية وسياسية عميقة.
الملحق الثاني: عبارة عن نماذج من شعر أبي مسلم الرواحي.
الملحق الثالث: عبارة عن خواطر لنا سجلناها سنة: 1991 م عن الشعر العماني الذي هو في حاجة إلى دراسة علاقتها بهذا العرض علاقة تكامل؛ إذ عنيت - كما جاءت دراسة الدكتور محمد ناصر - بالكشف عن قيمة الأدب العثماني، نت معها في الرؤية والموقف من هَذَا الأدب. كما أننا في الخواطر عرضنا مجموعة من الأسئلة وجهناها إلى الباحثين للاهتمام بدراسة الأدب
والدعوة إلى دراسته و
والتقت.
العماني ... الملحق الرابع: قدَّمنا فيه قائمة بمؤلفات الدكتور محمد ناصر وأبحاثه ودراساته. ونسجل هنا أنَّ هناك بعض العناوين لم نتمكن من الوصول إليها، لإثباتها في هَذِهِ
القائمة.
وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه.
باتنة
يوم الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1417 هـ 24 سبتمبر 1996 م الدكتور محمد بن قاسم ناصر بو حجام
معهد اللغة العربية وتوليها.
جامعة باتنة (1/6)
صفحة 7
نبذة من حياة الباحث
الدكتور محمد بن صالح ناصر شاعر وناقد وباحث ومحقق، ورجل اجتماعي، يعنى بقضايا مجتمعه، يكلؤها بعنايته، ويرعاها بتوجيهاته ونصائحه، يعالجها بقلمه، ويشارك في حلها برأيه. لم تمنعه رتبته العلمية العالية من النزول إلى المجتمع، يتحسس مشاكله يجلس إلى الأرملة يسمع شكواها، ويقترب من اليتيم يفرج. عنه همومه، يدنو من صاحب الحاجة، يقضي له مآربه، يؤم المراكز والمجالس العامة لتوجيه الشباب، وتوعية العامة، وإرشاد من يسترشده في دينه أو في دراسته، ويلج كلّ ميدان يرى نفسه قادرة على الدخول فيه، وتقديم يد المساعدة لمن يطلبها. يمتاز بالتواضع والأخلاق الإسلامية العالية، ويتميز بالنشاط والجدية في العمل، كما يهتم بنشر التراث وتحقيقه. وله الفضل في تأسيس جمعية التراث التي مقرها مدينة القرارة، وَهُوَ يُعَدُّ العصب المحرّك لِكُلِّ أنشطتها، وهو رئيس مجلسها
العلمي. الدكتور محمد بن صالح، ناصر، ولد في مدينة القرارة (ولاية غرداية، الجزائر) سنة: 1938 م، تلقى تعلمه الابتدائي في مدرسة الحياة الابتدائية بالقرارة، بعد استظهاره القرآن الكريم، التحق بمعهد الحياة الثانوي (القرارة) تخرج فيه سنة:
1959 م.
أمضى في مدرسة الحياة معلماً ثلاث سنوات. التحق بجامعة القاهرة قسم اللغة العربية سنة 1962، تخرج فيه سنة: 1966 بشهادة الليسانس في الآداب. رجع إلى القرارة ليلتحق بأسرة التعليم في معهد الحياة الثانوي في أكتوبر 1966 بقي فيه إلى جوان 1977؛ بعد المعهد انضم إلى قسم اللغة العربية وثقافتها، كلية الآداب جامعة الجزائر يشتغل فيه مدرّساً، غادر معهد اللغة والأدب العربي سنة: 1991 م. في جوان 1972 م تحصل على شهادة دكتوراه الحلقة الثالثة من قسم اللغة
-5 - (1/7)
صفحة 8
العربية وثقافتها جامعة الجزائر. وفي يوم 27 أكتوبر 1983 م تحصل على درجة دكتوراه دولة من معهد اللغة والأدب العربي جامعة الجزائر؛ بملاحظة مشرف جدا. مع تهنئة لجنة المناقشة وتوصيتها بطبع رسالته عَلَى نفقة الجامعة، ومبادلتها مع
الجامعات العربية.
في شهر نوفمبر 1991 م انتقل إلى مسقط (سلطنة عمان للتدريس في معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، وما يزال.
الدكتور محمد ناصر غزير الإنتاج، وجاد في مجال البحث والدراسات، نشير في عدة جرائد ومجلات وطنية جزائرية بخاصة كالثقافة، والأصالة، والرسالة، الموافقات، التربية، الرؤيا، الشعب النصر، الجمهورية المساء، المجاهد الأسبوعي، أضواء وغيرها ... كما نشر في الجرائد والمجلات غير الجزائرية: كالحياة الثقافية التونسية، والنهضة، وعمان والسراج، والشبيبة (العُمانية) والحياة اللندنية، والعالم
وغيرها ...
شارك في عدة ملتقيات، وحاضر في مختلف الأسابيع الثقافية التي أقيمت في مختلف المدن الجزائرية، وأقام عدة أمسيات شعرية، وأذاع عدة أحاديث في الإذاعة والتلفزة، بخاصة في سلطنة عُمان.
اهتماماته في الكتابة متعددة. وقد اتجه في المدة الأخيرة إلى ميادين الدراسات
الإسلامية، والأدب الإسلامي، وتحقيق التراث، وأدب الأطفال ...
من خلال هذه البطاقة التعريفية التي قدمناها عن حياة الدكتور محمد ناصر ينكشف لنا المشوار الطويل الذي قطعه في درب التحصيل والتعلم، وتظهر جهوده
الكبيرة في خدمة العلم والمعرفة، والإسهام في النهوض بالمجتمع.
هكذا يجب أن يكون العالم، يجب أن لا يركنه علمه في زاوية، بينما مجتمعه في حاجة ماسة إليه، وأن لا يتعالى عليه وَهُوَ منه؛ فيقبع في برجها، العاجي، لا يعير اهتماما لحاجاته وقضاياه. والأمر ينطبق على الأديب أيضا. وفي هَذا يقول د. محمد (1/8)
صفحة 9
ناصر: «إنَّ الأدب في المنظور الإسلامي لا يكتمل إلا من خلال رسالة يحملها، ومسؤولية ينهض بأعبائها؛ لأنَّ الله إِنَّمَا خَلَق الإنسان ليؤدي رسالة خلق من أجلها ... ولا تتيم رسالة الأديب المسلم إلا إذا كان واعيا برسالته الحضارية هَذِهِ، حاملاً بين جنبيه قلبا يفيض بالمحبة والإشفاق لِكُلِّ إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يشجى لآلامهم، ويندّد بأعدائهم، ويكشف عوار الخونة والمنافقين ...
إِنَّ هَذَا الشعور الفياض، بل أقول إنَّ هَذَا الوعي من الأديب المسلم هو
وحده الكفيل بمد جسور المحبة والتفاعل بينه وبين المتلقين ... »
هذه بعض المعالم في مسيرة أستاذنا الكبير، الثقافية، والاجتماعية، الذي ننحني له إجلالاً لأخلاقه و، وعلمه وإخلاصه في خدمة التراث والأخذ بأيدي الشباب إلى حيث الصلاح والفلاح.
إنَّ أستاذنا كان عند حسن ظن آبائه ومشايخه، وكل من تفرس فيه خيرا، وأسدى إليه نصحا؛ حين كان يدرج في مدارج العلم؛ كما فعل الشيخ حمو بن عمر لقمان (ت: 1965) الذي أرسل إليه رسالة تهنئة بمناسبة استظهاره القرآن الكريم سنة: 1954. قال له فيها: « ... أترى محمد إلى أي حد تحفك النعمة، فحافظ عليها بالشكر وبالحرص وبالقيام بالواجب. فإنَّ عجلة الدنيا تدور بسرعة. فعما قريب تصبح في صفوف الرجال الأمامية، فإن تزودت بالسلاح الكافي من العلم والأخلاق، كنت جديرًا بالسيادة، وإن أضعت العمر في
اللعب؛ خسرت مرتين: خسيرت العمر وخسرت قيمتك في هذا المجتمع. محمد، اقرأ جوايي ميرارًا، ثمَّ احفظه كسورة، ثمَّ افهمه، ثم اعمل به، ثم لا
-1
د. محمد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، ط 1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، 1993 م، ص: 22 - 23 - 24
-7 - (1/9)
صفحة 10
أحب منك أن تقف عند حا
بل أريد منك أفقا متسعاً، ودائرة.
أوسع؛ حتى تسدي إلينا النصائح والدروس والإرشاد، فيثمر غرسنا، ونحني منه
ممرة لذيذة ...
(
هكذا أثمر غرس أساتذة الدكتور، فجنينا منه نحن ثمارا لذيذة والحمد لله. هلا اقتدينا به: طلبة وأساتذة، وحاملي لواء العلم، وموجهي المجتمع، ورافعي راية
الأصالة والمعاصرة. نرجو ذلك.
والله ولي التوفيق والهداية.
1 - الرسالة تقع في خمس صفحات مؤرخة هكذا: الجزائر يوم: 13 فيفري 1954 م.
-8 - (1/10)
صفحة 11
مع كتاب
«أبو مسلم الرواحي حسان عُمان»
عرض وتعليق
ما أحوجنا اليوم إلى دراسات أدبية نقدية هادفة، تنبع من أصالة ما ينبغي أن يسود مجتمعا ما أو أمة ما تحكمها مبادئ متميزة، وفلسفة خاصة، وتسيرها أو توجهها قوانين وقواعد أساسية ثابتة، لا تتغير بتغير الزمن، إلا بقدر ما يمنحها الحيوية، ويضمن لها الحياة، وفق سنن التطور، من دون أن يصيبها في عمقها وجوهرها.
دراسات تراعي خصوصيات الأمة وثوابتها، تنظر إلى المتغيرات بعين فاحصة وبصيرة يقظة، تتعامل معها بما يعين على الاستفادة منها في جانيها الإيجابي، غير مستسلمة لها إلى درجة الذوبان فيها.
دراسات تتحصن بالثقافة الأصيلة: تتعمق المبادئ، وتتشبع بالأصول، وتتعلق بالأهداف ... ثم تتفتح على الثقافات الأخرى؛ لتستفيد منها وتفيد.
دراسات تتميز بخصوصيتها وشخصيتها؛ لتتمكن من التحكم في توجيه الدراسات توجيها يتلاءم مع مبدإ الالتزام والمحافظة على الأصالة، وذلك باختيار الرأي الأصيل، المبني على الوضوح والإقناع، وانتقاء المناهج المنسجمة مع الهدف من الدراسة، والغاية من البحث؛ حتى لا تتفرق بها السبل، فتشرق وتغرب، وتتلون بألوان الأوضاع الآنية، وتقع تحت تأثير السياسات المهيمنة المستبدة، وتنبهير بأصباغ التيارات المستجدة المختلفة ...
هَذَا ما ا ما نفتقده في كثير من الدراسات التي قدمها أبناء الأمة الإسلامية الذين يفترض فيهم أن يكونوا في مستوى رسالتهم المسؤولة؛ فيتناولوا أدبهم بطريقة تخدم
-9 - (1/11)
صفحة 12
أهدافهم التي هي أهداف الإسلام. وَهُوَ ما يفرض عليهم أن يعالجوا الأدب على أساس أنه موقف ورؤية ومبدأ ومسؤولية، ومن منطلق أنَّ ما يحكم تجارب الأدباء صفات ثلاث: إيمان وعمل صالح وانتصار للإسلام، كما حددت ذلك الآية الكريمة إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وَهُوَ ما أشار إليه الدكتور محمد ناصر: ... يمكن أن يعبر عنها بالمصطلح المعاصر الالتزام بقيم الإسلام وعي وعقيدة راسخة مع عمل صالح، مع موقف
ثابت».
هذه الملاحظات التي ذكرناها هي - في الحقيقة ـ ما بدأنا نجد له تجسيدا على أرضية الدراسات الأدبية الحديثة، وَهُوَ ما اصطلح على تسميته بالأدب الإسلامي. إِنَّ هَذَا يبشر بخير، نرجو أن تكثر هذه الدراسات؛ حتى نقف في وجه من يسعى إلى تشويه ثقافتنا وتزييف أدبنا، ونتصدى لمن يحاول الانحراف بأدبائنا ودارسينا ونقادنا عن سواء السبيل؛ بإبعادهم عن أصولهم، التي ينبغي أن تحكم حياتهم ومنطلقاتهم في البحث والدراسة والإبداع.
من هذه الدراسات الحديثة الجادة دراسة أستاذنا الدكتور محمد ناصر الموسومة بـ: «أبو مسلم الرواحي حسان عُمان» (ت: 1920) التي صدرت الطبعة الأولى منها سنة: 1416 هـ / 1996 م عن مطابع النهضة بمسقط (سلطنة عمان). دراسة حاول من خلالها تقديم نموذج تطبيقي للأدب الإسلامي، وكيف يجب أن يدرس أو يتناول الأديب المسلم الملتزم، بعد أن قدم في محال التنظير أربع
دراسات هي:
-1
- 2
سورة الشعراء، الآية: 227 خصائص الأدب الإسلامي، ص: 16.
-10 - (1/12)
صفحة 13
1 - ما أحوجنا إلى أدب إسلامي. 2 - خصائص الأدب الإسلامي.
3 - ردّة أم حداثة.
- حداثة بلا قناع.
وإلى جانب دراسة شعر أبي مسلم الرواحي، قدم بحوا ودراسات ومقالات عن حوالي عشرة أدباء عمانيين بالطريقة نفسها والمنهج عينه.
كتاب: «أبو مسلم الرواحي حسان عمان» توزعته الموضوعات الآتية: مقدّمة، من هو الشاعر أبو مسلم؟، أبو مسلم أديبا لامعا، أبو مسلم فقيها، العقيدة في شعره، الإسلام في شعره، هل كان قوميا؟، الابتهال في شعره، المدائح النبوية، قصيدة الابتهال في جانبها الفني، الاستنهاض في شعره الحنين في شعره، الحكمة في شعره، الرثاء في شعره، أثر القرآن في شعره، الأسلوب الخطابي ...
بعد التقديم الذي تفضل به سماحة مفتي سلطنة عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وذكر الدكتور محمد ناصر لأسباب اختياره شعر أبي مسلم موضوع دراسته، تساءل في البداية عن الشاعر أبي مسلم ومكانته؛ لأنه لحظ أن الشاعر ظل مجهولاً في الشعراء الإسلاميين، بل أبدى اندهاشه ومفاجأته بجهل به يـکـاد يكون مطبقا عند الأقربين من أبناء عثمان أهل موطنه، وبخاصة مسيرته الشعرية وإسهاماته الأدبية والفكرية. رغم أنَّ الشاعر يتبوأ مكانة مرموقة، ويحتل مكانا متميزا بين الشعراء الإسلاميين، إذ أنه «إسلامي في رؤاه وفي مواقفه وفي أدواته الفنية، وبذلك يستحق أن يكون رائدا لمدرسة إسلامية في الشعر العربي الحديث» (ص 7).
شاعر بهذا النمط من الكتابة الفنية وبهذا الطراز من التفكير، وبهذه الروح العالية من العمل الملتزم ... يبقى غير معروف، وغير محتف به وبأعماله، بل غير
-11 - (1/13)
صفحة 14
منظور إليه، يسجل على معشر الأدباء والكتاب، وبخاصة بني عمومته في عمان، تقصيرًا وتقاعسا، ويجعل كاهل المثقفين الإسلاميين مثقلا، وذمتهم غير بريئة، حتى يقوموا بواجب التعريف بهذه الشخصية، وأمثالها من الشخصيات العمانية المرموقة الكثيرة؛ لإنصافها وتقدير جهودها وأعمالها، وإفادة الأجيال الأخلاف بمكامن العبر في حياتها، يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: «ولا ريب أن كل من عرف أبا مسلم حق المعرفة من الأدباء، يؤرق ليله ويقض مضجعه هاجس الضمير الذي يدعو بالحاح إلى وفاء هذا الدين؛ لذلك استجاب لهذا الداعي وتجرد لهذا الواجب أخونا الأديب الحاذق الأستاذ الدكتور محمد صالح ناصر، بدافع غيرته على الإسلام وأدبه، ولعمري إن كاهله الجدير بأن يحمل هذا العبء ليكفي بذلك نظراءه من الأدباء الإسلاميين مسؤولية إهمال هَذَا الواجب ... » (ص: ج).
في بداية الحديث عن أبي مسلم والإجابة عن التساؤل المعروض: من هو الشاعر أبو مسلم؟، قدم الدكتور ما توفر لديه من معلومات حول نسبة وتاريخ ميلاده، والبيت الذي نشأ فيه، والرعاية الربانية التي أحاطت به، إذ وجد في بيت أو وسط أسرة كريمة، عرفت بالصلاح والعلم، وَهُوَ ما أعانه على التحصيل الحسن، والتكوّن الجيد والتربية الفاضلة وكعادة من نشأ في الوسط العثماني، كان تكوينه شرعيا ولغويا، يقول الدكتور: وكانت البيئة والعصر مساعدين على نبوغ أبي مسلم؛ إذ شاع بينهما الأدب وازدهر الشعر، فاشتهر غير واحد من الأدباء، على سبيل المثال خميس بن سليم في مدينة «سمائل»، ومنهم الشاعر صاحب الغزل الرقيق ابن شيخان الذي يكاد يعتبره الدارسون في مرتبة أبي مسلم» (ص: 9). وقد كان نبوغ الشاعر أبي مسلم مبكراً، حيث بدأ قرض الشعر وَهُوَ في الخامسة عشرة من عمره، وَعَلَى غرار كثير من العُمانيين شد الرحال إلى زنجبار في
نذكر منهم.
شرق إفريقيا، وهو دون العشرين من عمره، ومكث فيها خمس سنوات، رجع
-12 - (1/14)
صفحة 15
بعدها إلى عمان، ثم عاد إليها من جديد، وألقى بها عصى الترحال، واستوطنها واكب فيها على تكوين نفسه بعصامية كاملة: واستهوته فيما استهواه كتب
الفقه والأدب، وما لبث أن بزغ واشتهر أمره قاضيا نبيها، وعالما فقيها، وأديبا لامعا» (ص: 1).
وقد كان من بين أعماله في زنجبار إصداره جريدة «النجاح» التي تعد من أولى الصحف العربية صدوراً أو ظهوراً، يقول الدكتور: «وهذا العمل يدلُّ عَلَى أفق هذا الرجل وتفتحه الواسع على الأحداث من حوله، وتطلعه إلى التعريف بالفكر الإسلامي والاستفادة من هذا الفن الذي لم يكن يعرفه الكثير من! المثقفين العرب آنذاك» (ص: 12، 13).
هذه بعض المعالم التي تميز شخصية أبي مسلم، فهي تنم عن مكانة هامة، وتكشف عن منزلة مرموقة ... وَهُوَ ما يغري الباحث الجاد لينطلق ويتحرك كي يسبر غور هذا الرجل، فيحصل على المزيد من مكامن العظمة فيه، خاصة وأنه كان متعدد أوجه النشاط، وكثير التحرك، وصاحب أعمال جليلة جمة ... يقول الدكتور عنه: «وهكذا ظل بين وظيفة القضاء عاملا، ومطولات الفقه مجتهدا، وأمهات كتب الأدب والشعر أديباً لامعاً، وجريدة النجاح صحفياً ناجحا، وبين بعض طلابه الذين تلقوا عنه مربيا حانيا إلى أن توفاه الله في اليوم الثاني من شهر صفر 1339 هـ عن عمر يقارب ثلاثا وستين سنة، قضاها مجتهداً يعمل في سبيل العلم والعقيدة والأخوة الإسلامية، ودفن حيث مات في مدينة زنجبار التي يوجد بها قبره إلى اليوم» (ص: 13).
مع ما قدمه الدكتور، فإنَّنا نسجل ـ كما سجل هو أيضا ـــ أن المعلومات عن حياته قليلة جدا، فهي لا تفي بالغرض، ولا تساعد على معرفة كثير من الأسرار في حياته، ولا تعين على فهم بعض مواقفه. كما لا تتيح الفرصة للتعرف على كلّ جوانب نشاطه ومجالات تحركه بل بالعكس يبقى الباحث ـ نتيجة ذلك ـ حائراً
-13 - (1/15)
صفحة 16
في تفسير بعض الأحداث التي لها علاقة به وموقفه منها.
-
إن هذا ـ في الحقيقة - لا ينطبق على أبي مسلم فحسب، بل ينسحب على كثير من الشخصيات العمانية. وتاريخ عمان نفسه يكتنفه الغموض، لسنا ندري ما هي العلة في ذلك؟. مهما يكن السبب أو التفسير، فعلى العمانيين أن ينهضوا الا للقيام بواجب استدراك ما فات؛ بالكشف عن المغمور والمطموس من هذا التاريخ.
* أبو مسلم أديبالا معا:
تحت هذا العنوان يقرر الدكتور محمد ناصر أنَّ الشاعر أبا مسلم واحد من رواد بعث الشعر العربي في أوائل القرن العشرين، وَهُوَ لا يقل أهمية ومكانة عن محمود. سامي البارودي وأحمد شوقي، إن لم يفقهما في بعض الجوانب.
نحن نقول: لكن متى يمكن لنا أن نثبت ذلك؟
نقرر ذلك مطمئنين حين تهتم الدراسات الأدبية والنقدية بهذا الشاعر الكبير، ويلتفت إلى أدبه ذوو قرباه أولا، ويوليه عناية خاصة من يحرص على رصد الحركة الأدبية، وإحلال كل أديب محله الحقيقي، ومن يعمل على عدم إقصاء من لا يروق ولا يسير في الركاب، وعدم تهميش من لا ينسجم مع التيار، ولا يخضع للضغوط، ولا يخنع للمساومات والإغراءات ...
يقول الدكتور وهُوَ يحاول وضع الشاعر في مكانه الجدير به في الحركة الأدبية: «فأبو مسلم يمثل الشاعر الإسلامي الحقيقي الذي تجلت في شعره الشخصية الإسلامية في أجل مظاهرها وأصفى صفائها: عقيدة وقولاً وسلوكا ... وأنا حين أذهب إلى هَذَا الرأي لا أستند في قولي هَذَا إلى الموضوعات التي استقطبت الشاعر أبا مسلم أو المواقف والرؤى التي تميز بها شعره، بل إن أبا مسلم أوتي من للموهبة الشعرية والتعبير الفني ما جعله يرقى بالقصيدة العربية من إطارها التقليدي
-14 - (1/16)
صفحة 17
المعروف إلى إطار فني جديد، لم يسبقه أحد إليه فيما ي، آنئذ من الشعر العماني» (ص: 14).
يقرر الدكتور في هذا النص ما يمكن أن يوقف القارئ على معالم شخصية أبي مسلم الأدبية، أو على الأقل يحدّد نقطة الارتكاز في هذه الشخصية أو البؤرة التي تنصهر فيها تحركاته وأفكاره وميوله ونزعاته، أو العقدة التي تربط كل الخيوط التي تحكم حياة الشاعر، وتشدّ الدارس كي ينطلق منها ويرجع إليها كمفتاح لشخصيته: (1) إنَّ الشاعر مسلم عقيدة وقولا وعملا مسلم في رؤاه ومواقفه من قضايا الكون والإنسان والحياة، لا يتجلى ذلك ـ فقط ـ في الموضوعات التي تناولها والتي لها علاقة بالاسلام، أو بالدين، بل يتعدى هذا إلى طريقة معالجته لتلك القضايا، ويبدو هذا في الالتزام بالروح الإسلامية التي أظهرها طول حياته، وعلى مدى كل ما كتبه أو نظمه شعرًا، وقد حلل الدكتور هذا في كل مباحث الكتاب.
