صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: لغة عربية
------------------------------------------
العنوان: تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
المؤلف: محمد بن يوسف أطفيش
تحقيق: محمد زمري
الناشر: وزارة التراث والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1430ه/ 2009م
الطبعة: 1
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 2007/8
الكلمات الدالة: الأدب العربي، البلاغة واللغة، النحو
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2770&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/669
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 18 ربيع الأول 1447ه/ 11 - شهر 09 - 2025م. يك
تخليص العاني
من رتبة جهل المعاني
تأليف
قطت الأئمة
الشيخ محمد بن يوسف أطفيش
تحقيق
د. محمد زمري
الطبعة الأولى
1430 هـ - 2009 م (1/1)
صفحة 2
/ (1/2)
صفحة 3
تخليص العاني
من ربقة جهل المعاني
قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف اطفيش
2009 م
1430 هـ - 2009 م (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة لوزارة التراث والثقافة
سلطنة عمان
ص. ب: 668 الرمز البريدي: 113 مسقط
رقم الإيداع: 8/ 2007 (1/4)
صفحة 5
?
ج (1/5)
صفحة 6
? (1/6)
صفحة 7
مقدمة التحقيق
إن عالم المخطوطات فسيح وغائر في العمق ولا يمكن فتح ما انغلق منه وانصد إلا بعد جهد وعناء كبيرين، وذلك لوصل الماضي بالحاضر، والحاضر بالماضي، ليتأتى استشراف المستقبل،
وليبرز ما انغمر منه في ثوب قشيب موشّى بأبهى المعارف، وأزهى العلوم، وأفضل الفوائد. وتما لا يدع للشك مجالا أن حقب التاريخ الثقافي موصولة فيما بينها؛ إذ لا غنى لإحداها عن الأخرى، ذلك أن فهمها لا يتم إلا بوعي ترابطها، وتبين رؤاها، وإدراك أبعادها. ويجدر التنبيه على أن تاريخ أمة لا يخلو من الثغرات والعثرات لأن العلاقات الإنسانية تكون دوما حبيسة الصراع والتوافق، ولا يخفى على أحد أن المجتمع الجزائري بفئاته المختلفة تعرض لهزات مست جوانب عديدة من حيواته، ولاسيما تاريخه الثقافي الذي ما زال يفتقر إلى جهود الباحثين، ليكون حلية مزخرفة بعيدة عن التنافر والخلل. ولن يتحقق ذلك إلا بتجاوز الهوة التراث، ومنه المخطوطات التي تعد إحدى ركائزه، وأوتاده، وتعد أيضا إحدى بؤر عدساته المنيرة التي نطل منها على ما جادت به عقول العلماء وأفئدة الأدباء وقرائحهم؛ فهناك لا محالة نتاج معرفي وإبداعي وتاريخي وديني.
الحائلة
ووعي
آفاقا
وعلى الرغم مما أحاط هذه المخطوطات من حوائل ومشاق، فإن متونها ما تزال تفتح عديدة للباحث، وتكشف قضايا كثيرة أغمضت عليه، وتحنّه على طرح مفاهيم جديدة تساعد على مناقشة بعض المسلّمات التي تعيق التواصل الفكري والمعرفي.
ويجب أن نعترف بأن المخطوطات الجزائرية تطرح هذا الإشكال، وتهب بالباحثين إلى تجلية القدر الكبير منها دونما تمييز أو عصبية، ذلك أنّ الرسالة العلمية تصبو إلى إزاحة العوائق، وتبديد الحوالك، وتحرير سبايا الأفكار والخواطر.
والحق إن هذا الأثر الذي هو بين أيدينا، والموسوم بـ (تخليص العاني من ربقة جهل المعاني) لمحمد بن يوسف اطفيش، يدخل في هذا المبتغى، ذلك أنّ هذا العنوان ليدل دلالة واضحة على محاولة فك القيد الذي يحيط بعنق الجاهل و تفريج كربة الجهل عنه. والحديث عن سيرة حياة المؤلّف تؤول بنا إلى ذكر المؤلفات التي تناولته بالدرس، وأسهبت
في سرد أخباره وسلوكاته ومواقفه، مثل: " معجم أعلام الجزائر العادل نويهض، و" نهضة الجزائر (1/7)
صفحة 8
الحديثة " لمحمد علي دبوز، و. معجم المؤلفين " الرضا كحالة و " قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف أطفيش " لبكير بن سعيد أعوشت، و " الشيخ محمد بن يوسف اطفيش ومذهبه في تفسير القرآن" ليحيى صالح بوتردين، و " آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش العقدية " لمصطفى بن الناصر وينتن، وغيرها من الكتب التي تفيد القارئ وتجعله يحيط بجوانب كثيرة من حياة هذا بشاعة الاستعمار، وكان يجد بكل ما أوتي من قوة وبأس للمحافظة يعي
العلامة الفذ، الذي كان
على الشخصية العربية الإسلامية التي حاول الاستعمار الفرنسي طمسها. إنه امحمد بن يوسف بن صالح بن إسماعيل اطفيش الملقب بقطب الأئمة، لسعة علمه، وعمق معرفته، وجلال قدره. ولد - على الأرجح - في سنة 1238 هـ / 1821 م، وتوفي في سنة ـــ ـــ 1238 1332 هـ / 1914.م. ونشأ يتيما في أحضان أم حنونة كريمة من آل يدر، وجهت ابنها نحو العلم فحفظ القرآن الكريم ولم يكد يبلغ التاسعة من عمره، ثم تتلمذ على علماء أجلاء مثل الشيخ عمر بن سليمان والشيخ سليمان بن يحي والشيخ عمر بن صالح والشيخ إبراهيم بن يوسف اطفيش.
وإن مواقفه الصارمة جعلت حياته محفوفة بالأشواك، فلقد واجه مصاعب عديدة، كتعرّضه للنفي من بلدته لمدة سبع سنين، ثم عودته إليها من بعد ذلك، كما أن نبوغه جعله يلمع في الأفق ويزداد شهرة، فكان - كغيره من نوابغ العصور – يتعرض من حين لآخر إلى كيد مناوئيه
وحاسديه.
ويجب التنبيه على أن استعداداته الفطرية مكنته من أن يكون رجلا عصاميا، فاستطاع استيعاب العلوم والمعارف التي تعرض له، ففقهها ونبغ فيها، فنال شهرة العلماء المتخلّقين بالأخلاق الحسنة، فأصبح أحد أعلام المعرفة الكبار في الجزائر وسائر العالم الإسلامي. وإن حبّه للعلم أدّى به إلى ترك كلّ شيء، واهبا نفسه للجهاد ومحاربة الجهل، عامدا إلى التأليف وتنشئة الأجيال على العلم والأخلاق، فكان أحد أعلام الفكر الإصلاحي، إذ جاهد ببأس شديد، مبديا مواقف صارمة من الاستعمار الفرنسي داعيا إلى مقاطعته وعدم التعامل معه، ومقاومته بشتى الوسائل وعبر كل السبل، وهذا ما أدّى بالجنرال دو لاتور (DE LATOUR) إلى سجنه سنة
1882 م. (1/8)
صفحة 9
وكان يدعو دائما إلى التمسك بالقيم الإسلامية، وإلى الحرص الشديد على اكتساب العلم والمعرفة بإخلاص، وإلى الجمع بين القول والعمل، وإلى نبذ الجهل. كما كان كثير التعلّق باقتناء الكتب، فحوت مكتبته أنفس المصنفات، أضف إلى ذلك تقديمه للمكتبة العربية الإسلامية أروع تآليفه، وأفضل ما جاد به فكره في شتّى فروع المعرفة والتي فاقت الثلاثين بعد المئة. والخليق بالذكر أن العلامة القطب الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش خرج على يديه علماء أجلاء تركوا بصماتهم على الفكر الإصلاحي في داخل الجزائر وخارجها، من أمثال الشيخ: بابكر ابن الحاج مسعود، والشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي، والشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى، وأبي إسحاق بن إبراهيم اطفيش وأبي اليقظان، وسليمان باشا الباروني الذي قاد المقاومة في ليبيا.
لم تثنه رسالته التعليمية عن التأليف، فقد كان يخصص الليل للبحث والتصنيف في شتى فنون العلم والأدب وتحسن الإشارة ها هنا إلى أن الكتب عن سيرة العلامة التي أوردتها سابقا استوفت الحديث عن آثاره، وتجنبا للتكرير نكتفي بذكر بعضها؛ ففي العلوم الشرعية كتب " تيسير التفسير " و "هميان الزاد إلى دار المعاد " و " ورسائل الصلاة على النبي " و " كتاب الجامع الصغير والحجة في بيان المحجة في التوحيد". وفي التاريخ ألف " مسائل السير " و " الرسالة الشافية في بعض تواريخ أهل ميزاب. وفي علوم العربية صنّف " شرح شواهد قواعد الإعراب
11
و " وربيع البديع و " بيان البيان " و " تخليص العاني من ربقة جهل المعاني " وهو الكتاب
الذي نعرضه على القارئ.
فالمخطوط يقع في ست وثمانين ومئة لوحة كل ورقة ذات قياس (18× 28) تشتمل على خمسة وثلاثين سطرا. ومقاس كل سطر: (28,5 - (19) وهو مكتوب بخط مغربي بمداد السماق الأسود، وعناوينه موشاة باللون الأحمر ونجد في صفحاته الخمسين الأولى خروما صغيرة أو محوا قليلا، وتوجد على هوامش الورقات وجوانبها استدراكات المؤلف كان قد كتبها بعد مراجعة ما كتبه أول الأمر، فأضاف شرحا، أو غير التركيب واستبدله بغيره أو أضاف معلومات احتاج إليها النص. وفي نهاية المخطوط لا نجد ذكرا لاسم الناسخ، ولا لتاريخ إنهاء النسخ؛ وقد يدل هذا
11
ز (1/9)
صفحة 10
على أن المؤلف خطه بيده وهذا ما يجعلنا نعتقد أن هذه النسخة هي الأم وهي الأصلية، وهي
موجودة في مكتبة اطفيش الكائنة ببني يزقن.
ولقد اتبع في مصنفه هذا ـ الذي يتناول قضايا البلاغة واللغة الذي يتناول قضايا البلاغة واللغة - منهجية محكمة تنم على
—
إطلاعه الواسع بعلوم العربية وما يتصل بها، فكان يراعي مستويات عديدة في الدرس حيث
المستوى التعليمي، والمستوى التعليلي والمستوى التحليلي، والمستوى الاستنباطي.
فكان يعرض الموضوع فيقلبه ظهرا لبطن و يحيط بمعرفته، ثم يجزئ قضاياه ويفصلها، ثم يعرض آراء من سبقوه من العلماء وأصحاب المذاهب، فيدعمها بالحجة أو ينقدها، أو يخالفها
مجتهدا في توضيح رأيه ليكون مقنعا مستخدما عبارة)،وعندي أو والظاهر، أو وأرى). كما كان يتناول المباحث من جوانب عديدة، حيث التناول النحوي واللغوي لاعتقاده أن النحو أساس الفهم والإدراك، ثم يميل إلى التناول النقدي والبلاغي، وإذا ما اقتضى الموضوع الجدل والحجة، فتراه يغوص في الفكر والمنطق معتمدا علم الكلام وآراء المعتزلة، ومشيرا إلى آراء الأشاعرة والظاهريين، ثم يبدي رأيه وفق مذهبه الإباضي قائلا) ونحن معشر الإباضية الوهبية)، مرتكزا على قناعته المذهبية عن فكرة الخلق، ونفي رؤية الله، وحقيقة الإيمان، ودور العقل في الاستدلال في التعامل مع الأدلّة، واعتماد التأويل لفهم النص، مراعيا في ذلك كله الصفة التراتبية للشاهد النصي، فيبدأ بالقرآن الكريم، فالحديث الشريف، فالأشعار، فالأقوال المأثورة. ويتبدى مما ورد في كتابه هذا الموسوم بتخليص العاني من ربقة جهل المعاني أن آراءه ومواقفه ترسم شخصيته، وتبعث فينا مشاهد عديدة من سمات العلماء والأدباء؛ ففيه صرامة ابن الأثير، وتواضع القاضي الجرجاني ونباهة الجاحظ، وقوة عبد القاهر الإقناعية وقدرة ابن رشد الاستدلالية، وسعة معرفة السكاكي وصفي الدين الحلي، وجرأة ابن حماد. فهو بحق أحد المراجع الأساسي في الفكر الإباضي. وأحد رواد الإصلاح الذي أغمض حقه، وحري بنا في هذا المقام أن نكتف الجهود لإزاحة هذا الإغماض وتجلية آثاره و آثار غير من العلماء خدمة للمعرفة ومحافظة على الانتماء الحضاري.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدّم بوافر الشكر والامتنان إلى أخي الكريم الأستاذ الفاضل مصطفى بن الحاج بكير حمودة الذي أخلص فوقى وأكرم فكفّى كما أجزل الشكر إلى
ح (1/10)
صفحة 11
الصديقين الدكتور محمد محيي الدين والدكتور معروف بلحاج بن بنوح على ما قدماه لي مـ
معاونة.
وحقيق بي أيضا أن لا أنسى الكريمين الفاضل: الحاج محمد بن محمد اطفيش (قيم مكتبة القطب) والفاضل موسى اطفيش على نبلهما وشهامتهما. وحرصهما على إشعاع العلم والمعرفة والله أسأل أن يعينني على إنجاز أعمال أخرى في مجال تحقيق التراث الجزائري بخاصة والعربي
الإسلامي بعامة.
تلمسان. 12 ربيع الأول 1425 هـ
والله الموفق
2 مايو 2004 م
ط
محمد زمري (1/11)
صفحة 12
1
منت
اقد
منه الله منه
امات
ديخان و دراما ف ك مات قتاعنان
م تمر محدد است. وجه النخست
جزاته: سننا من معنا و حب الا تب جنبه اون باخت
لا بعد محول فيه
البعدان فتح عن مقدر على الله عيات والله الفتحة الشداد تاد و نه ملاحة تداهم عنه الناس ده و له ناله اي تر است.
له
لام شود
، متاع واحدا مني وهو. اتمام مسله سنوات
ينہ
ذرية فيه.
ستہ انتو به من 99 ن ووجه
اللوحة الأولى (ظهر)
ي (1/12)
صفحة 13
24
ي ما ان جنسكيقه الاشاره البارد
همت
اه مي ساده بحث تورنت
قامة والله شر مند.
مشددة عن البعد عن هاته وه باشد افت و جو
حايا داخت خروشه
ال جان بند باشه 200 رف كبت، جبك للهمجية ي نه سم - ورود
وكيشان
ه مرة قبي
وعنا عنه في وفني جدا ان من الكيفية الحميدة رومير و الخدام وانت له قيمة النقدين منه مانه نشده
كمة الاستا دية او القصبة بقاء كنو نه بيدي موسى
ال وام بطه بالصلابة ون
ه جا و در جلسه مع الجسم
كيفية
ا ولك الحركة معي وأهته رحب ولوك من اسمه. ت الصورة من النحو اللاتي. واكد
ة كتبات البحرية موقه.
الخفية امنة الوعب
شده دارد نويد نويد حامد بهنام باني
خصيات المحتوية ذلك مقام اة وصات النصية الركنة
جاه الوض بإحالة وهذا كنت
اجد ويجب النسة المعارضة والفارس
تعب
موحد
ر الكرة الكمت امام في النقد
محمد د 700 مراسم 1
thelp p
مع
ر دهند علم،
اللوحة السابعة (ظهر)
ك
-4 (1/13)
صفحة 14
حاتة - - الشرحة حوا - للمتابعه من الجر و دمج والا حومه احلا. في من هم زله مينجب من نوع الى همواره بالاسنان وأجد له تكون لكن المص
مونه ت و ده او سلام - محب الراحل محمد المات و الالمخده من الالم من له دواي دهد (ع) اور حمل الا عن الدعم عدالت و المريد نجم صور أنم
هذا الدمين اولويها مرة اهداها بان يكون خود ما وبعدة، والحمد الحملة مذكر است دان اع وقدامة من الأعراض الرة الواحمد عمو ميديد في جو بهانه اي ما وبار الان إن نجا شود تعددية الزيرية وهو الحملة التهما وان النسبية مندى وارد السعيد ه از انستي والسامة و هذا من الأبدال فالعموم من و غذا ميشد من الأفهام والسكن الامة والحملة مده اليہ جاوا از عراض ع جملہ فسم بعنه صور نسيم و بعد و الجدة النمو السات وهو ما بند مهر وان انگلام او جد الكلامين لمنحشو عين ومنهي الميزا من له الجماعه
ان را مشهد
مان للتجميل ومسلمة بالنسبة للمتهم وإصابته وما اغار ها استجابت و اجابه ومن الإنتاج الاستعلم الم الازها معموه وجه والله لا و يكونا مراد بعد الانت و شد انا بهام و جري جام کلوله سال
ولون العشر وم خونه بعبد محمد وبرضون فغوله بوت خود به اهدان با لانتشار
لا مع التداوية وا.
رعب من و تو تركه لى نا نحن صارة و فى ذكره الديانة اجاد الملا كرة الجن من تتم اليها المالية مده 0 ك بولار عوا ما هم به مهار و ان قلت بلند نرم وما ما.
ما حرم الكشله من يتم على الارجوا ان نكوب ونج خراب احمد الله اعلم
?
الميول المادة 9
علوم الحاسن الأختي نه مار
ات والبر هو و يومنو به ان کا بعد ان واني کا مورد آنے ولا ف الدنيه من الله قول السلام راه مستعد و محمود فرما ديار و تنريلا بعد ترانه عز مقره قباد به نازله و ذر اللازم به الروم الكفتة ولا محمد الا لأنه السرلر والنهار وانتي لانه رفاه
صوبة
از الان من خلام لا تود انه با ساعد الأول ولاية الحملة به سجون الاد فله او و فرار ويع صور عمر صدها ما نسبه و لك تحتوي أوتاد الاجزا هبة: مرام الله المال وع در مرحب احد بالام والانبار باي رنتي، خروج وقتها بالة الاسلام رجب والدك الآن ات المرور مركون بكار با سقيم السر و قدرة اننا با فر خود مسار، وتزا مرادي وموجة بالمساواة بهذا الأب أوليت الكسارة هذا اداره مراسم اصلاح الحالات الاجارة الجمال قال له لا يحرعت الول او را سوار و نوبران به زير عمر با هد هي الجداول في روبات س تابه و رفع و دور المحسن العبادة وهم مقام امرنا و كه امير ان الرحمن ومين وقال ابو الح الدار ونش من الرحات الفنية كان العلا ما دانت انام معصم اس ماتدفي مله وزيا نصار عزه مو و هانيه: وعلى الجيم جفن القبر امي
من ايراني ده من النواب الأسر الادهم الحمد العونه و لب به إلى اخذها ين العام يصرف نو ياد تودد و هر اسم راي راسته او قه نه واين دست راست موت دير البيت 2 تا وهو الحدى الرب المنشد والاسم
اللوحة الثالثة والتسعون (وجه)
ل (1/14)
صفحة 15
84 11:55
واد السيد
الاسكاب إذانات السود دورات عن حمات مده است بر شت به اير عراقشه درمان لا مدبل لسته الجاد مي شود دونو جامه القريه كود محوره السور درون ماصا مات الاسا في تهو الرحم كان في فيلا وانت و معزت صاحب سرا و فه را جامه از مسعود في من
و الاختبانات التودر ته لابد: شامل وعلى مسجد چه د ان معرفة الكرون القول هور - دا انه ان زبانيست ارايه از دي هر کدها هانو ادوات الي يقن الحق ابا نوشات تقرا عارات شركة غول مكوة ولا تقدرونات اخير به تا 29 خيال وحدا ولا بتغير والد الجوازا - يكون حالة الايت واقف على الامن والعلاجية والبت هست بالعود والكلام د انت ويا: هذا العقة بل كل الله موجد احد و العلم ..
احة الشره حمد و المعهود
شب
اخو
اللوحة الأخيرة من المخطوط حيث لا نجد ذكرا لاسم الناسخ ولا لتاريخ النسخ)
م (1/15)
صفحة 16
C. (1/16)
صفحة 17
بسم
الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم جلّ الله عن الشريك والمضاد، وتعالى عن الشبيه والمناد، وصلى الله وسلم هو وملائكته على مبلغ أنبائه، [رسوله محمد بن عبد الله أفضل خلقه وأنبيائه وآله وصحبه الأبرار، ووفقني، ورحم الله [من أخذ من] كتابي مخلصا و لم يعقني.
وبعد: فيقول امحمد اطفيش: هذا "
تخليص العاني من ربقة جهل المعاني" تقبله الله مني وجعله محوا للذنوب عنّي، وهو الذي إذا غفر الذنب العظيم لم ... [وهو] الغني المغني، والكبير
المتعال.
باب فصاحة المفردات
11
تقول: " غلام زيد " کلمتان، فصيحتان و زيد العاقل " كلمتان فصيحتان، وإن قام زيد كلم فصيحات، كما تقول: " غلام " كلمة فصيحة، و" زيد " كلمة فصيحة، و"العاقل" كلمة فصيحة، و" إن " كلمة فصيحة، و " قام " كلمة فصيحة، و" زيد " كلمة فصيحة، وقول فصيح
11
في ذلك كله، وتقول: " غلام زيد " قول فصيح و زيد العاقل " قول فصيح.، و"إن قام زيد
قول فصيح.
والفصاحة ـ لغة - لا تخرج عن معنى الظهور، فكل دلالة على البيان والظهور] تسمّى [
-
-
11
فصاحة سواء وُضِعَ اللفظ لتلك الدلالة وحدها، أو وضع لها مع غيرها دفعة فكانت جزء معناه، أو استلزمها معناه وسواء كانت حقيقة أو مجازا، وإنما قدمت الفصاحة على البلاغة؛ إذ لا توجد البلاغة في كلام أو متكلم إلا بعد حصول فصاحة المفرد والكلام، فكل بليغ من كلام متكلم فصيح أو بعض الفصيح.
والبليغ هو ما طابق مقتضى الحال من الفصيح؛ فإذا كان الكلام فصيحا بليغا فالمتكلّم فصيح بليغ، وإذا كانت المفردات فصيحات فالمتكلم فصيح فيها. ولا يقدر على تأليف كلام بليغ من لا يقدر على تأليف كلام فصيح ولا يقدر على تأليف كلام فصيح من لا يقدر على تأليف كلام صحيح في مطلق فن النحو. (1/17)
صفحة 18
وفصاحة كلّ مفرد في الاصطلاح كون حروفه متلائمة، مع كون ذلك المفرد كلمة مشهورة وموافقة لقياس الصرف أو مخالفة له، لكن كثر ذكرها في كلام البلغاء مع مخالفتها، أو لا تذكر مخالفة فإن لم تتلاءم حروفه بل تنافرت، أو لم يكن مشهورا بل غريبا، أو لم يوافق القياس أو وافق قياسا مهجورا لم يكن فصيحا.
إلا مع
باب التنافر في الكلمة
هو وصف فيها يوجب عسر النطق بها " كالمعتع " - لنوع من النبات ـــ لصعوبة اجتماع
-
الهاء والعين المهملتين متصلتين، وهو بهاء مضمومة وعين مهملة ساكنة فخاء مضمومة، وكقول
امرئ القيس في وصف شعر حبيبته: [من الطويل]
غدائرها مُستشزرات إلى العُلا تَضِلُّ العقاصُ فِي مُتَنِّى وَمُرْسَل
"القيس
"1
ومعنى " امرؤ القيس " إنسان القيس أو رجل القيس؛ أي رجل من قبيلة تسمى وذلك لقب له، وامرؤ الذي يذكر فيما همزته همزة وصل كقوله تعالى إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ، والصحيح أن القيس الشدّة؛ فمعنى " امرؤ القيس " رجل الشدة والقوة، وهذا تفاؤل، وقيل القيس جسم، ولذا كره بأن يقال يا امرأ القيس، وكان يروى [عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل]، والبيت من قصيدته المشهورة اللامية غير المردفة، والهاء في غدائره للشعر المعبر عنه بالفرع في البيت قبله:
وَقَرْعِ يَزِينُ الَّذِينَ اسْوَدَ فاحم أثيت كفتو النحلة التعشكل "
والغديرة: القطعة من الشَّعر الذي ينسدل من الرأس إلى الظهر إذا أرسل، والمراد هنا الملوية لكن لو أرسل لوصل الظهر، وسمّي الشَّعْرُ غديرة لأنه غودر أي ترك حتى طال. ومستشزرات:
2
شرح ديوان امرئ القيس للأعلم الشنتمري، تح: الشيخ ابن أبي شنب، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1974/ 1394. ص 74، وشرح المعلقات السبع للزوزني. تقديم ظافر كوجان، دار اليقظة بيروت 1969. سورة النساء (جزء من 176) الآية الكريمة: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الظُّلُتَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةٌ رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
شرح ديوان امرئ القيس للأعلم الشنتمري. ص 76، و شرح المعلقات السبع للزوزني ص 79. (1/18)
صفحة 19
كما
مرتفعات (بكسر الزاي؛ يقال: استشزر الشعر أو غيره: ارتفع، واستشزرته: رفعته فهو مستشزر (بفتح الزاي أي مرفوع، فهو في البيت بالكسر من اللازم، أو بالفتح من المتعدّي، وهو أولى إذا كان ذلك في الشعر الملوي إذ الأنسب فترفعه وأما بلا (لي) فالأولى كسره، وعلى كل حال فهو كلمة غير فصيحة لثقلها على اللسان وضابط التنافر أن كل ما يعده الذوق السليم ثقيلا متعسر النطق فهو متنافر. والذوق هو قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك لطائف الكلام ومحاسنه، وهو إما طبيعي للقرب لا لغرباء، أو كسبي كما للمولدين والممارسين، فإذا عدّه الذوق السليم متنافرا فهو متنافر سواء أكان من قرب المخارج أو من بعدها [أو غير] ذلك، فقد يوجد قرب المخارج ولا يوجد التنافر، وليس كما قيل: إن المعوّل عليه في التنافر قرب المخارج أو [بعدها]. لأن كلاً منهما لا يطرد، فقد حسن "بلغ " بالإدخال كما حسن غلب " بالإخراج من جهة الحلق إلى الشفة فقيل "مستشزرات تنافر بـ (الشين بين (التاء) و (الزاي)، وبه قال الخلخالي لأنّ [منشأ الثقل في مستشزرات هو توسط (الشين المعجمة)].
4
والحروف المهموسة عشرة يجمعها قولك:" حثه شخص فسكت "]، والهمس والخفاء وهي خفية [ .... ] الضعف الاعتماد] عليها في مخارجها، والزاي (المعجمة) التي هي من الحروف المجهورة [ .... ] تسميته للجهر بها لقوتها [ .... ] وهي ما عدا المهموسة، والشديدة حروف أجدك قطبت) والرخوة ما عدا ذلك، وحروف) لم نروعا بين الشديدة والرخوة، ولقد قال: «مستشرف ذلك بالراء) المهملة والصحيح ما قلنا التنافر ما استثقله الذوق السليم، وبه قال ابن الأثير أبو الفتح نصر الله بن محمد".
ينظر المثل السائر لابن الأثير. تح: د. أحمد الحوفي وبدوي طبانة، منشورات دار الرفاعي بالرياض. ط 1983/ 2، ص:
142 - 254 – 259
5 - هو شمس الدين محمد بن مظفر الخطيبي الخلخالي أحد أعلام الأدب والمعرفة له مصنفات عديدة منها: شرح المصابيح - شرح المختصر شرح المفتاح شرح التلخيص. وللتوسع ينظر بغية الوعاة للسيوطي 1: 247 و معجم للزركلي 7: 235
6 - هو ثالث أبناء أثير الدين الجزري. ولد سنة 558 هـ وتوفي سنة 637 هـ.
الأعلام (1/19)
صفحة 20
وأما ما قاله الخلخالي فمعترض بأنّ (الراء المهملة من المجهورة [فليحصل بها ..... ] وعلى صحة ما قاله فلا وجه لذكر كون (التاء (همسيّة في تحصيل التنافر لأنه لم يحصل بكونها شديدة لمنعها النفس أن يجري معها لقوتها في مخارجها، وسميت حروف (لم نروعا) بينها وبين الرخوة لأنّ النفس لم ينحبس معها انحباس الشديدة، ولم يجر معها جريانه مع الرخوة. وإنما قلت (الراء) المهملة مع أنّ كتابتها تغني عن قيد المهملة؛ لأنّ من العرب من ينطق بـ (الزاي) إذا نطق باسمها فيقول: (زاء) بنقطة فألف فهمزة فيحترز على هذه اللغة بقولنا المهملة. وأجيب من جانب الخلخالي أن الثقل الزائد بـ (الراء المهملة في مستشرف [هو] الثقل الحاصل إذا تلت (الشين) (زاي) لا مطلق الثقل و (الزاي ولو، جهرية لكن بين الشديدة والرخوة بخلاف (الراء) فإنّها مجهورة ورخوة. واعترض هذا بأن كون (الزاي) بين الرخوة والشديدة يوجب ثقل مستشرفات على مستشزرات على مقتضى قول الخلخالي لأنّ معاندة (الشين) للـ (راء) من جهة همسها ورخاوتها، ومعاندة (الشين) للـ (زاي) من جهة همسها فقط؛ لأنّ (الزاي) مجهورة رخوة. وأجيب أيضا من جانب الخلخالي بأنّ وجود (الراء) (والفاء) أورث عدم التنافر لأنهما من حروف الذلاقة، وهي حروف مربنفل "، والذلاقة سرعة النطق. قال الزوزني: " إن قرب " المخارج سبب للثقل المخل بالفصاحة، وإن في قوله تعالى ألَمْ أَعْهَدْ ثقلا قريبا من المتناهي، فيخلّ بفصاحة الكلمة؛ أي: يجمعها بين (الهمزة) و (الهاء) الخارجتين من أسفل الحلق،
والعين الخارجة من وسطه.
11
وأما الثقل المتناهي فنحو: " المعجع " (بكسر الهاء وإسكان العين المهملة وفتحها وبعدها غير مهملة)؛ وهو نبت أسود وتناهي ثقله الجمعه بين الهاء الخارجة من أسفل الحلق والعين الخارجة من وسطه ــ وذكرت مرتين - والخاء الخارجة من أعلاه، وذلك في " ألم أعهد " على قراءة غير ورش، وأما ورش فينقل فتحة الهمزة للميم ويسقط الهمزة. قلت: الجواب عندي إن مادة
-
- ينظر حاشية الدسوقي (شروح التلخيص 1: 81).
8 - سورة يس جزء من 60. الآية الكريمة: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
9
- هو عثمان بن سعيد بن نافع بن عدي المصري، من كبار القراء غلب عليه لقب ورش، أصله من القيروان، ومولده عام 110 هـ ووفاته عام 197 هـ بمصر. ينظر إرشاد الأريب 5: 33 وغاية النهاية 502:1 والتاج 4:364.
? (1/20)
صفحة 21
"عه
هـ
تدرب عليها اللسان في القرآن، وغيره وخفّت في الذوق فصارت كسائر
الكلمات التي لا ثقل فيها، فلم يحصل الثقل بزيادة الهمزة، وذلك أنها كلمة تنطق بها العرب. د خلقها الله في ألسنتهم كلها، وأن المتنافر هو الثقيل على
كلهم؛ أعني مادة {ع
هـ
الإطلاق.
وأما بالنسبة فكل كلمة تكون ثقيلة بالنسبة إلى ما هو أسهل وقد اجتمعت ثماني ميمات في قوله تعالى أُمَمٍ مِّمَّنْ مَّعَكَ) 10 و لم يثقل، قيل: بل زاد خفة وإنما تحصلت ثماني ميمات بقلب النزن فيها. وأما الجواب فإن الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن الفصاحة، كما لا يخرج الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير عربية عن أن يكون عربيا ـــ فلا لأن الكلام لا يسمى فصيحا ولو طال وكان غالبه كلّه فصيحا، إلا إن كانت كلماته كلها يصح
فصيحات.
يخفي
ركنا الإسناد وما اتصل بهما من الفضلات
والكلام في هذا الفن " ركنا الإسناد مع ما اتصل بهما من الفضلات " إن كانت معهما فضلة، ومرادي بالاتصال كون الفضلة ولو فضلت. وأما في اصطلاح النحو فالصحيح أن الفضلة خارجة عن الكلام، وأنت خبير بإن أعهد " ركن إسناد فهو أبعد عن أن يدعى فيه تنافر، ولا أيضا أنه يلزم على ذلك الجواب أن لا تخرج السورة عن الفصاحة بكون كلام تام فيها غير فصيح ولو كان وليس كذلك بل تخرج. لكن لا يوجد كلام ولا كلمة في القرآن غير فصيحة، وإلا كان [معيبا]، فكيف يكون معجزا؟ والحق إن إعجازه بلفظه أو به مع ما فيه من الإخبار بالغيب الخارج على [ ... ] وأما كون بعض الكلام عجميا فلا يُخرج الكلام عن كونه يجري على سَمْت] العربية من كونه فاعلا أو مفعولا أو مبتدأ أو خبرا أو نحو ذلك ولاسيما ما في القرآن من الأسماء العجمية مثل] "موسى" فإنها كالأسماء العربيات، لأنّ العرب كانوا يذكرونها كما ذكرت في القرآن ولو لم تذكر كذلك، بل يعدّ] العرف والإجماع حجة.
10 هود جزء من 48 - الآية الكريمة (قيلَ يَانُوحُ اهْبِطُ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمْ ستمتعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (1/21)
صفحة 22
وقد أجمع الموحدون [على] أن القرآن عربي، بل زعم بعض أنه يكفي في تسمية [القرآن] كون أكثره عربيا، والعلا " بالضم جمع " العليا " والمراد: السموات أو أعالي [الأرض]، و' تضل " تغيب، و" العقاص" جمع عقيص وعقصة (بكسر العين وإسكان القاف) وهي: الخلصة المجموعة من الشعر المثنى المفتول خلاف المرسل، أراد أن ذوائب شعرها مشدودة بخيوط على وسط رأسها، وأن عقائص شعرها تغيبت في مثناه، ومرسله والمراد بالعقائص: هو الغدائر، فما شعر رأسها إلا ثلاث غدائر: وهو العقائص ومثنى ومرسل، وفي جمع العقاص مع المراد المثنى والمرسل إشارة إلى أن العقاص مع كثرتها تغيب في المثنى والمرسل مع وحدتهما تلويحا بكثرة شعرها، وذكر بعضهم أن المثنى المفتول والعقاص: الملوي كالخيط، والمرسل: ما لم يلوّ و لم يفتل، وأنّ الذوائب تشمل الثلاثة، وأن الجمع شدّ على الرأس بالخيوط فارتفعت إلى أعالي الرأس، وأن التقدير: تضلّ العقاص منها في مثنى ومرسل منها أي الغدائر، ويروى: تضل المذاري: جمع مذرى
والمراد: المشط، وأصله: خشبة ذات أطراف يُزال بها التبن ونحوه عن الحب ونحوه، وقيل: من عادة نساء العرب أن تجمع المرأة شيئا من شعر رأسها في وسط الرأس، وتشده بخيط، وتجعله كالرمانة؛ ويسمونه غديرة وذؤابة وعقيصة، ويسترنه بإرخاء المثنى والمرسَل فوقه الزوراء، ويُسمى أيضا المثنى والمرسل غديرة وذؤابة والدليل على الشدّ بالخيوط لفظ " مستشزرات “، ولاسيما وأما] لفظ " العقاص" فإن العقاص: شعر و عقاص: خيط يربط به
إن فتحت الزاي. أطراف الذوائب، والله أعلم.
باب الغرابة
وهي كون الكلمة غير ظاهرة المعنى الموضوعة هي له من حيث إنّه لم يُؤنس استعمال العرب لها، ولو أنس استعمالهم لها لكانت ظاهرة المعنى، ولو لم يؤنس عند العلماء أو عند المولدين، غير ظاهرة المعنى أيضا وحشية لأنها لم يُؤنس استعمال العرب لها أشبهت الحيوان
وتسمّى التي هي الذي هو وحشي، وإذا كانت كذلك لزمها اسم " الغريبة " و" الوحشية" ولو كثر استعمال العرب أو المولّدين لها أو العامة، وخرج المتشابه في القرآن والمشكل والمجمل، لأن معانيها لم تعلم لعدم الدلالة عليها، وإنّما يعلم المجمل في تفصيله.
? (1/22)
صفحة 23
والغرابة تتفاوت بالنسبة إلى قوم فالمراد بالغرابة المخلّة بالفصاحة: أن يكون اللفظ غريبا بالنظر إلى الفصحاء كلّهم لا إلى العرب كلهم، فإنّه لا يتصوّر، إذ لا أقل من تعارفه عند قوم يتكلمون به؛ فالغرابة أعمّ مما يخلّ بالفصاحة، فثبتت فصاحة غريب القرآن والحديث، وبها تقرر علم أنّ قوله تعالى إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ 11 فصيح لأنه مأنوس الاستعمال عند قوم من فصحاء العرب، وعدم ظهور المعنى المخلّ بالفصاحة إنّما هو بالنظر إلى الأعراب الخلص كلهم من سكان البوادي لا بالنظر إلى البوادي؛ فإذا وصف اللفظ بها في مقام المدح فإنما هو اعتبار المولّدين، وأمّا باعتبار بعض الأعراب الخلّص من أهل البادية فلا قدح ولا مدح. ثم الغرابة قسمان: أحدهما أن يكون اللفظ قليل الاستعمال فيخفى معناه، فيبحث عنه في كتب اللغة أو في دواوين الأشعار أو نحو ذلك، أو تسأل عنه حفاظ اللغة، فيوجد أن لفظ كذا وضع لمعنى كذا، و لم يكن خفاؤه لتصرف فيه بل لقلة استعماله.
والثاني: أن لا يظهر معناه لتصرّف فيه إلا بتكلف تخريج على وجه بعيد، وهذا أغرب من الأول؛ لأن تخريجه على وجه بعيد فرع عدم وجوده في كتب اللغة؛ فالأول " كالجرشى" في قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة أبا الحسن من المتقارب المحذوف العروض والضرب:
مُبَارَك الاسْمِ أَعْرُّ اللّقَبْ كَرِيمُ الجَرَشى شرِيفُ النِّسَبْ
120
"مبارك" الاسم وجه بركة اسمه أن اسمه "علي " مشعر بالعلو مع موافقته لاسم "علي بن أبي
11
طالب" فيما قيل، ولو قيل موافقة اسم الله لكان العلي ثم كان لموافقة كنيته كنية علي] وهي أبو الحسن" وموافقة اسمه لاسم الله ولاسم علي. [وأغر] اللقب: مشهور اللقب وهو " سيف الدولة " واسمه أيضا [علي بن عبد الله حمدان بن] بألقابها و" شريف لكونه عباسيا، وأصل أغر: فرس أغر أبيض، استعير لكلّ أبيض أو كلّ مشهور [وهو استعارة] تصريحية وليس مجازا مرسلا، والسببية كما قيل. والجَرَشى بفتح الجيم والراء وتشديد الشين بعدها ألف):
11
.
11 - سورة طه جزء من 63 - الآية الكريمة: قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى
12 - ينظر الديوان، شرح الواحدي النيسابوري، تح: فريدريخ ديتريصي، طبع في برلين 1831 2: 198. وينظر شرح مصطفى السبيتي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1986/ 1، 2: 619
Y (1/23)
صفحة 24
النفس. وهو
لفظ غير فصيح لغرابته. و" كَتَكَأَكَأْتُم" و" افْرَنْقعُوا " في قول أبي علقمة عيسى بن
]:
عمر النحوي" حين سقط من الحمار، واجتمع الناس عليه] (مالكم تكأكأتم علي تكأكؤكم [حين على ذي جنة، افرنقعوا عنّي) [أي اجتمعتم، تنحوا وتفرقوا عني]، وذكر ذلك في الصحاح، وقال الزمخشري: [في البدر الفائق في غريب الحديث"] عن الجاحظ: إن أبا علقمة مر ببعض طرق البصرة وهاجت به (مرّة) يعني الصفراء فوثب عليه قوم يعصرون إبهامه ويؤذنون في أذنه؛ كما يفعل بالمجنون فأفلت من أيديهم، فقال: (ما) لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني، فقال بعضهم: "دعوه فإنّ شيطانه يتكلم بالهندية "، ويمكن الجمع بين ذلك بأنه سقط من الحمار لهيجان الصفراء به.
يعني
مبعد
الثاني: كمسرج في قول العجاج: [من الرجز]
أَزْمَانَ أَبْدَتْ وَاضحاً مُفْلجاً
أَغَرَّ بَرَّاقًا وَطَرْفاً أَبْرَجًا
وَمُقْلَةٌ وَحَاجِباً مُرَجَّجاً وَفَاحِماً وَمَرْسَنَا مُسَرَّجا
" أزمان " ظرف منصوب متعلّق بما قبله مضاف للجملة بعده جمع " زمن "، وفي " أَبْدَتْ " ضمير عائد إلى محبوبته، وقيل: " أزمانُ " مبتدأ، اسم امرأة، وفي " أَبْدَت " ضميرها، والجملة خبر. والمعنى أظهرت، و " واضحا " بمعنى شيء واضح أي أبيض وهو السن، و " مفلجا " بمعنى الآخر بفسحة بينهما، و " أغرّ ": أبيض، و " طرفا " عينا، و " أبرجا ": محدق بياضه بسواده كله، و " البَرَج ") بفتح الباء والراء) أحداق بياضه بسواده و " المقلة " بياض العين مع سوادها أو موضع البصر من السواد، والمَرْسَن بفتح الميم وكسر السين وفتحها): أنف البعير، مكان أي موضع الرسن، و " رسنته ": جعلت له زماما أطلقه على الأنف مطلقا، فاستعمله في أنف المحبوبة مجازا مرسلا لعلاقة الإطلاق والتقييد أو أحدهما، وهذا هنا أولى من التشبيه على الاستعارة، إذ لا يحسن تشبيه أنف الحبيبة الممدوحة بأنف البعير؛ إذ لا جمال في أنفه ولا زينة ولا
اسم
13 - توفي سنة 149 هـ، ينظر الأعلام للزركلي 5:106
14 - الديوان رواية الأصمعي وشرحه، تح: د. عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس دمشق 1971 2: 33. وينظر أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، تح: هلموت ريتر مكتبة المثنى بغداد، ط 2، 1979. ص: 29. (1/24)
صفحة 25
11
فائدة في مطلق التشبيه بأنفه في أن كلا منهما ولا سيما أنّ الاستعارة أبلغ. وعلى كل حال لا يحسن له التعبير عن أنفه باسم أنف البعير، و" مزججا " بمعنى مدقق من الله مطول مع تقوس، و" فاحما " بمعنى شعر أسود. يقال: فحم الشيء (بالضم) فحومة فهو أفحم وفاحم أي: أسود. فليس تشبيها بالفحم، ولا نسبا " كلابن " و " تامر"، فضلا عن أن تُدَّعَى فيه غرابة كما قيل. و مسرجا " عند ابن دريد 15 بمعنى السيف المنسوب إلى سريج وهو حدّاد تنسب إليه السيوف، ووجه الشبه الدقة والاستواء، أو بمعنى كالسراج في اللمعان عند ابن سيدة 16، وهو اسم مفعول من " فعل" (بالتشديد بالنسبة إلى الأصل، كقولك: تممته أي نسبته إلى " تميم " وفسقته: نسبة إلى الفسق، لا كما يقال: إنّه بكسر (الراء) للصيرورة أي: صائرا كالسيف السريجي أو كالسراج، ووجه البعد أنّ محرَّد النّسبة لا يدلّ على التشبيه فأخذه من بعيد، فذلك عند حفاظ اللغة أن لفظ " مسرّج " لذلك المعنى، كما تجد أن لفظ " أسد " للسبع، ولفظ كذا لكذا، ولا تجد ذلك في كتب اللغة، ولا يعتبر وجوده بعد أن شهر هذا التخريج؛ لأن ذكر هذا في كتب اللغة وحفظه ليس من نفس جمع الألفاظ اللغوية بل كتفسير إذ المراد بالرجل فلان وبالأعمى ابن أم مكتوم.
ويجوز أن يكون " مسرجا " من سرّج الله وجهه أي حسنه فيكون من القسم الأول، أو
جعله ذا سراج فيكون من القسم الثاني الذي نحن فيه؛ وذلك أنه لا يوجد " سرج " بمعنى حسن "، كما أنه لا يوجد " تكأكأ " و " افرنقع " إلا قليلا، ولا يوجد " سرّج " بمعنى جعله ذا السراج إلا بهذا التصرف، فإنّ المعنى الظاهر لسرج الله وجهه جعله ذا سراج حقيق محمله على جعله ذا سراج بالمشابهة في اللمعان تخريج على وجه بعيد، ووجود " سرجه الله " بمعنى في ديوان اللغة و تاج العروس" ونحوهما لا يوجب فصاحته لإمكان أنه أتى من استعمال الناس
"
"حسنه"
15 - هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي المتوفى سنة 321 ن ينظر جمهرة اللغة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، ط 1/ 1345 هـ. 16 ـ هو علي بن إسماعيل بن سيده المتوفى عام 458 هـ، ينظر المحكم والمحيط الأعظم - تح: محمد علي النجار، معهد المخطوطات العربية مصر - ط 1973/ 1، 7:192
17 - للإمام اللغوي محب الدين ابي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي. (1/25)
صفحة 26
له بذلك المعنى، أوشُهر في كتب اللغة بعد حكم المتقدمين بأنه غريب وقال المرزوقي السيف السريجي أيضا منسوب إلى السراج على غير قياس؛ لأنه إن نُسب إلى "السراج " بلا تصغير، فالقياس السراجي، أو نسب إلى تصغير سراج فالقياس السريجي (بتشديد الياء بعد الراء) لتكون فيه ياء التصغير وياء عن ألف " سراج "، أو جاز أن يكون السريجي بمعنى السيف الذي هو ذو سراج أي يضيء لصفائه كالسراج [قال أحدهم لك]: سرّج الله أمرك أي حسنه ونوّره، وهذا إثبات لهذا المعنى على حد ما مرّ عند " التاج " و" الديوان".
والغرابة باعتبار الحسن و القبح قسمان أيضا. الأول: أن يكون غريبا حسنا يعاب استعماله] و عدم كراهته في الذوق [" كَشَرَنبث " الغليظ الكفين والرجلين واسْمَحَرَّ " و" اقْمَطَرَّ "، وهو في النظم أحسن منه] في كلامهم ومنه غريب القرآن والحديث والثاني: أن يكون غريبا قبيحا يعاب استعماله لثقله في السمع والذوق، ويسمى متوعرا أو وحشيا غليظا " كجحيش" للفريد في خصلة حسنة و" اطلخم " الأمر اختلط، والله أعلم.
وهي
باب المخالفة المخلة بالفصاحة
مخالفة قياس الصرف للضرورة أو الشذوذ الاستعمالي، فليس من الباب "أبي، يأبى" ولو
فتح الماضي والمضارع معا بلا حرف حلق عينا أو لاماً، فقياس المضارع الكسر، و" عور، يعور "
"
بالتصحيح والقياس " عار، يعار" و " استحوذ " أيضا، والقياس " استحاذ " و" قطط " القياس قط " و" آل " و " ماء " القياس " أهل" و " ماه"، إذ لا يقاس قلب الهاء ألفا ولا همزة، ولو قلبت الهمزة بعد ذلك ألفا، ولا قلب الهاء همزة؛ فمثل هذه الكلمات فصيح ولو خالف القياس لأنها ثبتت كذلك عن الواضع، فهي شاذة قياسا فصيحة استعمالا. وقيل في " يأبى": إنه غير شاذ
18 قال السيوطي في البغية 1: 365 هو الإمام أبو علي
أحمد محمد
بن
بن
الحسن المرزوقي من أهل أصبهان كان غاية في
الذكاء والفطنة، توفي سنة 421 هـ تاركا تصانيف عديدة، منها: شرح الحماسة، وشرح المفضليات، وشرح أشعار
هذيل. (1/26)
صفحة 27
قياسا، وإنه مضارع أبي (بالكسر) استغنى به عن " يأبي " (بالكسر) مضارع أبي (بالكسر) مضارع " أبى " (بالفتح)، أو إنّ الألف حرف حلق فأثر هذا في فتح المضارع ولو لم يؤثر في نحو " أتى "، [وقد] بسطت ذلك في " شرح اللامية
19
ومثال المخالفة المخلّة بالفصاحة أن تفك المدعم وتمدّ المقصور أو تصرف مثل " عمر " أو " أحمد " للضرورة، مثل بعض قول أبي النجم
الحمد الله العلي الأخللِ الواسع الفضل الوهوب المجزل
الحمد الله العلي الأَجْلَلِ الواحد الفرد القديم الأَوَّل
وفي رواية:
الحمد لله العلي الأخل أنت مليك الناس ربّاً فَاقْبَلِ
21
السعة
تنفي
والقياس: الأجل (بالإدغام)، ولا تتوهّم أن الضرورة كما أباحت مالا يباح في عن صاحبها عدم الفصاحة، بل ما يقبح من الضرائر مخل بالفصاحة، بل قيل: ما يقبح منها ومالا يقبح منها كلاهما مخل، وقال عصام الدين ": الضرورة: مقيسة وغير مقيسة، وفك الإدغام غير مقيس، وغير المقيسة مخلة بالفصاحة، وكل ما يثبت من القبح والضعف فإنّما يتوجه إلى أبي النجم إذ فك لا في اسم الله ل وتبارك وتعالى، وليس كون "الأجلل" (بالفك) أصلا للأجل (بالإدغام)
19 - شرح لامية ابن النضر، وتدعى أيضا قصيدة الولاية والبراءة. ينظر آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية لمصطفى بن الناصر وينتن نشر جمعية التراث القرارة الجزائر، 1996، ص 73
عند
20 - هو أبو النجم الفضل بن قدامة بن عبيد بن عبيد اله بن عبدة بن الحارث العجلي، كان رجازا ومقصدا، وقدم جماعة على العجاج. ينظر معجم الشعراء للمرزباني، تح عبد الستار أحمد فراج، منشورات مكتبة النوري دمشق، ص
0180
21 - هو عصام الدين إبراهيم بن محمد بن عرب شاه الإسفراييني نسبة إلى إسفرايين من قرى خراسان (873) هـ 945 هـ) اشتهر بالعلم وألف كتبا عديدة منها:. الأطول. و. ميزان الأدب. و. شروح و حواش في المنطق. و. التوحيد و. النحو - للتوسع ينظر الأعلام للزركلي 63:1 وشذرات الذهب 291: 8 وكشف الظنون 477 ومعجم
المطبوعات 133.
11 (1/27)
صفحة 28
يثبت الفصاحة له، لأنه أصل مهجور وكذا أصل كل مغيّر موضوع. ولا يقال: "الأجلل" (بالفك) داخل في الغرابة لأنا نقول: "الأجلل" (بالفك) و"الأجل" (بالإدغام) كلاهما مادة واحدة في معنى واحد مشهور وما تصرفت منه وما تصرف معها. و" ربّاً " (بالتنوين) حال من المستتر في مليك، ومن أجاز مجيء الحال من المبتدأ ومجيئه من الخبر مُطلقا أجاز كونه حالا من
أنت، وقيل: إنه منادى بحرف محذوف وهو مقصود لكن نُوِّنَ بالنصب للضرورة، وهذا على
أن
تما
الضرورة ما ورد في الشعر ولو كانت مندوحة، إن لم ينوّن لصح بالخبر، وعلى ذلك هو حذف حرف النداء منه والمنادى أعني اللفظ أنت جنس، وقيل هو غير مُنوَّن منادى مضاف للياء
المقلوبة ألفا. والله أعلم.
هي
باب فصاحة الكلام
كونه قوي التركيب متناسب الكلمات التي فيه كلّها ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه، فصيح الكلمات التي فيه كلها بأن لا تكون فيه كلمة تنافرت حروفها فيما بينها، ولا غريبة، ولا مخالفة للقياس؛ فإن كان ضعيف التركيب أو تنافرت فيه كلمتان فصاعدا إحداهما مع تاليتها ولو كانت في حد ذاتها لا تنافر بين حروفها ولم تتناسبا أو غير ظاهر الدلالة على المعنى المراد، بل معقدا أو كانت كلمة منه غير فصيحة - فليس بفصيح. والله أعلم.
باب ضعف التركيب
ألفة
ويقال ضعف التأليف والمراد هنا التركيب التام، والتركيب أعمّ لأن التأليف تركيب مع ما ولو ضعيفة، والتركيب مطلقا ضمّ كلمة إلى أخرى أو جمع ما فوق الكلمتين بحيث يحسن السكوت ولو لم تحصل ألفة ما وضعفه هو أن يكون تركيب أجزاء الكلام على خلاف القانون النحوي المشتهر فيما بين معظم النحاة الذين يقولون: إنّه المقيس المطرد، وإيضاح ذلك [أن] النحاة كالخليل وسيبويه تصفّحوا كلام العرب فاختاروا منه ما اختاروا وجعلوه [أصح وأفصح، فهو] القوي وغيره ضعيف، فلا يوهمنك قول عصام الدين في " الأطول ": إن العرب [ .... ]
12 (1/28)
صفحة 29
إلى من تصفح كلامهم لا إليهم لأنّ القانون النحوي كما [شرحه] [الخليل] وسبيويه وغيرهما قد عرفه العرب؛ وهو قانون لغتهم، ولو لم يعرفوا ما أحدث النحاة في اصطلاحهم، والغالب أن يكون الصواب مع جمهور النحاة بما منعوه كان غير فصيح، وقد يكون مع غير الجمهور لقرب مقاله إلى اللغة وظهور، شواهده، وإن لم يثبت أنّ أحد الرأيين رأي الجمهور ولا مرجّح اعتبر ما هو أقرب إلى اللغة؛ وإن اختلف البصريون والكوفيون ولا مرجّح، فقيل: يرجح مذهب البصريين لأنهم يتعمّدون الدليل القوي الكثير من كلام العرب والكوفيون يكتفون بالدليل الغريب القليل، وقيل بالوقف ولسنا - ولا بد - متعبدين بتقليد البصريين.
23
وقد اختار ابن هشام " أن قراءة الجمهور لا تكون مرجوحة، وليست قراءة غير الجمهور تنافي الفصاحة لإمكان إجازة الجمهور لها ولصحتها بأدلتها، بل كثير من قراءة الجمهور لا تجوز عند جمهور النحاة، ولهذا ردّها الزمخشري " لاشتمالها على ضعف التأليف، وكذا يرد التفسير الذي يفيد ضعف التأليف. ومن ضعف التركيب الإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما لا لغرض أما لغرض فلا يخرج عن الفصاحة، ومنه ما إذا حكم الواضع بوجوب الإضمار قبل الذكر فإنه فصيح، كما أنّ المحذوف لعلة كالثابت ومن [الخطا] تقديمه لا لغرض فيخل بالفصاحة، نحو: " ضرب غلامه زيداً " فهذا غير فصيح ولو أجازه الأخفش * وابن جني معلّلين بما ورد عند ابن سيده اقتضاء للمنقول تارة كشدة اقتضائه للفاعل مستدلّين بما ورد ظاهره على ذلك، ووافقهما عبد القاهر وابن مالك في شرح التسهيل" وليس إجازة بعض النحاة مدخلة في
24
22 ـ هو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد اله بن هشام الأنصاري الشيخ جما الدين الحنبلي (708 هـ / 761 هـ) له مصنفات عديدة، منها: - مغني اللبيب " و " شرح التسهيل " و " رفع الخصاصة عن قراءة الخلاصة. ينظر بغية الوعاة للسيوطي 68:2 23 جاء في بغية الوعاة للسيوطي 279:2 أنه: محمود بن عمر بن محمد بن أحمد أبو القاسم جار الله الزمخشري (538 هـ). ومن تصانيفه. الكشاف .. المفصل في النحو .. ربيع الأسرار. 24 ـ هو أبو الحسن سعيد ابن مسعدة البلخي الملقب بالأخفش الأوسط المتوفى سنة 215 أو 221 ينظر بغية الوعاة للسيوطي 1: 590.
25 ذكر المحقق محمد كامل بركات في مقدمة كتاب " تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد " ما يلي: (شرح المصنّف ـ ابن مالك ـ التسهيل ووصل به إلى باب مصادر الفعل، ويقال إنه كمّله، وكان كاملا عند تلميذه الشهاب الشاغوري.
13 (1/29)
صفحة 30
الفصاحة وأخذ بعض من عبد القاهر ذلك [أي] إنّه فصيح إذ كان قدوة في الفن ومنه جزى
ربه عنِّي عدي بن حاتم البيت " [من الطويل]، وقوله: [من السريع] لمَّا عَصَى أَصْحَابُهُ مُصْعَباً أَدَّى إِلَيْهِ الكَيْلَ صَاعاً بِصَاعِ"
وقوله: جزى بنوه أبا الغيلان (البيت) 28 [من البسيط] وقوله: [من الطويل]
29
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَلُومَنَّ قَوْمُهُ زهَيْراً عَلَى مَا حَرَّ مِنْ كُلِّ جَانب "
وغير ذلك مما ذكرته في النحو، وقيل بشذوذ ذلك أو برد الضمير إلى مصدر الفعل، أي رب الجزاء وأصحاب العصيان في الأول والثاني، وقد جعلوا الضمير إلى مصدر الفعل السابق من تقدّم المرجع كقوله تعالى (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ للتَّقْوَى 30. وفي تقدم الذكر لفظا أن يكون المرجع
ملفوظا به صريحا نحو " زيد ضرب غلامه "، و" زيد أكرمه الله "، و" ضرب غلاما ربُّه " والذكر المعنوي أن لا يكون مرجع الضمير مصرحا به قبله لكن هناك ما يقتضي ذكره قبله ككون رتبة تقدم الفاعل [تقتضي] التقديم على المفعول به؛ نحو: " ضرب غلامه زيد "، وككون رتبة المفعول الأول [تتطلب] التقديم على الثاني، نحو: " أعطيت در همه زيداً "، وكتضمّن الكلام السابق للمرجع كقوله تعالى {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. فإن الفعل متضمّن
فلما مات المصنّف ظن أنهم يجلسونه مكانه، فلما خرجت عنه الوظيفة أخذ الشرح معه وتوجه إلى اليمن ثم أكمله ولده بدر الدين من المصادر إلى آخر الكتاب وكمله أيضا الصفدي ... ) 26 - (جزى ربُّهُ عنِّي عدي بن حاتم * جزاء الكلاب العاوياتِ وَقَدْ فَعَلْ). نسب بعضهم هذا البيت إلى النابغة الذبياني. ينظر الديوان 160 و لكن بعضهم الآخر نسبه إلى أبي الأسود الدؤلي بحجة أن صدر البيت الذي نظمه النابغة هو: (جزى الله عبسا عبس آل بغيض .. ينظر الأعلام للزركلي،363:3، وينظر " المطول للتفتازاني، تح: مصطفى بن الحاج).، بكير حمودة، رسالة ماجستير بإشراف أ. د. محمد ناصر بوحجام. جامعة الجزائر / 1999، 28:1
27 ينظر المفضليات 323 وخزانة الأدب للبغدادي،. 40:1، والمطول - 28:1
28 - جزى بنوه أبا الغَيْلان عن كبَرٍ * وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُخرى سنمَّارُ. ينسب هذا البيت إلى سلط ابن السعد. ينظر الخزانة للبغدادي 142:1، وشروح التلخيص 98:1
29
30
ينسب هذا البيت إلى أبي مرة القردي الهذلي. ينظر خزانة الأدب للبغدادي 141:1
سورة المائدة جزء من (8) الآية الكريمة (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
14 (1/30)
صفحة 31
لمصدره، وكاستلزام السابق له استلزاما قريبا كقوله تعالى وَلأَبَوَيْهِ " أي أبوي الموروث أو أبوي الميت، فإن الكلام السابق في بيان الميراث وهو يدلّ على الميت الموروث أو استلزاما بعيدا، كقوله تعالى حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب 32 أي الشمس بدليل العشي.
33
والذكر الحكمي أن لا يكون مصرحا به قبل الضمير وليس هناك ما يقتضي ذكره قبله، إلا أن حكم الوضع أنّ المرجع يلزم تقدّمه وخولف مقتضاه لأغراض تجيء في وضع الظاهر المضمر، ومثال الذكر الحكمي ضمير باب. نعم - المفسر بتميز وضمير الشأن نحو قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ 33 إذا جعلنا. هو - للشأن، و" و" نعم رجلا زيد " إذا جعلنا " زيد. مخصوصا بالمدح، و"ربه رجلا أكرمه الله "، والحكمة في الثلاثة نكتة الإجمال فالتفصيل؛ والذي عليه النحويون جميعا فصاحة " نعم رجلا زيد "، وعدم فصاحة ضرب غلامه زيداً "، وهو الحق وليس يجزي قصد نكتة في هذا المثال الأخير وبابه فضلا عن أن يكون بها فصيحا، وقد علمت أن الكلام هنا دخلت فيه الفضلات فصح التمثيل بضمير أضيف إليه ونحوه من الفضلات كالمفعول به، والله أعلم.
"
-31
سورة النساء جزء من 11 الآية الكريمة: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنِ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ الله إن اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
32 - سورة ص جزء من -32 - الآية (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبُّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)
33 - سورة الإخلاص الآية
10 (1/31)
صفحة 32
باب تنافر الكلمتين أو الكلمات
أن وهو يتعسر النطق بما متواليات ولو لم يكن في الكلمة [تتابع] حروف متنافرة، وإن تنافرت حروف الكلمة في نفسها وتنافرت الكلمة بجملتها مع الأخرى خرج من] الفصاحة،
وكذا إن كانت غريبة أو مخالفة للقياس [كقول الشاعر من الرجز]
وَقَيْرُ حَرْب بمَكان قَفْرٍ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبِ قَبْرُ
فإن ما بعد ليس من الشطر الثاني متنافر [قيل إن نوعا] من الجن يقال له الهاتف صاح واحد فيهم على حرب بن أمية جد معاوية بن أبي سفيان فمات، فقال ذلك الجني هذا البيت، والتمثيل بكلام الجني جائز باتفاق وكذا بكلام كل أحد، وأما الاستشهاد فلا يجوز إلا بكلام العرب الموثوق بهم، والجنّ لا يوثق بأنهم قد مارسوا لسان العرب حتى كان كلامهم ككلام العرب، وقيل في جنّ بلاد العرب: إنه يوثق بهم، لكن من أين يعلم أنه من جنّها حتى يقال إنه مارس. وذكر المسعودي ". أن أمية كان مصحوبا تبدو له الجن، فخرج في عير من قريش، فمرت بهم حية فقتلوها، فاعترضت لهم حيّة أخرى تطلب بثأرها، وقالت: قتلتم فلانا، ثم ضربت الأرض بقضيب فنفرت الإبل، فلم يقدروا عليها إلا بعد عناء شديد فلما جمعوها جاءت فضربت ثانية، فنفرت فلم يقدروا عليها إلا بعد نصف الليل، ثم جاءت فضربت ثالثة فنفرتها فلم يقدروا عليها حتى كادوا يهلكون عطشا وعناء وهم في مفازة لا ماء فيها، فقالوا لأمية: " هل عندك من حيلة " قال: لعلها.
ثم ذهب حتى جاوز كثيبا فرأى ضوء نار على بعد فاتبعه حتى أتى على شيخ في خباء، فشكا إليه ما نزل به وبصحبه، وكان الشيخ جنّيا، فقال: اذهب فإن جاءتكم فقل: باسمك اللهم سبعا. فرجع إليهم وقد أشرفوا على الهلكة، فأخبرهم بذلك. فلما جاءتهم الحيّة، قالوا ذلك، فقالت: تبا
-34
ينظر البيان والتبيين للجاحظ دار إحياء التراث العربي. بيروت 1968، 48:1 وينظر دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، تح: د. رضوان الداية د. فايز الداية، دار قتيبة دمشق. 15/ 1983، ص: 47. وينظر الإيضاح للقزويني، دار الكتب العلمية بيروت، ص 47
35
-3 - هو أبو علي بن الحسين المؤرخ. ينظر وفيات الأعيان لابن خلكان، تح: د. إحسان عباس دار صادر بيروت
16
26:3 - 287:4 - 309:5،29:1
1968 (1/32)
صفحة 33
لكم! من علمكم هذا؟ ثم ذهبت وأخذوا إبلهم، وكان فيهم حرب بن أمية ابن عبد شمس جد
معاوية بن أبي سفيان، فقتله الجنّ بعد ذلك بثأر الحية المذكورة، وقالوا فيه:
وَقَبْرُ حَرْب بِمَكَان قَفْرٍ
وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْب قَبْرُ
قيل: ولفظ البيت إخبار والمراد التحسّر والتأسف على كون قبر حرب في مكان قفر، ولهذا
n
قال: قرب قبر حرب بوضع الظاهر موضع المضمر، إذ لم يقل: قرب قبره زيادة في التحسر والتوجع حيث اعتنى بذكره، والواو في " وليس للحال، أو للعطف و قرب» ظرف متعلّق بخبر. ليس محذوفا نكرة، أو قرب " غير ظرف وهو الخبر بمعنى مقارب، فإضافته لمعرفة وهي قبر. المعرف بالإضافة إلى العلم وهو "حرب" لا تفيد تعريفا لأنها لفظية فلم يلزم الإخبار بالنكرة عن المعرفة، وذلك أن اسم ليس نكرة وهو قبر آخر البيت. وإنما كانت إضافة مقارب للحال؛ لأنّ القصد ليس الآن. قرب قبر حرب قبر بقي أن الرويّ في قفر مكسور وفي قبر مضموم، فيجاب بأن ذلك بيتان مشطوران كل على حدة، أو بيت واحد غير مصرع بالحركة بل بالحرف فقط، أو بأن يكون قفر مرفوعا للقطع ضرورة ولو لم يعلم منعوته أنه قفر بدونه أو على القلة من القطع بلا علم بدونه
وقد زعم بعض أنه مقيس بلا علم به بدون النعت أو بأن مكان خبر وتنكيره للتحقير و قفر. خبر ثان أي وقبر حرب قفر في نفسه في مكان حقير، أو الباء بمعنى " مع " تتعلق بمحذوف حال من المبتدإ على مذهب سيبويه، أو من ضمير قفر أي خال، وقفر" خبر، والله أعلم. وكقول أبي تمام: [من الطويل]
كريمٌ مَتى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ والوَرَى معي ومتى ما لُمْتُه لُمْتُه وَحْدي 36
تنافر أمدحه
أمدحه لتواليهما مع ما فيهما من حروف متّحدة مكرّرة وذكر (الحاء)
و (الهاء) فيهما، ولم يحصل التنافر بتكرير الهمزة) و (الميم) و (الدال)، ولو لم يكرّر أمدحه" يحصل (للحاء) و (الهاء) ثقل مُخرج للكلام عن الفصاحة ولو كان بهما ثقل، وإنما حصل
36 نظم هذه القصيدة ليقدم اعتذاره لممدوحه الغيث موسى بن إبراهيم الرافعي. ينظر الديوان، ضبط وشرح إيليا حاوي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط: 1969/ 3، 6: 207. وينظر دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني. ص: 47.وينظر التلخيص. ص: 100.
شروح
لم
17 (1/33)
صفحة 34
بتكريرها. ذكر أن الصاحب إسماعيل بن عباد أنشد القيصدة التي فيها هذا البيت بحضرة ابن العميد الوزير وكان قد صحب ابن العميد في وزارته وتولّى الوزارة بعده لفخر الدولة ولقب بالصاحب الكافي، والصاحب في عرف الكتابة من يكتب للأمير كما يريد في تلويح العبارة وبلاغتها لا كما يريد الأمير والصابي من يكتب كما يُؤمر كما ذكرتُه في ربيع البديع
وهو
37
وكان الصاحب المذكور [أستاذا] لعبد القاهر ولما بلغ إنشاده هذا البيت قال له ابن العميد: أستاذ أيضا ـ هل تعرف فيه] شيئا من الهجنة؟ يعني القبح. قال الصاحب: نعم، مقابلة المدح باللوم، وإنما يقابل بالذم أو الهجاء، فقال الأستاذ: غير هذا أريد. فقال: لا أدري] غير ذلك. فقال ابن العميد هذا التكرار في [أمدحه مع الجمع بين (الحاء) و (الهاء) وهما من
حروف الحلق، خارج عن حد الاعتدال تَنَافَرَ كلّ التنافر، فأثنى عليه الصاحب إسماعيل. ومعنى " كل التنافر " تنافر عظيم، لأنه ليس بمتناه؛ فإن المتناهي هو مثل قوله. قرب قبر حرب قبر، وأما مقابلة المدح باللوم لا بالذمّ فلعلها لأنه لا يخطر بالبال الذم لعلو مقام الممدوح عن أن يخطر ذمّه ببال أحد.
وقال الزوزني 38: إن إتيانه بإذا الدالة على القطع في جانب اللوم لا يناسب مقام المدح؛ فلو أتى بإن الدالة على الشك لكان أنسب بالمدح، عابه الزوزني بذلك. وأجيب بأنه استعمل إذا .. والماضي لإيهام ثبوت الدعوى، كأنه تحقق منه أنه لامه فلم يشاركه أحد، فهو خاصة للممدوح إذ لامه، قيل ثم إن إذا" مع ذلك تفهم وقوع اللوم بالفعل لدلالتها على الاستقبال، وإيهامه الوقوع لا يُخلّ بذلك لأنه من جهة أخرى. فكلامه غاية في تنزيهه عن استحقاق اللوم، ثم إنه لم يقدر على ذكر ملامته إلا في صورة النفي، لأنّ صورة ماء صورة نفي وهي زائدة، ثم إن الفعلين على الإرادة أي متى أرد مدحه، وإذا أردت لومه.
37 - مخطوط في علم البديع قال في ورقة 42:. وقد فرّقوا بين الصاحب والصابي أن الصابي يكتب كما يؤمر، والصاحب يكتب كما يريد.
38
3 - هو أبو عبد الله حسين بن أحمد بن حسين الزوزني من أهل زوزن " بين هراة ونيسابور "، توفي سنة 486 هـ كان قاضيا وعالما بالأدب، وله شرح المعلقات السبع و. ترجمان القرآن. و. المصادر .. ينظر بغية الوعاة 531:1. و هدية
العارفين 310:1
18 (1/34)
صفحة 35
"
والظاهر عندي مع
"1
خبر
ذلك كله أن المدح واللوم واقعان بالفعل غير مرة بالعرف، وأما الفعل فلا يدلّ وضعا على تكرار، و"إن" أداة الاستقبال لتنزيل الماضي منزلة الآتي، و (الواو) في قوله والورى" واو الحال "و "معى "الورى"؛ وهذا أولى من جعلها عاطفة على المستتر في أمدح الثاني، ولو وجد الفاصل، فيكون "معي" حالا من الورى" لتبادر كون (الواو) للحال ولموافقة "وحدي" في الشطر الثاني فإنّه حال، فتتقابل الحالان؛ كأنه قيل: أمدحه في حضرة الناس ولمته في خلوة، والمتبادر أنه لم يرد العطف لأن المعنى عليه أمدحه أنا والورى حال كونهم معي. وهذا المعنى في الظاهر غير مراد أصلا فلا يتكلف له على وجه كون (الواو) للحال أن مدحهم يفيده معي"؛ لأن عناية قولك: والحال أن الورى معي في مدحه تكلف. وتما يقوي كون (الواو) للحال أنه يحصل به تخالف الشرط والجواب لأنّ الحال قيد في الجواب. وأما العطف فيتحدان في وجهه، واتحادهم لا يجوز. كذا قيل وأقول: يحصل التخالف بالعطف، وأما تحصيل التخالف في
وجه العطف يجعل العطف على المستتر في "أمدح" الأول، أو بجعل المعية في الزمان فتكلف.
واعلم أنّ التخالف قد حصل بتأويل الشرط بالإرادة كما مر التأويل بها، لكن ليست فائدة كبيرة في التخالف بها لضعف ترتب المدح على إرادته في المقام لاتحاد المراد، والمترتب فيه نظر لأنه يستشعر أولاً إرادة مطلق المدح ويوقعه ثانيا بحضرة الناس، وأما ما قيل من أنه يحصل التخالف في العطف بالسببية فغير ظاهر؛ لأنّ عطف "الورى" على ضمير" أمدح" لا يفيد السببية، وإن سلمنا بالسببية من حيث إن السبب في باب الشرط عند النحاة ما له إفضاء في الجملة، لا ما يلزم من وجوده الوجود، وإنّ مدح الشاعر بحضرة الورى قد يفضي إلى مدحهم معه لذكره أوصاف الممدوح الجميلة فيوافقوه، ففيه من القصور في بيان المدح ما لا يخفى، وفيه أيضا أنه لا بد من الإرادة والإرادة تكون لكونها قلبية لا تتسبب لمدحهم له، لأنهم لا يعلمون بها، والجواب بظهور أمارتها ضعيف، والجواب عن "القصور أمدحه والورى " بأنه لا يلزم من ذلك توقف مدح الورى على مدحه، بحيث يلزم من انتفائه انتفاؤه لجواز تعدّد أسبابه. وإما أن يقال "الورى " مبتدأ خبره "مع"، والجملة معطوفة بالواو، ففيه ما في العطف المذكور، وزيادة أن هذه جملة اسمية عطفت على فعلية هي "أمدحه" الثاني، والله أعلم.
19 (1/35)
صفحة 36
باب التعقيد
وهو إخفاء المعنى لنحو التقديم والتأخير، والحذف بلا قرينة أو بقرينة غير واضحة، والفصل، أو لتعسّر انتقال الذهن من المعنى الأوّل المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود. وإن شئت فقل: هو أن لا يُجعَل الكلام ظاهر الدلالة على المراد لخلل في التركيب بنحو التقديم والتأخير، والحذف بلا قرينة والفصل، أو لخلل واقع في انتقال ذهن السامع من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود بأن يبطؤ الانتقال بإيراد اللازم البعيد بدون افتقار إلى واسطة مع العلاقة بينه وبين ملزومه - وذلك قليل أو بإيراد لازم أو لازمين فصاعدا مع افتقار إلى واسطة أو
خفاء
واسطتين فصاعدا خفاء القرينة الدالة في ذلك كله على المراد وهو مأخوذ من قولك: عقدت الشيء " أو [عقدته بالخيط أو] الحبل أو بهما معا، إذا ربطت بهما على شيء بحيث لا ينحل إلا بصعوبة. شبه به الكلام [الذي لا يظهر معناه] على حد ما مر، لأنه لا يفسر إلا صعوبة وبها ينحل. [وشدّد للمبالغة وذلك ليخرج] الخلل المتشابه والمجمل [والمشكل، فإن] ظهور دلالتها ليس لخلل النظم والانتقال، بل لإرادة [المتكلم إخفاء ما] يراد منها لحكم ومصالح. ومن المشكل اللغز، والمعمّى فهما صحيحان، وخفاء المراد منهما لا يمنع فصاحتهما لما عرفت من أنه ليس لخلل النظم أو الانتقال. والمعمّى: قول يستخرج منه كلمة فأكثر بطريق الرمز والإيماء بحيث يقبله الذوق السليم، فالقول جنس يشمل الكلمة فصاعدا سواء أكان كلاما تاما أم لا إذ قد يقع في المعميات أن يكون ما يؤخذ منه المعمى جزء كلام [حيث] يؤخذ المعمّى من ذلك الجزء فقط ويترك ما عداه مما يصير به الكلام تاما. وخرج بطريق الرمز والإيحاء ما يدلّ صريحا كقول الشاعر: [من الرمل] لا تَقُولَنْ لا فَمَكْتُوبٌ عَلَى وَجْهِكَ الْمُشْرِقِ نَصَاً نعَمُ نُونُهَا الْحَاجِبُ وَالْعَيْنُ بِهَا طَرْفُكَ الْفَتَّانُ وَالْمِيمُ فَمُ
بِحُرُوفِ أَبْدِعَتْ مِنْ قُدْرَةِ مَا جَرَى قَط عَلَيْهَا الْقَلَمُ
ولا يشترط لصحة المعمّى أن يكون الكلام الذي يستخرج [منه] المعنى المعمى شعرا، خلافا لبعض [من] زعم أن المعمّى معنى لطيف وأسلوب ظريف وعلى عدم الاشتراط يكون موقعه من الشعر شرطا لحسنه ولا يشترط في استخراج الكلمة بطريق التعمية حصولها بحركاتها
20 (1/36)
صفحة 37
وسكناتها، بل يكفي حصول الكلمة من غير حصول هيئتها الخاصة، فإن حصلت كذلك كان لزيادة الحسن، ويسمى عملا تذييليا.
والفرق أنّ الكلام إذا دلّ على شيء من الأشياء بذكر صفات لم تميزه عما عداه كان ذلك لغزا، وإذا دلّ على اسم خاص بملاحظة كونه لفظا بدلالة مرموزة سُمِّي ذلك معمّى؛ فالكلام الدال على بعض الكلمات يكون معمّى من حيث إن مدلوله كلمة بملاحظة الرمز على حروفه، ولغزا من حيث إن مدلوله ذات من الذوات بملاحظة أوصافها.
والمعمى يستخرج من الكلام ولو لم يقصده متكلّمه. ويحكى أن الصاحب بن عباد رأى أحد ندمائه متغيّرا لسخنة، قال: ما الذي بك؟ فقال: حمّى يعنى حرارة، فقال الصاحب: " قه " يعني احترز منها، فقال النديم: " وه " فاستحسن الصاحب فاستحسن الصاحب منه ذلك وأحسن إليه كل الإحسان. فإنّ " قه" و"وه " هما "قهوه" ولو كان "قه" مكسور القاف "و "قهوة مفتوحة لأنه لا يُشترط التوافق في ذلك، والصاحب لما صدر منه لفظ "قه" بعد لفظ "حمى" "، فكان مجموعها "حماقة" (بتخفيف الميم وفتح الحاء) أصلح النديم ذلك بأن أغضبه "بوه" ليأخذ "قه" عن عن "حمى" فيصير "قهوه" مع "وه" فيبطل لفظ "قهوة". ومن ذلك ما روي أن بعض الذين يسوقون البغال ساق بغلة في سوق بغداد، وكان بعض شهود دار القضاء حاضرا، فضرطت فقال السائق - على عادتهم إذا ضرطت بلحية العدل (بكسر العين)؛ أي ضُراطها في أحد عدلي الحمل شبه بريء، ورمز إلى التشبيه بإثبات اللحية، فقال بعض الظرفاء - على الفور - افتح العين فإن المولى حاضر؛ أراد بالعين عين البصر، وبالمولى من يستحيي منه في طلبه بفتح العين الوجد تأديبا، لأن أساس العدل بالكسر والعدل أو أرد حرف العين والمولى المستحق لذلك وهو الشاهد، ومن ذلك قول أبي بكر اليتيم في شراب [من الكامل]
يريد
بشرا يخرّ إلى السجود لربه
فترى أسرة وجهه فوق الثرى
أن لفظ "بشرا" يسجد بوجهه وهو الباء فتتقدم لما بعد الألف فيكون لفظ
شراب، وكقول المذكور في اسم عثمان:
يا من عن الراح بات في شغل
حتى اكتسى حمرة من الخجل
اشرب ففصل الربيع جاء وقد قارنت الشمس أول الحمل
21 (1/37)
صفحة 38
أراد "بالشمس" لفظ "العين"؛ لأن العين من أسماء الشمس، وأراد "بأول الحمل " لفظ " ثمان"، لأن عدد الحاء ثمان وثمان مع العين عثمان، والله اعلم.
ولا تعقيد في الاتباع على المحلّ، ولا في عطف التوهم المسمّى في القرآن العطف على المعنى، ولا في جرّ الجوار لعدم خفاء المعنى بذلك كالذي وقع من ذلك في القرآن، وإن خفي المعنى به
كان تعقيدا.
خطأ،
ومن التعقيد قول الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة بن إسماعيل الملقب بالمغيرة المخزومي" - من بني مخزوم وهم قبيلة من قريش ينتسب إليها أعراب من ورجلان وبرابرة بلادنا وغيرهم يقولون فيهم المخادمة [في جمع] مخدمي في المفرد بالدال المهملة وهو والصواب "المخازمة" (بالزاي) والمخزومي [نسبة إلى بني مخزوم] وإن شئت قلت المخازيم" بدلا من الواو وأسقطت التاء] كالتلامذة و التلاميذ أو التاء عوضا عن ياء النسب في مخزومي وواوه -[من الطويل]:
أُمِّه
وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلا مُمَلك أبو أمه حَى أَبُوهُ يُقَارِبُة
يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي بن المغيرة، "مثله" مبتدأ لاسم "ما" كما قيل، لأنّ الفرزدق تميمي، و"في "الناس" خبر المبتدأ و"إلا" حرف استثناء و"مملكا" منصوب على الاستثناء مقدم على المستثنى منه وهو حي، ولذلك اختار النصب مع كون الكلام تاما غير موجب، ولولا تقديمه لرفع رجحانا، ويُروى "مُمَلكُ" بالرفع على أنه بدل من "مثله" فحينئذ يترجح الرفع لتقدّم المستثنى. ولو نُصب أيضا على الاستثناء من "مثله" لجاز. و"أبو أمه" مبتدأ و"حي" بدل من "مثله". ولا بأس بتعدد البدل عند قوم؛ فلا إشكال في إبدال "حي" و"ملك" (بالرفع) من "مثله" إذا جعلنا "مملكا" مرفوعا بدلا من "مثله" و"أبوه و"أبوه" خبر " أبو أمه" والجملة نعت "لمملكا"، و"يقاربه" نعت "حي". ويجوز كون "مثله" خبرا مقدما و"حي
11~
مبتدأ، واستثناء
39 - كذا بالأصل، ولعله يقصد الفرزدق همام بن صعصعة يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل الملق المخزومي .. للتوسع ينظر وفيات الأعيان 86:6
"مملك"
بالمغيرة
40 - ينظر شرح ديوان الفرزدق لمحمد بن حبيب البصري، تح: عبد الله إسماعيل الصاوي، مطبعة الصاوي القاهرة، ط:
1936/ 1. 108:1. وينظر دلائل الإعجاز. ص: 63.
22 (1/38)
صفحة 39
) بالنصب)، أو إبداله من "مثله" في هذا الوجه فيترجح الإبدال؛ ففي الناس" متعلق بمثله أو بمحذوف حال من المستتر في "مثله" بمعنى مماثل، أو بمحذوف نعت من "مثله"، لأن إضافته لا تعرف. وباقي الإعراب كما مرّ، و (هاء) "مثله" للممدوح. "و"معنى "مملك " مُعْطى الملك و (هاء) "أبوأمه "للملك و (هاء) "أبوه "للممدوح، وإذا كان أبو أمّ
هو
أيضا
المملك أبا إبراهيم بن هشام الممدوح، فإبراهيم هذا خال هذا خال "المملك"، وإبراهيم هذا الممدوح؛ ففيه بيان لعلة المماثلة، لأنّ الولد يشبه خاله. فهي زيادة مدح، لكن ليست كاملة؛ لأنه قال: "يقاربه" فالاستثناء في المعنى من المقاربة، والحي ضد الميت لا نحو القبيلة، وإبراهيم هذا أمير المدينة من قبل هشام، وهو من خلفاء بني أمية، فأنت ترى كيف قدّم وأخر، وفصل بين البدل والمبدل منه بكثير، وبين المبتدإ والخبر، وبين النعت والمنعوت، وفكك الضمائر.
ويجوز تخريج البيت على وجه لا تعقيد فيه، وهو أن يجعل "مثله" مبتدأ و"في الناس" خبره، و"تملكا" مستثنى من المستتر في قوله في الناس" و"أبو أمه" مبتدأ و"حي" خبر، والجملة نعت "لمملك" على أن يراد بالحياة الشباب كما ينزل الهرم منزلة الموت، و"أبوه "خبر ثان ويقاربه" نعت ثان، وغاية ما في هذا نصب مملكا مع تقدّم السلب وهو مرجوح لا ممنوع ولا حاصل به تعقيد، وهو خالص عن تقديم المستثنى وعن الفصل وتقديمه ولو جاز قياسا لكن يزيد عقدا إذا حصل عقد بدونه، بل يوهم ولو وحده في بعض المواضع فيحصل به العقد، والعقد قد يقوى
وقد يضعف.
ولا يُتوهم أن بيت الفرزدق على الأعاريب الأول خال عن ضعف التأليف، فإن كثرة الفصل بأن يفصل بين شيئين، ثم بين شيئين، ثم يفصل بين شيئين بأجنبي من ضعف التأليف، بل هو من ضعفه ولو مرّة إذا كان بمفرد موهم - كما في البيت - لكن ضعف التأليف أعم، فقد يحصل بلا تعقيد نحو " زان نوره "الشجر" وقد يحصل معه كالبيت. وقد يحصل التعقيد بلا ضعف تأليف بأن تجتمع عدة أمور موجبة لصعوبة فهم المراد ولو كان كل منهما جاريا على قانون النحو، وأما لو قيل: "جاء أحمد " في النثر (بالتنوين)، فإن كان علما فلحن مردود، وإلا فصواب مقبول إن أريد به غير الصفة، وذلك بأن يُراد عَلَم شائع كما يقال: " لكل فرعون "موسى" [بتنوينهما تنزيلا لهما] منزلة المتجبر والقاهر، وإن احتمل فإجمال لا تعقيد كما قيل،
23 (1/39)
صفحة 40
إلا إن كان المتكلّم لا يقدر فلحن وذلك كله كلام في التعقيد اللفظي، وهو ما مرّ أنه لخلل في
التركيب.
وأما التعقيد المعنوي وهو ما مرّ أنه لخلل في الانتقال ومرّ تعريفه أوّل الباب. فمثاله قول عباس بن الأحنف: [من الطويل]
سَأَطْلُبُ بُعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرَبُوا وَتَسْكُبَ عَيْنَايَ الدُّمُوعُ لِتَحْمُدَا
(السين) إشارة إلى البعد، وإن كان هناك وسيلة للقرب الذي هو المطلب الأقصى للمشتاق، إلا أنه من حيث أنه في نفسه خليق بأن يسوّف عليه، وإن جعلنا (السين) لمجرد التأكيد فالإشارة إلى ذلك باعتبار العبارة الدالة وضعا على التسويف، وعنكم " متعلق ببعد، والمراد: بعد داري عنكم، إشارة إلى أنه لا يرضى بنسبة البعد إلى دار المحبوب، فضلا [عن رضاه] بنسبة البعد إلى نفس المحبوب. وتسكب (بالرفع) معطوف على [" أطلب "] لطلب البعد [ ..... السرور ... ] به ولاعطف على حد وليس عبادة و [ ... ] لأنه يقتضي أن يكون السكب مطلوبا لعطفه على المطلوب، وهو كناية عن الحزن والأحبة من السكب والحزن لازم للآخر وملزوم له].