2) إنَّ الشاعر جمع بين الالتزام بالعرض والمعالجة الإسلاميين للقضايا والتعبير الفني والتقديم الأدبي الراقي لهما، وَهُوَ ما جعله أحد المجددين في الكتابة الأدبية في مرحلة الإحياء والبعث ـ حسب رأي الدكتور - وَهُوَ أمر لم يكن معهودا في الشعر العماني آنذاك،. هنا كان جديرا بأن يتبوا مكان الريادة في التجديد في الأدب العماني، ويحتل مكانا مع زملائه وأترابه في العالم العربي، الذين علوا من رواد
من
التجديد فيه، وبخاصة من ينتمي منهم إلى المدرسة التقليدية.
هذه الحقيقة التي تجعل أبا مسلم نقلة نوعية في الشعر العماني، وظاهرة متميزة فيه ـ في غياب المعلومات عن بقية الشعراء العمانيين الآخرين والتي أوجدتها الموهبة الشعرية التي أوتيها أبو مسلم دفعت الأديب صالح بن عيسى الحارثي، وجعلته يقف مندهشاً منبهراً بما لحظه في شعر أبي مسلم، وما يعرفه عن الشعر العماني من خصائص تختلف عنه، ثمّ يتساءل ويقرر حقيقة خطيرة: «هل عندنا ـ نحن العمانيين ـ شاعر يمثل ميولنا؟ هل عندنا شاعر يمثل روحانيتنا؟ هل
- 15 - (1/17)
صفحة 18
عندنا شاعر يمثل أخلاقنا؟ هل عندنا شاعر في شعره أمجادنا؟ هل عندنا شاعر يربطنا بأمتنا العربية الكبرى؟ هل عندنا شاعر يخرج بنا من عزلتنا في الجنوب الشرقي من هَذِهِ الجزيرة؛ فينبه إخواننا العرب إلينا؟» (ص: 15).
أسئلة متساوقة، تحمل القارئ عَلَى الغوص والبحث والتأمل لمعرفة حقائق كبيرة عن عُمان وتاريخه، وعن مجريات الأحداث فيه، وتدفعه إلى قراءات أو إعادة نظر في كثير من جوانب حياته الأدبية للكشف عن الأسرار التي تخفيها هَذِهِ الأسئلة، أو لمناقشة بعض ما أراد صاحب الأسئلة تقريره حقائق مسلمة، أو تصحيح
بعض ما ذهب إليه ...
مهما يكن الأمرة فهي ا
أسئلة مهد بها صالح بن عيسى الحارثي لأجل الوصول
إلى الحقيقة الكبرى، وهي بيان مكانة أبي مسلم الأدبية في مسار الحركة الأدبية الحديثة في عمان بخاصة، ويقول: «لكن نفسي أيُّها القارئ الكريم، هذه النفس التي عجمتها المأساة في عمان، هَذِهِ النفس التي عاشت منذ حداثتها مع الأحداث في عمان تجيب مطمئنة واثقة بأنها وجدت الشاعر، بل لإنها وجدت شعراء لكل عصر، ووجدت شاعراً عبر عن عثمان في كل العصور، إنَّ شاعرنا في عثمان هو أبو مسلم ناصر بن عديم الرواحي» (ص: 15).
نحن بدورنا نتساءل مع القارئ الكريم، هل يشفع أو يسيغ هذا التفوق وَهَذَا النبوغ اللذان عرف بهما أبو مسلم كي يصدر صالح الحارثي هذا الحكم الكبير الخطير في دور شعر أبي مسلم في تاريخ عمان؟ وأنه فعلا، لم يوجد شاعر ترجم عن. عثمان واهتماماته كما: ترجم: ا عنها أبو مسلم، حتى إنه غدا الشاعر الذي عبر عن عمان في كل العصور، بينما وجد شعراء عبروا عن عصر معين. وهل يمكن أن نقع تحت تأثير العدوى الشعورية، التي نقلتها إلينا الحالة النفسية التي انتابت صالح الحارثي؛ بسبب المأساة التي مرت بها عمان من مشاكل داخلية، وعزلة عن العالم العربي بخاصة؟ هل يمكن أن نبقى تحت تأثير هَذِهِ الصدمة النفسية فنطمئنَّ إلى ما
=
-16 - (1/18)
صفحة 19
ذهب إليه الحارثي من عدم وجود من يعبر عن هذه المأساة، ويعالج هذه الهموم، ويسجل هذه الاهتمامات، حتى كان لها فارس الحلبة الذي لا يارى ولا يجارى أبو مسلم الرواحي؟
ثم كيف يكون المعبر عن هموم العمانيين واهتماماتهم شاعر عاش في الغربة معظم حياته، أكثر وأحسن ممن تقلب وتململ في بيتها؟ إذ الشاعر عش جل حياته في زنجبار متعلما وعاملاً إلى أن توفي فيها ودفين. هل ما ذهب إليه الحارثي صحيح؟ وهل العمانيون عجزوا عن ذلك؟ أم ما أنتجوه لم يعرف ولم يذع بين الناس؟ أم أنَّ هناك أسباباً أخرى وتفسيرات في حاجة إلى إبراز؟ وهل يعد النقص في هذا الجانب نقيصة في العُمانيين أنفسهم؟ هَذا ما تثيره في نفسي ــ شخصيا ـ تساؤلات الحارثي. هذه أسئلة نقدّمها إلى القارئ أو الباحث، وَهُوَ مطلوب منه الإجابة عنها؛ كي يسهم في كشف النقاب عن شخصية أبي مسلم بخاصة وعن الشعر العماني
بعامة.
مهما تكن الإجابات، ومهما تكن ردود الفعل عن هَذِهِ الأسئلة، أو عن هَذَا الموقف، فإنَّ أبا مسلم يبقى أديباً لامعاً متميزاً ملتزماً لأنَّه «يتخذ الأدب وسيلة هادفة لتربية الفرد المسلم، لأنه يعتقد أنَّ الأدب رسالة وتوجيه وأمانة، وهذا الإحساس إنَّما يدفعه إليه شعوره الإسلامي العميق» (ص: 15). انطلاقا من هذا المبدأ، وبدافع من هَذِهِ النظرة إلى ما يجب أن يكون عليه المسلم في حياته، وبهذا الإيمان العميق برسالة الأدب في التربية والتوجيه، اهتم أبو مسلم في شعره بالإنسان المسلم في واقعه المعاصر: «فعالج موضوعات حضارية على غاية من الأهمية والعمق والشمولية. فكتب في التاريخ والحضارة والعقيدة واللغة والشخصيات والسيرة، واهتم بالجوانب الإنسانية؛ الجانب الروحي في شعر السلوك، الجانب العقلي في شعر التاريخ الجانب العاطفي في شعر الحنين والطبيعة،
2
- 17 - (1/19)
صفحة 20
فكان في ذلك يحرك في متلقي شعره كلّ هَذِهِ الأحاسيس التي تربط الإنسان بماضيه
من جهة، وتجعله يعيش عصره وواقعه من جهة ثانية» (ص: 16).
يرسم لنا هذا النص الصورة الحقيقية لشخصية أبي مسلم الشعرية - إن صح التعبير، ويحدّد بدقة مجالات الكتابة عنده، ويعين دراية ومعاينة عميقة واعية ـ نقط الارتكاز في عملية الإبداع في كتابته، ويبرز بوضوح وجلاء أسلوبه في المعالجة والتناول؛ إذ أنَّ الشاعر يمزج بشكل عجيب وواع وبكفاية عالية بين الموضوعات المختلفة، ويتناولها في خيط واحد، ويصدر عن قاعدة: {وأنَّ هَذَا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون
الدكتور بدوره تمكن، بما يملكه من كفاية في محال البحث والكشف والتحليل والنقد، وبما يتوفر لديه من رصيد في ميدان الدراسات الإسلامية، وما يتميز به من رؤية إسلامية، تمكن أن يتجاوب مع أحاسيس الشاعر، وأن يعايشه وجدانيا، ويسايره في اهتماماته، فيفهم ويعي ما يريد الشاعر تبليغه، وما يرمي الأدلاء به وما يتطلع أن يطلبه من الإنسان المسلم أن يحققه في حياته.
هكذا يجب أن يكون الشاعر المسلم الملتزم، وهكذا يجب أن يكون الباحث والناقد، صاحب الرسالة الواضحة.
بعد هذه المقدمة؛ شرع الدكتور في تحليل شعر أبي مسلم، الذي نترك للقارئ أن يكتشف بنفسه خصائصه، مع بعض الإشارات من عندنا، ونحن نقف عند بعض المحطات في هذه الدراسة القيمة، ونترك الباقي إلى إرادة القارئ، التي ستعينه على فهم ما جاء في الكتاب؛ حتى لا نفسد عليه المتعة بكثرة التعاليق.
-18 -
سورة الأنعام، الآية: 153.
-1 (1/20)
صفحة 21
* العقيدة في شعره:
الشاعر أصيل في أفكاره، محافظ على عقيدته، متميز بصفاء طويته ونقاء سلوكه، يتجلى الإسلام في كامل شعره رؤية وموقفا، تصويرا وتعبيرا، معالجة وتناولاً، ممارسة وتحركا وسكونا ...
من هنا لا يمكن معالجة شعره وتحليله إلا على ضوء الرؤية الإسلامية الأصيلة، أي لا يمكن أن ندرج شعره إلا تحت لواء الأدب الإسلامي بالمفهوم الدقيق لهذا المصطلح الذي يحتكم إلى مقاييس معينة محددة، تنبثق من الرؤية والموقف والنظرة إلى الحياة والكون والناس، وتنطلق من إيجاد العلاقة واللحمة المتينة بين الأطراف الثلاثة في أثناء العملية الإبداعية: المبدع والنص والمتلقي.
توجهها،
هي.
هذه المقاييس تفرزها فلسفة خاصة. فلسفة إسلامية في طبيعتها وفي ومن هنا يصعب أن نفصل في القصيدة الواحدة بين أبياتها على أساس الأغراض، فنقول: هذه غرضها ديني، وتلك غرضها قومي، وما دام الدين عند أبي مسلم هو الدائرة الكبرى التي تشمل في محيطها كل الدوائر الأخرى، ومادام الاستنهاض وبث روح اليقظة والانبعاث هدفاً عاماً في قصائده، فإنَّ أي محاولة للفصل تعد فاشلة» (ص: 32).
بناء على الملاحظة التي قدمها الدكتور حول شعر أبي مسلم، فإنه رفض تسمية بعض قصائده قصائد دينيَّة؛ لأنَّ ذلك يفترض أو يوحي أنَّ له قصائد غير دينية. إِنَّ هَذَا لا يتماشى مع ف فلسفة الشاعر في الحياة، ومع رؤاه ومواقفه التي هي
-1
كما ذهب إلى ذلك الدكتور أحمد درويش في كتابه: المدخل إلى دراسة الأدب في عمان، دار الأسرة للطباعة والنشر والتوزيع، مطابع دار المعارف القاهرة 1992 م، ص: 162. وصالح بن عيسى الحارثي: مقدمة ديوان أبي مسلم، طبع ونشر صالح بن
عيسى الحارثي، عمان 1986، ص: 10.
- 19 - (1/21)
صفحة 22
شعر
إسلامية في كل حالاتها، وفي كل مظاهرها يعلل الدكتور ذلك قائلاً: «لأنَّ: أبي مسلم كله شعر ديني، الدين سداه ولحمته، والدين مصدره ومورده، والدين باعثه وهدفه، إذ نخشى لو وافقنا عَلَى هَذَا التقسيم أن يُظنَّ أَنَّ لأبي مسلم قصائد دينية وأخرى غير دينية، أو يظنَّ أنَّ بعض الشعر عنده يخلو من الإحساس الديني، فقد يصح هذا المنهج مع غيره من الشعراء الذين خلطوا عملاً صالحا وآخر سينا، أو الذين كتبوا في كل الفنون تلبية لرغبات قد لا تكون ذاتية تصدر عن أحاسيسهم
الداخلية، بل هي استجابة لمناسبات ما، كما نجد ذلك عند شوقي وحافظ مثلاً. ولو نحن درسنا شعر) أبي مسلم على غير هذا النحو من اعتبار الدين. عنصراً أساسيا في كل القصائد لأخللنا بالمنهج السليم لدراسة شعر أبي مسلم، بل لظلمنا رؤية الشاعر نفسه لمكانة الدين في الشعر ... وقد جاء شعره معبراً أصدق تعبير عن هَذِهِ الأحاسيس الإيمان بالله هو مفتاح شخصيته، والإيمان با الله مفتاح شاعريته» (ص: 2423).
لعمري إِنَّ هَذِهِ الملاحظة مهمة، وجديرة بشأن يوقف عندها فهي إ إلى جانب. كونها منصفة للشاعر في بيان حقيقة شخصيته ومُعينة على معرفة أحد المفاتيح للولوج إلى داخله ـ بل هي مفتاح المفاتيح في شخصيته ـــ إلى جانب ذلك فهي تعمق البحث فيما يمكن أن يطلق عليه أدب إسلامي، وترشد إلى من يستحق أن يحمل اسم أديب مسلم؛ فلا تكون مجموعة أبيات يذكر فيها الإسلام بخير، ينطق بها شاعر، تمنحه بقعة ضمن الشعراء الإسلاميين، ولا يمكن لمن لا يلتزم في كامل شعره بالروح الإسلامية فكرًا وتعبيرا، توجيها ورؤية .. أي لمن ليست له هذه الرؤية الشمولية الإسلامية في كلّ موضوع، يعالجه، لا يمكن لهذا أن يُحشر في زمرة الشعراء أو الأدباء الإسلاميين. في هذا المعنى يقول الدكتور محمد ناصر: «فإذا آمن الأديب بأن التزامه نابع عن الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من. أصبح هذا الشعور ذاتياً فيه، وبات له مراقبا ومصاحبًا، وبهذا الإحساس القوي في
خلفه
-20 - (1/22)
صفحة 23
مصدر الالتزام بأنه ثابت لا يتغير، ودائم لا يتبدل، يصبح أدبه انعكاسا لإيمانه وعقيدته».
كما أنَّ ملاحظة الدكتور تردُّ ردا مباشرًا عَلَى الحداثيين الذين يفصلون الدين عن الأدب، وتنبه السذج من الناس الذين ينخدعون بهذه الفكرة فيرددون هذهِ النظرية، ويمارسون الكتابة والنقد على ضوئها أو بوحي منها، من دون أن يتفطنوا أنَّ هناك سما مبثوثا ومدسوسا في الدسم. المهم أن هذه اللفتة من الدكتور تعين على تأصيل مفهوم الأدب الإسلامي، بوضع الأسس الحقيقية، أو بعبارة أخرى الانضمام والتعاون مع من يسعى إلى وضع الأمور في نصابها، والتحذير ممن يتاجر بالمصطلحات لتحقيق أغراض خاصة، وفي هذا تحصين الإسلام من أن يُساء إليه من هذه الناحية؛ وذلك حين
يبعد المرء من معرفة حقيقته منها نسبة أدب إليه، وَهُوَ منه براء ..
بناء على الملاحظة التي قدمها الدكتور، فهو يقترح أن يقسم قصائد أبي مسلم التي يشتمل عليها شعره شعر الاستنهاض، شعر الحكمة، شعر
الاتجاهات حسب
الوعظ، شعر الرثاء، شعر الحنين.
الابتهال في شعره:
أشار الدكتور إلى بعض الجوانب التي تثبت الروح الإسلامية في شعر أبي مسلم أو الموضوعات التي كانت بارزة فيه، فمن خلالها أكد على الخيط النفسي
-1
- 2
خصائص الأدب الإسلامي، ص: 17.
ينظر تحليل الدكتور للرؤية الإسلامية في دعوة أبي مسلم ونداءاته وكتاباته الشعرية ما كتبه تحت عنوان «العقيدة في شعره»، ص: 22 وما بعدها، و «الإسلام في
شعره»، ص: 32 وما بعدها.
-21 - (1/23)
صفحة 24
الذي ينتظم شعره، إنَّه الإيمان الذي لا يفارق شعره أبدا.
من هذه الموضوعات: الابتهال إلى الله، الذي يعبر عن تفويض الشاعر الأمر إلى الله «في كل نازلة ألمت به؛ جليلة كانت أم حقيرة، أصابته في نفسه، أم ذويه أم أمته، تعلق الأمر بشيء مادي أم معنوي.
فهو طالما رفع أكف الضراعة إلى الله ليجيب دعوته ويحسن حاله وحال أمته، وَهُوَ طالما اشتكى سوء حظه وانقطاع حيلته وهوان أمره على الناس، ولكنه لم ينس قط أن يعلق أمره كله بالله رب العالمين» (ص: 27).
يذكر الدكتور أنَّ الأغلبية الساحقة من شعره هي قصائد الابتهال، فهي تمثل ثلثي شعره أو أكثر، أي أنَّ الابتهال يمثل الروح التي طبعت أغلب أعماله الشعرية، على أنَّ أبا مسلم لم ينظم قصائده الأخرى بموضوعاتها المختلفة: حنينا واستنهاضا، مدحا ورثاء، إلا تحت هذا الإلحاح الديني، الذي يمثل الشاعر أبا مسلم أحسن تمثيل، ويعبر عن شخصيته أبلغ تعبير» (ص: 45).
ذكر الدكتور للشاعر قصيدة مطولة في الابتهال، تجاوزت الألف بيت في
مناجاة الله، بدأ كل مطلع فيها باسم من أسماء الله، مِمَّا جاء فيها:
إلهي افتقاري لازم لحقيقتي إلى رحمة الرحمن في كل لحظة إلى رحمة الرحمن تحت جماله أبت اضطراري: طارقاتي وشكوتي
أشار الدكتور على الخصوص إلى ملاحمه الوطنية: المقصورة، النونية، الميمية، العينية، ثم إلى تخميساته لقصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ثم إلى مراثيه في بعض العلماء الأجلاء، ثم قال: «نجدها قد صبغت كلها بقالب سلوكي رفيع؛ لأنَّ شعره كله في الغالب متمحور حول الاستقامة منبثق عنها، داع إليها» (ص: 46).
وقد تناول الدكتور شعر الابتهال عند أبي مسلم من خلال المحاور الآتية:
- 22 - (1/24)
صفحة 25
0
ه قصيدة الابتهال: تعريفها وأبعادها.
مكانة هذا الفن عند أبي مسلم، ولماذا اهتم بها؟
ه محاور هذه القصيدة عنده من جانبها الموضوعي.
ه محاورها من جانبها الفني.
ه قصيدة الابتهال بين الزهد والتصوف.
هذه الظاهرة البارزة في شعر أبي مسلم تستوقف الدارس ليبحث عن الأسباب والعوامل الكامنة وراء هذا التوجّه، وتدعوه إلى دراسة هذا الشعر، وتحليله والوقوف على موضوعاته وخصائصه المعنوية والفنية، ثم يتطلع إلى معرفة
الجوانب الإيجابية والسلبية فيه وطريقة المعالجة والتناول، في هذا الشعر ... ا
هذا ما حاول الدكتور القيام به في هذه الدراسة الجادة. بدأ بتعداد الأسباب: فرأى أنَّ البدايات الأولى لكتابة أبي مسلم الشعرية كانت دينية خالصة، نظم أوّل ما نظم شعرا في الابتهال والذكر، آية ذلك أنَّ ديوانه المخطوط نجده عبارة عن مجموعة من الأذكار الدينية، أعطاها عنواناً مثيراً، يحمل أبعادًا دلاليَّةً عَلَى شخصيته وَعَلَى اتجاهه «النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني: 1 - هذه البدايات بهذه الروح قد تكون من الأسباب التي طبعت حياته بطابع روحاني، ووجهتها وجهة دينية خالصة، فأثرت على حياته الأدبية بصفة خاصة. ذكر الدكتور أنه قد تكون هناك ظروف اجتماعية أو سياسية، قد تعد موضوعية في اتجاه الشاعر هذا الاتجاه، إلا أنَّ مِمَّا لا شك فيه أنَّ هناك دافعاً ذاتياً أقوى كان السبب في بروز ظاهرة الابتهال في شعره، ويتخذ الدكتور ما صرح به الشاعر دليلاً على ما ذهب إليه: بأسمائك الحسنى تقربت سيدي إليك مجداً في هنافي وقربتي جعلت سمير الطبع ترتيل ذكرها لوجهك ربي خلوة بعد خلوة
- 23 - (1/25)
صفحة 26
وهب لي بها من كل خير اتمه إلهي في الدنيا وفي الأخروية
(ص: 8)
فعلا إنَّ الدافع الذاتي في الالتجاء إلى الابتهال يبدو قويا لدى أبي مسلم، يتجلى ذلك كما ذكر الدكتور - في هَذا التضرُّع الخالص إلى الله، الذي لا يكاد يفارق أية قصيدة من شعره، مهما يكن الموضوع الذي يتناوله، خاصة حتى يكون مناجيا ربَّه، أو متحدثا عن بعض حوادث الدهر، أو عن بعض الضيق والضجر اللذين يشعر بهما ـ أحيانًا ــ نحو الناس، أو نحو نفسه.
إنَّه يتخذ الشعر وسيلة يناجي بها ربه، ويدعوه ويتقرب إليه، قال عن ذلك في مقدمة تخميسه قصيدة شيخه الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي: «ولكني امرؤ حالفت خدمة الأذكار، وأشربت حب الاغتراف من بحار الأسرار، وعلمت أنَّ لهذه الدعوة (سموط الثناء) أثرًا ساطعاً، وبرهانا قاطعا، أشهر من الشمس في كبد السماء، وأغزر بركة من عيالم الدأماء (البخار)، فاستمسكت بعروقها، وأخذت بحجزتها، وجعلت من التخميس لرب العزّة نداء، ولبست لها من أديم السحر رداء» (ص: 5554).
2 - يتخذ هذه القصائد أورادا يقسمها بين اليوم والليلة، فتصبح عنده عبادة قارة ورياضة روحية، يصفي بها نفسه من أدران المادة وأوضار الدنيا، كلما أصابه شيء من غبارها.
3 - إذا استبد به قلق لجأ إلى الابتهال، الذي يجد فيه الطمأنينة، التي تبدّد هَذَا
الضجر، وإذا نزل به خوف لاذ إلى حمى الله؛ ليذهب عنه الخوف والحزن: سيدي عزني الوجود ملانا و تعمت أمام وجهي سبلي سيدي من يحلل حماك يصادف كرما منزلا برحب وأهل سيدي أي قاص طرحته في حماك الخطوب باء بحظل
(ص)
- 24 - (1/26)
صفحة 27
فالابتهال طاقة روحية، تملأ نفس الشاعر طمأنينة ورضا ويقينا وأمنا، فهو بذلك عبادة وحاجة وأمان:
«إنَّ قصيدة الابتهال عند أبي مسلم حاجة نفسية، واستجابة ملحة لخواء روحي، يشعر به عندما تدلهم أمامه الحوادث، وتتحكم حوله حلقات الأزمات النفسية، فلا يجد سلاحاً للفعها إلا الابتهال المتضرع إلى الله؛ لأنه يشعر لا محالة بالضعف البشري، ويعترف بقلة حيلته، وهوانه عند الناس، فيغدو الدعاء حينئذ سلاح المستضعف، الذي لا يجد النصر إلا عند الله قاهر المستبدين والجبابرة والطغاة، فأسماء الله تغدو عنده الجنود والحصون والسيوف والنبال، التي يقاتل بها، بل إنَّها البروق التي تخطف أبصارهم، كلما أرادوا به سوء» (ص: 56). ما يستوقف الدارس - في هَذَا الجانب ـ هَذا الإغراق في الابتهال والدعاء والمناجاة والتضرع الخاشع للبكي، الباعث على الإشفاق.
أنَّ هناك دوافع
إنَّ ما ذكره الدكتور من الدوافع الذاتية غير كاف، إذ يبدو أ ذاتية أخرى تتعلق بشخصية الشاعر وسلوكه؛ مما قد يفهم من بعض الكلمات والعبارات التي تضمنتها أشعاره وربَّما تكون هَذِهِ من الإشارات والعبارات التي تلازم قاموس المسلم، الذي يستشعر التقصير والخطأ والزلل دائما، وهو بذلك دائم الرجوع إلى ربه؛ يرجو رحمته ويخاف عذابه.
كما يبدو أنَّ هناك عوامل خارجية اجتماعية وسياسية، كان لها تأثير على حياة الشاعر، هذه العوامل لو ذكرت أو اكتشفت لأوضحت أمورا وأبرزت أشياء، ولسلطت الأضواء على جانب من البيئة أو البيئات التي عاش أو تململ فيها الشاعر، وأماطت اللثام عن الأوضاع التي كان يعيشها العالم الإسلامي، ولبينت ـــ بأكثر دقة - كيف كان الشاعر يتعامل معها، ولاستفاد القارئ دروساً من هذه المعاملة
والعلاقة التي كانت تسود أو تنظمه هو مع محيطه.
-25 - (1/27)
صفحة 28
مهما يكن من أمر ما عرضناه، فإنَّ إشارات الدكتور مهمة، في ذكرها بعض الحقائق، وفي دلالتها، كباحث مسلم، ينبه إلى مكامن العبر في السلوك، وبيت القصيد في الإشارة والتناول، وفي توجيه البحث والدراسة إلى ما يخدم الاتجاه الإسلامي بعامة.
عن الجانب الموضوعي في قصيدة الابتهال عند أبي مسلم يقول الدكتور: «إنَّ قصيدة الابتهال عند أبي مسلم تسير وفق مخطط فكري مرسوم ومنهج رؤيوي معلوم، يقسمها إلى محاور وعناصر وما يزال يتبعها في خطى ثابتة موزونة؛ حتى يصل إلى خاتمتها، بل تشعر وأنت تقرأ تلك الابتهالات أنَّ خيطا نفسيا رفيعا، يسلكها في عقد واحد يبدأ من الجزئي إلى الكلي، أو من الكلي إلى الجزئي» (ص: 57).
هذا الوضوح في الرؤية، وَهَذَا النسق المتزن في التعبير، وَهَذَا الصدق في الشعور، وهذه البراعة في التصوير ... كل ذلك يفسره ــ كما يقول الدكتور ـ الترجمة الصادقة لخلجات الشاعر النفسية، وقد جاءت تلك الأفكار الكثيرة المتكررة المتشابهة والمتماثلة في كثير من قصائده، التي ضمنها شعره الابتهالي، جاءت استجابة صادقة لأحاسيس وأدعية خالصة لهمومه وغمومه.
ذكر الدكتور، وَهُوَ يسجل تفوق أبي مسلم في شعر الابتهال، وتوفيقه في عرض موضوعاته، ويقرر تفرّد هَذهِ القصائد بميزة خاصة مِمَّا جعل لها طعما خاصا، تنجذب إليها النفوس بطواعية: «وقد وفق في عرضها بطريقة منهجية، تنداح في دوائر نفسيَّة، تبدأ من همومه الخاصة الشخصية، ثم تتسع شيئا فشيئا لتشمل هموم وانشغالات أمته الإسلامية، وهذه الرؤية في حد ذاتها، تسم هَذِهِ
القصائد بسمة الخصوصية، وتفردها بنكهة شعرية محببة» (ص: 58).
قصائده الابتهالية ـ حسب الدكتور - تتضمن المحاور الآتية:
-26 - (1/28)
صفحة 29
افتتاحية في تقديس اسمه تعالى.
ه تمجيد الذات الإلهية بذكر صفاته التي وصف بها نفسه.
ه الاعتراف بالذنب والتقصير في جنب الله.
ه التوبة وطلب الغفران.
ه مطالبه وحاجاته الدنيوية والأخروية وهي تزكية النفس، العلم اللدني. القبول، الرضا، الغنى الذي يغنيه عن ذل السؤال، الدعاء على أعدائه بطلب طلب نصرة الأمة الإسلامية على الكافرين والمشركين
الانتقام منهم، والطغاة، ثم الخاتمة بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذه المحاور أو الموضوعات تؤكد ما قاله الدكتور أو لمح إليه، وَهُوَ أنَّ الشاعر مسلم أصيل قلبا وقالبا. إنَّه المسلم المتذلل الخاضع لربه، الممجد له، المفوض أمره إليه، إنه المؤمن المعترف بذنبه وتقصيره، المحتاج لمغفرة ربه، إنه العبد القنوع بالحاجات الدنيوية بالقدر الذي يعينه على طاعة ربه، والتبتل إليه، الطالب من الدنيا الحد الأدنى، الذي يجعله عفيفا كفيفا؛ بما لا يلجئه إلى سؤال الناس، إنه المسلم الذي يغضب لانتهاك حرمات الله، ويحزن لما يصيب المسلمين من أحزان ومصائب، ولما ينالهم من أعدائهم الأقريين والأبعدين، وَهُوَ لذلك يدعو الله أن ينتقم لهم من المعتدين والظلمة والجبابرة؛ منتصراً لدينه ...
من هنا فإنَّ الابتهال عنده إيجابي، لا يبقى في حدود ترديد الكلمات والجمل والعبارات، ولا يتسم بالانطوائية والبكائية المفرطة في إذلال الذات، وهزم النفس، وَهُوَ بذلك يختلف عن الشعراء المتصوفة المعروفين في الأدب العربي.
في دعائه على الكافرين والمتجبرين، يقول الدكتور: «إنَّ أبا مسلم حين يعبر بالشعر يعبر عن واقع أليم يعيشه هو، ويعيشه، قومه، وتعيشه أمته الإسلامية معه، فهو شاعر حساس بآلام وآمال نفسه ومجتمعه من حوله، مما يميزه عن شعراء
-27 - (1/29)
صفحة 30
الأبراج العاجية والكهوف المنعزلة، وينفي عنه كل سلبيات الزهد والتصوف، فبالإضافة إلى ما عرف عنه من أفكار في الإصلاح الديني والاجتماعي، حتى إنه ليعد في زمنه أحد الإصلاحيين الذين حاولوا معالجة أدواء المجتمع العُماني على كل الأصعدة: سياسيا ودينيا وفكريا. فقد عرف أيضًا بمواقفه السياسية من إمامة سالم بن راشد، ومساندته له بالقصائد ولاسيما قصيدته التي يحفظها أغلب العمانيين: «النونية» أو قصيدة: «الفتح والرضوان» (ص: 67).
من المحاور البارزة في قصيدة الابتهال عند أبي مسلم المديح النبوي، وَهُوَ عنصر هام وموضوع أساسي فيها، فهو دائما يختتم به قصائد الذكر، معدا ذلك وسيلة ودعاء وذكراً.
هَذِهِ المدائح هي مِمَّا أذاعه المتصوفة، وهي تعبر عن قلوب مفعمة بالإيمان والحب والصدق والإخلاص. كثرتها في شعر أبي مسلم يعبر عن الأخلاق العالية التي يتصف بها وعن الصفاء الروحي الذي يتحلى به، وتؤكد على صلة شعره بشعر التصوف؛ ما دامت المدائح فنا نشأ في البيئات الصوفية، كما يذكر ذلك الدكتور زكي مبارك (ص: 76).
أبو مسلم ـ من خلال المدائح - يعرض نفسه على ربه مباشرة من دون واسطة، ومن دون حاجب، يشكو إليه، آلامه ويعترف له فيها بذنوبه، ويستهديه، ويطلب منه المغفرة والرضوان، بل كما يؤكد الدكتور عن بعض قصائده: «وإنَّ بعضها ليغلو صرخات غضب، ينفجر حمما عَلَى أعدائه؛ ومن هنا يتوجه إلى الله قاهر كل جبار، ونصير كل مستضعف، ومفرّج كل هم، داعيا متضرعا»
قال أبو مسلم:
فارج الهم كاشف الغم عجل فرجا عاجلاً ولطفا بذلي يا مغيث الملهوف يا راحم العب مرة يا منجي الغريق استجب لي
- 28 - (1/30)
صفحة 31
حيطة الـ بي مناب سؤالي وسؤالي فقري وذل محلي
(ص: 90)
ممَّا أورده الدكتور من ملاحظات وإشارات ونماذج من شعر أبي مسلم في
المدائح النبوية، نستشف أموراً كثيرة، تحتاج من الباحثين والدارسين إلى وقفات وتحليلات، وتقييم ونقد ... حتى يماط اللثام عن المستور في هذا الشعر، وتفك الألغاز الكامنة فيه، ويزاح الغموض المكتنف هذه الأشعار، وتنجلي الحقيقة فيها، وتعرف شخصية الشاعر المسلمة المؤمنة، ومعتقدها في الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن ثم تحل هذه المدائح محلها اللائق بها بين المدائح التي عرفها الأدب العربي، وتعرف مكانتها ومكانها من مدائح الصوفية وغيرهم.
إنَّ إشارات الدكتور وعرضه تفتح جدلا وحوارًا كبيرين حول هذا الأدب، وَهُوَ ما نتمناه أن تثمره هذه الدراسة القيمة.
الآتية:
إنَّ الدارس حين يتبع المديح النبوي في ابتهالات أبي مسلم يلحظ الأمور
1 - المديح ركن أساسي عنده في الابتهال؛ إذ لا يتم الذكر إلا به. 2 الحب الجارف القوي للرسول، فكل ما لديه من طاقة تعبيرية
وتصويرية، لا تصدر إلا عن إيمان عميق، وإعجاب شديد بنبي الإسلام .... 3 - يلجأ الشاعر أحيانا إلى مصطلحات الصوفية في مديحه، حين يحرص على
الكشف عن هذا الحب الجارف للرسول. أثر التصوف الفلسفي واضح فيما ضمنه مديحه من رموز وإشارات،
وتهويمات، إذ هي نظرات غريبة عن الإسلام.
5 - محبة الرسول صلى الله عليه وسلم يتخذها أبو مسلم في دعواته وأذكاره وابتهالاته وسيلة.
- 29 - (1/31)
صفحة 32
يتقرب بها إلى الله ليتقبل دعاءه ويمنحه الجنة والنعيم المقيم.
بعد أن عرض الدكتور الموضوعات والمحاور التي اشتملت عليها قصائد الابتهال عند أبي مسلم، خلص إلى هذه النتيجة: «إنَّ قصيدة الابتهال كشف جلي للآلام والآمال التي تعتور نفس أبي مسلم في حالتي الرضا والغضب والأمن والخوف والسعة والضيق والقلق والطمأنينة» (ص: 90).
حتى يتعرف القارئ أكثر على طبيعة قصائد الابتهال عند أبي مسلم، وتتضح له الرؤية في هذا النوع من الكتابة الشعرية تناول الدكتور الجانب الفني في هَذِهِ القصائد. وكان منطلقه في هذا السؤال الآتي: هل طبع أبو مسلم قصائد الابتهال بطابع فني خاص؟ للإجابة عن هذا السؤال استعرض نماذج من شعر أبي مسلم، واستخرج بعض من دون سردها كلها، واعتذر للقارئ عن. هَذَا الاختصار والانتقاء؛ إذ أنَّ قصائد الابتهال عند الشاعر كثيرة، فهي تشكل وحدها ديوانا، مِمَّا يتعذر دراستها كلها.
السمات
تحدث الدكتور عن البنية العامة للقصيدة وتساءل في البداية: «عندما اختار أبو
العطاء
مسلم لديوانه عنوانا (النفس الرحماني هل كان يعني ما توحي به هَذِهِ الكلمة من فيض رباني ومدد، عرفاني، بحيث غدا طابع الديوان هذا الفيض الزاخر من! الشعري الذي يمتد أحياناً ليصل 1595 بيتا في القصيدة الواحدة، كما فعل ذلك في (الوادي المقدس) حيث بلغت أبياتها 1595 بيتا.
هذا الطول المفرط هو أَوَّل ما يلحظ في البنية العامة لِهَذِهِ القصائد، وقد بناها الشاعر على هذا النحو السامق الشاهق لتتماشى. مع. جلسات الذكر التي يفترض فيها أن تستحوذ على وقت طويل، كما أوضح ذلك في الشروط التي وضعها لِهَذِهِ الأذكار الثمانية التي احتوى عليها ديوانه النفس الرحماني) وأبو مسلم على وعي
-30 - (1/32)
صفحة 33
تام بهندسة قصائده على نحو خاص، يستجيب لما نظمت من أجله، وقد شرح
لنا بنفسه رؤيته الفنية هذه ... » (ص: 9291).
مِمَّا يلحظ في البنية العامة للقصائد الابتهاليَّة أَنَّهَا هُندست لتحقق هدفا واضحا مسطرا يستجيب لما تتطلبه جلسات الذكر، التي تتوزع أيام الأسبوع السبعة.
على الدارس والقارئ أن يتأمل جيدا في هذه الطريقة، وفي هذا المنهج، ليعرف مدى ارتباط الشاعر بهذا اللون من الشعر، وليعرف مكانة الابتهال في حياته، ثُمَّ بعد ذلك يقيم هذه التجربة، ويحكم بما يشاء ...
ثُمَّ فصل الدكتور في هَذِهِ البنية الشعرية، التي تميز هذه القصائد، مبتدئا باللغة الشعرية، مازجاً ـ في هذا التوضيح والتحليل - بين التعبير والتصوير، أي بين اللغة والصورة، وسجل في هذا المجال براعة أبي مسلم في النظم وكفايته المعتبرة في الأدوات الفنية للكتابة وامتلاكه القوي الراسخ لناصية اللغة العربية. إِنَّ هَذَا يدل على رصيده الزاخر الذي يغترف من محيط القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والأدب العربي بكل فروعه وبمحيطه الواسع: أمثالاً وحكماً
ومواعظ» (ص: 94).
ثُم أورد الدكتور جملة من النماذج عن الصورة البلاغية في شعره التي اعتمدت على التضمين والاقتباس من القرآن الكريم أساساً .. .. وهي، تشهد له بالبراعة في التضمين وفي استلهام آيات القرآن الكريم واستحياء معانيه، وفي التعامل مع ما يشير إليه تعاملاً واعيًا هادفًا وبارعا، ينسجم مع مستلزمات الفن. يقول الدكتور: والواقع أن ديوان أبي مسلم يكتظ بالأمثلة الشاهدة على ثقافته القرآنية الواسعة: حفظاً وتمثلاً واستلهاماً لآيه بطريقة فنية بارعة، تدلُّ عَلَى
-31 -
ينظر ديوانه، ص: 7.
-1 (1/33)
صفحة 34
حفظه القوي لكتاب الله، كما تدلّ عَلَى براعته الفنية في استخدام هذه اللغة المتميزة بإيحاءاتها وظلالها، وهي لغة منتقاة مقصودة لذاتها، لأنَّها تتماشى مع أجواء القصيدة الابتهالية في روحانيتها وشفافية إيمانها» (ص: 100).
كما كان يضمن ويستلهم الأحاديث النبوية والأدب العربي والحكم والأمثال العربية ... لكن دون درجة القرآن الكريم.
سعيد بن
وفي سبيل الكشف عن البنية الشعرية تناول الدكتور عنصرا مهما في لغة الشاعر في الابتهالات هو اللغة الصوفية. وقد لحظ توفر هذه اللغة على كم هائل من المصطلحات الصوفية وتعبيرات المتصوفة، وهو يبدو في هَذَا متأثرا بها تأثراً كبيرًا، وَهُوَ ما طبع شعره بطابعها الروحاني، وقد كان في هذا مقتفيا أثر شيخه خلفان الخليلي، الذي كان هو بدوره مدمنا على قراءة أشعار المتصوفة. غير أن الدكتور يبدي ملاحظة مهمة تفتح المجال للبحث والدراسة لملء ثغرة من الثغرات في شخصية أبي مسلم؛ لأنَّ النقطة في حدّ ذاتها مثيرة لكثير من الجدل، والاختلاف حول نوع هذا الشعر، ومدى انسجامه مع طبيعة أبي مسلم، وتماشيه مع المواقف والرؤى التي عرفت عنه وتناسقه مع التصور والانطباع اللذين يأخذهما القارئ عن أبي مسلم المؤمن الملتزم، الصادر في سلوكه عن عقيدة، قد لا تقبل بعض الشطحات التي يتوفر عليها شعره. يقول الدكتور: «ونحن لا نستطيع أن نقطع برأي حول القصد من استخدام هذه التعابير عند الشاعر، أهو استخدام فلسفي اصطلاحي مقصود لما وراءه من معان وإشارات يعرفها المتصوفة، أم هو استخدام يتعدى المجال الشعري الذي يستخدمه الشعراء عادة من كُلِّ الأجواء الأدبية حسب قراءاتهم ورؤاهم الفنية وأبعاد تجاربهم الشعرية» (ص: 102). ثُمَّ سجل الدكتور بعد ذلك سمة أخرى تميزت بها أشعار أبي مسلم الابتهالية، هي ظاهرة التكرار اللفظي والمعنوي، وَهُوَ يرى أنَّ التكرار اللفظي بخاصة ضرورة لازمة للإنشاد أثناء الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله. يقول الدكتور:
لا
-32 - (1/34)
صفحة 35
عند
«السبب في ذلك يعود إلى أنَّ الشاعر إِنَّمَا نظمها لتنشد في خلوة الذكر. والإنشاد لا يكون إلا بصوت موزون فيه جرس وإيقاع يبعث النشوة في القلب، ويساعد الذاكر على الجذب والخروج من عالم الماديات، كما نرى ذلك في حلقات الذكر الصوفية، وَلَعَلَّ الشاعر مراعاة لِهَذِهِ الموسيقى الخارجية والداخلية عند الأداء نوع التكرار بطريقة لا تبعث الملل في النفس بل يصبح التكرار الرتيب في حد ذاته وسيلة للاسترخاء والإنشاد؛ مِمَّا دفعه إلى التنويع في الأوزان الشعرية والقوافي، فكان يختار من الأوزان ما يساعد على الإنشاد، مثل الرجز الذي نظم في أغلب تلك القصائد. وعلاقة بحر الرجز بالأنشاد علاقة حميمة معروفة في تاريخ الشعر العربي» (ص: 107 - 108).
هكذا يسجل الدكتور ميزة أخرى تشهد للشاعر بالبراعة والكفاية، التي أبداها في المراعاة بين المضمون والشكل والمناسبة والمتلقي والهدف أو الغاية من هذهِ القصائد. كل ذلك يثبت أصالة ما نظمه في هذا المجال.
حتى تكتمل الصورة عن شعر الابتهال عند أبي مسلم، وينكشف جانب من جوانب شخصيته، عمد الدكتور إلى التفريق بين الزهد والتصوف، وبعبارة أدق؛ حاول أن يبين ما إذا كان زاهدًا أم كان متصوف؟ متصوفا عمليا أم متصوفا
فلسفيا؟
عرض في البداية السؤال الآتي: «أتعتبر هذه القصائد. من قصائد الزهد والنسك والذكر النقي فهي تستمد جذورها من الشعر الإسلامي الأصيل، أم هي فن شعري يستقي لغته وأفكاره ورؤاه من الشعر الصوفي، فهي إلى الشعر المتأثر بالفلسفة الصوفية أقرب؟» (ص: 110).
للإجابة عن هذا السؤال الجوهري المهم أشار الدكتور إلى ضرورة معرفة الدوافع والأسباب التي دفعت أبا مسلم إلى الإكثار من شعر الابتهال الذي اصطبغ بالصبغة التصوفيَّة حتى تكون الإجابة موضوعية، وقد تكون مقنعة.
3
-33 - (1/35)
صفحة 36
لكن قبل سرد هَذِهِ الأسباب ارتأى رسم شخصية أبي مسلم من. خلال شهادات معاصريه ومعاشريه، الذين اختبروه وعرفوه معرفة جيدة، أمثال سالم بن
سليمان بن عمير الرواحي، وعيسى الحارثي ...
هؤلاء كلهم متفقون على أنَّ الرجل عميق الإيمان راسخ العقيدة، نقي الدين،
صفي السريرة، مستقيم السلوك ... يقول الدكتور: «إنَّ وراء السلوك السليم الذي نهج عليه أبو مسلم ـ ولا شك - عقيدة إيمانية راسخة، وتربية دينية ملتزمة، فأبو. مسلم إباضي معتز بإباضيته، مستمسك بعقيدته، ينافح عنها بكل قوة، كما دلت على ذلك كتاباته الثرية والشعرية» (ص: 1). إلا أنَّ الدكتور يثير سؤالاً آخر مهما أيضا من شأنه أن يعين على الكشف عن بعض الحقائق، وَهُوَ إذا كان أبو مسلم مخلصاً لمذهبه مستمسكا بعقيدته كما رسمتها الإباضية «فما الذي دفعه إلى هَذَا الشعر ذي الطابع الصوفي، في الوقت الذي نعرف فيه موقف الإباضية من التصوف وَهُوَ موقف الإنكار والرفض تاريخاً وفكرا» (ص: 112). السؤال مهم لأنَّهُ يهدف أساسا إلى الوصول إلى نتيجة منطقية، وهي ما
مدى ملاءمة الخط الفكري والعقدي الذي رسمته أشعار أبي مسلم الابتهالية لشخصيته، وانتمائه المذهبي؟
هذان السؤالان يثيران إشكالاً كبيرًا حول شخصية أبي مسلم. الإجابة عنهما بدقة وموضوعية تحدد ما إذا كان الشاعر زاهدًا أم متصوفا، متصوفا بالمفهوم
الإسلامي الصحيح أم بالمفهوم الفلسفي المتطرف؟
حاول الدكتور الإجابة عنهما بعرض مجموعة من الحقائق، تساعد القارئ -
حسب قناعته أو عدمها - إلى الإقرار بأنَّ شعر الابتهال عند أبي مسلم قريب من
النزعة الصوفية أم هو بعيد عنها:
-34 - (1/36)
صفحة 37
أولاً: «البيئة العمانية بما عرفته من ظروف سياسية واجتماعية خاصة،
اتسمت بالاضطراب وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، فمن اختلاف حاد بين قبائلها، وتسلط القوى الأجنبية على بعض مناطقها، كل ذلك جعل أهل الفكر والرأي وذوي الغيرة على وطنهم ودينهم يشعرون بنوع من الغربة، أدت بهم إلى طلب المدد الروحي من الله ليخلص وطنهم مِمَّا هو فيه من كُلِّ
ذلك» (ص: 112 - 113).
يرى الدكتور أنَّ هَذِهِ الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية هي من أكبر العوامل التي دفعته دفعاً إلى أن ينحو هذا المنحنى في شعره، ويتجه هذا الاتجاه في كتاباته؛ خاصة وهُوَ يرى بأم عينيه ما آل إليه أمر المسلمين من تضييع شرع الله، وعدم وعي الحقيقة الإسلام، وفي المقابل الإقبال على زخارف الدنيا ومتاعها الزائل، إلى جانب ما يشاهده من عبث الكفار وعينهم في أرض المسلمين، وقد تأثر في
الدرجة الأولى بما أحاط مسقط رأسه عمان وديار غربته شرق إفريقيا وزنجبار. فالدكتور ينفي عن الشاعر أيَّة سمة فلسفية خارجة عن روح الإسلام من
تصوف وغيره.