والحزن إن كان حاصلا فلا معنى لطلبه وإن كان غير حاصل فليس ذلك من عادة المحب، اللهم إلا أن يقال: إنه حاصل، فيراد بطلبه الرضى به أو زيادته. و (ألف) تجمدا» للعينيين، ومعنى البيت: ستطيب نفسي أو تطيب الآن على ما مرّ أن السين فيه للبعد وهو الاستقبال أو للتأكيد، وهي موضوعة للاستقبال والتأكيد معا مطابقة، واستعمالها للتأكيد مطابقة أيضا؛ لأنّ المجاز كالحقيقة وإنّما التضمّن مراعاة [ ..... ] تضمن وأوطّنها على فراق الأحبة والبعد عنهم لأتوصل بذلك إلى قربكم [ ...... ] ذكرنا على بعدهم مفيضا للدموع لأتوصل إلى سرور مستمر تجمد معه العينان لا تدمعان لعدم الحزن، فإن الصبر مفتاح الفرج، ومع كل عسر يسرا، والشاهد في إفادته السرور بجمود العين، لأنّ الفرح لا تدمع عينه بالبكاء، وانتقال النفس من تعقد جمودها إلى حصول السرور غير متبادر فحصل به التعقيد، وإنما المتبادر انتقالها من بالدموع، ومن البخل بها إلى انتفاء الحزن ومن انتفائه إلى ثبوت السرور الحاصل بالملاقاة، ولهذا
41
هو
تعلقه إلى البخل
ينظر الديوان تح د. عاتكة الخزرجي دار الكتب المصرية القاهرة، ط: 1954/ 1، ص: 106. وعباس ابن الأحنف أبو الفضل اليمامي، شاعر قصر شعره على الغزل وتوفي سنة 192 هـ / 809 م.
24 (1/40)
صفحة 41
يُقال في الدعاء بالسرور: لا زالت عينك جامدة! فهؤلاء: وسائط بين الجمود والسرور وجمود العين: كناية على كونها لا تدمع وإن كانت لا تدمع كان لا حزن في عادته [وفي] البيت أنه أبقى على مباعدتهم أي هو باعد نفسه وتحمّل ذلك صابرا [ليجازى] على صبره الفرج بالملاقاة. والحزن يترتب عليه البكاء، والصبر المترتب عليه الفرح بالملاقاة المترتب عليه عدم الدمع. وقيل: استعمل الجمود في خلو العين مطلقا مجازا استعمالا للمقيّد في المطلق، ثم يكنّى بالمطلق عن السرور. وليس النقل شرطا في إيجاد المجاز على التحقيق، فضلا عن يقال: إن الشاعر خرج عن كلام العرب، بل فعل شيئا معيبا خارجا عما يقبله البلغاء، وهو في نفسه صحيح وهو ذلك التعقيد، ونظير ذلك البيت في كون تحمل المكروه سببا لوصل المحبوب قول أبي العلاء: [من الطويل]
42
هُوَ الهَجْرُ، حتى ما يُلِم حَيَالُ، وبعض صُدودِ الزائرين وصال ولفظ "هو" عائد على معلوم في الذهن مبتدأ خبره "الهجر"، وفاعل" يلم" ضمير "الهجر" مفسر به، أو "الهجر" بدله مفسر به و"خيال" خبر. ويجوز أن يكون ["هو "] ضمير الشأن و"الهجر خيال" مبتدأ وخبر والجملة خبره، وفاعل "يلم" ضمير. ومنع بعض كون "هو" ضمير الشأن فيه، وأما "ما" فقيل: نافية أي حتى إذا اتنفي إلمامه فهو خيال لعدم وجوده، وقيل: زائدة أي: حتى إذا ألم فهو خيال، لأنه لعدم طلبه واعتباره كالمعدوم الذي هو خيال، وقيل: مصدرية أي: حتى إلمامه خيال ويلم مرفوع في هذا الوجه. ويجوز رفعه ونصبه في الوجهين الأولين. وإذا جعلنا "الهجر" خبرا "فخيال" خبر ثان أو "فاعل" يلم، كما قيل: المعنى حتى ما ينزل خيال من هذا الذي يهجرنا، وبعض صدود الزائرين وصال بأن يراهم محبهم في النوم؛ فحضورهم في النوم وصال منهم، ونحن لم ننل وصال من هجرنا ولو مناما، أو الصدود قد يعدّ وصالا لما كان سببا لرؤيتهم في المنام بواسطة كثرة تعلّق قلبه به ويضعف أن يقال: مراد عباس الأحنف: أن الدهر عنود يقابل بصدّ المقصود، فاقصد البعد ليحصل القرب، والحزن ليحصل
بن
السرور.
سقط الزند، دار بيروت للطباعة والنشر لبنلن، 1987، ص 147
25
42 (1/41)
صفحة 42
وقيل: فصاحة الكلام هي ما مر في قولي: " باب فصاحة الكلام مع سلامته من كثرة التكرار ومن كثرة تتابع الإضافة "، وإنّما قلت: " ومن كثرة تتابع الإضافات " لأنبهك على أنه إذا كثرت الإضافات فقد كثر تتابع الإضافة، فلا تَهِم وكما وَهَمَ من يزعم أنه قد تكثر الإضافات ولا يكثر تتابعها، فكان يعبر بالخلوص من كثرة التكرار ومن تتابع الإضافات، ويفسر كلام غيره على هذا. والأمر سهل، لأنك أيضا إذا قلت: "ومن تتابع الإضافات" أفاد الكثرة، لأن الإضافات جمع أقله ثلاثة، لكن قد يمكن أن يراد به اثنان لا واحد؛ لأن التتابع أقل ما يكون مرتين لأن تحصل، إضافة، ثم تتبع بإضافة؛ فقولك: " كثرة تتابع الإضافات " أولى، والكثرة تحصل بتكرير اللفظ ثلاثا بأن تضيف اسما إلى آخر، وتضيف هذا الآخر إلى اسم ثان، وتضيف الثاني إلى الثالث؛ والحاصل أن تضيف الأول إلى الثاني والثاني إلى الثالث والثالث إلى الرابع. وعدّ عصام الدين في" الأطول على التلخيص " وليس من التكرار الإضافات بلا تتابع بأن يضاف اسم إلى آخر، ثم يُجاء باسم آخر يضاف إلى آخر بتتابع، فيقال: كثرة التكرار والإضافة. والله أعلم.
باب كثرة التكرار وكثرة تتابع الإضافات
والحق أنهما لا تخلان بفصاحة الكلام لذاتهما، فضلا عن أن يقال: حيثما وُجدت إحداهما وجد الإخلال بالفصاحة، بل إنّ ثقل اللفظ بسببها على اللسان، فالإخلال إنما هو بالتنافر، وإلاّ فالكلام فصيح إن لم يوجد شيء آخر عن الفصاحة، ولا نسلّم بأنّ مطلق كثرة التكرار وتتابع الإضافات ثقيل على السمع يكرهه السمع كلاً بل إن تتنافر الحروف أو كان التكرار لغوا محضا. ولا نسلم بأن كراهة [ .... ] في القرآن كقوله تعالى مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادِ وَثَمُودَ 3 وكقوله تعالى (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} إلى آخر السورة،
43
13 - سورة غافر جزء من 31 الآية الكريمة مِثْلَ دَابِ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا
للعبادة
44 - قال تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا إِذْ الْبَعَثَ أَشْفَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُفْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا)
26 (1/42)
صفحة 43
[
ولاسيما قوله تعالى: {وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا لقرب التكرار فيه، ووفقا (الحديث؛ كقوله (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم (ففيه تكرير ابن الكريم والإضافة [ولا عيب في ذلك و [ ....... ] عيب اللفظ يكرر بعد [ ...... ] مرتين. ومن كثرة التكرار قوله [أي قول أبي الطيب المتنبي]: [من الطويل
45
والسعدي في غمرةٍ بَعدَ غَمْرَةٍ سَبُوحٌ لَهَا مِنهَا عَلَيْهَا شَوَاهِدٌ
ومعنى "تسعدني" تعينني؛ وأنث لأن فاعله "سبوح" أي فرس سبوح، والفرس بلا (تاء) يذكر ويؤنث، لا كما قال بعض: إنّه يؤنّث فقط، ولا كما قيل: إنّه يذك فقط، وشدّ أن يقال في المؤنث: " فرسة "، وقيل: " فرسة " للمذكر والمؤنث. وعليه، فلا، تأنين، وليس مما يفرق بينه وبين جمعه بالتاء؛ لأنّ " الفرس " و " الفرسة " كليهما للمفرد والظاهر أن المراد بالإسعاد استمراره التجدّدي، لأنّ المضارع كثيرا ما يدل على التكرار بقرينة المقام لا بالوضع، كأنه قال يتجدد منها الإسعاد في الحروب، وهذا أولى من أن يقال: إنّه أو أسعدتني في بعض الحروب، وأنه عبر بالمضارع الذي هو للحال استحضارا لصورة الإسعا. و " الغمرة ": الشدة، وأصله ما يغمرك بالماء، و"سبوح": فعول بمعنى "فاعل" وهو مما يكون للمؤنث بلا (تاء) كالمذكر كصبور ومعناه: حسنة الجري شديدته لا تُتعب راكبها مع أنها تنقذه أيضا من العدو. وشبّه سهولة جريها بالسباحة في الماء؛ "فسبوح" استعارة تبعية تصريحية، و"لها" متعلق بمحذوف وجوبا نعت "لسبوح" و"شواهد": فاعل لقوله " لها "الاعتماده على المنعوت أو "لها": خبر، و"شواهد": والجملة: نعت "السبوح"، و"منها: حال من "شواهد "؛ لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها كان حالا منها وهذا إذا جعلنا شواهد" فاعلا لقوله لها، أو على قول سيبويه بجواز الحال من
مبتدأ،
45 - ينظر صحيح البخاري. {أَخْبَرَنِي عَبْدَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمْ السَّلام). وفي رواية أخرى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمْ السَّلام)}
46 ـ الديوان بشرح أبي البقاء العكبري. تح مصطفى السقا وغيره. دار الفكر بيروت، ط 1/ 1997، 270:1
27 (1/43)
صفحة 44
المبتدأ إذا جعلنا "شواهد" مبتدأ، وإن جعلناه مبتدأ ولم نجز الحال منه، "فمنها". حال "فمنها". حال من ضمير
ومن
"
المبتدأ المستتر في "لها" للابتداء و" وعليها " متعلّق " بشواهد "، أو بقوله لها، أو لا تعلّق به لها، أو حال من المستتر في " لها " أو في "منها" إذا استتر فيهما. وليس من كثرة التكرار ولا من كثرة تتابع الإضافات، قوله: [من الخفيف]
يا عليُّ بن حمزة بن عمارة أنت والله ثلجة في خياره
47
لأن "ابن" ذكر مرتين لا ثلاثا، والإضافة مرّة، لأنّ "ابن" أضيف "لحمزة" و"ابن" أضيف "العمارة" بلا تتابع، لأنّ "ابن" الثاني تابع لحمزة" لا مضاف إليه إلا ما مرّ عن عصام الدين، وليس من أنه لا يشترط التتابع في الإضافات بل كثرتها، فالساقط هنا الكثرة، فليس البيت من كثرة الإضافات، وأما سقوط التتابع فلا يخرج به عن الباب.) و"عمارة ": هو بضم العين، و"الخيار": القثاء، وأصله في العجمة وليس عربيا أصيلا). وفي البيت قلب أصله: "أنت خيارة في والمراد وصف البرودة التامة، لأن الخيار بارد الطبع فيزيد بالثلج. وإن جعلت "في"
ثلجة
،
66
بمعنى" مع "فلا قلب. والله أعلم.
ومن كثرة الإضافات بتتابع قوله: [أي قول ابن المعتز] [من الطويل]
وظَلَّتْ تُديرُ الرّاحَ أيدي جآذر عتاق دنانير الوجوه ملاح
48
وقوله: [أي عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن بابك] [من الطويل]
49
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي فأنت بمرأى من سعاد ومسمع أراد الحمامة المخصوصة أو مطلق ذي الطوق، و" الجرعاء ": مؤنث "الأجرع " قصر للضرورة، وهي: أرض ذات رمل مستوية لا تنبت شيئا، أوهي نفس هذه الرملة، و"الحومة": معظم الشيء، وإضافة "جرعاء" "الحومة" للبيان أي هي حومة الجندل، أو إضافة
47 - ينظر دلائل الإعجاز ص 78 وينظر شروح التلخيص (حاشية الدسوقي (116:1. الشاعر مجهول، وأما علي بر حمزة الأصفهاني هو أحد أدباء أصفهان.
48
ديوان ابن المعتز شرح ميشيل نعمان، الشركة اللبنانية للكتاب بيروت 1969، ص 128. الجآذر جمع جؤذر: ولد البقرة الوحشية دنانير الوجوه: مستديرة الوجوه.
49
19 - ينظر شروح التلخيص (حاشية الدسوقي (114:1، وينظر الأعلام للزركلي 11:4
28 (1/44)
صفحة 45
الجزء إلى الكل إن كانت الجرعاء بعض الحومة أو إضافة الكل للجزء إن كانت الحومة بعض الجرعاء. والجندل اسم موضع والأظهر أن الجرعاء بعض الحومة والحومة بعض الجندل، وقيل الجندل أرض ذات حجارة (والدال) مفتوح وفي الصحاح أنه (بالفتح): الحجارة، و (بفتح النون وكسر الدال): موضع؛ فيحتمل البيت بأن تكسر (داله فيقال: سكن نونه للضرورة، والسجع حقيقة في هدير الحمام مجاز في حنين الناقة ونحوها، و"الفاء" للتعليل، و"مرأى" " ومسمع": اسمان لمكان الرؤية ومكان السمع أي: لأنك في مكان تراك فيه سعاد وتسمع سجعك. قال الجوهري: يقال فلان بمرأى منّي ومسمع أي بحيث أراه وأسمعه، وقيل: إن المعنى لأنك في مكان ترين منه سعاد وتسمعين كلامهما، ورؤيتك وسمعك إياها تزيدك نشاطا فتسجعين. ولا يختص للسماع غير الصائت للصائت أن يكون هو الداعي، إذ لا مانع أن يكون الداعي طرب الصائت [ ... ] للسامع، ولا يلزم ما قيل: إن المحب إذا رأى المحبوب [ ...... ] القلب ولأنه قد [ .... ] الحمامة ولو نزلها منزلة إنسان يعقل، ولأنّ المحب [ .... ] تمن لا محبة له، أو له محبة لا تدهشه أن يتكلم ويفصح؛ فإما أن ينشط لنفسه أو لمساعدة الأمر.
أن
نعم،
الظاهر أن من للابتداء والمناسب له أن يكون الرائي السامع "سعاد "لا "الحمامة"، إلا من الابتدائية قد تدخل على المرئي، يقال: " رأيته من ذلك الموضع"، ويراد: أن المرئي هو الذي في ذلك الموضع، ويقال أيضا: "رأيت" القوم من أولهم إلى آخرهم". ويبحث بأن اللائق طلب الإصغاء عند كلام المحبوب لا الصوت، فالأولى أن يقول: " أنصتي واسكتي " فيظهر أن الرائي السامع سعاد، والمتكلم المسموع الحمامة.
والجواب: أنه لا يلزم - من كونها بمكان ترى منه سعاد وتسمعها أن تكون سعاد ترى وتتكلم، بل يجوز أن يكون المراد: أنك قريبة من سعاد بحيث لو رفعت بصرها إليك لرأتك، ولو تكلمت سعاد لسمعتها أيتها الحمامة والله أعلم ومثل هذا كثير شائع والله أعلم ولو كان
الأصل أن تتحقق الرؤية والسمع. والله أعلم.
- الصحاح في اللغة، تصنيف نديم وأسامة مرعشلي، دار الحضارة العربية بيروت، ط 1/ 1974 ص 213
29
50 (1/45)
صفحة 46
وهي
باب فصاحة المتكلم
كيفية راسخة في النفس، يقدر بما حدا على التعبير عن مقصوده بلفظ فصيح عبر أو سكت، وتلك الكيفية الراسخة " ملكة "؛ وذلك أنّ الصفة الحاصلة للإنسان في أول أمرها تسمى حالا، لأنّ المتصف يقدر على إزالتها، فإذا ثبتت في محلّها وتقرّرت بحيث لا يمكن
للمتصف بها إزالتها تسمى "ملكة " وهي من الكيفيات النفسانية. والكيفيات أربع: (الأولى): الكيفية المحسوسة: وهي إما راسخة كحلاوة العسل وصفرة الذهب؛ وتسمى: انفعالية "، أو غير راسخة كحمرة الخجل؛ وتسمى: " انفعالات ".
"1
الثانية: الكيفية الكمية كالزوجية والفردية، والاستقامة، والانحناء. (الثالثة) الكيفية النفسانية أي المختصة بذوات الأنفس؛ وهي الحيوانات دون الجماد والنبات، كالحياة، والإدراكات والجهالات، واللذات والآلام. وهي: إما راسخة في النفس. وتسمى: " ملكة " كملكة العلم والكتابة، وإما غير راسخة وتسمى: " أحوالا "
كالمرض والفرح. (والرابعة): الكيفية الاستعدادية: أي المقتضية انفعالا وتهيؤا؛ كقبول أثر، إما بسهولة كاللين وتسمى: " عدم القوى "، ويسمونه بطريق اللحن " اللاقوة " (بإدخال أل على لا)،
ولعلهم أرادوا " أن لاقوة " وأفسدوا الخط. وإما بصعوبة كالصلابة، وتسمى: "القوة ". ولا يخفى أن الرسوخ هنا التوالي والتجدّد؛ فلا يرد أن الكيفية عرض، والعرض لا يبقى أكثر من حال. وخرج بقيد الرسوخ مالا" يرسخ كحمرة الخجل وصفرة الوجل، وخرج "بفي النفس" ما رسخ في الجسم، كالبياض والملكة هي: الكيفية الراسخة في النفس، [والكيفية] عرض لا تتوقف صحة تعقله على تعقل غيره، ولا يقتضي القسمة وأنه الاقسمة في محله اقتضاؤه] أولياء؛ فخرج بالقيد الأول الأعراض] النسبية وهي الإضافة، والملك والفعل، [والانفعال،] والأين، والمتي، والوضع. وبالقيد الثاني في الكم متصلا كان أو منفصلا. وبالثالث [الوحدة والنقطة]. وبالرابع دخل مثل العلم بالمعلومات المقتضية للقسمة واللاقسمة فإنه [عرض، واقتضاؤه] لذلك ثانوي بواسطة المعلوم. (1/46)
صفحة 47
و" الكيفية المفردة " سواء أكانت راسخة أم لا هي عرَض لا يتوقف إدراكه على إدراك غيره، ولا يستلزم في محله قسمة ولا عدمها استلزاما ذاتيا ومثاله الإدراك والعلم والقدرة؛ فإنّها تدرك معانيها ولو لم يدرك المدرك والمعلوم أو المقدور عليه، ولو كانت لا تتصوّر خارجا بدون المدرَك والمعلوم والمقدور عليه بل تصوّرها مستلزم لتصور الثلاثة، وكذا الحال الكيفيات المختصة بالكميات " كالاستقامة والانحناء والتثليث والتربيع وخرجت " الكيفية المركبة " لتوقف إدراكها على إدراك الأجزاء، " والكيفيات النظرية " لتوقف تصوّرها على التعريف
الشارح.
القدسية، كالملائكة
11
11
وقد يصلح ذلك التعريف " للكيفية المركبة " بأن يراد بلفظ غيره: ما خرجت عن حقيقته، وإن أريد بالتوقف التوقف الكامل - وهو الثابت في جميع الأحوال ـ دخلت الكيفيات النظرية، ولكن مقام التعريف يأبى ذلك. ومثال " الكيفية المركبة ": فزازة الرمان الحامض المركبة من الحموضة والحلاوة، ومعه "الكيفيات النظرية " المكتسبة بالفكر المدركة بواسطة الحد أو الرسم، وخرج النظر لأنه لا يتوقف بعد العلم على القول الشارح وهو التعريف؛ وهذا بحسب النفوس ومن يفيض الله عليه الأشياء بلا واسطة حدّ أو رسم، فخرج بقولنا: لا يتوقف الأعراض النسبية، مثل " الإضافة "، وهي: النسبة العارضة للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى كالأبوة والبنوة. ومثل "الانفعال " وهو: كون الشيء متأثرا عن غيره، كالمنقطع ما دام منقطعا. ومثل الفعل ونحو ذلك كحصول الشيء في المكان المعبر عنه [بالأين، وكحصوله في الزمان المعبّر عنه] بالمتي على طريق اللحن ومنه كون الخسوف في ساعة [ .... ] أجزائه بعضها إلى بعض، وبسبب [نسبتها إلى الأمور الخارجة كالقيام والقعود والملك حالة تحصل للشيء بسبب ما يحيط به وينتقل بانتقاله ككون الإنسان متقمّصا أو متعمّما، وإنما قلت "الأين" و"المتى لَحْنُ؛ لأنّ متى وأين إن أريد لفظهما كانا، علمين وإن أريد معناهما فليسا مما يدخل عليه (أل)، كما لا تدخل على" مهما " و"حيث "و " إذا "، وإن أريد بهما معنى مصطلح مفسر بما مر فلا يجوز ذلك التصرف فيهما.
31 (1/47)
صفحة 48
الأعراض
تصور
والمذهب المشهور أنّ النسبة لازمة لتلك الأعراض لا ذاتية لها، وعليه فخروج النسبية بقولنا لا يتوقف ... الخ لا يتمّ، لأنه لا يقال عليه تصوّر تلك الأعراض يستلزمه غيرها، ولا يتوقف عليه فتدخل في تعريف الكيفية. قيل: وصحة انقسام العرض إنما هي باعتبار المحل، والأعراض السبعة كلّها نسب يتوقف تعقلها على تعقل غيرها؛ " فالإضافة " نسبة يتوقف تعقلها على تعقل نسبة أخرى، و" الفعل نسبة يتوقف تعقلها على المؤثر والمؤثر فيه ولما كان المتوقف عليه في الإضافة نسبة دون بقية الأعراض النسبية خصت باسم الإضافة وإن كانت كلها إضافات والأمور النسبية لها وجود في الخارج، ولذلك دخلت في العرض حتى خرجت والعرض موجود.
وقالت الأشاعرة: إنها أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، على هذا فهي خارجة بقولنا " عرض "، ووصف بعض الأعراض باقتضاء القسمة، وعدمها ودخول النسب والإضافات في العرض، وانقسام العلم باعتبار العرَض اصطلاح فيلسوفي، والمعلوم في العرض اختصاصه بالموجود والنسب والإضافات.
والمعلوم عندنا أن العرض منقسم - كما قال أبو عمار رحمه الله ـ وعند غيرنا: أنه لا يقبل القسمة. ومن العرض العلم وانقسامه إنما هو بناء على صحة تعلّقه بمتعدد، وإن قلنا: إنّ كلّ علم يتعلّق بغير منقسم لم يتصوّر ما ذكره. وخرج بقولنا (لا يقتضي القسمة) الكميات؛ لأنّ " الكَمْ عرض يقبل القسمة لذاته؛ كالأعداد والمقادير كالخط والسطح، والمراد بقبول القسمة: ما يشمل وجودها بالفعل كما في" الكم المنفصل " وهو العدد، ولا يخفى أنه ليس كلّ عرَض ينقسم؛ فإنّ العلم بوجود " زيد " مثلاً لا ينقسم. وخرج بقولهم (وعدم القسمة) النقطة والوحدة؛ " فالنقطة: طرق الخط، و " الخط ": مقدار ينقسم من جهة واحدة فقط، و" الوحدة ": كون الشيء بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في الماهية ومعنى جهة واحدة": جهة الطول، و"السطح": مقدار ينقسم طولا وعرضا، و الجسم: مقدار ينقسم طولا وعرضا وعمقا. ويسمى: "الجسم التعليمي". والثلاثة أعراض من قبيل الكم؛ وأما " الجسم الطبعي " فهو: الجوهر المعروض للامتدادات الثلاثة (الطول والعرض والعمق)، وجملتها " الجسم التعليمي"؛ فالطبعي جوهر، والتعليمي عرض عارض له.
32 (1/48)
صفحة 49
وعندنا: لا يصح الجوهر الخارج عن الجسم والعرض في الأجسام؛ لأن آخر "الخط" مثلا -
إن فرضته - جزءا منه، ولا بدّ من ذلك، فهو جسم منقسم أو غير جزء منه بعدم لا وجود له. وكذا "النقطة" يثبتها الأشاعرة ويسمونها "الجوهر الفرد"، ولا يصح لأنها كلما تصورتها موجودة لزمتها القسمة؛ فالنقطة عند مثبتها الجوهر الفرد، والخط: جوهر ينقسم طولا وعرضا وعمقا، وإنما يحترز عن " النقطة " و " الوحدة " على مذهب من يجعلهما من الأمور الاعتبارية "أو "من مقولة الكيف". فمن يجعلهما من "الأمور الاعتبارية "فهما خارجتان عنده عن الجنس، وهو العرض لأنه من قسم الموجود، والأمور الاعتبارية عير موجودة. وأما من يجعلهما من "مقولة الكيف "فيجب عنده إدخالها في التعريف بأن يؤتى بتعريف يتناولهما، لأنهما من المعرف، وعلى أن " النقطة " من " الكيف " فهي من " كيفيات الكم ".
ودخل بقولنا " ذاتيا " مثل وجود الموجود المركب المعنى كوجود" قيام زيد". واعلم أن العلم بالمعلومات المقتضية للقسمة، وعدمها، وهي المعلومات المركبة، وذلك أن العلم "كيف" عنى الصحيح، واقتضاء العلم للقسمة [باعتبار المذكور] الذي هو النفس وعدمها ليس اقتضاء ذاتيا، بل اعتبار [ ...... ] كالعلم بوجود زيد [ ...... ] لعدم القسمة في محله، أو مركبا كالعلم بالجسم كان [مقتضيا] القسمة في محله اقتضاء لا بالذات؛ فإن تعلّق بكل من أبعاض المعلوم على التفصيل، فهناك علوم متعددة بتعدّد تلك الأبعاض، لا علم واحد يقتضي انقسام محله بالذات أو بتبعية المعلوم، وإن كان إجماليا بأن تعلق بالمجموع فهناك علم واحد لكن لا يقتضي انقسام محله بالذات ولا بالتبع، ولو اتفق لمتكلم أنه عبّر عن مقصوده بلفظ فصيح بلا ملكة لم يسم متكلما فصيحا، وإن كان يعبر تارة بلفظ فصيح وتارة بدونه وكانت له ملكة فصيحا هكذا، إلا فيما لم يعبر فيه بلفظ فصيح فلا يقال إنه فصيح فيه، ولا يتصوّر أن يكون أكثر كلامه غير فصيح إن كانت له ملكة بل أقل كلامه فلا يخرج بكلام قليل لم يفصح فيه عن أن يكون فصيحا في سائر كلامه الذي أفصح فيه، ولا يتصوّر أيضا أن يفصح في كل كلامه بلا ملكة. وقال السعد: لا يسمّى فصيحا حتى يفصح في كل ما وقع عليه قصد المتكلم وإرادته بملكة وقيل بجواز أن يحصل لشخص ملكة بالنظر إلى نوع من المعاني كالمدح والذم، ولا يقال: إن هذا التعريف غير مانع لصدقه على الإدراك والحياة ونحوهما مما تتوقف عليه القدرة المذكورة؛ لأنا
سمي
33 (1/49)
صفحة 50
نقول: ليست هذه أسبابا بل شروط، وإن سلّمنا أنها أسباب، فالمراد السبب الغريب لأنه السبب الحقيقي المتبادر إلى الفهم.
ودخل بقولي: " بلفظ فصيح " المركب والمفرد، فإذا قال: " قام زيد " بالملكة فهو متكلّم فصيح بالمجموع، وهو أيضا متكلّم فصيح باعتبار كلّ فرد من الجملة فصح أنه متكلّم فصيح في الجملة وفي المفرد، ومن الفصاحة في المفرد فيقال:" متكلّم فصيح " إن يقال عند التعدّد: " دار غلام جارية بساط " ونحو ذلك. والله أعلم.
66
و العَرَضُ: هو مالا يقوم بذاته بل بغيره؛ بأن يكون تابعا له في التحيز عند المتكلمين، أو مختصا به اختصاص النعت بالمنعوت عند الفلاسفة، ومعنى " كونه تابعا لغيره في التحيّز": هو أن وجوده في نفسه هو وجوده في الموضع بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر، ومعنى " اختصاص النعت ... الخ ": أن يكون بحيث يصير الأوّل نعتا والثاني منعوتا، ومعنى
متحيّز ": أن يحصل ويُحل في حيز أي مكان. والله أعلم.
مي
باب بلاغة الكلام
مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، والحال هو الأمر [الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر
الكلام الذي يؤدّي به أصل المراد موصوفها مقتضى الحال [يكون كليا]، وهذا الكلّي مقتضى الحال، و" إن زيدا قائم " فرد من أفراد ذلك الكلّي [يكون مطابقا] لذلك الكلي وفرد من أفراده. وهذا عكس مطابقة الكلّي لجزئياته، إذ هي صادقيته على كل واحد منها .. وهكذا، أي: التردّد يقتضي توكيدا استحسانا، وفي الخلو يقتضي أن لا يؤكد .. وهكذا. و مرادناء بمطابقته لمقتضى الحال ": مطابقته كله من كلّ جهة بأن يقتضي المقام مثلاً التعريف والتأكيد والتقدم فيفعل ذلك كله، أو يقتضي من ذلك. وبأن يقتضي تأكيدين وتنكيرا وتأخيرا فيفعل ذلك كله، فإنّ ذلك لا يتزاحم. فإذا اقتضى المقام التعريف والتأكيد معاً فاقتصر أحدهما فليس أصل البلاغة متحققا، فليس كلامه بليغا. كيف يكون الكلام بليغا بمراعاة أحد أمرين أو أمور فقط ـ كما قيل - مع أن مقتضى حاله مراعاة الأمرين أو الأمور كلها.
على
أكثر
34 (1/50)
صفحة 51
و "الحال" هو ما يقتضي التعريف بجهد السامع، وما يقتضي التأكيد كإنكار المخاطب، وما يقتضي الحضر كإنكار المخاطب المحصور فيه وكزيادة غيره معه. و "مقتضى الحال" هو نفس ذلك التعريف، والتأكيد، وتركه والحصر والتقديم والتأخير، والتمييز، والإضمار والإظهار، والفصل والوصل، والذكر والحذف والإطالة [والتقصير]، والإيجاز والإطناب، ونحو ذلك. فإن يكن ما اقتضاه الحال فليس بليغا، ولو لم تكن الفصاحة لم يكن بليغا أيضا، مثل أن تقول: " إن زيد قائم " (برفع زيد الحنا)، أو بتقديم ضمير الشأن لإن المشدّدة).
والبلاغة: صفة راجعة إلى اللفظ - كما يُعرف من تعريفها - لكن من حيث إفادته المعنى المراد المطابق لمقتضى الحال وكثيرا ما تطلق الفصاحة، ويراد، البلاغة كما يقال: إعجاز القرآن هو من جهة كون القرآن في أعلى طبقات الفصاحة أي في أعلى طبقات البلاغة، أي: في أعلى المطابقة لمقتضى الحال. فالفصاحة أيضا بهذا المعنى صفة للفظ باعتبار إفادته المعنى المطابق للحال. فالبلاغة والفصاحة بمعناهما صفة للفظ لا باعتبار ذاته بل باعتبار إفادته المعنى الثاني الزائد على أصل المراد، وهو المعبر عنه بالمطابق لمقتضى الحال ومقتضى الحال [بم.] ومطلوب الحال، والحال حال المخاطب [ .... ] وخلو ونحو ذلك، فلذلك يقال: مقتضى الحال [ ...... ] وهو: ذو الأحوال، فالأحوال [ .... ] ومقتضى على هذا التاكيد] الظاهر من مقتضى الحال، فإنه قد يكون [ ..... ] مثلا لأنه لم ينكر فيؤكد له تنزيلا [ ..... ] المنكر، [ ..... ] الظاهر أن لا يؤكد وكذا من حيث يجري الخالي مجرى المنكر، والمنكر مجرى الخالي لوضوح [ ..... ] حتى كأنه لم ينكر فلا، وهكذا. ومع كون القرآن في أعلى طبقات البلاغة أنه لا بلاغة [تسمو عليه] وتفوقه ولو كان بعض طبقاته أعلى من بعض ذلك، لكن ليس لقصور بعض الطبقات بل لكون الأحوال [ ..... ] المقتضيات المراعاة فيها أوفر من المقتضيات المراعاة في الآخرين]، وقيل كلاً سواء لكن [ ..... ] ذلك، بل نقصر في فهم بعض قصر أعظم من قصورنا في البعض الآخر، وقيل: إن ما قرب فيه من الثقل "كسبحة" دون ما ليس كذلك في البلاغة.
وللبلاغة طرفان، الأول: أسفل، وهو ما إذا صرف الكلام عنه خرج عن البلاغة ولو كان صحيح الإعراب لخلوه عن مطابقته مقتضى الحال وعن اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد، وألحقه البلغاء بأصوات البهائم لبرودته عندهم والثاني، أعلى، وهو: إما الإعجاز،
35 (1/51)
صفحة 52
وهذا يختص بالقرآن وأما ما دونه وهو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم و بلغاء العرب، وهو أبلغهم. وبين الطرفين مراتب متفاوتة، مثل: أن يشتدّ بعض في مراعاة الاعتبارات والمناسبات، ومثله في العبادة: من يشتدّ ورعُه حتى إنه ليترك مالا يعاب عليه ويقتصر بعض على مراعاة كاملة كافية. ومثل أن يأتي بكلام لا ثقل فيه ولا قرب ثقل، ويأتي الآخر بما فيه ما ليس ثقلا ولكن يقرب منه، أو يأتي بذلك واحد.
وأما المحسنات المعنوية واللفظية فليست من الفصاحة ولا من البلاغة، بل تورث الكلام حسنا بعد فصاحته وبلاغته، وإن لم يكن فصيحا بليغا لم يحسن بها. وقلت .... ] ولم يجرب ولم يعبد غيره معه ولا غيره وحده ولا تردد لا إله إلا الله [لم تكن بليغا بل قل له لك إله أو تجب .... ].
والله أعلم.
باب بلاغة المتكلم
-
وهو: القادر على الكلام البليغ - المذكور في الباب قبل هذا ـ وقد علمت أنه لا يسمّى بليغا إلا إن كان مطابقا لمقتضى الحال مع فصاحته، فالكلام الذي لا مطابقة فيه لا يسمى بليغا ولا متكلّمه بليغا، وكذا ما يطابقه بلا فصاحة. وفي معنى ذلك أن تقول: بلاغة المتكلم ملكة يقدر بما قدرة عظيمة على الإتيان بكلام بليغ؛ أتى أو سكت أو تجاهل، لكن ليس بليغا فيما تجاهل فيه فلم يأت به بليغا، ولا ذلك الكلام الذي تجاهل فيه بليغا. والله أعلم.
باب الخبر
وهو: الكلام المفيد التام الذي يكون بين المسند إليه والمسند منه في نفس الأمر نسبة ثبوتية،
أو سلبية ماضوية، أو حالية، أو استقبالية موافقة لما في نفس الأمر وغير موافقة؛ فنحو: "قام زيد
66
11
موافق لما في نفس الأمر إن صح قيامه، وإن لم يصح فغير موافق له، ونحو: " ما قام زيد موافق إن صح أنه لم يقم، وغير موافق إن صح أنه قام. فما لم تتمّ به الفائدة ليس خبرا، كما أنه ليس إنشاء" "كزيد" و " غلام "زيد" والذي قام وإن قام زيد ولو كانت الصلة والشرط في نفسهما قبل الوصل والشرط كلاهما يسمى خبرا وخرج الإنشاء، لأنه لا نسبة له يصدق عليها
36 (1/52)
صفحة 53
أنها
سيقع،
وافقت أو لم توافق ومثل: " قم " و " بعت "، لأنّ - القيام مطلوب الحصول لا مخبر بأنه و" البيع " موقع بلفظ بعت، فإن للإنشاء نسبة لا يصدق عليها أنها وافقت أو لم توافق، والنسبة الإنشائية إثبات معنى المسند لمعنى المسند إليه على جهة الطلب، "كقم " أو الإيقاع "كبعت "إيجابا أو سلبا، ولما كانت على جهة الطلب أو الإيقاع لم يصح وصفها بالموافقة وعدمها. ويطلق الخبر على المعنى المصدري أيضا وهو الإخبار بكسر الهمزة والله أعلم.
باب الصدق والكذب
وهما مختصان بالخبر لما علمت أنه لا نسبة للإنشاء توصف بالموافقة أو بعدمها، وليس مرادنا أن الكذب مدلول للخبر كالصدق، بل الخبر لا يدلّ إلا على الصدق، ولذلك وضع. وأمّا الكذب فنقيض الخبر لا مدلول للخبر.
وقيل: يكون الصدق والكذب أيضا في المركب الإضافي، نحو: "غلام زيد " إذا لم يكن لزيد غلام. والتقييدي، نحو: " الغلام الذي في السوق " إذا لم يكن فيه غلام. ويجاب بأن ذلك راجع إلى الخبر؛ فإذا قلت: " جاء غلام زيد " ولا غلام لزيد، و جاء الغلام الذي في السوق " ولا غلام فيه، فمن كذب الخبر.
وصدق الخبر: موافقة معناه لما في نفس الأمر، وكذبه: عدم موافقة معناه لما في نفس الأمر. هذا مذهب الجمهور وهو الصحيح؛ فينقسم الكذب إلى ما يؤاخذ عليه) وهو: ما تعمد فيه عدم الموافقة إلا لضرورة أباحته، وإلى ما لا يؤاخذ عليه (وهو ما لم يتعمد فيه عدم الموافقة. فإذا وافق ما في نفس الأمر فصدق ولو اعتقد صاحب الخبر غير لك، وإذا لم يوافق فكذب ولو لم يعتقد عدم الموافقة ويوصف الخبر بأنه صادق أو كاذب وإذا قيل: الخبر صدق أو كذب، فمعناه: ذو صدق أو ذو كذب أو صادق أو كاذب. [وقال] النظام: من المعتزلة- صدقه موافقته لاعتقاد المخير (بكسر الباء) [صوابا كان أو خطأ، وكذبه عدم] موافقته لاعتقاد المخير (بكسرها) ولو كان [خطأ]. وهو مذهب سخيف، لأنه يوجب أن يكون قول اليهودي: الإسلام باطل صدقا وأن يكون قوله: الإسلام حق كذبا؛ وذلك لموافقة خبره لمعتقده.
- أبو إسحاق بن
سيار بن هانئ (231 هـ) وهو أحد أئمة المعتزلة البارزين. ينظر الأعلام 43:1
37 (1/53)
صفحة 54
وقد أجمعت الأمة على تصديق اليهودي إذا قال: الإسلام حق، وعلى تكذيبه إذا قال الإسلام كذب وإجماعها ولو على التسمية حجة؛ فحين أجمعت على تسمية الأول صدقا لا غيره والثاني كذبا لا غيره، لم يجز إلا ذلك. واحتج بقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنْ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * سَماهم الله كاذبين في قولهم - إِنَّكَ لَرَسُولُ الله مع أنه رسول الله حقا، لأنهم لم يعتقدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ورأي النظام موافق لمذهب الجمهور في أن الخبر إما صادق وإما كاذب
صميم
وأجيب على احتجاجه بأنّ الله جلّ وعلا سماهم كاذبين في قولهم إنهم استحقوا اسم الشهادة، إذ قالوا: " نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ " وهم لم يستحقوها، لأنها إنما تكون شهادة عن القلب، وليس في قلبهم أنه رسول الله، فليسوا مستحقين لها. وبأنه عزّ وجلّ سماهم. كَاذِبِينَ. في قولهم: " إن شهادتنا هذه من صميم القلب " ـ والصميم: الخالص - وبأن قولهم: " نَشْهَدُ. إخبار بالشهادة في الحال وهو كذب، لأنّ الشهادة خبر قاطع ولا قطع عندهم، أو في الاستمرار والكذب عليه ظاهر ولا يخفى أنه لم يريدوا إنشاء الشهادة، وإن سلمنا أنه إنشاء للشهادة قلنا: صح تكذيبه باعتبار تضمّنه أخبارا بصدوره عنهم، وبأن الكذب في الشهادة عدم كونها عن مشاهدة وعيان، وبأن التكذيب راجع إلى خبر تضمنه كثرة التأكيد في " إِنَّكَ لَرَسُولُ
إخبارهم
لأنه
الله "، وهو كون هذا القول عن اعتقاد وكون التسمية كذبا إنّما هو باعتبار تضمنها حكما خبريا، وهو أن هذا يسمى شهادة، فلا يردان الخبر وإنّما يدخل النسب الخبرية التامة. والتسمية وصف من أوصاف المسمّى، فكيف يقال: إنه كذب، وبأنّ المعنى: " إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " في اعتقادهم أن قولهم " إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ " كذب منهم، أعني أن كذب هذا الخبر إنما هو عدم في اعتقادهم عدم موافقته للواقع، وبأن التكذيب راجع إلى حلف المنافقين (سمع زيد بن أرقم عبد الله بن أبي [بن سلول] في غزوة يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، "ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأغرّ منها الأذل"، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فحلف أنه لم يقل ذلك، فلزم بيته اغتماما بأن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وكذبه،
38
- المنافقون 1
52 (1/54)
صفحة 55
فقال له عمّه: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضعتك، فنزل - إذا جاءك المنافقون ..
الآية. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد فقال: إن الله صدقك. (53
•
وقال الجاحظ: صدق الخبر موافقته لما في نفس الأمر مع اعتقاداته أنه موافق له، وكذبه عدم موافقته له مع اعتقاده أنه غير موافق له. فخرجت أربع صور لا يسمّين صدقا ولا كذبا، وهن:
ـ الموافقة مع اعتقاد عدمها
الموافقة بدون اعتقادها ولا اعتقاد عه ها
وعدم الموافقة مع
اعتقادها،
وعدم الموافقة بدون اعتقادها ولا اعتقاد عدمها.
) والجاحظ هو أبو مسلم ويقال أبو عثمان عمرو بن بحر الأصفهاني المعتزلي، وهو تلميذ النظام. لقب بالجاحظ لأن عينيه كانتا جاحظتين ـ من جحظت عينه إذا خرجت مقلته أو عظمت ــ وكان قبيح الشكل جدا. وجاءت امرأة إلى صائغ وقالت له: صورة إبليس، فقال: لا أعرفها. فجاءت بالجاحظ إليه تقول: اذهب معي إلى الصائغ - توهمه أنها تريد أن ينظر لها في حلي تصوغه فجعل الصائغ ينظر إليه، وينقش وقال بعد ذلك: ما خدعني أحد مثل ما خدعتني تلك المرأة. ولما أحضره المتوكل ليعلم أولاده استبشع منظره، فأمر له بعشرة آلاف وصرفه. ولذا قيل فيه: [من الرجز] لَوْ يُمْسَخُ الْخِنْزِيرُ مَسْحَاً ثانياً ما كَانَ إِلَّا دُونَ قُبْحِ الْجَاحِظِ
-
رجُلٌ يَنُوبُ عَنِ الْجَحِيمِ بِوَجْهِهِ وَهُوَ الْقَذَى فِي عَيْنِ كُلِّ مُلاحظ
54
وإليه تنسب الطائفة الجاحظية من المعتزلة، وله التصانيف في كل جزء، وأصابه الفالج في آخر عمره، وكان يطلي نصفه بالصندل والكافور لشدة حرارته والنصف الآخر المفلوج لو قرض بالمقاريض لم يحس به من شدّة برودته. وكان يقول: أنا من جانبي الأيمن مفلوج فلو قرض
رواه البخاري وأخرجه الترميذي، قال: هذا حديث
حيح. ينظر صحيح البخاري 188:6
ينظر شروح التلخيص (حاشية الدسوقي) 182:1
39
-
53
54 (1/55)
صفحة 56
بالمقاريض ما علمت ومن جانبي الأيسر مُنْقَرس فلو مرّ به الذباب تألمت، وكان ينشد: [من
الوافر]
أترجو أن تكون وأنت شيخ
كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب
وكان موته - بوقوع المجلدات عليه وهو ضعيف بالمرض والهرم - بالبصرة سنة خمس وخمسين ومائتين وقد جاوز السبعين) ـ وكلّ من الصدق والكذب بتفسيره أخص منه بتفسير الجمهور والنظام، لأنه اعتبر في الصدق والكذب موافقة الواقع [والاعتقاد] جميعا، وفي الكذب عدم موافقتهما جميعا، بناء على أن اعتقاد الموافقة يستلزم [ ..... ] في نفس الأمر للاعتقاد، حين اعتقد موافقة الخبر لما في نفس الأمر [ .... ] الخبر موافق لواقع، وكذا اعتقاد عدم الموافقة لما في نفس الأمر يستلزم عدم موافقة الاعتقاد، فلا يقال: إنه ليس كما قال وإنّه إنما اعتبر اعتقاد الموافقة وهو غير موافقة الاعتقاد والمراد بهذه الموافقة التوافق في القدر المفهوم من الخبر، فلا يرد مثل أنك رأيت زيدا واعتقدت أنه عمرو، وقلت: " رأيت رجلا " فإنّه صادق عند الجاحظ توافق الواقع والاعتقاد، واحتج بقوله تعالى: افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جَنَّةٌ 57 قابلا لافتراء وهو الكذب بالجنّة فهي غيره وغير الصدق أيضا؛ إذ هم يعتقدون عدم صدقه. وأجيب بأن الجنَّة» كناية عن الكذب بلا عمد لأنه لا عمد إذا [خلا] فهم ذكروا أنه كذب عمدا، أو كذب بلا عمد وإنّما لم أجعله مجازا مرسلا من إطلاق اسم الملزوم على اللازم؛ لأن المجاز لا بد له من قرينة مانعة للحقيقة، ولا قرينة تمنع الجنون في كلامهم، والكناية لما جاز فيها إرادة الموضوع له مع لازمة لم يشترط فيه قرينة مانعة والجواب طابق [ ..... ] الواقع [ ... ] اعتبار [ال .... ] من جانب [ ..... ] والحق كلام طابق الواقع باعتبار نسبة الواقع إليه،
-
55
مع عدم
وردت الرواية في الوفيات 3: 473 بطريقة أخرى وهي: وكان يقول: أنا من جانبي الأيسر مفلوج فلو قرض بالمقاريض ما علمت به، ومن جانبي الأيمن مُنَكَّرَس فلو مرّ الذباب لألمت، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها وأشدّ ما علي ست وتسعون سنة ..
56
ينظر وفيات الأعيان لابن خلكان 473:3
57 ـ سبأ جزء من 8 الآية الكريمة (أافْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ
-
البعيد)
40 (1/56)
صفحة 57
والصدق كلام طابق الواقع باعتبار نسبته للواقع ويقابل الصواب الخطأ والثاني الباطل والثالث
الكذب. والله أعلم.
باب النسبة
النسبة الحكمية: تعلّق المسند بالمسند إليه على وجه الثبوت والانتفاء، وأما التقييدية فتعلّق
11
شيء بشيء على جهة التقييد لا على تمام الفائدة، نحو: "غلام زيد و"زيد العاقل "، فجملة قام من قولك: " أعجبني رجل قام " فيها النسبة الحكمية في ذاتها، والتقييدية من حيث وصف رجل بها.
59
وأجزاء الكلام المفيد أربعة المسند إليه والمسند والنسبة الحكمية، والحكم بمعنى الوقوع وعدم الوقوع. وتطلق النسبة الحكمية على الإيقاع والانتزاع، ويقال لها "نسبة الكلام؛ فالإثبات إيقاع، والسلب انتزاع والنسبة التي في الخارج الوقوع وعدم الوقوع وهو مذهب السيد وقال السعد: النسبة التي في الخارج ونسبة الكلام كلتاهما الوقوع وعدم الوقوع، وأما الحكم فإثبات المسند للمسند إليه أو نفيه عنه، وقد يطلق الحكم والنسبة على المحكوم به من قيام أو عدمه مثلا. والحكم على تفسيره الأول هو الإيقاع والانتزاع، وقد يطلق على الوقوع وعدم الوقوع، وذكر السيد الشريف في شرح مفتاح السكاكي: (أن الموصوف بالصدق والكذب ليس إلا الإيقاع والانتزاع وكذا الموصوف باحتمال الصدق والكذب ووجهه: أن الخبر لا يدلّ إلا على الوقوع وعدم الوقوع فهو النسبة المفهومية والخارجية فكيف يتصوّر توافقهما والجواب: أن الوقوع له اعتباران، أحدهما: كونه مفهوما من الكلام مع قطع النظر عن الواقع، والآخر: كونه في الواقع مع قطع النظر عن الكلام، والوقوع بأحد الاعتبارين غيره بالاعتبار
الآخر
مع
اتحادهما؟
- 58
علي بن محمد بن علي الحنفي الشريف الجرجاني المتوفى سنة 814 هـ، الم بلاد المشرق، كان علامة دهره وكانت بينه وبين الشيخ سعد الدين التفتازاني مباحثات ومحاورات في مجلس تمرلنك وله تصانيف مفيدة، منها: شرح المواقف للعضد و. شرح التجريد للنصير الطوسي و حاشية المطول. و - حاشية المختصر. وله رسالة في تحقيق معنى
الحرف. ينظر بغية الوعاة للسيوطي
196:2
59
- ينظر المطول 62:1
41 (1/57)
صفحة 58
وذكر بعض أن كل نسبة إخبارية أو إنشائية لها خارج؛ أما الإخبارية فظاهر، وأما الإنشائية فلأن قولك: " اضرب مثلا " له نسبة كلامية أي مفهومة منه ذات الكلام؛ وهي: طلب الضرب من المخاطب، وله نسبة خارجية؛ وهي الطلب النفسي للضرب. وإذا كان للنسبة الإنشائية خارج لم يمكن أن يخرج عن موافقتها له بأن يتحقق من المتكلّم ذلك الطلب النفسي أو عدم موافقتها بأن لا يتحقق منه فلذلك نفى بعض ما اشتهر من اختصاص الصدق والكذب بالخبر واختصاص احتمالهما به، وأثبت جميع ذلك في الإنشاء، فلم يتميز الخبر من الإنشاء بما نقوله من أنه إن كان لنسبته خارج توافقه أولا توافقه فخبر، ولذلك دفع بعضهم هذا الإيراد بتعبير الموافقة وعدمها بقصد الموافقة وعدمها والإنشاء وإن كان لنسبته خارج توافقه أو لا توافقه لكن لا يقصد، أن الإنشاء بخلاف الخبر. وردّ هذا الجواب بأنه لا خبر بقصد عدم الموافقة النسبية، لأنّ وضع الخبر للموافقة، وإنما عدمها احتمال عقلي. نعم إن أريد بالنسبة ثبوت أمر لأمر، وأنه في الموجبة يقصد موافقتها للخارج، وفي السالبة يقصد عدم موافقتها، فالقصد في "زيد قائم " [إلى أن] له ثبوت القيام لزيد واقع، وفي "زيد ليس [بقائم] " أن الثبوت المذكور لزيد غير واقع. فالتحقيق أن النسبة التي لها [ ...... ]
ونسب الإنشاءات ليست حاكية بل محضرة ليترك عليها وجود أو عدم أو معرفة أو [ ..... ] أو غير ذلك، إلا نحو: " بعت "و" "أعتقت " و "زوجت “، ونحو ذلك من العقود، "كرهنت " فلا خارج له قبل النطق؛ إذ الحاصل قبله هو إرادة الشيء، والحاصل بعده نقل الملك مثلا، وكلّ أمرين بينهما في حدّ ذاتهما مع قطع النظر عن اعتبار معتبر حالة إما بالثبوت أو الانتفاء، لاستحالة ارتفاع النقيضين.
والخبر دال وصفا على صورة ذهنية على وجه الإذعان تحكي تلك الحال الواقعية وتبينها، والحكاية تدلّ على المحكي دلالة غير قطعية، فالخبر يدلّ عليه أيضا. ويجوز تخلفه على كلا مدلوليه، ثم إن كان الطرفان على ما حُكي] وفهم من تلك الصورة المعتبرة بالإيقاع والانتزاع، فبالضرورة تكون الصورة موافقة للحال الواقعية في الكيفية موافقة الحكاية للمحكي، فهما ثبوتيان أو سلبيان، وإن لم يكونا كذلك فهي مخالفة للحال في الكيفية.
42 (1/58)
صفحة 59
فالصدق موافقة الحكم الذي هو الإيقاع والانتزاع لما في الواقع في الكيفية، والكذب مخالفة إياه فيها. ولك أن تقول الحالة المحكية المعبرة بالوقوع وعدم الوقوع من حيث أنها مدركة مفهومة من اللفظ إن وافقت في الكيفية ما في الواقع لذاته مع قطع النظر عن كونها مدركة فصدق وإلا فكذب.
والمراد بالصورة الذهنية (الإيقاع والانتزاع، وهي مدلول الخبر. وهو معنى قول ابن السبكي: مدلول الخبر الحكم بالنسبة والموافقة معتبرة بين الحكم والوقوع وعدم الوقوع سواء أريد بالحكم الإيقاع والانتزاع أو الوقوع وعدم الوقوع، والتغاير بين المتوافقين حقيقي على الأوّل اعتباري على الثاني. والمراد بالموافقة) في الكيفية:: الموافقة في الثبوت والسلب. والخبر موضوع لصورة تبين ثبوت النسبة وتحكي ذلك، والإنشاء موضوع لنفس تلك النسبة. والله
أعلم.
باب الإسناد الخبري
بأنه
وهو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى أو ما يجري في مجراها، بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي. والمراد (بالمفهوم المعنى المستعمل له، سواء أكان حقيقة أم مجازا. وقال السكاكي" [- 626 هـ]: الإسناد الخبري الحكم لمفهوم بمفهوم ثابت له أو منفي عنه ولا يشكل عليه كما قيل: إن المسند إليه والمسند أوصاف الألفاظ؛ لأنه لم يتعرض لهما بل لمعناهما، وهو المعبر عنه بالمفهوم، والحكم إنما يقع بالضم المذكور في التعريف
الأول.
فالتعريفان سواء صحيحان على ظاهرهما، وليس كما قيل: إنه لا يصح إلا بتفسير الضمّ أن الانضمام إن كان الذي يتصف به اللفظ هو الانضمام، لأنا نقول: الإسناد وكذا الضمّ وصف له لا للفظ، ولا كما قيل: إنه لا يصح إلا بتفسير
بلازمة؛ وهو وصف للمتكلم لا للفظ،
الانضمام بلازمة أيضا وهو النسبة الكلامية، ولا كما قيل: إن الأسهل تقدير مضاف أي أثر ضمّ أولازم ضمّ. والأثر النسبة وكذا اللازم لأنا نقول: المعنى صحيح بدون التأويل.
مفتاح العلوم، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط 1937/ 1، ص 80.
43
60 (1/59)
صفحة 60
وقال عصام الدين: الإسناد الخبري ضمّ كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى، بحيث يفيد أن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه؛ لأن مفهوم الخبرهو: الوقوع وعدم الوقوع لا الحكم بما. ولا يردّ على التعريف الأول والثاني ما ذكره لأنهما لم يحكما بأن الإسناد مفهومه الحكم، بل حكما بأن الإسناد يفيد الحكم. والمراد بما يجري مجرى) الكلمة الواقعة في موقع المبتدإ أو الخبر، والمركب والتقييدي، والإضافي. ومن ذلك {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ". وتسمع بالمعيدي عند من زعم أن تسمع مبتدأ و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كنز من " كنوز الجنة"،، و" زيد قائم " جملة اسمية يجب توكيده إذا ألقي إلى المنكر. والمراد الإفادة بحسب الوضع الباقي على أصل مفهومه عبر الخارج إلى التسمية، فدخلت جملة الصلة والشرط لبقائها على مفهومها بالوضع، ولو لم يتم الكلام بها مع الموصول وأداة الشرط إذ لم يسم بها ويرد لفظها، وقد كانت قبل كونها صلة أو شرطا تفيد فائدة يحسن السكوت عليها، أولى من هذا أن نقول: دخلتا فيما يجري مجرى الكلمة، فإنّها مع الموصول أو الأداة كالكلمة الواحدة. والمراد بالحكم المعنى المصدري اللغوي وهو الإدراك الاصطلاحي المفسر بالإسناد لئلا يتوهم الدور، واسم الفاعل ومرفوعه ونحوهما مما لا يتم فيه [ ... ]. والله أعلم.
باب فائدة الخبر
وهي الحكم [الذي قصد] المتكلم إلقاءه في ذهن المخاطب، وإن شئت [قلت] في ذهن السامع]، ومرادي (بالمخاطب): من يُلْقى إليه الكلام ولو بدون صيغة الخطاب النحوي، ومن كان هو المراد بالخطاب ـ ولو خوطب في الظاهر غيره - فيكفي في التعريف أن يقال: فائدة الخبر إفادة الحكم - وهو تعريف أوجز - وإنما سمي فائدة الخبر من حيث أنه يستفيده المخاطب من من حيث أن المتكلم يفيده للمخاطب، لأن الفائدة (لغة ما استفدته من علم أو مال، فاللائق في وجه تسمية الحكم (فائدة) الخبر (كونه مستفادا لا كونه مفادا
لا
البقرة جزء من الآية 184 - الآية الكريمة أَيَّامًا مَعْدُودَات فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
الخبر
وهي تسمية
44 (1/60)
صفحة 61
اصطلاحية - فلا يرد أن فائدة الشيء ما يترتب عليه. والحكم ليس كذلك، بل المرتب على الخبر علم المخاطب بذلك على إفادة اللفظ ما يستفاد منه وهو الحكم، وإن سلّم فإطلاق فائدة الخبر على متعلّقها لا محذور فيه، لأنّ غاية ما يلزم التجوّز وهو سائغ ولو في التعريف إذا شهر بقرينته عند قوم. والمستحق لاسم الفائدة ما وضع له اللفظ.
والمراد بالحكم في فائدة الخبر: وقوع النسبة وعدم الوقوع لا الإيقاع والانتزاع؛ لأنه ليس قصد المتكلم إفادة أنه أوقع النسبة، وإلا لم يكن لأنكار الحكم معنى، لامتناع أن يقال: إنه لم يوقع [النسبة]. وقيل المراد إفادة، الإيقاع، لكن لم يرد ذلك بالذات بل هذا مدلول للخبر، وليس مدلوله الأصلي إفادة الإيقاع. والمشهور أنّ الإيقاع والانتزاع ليسا من مفاد الخبر؛ والإيقاع: إدراك الوقوع، والانتزاع: إدراك الانتفاء. ويجوز أن يراد بالحكم معنى النسبة؛ وهو تعلّق المسند أو المسند إليه بالآخر، ويقال: الخبر لا يدلّ على ثبوت المعنى ولا انتفائه، ومعنى هذا: أن الخبر لا يستلزم تحقق الحكم في الواقع أو انتفاءه، لأنّ دلالة اللفظ على معناه وضعية وليست عقلية تقتضي استلزام الدال للمدلول استلزاما عقليا يستحيل فيه التخلف.
وليس معنى كون الخبر لا يدلّ على ثبوت المعنى أو انتفائه نفي دلالته على ثبوت الحكم كالقيام وانتفاء الحكم، ولا يخفى أن مدلول" قام زيد " ثبوت القيام لزيد، وأما عدم قيامه فاحتمال عقلي نشأ في كون دلالة الخبر وضعية يجوز تخلف المدلول فيها عن الدال، وليس عدم قيامه مدلولا للفظ وكذا " ما قام زيد" مدلوله عدم قيام زيد وأما قيامه فاحتمال عقلي لا مدلول
للفظ.
ومدلول الخبر كما مر - الصدق فقط، وأما الكذب فيحتمله من حيث أنه لا يمتنع عقلا، ولا - يلزم من كون مدلوله الصدق، وأن يصدق أبدا بل يدلّ على ثبوت المعنى في الواقع لكن لا على طريق القطع، ونفي التخلف في نفس الأمر وإلا لم يوجد الكذب ـ وهو موجود قطعا و لم يوجد التناقض بين قولك: " قام زيد " وقولك: “ ما قام زيد " لامتناع تحقق النقيضين واجتماعهما وهو موجود قطعا. وقال عبد القاهر في شرح المفتاح: فائدة الخبر استفادة السامع من الخبر الحكم. والله أعلم.
45 (1/61)
صفحة 62
باب لازم فائدة الخبر
وهو: كون المخاطب عالما بالحكم والمراد بالمخاطب والحكم ما مرّ في الباب قبل هذا. وقال عبد القاهر: هو استفادة السامع من الخبر أنّ المتكلّم عالم بالحكم، والمراد هنا وفي الباب قبل بالحكم ما كان مدلوله حقيقيا أو مجازيا أو كناويا، وسمي ما قبل هذا الباب فائدة الخبر، لأنّ من شأنه [أن يستفاد] من الخبر، وإن استفيد من غيره كالمشاهدة. وسمي ما في هذا الباب لازم الفائدة، كلما أفاد المتكلم الحكم أفاد أنه عالم به وليس كلها أفاد أنه عالم بالحكم أفاد بعد [ .... ] أن يكون الحكم معلوما قبل الإخبار؛ كما هو فرض المسألة.
وفسر بعضهم الحكم في البابين بالتصديق بالنسبة وادعائها قطعا أو ظنا، وهو كذب، لما صرح به السيد من أن مجرد التصوّر لا يسمّى علما، وليس اللزوم في قولنا: لازم فائدة الخبر" باعتبار ذات العلم وذات الحكم، لأنه لا تلازم بينهما؛ إذ قد يتحقق الحكم ولا يعتقده المتكلّم، بل باعتبار أن إفادة ذات العلم ملزومة لإفادة ذات الحكم. وأمّا خبر الله فإنه ولو أفاد الحكم دون أن يفيد أنه تعالى عالم به، إذ كان معلوما له تعالى قبل الخبر، لكن المعلوم قبل الخبر ما يسمى مثله عندنا تصوّرا، والمقصود إفادته بالخبر ما يسمّى مثله عندنا تصديقا وهو تعالى لا يعلم جميع الأشياء على الوجه المذكور بدليل الكواذب فإنها معلومة له لا على الوجه قطعا، فلا يعلم الشيء إلا على ما هو عليه فعلمه بالشيء على وجه تسميته تصديقا لا نعلمه إلا من خبره وبمنع تحقق علمنا بأنه تعالى عالم بهذا الحكم بخصوصه قبل علمنا به بخصوصه وقد يقال: يجوز أن يتصوّر الحكم بخصوصه قبل الخبر مع العلم بأنه تعالى يعلمه بخصوصه، قال السيد: المراد بعلم المتكلّم الحكم تصديقه جازما أو راجحا، لكن لا نسلّم أن المعلوم قبل الخبر علم له تعالى [يسمى.] مثله عندنا تصوّرا بل ما هو أعم منه ومما يسمّى مثله عندنا [ ..... ] عالم به ولا يشكل عليه قولك: " اعلم قام زيد؛ " لأنّ علمك بقيام زيد هو فائدة خبر أيها المتكلم [ ........ ] الكلام ولازم له أعني أنه يقصد إفادته بالخبر، وإلا فله لازم آخر وهو علمك بعلمك بقيام زيد، إذ العلم يتعلق بالعلم، ويجاب بأن عدم اللازم المذكور لخصوص هذه المادة فلا يرد، وليس كلما أفاد أنه عالم بالحكم أفاد نفس الحكم لجواز أن يكون الحكم معلوما
46 (1/62)
صفحة 63
يحفظه
قبل الإخبار، كما في قولك لمن حفظ القرآن " قد حفظت القرآن، فاللازم أعمّ لامساو، وهذا التمثيل يصح بأمرين، أحدهما: أن يعلم أن ما حفظه هو القرآن وإلا فيمكن أن يحفظه من لا يعلم أنه القرآن. والثاني: أن يعلم أنه عالم بأنه حفظه، إذ لا يلزم من حفظه علمه بأنه حفظه، إذ قد من لا يعلم أنه القرآن ولو كان حفظ القرآن لا ينفك عادة عن العلم به، ولا يقال: إن حفظ القرآن معلوم للمخاطب لم يستفد من الخبر ولم يقصد به فكيف يسمى فائدة؟ لأنا نقول: ليس المراد بالفائدة ما يستفاد من الخبر بالفعل، بل ما من شأنه أن يستفاد منه. والمراد بعلم المتكلّم بالحكم حصول صورة الحكم في ذهنه مع الاعتقاد الجازم أو الراجح، وأما الشك والوهم والكذب فليست صيغة الخبر، [أمالي] موضوعة لهنّ؛ لأنّ مَنْ شكٍّ يقول: " إن قام"، أو يقول: " قام زيد أو قعد "، أو يقول: " أشك" أو " تخيلت". أما إذا لم يقل ذلك فلا يحمل كلامه على أنه جاء به لذلك بل على الجزم والرجحان. وسبق أن الخبر لم يوضع للكذب، واستفادة المخاطب الحكم لا يحصل له من الخبر نفسه إلا إذا اعتقد أن المتكلم معتقد للحكم، وذلك معنى كونه عالما به؛ فكلما أفاد المتكلّم الحكم أفاد أنه عالم به. وأما أن يراد بالعلم: مجرد حصول صورة الحكم في ذهن المتكلّم ولو بلا جزم ولا ترجيح، بل مع شك أو وهم أو كذب، أو بدون اعتقاد فلا يصح؛ لأنّ ذلك الحصول لا يعتد به، ولا يسمّى علما ولو كان اصطلاحا للحكماء، أو قيل: اشتهر بين الناس ولا يقال: إذا كان الحكم بدهيا يحتاج إلى أدنى التفات وسماع، فإن المخاطب يستفيد ولو لم يعتقد علم المتكلم؛ لأنا نقول مثل هذا لا يسمّى مستفادا من الخبر، ولا تسمّى تأديته إفادة ولا نسلّم أن إطلاق العلم على الظنّ والتقليد بأمارة، كما قيل مجاز بل حقيقة ولو كان في أصل اللغة مجازا، فإذا شهد عدلان حصل لنا العلم بما شهدا به بمعنى إذعان النفس والتصديق، وكذا كل من صدقنا لا العلم الجازم. وأمّا الجهل المركب فلا يسمّى علما إلا مجازا، وإنما قلنا حصول صورة الحكم مع أن العلم هو الصورة الحاصلة لنفيد أن صورة الحكم إنما كانت علما لحصولها في الذهن، وإن قلت: إذا سمعنا خبرا وحصل لنا منه العلم يكون المتكلّم عالما به حصل في ذهننا صورة هذا الحكم سواء أعلمناه قبل أو لا، فإذا علمناه قبل لم يكن علما جديدا، قلت إما أن ينسى ما علم قبل فيتجدّد علمه بالخبر، وإما أن لا ينساه فيحصل العلم بالخبر أيضا مطابقا للعلم الأول. وأيضا قد علمت
47 (1/63)
صفحة 64
أن المراد بالمستفاد: ما استفيد بالفعل أوما من شأنه أن يستفاد من كلام المتكلّم الحاصل. وإن قلت: كثيرا ما تسمع خبرا ولا يخطر ببالنا أن صورة هذا الحكم حاصلة في ذهن المتكلم أو غير حاصلة، قلت: يكفي في فائدة الخبر أن يكون المتكلّم عالما بحصول صورة الحكم في ذهنه، ولو لم
يعلم السامع أن المتكلّم عالم به، وأيضا يكفي أن يكون الكلام أصله علم متكلمه بذلك. وإنما قدمت الإخبار على الإنشاء لعظم شأنه وكثرة مباحثه، وذلك أن المزايا والخواص المعتبرة عند البلغاء أكثر وقوعا، فيبدو أنّ الخبر أصل للإنشاء؛ لأنّ الإنشاء خبر صار إنشاء بحذف، كما في " اضرب “، أو بزيادة، كما في " ليضرب " و" لا تضرب " و" لتضرب " و" ليتك تضرب " و" لعلك تكرم ". أو بنقل " كنعم" و" عسى ". والله أعلم.
يرد
واعلم أن ما ذكرته من فائدة الخبر ولازمها هو الأصل، بل فائدة الخبر أشدّ أصالة، وكثيرا ما الخبر لغير فائدة الخبر ولازمها، مثل إظهار الضعف في قوله تعالى عن زكريا) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي "، ومثل التحسر والتحزن في قوله تعالى رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى " وذلك مجاز؛ فإنّ وضع المركب الخبري للإخبار، فإذا ورد لغرض آخر كان مجازا، فالآية من المجاز المرسل، إذ ذكر الملزوم وأريد اللازم [فإنّ] الشخص إذا أخبر عن نفسه بوقوع ضد ما يرجوه لزمه إظهار التحسّر والتحزن. وفي قول الشاعر: [من الطويل] هواي [مع الركب اليمانين مصعد
جنيب وجثماني] بمكة موثق
64
فهذا كالآية في التحسّر والتحزن والتجوّز [الإرسالي] لعلاقة اللزوم. والله أعلم.
باب خطاب خالي الذهن من الحكم
من لازمه وملزومه] والتردّد في ذلك
إذا أريد خطاب الخالي عن ذلك لم يؤكد الحكم، لأنه يتمكن في ذهنه بلا تأكيد، إذ وجده خاليا ليس فيه مناف له. وعندي أنه يجوز التأكيد زيادة في التمكين وترغيبا في العمل بمقتضاه،
62
شقيا
63
- مريم جزء من 4 - الآية الكريمة و قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ
آل عمران جزء من 36 - الآية الكريمة في فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ} 64 - ينظر شروح التلخيص 193:1 (حاشية الدسوقي).
48 (1/64)
صفحة 65
فقد يخلوا ذهنه ولا ينشط بالكلام حتى يؤكد، ويسمّى الخلو عن التأكيد للخلو عن الحكم والتردد والإنكار ابتدائيا؛ لكونه غير مسبوق بطلب أو إنكار.
وأما إن تردّد في الحكم وطلبه فتوكيده حسن وجاز ترك التوكيد وهو أيضا صحيح ولكن لا حسن فيه، ويسمى هذا التوكيد المستحسن طلبيا؛ لأنه مسبوق بالطلب. وإن أنكر الحكـ وجب توكيده و يسمّى هذا التوكيد الواجب إنكاريا؛ لأنه مسبوق بالإنكار.
معه
وعندي أنه قد يخلو ذهن السامع، لكن تعلم أنك إذا خاطبته بأمر [ .... ] وينكره أو يشك فإنك تؤكد له، وإذا لم يكن [ ... ] ما إلى التأكيد فالتأكيد جائز لعدم [الحاجة] إليه؛ تقول: " قام زيد "، وتقول لحافظ القرآن الذي خلا ذهنه عن علمك بحفظه وعدمه والتردد: " حفظت القرآن " بلا تأكيد. ويجوز أن يلتحق بخالي الذهن منكر الحكم أو الشالث فيه إذا كان معه من الدلائل، ما إن تأمله بعقله ارتدع عن الإنكار أو عن شكه، كقولك لمنكر الإسلام: " الإسلام حق " بلا تأكيد، وإن أكدت فقلت: " إنّ الإسلام حق "، " وإن الإسلام الحق "، و " والله إنه لحق" جاز. وإن وجد الدليل في نفس الأمر ولم يكن لم يلحق بخالي الذهن وممن التحق به لوجود الدليل معه - المخاطبون بقوله تعالى: لا رَيْبَ فيه " فإن المشركين أنكروه، لكن إنكارهم كالعدم لوجود أدلة؛ كون القرآن ليس من مظان الريب، فمعنى لا ريب فيه) أنه ليس مما يقبل الشك لوضوح أدلّة كونه حقا، وهذا المعنى أنكروه وجعلوا القرآن قابلا للشك، وشكوا فيه بل أنكروه، ومع هذا لم يؤكد لوضوح الأدلة، وليس معناه أنه لم يشك فيه، فضلا عن أن يقال: إن الأحسن أن يقال: تنزل ريب المرتابين منزلة عدمه تعويلا على وجود ما يزيله من الأدلة الواضحة، ولا يقال: إنه قد أكد في الآية بكون النفي بلا النافية للجنس، لأنا نقول: هذا النفي قدر لا بدّ منه بحيث يفيد الاستغراق نصا، وإنما التأكيد المتكلم عليه الآن أن يزاد على القدر الواجب للكلام، مثل: " والله لا ريب فيه "، ولا يخفى أن الآية خطاب للنبي والصحابة تبع بدليل الخطاب بإليك وقبلك، لكنّهم لم يرتابوا، فهي موجهة للمرتابين المشركين؛ وهذا التوجيه خطاب لهم.
- البقرة 2 - الآية الكريمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
49
65
- (1/65)
صفحة 66
ومعنى قولي: إنّ لا للتأكيد. أن النفي بها، قوي لأنها استغرقت الجنس، وكذا أراد ابن
مالك ومن تبعه في قوله: إنّ لا لتأكيد النفي إذا عملت عمل إنّ "، كما أن إنّ لتأكيد الإثبات، فلا يشكل عليه أنه لا نفي قبل وجود لا فضلا عن أن تؤكده، وأيضا لا لتأكيد المحكوم عليه فيما قيل لا لتأكيد الحكم والكلام إنما هو في تأكيد الحكم، وهذا غير مسلم عندي، إلا إن أريد بالتأكيد الاستغراق بلا، لأن تأكيد المحكوم ليس بالذات بل باعتبار الحكم؛ إذ لا يخفى أنه لا لتأكيد أنفس الرجال في قولك: " لا رجل قائم " إلا باعتبار القيام المنفي، والجملة الاسمية ولو أفادت التأكيد في الجملة، لكن ليست للتأكيد مطلقا بل إذا اعتبرت مؤكدة (بكسر الكاف (كذا قيل. ولا أسلّمه إلا إن أريد بالتأكيد عدم الدلالة على الحدوث [مع أن] الجملة الاسمية الخبر فيها دال على الحدوث، ولا نسلّم أنها لا تدلّ على الحدوث. والله أعلم. والمراد بالحكم: وقوع النسبة وعدم وقوعها. والله أعلم.
معنى
باب خطاب المتردّد في الحكم أو لازمه
إذا حضر في ذهنه ذلك، وتحيّر وطلب الإيقاع والانتزاع حسن تقوية ذلك بمؤكد واحد، فلو لم يؤكد أو أكد بمؤكدين فصاعدا لم يستحسن، فلا يكون الكلام به مطابقا لمقتضى الحال، فلا يكون بليغا. والمراد بالكلام هنا الوقوع وعدمه، وإنما حسن التأكيد لأنه يزيل التردّد
ويمكن الحكم. وقال عبد القاهر: إنما يحسن "التأكيد إذا كان للمخاطب ظنّ على خلاف حكمك، وعليه فإن كان له شك أو وهم لم يحسن التأكيد فلا يؤتى به وأراد بالظن. الميل القوي عن حكمك من غير أن يصل إلى أن يحكم بغير حكمك، وهو قريب من إنكار حكمك، والقريب من الشيء لا يجب أن يعطي حكمه فلا يجب التأكيد، كما قيل: إنه يجب التأكيد بأنّ في الظن ومن التأكيد بها في التردّد إنهم مغرقون فليس [ ...... ] شرط بعض أن لا يؤكد في الظن إلا بإن وإذا تردّد حافظ القرآن هل علمت [ .... ] التأكيد استحسانا [وإن علمت أنه أنكر عليك بأنه حفظه] وجب التأكيد، لأنّ المؤكد (بكسر الكاف ولو كان وضعه للحكم يجوز
66
ينظر دلائل الإعجاز ص 220 (1/66)
صفحة 67
استعماله في لازم الحكم، والأصل أن نقول: " إنك حفظت القرآن " في تأكيد الحفظ، وأمّا
تأكيد العلم به فالأصدق فيه أن نقول: "إني عالم بحفظك القرآن
11
وقد يجعل خالي الذهن كالمتردّد الطالب للبيان فيحسن له التأكيد، وذلك إذا قدّم لخالي الذهن ما يشير له بالخبر فيجب معرفته، كقوله تعالى إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ " أي: سيغرقون، وجرى القضاء عليهم بالإغراق أكد إن"، لأن قوله تعالى {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) يشير إشارة إلى ذلك الخبر الذي هو الإغراق، لأنّ المعنى: لا تستدفع يا نوح الغرق عن قومك بدعائك، فهذا يلوح أنهم، مغرقون ولا يجزم به لجواز أن ينهاه عن الاستدفاع بدعائه مع أنهم لا يغرقون، ولهذا الجواز كان التردّد [ .... ] إغراق بل هذا الإغراق لأنه [ .... ] الغرق ولا تخاطبني [ .... ] العذاب الذي [ ... ] للغرق [ ...... ] هو المراد [ ...... ] نهاه عن الخطاب [ ... ] قضى به أي لا [ ..... ] بطلب [ ....... ]. والله أعلم.
باب خطاب المنكر للحكم أو لازمه
المراد بالحكم": الإيقاع والانتزاع اعلم أنه يجب في الإيجاب والسلب توكيد الحكم له بحسب إنكاره قوة وضعفا وتوسّطا، فيبالغ في التأكيد لقوّة الإنكار، ويوسط لمتوسطه، ويقلل لضعيفه. وعندي: لا بأس في تقويته لضعيف الانكار ومتوسطه، ولا في توسطه لضعيف الانكار لوجود أصل الإنكار. وقد جاز التأكيد للمتردّد واستحسن، وورد الخالي الذهن، فكيف لا يجوز الزيادة على قدر الإنكار، ولا بد أن يكون التأكيد للإنكار زائدا على التأكيد للتردّد، وأن يتفاوت بحسب المقامات. قال أبو إسحاق المتفلسف الكندي لأبي العباس المبرد " إني أجد في كلام العرب حَشواً، يقولون: "عبد الله قائم"، ثم يقولون: "إن عبد الله قائم"، ثم يقولون: "إن
عبد
67
11
الله لقائم"، والمعنى واحد، فكيف ذلك؟ فقال المبرد: بل المعاني مختلفة؛ فقولهم: عبد
الله
- سورة هود جزء من 37 الآية الكريمة (وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي اللَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) وقال تعالى في سورة المؤمنون الآية 27 فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ
مُغْرَقُونَ
-
68
- ينظر الإيضاح ص 26. وينظر شروح التلخيص 206:1
01 (1/67)
صفحة 68
66
قائم "إخبار عن قيامه، وقولهم: " إن عبدالله قائم جواب عن سؤال سائل يعني أنه تأكيد
للمتردّد السائل، وقولهم " إن عبد الله لقائم "جواب عن إنكار منكر "
ومؤكدات الحكم هي: " قد "، و" أن " (بالفتح)، [وإن] (بالكسر) - ولو مخففة، والمشدّدة زادت في التأكيد على المخففة - ومنها" اللام " في المخففة - ومنها" اللام " في اسم إنّ أو خبرها أو معمول خبرها، و"لام الابتداء " وسواء في اللام بعد أن قلنا: إنّها " لام الابتداء" وغيرها، ومنها " لام الفرق " وإذا قلنا إنها "اللام " التي تأتي بعد "أنّ"، ومنها "القسم " و"اللام " في جوابه أو في جواب "لولا " أو لوضع إفادة الربط في الثلاثة ونون التوكيد الشديدة والخفيفة "، و"المفعول المطلق غير النوعي والعددي" و"اسمية الجملة " و "تكريرها "، و" ما الزائدة بعد أداة الشرط " " كإما تخافنَّ " أياما تدعو "، أو "الباء " في خبر ما وليس وغيرهما، و"الحرف المزيد مطلقا" و"حرف التنبيه"، و"لام الجحود " - وعدها من المزيد أولى - وغير ذلك "كالتأكيد اللفظي" نحو: " قام قام زيد
""
و
"
"، و " ما قام زيد ما قام زيد وكون الباء في خبر ليس " مثلا من مؤكدات الحكم وهو ظاهر كلام السكاكي 69، ويدل له قول النحاة: " ما زيد بقائم " جواب " إن زيدا قائم، وقال: ليس هي من مؤكدات المحكوم به، وقيل: إن التفصيل السابق في تأكيد الحكم. وأما مؤكدات الطرفين - كالتأكيد اللفظي والمعنوي فإنها جائزة مع الخلو والتردّد والإنكار والخلف في الجملة الاسمية؛ فقيل تفيد التأكيد، وقيل: إن لم يكن الخبر فعلا، وقد قال الله تعالى ردّا على منكري البعث ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ " بتأكيد واحد "بإن " أو باثنين} ثانيهما "الجملة الاسمية " على ما عرفت مع قوة إنكارهم؛ ووجه ذلك أن أدلة البعث ظاهرة، فكان حقيقا بأن لا ينكر بل غاية أن يتردّد فيه فنزل المخاطبون منزلة المتردّدين
والتأكيد والإنكار في مطلق الكلام متعارضان فتساقطا فبقي أصل الخبر مفيدا. وإذا قوي الإنكار دفع بتأكيدين، ويدفع الإنكاران بثلاث تأكيدات لقوتهما إذا قويا، والثلاثة بأربع تأكيدات كذلك. والتحقيق اعتبار اللائق فليس الإنكار الواحد أصله أن يدفع بتأكيد واحد فقط، بل تارة فقد يقوى الإنكار الواحد فيدفع بتأكيدين أو أكثر، وقد يضعف الإنكاران مثلا
69 ـ مفتاح العلوم ص 82
70
- المؤمنون 16
52 (1/68)
صفحة 69
مثلنا
72
فيدفعان بواحد مثلا، وقيل: ذلك هو أصله وقد وقع التأكيد بأربع مؤكدات دفعا لثلاثة إنكارات في قوله تعالى قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ " أكد بذكر الرب، وإنّ، واللام في خبرها، والجملة الاسمية الثانية. وفي الأولى خلاف لفعلية الخبر فيها والتأكيد بذكر الرب، ولوتأخر كان تأكيدا أيضا، نحو: يَعْلَمُ رَبُّنَا. دفع لأنكارهم الأول، إذ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ والثاني: إذ قالوا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ والثالث: إذ قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ولا يقال: البشرية تنافي الرسالة في زعمهم الباطل إذا كانت من عند الله، وهذه من عيسى لأنا نقول: الخطاب في " إِنْ أَنتُمْ " يتناول عيسى ورسله، وغلب الخطاب على الغيبة، فيكون نفي الرسالة تغليبا له عليهم؛ كأنهم أحضروا عيسى عليه السلام وخاطبوه بنفي رسالته من الله ونظيره في الاشتمال على التغليبين أن يبلغ جماعة من خدم [ ...... ] يقولوا في ردّهم: إنّ حكمكم لا يجري علينا، إذ فينا من هو أعلى يدا منكم أو نقول: المقصود نفي الرسالة من عند عيسى " إن أنتم إلا بشر مثلنا فلا مزية تفضلكم علينا فلا تستحقون أن تكونوا آمرين ناهين ". أو نقول: رسل عيسى أوهموا الكفار أنهم رسل من الله بناء على أن الرسالة من رسول الله الانقياد لما يبلغ، والتصديق به دعا رسل عيسى ملك إنطاكية، فقال: من أرسلكم، فقالوا: " الله الذي خلق كل شيء .. فجواب الكفار مبني على ما فهموه. وفي الخطاب الأول أكد بأن والجملة الاسمية في قوله تعالى (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ " إذ كان التكذيب فيه دونه في الخطاب
الثاني. " والله اعلم "
يوجبه،
"1
في وجوب
وقد يجعل العالم كالجاهل المنكر إذا ظهر عليه ما هو من شأن الإنكار، إذ لم يجر على ما لأن من لا يجري على مقتضى علمه هو والجاهل سواء لعدم الثمرة المقصودة بالذات من العلم عنهما. مثال العالم بلازم الفائدة الحكم الجاري في علمه به على خلاف مقتضي علمه به، قولك: " إنك ضربت زيدا ") بفتح التاء (لمن يعلم أنك عارف بضربك إياه لكنه يناجي به غيرك عندك كأنه يخفي عنك. ومثال العالم بفائدة الخبر الجاري على غير مقتضى علمه قولك
71
72
يس 15
ن جزء من 15 - الآية الكريمة (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَانُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) 73 - يس جزء من 14 الآية الكريمة إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)
03 (1/69)
صفحة 70
للعالم بوجوب الصلاة التارك لها: " قد وجبت الصلاة " أو "الصلاة واجبة"، وكذا العالم بالفائدة واللازم فيؤكد في ذلك كما يؤكد لمنكر الحكم، ويجوز أن لا يؤكد تنزيلا له منزلة خالي الذهن، ويجوز اعتباره كالمتردّد وذلك بحسب قوة مناسبة ما ظهر عليه للإنكار وعدمها.
والأنسب في مثال الصلاة التنزيل في منزلة المنكر، وقد كثر تنزيل العالم منزلة الجاهل لأمور تعتبر حال الخطاب إقناعية تفيد ظنّ غير المخاطب: أن المخاطب غير عالم، ولكونها إقناعية بالظنّ فقد نسبت إلى الخطاب فقيل خطابية، وليس ذلك مختصا بفائدة الخبر ولازمها.