ثانيا: «إنَّ أبا مسلم ينتمي في عقيدته إلى الشراة يعتنق مبادئهم وعقيدتهم وموقفهم السياسي من الأحداث التي جرت بينهم وبين الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقصيدته النهروانية أكبر شاهد على ذلك ... هَذَا الشاعر الملتزم بعقيدة الشراة، لا نشك في إعجابه أَيْضًا بسلوكهم والتزامهم بتطبيق الشريعة
الإسلامية في مسيرتهم الحضارية الطويلة» (ص: 115). عدد الدكتور بعض ما عرف به الشراة: هم زهاد في الدنيا، مقبلون على الآخرة في كُلِّ مواقفهم السياسية والدينية، متمسكون بالعقيدة، متفانون في سبيلها، بمراقبة النفس في كُلِّ حركاتها وسكناتها ... ولعل ما يبدو في أدبهم وفكرهم من زهد وركون إلى الآخرة، رشحهم ليكونوا نواة لنشأة الفكر الصوفي في
-35 - (1/37)
صفحة 38
مظاهره الايجابية لا السلبية» (ص: 116).
ثالثا: ظهرت في الأدب العُماني نزعة الزهد التي ترغب عن الدنيا وزخرفها ومتاعها القليل، وإلى جانبها برز فيه تصوّف علمي؛ بدءًا من الشيخ جاعد بن خميس وابنه ناصر بن أبي نبهان الخروصي، والشيخ سعيد بن. خلفان الخليلي، الذي لم يكن تصوفه «سلبيا، ولم تكن فيه تلك الشطحات الصوفية من الحلول والاتحاد أو وحدة الوجود، التي وجدت عند ابن عربي وابن الفارض والحلاج، أو أضرابهم، وإنما كان تصوّفه تصوفا إيجابيا» (ص: (117).
ليكشف الدكتور عن تصوّف أبي مسلم ذكر العلاقة التي تربطه بالشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وأشار إلى الآثار التي تركتها شخصيته في أبي مسلم. ومن بين هذه الآثار نوع التصوف الذي طبع أدبه:
1 - تتلمذ أبي مسلم غير المباشر على الشيخ الخليلي؛ باعتبار أن والد شاعرنا أحد تلامذة الشيخ الخليلي الذين انطبعوا بسلوكه وتدينه، وأبو مسلم تأثر ـــ بوره تأثرًا كبيرًا في سيرته. وجاء تأثره بأفكار الشيخ الخليلي نتيجة إدمانه على قراءة آثاره. وقد انتقل هذا إلى التأسي بأخلاقه ومواقفه وسلوكه ورؤيته إلى الأحداث التي كانت تعصر أو تعصف بعمان بخاصة، أو على الأقل الاستئناس بها: «ولعلَّ أقوى بصمات الشيخ سعيد ظهرت واضحة في شعر أبي مسلم ولاسيما في أذكاره وابتهالاته التي لا نشك أبدا في استفادتها من تجربة الشيخ سعيد الشعرية، ولاسيما في مجال الابتهالات الشعرية والذكر والزهد واكاد أقول: والتصوف» (ص: 119). 2 - صداقة أبي مسلم للشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، جمعتهما في الكتاب، وصحبتهما في درب الحياة: «و لم تكن تلك العلاقة الروحية بينهما سوى وليدة انسجام وتقارب في الرؤية والمواقف» (ص: 119).
هذه الموجة العارمة التي اجتاحت عثمان وزنجبار، كما عمت العالم الإسلامي، كونت مدرسة متميزة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ إلى أن تصيل
-36 - (1/38)
صفحة 39
بسبب إلى حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي. أقطاب هذه المدرسة التزموا بالروح الحقيقية للعبادات، وتميزوا بالإخبات والإنابة والإخلاص، ومراقبة النفس ومحاسبتها حتى لا تخرج في تصوّفها وزهدها عما شرع الله، وقد تخرج هؤلاء في الإصلاح والتزكية والإحسان أيمة، ومحققين انتفعت. بهم أجواء واسعة من العالم الإسلامي، وإلى بعض شيوخ تلك الطرق الصوفية يرجع الفضل في بعث النهضة الإسْلاميَّة في قلوب المسلمين في مواجهة الكفر والإلحاد
والتغريب»
) (ص: 121).
إلى هذه المدرسة ينتمي أبو مسلم - حسب رأي الدكتور ــ وبهذه النزعة كان يكتب أشعاره الابتهالية، وعن هذا التصور كان يصدر في شعره التصوفي، الذي كان يقترن بالسلوك الإسلامي الصحيح والعقيدة الإسلامية الصافية، بمعنى أدق: كان الشاعر بعيدا عن التصوف الفلسفي.
يؤكد الدكتور في الأخير عَلى أَنه يجب استحضار الملاحظات التي قدمها والحقائق التي أثبتها المتعلقة بحياة أبي مسلم؛ حين تناول موضوع التصوف في شعره، ثُمَّ التفريق بوعي وكفاية بين التصورات والرؤى والمواقف، وعدم الوقوف أو التوقف عند مستوى الألفاظ والجمل والمصطلحات التي يكون أبو مسلم قد استعارها ووظفها في شعره؛ مثل التوسل بالأولياء الصالحين والأقطاب والأبدال، والحديث عن الرسول .. يجب التأمل في ذلك بعمق، وتحليله تحليلاً يتماشى عقيدة أبي مسلم وسلوكه، وما طبع حياته، وما ساد بيئته، وما يعرف به مذهبه؛ حتى تصدر أحكامنا في هذا الشعر مستندة إلى معطيات موضوعية، تنصفه ولا تظلمه.
المهم أنَّ الدكتور سجل أو أقر أنَّ تأثر أبي مسلم بالمتصوفة «لم يكن في الرؤية والموقف، وإنَّما هو تأثر في التجربة الشعرية من جانبها الفني، ولم يتجاوزه إلى أبعد من هَذَا، ومن طبع الشاعر المبدع أن تكون لغته منتقاة من العوالم التي يحياها،
-37 - (1/39)
صفحة 40
سواء تلك العوالم التي يحياها واقعا معاشاً أم تلك العوالم التي يندمج فيها أثناء قراءته الأدبية بخاصة والمعرفية بعامة» (ص: 123).
مهما يكن رأي القارئ في هَذِهِ الملاحظات، ومهما تكن قناعته أو عدمها فيما ذهب إليه الدكتور، فَإِنَّهُ ترك المجال للدارسين ليحكموا على هذا التحليل، ويقولوا: هل أجاب عن السؤالين اللذين عرضهما؟ أي هل كان أبو مسلم زاهدا أم متصوفا؟ وهل كان تصوفه إيجابيا أم سلبيا؟ هل ابتعد كلية عن التصوف في مستوى التجربة الشعرية ولم يتجاوزها إلى مستويات أخرى أم لا؟
هذه نقطة أخرى يمكن أن تكون بحالاً مغرياً للدارسين كي يتعمقوا وينفذوا إلى داخل شخصية أبي مسلم. وهي من جملة النقط التي تثيرها دراسة الدكتور
القيمة.
* الاستنهاض في شعره:
يبقى الدكتور حريصا على إبراز الرؤية الإسلامية والمواقف الإيمانية في شعر أبي مسلم، فتكون له في هذا المبحث هذه الوقفة المطولة مع عنصر الاستنهاض في شعره، هذا الجانب المهم - أيضا - في كتاباته، الذي لم يسعه شعره فعم نثره، وما كتبه ونشره من مقالات صحفية بخاصة.
وقد ذهب الدكتور بعيدًا حين قرر حقيقة تخفي أسرارا كثيرة خطيرة في حياة أبي مسلم، وبخاصة ماله صلة وعلاقة بمحيطه. وَهُوَ ما يدفع الدارسين الشغوفين بالبحث والكشف أو اكتشاف الجديد إلى مواصلة دراسة هذه الشخصية ومعرفة كل شيء عنها، والإجابة عن الأسئلة المثارة، وتوضيح النقط الغامضة، وملء الثغرات الموجودة في حياة الشاعر. يقول الدكتور عن أبي مسلم: «أكاد أقول أن لو وجد الاستجابة من قومه سواء في عمان أو زنجبار لا تخذ وسائلها الأخرى مثل
-38 - (1/40)
صفحة 41
التعليم ومقاومة الفساد الاجتماعي وتحرير الفكر من التعصب والابتداع والخرافات كلّها مظاهر من عصور! التخلف والانحطاط» (ص: 125).
التي
هي
فأبو مسلم بوصفه شاعرًا صاحب رسالة محدّدة، كان ينفعل ويتأثر لما يحدث أمامه، فكان يستجيب لنداء الضمير، ويتحرك بدافع المسؤولية، وينافح بروح الحماسة الدينية، وينهض بوازع الحس الوطني ... لينفخ روح التجديد والإصلاح والنهضة والعمل في نفوس أبناء الإسلام بعامة، وبني قومه بخاصة. أشار الدكتور إلى أنَّهُ لَعَلَّ الظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها أبو مسلم في عمان وزنجبار، وما كان يعيشه العالم الإسلامي من القهر والضيم من الاستعمار، وما كان يعاينه من انتشار التيار القومي المتعصب ضد فكرة الجامعة الإسلامية، ومن تصاعد موجة مقاومة فكرة القومية العربية، إلى جانب يقظة الأقطار العربية ونهوضها السياسي والاجتماعي وانتفاضاتها نحو التحرر والانعتاق ... لَعَلَّ هَذِهِ الظروف أو العوامل هي التي جعلت من طلائع من وعوا واقعهم، وأدركوا رسالتهم، فتحملوا مسؤوليتهم: العلماء، والمصلحين، والأدباء: فكان الأديب يحمل القلم ليصارع الطغاة والفساد، ويكتب ليت الإصلاح والتوعية بين الطبقات الشعبية من أجل غد أفضل، ومن هنا يمكننا أن نعتبر أبا مسلم ضمن هذه الكوكبة من العلماء الإصلاحيين الذين برزوا في الساحة العربية والإسلامية من أمثال: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والقطب اطفيش، ونور الدين السالمي وغيرهم» (ص: 124).
من بين الوسائل التي كان يعتمدها أبو مسلم في الاستنهاض؛ وسيلة التاريخ، لما فيه من آيات الاعتبار والاذكار، التي تدعو إلى الحت والمواكبة والمقارنة. فقد
وقف كثيرا عند صور البطولة والجهاد، ومواقف الصراع بين الحق والباطل. يرى الدكتور أنَّ الاستنهاض - وَهُوَ رسالة يقوم بها الشاعر ضمن رسالته الإسلامية في هذا الوجود ـ حاضر ومنبت في معظم قصائده، لا تجده موضوعا
-39 - (1/41)
صفحة 42
خاصا في هذه القصيدة أو تلك، إنَّه موجود في كُلِّ كلمة يقولها الشاعر، خاطب نفسه أو غيره، ابتهل إلى الله متضرعاً، أو عاتب قومه محفزا، وَهُوَ عَلَى وعي كامل بهذه الرسالة التي ندب شعره لها، ومن أجل ذلك قال:
لو يكون الشعر نصراً لم أزل أنظم الأنجم لا أرضى الدرر
لو ملكنا السيف لم نرجع إلى قلم في النصر؛ إن قام عثر»
(126 - 125:).
قدم الدكتور قصيدة الشاعر «النونية» نموذجا لِهَذِهِ الرسالة الاجتماعية الإسلامية التي قام بها أبو مسلم مستهضا الهمم، محفزا النفوس، محمساً القلوب ... هذه المطولة الرائعة «الفتح والرضوان» أو «النونية» التي تعد 383 بيتا، تترجم عن شخصية أبي مسلم وتكشف حقيقتها، حيث فيها طال نفسه وتدفقت شاعريته، وتعمق تعبيره وجمل تصويره، وتجذر شعوره، وتجلت بوضوح رسالته ... القصيدة في أصلها استنهاض وحث على مؤازرة الإمام سالم بن راشد، إلا أَنَّهَا احتوت على محاور تخدم الهدف العام الذي كان يرمي | الشاعر الوصول إليه، وَهُوَ القيام برسالته الإِسْلاميَّة، وحثّ الناس على الاستمساك بالنهج القويم، والسير
في الصراط السوي، والتزام الطريق المستقيم.
المحاور التي اشتملت عليها القصيدة - كما سجلها الدكتور ــ هي:
1 - الحنين إلى عثمان. 2 - الدهر الخؤون.
3 - أمجاد عمان - الهداة من أئمة عمان.
5 - إمامة سالم بن راشد.6 - الاستنهاض.
7 - مفاخر القبائل العمانية. 8 استنهاض وعتاب.
يقول الدكتور: «ولعل أبرز ما في «النونية» وصفها الصادق المنتفض
-40 - (1/42)
صفحة 43
للأحداث، التي واكبت الإمام سالم بن راشد الخروصي، الذي رأى أبو مسلم في إمامته نصراً مبينا، وتحولاً تاريخيا، ينقل عُمان من عهد إلى عهد، ويدخل به إلى رحاب القرن العشرين ليواكب النهضة والاستقلال الذي أخذ كل العالم الإسلامي يتطلع إليه، ويعي بحق مصيره، وم بحق مصيره، وما ياد به من أعدائه داخلاً و خارجا» (ص: 129128).
من اللوحات الفنية الرائعة التي تضمنتها «النونية»، وقف الدكتور عند اللوحة التي وصفت السيف باعتباره رمزاً قوياً من رموز الاستنهاض وبث روح الجهاد، كما أَنَّهُ موروث حضاري، يحمل دلالات الإباء والشرف والبطولة والشهامة ... وقد استغل الشاعر هَذِهِ الدلالات التي طبعها بها تاريخ المسلمين في جهادهم وفتوحاتهم؛ ليدعو قومه إلى مقاومة الفساد ورفع الضيم ورفض الظلم ودفع العار .... هذا هو الاستنهاض الحقيقي، الذي يختار الأسلوب المناسب، ويتقي الرموز الدالة الموحية، ويدغدغ العواطف، ويحرك المشاعر، ويستغل الومضات التاريخية.
قال الشاعر: يا للرجال ذلت حفيظتكم إذا استطالت على الآساد حملان إنَّ السيوف التي كانت لسالفكم ما ضمها معهم رمس وأكفان مريضة هي في الأحفان؟ أم مرضت قلوبكم؟ أم نأى عنهنَّ وجدان؟ بئس السيوف إذا حلت عواتقكم وما بها لعتيق المحد أحزان لا تحجبوها إنانا في مغاملها فإنَّ تلك اليمانيات ذكران فديتكم أوردوها، إنَّها عطشت إن كان فيكم يلاقي الري عطشان
(ص: (3)
ثُمَّ وقف الدكتور عند بعض المحطات الفنية التي تبرز هذه الظاهرة، ظاهرة الاستنهاض بشكل جلي وقوي؛ بالربط بين الشكل والمضمون، واختيار الأسلوب
-4 - (1/43)
صفحة 44
الخطابي المناسب لِهَذِهِ المواقف. كُلُّ ذلك ببراعة لم تنقص من القيمة الفنية لهذا الأثر الأدبي، كما أبرز وحلل الخيط النفسي المُحكم الذي ربط بين أجزاء القصيدة، ووقف عند خاصية الثنائية والعطف التي ميزت القصيدة، والتي أضفت عليها روح المقارنة والموازنة والمقابلة، التي تسهل عملية الحث والمواكبة والتأسي، وبعدها تحصل النتيجة، وهي استجابة المخاطبين المتمثلة في النهوض والتحرك والعمل وتحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات.
اعتقادا
بهذا العرض المركز الهادف تمكن الدكتور أن يُبرز أنَّ الاستنهاض هو أحد المظاهر التي تكشف عن إسلامية الكتابة، والعمل عند أبي مسلم: رؤية وموقفا، ا وسلوكا، فلم يكن تشويها أو مناهضة، ولا عملاً إرتجاليا أو ترفا قوليا .. ولكي يؤكد الدكتور على الطابع الرسالي في استنهاض أبي مسلم، ويثبت الارتباط التاريخي والتمسك بسنن السلف في المسيرة واستلهام مشاعرهم ومواقفهم، في تأصيل المبادئ، والاسترشاد في التحرك، عقد مقارنة مهمة هادفة بين بعض مواقف أبي مسلم وسلفه التابعي الجليل أبي بلال مرداس بن حدير»، وذلك بعرض بعض أشعارهما، التي نلمس فيها العقيدة والصدق والإخلاص، والفداء والتضحية، والشجاعة، والزهد والتقوى، والتفاني في حب الله، والإسراع
إلى نصرة دين الله، والانتقام من كُل من يناله بسوء مهما يكن مقامه.
لا يستعبد الدكتور تأثر أبي مسلم بأبي بلال، كما لا يستغرب منه هذا التأثر: فقد جمعت بين أبي بلال وأبي مسلم العقيدة الصافية، هذه العقيدة التي تستمد روحانيتها من القرآن الكريم وسيرة السلف الصالح، وتستروح معانيها وأغراضها ورؤيتها وموقفها من نبع واحد أصيل، وَهُوَ نبع الشريعة الإسلامية
الدافق» (ص: 136).
أراد الدكتور من خلال هذه المقارنة البقاء وفيا لخطه ملتزما بخطته التي رسمها لنفسه في هذه الدراسة، ويتمثل ذلك في التأكيد على الرؤية الإسلامية التي تحكم
-42 - (1/44)
صفحة 45
كتابات أبي مسلم، وفي هذا يقول في ختام هذه المقارنة: «هكذا كان أبو مسلم يسخر شعره من رؤية رسالية لأهداف استنهاضية، تستجيب. المتطلبات المرحلة
السياسية والاجتماعية الصعبة التي كانت تعيشها الأمة الإسلامية بعامة وعمان بخاصة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى» (ص: 143).
* الحكمة في شعره:
يواصل الدكتور إبراز البعد الإسلامي في شعر أبي مسلم، فتكون له في المبحث الموالي وقفة مع الحكمة في شعره الحكمة التي تكشف عن التجربة العميقة والتأمل
الكبير والنضج العقلي ...
سجل الدكتور لأبي مسلم نزوعه منزع الحكمة في شعره في كثير مما نظم؛ حتى غدا هذا الاتجاه في شعره من بين الاتجاهات الأكثر وضوحا ودلالة على شخصيته، وذكر أنَّ له وقفات تأملية حكيمة في الدنيا وأحوالها التي كان دائم السخرية منها والتهكم بها؛ شأن المؤمن الذي لا يعيرا اهتماما كبيرا لزخارف الدنيا ومتاعها الزائل، ولا يهتم من صروفها وخطوبها، لأنَّ له ثقة في ربه، ولأنَّ نفسه تتطلع إلى ما في الدار الباقية.
كان الشاعر دائم التأمل في حقيقة الحياة والموت. وكان ينظر إليها بمنظار إسلامي محض. وقد ربط الدكتور بين هذه الرؤية ورؤية الشراة، سلف الشاعر، وقال: «وقد عرف أدب الشراة بهذا الاتجاه، غدا سمة ومن سماته وموضوعا من موضوعاته ... فليس بعيدا أن يكون أبو مسلم قد تأثر بهذا الأدب، وتشبع به، إضافة إلى ما عرف عنه من مقومات ذاتية، وتربية روحية، أهلته أساسا إلى الاهتمام بهذا الموضوع والكتابة فيه» (ص: 147).
ذكر للشاعر موقفه من المال، وكيف يجب على المؤمن أن يتصرف معه بتوجيه
-43 - (1/45)
صفحة 46
إسلامي: كسباً وإنفاقا وتسخيرًا له في هَذِهِ الدنيا، كما أبرز علاقته بالدنيا؛ وهي علاقة صراع دائم من أجل الحصول على الأفضل، ومن أجل السيطرة عليها، حتى لا تسلبه الطموح والعمل والتحرك. وقد عُرف عن أبي مسلم. صيرا راعه الدائم مع الدهر، وفي شعر أبي مسلم يلحظ القارئ كثرة ورُودِ هَذِهِ المفردة (الدهي) وُرُوداً يكاد لا تخلو فيه صفحة من صفحات ديوانه، ونحسب أنَّ هَذِهِ المفردة من أكثر المفردات استثارا بقاموسه الشعري» (ص: 153).
كما أبان الدكتور عن اعتقاد الشاعر في الموت الذي لا يخرج عما تشير إليه الشريعة الإسلامية.
سجل الدكتور في موضوع الحكمة في شعر أبي مسلم النتائج الآتية: 1 - فهم الشاعر للدين الإسلامي كان فهما عميقا بنزعته منزعا زهدياً إيجابيا، يرغب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، من دون أن يكون منعزلا عن الجماعة، ولا نافرا من الدنيا.
2 - التأمل العميق الواعي في الدنيا وأحوالها، دافع ذلك الحرب القاسية المعلنة المستمرة بين الدهر وأبي مسلم.
3 - بقي أبو مسلم - رغم كُلِّ ذلك - مسلما في شعره، مؤمنا راسخ الإيمان، حريصاً على الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، مهما يعظم الخطب، وتشتد المحن ويتألب الأعداء.
4 - قد يلحظ القارئ أنَّ أبا مسلم - وَهُوَ يصارع الدهر ـ نوعا من الاعتزاز بالنفس والثقة بها، قد يراه بعض الناس ادّعاء وغروراً، ولكن عند التأمل نتبيَّن، أنه اعتزاز مؤمن بربه، مقر، بضعفه مستجير دوما بنصرته، وتلك سمة طالما لوحظت عند الشعراء الذي يصدرون عن عقيدتهم الإسلامية الصافية في كُلِّ ما يفعلون وما
يذرون، وهي سمة شعر الفخر عند الشعراء الفقهاء» (ص: 155 - 156).
-44 - (1/46)
صفحة 47
الحنين في شعره:
إنَّ الروح الإِسْلاميَّة أبدا لا تختفي من شعر أبي مسلم، مهما تكن حاله، وتبدل الأوضاع، ومهما يكن الدافع إلى الكتابة - وإذ كتب عليه أن يعيش جل حياته بعيدا عن وطنه عمان، فإنَّ نفسه المليئة إيمانًا، وقلبه المفعم حبا لوطنه، أيا عليه إلا أن يعيش؟ يعيش أجواء بيئته بكل جوارحه وروحه تاريخها، أحداثها وحوادثها، مسراتها وأحزانها، آمالها وطموحها ماضيها وحاضرها ... وقد ترك لنا شعرا كله نين وشوق إلى هَذَا الوطن العزيز عليه حنين طبعه بروح إسلامية عالية؛ إذ لا يشعرك إلا أَنَّكَ تعيش مع القيم والمبادئ والمفاخر والمآثر، وأنك لا تلتقي إلا مع حب العمل والقيام بالواجب، والحرص على أداء الأمانة وحمل الرسالة وتحمل المسؤولية.
حنين
حاول الدكتور ـ في هذا المبحث القيم والدراسة المعمقة ـ وببراعة وقدرة كبيرة على التحليل والاستنباط، أن يقدّم لنا صورة جيدة عن طبيعة الحنين في هَذَا الشعر الملتزم، وعن نقط الارتكاز فيه، وعن بعض الخفايا فيه، ولو كانت إشارات فقط، إلا أنها إيماءات يدركها اللبيب، صاحب البصيرة المتيقظة والنظر البعيد. يمكن أن نوجز هذه الإشارات في النقط الآتية:
1 - إنَّ الشاعر تمثل بيئته الأصلية (عمان) تمثلاً كبيرًا حيا، رغم أنه غادرها وَهُوَ دون العشرين من عمره، واستفاد من بيئته التاريخية فائدة كبيرة في تكوينه، وفي توجيه حياته الشعرية توجيها خاصاً.
2 وصفه وحنينه تعبير صادق عن حالته النفسية التي كان عليها هو في ديار الغربة، هذه الحالة تشبه كما يقول الدكتور حالات الوجد الصوفي لأنَّ «كل نامة أو حركة أو منظر له علاقة بوطنه ... تستطير في فؤاده نوازع التذكر والحنين» (ص: 160). (1/47)
صفحة 48
قال أبو مسلم معاهد شاقني منها محاسنها إن شاق غيري آرام وغزلان لها على القلب ميثاق يبوء بها إن باء بالحب في الأوطان إيمان نزحت عنها بحكم لا أغالبه لا يغلب القدر المحتوم إنسان كأنني واغترابي والغرام بها حي قضى خلفته بعد أحزان هي النوى جعلتني في محاجرها مثل الخيال وروحي ثُمَّ جثمان أعيش في غربة عيش السليم على رغمي، وليس الترياق إمكان
(162: P)
3 - يقول الدكتور: «إذا تعود الشعراء، أن يتحرك حنينهم إلى الأوطان لأغراض حسيَّة، بعضها الشوق إلى الأحبة والحبائب، التي رمز إليها ـــ على عادة العرب ــ بالآرام والغزلان، فإنَّ الذي يحرك الشوق في قلب أبي مسلم المحاسن لا الحسن، والمآثر لا الآثار والمعاني لا المباني؛ لأنَّ الذي يربطه بهذا الوطن أسمى وأعمق من أن يتمثل في طلل بال أو غزال أهيف» (ص: 162 - 163).
هذه الملاحظة مهمة؛ لأنَّها تبين طبيعة الحنين الذي صدر من أبي مسلم وتميز بذلك الإيجابي منه الذي يخدم القيم والمبادئ والرسالة، عن السلبي، الذي يهدم الشخصية، ويستهتر بالمقومات، فأبو مسلم لا يحن إلى المرابع والمراتع والمناجع لاعتبارات ماديَّة دنيوية، بل هو يحنّ إلى ما تحمله بين طياتها وزواياها من قيم معنوية وأخلاق إسلامية عالية ومآثر ومفاخر ومشاعر وشعائر ...
قال أبو مسلم: إذا لاح برق سابقته مدامعي وليت انطفاء البرق للغرب عاصم لئن خانني دهري بشحط معاهدي فقلبي برغم الشحط فيهن هائم وإن هيام القلب فيها وقدنات وسائل في شرع الهوى ولوازم
-46 - (1/48)
صفحة 49
فيا لفؤادي ما التباريح والجوى فعلن إذا ازدادت عليه اللوائم على أن ذكر النفس عهدا و معهدا أمض بها مما تمج الأراقم
(ص: 164)
وقال أيضا:
الفضيلة لا رند وريحان
نشأت فيها وروضاتي ومرتعي روح أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق وقصد ومعروف وعرفان
(ص: 16)
4 - حنين أبي مسلم؛ حنين إلى الجهاد، والقيام بالواجب، وحنين إلى مجاهدة النفس، والتوق إلى النعيم الأبدي والرضوان الخالد على الطريقة التي عرف بها سلفه الشراة، الذين يعتز بمبادئهم وسيرتهم، ويحرص على ترسم خطاهم والسير في نهجهم واقتفاء أثرهم.
بهذا العرض القيم الذي قدمه الدكتور يبرز هذا الجانب الهام في شعر أبي مسلم، الذي يكشف هو أيضا عن إيمان الشاعر الحقيقي؛ لأنه الجانب الذي يبين عن. خلجات النفس، وما تشعر به، ويجد فيه اللاشعور الفرصة في حال احتدام للمشاعر وتوفر النفس، لينفلت من رقابة الأنا، وقبضة الأنا الأعلى ليكشف عما بداخله من الأفكار المحظورة والمشاعر المبكوتة ... ومن هنا يكون الحنين من أفضل ما يترجم عن حقيقة ما يفكر به الإنسان، وما يطمع في الوصول إليه، وما يعتقده ويهواه.
والشاعر أبو مسلم وجدناه من خلال ما ذكره الدكتور وفيا لمبادئه، محافظاً على خطه النفسي، ملتزما بما كان يؤمن به، وقد وجه هذا الحنين إلى ما يخدم القيم والأخلاق والسلوك الحسن. عن هَذا يقول الدكتور: «هكذا يتجلى لنا بوضوح كيف تغدو النفحة الشعرية عند أبي مسلم رؤية يشملها الدين الإسلامي، إنها المنطلق لِكُلِّ أحاسيس الشاعر، حتى شوقه إلى وطنه» (ص: 196).
-47 - (1/49)
صفحة 50
إنَّ المتأمل في نفثات الشاعر وزفراته ومشاعره، وفي ملاحظات الدكتور، يدرك تمام الإدراك أنَّ الشاعر كانت رغبته ملحة في مشاركة إخوانه وبني وطنه العمانيين في الجهاد، وفي النهضة، وفي إخراج البلاد من! التخلف والتدهور ...
هذا هو النظر الإسلامي أو الرؤية الإسلامية أو الصدور الإسلامي للحنين؛ حنين إلى العمل الصالح، إلى القيام بالواجب إلى التضحية ... إلا أنَّ السؤال الذي يقدمه القارئ: لماذا لم ينتقل الشاعر إلى عمان ليشارك عن كتب في الأعمال التي يقوم بها العمانيون؟ ما هي الأسباب الحقيقية التي منعته عن ذلك؟ لماذا غادر وطنه عمان؟ ولماذا لم يرجع إليه رغم ارتباطه به روحيا وتعلقه الشديد به اللافت للانتباه والمثير للدهشة والاستغراب؟ وماذا كان يحرك أشجانه وعواطفه، وما الذي كان يضخم من مأساته، وهُوَ يعيش أو يعايش أحداث عمان والحياة اليومية فيه؟ ما أسباب ذلك غير ما ذكره الدكتور؟
وماذا كان يرمي! ب أبو مسلم الوصول إليه، وماذا أراد أن يقوله، خاصة وأنه شاعر صاحب رسالة، وأَنَّهُ لا يقول ما يقول عن الهوى، أو لتزجية الوقت، أو
لترف القول ... ؟
هذه الأسئلة هي إحدى النتائج التي يخرج بها القارئ، وَهُوَ يتصفح هَذَا لمبحث اللطيف الرائع من دراسة الدكتور، الذي أعده شخصيا من أهم مباحث
الكتاب.
* الرثاء في شعره:
وفي جانب آخر من شعر أبي مسلم يبرز الدكتور الرؤية الإسلامية في كتاباته، إنَّهُ جانب الرثاء، الذي يعبر فيه الشاعر عادة عن حزنه، وعن فراق الأحبة والأصدقاء، ومن لهم مكان في القلب وعلاقة بالشخص الرائي.
-48 - (1/50)
صفحة 51
إلا أنَّ أبا مسلم لم يكن يذوب في الرثاء، ولا كان يجزع فيه ولا ينتحب، بل كانت الغيرة الإسلامية تدفعه لكي يرثي الإِسلام لفقد أحد حاميه ودعاته، وكان هو يلتزم بالتعاليم الإسلامية في هذا الرثاء.
من خلال بعض الإشارات التي ذكرها الدكتور، وبين فيها طبيعة الرثاء عند
الشاعر، والتي توجيزها فيما يلي نكتشف الرؤية الإسلامية في هذا التناول: 1 - رثاء أبي مسلم تعبير عن الإحساس الجمعي؛ لأنَّ أغلب الذين رثاهم عمد في مجتمعاتهم، فقدهم لا يحدث فراغا في تلك المجتمعات فحسب، وإنما يمس العالم الإسلامي كله. لهذا يقول الدكتور: فإنَّ المعجم الشعري لهذه القصائد
يدور كثيراً حول الكلمات الآتية: الدين، الإسلام، العلم، الأمة ...
2 - رثاؤه بعيد عن العويل والانتحاب، بل هو «حزن مؤمن بقضاء الله وقدره، مؤمن يدرك أنَّ الموت كأس كل الناس شاربوه» (ص: 176).
-3 مراثيه عادة ما تتحول إلى نصائح وعظات ومواقف للتأمل والاعتبار من الموت، بالرجوع إلى النفس ومحاسبتها قبل فوات الأوان ـ كما أنه كان يكي في هذه القصائد: الإيمان، التقوى، الفضل العلم، العمل الصالح ... لأنَّ هَذِهِ القيم إن فقد الشخص الذي يتصف بها لحقت بالإسلام والمسلمين خسارة كبيرة.
4 - توفر شعره الرثائي على خصائص شعر الشراة الذي يعبر عن «حزن المؤمن الصابر، المعتز بالشهادة المتشوق إلى الظفر بها، أو كان نوعا من الفخر بمناقب الفقيد، فخر المتطلّع إلى الموت في ميدان الجهاد في الدنيا وجوار الله والإخوان في الآخرة» (ص: 176 - 177).
مرة ثانية يؤكد الدكتور عَلَى هَذِهِ الرابطة والصلة القوية بين شعر أبي مسلم (1/51)
صفحة 52
وشعر الشراة وعقيدتهم، التي كانت تنتظم حياتهم، وبذلك ضربوا أروع الأمثلة في
الالتزام بشرع الله، والصدور عنه في كل مواقفهم.
هذه الإشارة تؤكد مرة أخرى الصبغة الإسلامية لشعر أبي مسلم.
* خصائص شعره:
في هَذِهِ الخلاصة نجمل بعض ما قاله الدكتور متفرقا في دراسته:
1 - إن شعره كُلّ لا يتجزأ لأن له رؤية شمولية، تنظر إلى الإنسان المسلم من
خلال كل موضوع يعالجه.
2 - شعره يدور كثيرًا في مجال الاستنهاض والتبشير بكل حركة تقوم لاسترداد عزة الإسلام والمسلمين أينما كانوا، ويربط المسلم في كُلِّ مواقفه بالأصل، وَهُوَ العقيدة الصحيحة التي تدفع إلى مقاومة الظلم.
3 - المزج الكلي بين الشكل والمضمون فهو لا يعرض عليك التاريخ أحداثا ووقائع جامدة، ولا يذكرك بالقبائل والقرى العمانية أسماء تثرى وتتوالى، إنما هو يصب ذلك كله في صور فنية متحركة نابضة بالحياة، متوثبة بالمشاعر، فترى العاطفة الصادقة بارزة في كُلِّ كلمة يخطها حتى ولو كانت أحداثا تاريخية مضت عليها القرون، كما فعل ذلك في النهروانية) أو كما جسم ذلك. من خلال الصور الفنية النابضة، وَهُوَ يحن إلى كُلِّ قطعة في أرض عُمان في (النونية) وصدق من
قال فيه: «إنه ــ فيما نعتقد ـ كان شاعراً فقيها، أو شاعرا مؤرخاً، أو شاعرًا
-
نسابة، أو شاعراً متحمساً لفكرة وطنية، ولم يكن فقيها يلجأ إلى الشعر ليصب فيه آراءه، أو عالما بالتاريخ والأنساب يقدّم للناس فكرته في شكل منظوم، أو
-50 - (1/52)
صفحة 53
متحمّساً لأفكار قومية يستعين بموسيقى الشعر على جمع القلوب حولها، لكنه كان قبل كل شيء، شاعراً يسلّط بصيرته الشعرية على حقول مختلفة فأكسبتها
كثيراً من لون الربيع الشعري ومناخه» (ص: 18 - 19).
شعره ظل محافظا على بعض الأصول التي غزته في طفولته ــ كما يقول
الدكتور - مثل القرآن الكريم والشعر العربي القديم.
5 - يمتاز شعره بالحيوية والتجدد في اللغة والتصوير والتعبير: «ولا نشك إطلاقا في أنَّ البيئة الجديدة التي عاش فيها في زنجبار كانت من العوامل القوية في إكساب أدبه هذه الشاعرية الفياضة، فقد انتقل من اللون الصحراوي الذي تغلب عليه الصفرة ووحشة الجذب إلى اللون الأخضر الذي يبعث البهجة في النفوس، ويضيء في حناياها الأمل والانشراح» (ص: 2). 6 - يمتاز الشاعر بالأصالة والقوة في كل بيت يقوله، وما سر قوته وأصالته غير التوافق التام بين شخصيته وإبداعه.
7 - شعر الحكمة عنده مفتاح من المفاتيح التي نفتح بها مغاليق شعره، ونفهم على أساسها أبعاده العقلية والنفسية. كما أنَّ الإيمان بالله مفتاح شخصيته وَهُوَ أيضا مفتاح شاعريته (ص: 19).
8 - الخيط النفسي يربط ربطاً محكما بين أجزاء القصيدة عنده.
و - الثنائية ظاهرة بارزة في شعره: «إِنَّ هَذَا الاتجاه في فكره يعود إلى نزعته التأملية، ومنهجية فكره التي تعتمد الموازنة بين الأشياء والتقابل أو التضاد فيها، فهناك الخير والشر، والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، والرجل والمرأة، حيث
1 - مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، ص: 155.
-51 - (1/53)
صفحة 54
الثنائيات التي بنيت عليها الحياة والكون والناس» (ص: 134). .
10 - قصائد الابتهال عنده تتّسم في الأعم الأغلب بالتكرار اللفظي والمعنوي؛ لأنها ترجمة صادقة لخلجات الشاعر النفسية (ينظر ص: 57).
11 - الأسلوب وب الخطابي من أبرز الخصائص الفنية في شعره؛ إذ أنه استجابة لدافع موضوعي، فرضه الواقع الذي كان يعيشه هو نفسه، بما ترك في نفسه من انعكاسات نفسية، جعلته يتحرك ليخاطب غيره، يخاطب فيه قلبه وعقله، ويدعوه لينهض ويصلح من حاله. لهذا كثر في شعره الاستفهام والتعجب والأمر والنهي والحث والتحضيض والنداء والدعاء، إلى غير ذلك من الأدوات التي تعين على استنهاض الهمم وشحذ العزائم، يقول الدكتور: «فأبو مسلم إذن حين استخدم هذه الأدوات الفنية كان واعيا بمدلولاتها النفسية والتبليغية كل الوعي، فقد اختار أن يكون شعره شعراً رساليا، يبلغ القيم الأخلاقية والتطلعات الوطنية والمبادئ الإسلامية إلى الآخرين، فكان لابد من توظيف كل العناصر الفنية لضمان وصول هَذِهِ الغاية، وَهُوَ محقٌّ فيما ذهب إليه» (ص: 185).
12 - أجمل ما في شعر أبي مسلم أنه يعلم الفكر والأدب معا، ويخاطب العقل والقلب سويا، وقلة من الشعراء هم أولئك الذين يجمعون في شعرهم هَذِهِ
الخصائص» (ص: 194).
52 - (1/54)
صفحة 55
إشارات مهمة
أولاً: لم يكن أبو مسلم قومياً.
إنَّ الشاعر أبا مسلم لم يركن إلى الدعاوى القومية أو الإقليمية؛ فَإِنَّهُ يرى كُلَّ هذه الدعاوى من رواسب الجاهلية (ص: 39)، فهو لم يكن «قومي النزعة» كما يرى ذلك صالح الحارثي أو كان ينظر إلى «أفق قومي» كما ذهب إلى ذلك أحمد درويش)، فقد رد الدكتور على هذين الرأيين أو هاتين الفكرتين (ص:) بتحليل نماذج من شعر الشاعر نفسه وتناول القصيدة التي اعتمدها من قرر أنَّ أبا مسلم قومي النزعة، استخرج منها النفس الإسلامي والرؤية الإسلامية، بدل النزعة القومية أو النظرة القومية، إنَّها القصيدة التي بين فيها الشاعر موقفه من المؤتمر الإسلامي، الذي عقد في القاهرة، تحت إشراف رياض باشا سنة: 1911، في المؤتمر كشف النقاب عن مؤامرة الأقطاب ضد المصريين للمسلمين (ص: 4).
بعد التوضيح والتحليل يقرر الدكتور في النهاية ما يأتي: «ونود أن نقرر في آخر هذا البحث أنَّ أي محاولة لحمل أبي مسلم عَلَى هَذَا الاتجاه القومي الضيق هو ظلم للشاعر، وظلم لشاعريته، وظلم للحقيقة التاريخية والموضوعية العلمية والدراسة ولا عبرة بأولئك الذين يخضعون الأدب للسياسة، ويطوعون المذهب والمبادئ للمصالح، لأنَّ الزيف إن توارى عن الأعين زمنا لابد أن يجيء يوم
النقدية،
ينظر مقدمة ديوان أبي مسلم، ص: 12 - 14.
مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، ص: 155.
-53 -
-1
- 2 (1/55)
صفحة 56
تكشف فيه حقيقته للناس، والله الأمر من قبل ومن بعد» (ص: 44).
واضح من هذا النص أنَّ الدكتور كان حريصا على أن يبقي على النفس الشعري عند أبي مسلم نقياً صافيا من كُلِّ ما يشينه، وعلى الخيط الشعري النفسي واحدًا موحدًا، كما أنتجته قريحة الشاعر، وكما أفرزته طبيعته المتشبعة بالإيمان الصادق، أراد أن ينبه إلى ضرورة التزام الصدق والأمانة في تناول الآثار الأدبية، بعدم استغلال الفرص والمناسبات لتمرير بعض الأفكار والنظريات، وعدم الرضوخ للظروف والعوامل الضاغطة لتكوين ما يتناول من آثار أدبية بألوان أو بصبغة السياسة الآنية، وعدم الاستجابة الساذجة لما يعن وما يطرأ من دون التعمق والتروي والشبت.
في هذه الملاحظة إنصاف للرجل، ودعوة لإعادة النظر في بعض الأحكام التي أبديت عن الشاعر. وهذا الردّ وهذه الوقفة تهدف أساسا إلى تأصيل الرؤية الإسلامية في تناول الآثار الإسلامية لإبراز ما فيها من هذه الروح شكلاً ومضمونا، تعبيراً وتصويرا؛ للوقوف في وجه الردّات المختلفة المتلونة المتسربلة
بالسرائيل المتنوعة الكثيرة، الردّات التي أفرزتها الحداثة وما بعد الحداثة
ثانيا: نزعة التصوّف في شعر أبي مسلم: إنَّ الباحث يثبت الصلة الكبيرة بين ابتهالات أبي مسلم وشعر التصوف؛ إذ أنها كانت تستلهمه أحيانًا، وتستمد منه النفس الشعري: لغة وتعبيرا وتوظيف
-1
يراجع كتاب الدكتور محمد ناصر، حداثة أم ردّة، ط 1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، 1414 هـ / 1993.
- 54 - (1/56)
صفحة 57
مصطلحات معروفة عند المتصوفة، ولها دلالات خاصة عندهم (ص: 62)، إلا أنه ينبه إلى التفريق بين نزعة التصوف عند هؤلاء، والتي عرفت عن أبي مسلم، ومن لم يهتد إلى هذا الفرق، و لم يفصل تصوفه عن تصوف بقية الشعراء، الذين عرفوا بالمتصوفة خالفه التوفيق، وحالفه الزلل؛ لأنَّ نزعة هؤلاء اتسمت بما عرف عن
عصر الانحطاط، أو تسرب إليها ما رسب في هذا العصر. في هَذا يقول الدكتور: «فقد ينظر الدارس السطحي إلى نزعة التصوف في شعر أبي مسلم كما ينظر إلى هذه النزعة عند غيره من شعراء التصوف، وما أكثرهم، ولاسيما في عصور الانحطاط، وَهُوَ إن فعل ذلك جانبه الصواب لا محالة، ولم يلمس حقيقة أفكار الشاعر ومواقفه ورؤاه؛ لأنَّ منطلقات التصوف عند أبي مسلم منطلقات عقدية إيجابية لها علاقة بعقيدة الشاعر ونظرته إلى الحياة، ومحاولة منه لفهمها، لا الهروب
منها» (ص: 30).
ثالثا: شعر أبي مسلم متأثر بشعر الشراة:
يقرر الدكتور أنَّ شعر أبي مسلم صورة صادقة عن شعر الشراة، هذا الشعر يترجم عن العقيدة الصحيحة الصادقة الصافية، ويثبت السلوك الحسن القويم، وينشر القيم الفاضلة النبيلة، ويقدّم مقومات الشخصية السوية. شعر أبي مسلم يصب كله في هذا البحر الخضم بحر الإيمان بالله ورجاء ما عنده قولاً وعملاً» (ص: 25).
-1
قال أبو مسلم
ينظر ص: 76 وما بعدها وص: 101
-55 - (1/57)
صفحة 58
جزى الله أهل النهروان وضاءة وما فوق مرضاة الإله أجور كما جاهدوا في الله حق جهاده وقاموا بما يرضى، وفيه أبيروا وماتوا كراما قانتين وكلهم وكلهم على الوت صبر هناك شكور شراة، سراة لا يحط غبارهم وإن أبلجت فوق الأمور أمور إذا انتهكت من دين الإسلام حرمة فليس لهم عيش هناك قرير نفوسهم حيث ابتلوا وجه ربهم قرابين منهم قدمت ونذور ندين لوجه الله طوعا بحبهم وما شنآن للملحدين مضير
وقال أيضا:
(25:0)
أولئك أبرار الإباضية الأولى على نهر (حرقوص) و (زيد) كولرع هم القوم أحرار الوجود سمت بهم إلى الله عن ح سيواه المنازع محبتهم ديني بها أبتغي الرضا إلى الله والزلفى، وهم لي ذرائع سنة وجماعة أجاهد في إحيائها وأقارع
ودعوتهم
(ص: 2)
إحساس الشاعر القوي بالانتماء إلى الشراة كثيرًا ما دفعه إلى الغوص في أعماق التاريخ، مصوّراً أحداثه، مستنطقا، حوادثه، مستخرجا منها العبر. كما كان يشير كثيرا إلى بعض المسائل في عقيدة الشراة، عن طبيعة أدب الشراة، الذي كان أبو مسلم يستلهمه ويسترشد به يقول الدكتور إحسان عباس: «وإنَّ الدارس لأدب الشراة في كل عصوره، ولاسيما في عصره الذهبي منتصف القرن الأول والقرن الثاني الهجريين، يلاحظ ولا شك ما يتميز به ذلك الأدب من نزعة صوفية
-56 - (1/58)
صفحة 59
زاهدة، تنظر إلى الدنيا وما فيها من لذات عَلَى أَنها عرض زائل ومتاع باطل، خليق بالاحتقار والازدراء، وهي ترنو إلى حياة أخلد، ولذة أبقى، وعالم أمثل ... » (ص: 31)).
ويقول الدكتور محمد ناصر عن الشراة: «هذه الروح الإيمانية المنتفضة التي تغيش للإسلام وحده لا لغيره، وتدعو إلى الاحتكام إلى القرآن وحده دون سواه، هي روح ودعوة الشعراء الشراة، وهذا معلم بارز في شعرهم، على نهجه سار أبو مسلم فإنَّ آباءه الذين يفتخر بهم هم رجال تزينوا بالإيمان وتحملوا بالتقوى وشرفوا بالإسلام» (ص: 30).
قال أبو مسلم
رجال سعوا الله سعيا مباركا فما قطعتهم عن رضاه القواطع أنا بوا إلى الله اتباع سبيله فما صدعتهم في السبيل الصوادع فما جمعوا ما فرق الله جمعه ولا فرقوا في الدين ما الله جامع أولئك أهل الحقِّ ما ضل مقتف هداهم، ولا يغوي عليهم متابع أولئك أهل الفهم ما جار فهمهم عن الله ما يقضي وما هو شارع أولئك أهل الخير أما حياتهم فغنم، وأما ذكرهم فذرائع أولئك أهل الفضل حتى ولو فنوا لهم بركات في الدنى ومنافع أولئك أشياخي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
(00:00)
ينظر، د. إحسان عباس الخطابة في عصرها الذهبي، ص: 166.
-57 -
-1 (1/59)
صفحة 60
نتائج الدراسة:
من النتائج المهمة التي توصل إليها الدكتور في ختام دراسته القيمة الجادة
لمركزة ما يأتي:
1 - إنَّ الشاعر أبا مسلم شاعر إسلامي: ثباتا في العقيدة، وأصالة في التعبير، ونبالة ووضوحا في الأهداف.
2 - سخر شعره للدعوة إلى مبادئ الإسلام الصحيحة وللإرشاد بالقيم
والأخلاق.
3 - اتخذ الشعر أداة دعوة إلى الله، وأداة دعاء وابتهال للسمو النفسي وتطهير النفس من الذنوب وأوضار الدنيا، وقد استحوذ الابتهال على ما كتبه
شعرا.