6 M
وكثر أيضا تنزيل الموجود منزلة المعدوم، ولو لم يكن تنزيل العلم منزلة الجهل، فمن تنزيل العلم منزلة الجهل في غير فائدة الخبر ولازمها قوله تعالى {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ إلى قوله تعالى لوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) 74 نفي. بلو. عنهم العلم بعدما أثبته؛ إذ لم يجر "ما " على مقتضاه، سواء " أجعلنا لو «للامتناع؛ فإن الامتناع نفي أم للتمني؛ فإن المتمنّى غير حاصل، ولو حصل لم يتمنّ، وذلك على أنّ. لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ .. عائد إلى. وَلَقَدْ عَلِمُوا عا وأنه أتحد متعلّق العلم المثبت ومتعلّق العلم المنفي، كما هو الأبلغ في تقبيح حالهم وسفاهة رأيهم المسوق لهما الكلام، فمتعلق يعلمون - انتفاء الخلاف، كما هو متعلّق علموا فإن علمهم بانتفاء الخلاف، والثواب كاف في الامتناع من البيع، فكيف العلم بالذم؟ وأمّا إن عاد إلى لبئس" وكان متعلّق يعلمون. الدّم والرداءة فمتعلّقه غير متعلّق علموا " وليست الآية من تنزيل العالم منزلة الجاهل في الفائدة أو لازمها، لأن المخاطبين بها النبي الله وأصحابه وهم المقصودون بالإعلام بمضمونها لا اليهود، فضلا عن أن تكون خبرا ملقى إليهم مقصودا إعلامهم بمضمونه، وهم ليسوا كذلك. والإخبار لُغَةٌ: الإعلام بمضمون الجملة الخبرية وفي العرف الإتيان بها مرادا بها معناها سواء أحصل العلم أم لم يحصل. والإخبار أعم من الإعلام والإفهام.
74
n
- البقرة جزء من 102 - الآية الكريمة (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكنَّ الشياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اسْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ لَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ - كانوا
يَعْلَمُونَ)
54 (1/70)
صفحة 71
ومن تنزيل الموجود منزلة العدم دون تنزيل العلم منزلة الجهل قوله تعالى {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْت 75 أي: رميك التراب إلى المشركين بمنزلة عدمه، إذ لم يصل إلى أفواههم ومناخرهم برميك، وليس ذلك في طوق البشر لانتشارهم وبعدهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى أي: رميه المعتبر، إذ به وصل أفواههم ومناخرهم فهذا ما عندي من تحقيق المقام فالمقصود صورة نفي الرمي مطلقا، فلا يحتاج إلى ما قيل. اعلم أنه إنما يكون من قبيل تنزيل وجود الشيء منزلة العدم لو
-
76
من
كان المقصود نفي الرمي مطلقا. وإن تفسير السيد السند حيث قال: إنّي ما رميت حقيقة إذ رميت صورة، لأنّ أثر ذلك الرمي كان خارجا عن طوق البشر يخرج عما نحن فيه، إذ لا بد من اتحاد مورد الإثبات والنفي حين يحتاج إلى التنزيل، وكذا ما نقله أنه ما رميت تأثيرا إذ رميت كسبا، وزيفه بأنه ليس شيئا بجريانه في جميع الأفعال [بحرى] التزييف، بأنه إنما ذكر ما يجري في جميع الأفعال ليدفع رسوله الله بفعله هذا، ودفع بعضهم الخروج عمّا نحن فيه بأن المراد: الإشارة إلى وجه التنزيل منزلة العدم لا بيان المراد بالرمي المثبت [وبالرمي] المنفي. والله
أعلم.
ومن تنزيل العالم منزلة الجاهل في فائدة الخبر [قول حَجْل -[بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم]- ابن نضلة واسمه مغيرة ونضلة أمه أو لقب [ابن] عبد المطلب " وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم وأما [
بفتحهما] فهو عبد المازن. [من السريع]: جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضاً رُمْحَهُ
إِن بَنِي عَمكَ فِيهِمْ رِماح 78
75
-
سورة الأنفال جزء من 14 – الآية كاملة (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
-
76
غير
814 هـ
السيد هو: علي بن محمد بن علي الحنفي الشريف الجرجاني المتوفى 77 - قال الدسوقي في حاشيته نضلة اسم أمه واسمه، وحجل لقبه، واسمه أحمد بن عمرو بن عبد القيس بن معن. فهو حجلة بن عبد المطلب عم النبي خلافا لما ذكره عبد الحكيم، فإن ذلك اسمه المغيرة وأمه هالة بنت وهيب. ينظ
شروح
78
التلخيص 212:1
- ينظر الشعر والشعراء لابن قتيبة تح أحمد شاكر، دار المعارف بمصر 1966، 95:1. وينظر معاهد التنصيص لعبد الرحيم العباسي، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد المكتبة التجارية القاهرة 72:1،1948. وينظر شرح الحماسة (1/71)
صفحة 72
إن بني
شقيق: اسم رجل قتل آخر، وجاء إلى قوم المقتول عارضا لرمحه أي واضعا له على عرضه، أعني عرض الرمح؛ ومن شأن الرّمح أن يولّى إلى الأعداء طوله، وهو ولاهم عُرضه بأن وضعه على فخذيه؛ فكان سنانه إلى اليمين أو الشمال، وقيل معنى عارضا رمحه": جاعلا له على عرض فخذيه، وقد علم الرجل أنّ في بني عمه وهم أولياء مقتوله رماحا، لكن مجيئه لأمر وللحرب عارضا للرمح من غير تهيؤ للعدوّ أن أمره إنّما يناسب أنه يعتقد أنه لا رمح فيهم، وأمارة ولا سلاح؛ فكأنه أنكر وجود الرماح والسلاح فيهم، فخاطبه الشاعر بالتأكيد في قوله: عمك فيهم رماح، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، لأن الاسم الظاهر وهو هنا. شقيق من قبيل الغيبة، وإن كان الشاعر قال هذا الشعر بحضرة شقيق كان التفات آخر، وهو سكاكي في قوله: " جاء شقيق " إذ مقتضى الظاهر حينئذ: "جئت" عارضا رمحك"، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة عكس الالتفات الجمهوري السكاكي في قولك: " عمّك " وإن قدر القول قبل قوله:" إن بني عمك أي فقلت له: " إن بني عمك " فلا التفات في "عمك" ولا في "جاء شقيق"؛ لأنه على وجه تقدير القول عما رأيت لا يصح أن يقال هذا البيت بحضرة شقيق حين المجيء، ولكن لا حاجة إلى تقدير القول؛ لأنّ الارتباط بالشطر الأول حاصل ولو لم يقدّر، قيل: الشخص يجعل حاضرا بذكر أوصافه، وهذا لا يدفع به الالتفات. وأما إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعينُ 79 فلأن الله جل وعلا معنا بالعون والقدرة والحفظ والإرادة، وكون وضع الرمح على العرض أمارة على أنه كالمعتقد أنه لا رمح فيهم إنما هو باعتبار "حال" شقيق" في زعم الشاعر، وإلا فوضع الرمح على العرض قد يكون لشدة شجاعته وعدم مبالاته بالأعداء، فيحتمل أنه ينكر وجود مقاوم له فيهم تعمل رماحه عمل رمحه، فالمعنى: فيهم رماحا تعمل عمل رمحك، فيكون التأكيد للإنكار الحقيقي، ويُحتمل أن يكون لعدم اعتقاده أن فيهم رماحا لا لاعتقاد أن لا رماح فيهم، فهو كالمتردّد السائل؛ فالتأكيد للتردّد
أن
للمرزوقي، تح: أحمد أمين و عبد السلام هارون لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة، ط 2/ 1967، 580:2. وينظر
مفتاح العلوم للسكاكي.
083
-
79
الفاتحة الآية (1/72)
صفحة 73
ورجح بعضهم الإنكار بأنه أنسب بزيادة تعبير شقيق والمثال يكفي فيه الاحتمال، وإنما
يشترط الجزم في الاستشهاد، والبيت في جميع تلك الأوجه نصح ونهي عن ترك التهيؤ للعدو، ويحتمل أن يكون تهكما واستهزاء على شقيق مع أن فيه ما مرّ من تنزيل العالم منزلة الجاهل، ووجه التهكم والاستهزاء أنه ينسبه للضعف والجبن حتى إنَّه لو علم أن فيهم رماحا لم ينصرف إلى جهة المحاربة ولم تقو يده على حمل الرمح، كتهكّم تمامة البراء بن عازب الأنصاري: [من الوافر]
فَقُلْتُ لِمُحْرِزِ لَمَّا الْتَقَيْنَا
تَنَكِّبُ لا يُقَطِّرُكَ الرِّحَامُ 80
أي: تنكب القتال والمقاتلين أي اعدل عنهم لا يلقك الزحام على أحد قطريك، أي: جانبيك، أو لا يلقك في قطر الأرض - والأوَّل أولى - وكان يخاف عليه أن تطأه الأرجل لضعفه وقلّة نفعه، وعدم مباشرته للشدائد وجزم" يقطر في جواب الأمر أو نهي، ومحرز " رجل من بني
ضبه. والله أعلم. وأقسام مقتضى الظاهر في الخبر أو لازمه ثلاثة: الكلام مع الخالي، والمتردّد، والمنكر مع مراعاة
ما يليق من تأكيد وتركه معهم وأقسام خلاف مقتضى الظاهر تسعة: الكلام مع العالم ثلاثة لتنزيله منزلة الخالي والمنكر، والمتردّد. والكلام مع الخالي المنزل منزلة المتردّد، والمنكر؛ لأن الخطاب ينافي التنزيل منزلة العالم. والكلام مع المنكر المنزل منزلة أخويه. والكلام مع السائل المنزل منزلتهما.
وإخراج الكلام على الثلاثة الأولى إخراج على مقتضى الظاهر، وإخراجه على التسعة إخراج على خلاف مقتضى الظاهر، ومقتضى الظاهر أخص خصوصا مطلقا من مقتضى الحال، لأن معناه يقتضى ظاهر الحال؛ فكل مقتضى الظاهر مقتضى الحال من غير عكس، كما في صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فإنّه يكون على مقتضى الحال، ولا يكون مقتضى الظاهر فيجتمعان فيما إذا كان المخاطب خالي الذهن وأتي له بالخبر غير مؤكد، فإنه على مقتضى الحال والظاهر، وينفرد مقتضى الحال فيما إذا نُزِّل الشاكٌ منزلة غير الشاك وألقي إليه الكلام غير مؤكد، فإنه على مقتضى الحال لا على مقتضى الظاهر، كما لو نزل غير السائل منزلة السائل
80
ينظر شروح التلخيص 214:1 (1/73)
صفحة 74
ألقى إليه الكلام مؤكدا؛ فالتأكيد مقتضى الحال الذي هو السؤال تنزيلا، لكنه على خلاف مقتضى الظاهر [ ..... ].
وأنواع خلاف متقضى الظاهر أكثر من أنواع مقتضى الظاهر؛ لأن أنواع الأول كما مرّ تسعة: تنزيل العالم منزلة المنكر أو المتردّد أو خالي الذهن، وتنزيل المنكر منزلة المتردّد أو خالي الذهن، وتنزيل المتردّد منزلة المنكر أو خالي الذهن، وتنزيل خالي الذهن منزلة المنكر أو المتردّد. بل لك أن تقول أكثر، لأنّ منها تنزيل السائل منزلة غير السائل وغير المنكر منزلة المنكر. والله
أعلم.
باب الحقيقة العقلية
وهي: إسناد لفظ الفعل أو المصدر أو اسم الفاعل أو صيغة المبالغة أو الصفة المشبهة أو اسم التفضيل أو الظرف أو الجار والمجرور أو اسم الفعل أو المنسوب أو الاسم المتضمّن لوصف أو اسم المفعول أو الاسم المتضمّن له إلى ما هو مفعول لاسم المفعول حالة تحقيق أو ادعاء أمر نائب الفاعل لاسم المفعول، وما تضمن اسم المفعول، وإلى الفاعل في غيرهما، وإسناد الخبر إلى مبتدإه نحو:" الإنسان حيوان " سواء أطابق الاعتقاد أو الواقع أم لم يطابق. وإن شئت إسناد معنى أو ما بعده إلى [ ..... ] تحقيقا أو، ادعاء [ ....... ] أو نحوهما. فالظرف نحو: " في الدار زيد "، و"أعندك زيد" إذا جعلنا" زيد فاعلا "لفي الدار " أو "لعند". والمنسوب نحو: "أقريشي الزيدان"
"1
11
"
"فالزيدان " فاعل قرشي مغن عن خبره، ونحو: "زيد" قرشي أبواه، فأبواه " فاعل "قرشي " و "زيد قرشي" ففي "قرشي " ضمير زيد ". ونحو: " زيد تامر ولابن" و " تمار ولبان" أي منتسب) بكسر السين وإن جعلته بمعنى منسوب فهو مما تضمن اسم المفعول. ومن المتضمن للوصف " زيد أسَدٌ أبواه " أي: شجاع أبواه. ومن المبني للمفعول " أكرم زيد وأُعْطِيَ زيد" قولك: " أعطى زيد مالا “ فذلك كله حقيقة، وسواء اتّصف المسند إليه بمدلول ذلك اللفظ باختياره، مثلما ذكر، و" قام زيد " أم بغير اختياره "كتحرك المرتعش "و" كمرض عمرو "و"مات خالد ".
من
?? (1/74)
صفحة 75
والإسناد في قول الكاذب " قعد زيد " حقيقة عقلية، لأنه لا يشترط مطابقة الاعتقاد ود مطابقة الواقع، فلو اعتقد أنه قعد وهو في نفس الأمر قائم فقال " قعد زيد “ كان حقيقة عقلية، فكل إسناد على غير قصد المجاز حقيقة عقلية. والحقيقة العقلية تكون في الإخبار كما رأيت - والإنشاء " كقم " و" اشتريت " "وهل قمت"، وفي الإسناد التام - كما رأيت - والناقص نحو إسناد فعل الصلة إلى فاعله وفعل الشرط إلى فاعله، ونحو "أعجبني ضربك عمرا " فإسناد "أعجب " إلى الضرب إساد تام، وإسناد "الضرب " إلى "الكاف " ناقص؛ فكل واحد من الإسنادين حقيقة لغوية. وتكون أيضا في الفضلة كإسناد الضرب إلى عمرو في المثال، ونحو: " أجريت النهر ".
وما ذكرته من
أن الحقيقة العقلية هي
82
الإسناد المذكور هو مذهب زمخشري وفيما نقله ابن
الحاجب عنه ونقل الخطيب القزويني ونقل الخطيب القزويني " عن السكاكي أن الحقيقة العقلية هي الكلام) وهو الذي يدلّ عليه كلام عبد القاهر في مواضع من دلائل "الإعجاز" ونسبة الإسناد إلى العقل لذاته ونسبة الكلام إليه بواسطة الإسناد فهو أحق بالتسمية بالعقلي، ووحه نسبه الإسناد إلى العقل أنه يدرك بالعقل لا باعتبار الوضع اللغوي، والكلام في المجاز العقلي في هذا وفي كونه هل هو الكلام وهل هو الإسناد كالكلام في الحقيقة العقلية وكونه الإسناد إلى ما هو له] في " أنبت الله البقل "، وإلى غير ما هو له في " أنبت الربيع البقل مما يدرك بالعقل ولا دخل للغة فيه، لأنّ الإسناد يتحقق في نفس المتكلّم قبل التعبير، وهو إسناد إلى ما هو له وإلى غير ما هو له؛ ولا يجعله التغير شيئا منهما. بخلاف المجاز اللغوي فإنّه يُعرف بوضع اللغة لفظه لغير ما عُني به.
"
- -
عم جمال الدين عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، كردي الأصل،).
"1
11
و " مختصر
570 هـ ــ 646 هـ)، فقيه مالكي الفقه و " المقصد الجليل " و "
"
81 - أبو وعالم بالعربية، وله تصانيف عديدة منها: "الكافية " و " الشافية الأمالي النحوية " و "جامع الأمهات.". للتوسع ينظر الوفيات 248:3 و الطالع "السعيد" لأبي الفضل كمال الدين الأدفوي، ط 1914/ 1 ص 188 و غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري، تح برجشتر اسر، القاهرة 1933، 708:1 و "دائرة المعارف الإسلامية " 126:1 و "الأعلام للزركلي 374:4. (لقد أنكر ابن الحاجب التقسيم المبني على ثبوت الحقيقة والمجاز تصريحا في أماليه ومختصره واستبعادا في مختصره الصغير في الأصول). ينظر الإيضاح ص 30، قال: (الحقيقة هي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه).
82
09 (1/75)
صفحة 76
والحقيقة اللغوية تُعرَف بوضع اللغة لفظها لما عني به؛ فبالوضع يحصل أن اللفظ حقيقة أو مجاز، وقال الخطيب [القزويني]: إسناد الخبر إلى المبتدإ إذا لم يكن الخبر فعلا أو مصدرا أو وصفا أو في تأويله، نحو: " الإنسان حيوان" والحيوان جسم ليس حقيقة ولا مجازا. والصحيح أنه إما حقيقة أو مجاز لأنّ الخبر في معنى محكوم به؛ فالإنسان حيوان بمنزلة قولك: الإنسان محكوم عليه بالحيوانية، والحيوان جسم بمنزلة قولك: الحيوان محكوم عليه بالجسمية. وقيل عن الخطيب القزويني] إن إسناد الخبر إلى مبتدإ ليس حقيقة ولا مجازا ولو كان فعلا أو وصفا، وإنما الإسناد الحقيقي أو المجازي إسناد ذلك الفعل أو الوصف مثلا إلى ضمير المبتدإ أو إلى الظاهر نحو: "زيد قائم" أو " زيد قائم أبوه"، وإنما ذكروا الحقيقة العقليّة [والمجاز] العقلي في فن المعاني، لأن مطابقة اللفظ لمقتضى الحال تحصل بهما فيهما [ ..... ] قد يقتضيها الحال [ ...... ] من الإسناد. والإسناد من أحوال اللفظ بخلاف الحقيقة والمجاز اللغويين والكناية فهي نفس اللفظ لا من أحوال اللفظ، واعتبار هذا أولى من اعتبار كونهما في كيفية الدلالة المقتضي لذكرهما في البيان، وبمعرفتهما تترك التأكيد إذا قلت للموحد "أنبت الربيع "البقل" لأنه لا ينكر ولا يتردّد، إلا إن تردّد في لازم الفائدة أو صدر منه ما لا يناسب كونه تعالى منبتا له. والله أعلم.
هي
باب الحقيقة العقلية المطابقة للواقع والاعتقاد معا
نحو قول المؤمن: " أنبت الله البقل " فهذا حقيقة عقلية، أعني هذا الكلام أو الإسناد كان المخاطب - مؤمنا أو مشركا - عالما بأنّ المتكلّم مؤمن أو غير عالم، أو جازما بأنه مشرك؛ وإنما عممت هذا التعميم لأنّ التحقيق عندي: حصول الحقيقة العقلية مطلقا بإسناد لفظ الفعل أو نحوه إلى مستحقه ولو ادعاء، أو إذا كان ذلك فهو حقيقة عقلية علم المخاطب ذلك الاستحقاق وكون الإسناد حقيقة عقلية، أو لم يعلم، كما لا يمنع كونَ اللفظ حقيقة لغوية جهل المخاطب أنه حقيقة لغوية، ولا يمنع كون اللفظ مجازا لغويا جهلُ المخاطب بأنه مجاز إذا نصب القرينة، ولا كون الإسناد مجازا عقليا جهلُ المخاطب به إذا نصب القرينة. وليس كما قيل: إن قول المؤمن: "أنبت الله البقل" يكون حقيقة عقليّة بشرط أن يكون المخاطب مؤمنا عالما بأن المتكلّم مؤمن، أو يكون المخاطب كافرا يعلم أنّ المتكلّم يضيف الإنبات إلى الله حقيقة، وأنه إن اعتقد
يمنع
60 (1/76)
صفحة 77
المخاطب أنّ المتكلّم كافر يضيف الإنبات للربيع، فإنّه ينبغي أن يكون الإسناد مجازا إذ كان يفهم من ظاهر حال المتكلّم كون الإسناد لغير من هو له، ولا كما قد يقال باشتراط أن يكون المتكلم عالما بأن المخاطب يعتقد ما ذكر ليكون علمه باعتقاد ذلك نصبا للقرينة، لأنا نقول: الشرط وجود القرينة لا نصبها، وإذا تحققت ذلك فبالأحرى أن يكون ذلك حقيقة عقلية إذا كان المخاطب متردّدا في اعتقاد المتكلّم هل هو إضافة الإنبات إلى الله تبارك وتعالى؟ والحقيقة هي: الأصل، وما جاء على الأصل المشهور غير الملغى لا يحتاج إلى نصب القرينة
أنه
ولا سيما أصل مشهور، فليس كما قال المحقق الشنواني 83 وأفهمه كلام المدقق الفنري يُشترط للحقيقة العقلية نصبُ القرينة، لكن قد يكون لهما حجّة لم تظهر لي والعلامة الصبّان ذكر ذلك عنهما وأقره، ثم إنه مثلاً إذا قلت ما صام "نهاري وأردت: "أن النهار لا يصوم" فحقيقة عقلية، وإذا أردت بذلك: "أني ما صمت فمجاز عقلي. فإن حقيقته ما صمت، كما أن "صام نماري" فمجاز عقلي أيضا والمحتاج إلى القرينة المجاز، وأمّا الحقيقة فتصح بدونها، إلا أن يراد بيان إجمال فيها فليؤت بالقرينة. والله أعلم.
11
83
هو أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني المتوفى سنة 1019 هـ، له شروح وحواش مثل شرح الأجرومية " و " الشذور" و " القطر". ينظر" الأعلام "36:2 و"خلاصة الأثر" للمحبي 79:1 84 - وجدنا في كتب التراجم علمين، الأول: محمد بن حمزة شمس الدين الفناري أو الفنري الرومي المتوفى 834 هـ عالم بالمنطق والأصول، له مؤلفات عديدة منها " شرح إيساغوجي " و " رسالة في العلوم العقلية " و "فصول البدائع في أصول الشرائع" و" أنموذج العلوم .. ينظر الأعلام 342/ 2 و " بغية الوعاة" للسيوطي 97:1 و " شذرات الذهب" لابن العماد الحنبلي 209:7.
والثاني: علي بن يوسف بن محمد الفناري علاء الدين الرومي المتوفى 903 هـ – وهو سبط محمد بن حمزة المتقدم ذكره - فقيه وعالم بالعربية، له " شرح الكافية في النحو ". ينظر "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" للشوكاني 540:1 - شذرات الذهب 18:8 - الكواكب السائرة للغزي 278:1.
85 - محمد بن علي الصبان أبو العرفان عالم بالأدب والعربية، له " الكافية الشافية في علمي العروض والقافية "و"حاشية على شرح الأشموني على الألفية " و "أرجوزة في العروض " و " الاستعارات" و " حاشية على السعد ". ينظر الآعلام 189:7 و معجم المطبوعات " 1194. (1/77)
صفحة 78
هي
باب الحقيقة العقليّة المطابقة للاعتقاد فقط
نحو قول "المشرك: " أنبت الربيع البقل " وكذا الموحد الذي لم يتقن التوحيد، لكن بقوله هذا يدخل في الشرك، وكذا من يثبت خلق الفعل للطبع، وسواء أريد بالربيع المطر أو زمان الربيع، وهو المتبادر سواء أخاطبوا به تمن اعتقد اعتقادهم وعلم اعتقادهم، أم اعتقده ولم يعلم اعتقادهم، أم خاطبوا به مؤمنا متقنا علموا اعتقاد المخاطب أم لم يعلموا على حد ما مرّ في الباب
قبل هذا.
واشترط ابن قاسم أن يعلم المخاطب حال المتكلّم، وقال: إن اعتقد المخاطب خلاف حال المتكلم بأن اعتقد أنه مؤمن متقن، فإنه ينبغي أن يكون مجازا لأنه المفهوم من ظاهر حاله، بل قال الفنري: ينبغي في البابين عدم إخفاء المتكلّم حاله من المخاطب لئلاً يُحمل على المجاز. ومن هذا الباب قول معتقد:" إن الشافي الطبيب "و " شفى المريض الطبيب " وقول الجاهلي: "أروى الماء وأشبع الطعام وقطع السكين " إذا اعتقد ذلك بالماء والطعام والسكين. والله أعلم.
باب الحقيقة العقلية المطابقة للواقع فقط ولو طابقت الاعتقاد أيضا في الظاهر
هي نحو قول المعتزلي لمن أخفى المعتزلي حاله عنه: خلق الله الأفعال كلّها، أي الاختيارية كأفعال الإنسان والحيوان والاضطرارية كحركة المرتعش، والعروق المتحركة، وما تحرّك بتحريك غيره له [كدفعك] إنسانا فيتحرك بدفعك، وكرمي الحجر. وأما إذا أظهر المعتزلي حاله وهو أنه يعتقد أن الأفعال مخلوقة [دلّ ذلك] على أن قوله مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب وهو الله تعالى في زعمه لا مجاز عن الإقدار والتمكين كما قيل، إذ حينئذ يكون فيه مجاز في الطرف، وهو لا ينافي الحقيقة العقلية؛ فالأولى إبقاء الخلق على معناه، وجعله من باب الإسناد إلى السبب ليكون مجازا عقليا، فيصح الاحتراز عنه. وقد مرّ أنه لا يشترط القرينة للحقيقة، فالمعتزلي إذا أخفى حاله من المخاطب وقال: "خلق الله الأفعال " لا ينصب قرينة على عدم إرادة الظاهر، فيكون حقيقة سواء أعرف المخاطب حال المتكلم في نفس الأمر أم لا؛ لأنّ معرفة حاله مع قصده إخفاء حاله لا تصلح قرينة على عدم إرادة الظاهر، إذ عدم إرادته ينافيه قصد إخفاء الحال. وإذا قال المعتزلي ذلك لمن يعرف حاله ولمن
62 (1/78)
صفحة 79
لا يعرفها فعندي هو مجاز كما مرّ، لأنّ مراده وقد نصب له قرينة ولا يخرجه عن التجوز جهل
الآخر، وقيل: هو مجاز باعتباره وحقيقة باعتبار من لا يعرف حاله. والله أعلم.
هي
باب الحقيقة العقلية التي لا تطابق الاعتقاد ولا الواقع
نحو قولك: " جاء زيد " وأنت تعلم أنه لم يجئ والمخاطب يعلم أنه لم يجى، ولا يعلم أن المتكلّم اعتقد أنه لم يجى؛ فذلك حقيقة عقلية، والكذب لا ينافي الحقيقة، لأن وضع ذلك المثال ونحوه وضع الحقيقة ولا يصار إلى المجاز بلا قرينة. وإن علم المخاطب أن المتكلّم اعتقد أنه لم يجئ كان مجازا عقليا بأن يجعل المتكلّم اعتقاد المخاطب قرينة صارفة. وإن علم المخاطب أنه لم يجئ وعلم المتكلّم أنّ المخاطب يعلم أنه لم يجئ، وجعل المتكلّم علم المخاطب بأنه لم يجئ قرينة على أنه لم يرد ظاهره كان بجازا عقليا، وإن لم يجعل المتكلّم ذلك قرينة كان حقيقة عقلية، وإن لم يكن دليلا على الجعل أو عدمه حمل على الظاهر وهو الحقيقة العقلية.
وقال غيري: يحتملها ويحتمل المجاز العقلي وإن جعله قرينة وليس ثم ملابسة؛ فهو تما لا يعتدّ به، ولا يعد من الحقيقة لهذا الجعل ولا من المجاز لعدم العلاقة. وإن علم المخاطب أنه لم يجئ، ولم يعلم المتكلّم أن المخاطب يعلم ذلك لم يجز أن يكون مجازا لعدم تأتي جعل المتكلّم على السامع قرينة. والله أعلم.
باب المجاز العقلي
يسمى بذلك لأنّ التجوّز في أمر معقول يدرك بالعقل وهو الإسناد، بخلاف المجاز اللغوي فإنه من أمر نقلي؛ وهو أن هذا اللفظ لم يوضع لهذا المعنى.
أشرف
ويسمى المجاز العقلي بجازا حكميا أي منسوبا إلى حكم العقل، وإلى الحكم الذي هو أفراد المجاز العقلي وأغلب، وذلك كما أنّ المجاز العقلي يشمل الإسناد ويشمل النسبة الإضافية والإيقاعية ـ أو منسوبا إلى الحكم الذي هو مطلق النسبة لا خصوص النسبة التامة التي هي
الإسناد.
63 (1/79)
صفحة 80
اللازم
ويسمّى مجازا في الإثبات والمراد بالإثبات هنا: الانتساب والاتصاف تميزا بالملزوم عن فشمل الإيجاب والسلب. ويجوز أن يكون خص بالإثبات لكونه في السلب فرعه في الإثبات لأنّ
السلب يَردُ على الإثبات فبعدما تصوّر " قعد زيد " تقول: "ما قعد زيد " ويدخل عليه. ويسمّى أيضا إسنادا مجازيا نسبة إلى المجاز بمعنى المصدر، لأنّ الإسناد جاوز به المتكلم حقيقته وأوصله إلى غيرها، وهو إسناد لفظ الفعل - أو ما ذكر بعده في أوّل باب الحقيقة العقلية إلى ما ليس له من نحو الفاعل لمخالطة بينهما مع قرينة مانعة عن إرادة الإسناد إلى ما له من ذلك، وإن شئت قلت إسناد معنى الفعل إلى مدلول ما ذكر للقرينة، فإذا حصل ذلك كان مجازا. ولا يعتبر عندي علم المخاطب بحال المتكلم أو عدم علمه، ولا علم المتكلّم بحال المخاطب. وأما غيري فأجراه على الأقسام الأربعة المذكورة في الحقيقة العقلية.
مثال ما طابق الواقع والاعتقاد من المجاز العقلي على ما عند غيري: " أنبت الله البقل " إذا خاطب به من يعتقد أنه يضيف الإنبات للربيع وعلم هذا المتكلم بذلك. ومثال ما طابق الاعتقاد فقط قول الجاهل: " أنبت الربيع البقل " لمن يعتقد أن ذلك إذا خاطب به من يعتقد أن ذلك الجاهل يضيف الإنبات الله وعلم الجاهل بذلك. ومثال ما طابق الواقع فقط قول المعتزلي: "خلق الله الأفعال كلها " [لمن لا] يعرف حاله على ما سبق.
"
ومثال ما لم يطابق الواقع ولا الاعتقاد [قولك: " جاء زيد والحال أنك تعلم] أنه لم يجئ، لكن يعلم المخاطب أنه لم يجئ و [ ....... ] المتكلّم علم المخاطب بقرينة على أنه لم يرد حقيقة
هذا الإسناد، فافهم. وإنما شرطت القرينة بناء على الغالب من كون المجاز العقلي له حقيقة، ومتى لم تكن له حقيقة لم يحتج لقرينة نحو: " أقدمني بلدَكَ حق لي على فلان " ـ كذا قيل ــ ولعل له حقيقة
-
عقلية والإسناد للسبب هكذا أقدمت نفسي بلدك لحق لي على فلان " أو " أقدمني الله بلدك لحق لي على فلان "، اللهم إلا أن لم يعتبر المتكلّم هذه الحقيقة، فلم يكن قد انتقل عنها إلى المجاز، فيراد أن هذا المثال لا حقيقة له مستحضرة عنده مقصودة ولو كانت في نفس الأمر
? ? (1/80)
صفحة 81
له
وكون المجاز العقلي لا تكون له حقيقة عقلية تارة - وهو مذهب عبد القاهر وقيل: لا بد من حقيقة عقلية. ويفرق عندي بين ما مرّ لي من أنّ المدار على قصد المتكلّم في الحقيقة العقلية بدون اعتبار السامع وبين كون المجاز لا بد له من حقيقة، أن المجاز عبور فلا بد من معبور عنه، ولا بد للمتكلم بالمجاز أن يلتفت إلى القرينة ويطلب وجودها لكلامه فينصبها لتصرف لفظه عن ظاهره، ولا بد للمخاطب أن يلتفت إليها ويطلبها ويفهمها ليخرج الكلام عن الحقيقة ويسمّى كلّ من الطلبين تأولا (بضم الواو)، أي: طلب الأول (بفتح الهمزة وإسكان الواو)، أي: الرجوع من آل يؤول، فالتأوّل [على وزن] تفعّل من آل إلى كذا رجع إليه، ومعناه: طلب المآل، وهو حقيقة الكلام الذي يؤول هو إليها، والطلب للشيء إنما يكون بالدليل والأمارة بنصب القرينة على أنّ المراد غير الظاهر، أو هو طلب المعنى المناسب لما إسناده مجازي الذي
يؤول الإسناد المجازي إليه من جهة العقل، ويكون هو المقصود منه؛ كالقدوم المناسب لأقدم في المثال وكل من المجاز العقلي والحقيقة كثير في القرآن لكن الحقيقة أكثر، وليس كما زعم بعض أنه لا مجاز فيه لقوي ولا عقلي. والله أعلم.
باب المخالطات للفعل أو ما ذكر
معه المناسبات في المجاز العقلي
وهي: الفاعل، والمفعول به، والمفعول المطلق، والزمان والمكان والسبب؛ وذلك أن يسند لهؤلاء ما ليس لهنّ. والفعل أو نحوه مطلقا يناسب الفاعل لقيامه به، والمفعول به لوقوعه، والمصدر لكونه خبر مدلوله، والزمان لذلك أو لكونه لازم وجوده، والمكان لكونه لازم وجوده، والسبب لحصوله به.
وإسناد الفعل المبني للمفعول، أو اسم المفعول إلى نائب الفاعل حقيقة؛ سواء كان النائب
•
مفعولا به أو ظرفا ذكر معه الجار أو نوي أو مجرورا ذكر معه الجار وإسناده إلى المفعول المطلق مجاز، نحو: "ضُرِبَ ضَرْبٌ شَدِيدٌ ". والذي عندي: أنه
حقيقة، لأن المعنى أوقع الضرب الشديد، وإنما التجوز في لفظ ضُرِبَ لاستعماله في معنى [أوقع]
وليس التجوز في الإسناد، ولو قلت: " ضُرب الدار " بالبناء للمفعول، أو ضرب يوم الجمعة
11
• (1/81)
صفحة 82
"
على الاتساع، وصيم النهار" بإجرائها مجرى المفعول به كان مجازا، ولو قلت: " ضرب في الدار" أو" في يوم الجمعة " أو " ضرب يوم الجمعة " على تقدير معنى " في. كان حقيقة وإسناد المبني للمفعول. ومثله اسم المفعول إلى المفعول لأجله، حقيقة نحو " ضُرب للتأديب " إذا جرّ بحرف التعليل " لاماً أو غيرها، وإلا لم يكن نائب الفاعل، لا يقال: " ضرب التأديب ". وأجاز الكسائي نيابة التمييز عن الفاعل إذا كان محمولا عن الفاعل، نحو: طيب نفس" والإسناد عليه
حقيقة.
87
ومثال إسناد ما للفاعل إلى المفعول قوله تعالى عيشة راضية 86؛ فالإسناد فيه مجاز عقلي، وهو بين لفظ - راضية و الضمير المستتر فيه لا بين " عيشة راضية " فيما قيل عن القزويني" من أن المجاز لا يكون بين المبتدإ والخبر ولا بين النعت والمنعوت، بل الإسناد بينهما واسطة لا حقيقة ولا مجاز؛ وبيان ذلك أن " العيشة مفعول به في المعنى مرضية، أعني: يرضاها صاحبها ويقبلها راغبا فيها، وليست هي التي < تَرضَى) بفتح التاء والضاد) غيرها وتقبله وترغب فيه، ومع هذا جاء اللفظ على أنها ترضى غيرها وترغب فيه >، إذ هو " راضية اسم فاعل وفيه ضمير. العيشة والفاعل في المعنى هو صاحبها؛ فقد أسند ما له وهو " الرضى" إليها.: ومثال إسناد ما للمفعول للفاعل: " سيل مفعم " (بفتح العين) أي: مملوء، فإنّ المملوء هو
11
المكان يملأه السيل، و"السيل" مالئ "، ولو قيل "سيل مفعم" (بكسر العين) كان حقيقة. ومثال إسناد ما للفاعل إلى المصدر " جد جده جده " - برفع جده - على الفاعل. لجَدَّ أي ـ اجتهد اجتهاده - برفع اجتهاده - فإن المجتهد هو الإنسان مثلا لا الاجتهاد. ومع ذلك جاء [اللفظ ..... ] لأنّ الجدَّ جزء معنى. جَدَّ. فناسب بكونه جزأه و شعر شاعر" إن اعتبر معنى المصدرية في شعر، ولكن المتبادر أنه بمعنى مفعول، وعليه فيكون من إسناد ما للفاعل وهو. الشاعر إلى المفعول وهو الشعر وهو الكلام المنظوم، لكن كونه بمعنى مفعول من حيث المعنى لا من حيث اللفظ؛ لأنه لا يقال: مشعور بمعنى منظوم، بل من حيث أنه صنعة صنعها الشاعر
11
86 - 21 - - الحاقة جزء من 21 / وسورة القارعة جزء من 7 - الآية الكريمة (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَة)
87 - ينظر الإيضاح 36
66 (1/82)
صفحة 83
ليست بصانعه واللفظ جاء على أنها صانعة، ونحو" ليجد جدُّك "بلام الأمر)، فإنّ إسناد الأمر
والنهي إلى ما ليس المطلوب صدوره الفعل [أو النهي عنه مجاز عقلي].
ومثال إسناد ما للفاعل لزمان الفعل " صام نهار زيد " أي: صام زيد في نهاره ونحو: "ليسم نهارك " [أي لتصم نهارك]، ونحو: " لينبت [الربيع"] الأمر على أن [ ...... ]. ومثال إسناد ما للفاعل لمكان الفعل " جرى النهر " لأن النهر اسم لمكان جري ماء العينن والجاري هو الماء فيه أي جرى الماء في النهر " وليت النهر جار".
ومثال إسناد ما للفاعل للسبب، نحو: يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا 88 فإن البناء عمل الْعَمَلَة، ويا هامان سبب آمر، و" لينبت الربيع ما شاء الله " (بلام الأمر) فإن الربيع (بمعنى المطر) سبب النبات وذلك في الإنشاء، ومثله في الإخبار " بني الأمير المدينة " (الباني) جند الأمير لا الأمير ولكنه سبب آمر، وقوله تعالى يَوْمِ الْحِسَابِ) 89 أي يوم أهل الحساب [ ...... ] الحساب [ ..... ]
ويجري المجاز العقلي في النسبة الناقصة كما يجري في التامة، نحو " أعجبني إنبات الربيع البقل "، وهذه من النسبة الإيقاعية وهي نسبة الفعل إلى المفعول، فإنّ المتعدي واقع على المفعول أي متعلق به، ومحل التمثيل لإنبات الربيع البقل فإنه نسبة ناقصة، وقيل: هذا النسبة من الإضافية. ونحو: " أعجبني جري الأنهار " وهذه من النسبة الإضافية؛ وهي الواقعة بين المضاف والمضاف إليه، وذلك إذا جعلت الإضافة في المثالين بمعنى (اللام)، وإن جعلتها بمعنى (في) فالإسناد حقيقة لا مجاز، فإنه لا بد من النظر إلى قصد المتكلم، ونفس الأمر فإن كان ما قصده مناسبا بحسب الأمر فحقيقة وإلا فمجاز.
ومن النسبة الإضافية " شقاق بينهما " أي شقاق الزوجين بينهما، و" مكر الليل والنهار" أي: المكر في الليل والنهار، ومثله قوله: " يا سارق الليلة أهل الدار "
88
89
سورة غافر جزء من 36 - الآية الكريمة وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) - سورة ص جزء من وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطْنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَاب - الآية الكريمة (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلُّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)
67 (1/83)
صفحة 84
ومن الإيقاعية " نومت الليل " أي: أوقعت التنويم على الليل وعبر بعضهم بقوله: " نومته
في الليل " وإلا ظهر ما ذكرته و أجريت النهر " أي: أوقعت الإجراء على النهر، أو "أجريت الماء في النهر"، وقوله تعالى {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ " أي: لا تطيعوا المسرفين في أمرهم. حذف في هذه الأمثلة ماحق الفعل أن يوقع عليه وأوقع على غيره. وإن قلت: هل النسبة الإيقاعية في ضربت زيدا " مجاز لكونها نسبة المبني للفاعل إلى المفعول؟ قلت: لا بل حقيقة؛ لأنها ليست للمخالطة والمناسبة بل هي نفس المراد الموضوع له الإسناد.
ومن الإسناد إلى السبب قول أبي النجم [الفضل بن قدامة العجلي]: [من الرجز]
قدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الْخِيَارِ تدَّعي
مِنْ أَنْ رَأَتْ رَأْسِي كَرَأْسِ الأَصْلَعِ
جذب الليالي أبطني أو أسرعي
عَلَيَّ ذَنْباً كُلَّهُ لَمْ أَصْنع
مَيَّرُ عَنْهُ فَرُها عَنْ قُتَرُع
أفناه قبل الله للشمس اطلعي
91
حَتَّى إِذَا وَارَاكِ أَفْقَ فَارْجعي "
أسند. ميز" إلى جذب الليالي لأنه السبب، والفاعل الله تحقيقا، والقرينة كونه موحدا، ليس
الله
تمن جهل أن ذلك الله. وقوله: - أفناه قيل الله للشمس اطلعي. فإنه يدلّ الله للشمس اطلعي. فإنّه يدلّ على أن التمييز فعل عنده، وأنّ الله المبدئ المعيد والمنشئ والمفني ولا فرق بين التمييز والإفناء وإطلاع الشمس، أن إسناد التمييز إلى الجذب مجاز؛ وهو من إسناد إلى السبب وهو سبب عادي،
فظهر
والإضافة حقيقة في جذب الليالي، ويجوز مرجوحا أن يكون من الإسناد إلى الزمان إن جعلنا جذب" زائدا بناء على جواز زيادة الأسماء، أو من زيادتها سماعا، أو جعلنا إضافته مجازية إضافة صفة لموصوف أي: ميز عنه قنرعا عن قُنْزُع الليالي الجاذبة، أو الليالي ذات الجذب، أو التي هي
نفس الجذب مبالغة وصفها بالمصدر لتأويله بالوصف أو تقدير مضاف، أو للمبالغة. وكون إسناد "أفناه" إلى "قيل "الله" مجازا لا ينافي أن يكون قرينة على أن التمييز حقيقة الله تعالى، لأنه على كل حال فيه إقرار بالله، وأن الفاعل للأمر العظيم.
90
- الشعراء الآية 151
91
-
ينظر خزانة الأدب للبغدادي 176:1، والإيضاح للقزويني ص 70 - والمطول للتفتازاني 83:1، وشروح التلخيص
245:1
?? (1/84)
صفحة 85
والقائل بذلك لا يقول كما يقول المنجمون بتأثير الكواكب بسبب خلق الله تعالى أنه أسند التمييز حقيقة بالتأثير إلى الجذب. ومعنى "ميّز": أزال، و"عنه": عن الرأس، و"القُنْرُع" (بضم القاف وبضم الزاي وفتحها (لغتان الشعر المجتمع في نواحي الرأس، و"عن "بمعنى " بَعْدَ "، و" عن الأولى" للمجاورة، فلم يلزم تعلّق حرفي جرّ بمعنى واحد بعامل واحد بلا واسطة التبعية، والمراد "بالليالي": مطلق الزمان واختارها بالذكر لأنّ العرب تؤرّخ بالليالي؛ إذ كانوا يؤرّخون بطلوع النجوم وهي تظهر في الليل. أو إشارة إلى تشبيه عمره بالليالي في السواد والشدّة، و"جذب الليالي" مضيها أو طلب الليلِ [النهار] والنهار الليل بتعاقبهما إذ كل يخلف الآخر. و "أبطئي أو أسرعي" مفعول [ ....... ] نائب فاعل أي مقولا فيها أبطئي أو أسرعي أي يقول الناس في حقها حين اليسر والرفاهية أبطئي، وحين العسر والضيق أسرعي، أو يقول الشاعر ذلك لأنه لا يبالي بعد التمييز المذكور بها كيف كانت ويجوز أن يكون الأمر بمعنى المضارع هو ومرفوعه حال بلا تقدير قول، لكن على تأويله بالغيبة عن الخطاب أي: تُبطئ أو تسرع، فيكون قد عبر بصيغة الأمر إشارة إلى أنّ الليالي في سيرها ومُضيها مسخرات بأمر الله، أو استئناف بياني كأنه قيل له [عن] الزمان: ما تقول فيما حدث؟ فأجاب بأنه راض بما يفعل أسرع فيه أو أبطأ، وجملة " أفناه قيل الله " مبينة لقوله "ميز"، و"هاء" أفناه: الشعر رأس الشاعر أو للشاعر، أي أفناه أي: أهرمه- يقال: شيخ فان أي هرم أو أعدمه أي صيره مُشرفاً على العدم، أو أعدم شعر رأسه تحقيقا. وقيل الله": قول الله أي إرادته أي تعلّق قضائه الأزلي بوجود ما قضاه. و"أطلعي": مفعول القيل على أنه باق على المصدرية، وإن كان بمعنى اسم مفعول" فأطلعي"بدل أو بيان. والخطاب بلفظ "كن" في إيجاد الأشياء يصح في مذهبنا ولو كان لا بأس به بتنطيق ملك أو خلق ما به، أو خلقه في الهواء، أو جسم بعد وجود الخلق ومنه الهواء. وإنما قوله: " كن" تعلق
القضاء السابق بوجود ما أراد وجوده، وأنه لا يتخلف ولا يبطأ. والله أعلم. .
وأما وقول الصلتان العبدي الشاعر الحماسي]: [من المتقارب]
أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِيرَ
كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيِّ "
92
92
- ذكر الدسوقي في حاشيته أن الصلتان العبدي هو قثم بن حبيبة بن عبد القيس، وأشار إلى أن الجاحظ نسب هذه الأبيات إلى الصلتان الضبي. وذكر السبكي أنها تنسب إلى الصلتان العبدي أو السعدي، والأبيات هي:
69 (1/85)
صفحة 86
19
بإسكان ياء - العشي كما كان سائر قوافي القصيدة فلا ندري أمجاز هو أم حقيقة؟ لإمكان أن يكون قائله موحدا فيكون مجازا أو مشركا فيكون حقيقة، ولا يخفى أن الصدور من الموحد قرينة قيل ويكفي الظن أن قائله لم يعتقد ظاهره.
93
،
والظاهر أن العرب في الجاهلية ليست دهرية بل ينسبون الأمر لله عز وجل، وهذا مما يظنّ به، والمعتبر العلم والظنّ لا الشك، ونرى في كلام العرب من أهل الجاهلية " فعل الدهر كذا " أو "لم يفعل كذا بل كذا والشكوى من الدهر كأنه الموجب السالب، والظاهر أنه مجاز من الإسناد إلى السبب عندهم، كقوله تعالى] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله ويضيفون الرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك من الأفعال إلى الله تعالى ـ ولم يقل أحد المحقين ولا من المبطلين: أن "مر العشي وكر "الغداة" مشيبان للصغير ومفنيان للكبير تحقيقا، وكذا الليل والنهار. وزعم بعض المبطلين أن الممكن مطلقا يوجد بنفسه، وذهب الحكماء المبطلون إلى أنّ المؤثر في عالمنا العقل والمنجمون المبطلون إلى أنّ المؤثر الكواكب. وأما قول العرب: " ما يهلكنا إلا الدهر. فلعلهم أرادوا به وقوع الهلاك بلا تأثير من أحد لا من الله ولا من غيره، بل لانتهاء مادة الحياة والكر: الرجوع - وينكرون ملك الموت وفيض الروح، وقيل: كانوا ينسبون الحوادث إلى الدهر وحركات الأفلاك. والله أعلم.
من
والحق أنّ الإنساد في " رَجُلٌ عَدْلٌ " وقوله: " إنما هي إقبال وإدبار" ونحو ذلك مما فيه حمل المصدر على الذات حقيقة عقليّة لتأويل "عدل" "بعادل" و"إقبال" "بمقبلة" .. وهكذا، وإن لم يؤوّل بل أبقي على المبالغة فهو حقيقة عقليّة ادعاء، نعم مجاز عقلي إن أول بتقدير مضاف إذا
أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة
ــها أتى
بعد
إذا ليلة أهرمت يوم نروح ونغدو لحاجاتنا
العشي"
د ذلك يوم فتي
وحاجة من عاش لا تنقضي
تمون
مرء حاجاته
وتبقى لـ
حاجة ما
93
الزمر جزء من 38 - الآية الكريمة وَلَئنْ الكريمة وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ)
70 (1/86)
صفحة 87
اعتبر اللفظ بلا تقدير. وأما بالتقدير فحقيقة عقلية لأن المسند حينئذ المضاف، وليس كما قيل: إن ذلك قد يقال ليس حقيقة ولا مجازا. وأما وصف الشيء بوصف موجده؛ "مالكتاب الحكيم" و "الأسلوب "الحكيم" و "أنشأت الكتاب" بإسناد المبني للفاعل إلى المفعول الذي يخالطه ويناسبه فعل آخر من أفعاله لا المفعول الذي يناسبه ويخالطه المسند المذطور في الكلام، والإسناد إلى المصدر الذي يلابسه فعل آخر من أفعال فاعله كالضلال "البعيد" و "العذاب الأليم"، إذ البعيد هو الضال والأليم هو المعذَّب (بفتح الذال فمن الإسناد إلى المكان فهو مجاز عقلي أي: حكيم في أسلوبه وكتابه وبعيد في ضلاله، وأليم في عذابه. فإنه ليس المراد بقولهم الإسناد إلى المكان أو الزمان مجاز عقلي خصوص ما يسمى في النحو ظرفاً، فلا يحتاج إلى أن نقول ذلك تما بني للفاعل وأسند للمفعول بواسطة حرف كما قيل، هذا ما ظهر لي على أن تكون المخالطة والمناسبة للمذكور في العبارة، أما لو قلنا: تكفي المخالطة والمناسبة لغير مذكور في العبارة ولا مقدّر بالمخالطة والمناسبة في ذلك موجودة ولا إشكال والله
أعلم وأحكم.
وهن أربعة:
باب أقسام المجاز العقلي]
باعتبار المسند والمسند إليه فيه
الأول: أن يكون المسند والمسند إليه حقيقتين [كقوله تعالى {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ
90
زَادَتْهُمْ إِيمَانًا] فإن الزيادة وضمير الآيات كليهما حقيقيان، وإنما التجوز في الإسناد، فإنّ الزيادة فعل الله أسندت إلى السبب وهو الآيات. وقوله تعالى يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ " التذبيح، فعل الجيش أسند إلى فرعون لكونه سببا آمرا، ويجوز أن يكون "يذبح" مجازا لغويا بمعنى يأمر، فذكر
94 - الأنفال جزء من الآية 2. الآية الكريمة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) القصص الآية جزء من 4. الآية الكريمة إنْ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ)
95
71 (1/87)
صفحة 88
زع
المسبب بذكر السبب تسمية له بلفظ المسبذب. وقوله تعالى يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا " حقيق وضمير إبليس فيه حقيق، والتجوز في إسناد النزع إليه ـ والعياذ بالله ـ إذ هو السبب
بالوسوسة، وإنما هو حقيقة الله تعالى. وقوله تعالى يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شيبا " نسب الجعل
98
شيبا ليوم القيامة لأنه زمانه وهو حقيقة الله تعالى. وقوله تعالى {وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا " أسند الإخراج للأرض وهو حقيقة الله، والظاهر أنه من الإسناد للمفعول به بواسطة الجار لا إلى المكان، لأنه ليس المعنى (أخرج الله أثقال الأرض في الأرض بل من الأرض) ثم رأيته والحمد منصوصا عليه، ونحو " أنبت الربيع البقل ".
الله
والكناية ليست بحقيقة ولا مجاز عند بعض، وقيل: حقيقة، وهو الصحيح عندي ولو أريد فيها اللازم فقط، فإنّك إذا قلت: " فلان طويل النّجاد" ولا نجاد عنده فمع ذلك فقد استعملت اللفظ في حقيقته، وانتقلت منه إلى المراد وهو طول القامة، وهذا المراد مفهوم من اللفظ كمفاهيم
الأصول، ومثله قولك: " طول زيد سبعة أذرع " مع أنه لم يذرعه أحد ولا ذرع نفسه قط. والثاني: أن يكون المسند إليه والمسند مجازين نحو " أحيا الأرض شباب الزمان" " فأحيا " مجاز وهو مسند "و "شباب" مجاز وهو مسند إليه، والعلاقة فيهما المشابهة، فالمجاز: استعارة تصريحية تبعية في الأوّل: حيث شبّه تهييج القوى وهو إيجاد نضارة الأرض وإحداث قوتها بالإحياء الذي هو إعطاء الحياة وإيجادها بجامع؛ أنّ كلاً منهما إحداث ما هو منشأ المنافع والمحاسن، واستعارة الإحياء للتهييج، واشتق من الإحياء " أحياء بمعنى هيج. وأصلية في الثاني: حيث شبه زمان ازدياد القوى أي كون الزمان في ابتداء حرارته المخالطة له، وفي ابتداء ازدياد قواه يكون الحيوان في زمان تكون حرارته الغريزة قوية مشتعلة وشباب الزمان ازدياد قوي الأرض، ومن شأن قواها تحصيل النمو في زمانه، فالقوى مُنمية، والإحياء في اللغة: إيجاد الحياة، قيل الحياة: صفة تقتضي الحس بالحواس الخمس والحركة الإرادية، وتفتقر إلى البدن والروح،
96 ـ الأعراف جزء من 27 الآية الكريمة يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ لباسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) المزمل جزء من 17 - الآية الكريمة فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً)
97
98 - الزلزلة الآية 2
72 (1/88)
صفحة 89
وهذه حقيقة وهي حياة المخلوق والأظهر أن لا يشترط الروح بل الله أن يوجد الحياة في الجسم ولو بلا روح ولا صورة حيوان. وإحياء الجذع للنبي صلى الله عليه وسلم الجذع الذي [كان] يستند إليه حين الخطبة، يحتمل أنه بلا روح أو به. والله أعلم.
الثالث: أن يكون المسند حقيقة والمسند إليه مجازا، نحو " أنبت البقل شباب الزمان ".
الرابع: عكسه نحو " أحيا الأرضَ الربيع ". والله أعلم.
11
باب قرينة المجاز العقلي
وجه تأخير باب القرينة عن المجاز العقلي وأقسامه
"1
أقسامه وذكرها
إن القرينة خارجة عنه وعن أقسامه، وإنما هي شرطه، ووجه تقديمها عن معه، ولو ولو قدمت، أنه لا بدّ منها وأنه يتحقق بها، ولا بد له من قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة، لأنّ المتبادر إلى الفهم عند عدم القرينة هو الحقيقة ولا يُشترط في القرينة أن تكون معينة لما هو الحقيقة، ولذلك اختلف هل يلزم أن تكون له حقيقة؟ ولا يشترط أن تكون معينة لنوع المجاز من السببية والمفعولية أو نحو ذلك مما مرّ.
وهي إما لفظية كقول أبي النجم "أفناه قيل الله" - كما مرّ - أو معنوية ككون أبي النجم موحدا، ولا بأس باجتماع القرينة المعنوية واللفظية ولو لم يُعلم أبو النجم موحدا لكان قوله: " أفناه قيل الله " قرينة لفظية لم تكن معها معنوية خارجة، ولو أفادت هذه اللفظية كونه موحدا والصدور عن الموحد يفيد بما إذا لم يعلم من لفظ [ .... ] القرينة يختار لها الأقوى إذا أمكن غيره لكن لا مانع من قرائن متعدّدة حالية أو مقالية أو مختلفة.
ومن المعنوية استحالة الإسناد عقلا على ظاهره نحو " صام النهار " بمعنى الصوم الشرعي و"صيم النهار" بالبناء للمفعول؛ لأنّ المبني للمفعول إذا أسند لغير ما هو له كان الإسناد مجازا عقليا، وأمّا " أنبت الربيع البقلَ " فليس ظاهره مستحيلا عند كل عقل، بل عند العقل الصحيح فيحتاج إلى قرينة كصدوره من الموحد، وإن خاطب ذا العقل الصحيح موحد فقرينتان: كونه من الموحد واستحالة ظاهره والمعتمد كونه من الموحد، ويكون مع العقل في إثبات الاستحالة نظر أو عادة أو تجربة أو إحساس ومن قرينة الاستحالة ما في قولك: "محبتك جاءت بي إليك
73 (1/89)
صفحة 90
لظهور استحالة قيام المحبة بالمجيء؛ وحقيقته: " نفسي جاءت بي بسبب المحبة "، فالمحبة سبب داع للمجيء للفاعل، وأوكد من هذا أن هذا أن الحقيقة " الله جاء بي بسبب المحبّة " قيل استحالة إنما هي
11
جاء
على مذهب المبرد من أنّ (الباء) للمصحابة، وأنّ المفعول صاحب الفاعل في الحكم، ففي زيد بعمر " وجاءا معا وجاءا معا " لا على مذهب سيبويه من (الباء) للتعدية، أي: " صيرتني" أو " صير
"
عمرا جائيا من غير أن يجيء هو "، أو مع مجيئه معه، لكن مجيئه ليس تفيده العبارة على مذهب سيبويه إن جاء معه، فمعنى محبتك جاءت بي: جعلتني جائيا من غير أن يشاركني، بل هي سبب حاصل مثير على المجيء، فهي سبب حقيقة فلا يكون إسناد المجيء إليها مجازا.
المتكلم
ومن المعنوية استحالة الإسناد على ظاهره عادة، نحو: هزم" الأميرُ الجند " لاستحالة أن يهزم الأمير وحده الجند، ولو أمكن عقلا ووقع شاذا أيضا. واعلم أنّ صدور ما لا يصح في اعتقاد به إجراؤه على ظاهره يكون قرينة وهي معنوية ويقال للمعنوية حالية ويقابلها اللفظية، فصدور لفظ الشرك وما دونه من الموحد المحقق غير مخفي حاله قرينة على إرادة غير ظاهره ك" أنبت الربيع البقل" وقول الموحد: أشاب الصغير وأفنى الكبير
والبيت مدوّر
مر الغداة كرُّ العشي
وليس هذا مما يستحيل عند كل عقل فلا بد من قرينة معه. والله أعلم.
باب حقيقة المجاز العقلي
هي: إما ظاهرة كقوله تعالى (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ " فلا يخفى أن حقيقته. فما ربحوا في تجارتهم أسند الربح للتجارة على طريق السلب لكونها سببا في الربح، فالمسند إليه الذي يكون الإسناد إليه حقيقة هم الكفار لا التجارة. وإما خفية تظهر بعد تأمل، نحو: " سرتني رؤيتك" فهو مجاز عقلي حقيقته "سرني الله عند رؤيتك" وذلك إن أُريد منه حصول السرور عند الرؤية و"سر" حقيقة لغوية، وإن أريد أنّ الرؤية موجبة للسرور فهو حقيقة عقلية، والتجوز في "سرت" بمعنى
99
البقرة جزء من الآية 16 - الآية الكريمة و أُولَئِكَ الَّذِينَ اسْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا
مهتدين و
74 (1/90)
صفحة 91
أو جبت وهو لغوي. وقول أبي نواس الحسن بن هانئ - وقيل: ابن المعدل، ولا يصح أن يقال:
ابن المعذل 100 كنية أخرى لأبي نواس -[من مجزوء الوافر]
يرينا مهجتي قمر يزيدك وجهه حسناً
يفوق سناهما القمرا
إذا ما زِدْتَهُ نظرًا
11
1.1
11
أي: يزيدك الله حسنا في وجهه لما أودعه من دقائق الحسن والجمال، يظهر ذلك الحسن بعد التأمل والإمعان أي علم الحسن؛ فإن نفس الحسن حاضر في الوجه يظهر بأوّل نظر، وإن الذي يزداد بتكرّر النظر وإمعانه هو علامة الحسن وظهورها، وبتقدير هذا المضاف وجد ما يقال: إن المفعول الثاني لفعل الزيادة يجب أن يصح إضافته للأول، والإسناد للمفعول بواسطة "في" أي: يزيدك في وجهه كما رأيت. وقال عبد القاهر: لا يجب في المجاز العقلي أن يكون للفعل ونحوه فاعل يكون الإسناد إليه، حقيقة وقال: إنّه "ليس السرتني رؤيتك" و" يزيدك وجهه فاعل يكون الإسناد إليه، حقيقة وكذا " أقدمني بلدك حق لي على فلان، وقد مر تقدير الفاعل الحقيقي لهنّ جميعا. فردّ عليه الفخر الرازي والسكاكي بذلك التقدير والجواب: إذا أراد أنه لا يجب أن يكون له فاعل يقصد في العرف والاستعمال إسناد الفعل إليه حقيقة، فلا يرد عليه تقدير الفاعل حقيقة هو الله، ولا إمكان تقدير غيره مثل: " أقدمت نفسي بلدك لحق " لأن ذلك متعارف والكلام في فاعل الفعل المتعدّي لا في فاعل الفعل اللازم، وسرّ وزاد وأقدم ولو كن متعديات [ ....... ] تعديهن، بل معنى اللزوم وهو السرور والزيادة والقدوم إلا على سبيل التخيل، قال الفخر الفعل لا بد أن يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل، فإن ما أسند إليه الفعل فلا مجاز وإلا فيمكن تقديره، وهذا هو من رده المذكور. وقد مرّ
كان هو
100
- يجب التأكيد أن ابن المعذل ليس كنية لأبي نواس وإنما هو شاعر آخر من أبناء المعذل يدعى أبو القاسم عبـ الصمد المتوفى سنة 240 هـ، كان من شعراء البصرة، عرف بخبث لسانه وقلبه وكانت بينه وبين أخيه أحمد جفوة. ينظر. الأغاني 130: 258، 266 و طبقات ابن المعتز. 367 و فوات الوفيات. 353:1
101 ـ اختلف في نسبة هذين البيتين فأغلبهم - كالقزويني والسبكي والدسوقي - نسبهما لأبي نواس، وبعضهم کصاحب المطول - نسبهما لابن المعدل. وهناك من نسبه لعباس بن الأحنف. والصواب أنهما لأبي نواس، وأنهما موجودان في قصيدة مبثوثة في ديوانه (طبعة دار بيروت للطباعة والنشر لبنان (1986) مطلعها:
دع الرسم الذي دثرا * يقاسي الريح والمطرا
Yo (1/91)
صفحة 92
جوابه أنه قد يكون له فاعل حقيقة لكن لا تستحضر فاعليته عند التجوّز العقلي، إذ لم تعتد في الحقيقة، وهذا مسلّم به به عند عبد القاهر، وإنما الممتنع أن لا يكون له فاعل محقق لا معتبر ولا غير أصلا. معتبر
ولا يخفى أن كل فعل مخلوق الله تعالى ولا أنّ إقدامك نفسك ملغى لا يستحضر إذا قلت "أقدمني بلدك حق "، وأما "مات" وأما "مات" و"مرض" ومثلهما فيتناولها صدور الفعل على أن يفسر بما يشمل قيام الفعل واتصاف الفاعل تجوّزا، أو يخص ذلك الصدور بمثل "أقدمني" لأنه محل النزاع، ويقال: إن المرض والموت وإن كانا غير صادرين من المريض والميت لكنهما صادران عن وحادثان؛ فالمقصود أنه يستحيل أن يصدر الأثر بدون وجود الفاعل. والله أعلم.
باب إنكار السكاكي المجاز العقلي
غيرهما
إنما أنكره تقليلا للانتشار وتقريبا لضبط اعتبارات البلغاء وجعله من باب الاستعارة بالكناية 10 بأن يجعل المسند إليه استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه، بأن يدعي أن المشبه من جنس المشبه به، ويجعل إثبات ما هو من لوازم المشبه به للمشبه قرينة
الاستعارة.
مع
""
فإنّ الاستعارة بالكناية عنده هي: لفظ المشبه المراد به لفظ المشبه به الذي أُريد به المشبه إثبات ما للمشبه به للمشبه قرينة على أنه أريد بالمشبه لفظ المشبه به الذي يعني به المشبه، ففي أنشبت المنيّة أظفارها " لفظ «المنية مشبّه معبر به عن لفظ السبع الذي يراد به المنية بقرينة نسبة الأظفار إليها وهي للسبع. ففي المجاز العقلي يشبه المسند إليه المجازي بالمسند إليه الحقيقي تعلق وجود الفعل به ويذكر المجازي فقط ويثبت له ما للحقيقي؛ ففي قول المؤمن: " أنبت الربيع البقل " يشبه الماء أو الزمان المخصوص فيما قيل عنه بالقادر المختار سبحانه عن الشبه ويجعل نسبة الإنبات الذي هو حقيقة الله تعالى إلى الماء أو الزمان قرينة للتشبيه الاستعاري، وليس في ذلك التشبيه شرك، إلا أنه لفظ سوء لا يستقيم، وذلك أنه ليس المراد حقيقة التشبيه، بل
في
102 - قال: ( ... بحسب رأي الصاحب من تقسيم المجاز إلى لغوي وعقلي وإلا فالذي عندي هو نظم هذا النوع في سلك الاستعارة بالكناية) ينظر المفتاح ص 189:1
76 (1/92)
صفحة 93
المراد: أنه قد عاد الإنبات إلى الله وعاد إلى الماء أو الزمان فثبت عوده إلى أحدهما كما ثبت عوده إلى الله جل وعلا، ولكن اختلف العودان إلى الله من حيث إنه الخالق للنبات وخروجه والعود إليهما باعتبار السبب والزمانية المخصوصة.
وما ذكرته عن السكاكي من جعل نسبة الإنبات قرينة هو ما ذكره في (بحث جعل المجاز العقلي استعارة بالكناية والمشهور عنه: أن قرينة الاستعارة بالكناية إثبات الصورة الوهمية المسماة (بالاستعارة (التخييلية فالقرينة على هذا استعارة ما هو لخاصة من خواص المشبه به لصورة وهمية يتوهّم في المشبه تشبيهه بتلك الخاصة مثبتة للمشبه.
103
ولا يخرج عن سوء اللفظ المتقدّم في كلام السكاكي بقول عبد الحكم 103 (كذا) إن المراد بالفاعل المختار عنوان هذا المفهوم لا من حيث خصوصية ذاته تعالى فلا يرد ادعاء كون الربيع ذاته تعالى ركيك جدا. (انتهى كلام عبد الحكم (لأنا نقول: المراد الذي في نفس الأمر أنه الله
تعالى.
فالاعتراض على السكاكي بائن، وكذا يُعترض عليه بأنه إنما نقصد المبالغة والتشبيه، إنما يقصدان في بعض المواضع كالإسناد إلى السبب بخلاف الإسناد إلى نحو المصدر، فلا قصد للتشبيه
معه.
ويعترض عليه أيضا بأن كلامه يستلزم أن لا يصح جعل ضمير "العيشة" في قوله تعالى فَهُوفي عيشة راضية) ظرفا لصاحبها، بل أن تكون صاحبها، وكذا جعل "العيشة"
1.2
(المجرور بفي) لأن مذهب السكاكي عدم اختصاص ما يقول له غيره مجاز عقلي بإسناد لفظ الفعل أو نحو إلى مرفوعه وهو يريد بالفاعل في باب المجاز العقلي ما هو فاعل معنى ولو لم يكن فاعلا اصطلاحا كعيشة (المجرور بفي)، وكالمبتدإ في نهاره صائم وإنما اعترض عليه بذلك الاستلزام لما ذكرته عنه من تفسير [ ........ ] يكون المراد بعيشة صاحبها إذا اقتضى أن المراد بالمسند إليه المجازي هو المسند إليه الحقيقي وهو غير صحيح، لأنه لا معنى لقولك: "من موازينه في صاحب عيشة بأن الشيء لا يكون ظرفا بنفسه، وتأويل" صاحب. "بأصحاب,
103
- ينظر شرح التلخيص ص 265 ورد في حاشية الدسوقي اسم المولى
عبد الحكيم.
ثقلت
104 - الحاقة الآية 21 * القارعة الآية 7
77 (1/93)
صفحة 94
فيصح، يضعفه أن "عيشة" نكرة في الإثبات لا يحسن إرادة العموم بها، وأنه خلاف المتبادر. وأن
مثل هذا الكلام لا يستعمل في مثل هذا المعنى ولو كان من لوازم معناه، وذلك الاستلزام مبني على أن المراد بعيشة وضمير راضية واحد وهو صاحب العيشة، وأما إن أريد بعيشة ما يتعيش به الإنسان وبضمير راضية العيشة، ولكن لا معناها الأول بل بمعنى صاحبها على سبيل الاستخدام، كقوله تعالى لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْد) 105 فلا فساد، لأن المعنى " في عيشة": صاحبها راض. كما أنه لا فساد على تقدير مضاف أي: " في عيشة راض صاحبها" بناء على اعتبار المضاف إذا حذف واستشعاره في الإسناد كاستحضار ما يُذكر من الألفاظ. والمراد "بالعيشة" أيضا: الصاحب على تقدير الاستعارة على مذهب السكاكي - من أن إسناد مجموع راضية
وضميره لعيشة مجاز، وإن جعلت الضمير للصاحب فإسناد المجموع على العيشة ليس مجازا. ويعترض على السكاكي أن لا تصح الإضافة في المجاز العقلي الذي أضيف فيه المسند إليه المجازي إلى الحقيقي، نحو: " نهاره صائم " لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، وفي مذهبه يراد بالنهار الإنسان، وأضيف إلى "الهاء" وهي: ضمير ذلك الإنسان. وقد وقعت هذه الإضافة في مثل قوله تعالى (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) فعلمنا أنها ليست إضافة شيء لنفسه بل تجارة ليست مستهلة فيما استعمله له المضاف إليه، كما يلزم على السكاكي، ودعوى أن الإضافة للبيان في ذلك تكلّف في مثل ذلك، لأنه ليس المعنى مسوقا لإضافة البيان، ولا يلتفت إليها في بلاغة هذا
1.7
الكلام، ودعوى أنه من إضافة المسمّى إلى الاسم أشدّ تكلفا وخروجا عن البلاغة. ولكن يجوز في نهاره" صائم أن يكون من الاستخدام؛ لأنّ للنهار معنيين: الزمان المخصوص وهو الحقيقي، ويُراد بضميره المعنى المجازي، فتكون الاستعارة في الضمير المستتر لا في نهاره، فلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه.
105 - فصلت جزء من الآية 28. الآية الكريمة (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)
106 - البقرة جزء من الآية 16 الآية الكريمة (أُولئِكَ الَّذِينَ اسْتَوَوْا الصَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا
مُهْتَدِينَ)
78 (1/94)
صفحة 95
ويعترض على السكاكي بأنه يلزم أن لا يكون الأمر بالبناء "هامان" في قوله يَا هَامَانُ ابْن لي صَرْحًا 10 لأن المراد بهامان على مذهب السكاكي في الاستعارة ـ هو العملة، ولا يخفى أن الأمر له لا لهم؛ لأنّ النداء له والخطاب معهم، فلا بدّ أنّ الأمر له أيضا، إذ لا يجوز تعدّد المخاطب في كلام واحد من غير عطف ولا تثنية أو جمع، لا يقال: "أكرمك" تخاطب "بأكرم
عما
عمر" و "بالكاف زيدا". وأما أن يقال الأمر لهامان بأن يأمر العملة بالبناء ففيه أنه خروج ع نحن فيه؛ لأنه حينئذ يكون مجازا لغويا في المسند لا مجازا عقليا في الإسناد ولا استعارة بالكناية يراد " بابن " الأمر بالبناء، وقد يجوز أن يراد بهامان العملة، فيكون النداء والخطاب والأمر كلهن للعَمَلَة سماهم باسم القائم عليهم، كأنه قيل يدعى هامان أي قومه. ولا تصح في هذا أيضا
بأن
مكنية السكاكي.
11
ويعترض بأنه يلزم على مذهبه أن يكون الربيع في قول المؤمن: " أنبت الربيع البقل والطبيب في "شفى الطبيب المريض " والرؤية في " سرتني رؤيتك " ونحو ذلك مما هو فاعل هو الله تعالى أن يكنَّ أسماء الله. وأسماء الله توقيفية على الصحيح، ولم يوقفنا الشارع على تسميته تعالى بهن، ولا يقال إن مذهب السكاكي أنها غير توقيفية لأنا نقول الرد عليه ليس باستعماله هو بل باستعمال غيره ممن يذهب إلى أنها توقيفية مع عدم إنكار غيره؛ فمن يقول: إنها توقيفية ولو كان كما ذكر السكاكي لتركه من يراها توقيفية أو لا ينكر عليه.
هي
وأجيب بأنّ هؤلاء الاعتراضات مبنية على أنّ المكنية عنده هو اسم الشبه الذي أريد به المشبه به حقيقة المثبت له لازم المشبه به، وليس كذلك أن المكنية المشبه على أنه المشبه به ادعاء أو مبالغة لظهور أنّ ليس المراد "بالمنية" في "نشبت مخالب المنية بفلان" هو السبع حقيقة، وقد صرّح السكاكي نفسه بهذا في (المفتاح) وإنما المراد بالمنية: الموت لكن بادعاء السبعية له. وجعل لفظ المنية مراد باللفظ السبع ادّعاء، فيكون المراد بعيشة صاحبها "بادعاء الصاحبية لها، و"بالنهار الصائم "بادعاء الصائمية له لا بالحقيقة حتى يفسد المعنى. وتبطل الإضافة ويكون الأمر بالبناء "لهامان"، كما أنّ النداء له لكن بادعاء أنه "بان" وجعله من جنس العملة لشدّة المشابهة، ولا يكون "الربيع" اسما لله تعالى حقيقة حتى يتوقف على وروده من الشارع، بل المراد به حقيقة
107
"
سورة غافر جزء من الآية 36 - الآية الكريمة (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ)
79 (1/95)
صفحة 96
الله
هي
(المفتاح)
108
هو الماء أو الزمان المخصوص لكن بادعاء أنه قادر مختار مبالغة في التشبيه لكن كما يمنع تسمية باسم حقيقي لم يرد الإذن [ .... ] حقيق لم يرد به الشارع وأما أن يقال: إن المكنية عنده المشبه به ادعاء أو مبالغة فيبحث فيه بأنه إذا كان المراد بالمنية الموت بادعاء السبعية لها لم يخرج عن الإسناد المجازي؛ لأنّ حق الإنبات أن يسند إلى القادر تحقيقا لا إلى الماء أو الزمان المدعى أنه قادر. ولا يقال في الجواب: المسند إلى الاستعارة بالكناية عنده ليس ما هو للمشبه به بل صورة وهمية شبيهة بالمسند، فهو للمشبه حقيقة وحقه أن يسند إليه، لأنا نقول: صرّح في في بحث "ردّ المجاز العقلي إلى الاستعارة "بالكناية أن قرينة الاستعارة بالكناية قد تكون أمرا وهميا كما في "أظفار المنية" و"نطقت الحال"، وقد تكون أمرا محققا كما في "أنبت الربيع البقل" و "هزم الأمير الجند"، وقد قيل بتخطئة ما قيل: إن قرينتها التي هي استعارة تخييلية اللفظ المستعمل في الصورة الوهمية لا غيره. ولا يردّ على السكاكي في دعواه الاستعارة بالكناية في نحو: " نهاره صائم ليله قائم" إنّه جمع فيه بين المشبه به والمشبّه على الاستعارة وهما: "النهار" و "الهاء" مثلا من كل ما هو فاعل مجاز مع فاعل حقيق، لأنّ جمعهما على الاستعارة إنما يمنع إذا كان على وجه ينبئ عن التشبيه بأن يكون المشبه به خبرا أو صفة أو حالا؛ إذ صدقه على ما جرى عليه لا يكون إلا بتقدير إرادة التشبيه، والمثالان ونحوهما ليست من هذا، ونظريهما" سيف زيد في يد أسد" و "لما لقيني زيد رأيت السيف في يد أسد " مرادا بالأسد فيهما زيد مبالغة. والله أعلم.
هو
ويدل لذلك جعلهم قوله: [من المنسرح]
لا تَعْجَبُوا مِنْ بَلَى غلالته
109
قَدْ زُرٌ أَزْرَارُهُ عَلَى الْقَمر 109
من الاستعارة مع ذكر المشبه والمشبه به وهما "القمر" و "ضمير" أزراره أو "ضمير" غلالته، والبلى (بكسر الباء والقصر "بلي الثوب صار خلقا وإذا فتح مد والغلالة: شعار يلبس تحت
108
قال في صفحة 189) فالذي عندي نظم هذا النوع في سلك الاستعارة بالكناية يجعل الربيع استعارة عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه على ما عليه مبنى الاستعارة كما عرفت وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة الاستعارة، وجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عن الجند الهازم، وجعل نسبة الهزم إليه قرينة الاستعارة) - ينظر المطول 91:1 وينظر شروح التلخيص 272:1. . ويُنسب هذا البيت إلى ابن طباطبا العلوي
109
80 (1/96)
صفحة 97
الثوب، وزرّ: عقد وأزرارة جمع زر وهو: العقدة التي تدخل في الأخرى، و "الهاء" للشخص
المشبه بالقمر. والله أعلم.
باب حذف المسند إليه
قدمت الحذف على الذكر لأنه عدمي، والعدم سابق على الوجود والحذف فيه عدم الوجود ولو كان بعد ذكر، ولا سيما أنّ المراد بالحذف هنا أن لا يؤتى بالمسند إليه رأسا لا أن يذكر أعظميته
التلفظ
ثم يحذف. والمسند إليه الركن الأعظم كأنه قد ذكر ثم حذف ولو لم يذكر قط، ووجه أنه الموصوف، والصفة عارضة على الموصوف وفرعه وإنما تتصوّر به يحذف بوجوه، منها: أن يدلّ عليه دليل واضح حتى يكون ذكره كالعبث فإن كونه ركنا من الكلام لا ينافي حذفه، لأن ركنيته والحاجة إليه باقيتان مع، حذفه، إلا أنه لم يلفظ به، فهو مستحضر ولا بد ولا خفاء فيه، فهذا ركنيته والحاجة إليه ولوجود الاستحضار بلا تلفظ به ولا خفاء ولا تكلّف صار به كالعبث، ومع ذلك لو ذكر لم يكن عبثا، فإنّ الذكر أدلّ من القرينة على المقصود، وكيف يكون ذكر ما توقف عليه الكلام عبثا؟ ولذلك لم أقل عبثا بل كالعبث، وذلك إذا لم يكن داع إلى ذكره، فإن كان فإنّه يذكر مع وضوح الدلالة عليه؛ كذكره مع العلم به للتلذذ أو التبرك، فترجّح الذكر للتلذذ ونحوه، لأنّ الذكر الأصل. وقد تجتمع النكت للحذف أو للذكر أو للوصف أو للتنكير أو غير ذلك من أحوال المسند إليه والمسند والفضلات، لكن المدار على القصد والملاحظة، ومثال الحذف لدليل قولك: "قائم" في جواب: "كيف زيد؟ " ومنها: أن يخيل المتكلّم للسامع بالحذف أنه عدل إلى أقوى الدالين وهما: اللفظ والعقل، وأقواهما هو العقل، لكن لا مطلقا عندي بل من حيث أن الإدراك به؛ أعني أنه يوقع ذلك في خيال السامع ووهمة، وذلك التخييل يوجب نشاط السامع ويوجه عقله إلى المسند إليه زيادة توجيه؛ وذلك أنّ اللفظ يدلّ على معناه والعقل أيضا يدلّ على معنى ذلك، فإذا ذكر اللفظ كان دالاً على معناه بواسطة العقل - فللعقل دلالة أيضا غير مستقلة لبنائها على ذكر اللفظ ـ كما أنّ دلالة اللفظ غير مستقلة لأنها باستعمال العقل، والمعتبر في ذلك دلالة اللفظ، فقد دلّ بالعقل؛ فهذه كلها دلالة اللفظ. وإذا حذف اللفظ دلّ على معناه العقل، وهذه دلالة العقل وهي أقوى
81 (1/97)
صفحة 98
لافتقار اللفظ إليه، ولا بد فإن اللفظ لا يمكن أن يفهمك شيئا بدون العقل، بخلاف العقل فإنّه يمكن أن يفهمك شيئا بدون توسط اللفظ.
العقل ولو مع
وقال عصام الدين [ ..... ] ولأنها لا تتخلف [ .... ] الدلالة [ ....... ] قلت: يخيل لأن دلالة حذف اللفظ لا تستقل، بل إنّما يدلّ العقل بواسطة اللفظ المحذوف. وقد يمكن أن يدلّ بالقرائن على ذات المسند إليه مع قطع النظر عن الألفاظ، لكن هذا خارج عن المعتاد من أنّ فهم المعاني قلما ينفك عن تخيل الألفاظ.
لأنه آلة للعلم
وقال بعضهم: الدال حقيقة هو اللفظ فقط، وأنّ نسبة الدلالة إلى العقل تسمح بالدلالة، وعليه فليس في الحقيقة عدول عنه ولا دليل غيره، ولما كانت دلالة اللفظ بمعونة العقل توهموا أن العقل دال وهذا محقق عندي. وقد قيل أيضا: المدلول عليه بالقرائن هو اللفظ المحذوف لا ذات المسند إليه فينتقل منه إلى ذاته وهذا أولى من العكس عندي، لأنّ المسند المذكور يعنى على اللفظ المحذوف لا مجرد الذات، قال الشاعر: [من الخفيف] قَالَ لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَليلُ سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ
110
أي أنا عليل؛ فحذفه للاحتراز عن شبه العبث أو للتخييل أو كليهما، قال عصام الدين في (الأطول) لم يقل: "أنا عليل" لئلا يتبدل ما عبر به السائل عن ذاته لاستلذاذه ما عبّر به، أي عبّر عنه السائل "بأنت" فلم ير أن يجعل في جوابه لفظ "أنا".
ومنها اختبار السامع هل يعرف المحذوف بالقرينة؟ وإنما صح الاختبار لأنه ليس الواجب على المتكلّم إفهام السامع، حتى إنّه لا يحذف اللفظ إلا وقد اعتقد بالقرينة أن السامع يفهم بها ويجزم بفهمه، بل الواجب عليه نصب قرينة صالحة لا يفهم بها السامع، ويظن أنه يفهم بها أو يشك أن يفهم بها سواء أكان يفهم بها أم لا، كقولك لغلام يبكي جوعا: "أحاضر" تريد الجوع حاضر، فحذفته لتعلم هل يعرفه.
ومنها اختبار مقدار فهمه بالقرينة؛ هل يفهم بالخفية إذا علمت أن له أصل الفهم؟، مثل أن تقول لغلام: "دادق أجرام مضيئة حين لا شمس تريد الكواكب "أجرام" الخ، ومثل أن يحضر
110
ينظر دلائل الإعجاز 167 و معاهد التنصيص للعباسي،100:1، 280 و الإيضاح 38 والمطول 93:1 شروح التلخيص
82
277:1 (1/98)
صفحة 99
أحدهما
شخصان أحدهما أقدم صحبة فتقول: "أهل للإحسان والله" وتريد "زيد" الذي هو وأقدم صحبة "أهل "للإحسان وحذفت "زيدا" لتعرف ما مرتبة الآخر في الفهم. ومنها صون المسند إليه عن السمع أو المحلّ، أو صون السمع أو المحل عنه أو لسانك عنه، أو صونه عن لسانك، أو إيهام صونه عن السمع أو المحل أو لسانك عنه، أو صونه عن لسانك. فصونه عن اللسان أو السمع أو إيهام هذا الصون تعظيم له وتحقير للسان والسمع، وصون اللسان أو السمع وإيهام هذا الصون تعظيم للسان أو السمع وتحقير له. وعلى كل حال فالمراد: تعظيم المصون والمصون عنه لا مجرد ترك الذكر، فضلا عن أن يقال: إنّ في الحذف حقيقة الصون لا إيهامه، وقد يدعى صونه عن تنجسه بواسطة المرور على اللسان فيكون إيهام صون، مثال ذلك أن يقول: "من الكنيف آت" يريد الإمام، آت فقد صان عن لسانه أو السامع إذ كان في الكنيف، وأن تقول: "آتية" تريد "فلانة الفاسقة آتية صنت لسانك أو السامع أو كليهما عنها أو المسجد أو محل الذكر أو مع ما ذكر، وأن تنزل شيئا منزلة القبيح ادّعاء، أو ترفع له من قدره ادعاء، فتعمل على ذلك في إيهام الصون، وأن توهّم أنّ المحذوف يحبس اللسان أو السمع أو يضره.
ومنها أن يمكن الإنكار إذا احتيج إلى الإنكار، نحو قولك: فاجر فاسق" عند قيام القرينة على أن المراد "عمرو"، فالتقدير " عمرو فاجر فاسق " وحذفته ليمكن لك إذا عنفت على ذلك أن تقول: " ما أردت عمرا بل غيره ".
ومنها تعينه لكون المسند لا يصح إلا له أو لكماله فيه؛ بحيث لا يسبق الذهن إلى غيره، أو لكونه متعينا بين المتكلم والمخاطب ولا يتكرر ذلك مع ما مرّ من الاحتراز عن شبه العبث؛ لأنّ مدار الدواعي والمقتضيات على القصد وقصد التعيين غير قصد الاحتراز؛ فقد يقصد أحدهما، وقد يقصدان معا، وكذا الحال في جميع الدواعي قد يقصد منها اثنان فصاعدا، أو ايراد البعض؛ وذلك إذا لم يكن تناف، ولو قسمنا شبه العبث من أول الأمر إلى شبه عبث بسبب دلالة القرينة دلالة واضحة وإلى شبه عبث بسبب عدم صلاحية المسند لغير المسند إليه، وإلى شبه عبث بسبب كماله فيه وإلى شبهه بسبب تعينه بين المتكلم والمخاطب، أو يدخل [ ..... ] اسم الله أو رسوله، وحذف لم يجز أن يقال: تحرزا عن العبث أو شبه العبث، نحو: "خالق لما يشاء فعّال
83 (1/99)
صفحة 100
لما يريد" أي الله تبارك وتعالى خالق لما يشاء فعّال لما يريد، ونحو: "خير الخلق" أي محمد صلى الله عليه وسلم الخلق فيقال: [ ... ] للتعين [ ...... ] حذف [ ...... ] عن العبث أو شبهه]
خير
م [ ....... ] ذلك من [ ...... ] الأدب.