عالج كُلَّ الموضوعات التي عرفتها بيئته، وعرفت في زمانه، سواء ما كان
منها ذا طابع ذاتي أو ما كان منها ذا طابع غيري.
5 - يمتلك موهبة شعرية معتبرة، لهذا جاءت صياغته مقبولة: فكرًا وفنا .. فهو يملك لغة قوية، تغترف من القرآن الكريم والأدب العربي والثقافة الإسلامية بعامة: لهذه الأسباب جميعا نستطيع القول - مطمئنين - إنَّ الشاعر أبا مسلم كان شاعراً إسلاميا في رؤيته، وفي موقفه وفي لغته وفي آدابه، وَهُوَ بذلك يحق له أن يسمى حسان عثمان، كما يطلق على نفسه بدون منازع» (ص: 196).
قال أبو مسلم عن نت
نفسه
لا يصدق الدين إلا من ينصحه ولا يتم بغير النصح إيمان
-58 - (1/60)
صفحة 61
تلكم وصية حسان لكم ثبتت فإنَّني اليوم للإسلام حسان
* ملاحظات:
نسجل في هَذِهِ الصفحات، وفي ختام هذا العرض، بعض الملاحظات التي
نراها ضرورية، والتي تلقي بعض الضوء على دراسة الدكتور:
1 - اعتذر الدكتور محمد ناصر على الاختصار في دراسته لشعر أبي مسلم؛ وهو يراها فقط مدخلاً للولوج إلى العالم الشعري للشاعر، وهي ليست سوى إسهام في وضع أسس في سبيل خطة أكثر إحكاما ودقة لدراسة شعر الرجل. وما هي إلا واضعة لمفاتيح في طريق هذه الدراسة المرتقبة منه أو من غيره، لهذا اكتفى ببعض النماذج في الاستشهاد على ظاهرة أو في تحليل موقف أو تسجيل خاصية، ذلك فإنَّ الدراسة اتسمت بالعمق والجدة والجدية.
2 - نبهت الدراسة إلى ضرورة إعادة النظر في بعض الأحكام التي أطلقت على
شعر أبي مسلم، وإعادة دراسة شعره للتعمق فيه، حتى يحل المحل اللائق به. 3 - حرص الدكتور على البقاء مرتبطا ومحافظا على الخط الذي رسمه لنفسه ووضعه لدراسته، وَهُوَ إظهار إسلامية شعر أبي مسلم؛ لهذا كان في كُلِّ مرة ينبه القارئ إلى المنطلق الذي ينطلق منه الشاعر في تعبيره وتصويره، ويعيد تذكيره بذلك حين يسجل النتيجة بعد تحليل أثر شعري أو موقف، ويحمل المتلقي على أن يتأمل جيدًا في هذا المنهج، الذي اختطه أبو مسلم، ويعي من ثمة الرسالة التي كان يحملها بشعره، ويدعوه – أي القارئ - كي يعرف ماذا يجب على الأديب المسلم أن يمارسه، أو كيف يمارسه بأدبه، وكيف يتعامل الباحث المسلم مع نصوص من هذا
-
- 59 - (1/61)
صفحة 62
القبيل. فلو قمنا بإحصاء بعض الكلمات والعبارات والأفكار التي وردت في دراسة الدكتور، والتي تكشف عن هذا المنهج - وَهُوَ مقصود من الدكتور ـــ لخرجنا يجدول يسجل تكرارها عشرات المرات.
هذه لفتة مهمة وتوجيه مقصود لبعث الدراسات الأدبية برؤية إسلامية
خالصة.
يريد الباحث أن يقرر حقيقة حتى يستقر في قرارة نفوسنا أنَّ للشاعر رؤية
متميزة متفردة.
في نظري، تُعدَّ هَذِهِ الدراسة تحولاً في دراسات الدكتور تختلف عن التي كان قدمها عن بعض الشخصيات الأدبية. هَذِهِ الدراسة تدرجه ضمن المشتغلين بالأدب الإسلامي. فبعد أن قدم - نظريا - مجموعة من الآراء في الأدب الإسلامي في مؤلفاته، اتجه إلى الجانب التطبيقي، فعرض نماذج من الآثار الأدبية لمجموعة من الأدباء ممن يتمتعون بالرؤية والموقف الإسلاميين، وقد درس بهذه الطريقة
مجموعة من الشعراء العمانيين بخاصة، منهم أبو مسلم الرواحي.
- إِنَّ هَذَا النوع من الدراسات تنبه إلى ضرورة توخي الموضوعية في الدراسات الأدبية، وإحلال الأديب محله اللائق به مراعاة ظروفه التي ترعرع فيها، والبيئة لتي درج فيها والوسائل التي توفرت لديه، والثقافة التي ثقفها، والتي يصدر عنها؛ استجابة وانسجاما مع المبادئ التي تحكم البيئة والجهة التي ينتمي إليها، والأهداف التي يصبو إلى تحقيقها والرسالة التي تناط بالشعر.
وبذلك نقف أمام الانحرافات الخطيرة التي وقعت وما تزال تقع في الدراسات النقدية التي تجري وراء التقليعات المتجدّدة الكثيرة، وتلهث وراء الحداثة الموغلة في
-60 - (1/62)
صفحة 63
الحداثة
بسبب
التطرف، وفي مناقشة الآثار الأدبية ومعالجتها ونقدها بطريقة تسيء إليها وتححفها حقها، وتفرغها من قيمتها لمجرد أنها لا تتماشى أو لا تستجيب لميول أصحابها الحداثيين، أو إنَّ هَذِهِ النفوس لا تقوى عَلَى مسايرة طبيعة هذه الآثار وإدراك مضامينها ووعي رسالتها، ومن ثم يكون الجري وراء الحداثة وما بعد ا ذلك، وبدافع من ذلك، أو لغرض تحقيق أهداف أخرى خاصة، يكون من أكبر العوائق على إيجاد انسجام وتواصل بين حلقات أدب أُمة ما، وبخاصة الأمة الإسلامية، فيكون الغلو والتطرف في الدراسات الفنية الخالصة والمنهجية المفرطة، وتوظيف البنيوية الغالية ... من أسباب تجريد الأدب من قيمته ومكانته ورسالته الدينية والاجتماعية والثقافية والنفسية.
وكأني ـ من خلال هذه الدراسة وملاحظات الدكتور ـــ نعيد من جديد عرض قضية اللفظ والمعنى، التي ما تزال تعرض، وإن بإشكال مختلفة وبأسماء وعناوين متعددة.
هذه الدراسة تنبه بطريقة غير مباشرة إلى هذا الانحراف، وتبين الطريق الأسلم، الذي ينبغي سلوكه في الدراسات الأدبية، بخاصة التي لها علاقة بالأمة العربية الإسلامية. 7 - أشارت الدراسة - بطريق غير مباشر ـــ إلى إفلاس التيارات المستوردة
الهدامة والمناهج الحديثة المتطرفة في دراسة الأدب الرسالي. 8 - في هذه الدراسة كشف عن جانب من حياة ة العمانيين وظروفهم السياسية والاجتماعية ...
و - سجلت الدراسة تأثر المدرسة الإباضية أو العمانية بالخط الغزالي في
التصوف.
-61 - (1/63)
صفحة 64
10 - في الدراسة عتاب رقيق ولطيف للعمانيين على تقصيرهم في حق أدبهم
وأدبائهم.
1 - نلحظ شدَّة حنين أبي مسلم إلى عُمان، والافتخار به وبتاريخه، والاهتمام به ومنه وقضاياه ومعالجته مسائله؛ رغم أنه لم يعش فيه إلا قليلاً، ما تفسير ذلك ولماذا يكتب عن عثمان وينشغل به ويحاول حل مشاكله ولا يقيم فيه؟ ما سبب ذلك أو ما تفسير ذلك؟
12 - نلحظ أن ما كتبه عن زنجبار قليل بالقياس إلى ما كتبه. عمان، لماذا؟
عن
13 - هناك مجال كبير للدراسة الفنية والموضوعية في شعر حسان عثمان، والدراسة اللغوية والنفسية والاجتماعية. وما يمكن التركيز عليه في الدراسات للمستقبلية: المعجم الشعري عنده الوطنية في شعره، الغربة والهجرة وأثرهما في نفسه، كيف عبر عنهما، وما هي دلالاتهما عنده. مفاتيح شخصيته، المقال عنده. وقفة مع قصيدتيه: «الفتح والرضوان» و «النهروانية» ...
14 - هذه الدراسة القيمة عرفت بجانب من جوانب الحياة الأدبية في عمان، وقدمت إحدى المحاولات الجادة في نهضة الأدب العربي الحديث. وبينت المنهج الذي يجب سلوكه في دراسة الأدب الإسلامي. جزى الله الدكتور كُلَّ خير، ووفقه في أبحاثه ودراساته ومشروعاته. إنه سميع مجيب.
62 - (1/64)
صفحة 65
الملاحى
63 - (1/65)
صفحة 66
-1
الملحق رقم:
فرع الحياة المقدسة (1)
الله حي لا يزال ولم يزل في ذاته وبذاته ولذاته لا شيء غير الله حي كالن بالذات قام له وجود حياته وحقائق الأسماء في اسم الحي إذ هو أول الأسماء في مرقاته رجعت إليه عين كل حقيقة من بعد جامع اسمه وصفاته ومن المحال وجود ذات حقيقة لاسم وغير الحي أصل ثابته والحي من تحب الحياة لذاته للذات ليس لخارج عن ذاته والحي من ليست حياة عينه كلا ولا هي بعض غير حياته الله حى لا بمعنى زائد فيه قديم غير نفي مماته يكفي وجوب حياته للذات عن فرز الحياة مسببا لثباته حيا وجوبا لا لموجب عارض فيكون مفتقرا المفتقراته حيا وجوبا لا لكون حياته سيا أقام له وجود حياته هذا وقوع الشيء علة ذاته ومن المحال الشيء علة ذاته ليس اعتدالاً في المزاج ولا قوى حس كجنس حياة مبتدعاته
ديوان أبي مسلم البهلاني القسم الأول، تحقيق علي النجدي ناصف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، سنة 1405 هـ 1984 م، ص: 270.
- 64 - (1/66)
صفحة 67
الذات كاف صحة ا
اسـ
الواجب الحق القديم يُجَلُ
دون الوسيطة من قديم صفاته
عن إيجاب واسطة خصوصياته
تجب الصفات له وليست غيره وثبوتها في نفي سلبياته وتجاذب الأسماء موجوداتها لحقيقة اسم الحي جمع شتاته للحي هيمنة على الأسماء من حيث الظهور وبحد قيوماته وعلى كمالات الحياة توقفت آثار كُل اسم مأثوراته وظهور كل اسم بنور خصه فشعاعه الوقاد من مشكاته " وظهور كل اسم بقوة فعله للحي سلطان على قواته
برزت ظهورات الصفات وكلها ممدوة من ماء عين حياته (2)
-1
- 2
المشكاة: كوة في الحائط غير نافذة يوضع فيها المصباح. جمع ظهور على ظهورات غير مقبول. رجاء في هامش الصفحة: هذا غاية ما عثرنا عليه من هَذَا الفرع، وَهُوَ ـ كما تراه ــ غير تمام. فيا للأسف».
وجاء بعده.
المصدر السابق، ص: 277. (1/67)
صفحة 68
-1
وقال في الذات الإلهية داعيًا متوسلا (1)
إلهي لاسمك الأعلى العلاء له التسبيح مني والثناء أقمت لعزّ وجهك ذل نفسي فأفن النفس فيك لك البقاء إليك يسوقها شوق ملح وأصوات الصفات لها حداء أجشمها العزائم وهي نضو و تحت عزائم النفس العلاء) أجردها من الأهواء حتى يباشرها بمنتك الصفاء أمزق باسمك الأعلى صفاتي وألبس من صفاتك ما أشاء أبيت سوى جلالك لي جلالاً وليس كنور وجهك لي سناء أنص إليك بالإخلاص سيري تساوى الخوف عندي والرجاء) أمني النفس من لقياك خيراً فهل لسعادتي ذاك اللقاء إلهي بلغتي ليست بزاد وفيك لِكُلِّ ذي أمل كفاء" أقوم بما أقوم به ولكن حقيقة ما أقوم به خلاء أما وجلال وجهك ليس إلا مجرد فضلك العمل الوفاء أمنت بنور وجهك في طريق وإلا فالضلالة والشقاء
التزم في هاتين القصيدتين الهمزة والباء، صدر كل بيت وعجزه منهما، ويشعر بقصده هذا نظم حروف الهجاء على هذا الوضع فحيل بينه وبين قصده، ويقصد بالقصيدتين
هذا القصيدة والتي تليها.
- 2
- 3
-4
النضر: المهزول المجهد.
نص السير: بلغ به الغاية من الإسراع. البلغة: ما يكفي لسد الحاجة ولا يفضل منها.
-66 - (1/68)
صفحة 69
أسأت صناعتي والسوء طبعي وأنت من الأساءة لي براء أسير تحت بابك بالخطايا وعدلك في الحقيقة لي جزاء أشد مصائبي ذنبي ولكن برحمتك التأسي والعزاء أقل عثرتي واغفر ذنوبي فإنَّ الله يغفر ما يشاء أتطردني وقد حققت توبي وأنت البر عادتك الوفاء إذا أخلصت إيماني وتوبي إليك فما بقي إلا الرضاء أقمت لي الدليل عليك حتى تجلى الأمر وانكشف الغطاء إلهي كنت كنزا في خفاء. فحين فطرتنا برح الخفاء أحق الاعتراف بأن عبداً إذا عرف استقام له الولاء أعرفان ومعصية وجهل معاذ الله ذاك هو البلاء أقم لي عصمة واحفظ سلوكي فإن الحق عصمته وقاء أما وجلال وجهك لن تراني سليما حين يسلمني القضاء أأشقى سيدي والذكر كسبي وأنفاسي التبتل والدعاء أحزني نظرة في الحال والطف به أنت اللطيف بما تشاء أجب بمحمد كلمات ذكري وصل عليه ما نشر الثناء
بقي: سكن باء «بقي» ليستقيم الوزن.
-67 -
-1 (1/69)
صفحة 70
الملحق رقم 2
کتاب ورد من زنجبار
من أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي إلى إمام المسلمين بعمان
سالم بن راشد بن سالم الخروصي أعزه الله (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على رسولك سيدنا محمد أنفع عبادك لعبادك، من كاتبه العبد المذنب المفتقر إلى رحمة ربه وعونه أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، إلى جناب إمام المسلمين وأمير المؤمنين وعصمة المهتدين وخليفة رَبِّ العالمين، العبد الصالح القائم بأمر الله سالم بن راشد بن سليمان الخروصي المعتصم
(2)
بربه، المتوكل عليه، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، الناهض النهضة الصادقة في دعوة أهل الاستقامة الداعي إلى الله ورسوله المجاهد لأعداء الله، أيدك الله ونصرك، وسددك وثبت فيه قدمك، وأعلى حجتك، وأنفذ أمرك، وقوى
-1
-2
كتاب: أبو مسلم الرواحي حسان عمان، ص 198. من أشهر أئمة الهدى والعمل الصالح بعمان، كانت إمامته ما بين عامي (1232 -
1238 هـ).
-68 - (1/70)
صفحة 71
شوكتك، وعظم سطوتك، وقصم ظهور أعداء الله بدولتك، وقطع دابر الظالمين بقهرك، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى من قبلك من إخواننا السادة المسلمين، وَعَلَى أعوانك وأنصارك والقائمين بأمر الله معك، والذابين عن حرمات الله تحت إمامتك، والمجتهدين المجاهدين في حق الله حق جهاده بأنفسهم وأموالهم.
أيُّهَا العبد الصالح، إنَّ الله نظر نظرة في عباده، فرآك للوقت أصلبهم عودا، وأتقاهم قلباً، وأنفذهم بصيرة، وأزكاهم نفساً، وأوفاهم ميزانا وأعظمهم صبرا، وأشدّهم شكيمة، وأنفذهم عزيمة، وأزهدهم في الدنيا، وأرغبهم في العقبى)، ولا يصلح للخلافة الكبرى إلا من كانت هَذِهِ الصفات صفاته، والله السياسة الكاملة، والخيرة التامة، والتربية الزاكية، يختار لعباده ما فيه الخير لهم، وإذا اختارك لحمل هَذِهِ الأمانة العظيمة فولاك قسماً. بلاده، وحكمك على طائفة. من عباده، فقف الله حيث أنت، يكن لك في عونه وتسديده وتوفيقه حيث هو، إنَّ الله لم يورثك سلطانا وملكا دنيويا، ولكن قلدك سلطانا نزل به جبرائيل عليه السلام من فوق سبع سماوات، أنت مسؤول عنه يوم الفزع الأكبر، عن مثقال ذرة وأقل منه، فقدم للسؤال جوابا في الحركات والسكنات .............
-1
- 2
- 3
-4
من
.... عما يوجبه العدل ولا يتسلط الإنصاف على الطالح بأكثر مما قدره
شوكتك الشوكة: السلاح.
يقال: فلان نافذ البصيرة: أي صائب الرأي.
العقبى الدار الآخرة.
هنا خرم في الأصل بقدر ستة أسطر، وقد يمنّ الله علينا بالعثور على نسخة أخرى
للمقابلة والاستدراك.
-69 - (1/71)
صفحة 72
القسط، إنَّك أصبحت أمين الله عَلَى ميزان الحنيفية الطاهرة، ليس لك من الأمر فوق ما يوازن معيار هذا الميزان ولا، دونه فاجعل مركز قدميك على مركز قدم
نبيك، وأقدام الخلفاء الراشدين من أمتك في الدين، فإنَّ المحجة واضحة المعالم، قائمة، والسنة نيرة، وسير أهل الاستقامة في الأنفس والأمول وجهاد البغاة والمشركين غير طامسة الصوى، ولا هي مؤسسة عَلَى الهوى، إِنَّ الله قد أوجب على المكلفين من أهل مصرك () طاعتك، والانقياد لأمرك ونهيك، فأوجب عليهم حقا ظاهره لك وباطنه الله، وليس لك من الأمر شيء، إنَّما أنت [حافظ] الحجة وسيف الحد، تأمر بما أمر به، وتنهى عما نهى، فأوجب على نفسك شرطة الله
(9
والشقاق وغلب على أغلبها الجهل والنفاق، قصرت أنظار أكثرهم عن الخطر الداهم من العدوّ المحيط بهم، فضلاً عن واجب الله عليهم في القيام بالقسط، وإنفاذ الحقوق وإقامة الحدود واستثار العدل وسلوك السنة، فتهار شوا) في الظلم، وتحالفوا في الجور، وتهافتوا في الفتنة، واتفقوا على أن لا يتفقوا، وَإِنَّا اللَّهُ وَإِنَّا إليه راجعون.
أيها العبد الصالح، إني لا أسددك عن عوج، ولا أقومك عن زيغ، ولا
-1
- 2
- 3
-4
-5
- 6
المحجة الطريق.
الصوى علامات الطريق، أي غير خافية المعالم.
مصرك بلدك.
خرم في الأصل بقدر سبعة أسطر.
تهارشوا تنازعوا وتشاجروا.
هكذا في الأصل وقد سقط حرف «لا» وَهُوَ سهو واضح.
-70 - (1/72)
صفحة 73
أنبهك عن: غفلة، ولكنها نصيحة مسلم على أخيه مفترض أداؤها، متعين إخلاصها، اعط السياسة حقها الديني في تربية هذه الأمة، بأن تتجاوز عن مسيئهم إلا في حق حتى يؤدى، ولا في حد حتى يقام، فاحتمل الكريهة حيث يكون الاحتمال مرضاة الله، وارحم الضعيف كما ترحم نفسك، ولا تؤخر حدا عن وقته، ولا حقا عن أجله، وكن على القوي حتى تأخذ الحق منه، ومع الضعيف حتى تأخذ الحق له، إنَّ صلاح الملكة في الرفق بالرعية وأخذ الحق منها بغير عنف، والتودد إليها بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم، وصلاح الملك بوزراء الحاكم إذا صلحوا صلح، ولا يثير الفتنة إلا ضغائن تظهرها جراءة عامة واستخفاف خاصة، وانبساط الألسن بضغائن القلوب، واشفاق مؤسر وأمن معسر، وغفلة مرزوق، ويقظة محروم، ولا يسكن الفتنة إلا أخذ العدة إلا للمخوف، وإيثار الحد حين يلتذ الهزل، والعمل بالحزم وادراع الصبر والرضا بالقضاء، إنك لن تنال من هَذِهِ الأُمة خير العامة وصرفهم عما أشربت به قلوبهم من الآفات النفسانية والقاذورات الشيطانية حتى تشربهم محبتك، وتشعرهم هيبتك، ولا سبيل لك إلى ذلك إلا بخمس وسائل إكرام شريفها، ورحمة ضعيفها، وإغاثة لهيفها، وكف عدوان عدوها، وتأمين سبيل رواحها وغدوها، واعلم أنَّك تحقدها بقدر ما تفقدها من هذه الخصال.
أيها العبد الصالح العدل العدل! قال: «زين الله السماء بثلاثة: الشمس والقمر والكواكب، وزين الأرض بثلاثة: العلماء والمطر والسلطان العادل»، وما لم يغل السلطان ملكه بإنصاف الرعية خرب ملكه بعصيان الرعية؛
-1
في هذه الفقرة يتبين بجلاء عمق فكر أبي مسلم وبعد نظره السياسي والاجتماعي.
- 71 - (1/73)
صفحة 74
وأوفى الخير الدين، وأقوى العدد العدل لا عليك من فساد النيات وخبث الضمائر، إذا حكمت بالعدل لا بالهوى، وفصحت عن الأعمال لا عن السرائر، ولا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان، والعدل حصن وثيق في رأس منيف لا يحطمه
سيل، ولا يهدمه منجنيق، والعدل ميزان الله والجوز مكيال الشيطان.
رحم الله أمير المؤمنين عمر كان يعدل في رعيته ويجور في نفسه، ويطعمهم الطيب وياكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن، ويعطيهم الحق ويزيدهم ويمنع ولده وأهله، أعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم ثُمَّ زاده ألفا فقيل له: «ألا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هَذَا؟» فقال: «إن هَذَا ثبت أبوه يوم أحد، وإنَّ عبد الله فرابوه ولم يثبت».
أوفد سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله البجلي إلى عمر بالمدينة فقال له عمر: كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم كقداح الجعبة منها الأعصل الطائش،
ومنها القائم الرائش. قال: فكيف سعد لهم؟ قال هو ثقافها الذي يقيم أودها ويعمر أصلها، قال: فكيف طاعتهم؟ قال: يصلُّون الصلاة لأوقاتها، ويؤدون الطاعة إلى ولاتها، قال: الله أكبر، إذا أقيمت الصلاة أديت الزكاة، وإذا كانت الطاعة
كانت الجماعة».
أيها العبد الصالح، إنَّ قلوب رعيتك هي خزائنك، فما أودعته فيها وجدته، وإنك ورعيتك متلازمان إن صلح أحدكما صلح الآخر، وظلم الرعية استجلاب للبلية، وإنك لا تزيل أحقادها إذا اسمارت مثل الرفق، ولا تكشف لك
-1
- 2
الأعصل الطائش: الأعصل هو السهم الشديد.
أي: هو الذي يقيم إعوجاجها.
- 72 - (1/74)
صفحة 75
عن سوء غيبته ضمائرها بمثل الخرق في السياسة، وهب أنَّها ثمارًا محتناة وذخائر مقتناة وسيوفا منتضاة وأحراسًا، مرتضاة، فإنَّ لها نفارا كنفار الوحوش، وطغيانا كطغيان السيول، ومتى قدرت على أن تقول قدرت على أن تصول، وإنما أيديها تبع لألسنتها، فلن تملك ألسنتها حتى تملك جسومها، ولن تملك جسومها حتى تملك قلوبها، ولا واسطة للاستيلاء على القلوب إلا المساواة بالعدل على الخاص والعام، وتخفيف المؤن والكلف والإعفاء من رفع الأوضاع والأراذل، على أعناق الأشراف والأماثل، وهذه الثلاثة تحقد عليك علية الرعية وتطمع الأوباش في الرتب السنية.
أيها العبد الصالح، إنَّ رعيتك ثلاثة أصناف، صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرياسة والسياسة، يعلمون فضل فضيلتك وعظيم عنانك، ويرثون لك من ثقل أعبائك فهؤلاء نصحك فاستبق مودتهم يبشر اللقاء، واستجلب نصائحهم بحسن الإصغاء، وصنف فيه خير وشر ظاهران فاستصلحهم بالترغيب والترهيب، وصنف سفلة رعاع أتباع لِكُلِّ داع لا يمتحنون في أقوالهم وأعمالهم بنقد ولا يرجعون في لموالاة إلى عقد، فترك معاقبتهم على صغار الجرائم مدعاة لهم إلى ارتكاب العظائم، فإنَّ أَوَّل كلمة المرء كلمة سوء سومحت بها، وأَوَّلُ حوان حيدة سوعدت عليها، وإنَّ مثار الفتنة أثرة تضغن الخاصة، وإفراط حلم يجرى العامة، والمحمد لها عمل بسيط وَهُوَ استقالة العثرة في أولها، وعمل عظيم من فحول الأعمال في آخرها، وَهُوَ الصبر.
-1
أيها العبد الصالح، إنك في سلطانك الديني بين بحرين عظيمين مخطرين
هكذا وردت في الأصل، ولعلها حران الدابة.
- 73 - (1/75)
صفحة 76
أحدهما: وَهُوَ أعظمها وَهُوَ بحر الشريعة، فلست والله ناجيا في غمرات هذا البحر حتى تكون سفينتك فيه السيرة المحمديَّة فتبصر في هذا البحر العميق تبصر يقظ
حذر، وليكن سيرك فيه مهتديا السنة السنية، وتوخ الطريق التي سلكها وسلكها خلفاؤه على أمته وأمناؤه على ملته فاسلكها، ومواقع أقدامه وأقدام الخلفاء المهتدين من بعده لم تعفيها السنون، وإن هبت عليها ريح البدع وحرفتها سيول الفتن، ول على أحكام من تولى نفسه، ولدولتك نصحاء في الدين تحريا للعدل ووقوفا على حد القسط وثباتا على مخالفة الهوى، ورد أحكام حكامك إلى من هو أرفع درجة منهم في العلم وأقوى ممارسة للأحكام والأنفذ بصيرة في المشاكل، وإذا رجع الأمر إليك في قضية فشاور فيه علماء وفقهاء المذهب، وناهيك
انَّ الله أمر نبيه بمشاورة أصحابه وَهُوَ المصطفى المعصوم، والمختار الموفق والوحي ينزل عليه، وكتابه القرآن فيه علم ما كان وما يكون، فأمره. مشاورة ذوي البصائر من الصحابة ليس الحمود بصيرته ولا من مره درايته ولا لركة رأيه، ولكن علم الله أنَّ كُلِّ صدر فيه رأي، وربما وقع لغيره من صواب الرأي موهبة من الله سبحانه ما لم يتفق البشريته، وحسبك بقضية أسارى بدر وما وهب الله لغيره من وقوع البصيرة على رأي يطابق الحادثة لا ينقص من مقدار مقامه، والمقامه له الدرجة العليا، وله الفضل عَلَى كُلِّ من عرف الله ومن لم يعرفه، فإن قدر الله انتفاعا من رأي غيره فلا يعتبر ذلك الغير له فضل عليه:
ا مره من باب، فرح معناه فسد، ويقال: رجل مره الفؤاد: سقيم الرأي (القاموس) مادة: مرة.
-74 - (1/76)
صفحة 77
كالبحر يمطره السحاب وماله من عليه لأنه من ماته وقد شبعنا الكلام على هذا المقام في كتابنا السياسة بالإيمان، فارجع إليه وها هو موجه إليك كنا الفنا الكتاب عَلَى هَذهِ الوتيرة كما تراه قبل أن يمن الله علينا بظهور دولتك المؤيدة بمشورة وطلب من أعزّ الأصحاب وأحب الأحباب الشيخ سليمان بن سيف اليعربي، فمن الله تمامه، وعلى أثر إتمامه بأيام جاءتنا البشائر ببزوغ شمس الحق، فكان الواقع هو عين موضوع الكتاب، ولم يتيسر لنا إرساله قبل الأوان الحاضر، وما ذلك إلا لأنَّ بعض الأصحاب ممن نثق به وعدنا بطبعه على نفقته ولرغبتنا الأكيدة في نشره بأقطارنا العمانية، وثقتنا بالوعد الذي أصبح سرابا بقيعة، وهكذا تذهب أموال مذهبنا في غير طائل، وأصعب الأشياء عليهم إنفاقها فيما تعود مصلحته على أهل الدعوة، لا جرم الكتاب أرسلناه إليك وهُوَ عين المسودة التي هي بخط يدي، وعسى الله يمن علينا بتوسيع الدولة وقرار الأمور على قواعدها فتتمكنوا إن شاء الله من اتخاذ مطبعة لبيت مال المسلمين تنشر فيه كتب المذهب والنشرات العربية الدينية، وذلك يسهل عليكم إن شاء الله بمخابرة الشيخ الشماخي)، أيده الله في مصر، وأحتك سيدي على فتح المدارس العلمية في بلادك وحث أهل الخير على التبرعات في سبيل هذا المشروع العظيم،
-1
يشير إلى كتاب له تحت عنوان: السياسة (بالإيمان ولم نره مطبوعا، ولم نسمع عنه مخطوطا، وَلَعَلَّ الأيام ستكشف عن هذا الكنز الثمين، إلا إن كان القصد هنا الكتاب (الرسالة أو الجواب).
2 - لَعَلَّهُ قاسم بن سعيد الشماخي، مؤلّف كتاب: القول المتين في الرد على المخالفين)، وكان يعيش في تلك الفترة بـ: (القاهرة) وَهُوَ معدود من رجال الفكر الإباضي
معروف بنشاطه، وله مؤلفات.
-75 - (1/77)
صفحة 78
فإنَّ مصرك عمان لم يسقط هَذِهِ السقطة العظيمة إلا من جهة الجهل، والجهل أم للمصائب في الدين والدنيا، وبودي لو ساعدني العلماء هناك على الرأي الذي أراه، وَهُوَ جواز جبر الأولاد على التعلم، وهي لعمري مصلحة عظيمة في الأمة، ثُمَّ تجعل نفقة الفقراء منهم على بيت المال، ونفقة أبناء الأغنياء على آبائهم، وهي طريقة سياسية دينية تدل لها أصول من الكتاب والسنة، وبقاؤكم على تعليم الجهلة على اختيار الآباء لأبنائهم مضر جدا بالأمة لا يتقدَّم بها شبرا عن مركزها في الجمود، ولو تركت الأمم الراقية على جمودها في الظلمة والجهل و لم يزعها وازع قسري من جهة الحكومات لما بلغت مبلغها من التقدّم في العصرية، وأحق ما يكون بالإيزاغ والقسر هي العلوم الإسلامية التي تخرج بها الأمة من الظلمة إلى النور ومن الرذالة والنقص إلى الفضيلة والكمال.
فاجهد جهدك مولاي في هَذِهِ الخطة، واجمع خيار المسلمين وعلماءهم وزعماء القرى والبلاد وألزمهم بالنهضة العلمية، وأقم لهم الخطباء في الجمع والمحافل والمجتمعات يحتوهم عَلَى هَذِهِ النهضة ويبصروهم بسوء المغبة في البقاء عَلَى هَذِهِ الحالة الراهنة، وبحسن العاقبة والتقدّم إذا تنوّرت هَذِهِ الأُمة بالمعارف الدينية والعلوم الإسلامية ويكشفوا عن وجه رداءة الجهل، وأَنَّهُ هو الداء الوحيد والسبب الأصيل للتوحش وشرارة التقاطع والعداوات والضغائن إلى غير ذلك مِمَّا تقع فيه الأمم الجاهلية من الشرور والسقوط وموت الأمم موتاً أديا ودينيا، وذلك ما لا يختلف
-1
المطبعة، التعليم المتطوّر، اعتمادًا على تبرعات المحسنين، وإجبارية التعليم، آراء نيرة سبق بها الشيخ ناصر بن سالم. زمنه وهذه عينة بسيطة عن قدراته العقلية والفكرية في بحالي الإصلاح والسياسة.
- 76 - (1/78)
صفحة 79
فيه اثنان ومشاهد بالعيان.
ولتعلم سيدنا أنَّ هَذِهِ النهضة لا تتمكن من الشكل شكلاً حسيا إلا بالصرامة
التامة منك، إذ مرجع الأمر إليك.
عمر
أما البحر الثاني فهو بحر السياسة، أنت تعلم أنَّ من لا يسوس الملك يترعه ودونك من السياسة النبوية المحمدية بحر لا ينزف وكنز لا يفنى فأنفق منه في تدبير دينك ودنياك وأمر سلطانك تجد الكفاية وفوق الكفاية، ولقد سئل أمير المؤمنين ر من أين تعلمت السياسة فأجاب سائله من جمال الخطاب التي كنت أرعاها في شعاب مكة، والله أعلم حيث يجعل رسالته وحيث يجعل سياسة عباده؟» لقد ساس عمر هَذِهِ الأُمة سياسة أتعب فيها من بعده من ساسة الأمة، وتاريخ سيرته كافل طافح بذلك، ومع هذا فما أحوجك أن ترمي كل حادثة بحجرها، وتداوي كل جرح مرهمه، ومعك بحمد الله من رجال الحنكة والتجارب والسياسة وذوي الأصالة في الرأي من لا يؤلوك جهدًا في المناصحة ومن لا تقصر به البصيرة دون إدراك الحقيقة، والحقائق لا تفوت البصائر مع إمعان النظر واستثبات الأمور ومحض الرأي.
ومن كلام سيدنا عبد الله بن وهب الراسبي ذي الثفنات – رَضِيَ اللهُ عَنهُ -: حمير الرأي خير من فطيره»، ثُمَّ إنَّ الحقائق التي يشتغل الفكر فيها إلى حد إصابة الرأي فيها قسمان: قسم محذور، وقسم مطلوب، فاستعن بالمحذور وبالاحتياط والتحفظ والحزم والتيقظ وكتمان السر إلا عن خاصة أمرك ووزراء تدبير
ا ترع منع وثنى، يقال: تَرَعَه عن وجهه. بهه: منعه. ولعله يقصد من لا يحسن
سياسة الملك يمنعه
-77 - (1/79)
صفحة 80
سلطانك، واستعن على القسم المطلوب بالصبر والثبات والعزيمة والتثبيت وعدم التسرع فيما يفتقر إلى الأناة والتؤدة وعدم التكاسل والتناقل والتثبط فيما تعوزه
المبادرة والعجل.
هذه فذلكه أهديها لك تذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين، أكتبها وأنا أعلم أنك فوق ما أدعوك إليه، وأذكرك بها دراية ورواية وسياسة وإيمانا ورغبا فيما عند الله ورهبا من عقابه وفرارًا مِمَّا يلهيك عنه، فثبتك الله عَلَى ما أنت عليه، وزادك سلطانا في الذب عن حرماته والجهاد في سبيله، وقطع دابر أعدائه، وجزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله أنت ومن ناصرك ووازرك وقام بأمر الله معك، ويا ليتني كنت معكم فأفوز فوزا عظيما، ولكن الله في خليقته شتون ـ ولولا ما قضاه الله علي من وقوعي في حبائل الديون التي لا مخرج لي منها إلا بعون الله ونعمته، وَعَلَى كل حال فأسألك الدعاء الصالح بتعجيل الفرج، وأنا أعلم أنك من الله بمكان ــ لكنتُ بمشيئة الله معك في المكره والمنشط حتى يقضي الله بإحدى الحسنيين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سيدي، هذه قصيدة موجهة إليك وضعتها وقصدت بها الدعوة إلى الله وكان القصد طبعها لتنشر في الأقطار العمانية بكثرة، إلا أنَّ المقادير حالت بيننا وبين طبعها لأن محسوبكم العبد العاجز أصبح بين ماضغي الأسد ممقوتا مع ...... السبب ولائي لكم وميلي إليكم وتعلقي بأسبابكم، وزاد في الحلقة ليا ما كتبناه في
-1
-2
كذا في الأصل، والصواب: «شؤون».
الإشارة هنا إلى قصيدته المشهورة الفتح والرضوان) (المعروفة بالنونية. وهي دعوة
حارة للعمانيين لمؤازرة الإمام سالم بن راشد.
- 78 - (1/80)
صفحة 81
جريدة الأهرام إحدى.
..
المصرية بواسطة الشيخ الشماخي من نشر دعوة
للمسلمين لما قامت دولتكم المؤيدة فكان ذلك داعيا إلى امتناعنا عن بيت الحكومة وقطع جميع الأسباب التي يترتب عليها الضرورات الحيوية وبحمد الله اعترفنا بأنَّها نعمة من الله أنعم بها علينا، وما عند الله خير وأبقى وبقية ما معنا خذوه من لسان خادمكم فيروز سريح السيد فيصل بن حمود، ومصيبة سيدنا الشيخ السالمي قصمت الظهور وأسالت المهج من الآماق، فلنا ولكم في حسن العزاء، وفي الله من كل فايت خلف والله يعوضك ويعوّض المسلمين إن شاء الله من يقوم بأمر للمسلمين معك، ورضي الله عنه لقد أحيى السنة وأمات البدعة وقوم الأود) ونشر العلم والعدل، فرحمة الله عليه، وقد بلغنا أنَّ المسلمين اختاروا لك بعده الشيخين: ماجد بن خميس العبري ومحمد بن عبد الله الخليلي، ولعمري إنهما كفاية وكفاءة، والله المسئول أن يعينكم وينصركم ويؤيدكم ويقوي أمركم ويكسر أعداءكم وينشر العدل والإحسان والإنصاف بهمتكم.
ولتدم يا إمام المسلمين خادما للحق موافقاً له، واصلا إليه، عاملاً به، والمدد والنصر والتيسير والفتح، وحسم صائلة الأعداء حليفكم إن شاء الله، وأرجو أن تشرفوني بالمكاتبة فإنّي في هَذَا القطر داعيك وخادم أمرك ومؤيد حجتك، أرجو الفوز في العقبى في طاعتك وولايتك حتى يمن الله عليَّ بالفرج فأتصل بخدمتك لوجه) لا لأجل الزلفى والتكسب والله قادر على ذلك، وأسألك الدعاء لي في
-1
- 2
- 3
-4
كذا في الأصل، ولعله «إحدى الجرائد المصرية .... ».
الإشارة هنا واضحة إلى موت الإمام: نور الدين السالمي، سنة: 1333 هـ.
الأعوجاج.
هكذا في الأصل، وَلَعَلَّ الصواب: «لوحه الله».
- 79 - (1/81)
صفحة 82
أعقاب صلواتك، كما أنني أدعو لك مبتهلاً إلى الله في إعلاء كلمتك وإقامتها وإدامة نصرك وتوفيقك وتسديدك في الأقوال والأعمال والأفعال وسائر الأحوال. ثُمَّ إِنِّي أشير عليك بمصادقة أمير نجد وأمراء الساحل على الخليج الفارسي، ولابد من إرسال وفد لتوثيق عرى الألفة والصداقة بينك وبينهم، ففي ذلك من حسن السياسة خير المغبة ما لا يخفى عليك، وتخيّر الوفد الذي ترسله أن يكون علماء المسلمين نفرين أو أكثر، ومن العقلاء الساسة ذوي البصائر والفطنة ممن من ترضيك بصيرته ويؤدِّي عنك فوق ما في نفسك وكاتب شريف مكة وإمام صنعاء وسلطان الحج، وَاتَّخِذ مع كُلِّ أمير من أمراء جزيرة العرب يدا وسياسة وإن استطعت أن لا تدع جزيرة العرب إلا كتلة واحدة يؤدي لك الصداق فافعل ولابد لكم من مكاتبة الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني) فقد صار بعد حرب طرابلس الغرب وزيراً في مجلس الأعيان في اسطنبول ومجلس الأعيان مجلس أبناء ملوك الأتراك، وفي مكاتبة هذا الرجل والتعرف إليه وإلى الدولة العثمانية بواسطته سياسة معتبرة النفع عظيمة الفائدة، أما صداقتكم مع أمير نجد) فأقل فوائدها فسح
-1
- 2
سياسة حسن الجوار المشهود بها لعمان دوما.
يقصد بهم.
على التوالي الشريف حسين، والإمام يحيى الملقب بالمتوكل. 3 - هكذا ا وردت والخطأ من الناسخ والصواب: «سلطان» لحج»، وهي مدينة في جنوب اليمن وكانت تحت سلطة العبادلة اليمنيين قبل أن تضم إلى عدن. سليمان الباروني باشا (ت 1940 م) مجاهد ليبي عظيم، وكاتب إسلامي قدير) للدولة العثمانية خدمات جلي، وقد نفاه الاستعمار الأوروبي (إيطاليا، انجلترا،
-4
-5
فرنسا)، وحرّم عليه دخول البلاد العربية التي كانت تحت سيطرته. أمير نجد هو: عبد العزيز بن عبد الرحمان، مؤسس المملكة العربية السعودية.
ادى
-80 - (1/82)
صفحة 83
الطريق لوصول السلاح والآلات النارية إلى مملكتك العمانية، هذا رأي توجه إلى. وأراه ضروريا لكم لازماً لسياستكم، وقصركم النظر على إقامة الشعائر الدينية في مملكتكم فقط دون طول النظر في سياسة الدين والإكثار من الصديق أمر يحتاج إلى النظر، ثُمَّ إِنَّ في الهند جمعيات دينية إسلامية سياستها حياطة الإسلام، فإن رأيتم أن تعقدوا معها حبلاً فاكتبوا كتابا ونحن نتكفل بإرساله إليهم، وقد وصلتنا عنهم إعلانات ونشرات وجهنا إليكم منها نسخة، وهذا إن لم ينفع لم يضر، فأقل ما فيه إشاعة دعوة المسلمين في الممالك الإسلامية، والإظهار مع أعدائنا الكفرة أن أهل الإسلام قد ارتبط بعضهم ببعض وجمعتهم الجامعة الإسلامية بعواطف الإيجاء الإيماني الملي، وإظهار دعوة المسلمين إلى جميع الأمم الإسلامية، يكشف لسائر الأنحاء الإسلامية ما أنتم عليه من حسنا المقصد ومراعاة إقامة الشعائر الدينية وإحياء السنة وإماتة البدعة وأنَّكم لم تنهضوا للملك والسلطان، وإِنَّما نهضتم غيرة لله بانتهاك حرماته وتعطيل حدوده ووقوفكم حجرة في بلعوم القوم الكافرين)، وإنَّما نهضتكم ليست كما يشيعه عنكم أعداؤكم وأولياؤكم في الجرائد وغيرها، وبودي لو صنف أحد العلماء عنكم منشوراً في صورة رسالة تهدى إلى جميع المسلمين في جميع الممالك تكشف عن عقيدتكم وسيرت لم وسيرتكم وموضوع نهضتكم،
-1
وهذا الموقف وغيره مما سبق يوضح تفتح الشيخ ناصر بن سالم الرواحي على العالم
الإسلامي، ووعيه: ووعيه بواقعه في تلك الظروف العصيبة.
2 - هذا الموقف وما سبقه من المواقف، يوضح بجلاء فكر الشيخ ناصر الإسلامي ووعيه السياسي واطلاعه الدقيق على بحريات العالم من حوله.
- 3
هذا الرأي يلخص الفكرة التي كان هَذا المصلح العظيم يكرس لها شعره ونثره،
6
-81 -
وأعماله. (1/83)
صفحة 84
وما مقصدكم وما هو عين سياستكم، ثُمَّ ترسلونها إلينا لنطبعها في زنجبار ونفرقها
في الأقاليم أو ترسلونها إلى الشيخ الشَّمَّاخي يطبعها في مصر أو إلى الشيخ الباروني بواسطة الشيخ الشماعي.
وبالجملة هذه سياسة أشير بها عليكم ونظركم أعلى وأتم وأكمل، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وعلى كافة من قبلك من إخواننا المسلمين. ويسلّم عليك من لدينا الشيخ المخلص سليمان بن حميد بن عبد الله الحارثي وشبله الكريم عبد الله بن سليمان، والمخلصون لكم يسلمون عليكم ويدعون لكم بالنصر والأيد، وقد أجرى الله على لسان عبده العاجز الضعيف مرثيتين لسيدنا الشيخ رحمه الله وهما تحت الطبع وبعد تمام طبعها سنوجّه إليكم بعض النسخ ـ إن شاء الله و -- وهذه القصيدة النونية (9) أرجو منك تأمر بالإكثار من نسخها وإشهارها مع شيوخ القبائل، عساها أن تحرك من عواطفهم وتهز من أريحيتهم، ولهذه الغاية
وضعناها على هذه الوثيرة سياسة منا للدين وتحريكاً لعواطف المسلمين).
قد تم الكتاب الوارد، ولقد جزى الله منشئه وكاتبه عن الإسلام خيرا يوم 13 ربيع الثاني عام 1333 هجرية)، وتحرير الكتاب يوم 14 ربيع الثاني من صاحبه من زنجبار في العام المذكور.
تم بقلم الحقير سالم بن خلفان بن سرور بن سليمان بن مهنا اليعروبي .. بيده ..
قصيدة الفتح والرضوان منشورة بديوانه أيضاً.
هذه هي نظرة الشاعر إلى رسالة الشاعر ودور الشعر في النهضة، وقد حققها عمليا
في شعره.
يوافق 27 فبراير 1915 م.
82 -
-1
- 2
- 3 (1/84)
صفحة 85
الملحق رقم 3
الشعر العُماني في حاجة إلى دراسة (1)
الحركة الأدبية العثمانية بعامة، والحركة الشعرية بخاصة ضاربة الجذور في
أعماق التاريخ، على نحو ما كان معروفا عن الأزد وعبد القيس ... كما كان لأسواق عمان الأدبية (صحار عمان دبا) دور كبير في دفع هذه الحركة إلى التطور والازدهار.
وهو ما يدل على المشاركة المتقدمة في النشاط الأدبي العربي. ونتيجة لهذه الريادة، وهذه المشاركة المتقدمة في الزمن، نبغ شعراء وأدباء عمانيون على مر التاريخ. لكن الإهمال وعوامل أخرى أنست الناس هذه الحقيقة أو غيبتها عنهم. قال الدكتور علي بن عبد الخالق علي: « ... وإن كان كثير من الباحثين أهمل الحديث عنهم، أو بيان أثرهم فضاع شعرهم و لم تبق عنهم إلا إشارات هنا وهناك، نستطيع من خلالها أن نتصور ما كان لهم من الشأن في الجزيرة العربية منذ
القدم.
والشعراء العُمانيون أدوا دورا كبيرا في تسجيل تاريخ عُمان، كما تذكر ذلك المصادر والمراجع، وكما تكشف عن ذلك الوثائق والنصوص. ولقد عبر الشعر عن
-1
-2
نشر المقال في محلة النهضة، سلطنة عمان عدد 628 28 شوال 1413 هـ / 20 أبريل 1993 م، ص: 36 - 39
د/ عبد الخالق علي: الشعر العماني مقوماته واتجاهاته الفنية، دار المعارف، القاهرة،
1984. ص: 25.