ومنها ادّعاء التعين، نحو: وهّاب الألوف " تريد السلطان وهاب الألوف، أو "زيد وهاب الألوف " أو نحو ذلك. ولك أن تقول: التعيين بياءين، إذ تدّعي أنه قد تعيّن أو أنك قد عيّنته. ومنها الضجر بذكره؛ إذ كثر ذكر المتكلّم له، أو إذ كثر ذكره بين الناس، أو عيي بكلام آخر، أو بضعف بدنه، أو نحو ذلك. ومنها خوف فوت الفرصة والفرصة قطعة من الزمان يفوت بها المقصود، وقيل: ما يغتنم تناوله، نحو قولك: " دينار" أي: "هذا" دينار" إذا رأيته في الأرض فحذفت "هذا" مسارعة للفظ دينار ليأخذه من الأرض خديمك وقولك: "عقرب" أي "هذه عقرب" حذفت "هذه" ليغتنم سامعك تناولها بالقتل، وقول الصيّاد عند إبصار الغزال: " غزال، غزال" أي: "هذا غزال
فاصطادوه"].
ومنها المحافظة على الوزن كقوله: "قلت:
عليل" لفات الوزن.
و قال: "أنا
ومنها المحافظة على السجع نحو: " من طابت سريرته حمدت سيرته " ببناء حمدت للمفعول بعد حذف المسند إليه وهو: "الناس"، ولو قال: "حمد" الناس "سيرته" بالبناء للفاعل لفات السجع لاختلاف حركة الروي، وكلا الإسنادين حقيقة.
ومنها المحافظة على القافية، كقوله: ولا يوما أن ترد الودائع، فلو قال: "أن يرد الخلق الودائع " لفاتت بالنصب - بل تعاب - وفات الوزن أيضا واعلم أنه لا يشترط في النكت أن لا تحصل النكتة إلا من الوجه الذي يذكر، بل يعتبر ما استحضره المتكلم، كما أن الصورة على الصحيح ما اتفق للشاعر تما لا يقع في النثر أصلا أو إلا شاذا، فلا يقال: إن فوت السجع أو القافية إنما هو فيما إذا وجب تقديم المسند الذي به يتحصل السجع أو القافية، وأنه إذا لم يجب وكان المسند إليه يحصل به السجع أو القافية فلا حاجة إلى حذف المسند إليه، بل لو قدم عليه المسند لكان السجع أو القافية بحاله.
84 (1/100)
صفحة 101
ومنها الإخفاء عن غير المقصود بالسماع من الحاضرين مثل أن تكون عندك جماعة فتقول: "آت" تريد زيد آت"، فحذفته ليعرف مقصودك فقط منهم لقرينة عنده ولا يعرفه غيره، وإن لم يكن غيره سامعين فلا حاجة إلى الإخفاء. ومنها اتباع المثل أو شبهه نحو: "رمية" من غير "رام" أي: هذه رمية من غير رام" أي "رميته مصيبة من غير رام مصيب" بل من رام مخطئ، وهو مثل يضرب لمن صدر منه ما ليس أهلا للصدور منه من الأمور المستحسنة.
ومنها في ترك نظائره، كقطع الصفة إلى الرفع نحو: "الحمد لله الحميد" ونحو: "اللهم ارحم عبدك المسكين، والطف بعبدك الضعيف" وقد يقال: الحذف هنا للمدح أو الترحم كالحذف تقدم للذم في: " أعود بالله من الشيطان الرجيم (بالضم)، ووجه هذا أن الممدوح معروف بلا ذكر المسند إليه، وكذا فيما بعده. وقال عصام الدين: الحذف في ذلك للاحتراز عن مخالفة القياس وضعف التأليف، فهو من متعلقات البلاغة التي مرجعها علم البلاغة، ولا تعلّق له بمقتضى الحال الذي هو وظيفة المعاني، وهكذا الكلام في كل ما يجب فيه حذف المبتدإ. والله أعلم.
باب ما لا يجوز حذفه من المسند إليه
إلا للضرورة أو التقاء ساكنين
وليس الحذف لهما غرضا هنا وهو الفاعل ونائب الفاعل، وأجاز الكوفيون حذفهما لدليل نحو: " قام وقعد الزيدون " فأيهما أعملت عندهم قدرته الواو للآخر، والكلام في حذف المسند إليه مع إقامة شيء مقامه أو بدون إقامة، وحيث يكون لغرض معنوي كما هو اللائق بالفن لا مجرد أمر لفظي كالتقاء الساكنين فمن الحذف مع إقامة شيء لغرض حذف الفاعل وإبانة غيره لغرض كالخوف منه، أو عليه أو الاختصار أو نحو ذلك؛ ففيه حذف المسند إليه وتعويض الآخر عنه، وفيه أنه يحذف المسند إليه الذي هو الفاعل إذا بني الفاعل للمفعول ولو لم يدل عليه دليل، وبهذا خالف سائر حذف المسند إليه. وقيل: حذف الفاعل وإقامة غيره لا يناسب ذكره المقام، وليس كذلك لأنه عبارة أخرى غير عبارة البناء للفاعل على خلاف الاستثناء المفرغ، فإنه لا يعد في هذا المقام للنيابة مع اتحاد العبارة، نحو: "ما قام أحد إلا زيد" [ ....... ] فيما قيل وليس
85 (1/101)
صفحة 102
كذلك عندي فلو أردت أنه لم يقم عمرو ولا بكر ولا خالد بل زيد لم يجز لك أن تطلق " ما قام إلا زيد " لتوهم أنه: " ما قام أحد من أهل البلد أو نحو ذلك إلا زيد "، فلا بد أن تنصب قرينة تدلّ على أنك احترزت عن الثلاثة، ولا بعد من المقام حذف فاعل المصدر، ولا يحتاج حذفه لقرينة. واعلم أنّ القرينة المعينة مصححة للحذف، والكلام في القرينة المرجحة التي يختص البليغ بملاحظتها، لأن العامي أيضا يحذف لوجود القرينة. والله أعلم.
باب ذكر المسند إليه
يذكر إذا لم يكن داع لحذفه، لأنّ الأصل الذكر، والداعي لحذفه يكون في قصد المتكلّم، فإذا لم يكن ذكر ولم يحذف، ولو وجدت القرينة ولاسيما إن كانت القرينة خفية ـ فإنه يتأكد ذكره احتياطا، لعلّ المخاطب لا يفهم بها لو حذف. واللفظ أقوى من القرينة العقلية، لكن لا مطلقا عندي بل من حيث أنه ينتفع به في الدلالة مع أدنى عقل، ولا حاجة معه إلى شدّة بحث. وقيل: جنس القرينة العقليّة أقوى من جنس اللفظ، وبعض أفراد اللفظ أقوى من القرينة العقلية. ويذكر المسند إليه مع وضوح القرينة إذا كان المقصود بالسماع غبيا لا يفهم إلا بذكر، أو كان يفهمه ولكن يذكر له تنبيها على غباوته في سائر أمره أو في بعض مخصوص، فيجري ذكره له مجرى التوبيخ على غباوته أو يذكر له إهانة. ولو كان ذكره في ذلك كالعبث بالنسبة لغيره لأن له داعيا لذكره وهو الغباوة، مثال ذلك أن يقول: الغبي: " ماذا قال زيد " فتقول: " زيد قال كذا " ولو كان لا يجوز على السامع غفلة عن سماع وعدم فهم تنبيها على أنه غبي لا ينبغ الخطاب معه إلا هكذا.
111
ويذكر أيضا لزيادة إيضاحه في ذهن السامع وتثبيته بحيث لو لم يذكر لعلمه تحقيقا؛ فبذكره تجتمع الدلالة اللفظية والعقلية، ولا يصح التمثيل بقول الله سبحانه وتعالى أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأَوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ 111 فعلى أنّ "هم" ضمير فصل أو "حرف" ليس بمسند إليه قبله وهو: " أولئك" لزيادة الإيضاح والتثبيت، ولو حذف لتبعه "هم" في "الحذف، لكن لا يبقى دليل على المحذوف، بل يبقى عطف المفرد على الخبر هكذا أولئك على هدى من ربهم والمفلحون".
111 ـ سورة البقرة الآية.
86 (1/102)
صفحة 103
نعم لو تبعته (الواو) في الحذف لقيل: أولئك على هدى من ربهم المفلحون" فيكون "المفلحون" خبر المحذوف يدلّ عليه المقام، ولكن مطلقا لا يفيد كونه أولئك أو لفظ "أولئك" مع "هم" أو لفظ "هم" الذي يكون مبتدأ، ومع ذلك لا يتعيّن الحذف الجواز أن يكون "المفلحون" حينئذ خبرا ثانيا، وهو المشهور عن جواز تعدّد الخبر. وأما إن جعلنا "هم" مبتدأ ثانيا فلو حذف "أولئك" لم يدلّ عليه لبقاء المسند إليه الآخر الذي في معناه وهو"هم" بتعطف الجملة على الجملة أو على الخبر، سواء حذف "أولئك" مع "هم"؛ فالكلام فيه كالكلام فيما قبل. ويذكر أيضا المسند إليه لتعظيمه بذكر اسمه الدال على عظمته نحو: "أمير المؤمنين "حاضر" إذا دلّ عليه دليل ولو حذف، مثل أن يجري له ذكر في كلام المتكلّم أو غيره، مثل أن يقال: "هل حضر أمير المؤمنين" ولو قيل: "حضر" أو "نعم" لكفى، ولكن ذكر لذلك ولو لم يدل دليل لم يحذف، وكذا ما أذكر بعد، وإنما لم أقل لإظهار تعظيمه؛ لأن لفظ الإظهار يكفي عنه قولي بذكر اسمه فلا يرد علي أن التعظيم قد يحصل بمجرد الإسناد إلى المسند إليه المحذوف؛ فإنّك إذا قلت: "حاضر" لم يحصل تعظيمه أصلا، وإن حصل فليس حاصلا بذكر اسمه والمراد حصوله بذكر اسمه فلو قلت لإظهار تعظيمه بذكر اسمه لصح وكان بسطا، ولو قلت: إظهار تعظيمه لصح، لأنه علة للذكر فنقول الذكر ولو حذفه، لكن أردنا تعظيمه بالذكر، فالعبارات الثلاث كلهن صحيحات ولو قيل:
حصل مع
11
لتعظيمه لضعفت العبارة، لأنه قد يحصل التعظيم مع الحذف لكن تصح لأنها تفيد أن التعظيم بالذكر هو المراد هنا لا مطلق التعظيم، ويذكر أيضا لإهانته باسمه الدال عليها نحو: "السارق حاضر" و"اللئيم حاضر" مع وجود دليل عليه لو حذف مثل أن نقول ذلك بعد ذكره في كلامك أو كلام غيرك، مثل أن يقال: هل حضر "عمرو فتقول ذلك، أو " هل حضر سارق أو لئيم " ولو قيل " حاضر "أو "نعم" لكفى. ولكن ذكر لذلك وفي ذكر إظهار لفظ الإهانة ما ذكرته قبل هذا، ويذكر أيضا تبركا بذكره مع أنه لو لم يذكر لدلّ عليه ما قبله، مثل أن يقال: هل قال هذا القول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " [أو يقال: "هل الرسول صلى الله عليه وسلم] قائل هذا القول؟، أو تجيء بالجملة الفعلية فتقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول"، فلو شئت لحذفت المسند إليه في الاسمية، ولو شئت الحذف لجعلتها اسمية فحذفت المبتدأ، ولو شئت لقلت: " نعم " لكنك ذكرت المسند إليه تبركا، ويذكر أيضا للتلذذ بذكره - كالمثال المذكور - إذا كان المتكلّم
" I
11
87 (1/103)
صفحة 104
يلتذ بأن يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكقولك: "الحبيب "حاضر" إذا كان يعرف بلا ذكر، وذلك أنه يستلد أن يذكره أي: يجده لذيذا فيذكره ليحصل له الالتذاذ، ويذكر لشدة الشوق ويصلح لها
وللتبرك قول [ ..... ]
محمد أجل من أهواه
محمد يا
من يراه
محمد شغفت ن ذكراه محمد أفلح من أتاه
محمد يا ليت
القاه
محبة بشراه
محمد ...
ويذكر أيضا لبسط الكلام في المقام الذي يكون فيه السماع محبوبا للمتكلم لعظمته وشرفه،
112
ولهذا يطال الكلام مع الأحبّاء، كقوله تعالى عن موسى هي عصاي إلى أخرى، وإنما قال السعد [التفتازاني]: " وعليه قوله تعالى ولم يقل " كقوله تعالى"؛ لأنّ ذكره بعد قول الخطيب [القزويني] حيث الإصغاء مطلوب، والله لا يوصف بالإصغاء لأنه إمالة الأذن، ولم يرد الأذن من الشارع في وصفه تعالى به ولو مجازا، فلم يصح وصفه به على تأويله مطلق الإقبال على المتكلّم، فليس كما قيل: إنه يجوز على هذا التأويل، وإنما أجمل في قوله "مآرب أخرى" مع أن المقام مقام بسط، لأنّ هذا الإجمال يقتضي أن يقع السؤال عن تفصيله فتحصل زيادة البسط، فهو يترقب السؤال من الله تعالى عن تفصيله فليتذ بخطاب الله إياه، أو لأنه اسشعر من الله جلّ وعلا أن يريه في العصا عجائب وخوارق ولم يعلم تفضيلها، أو كان عالما بتفضيلها ولكن أخذه الدهش، ولولا أن المقام للبسط لقال عصا"، لأن عصا هو الجنس لا "عصاي"، وما للسؤال عن الجنس، ولما كان له قال: "هي" وأضافها لنفسه وذكر أوصافا، فأجاب ما بالشخص وهو "عصاي" بالإضافة لا بالجنس وهو "عصا" بلا إضافة لأن الجنس في ضمن هذا الشخص وهو "العصا" المخصوصة بموسى. وقد تكون ما للسؤال عن الصفة عند السكاكي، وقد ذكر صفة العصا في جوابها وهي: "التوكؤ عليها والهش بها" كأنه حملها على الجنس، فأجاب به في ضمن فرد، ثم قال: لعلّ الله سألني عن الصفة، فجاء بالصفة.
112 سورة طه جزء من الآية 18 - الآية الكريمة (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّا عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا قارب أخرى لة (1/104)
صفحة 105
11
•
ويذكر للتهويل نحو: "أمير المؤمنين يأمرك بكذا إذا كان لو قلت: "آمر لك بكذا" لفهم، فذكر اسم الأمير باسم الإمارة للمؤمنين تمويلا على المخاطب ليمتثل أمره، ولو ذكرته باسم آخر لا يفيد ذلك وكان مسندا إليه ـ لكان كحذفه مثل أن يكون اسمه زيدا فتقول: "زيد يأمرك" أو يأمرك "زيد" و لم أقل لإظهار التهويل لأن فرض الكلام في إفادة التهويل بذكر المفيد للتهويل، فالتهويل المفاد بالذكر زائد على التهويل الحاصل مع الحذف أو بذكر الذات بالاسم الذي لا إشعار له بالعظمة. والتهويل بلفظ يشعر بها تهويل مظهر فإنّ الإمارة تفيد العظمة مطلقا، بخلاف لفظ "زيد" فإنه لا إشعار له بلفظ العظمة إلا من حيث دلالته على الذات المعظمة، هذا ما ظهر لي في تحقيق المقام. فلا حاجة كما قيل إلى ذكر لفظ إظهار لزيادة، بيان ويذكر أيضا لإظهار التعجب كقولك: " الصبي قاوم الأسد " ولو قلت: " مقاوم الأسد " بحذف الصبي أو ذكرت الصبي باسمه وهو - زيد مثلا لم يفد أنّ المتكلّم قد تعجب من مقاومته إلا بدلالة الحال التي هي كونه في نفس الأمر صبيا ولا إشعار للفظ بها، بخلاف ما إذا قلت: " الصبي قاوم الأسد " فلفظ الصبي مشعر بالتعجب لضعف الصبي في الجملة، فكيف قاوم الأسد؟. ومثل بعض للتعجب بقولك " ما أحسن زيد " أو " زيد يقاوم الأسد " ويذكر أيضا لإشهاد المتكلم السامع على ثبوت المسند للمسند إلية نحو قول الإنسان: " هذا الشيء لفلان " ليقع الإشهاد عليه إذا قال ذلك شهد سامعه، ولا يصح التمثيل بقولك: "فلان شاهد في هذه القضية، وصح التمثيل بأن يقال لشاهد واقعة لينقل عنه ما وقع لصاحب الواقعة عند قصد إشهاد الناقل: "هل باع هذا كذا" فيقول المشهود على شهادته الذي قصد الناقل: "زيد" باع كذا" ليتعين زيد في قلب الشاهد على الشهادة، ويذكر أيضا لتعيين الذي قصد تسجيل الحكم عليه أعني كتابته في السجل، أي: الورقة حتى لا
يجد السامع الإنكار، مثل أن يقول الحاكم: هل" أقرّ هذا على نفسه بكذا " فيقول الشاهد: نعم أقر زيد هذا على نفسه بكذا " لئلا يجد السامع السبيل إلى أن يقول للحاكم عند [التسجيل: "إنما فهم الشاهد أنك أشرت إلى "غيري فأجاب ولذلك لم أنكر ولم أطلب الإعذار فيه] التأخير إلى بيان الأمر [ .... ] رن [ ..... ] أو سمع [ .... ] يذكر نحو مؤذن [ .... ] الله أكبر يقال [ ..... ] شرعا عظيم. والله أعلم.
11
89 (1/105)
صفحة 106
"
باب تعريف المسند إليه بالنداء
نحو: "يا رجلا" لمعيّن فإنّه بمنزلة قولك: "يُدعى هذا الرجل" ببناء يدعى للمفعول)، وهو إنشاء لا إخبار، ولهذا يتبع المعرف المنادى بالرفع، ولكن المشهور التأويل "بأدعو"؛ فالضم في التابع لكون حركة النداء كحركة الإعراب، إذ تحدث بحدوث حرف النداء كحدوث حركة الإعراب لعامل، فالاتباع بالنصب لأنه مفعول به، وعلى الأوّل فالاتباع بالنصب لأنه ولو كان نائب الفاعل لكنه مفعول به في الأصل، وساغ اتباع محله بالنصب لأنه ليس مع حر حرف النداء على صورة المبني للمفعول ونائب الفاعل وعلى الوجه الأخير وهو تقدير أدعو. فتعريفه بالنداء كتعريف المسند إليه لأنّ ما للمسند إليه والمسند من الأحوال هو للفضلة والتعريف في " يا رجل بالنداء للإشارة إلى حصة معينة من الجنس، فهو بمنزلة (اللام (في العهد الخارجي، وربما يقصد منه تعيين الجنس لاعتباره في ضمن كلّ فرد ونحو قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ 113، قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ) 114 بمنزلة الاستغراقي والأصل أي: الراجح في المسند إليه التعريف ليكون الحكم على شيء معين عند السامع، وفي المسند إليه التنكير؛ لأنّ ثبوت معناه لشيء، والتعريف زائد عليه يحتاج لداع، ولأنّ الأصل فيه أن يفاد جاهله، والمجهول يناسبه التنكير. ونكتة تعريف المسند إليه بأي طريق من طرق التعريف قصد المتكلّم إفادة المخاطب فائدة كاملة، ولكل تعريف خاص نكتة زائدة على هذه العامة تراها في أبوابها، إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
المقصود
باب تعريف المسند إليه بالإضمار وهو يكون بضمير المتكلّم إن كان المقام للتكلّم، إذا لم يكن مقتض للعدول نحو: "قمت" (بضم التاء) و " أنا قائم " و" أقوم". وإن كان مقتض للعدول عدل عنه كقول أمير المؤمنين عن نفسه: "أمير المؤمنين يأمرك بكذا " تمويلا للامتثال بدل " أنا آمرك" ويشعر بالتكلّم ضميره لا ضمير المخاطب والغائب، وبضمير المخاطب إن كان المقام للخطاب ولا داعي للعدول عنه، نحو: التاء أو (كسرها و أنت ضارب و تضرب يا "زيد" وإنما يشعر بالخطاب
11
ضربت " (بفتح
11 11
113 - سورة الانفطار جزء من الآية 6 - الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الأَنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)
-
-7
114 شورة الانشقاق جزء من الآية 1 - الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الأنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)
-
90 (1/106)
صفحة 107
ضميره لا ضمير التكلّم وضمير الغيبة وبضمير الغيبة إن كان المقام لها ولا داعي للعدول عنها، نحو:" زيد قام و" هو قائم " و"الزيدان قاما" وإنما يشعر بها ضميرها لا ضمير المتكلم والمخاطب، وإن دعا داع إلى غير ذلك، كنكت الالتفات عدل عنه.
"
واعلم أن الاسم الظاهر من قيل الغيبة، ومع ذلك مثلت لها بما ذكر فيه الظاهر، وعاد إليه ضمير الغيبة؛ لأن مرادي الغيبة في الضمير الراجع إليه لا غيبته وأنت خبير بأن في الخبر الجملي إسنادا، وبين جزءي الجملة وفي المبتدإ معه إسنادا بينهما، وكذا الخبر الوصف، وقيل: لا إسناد بين المبتدإ وخبره فلا يلزم التمثيل بضمير غيبة، رجع إلى غير مذكور لدلالة لفظ أو حال عليه "حتى توارت " أي الشمس و هو أقرب للتقوى " و "ربه "رجلا" و " نعم فتى زيد "، وقيل هذين في نية التأخير عن مرجعهما، وليس كذلك أصل الخطاب أن يكون لمعين مشاهد فصاعدا، فالخطاب بصيغة الواحد لواحد معين، والخطاب بصيغة الاثنين لاثنين معينين، والخطاب بصيغة الجماعة الجماعة معينة أو للجميع، كقوله تعالى اعْبُدُوا رَبَّكُمْ (115 وقوله (أطيعوا ربكم) وذلك أن وضع المعارف على أن تستعمل لمعيّن مع أن الخطاب توجيه الكلام إلى حاضر، ولا يردان المعرف بلام العهد الذهني، لأنه معين في ذهن السامع، ولو لم يعين في ظاهر اللفظ، فليس كما قيل: إنّه لا يكفي إلا أن يستعمل في معيّن في الخارج وظاهر اللفظ، وهو معين ذهنا لا خارجا، وإن سلّمنا فالجواب: أنه حكم النكرة بحسب اللفظ والكلام في معرفة ليست في حكم النكرة، أو أن المعرّف "بلام العهد الذهني" يستعمل في الجنس، وإن كان باعتبار وجوده في ضمن فرد ما غير معين، والجنس معين في نفسه، فلفظ المعرف "بلام" "العهد" يعين المعنى الذي هو الجنس؛ فإذا قلت: "جاء الرجل" لمعهود في ذهن السامع فقد أشرت إلى حقيقة الرجال، فيأخذ منها السامع معهوده. ولا ترد النكرة إذا قلنا: إنها موضوعة للجنس لا لفرد ما غير معين، لأنها في هذا القون، وضعت للجنس في غير اعتبار التعين، ولو تحقق إنّما اعتبر في المعرف (بلام العهد)، مع أن الصحيح: أن النكرة وضعت لفرد غير معين بقي ما إذا وجه الخطاب لواحد من الجماعة مبهم فإنّه غير معين، وأما الحضور فهو حاضر الجواب: أنه يكفي تعيينه في ذهن المتكلم.
115 البقرة جزء من الآية -21 - الآية الكريمة يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ
-21
91 (1/107)
صفحة 108
وقد يكون الكلام موجها إلى معين غير مشاهدة بفتح الهاء تنزيلا منزلة المشاهد، نحو:
116
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وقد ينزل الغائب منزلة الحاضر وذلك لغرض - كما يأتي في الآية إن شاء الله تعالى ـ، وقد يؤتى بالخطاب لغير معين ليعلم كلّ من يصلح له على سبيل البدل لا الشمول بمرة؛ لأنّ الخطاب لا يخرج عن أصل وضعه من كل وجه حتى يكون كالنكرة في العموم تارة للبدلي وتارة للشمولي، بل يصاحبه الإفراد المناسب للتعيين، وللإشارة إلى أنّ العموم فيه هو العموم الذي هو أصل هذا الأصل، فإنّ الضمير في الأصل وضع وضعا عاما بدليا؛ (فأنت) وضع لتخاطب به "بكرا" أو "عمر" أو غيرهما ممن تشاء؛ فإذا استعملته في "بكر" مثلا فهذا أصل ثان وفيه تعيين، وإذا قلت: "أنت" تجزى بما عملت وأردت به كلّ مكلّف كان عموما بدليًا بمعنى أنك استعملته ليتأوّله كلّ أحد على حدة لنفسه لا على معنى أنتم بالشمول. وذكرت من مصاحبة الإفراد إنّما أردت به في صيغة ضمير خطاب الواحد، فإنّ المتحقق أنه يجوز استعمال صيغة الاثنين أو الجماعة في العموم البدلي أيضا فيصاحبها التثنية أو الجمع المناسب للتعيين – على حد ما مرّ آنفا - كقولك: "أنتما تبعثان وتسألان عما فعلتما في صحبتكما" تشير إلى كل اثنين كل اثنين على حدة "وأنتم تبعثون وتُسألون" تشير إلى كلّ جماعة كل جماعة على حدة تصاحبوا، كذا ظهر لي.
ثم رأيت ما يفيده لبعض، ولكنه استظهر أنّ العموم معنى في الجمع في مثل ذاك لا بدلي، ونظير ذلك عندي في باب لا النافية للجنس جزما، إذ تقول: "لا" "رجلين" تريد نفي جنس تثنية رجل، "ولا رجال" تريد نفي الجنس جمع رجل، أي: لا تجد رجلين كائنين ما كان، ولا رجالا كائنين ما كانوا؛ كأنه قيل لا فلانا وفلانا، ولا فلانا وفلانا، وهكذا، وكأنك قلت: "لا ثلاثة من الرجال ولا ثلاثة أخرى ولا ثلاثة أخرى، وهكذا لا جماعة من جماعاتهم، كما تقول:" لا رجل"
بنفي كل فرد فرد.
116 - الفاتحة الآية
92 (1/108)
صفحة 109
117
ومن تعميم الخطاب قوله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: لو ترى يا كلّ من تأتي منه الرؤية لأنّ حالهم تناهت في الظهور لأهل الموقف من الخجل والذل واسوداد الوجه وغيرته، ولو - وإن كانت للامتناع من الرؤية لكن إدخالها للإشعار بأنّ رؤية حالهم مع عمومها تكاد تمتنع لفضاعة حالهم وعدم وفاء طاقة أحد بمشاهدتها، ومطلق النفي لا يمنع المسألة، لأنّ الحكم في النفي والإثبات في إرادة العموم البدلي سواء. والله أعلم.
علما
معنى العلمية: كونه علما
باب تعريف المسند إليه بالعلمية
وتفسيرها بإيراده علما تفسير باللازم البياني، إذ يترتب على كونه إيراده علما، أي: الإتيان به علما، أو تفسير بالمسبب، وليس كما قيل: إن العلمية مصدر المتعدّي، لأنّ العلمية) بفتح اللام (نسب إلى العلم النحوي (بفتحها أيضا)، وهو من معنى العلامة، وهو لازم والمتعدي علم بالتشديد أي: ميزه وجعل عليه أمارة، وعلمت الاسم (بالتشديد) جعلته، علما، والعلم مبسوط التعريف في النحو، وعرفه السعد [التفتازاني] بأنه وضع لشيء مع جميع مشخصاته) بكسر الخاء)، ومشخص الشيء ما يميزه، والمراد: أحواله اللازمة التي ليس من شأنها أن تتبدل، وبها يمنع نفس تصوّره من وقوع الشركة فيه، فلا يكون مجازا تتبدل أحواله غير اللازمة بعد "فزيد" إنّما وضع علما للإنسان الذي هو أبوه فلان وأمه فلانة وجسمه هو الجسم الذي هو عليه فلا يضره نطقه بعد عدم النطق، وكبر جسمه بعد صغره، وغلظه بعد رقته وبياضه وحمرته بعد أن لم يكن كذلك. وهكذا وإن سمي الولد قبل أن يولد أو يرى فمشخصاته هو كونه ولد فلان وفلانة وأنه. هو كونه ولد فلان وفلانة وأنه هو ذاك الجسم المخصوص، فإنه يكفي معرفة المشخصات إجمالا، ولو على سبيل الظن والعادة، ولا يضر التخلّف مثل أن يتصوّره بخمس أصابع وهو بستة. والمراد بالمشخصات: ما يعم الذهنية فيدخل علم الجنس، وواضع العلم لشيء كواضع اللغة. وخرج بقوله:. وضع سائر المعارف لأنّ واضع اللغة وضعها كليات، وإنما تكون جزئيات باستعمال المتكلّم بها في شيء معين، فالواضع وضع لفظ الرجل بأل. لكلّ من عُرف من
-
117
سورة السجدة الآية جزء من 12 – الآية الكريمة (وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ)
93 (1/109)
صفحة 110
الرجال، والذي قام لكل من عهد بالقيام وأنت لكلّ ذكر تخاطبه، وهكذا فتستعمل أنت ذلك في مسمّى لفظ زيد فيكون جزئيا معينا باستعمالك.
لكذا
ومعنى
وقيل: سائر المعارف جزئيات [ .... ] واسع [ ..... ] كالعلم وعليه [ ..... ] إلا أن يقال: المراد وضع لشيء من حيث أنّ ذلك الشيء هو نفسه، فهذا خاص بالعلم، وأما سائر المعارف فوضعت لشيء لا بالذات بل لكونه عهد بكذا أن الصحيح أنها وضعت كليات. القول إنها وضعت جزئيات إنها وضعت لحقائقها، أو إنّ الواضع وضع كذا ليستعمله زيد وعمرو لكذا ـ وهكذا ولو لم يعرف بمجيء هؤلاء بعد، وإن كان الواضع هو الله ـ وهو الصحيح - فهو عالم جزما، وإنما يؤتى بالمسند إليه علما ليحضر مسماه في ذهن السامع ولو على وجه عام باسم خاص به. ومعنى إحضاره" التفات النفس إليه فلا يشكل ما إذا حضر فيه قبل سماع لفظه وبقي حين السماع، فإنّ النفس إذا سمعت اللفظ التفتت إلى مسمّاه ولو كان حاضرا فيها، ودخل بالإحضار بالوجه العام ما إذا كان مسمّى العلم غير معلوم عند المخاطب على الوجه المخصوص، كمن تسمع به و لم تره ولفظ الجلالة علم، ولا يدرك الله جل وعلا إلاّ بصفاته. وعلم الجنس مع كون علميته غير حقيقة يعتبر فيه حضور تشخصات الماهية الذهنية والضمير، ولو كان يحضر المتكلّم أو المخاطب أو الغائب في ذهن السامع، لكن ليس اسمه مختصا به وكذا سائر المعارف، وكذا إذا حضر باسم لاختصاص عارض مثل أن تقول: " جاء رجل حاكم بين القوم " إذا لم يكن في البلد إلا حاكم واحد، وحاكم نعت و"جاء رجل حاكم القوم" و"حاكم بدل ولو كان مشتقا. والمعارف غير العلم مشتركة في هذا المعنى، ألا تري ضمير الغيبة يحضر مسماه في القلب بواسطة تقدّم مرجعه أو استحضاره بوجه ما، وضمير الخطاب أو التكلّم يحضر مسماه بقيد مشاهدة التكلم أو الخطاب أو ما يجري مجراها، وأنّ الموصول يحصر مسماه لعارض المعرفة بصلته والمعرّف) بأل (العهدية لعارض العهد، والمضاف لعارض الإضافة.
أن
وما ذكرته كاف عن أن يزاد قيد الأولية بعد قولي " ليحضر " مثل أن أقول: ليحضر أو لا مسماه ... الخ، احترازا ما إحضاره ثانوي لا أوّلي وهو المعرّف بالعهد الخارجي أو الصلة أو الإضافة المعهودتين خارجا، فإنه لا حاجة إلى هذا الاحتراز، مع أنّ قولي" باسم خاص" مخرج
94 (1/110)
صفحة 111
لذلك ولكلّ ما يستحق الإخراج، وأيضا الإحضار بالمعرف بذلك، قد نقول: إنه ليس ثانويا بل أولي، لأن الإحضار الأولي فيها ليس لفظيا بل ذهني والكلام إنّما هو في الإحضار باللفظ والمعرف (بأل العهدية (بعد ذكره بصيغة نكرة، إنما أحضر الحضور المراد هنا إلا عند ذكره ثانيا (بأل)، وأيضا ليس المعتبر في العهد تقدّم الذكر فقط، بل تقدّم الإحضار حصل الذكر أولا أم
لا.
وإن قلت: أي فرق بين العلم وغيره من المعارف من حيث التقدم، فإنه كما يتقدم العلم بالصلة مثلا يتقدّم العلم بالوضع في العلم، قلتُ: العلم يكفي فيه الوضع ولو جهله جاهل. ومن الأعلام لفظ الجلالة، وأصله القريب الإله والبعيد الأصيل، إله حذفت الهمزة مع حركتها تخفيفا على خلاف القياس، فأدغمت (لام أل (في) لام إله (إدغاما قياسيا، لأنّ الساقط لغير تصريفية قياسية كالعدم، وإنما كان الحذف على خلاف القياس لتعاصي الهمزة ببقاء حركتها
الحذف.
ale
معها مع عدم تقدّم همزة متصلة بما عن والأصل في الحرف المتحرك ألا يحذف، وقد يحذف كما في الترخيم، وإن نقلت حركة الهمزة إلى لام) (أل) فحذف الهمزة قياسي لعدم حركتها والإدغام غير قياسي، لأنّ المحذوف القياسي كالثابت فهو كالفاصل بين المدغم والمدغم فيه فلا يكون المتحركان المتجانسان في كلمة واحدة من كل وجه، لكن ليس من شرط الإدغام الكلمة الواحدة. نعم، هي شرط في الإدغام الواجب، بل (أل) كلمة على حدة ولو نزلت منزلة الجزء من مدخولها، حتى إنه يتخطاها العامل نعم بعد العلمية جزء تحقيقا لأنّ العلم مجموع (أل) وما بعدها، فإذا اعتبرت أن وجوب الإدغام بعد العلمية كان الإدغام قياسيا، لأنّ ذلك كله كلمة واحدة، بل أيضا (أل) عوض عن الهمزة المحذوفة فهي بمنزلتها، فذلك كلمة واحدة تنزيلا؛ فوجوب الإدغام قياسي. ومعنى كون (أل) عوضا أنه قصد تعويضها بعد أن كانت غير عوض في لفظ "الإله"، بل قيل لم تتمحض للتعويض، بل هي له وللتعريف، ويدلّ للتعويض دخول حرف النداء وجواز قطع همزتها معه، تقول: "يا الله وقيل المعوّض (اللام والهمزة تابعة وأما الإله فتعريفه (بأل)، وقيل: هو علم أيضا لله تعالى يطلق على غيره إطلاق النجم على غير الثريا فحذفت الهمزة وكان الإدغام المزيد الاختصاص به، فلا يطلق على غيره أصلا والغلبة حينئذ تقديرية وذلك أن الإله والله علمان
11
?? (1/111)
صفحة 112
بالغلبة على المفهوم الكلّي الذي هو مطلق المعبود بحق ولو استحال عقلا ووجودا تعدده، وكونه غيره تعالى. وقيل: الإله اسم للمعبود ولو بإطلاق، وإنما صح أن يقال لفظ الجلالة علم بالغلبة، مع أنه لم يوضع لكلي ولم يستعمل في غيره تعالى، فضلا عن أن يكون بالغلبة التحقيقية، ولم يوضع المفهوم كلّي، واستعمل في الفرد المعين حتى يكون بالغلبة التقديرية، لأن أصله الإله الذي هو علم بالغلبة تحقيقا؛ فهو بمنزلة العلم بالغلبة التحقيقية، ومن قال: الله علم بالغلبة التقديرية نظر في قوله بالغلبة إلى وضع أصله الكلّي، وفي قوله التقديرية إلى عدم استعماله لغيره تعالى. وقيل أيضا: لفظ الله غير علم بالأصالة ولو كان قد يجعل علما بالغلبة، بل اسم لمفهوم هو الواجب لذاته، وهو من لا يحتاج في وجوده إلى غيره، فليس بحادث أو لمفهوم هو المستحق لكون غيره عبد إله، وكل من المفهومين كلّي وضعا انحصر في فرد خارجا وعقلا ورد بأنه لو كان كليا لم يفد التوحيد في لا إله إلا الله، والجواب: أنه أفاده بواسطة انحصاره في الفرد بالغلبة. والله أعلم. ويؤتى بالمسند إليه أيضا علما لتعظيمه أو لإهانته، أو تعظيم غيره أو إهانته، سواء أكان علما لفظه لإهانة أو تعظيم أو لقبا؛ فإنّ اللقب لضعة مسماه أو لرفعته، أم كنية؛ كقولك: ركب علي بن زيد وهرب معاوية بن، عمرو، فإن لفظ "علي من العلو يدلّ على التعظيم، ولفظ "معاوية" من العي، وهو: العجز يدلّ على الإهانة أو من عاوى الذئب آخر يعاويه وفيه إهانة، وكلاهما غير لقب فيما يظهر ولو احتملا اللقبية وذلك أنّ الأعلام قد تتضمن المدح أو الذم، وإن لم يقصد في وضعها إلا تمييز الذات لكونها منقولات من معان شريفة أو خسيسة" ككلب" ونحو" محمد "، أو لاشتهار مسماه بصفة مدح أو ذمّ "كحاتم" و"مادر" علمين لغير صاحبيهما الأولين. ومثال الكنية: "جاء أبو الخير وأبو الفضل، وأبو الشر، وأبو الجهل"، ومثال تعظيم غير المسند إليه وذمه
11
بالمجيء بالمسند إليه علما "أبو الفضل صديقك " مدحا للمخاطب و" أبو الجهل رفيق عدوّك ذما لعدوّك. والله أعلم. ويؤتى بالمسند إليه أيضا علما ليفيد الكناية عن معنى يصلح العلم له بحسب لفظه قيد بالعلمية كقولك: " أبو لهب فعل كذا، كناية عن كونه جهنميا؛ فإن معناه بحسب الوضع المجازي قبل وهو المعنى الإضافي ملازم النار وملابسها وليس المراد المعنى الحقيقي الذي هو أنه "أبو
العلمية
96 (1/112)
صفحة 113
النار" والنار بنته، فإنّ هذا لا يصح قصده، فهذه كناية عن كونه جهنّميا مبنية على معنى مجازي، ويلزم لزوما عرفيا من كونه ملابس النار أنه جهنّمي. واللزوم العرفي ويقال له البيان أن يكون المعنى بحيث يصلح الانتقال منه إلى الآخر، و «اللهب أعم من لهب جهنّم، ولكن يصلح الانتقال من العام للخاص الذي هو هناك لهب جهنم. وقال عصام الدين في أطوله على القزويني كالسعد في مطوّله: اللهب الحقيقي لهب وليس كذلك فيما يظهر بل اللهب حقيقة في لهب مطلق النار، وأبو لهب" باعتبار الوضع العلمي مستعمل في الشخص المعين، وينتقل منه بسبب التفاوت الذهبي عند استعمال هذا الفظ باعتبار وضعه الأصلي إلى ملابس اللهب لينتقل منه إلى أنه جهنمي، فهو كناية عن الصفة بالواسطة
جهنم
118
•
وقال عبد القاهر: لم يطلق الاسم إلا على الشخص المسمّى "بأبي لهب" لكن ينتقل منه إلى معنى ملازم اللهب لينتقل منه إلى "الجهنمي" وذلك انتقال] من الملزوم وهو "ملابس النار" إلى اللازم وهو "الجهنمي"، أو بالعكس على الخلاف في الانتقال عند الكناية. وهذا قدر لا بد منه في الكناية؛ أعني كون الانتقال فيها إنما هو من المعنى المستهلّ فيه اللفظ ولو بواسطة أو وسائط، والمعنى الإضافي لازم للعلمي لزوما عرفيا بالانتقال، بل لهم قدر كاف دون ذلك؛ وهو أنه يستحضر عند استعمال اللفظ في المعنى العلمي وهو ذات ذلك الكافر المعنى الإضافي؛ لأن للنفس بواسطة سماع اللفظ التفاتاً إلى المعاني الأصلية عند الاستعمال في المعاني الحالية، فينتقل عن المعنى الإضافي إلى لازمه. وعلى كل حال العلم مستعمل في معناه الأصلي، وهو ملازم النار لينتقل منه إلى لازمه، وهو الشخص المعين من حيث شخص معين، كذا قيل. ويبحث بأن اللائق أنه استعمل في معناه العلمي ملتفتا معه إلى المعنى الأصلي ليتوصل به إلى لازمه.
وأما أن يراد "بأبي لهب" غير الشخص المسمّى به بل "جهنمي "آخر" كما يقال: "جاء حاتم" ويراد لازم له وهو جواد آخر غير "أبي عدي" حتى يكون العلم [مستعملا] في نفس اللازم، فلا يصح التمثيل به للكناية، لأنه حينئذ استعارة تصريحية أصلية، وقيل: تبعية لعلاقة المشابهة في الكفر والجهنمية - أو مجاز مرسل من إطلاق المقيّد على المطلق الواقع في ضمن مقيد آخر،
118
- ينظر الإيضاح ص 42 و المطول.
ص
97
99 (1/113)
صفحة 114
كإطلاق المشفّر المقيد بشفة البعير على مطلق الشفة الواقع في ضمن شفة الإنسان؛ فإن نظرت على خصوص المقيّد الأخرى متفرعا على مجاز آخر. فالأوّل من إطلاق المقيد على المطلق، والثاني بالعكس. ولا يصح التمثيل به للكناية أيضا، إذ لو كان المراد ذلك لكان قولك: " فعل كذا هذا الرجل" مشيرا إلى كافر قاصدا إلى أنّ الفعل صدر من غيره، وقولك: "فعل كذا أبو جهل" كناية عن الجهنّمي والجهنّمي لازم للكافر ولأبي لهب ولا قائل بأنه كناية، واعترض بأن اللازم على كون المراد ذلك صحة القول به في المواضع الأخر لا القول به بالفعل، وإن أُريد منع الصحة لم يصح المنع ولا يضر أن أحدا لم يقله، قيل ويدلّ على أن ذلك فاسد تمثيل صاحب
"
119
المفتاح وغيره لهذه الكناية بقوله تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ ولا شك أنه ليس المراد في الآية كافرا آخر وإلا كان استعارة لا كناية والمسند إليه فيها في الحقيقة "أبو لهب" لأنّ " يَدَا "مقحم وجه إقحامه أن جل الأعمال باليدين، وإذا هلكتا هلك صاحبها. وقد يقال: المراد " بأبي لهب ' في التمثيل به في غير الآية الذي اشتهر اتصاف المسمّى به في ضمن هذا اللفظ، وحينئذ فلا يحتاج إلى اعتبار المعنى الأصلي والانتقال منه إلى لازمه، بل ينتقل إلى ذلك اللازم من مسمّى اللفظ الذي هو الذات المخصوصة لاشتهار اتصافها به في ضمن هذا اللفظ، وحاصله أن أبا لهب كناية عن صفة مسمّاه، فلا يكون استعارة. فيجب أن تعلم أن أبا لهب" إنما يستعمل هنا في الشخص المسمّى به لا أن ينتقل منه إلى جهنمي، كما أنّ طويل النجاد يستعمل في معناه الموضوع له لينتقل منه إلى طول القامة، وذلك أنّ انتسابه إلى لهب النار يدلّ على ملابسته إياها. والله أعلم.
ويجاء بالمسند إليه علما للتلذذ بذكره تحقيقا، أو لإيهام التلذذ ونسوا في التلذذ وإيهامه المتكلم أو المخاطب أو السامع، كقوله [أي مجنون ليلى 120]: [من البسيط]
-
119
120
- سورة المسد الآية 1
- قيس بن الملوح بن مزاحم العامري المتوفي 68 هـ، شاعر غزل من المتيمين من أهل نجد. لم يكن مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب (ليلى بنت سعد). قيل في قصته: نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، فيُرىَ حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وجد ملقى بين أحجار وهو ميت فحمل إلى أهله. وكان الأصمعي ينكر وجوده ويراه اسماً بلا مسمى. والجاحظ يقول: ما ترك الناس شعراً، مجهول القائل فيه ذكر ليلى إلا نسبوه إلى المجنون. ويقول ابن الكلبي: حدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من
98 (1/114)
صفحة 115
ليلاي منكنَّ أَمْ لَيْلَى من البشرِ
بالله يا ظبياتِ القاعِ قُلْنَ لنا قال: إنّ ليلى من البشر"، ولم يقل: "أم هي من البشر"، ولم يقل: "أم من البشر" للتلذذ بذكر اسمها أو للتبرك به نحو: " الله الهادي " و " محمد الشفيع " إذا قلت ذلك بعد ذكرهما قبل، لأنه يمكن أن تقول: "ربي الهادي" و "نبي "الشفيع ذكرا قبل أو لم يذكر، فأردت التبرك بلفظ الجلالة ولفظ محمد، أو لإيهام التبرك، أو للتفاؤل أو إيهامه، نحو: "سعد في دارك"، أو للتطير أو إيهامه، نحو: "السفاح في دار عدوّك"، أو للتسجيل على السامع، وهو الضبط عليه والاحتفاظ كأنه كتب عليه في السجّل، أي: في الكتاب ما يحافظ عليه لئلا يقدر على الإنكار، نحو: "زيد له عليك ألف" فيقول: "نعم" فذكرت زيد" بدل ذكر ما ينوب عنه "كابن فلان" أو "هذا". وللتنبيه على غباوة السامع، نحو: " الله فرض عليك كذا بحيث لو قلت ربّك أو خالقك أو نحو ذلك أو فرض عليك كذا الفهم. وقد ينبه أيضا عليها بغير العلم كربك وخالقك. والله أعلم.
أنه
باب تعريف المسند إليه بإيراده اسما موصولا
وفي الموصول شبّه باللقب في الدلالة على الذم والمدح؛ ولذا قدّمته على اسم الإشارة مع أنّ اسم الإشارة زاد عليه في التعريف، وأما المعرّف بأل) (العهدية ففي رتبة الموصول يعرف المسند إليه بإيراده موصولا لعدم علم المخاطب بالأمور المختصة به سوى الصلة فيكون معروفا بالموصول والصلة، نحو: "الذي دخل البلد رجل عالم" تخاطب به من رأى زيدا مثلا دخل البلد ولا يدري زيد، فلو قلت له: "زيد" رجل "عالم لم يعلم من هو فعبرت عنه بما عرف به ذاته وهو دخول البلد إذ شاهد دخوله ومرادي بالاختصاص: أن لا يوجد ما يمتاز به في غالب الناس، ولو ء بالمسند نكرة ووصف بتلك الصلة لأفاد مقصودا، ولكن إذا كان الغرض بعهد جيء به موصولا، وحكم الموصوف بالموصول كالموصول، نحو: الرجل الذي دخل البلد رجل عالم "إذا كان غرض في ذكر الموصوف ذكر، وكذا إذا كان الغرض في التعبير بطريق غير الموصول عبر ما يفيد الغرض، مثل: "داخل البلد اليوم رجل عالم، وإذا لم يكن للمتكلّم أَوْ لَهُ وللمخاطب
الصلة
جيء
بني أمية كان يهوى ابنة عم له. وقد جمع بعض شعره في (ديوان). وصنّف ابن طولون (المتوفى سنة 953 م) كتاباً في أخباره سماه بسط سامع المسامر في أخبار مجنون بني عامر).
99 (1/115)
صفحة 116
علم بغير الصلة فالفائدة قليلة، نحو: "الذين في بلاد المشرق لا أعرفهم" أو "الذين كانوا معك أمس لا أعرفهم وذلك أن عدم معرفتهم معلوم، فيكون مثل هذا الكلام لغوا لا يقع فيه معتبر، وإنما لم أقل بعدم الفائدة لأنه لا يخلو عن فائدة وأقلها عدم المعرفة بهم ولكن فائدة قليلة؛ وذلك أن المفروض لا يعلم شيئا من الأمور المختصة سوى الصلة، فلا يكون الحكم من المتكلم إلا بالأمور العامة؛ والحكم بالأمور العامة قليل الفائدة، لأنّ الغالب العلم بما، بخلاف ما إذا لم يكن للمخاطب علم بما سوى الصلة، فإنّ المتكلّم يجوز أن يكون عالما بالأمور المختصة بالمسند إليه فيحكم بما عليه، فتكثر الفائدة. وما قيل: إنّ في قولنا الذين في بلاد الروم يكرمون العلماء" أو " الذين في بلاد المشرق "زهّاد" فائدة تامة ليس بشيء، لأن فيه علما للمتكلم بأمر مختص سوى الصلة وهو الإكرام أو الزهد. والله أعلم.
121
"1
ويؤتى بالمسند إليه موصولا أيضا لاستقباح التصريح باسمه الذي هو نوع من أنواع العلم كان المسند إليه عظيما أو حقيرا أو لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام بالموصول والصلة، كقولك: " جاء الذي لقيته أمس " تريد رجلا اسمه الكلب فكرهت ذكر الكلب لنفسك أو لحال المخاطب أو لحال الزمان أو المكان كالمسجد، وكقوله تعالى {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسه 121 لم يقل وراودته امرأة العزيز أو راودته زليخا وهو بفتح الزاي وكسر اللام كما في القاموس والمشهور، وقال بعض من [ ...... ] علي البيضاوي بضم الزاي وفتح اللام) لاستقباح ذكرها في مقام طلبها الزنا مع أنّ لها شرفا وتوبة، أو لزيادة التقرير فإنّ القصد المسوق له الكلام تنزيه يوسف عن مقاربة الزنا، و" وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا " أدلّ على هذا الغرض من " وراودته امرأة العزيز "، أو " وراودته زليخا " لأنه إذا كان في بيتها وتمكن من فعل مرادها مع أنها تطلب ذلك المراد، وأنها في غاية من الجمال والزينة، كان غاية في البعد عن الفحشاء. وقيل تقرير للمسند وهو "المراودة" لما في كونه في بيتها من فرط الاختلاط والألفة، أي إن المراودة وقعت وثبتت لتيسرها بكونه في بيتها مقهورا تحتها. وقيل: تقرير للمسند إليه وهو زوجة العزيز؛ إذ لو قيل: "وراودته امرأة العزيز" لم يعلم أنها التي هو في بيتها ولعلّها امرأة أخرى للعزيز.
121 ـ يوسف جزء من الآية 23 - الآية الكريمة {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
10 (1/116)
صفحة 117
أو قيل "وراودته "زليخا لم يعلم أنها زوجته التي هو في بيتها ولعلها غير امرأته أو امرأة أخرى سميت بذلك الاسم الذي هو اسم للتي هو في بيتها، وأيضا لفظ "زليخا " مستقبح في تركيب الحروف يكرهه السمع وينفر عنه. والله أعلم.
والتحقيق ما ذكرته أولا لكون القصد تنزيه يوسف عليه السلام، وكلّ من المسند والمسند إليه لإفادة ذلك المقصود، ولكن لا مانع أن يكون الموصول لجميع ما ذكر من استقباح التصريح باسمها في مقام طلب الزنا، ومن زيادة تقرير القصد المسوق له الكلام وتقرير المسند والمسند إليه وكراهة لفظ "زليخا" لو جيء به، وهكذا لا مانع من اجتماع نكت غير متنافية، ولا يشكل أنه يفاد ذلك بغير الموصول أيضا، نحو: وراودته امرأة هو في بيتها" أو "راودته صاحبة بيته" لأنه اشترط في النكتة أن تختص بطريق تذكر له ولا أن تكون أولى به، بل يكفي أنها تحصل به سواء لم تحصل إلا به أو حصلت به وتحصل أيضا بغيره. وقيل: لا بد أن يكون الحصول مختصا بالطريق أو راجحا به والله أعلم. ومن ذلك قول [صاحب] السقط:
أعباد المسيح تخاف
صحبي
ونحن عبيد من خلق المسيحا
فإنه أدلّ على عدم خوف صحبه من النصارى، من قوله: ونحن عبيد الله " وقيل يؤتى به موصولا ليتوجه ذهن السامع إلى ما بعد كقوله تعالى وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 122 وهو تما يشير على الخير وذلك صحيح.
123
ويؤتى بالمسند إليه أيضا موصولا لتعظيمه بالموصول والصلة والتخويف بهما، كقوله تعالى فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمٌ مَا غَشِيَهُمْ (133 عظم الأمر بكثرة الماء المجتمع وتضمنه أنواعا من العذاب وبالكيفية وخوف بذلك، والماء المجتمع إذا أرسل على طبعه كان في غاية السرعة والإحاطة حتى كأنه قيل: "غشيهم من اليم ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى " ولو قيل: " فغشيهم من اليم ثلاثون قامة " مثلاً لم ينهد ذلك. والله أعلم. وقوله تعالى: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى 124، وقوله تعالى (فَغَشَاهَا مَا غَشَى 125 ومن ذلك قول أبي نواس: [من الكامل]
لا يتخلّص أحد
منهم
122
سورة الزمر الآية 33
123 - طه جزء من الآية 25 - الآية الكريمة (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)
124
النجم الآية 16
101 (1/117)
صفحة 118
ولقد تهزتُ معَ الغُواة بدلوهم وبلغتُ ما بَلَغَ امْرُؤٌ بشبابه
وأسمْتُ سَرْحَ اللهو حيثُ أساموا
فإذا عُصارَةُ كلّ ذاكَ أَيَّامُ.
ويؤتى بالمسند إليه موصولا أيضا لتنبيه المخاطب على خطا غيره، نحو: " إن الذي يظنّه زيد أخاه يفرح الحزنه "، أو على خطأة نفسه أعني المخاطب، كقوله تعالى {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللهِ أَوْتَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفَكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا
127
تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) 127 وكقوله [من الكامل] إن الذين ترونهم إخوانكم
بني
126
يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
وقوله
نبه المخاطبين على خطئهم في ظنهم من يشفيه هلاكهم إخوانا لهم، وهم قوم مخصوصون ظنوهم إخوانهم وهم أعداؤهم هذا ما يتبادر لي وبه يقول السعد 128 [التفتازاني] ولو قيل: "إنّ فلان يشفي غليل صدورهم أن "تصرعوا" لم يكن تصريحا بخطإ المخاطبين، وقال عصام الدين [الإسفراييني]: الظاهر أنه تنبيه على خطا ظنّ الأخوة بالناس أيا كانوا وفي أي وقت كان. وتُرونهم (بضم التاء (مبني للمفعول من رأى " الثلاثي - ومعناه: المبني للفاعل، أي: تظنونهم - لا (بفتح التاء من رأى الثلاثي بمعنى علم؛ لأنّ المروي فيه (الضمّ)، قيل: ولأن (رأى) بمعنى علم، والعلم الجزم المطابق للواقع بحجة وهو منتف هنالك قلت لا مانع من كونه بالفتح بمعنى تظنونهم أو تجزمون بلا حجة أنهم إخوانكم إلا رواية الضمّ و غليل صدورهم" الحقد أو ما في صدورهم من حرارة الغيظ الشبيه بحرارة العطش وتصر عوا" كناية عن الإهلاك أو عن الإصابة بالحوادث. والله أعلم.
ويؤتى بالمسند إليه موصولا للإشارة به وبالصلة إلى أنّ بناء الخبر عليه هو من طريق الثواب والعقاب أو المدح أو الذمّ أو غير ذلك، فيكون الموصول مبتدأ في الحال أو في الأصل، كقوله
125
126
النجم الآية 54
- العنكبوت جزمن الآية 17 - الآية الكريمة إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) 127 ـ الأعراف جزء من الآية 194 - والآية الكريمة إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا
لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ
102
ينظر المطول 101:1، 102
128 (1/118)
صفحة 119
129
،
ففي قوله تعالى "الذينَ
تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي" إشارة إلى أنّ الخبر المبني عليه أمر من جنس العقاب والإذلال، كما صرّح به في قوله "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ". والله أعلم.
وقد تجعل الإشارة بالإتيان بالمسند إليه موصولا مع صلته إلى أن بناء الخبر عليه من طريق
الثواب أو غيره وسيلة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر كقول الفرزدق: [من الكامل] إن الذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنِي لَنَا بَيْنَا، دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
ففي جعل المسند إليه "الذي سمك السماء" إشارة إلى أنّ الخبر المبني عليه يكون من جنس السمك وهو الرفع والبناء وتعريض بتعظيم هذا البناء المسموك، لأنه بناء القادر الذي بنى السماء التي لا يخفى عظمها ورفعها ألا ترى أنّ ذكر الجواد في مقام العطاء يدل على عظمة ما يعطيه بعد الدلالة على أصل العطاء، وهذا التعظيم معرّض به أعني مشار إليه من عرض الكلام، أعني من جانبه، وذلك أنّ التعريض الدلالة على معنى ليس له في الكلام ذكر ومن مطلق التعريض. وليس من الباب قولك: "ما أقبح البخل" إذا خاطبت به بخيلا، تريد التلويح إليه أنه بخيل. وأراد الفرزدق بالبيت الكعبة أو الشرف شبهه بالبيت وسماه بلفظ بيت، وهذا هو الظاهر في مدح نفسه ونسبه في القصيدة و دعائم البيت جمع دعامة بكسر الدال وهي عماد البيت؛ فالمراد بالدعائم ما تعتمد عليه الكعبة تحتها على الوجه الأوّل والذي تعتمد مثلها في العزة وعلوّ الشأن، أو المراد بالدعائم ما بني عليه شرف نسبه أو رجال نسبه والمراد أعزّ وأطول من دعائم كل بيت أو من دعائم بيتك يا جرير، لأنه يخاطبه أو أعزّ وأطول من السماء، أو اسم التفضيل خارج عن بابه، أي عزيزة طويلة.
وإن قلت: لا نزاع في كون هذا الكلام مستعملا على الإشارة إلى كون بناء الخبر من طريق المدح وعلى التعريض بتعظيم شأن الخبر، إلا أنّ تلك الإشارة لا مدخل لها في إفادة تعظيم الخبر أصلا، فليست وسيلة إلى التعريض بالتعظيم وإنّما نشأ التعظيم من نفس الصلة بناء على تشابه
129 ـ سورة غافر جزء من الآية 60 - الآية الكريمة (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عبادتي
130
-
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)
- الديوان دار بيروت للطباعة والنشر لبنان 1984، 155:1
103 (1/119)
صفحة 120
آثار المؤثر الواحد، فكما أن صنعه للسماء صنع عظيم، كذلك يكون بناؤه البيت للفرزدق ومن معه عظيما، ألا ترى أنك لو قلت: "بنى لنا بيتا من سمك السماء لكان التعريض بتعظيم البناء باقيا على حاله، وليس المسند إليه فيه مبتدأ بل فاعل قلت التعظيم المستفاد من نفس الموصول والصلة يحتاج على التوسل بالإشارة المذكورة، والكلام إنما هو في هذا.
وأما التعظيم المدلول عليه بجموع الكلام أو مجموع الصلة والموصول فلا يحتاج إليه، فإنه لا إشارة في "بني لنا بيتا من سمك السماء" لتأخر المشير وإفادة مجموع هذا الكلام أو مجموع الصلة والموصول وهو الظاهر؛ ففي بيت الفرزدق فهم تعظيم شأن الخبر بسبب الإشارة إلى أن الخبر من البناء الرفيع، إذ لولاه لاحتمل أنّ الخبر من جنس البناء الوضيع، فيفوت التعظيم. والله
أعلم.
131
وقد تجعل الإشارة بالإتيان بالمسند إليه موصولا مع صلته إلى أن بناء الخبر من طريق الثواب أو غيره وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن غير الخبر كقوله تعالى الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ (131 ففيه إشارة إلى أنّ الخبر المبني عليه من جنس الخيبة والخسران، لأن تكذيب النبي يوجب ذلك ولا يوجب إلا الشرّ، وفي هذه الإشارة تعظيم لشأن شعيب، حيث كان تكذيبه يوجب الخسران في الدارين. والله أعلم.
وكما يؤتى بالمسند إليه موصولا للإشارة المذكورة، وتجعل تلك الإشارة وسيلة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر كذلك يؤتى به موصولا لها، وتجعل وسيلة إلى الإهانة لشأن الخبر، نحو: " إنّ الذي لا يحسن معرفة الفقه قد صنف فيه " فقولك: الذي لا يحسن معرفة [الفقه قد صنّف فيه أو لشأن غيره]، والكلام على معاملة الفقه. وهذه الإشارة وسيلة إلى التعريض بإهانة تصنيفه؛ لأنه من لا يحسن شيئا لا يحسن تصنيفه فيه والمبني على الجهل شيء قبيح. وقد تجعل تلك الإشارة وسيلة إلى الإهانة بشأن غير الخبر، نحو: إن الذي يتبع الشيطان خاسر" لما كان اتباعه أمرا قبيحا علم أن متبعه قبيح - كذا مثل بعض - وفيه أنه تعلم إهانته من العلم بقبح أتباعه مع قطع النظر
عن جنس الخبر. وأجيب بأنه تُجعل بواسطة الإشارة إلى جنس الخبر إهانته أتم مما تحصل
-
131
به
سورة الأعراف جزء من الآية 92 - الآية الكريمة الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا
كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (1/120)
صفحة 121
أولا، وقد تجعل تلك الإشارة وسيلة إلى تحقيق الخبر في الخارج، كقوله: [أي عبدة بن يزيد
الطبيب]: [من البسيط]
إِنَّ التي ضَرَبَتْ بَيناً مُهَاجِرَةً
"البيت" خبر
"1
بِكوفَةِ الْجُنْدِ غَالَتْ وُدّها غُولُ
132
لفظا تأسف معنى، وضرب "البيت كناية عن الإقامة سواء أحصل مع الإقامة بناء البيت بضرب أوتاده أو بنحو ذلك أم لم يحصل، و "مهاجرة (بكسر الجيم) حال من المستتر في "ضربت" محكية لا مقارنة ولا مقدّرة، ولكن مصاحبة المعنى المحكي مما تسمّى به مقارنة في اصطلاح أسماء الحال، وذلك أنّ "الهجر" متقدم على "ضرب البيت" مستمر إليه، و"الكوفة" (بضم الكاف) البلد المشهور مع البصرة في العراق، وأضيفت "للجند" لإقامة جند كسرى فيها، (الباء) بمعنى " في " متعلّق "بضربت"، و"غالت": أهلكت، وفاعله "غول"؛ – والغول تؤنثه العرب ومعناه: الأمر المهلك، و «الود: الحب، وإهلاك الحب": إزالته. ففي انقطاع المرأة عن صحراء الأعرابي المحب لها إلى كوفة الجند وضرب بيتها فيها إشارة إلى أنّ الخبر من جنس زوال المحبة وتحقيق بزوال الحب وتقرير لزواله في ذهن السامع، حتى كأنه برهان على زواله وليس على طريق البرهان المعتاد، مثل أن يقول: " لو ثبت حبّها لثبتت معي ولم تهاجر إلى الكوفة " ومعنى مهاجرتها: مطلق ذهابها عن صحراء الأعرابي واختيار الكوفة عنها، والمهاجرة: علة لزوال المحبة فيحصل برهانها أو بالعكس فبرهانان اثنان وإن قيل: إن معناها هجرانها له هجران بغض من باب الإشارة أيضا؛ إذ لا يلزم من ذلك أن يخبر بزوال حبّها، فقد يمكن أن يخبر بأنها تتَابَتْ إلى حبّه. وعلى كل حال فيه الجزم بمعنى الخبر المشار إليه لا الجزم بأنه يخبر بزوال الحب،
كان
فافهم.
وليس هذا في قول الفرزدق إن الذي سمك البيت" لأنه ليس في "رفع الله العظيم السماء" تحقيق لبنائه لهم بيتا عقلا ولا عادة، فظهر الفرق بين الإشارة المذكورة وتحقيق الخبر، فإنّ الإشارة
132
ينظر المفضليات 136 والمفتاح 87 و الإيضاح 44 والمطوّل 103:1. صاحب هذا البيت هو شاعر فحل من مخضرمي الجاهلية والإسلام، كان شجاعا، شهد الفتوح وقتال الفرس مع المثنى بن حارثة والنعمان بن مقرن بالمدائن وغيرها. وكانت له في ذلك آثار مشهودة، وله شعر، وهو صاحب المرثية الشهيرة: (وما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه
بنيان قوم تهدما)
100 (1/121)
صفحة 122
إشعار بجنس الخبر مع إمكان إنكاره والشك فيه إلى أن يصرّح به، والتحقيق إثبات لمعناه، ألا ترى أنّ ضَرْبَ البيت بالكوفة مع الهجر معتاد في زوال الحب، وكلما وجد تحقيق الخبر وجدت تلك الإشارة ولا عكس، فقيل بينهما عموم وخصوص مطلق. وإن قلت: الذي يستفاد منه تعظيم شعيب ويتوسل به إليه هو نسبة الخسران إلى مكذبيه في الآية، وإهانة التصنيف مستفاد من عدم معرفة المصنّف بما يصنّف فيه، وإهانة الشيطان من خسران من يتبعه في المثالين وتحقيق زوال المحبّة من ضرب البيت مع هجران قلت: التعظيم المستفاد من الموصول والصلة إنما يكون بسبب الإشارة إلى أنّ الخبر من جنس العقاب حتى يكون تكذيبه قبيحا فيكون هو عظيما، ومثل هذا في الإهانة والتحقيق. والله أعلم.
باب تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة
،
منه من وجه
يؤتى به اسم إشارة ليتعيّن مسمّاه تميُّزا كاملا لغرض من الأغراض، ومن قال لتميزه أكمل تمييز فلعل أكمل في كلامه اسم تفضيل خارجا عن بابه فيكون معناه كاملا، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أو يبقى على بابه فيكون المراد أكمل تمييز بالنسبة إلى ما تحته من المعارف تما المقام لا بالنسبة إلى ما هو فوقه؛ لأنّ كون اسم الإشارة أشدّ معرفة من غيره غير الصحيح، أو يكون المراد أنه أكمل من بعض الوجوه، فإنّه من حيث أن فيه إشارة حسية أكمل في التمييز من غيره، وإن كان غيره أكمل منه من وجه آخر ولا يقال: إذا كان غيره أكمل آخر فلا تختص هذه النكتة به؛ لأنا نقول لا يضرّ ذلك، إذ ليس الغرض انحصار النكتة فيه بل حصولها به، ولو حصلت بغيره أيضا. والأصل في اسم الإشارة فيما قالوا أن يكون المشار إليه مبصرا للمتكلم والسامع، ويكون المتكلم إشارة حسية بيده أو غيرها؛ فاستعمال اسم الإشارة في كلامه تعالى مجاز سواء أكانت إلى المبصر أم إلى غيره لتنزهه تعالى عن الإشارة الحسية والجوارح والتحيز والحلول، والجزئية والكلية. وكذلك استعماله في غير المبصر سواء أكان مما يبصر ولم يبصر لغيبته [ ...... ] بالعقل بغير المبصر بالفعل من المبصرات يحتاج إلى تنزيله منزلة المبصر بالفعل، والمحس غير المبصر إلى تأويله بالمبصر بالفعل، والمعقول إلى تأويله بالمحس ثم المبصر بالفعل، وهذا أولى من قول السيد [الشريف]: السندان غير المحس يحتاج إلى تأويلين تنزيله منزلة المحس، ثم تنزيله منزلة المشاهد،
106 (1/122)
صفحة 123
والمحس غير المشاهد إلى تأويل واحد، وهو تنزيله منزلة الشاهد والذي عندي: أنّ اسم الإشارة حقيقة في المحس مجاز في غيره كما قالوا لكن ليس من وضعه أن يشار معه إشارة حسية بنحو:
11
133
أن
"يد". ومثال الإشارة ليتميّز المشار إليه كامل تميّز قول الشاعر ابن الرومي]: [من البسيط] هذا أبو الصقر فردا في محاسنه من نسل شيبان بين الضَّال والسلم "هذا" مبتدأ و"أبو الصقر" خبره و من نسل" خبر ثان بيان لنسبه بعد بيان حسبه، أو حال ثانية، والأولى "فردا"، أو حال من المستتر في "فردا"، أو "أبو الصقر" عطف بيان، و"من نسل" خبر، ولا يجوز تعليقه "بفردا" على معنى ممتازا منهم، لأنه لا يناسب مقام المدح المقتضي ثبوت الفرد به بالقياس إلى الناس كافّة لا نسل شيبان فقط، إلا أنه يبنى الكلام على ادعاء اشتهار نسل شيبان ممتاز عمن سواهم في المحاسن - والنسل الولد وشيبان قبيلة من قبائل العرب، وهو: شيبان بن ثعلبة - و"فردا" حال من "أبو الصقر" مؤكد لصاحبها سواء جعل "أبو" خبرا أو بيانا- أو حال من "هذا" لأنّ اسم الإشارة في معنى أشير، و"ها" التنبيه في معنى أنبه؛ فالعامل فيه معنى الفعل في اسم الإشارة أو في حرف التنبيه، وقيل: العامل اسم الإشارة أو حرف التنبيه لما فيهما من معنى الفعل. ولا يلزم كون عامل الحال غير عامل صاحبها، لأنّ الخبر في المعنى مفعول لمعنى "ذا" أو لمعنى "ها" و"بين" متعلّق بمحذوف حال من نسل لا من شيبان كما قيل. وقيل: حال من "أبو الصقر" و"الضال" بتخفيف اللام جمع ضالة أو اسم جمعها (بتخفيف اللام) أيضا، و"الضالة": شجرة السدر البري، و"السلم" جمع سلمة أو اسم جمعها، و"السلمة": شجرة العضاة وهي كل شجرة لها شوك عظيم، و"المحاسن" جمع حسن على خلاف القياس وقيل لا مفرد له وقيل جمع محسن (بفتح الميم) اسم مصدر العظيم الممدوح بأنه من أهل البدو - لأنّ فقد العز في الحقير لأنّ عزّهم بفصاحتهم، وكمال فصاحتهم في إقامتهم بالبادية؛ إذ لو تركوها وأقاموا في
133
- ينظر الديوان ابن الرومي، تح: أحمد حسن، دار الكتب العلمية بيروت، ط 1994/ 1، 354:3. هذا البي قصيدته ذات المطلع: (كأنه الشمس ... (وهو مدوّن بالرواية الآتية: هذا أبو الصقر فردا في محاسنه
وهو ابن شيبان بين الطلح والسلم
107 (1/123)
صفحة 124
الحضر وقع الاختلاط بينهم وبين أهل الحضر الذين فيهم أعاجم، فيختلط كلامهم، فيخلّ بفصاحتهم، فيفقد عزّهم.
والذي كنت أفهمه قبل هذا ما قيل: إنّ أهل الحضر ينالهم ذل الحكام ومشقتهم بخلاف البادية، والبادية إلى الآن فيهم عزّة النفس؛ ترى أعرابيا صغيرا أو كبيرا حقيرا أو عظيما ينادي شيخ البلد يا فلان، دون أن يقول: يا أبا فلان ولا يا عمي فلان ولا يا سيدي، أو ما أشبه ذلك. والله أعلم ويؤتى بالمسند إليه اسم الإشارة أيضا للتعريض بغباوة السامع كان لا يدرك إلا المحسوس،
•
كقول الفرزدق: [من الطويل] أُولَئِكَ آبائي، فَحِتَني مثلهم
إِذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامِعُ
فإنه لو قال فلان وفلان وفلان آبائي لم يكن فيه تعريض بغباوة جرير، ومراده: التعريض بها كما عرض بها له في قوله "يا "جرير" بصيغة النداء، أو يقال: لا تعرف أنك المخاطب ما لم تناد، ولاسيما إن قلنا يا للبعيد، فكأنه قيل: لا تعرف أنك المخاطب حتى تنادى، ولا تجيب مناديا حتى يكون نداؤه بصيغة البعد لبلادتك ولا تزال بعيدا. والأمر في " فجئني " للتعجيز على حدّ قوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ 130:أي: لا تقدر على الإتيان بمثلهم في مناقبهم، أي: فاذكر لي مثلهم من آبائك إذا جمعتنا المجامع للافتخار؛ وذكر "المجامع" إشارة إلى أنه بعيد عن الإنصاف مكابرة جدا حتى لو لم يكثر الشاهدون بالحق لادّعى ما شاء. والله أعلم.
ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لبيان حال مسماه في القرب أو البعد أو التوسط، ينظر المتكلّم إلى مقتضى الحال من قرب أو توسط أو بعد، فيعبر بما يفيده كذا وذاك" وذلك»، فيختار لفظه بخصوصه على لفظ آخر شريك في الدلالة على مطلق مسمّاه مثل أن يكون الجائي زيدا، فلو قلت: "قام زيد" لم تُفد قربه أو بعده أو توسّطه، وإذا قلت: "قام" ذا أو ذاك" لأفدت ذلك، فيذكر في النحو أنّ "ذا "مثلا للقريب. وفي هذا الفن أنه يترك التعبير عن الشيء باسمه العلم
134
135
الديوان 418:1
1 - البقرة جزء من الآية 23 - الآية الكريمة (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)
108 (1/124)
صفحة 125
التوسط
راعي
وبالاسم الموصول وغير ذلك إلى التعبير بالإشارة للإعلام بقربه أو بعده أو توسطه، ومن ذكر قبل البعد راعى الترتيب الطبيعي الذي يقتضي القريب ثم المتوسط ثم البعيد]، ومن أخره أن التوسط لا يتصوّر إلا بعد تصور القريب والبعيد معا. ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لتحقير المشار إليه بالقرب؛ فإنّ القرب حينئذ عبارة عن دنو رتبته وسفالة درجته، ووجهه أن الشخص كلّما كان أعلى قدرا وأشرف درجة فاحتياج الوصول إليه إلى الوسائط أكثر وأشدّ عرفا وعادة فارتفاع الوسائط والاستغناء عنها دليل ظاهر على دنو قدره، وصلوح إشارة القرب للتحقير بناء على انحطاط المشار إليه. والقرب قد يطلق على قرب المرتبة ودناءة المحلّ، فيقال: " فلان قريب المحل قريب الهمة " إجراء للأمر المعقول فجرى المحس، والأمر الحقير لا يمنتع عن الناس، بل يكون قريب الوصول سهل التناول واقعا بين أيديهم وأرجلهم، فالحقارة تناسب القرب المكاني وتستلزمه بوجه ما، كقوله تعالى {أَهَذَا الذي يَذْكُرُ الهَتَكُمْ) 136 وقوله تعالى أهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) 137 أشار أبو جهل إلى رسول
137
الله. والله أعلم. ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لتعظيمه بالبعد وصلوح إشارة البعد للتعظيم بناء على مخالطة النفس؛ فإنّه لا يغيب عنها فهو حاضر، وعلوّ الشأن ينزل منزلة بعد المسافة، لأنه يحتاج في الوصول إليه إلى كثرة الوسائط، والأمر العظيم يمتنع على الناس ويبعد عنهم لجلالة قدره ورفع شأنه، فالعظيم يناسبه البعد المكاني ويستلزمه بوجه ما فيعبر عنه بإشارة البعد المكاني، كما أنّ البعد نفسه قد يطلق على بعد المرتبة، فيقال: " فلان بعيد المحلّ بعيد الهمة " إجراء للأمر العقلي مجرى الحسن، واستعمال اسم الإشارة في البعد العقلي أو القرب العقلي مجاز بالاستعارة تشبيها بالبعد الحسي أو القرب الحسي في تفاوت المراتب، أو بطريق المجاز المرسل لأنّ الحقارة تستلزم
136
الأنبياء جزء من 36 - الآية الكريمة (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ الهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ
137 ـ الفرقان جزء من 41 - الآية الكريمة (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)
109 (1/125)
صفحة 126
تنزيلا
قرب المكان والفخامة تستلزم بعده، كقوله تعالى الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ) لعظم درجته ورفعة شأنه منزلة بعد المسافة. والله أعلم. ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لتحقير المشار إليه بالبعد كما يقال في الإنسان القريب "ذلك اللعين فعل كذا" على المجاز الاستعاري أو الإرسالي تنزيلا لعدم صلوحه للحضور والخطاب منزلة بعد المسافة أو لأنّ الشيء الحقير يبعد، ومن شأنه أن لا تلتفت إليه النفس فناسبت الحقارة البعد المكاني واستلزمته - وأنت خبير - من ذلك أنه قد يقصد التفخيم بالقرب بأن ينزل استحقاقه
للحضور ومنزلة قربه لمكان الحضور، والخطاب فيعبّر عنه باسم إشارة القرب وهو بعيد المسافة، كقوله تعالى ربَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا 139 شأن العظيم أن تتوجه إليه الهمة وتطلب ومن
التلفظ
القرب منه والوصول إليه واسم إشارة البعد تصلح لكلّ غائب عن حس البصر معنى أو عيبا على سبيل المجاز عندهم، نحو: "جاءني رجل" فقال ذلك الرجل: "كذا" فسرني ذلك القول منه، ونحو: كَذَلكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ 140 أشار إلى ضرب المثل المتقدم قريبا، وقوله تعالى ذلكَ الْكِتَابُ) 141، ووجه ذلك عندي: أنه ما لا يدرك بالبصر غائب، واللفظ إذا تم وأشير إليه فليس بالحضرة فهو غائب؛ لأنه لا حضور له إلا في حال التلفظ به، وقد فرغ من به، فلو كان متكلّم يتكلّم وآخر يشير إلى كلامه عُدّ حاضرا إن اعتبر كله كالشيء الواحد، وأما أن يشير المتكلم نفسه إلى بعض ما نفسه إلى بعض ما تكلّم به فإنّه يشير بالبعيد، ويجوز في ذلك كله بالقريب والمتوسط اعتبارا لقرب مضى النطق به أو توسطه. والظاهر عندي: الإشارة الذي لا يدلّ على التوسط أو البعد إلا بإلحاق حرف حقيقة في القرب والبعد والتوسط، إذ وضع وضعا كليا للثلاثة، ولكن لما كان القرب هو الأصل حمل عليه عند التجرد، وإذا أريد البعد أو التوسط ألحق ما يدلّ عليه من (كاف) و (لام)؛ (فالكاف) وضع حقيقة للمفرد المذكر
138
اسم
البقرة 1 وجزء من 2 - الآيتان الكريمتان الم " ذلك الكتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) 139 ـ آل عمران جزء من 191 – الآية الكريمة (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقٍ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
140 - محمد جزء من 3 - الآية الكريمة و ذلكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنْ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كذلكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)
141 - البقرة جزء من 2 الآية الكريمة (ذَلكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ)
110 (1/126)
صفحة 127
وغيره، فإذا أريد غيره ألحق ما يدلّ عليه من (ميم وغيره نحو: "أكرمكما الله " و" أكرمكم الله " وأبدلت فتحتها بالكسرة في خطاب المؤنّث نحو: " أكرمك الله " فإذا ألحقت الكاف واللام واستعمل للقريب أو للمتوسط أو الكاف وما استعمل للقريب أو البعيد فالتجوّز إنما هو في الحرف على الاستعارة التبعية أو المجاز [ ...... ] ذلك بغير حرفه، والله أعلم.
ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة للتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما يجيء بعد اسم الإشارة لوصف أو لوصفين أو لأوصاف ذكرت قبله أو بعده، كقوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أَوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأَوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ *) المشار إليه
142
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" وقد وصف بأوصاف متعددة هي: الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق، والإيمان بكتب الله كلها، والإيمان بالآخرة واسم الإشارة الذي أشير به إلى مسمّى "الذين" هو لفظ "أولئك" جيء به مسندا إليه ليدل على أن المشار إليهم تأهلوا بما بعده من الهدى والإفلاح لأجل اتصافهم بالإيمان بالغيب وما بعده، ومحطّ التمثيل "أولئك" في الموضعين؛ ففي الآية مثالان لكن المشار إليه، واحد ومن ذلك قولك: "جاءني الفاضل الكامل زيد" و "هذا يستحق الإكرام" فقد ذكرت الفضل والكمال قبل اسم الإشارة وقبل المشار إليه الذي هو مسمّى زيد وبهما استحق الإكرام، فإنّ قولي: ذكرت "قبله شامل لما إذا ذكرت قبل اسم الإشارة وبعد المشار إليه كما في الآية أو قبله وقبل المشار إليه كما في الآية.
ولا يشترط في المشار إليه أن يكون مبتدأ أو مسندا إليه، فإذا كان "الذين" نعت للمتقين لا مبتدأ فالمشار إليه مسمّى المتقين، ثم إنه لا يخفى أنّ الإشارة إلى الموصوف بتلك الصفات؛ فكأنّ الخبر معلق بالمشتق فيستفاد أن تلك الصفات علّة للخبر، وذلك أنّ اسم الإشارة فيه ملاحظة إلى الذات وما ذكر معها من صفاتها، بخلاف الضمير، فإنّ ملاحظ للذات"فزيد الصالح جاء وهو يكرم" في معنى "زيد" الصالح "جاء" و "زيد" الذي هو مخبر عنه بالصلاح يكرم، و "زيد الصالح يكرم جاء" وذلك يكرم في معنى زيد" الصالح جاء"، و "زيد المتصف الصلاح جاء". والله أعلم.
111
-
- البقرة 5،4،3
142 (1/127)
صفحة 128
باب تعريف المسند إليه بأداة التعريف
المسند إليه يعرف بما للإشارة إلى معهود في الخارج، وأداة التعريف العهدية يزيد تعريفها على تعريف الأداة التي للحقيقة ولذلك قدّمتها، ولطول الكلام على "أل" التي للحقيقة، والمراد بالمعهود: الحصة المعهودة من أفراد الحقيقة وهي الكاملة في المعهودية لوقوعها في مقابلة تعبير
الحقيقة.
وأما مطلق الإشارة إلى المعهود فيتحقق بأداة التعريف الجنسية أيضا، والحصة والفرد والمعهود بمعنى واحد، و"الفرد " في اصطلاح المنطق هو: المركب من الطبيعة الكلية وما ينضم إليها من التشخص، و"الحصة " هي: الطبيعة من حيث إنّها مقيدة بقيد هو خارج وهو التشخص، و"العهد " إنّما هو بين المتكلم والمخاطب. واعلم أن "الفرد " هنا يراد به: ما يقابل الحقيقة فهو صادق بواحد وباثنين فصاعدا وبنوع وبنوعين فصاعدا، مثل أن يقال: "جاء رجل أو رجلان أو رجال " فتقول: " أكرم الرجل أو الرجلين أو الرجال "، كما أن المراد "بالحصة" ذلك، والتعبير بما أظهر؛ لأنّ الفرد يتبادر منه خصوم الشخص الواحد لبادئ الرأي، و"العهد " لغة: الإدراك والمراد لازمه وهو التعيين، فالمعهود هو المعين وسمي خارجيا لأنه ليس في القلب وحده، بل ذكر أيضا قبل في الكلام بلفظه الذي ذكر به في التعريف العهدي أو بغير لفظه، مثاله بلفظه: رجل فأكرم الرجل، ومثاله بغير لفظه: " جاء غلام فأكرم العبد " و " جاء زيد فأكرم الرجل وتقدم ذكره شرط في صحة استعمال العهد لا قرينة على أنّ المراد بالمعرف بعد هو معهود، إذ
"
جاء
يلزم أن يكون استعمال المعرّف فيه مجازا مع كمال التعريف فيه، قيل: من العهد بغير لفظه قوله تعالى رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا}) إلى قوله تعالى) وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى 143 على أن الذكر هو ما توهمته أنه في بطنها وعبّرت عنه بقولها: "ما في بطني" إذ كانوا ينذرون ويحرّرون لخدمة بيت المقدس ما في البطن أن كان ذكرا فما في بطني كناية لغوية عن الذكر أعني أنه لم تصرح به على لفظ ذكر، وقيل أيضا: كناية اصطلاحية على أنها اللفظ المراد به لازم ما
11
143 ـ آل عمران 35، 36 الآيتان الكريمتان فقالتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعَتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ) (1/128)
صفحة 129
144
أن العهد
وضع له، لأنّ الذكر لازم للمحرّر فهو كناية لم يطلب بما صفة ولا نسبة، ولا يخفى الخارجي وضمير الغائب. قال الرضي: واسم الإشارة المستعمل في غير الحاضر عينا أو معنى مستويات في الاحتياج إلى تقدّم ذكر، وأما الأنثى فأداة التعريف فيه دخلت على لفظ ما سبق وليس مسندا إليه، ولكنّ حكم المسند والمسند إليه والفضلات سواء في نكت التعريف والتنكير وغيرهما. والذي عندي أنّ أداة التعريف في الذكر للحقيقة لا للعهد، وكذا يصح في الأنثى لأنه قد تحقق بعد ولادة الأنثى أنه ليس جنينها ذكرا، فكيف تقول: إن هذا الذكر ليس كالأنثى؟ وتشير إلى ذكر غير موجود، ولا يخفى أيضا ضعف قولك: ليس الذكر الموهوم كالأنثى، ولكن لا مانع من جعل أداة التعريف في الذكر للحقيقة وفي الأنثى للعهد، ويجوز أن تكون الأداة فيها للعهد الذهني، ولا يوصف الله تعالى بذهن تعلم ويقال له العهد التقديري، وهو ما علم [بتكلّم] المخاطب والمتكلم بلا تقدّم ذكر وهو مقابل للعهد الحقيقي، وهو ما تقدم فيه ذكر مدخول الأداة بلفظه أو بغير لفظه. والمراد بالمتقدم والمتأخر واحد وهنا أريد بـ"ما في بطني ذكر مخصوص موهوم في بطنها، وأريد بـ"الذكرُ" في "وَلَيْسَ الذَّكَرُ" غير ذلك الموهوم بعينه، فكان ذهنيا ولو ناسبه الموهوم، فعهده ذهني لتعينه باعتبار طلبها لا باعتبار ذكره، ومن العهد الخارجي عند بعضهم نحو: "يا أيها الرجل " و " هذا الرجل " لتقدّم ذكر الرجل قبل بلفظ "هذا" ولفظ "أي" فهو ما تقدّم فيه ذكره بلفظ آخر. وقال الرضي: للعهد الحضوري، ولا يعد الحضوري ذهنيا حيث كان مذكورا بلفظ غير لفظه أو بلفظه، وهنا ذكر بلفظ أيها أو لفظ "هذا "، وإذا كان الحضوري بلا لفظ الستة فقيل خارجي، لأنه بحضور محس، وقيل ذهني لأنه لم يذكر قبل بلفظ، والمشهور الأول. وقال عصام الدين [الإسفراييني]: إنّ الأداة في نحو: "يا أيها الرجل" و"هذا الرجل" لبيان الحقيقة دفعا للالتباس، وتقرّر أن العهد خارجي أو حضوري نحو قولك: "نام الرجل" تريد رجلا حاضرا نام.
144
بـ
- هو نجم الدين محمد بن الحسن الرضي الاسترابادي (686 هـ) أحد علماء العربية المشهورين في طبرستان، له مصنفات عديدة منها: شرح الكافية لابن الحاجب. و. شرح الشافية لابن الحاجب .. ينظر بغية الوعاة 248 و خزانة الأدب 12:1 و الأعلام 318:6
113 (1/129)
صفحة 130
وذهني نحو: "خرج الأمير" إذا لم يكن في البلد إلا أمير واحد، والقرينة حالية وهي انفراده في
البلد.
وعبارة بعضهم "اللام" قسمان: "لام العهد الخارجي" و"لام الحقيقة"؛ فـ"لام العهد" تحتها ثلاثة أقسام، لأن معهودها: إما صريحي: أي: تقدم ذكره صريحا، أو كنائي أي: تقدم ذكره كناية، أو علمي أي لم يتقدّم له ذكر لكن للمخاطب علم به و"لام الحقيقة " تحتها أربعة، لأنّ مدخولها إما الحقيقة من حيث هي هي وتسمّى لام الجنس ولام الحقيقة. و"لام الطبيعة" من حيث وجودها في ضمن فرد معين وتسمّى: لام العهد الذهني، أو من حيث وجودها في ضمن جميع الأفراد التي يتناولها بحسب اللغة وتسمّى: لام الاستغراق الحقيقي أو بحسب العرف ويسمى: لام الاستغراق العرفي.
ثم "لام الحقيقة" أصل، و"لام العهد الخارجي" أصل آخر، وقيل: الأصل "لام العهد الخارجي"، وقيل: "لام الاستغراق"، وقيل: الجميع أصول. وقال حفيد السعد: التحقيق أنّ معنى اللام الإشارة إلى معنى دخلت هي عليه؛ فإن كان اسم الجنس موضوعا بإزاء الحقيقة فالأصل "لام الحقيقة" وسائر الأقسام من فروعها حتى العهد الخارجي، ولهذا احتاج إلى القرينة وهو يقدّم الذكر أو علم المخاطب وإن كان موضوعا بإزاء فرد ما فالأصل "لام الذهن" وسائر الأقسام من فروعه بحسب المقامات والقرائن.
ولام الحقيقة تشير إلى نفس الحقيقة، قال عصام الدين في (أطوله): "اعلم أن المذكور في كلام الشارح المحقق و (الإيضاح) أنّ "لام الجنس" و "لام الحقيقة" بمعنى والمذكور في (حواشي السيد السند نقلا عن بعض الأفاضل أنّ "لام" "الحقيقة" و "لام الطبيعة" بمعنى وهو قسم من لام الجنس يقابل "العهد الذهني" و "الاستغراقي" (اهـ). ومن "لام الحقيقة" اللام الداخلة على المعرّفات، نحو: " الإنسان حيوان ناطق " والكلمة لفظ موضوع المعنى مفرد لأنّ التعريف للماهية واللام الداخلة على موضوع القضية الطبيعية، نحو: "الحيوان جنس والإنسان نوع. ومعنى الحقيقة هو مفهوم هو المسمّى لا الماهية الموجودة فقط. والمفهوم قد يكون مسمى بأن وضع له الاسم والمسمى قد لا يكون مفهوم الاسم بل ما صدق عليه، وقد يجتمعان والماهية الموجودة هي: الهوية الخارجية.
114 (1/130)
صفحة 131
ولام الحقيقة لا يعتبر فيها ما يصدق عليه الاسم من الإفراد وقد يعتبر، ومن ترك الاعتبار، قولك: " الرجل خير من "المرأة" و "الكلّ أعظم من الجزء" و "الدينار" خير من الدرهم"، ولا ينافي ذلك كون بعض أفراد الرجال أو الدنانير أو الكل دون بعض أفراد النساء أو الدرهم أو الأجزاء؛ فإن العوائق قد تمنع عما يستحقه، الجنس، وكم من وقاية خير من عمامة.
وتما اعتبر فيه الإفراد لام العهد الذهني و الام الاستغراق على أنهما من أقسام الام الحقيقة. لكن بالنظر للقرائن. وأما لام الحقيقة غيرهما فلا دلالة فيها على الإفراد لذاتها وقطع النظر عن القرائن وأما بالقرائن فلا يعتبر الإفراد تارة ويعتبر بعضها تارة وتعتبر كلّها أخرى.
والمعرف بـ "الام الحقيقة" الذي هو موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن كثيرا ما يطلق على فرد ما موجود من الحقيقة باعتبار كونه معهودا في الذهن وجزئيا من أجزاء تلك الحقيقة مطابقا لها، كما يطلق الكلّي الطبعي المجرد من "أل" على كلّ جزء من جزئياته. والطبعي منسوب للطبيعة وهي: الماهية لقصدها منه؛ كحيوان من قولك: " الإنسان حيوان" وإنسان من قولك: "زيد إنسان" ونحو ذلك مما أريد به المفهوم وكان محمولا.
قرينة
وما ذكرته من إطلاق المعرّف بلام الحقيقة على الفرد الموجود من الحقيقة إنما هو عند قيام دالة، على أن ليس القصد إلى نفس الحقيقة من حيث أنها مقصودة، ولا من حيث أنها موجودة في ضمن جميع الأفراد من حيث جميع الوجود في بعضها، مثاله قولك: "أدخل السوق" لم ترد حقيقة السوق؛ لأنّ الحقيقة لا تدخل ولا جميع الأسواق التي تشملها الحقيقة، بل فرد من الأسواق من حيث أنه تصورت فيه الحقيقة، أي: صدقت به لا سوق معهود، ومنه قوله تعالى {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئبُ 145، وإذا قلت ادخل السوق" وأردت سوقا ما فلا إشكال، وإذا أردت سوقا من أسواق بلد متعددة بلا تعيين لواحد فكذلك لا إشكال؛ لأنه لا عهد لمعين منها ولو كان عهد محمل بأن يفهم السامع أن الأمر إنّما هو بدخول واحد منها هكذا أيا كان كفى ذلك.
145 - يوسف جزء من 13 الآية الكريمة (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّتْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ
115 (1/131)
صفحة 132
والواحد مطابق للحقيقة ومعنى مطابقته لها صحة حملها عليه وصدقها عليه عند السعد، وقال
كانه
127
ابن الحاجب: معناه اشتماله عليها 14، وعلى القولين فالفرد المبهم باعتبار مطابقته للحقيقة معهود أي معلوم فله عهدية بهذا الاعتبار، فيسمى معهودا ذهنيا، والحقيقة متحدة في الذهن إنّما يلحقها التعدّد بحسب الوجود خارجا.
المعلومة صار
والمعرف بـ"لام الحقيقة " المطلق على فرد باعتبار وجود الحقيقة فيه فهو في الحقيقة إنما أطلق على الحقيقة في ضمن الفرد للقرينة والمعرف بـ"لام الحقيقة المطلق" على فرد ما منها كالنكرة في المعنى غالبا قيل: بعد اعتبار القرينة الدالة على أنّ المراد به فرد من الحقيقة، وأما قبل اعتبارها فلا؛ إذ هو للحقيقة المتحدة في الذهن والحقيقة معرفة لتعينها، ولا حاجة عندي إلى هذه البعدية؛ لأن الكلام مفروض في المستعمل في فرد من الحقيقة بمعلوم خروج الحقيقة منه إذا لم يرد بلفظها فرد، ولو كان إنما يصرف عن الحقيقة الحالية إلى فرد بقرينة لا بد منها. وخرج بقولي: غالباء المصادر التي ليست فيها شائبة وحدة، بل القصد فيها إلى الحقيقة كذكرى ورجعى وبشرى، ذلك المعرف بـ"لام الحقيقة" المطلق على فرد منها، كالمعرفة في الأحكام اللفظية غالبا؛ كوقوعه مبتدأ في الحال أو في الأصل، وذا حال ونعتا للمعرفة، ومنعوتا لمعرفة، وكونه عطف بيان لمعرفة، ومعطوفا عليه عطف بيان بمعرفة، وعدم صحة كونه حالا أو تمييزا أو اسم لا أو نحو ذلك مما يختص بالنكرة والفرق بينه وبين النكرة أو معناها الوضعي بعض غير معين من أفراد الحقيقة، ومعناه الوضعي نفس الحقيقة، وإنما تستفاد البعضيّة من القرينة، كالدخول والأكل في "أدخل السوق" و "يأكله" الذيب"، فإنّ الأكل والدخول لا يتصوران في الحقائق بل في الأفراد، وحاصل ذلك أن معناها الجنس في ضمن فرد ما ومعناها فرد ما منتشر، وذلك إذا قلنا: النكرة موضوعة للفرد المنتشر، وإن قيل: إنها للفرد المفهوم مثل ذلك المعرّف فالفرق أن تعين الجنس وعهديته معتبر في مدلول المعرّف المذكور غير معتبر في النكرة، وإن كان حاصلا وإنما تستعمل في الفرد المنتشر سواء أقلنا وأمّا اسم لا النافية للجنس فهو للفرد، لكل فرد فرد بواسطة لا وكذا حيث تعين العموم بها، وأصل وضعها بدون اعتبار واسطة لا ونحوها فهي داخلة في الخلاف، فذلك المعرف والنكرة
146
هي
له أم للمفهوم، وإنما الخلاف فيما وضعت له.
- ينظر (حاشية الدسوقي) في الشروح 324:1
116 (1/132)
صفحة 133
سواء في إفادة بعض غير معين وإن كان في النكرة بالوضع وفي ذي اللام بالقرينة، ومختلفان في أنّ النكرة وضعت للفرد المنتشر والمعرف للحقيقة المعينة المتحدة في الذهن، وإنما أطلق على الفرد باعتبار وجود الحقيقة فيه أو تصورها به ولكونه في المعنى كالنكرة يوصف بالجملة نحو: (ولقد
147
أمر على اللئيم يسبني) جملة يسبني نعت للئيم، لأنّ "أل" فيه للجنس، وإن قيل حال وهو أظهر لما فيه من الاستعمالات بيان العذر في توصيف المعرف بالجملة، فالجواب: أنه ليس المعنى أنه يسبه حال المرور، بل الغرض أنّ ذلك عادته. قيل: إلا إذا جعلت حالا مؤكدة، وكونه لئيما يناسب ذلك. لكن قوله " ثمت قلت لا ثمت قلت لا يعنيني يناسب الحالية لأن قوله: "لا يعنيني" يحسن صدوره حال سماع السب [لا حال المرور فيمن عادته السب ولو في غير حال المرور، ومعنى"لا يعنيني": لا يريدني بل أراد غيري من عناه معنى قصده، أو معناه: لا يهمني الاشتغال به والانتقام منه من عناه الأمر إذا أهمه. والاستغراق في المسند إليه وغيره قسمان الأول: حقيقي وهو أن يراد كل ما يتناوله اللفظ سواء كان اللفظ حقيقيا أو مجازيا نحو قولك: "أنا أشجع من الأسد المقاتل بسيف أو نحوه" تريد "أشجع "من جميع الرجال المقاتلين؛ فـ "الأسد" مجاز، ونحو: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة (148 أي: كل غيب وكلّ شهادة وهما مجازيان إذ لفظهما مصدر، ومعنى الأوّل اسم فاعل، والثاني اسم مفعول، والمعنى: كلّ غائب وكلّ مشهود أو كلاهما بمعنى فاعل أي غائب وشاهد، ونحو: إنّ الأنسَانَ لَفِي خُسْر 149 أي: كلّ إنسان بدليل استثناء الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر) منه استثناء متصلاً، وهذا لفظ حقيقي. وإنما لم أقل: "ما يتناوله اللفظ بحسب اللغة" ليشمل ما يتناوله اللفظ بحسب الوضع أو العرف أو الشرع، وشمل ذلك قولي حقيقة أو مجازا، وإنّما قلت أن يراد" لأنّ إرادة العموم من اللفظ استغراق به؛ فالاستغراق فعل
147
هذا صدر البيت الذي نظمه عميرة بن جابر الحنفي ورواه البحتري في حماسته، و هو كما يلي:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
فمضيت قمت قلت: لا يعنيني
148 - الأنعام جزء من 73 - الآية الكريمة (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)
149 - العصر السورة: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)
117 (1/133)
صفحة 134
للمتكلّم، كما أنه يوصف به اللفظ، ألا ترى أنك إذا قلت: "علم الله الغيب والشهادة" فقد
استغرقت بلفظ الغيب والشهادة كل غيب وكل شهادة.
الثاني عرفي: وهو أن يراد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف، وهو ما يفهم أهل ذلك العرف العام أو الخاص، نحو قولك: "أحضرت الموازين لتصحح" تريد موازين البلد أو تريد موازين مملكة الإمام، ومثلوا بقولك: "جمع الأمير الصاغة " والمراد: صاغة بلده أو صاغة مملكته - والمملكة ما في تصرّف الملك من البلاد - والصاغة جمع صائغ، وأصله صوغة (بفتح الصاد والواو) فقلبت ألفا لتحركها بعد (فتحة) و"أل" فيه حرف تعريف لا اسم موصول لتغلب الاسمية عليه ولو كانت في مفرده اسما موصولا إذ لو تغلبت الأسمية في مفرده لم يجمع على صاغة، بل قد أقول: إن "أل" في الصائغ والمؤمن والكافر والجاهل والعالم حرف تعريف، وإنّ الاسمية تغلبت لكن لم تتغلّب كلّ التغلب، بل بقيت بعض الوصفية بدليل الجمع على صاغة ومؤمنين وكافرين وجاهلين وعالمين ولو لم يكن الصائغ فيه وصفية لم يجمع ككامل وكملة، ولو لم يكن المؤمن وما بعده فيهنّ، وصفية ثم يجمع جمع المذكر السالم، ولسن بأعلام ولو لم تكن في ذلك وصفية لم ينعت به نحو: " الرجل الصائغ " و"الرجل المؤمن العالم "، ولبقاء الوصفية كانت تلك الألفاظ صفات مشبّهات فليست كالحارث علما. و"أل" في الصفة المشبهة مختلف في كونها اسما موصولا أو حرف تعريف، وكذا في التي في الوصف الباقي على الحدوث، كالقائم الآن أو أمس أو غدا، والصحيح أنها اسم موصول فيه، وحرف تعريف في الصفة المشبهة وجميع أقسام أل، كما تكون في الحرفية تكون في الموصولة وفي الموصولات المشتركات فأل" الموصولة أيضا مما يأتي تارة للاستغراق أو نحو: "أكرم الآتين" وكذا "الذي" ونحوه، نحو: "الذي يأتيك " و" الذين يأتونك " و" التي تأتيك " و" اللاتي
يأتينك".
واعلم أنّ "أل" في الاستغراق الحقيقي تشير إلى الحقيقة لا من حيث هي هي ولا من حيث تحققها في بعض الأفراد بل من حيث تحققها في ضمن جميع الأفراد بدليل صحة الاستثناء المتصل- كما مرّ - وكذا في الاستغراق العرفي فإنّه ولو كان الإطلاق فيه على بعض الأفراد، لكن لا من حيث أنها أفراد، بل من حيث أنها كلّ كأنه قيل جمع فيه تحقيقا فيه الصياغة من أهل بلده أو
118 (1/134)
صفحة 135
مملكته، كذا ظهر لي ولا تجده لغيري وليست أل" "العهدية كذلك فإنّها لفرد أو أفراد من حيث هو أو هنّ بأعيانهنّ كذا ظهر لي أيضا، ثم رأيت الإشارة لذلك - والحمد لله ـ في كلام عصام الدين ويأتي قريبا.
"لام
اللفظ
قال بعض المحققين إن اللام التي للتعريف المعهود الذهني أو لتعريف المستغرق هي الحقيقة" حمل مدخولها على العهد أو الاستغراق أو القرينة، وإن قيل: "لام الحقيقة" إن أشير بها للماهية من حيث هي فلا يمتاز مدخولها عن اسم الجنس الذي لا دلالة على كلية أو بعضية، كـ"ماء" و"لبن" و"عسل" و"بشرى" و "ذكرى" و"رجعى"، أو أشير بها للماهية باعتبار حضورها في الذهن لم تتميّز عن المعرف بالعهد الخارجي، قلنا: لا بد في "لام الحقيقة " المشار بها إلى الماهية من حيث هي من يقصد بها الإشارة إلى الماهية باعتبار حضورها في الذهن لتتميز عن أسماء الأجناس المنكرات لأنّ الإشارة إلى أسماء الأجناس المنكرات لا باعتبار كونها حاضرة بالحضور جزء المسمّى في "لام" "الحقيقة"، نحو: "الرجعى" دون أسماء الأجناس المنكرات، نحو: "رجعى" فالحضور مصاحب فيها وملاحظ في المسمّى مع "لام" الحقيقة" وفي علم الجنس، والفرق بينهما أنّ الوضع اعتبر في دلالة المسمّى بعد "لام" الحقيقة" على الحضور قرينة خارجية عن الدال على الجنس وهي أل؛ فكأنه قال: "رجعى" مثلا وضعته للدلالة على الماهية المقيدة بملاحظة الحضور بشرط اقترانه بأل بخلاف علم الجنس فإنه لم يعتبر فيه ذلك. ويأتي المعرف باللام لواحد مبهم عرفيا، كما يأتي حقيقيا نحو: " ادخل السوق" تريد واحدا أيا كان من الحقيقة، فهذا حقيقي، ونحو قولك: " في بلد البطيخ خير من العنب" لأنّ "بطيخه" خير من "عنبه"، فالإشارة في كل من البطيخ والعنب إلى جنس خاص بها بمعونة العرف، ولذا قد يعكس ذلك في بلد آخر، وإن قلت: لِمَ لَمْ تجعل الصاغة عهدا تقديريا؟ قلت: لا نزاع في صحة كونه عهدا تقديريا، وإنّما الكلام فيما إذا أريد به كلّ صاغة، وأردت صاغة البلد، قاله عصام الدين في "أطوله" - كما مرّ وزدته إيضاحا – والله أعلم.
واستغراق المفرد المقرون بأداة الاستغراق أشمل من استغراق المثنى والمجموع، واسمه غالبا "لا رجل" و"ما من رجل" و"إنّ الإنسان لفي خسر" لأنه يتناول الأفراد كلها خلاف الجمع، واسمه نحو: "الناس من "آدم" و "الرجال عوراتهم من سررهم لركبهم ولا رجلين" و"لا رجال" و"لا
119 (1/135)
صفحة 136
قوم" ألا ترى أن المعنى في "لا رجلين" لا يشمل الرجل الرجل ولا الرجال الرجال، والمعنى في "لا رجال" لا يشمل رجلا رجلا ولا رجلين؛ فقد يقول "لا رجلين في الدار وفيها رجل أو رجال"، أو يقال: "لا رجال فيها وفيها رجل أو رجلان". إلا أنّ الحق عندي: أن الجمع المقرون بأل الاستغراقية كالمفرد المقرون بها لا دونه في الاستغراق، ولكن هو دونه من جهة الدلالة، فإنّه لذاته عندي يحتمل استغراق كلّ فرد ويحتمل استغراق الجموع ولم تكن دلالته على استغراق الأفراد نصا، كما أنّ دلالة المفرد عليه "بأل" نصا وإنّما يحمل الجمع عليه نصا بقرينة؛ فليس دون المفرد إلا بهذا الاعتبار، ومثل "الرجال" بأل "الاستغراقية "القوم" بأل الاستغراقية، ومع ما تقدّم يصح أن يقال: "لا يطيق حمل هذا الحجر رجل حيث يطيقه رجلان أو رجال" ولا يصح "لا يطيقه رجال" وهو عكس أنه يصح "لا" "رجال" أو "لا" "رجلين" حيث لا يصح "لا رجل" وصح " كل الرجال جاءوني مع تخلف رجل أو رجلين " دون "كل رجل جاءني" ولا يرد على ذلك صحة كل رجل تسعه الدار دون كل الرجال".
واستغراق المثنى أشمل من استغراق الجمع، واستغراق جمع القلة أكثر من استغراق جمع الكثرة، واستغراق كلّ جمع محصور أشمل مما فوقه فقولك: "لا عشرة رجال أشمل من لا عشرين رجلا"، فالضابط أن يقال: استغراق المشمول أشمل من استغراق الشامل، قيل: ومن لا يفرق بين الجمع المحلى بأل والمفرد المحلّى بأل في جانب الكثرة يوافق من يفرّق بينهما في جانب القلة، لا يصح أن يراد به الجنس في ضمن أي بعض، ولا ينافي هذا أن الجمع المستغرق تبطل جمعيته، لأنه من خواص الجمع المستغرق للزوم التكرار مع بقاء الجمعية، والمعرّف بلام الجنس لا يستدعي بطلان الجمع لعدم الموجب والحق عندي أن الجمع المقرون بأل يصح إطلاقه على الواحد، فقد أريد به الجنس في ضمن فرد، فمن قال: "لا أكلم الرجال" حنث بواحد، ومثله اسم جمع نحو: "لا أكلم النساء" (بأل)؛ وعليه جاء قوله تعالى لا يحل لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ، فقد بطل الجمعية بأل، اللهم إلا أن يتكلف بأنّ المعنى "لا أكلم رجلا من الرجال أو امرأة من النساء"
معنى
10.
150 ـ الأحزاب جزء من 52 الآية الكريمة لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ (
حُسْهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا)
120 (1/136)
صفحة 137
152
ولا تحل لك امرأة من النساء من بعد، كما قيل: في ولا تكن للخائنين خصيماً 151 لا تكن لخائن منهم خصيما أو لا تخاصم عن خائن، قيل: وقد يكون الجمع أشمل في قولنا: "ليس كلّ رجال يحملون الصخرة" وهذا الخبر يشبع كل رجال، إذ يلزم من عدم حمل كل رجال للصخرة عدم حمل كل رجل لها بالأولى، ومن إشباع الخبر لكل رجال إشباعه لكل رجل، بخلاف قولنا: "ليس كل رجل يحمل الصخرة" وهذا الخبر يشبع كل رجل إذ لا يلزم من ذلك عدم حمل الجمع، ولا إشباع الجمع. قلت: ليس استغراق المفرد واستغراق الجمع في ذلك من واد واحد فضلا عن أن يقال: إن الجمع هنا أشمل كذا ظهر لي بسرعة وبادئ، ثم رأيت الصبان والحمد لله ثبت ما قلت بقوله: بأنّ الشمول في نحو هذين المثالين، إنّما هو باللزوم لا بالوضع، وأشملية المفرد بحسب الوضع، والكلام هنا إنما هو بحسب الوضع، وإنما يكون نصا في العموم من النكرات النكرة بعد لا النفاية للجنس، والنكرة التي زيد معها من وقد قيل: اسم. لا. هذه مزيد معها من محذوفه وقد تظهر نحو "ألا رب من سبيل إلى هند، واختلفوا في النكرة بعد السلب في غير ذلك؛ فقيل: هي للعموم ما لم يوجد دليل الخصوص، وقيل: يتبادر العموم تبادرا فقط. وقد تستعمل النكرة في الإثبات للعموم مجازا، قيل: هو كثير في المبتدإ، نحو: "ثمرة خير من جرادة"، وقليل في غيره، نحو: عَلَمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ نحو: (أيها المسلمون وقيتم شرا)، ومعلوم أنّ المراد الدعاء يدفع كل شر، قال الحريري: (يا أهل هذا المغنى وقيتم شرا) 154 أعني أنه قد ورد مثل
-
153
151 ـ النساء جزء من 105 والآية الكريمة (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ للْخَائِنِينَ خَصيماً)
152
محمد بن علي الصبان أبو العرفان عالم بالعربية والأدب، له "الكافية الشافية في علمي العروض والقافية" و"حاشية على شرح الأشموني على الألفية" و "الرسالة "الكبرى" و "الاستعارات" و "حاشية على السعد". ينظر الأعلام
7:189
153 - الانفطار جزء من 5 الآية الكريمة عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ)
154
- صَدْرٌ من بيت شعري ورد في المقامة الكوفية للحريري، وسياق الكلام ورد كما يلي ... سمعنا من الباب نيأة مستنبح. ثم تلتها صكّةُ مُسْتَفْتِح. فقلنا: من الملم. في الليل المدلهم؟ فقال:
يا أَهْلَ هذا المَغْنى وَقِيتُمْ شَرًا
قد دَفَعَ الليل التذي اكفهرًا
ولا لَقَيْتُمْ ما بَقيتُمْ ضَرًا
إلى ذراكُمُ شَعنا مُغْبَرًا
ينظر مقامات الحريري، دار بيروت للطباعة والنشر لبنان / 1985، ص 40
121 (1/137)
صفحة 138
هذين المثالين، وسمعت من شيخي الحاج إبراهيم بن يوسف يقول: (ما من عام إلا وقد خص)، ورأيت الصبان يقول: أورد على كون زيادة من موجبة للاستغراق القطعي قول الأئمة: (ما من عام إلا وقد خص منه البعض فإنه ليس نصا في العموم، وإلا لم يكن مخصوصا بالبعض فيكذب نفسه. وأجيب بأنه مبالغة وادّعاء لا يقبل الكذب. والله أعلم.
قال السيد: كأنه بطلت الجمعية في المحلى باللام، لأنه يلزم من اعتبار كل جماعة تكرار أن الحكم على الجماعات؛ إذ ما من جماعة إلا وهي داخلة في جماعة فوقها، وهذا منه بناء على الجمعية تبطل بأل كما مرّ؛ فرجال لثلاثة فصاعدا حقيقة ولاثنين مجاز على الصحيح؛ فإذا قيل:
"الرجال" (بأل) التي للحقيقة صح إطلاقه على الواحد صاعدا، فلا يلزم فيه معنى الجمع. وقد يبحث في كلام السيد بأن يقال: يلزم تكرار الحكم على آحاد الجنس أيضا؛ إذ ما من واحد إلا وهو داخل في جماعات متعددة، ثم إن جمع الجمع مستغرق للجموع، وجمع جمع الجمع مستغرق الجموع الجمع، ولا يمكن بدون تكرار الحكم، ولا يخفى أن المستثنى المستغرق أيضا يستلزم التكرار؛ إذ قولنا: " كل "رجلين" يستلزم دخول زيد مثلا مرارا غير متناهية في الحكم، ولم يثبت أنه بمعنى كل رجل، قيل: "رجال" في "لا "رجال" يدلّ على الجنس والجمعية، فربما يقصد بنفيه نفي الجنس مطلقا، فيكون قولك: "رجل" لادونه في العموم ويرده أن هذا القصد خلاف المعهود في الاستعمال، فلا بد له من قرينة فلا يعترض به واستدلّ بعض المحققين على أن الجمع المحلى (بال) الاستغراقية يتناول كل فرد من الأفراد بصحة قولك: "جاءني القوم والعلماء إلا زيدا أو إلا الزيدين" مع امتناع قولك: "جاءني كل جماعة من العلماء إلا زيدا" على الاستثناء المتصل، أي: لأن زيدا ليست جماعة تستثنى من الجماعات قلت دلالته على كل فرد صحيحة إلا أنا لا نسلّم أن جاءني كلّ جماعة من العلماء إلا زيدا استثناء منفصل، وأنه لا يجوز على الاتصال بل هو جائز على الاتصال؛ لأنه لا يشترط في الاستثناء المتصل كون المستثنى من أفراد المستثنى منه بل يكفي كونه من أجزائه" فضربت الكافر إلا رأسه " من المتصل كما صرح به محققو النحاة، وكما أنّ الرأس جزء من الكافر كذلك زيد جزء من جماعة، ثم ظهر لي أنه منفصل في" جاء في كل جماعة إلا زيدا "، لأنّ الحكم فيه على كلّ جماعة جماعة لا على كل فرد فرد فضلا من أن يكون متصلا بخلاف " ضربت الكافر إلا رأسه " فإنه قصد بالحكم فيه الأجزاء، والرأس جزء
122 (1/138)
صفحة 139
منه. وإن قلت: كلام علماء البيان على تقدير أن لا تبطل الجمعية بدخول "أل الجنسية" فإنّها إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية التي أقلّها ثلاثة أفراد، وعلى تقدير بقائه على معناه الأصلي. وكلام علماء الأصول والنحو والتفسير فيما إذا بطل منه معنى الجمعية، قلت: تأملت هذا فوجدته لا يصح اعتراضا في إبطال معنى الجمع، فإنّ الجمع وضع لثلاثة فصاعدا، فمعناه الموضوع هو له باق سواء استعمل في ثلاثة أو في الجميع، ثم إن النكرة كما مر موضوعة للفرد الشائع، فهي دالة على الوحدة، وقيل: وضعت للحقيقة؛ فالغرض منها يتحقق به وأقله فرد، فإفراد الاسم مقتضى للوحدة على القولين والاستغراق بالنفي ينافي ذلك.
معه
وبحث بعض في دلالة "لا "رجل" و"ما من "رجل" على نفي الجنس عند من يجعل الاسم موضوعا للفرد المنتشر بأن مقتضى وضعه للفرد المنتشر دلالة على: ي الوحدة لا على نفي الجنس. وأجيب بأنّ الدلالة على نفي الجنس بوضع آخر للمجموع، بأن وضع لا واسمه بإزاء نفي الجنس. وإن قلت: الاسم المفرد لكونه في مقابلة التثنية والجمع يدل بإفراده على وحدة معناه واستغراقه بأل أو سلب يدلّ على تعدّده فتنافيا. قلت: استغراق المفر: بمعنى الكل الإفرادي، أي: كل فرد مع قطع النظر عن أن يكون آخر، فكل فرد موصوف بالوحدة - بمعنى عدم اجتماع آخر معه - لا بمعنى الكل المجموعيّ، أي: كلّ فرد بشرط اجتماعه مع آخر، فلا يكون منافيا للوحدة لاعتبار أمر آخر مثله معه بناء على أن مدلول الفرد الوحدة ـ بمعنى عدم اعتبار أمر آخر معه لاعتبار عدم أمر آخر مثله، وإنّما ذلك لعدم الدليل عليه بمعنى الفرد في الاستغراق أو كل فرد لا مجموع، وإنّما ينافي الوحدة مجموع الأفراد لا كلّ فرد، لاتصاف كل فرد بالوحدة والحاصل أنه ليس المراد بالاستغراق مجموع الأفراد فضلا عن أن ينا في الوحدة بل الشمول لكلّ فرد، ويدل على أن معناه: كل فرد لا مجموع الأفراد امتناع وصفه بصفة الجمع قياسا عند الجمهور، ولو حكاه الأخفش وقاسه في نحو: "أهلك الناس الدينار الصُّفر والدرهم البيض" - جمع أبيض وأصفر - مراعاة لمعنى الدينار والدرهم، والوصف يشمل النعت والحال والخبر؛ فلا يقال: "أعجبهم الدينار" أو "كلّ درهم" - وأصل الدينار الدنَّار بنون) مشدّدة) أبدلت المدعمة (ياء) بدليل التكسير والتصغير ومثله قول عمر بن عبد العزيز لكاتب يأمره بتجويد "طول الباء وأظهر السنات ودور الميم" بتشديد (النون) وأصله السينات بـ (ياء ونون) أبدلت
البسملة:
123 (1/139)
صفحة 140
(نونا) وأدغمت في (النون)؛ فالسنّات السينات، وقد روي (بالياء)، وذلك أولى من أن يقال: شبه كلّ واحد من أجزاء السين بسنّ لأنّ المجاز مشروط بالقرينة الصارفة وإلا ارتفع الوثوق، وقلت أيضا في الجواب عن كون اسم المفرد يدل على وحدة معناه والاستغراق على التعدد: ـ أنا لما سلمنا التنافي بينهما، قلنا: أداة الاستغراق دخلت عليه بعد تجريده عن الوحدة، كما أن علامة الجمع في نحو: " مسلمين " إنّما دخلت بعد تجريده عنها، وكذا "مسلمات "، وأما جمع التكسير فكذلك إنما صير إلى بنيته بعد تجريد المفرد عن الوحدة، وهذا مبني على أن مدلول المفرد الوحدة بمعنى اعتبار عدم آخر، وهو الظاهر لأنه في مقابلة المثنى والمجموع، فكما يعتبر فيهما أن يكون آخر معه كذلك يعتبر في المفرد أن لا يكون آخر معه، وإنما يكون آخر معه، وإنما يكون آخر معه، وإنما كان يوصف المفرد لا بالجمع؛ أي إنه للوحدة نحو: " أعجب الناس الدينار الأصفر والدرهم الأبيض" للمحافظة على التشاكل اللفظي، فيقال أيضا: " هذا الدرهم أبيض وهذا الدينار أصفر " وأمّا نحو: " القوم " فاسم موضوع للجماعة ولو بدون أداة الاستغراق فيوصف بالجمع، وما مرّ من الدينار الصفر والدرهم البيض روعي فيه المعنى لا المشاكلة اللفظية، كما جاز ذلك في الموصولات المشتركة. وذكر بعض أن المراد بقولهم لا التي لنفي الجنس: إنما نفي الحكم عن جميع أفراد الجنس، وعليه لا يرد البحث من أصله. والله أعلم.
باب تعريف المسند إليه بالإضافة
يعرف بها لأنها زادت في الاختصار على سائر الطرق والتي تفيد مقصود المتكلم أو السامع بحسب المقام، فإنّه قد يكون لا يجد المتكلّم في بعض تكلّمه ما يؤدّي غرضه باختصار دونه كما في قوله جعفر بن علبة، حين حبس بعد قتله واحدا من بني عقيل، ثم إنه كان وقتئد ركب من اليمن وفيه محبوبته، ثم إن الركب عزم على الرحيل فأنشد هذه الأبيات]: [من
بمكة
الطويل]
هواي مع الركب اليمانين مصعد
وجثماني بمكة موثق
155
هو أبو عارم، شاعر مقلّ من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، كان فارسا مذكورا في قومه، وهو من شعراء الحماسة لأبي تمام ينظر الأعلام 119:2 وخزانة البغدادي 322:4
124 (1/140)
صفحة 141
عجبت لمسراها وأنى تخلّصت
ألمت فحيت ثم قامت فودعت
إلي وباب السجن دوني مغلق
فلما تولّت كادت النفس تزهق
??
العلم
مقصود المتكلم إفادة أنه محبوب له، وليس المراد الزيادة في الاختصار لفظا، فإنّ والضمير واسم الإشارة والمعرّف بأل أقل حروفا، وقد تكون أكثر، وقد تكون سواء، ولا يظهر
إلا زيادة الموصول والصلة عليها حروفا - وليس أيضا لازما فـ" بعلبك" أكثر حروفا من "عبدي"، و"الذي ملكت أكثر حروفا من عبدي، وذا أقل حروفا من "عبدي" – ومعنى "هواي مهويي" أي الإنسان الذي أهواه وهو امرأة أو مهويتي، وأصل المهوي مهووي (قلبت الواو ياء أو أدغمت في الياء لاجتماعها مع سكون السابقة وكسر ما قبلها للمناسبة)، والمعنى: مهواي أي محل هواي؛ وهو القلب، وعلى كل حال فهو أي أقل حروفا من قولك: "الذي أهواه" أو "التي أهواها" أو "من أهواها" أو "الذي يميل إليه قلبي" أو "التي يميل إليها قلبي" أو نحو ذلك، والاختصار مطلوب الشاعر لضيق المقام وفرط السآمة لكونه في السجن، وحبيبته عازمة على الرحيل، واليماني بتخفيف (الياء) نسبة إلى اليمن حذفت إحدى ياءي النسب وعوض عنها الألف، فإذا كان التنوين كان كـ"قاض" جرا ورفعا، و"قاضياً" نصبا، والقياس يمني (بلا ألف وبتشديد الياء). و "مصعد": ذاهب وسائر ببعد في الصعيد وهو التراب، و"الجنيب": الشيء المصحوب في جانب أي مجعول في جنبه وقيل الذي جعل يجنب واستتبعه الرقباء والحراس فلا يفلت عنهم لموافاة صحبه، هنا، ولفظ البيت خبر ومعناه تحسر وتحزن على بعد الحبيبة. ويعرف المسند إليه بالإضافة أيضا لتضمّن الإضافة لشأن المضاف إليه، كقولك: "عبدي حضر" أو "عبدي "عندي" و "نبيئنا محمد " و "ولدي" صالح "البلاد" أو لشأن المضاف "أمة محمد مرحومة" نحو: "عبد الخليفة ركب" فإنّ فيه تعظيما للعبد بأنه عبد الخليفة ركب، فإنّ فيه تعظيما للعبد بأنه عبد الخليفة [وكقولك في تعظيم] غير المضاف والمضاف إليه، نحو قولك: "عبد السلطان عندي" معظما لنفسك بأن عندك عبد السلطان؛ فإنّ (ياء) "عندي" لم يضف إليها عبد"، و ليست أضيف إليها المسند إليه، وليست مسندا إليها المضاف، ولا أضيف إليها المسند
"
125
- ينظر الشروح 345:1 (عروس الأفراح للسبكي)
156 (1/141)
صفحة 142
إليه، ويجوز أن يقال: "عبد السلطان عندي تعظيما للعبد أوله وللمتكلم، لكن المراد أولا:
ملاحظة تعظيم المتكلم. ويعرف المسند إليه بالإضافة تحقيرا للمسند إليه المضاف، نحو: "ولد الحجام حاضر"، تحقيرا للمضاف إليه نحو: ضارب عمرو حاضر، أو غيرهما نحو ولد الحجام جليس عمرو". ويعرف المسند إليه أيضا بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر، نحو: "اتفق أهل الدعوة على كذا" أو "اتفق أهل الحق على كذا، وإنما ذكرته مع أن قولي أولا زادت في الاختصار ... الخ يغني عنه بحسب الظاهر؛ لأنّ ما هنا معناه أنها تغني عن تفضيل مطلقا لا بقيد، كون التفصيل بطريق التعريف، وكذا يعرف بالإضافة لتعسّر لو فصل المتعدّد، وفيه ما في الذي قبله، نحو: "أهل البلد فعلوا كذا" أو لأنه يمنع عن التفصيل مانع مثل تقديم البعض على البعض فيؤدّي إلى منافشة أو حقد أو غيرهما، نحو: "علماء البلد حاضرون".
•
ويعرف بها سترا له نحو: "صاحبك فعل كذا وحبّا للإكرام، نحو: "صديقك بالباب" كمسكنيك بالباب.". أو للإهانة، نحو: "عدوّك بالباب"، ولأجل اختصاص المضاف إليه بأمر في المضاف، نحو: [قوله تعالى] وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ نسبها للمتقين آنها دارهم ودار غيرهم لاختصاصهم بنعيمها. أو للاستهزاء، نحو: "إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون"، وقولك لمن يعتقد صلاح ذي بدعة: "صالحك تارك للصلاة ولأنه لا طريق إلى معرفته إلاّ بالإضافة نحو: "غلام زيد "بالباب" إذ لم تعرف اسمه ولم تجد ما يعرف به، وأنت خبير بأن نكت الإضافة لا تختص بالمسند إليه، بل تكون أيضا في المسند أيضا وفي الفضلة، وتكون أيضا بغير صورة، الإضافة، نحو: الذي هو عبد السلطان عندي" فعظمت نفسك بالعبيد و لم تجئ به مسندا ولم إليه مضافا، وقد مرّ أنه لا يشترط في النكتة اختصاصها بما تذكر له ولا كونها أولى به ولتختص أيضا نكت الإضافة بالتعريف، نحو: "ولد حجام حضر" أفادت تحقير المضاف فيه و "ولد حجام صاحبك" أفادت فيه تحقير المخاطب. والله أعلم.
- النحل جزء من 30 الآية الكريمة وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذه الدُّنْيَا
حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ)
126 (1/142)
صفحة 143
قال الله تعالى (فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) 158 فلو عدّد لم يطق حصرهم، وقال الله تعالى أَرَأَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ 159، وقال تعالى {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ أَتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ الله 160 فإن ذلك أقل حروفا من قولك أفرأيت من مالت نفسه إلى عبادة هواه ومن أضل ممن مالت نفسه إلى اتباعه "، والآيات الثلاث في الإضافة وعدم كون المضاف مسندا إليه، وكذا قوله تعالى فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ حقر المفعول بإضافته للشيطان، وقال الله تعالى عن هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي) 162 استعطافا، وقال لا تُضَارَّ وَالدَةٌ بوَلَدِهَا} إضافة لها استعطافا لها عليه، والآيتان في غير المسند إليه، والله أعلم.
163
161
باب تنكير المسند إليه
يؤتى به منكرا مفردا أو مثنى أو مجموعا للقصد إلى واحد مخصوص من جنسه إن كان مفردا، وإلى اثنين مخصوصين إن كان مثنى، وإلى جماعة مخصوصة إن كان جمعا، أو اسمه مع إبهام في ذلك سواء أعرفهم المتكلّم أم لا، وقد يكون المفرد والمثنى والجمع واسمه أنواعا: كـ"الونين
158 - الأعراف جزء من 105 الآية الكريمة (حَقِيق عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ)
-
159
160
-
-
161
- الفرقان جزء من 43 الآية الكريمة أَرَأَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) القصص جزء من 50 الآية الكريمة (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ أَتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) النساء جزء من 73 الآية الكريمة الذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنْ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) الأعراف جزء من 150 الآية الكريمة وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضَبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أعجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنْ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ فِي الْأَعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
162
-
163
بي
البقرة جزء من 233 الآية الكريمة لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
127 (1/143)
صفحة 144
وألوان"، و"نوعين وأنواع "، و "قومين وأقوام"، و"لون" و"نوع" و"قوم". وأجناسا: كـ"ماء وماءين ومياه" و زيت" وزيتان" وزيوت، ولا يخفى مناسبة التعريف والتنكير فقرنتهما. والسكاكي 164 قدّم ضمير الفصل على التنكير لاختصاصه بالمعرفة، والتوابع لمزيد اختصاصها بالمعارف ولو كنّ أيضا نكرات. وأما تقدّم الكلام على المضاف إليه على الكلام على المضاف فقيل: يقدم لأنه مقدّم في الاعتبار، ولو أخر في الذكر، ومثال التنكير قوله تعالى {وَجَاءَ رَجُلٌ منْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى (165 نكر. رجل ليفيد معنى قولك: " جاء واحد من الرجال " كما نقول بالبربرية: {إِكُنْ وَرْجَزْ}، وإنما قلت للقصد لأنّ الشيء يجعل شيئا بحسب الحقيقة، وبحسب القول، وبحسب الاعتقاد، وعليهما قوله تعالى فَلَا تَجْعَلُوا لله أَندَادًا 166 أي: لا تعتقدوا أو لا تذكروا له ندا. والله أعلم. ويؤتى بالمسند إليه نكرة للقصد إلى نوع منه، كقوله تعالى {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ أي نوع من الأغطية؛ وهو إعراضهم عن الإيمان، وقد عرفوه حقا، أو لو التفتوا إليه أدنى التفات لعرفوه، ولا مانع من جعل الشيء أنواعا أو نوعين بعضهما حقيق وبعضهما مجاز، فالغشاة أنواع بعضها مجاز كما في الآية. وهو أيضا غطاء غير متقارب، إذ كما يفيد التنكير النوعية يفيد الإبهام المؤدّي إلى عدم الإزالة لعدم المعرفة بذلك حتّى يعرف طريق إزالتها، فاندفع ما قيل. إن الأولى ما قاله السكاكي من أن التنكير في الآية للتعظيم، أي: غشاوة عظيمة تحول بين أبصارهم، والحق المبين بالكلية لا بالمنافاة بين ذلك؛ لأنّ الغشاوة العظيمة نوع من الغشاوة،
168
167
-164
165
ينظر المفتاح 85 860
القصص جزء من 20 الآية الكريمة وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأُ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ القصص)
166 ـ البقرة جزء من 22 الآية الكريمة الذي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)
167 - البقرة جزء منه والآية الكريمة ختم اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ
عظيم
-
168
- ينظر المفتاح 92 قال: (نكر لتهويل أمرها)
128 (1/144)
صفحة 145
ولكن المقصد يختلف. وتما يرجح النوعية التلويح بأنّ كفرهم عناء ومكابرة وإنكار لما هو كالمحشر، وذلك أن المعنى نوع من الغشاوة، فيفسر هذا النوع بهذا النوع من الكفر. وينكر المسند إليه أيضا للتعظيم - كما رأيت وللتحقير أيضا واجتمعا في قول الشاعر ابن
أبي السمط 169]: [من الطويل] له حاجب في كلّ أمر يشينه
وليس له عن طالب العرف حاجب
170
ف"حاجب" الأول للتعظيم، أي: له مانع عظيم عن كلّ أمر يقبحه، وهو نفسه الإنسانية التي هي غريزة ربانية مخاطبة تُثاب وتعاقب متعلقة بالقلب اللحمي الصنوبري تعلّق العرض بالجسم؛ ففي بمعنى عن متعلّقة بحاجب. ويجوز أن تكون ظرفية متعلّقة بمحذوف نعت "الحاجب" أي: "حاجب عن الارتكاب في كل أمر يشينه". وعلى كل حال فإنّما تمنعه نفسه لكونه شينا لا لخوف من أحد أو عجز ما.
و"حاجب" الثاني للتحقير، أي: ليس حاجب عن طالب العرف حقير فكيف العظيم والعرف والإحسان؟ وإنّما قال: "عن طالب العرف" ولم يقل "عن العرف" لأن المراد: أنه يظهر لسائله بالإعطاء بنفسه وهو أمدح - أو بواسطة، ولا يستتر عنه شحًا حتى لا يدري أكان هناك أم:
171
لا؟ كذا ظهر لي. ثم رأيت في كلام عبد الحكم ما يشير إليه ما يشير إليه ـ والحمد لله - إذ قال: (عدم الحاجب عن طلاب المعروف كناية عن ورودهم عليه وهو كناية عن حصول مقاصدهم، فلا حاجة إلى ما قيل من تقدير المضاف هكذا (172، أي عن إحسان طالب العرف أي الإحسان إليه، أي ليس له حاجب للطالب عن إحسان إليه ولو قال: فليس" له عن طالب العرف حاجب" (بالفاء) لكان مستحسنا لتفرّع عدم الحاجب عن طالب العرف على عدم الحاجب عن كل أمر يشينه،
169
170
171
هو مروان بن أبي حفصة
01
ينظر المفتاح 92 والإيضاح 51 والشروح 359:1
- هكذا
ورد في الأصل، ولعلة يقصد عبد الحكيم وهو. هو ابن شمس الدين السيالكوتي البنجابي اتصل بالسلطان شاهجان فأكرمه، توفي سنة 1067 هـ / 1656 م، وله تصانيف عديدة منها " حاشية على تفسير البيضاوي" " زبدة الأفكار" " حاشية على المطول" " حاشية على الجرجاني" " حاشية على شرح التصريف".
172
-
ينظر حاشية الدسوقي (الشروح 1: 350)
129 (1/145)
صفحة 146
لأن الحاجب عن طالب العرف مما يشينه، لكن للكلام، مقاصد والنكت لا تتزاحم؛ إذ مقصد الشاعر أن يصفه في كلام مستقل بأنه لا يمنع سائلا فكان (بالواو). أو أراد بالشطر الأول التخلّي عمّا يشينه مما لو فعله لقيل: إنه ظالم لغيره، وبالثاني التحلّي بما هو تبرع منه على غيره، وكون التنكير في الثاني للتحقير أولى من القول باعتبار عموم النكرة المنفية ليكون بينه وبين الأوّل الطباق، وليكون فيه إثبات الشيء بدليل استفادة انتفاء الحاجب العظيم من انتفاء الحقير الأول. ويجوز أن يكون التنكير للقصد إلى الوحدة الشخصية، أي: ليس له حاجب واحد فكيف المتعدّد؟ لكن يفوت الطباق على هذا بين التنكيرين؛ ووجه إفادة التنكير التعظيم أو التحقير أنه بلغ المسند إليه مثلا في ارتفاع الشأن أو انحطاطه إلى حد لا يمكن معه أن يعرف لعدم الوقوف على عظمة أو لعدم الاعتداد به الالتفات إليه.
وتوجيه مجيء تنكير المسند إليه للتكثير كتوجيه مجيئه للتعظيم، وتوجيه مجيئه للتقليل كتوجيه مجيئه للتحقير؛ فإن تنكيره يأتي أيضا للتكثير والتقليل، وقد يكون تعظيمه لكثرته فتدخل في التعظيم، وقد يكون تحقيره لقلته فتدخل في التحقير. ومثال التكثير (إنّ له لإبلا وأنّ له لغنما) بلغت كثرها لحد لا يدرك فناسبه التنكير، إذ كانت مجهولة الحد لا تدرك، وللمتكلم (بأنّ له لإبلا وإن له لغنما قصد القلّة، أو قصد التعظيم، أو قصد القلة مع التحقير، أو الكثرة مع التعظيم، وأما قصد الكثرة مع الحقارة فسائغ عقلا لكن فيه تكلّف، وأظهر منه القلة مع التعظيم؛ لأن الكريم الحقيق من الأشياء قليل. ومثال التقليل قوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: رضوان قليل أكبر من كلّ نعيم في الجنة لأنّ كلّ ما سواه هو من ثمراته، وإطلاق التقليل في رضوان الله جل وعلا مجاز باعتبار تنزيل الرضا منزلة [المعدودات] نظرا إلى تعدّد متعلقاته وإلا فالرضا في نفسه لا يقبل القلة والكثرة حقيقة؛ لأنه بمعنى: علم الله جل جلاله بالسعداء وما لهم فمتعلّقه السعداء ومالهم وهم متعدّدون فهو صفة ذات، وأما على أنه صفة فعل وهو إعداده الخير للسعداء أو توفيقه لهم فمتعدّد، لكن التفسير عليه لا يناسب كيف يقال: قليل من توفيقه
173
-
173 ـ التوبة جزء من 72 - الآية الكريمة في وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنارُ خَالِدِينَ فيها ومَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
130 (1/146)
صفحة 147
أو من إعداده الخير أكبر من كلّ نعيم في الجنة إلا بتكلف في التفسير، بمراعاة أنه ما يعد للسعيد ولو أقل بقليل مما أعدّه له إلا لكونه، وليا، له ومراعاة أنّ أقل توفيق شروع في الولاية. وقيل التنكير للتعظيم، أي: رضوان عظيم من الله أكبر من كل نعمة؛ لأنّ كلّ رضوان عظيم، فقد يقال: التعظيم وصف كاشف مبيّن أنّ رضوانه عظيم لاحتراز عن رضوان حقير، إذ لا حقير له تعالى ل، وَهَبْ أنه مراتب بعضها عظيم أي زائد على بعض، لكن العظيم ليس لجميع المؤمنين. وأيضا كونه للتقليل يتضمن الإشارة إلى كمال كبريائه والوعد لا بطريق الجزم، هو شأن الملوك إشارة إلى أنه غني عن العالمين، واختار بعض أنه للتعظيم، وأنه ليس "رضوان" "مبتدأ خبره أكبر"، كما هو إعراب من قال للتقليل، بل خبره محذوف أي لهم، أو معطوف و"أكبر "ذنعته؛ لأن ذلك يفيد حصوله للمؤمنين جزما، ولأن المقام مقام تعدّد النعم، ومنها رضوانه في الجنة، فحينئذ لا مانع من جعله للتكثير أو له مع التعظيم، ولا يفيد ذلك إعراب التقليل.
كما
مع
والفرق بين التعظيم والتكثير أن التعظيم بحسب علوّ الشأن ولو مع قلة المعظم، والتكثير باعتبار أفراد الشيء ولو مع حقارة، سواء أكان التكثير تحقيقا كما في " إبل " و" شاه " أو تقديرا كما في رضوان؛ إذ كان فيه باعتبار متعلقاته كما مر. والفرق بين التحقير والتقليل: أن التحقير بحسب انحطاط الشأن ولو مع كثرة الأفراد، والتقليل بحسب الأفراد ولو العظمة، ومن التنكير للتعظيم والتكثير معا قوله تعالى وإن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ 174 نكر رسلا لتكثير من كذب من الرسل ولتعظيمه "لست يا محمد منفردا بتكذيب الكفرة لك، بل مضى رسل كثيرون مثلك في العظم مكذبون، فاصبر. " فإن لفظ "رسل" يصدق على ثلاثة فصاعدا، لكن تنكيره حصل المبالغة في الكثرة. ومن التنكير للتقليل والتحقير معا قولك: "حصل لي منه شيء قليل". ومن تنكير غير المسند إليه للإفراد أو النوعية قوله تعالى وَاللهُ خَلَقَ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءِ 175:أي: كل فرد من أفراد الدواب من
170
- فاطر جزء من 4 والآية الكريمة وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) 175 - النور جزء من 45 الآية الكريمة واللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
131 (1/147)
صفحة 148
نطقة معينة هي
نطفة أبيه ونطفة أمه، والمختصين به اللتين كانتا إياه؛ فتنكير "دابة" و"ماء" للإفراد
الخ)
، وإن قلت: الحمل على الإفراد لا يناسب التفصيل بعده، وهي قوله: (فمنهم من يمشي قلت: التفصيل راجع إلى لفظ "كل"، وأما مدخولها ففرد وحاصل ذلك أنه خلق الشخص من
الشخص، والتنكير في "ماء" و"دابة" للوحدة الشخصية. ويجوز أن يكون التنكير فيهما للتنويع، أي: خلق كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه، وهو نوع النطفة التي تختص بذلك النوع من الدواب، لكنّ النوع إنّما يصح خلقه، والخلق منه باعتبار أفراده، لكن ليس الغرض الإشعار بالفردية بل بالنوع في ضمن الفرد، والبغل ولو لم يخلق من نطفة البغل لكن نوع النطفة المختصة بالبغل هو المركب من نطفة الحمار ونطفة الفرس؛ لأن الفرس الأنثى الأنثى من الفرس الأنثى، والفرس الذكر والبغل تلده الفرس الأنثى من الحمار، بل ذلك كله في النوع والأفراد على الغالب، فلا يرد هذا في النوع، ولا يرد آدم وحواء وعيسى في احتمال النوع والأفراد، ولا يرد في النوع أيضا ما يتولد من التراب كالبرغوث والذباب، وما يتولد من البطن بلا نطفة كالعقرب، وقيل: هي من التراب وكذا الفأر من البطن، قيل: بلا نطفة. ويجوز اعتبار الأفراد في جانب الدابة والنوعية في جانب الماء؛ بمعنى أنّ كلّ فرد من أفراد الماء، إلا أن يعتبر الفرد الأوّل الذي هو الأب الأوّل. وللسكاكي في (المفتاح)) تفسير آخر للماء، وهو نوع الماء يعني النطفة إذ هي نوع من الماء، وهو ضعيف لأن سوق الآية تخصيص كل نوع من الدواب بنوع من
النطفة.
176
177
تنكير غير المسند إليه للتعظيم قوله تعالى (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (177 أي:
بحرب عظيمة، وليس للتقليل لأن الحرب القليلة تؤذن بالتساهل في النهي عن موجبها فكان المناسب الحرب العظيمة. ويجوز أن يكون التنكير للتنويع أي نوع حرب غير متعارف؛ وهو حرب جند الغيب لا يدرك فضلا عن أن يدفع ضره.
-
176
177
ينظر صفحة 91
البقرة جزء من 279 الآية الكريمة و فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ
لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)
132 (1/148)
صفحة 149
178
ومن تنكير غير المسند إليه للتحقير قوله تعالى إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا) حقيرا ضعيفا؛ لأن
الظنّ مراتب؛ ظنّ قوي، وظنّ أقوى، كأنه علم وظنّ ضعيف وظنّ أضعف كأنه ينبئك، وكل ذلك ظن غير علم؛ فالمفعول المطلق هنا للنوعية لا للتأكيد المجرّد، وإنما قلت المجرد لأن المفعول المطلق أبدا للتأكيد؛ إما التأكيد المجرد، وإما مع النوعية وإما مع العددية، ولو كان بمجرد التأكيد لم يصح التفريغ إليه، إذ لا يقال: "ما قام إلا قياما" وإلا كان كقولك: "ما زيد إلا زيد" إذ لم يحتمل عموم محذوف قبل إلا "صالح" لأن يستثنى منه ما بعدها، وكان أيضا كقولك الضرب وأن لا ضرب فيتناقض، فإذا قلت: "ما ضرب إلا ضربا وأردت مطلق الضرب لم يجز، وإن أردت بتنكيره نوعا منه أو وحدة أو كثرة صح كأنك قلت: "إلا نوعا من الضرب" أو" إلا ضربة" أو "ضربتين" أو " ضربات كثيرة فهو بلفظ واحد بلا تاء صالح للنوع والتنكير. واعلم أنه إذا كان التنكير يفيد التعظيم فأولى أن يفيد له لفظ البعض كقوله تعالى
179
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَات) أي ورفع محمدا درجات فذكره بلفظ "بعض" تفخيما لفضله وإعلاء القدرة، وإيضاح ذلك أن لفظ "بعض" مطلق يصلح له ولغيره، ولوح مع هذا إلى أن المراد به هو الله وأنه لا يصلح له إلا هو الله، وما ذكر بهذا اللفظ المطلق إلا لكون المفسر به أعظم من أن يعرف في رفعته فضلا عن أن يصرح به. والله أعلم.
باب المسند إليه منعوتا
ينعت لكشف ما يعني به حقيقة أو مجازا، نحو قولك: "أعجبني الأسد" الذي ليس بجبان إذا لاقى الحرب فالأسد الشجاع مجازا، والشجاع هو الذي ليس جبانا في الحرب، وقولك: "الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ "يشغله" ف "الجسم" مبتدأ ويحتاج خبره، ووصف "بالطول والعرض والعمق" لبيان أنّ حقيقة ذلك على كل حال قال بعض علماء (البليدة) -
-
178
- الجاثية جزء من 32 الآية الكريمة (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)
179
- البقرة جزء من 253 الآية الكريمة تلك الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)
133 (1/149)
صفحة 150
من أعمال الجزائر في مغربنا هذا وهو من شيوخ الصبان في مصر - هذا في الجسم الطبعي، وأمّا التعليمي فلا يحتاج إلى فراغ لكونه عرَضا، إذ هو عبارة عن الامتدادات الثلاثة: الطول والعرض والعمق، وما ذكرته في الجسم هو مذهبنا معشر الإباضية الوهبية أهل الدعوة وسائر الإباضية، ومذهب المعتزلة أيضا والظاهر أن مذهب الأشاعرة أيضا، ونفاه الدمنهوري. عنهم، وهو
منهم.
180
والمراد بالعرض والطول هما تحقيقا أو حكما، إذ يكون الجسم كرة أيضا، وقد يستوي عرضه وطوله، وقد لا يعلم ما عرضه أو طوله ولا إشكال إذا فسرنا الطول بالامتداد المفروض، والعرض بالامتداد المفروض؛ عرض الشيء هو هذه الجهة وطولها هو هذه الجهة، كلوح مربع تفرض سطوره من جهة ثقبته، بل بثقبته تبين طوله وعرضه وربما احتاج إلى ما ذكرت من قولي تحقيقا أو تنزيلا إذا فسرت الطول [ ..... ]، وقالت الحكماء: الجسم المركب من الهيولي والصورة، والهيولي ما يصلح للتصوّر بصور كـ"العجين" و"الشمع، وكـ"الطفل" يصلح أن يكون لحيانا بعد، وأن يكون أمرد. وقال المتكلمون الجسم ما تركب من جزأين فصاعدا؛ أي: من جوهرين فردين فأكثر لا يصلحان للقسمة، وهذا لا يصح عندنا؛ لأن الجسم أبدا منقسم، وعندهم الجوهر فرد وهو جزء لا يقبل التجزئة، ومركب من جزأين فصاعدا، وهذا الأخير يسمى جسما، وقال أهل اللغة: الجسم [هو] البدن. واعلم أنّ وصف الجسم بالطويل والعريض والعميق بمنزلة قولك في الجهات والكشف بمجموع تلك الصفات لا بواحد، كقولك: " الرمان حلو وحامض "بمنزلة خبر واحد؛ فالكشف كما يكون بواحد يكون بمتعدد، ويجوز أن يقال: الكشف بالطويل مقيّد بالعريض العميق على أنهما نعتان للطويل مقيدتان له، وأيضا يكفي الكشف ولو من وجه واحد في الباب ولو كان العموم باقيا فإن الطويل مبين لبعض حقيقة الجسم ولو اقتصر عليه لصح مثالا، وكذا بعده إذ لا يشترط التمييز عمّا عدا المسند إليه، إنما ذلك في الحدود، وبذكر الطول والعرض والعمق معا تميز عما عداه.
180
أحمد هو بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام، أحد علماء مصر، كان يعرف بالمذاهبي، وكان قوالا للحق حى هابته الأمراء وقصدته الملوك، فعفّ عنها، ومن كتبه " حلية اللب المصون بشرح الجوهر المكنون" "منتهى الإرادات في
تحقيق الاستعارات" (1/150)
صفحة 151
ومذهبنا منع الجوهر الفرد كالحكماء وهو جزء لا يتجزأ كما مرّ، وأثبته معتزلة والأشاعرة،
وعلى ثبوته فهو محتاج للفراغ، ولو كان لا يوجد بطول وعرض وعمق، والنول معتبر بتصعيد العين إلى فوق، والعمق معتبر بتنزيل العين إلى أسفل، ولا يختص الموصف للكشف بالمسند إليه؛ فمنه في غيره قول الشاعر [أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة] من المنسرح:
-
إِنَّ الَّذي جَمَّعَ المُرُوءَةَ والنـ
الألمعي الذي يَظُنُّ بك الف
جدَةَ والبرَّ والتَّقَى جُمَعَا
181
ـنَّ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا 181
181 ينظر الديوان 53 والمفتاح 90 والإيضاح 53 والمطول 119:1 والشروح 362:1، الأبيات هي:
ما
ايتها النّفْسُ أجْمِلي جزَعَ
إن الذي جَمَعَ السَّماحَةَ والنّ
الألْمَعيَّ الذي يَظُنُّ لكَ الظَّ
والمخلف المختلف الـ
مرزا ثم
إن الذي تَحْذَرينَ قد وَقا
جدة والحزم والقوى جمعًا
ن كَان قَدْ رَأى وقد سمعا
لم يُعْ بِضَعْف ولم يمت طبع والحافظ الناس في تحوط إذا لم يُرسلوا تحت عائ ذ ربعا وازْدَحَمتْ حَلْقَنَا البط ان بأقـ وَامٍ وَطارَتْ نُفُوسُهُمْ أمْسَى كَمِيعُ الف تاة ملت
وَعَزّتِ السَّمَالُ الرِّياحَ وَ
وشبة الميدَبُ العام من
اف
وَكَانَتِ الكَاعِبُ المُمَنَعَةُ الـ
وام
حُسْناء
جزعا
فعا
سَقْباً مُلَبَّاً فرعا
ناء في زادِ أهْلِها سَبْعًا
أودى وهل تَنْفَعُ الإشاحة من شَيْءٍ لَمَنْ قل يُحاوِلُ البدع
جـ
وهناك من نسب هذه الأبيات إلى بشر بن أبي حازم الأسدي في رثاء أخيه سمير وقد قتل: (الديوان 93) أَمْسَى سُمَيْرٌ قَدْ بَـ ان فانْقَطَعا يا لَهْفَ نَفْسي لِبَيْنِهِ زعا لله در القـ بُورِ ما حسيت أَرْوَعُ شِبْهَا لِلْبَ در إذ
ايتها النَّفْسُ اج
لي جزعا إِنَّ الَّذِي تَحْذَرِين دْ وَقَعا
تحدة والبر والت سقى جمعا
إن الذي جَ مَّعَ المُرُوءَةَ والـ والحافظ الناس في القُوط إذا لم يُرْسِلُوا تَحْتَ انذ ربعا وهبت الشمال الـ بليلُ، وَقَدْ أَضْحَى كَميعُ الفـ
عام ترى الكاعب المنعمة الـ حسناء في دار أهـ لف المتلف المفيد، إذا قالَ فَلا عائبٌ لـ
المخ
ملت
فعا
135 (1/151)
صفحة 152
ف" الألمعي "معناه: الذكي الشديد الفهم، فـ" الذي يظنّ بك الظن ... الخ" تفسير للألمعي، إذ
تما
يلزم من كون الشخص ذكيا شديدا الفهم موافقة ظنّه للواقع؛ كأنه شاهد الواقع الذي هو يرى فرآه، أو مما يسمع فسمعه كما قال: "كأن قد رأى وقد سمعا، وليس "الألمعي" مسندا إليه بل مسند لأنه خبر إنّ، أو نعت اسمها فينصب، أو مفعول لا عني، والأظهر أن الخبر هو قوله بعد خمسة أبيات:
أَوْدَى فَلَا تَنْفَعُ الإِشَاحَةُ مِنْ
أَمْرِ لِمَنْ قَدْ يُحَاوِلُ البَدْعا و"أودى": هلك والإشاحة: الحذر، وأراد بـ"البدع: الأمور الغريبة، أي: لا ينجيه من الموت احتياله بها، و"النجدة": الشجاعة و"جمع" جمع جمعاء مؤنث أجمع، وليس معناه الذي يظن ... الخ حقيقة بل لزوما، بخلاف الجسم الطويل ... الخ، فإنّه قصر بالحقيقة لا باللازم، و"الظن" مفعول مطلق، ويظنّ منزل كاللازم، وقيل: التقدير يظنّك متصفا بصفة، و"قد رأى" من فاعل يظنّ كونه حالا من الظنّ أو نعته، والمسند إليه المعرّف رفعا للاحتمال. ونقول للأوّل في النحو التخصيص عبارة عن تقليل الاشتراك في النكرات والتوضيح عبارة عن رفع الاشتراك في المعارف؛ فإن كانت النكرة موضوعة للمفهوم الكلّي فلا إشكال، لأنّ في المفهوم الكلي اشتراك حقيقة، وإن كانت موضوعة لفرد ما ففيها اشتراك على سبيل البدليّة لصدقها على كل فرد على طريق البدلية لا الشمول؛ إذ لا تعيين في مفهوم النكرة بحيث يمنع الاشتراك، إذ التعيين الذي فيه أنه فرد الرجل لا فرد غيره لا بمعنى أنه معروف مشخص للمخاطبين من حيث اللفظ ولو
بمعنى
أن
عرفوه من خارج وخصصوا التقليل، لأنه الغالب وإلا فقد يزول الاشتراك بالكلية. واعلم رفع الاحتمال لا يأتي في المعرف بـ"لام الجنس" لأن مدلوله الجنس، وفيه الاشتراك لصدقه على كثيرين؛ فوصفه لا يوضحه بل يخصصه كالنكرات. وكذا المعرّف" باللام "المشار بها إلى فرد ما
القائل الفاعل المرزا، لم يُدرك بضعف، ولم يَمُت طَبَعَا والقائد الخيل في المفازة والـ جَدْبِ يُسَاقُونَ - لْقَةٌ سَرعا
اللابس الخيل في العَجَاجَة بال أَوْدَى فلا تَنْفَعُ الإشاحَةُ مِنْ أَمْرِ لِمَنْ قَدْ يُحـ
خيل تساقى سماء
ها تقعا
يدعا
136 (1/152)
صفحة 153
باعتبار عهدية جنسه ويوصف المسند إليه للمدح أو للذم أو الترحّم، ولا مانع من اجتماع معينين فصاعدا في نعت واحد بأن يقصد أحدها بالذات والباقي غير مقصود بالذات، بل لا مانع عندي من قصدها بالذات كلّها، إذ ليس من باب استعمال الكلمة في معانيها، مثل: أن يكون زيد معروفا فنقول: "جاء زيد العالم" فتعطفه بلفظ العالم وتترحم عليه بأن ذكرته بالعلم في مقام ذكر الإضرار به، أو مثل: " جاء زيد العالم " إذا لم يعرف إلا بلفظ العالم فذكرته بعالم ليعرف به، ولفظ "عالم" مدح ولو لم تقصده بالمدح أو قصدته. وقيل: إذا لم يكن الوصف للتخصيص أو الإيضاح حمل على الذمّ أو المدح أو الترحم، ويوصف المسند إليه للتأكيد وهو التقرير، وليس النعت فيه توكيدا اصطلاحيا معنويا ولا لفظيا، إذ اسمه، نعت نحو: "أمس الدابر كان يوما عظيما" أو "الغد المستقبل كان يوما مهولا على أعدائنا" فإنّ لفظ "أمس" يدلّ على الدبور، و"الغد" على الاستقبال، وقوله تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ) 182 فنفخة واحدة دال على الوحدة، وإن قيل: أي فائدة لهذا التوكيد في المثالين، قلت: إنما يقال ذلك إذا اقتضاه المقام، كما إذا وقع في الأمس غم فيكون ذكر الدابر إشارة للفرح بدبوره، أو يكون فيه سرور فتشير بدبوره إلى التأسف عليه، وتشير باستقبال غد إلى أنه قريب الوصول إذ وصفته بأنه قد شرع في القرب إلى الوصول نحب، ذلك لأنّ غم العدوّ محبوب
وينعت المسند إليه أيضا لبيان المقصود واحتمالي اللفظ أو احتمالاته، كقوله تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ 183 وصف الدابة بـ"في الأرض" و"الطائر" بيطير) بجناحيه لبيان أن القصد الجنس المتحقق في كلّ فرد لا طائفة من الأفراد مخصوصة فإنهما ولو كانا عامين لكونهما نكرتين بعد السلب، لكن يجوز أن يراد بهما دوابٌ أرض واحدة وطيور جو واحد فيكون استغراقا عرفيا بوصفهما دواب الأرض كلّها وطيور الجو كله، ولكن المراد: ما من دابة سواكم؛ لقوله إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ، وإنما صح الإخبار بـ "أمم" على دابة وطائر مع أنّ المراد: كل فرد فرد لاعتبار المجموع المتحصل من كل فرد فرد والمراد أن الدواب والطيور أمم
182
الحاقة 13
183 - الأنعام جزء من 38 - الآية الكريمة (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)
137 (1/153)
صفحة 154
مماثلة لكم في أنّ لها أرزاقا مقدّرة واجالا مسمّاة وأحوالا، محفوظة ولكون الوصف لبيان قصد الجنس أفاد هذا الوصف زيادة التعميم بحسب تحقق الجنس في جميع الأفراد. وأما أصل التعميم فبوقوع النكرة بعد السلب، ولا يخفى أن المقصود في الوصف الكاشف إيضاح المعنى لا بيان الاحتمال، والوصف المؤكد لمجرد التأكيد لا بيان المقصود الأصلي؛ وليس الوصف هنا من أحد قسمي الوصف المخصص وهو ما يدفع احتمال الموصوف لأنّ ما هنا في النكرات. والله أعلم.
باب تأكيد المسند إليه تأكيدا نحويا
يؤكد لتحقيق مدلوله بإزالة احتمال غيره حتى لا يظنّ السامع أنّ المراد سواه ولا يتوهم، نحو قولك: "جاء زيد زيد" ظننت غفلة السامع عن سماع لفظ زيد فأعدته، أو عن حمله على معناه بأن يظنّ أو يتوهم أنه جاء غلام زيد أو رسول زيد أو كتابه أو نحو ذلك؛ فرفعت ذلك بإعادته، وهذا الغرض حاصل بالتوكيد اللفظي كما رأيت وبالمعنوي الذي هو النفس والعين، نحو: "جاء زيد نفسه". وأما الغفلة عن سماع لفظ المسند إليه فلا ترفع بالمعنوي، وأمّا إعادة اللفظ بمرادفه نحو: " الذهَب العَسْجَد "عزيز فليس من التأكيد المسمّى بالمعنوي في عرف النحو، بل هو قريب من اللفظي، ولو سمي "جلست قعودا معنويا، ومثل "جاء "زيد" أو "جاء زيد نفسه" وإن أمكن حمله على دفع توهّم التجوّز أو السهو، لكن فرق بين القصد إلى مجرد التقرير والقصد إلى دفع التوهم، وليس من التأكيد النحوي إذا عرفت ولو أفاد تقرير الحكم فيما قيل بتكرير الإسناد إذ أسند عرف للتاء، وأسند عرفت لأنا و " لا أنا سعيت في حاجتك وحدي"أو " أنا سعيت في حاجتك لا غيري "، ولو أفاد تقرير الحكم عليه فيما قيل، لأنّ التأكد الاصطلاحي لا يفيد الإسناد مرتين، فضلاً عن أن يتقرّر به الحكم، وتأكيد المسند إليه لا يكون لتقرير الحكم؛ فإنّ التاء في "عرفت" فاعل و"وحدي" حال ولا غير في عطف فلا تأكيد اصطلاحي، بل المقرر للحكم التقديم في إذا عرفت لا التكرير، وإلا إفادة التكرير في عرفت أنا وليس يفيده، وأمّا "وحدي" أو "لا "غيري" فيفيد التخصيص الذي أفاده تقديم "أنا" ولا يفيد تأكيد "أنا ". والله
أعلم.
138 (1/154)
صفحة 155
#1
ويوجد المسند إليه لدفع توهّم المجاز بالحذف أو المجاز العقلي سواء كان المسند إليه حقيقة، نحو: " قطع الأمير الأمير اللص " و" قطع الأمير نفسه اللصّ " أو مجازا لغويا نحو: " رماه الأسد نفسه " أي الشجاع، وذلك دفع لأن يتوهّم أنّ القاطع غلام الأمير، أو خادمه، أو أنّ الرامي غلام الشجاع مثلا. والتقرير لازم في باب التوكيد كله؛ لأن التوكيد تابع، يقرّر أمر المتبوع في النسبة أو الشمول إلا أن القصد إلى التقرير غير القصد إلى رفع التوهّم، وإلى غيره من المعاني، وإنما صح التمثيل بقطع "الأمير الأمير اللص" وهو " كجاء زيد زيد "وهو مما يفيد رفع التجوز في المسند إليه لا رفع التجوز في الإسناد؛ لأنّ رفع التجوز في الإسناد يفهم عرفا من رفع التجوز في المسند إليه أيضا. وإذا قيل: " ضرب الأمير اللص " بلا تأكيد احتمل التجوز في الإسناد بأن يكون القاطع بعض غلمان، أو التجوّز بحذف مضاف كما رأيت أو المجاز المرسل من إطلاق السبب الأمر وهو الأمير على المسبب المأمور، وهو الغلام، مثلا، أو المجاز الاستعاري، بأن شبه "الغلام" "الأمير" بجامع ملابسة الفعل لكلّ استعارة لفظ "الأمير" "للغلام " ويرتفع الاحتمال بالتأكيد،
والله أعلم.
ويؤكد المسند إليه لدفع توهّم السامع سهو المتكلّم، أو نسيانه، أو غلطه، وذلك أنك تقول: قام زيد وأنت ساه "، وفي تحقيقك أنه "قام عمر" بحيث لو رجعت فقيل لك: " أقام؟ " أو هل" قام؟ " لقلت: " لا بل قام "عمرو" وتقول: "قام "زيد" بسبق لسانك إلى ذلك عن قولك: قام عمرو" وعلمت بسبق لسانك، وتقول: "قام" "زيد" ناسيا من قلبك أنه "قام عمرو"، فإذا قلت: " قام زيد زيد " لم يتوهّم سامعك أنك غلطت عن قام عمرو"، أو سهوت عنه، أو نسيته، وهذا في التوكيد اللفظي. وأما المعنوي فلا يرفع هذا التوهّم؛ لأنه إذا قال: "جاء زيد نفسه" احتمل أنه أراد"جاء عمرو نفسه" فَسَهَا وتلفظ عمرو وبني التأكد على سهوه، بخلاف توهم التجوز فيدفع به ويؤكد المسند إليه لدفع توهّم عدم الشمول في المسند إليه، أو في
بزيد مكان
الإسناد، نحو: " جاءني القوم كلهم " إذ لو قلت: "جاءني القوم " لاحتمل أن تريد الخصوص
بعضا لم يجئ و لم تعتد
به.
139 (1/155)
صفحة 156
ولما قلت كلّهم رفعت احتمال الخصوص ورفعت توهّم عدم الشمول في المسند إليه، وأيضا إذا قلت: " جاءني القوم " احتمل أنك جعلت المجيء الواقع من البعض كالواقع من الكل، فأسندت ما للبعض للكل بناء على أنهم في حكم شخص واحد لتعاونهم وتوقف بعض على بعض، فلا تفاوت في أن تنسب الفعل على بعضهم أو كلّهم فيكون مجازا في الإسناد. ولما قلت: "كلّهم" ارتفع التجوّز في الإسناد، وعلى هذا الوجه لا يكون توهم عدم الشمول في لفظ القوم إذا علم أنه أريد به الكلّ، لكن توهّم أنّ الفعل المنسوب إلى الكل لم يصدر عنهم بل عن بعضهم، وإنما نسب إلى كلّهم لأنهم كواحد بخلاف الوجه الأول فإنّ المجاز المدفوع فيه لغوي؛ إذ دفعت الشمول في المسند إليه، إذ كان لفظ "القوم" يحتمل استعماله في بعضهم، والقصد إلى أن البعض بمنزلة المجموع. وإن قلت كيف يدفع المجاز الإسناد بكل وأخواته؟ مع أنك إذا قلت: " جاءني القوم كلّهم " يفهم أفدت شمول آحاد القول قطعا، ولا يلزم من شمول الإسناد لتلك الآحاد ألا ترى أن قولك: فعلوا كذا" يفيد شمول الآحاد ومع ذلك يحتمل أن يكون الفعل المنسوب إلى جميع الآحاد صادرا عن بعضهم، قيل: لعل شمول الأفراد يستلزم عرفا شمول الإسناد كما مر مثله.
11
ذلك
وإذا لم يمكن التوهّم في المتبوع لم يجز تأكيده بما يكون رافعا لتوهّم عدم الشمول، فلا يجوز اختصم الرجلان كلاهما " أو " اصطفا كلاهما " ونحو ذلك من المادّات التي لا تستقل من واحد، أو من الهيئات كذلك، نحو: " تضاربا "، بخلاف " جاءني الرجلان كلاهما " الجواز مجيء رجل واحد ولاحتمال جعلهما كالواحد فتنسب إليهما معا يجيء أحدهما فترفع هذا الاحتمال بـ "كلاهما". والله أعلم
باب العطف على المسند إليه عطف بيان يعطف عليه عطف بيان لإيضاحه غالبا بإزالة الاحتمال عنه سواء أكان معرفة أمنكرة على الصحيح من جواز كونه نكرة، وذلك غالبا باسم يختص بالمسند إليه علم أو غيره علم من المعارف أو النكرات إذا ذكر بعده، نحو: " قدم صديقك خالد "، ومثله في غير المسند إليه قوله تعالى مِنْ مَاءٍ صَديد 184، واعلم أنه إن قصد البيان بالذات فعطف بيان، وإن قصد الثاني
184
-
إبراهيم جزء من 16 الآية الكريمة و مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)
140 (1/156)
صفحة 157
بالحكم ذاتا، والأول تمهيد فبدل مطابق ولو حصل به بيان؛ لأنه لم يكن بالذات، وإذا لم يتبين
110
قصد المتكلم جازا جميعا، فاختار السعد [التفتازاني] كونه عطف بيان 185 لأن الإيضاح له
186
مزيد اختصاصه به واختار الزمخشري كونه بدلا، ووجهه السيد [الشريف الجرجاني] بأن في البدل تكرير العامل حكما ويفرع عليه تأكيد النسبة أعني الإسناد، وبأن الأصل أن تجعل الذات مقصودة بالحكم أعني النسبة، وليس الإيضاح يفوت ولو لم يقصد بالذات. ثم إنه قيل: يلزم أن يكون المعطوف أوضح من المعطوف عليه وليس كذلك لجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما، بل كونه أوضح غالبا ومن غير الغالب مجيؤه لغير الإيضاح كقوله تعالى جَعَلَ اللهُ
187
الكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ إذا جعلنا البيت عطفا على الكعبة للمدح بواسطة نعته بالحرام ولا للإيضاح فعطف الموصوف بالحرام عطف بيان وذلك مدح، وقد يقال: "البيت. علم للكعبة بالغلبة أشهر من لفظ الكعبة فهو للإيضاح مجردا، فيكون المدح في وصف عطف بيان بالحرام لا في جعل الموصوف بالحرام عطف بيان، ومن غير الغالب أن يكون المعطوف مساويا لمعطوف عليه في الوضوح أو دونه، والإيضاح يحصل باجتماعهما؛ مثل أن تفرض أبا حفص" كنية لرجال عشرة، و"عمر" اسما لعشرين غير العشرة؛ فإذا عطفت هذه الكنية على هذا الاسم وقلت مثلا: " جاءني أبو حفص عمر " فالمعطوف عليه أوضح من المعطوف، وإذا عکست وقلت مثلا: " جاءني عمر أبو حفص " فالمعطوف أوضح.
ومن غير الغالب كون العطف باسم لا يخص المعطوف عليه إذا ذكر بعده، وأما إذا ذكر منفردا عن المعطوف عليه فلا يلزم ولا يتوهّم أن يكون مختصا به وإنّما الفرض أن يختص به على وجه إذا ذكر بعده، وذلك بالقياس إلى بعض ما يطلق عليه لفظ المعطوف عليه تحقيقا إن قصد إزالة إبهام محقق، أو تقدير إن قصد دفع إيهام مقدّر، وإن قصد المدح فلا اختصاص أصلا لا من وجه ولا مطلقا، وتمالا يخص المعطوف عليه قول الشاعر [النابغة]: [من البسيط]
185
186
-
ينظر المطول 124:1
ينظر الكشاف.
TET:1 -
187 - المائدة جزء من 97 - الآية الكريمة جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا للنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمة) (1/157)
صفحة 158
وَالْمُؤْمِنِ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرِ يَمْسَحُهَا ما إِنْ أَتَيْتُ بِشَيْءٍ أَنْتَ تَكْرَهُهُ
ركْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الْغَيلِ وَالسَّنَد
إِذا فَلا رَفَعْتَ سَوْطاً إلي يَدي
فإن "الطير" مختص ببعض ما يطلق عليه العائدات ذلك البعض هو "طير الحرم" وإن لم يختص بالبعض الأخر وهو وحش الحرم"، فالقصد بـ"الطير" إزالة إمام محقق، بخلاف " ألا بعد العاد قوم هود "، فإنّه لا إجمام في "عاد" يرفعه المعطوف الذي هو قوم هود"، إلا ما قد يقدر من اشتراك لفظ "عاد" "بين" قوم هود " وغيرهم، أو من جواز إطلاقه على كل عاثين معاندين لاستهتارهم بالعتو والعناد، فذلك رفع إجمام تقديري، و" المؤمن" هو الله أقسم به الشاعر، أي: الذي جعل طير الحرم في أمن من الصيد، و"العائدات" مفعول به لمؤمن أو مضاف إليه اسم فاعل يعود بالإعجام، أي: الملتجئات إلى الحرم الساكنات به "و "الطير" عطف بيان منصوب على لفظ "العائدات" مفعولا، مفعولا، وعلى محله إن جعل مضافا إليه، ولا يختص بـ "العائدات " لأنه يشملها وغيرها، كما أنّ "العائدات" يشملها وغيرها؛ فبينهما عموم وخصوص من وجه و الغيل" و"السند " موضعان في جانبي الحرم فيهما ماء، وقوله: "ما إن أتيت " جواب القسم و" إن" زائدة ولا رفعت دعاء على نفسه. (عافانا
عاد
الله
(
11
باب الإبدال من المسند إليه
المسند إليه تمهيدا وصورة وهو المبدل منه وبالذات والقصد هو البدل، وليس كالنعت والتوكيد والبيان في أنهنّ تتمّات لما قبلهن وليس مرادهم أكثر من هذا إذا قالوا: المبدل منه في نية الطرح، أو في حكم الطرح، أو في حكم السقوط، أو في حكم النتيجة، أو نحو ذلك من
-
188
ديوان النابغة الذبياني، تقديم عباس عبد الساتر، دار الكتب العلمية لبنان ط 1996/ 3،ص 9. والبيتان من قصيدته التي مطلعها (يا دار ميّة (إلا أنهما رويا بالطريفة الآتية:
والمؤمن العائدات الطير، تمسحها ركبانُ مَكة بين القيل والسعد ما قلت من سيء تما أتيت به، إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي
142 (1/158)
صفحة 159
11
11
العبارات؛ ألا ترى أنه لو سقط المبدل منه، نحو: " جاء أخوه "، وقد يحذف أو ينوب عنه ظاهرا، أو "أل" عن الكوفيين.
وقد يتوقف الكلام على المبدل منه في بدل البعض، نحو: " زيد رأيت غلامه رجلا صالحا أو " رأيت غلامه عمرا "، فلو أسقط غلامه بفي المبتدأ بلا رابط، وهب أنك حذفت المبدل منه
11
وأبقيت الضمير وقلت: " زيد رأيته رجلا صالحا " أو " رأيته عمرا " لتوهم بدل الإضراب. وكما يختل الكلام بإسقاطه، نحو: " جاءت هند غلامها " و" أعجبتني هند كلامها " أو وجهها "، فلو أسقطت لفظ هند لزم أنك أنت الغلام والكلام والوجه، ونحو: " جاء زيد بنته ' فلو أسقطت زيد لبقي " جاء بنته " بتذكير البنت وهو مؤنث تحقيقا بلا فصل وبدون وجود حجة اكتفاء زيد عنها، بحيث يفهم أنها المراد، وإنّما مثلت لبدل الاشتمال " بجاء زيد أخوه " و" جاءت هند غلامها " و" أعجبتني هند كلامها " و" جاء زيد بنته " لأن مذهبي: أن بدل الاشتمال هو الذي بينه وبين المبدل منه ملابسة بغير الجزئية والكلية، ومنه: ضربت عمرا حماره" المبدل منه [ .... ] أو أشعر به جمالا أو تعيينا. ولو اختار الجمهور أن ذلك بدل غلط، واختاروا أنّ بدل الاشتمال معناه: أن يشتمل المبدل منه على البدل، بحيث يكون مشعرا بالبدل إجمالا ومتقاضيا له بوجه بحيث تبقى النفس عند ذكر المبدل منه متشوفة إلى ذكره منتظرة له، وعندي: تنتظره بعينه وذاته، أو تنتظر إلى ذكر بدل يناسب الحكم فيعلم عينه بذكره " فقتل الأمير سيّافه" تتشوّف إليه بعينه "و" أعجبتني هند كلامها " تتشوّف إليه هكذا بلا تشخيص، وإنما يتشخص بذكره؛ لأنه يمكن أن يعجبك منها سكوتها.