- 83 - (1/85)
صفحة 86
المراحل التي مرت بها عُمان، وسجل الدقائق والتفاصيل التي يحتاج إليها من يُؤرّخ لعمان الذي يشتكي ضياع تاريخه، هذه الحقيقة يتأكد منها بالرجوع إلى مؤلف
المرحوم الشيخ محمد بن راشد الخصيبي المسمّى: شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان».
لذا يجب الاهتمام بالكشف عن هذه النصوص، وجمع هذه المأثورات الشعرية للوقوف على هذه النهضة الفكرية والأدبية لهذا البلد، وكشف القناع عن الوجه الحقيقي لتاريخ عُمان.
إنَّها مهمة منوطة بأعناق الشباب والمتخرجين في المعاهد والجامعات ومراكز
التكوين لأنَّهم الأقدر على القيام بدراسات جادة وشاملة.
الشعر العماني - إلى جانب الوظيفة التاريخية التي أداها وما يزال يؤديها في تسجيل التاريخ - كان له حضور في الساحة الأدبية الحديثة والمعاصرة، وذلك في مشاركته المعنوية في التعبير عن القضايا العربية والإسلامية والإنسانية، وفي إفصاحه عن مشاعره الجياشة والصادقة نحو هذه المسائل مما يُبينُ أَنَّ الشاعرية لا تعرف كما
للمشاعر المتأججة والعواطف للتحفزة للظهور، ولا تعرف حدود الزمان والمكان. نسجل لهذا الشعر حضوره في هذه القضايا مشرقاً ومغرباً، وتتبع المستجدات العربية الإسلامية والعالمية، رغم الظروف الصعبة التي كان يعيش فيها الشاعر العماني، خاصة قبل سنة 1970 م. نذكر من بين هؤلاء الشعراء: أبا مسلم الرواحي، وعبد الله بن علي الخليلي، وعبد الله الطائي الذي أبدع كثيرا في شعر الغربة والحنين إلى الوطن، لأنه مكث خارج وطنه عمان حوالي ثلاثا وعشرون سنة، متنقلاً بين الدول العربية والإسلامية.
-84 - (1/86)
صفحة 87
كما كان للشعر العماني نصيبه من خصائص الشعر المعاصر من حيث تطور
مضامينه وأشكاله، ومن حيث غناه من مميزات الشعر الحديث. فشاعر كعبد الله الطائي ـ الذي مات و لم يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره ــ ترك من الآثار الأدبية ما يكشف عن عبقرية وعن شاعرية تبوئه مكانة مرموقة بين الشعراء الكبار. فموضوعاته كانت متنوعة، ومرتبطة أشدَّ الارتباط بالواقع المعيش في الساحة العربية والإسلامية، وطموحه كان كبيراً في تطوير الكتابة الشعرية في عمان التي عرفت ــ أحيانا - تزمتا وأحيانًا البقاء أسير موضوعات معينة، وطريقة رتيبة في النظم. وقد حاول - مثلاً - كتابة القصة الشعرية. كما كانت له محاولات يتحرك إطارها الموسيقي على نحو ينسبها إلى شعر التفعيلة الغني بالقافية» كما يقول الدكتور أحمد درويش، ويضيف الدكتور عن الطائي وشاعريته قائلاً: «وعندما ينظر إليه في إطار التاريخ العام للشعر العربي في منطقة الخليج العربي عامة، وعمان خاصة يعد بكل المقاييس رائدًا في مجال اتساع الآفاق أمام الشعر العماني المعاصر
من حيث ارتباطه بالشعر الخليجي، والشعر العربي عامة، ومن حيث ارتياده مواطن جديدة، وعزفه على أنغام لم تكن مألوفة بالنسبة له، وذوبانه في الحركة العامة للشعر العربي الحديث».
الا تستحق هذه المحاولات الالتفاتة الجادة والمعالجة النقدية، والدراسات المعمقة لتسجيل قيم جديدة للشعر العماني؟. .
-1
هناك خصائص وإشارات في الشعر العُماني يحسن الوقوف عندها مليا لمزيد
دراسات عربية وإسلامية، ج: سلسلة أبحاث جامعية يشرف على إصدارها الدكتور حامد طاهر، كلية دار العلوم جامعة القاهرة، سنة: 1989 م، ص: 125.
-85 - (1/87)
صفحة 88
الكشف عن الوظيفة التي يقوم بها، وعن المبادئ التي ينطلق منها ليكون ملتزماً ومسؤولاً عَمَّا ينه من أ بته من أفكار، وما ينشره من آراء تتماشى مع الأصالة، وتنسجم
مع الاتجاه والانتماء الذي يصدر هو عنه. يقول د. علي عبد الخالق علي: «كان استمداد الأدب العُماني لعناصر تكوينه معتمداً على الثقافة العربية في القرآن الكريم والسنة المطهرة والأدب العربي، وهذه الثقافة أو جدت شعر الحكمة والتصوف والمدائح النبوية، الذي يعتمد على القرآن والحديث، كما كان أبو نبهان، والعبسي، وناصر الخروصي، وسعيد بن خلفان، وأبو مسلم الرواحي. فهؤلاء كانت نزعتهم دينية تصوفية، إلى جانب اشتمالها على آراء مختلفة للرؤية والصفات الإلهية، ونظرية الإمامة، والولاية والبراعة».
يجب الانتباه إلى هَذِهِ النقطة، وإيلاؤها حقها من العناية والتحليل والمناقشة.
في الشعر العماني دلائل ثلاث تثبت أصالة هذا الشعر، بصفة عامة وَهُوَ ما يجب إبرازه، ولفت نظر الشباب إليه، حتى يسيروا على سنن أسلافهم، ويتبعوا
سواء السبيل:
أولها: الولاء المطلق للعقيدة الإسلامية، والحرص على تجسيدها في الواقع المعيش، مهما تكن الظروف وتتوالى الأحداث وتتعاقب المتغيرات. وقد كون ذلك اتجاها فكريا يحمل هَذِهِ العقيدة والإيمان بالمبدإ وَهُوَ ما يجب أن يتفطن إليه الشباب، الذين يبغون استلام الراية لاستكمال الطريق الذي خطه سلفهم
وأعلامهم وعلماؤهم.
-1
في الشعر العماني ... مرجع سابق، ص: 58 - 59.
- 86 - (1/88)
صفحة 89
ثانيها: الشعور القوي والصادق بالانتماء لوطن هؤلاء الشعراء (عمان). ثالثها: الحب الشديد والقوي للعرب المسلمين، والاعتزاز بالانتماء العربي
الإسلامي.
هذه الدعائم الثلاث هي التي صبغت الشعر العماني بصبغة الدعوة إلى الفكرة الإسلامية في تناول أي موضوع، ومناقشة أية فكرة، وعرض أية قضية، على سبيل المثال نورد ما قاله الأستاذ أحمد الجدع في مفهوم الوطنية عند الشاعر عبد الله
بن علي الخليلي: «فعندما يتحدث شاعرنا عن موطنه عمان نراه يمزج حبها بحب العقيدة الإسلامية، وإنَّك لتشعر بنغمة الفخر والاعتزاز عندما يشير الشاعر إلى هذا الارتباط الوثيق بين عمان الوطن والإسلام العقيدة، وبخاصة عندما يتحدث عن تاريخ هذا الارتباط الذي يمتد إلى فجر الإسلام الأول».
نسجل في الشعر العماني معارضات أدبية جيدة، تنم عن ذوق في الكتابة، وحس جمالي في النظم وقدرة على المحاكاة، ومقدرة على الإبداع ... وكانت لونا من ألوان الكتابة مارسه الشعراء العُمانيون في مختلف العصور، بخاصة عصر النهضة، نذكر من بين هؤلاء الشعراء، أبا مسلم الرواحي، عبد الله بن علي الخليل، وهلال بن سالم بن حمود السيابي، سعيد بن خلف الخروصي، أبا سرور ... وقد عارضوا قصائد لابن دريد، والبحتري وابن زيدون وشوقي، والبارودي وغيرهم. يذكر الدكتور علي عبد الخالق علي أنَّ هَذِهِ المعارضات كان لها دور كبير في تأصيل بعض الاتجاهات الفنية، التي أعادت للشعر العثماني رونقه وبهاءه، كما
-1
أحمد الجدع وعبد الله بن علي الخليلي، شاعر من عمان، ط 3، 1407 هـ/1986، دار الضياء للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص: 43.
-87 - (1/89)
صفحة 90
كانت لها قيمة لغوية أثرت الأدب العماني. وكان لبعض المعارضات قيمة فكرية متمثلة في بعث الشعر في الجانب الوطني، وإثارة الحماسة في النفوس للدفاع عن
شرف الأوطان، وسقي شجرة الحرية بالتضحيات والفداء".
في الشعر العماني مختلف أنواع النظم من كتابة القصائد الشعرية إلى الأراجيز
والموشحات، والمعارضات إلى الشعر الحر والشعر المنثور إلى القصة الشعرية .... مع كُلِّ هذه الخصائص والمميزات - وغيرها مِمَّا لم نذكره - التي تبوى الشعر العماني مكانة مرموقة بين بقية الآداب، يبقى مجهولاً، بسبب قلة الدراسات
المعمقة في مختلف جوانبه، بخاصة الدراسات الشاملة والنقدية الفنية.
فكل ما قدم للشعر العماني، بعد الجمع والتحقيق الذي هو في حاجة إلى إعادة النظر في طريقته ـ دراسات تعتمد على الوصف والعرض، وتكديس المعلومات دون اعتماد مقاييس نقدية، ومعايير علمية دقيقة الدراسة والتناول، أو تقديم شروح للمقطوعات الشعرية تعليقات وتقريظات، أو إبراز نماذج منها أو الاكتفاء أحيانًا يجمع ا القصائد المتناثرة في كتاب أو طبع ديوان مخطوط وتصديره بمقدمة أو تقديم تسجيل فيه انطباعات خالية من النقد ... ليقال بعد ذلك هذا عمل كاف للتعريف بالشعر العماني. كلا هذا عمل غير كاف، هناك عمل كبير ينتظر الباحثين والدارسين في الحركة الشعرية العمانية مالها وما عليها.
يمكن في هذا الصدد أن ننوه بمجهود الدكتور علي عبد الخالق علي في
دراسات الحركة الشعرية العُمانية من خلال كتابه: (الشعر العماني مقوماته،
واتجاهاته وخصائصه الفنية).
-1
ينظر كتاب الشعر العُماني ... مرجع سابق، ص: 84. .
- 88 - (1/90)
صفحة 91
فقد بذل الباحث مجهودًا كبيرًا في رصد الحركة الشعرية العمانية، وتطورها بشيء من الجدية في التناول، والجدة فيه. فقدم بذلك خدمة جليلة للباحثين الذين يأتون بعده لإكمال المشوار الذي بدأه واعتماد الطريقة العمودية في الدراسة بدل الطريقة الأفقية التي اعتمدها الدكتور. وجبر النقص الذي تعاني منه دراسته وَهُوَ
التعمق في البحث وتسليط بعض المناهج النقدية عَلَى هَذَا الإنتاج الشعري الغزير. لكن عذر الباحث هو خلو الساحة الأدبية والنقدية من دراسات للشعر العماني - باستثناء بعض المحاولات القليلة جدا - مع وفرة ما سجل من أشعار وإنتاج عبر العصور. فمن مزايا الدكتور أنه حاول رصد هذا التطور وتسجيل حضور الشعراء العُمانيين في الساحة الأدبية، والإشارة إلى بعض الخصائص الفنية والمعنوية. بعد ذلك تأتي الدراسات الأخرى، التي تعنى بالجوانب المختلفة كما كشف الدكتور من خلال دراسته عن اطلاع الشعراء الكبير على الأدب العربي، بدليل تأثرهم بمختلف الشعراء في مختلف العصور، وتمثلهم لمعانيهم وأفكارهم وصورهم. وسجل امتلاكهم لناصية اللغة العربية وفقه أسرارها، بدليل طريقة تعاملهم معها، حتى ولو كان تعاملهم معها ـ أحيانًا ـ تعاملاً قاموسيا متكلفاً. غير أنَّ هناك مآخذ ونقائص نسجلها على بحث الدكتور:
دار
1 - أهمل فترة ما قبل النباهنة أي فترة ما قبل القرن السادس الهجري، وركز كثيرا على الدولة البوسعيدية على حساب الفترات الأخرى. مع اعترافه بأنَّ الأدباء العمانيين لم يكونوا غائبين عن الساحة الأدبية في مختلف العصور.
2 - كان يكتفي ببعض الشعراء في دراسته، وبعضهم يذكرهم ذكراً فقط. كان هؤلاء وحدهم هم الذين يمثلون الشعر العثماني. بل أحيانا يعيد النماذج نفسها في مختلف استشهاداته وتحليلاته. أما الشعراء المعاصرون، فلم يذكر سوى
-89 - (1/91)
صفحة 92
اسمين أو ثلاثة، وشعراء القصيدة الحرة لا ذكر لهم في بحثه. القارئ يفهم أنَّ عثمان لم تتوفر إلا على شعراء قليلين، أو شعراء مقلين في إنتاجهم، أو هم كانوا دون المستوى، أو أنَّ إنتاجهم ضاع، يحتاج إلى البحث عنه. مهما تكن التفسيرات والتأويلات فإنَّ الدراسة ناقصة، لذا فالحاجة ملحة إلى إعادة النظر في الدراسات الأدبية التي قدمت حول الشعر العماني.
3 - من سلبيات هذه الدراسة أنَّها لم تكن شاملة، إذ لم يتعرض الباحث إلى نواحي المعجم الشعري، والموسيقى والرمز والاقتباسات إلا لماما، كما كان تناوله لجانب التصوير الفني مقتضباً، وكان يغلب على البحث العرض دون النقد. بينما نسجل أنَّ فصل الأوزان والقوافي كان جيدا، لو كتب فيه أكثر.
خلاصة القول إنَّ الشعر العماني في حاجة إلى دراسة وتعمق في البحث للكشف عن القيم الفكرية والفنية التي يتوفر عليها، ولرد الاعتبار لهذا الشعر الذي
هضم حقه، وهذه رسالة يتحملها الشباب المثقف والجامعي.
التكفل بها يقتضي أمورًا منها:
1 - الإيمان بأنَّ هذا التراث مكسب وكنز يجب الاحتفاء والاعتناء به، وإخراجه من الأماكن للمضنون بها على الدارسين والباحثين، وإنقاذه من الضياع بسبب أو بآخر. 2 - الاقتناع بأنَّ كثيرًا من الجهود والدراسات التي يقوم بها البعض ـــ وهم مشكورون عليها ـ تفتقر إلى كثير من الشروط العلمية: توثيقا وتحقيقا ومعالجة ودراسة. مما يهيب بالشباب إلى استدراك النقص.
3 - إن الدراسة الفنية هي مرحلة ضرورية، بعد مرحلة الجمع والتوثيق والتحقيق، والدراسة الفكرية أو للموضوعية للكشف عن الوجه الحقيقي للنهضة الأدبية.
-90 - (1/92)
صفحة 93
4 - لابد من التمرس على البحث والدراسة والنقد، بل توسيع أفق الثقافة النقدية، لامتلاك الأدوات التي تساعد على الدراسة الجادة والجيدة. 5 - الشعر العماني في حاجة ماسة إلى دراسة قضاياه، معجمه الشعري، جانب الرمز فيه، صوره، اتجاهاته، وخصائصه الفنية، موسيقاه ... أي إعادة دراسته من جديد لأنَّ الباحث في هذا الشعر تستوقفه أسئلة عديدة في حاجة إلى إجابات مقنعة مثلاً: ما الذي جعل الشاعر العماني - عموما - يتمسك بالأسلوب العربي الرصين، وبالمنهج الشعري الخليلي؟ بماذا يفسر نظم الفقه بالشعر لدى العُمانيين، إذ أحيانًا تتجاوز للمنظومة مائة ألف بيت؟ ما هو التحليل لهذا المسلك؟ ما هي! إيجابيات هذه الطريقة وسلبياتها؟ بماذا يفسر إعجاب الشعراء العمانيين بابن دريد مثلاً إلى درجة لافتة للنظر؟ كيف كان الشاعر العُماني يتعامل مع الأصالة والمعاصرة في كتابة الشعر؟ كيف كان يلائم بين مخزونه ومحفوظه من الألفاظ والصور الشعرية، وبين من حوته من المشاعر وتجربته الخاصة؟ كيف كان ارتباطه بوسطه الاجتماعي؟ كيف كان يعالج قضايا مجتمعه؟
لماذا قلت الدراسات الأكاديمية والمعمقة والدراسات النقدية في الشعر العماني؟ ما هي الأسباب ... إلى غير ذلك من الأسئلة والموضوعات التي تنتظر. الفتى الذي يقول: ها أنا ذا أَيُّهَا السائل!!
عسى أن نرى في المستقبل القريب دراسات لشباب عماني يتحمل مسؤوليته في خدمة بلده: في أدبه وفكره، وما ذلك عَلَى الله بعزيز، وما ذاك على المحدِّين للمخلصين بمستحيل. والله ولي التوفيق.
1 - الأستاذ: محمد بن قاسم ناصر بوحجام. جامعة بائنة (الجزائر. 25 جمادى الأولى 2 2 ديسمبر.
-91 - (1/93)
صفحة 94
الملحق رقم:
كتب ودراسات صدرت للدكتور محمد ناصر.
1. المقالة الصحفية الجزائرية (1903 - 1931) جزآن، الجزائر: ش. و. ن. ت،
1978
2. الصحف العربية الجزائرية (1847 - 1939)، الجزائر: ش. و. ن. ت، 1980.
3. أغنيات النخيل (شعر)، الجزائر: ش. و. ن. ت، 1987.
أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ط 2، الجزائر: ش. و. ن. ت، 1984.
عمر راسم المصلح الثائر، الجزائر: لافوميك، 1984.
6 مختارات من شعر الأمير عبد القادر، الجزائر: م. و. ك، 1984. البراعم الندية (شعر الأطفال)، الجزائر: ش. و. ن. ت، 1984.
8. الشعر الجزائري الحديث: اتجاهاته وخصائصه الفنية (1952 - 1975)،
بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1985 (رسالة دكتوراه).
و رمضان حمود حياته وآثاره، ط 2، الجزائر: م. و. ك، 1985.
وا
10 أخبار الأيمة الرستميين لابن الصغير) تحقيق بالاشتراك مع إبراهيم بحاز، ط 2، الجزائر: جمعية التراث، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986.
1. ديوان أبي اليقظان، دراسة وتحقيق جزآن الجزائر: جمعية التراث، 1989. 12. حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ط 2، الجزائر: جمعية التراث، 1989.
-92 - (1/94)
صفحة 95
13. في رحاب القرآن (الشيخ إبراهيم بيوض، الجزائر: جمعية التراث، 1989. . 14. مفدي زكرياء: شاعر النضال والثورة، ط 2، الجزائر: جمعية التراث، 1989.
15. أعمالي في الثورة للشيخ إبراهيم يوض: إعداد وتقديم، الجزائر: جمعية
التراث، 1989.
16. محمد بن الحسن بن دريد، سلطنة عمان، 1991.
17. الإمام عبد بن باديس (سلسلة أعلام الفكر)، الجزائر: 1991.
18. الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، الجزائر: 1991، ط 2، (مؤسسة الضامري)، سلطنة عمان، 1991.
19. ما أحوجنا إلى أدب إسلامي، سلطنة عمان: 1992.
20. في رحاب الله (شعر)، الجزائر: 1992.
21. فيوض النور، سلطنة عمان: 1992. أنوار من سورة النور، جمعية التراث، 1992. سلسلة القصص المربي للأطفال، سلطنة عمان: 1992:
2 من
1 - في الاتحاد قوة. 2 - جزاء الإحسان.
23. دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، طخ، (معهد القضاء الشرعي)
سلطنة عمان: 1993.
2. مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، حلقتان: إعداد، نشر: الاستقامة،
سلطنة عمان: 1993.
ا
25. الأدب والنصوص للمرحلة الثالثة ثانوي (معهد القضاء الشرعي)، سلطنة
عمان: 1992.
- 93 - (1/95)
صفحة 96
26. الشعر الجزائري من الرومنسية إلى الثورية، (معد للطبع).
27. الصحافة الجزائرية في مواجهة الاستعمار، (معد للطبع).
28. تلخيص القسمة وأصول الأرضين في فقه العمارة الإسلامية، لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، تحقيق بالاشتراك مع الشيخ بكير الشيخ بلحاج
باشعادل، مؤسسة الضامري، سورية، 1993.
29. ألحان وأشجان (شعر)، نشر جمعية التراث، الجزائر، 1995.
30. هموم جزائرية، (معد للطبع) دمشق،.
37. تراثنا الإسلامي، والعصر مؤسسة الضامري، سلطنة عمان، 1994. 32. حداثة أم ردّة، مؤسسة الضامري، سلطنة عمان، 1993.
33. خصائص الأدب الإسلامي، مؤسسة الضامري، سلطنة عمان، 1993. 3. الأصول العقدية للناشئة المحمدية مؤسسة الضامري، سلطنة عمان، 1993.
35. الإباضية تاريخا وفكرا، (معد للطبع)، سلطنة عمان.
36. الشيخ إبراهيم اطفيش (سلسلة أعلام الفكر)، (معد للطبع) الجزائر. 37. الشيخ أبو اليقظان إبراهيم (سلسلة أعلام الفكر)، (معد للطبع) الجزائر.
38. الشيخ محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ، مطبعة البعث،
قسنطينة، الجزائر، 1995.
39. القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، (معد للطبع) الجزائر.
مصادر البحث في العلوم الإسلامية، (معهد القضاء الشرعي)
عمان، 1995.
سلطنة
-94 - (1/96)
صفحة 97
منهج البحث وتحقيق النصوص (معهد القضاء الشرعي) سلطنة عمان،
1995
فواكه العلوم، تأليف عبد الله بن محمد بن عامر الحبشي، تحقيق بالاشتراك مع الأستاذ. مهني التيواجيني، الأجزاء: 1، 2، في سلطنة عمان: 1995.
43. وصية والد لولده العروس، جمعية التراث، القرارة، 1994.
أبو مسلم الرواحي حسان عُمان» طم، سلطنة عمان: 1996.
ته. دراسة في الشعر الجزائري الحديث (1925 - 195)، (مخطوط)، بالاشتراك مع الدكتور محمد مصايف، والدكتور عبد المالك مرتاض.
46. حذاثة بلا قناع،، سلطنة عمان.
ديوان شعر باللغة المزابية.
48 مسرحية بالعربية الدارجة تحت عنوان: «رَبِّ وَلِيدَكَ قبَلْ مَا يَقرَا». يضاف إلى كل ذلك أناشيد كثيرة باللغة العربية الفصحى، والعربية الدارجة واللغة الميزابية. ومقدمات لكثير من الكتب، ودراسات وبحوث ومحاضرات نشرت
في الدوريات، وألقيت في مناسبات مختلفة.
- 95 - (1/97)
صفحة 98
المحتويات
مقدمة.
نبذة من حياة الباحث.
مع كتاب: أبو مسلم الرواحي، عرض وتعليق. . أبو مسلم أديبا لامعا ..
العقيدة في شعره.
الابتهال في شعره.
الاستنهاض في شعره.
الحكمة في شعره.
الحنين في شعره.
الرثاء في شعره .. صائص شعره
إشارات مهمة. نتائج الدراسة ..
الملاحق
ملاحظات.
الملحق رقم 1:
فرع الحياة المقدسة ..
في الذات الإلهية ..
الملحق رقم 2: كتاب أبي مسلم إلى الإمام سالم بن راشد ..
• الملحق رقم 3: الشعر العماني في حاجة إلى دراسة .. . الملحق رقم 4 كتب ودراسات صدرت للدكتور محمد ناصر ..
-96 - (1/98)