ولا تتوهّم أنّ بدل الاشتمال هو ما اشتمل عليه المبدل منه اشتمال الظرف على المظروف لا
غيره بل أعم من ذلك، فتارة كذلك مثل: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ)
189
189
البقرة جزء من 217 - الآية الكريمة (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالِ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ. يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
143 (1/159)
صفحة 160
في
190
أَصْحَابُ الْأَحْدُودِ * النَّارِ}، وتارة ليس كذلك، نحو: " شق عمرو ثوبه " فالمبدل منه
هذا هو المظروف إذا كان الثوب على بدنه، وإلا فبدل اشتمال غير مظروف ولا ظرف ولا يخفى أن نحو " قتل الأمير سيافه " و" بني الأمير عماله " بدل اشتمال عندي لا عند
11
الجمهور؛ لأنّ نسبة القتل والبناء غير إجمالية، بل تتعين بالسياف والعمال؛ لأنه معلوم أن الذين يلون القتل والبناء السياف والعمال ولا يليهما الأمير. والجمهور يعدّون هذا بدل عنه. ثم رأيت عيسى الصفوي ذهب ما ذهبتُ؛ إذ استبعد أن يكون " رأيت زيدا عمامته أو ثوبه " بدل غلط، ومال إلى أنه بدل اشتماله، وإلى أنه لا يشترط أن لا يصح الإسناد إلى المبدل منه ظاهرا كما شرطه بعض مثل: " ركبت عمرا حماره " فإنّ الركوب» لا يسند تحقيقا لـ"عمر" بل للحمار" إسنادا إيقاعيا. وكذا رأيت ابن الحاجب عد " رأيت زيدا أخاه من بدل الاشتمال. وكذا عصام الدين إلا أنه جعل ما شرطه الجمهور شرطا لاعتباره عند البلغاء لا لتحققه. ومما يرد على الجمهور: أن بدل الغلط لا يقع في فصيح الكلام فكيف يحملون عليه ما يقع في الفصيح؟ ولو قالوا بدل إضراب لكان أولى، لأنّ بدل الإضراب يعم بدل الغلط وبدل الانتقال والإبطال، وبدل الانتقال بدون الإبطال؛ وهذان الأخيران إما أن ينفيهما المبدل منه عمدا أو نسيانا أو سهوا أو كل ذلك غير الغلط، إلا أنه لا مانع من أن يؤتى بصورة الغلط عمدا، فيكون تغالطا لا غلطا حقيقيا، فيجوز وقوعه في الفصيح، نحو: " بدر شمس جاءني " من عمدت إلى بدر تُري أنه سبق به لسانك وهو واقع في كلام البلغاء ومعتمد للشعراء، وشرطه الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كما
في المثال.
وأما المعطوف عليه ببل فهو مقصود قطعا لا غلط ولا سهو ولا نسيان، والعقل يجيز أن يكون كبدل الغلط أيضا، والمبدل منه غلطا حقيقا ليس مسندا إليه إذ لم يقصد، وأما ذكره تغالطا فقيل كذلك والأولى أنه مسند إليه تحقيقا جيء به على صورة الغلط لأنه مقصود بالذكر، ومعنى قولهم بدل الغلط البدل لأجل الغلط؛ فالإضافة للملابسة، أو البدل لتدارك الغلط، أو بدل المغلوط إليه؛ أعني المبدل منه. ثم إنه يبدل من المسند إليه لتقرير الإسناد، كأنه وقع مرتين كما شهر أنه بنية تكرير العامل، ولا ينافي ما مرّ من المبدل منه في حكم الطرح، لأنه اعتبر الحكم
190 ـ البروج جزء من 4 وجزء من 5 - الآيتان الكريمتان (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأَحْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ)
144 (1/160)
صفحة 161
مسندا للمبدل منه تمهيدا واعتبر أنه مسند للبدل؛ إذ كان المقصود بالذات، ولو قصد التقرير لجيء بالبدل فقط، فقيل في: " جاءني زيد أخوك " من البدل المطابق " جاءني أخوك " و" في جاءني القوم أكثرهم " من بدل البعض " جاءني أكثر القوم "، وفي " سلب زيد ثوبه " من بدل الاشتمال " ثوب زيد فلما ذكر المبدل منه والبدل وقد تعلّق الحكم بهما جميعا واحدا فواحدا
11
n
المتعلّق به
كان فيه تقرير وسلب متعد لواحد؛ فإذا قيل: " سلبت زيدا ثوبه " فثوب بدل منه لا مفعول ثان أو مفعول به، وزيدا منصوب على تقدير صاحب لا متعدّ لاثنين، فضلا عن أن يقال: إن المفعول الآخر محذوف أي " سلب زيد ثوبه بياضه وفي البدل المطابق تقرير آخر هو: إيضاح المبدل منه إذا حصل بالبدل وهو: تقرير للمبدل منه عنه. والمبدل منه قد حكم عليه، فقد تعلّق هذا التقرير بالحكم أيضا بعض تعلق، وقد يحصل به فائدة أخرى تعود للمبدل الحكم: " نحو جاء زيد أخوك " فإن الأخ هو ذات زيد، وأفاد الأخوة زيادة على الذات. ومن البدل المطابق عند البصريين " ضربتك إياك " و "ضربته إياه" و "مررت بك أنت وبه " و قمت أنت " و" إنك أنت قائم ". والذي عندي أنّ ذلك توكيد كالتوكيد اللفظي ـ كما هو مذهب الكوفيين - إذ لم يفد شيئا سوى ما أفاد الأوّل، أعني أن ذات المبدل والبدل ومفهومهما واحد بخلاف " جاء أخوك زيد " فإنّ قولك: " زيد " يبين الاسم ويزيل توهم الآخ الآخر إن كان، فإنّ لفظ الأخ يحتمل في الجملة "زيدا" وغيره، بخلاف " إياك " فإنه لا يفيد إلا ما أفاد
تحكما.
-
(الكاف) في " ضربتك" وليست (الكاف) تحتمل شيئا يزيله إياك وكذا ما بعده من الأمثلة. فقد ظهر لك أنّ الحق ما قلته لا ما قاله البصريون وأقره الرضي وجعل قول الكوفيين وقد وافق البصريون ما ذكرته في قوله: " زيد قام هو " وجعلوا هو. " تأكيدا للمستتر لا بدلا، وكذا قيل عنهم في " قمت أنت "، وفي بدل البعض تقرير آخر لأن المبدل منه يعمّه، فكأنه ذكر مرتين، إذ المبدل منه مشتمل عليه اشتمال الكلّ على إجرائه، وإنما لم يسم بدل اشتمال للفرق بينه وبين بدل الاشتمال وخص بهذا الاسم بدل الاشتمال؛ لأن اشتماله اشتمال ملابسة ومناسبة لا اشتمال كل على بعض، فهو اشتمال فيه خفاء، فاحتاج للتنبيه ولأنه الاشتمال الحقيق، لأنّ الاشتمال الحقيق هو أن يكون المشمول ليس بعض الشامل، وإلا كان بعض الشيء
140 (1/161)
صفحة 162
شاملا مشمولا وفي بدل الاشتمال تقرير آخر إذا كان المبدل منه متقاضيا للبدل مستدعيا له،
كما شرط الجمهور فيه. والله أعلم.
باب العطف بالحرف على المسند إليه
يعطف عليه لإفادة المعاني المذكورة لحروف العطف في النحو مع اختصار وتفصيل لبيانه، نحو: " جاء زيد وعمرو " فإنّه تفصيل لقولك: " جاء رجلان "، فهذا بيان الخصوص كل من المتعدّدين يفوت بالإجمال في قولك: " قام رجلان "، ونحو: " جاء زيد ورجل آخر " فإنّه تفصيل لبيان بعض الإجمال في قولك: " جاء رجلان "، أو مع اختصار وتفصيل لقصد التعريض بغباوة السامع تلويحا إلى أنه لا المتعدد يفهم من صيغة التثنية، نحو: " جاء رجل ورجل آخر " تريد أنك لو قلت " جاء رجلان " لم يفهم ان من جاء اثنان، قيل: بيان الاختصار في ذلك أنه لو أعيد العامل فقيل: " جاء زيد وجاء عمرو " أو " جاء زيد وجاء رجل آخر " لَطَالَ وخرج الكلام عن
عطف المسند إليه إلى عطف الجمل، والذي عندي في أنّ ذلك اختصار في جانب المسند نعم،
11
ولو ذكرا بإجمال ثم فصلا بعطف بيان، نحو: " جاء رجلان زيد وعمرو "،أو بالصفة نحو: جاء رجلان أحدهما زيد والآخر عمرو " لطالَ وكانا مسندا إليهما بواسطة التبعية فيهما جميعا. بأن العطف لتفصيل المسند إليه لا يخص العطف على المسند إليه الذي هو في الكلام
وأنت خبير
متبوع محض، بل يعمّ العطف على المسند إليه التابع نحو: " جاء اثنان زيد وعمرو الرجلان زيد وعمرو ". والله أعلم.
11
و" جاء
11
،
وكذلك " جاء زيد فعمرو فخالد " تفصيل لقولك: "جاء "رجال" وبيان له واختصار عندهم عن قولك: " جاء زيد وجاء عمرو عقبه وجاء خالد عقب عمرو أو بلا إعادة «لجاء "، وكذلك جاء زيد ثم عمرو ثم خالد " تفصيل لقولك: تفصيل لقولك: " جاء رجال " وبيان له واختصار عندهم عن قولك: " جاء زيد وجاء عمرو بعده بمهلة أو بسنة وخالد بعد عمرو بشهر " أو نحو ذلك، أو بلا إعادة الجاء "، وليس في العطف (بالفاء) أو (ثم باعتبار تفصيل المسند اختصار، وإنما فيه باعتبار تفصيل المسند تفصيل للمسند، وأمّا المسند إليه فيه ففيه تفصيل له مع ولكن قد علمت أنه لو أطيل الخرج عن عطف المسند إليه إلى عطف الجمل بتكرير العامل، نحو:
اختصار،
146 (1/162)
صفحة 163
11
جاء زيد فجاء عمرو " أو " ثم جاء عمرو " والذي عندي في ذلك أن الاختصار بترك تكرير العامل اختصار في المسند ـ كما علمت، ثم أنه كما يفصل المسند (بالفاء) و (ثم)، إذ بين ب (الفاء) ترتيبه باتصال في جانب المسند إليه المعطوف، و (تم) بانفصال في جانبه، كذلك يفصل ب (حتى) نحو: " جاءني القوم حتى خالد " إذ أجزاء ما قبل "حتى " مرتبة في الذهن من الضعيف إلى القوي، ومن القويّ إلى الضعيف؛ فمعنى تفصيل المسند إليه بـ"حتى" أن يعتبر تعلقه بالمتبوع أولا، وبالتابع ثانيا من حيث أنه قوي أو ضعيف بالنسبة إلى أجزاء المتبوع. وحاصل ذلك أنّ تعلق الحكم بالأوّل أولى من تعلقه بالثاني، وليس مدلول حتى ترتيب تلك الأجزاء في الذهن بسبب التفاوت بالضعف والقوة إلى أن ينتهي إلى أقواها أو أدناها وهو المعطوف، وإنما مدلولها الغاية قوة أو ضعفا، وإنّما حتى على ترتيب الأجزاء باللزوم لا بالوضع. وكذا يفصل بـ"حتى" المسند إليه، فإن قولك: " جاء القوم حتى خالد " تفصيل لجاء القوم كلّهم، أو لجاء القوم قويّهم وضعيفهم؛ ف (الفاء) و (تم) و (حتى) مشتركات في تفصيل المسند والمسند إليه، وليس في (حتى) اختصار الإسناد كما كان في (الفاء) و (ثم)؛ لأن قولك: جاء القوم حتى خالد " ليس على قصد قولك: " جاء القوم حتى جاء خالد " ولو كان ربّما جاء مثل قولك: " أكرمت القوم حتى أكرمت دوابهم " لكن إنما يجيء مثل هذا على قصد معنى قولك: " عممتهم بالإكرام حتى
"1
دوابهم " وإنما صح حتى دوابهم لأن مدخول (حتى) كما يكون بعضا مما قبلها يكون جزاء كأكلت السمكة حتى رأسها " أو كجزء نحو: "أكرمنا الله حتى دوابنا " و" أعجبتني الجارية حتى حديثها " والجملة يشترط أن يكون متبوعها ذا تعدّد في الجملة حتى يتحقق فيه نقص، وتفصيل المسند إليه بـ (الفاء) و (ثم) و (حتى) ليس العطف بهنّ لأجله فهو حاصل بهن لا مقصود بهن، فتفصيل المسند إليه كأنه كان أمرا معلوما، فسيق الكلام لبيان أن مجيء أحدهما بعد آخر باتصال أو انفصال، أو أنّ المعطوف غاية فيما قبله قوة أو ضعفا، وهذا في (حتى لأنها لا تفيد الترتيب في صدور الفعل المنسوب أو انتفائه فهي تعطف السابق على اللاحق، واللاحق على السابق والمتلاحقين؛ فتقول: " قدم الحاج حتى المشاة " سواء تأخر قدوم المشاة عن الراكبين أو تقدّم، أو مثل: " مات كل أب حتى آدم " جاء واقعا. وتفصيل المسند إليه للتوسل إلى تفصيل المسند،
147 (1/163)
صفحة 164
فالمسند
هو المقصود بالذات بالتفصيل كان المسند إليه متبوعا " كجاء زيد وعمرو "، أو تابعا نحو
"جاء اثنان زيد وعمرو"
ويعطف على المسند إليه لردّ خطا السامع أو لإزالة شكه، أو لتعيين ما جهله ولم يتضمّن له، نحو قوله: " جاء زيد لا عمرو " وردّا على من قال: " جاء عمرو ولم يجئ زيد "، أو ردّا على من قال: " جاءا جميعا "، أو قال: " لم يجئ زيد ولا عمرو لم يجئ زيد ولا عمرو ". أو لإزالة شك شك " من أجاء زيد أوجاء عمرو أو جاءا جميعا ". أو إفادة لمن جهل ذلك و لم يشك، وكذا في نحو: " ما جاء زيد لكن عمرو " أو " بل عمرو "، هذا تحقيق المقام عندي لا ما قال السعد [التفتازاني]: إن لكن لا تجيء في قصر الإفراد مثل أن يقال: " جاءا مثل أن يقال: " جاءا " فتقول: " ما جاء عمرو ولكن زيد "، ولا ما قد يقال: إنه لا يقال " ما جاء عمرو ولكن زيد " إلا ردا على من قال: "جاءا
192
191
جميعا". ولا ما قال عبد الحكيم لكن لا يجيء لقصر التعيين شيء من حروف العطف. ولا ما قيل إنّ الصحيح ما قاله ابن مالك والسكاكي والقزويني من أنّ. لكن. لقصر الغلبة. وإنما وسعت ذلك التوسيع في إباحة استعمال «لا». ولكن، لأنه إن اعتقد نسيان أن زيدا وعمرا لم يجئا لا هذا ولا هذا وقلت له: " ما جاء زيد وقد جاء عمرو "، أو اعتقد أنهما جاءا، أو قلت له: "جاء زيد و لم يجئ عمرو"، أو عكست له، أو لم يعتقد شيئا فأفدت له أنه جاء أحدهما دون الآخر، أو أنهما لم يجئا، أو أنهما جاءا، لم تكن مخطئا، فكذا إذا استعملت في تلك المعاني
لكن.
والظاهر أن كونها لرفع ما يتوهم أغلبي لا لازم، فقد تكون لمجرد الإلحاق كما تكون، بل تارة لمجرد الانتقال، وكثير من المواضع في القرآن لا يظهر فيه رفع التوهم بـ"لكن "إلا بوجه خفي، ألا ترى [ان] نفي الأبوة في قوله تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ
191 ـ ينظر المطول 130:1
-
192
هو ابن شمس الدين السيالكوتي البنجابي اتصل بالسلطان شاهجان، فأكرمه، توفي سنة 1067 هـ / 1656 م، وله تصانيف عديدة، منها " حاشية على تفسير البيضاوي" " زبدة الأفكار" " حاشية على المطول" " حاشية على الجرجاني" "حاشية على شرح التصريف"
148 (1/164)
صفحة 165
193
?
يوهم نفي
الله الرسالة لعدم الاتصال بينهما عند المخاطب، فكيف يستدرك ثبوتها؟ فقال: يسرّ فيه أنّ "لكن" لمجرد قصر لقلب من غير استدراك والمشركون يعتقدون فيه الأبوة ونفي الرسالة، فغلب عليهم اعتقادهم، ولعلّ مرادهم بالأبوّة مطلق التعظيم. ثم إنك قد علمت أن النكت لا يجب اختصاصها فلا يشكل أن قولك: "ما جاء إلا زيد" أو "إنما جاء زيد" يفيد ما أفاد " جاء زيد لا عمرو " أو " ما جاء عمرو لكن زيد " ويفيده لكن التي ليست بعاطفة مثل التي قرنت بـ (الواو).
"
ومن العطف على المسند إليه بـ (الفاء) قولك: " جاء الاكل فالشارب فالنائم " نزلت تعدّد الصفة منزلة الموصوف وهو في منزلة عطف المسند؛ كأنه قيل: " جاء الذي يأكل فيشرب فينام " بعطف الجمل، لكن اللام صارت مع دخولها كالكلمة الواحدة لشدة الامتزاج، فدخل عاطف الصلة على اللام كما يدخل إعراب اللام على الصلة، وليس كما قيل: إنه لو قدرت الموصوف هكذا " جاء الرجل الأكل فالشارب فالنائم ثم اعلم أن أحوال المسند إليه لا تختص به، بل تجيء أيضا في الفضلات وفي المسند، لكن أرادوا بيانها فاقتصروا في البيان لها على المسند إليه؛ لأنه أعظم، ولأنه أنسب بذكر أحوال الإسناد، ثم إنه لا يخفى أن قولك: جاء زيد لا عمرو اختصار من قولك: " جاء زيد ولم يجئ عمرو" وهكذا.
"
تكفي.
66
ثم اعلم أنّ بل لا تنقل النفي السابق لما بعدها؛ لا بإبطاله عما قبلها ولا يجعله كالمسكوت عنه، بل ما بعدها على الإثبات نحو: " ما جاء زيد بل عمرو "، وأجاز المبرد ذلك ولم يوجبه. قال الصبان ضبط المذاهب في "بل" إذا كانت في الإثبات؛ فحكم المتبوع أنه كالمسكوت عنه عند الجمهور. وانتفاء الحكم. عنه قطعا عند ابن الحاجب. وحكم التابع الجزم بالثبوت له عندهم جميعا. وإذا كان في النفي فحكم المتبوع أنه كالمسكوت عنه عند الجمهور. والجزم بالانتفاء
194
193 - الأحزاب جزء من 40 - الآية الكريمة (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ
وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)
194
ينظر شروح التلخيص 384:1
149 (1/165)
صفحة 166
195
196
عند ابن مالك وبالإثبات على ما توهمه القزويني وحكم التابع الجزم بالثبوت له عند
الجمهور. والجزم بالانتفاع على رأي الخضر والتردّد على رأي السكاكي"
الله
66
باب تعقب المسند إليه بالغياب
197
والله أعلم.
وهو على القول بأنه ضمير عبارة عن المسند إليه المتقدم عنه راجع إليه مطابق له، وعلى القول بأنه حرف يكون بصورة الضمير الراجع إليه المطابق له. والصحيح عندي: الأول، وعند بعض - كابن قاسم: الثاني. ويسمّى أيضا عليه ضمير فصل تجوّزا إرساليا لعلاقة المشاكلة؛ لأنه على شكل الضمير، أو لعلاقة كونه ضميرا قبل استعماله فصلا، فإنّه نقل عن الضمير أن يعقب المسند إليه به لتأكيد الحصر وإزالة توهّم أنّ ما بعده نعت إذا أمكن التوهم، نحو: "زيد هو القائم" هو الرزاق " و"الزيدان هما القائمان" و"الزيدون" هم "القائمون" و" الهندان هما القائمتان" و" الهندات هن القائمات "، وإنّما قلت لتأكيد الحصر لأنّ تعريف المسند إليه والمسند يفيد الحصر ولو بلا فصل، نحو: "إن الزيدين القائمون" أو "إن زيدا للقائم". وإذا قيل: "زيد القائم" احتمل القائم أن يكون نعتا وأن يكون خبرا. وإذا قيل: " زيد هو القائم " زال توهم النعت، فسمي فصلا بين المسند إليه والمسند نطقا وفصل بين أن يكون ما بعده خبرا أو نعتا معنى، ولعظم موقع هذا التمييز به بينهما سمي باسم المصدر وهو مبالغة مع حصول وقوعه بين المسند إليه والمسند، ولا يخلو مع ذلك عن التوكيد وعن التوطية والتمهيد للخبر. والله أعلم
باب ذكر المسند إليه أولا
يذكر أوّلا لكونه أهم من ذكر باقي أجزاء الكلام بمعنى أنّ العناية به أكثر من العناية بذكر غيره، وذلك شامل لذكر المبتدإ قبل الخبر، ولذكر الفاعل أو النائب قبل المفعول به وسائر الفضلات، ولا بدّ للاهتمام من جهة يذكرها المصنّفون في هذا الفن أو المخرج لكلام غيره على
195
- ينظر تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، تح محمد کامل برکات دار الكاتب العربي للطباعة والنشر القاهرة
1967، ص 177
196 ـ الإيضاح 124 - ينظر المطول 131:1
-
197
150 (1/166)
صفحة 167
الاهتمام، وذلك أنّ ذكر المسند إليه قبل هو الأصل لأنه محكوم عليه، ولا يحكم على الشيء إلاّ بعد أن يتصوّر في ذهن المتكلّم تصوّرا بكنهه أو بوجه ما؛ فناسب أن يذكر قبل حين لا مقتضى للتأخير، ألا تري أنه لما كان العامل مقتضيا لأن يكون قبل المعمول ذكر الفاعل أو النائب بعده، ومثل ذلك [ ..... ] الخبر الذي هو اسم استفهام، وإذا لم يكن لتقديم المفعول مثلا على الفاعل مقتض أُخر وإن كان قدّم. وإن قلت: الأصالة نكتة ومقتضى التأخير نكتة، فلم حكم بمقتضى ألغيت نكتة الأصالة؟ قلتُ: إذا كانت نكتة التأخير بحسب النحو كالفاعل والمبتدإ *
التأخير من
المخبر عنه باسم الاستفهام؛ فلأنها أقوى وإذا كانت لا بحسب النحو فلضعف نكتة الأصالة بالنسبة إلى نكتة لا تحصل إلا بالتأخير؛ لأنّ المعنى الحاصل بذكر المسند [لأنه] غير فائت بتأخيره، فإذا أُخر لنكتة حصلت وحصل معها فتحفظ على هذا، فإنك لا تجده بتمامه، هكذا لغيري. وإن قلت: كما أنه لا يحكم على الشيء ذهنا ولا خارجا إلا بعد تصوّره، كذلك لا يحكم بالشيء إلا بعد تصوّره، فكلّ من المحكوم عليه والمحكوم به سواء في حصول التصوّر في الذهن قبل الحكم في اللفظ، فلم ربِّح المحكوم عليه وهو المسند فجعل له أصل الذكر أولا؟ قلت: لأنّ المحكوم به مطلوب لأجل المحكوم عليه فناسب ملاحظة المحكوم عليه قبل، ولأن المحكوم به صفة له، والموصوف يلاحظ قبل ومتقدم وجودا أو أكثر ما يكون المحكوم به إذا كان حدث، وإذا لم يكن كذلك حمل على الأكثر، بل يؤوّل أيضا بالحدث؛ فإنّ معنى قولك: "هذا زيد" أو "المنطلق الزيدان" متصف بكونه زيدا.
واعلم أن ثبوت الصفة فرع ثبوت الموصوف، وقالوا: ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت الشيء الثاني. واعترض بأنه لا يتأتى في ثبوت الوجود لشيء؛ فإنه لو كان ثبوت الوجود لـ"زيد" فرع وجود "زيد" لاقتضى وجودا آخر، وهكذا فيتسلسل، بل ثبوت شيء لشيء يستلزم ثبوت المثبت له ولو بذلك الثبوت، فإثبات الوجود لـ"زيد" يستلزم وجود "زيد" بذلك الوجود، ولعلّ هذا مراد بالدخول في قولهم ثبوت شيء لشيء فرع ... الخ). والله أعلم.
ويذكر المسند إليه أولا لتشوف النفس إلى ذكر ما يحكم عليه به فيجيء، والنفس مستعدة له، فيتمكن فيها؛ فالمسند إليه أهم لذلك، فيذكر أوّلا كقوله [أي قول أبي العلاء في رثاء أحد فقهاء الحنفية]: [من الخفيف] (1/167)
صفحة 168
وَالَّذِي حَارَتْ الْبَريَّة فيه
حَيَوانٌ مُسْتَحْدَتْ مِنْ جَمَادِ
198
ومعناه إثبات البعث للأجسام والأرواح والردّ على منكري البعث أصلا كمشركي العرب، وعلى منكري بعث الأجسام فقط وهم النصارى قبحهم الله، وكأنه يقول: الجنس الذي تحيرت في بعثه البريئة الذين هم مشركو العرب وغيرهم والنصارى فأنكروه حيوان كان معدوما، ثم أحدثه الله إحداثا عظيما محكما من تراب بخلق أبيهم منه أو من نطفة، ومعلوم لبادي الرأي أنّ البعث أهون من الإنشاء؛ وهما عند الله سواء، فالمراد بـ"الذي" الجنس، ولذلك أفرد وكذا أراد بحيوان جاء به نكرة للعموم الشمولي مع أنه في الإثبات، وذلك قليل ولكن سهله أنه لم يستقل بذلك بل أخبر به عن الجنس. والمراد" بـ"البرية" من أنكر البعث - كما مرّ لا الخلق العقلاء كلهم، لأن من أثبت بعث الأجسام والأرواح لا حيرة له في ذلك، اللهم إلا أن يقال: أراد مطلق الحيرة الشاملة لجيرة مثبتة لأنه يدفع شبهة المنكرين ودفعها لا يخلق غالبا عن التحير ولحيرة منكره، أو يقال أراد بها مطلق الاضطراب والاختلاف والتحيّر في الشيء يلزمه الاختلاف في بعض الصور فيكون من إطلاق الملزوم على اللازم أو يقال أراد التحيّر في كيفية البعث، فيراد بالبرية مثبتة للروح والجسم، كما استزاد الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى 199، أو يراد بها المثبت كذلك والمنكر على فرض ثبوت البعث كيف يكون. و (السين) في مستحدث للمبالغة والجماد التراب أو النطفة بناء على أنها جماد، وهذا الشاعر قائل بالبعث للجسم والروح، وقيل: البيت لأبي العلاء المعري ونسبوا إليه الإلحاد والكفر وهو القائل: يدٌ بِخَمْسٍ مِنِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبِّعٍ دِينَارٍ.
200
198
وأجابه بعض: [من البسيط
ينظر سقط الزند دار بيروت للطباعة والنشر لبنان،1978، ص 7 البيت من قصيدة مطلعها:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شاد
199
البقرة جزء من 260 - الآية الكريمة (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةٌ مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعيًا
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
200 ذكرت برواية أخرى يد بخمس مئين فديت * ما بالها قطعت في ربع دينار
152 (1/168)
صفحة 169
عر الأمانة أعلاها وأرخصها
11
ذلُّ الخيانة فاقهم حكمة الباري
ذكره الفنرى على المطول - و"أغلى" و "أرخص فعلان ماضيان و (ها) في "أغلاها" للأمانة وفي "أرخصها" لليد ونسبوه للشرك بقوله (يد بخمس مئين ..... .. البيت.) إنكارا منه لقطع
السارق، وأقول: لم ينكر بل يتعجب من أمر الله ويستعظمه؛ وكأنه يسأل حكمة، والقائل: (عز الأمانة ... البيت. (هو عبد الوهاب المالكي "، وفي رواية:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها
201
صيانة المال فافهم حكمة الباري
قال ابن حجر: شرح ذلك أن الديّة لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على [الدية]، ولو كان نصاب القطع خمس مائة لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، فكان في ذلك صيانة من الطرفين، وكقولك: إن الرجل الذي رأيته يؤذن قد مات" و"صار
الذي صيّره مؤذنا مقعدا أبكم أصم" و "علمت" قاضي البلد الذي يجور أعمى" والله أعلم. ويذكر المسند إليه أولا لتعجيل السرور، وذلك بأن يكون لفظا تميل النفس إلى معناه لما فيه من الخير فيذكر أوّلا، فذكره أولا تعجيل بذكر ما يسرّ فهو تعجيل للسرور، وحمل على التفاؤل به أولا، ولو أخر لحصل للنفس سرور وتفاؤل، لكن أخيرا، نحو: "سعد في دارك". ويذكر أولا أيضا لتعجيل المساءة على عكس ما مضى كقولك لعدوّك:" السفاح في دارك" و"الغراب في بيتك" وسواء في ذلك كان" سفاح" علما لرجل - كأوّل خليفة من بني العباس-
201
- هذه الأبيات تنسب أيضا إلى الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب (355 - 436 هـ - 966 ـ 1044 م) نقيب الطالبيين، وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر. يقول بالاعتزال مولده ووفاته ببغداد. له تصانيف كثيرة منها (الغرر والدرر) يعر يعرف بأمالي المرتضى، و الشهاب في الشيب والشباب) و (الشافي في الإمامة تنزيه الأنبياء (الانتصار) في الفقه، و (المسائل الناصرية) في و تفسير القصيدة (المذهبية) شرح قصيدة للسيد الحميري و إنقاذ البشر من الجبر والقدر) و (الرسائل) و طيف الخيال) و (مقدمة في الأصول الاعتقادية ورقتان، و (أوصاف البروق) ديوان شعر يقال: إن فيه عشرين ألف بيت. وكثير من مترجميه يرون أنه هو جامع نهج البلاغة لا أخوه الشريف الرضي، قال الذهبي: وهو. أي المرتضى - المتهم بوضع كتاب نهج من مترجميه يرون أن هو جامع نهج البلاغة)، ومن طالعه جزم بأنه مكذوب على أمير
الفقه
المؤمنين. (1/169)
صفحة 170
أو صفة بمعنى "سفاك الدماء" وهو أصل ذلك العلم، وأما "سعد" فعلم وإلا لم يجز الابتداء به لعدم المسوّغ. والله أعلم.
ويذكر أوّلا أيضا لإيهام المتكلّم السامع أنه لا يزول ذلك المسند إليه عن قلبهما أو عن قلب أحدهما لكونه أمرا مطلوبا، وما لا يزول عن القلب يجري على اللسان أولا، فهو أنسب بالذكر أولا. وإنّما قلت: "لإيهام" لأنّ المراد عدم الزوال أصلا، ولا شك أن عدم الزوال أصلا أمر وهمي لا يتحقق؛ لأنه لا بد أن يزول عن القلب في بعض الأحيان، والله أعلم. مثل أن تقول للحريص على المال بحيث يكثر تصوره في نفسه " المال يجيئك من أرض فلان أو تكون الحريص فتقول: المال يجيئني من الله " أو " المال مطية دينية ودنيوية ويذكر المسند إليه أوّلا لإيهام استلذاذ ذكره لكون مدلوله محبوبا استلذاذا حسيا، أو لتحقيق الاستلذاذ مثل أن تقول: " المال نافع " تستلذ ذكر المال تحقيقا، أو توهم السامع أن ذكره لذيذ، وذلك عند المتكلم أو السامع - كما رأيت أو كليهما. والله أعلم.
ويذكر أيضا أولا إظهارا لتعظيمه نحو: " رجل فاضل في "الدار" و"أبو الفضل معي" و "ابن السلطان عندي " وأصل التعظيم يحصل من اللفظ ولو تأخر، لكن يتعجل الإظهار، بل قد يقال: إن اللفظ قد يكون لفظ تعظيم وليس في نية المتكلّم التعظيم، فيقدّمه ليظهر أنه قد عَظُم مدلوله، ويلوح أن الكلام سيق له نفسه أو يقال التقديم في الذكر اللساني يشعر بالتقدم والشرف في
الرتبة.
وكذلك يذكر أولا إظهارا لتحقيره، ووجه ذلك أنه يظهر التلهف إلى ذكره بسوء، وأنه لا
يحتمل التأخير، كقولك فيمن يزيده بمكروه: " الأحمق جاء ". والله أعلم.
عدم
ويذكر المسند إليه أولا ليفيد ذكره أولا أنّ الخبر الفعلي السلبي المتضمن تضمين المبتدإ على الفاعلية إنما هو له، وذلك إذا ولي المسند إليه حرف النفي، نحو قولك: " ما أنا قلت هذا " أي التكلم به مقصور علي أمّا غيري فقد قاله وهو من زعم المخاطب أنه قاله معك سواء أراد المخاطب أنه قاله جمع من سواك معك أو قاله بعض من سواك فيكون القصر قصر إفراد، أو زعم أنك قلته وردّك دونه فيكون القصر قصر إفراد فيجيء قصرك بحسب ردّ ما أراد، وإن أصبت الردّ وزدت عليه صح القصر، وأخطأت أو أصبت مثل أن يريد أنك قلته مع بعض وتريد في (1/170)
صفحة 171
قصرك أنك لم تقله وجميع من سواك قاله ولا يفيد الخبر الوصفي ذلك، نحو: "ما أنا قائل هذا "، أو قوله تعالى {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز 202 إذ ليس المراد أن "العزيز" أنت وغيرك، ولا أن" العزيز" غيرك، لأنه ولو كان هذا الأخير مرادهم في نفس الأمر لكن لم يقصدوه بالعبارة، وقال
203
السعد في (المطول): إنه يفيد الوصف ما يفيد الفعل وإن كان فعليا، والفاعل غير ضمير المبتدإ، نحو: " ما أنا قال " أي هذا لم يفد ذلك، وقيل: يفيده، وعلى إفادة ذلك يكون معنى "ما أنا قائل هذا" أي قائله غيري، ومعنى "ما أنا قال" أي هذا إن قائله غيري. ومعنى الآية: أنّ العزيز" غيرك وهو سلطانهم أو أكابرهم. وقيل: يفيد القصر ولو لم يله حرف النفي، بل فصل بمعمول الفعل، نحو: "ما هذا أنا قلت" و"ما زيدا أنا ضربت" و"ما في الدار أنا جلست"، وهذا
الأخير على القول بجواز تقديم معمول الخبر الفعلي على مبتدئه إذا لم يلبس وهو الصحيح. ثم اعلم أنه قد ينسب المخاطب الفعل إليك من غير تعرض لغيرك، مثل أن يعتقد أنك قلت هذا و لم يعتقد أن غيرك قاله معك، ولا أنك وحدك قلته، فتقول في الردّ عليه: " ما أنا قلت هذا تقصد مجرد نفي ما اعتقده ولا تقصد الحصر، وأصل هذه العبارة الحصر، وإنما تخرج لقرينة، وإن قصدت الحصر جاز وكنت قد زدت على الردّ عليه كما يجوز للمجيب أن يزيد على ما في السؤال مثل هِيَ عَصَايَ 204 الآية. ففيها زيادة على وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا
11
عنه
موسى. ولإفادة القصر بذكر المسند إليه أوّلا متلوّاً بحرف النفي أو مفصولا بمعمول الخبر، لم يصح "ما أنا قلت هذا ولا غيري" لتناقضه؛ لأنّ قولك: " ما أنا قلت هذا " بمعنى أن غيري قاله ولم أقله، وقولك: " ولا غيري " نص في أنّ غيرك أيضا لم يقله، إلا إن كنت نصبت القرينة على أنك لم ترد الحصر بقولك: " ما أنا قلت هذا فحينئذ يصح أن تقول: "ولا غيري" وانظر هل
202
- هود جزء من 91 - الآية الكريمة قَالُوا يَاشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)
203
- 137:1
204 ـ طه الآيتان 17 و 18 {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّا عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا
-
مارب أخرى (1/171)
صفحة 172
عدم
يكون قولك ولا غيري قرينة عدم الحصر؟ فيجوز أن تقول ذلك ولا حصر فيه – كما قاله ابن قاسم ويناسبه قولهم عدم الجواز دليل التجوز، يعنون أن صحة حمل الكلام على حقيقته دليل على أنّ قائله قد استعمل فيه المجاز، والذي يجب تحقيقه أنّ قولهم: هذا لا يطرد في جميع الصور، وأنّ الناطق به إذا علمت أنه لم يقصد المجاز بل جهل أو أخطأ لم تحمل كلامه على
المجاز، وكذا إذا لم تعلم أنه قصده، ولا أنه لم يقصده، ولا علمت أنه أهل لأن يقصده.
وإن قلت: إذا قال: "ما أنا قلت هذا ولا غيري " دلّ بالعطف على أنه لم يقصد الحصر
-
كما قال ابن قاسم - فلم يلزم التناقض بل لزم كون التقدّم لغوا إن لم يكن له داع غير الحصر، وإن كان له داع غير الحصر صح ولم يكن لغوا، فظهر أنه يجوز ذكر المسند إليه أولا لغير الحصر في مثل هذه العبارة إذا كان ثُمَّ غرض آخر - كما قاله عصام الدين في (الأطول) - قلت: هذه العبارة موضوعة للحصر لا تستعمل في غيره إلا لقرينة واضحة غير قولك: "ولا غيري ". واعلم أيضا أنه لا يجوز عند بعض المحققين "ما أنا رأيت أحدا لما مرّ من إفادة ذكر المسند إليه أولا متلوا بحرف النفي ... الخ الحصر، وذلك أن معنى قولك: " ما أنا رأيت أحدا " معناه: ليس أحد من الناس رأيته، وكل أحد لم أره لوقوع النكرة في سياق السلب، ومعناه أيضا: ذلك أن مع بعض الناس قد رأى كل أحد لإفادة الذكر أولا الحصر الراد على المخاطب، وليس ممكنا أن يرى بعض الناس جميع الناس والحاصل أنه بمنزلة قولك: " ما أنا رأيت كل أحد، بل غيري قد رأى كل أحد " وهو غير صحيح، وإنّما يصح ذلك أن حملت النكرة في المثال على استغراق عرفي لا حقيقي، وإن قلت: " ما أنا رأيت أحدا " سالبة كلية نقيضها موجبة جزئية هكذا "بعض الناس رأيتهم" فصح المثال مع ثبوت رؤية غيره ولو أحدا من وها أنا أزيدك إيضاحا بأن استحضر لك أنّ النكرة في سياق السلب تعمّ كلّ فرد على حدة حتى يعمهم النفي كلّهم؛ فإذا قلت: " أنا ما رأيت أحدا " فمعناه أنا ما رأيت هذا ولا هذا ولا هذا " وهكذا حتى تفرغ الآحاد فأي مانع أن يجيء القصر على بعض الآحاد على حدة، فيكون كقولك: " أنا ما رأيت زيدا ولا عمرا " وهكذا، " بل فلان رأى زيدا "، ولا ينهض ردّا على ما. قلته قول بعض: إن التركيب المفيد لحصر النفي على المتكلّم إنما هو في اصطلاح البلغاء لمن
الناس.
???? (1/172)
صفحة 173
اعتقد وقوع الفعل على الوجه الذي وقع عليه النفي من العموم والخصوص، وأخطأ في تعيين
الفاعل.
واعلم أنه لا يجوز عند ذلك المحقق "ما أنا أكرمت إلا زيدا " لأنه يقتضي أن يكون غيرك قد أكرم كل أحد سوى زيد وليس ممكنا إلا في العموم العرفي وفيه البحث السابق آنفا، قال عصام الدين في (الأطول): الحصر إنما يحصل بذكر المسند إليه أولا متلوا بالفني إذا لم يكن المسند إليه دالا على العموم وإلا فلا، حصر كقوله: ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه. والله أعلم. وإن لم يل المسند إليه حرف النفي بأن تأخر حرف الفني عنه أو فصل أو لم يكن في الكلام حرف النفي فقد يذكر أوّلا للحصر ويلزمه التقوي وإن كان غير مقصود وغير ملحوظ. مثال عدم النفي: " أنا سعيت في حاجتك " ومثال أن لا يلي حرف النفي: " أنا ما قلت" فإنه متلوّ بحرف النفي والتالي حرف النفي، وما زيدا أنا ضربت على ما مرّ فيه و"ما إن أنا ضربت زيدا" للفصل بإن الزائدة المؤكدة لما النافية، أو بإن النافية المؤكدة على القول بجواز التوكيد اللفظي بالمرادف بلا إعادة مدخول الحرف، وقيل: لا يعد الفصل فصلا. وقولك: " أنا سعيت في حاجتك " إن خاطبت به من تردّد " سعيت أنت أو غيرك في حاجته " فهو قصر تعيين وإن خاطبت به من زعم أنك وغيرك ساعيان فيها فقصر إفراد، وإن خاطبت به من زعم أنك لم تسع فيها بل غيرك فقصر قلب، وإن خاطبت من لم يتردّد و لم يزعم أحد الزعمين فلا قصر إن لم تقصده ولك قصده منعا لمخاطبك أن يكون متردّدا بعد أو زاعما، وإن شككت لعله تردّد أو زعم فلك قصد الحصر بحسب ما شككت فيه. وإذا قصرت قصر قلب وأردت التوكيد قلت: " أنا سعيت في حاجتك لا غيري " أو " لا زيد" إن زعم مخاطبك أن زيدا هو الساعي فيها، أو " لا عمرا " إن زعم أن عمرا هو الساعي فيها وهكذا. أو " لا من سواي ". وإذا قصرت قصر إفراد وأردت التوكيد قلت: " أنا سعيت في حاجتك وحدي " و" أنا سعيت في حاجتك منفردا " أو " أنا سعيت في حاجتك غير مشارك "، ولو قلت في قصر الإفراد " لا غيري " أو " لا زيدا " وما أشبه ذلك لأفاد تأكيد قصر الإفراد، إلا أن نحو قولك: " وحدي " أو " منفردا " أولى لأنه يدلّ على نفي الشركة تصريحا، ونحو قولك: " لا غير " أو " لا زيد " يدلّ على نفيها التزاما، والغرض تأكيد نفي الشركة المخالطة لقلب السامع فما هو في (1/173)
صفحة 174
11
دفعها أصرح " كـ"وحدي " و "منفردا " أولى. ولو قلت في قصر القلب "أنا سعيت في حاجتك وحدي " أ و منفردا " أو نحو ذلك لأفاد تأكيد الدلالة؛ فكون دلالته على نفي كون الساعي هو "زيد " مثلا لكن دلالة التزام بخلاف لاغيري " أو نحوه، فإنّه يدل على نفي ذلك تصريحا، والشبهة وما فوقها يدفعان تصريحا. والله أعلم. وقد يذكر المسند إليه أوّلا لتقوية الحكم وتقريره في ذهن السامع بلا حصر في الإثبات كقولك: " اتَّقِ اللَّهُ وَأَطِعْهُ هُوَ يُعْطِي الْجَزِيلَ " تقصد أنه يعطي الجزيل تحقيقا، وذلك في كل مسند إليه مقدّم على خبر مسند إلى ضميره إسنادا تاما، والتقوية من جهة تكرار الإسناد التام السكاكي والقزويني، وقال عبد القاهر الجرجاني في كل مبتدإ مقدم على خبره الجملي والتقوية بارتباطه بالمبتدإ بسبب العائد فعلى هذا "زيد" أكرمته " للتقوية عند عبد القاهر دون القزويني والسكاكي، وزيد قام " للتقوية عندهم كلّهم، وقال السيد بموافقة السكاكي لعبد
القاهر.
ثم إنه كما لابد للتخصيص من داع إليه كذلك التقوية وهو إزالة الشك أو الإنكار حقيقة أو ادعاء، وكذلك إذا كان الفعل منفيا بحرف مؤخر عن المسند إليه، فقد يأتي للحصر ـ كما مرّ نحو: " أنت ما سعيت في حاجتي " قصدا إلى قصر عدم السعي فيها على مخاطبك وإلى أن غيره
?
"
سعى فيها، وتقدّم ذلك ولكن ذكرته الآن لأقول: وقد يأتي لتقوية نفي الحكم كالمثبت نحو أنت لا تكذب " فقدمت لفظ أنت لتقوية نفي الكذب، ولو قلت: " لا تكذب " لكنت نفيت "الكذب " بلا تأكيد لنفيه، وذلك أنّ في أنت لا تكذب " إسنادين، وفي "لا تكذب" إسنادا واحدا، وكذا تقول: " أنت ما سعيت في حاجتي " تأكيدا لنفي السعي، ولو قلت: "ما سعيت" لم يكن تأكيدا، وإن أردت به الحصر جاز كما مرّ. والحصر في "أنا ما سعيت عند قصد الحصر إنما يراد به الردّ على من اعتقد عدم السعي في حاجته وأصاب لكن أخطأ في الذي لم يسع، أنه غيرك أو أنت بمشاركة غيرك والحصر في. أنا ما سعيت - عند قصده إنما يراد به الردّ على من اعتقد وجود السعي في حاجته وأصاب، لكنه أخطأ في الذي لم يسع، فزعم أنه غيرك أنت بمشاركة غيرك. والحصر في " ما أنا سعيت عند قصده إنما يراد منه الردّ على من اعتقد
فزعم
158 (1/174)
صفحة 175
وجود السعي وأصاب، لكنّه أخطأ في الذي يسعى فزعم أنه انفرادا أو مشاركة، ولا بد فيه من
ثبوت الفعل على الوجه الذي ذكر في النفي إن عاما فعام وإن خاصا فخاص. والله أعلم. وإذا قلت " لا تكذب أنت " فليس فيه تأكيد بإسنادين لأن فيه إسناد واحد، ولكن فيه تأكيد للمسند إليه بلفظ " أنت " رفعت به أن يقال أسندت للتّاء) للسهو أو الغلط أو النسيان أو التجوز، وليس "أنت " تأكيد للحكم. والله أعلم.
وإذا بني الفعل على منكر أو على ضمير عائد إليه أفاد ذكره أولا الحصر، كما في المعرفة، لكن هنا حصر على الجنس أو النوع، أو الواحد فصاعدا أو إياه فصاعدا مع الجنس، أو مع النوع، ونحو: " جاءني رجل " أي "لا" امرأة " فيكون قصرا على الجنس أو "لا رجلان " أو "لا رجال " فيكون قصرا على الجنس أو لا امرأة ولا رجلان " أو "ولا" رجال " فيكون للقصر على الجنس وعلى الواحد؛ كأنه قال: إن المتصف بالمجيء من الرجال لا من النساء، وأنه واحد لا اثنان أو أكثر. ومثال الضمير الرافع للنكرة " أكرمت رجلا وهو جاءني "؛ فقولك " وهو جاءني للحصر في جنس الرجل، أو في الرجل الواحد "، أو فيهما؛ كأنك قلت: "جاءني الرجل الواحد لا المرأة ولا رجلان فصاعدا "، والمسوّغ لرجل الحصر أو كونه فاعلا في المعنى. وفي قولك: "
رجل ما جاءني " و " ما رجل جاءني " ما تقدّم في (ما أنا قلت هذا)، و (أنا ما قلت هذا). والغالب في النكرة المفردة سواء قلنا: وضع النكرة للفرد المنتشر أو للمفهوم أن تستعمل في الواحد من الجنس فتدل على الواحد بقيد كونه من الجنس؛ ففيها دلالة على الوحدة والجنس. وقد يقصد بها الجنس فقط، نحو: " جاء رجل " إذا نفيت به كون الجائي من النساء ولم ترد النص على الوحدة سواء أردتها أم أردت اثنين أم أكثر. وقد يقصد بها الواحد بلا قصد إلى نفي عدم كونه من الجنس مع المراد أنه من الجنس، وكما يفيد ذكر المعرفة أولا التقوية تفيدها النكرة على حد ما في المعرفة والتقوية تكون أيضا في جميع صور الحصر الواقع بالذكر أوّلا، لكن قد يلاحظ في بعض وقد لا يلاحظ، وقال عبد القاهر: إن ولي المسند إليه حرف النفي فذكره أولا هو للحصر قطعا نحو: " ما أنا قلت " و" ما رجل ذهب، وإلا فقد يكون للحصر، وقد يكون للتقوية مضمرا كان المسند إليه أو مظهرا معرفا أو منكرا، نحو: " أنا قلت " و" رجل قال " و (1/175)
صفحة 176
200
"أنا ما قلت" و" رجل ما قال "، وذلك بخلاف مذهب السكاكي؛ فإنّه يرى إن كان نكرة فللحصر نصا إن لم يمنع منه مانع وإن كان معرفة مظهرا فليس إلا للتقوية لعدم جواز تقديره مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط الذي هو من شروط الحصر عنده، وإن كان مضمرا فقد يكون للتقوية، وقد يكون للحصر إن جاز تقديره مؤخرا على أنه فاعل معنى واعتبر هذا التقدير فإنّ السكاكي يشترط في الحصر بذكر المسند إليه أولا أن يجوز أن يقدر كونه في الأصل فاعلا معنى مؤخرا أو أن يعتبر هذا التقدير، وأن لا يمنع مانع من الحصر. قال الصبان حاصل الصور على مذهب السكاكي وعبد القاهر تسع؛ لأن المسند إليه المقدم نكرة أو معرفة مظهرة أو مضمر؛ فهؤلاء ثلاث بعد حرف النفي أو قبله أو في الإثبات، وهذه ثلاث في الثلاث بتسع. فعبد القاهر فصلها تفصيلين الأوّل ما تعيّن فيه الحصر؛ وهو ثلاث صور: النكرة والمعرفة الظاهرة والمضمر إذا وقعن بعد النفي، الثاني: ما يحتمل الحصر والتقوية؛ وهو ست صور: وهذه الثلاث قبل النفي وهذه الثلاث في الإثبات. وأما السكاكي ففصلها ثلاث تفاصيل؛ الأول: ما تعيّن فيه الحصر؛ وهو النكرة بعد النفي أو قبله أو في الإثبات إذا لم يمنع مانع من الحصر، الثاني: ما تعين فيه التقوية؛ وهو المعرفة الظاهرة بعد النفي أو قبله أو في الإثبات، الثالث: المضمر بعد النفي أو قبله أو في الإثبات. فاتفقا في ثلاث في النكرة بعد حرف النفي على أن تقديمها للحصر فقط، والمضمر في الإثبات، أو قبل النفي على أن يحتمل الحصر والتقوية واختلفا في ست النكرة قبل النفي، أو في الإثبات للحصر عند السكاكي وله أو للتقوية عند عبد القاهر والمعرفة الظاهرة بعد النفي أو قبله، أو في الإثبات للتقوية عنده. وقال عبد القاهر: (المعرفة بعد النفي وقبله أو في الإثبات له أو للتقوية والمضمر بعد النفي للحصر عنده وله أوّلها عند السكاكي. قال القزويني في (شرح
المفتاح (المعرفة الظاهرة للحصر أو للتقوية، وإن كلام السكاكي في (المفتاح) يشير إلى ذلك. ومثال تقدير المبتدأ مؤخرا فاعلا معنى في الأصل نحو: "أنا قمت" فإنّه يجوز أن يقدر أن الأصل " قمت أنا " فيكون " أنا فاعلا معنى تأكيدا لفظا، وإن لم يجز تقدير كونه في الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى أو جاز ذلك ولم يعتبر أفاد تقوية الحكم فقط، نحو: "أنا قمت" إذا
205 ينظر شروح التلخيص 406:1
160 (1/176)
صفحة 177
11
لم يعتبر، ونحو: زيد قام " فإنّه لا يجوز أن يقدّر أن أصله " قام زيد " لأن الفاعل لا يقدّم، وهذا إذا أخر كان فاعلا لفظا، بخلاف " أنا قمت " فإنّه إذا أخر كان تأكيدا لفظا فاعلا معنى، لأنّ تأكيد الفاعل فاعل، وأنت خبير أنه لا يكون، نحو: "رجل جاءني" من كل مسند إليه منكر إذا أخر كان فاعلا لفظا كما هو فاعلا معنى مفيدا للحصر بل التقوية. وقال السكاكي إنّه يفيد الحصر أيضا على أنّ "رجل" مبتدأ في نيّة التأخير ونيّة بدل أنه من ضمير "جاء "على أن في "جاء ضميرا معتبرا ولو مع تأخير "رجل" على حدّ وَأَسَرُّوا النَّحْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا 206 إذا قيل الذين - بدل من (واو) أَسَرُّوا"، وذلك أنه يكون رجل " حينئذ فاعلا معنى إذا نوي بالتأخير بدلا من الفاعل، ولكن يُبحث فيه بأنه لا دليل علي هذا؛ فإنه إذا قيل: " جاء رجل " لم يدل دليل على أن في جاء ضميرا - بخلاف الآية - اللهم إلا أن يقال المراد بالمنكر الخالي من مسوغ الابتداء هو الذي يجب فيه اعتبار الحصر بالتقديم، بخلاف نحو: " بقرة تكلمت " و" كوكب أنقض الساعة " و (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ 207) فلا حاجة لاعتبار الحصر بالتقديم. وإبدال المظهر من المستتر في الفعل أن يسلم وجوده في مثل: " قام رجل " فلا يخفى أنه قليل فلا تحمل الكلام الشائع عليه بلا ضرورة وإن وجدت ضرورة وهي خلو النكرة من مسوّغ سوء الحصر جاز، وإنما تكلّف السكاكي ذلك لأنه لا مفيد للحصر وهو مراده، فكلّف له وجها وهو كونه في نية التأخير. والإبدال من ضمير في الفعل مقدم للحصر، بخلاف المعرفة؛ فيصح جعلها مبتدأ بلا حصر، فلم يجعلها في نية التأخير والإبدال.
"
206 - 2 - الأنبياء جزء من 3 - الآية الكريمة (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ
السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ)
207
- القيامة 22
161 (1/177)
صفحة 178
ومثال المانع من الحصر قولك: (شَرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابِ) فإن فيه مانعا من الحصر، أما على الحصر في الجنس فلا امتناع أن يراد أنّ الذي أهره شر لا خير؛ لأنّ الخير لا يكون مُهرًا، فضلا عن أن ينفي هريره ذا ناب بالحصر في الشر، وإن قلت فليكن الحصر تصريحا بالواقع كالصفة الكاشفة لا احترازا فلا مانع من أن يقال: "إنّما أهره شر" ولو كان لا يمكن أن يهره خير. وقد لوح السكاكي إلى أنّ اختصاص الصفة بالموصوف لا يمنع الحصر بل يجامعه، قلت: ما لا يحتاج إليه ممنوع عند البلغاء الذين كلامهم موضوع هذا الفن، فهو خارج عن البلاغة ولو كان جائزا في نفسه، ولعلّ كون اختصاص الصفة بالموصوف لا يمنع الحصر إنما هو إذا لم يكن الاختصاص معلوما لكل أحد، ولذا منع السكاكي الحصر في "شَرِّ أَهَرَّ ذَا نَاب"، وأما على الحصر في الواحد فلانه ليس المراد أنّ المهر شر لاشران أو لا شرور. أما على مورده فظاهر، وأما على مضربه إذ كان يضرب في مقام الحثّ على شدّة التحريض على قوة الاعتناء بالشر، فكون المهر شرا لا شرين ولا شرورا يوجب التساهل وقلة الاعتناء - وذو ناب: كلب، و"الإهرار: صوته عند تأذيه عجزه عمّا يؤذيه، وقيل مطلق الصوت - وعليه فالتقديم للحصر فهو يصوّت للخير وللشر [أو] الحصر أنه ما أهره إلا شر، والأرجح الأول.
ووجهه
أن
وقد صرّح الأئمة بالحصر فيه مطلقا، وقالوا معناه: "ما أهر ذا ناب إلا شرّ" تنكيره للتعظيم والتهويل، والحصر من جهة التعظيم والتهويل فالمعنى شرّ عظيم فظيع لا شرّ حقير، فالحصر نوعي في الجنس أو الواحد، ومانع الحصر إنما منعه من حيث الجنس والوحدة،
208
2 - قال سيبويه: وفي المثل: شَرِّ أَهَرَّ ذا ناب وحَسُنَ الابتداء بالنكرة لأنه في معنى ما أَهَر ذا ناب إلا شر أعني أن الكلام عائد إلى معنى النفي وإنما كان المعنى هذا لأن الخبرية عليه أقوى، ألا ترى أنك لو قلت: أمر ذا ناب شر، لكنت على طرف من الإخبار غير مؤكد؟ فإذا قلت: ما أَهَر ناب إِلا شَرٌّ، كان أوكد، ألا ترى أن قولك ما قام إلا زيد أوكد من قولك قام زيد؟ قال: وإنما احتيج في هذا الموضع إلى التوكيد من حيث كان أمراً مهماً، وذلك أن قائل هذا القول سمع هَرِيرَ كلب أضاف منه وأشفق لاستماعه أن يكون لطارق شر، فقال: شَرِّ أَهَرَّ ذا ناب أي ما أَهَرَّ ذا ناب إِلا شَرٌّ تعظيماً للحال عند نفسه وعند مُستمعه، وليس هذا في نفسه كأن يطرقه ضيف أو مستر شد، فلما عناه وأهمه أكد الإخبار عنه وأخرجه مخرج الإغلاظ به. و هاره أَي هَرَّ في
وجهه.
162 (1/178)
صفحة 179
والحاصل أن معنى شرّ عظيم أهر ذا ناب لا شرّ حقير مقبول، ومعنى شرّ أهره لا خير لا خير أو شر لا شرّان أو شرور غير مقبول. وردّ مذهب السكاكي بأنّ الفاعل اللفظي والمعنوي سواء في امتناع التقديم ما بقيا على حالهما، فكما لا تقول في " رجل جاء " أن رجلا فاعل مقدّم لفظي، لا تقول إنه فاعل معنى لو أخر كان بدلا من ضمير ينوى في "جاء "، ولا تقول في " أنت قمت " "أنت" فاعل معنى أصله أن يتأخر ويكون تأكيدا، وذلك أنه لا يجوز أيضا تقديم البدل ولا التوكيد، بل عدم جواز تقديمهما أولى؛ لأن فيه تقديم التابع على المتبوع وتقديمه على ما لا يتقدّم عليه المتبوع، بخلاف تقديم الفاعل لأنه تقديم واحد، ولأنّ الكوفيين أجازوا تقديمه، ولأن الفاعل إذا فسخ عن الفاعلية وقدّم وجعل مبتدأ يخلفه، ضمير، بخلاف التابع فلا يخلفه شيء. وأما تقديم التابع على المتبوع دون العامل فقد ورد في الضرورة كقوله: [من الطويل] بَنَيْتُ بِهَا قَبْلَ الْمُحَاقِ بِلَيْلَة فَكَانَ مُحَاقاً كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرِ
209
209 ـ ينظر الشعر والشعراء لابن قتيبة 720:2، والكامل للمبرد،212:1، وخزانة الأدب للبغدادي 199:4. وجاء في حاشية الدسوقي أن هذا البيت من جملة أبيات تنسب للثعالبي هجواً في امرأة عجوز تزوّجها بعد غارة له لما رآها محلاة ثم انكشفت سوأتها بعد التزوّج، وأولها:
عجوز تمنت أن تكون فتية وقد
تروح إلى العطار تبغي شبابها
الجنبان واحدودب الظهر يبس وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
وما غرني إلا الخضاب بكفها وكحل بعينيها وأثوابها الصفر
وقال ابن سيده: المحاق و المحاق آخر الشهر إذا امحق الهلال فلم يُرَ؛ قال: أتوني بما قبل المحاق بليلة فكان مُحاقاً كله ذلك الشَّهْرُ وأَنشد الأزهري: يَزْدَادُ، حتى إذا ما تَمَّ أَعْقَبَهُ
كر الجديدين منه ثم يمحق
وقال ابن الأَعرابي: سُمِّي المُحاق مُحاقاً لأنه طلع مع الشمس فَمَحَقَتْه فلم يره أحد، قال: والحاق أيضاً أن يستسر القمر ليلتين فلا يُرى غُدوة ولا عشية ويقال لثلاث ليال من الشهر ثلاث محاق. و امتحاق القمر: احتراقه وهو أن يطلع قبل طلوع الشمس فلا يُرى، يفعل ذلك ليلتين من آخر الشهر. الأزهري: اختلف أهل العربية في الليال المحاق، فمنهم من جعلها الثلاث التي هي آخر الشهر وفيها السرار، وإلى هذا ذهب أبو عبيد وابن الأعرابي، ومنهم من جعلها ليلة خمس وست وسبع وعشرين لأن القمر يطلع، وهذا قول الأصمعي وابن شميل وإليه ذهب أبو الهيثم والمبرد والرياشي؛ قال الأزهري: وهو أصح القولين عندي، قال: ويقال مُحاق القمر و محاقه و محاقه ومحق فلان بفلان تمحيقاً: وذلك أن العرب في الجاهلية إذا كان يومُ المحاق من الشهر بَدَرَ الرجل إلى ماء الرجل إذا غاب عنه فينزل
163 (1/179)
صفحة 180
وقال أبو حيان 210 في (الارتشاف) بدل البعض والاشتمال يتقدّمان نحو: " أكلت ثلثه الرغيف "و" أعجبني حسنه زيد "، لكن الأحسن "ثلث الرغيف" و"حسن زيد"، وتقدم العاطف والمعطوف في الضرورة، نحو قوله: "عليك ورحمة الله والسلام 211. وتجويز السكاكي تقديم الفاعل المعنوي غير باق على حاله دون اللفظي تحكّم وترجيح للمرجوح، وكذا تجويز الفسخ في التابع عن التابعية دون الفاعل عن الفاعلية تحكم؛ لأنّ الفاعلية غير لازمة بذات الفاعل كالتبعية، فلا يقال: الفرق جواز الفسخ عن التابعية
وإلا فلا امتناع في " زيد قام " أن يقال أصله: " قام زيد " فقدّم زيد وجعل مبتدأ، كما يقال في تقديم الصفة على الموصوف؛ فتعرب بحسب العامل وتضاف للمتبوع، نحو: " جرد قطيفة " فمنع الفسخ في الفاعل كالمكابرة، ولا يقال الفرق: إن تقديم الفاعل يخل بالجملة ويخرجها عن كونها جملة إذا لم نجعل ضميره في فعله بعد تقديمه، ويوجب كون الفعل بلا فاعل، بخلاف الخلو عن التابع فلا إخلال فيه؛ لأنا نقول هذا الفسخ اللازم عليه الخلو المذكور اعتبار محض فلا يضرّ فيه الخلو المذكور، لأنه إنما يضرّ عند التركيب اللفظي، والفسخ ليس أمرا
محققا
بل اعتباري محض، وأيضا بقاء الفعل بلا فاعل يندفع باعتبار الضمير مقارنا لاعتبار الفسخ. والاعتبار الوهمي المحض لا يجري في الأحكام العربية المبنية على القواعد الاستقرائية اللفظية، فامتناع خلوّ الفعل عن الفاعل إنما هو عند التركيب اللفظي، والخلوّ في حالة التقديم غير لازم، إنما يلزم عند التقرير الوهمي الذي لا يناسب الأحكام العربية، وقد لا نسلم الخلو، ولما أفاد السكاكي أنه لولا كون النكرة في نحو: " رجل جاءني " تفيد الحصر بنية كونها مقدمة من تأخير.
عليه ويسقي به ماله، لا يزال قيم الماء ذلك الشهر وربَّه حتى ينسلخ، فاذا انسلخ كان ربه الأول
أحق به.
210
- هو محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ) اهتم بالعربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات، كف بصره في آخر عمره له تصانيف كثيرة منها: (البحر المحيط) و (مجاني العصر في تراجم رجال العصر) و السالك في الكلام على ألفية ابن مالك و اللمحة البدرية في علم العربية) و (زهو الملك في
(تحفة الأريب) و (منهج نحو الترك) و (التقريب) و (النضار) و (عقد اللآلي)
211 ـ (ألا يا نخلةٌ مِنْ ذاتِ عِرْقٍ * عليكِ ورحمةُ اللهِ السَّلامُ) بعضهم نسب البيت للأحوص وبعضهم الآخر نسبه
لصنان بن عباد اليشكري.
164 (1/180)
صفحة 181
أجيب بأنها تفيده بدون تلك النية أيضا، كما يفيده التعظيم والتحقير والتكثير والتقليل، وإذا لم يوجد فوجب للحصر سوى التقديم فهو المفيد له. وقد يقال من جانب السكاكي: إنّ مراده بالحصر المفاد بالتقديم الحصر في الجنس أو الواحد، أي: " رجل لا امرأة " أو " رجل واحد لا اثنان ". والابتداء يصح مع كونه المطلوب الحصر في الجنس الواحد، وصحته تتوقف على ذلك الحصر لا على مطلق الحصر؛ فلا يقال: إنه يصح بمطلق الحصر. والله أعلم
والضمير في الوصف، نحو: " زيد قائم " يفيد تقوية منحطة عن تقوية الضمير في الفعل، نحو: "زيد" قام " و " هو قام " ولا يفيد الحصر إذ لو أخر زيد في " زيد قائم " لكان مبتدأ مؤخرا عند مشترط الاستفهام أو النفي في رفع الوصف ما يكتفي به عن الخبر، ولكان فاعلا لفظا ومعنى معا لا لفظا فقط عند من لم يشترط، وإنما انحطت تقويته؛ لأن الوصف والضمير المستتر فيه ليسا جملة لضعف ضميره؛ ألا تراه لا يتغيّر في التكلّم والخطاب، والغيبة، كأنه لم يكن نحو: "أنا قائم" و" أنت قائم " و" هو قائم "، كما تقول " أنا رجل" و" أنت رجل " و" هو رجل "، بخلاف " قام " تقول: " زيد قامَ " و" أنا قمتُ " و" أنت قمتَ " ألا ترى أنه يعرب في آخره، وليست الجملة تعرب كما أنها ليست تبنى، وقيل يطلق عليها أنها مبنية.
والوصف مع مستتره، معرب إلا أنه أجري الإعراب على الجزء الأول وهو الوصف كما أجري إعراب "عبد الله" علما على جزئه الأوّل، وذلك لتنزيلهما منزلة الاسم الواحد وهو معرب بإعراب نفسه لا بإعراب استحقه المجموع؛ لأنّ المجموع لم يستحق الإعراب، وإنما تركيب الضمير فيه يستدعي حصول معنى آخر فيه.
وأما الوصف ومرفوعه البارز أو المظهر فجملة في نحو: " أقائم هما " لمذكرين أو مذكر ومؤنّث، و"أقائمة هما " لمؤنثين، و" أقائم الزيدون ". وقالوا في صلة (أل) إنها مع مستترها كالجملة فهو شبه جملة لا جملة كما ادعى السيد، وذلك أنها تقدّر بالفعل، والكلام ما اشتمل على نسبة أصلية مقصودة، والجملة ما اشتملت على نسبة أصلية؛ فالوصف مع مرفوعه المستتر ليس جملة إلا إذا وقع صفة (بأل) فإنه يقدر بالفعل فتكون نسبته أصلية ـ كذا قال ـ والتحقيق مع ذلك أنه شبه جملة، ولعله أراد بجملتيه شبهه بها، وإنما أعرب الوصف مع كون مرفوعه (1/181)
صفحة 182
ظاهرا، نحو:" أقائم الزيدان " و " زيد قائم آباؤه "، و لم يجعل كالفعل بعينه لأنه حمل على رافع المستتر. والله أعلم.
ويجب سماعا تقديم لفظ " مثل وغير " في نحو: " مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود " على الكناية، ولفظ " أنت " في نحو: " أنت تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى " على المجاز، ومقتضى القياس جواز التأخير لكن لزم التقديم في الاستعمال لقوة مقتضى التقديم؛ حتى كأنه موجب، كأنه موجب، والبليغ لا يليق به ترك ما هو كالواجب، وذلك أنّ الكناية أبلغ والتقديم معين لأنه يفيد التقوية، ومعنى الأولين "أنت لا تبخل وأنت "تجود ولست تريد فيهما تعريضا بغير المخاطب وهو إنسان آخر مماثل للمخاطب أو غير مماثل، بل أردت نفي "البخل" عن المخاطب على طريق الكناية بطريق کالبرهان؛ لأنك إذا نفيت "البخل" عمّن اتّصف بصفته من غير قصد لماثل مخصوص لزم إثباته له، لأنّ "الجود" موجود ولا بد، فلما لم يكن محله غير مخاطبك كان مخاطبك، وإن أردت إنسانا معينا بالمثلية والغيرية لم يكن التقديم كالواجب و لم يكن ذلك من الكناية. وذلك التعريض لغوي، وهو: عدم التصريح بل الإشارة إجمالا وألحق بـ"مثل" و"غير" وما أشبههما كـ"مماثل"
و"مشابه" و "شبه" و "نظير" و "مغاير".
وقال عصام الدين: فرق بين "مثل " و "مماثل" في الكناية عن الحكم على المضاف إليه بالحكم المذكور، فإنّه يلزم من الحكم على المضاف إليه الحكم على المثل بطريق الأولى؛ لأن المثل هو الأدنى، وفي المماثل يلزم الحكم على المضاف إليه لا لأنهما الأولى بل لأنهما متساويان في منشا الحكم، لأن المماثل هو المشارك المساوي بخلاف المثل فإنه الأدنى الملحق، ومسوّغ الابتداء
بـ"مثل" و"غير" تخصيصهما بالإضافة ولو لم يتعرفا بها لتوغلها في الإبهام. والله أعلم. قال ابن مالك ومن تبعه كعبد القاهر شيخ السعد ما حاصله أنه لا بد من تقديم المسند إليه المسور بالسور الكلّي كلفظ " كلّ" و"جميع" و "أل "الاستغراقية" على المسند المقرون بأداة السلب، حيث أريد سلب المحكوم به عن كل فرد فيفيد تقديم العموم فيكون الكلام كلّية لا كلاً وحكما .. على الجميع لا على المجموع، ومن عموم السلب لا من سلب العموم، نحو: " كل إنسان لم يقم وقول أبي النجم: [من الرجز]
11
166 (1/182)
صفحة 183
نسي
قد أصبحت أم الخيار تدعي
على ذنباً كله لم أصنع
212
برفع كلّ على الابتداء وحذف العائد، أي: لم أصنعه. وقوله (كل ذلك لم يكن) 213 أي لا القصر ولا النسيان، وقد حمل ذو اليدين على عموم السلب. الحديث *، إذ قال: " بل بعض ذاك كان ودلّ عليه أيضا أنه جواب "لام" وهي تجاب بتعيين أو بنفي المتعاطفين جميعا، وحاصل المعنى أنه لم يكن قصرا ولا نسيانا في ظنّي، فبين ذو اليدين أنه لم يطابق ظنه الواقع؛ إذ وقع أحدهما ولا كذب بلا عمد ولا ينسب الكذب بهذا اللفظ إليه ولو بلا عمد بل يقال أو غلط) والصلاة الظهر أو العصر (فالمسند إليه إنسان مثلا وكل هو سوره المحيط، والأظهر أن طريقة المعاني كطريقة النحو فينبغي أن يطلق لفظ المسند إليه على لفظ "كل" لأنه المبتدأ، ولو كان أيضا سور الإحاطة، وتسمية ما أضيف إليه "كلّ" في المثال مسندا إليه إنما هو موافقة لجعله في المنطق هو الموضوع، وجعل كل سورا، والمعنى في ذلك كله واحد. والمسند إليه في الفن يراد به اللفظ، فهو لفظ " كل وباعتبار المنطق يكون سورا، والمسند إليه ما أضيفت إليه نظرا للمعنى. بينت كل كمية مرادة ويناسبه أن الذي يوصف هو ما أضيفت إليه لا هي قلنا: بل يجوز أيضا وصفها ويناسبه وضع لام" الاستغراق " موضعها، وهو لا يكون مسندا إليه، قلنا: لا ضير لأنه كالجزء من مدخولها، وقد جاز "كلّ الرجال "جاءني كما جاز "جاءوني"، وقيل
11
بوجوب "جاءني"، وقيل مرجّح؟ وقد انتهى هذا البحث بل جل من عندي والحمد الله.
212 ـ أبو النجم: هو الفضل بن قدامة العجلي من بني بكر، نبغ في إنشاد الشعر ونظم الرجز، حتى إنه فضل على
العجاج. ينظر الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 157:10 والشعر والشعراء لابن قتيبة 603 والموشح للمرزباني 180. 213 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أقصرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ نَسِيتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَتمَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَحْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَسْلِيمِ). صحيح مسلم الحديث رقم 897 - باب السهو في الصلاو والسجود له ..
167 (1/183)
صفحة 184
"
[ ..... ] وسواء في إفادة العموم أكان الخبر حقيقيا أم سببيا، نحو: " كل إنسان لم يقم أبوه وإن أخر عن أداة السلب لفظ " كلّ " أو نحوه، أو قدّم وكان في نية التأخير، نحو: "لم يقم كلّ إنسان" و" لم آخذ كل أسرارهم"، وقوله: [أي المتنبي]: [من البسيط]
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
و"ما جاءني القوم كلهم" و"ما جاءني كل "القوم" و"كلّ إنسان لم أضرب". لم يكن العموم
11
بل يراد سلب العموم فيكون الكلام كلاً لا كلية وحكما على المجموع لا على الجميع، ومن سلب العموم لا عموم السلب، فمعنى "كلّ إنسان لم يقم أنه لم يكن واحد من الناس إلا وهو غير قائم، ومعنى " لم يقم كل إنسان أنهم لم يقوموا كلّهم، بل قام بعض ولم يقم بعض، وعبرت بأداة السلب لتشمل النفي بالحرف والاسم كـ"غير"، والفعل كـ"ليس"، والنهي" كلا الناهية". وذلك حيث لا دليل، على خلاف ما ذكرته، وإن وجد دليل حكم به، كقوله تعالى لا يُحِبُّ كُلِّ خَوَّانِ} 214 [ونحو:] " لا يحبّ كلّ ختار 215 لَا يُحِبُّ كُلِّ مُخْتَال (216 [ونحو:] لا تطع كلّ كفار 217، فهذا لعموم السلب مع تأخّر " كل " عن أداة السلب فإنك
لا تجد "خوانا" أو "ختارا" يحبّه الله، ولا كفارا" تجوز طاعته وإن لم يكن السور، نحو: إنسان لم يقم " لم يفد العموم ولو تقدّم وكذا إن لم يكن النفي، نحو " إنسان قام "، وإنما أفاد تقديم " كلّ " على السلب العموم في نحو: " كلّ إنسان لم يقم" لتكرّر الإسناد فيفيد التقوية لا محالة، فلا بُدَّ لجعل النكتة فيه إفادة العموم دون تأكيد الحكم - مِنْ سَبَب، وذلك السبب
214
أن
الحج جزء من 38 - الآية الكريمة (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلِّ حَوَّانٍ كَفُورٍ) 215 قال تعالى في سورة لقمان 32 (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ حَتَّارٍ كَفُورٍ) 216 ـ قال تعالى في سورة لقمان 18 وَلَا تُصَعِّرْ حَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلِّ مُخْتَالٍ فخور) وقال تعالى في سورة الحديد 23 لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلِّ مُخْتَالٍ
فخور)
217 - قال تعالى في سورة البقرة 276 يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْنِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلِّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) وقال تعالى في سورة ق 24 أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلِّ كَفَّارٍ عَنِيد)
168 (1/184)
صفحة 185
تقوية الحكم تأكيد وإفادة العموم تأسيس. وترجيح التأكيد على التأسيس، كترجيح "الخسيس" على "النفيس"، فلا يحسن للبليغ، فلا يظن به.
ثم إنّي أزيد لك بيانا فأقول: "لم يقم كل إنسان تركيب تأخر فيه "كل"، وإذا جدّدت عبارة أخرى وقلت فيها: "كلّ إنسان لم يقم" بتقديم "كل" كان ينبغي أن يكون هذا التجديد لفائدة لم تكن في التأخير، أعني أنه ينبغي أن يتغاير المعنيان ولو لم يتغايرا وكانا على سلب لكانت العبارتان متواطئتين على معنى واحد مشبّهتين لشيئين أحدهما مؤكد للآخر، والإفادة خير من الإعادة قيل غالبا ومن غير الغالب التأكيد للمنكر الذي ليس معه ما يزيل إنكاره، فإنّه يجب التأكيد، والإعادة، فليست الإفادة خيرا.
العموم
وقد قررت لك أنه ليس المراد بالتأكيد في هذا المبحث التأكيد الاصطلاحي، بل أن لا يتبدل المعنى فلا يعترض بأنه لم تؤكد كلّ شيئا بل بدلت العبارة، وإن قلت استعمال "كل" في التأكيد أكثر فالحمل عليه أرجح، قلتُ: ليس بأكثر، لأنّ استعماله في التأكيد مشروط بأن يكون مضافا إلى ضمير غير مجرّد عن العوامل اللفظية، ولو سلمنا أنه أكثر لكان أيضا غير معارض لما ذكرنا لأنه أقوى، لأنّ وضع الكلام على الإفادة، وأكثر الكلام إفادة لا إعادة. والله أعلم.
"
و معنى عموم السلب: أنّ السلب عمّ الإفراد كلّها، ومعنى سلب العموم: سلب عموم الإفراد فيبقى بعض. وأزيدك بيانا وأقول: اعلم أن قولنا: " إنسان لم يقم " بدون " كلّ " قضية موجبة مهملة، أما كونه قضية فلانه كلام" مفيد، وأما كونها موجبة" مع أن النفي في خبر المبتدا فلانه حكم فيها بثبوت عدم القيام لإنسان لا ينفي القيام عنه؛ لأنّ حرف السلب وقع جزءا من المحمول، والمحمول هو خبر المبتدإ وفعل الفاعل وما أشبه ذلك، وأما كونها "مهملة" فلأنها أهملت عن السور، إذ لم يكن على موضوعها سور "الكل" ولا سور "البعض" الدالان على كمية إفراد الموضوع، مع أنّ الحكم على ما صدق عليه الإنسان لا على الماهية، والموضوع هو المبتدأ والفاعل ونحوهما، إلا إن كان المبتدأ أو الفاعل أو نحوهما لفظ "كلّ" أو "بعض" أو نحوهما، فالموضوع المضاف إليه، والقضية التي جعل أداة السلب جزءا من محمولها تسمى معدولة. وحقق بعض المناطقة أنّ الحكم إن كان بسلب الربط فهي سالبة، وإن كان بربط السلب فهي معدولة؛ فالمحكوم به في إنسان لم يقم" نسبة سلب القيام إلى الفاعل فهي معدولة، وفي " لم
169 (1/185)
صفحة 186
يقم "إنسان" نسبة سلب القيام عن إنسان فهي سالبة وذلك فرق لفظي، ولنا فرق معنوي هو: أن السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمعدولة تقتضي وجوده لأنها موجبة، وأداة السلب في "إنسان لم يقم" جزء من المحمول؛ إذ لا يمكن تقدير الرابطة بعدها، لأنّ "لم" شديدة الاتصال بالفعل، فلا يفصل بينهما بالرابطة. فاندفع ما يقال: لا يتعيّن أن تكون معدولة المحمول. ولا يسمى نحو: "الإنسان حيوان" مما الحكم فيه بالطبيعة مهملة ولو لم يكن فيها سور، وإذا كان قولك: إنسان لم يقم موجبة مهملة وجب أن يكون معناه اللازمي نفي القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد؛ لأنّ الموجبة المهملة المعدولة المحمول في قوة السالبة الجزئية عند وجود الموضوع، فإنسان لم يقم" في قوة " لم يقم بعض "الإنسان وأعني ببعض الإنسان فردا يصدق لفظ الإنسان عليه، وذلك أن "إنسان لم يقم" موجبة مهملة وهي معدولة المحمول. والموجبة المهملة: هي التي تشتمل على ما يفيد كون المحكوم عليه بعض الأفراد أو كلّها. وقولك: " لم يقم بعض الإنسان " سالبة جزئية وهي التي ذكر فيها ما يدل على أن السلب عن البعض، وأما " لم يقم إنسان " فسالبة كلية، وإذا لم يوجد موضوع السالبة فليست الموجبة المهملة المعدولة المحمول في قوة هذه السالبة التي لم يوجد موضوعها؛ وذلك أن السالبة تصدق بنفي الموضوع، مثل أن تقول: " لا رجل جالس في السوق " وأنت تعلم أنه لا رجل فيه أصلا لا جالس ولا قائم ولا ماش.
فالموجبة المهملة المعدولة المحمول، نحو: " إنسان لم يقم "، والسالبة الجزئية التي لها موضوع في الخارج، نحو: " لم يقم بعض الإنسان " متلازمتان في الصدق، لأنه قد حكم في المهملة بثبوت انتفاء القيام عمّا صدق عليه الإنسان سواء جميع الأفراد أو بعضها وأيا ما كان يصدق نفي القيام الذي هو مدلول السالبة الجزئية عن البعض، إلا أنه على جميع الأفراد تضمني"، وعلى البعض مطابقي، وذلك إيضاح أنّ المهملة المعدولة تستلزم السالبة الجزئية، وأما إيضاح أنّ السالبة الجزئية تستلزم المهملة المعدولة، فإنّا نقول: كلّما صدق ونفي القيام عن البعض صدق نفيه عما صدق عليه الإنسان في الجملة، فإذا تقرّر ذلك علمت أنّ المهملة المعدولة في قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفي الحكم عن كل فرد والسالبة الجزئية تحتمل نفي الحكم عن كل فرد، وتحتمل نفيه عن بعض وثبوته لبعض، وعلى كل تقدير تستلزم نفي الحكم عن جملة الأفراد فهي
170 (1/186)
صفحة 187
لا تقتضي صريح السلب عن كل فرد بخلاف السالبة الكلية فإنها تقتضي بصريحها نفي الحكم عن كل فرد، وإذا كان إنسان لم يقم " معناه: نفي القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد، فلو كان بعد دخول " كلّ" أيضا معناه كذلك كان " كلّ " لتأكيد المعنى الأول، فيجب أن يحمل على نفي الحكم عن كل فرد ليكون "كل " لتأسيس معنى آخر ترجيحا للتأسيس على التأكيد.
والله اعلم.
واعلم أن قولك: " لم يقم إنسان" سالبة مهملة لا سور فيها والسالبة المهملة في قوة السالبة الكلية الدالة بالمطابقة على النفي عن كل فرد نحو: " لا شيء من الإنسان بقائم " لأن موضوعها نكرة في سياق السلب غير مسوِّرة " بكلّ " ولو سورت بعد السلب كانت لسلب العموم. وإذا كان " لم يقم إنسان" معناه: نفي القيام عن كلّ فرد، فلو كان بعد دخول "كل " أيضا كذلك كان "كل" لتأكيد المعنى الأوّل، فيجب أن يحمل على نفي القيام عن جملة الأفراد ليكون "كل" لتأسيس معنى آخر. وما تقرر من أنّ المهملة في قوة الجزئية إنّما هو في غير التي موضوعها نكرة في سياق السلب غير مصدّرة با بـ "كل"، "، وما ذكرته من وجوب الحمل على نفي القيام عن جملة الأفراد ليكون "كل" للتأسيس، إنما هو لأن لفظ "كل" لا يفيد إلا أحد هذين المعنيين: نفي القيام عن "كل" فرد، ونفيه عن جملة الإفراد؛ فعند انتفاء أحدهما يثبت الآخر ضرورة.
والحاصل أن تقديم المسند إليه المنكر بدون "كل" لسلب العموم، ونفي الشمول باعتبار لازم معناه، ومعناه الصريح ثبوت عدم القيام لما صدق عليه الإنسان لكن يستلزم السالبة الجزئية. والتأخير بدون "كل" لعموم السلب وشمول النفي فبعد دخول " كلّ" يجب أن يعكس هذا ليكون للتأسيس الراجح لا للتأكيد المرجوح.
والسالبة المهملة، نحو: " لم يقم إنسان " يفيد النفي عن كلّ فرد، فهي لعموم السلب، فلو أدخلت فيه " كلّ " فقيل: " لم يقم كلّ إنسان "، فأبقي الكلام على النفي عن كل فرد لكان المعنى بعد دخول "كل" مثله قبل دخولها، وهو خلاف الأصل إذ الأصل تغاير المعنيين، بأن يتجدد معنى غير الأول بدخولها. وقيل- كما مر -: إن المثل " لم يقم إنسان " يفيد النفي في الجملة في ضمن النفي عن كلّ فرد، وفي ضمن النفي عن بعض مع الثبوت لبعض، و"كل" تفيد الثاني
171 (1/187)
صفحة 188
والمفاد قبل "كل" هو الأول؛ فذلك تأسيس وإن قيل: " لم يقم إنسان " دال على النفي عن المجموع بالمطابقة؛ فذلك تأسيس، قلنا: لو اشترط في التأسيس عدم الدلالتين لم يكن " كلّ إنسان لم يقم " على تقدير كونه لنفي الحكم عن المجموع تأكيدا، لأنّ دلالة " إنسان لم يقم " على هذا المعنى بالالتزام. والله أعلم.
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر
بوضع الضمير المسند إليه موضع المظهر
اعلم أن ما مرّ من الحذف والذكر والإضمار وغير ذلك على مقتضى الظاهر من الحال وإذا اقتضى الحال خلاف مقتضى الظاهر جاء الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، إلا أنه قد تقدم أن ترك التعيين في الخطاب هو من خلاف مقتضى الظاهر ومن خلافه في الضمير، نحو: " نعم رجلاً
11
زيد " و" نعم رجلين الزيدان ونعم رجالا الزيدون "، ومقتضى الظاهر " نِعْمَ الرجل زيد و" نِعْمَ الرجلان الزيدان " و " نِعْمَ الرجال الزيدون "؛ ففي " نعم " ضمير المتعقل معهود في الذهن جعل في اللفظ مبهما يفسره التمييز، وهو مع تمييزه كالاسم الظاهر المرفوع على الفاعلية؛ ك" الرجل" و"الرجلان "و "الرجال" وذلك ليحصل الإبهام ثم التفسير المناسب لوضع (باب نعم وبئس الذي هو للمدح العام أو الذمّ العام من غير تعيين خصلة، و (أل) في "الرجل " للعهد
الذهني.
وقيل للجنس كقولك: " ادخل السوق " حيث لا عهد بينك وبين مخاطبك ورد بفوات الإبهام المقصود في هذا الباب وبجواز تفسيره بزيد مثلا نحو " نعم الرجل زيد " وبجواز تثنيته وجمعه. وأجيب بأنّ المراد: الجنس ادّعائي لا حقيقة، وأما "نعمَ الرجلان" و" نعم الرجال " فالمراد فيهما: جنس التثنية وجنس الجمع؛ فالضمير المستتر في " نعم رجلا " أو " رجلين" أو " رجالا " عائد للجنس، وفي الحمل على الجنس فيه وفي (أل) زيادة مبالغة تناسب المقام. ومن قال: (أل) في الرجل للعهد قال الضمير للمعهود، وذلك إذا جعلنا المخصوص خبر المحذوف أي: "هو زيد "، أو مبتدأ خبره محذوف أي: " زيد ممدوح"، وبه قال ابن عصفور.
172 (1/188)
صفحة 189
ويبحث فيه بأنه لا يجب حذف الخبر إن لم يسد شيء مسدّه، وبأن الخبر محطّ الفائدة؛ فلا يناسب الحذف إلا بدليل واضح. وأما إذا جعلناه مبتدأ و"نعم رجلا" خبره فليس من هذا الباب على القطع الجواز أن يكون ضمير "نعم "رجلا" عائدا إليه فليس من الباب، وجواز أن يعود إلى المتعقل الذهني فيكون من هذا الباب، وعليه فالرابط كونه عبارة عنه في الخارج كذا قيل، وفيه نظر لأنه حينئذ من وضع الضمير المبهم موضع المضمر المعين، لا من وضع الضمير موضع الظاهر؛ وذلك أن مقتضى الظاهر عوده إلى معيّن " هوزيد " لا إلى "هو في نفس الأمر زيد"، فهو من خلاف مقتضى الظاهر، لكن لا من وضع الضمير موضع الظاهر.
هندات
11
وإن قيل: لو عاد الضمير إلى المخصوص لبرز تثنية أو جمعا، كما يستتر ضمير التثنية والجمع في اسم الفعل نحو: صه " أو " نزال يا زيدان " أو " يا زيدون " أو " يا هندان " أو " يا لجمود فعل هذا الباب بعد استعماله في المدح أو الذمّ كجمود اسم الفعل، وإنما لم يستتر ضمير التثنية والجمع في ليس - مع أنها أشد جمودا أو استتر في فعل الباب ليدل باستتاره على جموده الحادث وخروجه إلى إنشاء المدح والذم وليناسب مبالغة الباب بالإبهام، وكذا "ليس" لما تغير عن أصله بالاستثناء صح أن يقال: استتر فيه ضمير الاثنين أو الجماعة، نحو: " قاموا ليس زيد " أي: " ليس القائمون زيدا " أي: لا تجد واحدا منهم زيدا وإن قلت في عوده للمخصوص فوات الإبهام والتفسير بعده، قلتُ: قد حصل الإبهام بعده تفسير بتقديمه عن مرجعه، والتمييز لتأكيد التفسير بعد الإبهام.
"1
ومن خلاف مقتضى الظاهر بذكر الضمير بدون تقدّم مرجعه ضمير القصة والشأن، نحو: "هو زيد عالم " أي: الشأن زيد عالم " والجملة نفس المبتدأ في المعنى، وقوله تعالى فإذا " هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} 218 " شاخصة خبر مقدم و"أبصار" مبتدأ، أي: القصة أبصار الذين كفروا شاخصة، قيل: إذا كان في الكلام مؤنث غير فضلة أتي بضمير مؤنث عائد إلى القصة وإلا أتي به، مذكرا: نحو قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ 219 إذا قلنا: إذا قلنا: " هو" ضمير الشأن،
219
218 ـ الأنبياء جزء من 96 - الآية الكريمة وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا
في غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ)
219 - الإخلاص 1
173 (1/189)
صفحة 190
-
وبالقياس يجوز تذكيره - ولو كان في الكلام مؤنث غير فضلة – وتأنيثه ولو كان فيه لأنّ مضمون الجملة المفسّرة له قصة وشأن على كل حال، فيجوز "هي زيد عالم" كما يجوز "هو زيد عالم"، وحكمة الإضمار ثم التفسير تحصيل التمكن في ذهن المخاطب، فإنه إذا لم يفهم من الضمير معنى انتظر ما يعقب الضمير ليفهم منه معنى فيتمكن بعد وروده تمكنا زائدا على التمكن لو حصل بالإظهار من أوّل الأمر، لأنّ المُحَصَّل بعد الطلب أعزّ من المنساق بلا تعب؛ لأن فيه أمرين: لذة العلم ودفع ألم الشوق، بخلاف المنساق بلا تعب فإن فيه الأول فقط. ولا يخفى اللذة المشتملة على دفع الألم أحلى من اللذة الموجودة بدون، وإن قلت: لا يخفى أن هذا لا يحسن في باب "نعم" و"ضمير الشأن المستتر" لأنّ السامع لا يعلم أنّ في الفعل ضمير ما لم يسمع المفسر، فلا يتحقق فيه التشوق والانتظار قلت نعم لكن يتشوّق إلى حضور الفاعل؛ فإذا جاء المفسّر علم أنّ الفاعل قد مضى مستترا. والله أعلم.
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر
بوضع المسند إليه المظهر موضع الضمير
أن
إن كان المظهر اسم إشارة فلكمال العناية بتمييز المسند إليه لكونه محكوما عليه بأمر بديع
فتبرزه مبرز المحس كقوله [أي قول ابن الراوندي 320]: [من البسيط]
وَجَاهِلِ جَاهِلِ تَلْقَاهُ مَرْزُوقًا
كُمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ
هَذَا الَّذِي تَرَكَ الأَوْهَامَ حَائِرَةٌ
وصَيَّرَ الْعَالَمِ النَّحْرِيرَ زِنْدِيقًا 221
220
جاء في الوفيات 94:1: أنه أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، العالم المشهور. كان من فضلاء عصره، له مقالة في علم الكلام، وله من الكتب المصنّفة نحو مائة وأربعة عشر كتابا منها كتاب (فضيحة المعتزلة) وكتاب (التاج)، وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام، وتوفي سنة 245 هـ أو 250 هـ. ويبدو أن جل علق على هوامش الوفيات يخطئ ابن خلكان في عدم ذم الراوندي وذكر زندقته، أضف إلى ذلك أن كل من تناول من ترجمته يذكر زندقته وتحامله على القرآن، ففي شروح التلخيص 452:1 - حاشية الدسوقي. قيل عنه: إنه كان زنديقا وكان يعلم اليهود الحيل والشبه.
221
- ينظر المفتاح 94
174 (1/190)
صفحة 191
"عاقل الثاني" نعت الأوّل للتأكيد، أي: تحقق أنه عاقل، أو نعت من لفظ المنعوت مفيد للكمال، أي: حكم عاقل بلغ النهاية في العقل كظل ظليل، وجملة" أعيت مذاهبه " برفع مذاهب على الفاعلية خبر المبتدأ وهو في "جاهل جاهل" ما في "عاقل عاقل"، إلا أنهما بالرفع على الابتداء
بالخبر عطفا على "عاقل عاقل" على تقديركم، وعلى كل حال "فتلقاه مرزوقا" خبر المبتدإ. واعلم أن المقابل الحقيقي للعاقل المجنون وللجاهل العالم، ففي إيقاع جاهل مقابلا للعاقل رمز إلى أنّ العقل بلا علم لا يعتد به، وأن الجهل يلزمه الجنون. فالعاقل يجب عليه أن يتحلى بالعلوم لئلا يتعطّل عقله، والجاهل مجنون لتباعده عن اكتساب الكمالات. وأراد بقوله "عاقل وزنديق نفسه" فأخطأ في الأوّل وأصاب في الثاني؛ أما في الأوّل فلأن مقتضى العقل أن لا يتوغل في الأمور الإلهية ولا يعترض على الله فيها، وأما في الثاني فلأنه زنديق ملحد.
وخطأ أيضا في وصف نفسه بـ"العالم التحرير "لأنه لو كان عالما تحريرا ما اعترض على
الله
في ذلك، وغفل عن كون الرزق رزقين حسيا ومعنويا وأنّ الثاني أفضل لأنه رزق العلوم والمعارف والحكم، وأين هذا من قول بعض العارفين: [من الرجز]
وَجَاهِلِ لَهُ قُصُورٌ وقُرَى
كُمْ عَاقِل يَسْكُنُ بَيْنا بالكرا
لَمَّا قَرَأْتُ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ زَالَ الْمَرَا
222
وقول بعضهم: [من الرجز]
كُمْ مِنْ اريب فهم قلبه
ومن جهولٍ مُكْثر ماله
مُسْتكَمِلِ الْعَقْلِ عَقْلِ غَرِيـ ذَلِكَ تُقَديرُ الْعَزِيزِ الْعَلِي
لم
ومعنى "أعيت "مذاهبه أعجزته مذاهبه، وهي طرق معايشه - " فأعيت" متعد – أو صعبت عليه مذاهبه فهو لازم، والأوّل أولى لأن حذف المفعول به أولى من حذف الجار والمجرور، و"ترك" بمعنى صير متعدّ لاثنين، و"الأوهام" العقول على حذف مضاف أي: أصحاب الأوهام، أو على تسمية المحلّ وهو أصحاب العقول باسم المال، أو على ظاهره بجواز وصف العقل بالحيرة و"التحرير" المتقن، يقال: نحر الأمور، علما أي أتقنها و علما " تمييز عن مفعول، أي: أتقن علم
222 - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الزخرف 32 يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتِ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُحْريًّا وَرَحْمَةً رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)
175 (1/191)
صفحة 192
الأمور. وتفسير "النحر" بالإتقان تفسير مجازي لعلاقة المشابهة ووجه الشبه إزالة ما به الضرر، فإنّ "النحر" الذي هو في معنى الذبح يزيل الدماء والرطوبات التي بالحيوان، و"الإتقان" يزيل الشكوك والشبهات أو وجه الشبه إثبات الشيء بحيث لا يتعاصى؛ فإن المنحور ميت لا يتعاصى، وكذا الأمر المعلوم المتقن أو التمكن بالدخول. و"الزنديق" الجاحد الله تعالى، وإن قلت: إذا كان هذا ضمير "الأوهام حائرة " فغاية أمر العالم أن يتحيّر فمن أين يصيره جاحد الله الله جل؟ قلت: إن نفي وجود جحود، وعدم العلم بوجوده جحود، والتردّد في وجوده جحود، كذا ظهر لي - فإذا تحيّر فهو جاحد ثم رأيت عصام الدين أجاب بغير هذا؛ وهو أنه جعله الغضب المستولي عليه من حرمانه مع استحقاقه على زعمه منكرا الله معاندا. وقوله هذا إشارة إلى حكم سابق غير محس وهو: كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا؛ فالقياس الإضمار لتقدم ذكره مع كونه غير محس، والإشارة حقيقة في المحسّ ولكن عدل إليها لكمال العناية بتمييز ذلك الحكم، ليري السامعين أنّ هذا الشيء المتميز المعين هو الذي له الحكم العجيب، وهو جعل الأوهام حائرة والعالم التحرير زنديقاً، فالحكم البديع هو الذي أثبت للمسند إليه المعبر عنه باسم الإشارة، وهو: "جعل الأوهام حائرة وتصيير العالم النحرير زنديقا" لا ما قال بعض: إن الحكم البديع كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا، وأن معنى كونه بديعا أنه ضد ما كان ينبغي. ومثله
قول الشاعر: [من البسيط]
كم من قوي قوي في [تقلبه]
وكم من ضعيف ضعيف في تقلبه هذا دليل على أن الإله له
والله أعلم.
مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
كانه من خليج البحر يغترف في الخلق سر خفي ليس ينكشف
223
ويوضع اسم الإشارة موضع الضمير للتهكم بالسامع كما إذا كان السامع فاقد البصر أو لا يكون في حضرة المتكلّم مشار إليه محسّ بل فيها غير محس أو لم يكن فيها أصلا بل غائب، كما إذا قال أعمى" هل قام عمرو " فقلت: " قام هذا " مشيرا لغائب أو حاضر لم يحسه ببذنه ولا
بسمعه.
- كذا في الأصل، والصواب " كم من ضعيف " ليستقيم الوزن
176
223 (1/192)
صفحة 193
ويوضع أيضا موضعه للنداء على كمال بلادة السامع بأنه لا يدرك غير المحس، كقوله: [أي
قول الفرزدق]: [من الطويل] أُولَئِكَ آبائي فحني بمثلهم
إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ
أي هم، آبائي، وكما إذا قيل لك: " يا ابن اللئيم"، فقلت له: " زيد فقيه البلد وذلك كريمه تشير باسم الإشارة إلى "زيد" وهو أبوك أو للنداء على كمال فطنته، أو التنبيه على كمال حدة بصره، أو لادعاء كمال ظهوره.
ومنه في غير باب المسند إليه، كقوله [أي قول عبد الله بن دمينة الخثعمي 224]: [من
الطويل]
قفِي قَبْلَ وَشَكَ الْبَيْنِ يَا ابْنَةَ مَالِك تَعَالَلْت كَيْ أَشْجَى وَمَابك عَلَةٌ فَإِنْ سَاءَني ذكراك لي بِمَساءًة
وَلَا تَحْرِمِينِي نَظْرَةٌ مِنْ جَمَالِكِ تُرِيدِينَ قَتْلِي قَدْ ظَفَرْت بِذَلكَ
فَقَدْ سَرَّنِي أَنِّي خَطَرْتُ بِبَالك
وشك البين": قرب البعد، و"تعاللت": أظهرت العلة وتصورت بصورة العليل المريض،
والحال أنه لا علة بك، فجملة " ما بك علّة " حال مؤكّدة لعاملها، وقيل: يجوز كونها دعاء
11
من
"تعاللت"
و "تريدين " مستأنف أو حال ثانية أو حال من (كاف) " بك" أو بدل اشتمال وقد ظفرتُ بذلك" جواب سؤال تقديره: هل ظفرت بذلك المراد؟ و"أشجى" (بالفتح) مضارع "شجي" بمعنى: أحزن لازما، أو يبنى للمفعول متعدّيا، فإنه يستعمل [لازما ومتعدّيا، وتريدين"] لحكاية الحال الماضية، ومقتضى الظاهر قد ظفرت به أي: بقتلي، لأنه غير محس، لكن أشار إليه تنزيلا منزلة المحسوس في الظهور، وإن قلت ليس في ذلك كمال الظهور، قلت: کمال ظهور المعاني كالقتل أن تكون كالمحسوس؛ فظهورها ظهور المحسوس كمال في ظهورها. غاية الأمر أن هذا الكمال الذي هو ظهور المحسوس له مراتب متفاوتة، والمعتبر نفس الكمال الصادق بكل مرتبة، وفي اسم الإشارة وجميع تلك النكت زيادة التمكين. والله أعلم.
224
عائد
من
- شاعر بدوي رقيق الشعر، وهو من شعراء العصر الأموي، اغتاله مصعب بن عمرو السلولي وهو سنة 130 هـ له ديوان شعر. ينظر معاهد التنصيص لعبد الرحيم العباسي 160:1 و الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 144:15
والشعر والشعراء لابن قتيبة ص: 458
177 (1/193)
صفحة 194
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بوضع المظهر المسند إليه الذي هو غير اسم الإشارة موضع المضمر
حكمة ذلك تقوية تمكين المسند إليه في ذهن السامع باعتبار ما يحكم عليه به، فإن أصل التمكين يحصل بالضمير إذا اتضح مرجعه، ويقوى التمكين بوضع الظاهر موضعه؛ لأنّ الاسم الظاهر أوضح بلفظه من الضمير، إذ في الظاهر تقليد الاشتراك لأن وضعه في غير موضعه كحدوث ما ليس مترقبا، فيعظم وقعه في النفس ويؤثر فيها.
وإن قلت: قد يكون الظاهر أخفى من الضمير يحتمل أن يكون غير المراد بالظاهر الأوّل بحيث لو أضمر لم يكن الخفاء كثيرا، أو يزول البتة نحو: " زيد أكرمته" فإنه أوضح من قولك: " زيلم أكرمت الرجل " قلتُ: لا يحمل على وضع الظاهر موضع المضمر إلا إذا قام دليله، نحو قوله تعالى (اللهُ الصَّمَدُ 225 بعد قوله تعالى قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ 226 لم يقل "هو (الصمد" ليقوى التمكين، ويحتمل أنه لم يقل هو الصمد" لئلا يتوهّم أنّ "هو" ضمير الشأن، وأن "الصمد"
مبتدأ خبره لم يلد، والجملة مفسّرة، وللتنبيه على بلادة السامعين كانم لا يفهمون الضمير.
من وضع الظاهر موضع الضمير لتقوية التمكين من غير باب المسند إليه قوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (227، "الحق" الأول ": الحكمة المقتضية للإنزال وهي: صلاح المعاش والمعاد وعدم البطلان. و"الثاني" بمعنى الأوّل، ومقتضى الظاهر أن يقول: و"به نزل"، وإن أريد بالحق "الثاني الأوامر والنواهي لم يكن من وضع الظاهر موضع المضمر، ولو جعل الضمير فيه على الاستخدام، فقيل و به "نزل" فترد (الهاء) بمعنى الأوامر والنواهي إلى الحق بمعنى
225 - الإخلاص 2
226 - الإخلاص 1
227
- الإسراء جزء من 105 – الآية الكريمة وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)
178 (1/194)
صفحة 195
الحكمة لكان الضمير ليس مستحقا لمحلّه، فضلا عن يقال الظاهر وضع في موضعه لأن الأصل ترك الاستخدام، فالموضع للظاهر الذي هو غير الأول معنى.
ويوضع الظاهر موضع المضمر لإدخال الخوف في ضمير السامع وتربية الحالة الناشئة من الخوف مع تقوية التمكين أو لتقوية ما يدعو المأمور إلى امتثال ما أمر به كقولك: "أمير المؤمنين يأمرك بكذا " فكان قولك: "الخليفة يأمرك بكذا " أو قولك: " فلان يأمرك بكذا " مشيرا إلى أمير المؤمنين، أو قولك: " أنا آمرك بكذا " إذا كنت أمير المؤمنين. فإنّ قولك "أمير المؤمنين" أدلّ على التسلط والتمكن بالمأمور لو خالف ما أمر به من ضمير المتكلم ولفظ "الخليفة"، فالمثال صالح لتقوية ما يدعو المأمور إلى الامتثال ولإدخال الخوف وتربية الحالة الناشئة منه. ويصلح لهما أيضا من غير باب المسند إليه قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ 228 ومقتضى الظاهر" فتوكل علي "، لكن وضع لفظ الجلالة مكان (ياء) المتكلم، لأن سماع لفظ الجلالة الجامع لصفات اللطف والقهر والقدرة من إدخال الروع في قلب السامع، وتقوية الداعي ما ليس في سماع ضمير المتكلّم.
ويوضع الظاهر موضع المضمر أيضا لطلب العطف والرحمة كقول معاوية: (اللهم ارحم العبد العاصي ذا القلب القاسي)، وقول الشاعر: [من الوافر]
إِلهِي عَبْدُكَ الْعَاصِي أَتَاكَا
فَإِنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ لِذَاكَ أَهْلُ
مقرا بِالذُّنوبِ وَقَدْ دَعَاكَا
وَإِنْ تَطْرُدْ فَمَنْ يَرْحَمْ سِوَاكَا
" لكن جيء
بلفظ
بإسكان "يرحم" للضرورة، ومقتضى الظاهر: " اللهم ارحمني وأنا أتيتك " لكن
تخضعا واستجلابا للرحمة. والله أعلم.
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بالالتفات
هو في الأصل مطاوع لفته يلفته بمعنى لواه تقول لفته فالتفت أي: لواه فالتوى، والتفت: نظر إلى يمينه وشماله واستعمل في الاصطلاح بمعنى الانتقال إلى واحد من التكلم أو الخطاب أو
228 ـ آل عمران جزء من 159 - الآية الكريمة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
179 (1/195)
صفحة 196
أن مقتضى
لأن المقام
الغيبة من الآخر منهن عند الجمهور والسكاكي بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف ما يقتضيه الظاهر ويترقبه السامع وزاد السكاكي والزمخشري أن يعبر بأحدهن مع ظاهر الكلام التعبير بالآخر بدون أن يتقدّم غيره وذكر الالتفات (في المعاني) صحيح؛ قد يقتضي كثرة الإصغاء إلى الكلام واستحسانه فيتوصل إلى ذلك بالالتفات. فإن اعتبر مجرد تحسين الكلام من غير مراعاة المطابقة كان من (البديع)، فسمّي في البديع والمعاني باسم واحد، وهو من مباحث (المعاني) و (البديع (من جهتين مختلفتين - كما رأيت ـ وهو أيضا من (البيان) من حيث إنّه من أفراد خلاف مقتضى الظاهر الذي هو من أفراد الكناية المبحوث عنها في (البيان)؛ لأنّ "التصريح ": إيراد لفظ ظاهر الدلالة من غير اعتبار معتبر، و"الكناية" بخلافه.
و "مقتضى الظاهر من باب الأول، وخلافه من باب الثاني، وأقسامه ستة: الالتفات من التكلّم إلى الخطاب أو الغيبة، أو من الخطاب إلى التكلّم أو الغيبة، أو من الغيبة إلى التكلم أو
أن
الخطاب. وعلى مذهب السكاكي والزمخشري اثني عشر هذه الستة. وستة أخرى وهن: يكون مقتضى الظاهر التكلّم ويعدل عنه إلى الخطاب أو الغيبة، أو يكون مقتضى الظاهر الخطاب فيعدل عنه إلى التكلّم أو الغيبة، أو يكون مقتضى الظاهر الغيبة فيعدل عنها إلى التكلّم أو الخطاب. وقال: صدر الدين تلميذ الزمخشري مثل ما قال الزمخشري إلا أنه شرط أن يكون المخاطب في التعبيرين واحد واشترط [بإيهام واحد.]. وكلّ التفات عند الجمهور التفات عند السكاكي وبعض التفات السكاكي التفات الجمهور لا كله كما رأيت.
وليس من الالتفات قولك: " أنا زيد وأنت عمرو " أو " لا أنا زيد وهو عمرو" و" لا أنت عمرو وأنا "زيد" و" لا أنت عمرو وهو زيد " و " لا هو زيد وأنت "عمرو" و" لا هو زيد وأنا عمرو "؛ لأنّ التعبير بأحد الثلاثة: الخطاب والتكلّم والغيبة بعد الآخر، وليس على خلاف مقتضى الظاهر ومترقب السامع، بل ليس أيضا " أنا زيد " من الالتفات، وكذا كل جملة بعده في هذه الأمثلة على حدة
ولو كان الاسم الظاهر من قبيل الغيبة "ألا" هو زيد " ومثله " زيد هو " فلا يتوهم فيه متوهم أنه التفات وإنّما لم يكن الظاهر مع الخطاب أو التكلم المخبر عنه بذلك الظاهر التفاتا، لأنه لا يخالف مقتضى الظاهر وما يترقبه السامع، وكذا إذا قدّم الظاهر على ضمير المتكلم أو المخاطب
180 (1/196)
صفحة 197
نحو: " زيد أنا " ونحو: " زيد أنت " لأنه يخبر بالظاهر عن الضمير وبالضمير عن الظاهر، ويوافق
مقتضى الحال.
وليس من
الالتفات " أنت الذي يقبل اليسير ويعفو عن الكثير " بـ (الياء) آخر الحروف في يقبل" و"يعفو"، و" أنت الذي قام " و" لا يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير " بالياء آخر
الحروف، ولا قوله: [من الرجز] نَحْنُ اللَّدُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا
الالتفات؛ لأنّ
حق
يَوْمَ النَّخِيلِ غَارَةً مِلْحَاحًا
لأنّ الموصول من قبيل الغيبة وصلته تطابقه، فأخطأ من قال: " يا أيها الذين آمنوا" من العائد إلى الموصول 229 أن يكون بلفظ الغيبة. [والصلة متممة للمنادى الذي هو الموصول]، لأنها كالجزء منه؛ فلا يراعى فيه حكم الخطاب العبرة بالنداء إلا بعد تمامه بالصلة، ولو قيل في ذلك: تقبل وتعفو وقمت بالخطاب وصبحنا لكان ضعيفا، وقد عدّوا (أنا الَّذِي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَة) 230 شاذا، والقياس " سمته أمه" قيْدَرَة) 230 شاذا، والقياس " سمته "أمه" ونسب "لعلي"231. وقال ابن هشام مقيسه قليل، وقيل: خطأ، وأقول: لو قيل على نية الالتفات لصح لجواز الالتفات في الكلام الواحد، وكتب "اللذون" بلامين لأنه معرب في لغة الشاعر، بخلاف "الذين" في لغة بنائه مشبهة بالحرف بالبناء يكتب بلام واحدة، وذلك لئلا يرى حرف التعريف في شبه الحرف داخلا على أنّ (أل) للتعريف العهدي، وشبّه حرف التعريف على أن التعريف بالصلة. و"صبحوا" أتوا في الصباح؛ فـ"الصباح" ظرف مؤكد لمتعلقه أو "صبحوا" بمعنى أتوا استعمال للمقيد في العام، فـ الصباح، ظرف غير مؤكد، ويجوز كون "الصباح" مفعولا مطلقا بمعنى
في
الخط
229
- ينظر الشروح 466:1
*
230 - أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَة أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَة
231
- قول امرئ القيس: [من المتقارب]
تَطَاوَلَ لَيْلك بالأحمد
مطلع القصيدة وبعده:
وبات وَبَانَتْ لَهُ لَيْلَةٌ
وَذَلِكَ مِنْ نَبِإٍ جَاءَنِي
وَنَامَ الْخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
كليلَة ذِي الْعَائرِ الأَرْمَد
وخبرته أبي الأسود
181 (1/197)
صفحة 198
"التصبيح" كأنبت نباتا. و"النخيل " بصيغة التصغير موضع بالشام. و"غارة " مفعول "صبحوا" أو مفعول له محذوف، أي صبحوهم أو أصبحوا العدوّ، و"غارة" مفعول لأجله أي: الإغارة اسم مصدر، و"ملحاحا" نعت لغارة صفة مبالغة.
232
وليس من الالتفات ما يجيء بعد الالتفات مطابقا له نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ف" إياك نعبد" على طريق الالتفات من الغيبة، وإياك نستعين جارٍ على أسلوب "إياك نعبد" لأنه بعد الالتفات في "إياك نعبد جارٍ على ما هو ضرب صيغ الخطاب، وكان من مقتضى الظاهر معه، لكن لا مانع أن يقال: التفات بواسطة العطف عن الغيبة إذا جعلت الواو للعطف. ومن الالتفات عند السكاكي" السكاكي """ والزمخشري 234 قول امرئ القيس: [من المتقارب]
تَطَاوَلَ لَيْلكَ بالأَثْمد
مطلع القصيدة وبعده:
وَبَات وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ
وَذَلِكَ مِنْ كيا جَاءَنِي
وَنَامَ الْحَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
كَلِيلَة ذِي الْعَائرِ الْأَرْمَدِ
وخبرتُهُ أَبِي الأَسْوَدِ 235
ومقتضى الظاهر " تطاول ليلي بالإثمد و لم أرقد " ولكن خاطب نفسه خطاب المذكر لأنها بمنزلة مكروب أو مستحق للعقاب. وكسر بعضهم (الكاف) وخطّأوه وردوا عليه بقوله " ولم ترقد " لأنه خطاب، مذكر، ولو كان خطاب مؤنث لكان بالياء بعد (الدال) في الخط. وقال الفارسي، وتلميذه أبو الفتح بن جني، وابن الأثير: إن قوله" ليلك" تجريد، فقيل لا منافاة بين الالتفات فيه والتجريد، ويرده أن مبنى التجريد على مغايرة المنتزع للمنتزع ليرتب عليه ما قصد به من المبالغة في الوصف ومدار الالتفات على اتحاد المعنى ليحصل ما أريد من إرادة المعنى في صورة أخرى غير ما تستحق بحسب الظاهر، فإنّ حمل "ليلك" على الالتفات لم يكن تجريدا،
منه
232
- الفاتحة.
233 - ينظر مفتاح العلوم 96
-
234
235
ينظر الكشاف 64:1
ينظر الديوان 344
182 (1/198)
صفحة 199
وإن عد تجريدا لم يكن التفاتا. قال الزمخشري: التفت ثلاث التفاتات في كل بيت التفات. وكذا
قال السكاكي.
وإن قلت: يجوز أن يكون أحدهما في " بات " والآخران في " جاءني
"1
أحدهما من
الخطاب
في " ليلك " والآخر من الغيبة في " بات "، فيكون ثلاث التفاتات عند الجمهور أيضا، قلتُ:
"
""
اضمحل الخطاب بعد الانتقال عنه في " ليلك إلى غيبة في " بات"، فالأسلوب للغيبة، فمنها الالتفات إلى التكلّم في " جاءني "، وإن قيل: الثاني في لفظ " ذلك " من الغيبة على الخطاب، والثالث في " جاءني من الخطاب للتكلّم، قلت: ليس الخطاب في لفظ ذلك للمتكلم في جاءني " بل لمن يتلقى الكلام، كقوله تعالى (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ 236 [وقوله تعالى] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلكَ 237؛ الخطاب الأول في الاثنين للجماعة، والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له. و" الأثْمُدِ " بفتح الهمزة والميم وبضم (الميم) أيضاو (بكسرها): (
منه
موضع. ومن الالتفات عند الزمخشري قوله [تعالى] وَمَا يُدْرِيكَ 238 فإن العدول فيه عن مقتضى ظاهر الكلام حيث كان سياقه وهو قوله تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى 239 صيغة الغيبة لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأنّ مقتضاه الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضاه التعظيم للنبي والتلطّف في مقام العتاب بالعدول على مواجهة الخطاب. مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 240. ومقتضى الظاهر: "وإليه أرجع" لأن قوله تعالى " لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي للتكلّم، وهو عبارة عن أن يقول: " مالكم لا تعبدون الذي فطركم " لكن لما عبر تعريضا بتكلمه أن خطابهم طابقه أيضا أن يتكلّم عن خطابهم في قوله " تَرْجِعُونَ" فيقول: "ارجع"، لكن
236 - البقرة جزء من 52 - الآية الكريمة) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) 237 - البقرة جزء من 64 - الآية الكريمة (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ) 238 - عبس جزء من 3 - الآية الكريمة (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزْكى)
239 - عبس الآيتان 1 و 2
240 - يس 22
183 (1/199)
صفحة 200
241
وهو يعبد
التفت الخطابهم تأكيدا، هذا [أليق] للمقام. وعليه فالالتفات في " لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي سكاكي، بل في " لي "، وأما ما بعده فتبع، وفي " تَرْجِعُونَ " سكاكي مشهور به. وقيل إن قوله " مَالِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي" جاء على أصله في التكلم عن نفسه وليس تعريضا عن خطابهم، وفي قوله " وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " التفات مقتضى الظاهر "وإليه أرجع". ولا بد من صرف أوّله لآخره وآخره لأوّله، والتحقيق الأوّل، لأنّ القائل حبيب النجار الذي فطره فعرض لهم، لأنّ التعريض أدخل في النصح لما أنه لا يريد لهم إلا ما أراد لنفسه، وكونه من التعريض لا ينافي الالتفات، لأنّ التعريض: إما مجاز أو كناية، وهنا مجاز لامتناع إرادة الموضوع له، فيكون اللفظ مستعملا، فيغير ما وضع له، فيكون المعبر عنه في الأسلوبين واحدا. نعم على ما حققه السيد أن معنى التعريض من مستتبعات التركيب، واللفظ ليس بمستعمل فيه، بل هو بالنسبة إلى المعنى المستعمل فيه إما حقيقة أو مجازا أو [كناية]، يرد أن اللفظ ليس مستعملا في المخاطبين، فلا يكون المعبّر عنه في الأسلوبين واحدا، ولو كان المراد بقوله ترجعون " المخاطبين تحقيقا لأنفس عباده عنهم لماصح الاستفهام الإنكاري، لأنّ رجوع العبد إلى مولاه ليس بمستلزم أن يعبده غيره، فتبيّن أنّ "المراد ترجعون": "ارجع " المعبر به عن ترجعون" المنبه على أنه مثله ونحوه في العبادة. وقوله
"
-
241
ينظر تفسير ابن كثير، دار ابن حزم بيروت، ط 1/ 2000، ص: 1566. 0 قال ابن إسحاق ــ فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إن أهل القرية هموا بقتل رسولهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي لينصرهم من قومه ـــ قالوا وهو حبيب، وكان يعمل الحرير ـــ وهو الحبال ـــ وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه ومستقيم النظرة. وقال ابن إسحاق عن رجل سماه عن الحكم عن مقسم ـ أو: عن مجتهد عن ابن عباس قال: كان اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وقال الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مخلر: كان اسمه حبيب بن مري. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس أيضا قال: اسم صاحب بس حبيب النجار، فقتله قومه. .
—
-
184 (1/200)
صفحة 201
244
تعالى (وَأُمِرْنَا لِمُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ 242. ومثال الالتفات من التكلم إلى الغيبة قوله تعالى {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * 243 لأنّ " ربِّ " اسم ظاهر من قبيل الغيبة، وصدر الكلام تكلّم، فمقتضى الظاهر فصل لنا لكن قال: " لربك " ليدلّ بلفظ رب على التربية المستحقة للعبادة، ففي لفظ "رب" حثّ على فعل المأمور به من الصلاة والنَّحْرِ، وقوله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) ومقتضى الظاهر "لنغفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر"، وقوله تعالى أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ 245 ومقتضى الظاهر " رحمة منا "، وقوله تعالى إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً إلى قوله فَآمَنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ 246 مقتضى الظاهر "فَآمِنُوا بِاللهِ وَبِي" لكن قال: " وَرَسُوله " تنبيها على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة بعد قوله: " وَرَسُولِهِ" ودفعا للتهمة عن
نفسه بالتعصب لها.
-242
الأنعام جزء من 71 وجزء من 72 - الآيتان الكريمتان (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ابْتِنَا قُلْ إِنْ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِمُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)
- الكوثر الآيتان 1 و 2
- الفتح 1 وجزء من 2 - الآيتان الكريمتان) إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ويتم نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) 245 ـ الدخان. وجزء من 6 - الآيتان الكريمتان (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
العليم)
246 - الأعراف جزء من 158 الآية الكريمة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
180 (1/201)
صفحة 202
ومن حكم الالتفات على الغيبة من التكلّم أن يفهم السامع أنّ هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب وأنه ليس في كلامه تمن يتلون ويتوجه ويبدي في الغيبة خلاف ما يبدي
في الحضور.
الالتفات ومن
من
الخطاب إلى التكلّم قول الشاعر [علقمة بن عبدة العجلي يمدح الحرث
بن جبلة الغساني ويطلبه أن يفك أخاه الذي أسره]: [من الطويل]
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوب
تكلفني لَيْلَى وَقَدْ شَط وليها
وَليُّهَا
بعيد الشَّبَابِ عَصْرَ حَان مَشِيبُ
وَعَادَتْ عَوَادِ بَيْنَنَا وَخُطُوبُ
247
خاطب نفسه في قوله: " طحا بك " وتكلّم في قوله: " تكلفني "، ومقتضى الظاهر" تكلفك". ومعنى "طحا بك": ذهب بك والباء) للتعدية، أي: "أطحاك"، أي: أذهبك (بفتح الكاف وكسرها). و"الطروب": صفة مبالغة فـ (الطاء مفتوحة) والطرب: خفة تعتري إنسانا أو حزن و" في "الحسان" متعلّق بطروب أو بذهب، أي: دخل بك في طلب الحسان ومراودتهن وأهلكك، أو المعنى أن له طربا في طلب الحسان ونشاطا في مراودتهن، و"بعيد
لشدة
سرور
11
الشباب بمعنى: بعيد معظم الشباب تصغير بعد، عصر " بدل بعيد و"حان " قرب والجملة مضاف إليها عصر "و" ليلى" فاعل "تكلفني" بالتاء المثناة فوق، والمفعول الثاني محذوف، أي: تكلفني ليلى شدائد فراقها، أو تنازع تكلف وشط في وليها أي يكلفني حبّ ليلى وليها وقد شط، أو يكلفني حبّ ليلى وقد شطّ وليها، فيكون التكليف بمعنى التحمّل في وجه الشارع، أو تكلّف خطاب للقلب فيكون التفات آخر من الغيبة للخطاب، لأنّ قلب غائب وتكلّف خطاب، وعليه فـ"ليلى" مفعول ثان أي يكلفني وصل ليلى، وتكلّف على هذا تطلب. واعتبار الالتفات في "تكلفني" بالنظر إلى "طحا بك" لا يجامع اعتباره بالنظر إلى القلب المذكور؛ إذ من شرط الالتفات إجراؤه على الأصل في الجملة، وهنا يمكن ذلك على تقدير رجع التفات القلب إلى أصله وإن لم يكن، بدونه والمشهور" يكلّفني" بـ (المثناة التحتية)، وضميره للقلب، و"ليلى" مفعول به، أي: يطلبني بوصل ليلى أو يلزمني وصلها وهو شاق عليّ، و"الولي" القرب، و"شط" بعد و"عادت" فاعلت والأصل: عادات حذفت الألف (بعد الدال للساكن) من عادى
-
247
ينظر المفتاح 96 والمطوّل 171:1 و شروح التلخيص 468:1
186 (1/202)
صفحة 203
يعادي، وعواد جمع عادية كجارية وجوار، وهي: ما يعوفك عن الشيء ويشغلك، و"الخطوب" خطب وهو الأمر العظيم أو "عادت" من عاد يعود أي رجعت إلينا موانع كانت تمنعنا
جمع
من الوصل قبل ذهبت فرجعت اللهم لا تقطع عنا رحمتك دنيا ولا أخرى. و لم يرد الالتفات من الخطاب إلى التكلم في القرآن، وقيل منه قوله تعالى {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاض 248 قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيا وليس هذا في رائحة من الالتفات لأن شرط الالتفات أن يراد مقصد
واحد.
ومن الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قول المعرّي أبي العلاء [من الكامل] هَلْ يَزْجُرْ لَكُمْ رِسَالَهُ مُرْسِلِ
أَمْ لَيْسِ يَنْفَعُ فِي أُولَاكَ أَلُوكَ
249
ف "أولا" غيبة لأنه اسم إشارة وهو لغة ترك الهمزة، و (كاف) " يَزْجُرنَّكُمْ " خطاب، و"ألوك": رسالة، وقال صدر الأفاضل: ليس التفاتا لأن الخطاب بما لبني كنانة، وبـ (كاف) "أولاك": لك. وقوله تعالى {إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ (250، ومقتضى الظاهر "وجرين بكم" بالخطاب، لكن قيل "بهم" بالغيبة للتعجيب من كفرهم وفعلهم، إذ لو استمر الكلام في خطابهم لفاتت فائدة حكاية حالهم العجيبة. قال السيوطي: وقيل لأن الخطاب "أولا" كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل" هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ" فلو قال: " وجرين بكم" للزم. الدم للجميع، فالتفت الكلام عن الخطاب بلا إشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شاقهم ماذكر عنهم في آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الحاضر: قلت ورأيت عن بعض السلف في توجيهه عكس ذلك، وهو: أن الخطاب أوّله خاص وآخره عام، وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد
248
طه جزء من 72 - الآية الكريمة هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طيبة وفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِين)
-
249
في سقط الزند ص 303 وردت (تزجرنكم) عوض (يزجرنكم) 250 يونس جزء من 22 - الآية الكريمة (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ - بريج طيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَتَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ)
187 (1/203)
صفحة 204
الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) قال: ذكر الحديث عنهم ثم حذف عن غيرهم، ولم يقل: "وأجري بكم لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم، " وجرين بهؤلاء وغيرهم من الخلق" هذه عبارته - فلله در السلف ما كان أوقفهم على المعاني اللطيفة التي يدأب المتأخرون فيها زمانا طويلا، ويفنون فيها أعمارهم، ثم غايتهم أن يحوموا حول وتما ذكر في توجيهه أيضا أنهم وقت الركوب حضروا بقلوبهم، لأنهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح، فخاطبهم خطاب الحاضرين، ثم لما جرت الرياح بما لا تشتهي السفن وأمنوا الهلاك لم يبق حضورهم كما كان عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه، فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة، وهذه إشارة صوفية.
الحمى
-
وقوله تعالى {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأَوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ) 251، وقوله تعالى {وَكَرَّةَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أَوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ 252 مقتضى الظاهر "فأنتم المضعفون" و"أنتم الراشدون". وقوله تعالى (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ 253 مقتضى الظاهر "عليكم"، وأما قوله بعد ذلك وأنتم فيها خالدون فهو من الالتفات. والسيوطي قال: كرّر الالتفات يعني أن قوله تعالى (أنتم فيها خالدون) التفات إلى الخطاب من الغيبة في قوله "عليهم "الملتفت إليها من الخطاب في " ادخلوا ". ومثال الالتفات من الغيبة إلى التكلّم قوله تعالى والله الذي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ) 254 مقتضى الظاهر "فساقه". وقوله تعالى (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءِ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا 255
Y
251 - الروم جزء من 39 الآية الكريمة (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) 252 ـ الحجرات جزء من 7 الآية الكريمة: {وَاعْلَمُوا أَنْ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّة إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أَوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ) 253 الزخرف 70 وجزء من 71 الآيتان الكريمتان (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَب وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
71
254 فاطر جزء من 9 الآية الكريمة وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتِ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا كَذَلكَ النُّشُورُ)
188 (1/204)
صفحة 205
مقتضى الظاهر" وزين". وقوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى) إلى قوله بَارَكْنَا حَوْلَهُ) ثم جاء قوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) 256 التفاتا من التكلّم في "باركنا" إلى الغيبة، وكذا قرأ الحسن "ليريه" بالمثناة تحت على الالتفات إلى الغيبة من التكلّم في "باركنا"، وعلى قراءته يكون قوله: "من آيتنا" التفاتا ثالثا من الغيبة في" ليريه" بالمثناة تحت إلى التكلم، وفي أنه التفات رابع من التكلم في "آياتنا" إلى الغيبة. قال الزمخشري: وفائدته في هذه الآيات وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة، وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد. ومثال الالتفات من الغيبة على الخطاب قوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًا) 257، وقوله تعالى (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّنْ لَكُمْ [فإنّ (هاء) "مكناهم" و (كاف) "لكم"] الفريق واحد. وقوله تعالى {وَسَقَاهُمْ ربُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنْ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) فإنّ (هاء) "سقاهم" و (كاف) "لكم" لفريق واحد. وقوله تعالى إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةٌ لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) 260 فـ (لكاف "للنبي" والنبي ظاهر. وقوله تعالى {إِيَّاكَ
258
259
255 - فصلت جزء من 12 الآية الكريمة (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) الإسراء (الآية الكريمة سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير)
256
257
مريم 88 و 89
258 - الأنعام جزء من 6 الآية الكريمة ألَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا آخَرِينَ) 259 ـ الإنسان جزء من 21 و 22 الآيتان الكريمتان عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنْ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعِيكُمْ مَشْكُورًا) 260 - الأحزاب جزء من 50 - الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ حَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
189 (1/205)
صفحة 206
"ملك
يوم
261 فإنه جاء على صورة الخطاب، وما قبله على صيغة الغيبة، ومقتضى الظاهر "إياه نعبد" على صيغة الغيبة فيما بعده كلّه، لكن جيء بصيغ الخطاب لأن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه محرّكا للإقبال على ذلك الحقيق بالحمد، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوي ذلك المحرك إلى أن ينتهي الأمر إلى خاتمة الصفات، وهي الدين" المفيدة أنّ ذلك الحقيق بالحمد هو مالك الأمر كله في يوم الجزاء، فحينئذ يوجب ذلك المحرك لتناهيه في القوة إقبال العبد على ذلك الحقيق بالحمد، ويوجب التكلّم له على صيغة الخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات كلّها، وكل ما يحتاج إليه مهم، وأن لا يكون شيء إلا بتكوين الله الله فإن تقديم اللفظ الذي هو مفعول به اصطلاحا، وهو: إياك للتخصيص، وحذف معمول "نستعين" الظرفي للعموم؛ إذ لم يقل نستعين في كذا أو على كذا، أو العبد إذا أخذ في القراءة تأكد عليه أن تكون قراءته على وجه يحد به من نفسه ذلك المحرك بأن يحضر قلبه ويتأثر. وقد علمت أنّ " إياك نستعين " ليس التفاتا بل جاء على مقتضى ظاهر قوله: " إياك نعبد " وهو تبع له في قوة محرك الإقبال، ومفعول" ملك" محذوف نسيا منسيا، حتى إنه تنزل منزلة اللازم لعدم كونه من باب ما يتعلّق الغرض به، أعني المفعول به الحقيق أي "ملك الأمور في يوم الدين. وأما " يوم الدين " فمفعول به توسّعي أضيف إليه فأوقعت النسبة على المفعول الحقيقي وعلى المجازي وهي نسبة إيقاعه، وإنّما سميت "يوم الدين" مفعولا مجازيا لأنه في الحقيقة ظرف، وليس في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، لأنّ المفعول الحقيقي غير معتبر هنا، لأنه من باب ما لم يتعلّق الغرض به والنسبة إيقاعية وهي هنا إسناد عقلي مجازي بالنظر على يوم الدين، هذا على أنّ الإضافة مجازية بمعنى (اللام)؛ فلو جعلناها حقيقة على معنى في التوسع إنما هو في مجرّد حذف في ارتفع توهّم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولم اعتبر المفعول الحقيق أو ذكر، وإنما لم تجعل صاحب القول الإضافة حقيقة بمعنى في للمبالغة، لأن قولك: "فلان مالك الدهر وصاحب الزمان " أبلغ من قولك: "في الدهر وصاحب في الزمان ". وقال عصام الدين: الجمع بين الحقيقة والمجاز غير عزيز في البدل كما في " قطع زيد يده " و" سلب زيد ثوبه " فيجوز كون يوم مفعولا به على المجاز بحيث يصير بدلا من المفعول الحقيق لو ذكر كقوله: " يا
261 - الفاتحة جزء من 5 - الآية الكريمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
190 (1/206)
صفحة 207
سارق الليلة أهل الدار " إضافة سارق لليلة والمشهور إضافته لأهل "، والفصل "بالليلة "منصوبا
ظرفا له.
ووجه حسن الالتفات مطلقا أنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن في تحصيل النشاط إن لم يوجد بدون التفات، وفي تجديده وتزيينه والترغيب فيه أن يحصل بدون الالتفات، وذلك أن للجديد لذة وتنضم لذلك نكت يحسن بها الالتفات في كل فرد من أفراد الالتفات. والله أعلم.
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر
بأن يقابل المخاطب المتكلّم بخلاف مراد المتكلّم تنبيها على أن خلاف مراده هو الأولى بالقصد أو هو الواجب، وهذه الأولوية أو الوجوب بالنظر إلى المتكلم أو المخاطب أو غيرهما، كما روي أن القبعثرى كان جالسا مع جماعة في بستان عنب، وكان الأوان أوان حصرم العنب، فذكر الحجاج، فقال القبعثرى: (اللهم سود وجهه واقطع عنقه واسقني من دمه) فأخبر الحجاج بذلك، فأرسل إليه وهدّده على قوله المذكور فقال: إنّما أردت بقولي المذكور عني العنب الحصرم، ثم قال له الحجاج لأحملنك على الأدهم فقال له: مثل الأمير يحمل الأدهم والأشهب، فقال له الحجاج: إنّما أردت الحديد، فقال له: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا، فقال الحجاج لأعوانه: احملوه فلما حملوه، قال: (سُبْحَانَ الَّذي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مقرنين) 262 فقال الحجاج: اطرحوه فلما طرحوه، قال: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةُ أُخْرَى) 263 فأعجب منه وعفا عنه. والمراد" بتسويد وجهه": إنضاجه، وبقطع عنقه": قطعه، و"بدمه: الخمر المعمولة منه، ومع ذلك أراد التلويح للحجاج، و"الحديد" في كلام الحجاج هو: الحديد الذي تصنع منه الموسى والسيف وغيرهما كالقيود. وحمله القبعثرى على ضدّ من الحدة، وأنّ الفرس النشيط الكريم حديد بمعنى أنه منفعل تحت الفارس شديد الانبعاث، وضدّه الفرس البليد؛ كأنه بلد في مكانه أي أقام فيه فذلك حمل على غير مراد
البليد
-262
الزخرف جزء من 13 - الآية الكريمة لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعَمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}
191
طه.
263 (1/207)
صفحة 208
الحجاج ثان بعد الحمل بعد الأوّل، إذ حمل أولا قوله "الأدهم" على الفرس الأدهم، وهو الذي ذهب بياضه حتى غلب على سواده بأن ينقلب البياض سوادا كما ينقلب الشعر الضعيف من حمرة إلى سواد لحدوث القوة وكما ينعكس الشعر الأسود أبيض، أو ذهب بياضه في رأي العين لقلته، وإنما أراد الحجاج بـ الأدهم" الحديد الذي يعمل منه القيد، ومراده: أن يفيده بالحديد، وضم القبعثرى "الأشهب" إلى "الأدهم" ليبين ما أراد من حمل كلام الحجاج، وهو الفرس الأبيض – قال بعض قومنا: إن القبعثرى رأس من رؤساء العرب وفصحائهم وأنه كان من الخوارج الذين خرجوا عن علي - وإنّما صح أن يقول لأحملن الأدهم عليك أن القيد هو الذي يوضع على الرّجل وليست الرّجُل هي التي توضع عليه، لأنّ هذا الاستعمال أمر وضعي؛ يقال حمل على الأدهم أي قيد ويحتمل أن يكون من القلب، أو شبه القيد بالمركب على طريق الاستعارة بالكناية والحمل تخييل والجامع مطلق التمكن، وحاصل حمل كلام الحجاج على ذلك أنه لوح إلى أن السلطان أن يوسع العطاء لا أن يقيد بالحديد، والله أعلم.
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بأن
يقابل المتكلم سائله بجواب ليس مطابقا لسؤاله
مع
تنبيها له على أنه كان ينبغي أن يسأل عن ذلك الجواب، لأنه أنسب بحاله، أو لأنه المهم له الواجب، وتنزيلا لسؤاله منزلة عدم السؤال والجواب ولو كان يجب أن يطابق السؤال. لكن السؤال ضربان: جدلي وتعليمي؛ الأوّل: يجب أن يطابق جوابه، والثاني: يجب فيه أن يبني الأمر على حال السائل؛ فالطبيب يبني علاجه على حال المريض دون سؤاله فتجوز المخالفة فيه، هذا القبيل في قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج 264،سأل معاذ بن جبل وثعلب بن غنم الأنصاري، واثنان جمع مجازا أو حقيقة، وأيضا ارتضى غيرهما سؤالهما، وأيضا هما في جملة العرب: (ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال حتى يعود كما بدا.) فأجيبوا بأن هذا
وسؤال الأهلة
264
من
البقرة جزء من 189 - الآية الكريمة (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البيوت مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأَتُوا البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
192 (1/208)
صفحة 209
التزايد والنقص معالم بوقت الناس، بما أمورهم من المزارع والمتاجر، والإجارة ومحال الديون، والصوم والزكاة، والحمل والحيض والنفاس والعدة، وغير ذلك من مصالح معاشهم للتنبيه على أنّ الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا عن ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان ذلك، ومقتضى الظاهر أن يجابوا بما بين في علم الهيئة من قربه من الشمس، فيقل نوره منها فيزداد، وتفاصيل ذلك ولا غرض لهم في هذا، مع أنّ علم الهيئة باطل في الشرع لبنائه على أمور لم يثبت شيء منها في الشرع، كما قاله الصبان عن عبد الحكيم 26. وأما فهمهم علم الهيئة فلو توجهوا إليه لأدركوه إدراكا لا يصله غيرهم، لكونهم عربا فصحاء يعملون بما علموا، فلا شك أن يهبهم الله علم ما جهلوا، فلو أجيبوا لفهموه حق الفهم، واستشكل التمثيل بالآية بإمكان حمله على السؤال عن الفائدة فيكون على مقتضى الظاهر. قال عبد الحكيم ما يسأل بها عن الجنس، فالمسئول عنه بها هنا حقيقة أمر الهلال، وشأنه لأيّ شيء اختلاف تشكلاته النورانية ثم عوده إلى ما كان عليه، وذلك الأمر المسؤول عنه يحتمل أن يكون غايته وحكمته وأن يكون سببه. وعليه فسبب النزول لا اختصاص له بأحدهما وكذا لفظ القرآن أو يجوز أن يقدّر: يسألونك عن سبب اختلاف الأهلة وأن يقدّر حكمة الأهلة، فاختار صاحب الكشاف والراغب والقاضي أنه سؤال عن الحكمة إخراج للكلام على مقتضى الظاهر لأنه الأصل، واختار السكاكي أنه سؤال عن السبب الفاعلي لأنّ الحكمة ظاهرة أي وهي السبب الغائي لا يستحق السؤال عنها والجواب، فذلك عنده خروج عن مقتضى الظاهر. ويُبحث في مذهبه بأنه حيث كانت الحكمة ظاهرة لا تستحق السؤال والجواب فكيف يجاب لم يكن الأولى بحال السائلين السؤال عن العلة فكيف علل العدول إلى الجواب بالعلة بالتنبيه على أن السؤال أولى بحالهم، ويجاب بأن المعلوم عندهم العلة الفاعلية وهي السبب الفاعلي؛ وهو القرب والبعد من الشمس لا السبب الغائي وهو التوقيت. هذا الباب قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
ومن
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ 266 روي السبيل"
265
-
266
- ينظر الشروح 482:1 (حاشية الدسوقي)
-
أن عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير له مال
البقرة جزء من 215 - الآية الكريمة (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
193 (1/209)
صفحة 210
267
عظيم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فذكر الله تعالى سؤاله الأول فقط وهو قوله: " ماذا ننفق من أموالنا إبرام شعير ماذا ننفق من أموالنا إبرام شعير أم دراهم؟ " وهكذا ولم يذكر سؤاله الثاني، وهو قوله: وأين نضعها؟ وأجاب بالثاني الذي لم يذكر، وترك الجواب عن الأوّل تنبيها على اللائق بهم تركه والاقتصار عن الثاني. ولا يخفى أنّ إجابة السؤال عن الجنس الذي يتصدق به ببيان مصرف الصدقة من خلاف مقتضى الظاهر، هكذا ظهر لي ولم أجده لغيري. و به يحصل الجواب عن إيراد صاحب عروس الأفراح " ولو أقره الصبان، ويسر أن ذلك من مقتضى الظاهر إذا أجيب عن بعض ما يطلب والسائل واحد، وجمع لأنه في جملة الصحابة، ولأنهم رضوا سؤاله فاعتبروا في مرجع الضمير، ولا يظهر أيضا أنّ السؤال عن مقدار النفقة أقليل أم كثير ولا عنه وعن الجنس. كما أجاز بعضهما الاحتمالين، بل هو عن الجنس وحده، فأجيبوا بما هو أهم وهو بيان مصرفها، لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، بخلاف ما يتصدق به فإنه يعتد به من أي جنس وقليلا أو كثيرا؛ وهي الصدقة النافلة لأنها لا يعتد بها لو وقعت في محرم كالصدقة على عاص لأجل عصيانه، أو عاص لا يجوز أن ينفق عليه كالطاعن في الدين والناشزة وكالإنفاق في معصية. فبيّن الله مصارف النفقة المختارة، ولو جاز غيرها أيضا وأثيب عليه؛ كالنفقة على غير أجنب.
والمراد النفقة على هؤلاء لولادتهم وأقربيّتهم ويتمهم ومسكنتهم وسبيليتهم لا لعصيانهم، فلو كان فيهم مانع الإنفاق لم يجر إنفاقهم بدليل خارجي، فلم يلزم ما قيل: إن صدقة النفل يشكل عليها نفي الاعتداد. وليس المراد الصدقة الواجبة لأنه ليست تجوز للأقربين مطلقا، بل إن كانوا فقراء وفي الولاية ولا للوالدين لوجوب النفقة لهما، ومن تحب نفقته عليك لا تعطه الزكاة ولو كان أقرب دون الوالدين، وإن حمل الوالدين على من لا تجب نفقته منهما كأم تحت زوج غير أبي ولدها، قيل: وكأم وابن قائمين في المعيشة غير محتاجين للإنفاق وليس غنيين، ففيه بعد لعموم اللفظ وعموم الخطاب. وأما الاعتداد بقليل من الزكاة إذا لم يعط الواجب كله فلا يعتبر من حيث أنه لا يثاب عليه ولو برئت ذمته من ذلك الذي أعطى، وكل ما فيه خير فهو صالح
-
267
هو بهاء الدين السبكي. ينظر شروح التلخيص 483:1) قال: والسبب في هذا تنبيه السائل على أنه كان الأحرى
به أو الأهم أن يسأل عما وقع الجواب عنه)
194 (1/210)
صفحة 211
للإنفاق، فذكر قوله: "ما أنفقتم من خير" على سبيل التضمّن دون القصد، وبهذا يندفع ما يقال: إن في الآية بيان ما ينفق وهو الخير، فثبت ما سألوا عنه وزيادة فأجاب بما ذكر، وأيضا ليس في الآية بيان ما ينفق بخصوصه، بل بوجه عام فهو ذكر توطئة لما بعده. والله أعلم.
باب عد السكاكي من خلاف مقتضى الظاهر التعبير
عن المعنى المستقبل بلفظ وضع للمعنى الماضي
والعكس يعبر عن الماضي بالمستقبل تنزيلا له منزلة ما يترقب ليتحقق ونحو ذلك، أو بالحال تنزيلا منزلة الحاضر ليكون كالمعاين. وعن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه حتى كأنه وقع، وإذا عبر مثلا عن المستقبل بالماضي كان خلاف مقتضى الظاهر، وإن عبّر عنه بعد بالمستقبل كان أيضا خلاف مقتضى الظاهر، وذلك استعارة لأنه شبه المستقبل مثلا بالماضي في تحقق الوقوع؛ فهو من فنّ البيان، لكنّه من فنّ المعاني أيضا من حيث أن الداعي إليه التنبيه على تحقق الوقوع مثلا، وتلك الاستعارة في المشتق إذا كانت في الفعل باعتبار الهيئة؛ لأن الفعل يدلّ على الزمان بهيئته لا بذاته، ولم يذكروه في مباحث الاستعارة، من ذلك قوله تعالى ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ 268 وقوله تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ 269 ومعنى نفخ ينفخ، ومعنى صعق وفزع يصعق ويفزع، ومن قوله تعالى {وَإِن الدِّينَ لَوَاقِع 270 ف " واقع اسم فاعل موضوع للماضي ولكن استعمل في الاستقبال المنزل منزلة الماضي لتحقق الوقوع، وقوله تعالى {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ 271
ذلك
268
الزمر جزء من 68 - الآية الكريمة (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)
269
النمل جزء من 87 - الآية الكريمة وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ
اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)
270
-271
الذاريات 6
هود جزء من 103 - الآية الكريمة إن في ذَلِكَ لَآيَةٌ لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ
وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)
195 (1/211)
صفحة 212
مجموع: اسم مفعول وموضوع للماضي لكن استعمل في الاستقبال المنزل منزلة الماضي
الوقوع، والدين": الجزاء.
أنهما
272
الآن،
لتحقق
وبه قال
273
و استعمال اسم الفاعل للحال أو استقبال مجاز للماضي حقيقة هذا ما عندي بعض الشافعية واختاره عبد القاهر """ [الجرجاني] وأبو هاشم ونص السعد في شرح المفتاح: أن كل مجاز من خلاف مقتضى الظاهر، لأن مقتضى الظاهر أن يعبر عن كل معنى بما وضع له، وخلاف مقتضى الظاهر أعمّ من المجاز لشموله الكناية وجريانه في بعض أفراد الحقيقة، وقال: الأكثر اسم الفاعل واسم المفعول حقيقتان في الحال مجازان في الماضي والاستقبال، ولا تتوهم أني أردت أنهما يدلان على الزمان الماضي أو الحاضر؛ فإنّ الزمان ليس في وضعهما بل أردت وضعا للحدث الواقع في الماضي على قول، والحدث الواقع في الحال على قول مع الذات الفاعلة لذلك الحدث، أو الذات الواقع عليها ذلك الحدث. فإذا كان الحدث متحققا حاصلا بالفعل كان الوصف حقيقة لتحقق الحدث أو حضوره لا لكون الزمان ماضيا أو حاضرا، ولو كان الزمان لازما للحدث؛ ففرق بين الزمان المعتبر في المفهوم واللازم للمفهوم - وأعني المفهوم مدلول اللفظ الموضوع له اللفظ وإذا لم يكن الحدث حاصلا بالفعل كان الوصف مجازا لعدم حصوله بالفعل، لا لكون الزمان مستقبلا على القولين، ولا لكونه حاضرا على القول الأوّل. والله أعلم. وأمّا الصفة المشبهة واسم التفضيل فحقيقتان في الحدث الحاضر وصاحبه، ولا يضر تقدّمه قبل واستمراره بعد. والله أعلم.
-
باب الخروج عن مقتضى الظاهر بالقلب
وهو أن يجعل أحد الجزأين من الكلام مكان الآخر، والآخر مكانه بأن يثبت لأحد الجزأين حكم الجزء الآخر وعكسه لا مجرد تبديل المكان كما في عكس القضية، نحو: "عرضت الناقة على " مكان " عرضت الحوض على الناقة " أي أظهرته عليها لتشرب، وذلك لأنّ المعروض عليه هنا يجب أن يكون له إدراك يميل به إلى المعروض أو يرغب عنه، وقد يكون المعروض عليه
الحوض
196
ينظر دلائل الإعجاز ص 4
ينظر المطول 176:1
-
272
273 (1/212)
صفحة 213
"
ذا إدراك، وذلك إذا كان المراد بالعرض المعنى المجازي؛ أعني مجرد الإتيان بالمعروض إلى المعروض عليه لا معناه الحقيقي، وإيضاح المثال أنّ الحوض والناقة يشتركان في حكم مطلق العرض، إلا أنّ الحكم الثابت للحوض هو العرض بلا واسطة حرف جرّ، فيكون معروضا وللناقة هو العرض بواسطة حرف جرّ فتكون معروضا عليها، كقولك: " زيد ممرور "به وقلب ذلك وأثبت لكل واحد حكم الآخر، فصار ما كان حكمه العرض بلا واسطة حكمه العرض بالواسطة، وما حكمه العرض بها حكمه العرض بدونها. فليس من القلب " في الدار زيد " بتقديم الخبر مكان المبتدإ وتأخير المبتدأ مكان الخبر، و" ضرب عمرا زيد " بتقديم المفعول مكان الفاعل وتأخير الفاعل مكان المفعول لبقاء كلّ على حكمه، وخرج أيضا " ضرب عمرو أيضا " ضرب عمرو " بالبناء للمفعول، لأنّ الأخير لم يكن في مكان الأول، لأنّ الأوّل حذف حذفا، ولبقاء الحكم عندي لأن المضروب عمرو والضارب غيره على كل حال، إلا أنه لم يذكر الضارب.
ولا يخفى ان القلب أخص من العكس، وقال ابن جماعة القلب أعم مطلقا من العكس المستوي عند أهل المنطق، واعلم أن كون "عرضت الناقة على الحوض" من القلب هو قول جماعة منهم الجوهري والسكاكي 274 والزمخشري، وقال يعقوب بن السكيت في (التوسعة): إنّ القلب هو قولك: " عرضت الحوض على الناقة " وقيل: لا قلب في واحد منهما، واختاره أبو حيان قال السيد. وفي قولك: " عرضت الناقة على الحوض " قلب باعتبار لطيف، وهو أن المعتاد أن يؤتى بالمعروض إلى المعروض عليه فحيث أتى بالناقة إلى الحوض جعلت كأنها معروضة، والحوض معروض عليه.
واعلم أن الداعي إلى حمل كلام غيرك على القلب أو على اعتقاد أن كلامك من باب القلب ضربان، (الأوّل: (: يكون جهة اللفظ بأن يتوقف صحة اللفظ عليه ويكون المعنى تابعا، كما إذا أخبر عن النكرة بالمعرفة كقول الشاعر [القطامي]: [من الوافر]
197
- المفتاح 101
274 (1/213)
صفحة 214
قفي قَبْلَ التَّفَرُّق يَا ضُبَاعًا
وَلَا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكَ الْوَدَاعَا
275
فإنه مقلوب من قولك: لا يكن الوداع موقفا منك "، أي: "لا" يكن موقف الوداع موقفا منك"، وإنه إذا كان المقام مقام أن يقال: " كان المؤذن زيدا " وقلت: " كان زيد مؤذنا " كان قلبا ولو كانا معا معرفتين) والثاني: أن يكون جهة المعنى كالمثال الأوّل، وكقولك: " أدخلت القلنسوة في رأسي والخاتم في إصبعي "لأنّ "القلنسوة والخاتم" ظرفان و"الرأس والإصبع" مظروفان، لكن لما كان المناسب وهو أن يؤتى بالمعروض إلى المعروض عليه ويتحرك بالمظروف نحو الظرف، وها هنا الأمر بالعكس قلبوا الكلام رعاية لهذا اعتبار وأما قوله: [من الوافر] فَإِنَّكَ لَا تُبَالِي بَعْدَ حَوْلٍ أَظَبْي كَانَ أُمَّكَ أَمْ حِمَارُ؟
276
فقيل إنه قلب من جهة اللفظ بناء على أنّ "ظبي" اسم لكان محذوفة لا مبتدأ، لأنّ الاستفهام بالفعل أولى، وهو نكرة معربة خبر لكان. وسبك الكلام أكان" ظبي أم حمار أمَّك؟ " فحذفت "كان" وفسرت بالمذكورة. وقيل "ظبي" مبتدأ، وفي "كان" ضمير يعود إلى أحد شيئين "ظبي" و "حمار"؛ لأن "الحمار" في نيّة التقديم - كما رأيت – وهو الصحيح بناء على أنه لا يلزم تقدير فعل يلي الهمزة إذا كان في حيّزها، ولا قلب فيه على هذا القول من جهة اللفظ بل هو من جهة المعنى، لأن المخبر المخبر عنه في الأصل هو "الأم"؛ فإنّ المقصود: "أكانت أمك ظبيا أو حمارا؟ " وإنما لم يقل: " كانت "لأنه لا ضمير (للام) في "كان "، ومعنى البيت أنه ذهب السؤدد من الناس، واتصفوا بصفات اللئام، حتى لو بقوا على هذا الوصف سنة قمرية لا يبالي إنسان منهم، كان أم غير هجين؟ والقلب مقبول مطلقا عند السكاكي السكاكي " لأنه يورث الكلام ملاحة، ومردود عند غيره مطلقا، لأنه عكس المطلق ونقيض المقصود، قال القزويني 278: إنه تضمن اعتبارا لطيفا
277
أهجينا
275 - مطلع قصيدة نظمها القطامي) عمرو بن سليم الثعلبي) وقيل (عمير بن شبيم) لمدح زفر بن حارث الكلابي، وقد كان أسيرا له فأطلقه وردّ له ماله وزاده مائة من الإبل
-
276
277
بعضهم ينسب هذا البيت لخداش بن زهير وبعضهم الآخر ينسبه لثروان بن فزارة العامري
- ينظر المفتاح 101، قال: ( ... وإن هذا النمط مسمّى فيما بيننا بالقلب وهو شعبة من الإخراج لا على مقتضى الظاهر، ولها شيوع في التراكيب، وهو مما يورث الكلام ملاحة ولا يشجع عليها إلا كمال البلاغة تأتي في الكلام وفي
الأشعار).
278 ـ الإيضاح 81
198 (1/214)
صفحة 215
ـ غير الملاحة التي أورثها نفس القلب - قُبِلَ وَإِلا رُدَّ، لأنه عدول عن الظاهر من غير نكتة يعتدّ بها، وتلك الملاحة لا يعتد بها. ومثال ما تضمن اعتبارا لطيفا قوله [أي قول رؤبة بن العجاج]: [من الرجز]
وَمُهُمَهِ مُغْبَرَّة أَرْجَاؤُهُ
كَانَ لَوْنُ أَرْضِهِ سَمَاؤُهُ
279
" المهمه ": اسم الأرض التي لا ماء فيها ولا كلا وتسمّى مفازة من باب أسماء الأضداد، لأنها مهلكة لا مفازة و" مغبرة اسم فاعل بمعنى ممتلئة و" أرجاء" جمع رجا مقصور بمعنى ناحية وطرف، ويقدر مضاف هكذا كان لون أرضه لون سمائه، لغبرتها، والاعتبار اللطيف فيه ما شاع في كلّ تشبيه مقلوب من المبالغة في كمال المشبَّه إلى أن استحق جعله مشبّها به، فإن مقتضى الظاهر كان لون سمائه لون أرضه، فبالغ في وصفه لون سمائه بالغبرة حتى كأنها أصل في الغبرة يشبه بما لون الأرض فقلب لذلك أن الأصل فيها الأرض. قال عصام الدين: ويمكن تقسير قوله: كان لون أرضه سماءه بما لا يكون فيه قلب ولا حذف؛ أي ارتفع الغبار فيها متراكما واتصل بالسماء بحيث صار السماء متصلا بالأرض اتصال اللون بالجسم، كان لون الأرض نفس
السماء.
ثم إن القلب من حيث يورث الملاحة من علم البديع، وأنه من حيث المطابقة بالنكتة من علم المعاني، ولا يخفى أن عكس التشبيه قلب لنكتة المبالغة في وجه الشبه، وتعريف القلب يشمله. وتردّد بعضهم: (هل هو قلب؟) وقال على تقدير الفرق بينهما لم يذكر أحدهما في المعاني والآخر في البيان، قال ابن جماعة ذكر القلب في "المعاني"، وفي "البيان" في بحث التشبيه وهو التشبيه المقلوب، وفي "البديع" في التجنيس وفيه في غير التجنيس، وفي الخاتمة في بحث السرقة. وأقول: هو من حيث النكتة غير ملاحة القلب يعدّ من المعاني والبيان ومن حيث الملاحة يعد من البديع، وأقول: ليس القلب الذي هو جعل اللفظ صالحا لأن يقرأ من آخره لأوّله، ولا يختلف
من هذا الباب.
ومثال ما لم يتضمّن الاعتبار اللطيف قول القطامي يصف ناقة له بالسمن: [من الوافر]
فَلَمَّا أَنْ مَضَتْ سَنتَان عَنْهَا
وَصَارَتْ حُقَّةٌ تَعْلُو الْجِدَاعًا
279 ـ الديوان 3
199 (1/215)
صفحة 216
عَرَفْنَا مَا يَرَى الْبَصَرَاءُ فِيهَا وَقُلْنَا أَمْهلوا لنبيها
فَلَمَّا أَنْ جَرَى سَمَنٌ عَلَيْهَا
أَمَرْتُ بِهَا الرِّجَالَ لِيَأْخُذُوهَا
فالَيْنَا عَلَيْهَا أَنْ تَبَاعًا
لِكَيْ تَزْدَادَ للسَّفَر اطلاعا
كما طَيِّنَتْ بِالْفَدَن السَّيَاعَا
وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنْ لَنْ تُسْتَطَاعَا
YA.
" المدن": القصر و"السياع": الطين المخلوط بالتبن، فكأنه قال: كما طينت بالقصر الطين المخلوط بالتبن وإنّما يطين القصر بالطين لا الطين بالقصر، ولكنّه قلب ولا حكمة في ذلك سوء الملاحة، وقد يقال: فيه حكمة سواها وهو ان السياع قد بلغ في العظم والكثرة على أن صار بمنزلة الأصل فيدل على عظم سمنها المشبه بالطين حتى صار الشحم لكثرته بالنسبة للأصل من العظم وغيره كأنه الأصل، و"الفَدَن" بعد القلب بالنسبة إلى الأصل كـ"السياع" قبل القلب بالنسبة إلى "الفدن؛ فلا يقال: إنّ كثرة تطيين القصر لا لطف في الوصف به، لأنا نقول: هو وإن لم يكن فيه لطف في نفسه لكن فيه لطف بالنسبة إلى المقصود المرتب عليه، وهو إفادة المبالغة في وصف الناقة بالسمن. وروي (كما بطنت بالفدن السياعا (أي جعلت "الفدن" بطانة "للسياع " وجعلت
282
هذه
"السياع" ظهارته ولا قلب حينئذ؛ قاله السبكي 281 وابن القاسم، ونسب السبكي الرواية للجوهري والحاتمي في (حلية المحاضرة) وابن السكيت وذكر عن ابن السكيت أن فيه قلبا قال: وينظر فيه بأن يجعل "القصر" بطانة "للطين" لأنه داخله فلا، قلب، وكلّ ماكان ظهارة لغيره كان غيره له بطانة، وفي نسخة قديمة مصححة) فَلَمَّا أَنْ جَرَى عُسْنُ عَلَيْهَا كَمَا يُطْنَت بالْفَدَنِ السَّيَّاعَا (والعُسْن" بـ (الضم): الشحم. قال الزمخشري: [إن قوله تعالى] {وَيَوْمَ
*
280
281
ينظر الشروح 489:1. جاءت بعض الألفاظ في حاشية الدسوقي برواية مختلفة مثل (ثنتان)، (مهلوا) (للسعر).
هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (727 - 771 هـ) كان قاضيا ومؤرخا وباحثا، جرت عليه محن كثيرة
حتى إنه أنهم بالكفر، ومن تصانيفه. جمع الجوامع و - توفير التصحيح وترجيح التصحيح" و " الطبقات الوسطى" و
الطبقات الصغرى".
282 - الشروح 490:1 (عروس الأفراح)
11
200 (1/216)
صفحة 217
283
11
يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} من القلب. وقال أبو حيان: لا ينبغي حمل القرآن على القلب، إذ الصحيح أنه ضرورة، وإذا كان المعنى صحيحا دونه فما الحامل عليه. وليس في قولهم: "عرضت الناقة على الحوض ما يدلّ على القلب؛ لأنّ عرض الناقة على الحوض، وعرض الحوض على الناقة صحيحان قال الدماميني هذا كلام أبي حيان. وقال تلميذه الشيخ بهاء الدين السبكي (لم ينفرد الزمخشري بجعل عرضت الناقة على الحوض مقلوبا بل ذكره الجوهري وغيره، وحكمته أن المعروض ليس اختيارا، والاختيار إنما هو للمعروض عليه، فإنه قد يقبل وقد يردّ، فعرض الحوض على الناقة لا قلب فيه لأنها قد تقبله وقد تردّه وعرضها عليه مقلوب لفظا، وعرض الكفار على النار كما قال ابن عباس رضي الله عنهما] ليس بمقلوب لفظا للمعنى الذي أن الكفار مقهورون فكأنهم لا اختيار لهم والنار متصرفة فيهم، وهم كالمتاع
أشرنا إليه؛ وهو الذي يتصرف فيه من يعرض عليه كما قالوا " عرضت الجارية على البيع " و" عرضت القاتل
على السيف " و"الجاني على السوط “، فالنار" لما كانت هي المتصرفة في العود؛ قيل: عرضت العود على النار " وهذا الذي قلنا غير ما قاله شيخنا أبو حيان، وغير ما قاله الزمخشري، وحاصله أن الذي في الآية قلب معنوي ولا شذوذ فيه والذي في عرضت الناقة. قلب لفظي وهو شاذ، والحق ما قلناه. إن شاء الله تعالى. " إلى هنا كلامه".
وقراءة الجمهور حقيق على أن لا أقول بترك (ياء المتكلّم، وإدخال (على) الجارة على قوله: أن لا أقول قلب لقراءة نافع فإنّ قولك: " رسول واجب علي عدم قولي شيئا " إلا نحو قلب لقولك: " رسول واجب عليه أن لا يقول إلا الحق " إلا أن ضمن حقيق معنى حريص فلا قلب. ومنه قول عروة بن الورد: [من الوافر] فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِي
وما ألوك إلا ما أطيق
11
283 - الأحقاف جزء من 20 الآية الكريمة وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ). والأحقاف جزء من 34 الآية الكريمة (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبُّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ).
201 (1/217)
صفحة 218
أصله: فديت نفسه بنفسي ومالي، يقال: ألوت الشيء التزمته وضمن معنى الإعطاء أي: أعطيك إلا ما أطيقه. وقول الشاعر: [من المتقارب]
فَإِنْ أَنْتَ لَا قَيْتَ مِنْ نَحْدَةٍ
فلا يَتَهَيَّبْكَ أَنْ تُقدما ف "الإقدام" فاعل "يتهيب"، والأصل أنه مفعول أي فلا تحب الإقدام كذا قيل، وقيل: لا
قلب فيه، إذ المعنى لا يُخوّفنك الإقدام وفيه نظر، لأنه يحتاج إلى ثبوت "التهيب" بمعنى التخوف
284
والنجدة والشدّة أو القتال أو الهول والفزع. وقول ابن مقبل [من البسيط]
ولَا تَهْيَّبُنِي الْمَوْمَاةُ أَرْكَبُهَا
إِذَا تَحاوَبَتِ الأَصْداء بالشحر
الأصل لا أتميب الموماة أي: المفازة، و"الأصداء" جمع صدى وهو ذكر البوم أو كطائر صفير يصيح ليلا ويقفز. والله أعلم.
باب عدم ذكر المسند
يترك ذكره لما مرّ في المسند إليه كقول ضابي بن الحارث البرجمي 285 ـ بياء ساكنة حذفت
للساكن بعد الموحدة وفيه بالهمزة من ضباً بمعنى اختبأ -[من الطويل]
مَنْ يَكُ أَمْسَى بالمدينة رَحْلُه
فإِنَّي وقيارٌ بها لغريب
واسم "أمسى" ضمير" "من"، و"بالمدينة" خبر للمبتدأ بعده وهو رحله، والجملة خبر "أمسى"، وأن يكون "رحله" فاعل "أمسى" بتجوز في إسناد الإمساء إلى "الرحل"، أو في جعل "أمسى" بمعنى صار وبالمدينة متعلق بـ"أمسى" أو حال من "رحله" وجملة "أمسى" وما معها على الأوجه خبر "يك"، و"الرحل": المأوى والمنزل فيما قيل، وجملة إنّي لغريب [فيما قيل: ساد مسد] جواب "من"، أي: ومن يك أمسى بالمدينة رحله حسن حاله مع رداءة حالي، لأني بها غريب. ويجوز أن يريد بـ" الرحل": ما يرحل به على البعير كناية بإمسائه فيها عن بلوغ قراره ومنزله، أن يريد ما يرحل به على البعير ولا كناية بل على معنى ومن يك أمسى بالمدينة رحله
ويجوز
284
- ابن مُقبل هو تميم بن أبي بن مقبل، من بني العجلان، من عامر بن صعصعة، أبو كعب (– بعد 37 شاعر جاهلي أدرك الإسلام وأسلم، فكان يبكي أهل الجاهلية. عاش نيفاً ومئة سنة. وعد في المخضرمين. وكان يهاجي النجاشي الشاعر. له ديوان شعر ورد فيه ذكر وقعة صفين سنة 37 هـ. 285 ـ شاعر مخضرم بين الجاهلية والإسلام، كان كثير الشر سليط اللسان، توفي سنة 30 هـ.
202 (1/218)
صفحة 219
خبر
للاستراحة أو الحاجة، فإنّي مثله لأني بما غريب و"قيار: اسم فرس ويقال: غلام، و"غريب" "إن" لاقترانه بـ "لام التأكيد". وأمّا خبر "قيار" فهو مقدر، وجملتهما في نية التأخير، أي: فإنّي لغريب بها أي فيها، وقيار غريب فيها، أو وقيار كذلك حذف لضيق المقام بالوزن وبسبب التوجع. فإنّ البيت إخبار لفظاً وإنشاء تحسّر وتوجع للغربة معنى، ولقصد الاختصار والاجتراز عن الغيث بناء على الظاهر، ولتخييل العدول إلى أقوى الدليلين العقل واللفظ، وهو العقل - على ما مرّ من البحث - و"بها" متعلّق بغريب بعده، لأنه يجوز تقديم معمول الخبر الظرفي على الام التأكيد) في خبر "إن" كقوله تعالى إِنْ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير 286 أي: لخبير بهم يومئذ - أو" قيّار" المحذوف فيقدّر مثله لقوله الغريب "، ويضعف أن يقال: (اللام) للابتداء داخلة على مبتدإ محذوف، فحينئذ يجوز كون جملة "لهو غريب" خبرا لـ"قيار" فيقدر لان خبر، أي: إنّي غريب، ولا يقال: يجوز أن يكون "قيّار" معطوف على محل اسم "إن"؛ إذ محله رفع على الابتداء و"غريب" خبر عنهما ولو كان مفردا لأنه بوزن المصدر. أو لأنّ "قيار" كجزء المتكلم، لأنا نقول: لا نسلّم أنّ محلّ اسم "إن" رفع ولو كان أصله مبتدأ مرفوعا، ولأنه يلزم توجه عاملين على معمول واحد الابتداء، وإن نعم يجوز ذلك عند الكوفيين لأنّ خبر "إن" "إن" عندهم مرفوع بما رفع به قبل دخوله "إن"، وهم مجيزون العطف على محلّ ولو كان محلاً لا يظهر في الفصيح، ويقولون اسم "إن" في محلّ رفع. وأمّا إذا قدرنا الجملة وأخرناها عن قوله لـ"غريب" – كما مرّ فعندي عطفت جملة مجردة عن إن على "إنّ" واسمها وخبرها، ولا يجوز غير ذلك عندي ثم
رأيته أيضا لغيري. والموجود في الأثر: أنّ الجملة بعد خبر "إنّ" معطوفة على محلّ اسم "إن" عند بعض، وعلى محل "إن" واسمها عند بعض، على أنهما بمنزلة المبتدإ ولو قلّدنا القولين لم يصح التقليد إلا بتأويل أن تقول: المراد بعطف الجملة في ذلك اعتبار العطف فيها، وأن المعطوف كذلك هو المبتدأ، وأمّا خبره فيعطف على خبر "إن"،، قال: الصبّان لكن يلزم على القول الأوّل العطف على معمولي عاملين مختلفين، لأنّ "قيارا" معطوف على محل اسم "إن"، والعامل فيه الابتداء وخبره معطوف على خبر "إن"، والعامل فيه "إن"، وهو غير جائز على الصحيح في مثل هذه الصورة. ولا يقال
203
- العاديات 11
286 (1/219)
صفحة 220
أن
خبر
"إن" مرفوع بالابتداء؛ فالعامل واحد لأنا نقول: هذا بناء على مرجوح، والصحيح المبتدإ مرفوع بالمبتدأ لا بالابتداء، ولا يجوز أن يكون البيت من الحذف بأن يقول بما خبر "قيار"
أي ثابت بما، ومن الباب قول الشاعر من بحر المنسرح:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا
عِنْدَكَ رَاضِ وَالرَّأْيُّ مُخْتَلِفُ
أي: نحن بما عندنا راضون دلّ عليه "راض" فحذف من الأوّل لدلالة الثاني عكس البيت الأوّل - لما علمت أنّ "قيّار" في نية التأخير وعلى كل حال حذف خبر المبتدإ الأول هنا وخبر الثاني هناك ولا يجوز الإخبار بـ"راض" عن "نحن" ويقدّر مثله "لأنت" لأنّ "نحن" يعامل معاملة الجمع و"راض مفرد، ولو اعتبر هنا للواحد المعظم نفسه. إذ لا يحفظ "نحن قائم" إن أريد واحد ولا نحن قائمان" إن أريد اثنان، بل قائمون في الإفراد والتثنية والجمع، اللهم إلا أن يقاس "نحن" على "نا" والإفراد على التثنية في المطابقة، فإنّه قد جاء مثل قولك: "إنا قائمان" كقوله تعالى إِنَّا رَسُولاً رَبِّكَ 287، فيقال في إرادة الواحد "نحن قائم" فكذا في الاثنين "نحن قائمان" أو يؤخذ بظاهر قوله تعالى {إِنَّا رَسُولُ 288 على أن يريد موسى نفسه، وتأوّلته في هميان الزاد إلى دار المعاد
289
ومن الباب قولك: " زيد قائم و عمرو " أي عمرو، قائم فحذف للاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام وهو من عطف جملة على جملة ولا دليل على أنه من العطف على معمولي عاملين مختلفين بأن يعطف "عمرو" على زيد "، و"قائم المحذوف" على "قائم المذكور"، وعامل المبتدأ الابتداء، وعامل الخبر المبتدأ، وأجازه السعد في (شرح المفتاح (290 بناء على ذلك العطف مطلقا ولو في غير قولك: " زيد في الدار والحجرة عمرو " أو على أنّ العامل واحد وهو الابتداء على القول بأنه رافع المبتدأ والخبر جميعا. و " من الباب خرجت فإذا زيد موجود أو حاضر أو
-
287 طه جزء من 47 الآية الكريمة (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاً رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى)
288 - الشعراء جزء من 16 - الآية الكريمة (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
289
290
-
- كتاب في تفسير القرآن الكريم، طبع في وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان 1406 هـ / 1986 م. ينظر المطول 182:1
204 (1/220)
صفحة 221
واقف أو بالباب " أو نحو ذلك، فحذف لما مر في المثال الذي قبله مع اتباع الاستعمال لأن "إذا الفجائية" تدلّ على مطلق الوجود، وقد تنضم إليها قرائن تدلّ على نوع خصوصية كلفظ الخروج المشعر بأن المراد) فإذا زيد بالباب أو حاضر أو واقف أو نحو ذلك) وأيضا حذف لاتباع الاستعمال، وقال المبرد والسيرافي: "إذا "الفجائية" ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر، أي: " ففي الحضرة زيد "، " ففي مكان الحضور زيد "، وعليه فإذا ذكر الخبر تعلّقت به، نحو " فإذا زيد قائم " سواء أريد أنه قام في الحضرة أو حصل له فيها الحكم بالقيام، وإن ذكر ما يكون كالمرادف لها كان بدلا كليا منها نحو: " فإذا زيد بالباب " ف "بالباب" بدل من" إذا "، و"إذا" خبر، لكن يلزم عليه [الفصل] بين البدل والمبدل منه بالمبتدأ، أو "إذا " خبر أول وبـ"الباب" خبر ثان، أو بالباب [خبر] من ضمير الاستغراق، وعلى أنّ "إذا ظرف مخبر به يعد من الإخبار الواجبات التقديم، ويبحث بأنه لا يمكن ذلك في: " فإذا إن زيدا بالباب " أو "قائم " (بكسر إن) لأنه لا يعمل ما بعدها في ما قبلها ولا يقال: التقدير ففي الحضرة أمر فيكون " إن زيدا بالباب تفسيرا له لأنّ هذا تكلّف، وقال الزجاج: ظرف زمان، فإذا قيل "فإذا زيد" قدر اسم المعنى لئلا يخبر بالزمان عن الجيئة، أي: ففي الزمان الحاضر حصول زيد والبحث في جعلها زمانا مثله في جعلها مكانا والـ"فاء" قبل إذا الفجائية للسببية، فمعنى قولك: "خرجت فإذا زيد" مفاجأة زيد لازمة للخروج، وفيه نظر لأنّ الخروج اتفق بالمفاجأة ولم يتسبب لها، وقيل للعطف حملا على المعنى فتكون "إذا" مفعولا، أي: "خرجت ففاجأت وجود زيد بالباب" على حرفية إذا الفجائية أو ففاجأت وقت وجود "زيد" على أنها ظرف مضاف للجملة بعدها. وقال المازني
زائدة، ولا يرد عليه عدم جواز حذفها، لأن جواز الحذف ليس من لوازم الزائد.
ومن الباب قول الشاعر [الأعشى]: من المنسرح
11
200 (1/221)
صفحة 222
وَإِنْ فِي السَّفَرِ إِذْ مَضَوْا مَهَا 291
إِنْ مَحَلاً وَإِنْ مُرتحلاً ف "محلا" و"مرتحلا" مصدران ميميان أي حلولا، وارتحالا: أي: إن لنا مرتحلا فحذف الخبر، أي: لنا حلولا في الدنيا، وإن لنا ارتحالا منها على الآخرة، وإنّ في السفر، أي: الموتى، أي: في زمان غيبتهم. وهو اسم جمع "لسافر"، و"إذ " ظرف بدل اشتمال أوكل من قوله "في السفر"، أو اسم غير ظرف بدل اشتمال من السفر. و"المهل": البعد والطول، فإننا لاحقون بهم، لكن بتراخ كل أحد بعمره، وقد يقرب. وأمّا هم فلا رجوع لهم إلى الدنيا فالحذف في البيت للاختصار وضيق النظم والعدول إلى الدليل الأقوى وهو العقل، ولاتباع الاستعمال الوارد في حذف خبر إن إذا تكررت وتعدّد اسمها، كقولك: "إنّ مالا " و " إن ولدا " و" إنّ زيدا " و" إنّ عمرا ".
وقد وضع سيبويه لهذا بابا فقال: (هذا باب إنّ مالا وإن ولدا) أي: إن لنا مالا وإن لنا ولدا، ومن الباب قوله تعالى قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي 292، أي: تملكون بطريق
292
التوكيد اللفظي لا على الجمع بين المفسر والمفسر، فحذف " تملك" الأول وفسره الثاني، وانفصل الضمير لحذف عامله والحذف للاحتراز عن العبث، وبهد الحذف كان الثاني عوضا عن المحذوف فلا يجمعان، فلو ذكر المحذوف مع مفسره لكان عبثا وزالت فائدة الإبهام في التعبير،
291
- الديوان 170، الشاعر هو: ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له أعشى بكر بن وائل، و لأعشى الكبير من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات. كان كثير الوفود على الملوك من العرب الفرس، غزير الشعر، يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعراً منه. وكان يغنّي بشعره، فسمي (صناجة العرب) قال البغدادي: كان يفد على الملوك ولاسيما ملوك، فارس، ولذلك كثرت الألفاظ الفارسية في شعره. عاش عمراً طويلاً، وأدرك الإسلام ولم يسلم. ولقب بالأعشى لضعف بصره. وعمي في أواخر عمره مولده ووفاته في قرية (منفوحة) باليمامة قرب مدينة (الرياض) وفيها داره، وبها قبره: أخباره كثيرة ومطلع معلقته ما بكاء الكبير بالأطلال * وسؤالي وما تردّ سؤالي. جمع بعض شعره في ديوان سمي (الصبح المنير في شعر أبي بصير) وترجم المستشرق الألماني جاير Geyer بعض شعره إلى الألمانية و لفؤاد أفرام البستاني (الأعشى (الكبير) رسالة. وجاء البيت المذكور في المتن برواية أخرى، وهي: إِنَّ مَحَلَا، وَإِنَّ مُرْتَحَلا * وَإِنَّ فِي السَّفْرِ مَا مَضَى مَهَلا
292 - الإسراء جزء من 100 - الآية الكريمة (قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكُتُمْ حَشِيَةَ الأَنفَاقِ
وَكَانَ الأَنسَانُ قُتُورًا)
206 (1/222)
صفحة 223
293
ويحتمل قوله تعالى فصبر جميل أن يكون من حذف المسند إليه، وأن يكون من حذف المسند أي: فأمري الذي ينبغي أن اتصف به صبر جميل وفصبري صبر جميل،: أن الحذف من الأخير أولى؛ لأنّ الأوّل أخذ مكانه فيقدّر المحذوف عند الحاجة إليه، فإذا تقرر الأول ثم جيء بما بعده طلب ما يناسب الأول، فيقدّر حين احتيج إليه إلا لدليل يرجح التقدير أولا أو يعينه. وفي إيراد الكلام محتملا لنوعين من الحذف أو أنواع إما هذا أو إما هذا تكثير لفائدة بإمكان حمل الكلام على كلّ من النوعين أو الأنواع، بخلاف ما لو ذكر فإنه حين الذكر يكون نصا في أحدهما أو إحداهن، ويجوز في تقدير المسند أن يكون هكذا فصبر جميل لي" لأن لفظ صبر مصدر وأصله (النصب)، أي اصبر صبرا جميلا عدل (للرفع) ليدلّ على الثبات، والشائع في مثل هذا الإخبار بمعمول الفعل كما في الحمد الله) ويدلّ له قراءة "فصبرا جميلا" (بالنصب). ويجوز أن يكون من حذف المسند إليه والمسند جميعا أي " فلي صبر وهو جميل"وفيه تكلف لتبادر كون جميل نعتا، ولا دليل على أنه خبر المحذوف، وإن قلت الحذف لا ندّل له من دليل يدلّ على عين المحذوف، فإن دلّ على المسند لم يدل على المسند إليه، وبالعكس فيكيف يحتمل الآية أن تكون تما حذف فيه المسند، وأن تكون مما حذف فيه المسند إليه، قلت: الدليل لا يجب أن يكون دالاً على معين، بل يكفي أن يدلّ على محذوف صالح، لأن يكون كذا ولأن يكون كذا، كما تقرر أن القرينة إما مانعة وإما معيّنة وهذا أولى مما أجاب به ابن قاسم من أنه يجوز أن يكون هناك قرينتان، إحداهما: تدلّ على حذف المسند إليه لمناسبة بينهما وبينه والآخر: على حذف المسند كذلك. غاية الأمر أنّ إحداهما كاذبة ولا يضرّ ذلك، إذ القرينة أمر ظنّي، والظنّي يجوز تخلف مدلوله عنه إلى هنا كلامه - وأولى مما أجاب به يس من أنه لا مانع من أن يقصد المتكلم تجويز حذف كل من المسند إليه والمسند ويجعل لكل قرينة صادقة، وأن يشهد لذلك في الفضلة ما
293
- وردت الآية في موضعين من سورة يوسف أولهما الآية:18: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبِ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)، والآخر الآية 83 (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِينِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
207 (1/223)
صفحة 224
294
تقرر في قوله تعالى (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتَنِي من أن يحتمل المتنني في مراودته بدليل تراود فتاها أو في حبّه بدليل قد شغفها حبّا، فكذب إحدى القرينتين غير لازم. وإن قلت: كيف جاز فصبر جميل أجمل مع كونه على تقدير أجمل من صبر غير جميل، أو من الجزع ولا جمال في الجزع وفي صبر غير جميل؟ قلت: في غير الجميل أو في الجزع جمال بالنسبة إلى النفس؛ لأنّ في الجزع والصبر غير الجميل جمالا دنيويا غير ديني، وهو استراحة النفس إلى ما تخرج به عن الصبر الجميل، أو يقدّر فرض جمال أي أجمل من غيره لو كان في غيره جمال، كقولك: " عمرو أفضل من الحمار "، والصبر الجميل الذي لا شكاية معه إلى الخلق، والهجر الجميل الذي لا إذاية معه، والصفح الجميل الذي لا عتاب معه. وقد أطَلْتُ تفسير الصبر والجزع في كتاب شرح التبيين النيل 295
من
وقد يترجح في الآية تقدير المسند إليه لأنه أكثر، فالحمل عليه أولى، ولأن الكلام سيق للمدح بحصول الصبر له، والإخبار بأنّ الصبر الجميل أجمل لا يدلّ على حصوله له، ولأنه في الأصل مصدر منصوب ـ كما مر ـ وحمله على حذف المبتدإ أوفق القراءة (النصب) التي يعهد في
-
مثلها العدول إلى الرفع على الابتداء - كما مرّ ولأنّ الأصل في المبتدإ التعريف وهو حاصل إذا حملت الآية على حذف المبتدإ لا إذا حملت على حذف الخبر ولتكلّف الجواب في قولك: " صبر جميل أجمل " بأن المراد: أجمل من الجزع مثلا باعتبار أن فيه جمالا بحسب النفس، أو بفرض أنّ فيه جمالا، قيل: ولأنّ قيام الصبر به قرينة حالية على حذف المبتدإ وليس لك دليل على حذف لفظ الخبر الذي هو أجمل. وبحث فيه السعد 296 بأن وجود الدليل شرط الحذف فحينئذ لا يجوز الحذف أصلا، والدليل هنا إذا أصاب الإنسان مكروه فكثيرا ما يقول: "الصبر خير" حتى صار هذا المقام مما يفهم منه هذا المعنى بسهولة. والله أعلم.
خصوص
-
294
يوسف جزء من 32 - الآية الكريمة) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ
يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْحَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِين)
295
296
- شرح كتاب النيل وشفاء العليل
29 - ينظر المطول 1: 186 – 187
208 (1/224)
صفحة 225
باب اشتراط القرينة للحذف
لابد لحذف المسند إليه أو المسند من قرينة، وأما الفضلة فتحذف ولو بدليل، ولكن إذا صلح الكلام بلا تكلف لأن يكون بلا حذف فلا تقبل دعوى الحذف إلا لدليل، ومن الدلائل وقوع الكلام جوابا لسؤال محقق أو مقدّر بالمحقق كقوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله 297 وإنما قلنا: هذا سؤال محقق مع الإتيان بأداة التردّد وهي (إن الشرطية)؛ لأن ذكر جملة السؤال قد جرى في الآية تحقيقا، إذ لا شك في ذكرها وهي قوله: "من خلق السموات" فالجواب جاء على مقتضى ذكرها - هذا ما ظهر لي – أو لأن السؤال محقق عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء، أعني وقوع ذلك بالفعل بأن يقول لهم: "من خلق السموات والأرض؟ " ويقولون: "الله". ثم رأيت - والحمد لله - ما أجبت به أولا قد ذكره الصبان ثانيا، ثم ردّ الثاني بأنّ مثله يلزم في السؤال المقدّر، فيقال فيه عند تحقق ما قدر من السؤال: يكون هذا الكلام جوابا عنه، فلا يظهر فرق بين المحقق والمقدر بذلك والمناسب، كما قال ابن هشام أن يقدّر المحذوف في موضع بحسب ماذكر في مثل؛ ففي الآية يكون لفظ الجلالة فاعلا لمحذوف، أي ليقولن خلقهن الله لقوله تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، وقوله تعالى (قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ فجعلنا المحذوف في الآية هو المسند الذي فعل رافع المسند إليه الذي هو فاعل؛ لأنّ
299
298
11
المسند في الآيتين ذكر وهو فعل رافع للمسند إليه الذي هو فاعل ومع ذلك فأتت المطابقة في كون الجملة اسمية أو فعلية بين الجواب والسؤال والمطابقة مطلوبة، ولو قلنا: لفظ الجلالة مبتدأ خبره محذوف، أي: الله خلقهن لطابق الجواب السؤال في كون جملة اسمية، ولكن رجحت الفعلية. قال السيد: لأنّ جملة السؤال في منزلة الفعلية لأنّ قولك: من قام؟ " بمنزلة قولك: "أقام
297
- الزمر جزء من 38 - الآية الكريمة (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتٌ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ
عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ)
298
299
- الزخرف 9
يس جزء من 78 وجزء من 79 – الايتان الكرمتان وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (1/225)
صفحة 226
زيد أم عمرو أم بكر" وهكذا، وإنما جيء " بمن " اختصارا في ذكر الذوات المسند إليها على الترديد بنحو "أم" مع إفادته الاستفهام، فإيراد الجواب فعلية تنبه على المطابقة المعنوية. وبحث حفيد السعد فيه بأن خلق السموات والأرض، محقق، وإنما المسؤول عنه الخالق، من هو؟ فالمناسب اسميّة السؤال لفظا وتحقيقا، وإنّما يقرن بالهمزة الاستفهامية ما عنه السؤال، قلت: إنما يتحقق هذا البحث في الاستفهام بلا عطف (بأم)، أو بأن لا يكون عطف، أو يكون بغيرها، وفرض المسألة العطف بأحدهما، فإنك أيضا تقول: " أقام زيد أم عمرو والسؤال عن ذات القائم مع تحقق نفس القيام. والآية بمنزلة " أخلق السموات والأرض اللآت أم العزى أم مناه أم كذا أم كذا " فكلام السيد حق. وأمّا عصام الدين فعلّل عدم المطابقة بأنها إيهام قصد التقوية وهو لا يليق بالمقام لأنّ التقوية شأن ما يشك فيه أو ينكر، واعتبار ذلك هنا غير مناسب للمقام. وجاء الجواب جملة اسمية مطابقا للسؤال في قوله تعالى {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) إلى قوله تعالى {قُلْ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا 300، فقال بعض: ليفيد تقديم المسند إليه التخصيص، وهذا إنما يصح على قول الزمخشري أن تقديم المسند إليه مع الإخبار عنه بالجملة الفعلية يفيد الحصر، نحو: "زيد" قام "، والسكاكي لا يقول بذلك. وعلى كل حال فتقدير الفعل قبل لفظ الجلالة في قوله تعالى ليقولن الله أولى، لأنه الموافق لذكره في قوله (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ العليم 302 وعبارة بعض أن تقدير الفعل أولى لأنّ الأكثر ذكره، ولأن الفاعل أقوى العمد، فالحمل عليه أولى وذلك لأنّ الفاعل أصل العمد على الصحيح، فللخلاف في أصل العمد فائدة خلافا لأبي حيان، ورجّح تقدير الفعل قبل المرفوع، فكون الجملة فعلية لتقليل الحذف، وتقليله كما قال ابن هشام ما أمكن.
ينبغي
300
- الأنعام جزء من 63 وجزء من 64 - الآيتان الكريمتان (قُلْ جزء من 64 - الآيتان الكريمتان (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَحَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ * قُلْ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبِ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) 301 - وردت العبارة في سورة لقمان 25 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكثرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) وسورة الزمر 38 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلَ هُنَّ مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ)
302
- الزخرف جزء من 9 - الآية الكريمة (وَلَئِن سَأَلَتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)
210 (1/226)
صفحة 227
ولا يقال إن الزيادة لفائدة التقوية ومطابقة السؤال؛ فإنك إذا قدرت الفعل مؤخرا كان فيه حذف الفعل وفيه ضمير أيضا، ولكن فيه تقوية الإسناد، والمطابقة لأنّ قولك: " زيد قام " أقوى
من " قام زيد " لأنا نقول ليس المقام للتقوية والمطابقة ومثال الوقوع في جواب سؤال مقدّر قول ضرار بن نمشل يرثي أخاه يزيد بن نهشل: [من الطويل]
ليبكَ يَزِيدٌ ضَارِعٌ فِي خُصُومَةٍ
وَمُحْبِطُ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ 202 و"يبك" مجزوم بلام الأمر مبني للمفعول، و"يزيد" نائب الفاعل، وهو من بكى الثلاثي لأنه يتعدّى، ويلزم يقال بكيته وبكيت عليه فلا حاجة إلى أن يقال من باب الحذف والإيصال. وإنّ الأصل " بكيت على يزيد " ولكن لا يخفى أنه إذا تعدى على مفعول؛ فليس بمفعول به صريح بل مقيد. والأظهر أنه يقال بكاه يبكيه بالثلاثي في المراثي، فلعله ضمن معنى ذكرت اسمه في بكائي فيكون مفعول له صريحا وبعض أطلق أنه يتعدّى مطلقا ويلزم. و"ضارع" فاعل محذوف أي" يبكيه ضارع " كأنه قال: " ليبك يزيد "، قيل له: من يبكيه؟ فقال: "يبكيه ضارع"، وهذا أوفق للسؤال أو يقدّر ليبكه ضارع بلام الأمر والجزم) وهو أوفق لقوله "ليبك يزيد "وذلك من حذف المسند. ويجوز أن يقال: "ضارع" خبر لمحذوف، أي المأمور بالبكاء ضارع، كأنه لما قال: "ليبك يزيد قيل له: "من المأمور بالبكاء" فيجيب بذلك، فيكون حذف المسند إليه. ويجوز أن يكون "يزيد" منادى بحرف محذوف، و"ضارع" نائب فاعل "ليبك "، أي: " ليبك يا يزيد ضارع المصيبته فيك " أي: " ليبك على ضارع لزوال نعمتك منه و"الضارع": الدليل. و"الخصومة تعليل أو توقيت؛ أي: "عند خصومة" متعلّق
من
بموتك
،
11
11
ب ضارع"، وتعليقه "بيبكي" المقدر ليس قويا من جهة المعنى؛ لأن البكاء حينئذ يكون للخصومة دون يزيد والبيت مسوق لبيان أن يبكيه ضارع الخصومة، إذ كان ملجأ للإذلال وعونا للضعفاء. و"المختبط" من يأتي للمعروف بدون شفيع ودون نعمة تقدمت منه يطلب المكافأة عليها، وقيل: الذي يخفي سؤاله عن الناس، إذ كان ذا مال وابتلي بالسؤال لأجل إهلاك المهلكات ماله و"تطيح بضم التاء) من الإطاحة والإذهاب والإهلاك، و"الطوائح" جمع
-
مطيحة
303 قيل: هذا البيت لمرة بن عمرو، وقيل: لتهشل بن حري الدارمي، وقيل: للبيد بن ربيعة العامري، ولقد وردت عبارة (في خصومة) بشكل آخر وهو (الخصومة). ينظر المطوّل 188:1 وشروح التلخيص 12:2
211 (1/227)
صفحة 228
على غير قياس، و"الطوائح" قياس طائحة أي ذاهبة، وهالكة وكأنه جمع على حذف الزوائد، ولا يقال في جمع مطيحة مطيحات
مع أنه القياس وذلك "كَلَوَاقِح في جمع ملقحة، يقال: رياح لواقح للسحب لا ملقحات وبما متعلق بـ "مختبط " وما مصدرية أي وسائل من أجل إذهاب الوقائع ماله، ويجوز تعليقه "بيبكي" المقدر لكنه ضعيف، لأنه لما بين سبب الضراعة ناسب أن يبيّن سبب الضراعة ناسب أن يبين سبب الاختباط أي يبكي لأجل إذهاب الموت "يزيد". وفي قوله " ليبك يزيد " بأن ذكر إنك ضارع بالبناء للمفعول، ورفع "يزيد" به، و"ضارع" بفعل محذوف مبني للفاعل تكرر الإسناد، إذ جاء الإسناد إجمالا ثم تفصيلا، أما الإجمال ففي قوله: " ليبك "، فإنه لم يعين فيه الباكي؛ كما نقول: " ضُرِبَ زيد " بالبناء للمفعول، فإنّ الفعل إذا بني للمفعول لم يذكر فاعله ولا بد له من فاعل على حذف وأقيم المفعول مقامه. وأما التفصيل أي: التعيين، ففي ضارع" أي يبكيه" ضارع ولا شكّ أنّ المتكرر أوكد وأقوى. وأن الإجمال والتفصيل أوكد في النفس، وفي ذلك وقوع "يزيد" عمدة لا فضلة، و"يزيد" هو المقصود بالذات؛ لأن المرئية في بيان أحواله، فالمناسب كون اسمه عمدة، وفي ذلك أيضا حصول نعمة غير مترقبة، وهي معرفة الفاعل وهو ضارع"، وغير المترقبة: غير مشوبة بألم الانتظار وتعب الطلب، فهي لذة محضة فتكون ألذ، وذلك أنّ قوله ليبك يزيد غير مطمع في تعيين الباكي، لأن المعتاد في البناء للمفعول أن يعين الفاعل بعده قريبا أو لا يعين البتة، وإذا بني الفعل للفاعل أشعر ببيان الفاعل، إذ لا بد من الفاعل. وإن قلت ما ذكرت من حصول نعمة غير مترقبة ينافي في كون ضارع في جواب سؤال مقدّر، كما قال عصام الدين في (الأطول)، قلت: كما قال الصبان المراد: غير مترقبة في الجملة الأولى أعني "ليبك تزيد" لا مطلقا. وإن قلت: كيف جعلت النعمة الحاصلة بلا تعب أعظم في الالتذاذ مع ما تقرّر من أنّ المنساق بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب؟ قلت: النكت يرجّح بعضها على بعض قصد المتكلّم واعتباره وملاحظته ولا مزاحمة، فقد يرجح في كلام ما لم يرجّح في الآخر. ولا يخفى أن الديّة: نيل الشيء بعد طلبه من حيث شفاء النفس من تعب الطلب وألم الانتظار والديَّة: النعمة غير المترقبة من حيث عدم سبقها بألم انتظارها، ولو قال: " ليبك يزيد ضارع " ببناء" يبك" للفاعل ورفع "ضارع " به على أنه
212 (1/228)
صفحة 229
الفاعل، ونصب "يزيد" على أنه مفعول لم يحصل ما ذكرناه تكرّر الإسناد والإجمال والتفصيل، وكان" يزيد "فضلة مع أنه المراد في الكلام بالذات، ولم تحصل نعمة غير مترقبة – والله أعلم - وحصول ذلك وحصول العمدية أحق في المقام من الذكر الذي هو الأصل. والله أعلم.
باب ذكر المسند
يذكر المسند] لكون الذكر الأصل مع عدم المقتضى للعدول عنه ولو وجدت قرينة تدلّ عليه لو حذف، ولاسيما لو كانت خفيّة فإنه يترجّح الذكر، وإن لم تكن وَجَبَ الذِّكْرُ. وذكر في قوله تعالى خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) 304 فقيل: لضعف التعويل على القرينة فإن وجود القرينة
مصحح للحذف لا موجب له فإن عوّل على دلالتها حذف وإن لم يعوّل احتياطا بناء على أن المخاطب ضدّ ما يغفل عنها ذكر، ولو أتحد المخاطب والكلام في حالة التعويل وحالة عدم التعويل والمخاطبون المسئولون لما كانوا أغبياء الاعتقاد لكفرهم جاز أن يتوهموا أن السائل أو ممن يقصد إسماعه يغفل، أو نزلوه منزلة من غفل فأتوا بالجواب تاما لقصدهم التقرير الذي أصله ضعف العويل بزعمهم الفاسد، ولو كان السائل ليس كذلك فذكر عنهم الجواب مختلفا باعتبار ما قد يخطر لهم عند المحاورة، والسؤال ذكر المسند إليه هنا وحذف في قوله تعالى
من معه
لَيَقُولُنَّ الله 300 والسؤال فيهما قرينة ويذكر المسند أيضا لغباوة السامع نحو قولك: " محمد نبينا " في جواب من قال: من نبيكم؟ ويذكر المسند ليتعين كونه اسما فيفيد مع المسند إليه الثبوت أو كونه فعلا فيفيد الحدوث. وإن قلت: هذا داخل في الذكر للاحتياط لضعف التعويل على القرينة لأنّ قرينة الحذف تعين المحذوف فيتعين كونه اسما أو فعلا قلت لا يلزم أن تعين القرينة إن المحذوفة فعل أو اسم، بل يكفي أن تكون القرينة تدلّ على أن المحذوف من مادة كذا مع احتمال كونه اسما أو فعلا؛ فإذا ذكر تعين،
305
304 ـ الزخرف جزء من 9 - الآية الكريمة (وَلَئِنْ سَالَتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) - الزمر جزء من 38 - الآية الكريمة (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ منْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ
يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ)
213 (1/229)
صفحة 230
ألا ترى أنه لما لم يذكر في نحو "زيد في الدار" احتمل تقدير ثبت أو ثابت، وإنما يدخل في ما دلّت قرينة على أنه اسم أو فعل، وإذا دلّت قرينة على كونه اسما أو فعلا عمل بها، وإن لم تقم
قرينة على ذلك لم يجز الحذف.
ومعنى قولنا الجملة الاسمية مثلا تدلّ على الثبوت حصول المسند للمسند إليه من غير دلالة على تقييده بالزمان والمراد بالدوام عدم التعرّض للحدوث بل معنى الثبوت هذا أيضا، أو أنّ الأصل في كل ثابت، دوامه والمراد بالحدوث والتجدد: حصول المسند للمسند إليه واقترانه بالزمان، ومن ذلك اسم التفضيل والصفة الشبهة فإنهما للثبوت. والله أعلم.
باب إفراد المسند
وهو جعله غير جملة، يفرد إذا لم يقصد تقوّي الحكم بتكرير الإسناد و لم يقصد كونه سببا، فإن سبب كونه جملة أحد أمرين سببيًا، وكونه مفيدا للتقوي، وسبب الإفراد انتفاؤهما جميعا ولم
يعدوا من السيبي قولك: زيد" قائم أبوه" إذا جعل "قائم" خبرا لـ"زيد" و "أبوه" فاعلا لـ لـ"قائم". وقياس النحو أنه سبي، وإنما يعدّ في هذا الفن سببا ما كان من الخبر جملة، وقيل في ذلك: إنّه سيبي، وأما ضمير الوصف المستتر فلا يكون المسند جملة، نحو: "زيد" "قائم" فلا يفيد التقوي كما مر ولو كان قريبا من ضمير الوصف المستتر في الفعل، نحو: " زيد قام ". والبارز كالمستتر، نحو: "زيد" عمرو "مكرمه هو بردّ (هاء) مكرمه لـ "عمرو"، وردّ (هو) لـ "زيد "، ولا ضمير في "مكرم"، ومع ذلك فلا يخلو مرفوع الوصف المستتر والبارز عن بعض تقو إذا أخبر بذلك الوصف، وأما الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن فلا تفيد التقوّي لأنها نفس ضمير الشأن في المعنى بمنزلة المفرد، فلم يتكرر الإسناد بها، فلم يتقوّ الحكم، ولكونها في معنى الضمير لم تربط به لأنّ الشيء لا يربط به، وكذا كل جملة كانت نفس المبتدإ في المعنى، وأما الجملة المراد بها لفظها اسم مفرد، نحو: "بعض كنوز الجنّة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
فهي
وتقوّي الحكم في الاصطلاح تأكده بتكرر الإسناد مع اتحاد المسند إليه معنى، فإنّ "زيد
11
11
و"ضميره" في "زيد" "قام لذات واحدة وإن قلت نحو: " أنا سعيت في حاجتك و" رجل جاءني" و" ما أنا فعلت هذا " لا يفيد التقوّي مع أنه من غير المفرد وغير السبي، بل يفيد
214 (1/230)
صفحة 231
التخصيص، قلت يفيد التخصيص بالذات ويفيد التقوّي بالعرض ضرورة تكرر الإسناد فيه.
يري
وتقدّم أن نحو: " ما أنا فعلت هذا " للتخصيص والتقوّي عند السكاكي 30 وإنّ عبد القاهر أن المسند إليه إذا تقدّم وولي حرف النفي لا يكون إلا للتخصيص، وأن نحو: "رجل جاءني" يحتمل التخصيص والتقوي عنده، وأنه ليس إلا للتخصيص عند وأنه ليس إلا للتخصيص عند السكاكي. وقد قيل: إن الواجب أن لا يحصل التقوّي إلا بتكرّر الإسناد لا أنه كلّما تكرّر الإسناد حصل التقوي. والسيبي يطلق في النحو على النعت الجاري على غير صاحبه مفردا أو جملة كـ"جاء زيد قائم أبواه " وإني قست عليه الحال، نحو: " جاء زيد راكبا أبوه " و الخبر، نحو:" زيد قائم أبواه " والصلة نحو: " قام أبوه " فأقول حال سبي، وخبر سيبي، وصلة سببية. والنعت الحقيقي خلاف السيبي، فكذا اسمي أنا الحال والخبر والصلة حقيقيات إذا كن غير سببيات، وكان السكاكي يسمي المسند إذا كان جملة في مثل ذلك سببيا على طبق ما كنت أقوله بالقياس قبل الاطلاع على كلامه، إلا أنه يسمي خلاف السببي فعليا، كجاء رجل "قام" و"جاء الذي قام" و "زيد قام" و"جاء زيد بفرح" وكذا يسمّي المسند الحقيقي مسندا فعليا في ذلك. واعلم أن المسند إليه السبي أربعة أقسام جملة اسمية يكون الخبر فيها فعلا نحو: "زيد أبوه انطلق" أو "زيد" أبوه "رحم أو وصفا، نحو: زيد" أبوه منطلق" أو موجود "أواسما جامدا، نحو: "زيد أخوه عمرو" أو جملة فعلية مرفوع الفعل فيها ظاهر، نحو: "زيد" انطلق أبوه" أو "رحم أبوه" هذا ما يفيده كلام السكاكي بزيادة تصحيح منّي. وأما نحو زيد" مررت به" و"زيد ضربت عمرا في داره" و "زيد" ضربته" فغير داخل في المسند السبي، كما أنه غير داخل في الفعلي عنده، ولكن بالتحقيق يدخل في السببي، ثم رأيت السعد 308 عده سببيا زيادة على السكاكي واستظهارا
به عليه. والله أعلم.
210
ينظر المفتاح 112،111
ينظر دلائل الإعجاز 80،79
- ينظر المطول 193،192:1
306
307
308 (1/231)
صفحة 232
باب كون المسند فعلا أو اسم فعل
لتقييد حَدَثه قيل أو النسبة بالزمان الماضي أو الحاضر أو الآتي على أخصر وجه مع إفادة ومثل الفعل اسم الفعل كـ"رويد" و"هيهات " و"وي" و"صه"
وجه أيضا،
التجدد على أخصر و "نزال"، لكن الفعل يزاد الزمان ببيئته بلا قرينة دلالة تضمّن، واسم لفعل يدلّ عليه بواسطة دلالته على لفظ الفعل، وتقدّم الكلام على دلالة الصفة على الزمان. وإن قيل: تدلّ عليه التزاما وعلى الحدث الحاضر حقيقة دلالة تضمّن، ويدلّ صريحا عليه بقرينة كـ"قائم الآن أو أمس أو غدا". وأمّا اسم الزمان فيدلّ على الزمان بجوهره إذ وضع اسما للزمان كـ"يوم"، وأما اسم الزمان الميمي فيدلّ عندي بهيئته على الزمان كمضرب أي زمان الضرب على الحدث بجوهره، والتجدّد لازم للزمان؛ لأنّ الزمان مقدار غير ثابت بل زائل، فإنّه عرض لا تجتمع أجزاؤه في الوجود، والتجدّد اللازم للزمان هو التقضي شيئا فشيئا، والتجدّد الذي هو من مدلول الفعل هو حصول الشيء بعد إن لم يكن، وأما التجدّد بمعنى وقوع الشيء مرة بعد أخرى فليس من وضع الفعل بل يختص بالمضارع بواسطة المقام، نحو: الحيوان يأكل ويشرب" و"المؤمن يصلّي ويصوم فإن المراد أنه يأكل مرة بعد أخرى وهكذا، وإنما قيدت التجدّد، والتقييد بأخصر وجه لأن التجدد والتقييد يمكنان بالاسم بقرينة، فدلالة الفعل عليهما بلا قرينة اختصار. وإن قلت: المضارع إذا قلنا: وضع للحال والاستقبال يحتاج لقرينة تعين أحدهما ولو دلّ على أحدهما إجمالا بالوضع. قلت: تكفي دلالة الإجمال ويتدرّج بعدها للتعيين والتدرّج فائدة لمزيد التقرر. وإن قلت: قد تكون قرينة الزمان في الاسم عقلية فهي أيضا على أخصر وجه. قلت: ليست في الاختصار كدلالة الوضع لأنّ الفعل أشدّ استعمالا معها بخلاف دلالة الوضع، فإنّ اللفظ كاف فيها بمجرد حضور العقل وتلفه. وعرّفوا الزمان الماضي بأنه الزمان الذي قبل زمانك الذي أنت فيه، والمستقبل بأنه الزمان الذي يترقب وجوده بعد الزمان الحاضر، والحال بأنه أجزاء من أواخر الماضي وأوائل المستقبل متعاقبة متصلة. وإن قلت: كيف قلت قبل زمانك؟ مع أن هذه العبارة تفيد أن يكون الزمان ظرفا لزمان، آخر، لأنّ "قبل" هو زمان، وقد جعلت فيه زمانا إذ قلت: "الزمان الذي قبل زمانك، فلزم أن يكون للزمان زمان، آخر وإن جعلت "قبل" عينا للزمان الذي قلت إنه قبله لزم ظرفية الشيء لنفسه. قلت ضمن لفظ قبل معنى سابق، كأنه قيل: الزمان
216 (1/232)
صفحة 233
ثالث: هو
الذي هو سابق زمانك وأيضا لنا جواب ثان هو أنه لا مانع من ظرفية الكل للبعض؛ تقول: "شهر في سنة" أو "يوم في أسبوع" فإنّ الزمان السابق على الزمان الحاضر إذا اعتبرت بعضه، ولا بد في العبارات من اعتباره وجدته بعضا مغمورا في كلّ؛ فإذا قلت: " قام زيد " فقد اعتبرت بعضا من الزمان السابق، ولست تريد جميع الزمان الماضي، (الزمان) الذي خلقه الله أو لا للأزمنة وما اتصل بحالك وما بينهما، بل بعضا من عمر زيد نعم لو أردت جميع ما خلق من الأزمان من أوّلها إلى وقتك، لم يصح الجواب الثاني بل الأوّل، وليس بمراد هنا ذلك الجميع. ولنا جواب أن القَبْلِيَّة في أجزاء الزمان ذاتية لا زمانية فظرفية قبل فيها باعتبار زمان آخر فيها، مع أن السؤال تدقيق فلسفي لا ينظر إليه أهل اللغة والعرف وبعدم نظرهم إليه ينحل الإشكال الوارد على قولنا "يترقب"، ووجه الإشكال أنّ "يترقب" يدلّ على زمان مستقبل، فإن كان عين الزمان المعرف وهو المستقبل لزم تعريف الشيء بنفسه، وإن كان غيره لزم أن يكون للزمان زمان آخر، وأن كون "الترقب" في الاستقبال يقتضي عدم حصول الزمان المستقبل بعيد زمانك الذي أنت فيه، وكونه بعد هذا الزمان يقتضي حصوله بعده فيلزم اجتماع النقيضين على تقدير تغاير هما وإن حملت يترقب على الحال لزم ذكر الحال في تعريف المستقبل، وقد ذكر المستقبل في تعريف الحال فيلزم توقف كلّ على الآخر، وهذا إذا جمع التعريفان أو اعتبر كلّ في الآخر وإن عرف، أو الاستقبال بغير ما ذكر لم يكن الإشكال. ويمكن مثل الجواب الثاني هنا أيضا، فإنّ كلّ جزء من المستقبل مغمور في باقيه وأيضا "الترقب" فعل في الزمان وهو في التعريف مراد بالذات وزمانه بالعرض كذا لاح لي بعجلة.
ثم رأيت للصبان والحمد لله ما يناسب، إذ دفعه بقول السيد الأفعال المأخوذة في التعاريف
309
مجردة عن الزمان، وقال أيضا إنّه بعدما دفعه بقول السيد رأى ما يفيد بخط العلامة الشنواني عن ابن قاسم قال - فلله الحمد - واعلم أنه كان لا زمان، ثم خلق الله عز وعلا الزمان ولا يزال يتجدد بلا انتهاء فزمان الدنيا متصل بزمان الآخرة والجنة والنار لا يفنيان هما ولا من فيهما، ولو قال: من قال ما بين فناء الخلق والبعث ليس من الدنيا ولا من الآخرة لم يكن أيضا خارجا
309
هو: أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني المتوفّى سنة 1019 هـ، له شروح وحواش مثل " شرح الأجرومية " و " الشذور " و " القطر". ينظر الأعلام للزركليي 36:2 وخلاصة الأثر للمحبي 79:1
217 (1/233)
صفحة 234
عن الزمان، إلا إن كان الله شاء إفناء الزمان مع فناء الخلق الآخر أيضا، فيخلق الله الزمان عند البعث المترقب، ولا بد من وجوده وإنما الذي قد يتخلّف ما يترقب وقوعه فيه، إلا إن قيل بفناء الزمان فناء الخلق، فحينئذ قد يقال: أفعل فقد تقوم الساعة قبل فعله، ولا يبقى زمان. وقد اختلف هل تفنى الحيوان والملائكة أو جميع المخلوقات ولا بد من فناء الجبال؟ وهل الزمان أمر موجود؟ وبه قال الحكماء، وقال المتكلمون أمر موهوم قال ابن قاسم وأقره الصبان: المراد من قولهم يترقب وجوده أنه من شأنه أن يترقب، وأنه بهذه العناية يندفع ـ ما قيل كم من شيء، ولا يترقب وجوده مع هذا يكون مستقبلا) اهـ.
واختلف هل من شرط الفعل العمد بحيث يمكن فعلى اشتراطه ما لم تكن مترقبا له لا يقال إنه مستقبل (بفتح الباء أو كسرها)، أو إنّك مستقبل له بكسرها إلا مجازا أو على عدمه يقال عليه قولهم: كلّ ما مستقبله فقد استقبلك (بالباء) في المستقبل (تفتح وتكسر)، وبما قررت لك من أن الزمان لا يتناهى يندفع ما قيل: إنّ تعريف الحال المذكور لا يستقيم في انتهاء الزمان، نعم لا يستقيم في ابتداء الزمان لأنه لا زمان حينئذ، متقدّم، فضلا عن أن يقال أجزاء من
ذلك،
وبني
أوائل الماضي. وتعريف الحال بما ذكر هو المعتبر في النحو واللغة، كقولك: " زيد يصلّي " و" زيد يحج " إذا قلت ذلك بعد الدخول في الصلاة أو الحجّ وقبل الفراغ، فتارة يقصر العام وتارة يطول. وأما الحال الحقيقي المبني على التضييق فهو الزمان الذي لا يتجزأ. والتجدّد الذي هو وقوع الشيء مرة بعد أخرى ليس من وضع الفعل، بل يدلّ له دليل حالي ـ كما مر في قولك: " زيد يصلّي ويصوم " ونحوه، أو مقالي كلفظ "كل" في قول طريف بن تميم [العنبري]: [من الكامل] أوَ كُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلَةٌ
M. G ...
بَعثُوا إلي رسولَهُمْ يَتَوَسَّمُ
ف "بعثوا" للتكرّر لأنّ كل ظرف له متعلّق، وأما "يتوسم" بدل على التكرّر بدليل حالي وهو المقام أي يصدر عنه تفرس وجهي شيئا فشيئا، أي: يتفرس بعض وجهي ثم يتفرس بعضه الآخر. وهكذا. وإنما قلت وجهي" لقوله "إلي"، ولذلك عدلت عن قول السعد: (يصدر عنه
310 ـ الأصمعيات 127
218 (1/234)
صفحة 235
311
تفرّس الوجوه وتأملها شيئا فشيئا ولحظة فلحظة) وإنّما وضع ليدلّ على حدوث التوسم مطلقا، و (الهمزة) مما بعد (الواو) العاطفة على ما قبله في البيت قبله، أو داخلة على معطوف عليه محذوف، أي: أحضروا وبعثوا و"عكاظ" - (بضم العين) (بضم العين) - مفعول "وردت" بسوق بصحراء بين مكة والطائف عند إهلال ذي الحجة إلى تمام عشرين يوما منه تجتمع العرب ويتعاكظون أي: يتفاخرون ومراده بقوله "بعثوا ... الخ ": أنهم يبعثون من ينظر إليه لعظم جثته. وقيل معناه: أنّ لي على كل قبيلة جناية، فإذا وردوا عكاظ جاءوا يتوسمون وجهي؛ وهذا مدح للجريء من العرب. وقيل يبعثون إليه لأنه لا يتم فخرهم إلا بحضرته، لأنه الرئيس على كلّ شريف والقاضي على كل مجد منيف، والعريف القيم بأمر القوم الذي شهر بذلك. والله أعلم.
باب كون المسند اسما
يكون اسما لإفادة الثبوت وهو تحقق المسند للمسند إليه من غير تعرّض للحدوث وذلك يحسب الوضع، ويقال للثبوت والدوام، وأقول: الدوام إن أريد أن الأصل في الثابت الدوام، فليس بالوضع بل من خارج، وإن أريد به الثبوت تأكيدا فذلك ضعيف، والأولى على كل حال تركه نعم، إلا أن يذكر وينبه على أنه ليس بالوضع، وإنّما يقصد الثبوت والدوام لأغراض تتعلّق بذلك كما في مقام المدح والمبالغة ونحوه مما يناسب الثبوت والدوام، والثبوت والدوام كلّ دائم ثابت وبعض الثابت دائم، ولذلك يحسن تقديم الثبوت على الدوام إذا ذكرا معا، ومثال ذلك قوله [أي قول النضر بن جؤية يتمدّح بالغنى والكرم]: [من البسيط]
إِنَّا إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا دَرَاهِمُنَا
لا يألف الدِّرْهَمَ الْمَضْرُوبَ صُرَّتَنَا
ظلَّتْ إِلَى طُرُقِ الْخَيْرَاتِ تَسْتَبِقُ 312 لكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ مُنْطَلقَ 312
الصفة
يعني أن الانطلاق من الصرّة لازم للدّرهم دائما، نجود به على الناس. والمشهور أن تدلّ على الحدوث والتجدد إذا لم تكن صفة مشبهة أو اسم تفضيل والحدوث مقابل الثبوت.
311
المطول 194:1
-
312
- ينظر الطراز 527، وينظر الحماسة بشرح المرزوقي 1735:4 ووردت في عروس الأفراح للسبكي عبارة (الدرهم الصباح) عوض (الدرهم المضروب)، ووردت في دلائل الإعجاز كلمة (خرقتنا) عوض (صرتنا)
219 (1/235)
صفحة 236
313
وقد يقال: إنّ دلالة الصفة على الحدوث من خارج لا بالوضع، ولذلك قال عبد القاهر" [الجرجاني]: موضوع الاسم على أن يثبت به شيء لشيء من غير اقتضاء تجدد وحدوث، فلا تعرض في " زيد منطلق " لأكثر من إثبات الانطلاق فعلا له كما في الصفة المشبهة كـ"طويل وقصير". وعليه فالصفة المشبهة واسم التفضيل موضوعان للثبوت، ولا يدلان على الحدوث بأنفسهما ولا بواسطة إلا خارجا محضا لا تعلّق له بهما؛ ككون المخلوق حادثا ولا بد، ونحو ذلك، وأما غيرهما من الصفات فلا يدلان على التجدّد وضعا بل يدلان عليه بواسطة يلوحان لها، ولا ترى هذا التحقيق لغيري إن شاء الله تعالى. و" الدرهم " فاعل و" الصرة " مفعول على المشهور؛ لأنّ الأصل تقديم الفاعل، وجاز العكس، ورجّح من حيث أن يكون عدم الألفة من جانب " صرته". وأضاف " الصرة " الضمير المتكلّم ومن معه ليلوح إلى أنها مشتركة بينه وبين " الناس، ولو كانت له وحدة تحقيقا لفرط جوده، و" يمر " للتجدّد، و" منطلق " للثبوت، وجملة "هو منطلق " حال دائمة، وفي قوله: لكن يمرّ عليها تكميل حسن؛ إذ قوله: "لا يألف ... الخ " يحتمل أنه لا يدخلها درهم أصلا لعدم حصول المال بيده، وأنه يدخلها ويخرجه للإعطاء، واحترز عن الأوّل بقوله: "لكن" "يمر" فافهم أنه يملك ولا يمسكه. والله أعلم.
باب تقييد المسند بفضلة من مفعول ونحوه كالحال والتمييز والمستثنى والمضاف إليه والنعت
قال الرضي الذي أسند إليه الفعل أو شبهه وهو المستثنى منه مع المستثنى، وإنما أعرب المستثنى منه بما يقتضيه المسند دون المستثنى لأنه الجزء الأعظم، والمستثنى صار بعده في حيّز الفضلات فأعرب (بالنصب). قال عبد الحكيم وبهذا ظهر كونه قيد الفعل واندفع ما قيل أن المستثنى من تتمة المستثنى منه فهو من تتمّة الفاعل أو المفعول أو غيرهما فلا معنى لتقييد الفعل به. واعلم أنه يفيد المسند بما ذكر لزيادة الفائدة زيادة يقوى بها الحكم ويربو، فإنّ الحكم كلما ازداد خصوصا زاد بعدا عن الذهن بقلة خطور بالبال وكلّما زاد بعدا زاد إفادة بالنسبة إلى السامع، كما يظهر بالنظر إلى قولنا: شيء ما موجود "فلان بن فلان حفظ التوراة سنة كذا في بلد كذا ". وإن قلت: هذا يشكل في المفعول به لأنّ الفعل المتعدي يتوقف تعقله على تعقل
220
ينظر دلائل الإعجاز 122
-
313 (1/236)
صفحة 237
لأنه اعتبر
المفعول به، فالتقييد به لأصل الفائدة لا لتربيتها، وإن فرّق بينه وبين الفاعل فإن تعقل ذلك الفعل يتوقف على تعقل الفاعل. قلتُ: الفعل المتعدي يتوقف تعقله على تعقل مفعول ما مفعول لكلّ أحد لا على تعقل المخصوص، بخلاف الفاعل فإن تعقل الفعل يقتضي تعقل خصوصه في مفهومه النسبة إلى الفاعل الخاص. وإن قلت المفعول المطلق المؤكد والحال المؤكدة لا يفيدان زيادة الفائدة، قلتُ: الفعل مثلا يحتمل الحقيقة والمجاز، والمصدر المؤكد مثلا أفاد نفس الحقيقة؛ فالفائدة تعيينها بعد كونها محتملة وبها يقوى الحكم. وإن قلت خبر كان من مشبهات المفعول والتقييد به ليس لترك الفائدة لعدم الفائدة، بدونه قلت: المفيد في نحو: "كان زيد منطلقا" هو منطلق لا كان؛ لأنّ "منطلقا" هو نفس المسند، ولفظ "كان" قيد له أو للنسبة للدلالة على زمان النسبة؛ فالتقييد بها كالتقييد بالظرف الزماني الماضي كأنك قلت: "زيد منطلق في الزمان الماضي". وهذا على أنّ "كان" الناقصة لا تدلّ على الحدث، ولا مصدر لها، ولا يتعلّق بها الظرف والمجرور، وهو قول السيد. وأما على مختار الرضي من دلالتها على الحدث ولها مصدر وتتعلّق بها الظروف، فهي المسند حتى إن معنى "كان" "زيد حصل شيء لزيد، وقولك: "بعده منطلقا" تفصيل وتبين لذلك الشيء المبهم. والقولان مشهوران في النحو وبسطتها فيه، ولا دلالة للمصدر على زمان النسبة، وإنّما يدل عليها التزاما، ومرّ الكلام على الأوصاف، وهي والمصدر توابع في الدلالة على زمان النسبة، فلا تفيد زمانا يكون قيدا على ما مرّ في الأوصاف، بل تفيد النسبة على الخلاف في مصدر "كان" الناقصة هل تفيدها، وإنما قلت: لفظ "كان" قيد للمسند أو للنسبة وغيرها من الأفعال مثلها؛ لأنّ تقييد كلّ يؤول إلى تقييد الآخر. والله أعلم. باب ترك تقييد المسند
يترك تقييده بما له من القيود في نفس الأمر لخوف انقضاء الفرصة، نحو: "غزال ظهر" ولإرادة أن لا يطّلع الحاضرون على زمان الفعل أو مكانه أو مفعوله أو نحو ذلك، ويترك أيضا لعدم العلم بما له من القيد في نفس الأمر. والله أعلم.
باب تقييد الحكم بالشرط
نحو "زيد قائم إن قمت" و"أقوم إن قمت" و"إن قمت أقم" يقيد به لاعتبار تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون أخرى، إما في الماضي كما في "لو" قاما" في الاستقبال مع القطع،
221 (1/237)
صفحة 238
جئتني ازددت
كما في إذا، أو مع الشك كما في إن، فيعتبر في كل مقام ما يناسبه من معاني تلك الأدوات؛ فإذا كان المخاطب يعتقد مثلا أنه إذا تكرّر المجيء إليك مللت قلت نفيا لذلك: "كلما فيك حبا" وكذا إذا كان يعتقد أنّ الجائي في وقت كذا لا يصادف طعاما عند زيد مثلا قلت: "متى جئت زيدا وجدت عنده طعاما أو يعتقد أنك لا تجالسه إلا بالمسجد مثلا قلت:" أينما تجلس أجلس معك".
وهكذا بحسب معاني أدوات الشرط الشرط ومنها هنا، وفي المنطق: "كلما كان كذا كان كذا" ودليل الجواب يسمى في الفن جوابا كزيد" قائم إن "قمت وأقوم إن قمت"، كما أجاز الكوفيون جزمه لفظا تقدمه؛ فيقولون: جواب مقدّم، وكذا يقولون جواب مقدّم إذا كان
يظهر جزمه وتقدم، والبصريون يقولون: الجواب محذوف دلّ عليه ما تقدم شهر هذا عندهم. وتحقيق المقام أنه دليل الجواب مغن عنه الجواب؛ إذ لا يحسن تقدير مثله بعد الأداة بل على التأكيد، ولا الكلام سيق على تقدّم مثله ولا ينافي البلاغة قولنا في هذا الفن: إن المتقدّم جواب لأنه مبني على المعنى.
وقد علمت من ترجمة الباب أن الشرط قيد للنسبة وهي الحكم، وهو إثبات شيء لشيء أو نفيه عنه في الخبر، وبعض يعبر بثبوت وانتفاء كما مرّ - وطلب الشيء أو تمنيه أو ترجيه في الإنشاء، قال عبد الحكيم: ليس التقييد بالشرط مثل التقييد بالظرف، لأن الظرف قيد لنفس المسند دون النسبة وهي مطلقة فالمسند المقيد بالزمان والمكان ثابت للمسند إليه، فقولنا: "أضرب زيد يوم الجمعة" إخبار بثبوت الضرب الواقع في يوم الجمعة للمتكلّم فلا بد في صدقه من تحقق المقيد والمقيد معا. وأما الشرط فهو قيد لثبوت المسند بمعنى قولنا: "إن ضربني زيد ضربته" الإخبار بثبوت ضرب المتكلم لزيد في وقت ثبوت ضرب زيد له، وصدقه لا يتوقف على تحقق الشرط والخبر، بل على أن يكون في وقت ثبوته وإن لم يثبتا، وإن قلت: مضمون الجملة الشرطية تعليق حصول مضمون الجزاء بحصول مضمون الشرط، فما معنى ذلك في الإنشاء؟ وكيف امتنع في الشرط دون الجزاء؟ قلت: الحصول قد يكون لثبوت شيء لشيء أو انتفاؤه عنه كما هو مدلول الخبر، وقد يكون لتوجّه الطلب أو التمنّي أو نحو ذلك مما هو مدلول الإنشاء فيعلّق ذلك بحصول مضمون الشرط المفروض الصدق فمن هنا امتنع كونه إنشاء، فحاصل
222 (1/238)
صفحة 239
قولك: "إن جاء زيد فأكرمه" إي على تقدير صدق مجيئه أطلب منك إكرامه، لا بمعنى الإخبار بالطلب بل بمعنى إنشائه؛ فالشرط قيد للثبوت أو الانتفاء في الخبر وللطلب أو للتمنّي أو الترجي في الإنشاء، وذلك أولى تما قيل: إن الشرط قيد للمسند. واعلم أنّ الشرط في علم النحو والمعاني والبيان واللغة قيد لحكم الجزاء، مثل المفعول ونحوه، فقولك: "إن جئتني أكرمك وقت مجيئك إياي" فالكلام هو الجزاء، وإنما الشرط قيد له ولو كانت أداة الشرط مبتدأ إن جعل الخبر فعل الشرط ومرفوعه وهو المصحح عند النحاة. وأما إن جعل جملة الشرط والجواب أو جملة الجواب فالكلام مجموع الجملتين، لأن الخبر من حيث هو خبر ليس بكلام، وكذا جزؤه من باب أولى، وإن قلت أي لفظ أفاد الوقت في قولك: "إن جئتني أكرمك" حتى جعلته بمنزلة قولك: "أكرمك وقت مجيئك إياي قلت الشرط للجزاء وزمان المعلول زمان العلة فالجزاء يثبت حين ثبت الشرط، فالمعنى: أكرمك لأجل مجيئك إياي وفي زمانه".
وقال عصام الدين: "إن" تكرمني أكرمك على تقدير مجيئك، ولا تخرج جملة الجواب عمّا كانت عليه قبل التقييد بالشرط من الخبرية والإنشائية، بل إن كان إخبارا فالجملة الشرطية خبرية، وإن كان إنشاء فإنشائيّة، وذلك أن الشرط قيد للجزاء فهو تبع له.
الأداة
وإن قلت: جملة الجزاء في قولك: "أإن ضربتك "تضربني خبر مع أن جملة الشرط إنشائية لهمزة الاستفهام قلت الاستفهام في المعنى مسلّط على الجزاء، وأمّا نفس الشرط فقد أخرجتها عن الخبرية؛ لأنه ليس كلاما أصلا إلى حكم الإنشاء، وليس بإنشاء أيضا إذ لم يحتمل الصدق والكذب فصار كالمفعول. وقالت المناطقة: كلّ من الشرط والجزاء على حدته خارج عن الخبرية؛ إذ لم يحتمل الصدق والكذب، وإنما الخبر مجموعهما المحكوم فيه بلزوم الثاني للأول، فمفهوم قولنا: "كلّما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود باعتبار المناطقة الحكم بلزوم وجود النهار لطلوع الشمس؛ فالمحكوم عليه طلوع الشمس والمحكوم به لزوم وجود النهار، ومفهومه باعتبار النحاة واللغويين والمعانيين والبيانيين الحكم بوجود النهار في كل وقت من أوقات طلوع الشمس، فالمحكوم عليه هو النهار، والمحكوم به هو الوجود وحاصل الاختلاف أن المناطقة قالوا: الجملة الشرطية الواقعة في استعمال العرب معناها الحكم بلزوم شيء لشيء، والنحاة وأهل اللغة
"
223 (1/239)
صفحة 240
والمعاني والبيان يقولون: معناها ثبوت الجزاء على تقدير ثبوت الشرط وهو أولى بالاتباع، وليس معنى ذلك أن المناطقة وضعوا الشرط بهذا المعنى حتى يردّ ما يقال: إنهم بصدد بيان مفهوم القضايا المستعملات فكيف يقولون ذلك. والشرط عند النحاة ومن معهم مخصص للجزاء ببعض التقديرات، فيكون التقييد مفهومه مفهوم مخالفة كما ذهبنا إليه معشر الإباضية الوهبية، وإليه ذهب الشافعية وغيرهم. وعند المناطقة كلّ واحد من الشرط والجزاء بمنزلة جزء القضية الجملية لا يفيد الحكم أصلا، فلا يكون الشرط مخصصا للجزاء ببعض التقديرات، فلا يتصوّر مفهوم المخالفة بل ساكت عنه كما هو مذهب الحنفية.
لها،
و"إن" و"إذا" للشرط في الاستقبال وهو تعليق حصول مضمون جملة الجزاء على حصول مضمون جملة الشرط في الاستقبال. وأصل "إن" عدم الجزم بوقوع الشرط نفيا أو إثباتا، ومثلها أدوات الشرط كلّها إلا إذا كن صادقات بالشك في الوقوع وتوهّمه وظنه والجزم بعدمه، أما ظنّ الوقوع والجزم بعدمه فليس موقعا لها في الأصل، وأمّا الشك والتوهم فقيل هما معا موضع وقيل: الشك فقط، وقيل: تدخل على المظنون وأمّا نحو قولك: " إن مات زيد أفعل كذا " مما لا بد من وقوعه، فوجهه إن وقت الموت مثلا لما كان غير معلوم استحسن دخول "إن" عليه، ولا تقع "إن" في كلام الله تعالى لكونها لعدم الجزم إلا إن ذكرها عن غيره، أو على ضرب من التأويل والمجاز، وهي حقيقة في عدم الجزم مجاز في غيره. مثال ذكرها عن غيره قوله تعالى وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَل 314 قالته "زليخا" أو أعيد، وقوله عن يوسف وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ 310 وعن إخوته إِنْ يَسْرِفْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ) ومثال ضرب التأويل والمجاز النظر إلى حال المخاطب غير الجازم بوقوع الشرط، وسوق المعلوم مساق المشكوك لنكتة تقتضيه، وذلك كما تستعمل إما لتفصيل المجمل الواقع في ذهنه،
316
314 - يوسف جزء من 32 الآية الكريمة (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمثْنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْحَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)
-
315
يوسف جزء من 33 الآية الكريمة (قَالَ رَبِّ السِّحْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ
316
يوسف جزء من 77 - الآية الكريمة (قَالُوا إِنْ يَسْرِقَ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرِّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)
224 (1/240)
صفحة 241
وأصل الجزم بوقوع الشرط نفيا أو إثباتا في المستقبل بحسب اعتقاده؛ لأن الشرط مطلقا مقدر الوقوع في المستقبل فاصل إن عدمي. وأصل" إذا " وجودي؛ والوجود يقدم على العدم في الذكر، وقدمت الكلام على "إن" مع ذلك لأنها أصل أدوات الشرط، ولاعتبار تقدم العدم على الوجود، والمتبادر منعدم الجزم بالوقوع في العرف التردد، كما صرّح النحاة بأن "إن" تستعمل في المعاني المحتملة المشكوك فيها، فـ"إن" و"إذا" مشتركتان في الاستقبال، وأما عدم الجزم بـ"إن" لا وقوع، فليس مما يقبل الاشتراك تحقيقا بينهما لأنّ إذا لما كانت للجزم كان عدم الجزم بـ"إن" لا وقوع لازما للجزم، ولأنّ عدم الجزم بعدم الوقوع مع إذا بمعنى أنه منتف، ومع أنه منتف، ومع "إن" بمعنى: أنه لا يجوز. وحاصل ذلك أنّ عدم الجزم بعدم وقوع الشرط مع "إن" لوجود الشك، وفي "إذا" وجود الجزم بوقوعه، ولكون أصل إن الشك كان الحكم النادر الوقوع لكونه غير مقطوع به في الغالب موقعا لإن، ولكون أصل "إذا" الجزم بالوقوع غلب معها الفعل الماضي؛ إذ يدلّ على الوقوع قطعا نظرا إلى نفس اللفظ ولو نقلته "إذا" للاستقبال وقيدت بالغالب؛ لأن النادر قد يقطع بوقوعه، كيوم القيامة فإنّه نادر الوقوع لأنه إنّما يقع مرّة مع أنه مقطوع بوقوعه فإن النادر هو ما يقل وجوده جدا، أما بإن يكون الغالب عدم وقوعه وقد يقع وقد لا يقع، وأما بإن يكون وقوعه لا بد منه لكنه مرة أو مرتين والمشكوك فيه موقع لإن حقيقة والمجزوم به موقع لها تجوّزا. ومثال "إذا" قوله تعالى {فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، ومثال " إن" قوله تعالى وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطِيرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) وذلك أن الحسنة كالخصب والرخاء مقطوع بها، ولذا جيء بـ"إذا" والماضي، وعرفت تعريف الحقيقة في ضمن فرد غير معين، فهي للعهد الذهني. والسيئة كالجدب والبلاء قليلة الوقوع بالنسبة إلى الحسنة فنكرت لذلك، وجيء
"1
317
معها بـ"إن" والمضارع. وتستعمل "إذا " مجازا في مقام الشك تلويحا إلى أنه ينبغي أن يكون مجزوما به، كقول الإمام: إذا غنمت من وجهتنا هذه أعطيتك " وقد شك في الغنيمة ولم يجزم بها، أو لعدم شك
317 ـ الأعراف جزء من 131 – الاية الكريمة (فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطِيرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
225 (1/241)
صفحة 242
المخاطب بإن جزم والمقام للشك، أو لتنزيله منزلة الجازم، أو لتغليب الجازم على غيره، أو لغير ذلك من الأغراض.
ومن استعمال "إن" في مقام الجزم بوقوع الشرط كما إذا سئل العبد عن سيده: " هل هو في الدار" وهو يعلم أنه فيها، وقد أوصاه أن لا يعلم أحدا بكونه فيها، فيقول تجاهلا: " إن كان فيها أجابك" وهذا التجاهل من هذا الفن إذا اقتضاه المقام، وإن كان لمجرد الطرافة كان من البديع. استعمالها في حال الجزم لعدم جزم المخاطب قولك لمن يكذبك: "إن صدقت فماذا تفعل" وذلك بأن يكون الخاطب شاكا في صدقك أو متوهما له، وعندي يجوز أن نقول ذلك لمن يجزم بكذبك بأن تنزلت له لتجره إلى التصديق، وأن تقول ذلك تجاهلا.
ومن
ومن استعمال "إن" في حال الجزم أن تنزل المخاطب العالم بالشرط ثبوتا أو عدما منزلة جاهله لمخالفة مقتضى عليه، فتقول مثلا له وهو يؤذي أباه: " إن كان أباك فلا تؤذه " ولك أن تجعل نكتة التنزيل جارية على موجب الجهل، ولك أن تعتبر في هذا المثال ونحوه تنزيل المتكلّم نفسه منزلة الشاك؛ لأن فعل المخاطب وهو إيذاء أبيه مثلا كان أوقع المتكلم في الشك، وفي هذا الاعتبار ملاحظة المتكلم كما هو الأصل في "إن".
318
وتستعمل "إن" في حال الجزم لتعبير المخاطب أو غيره على الشرط، وذلك بأن أن يصور المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط عن أصله لا يصلح إلا لغرض من الأغراض كالتبكيت والإلزام والمبالغة كثيرا مع "إن" وفي سائر الكلام، كقوله تعالى (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ فكونهم مسرفين مجزوم به، لكن جيء بـ"أن" لقصد التعيير، ونسميه التوبيخ، وبيان ذلك أنّ الإسراف مع وجود الآيات الصارفة عنه يكون كالمحال لا محالا بل متعسر، والمتعسر يقبل الشك في الوقوع، بل المحال مع القطع بعدم وقوعه تستعمل فيه "إن" لتنزيله منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان لقصد التبكيت وهو إسكات الخصم بالحجة، لأنّ الخصم إذا تنزل معه إلى ظهور مدعاه في صورة المشكوك اطمأن لاستماعه،
318 - الزخرف.
- ه
226 (1/242)
صفحة 243
،
أو
فحينئذ يترتب عليه لازما مسلم الانتفاء، كما في قوله تعالى {وَإِنْ كُنتُمْ فِي ريب لازما قاطع الرجاء بتمكنه في الذهن كما في قوله تعالى قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ
الْعَابِدِينَ 320 أي: فأنا أوّل العابدين الله تعالى، ينفي الولد، أو فأنا أول المطيعين لذلك الولد لو كان، لكن لم يكن فأعبد ربي وحده.
وإذا استعملت "إن" في ما هو كالمحال فإنّه ينزل الجائز أولا منزلة المحال، ثم ينزل منزلة ما لا قطع بعده ولا بوجوده؛ لأنّ التدريج أبلغ فيحصل تنزيلان: تنزيل المقطوع به منزلة المحال، وتنزيل المحال منزلة المشكوك فيه ومثال تعيير غير المخاطب إن كان هذا أبا زيد فلا يؤذه زيد"، ويجوز أن يصور المقام غير صالح إلا لفرض الشرط، حيث لا تعيير كما جاز حيث التعبير، كقولك إذا لم ترد تعييرا: "إن كان هذا أباك فلا تؤذه"
وتستعمل في تغليب غير المتصف بالشك على المتصف به في المضي إذا كان لفظ "كان" وفي المستقبل إن كان، وذلك كما إذا كان القيام قطعي الحصول لزيد غير قطعي لعمرو، فتقول: " إن قمتما كان" كذا قيل، وكقوله تعالى (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا 321 إذ غلب غير المرتابين على المرتابين، لأنه كان من المخاطبين من يعرف الحق وينكره عنادا، وجعل الجميع كأنه لا ارتياب لهم، والمراد بغير المرتابين: من لم يتصف بالريب لا من شك في ربهم، لأن فيهم من عرب الحق، وإنما أنكره عنادا، ولأنّ مخاطبهم بهذا الكلام هو الله تعالى، فلا معنى لكونه غير المرتاب بالنسبة إليه تعالى، وهو المشكوك في ريبه. ويبحث بـ"إن" حقيقة التغليب أن للكلمة ما ليس لها ويغلب ما لها على ما ليس لها، وهنا ليس كذلك لأن البعض مرتاب قطعا والبعض غير مرتاب قطعا، فلم يوجد ما يليق بـ"إن" فمجرد التغليب لا يكفي، بل لا بد من انضمام شيء آخر يصح به استعمال "إن". قلت: قد يجاب بوجود صورة الشك تنزيلا لا تحقيقا
319
يوجد
3 - البقرة جزء من 23 الآية الكريمة (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)
320
- الزخرف 81
321 ـ البقرة حزء من 23 - الآية الكريمة (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ
كنتم صادقين
227 (1/243)
صفحة 244
في جانب من لم يرتب، وأنكر بأن اعتبر مخالفتها لما لم يرتب فيه مما يشك به في ارتيابه، فناسب "إن" فغلب جانبه على جانب من يقطع بشكه، فافهم ذلك فإنك لا تراه لغيري. وأداة الشرط تغلب الماضي للاستقبال إلا لفظ "كان" ولا يشاركها في ذلك أخواتها ولا لفظ "لم يكن"، وقيل: تغلب "كان" أيضا. ونسب للجمهور ووجه اختصاص "كان" بذلك قوة دلالتها على المضي لأنّ الحدث المطلق مستفاد من الخبر، فلا يستفاد من "كان" إلا الزمان، وأعني بالحدث المطلق مطلق الوجود فإنّه المستفاد من الخبر في ضمن استفادة الحدث المخصوص مثل القيام، ولا يضرنا أنّ هذا التعليل لا يجري في أخوات "كان" كـ"صار" مثلا إذ الانتقال الذي هو مدلوله لا يستفاد من الخبر حتى يتمخض للدلالة على الزمان، لأن المدعي مخصوص بـ"كان"، إلا أنه ورد أنه كما اعتبر الانتقال في "صار" اعتبر الاستمرار أو الانقطاع في "كان"، وهما غير مستفادين من الخبر قطعا، فلا
يتم
التعليل.
322
ثم رأيت ما يلائم قولي: (قد يجاب بوجود ... الخ) في كلام السعد إذ قال: حاصله "إن" مجرد تغليب غير المرتابين على المرتابين لا يصح استعمال "إن" هنا بل لا بد من أن يقال: لما غلب صار الجميع بمنزلة غير المرتابين فصار الشرط قطعي الانتفاء، فاستعمل فيه "إن" على سبيل الفرق والتقدير بأن نزل الريب المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه وعلى سبيل التبكيت والإلزام، كقوله تعالى فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا 323 فإن الإيمان كما قال الصبان بمثل القرآن محال لعدم وجوده إلا بفرض التبكيت في فرض المحال يكون من جهة أن الخصم إذا تنزل معه إلى إظهاره مدعاة في صورة المشكوك اطمأنّ إلى استماعه. وقال الكوفيون: إنّ في "إن
-
أن
كنتم قوما مسرفين" بمعنى "إذ". ويجوز كونها فيه للتوبيخ والتصوير المذكور، فالظاهر المخاطب بالآية جميع من لم يؤمن وفيهم غير المرتابين، فالأحسن في التوبيخ أن يعتبر أولا تغليب المرتاب على غيره، وقيل المخاطب المرتاب لأنه الموبّخ على الريب. والله أعلم.
322
- ينظر المطول 203:1
323
البقرة جزء من 137 - الآية الكريمة فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
228 (1/244)
صفحة 245
والتغليب باب واسع يجري في فنون كثيرة، ومنه قوله تعالى وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ} 324 وجميع باب التغليب مجاز، لأنّ اللفظ فيه لم يستعمل فيما وضع ألا ترى أن القانتين. موضوع للذكور الموصوفين بالقنوت؛ فإطلاقه على الذكور والأناث إطلاق على غير ما وضع له، وذلك على أنّ "من" للتبعيض لأنّ الغرض مدحها بأنها صدقت بشرائع ربها وكتبه وكانت من المطيعين، فالمراد: مدحها بالحسب. وإن جعلت للابتداء لم يكن مجازا وتغليبا، وكان مدحها بالنسب ولو لوّح أيضا للحسب، وذلك أنها من ذرية هارون أخي موسى عليهما السلام، أي: ناشئة من القانتين، والظاهر أنه إن قدر موصوف يعمّ الذكور والأناث حقيقة لم يكن تغليبا ومجازا؛ مثل أن يقدر "وكانت من الناس "المطيعين سواء جعلت "من" تبعيضية أو ابتدائية. ثم رأيت بعضه لابن قاسم حكاه عنه، الصبّان، لكن قدر الجميع القانتين، وقال: إن لفظ الجمع يوصف بالمذكر ولو أريد به مؤنث. وفيه نظر إذ الواضح إذا أريد بلفظ النساء وحدهن كصنف ونوع وفريق مما يصلح لجماعة الإناث ويصلح لجماعة الذكور أن يراعى معناه ويجمع وصفه جمع سلامة لمؤنث مثل: " رأيت نوعا جميلات " أو جمع تكسير رأيت فريقا حسانا" أو يراعى لفظه فيفرد ويذكر إذ كان لفظه كذلك، نحو: رأيت نوعا جميلا أو يفرد ويؤنث بتأويل الجماعة كـ"صنفا "جميلة" ونكتة التغليب في الآية الإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى عدت من جملتهم.
ومن التغليب قوله تعالى بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ 325 ومقتضى الظاهر يجهلون "بالتحتية" لأنه) نعت "قوم"، و"قوم "ظاهر، والظاهر من قبيل الغيبة، ولكن غلب جانب المعنى وهو جانب الخطاب على جانب الغيبة، وذلك مجاز علاقته المجاورة في الذهن أو في الذكر أو في غيرهما. قال السعد - وتبعه السيد: ليس هذا من الجمع بين الحقيقية والمجاز لأنّ الجمع بينهما أن يراد باللفظ ـ كل منهما، وها هنا أريد به معنى واحد تركب من المعنى الحقيقي والمجازي، ولم يستعمل اللفظ في كلّ منهما بل في المجموع مجازا يعنيان أنه من عموم المجاز. وفيه نظر، لأنّ "تجهلون "فيه
324
التحريم جزء من 12 - الآية الكريمة (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَحْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ
325 ـ النمل جزء من 55 – الآية الكريمة أئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)
-
229 (1/245)
صفحة 246
الخطاب مناسبا لـ "أنتم" وفيه (الواو) مناسبا لـ "قوم" كما ناسب "أنتم" لكنه لـ "قوم" لأنّ الجملة نعت "قوم". وقد يقال: "تجهلون" خبر ثان، والأوّل خبر ثان والأوّل "قوم" وهو خبر موطئ كالنعت الموطئ والحال الموطئ، وذلك إذا كان المقصود بالذات هو الخبر الثاني ونعت المنعوت ونعت الحال وكذا تجهلون هو المقصود بالذات إذا جعل نعتا وقوم خبرا. وقد جعل ابن هشام "قوم" موطئا لأنه لم يقصد بالذات ولم يجعل "تجهلون من التغليب قال ليس تغليبا بل من مراعاة المعنى. قال كمال باشا: زاده ومما يظن أنه التفات قوله تعالى (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ 326 لأن في لفظ قوم غيبة لأنه اسم ظاهر وخطابا لحمله على "أنتم" ووصف بـ"تجهلون " ترجيحا لجانب الخطاب إذ كان أفضل من الغيبة وأدلّ، وهو جانب معنى والغيبة جانب لفظ، والمعنى أرجح فغلب؛ فهو من التغليب. وقال عبد الحكيم ليس المراد بقوم قوم موسى حتى يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحد، فليست الآية من الالتفات من الغيبة في "قوم" إلى الخطاب في "تجهلون". ومن التغليب أبوان للأب والأم أو للأب، والخالة والعمران لأبي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر، قيل: لعثمان نسألك سيرة العمرين أي أبي بكر وعمر ـ وأما الْعُمَرَانِ لعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز كقول قتادة: اعتق العُمَران ومن بينهما من الخلفاء أمهات الأولاد. فليس من التغليب، لأن كل منهما "عمر" (بضم العين، وفتح الميم). وقال أبو الطيب: [في
اسم
مدح عبد الواحد أبي العباس الأصبع الكاتب]: [من الكامل]
واستَقْبَلَتْ قَمَرَ السَّمَاءِ بِوَجْهِها
فَأَرَتْيَ القَمَرَينِ في وقت مَعَا
327
أراد الشمس وهو وجهها، و"قمر السماء" يعني أنّ وجهها لشدة صقالته انطبعت فيه صورة القمر لما استقبلته كما تطبع الصورة في المرآة، فرأى برؤية وجهها الشمس والقمر في آن واحد. وقال التبريزي: يجوز أن يريد قمرا لأنه لا يجتمع قمران في ليلة كما لا يجتمع الشمس والقمر، والأولى أن يراد الشمس والقمر، لأنّ إرادتهما أمدح، لأنّ القمرين في العرف الشمس والقمر. وإن قيل في عمرو) بفتح العين وإسكان الميم) وعُمر) بضم العين وفتح الميم) العمران بضبط الأوّل أو بضبط الثاني كان تغليبا كقوله " اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين " - بضم العين
230
- النمل جزء من 55
الديوان 260:2
326
-327 (1/246)
صفحة 247
وفتح الميم - أراد عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام - بفتح العين وإسكان الميم – أبا جهل، إلا أن تغليب التثنية كالأبوين والعمرين والقمرين غير مقيس ولو كان مجازا، والمجاز مقيس لعلاقة وقرينة، قال ابن ظفر في شرح التسهيل: قالوا مما يعرف به المجاز عدم وجوب الاطراد بأن لا يطرد، كما في وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ 328) أي أهلها، ولا يقال اسأل البساط أي صاحبه، أو يطّرد لا وجوبا كما في "الأسد " للرجل الشجاع، فيصح في جميع جزئياته من غير وجوب لجواز أن يعبر في بعضها بالحقيقة، فقولهم ذلك يدل على أنّ اللفظ يستعمل في محل لوجود العلاقة، ثم لا يجوز استعماله في محلّ آخر لوجود تلك العلاقة، ألا ترى أن النخلة تطلق على الإنسان لطوله ولا تطلق على طويل آخر غير الإنسان وأنّ الرواية تستعمل في المزادة للمجاورة ولا تستعمل الشبكة في الصيد للمجاورة. ويغلب الأكثر على الأقل والأشرف على الأخس، إلا أن يكون لفظ "الأشرف" أثقل أو يكون مؤنثا مع تذكير الأدنى فيغلب ما لفظه أخف كالعمرين، أو ما لفظه مذكر كالعمرين. ويغلب المتكلّم على المخاطب والغائب، والمخاطب على الغائب من غير عكس ولو كان الغائب أكثر أو أشرف من المخاطب، والمخاطب أكثر أو أشرف من المتكلم، ولا يخالف ذلك إلا لنكتة، كما غلب عمر رضي الله عنه على عمرو مع أن عمر أخف لتعلق رغبته في عمر، وقد حققها الله تعالى. وكتسميته الشخص الذي كان في زمانه يعمل بيديه جميعا ذا الشمالية واسمه "عمير "غلب الشمال مع أنّ اليمين أشرف، لأن مخالفة العادة إنّما حصلت بعمل الشمال، قال الصبان وقد يقال لفظ الشمال أخف من لفظ اليمين، لأنّ
(الألف) أخف من (الياء)، وليس ذا اليدين كما قيل عن الزهري لأن ذا اليدين اسمه الخرباق. وكيفية التغليب أن يرجّح أحد المتصاحبين أو المتشابهين على الآخر بأن يجعل موافقا له في الاسم، ثم يثنى ذلك الاسم ويقصد أبيهما جميعا. والأصح أن باب التغليب ملحق بالمثنى لا مثنى حقيق، وأنه لا يكفي الاتفاق في اللفظ ولو كان حقيقة في كل كـ"قرء" فلا يقال قرأين لحيض وطهر إلا تجوزا، ومثل "أبوين" ليس من قبيل قوله تعالى وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ 329 كما قد
-
328
يوسف جزء من 82 - وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) 329 - التحريم جزء من 12 الآية الكريمة (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَتَفَحْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ)
231 (1/247)
صفحة 248
يتوهم بعض، لأن الأبوة ليست صفة مشتركة بينهما، بخلاف القنوت فإنّه مشترك بينهما وبين غيرها لمخالفة الظاهر في مثل القانتين من جهة الهيئة لا المادة، وفي مثل "أبوان" من جهة المادة وفي الهيئة أيضا؛ إذ هيئة التثنية موضوعة للمشتركين لفظا ومعنى على مذهب الجمهور، أو لفظا فقط على مذهب ابن الحاجب. ولكن جهة المادة هي جهة الافتراق بين مثل" أبوين" ومثل "القانتين"، وارتكاب المجاز في المادة مثل أبوين لضرورة الهيئة؛ إذ هيئة التثنية هنا لا تمكن إلا بعد تغيير مادة أحد الشيئين إلى مادة الآخر، ولكون "إن" و"إذا" لتعليق حصول الجواب بحصول الشرط في الاستقبال كان شرطهما وجوابهما على الأصل جملة فعلية فعلها مضارع مجرّد من "لم". وأما الشرط فلانه مفروض الحصول على الاستقبال، وأما الجواب فلتعلّقه على الشرط المستقبل، والمتعلّق على المستقبل مستقبل، ولا يخالف ذلك إلا لنكتة لامتناع مخالفة مقتضى الظاهر بلا حكمة، ولا يخرج عن ذلك ولو كان الشرط أو الجزاء أو كلاهما ماضيا أو جملة اسمية على قول الأخفش والكوفيين - بجواز كون الشرط جملة اسمية والمعنى على الاستقبال. وعندي: أن الشرط أبدا مستقبل إلا شرط. لو؛ فمعنى قولك: " إن أكرمتني أمس أو الآن أكرمك غدا" إن صح إكرامك إياي فالصحة مترقبة الوقوع وعندي: "إن "كان" و لم يكن كذلك إذا كانا شرطا وكذا الجواب، فإنّ معنى قولك: " إن أكرمتني أمس أو الآن أو غدا فقد أكرمتك أمس" أن تعتد بإكرامك إياي فاعتد أنت بإكرامي إياك أمس بصيغة الأمر، أو اعتد أنا بصيغة المضارع، وجميع أصنافهما مردود عندي إلى ذلك. فمعنى قوله تعالى إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبل فَصَدَقَتْ 330 {وَإِنْ 331 وقوله تعالى وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ 331، إن صح قد قميصه؛
فالصحة مترقبة، أو تقدّم إن كان"، و"لم يكن للماضي ولو مع كونهما شرطا في قول، وصاحب هذا القول لم يعتبر ترقب الصحة استقبالا مخرجا للماضي إلى الاستقبال إذا مضى معناه
330
- يوسف جزء من 26 الآية الكريمة (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ
قبل فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ)
331
يوسف جزء من 27 الآية الكريمة (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ)
232 (1/248)
صفحة 249
تحقيقا أو تقديرا، ومعنى وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْب 332 إن ثبت في المستقبل كونكم فيما مضى " كذبتم] وإن قدر وإن كنتم في ريب واستمرّ إلى وقت الخطاب لم يفد البقاء على المضي لملاحظة معنى قولك: إن ثبت كونكم في ريب فيما مضى واستمر إلى وقت الخطاب، وكذا قيل إنّ الماضي باق على المضي قياسا بعد إن الوصلية المقرونة بـ (الواو) في مقام التأكيد سواء صلحت (الواو) للحال والعطف أو كانت للحال، نحو: " زيد وإن كثر ماله وعمرو وإن أعطي جاها لئيم " أي: إن قل ماله، وإن كثر، وإن لم يعط جاها، وإن أعطي جاها؛ وهي للعطف على محذوف أو والحال أنه كثير المال، أو أنه أعطي الجاه، فكيف لو لم يكثر أو لم يعط وهي وإن الوصلية شرطية، وقيل: خارجة عن الشرط وهو المشهور وباق على المضي قليلا في غير ذلك كقوله [أي قول أبي العلاء المعري]: [من الطويل]
فَيَا وَطَنِي إِنْ فَاتَنِي لَكَ سَابِقُ
للحال.
333
منَ الدَّهْرِ فَلْينْعم لساكنكَ الْبَالُ 333
"
أي: إن كان زمان سبق من الدهر فوت عليّ المقام في وطني فليطب به قلوب ساكنيه، نعم ينعم كعلم يعلم أو صار لينا أو التذ، والبال": القلب، فاعل، وقيل "البال" هنا الحال، وقيل: ينعم بالبناء للمفعول، فـ"البال" نائب الفاعل.
وقالوا: ومن استعمال "إذا. في الماضي قوله تعالى أتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ أَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا حتى إذا ساوى بين
334
الصَّدَفَيْنِ "، وأقول: هي فيه للاستقبال فرض زمان ذي القرنين، كأنه زمان نزول الآية قبل أن يقول ذلك، والله جل وعلا يقول: إنه إذا ساوى بين "الصَّدَفَيْنِ" بعد نزول الآية، يقول: انفخوا. أو فرض زمان نزولها قبل زمان ذي القرنين فرسول الله يترقب أن يساوي ذو القرنين فيقول:
332 - البقرة جزء من 23 الآية الكريمة (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا
شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)
333
"
سقط الزند: 233 هذا البيت من قصيدة مطلعها:
مغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال وفي النوم مَغْنى من خيالك مخلال
233
69
الكهف
334 (1/249)
صفحة 250
وقالوا إنها للاستمرار في قوله تعالى {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا 335، وأقول: ليس ذلك حالا بل قولهم " آمَنَّا " مستقبل يتكرّر لقاؤهم الذينَ آمَنُوا.". قال عصام الدين: ها هنا بحث شريف لا ينبغي فوته؛ وهو أنه هل يصح كون الطلب جزاء بلا تأويل إلى الخبر أو لا كما ادعاه السيد السند، وادّعى أن الوجدان الصحيح يحكم بأن الإنشاء لا يقبل الارتباط بالشرط إلا بالتأويل إلى الخبر؛ فكل جملة شرطية محتملة للصدق والكذب يعني قبل جعلها شرطا، أو أراد بالجملة الشرطية الشرط والجواب، وإن جعل الجزاء إنشاء. والحق "إن "الشرط في قولك: " إن جاء زيد فأكرمه " مثلا قيد المطلوب لا للطلب والطلب تعلّق بالإكرام المقيد، والطلب في الطلبي كالإخبار في الخبرية، فكما أنّ القيد في " أضرب زيدا غدا " لم يتعلّق بالإخبار بل بالمخبر عنه فكذا في الطلبي، فالشرطيّة التي جزاؤها إنشاء لا تحتمل الصدق والكذب، نعم لو كان المقصد بالإفادة في الشرطية النسبة بين المركبين على خلاف ما ذهب إليه صاحب المفتاح 336 وتبعه في ذلك القزويني 337 كان الأمر على ما ذكره السيد السند، فكأنّ هذا الخلاف متفرع على الخلاف في النسبة التامة في الشرطيّة في أنها بين المركبين أو في الجزاء، وإنما يعدل عن المضارع المجرد من "لم " كما علمت إلى لفظ الماضي لنكتة، كإبراز غير الحاصل في صورة الحاصل الذي حصل، وذلك الإبراز لقوّة الأسباب المتجهة في حصوله، أو لكون ما هو للوقوع كالواقع، أو للتفاؤل، أو لإظهار الرغبة في وقوعه، وذلك في صفة المخلوق. وأما في حق الله فيعبر عن ذلك بإظهار كمال الرضى وشدّة الرضى ولك أن تعبّر به في حق الله وحق المخلوق. وكإبراز غير الحاصل في صورة الحاصل للتعريض أو غير ذلك.
مثال قوة الأسباب قولك في حال اجتماع أسباب الشراء: " إن اشترينا كان كذا ". ومثال ما هو للوقوع كالواقع أعني في ترتب ثمرة الوقوع في الجملة على كل قولك وقد حضر لك آلة
335 - ينظر البقرة 14 (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ويتظر البقرة 76 وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا حَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتَحَدَّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ليحاوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
336
- ينظر المفتاح 117، 118
- 96،95
337 - ينظر الإيضاح 95، 96
234 (1/250)
صفحة 251
البناء وما يبنى به: "إن بنينا هذه الدار حصل لنا إلف " وذلك أنه إذا عرفكم الناس بذلك عاملوكم ولو بالنسبة ومثال التفاؤل أو إظهار الرغبة: " إن ظفرت بحسن العاقبة فهو المرام " فإن أردت التفاؤل فتحت (التاء)؛ لأنّ حصول التفاؤل إنما يكون للمخاطب، وإن أردت إظهار الرغبة ضممتها؛ لأنّ إظهار الرغبة إنّما يكون للمتكلّم. وقال عصام الدين وبعض: إنّ إظهار الرغبة والتفاؤل يكونان جميعا والمخاطب فيصح فتحها وضمها لإظهار الرغبة، والمتكلم لا يكون إلا التفاؤل. ومعنى إظهار الرغبة من السامع إظهارها في الوقوع من المتكلم، والطالب لأمر إذا عظمت رغبته في حصوله يكثر استحضاره في عقله حتى يصير كأنه حاصل قابل أن يعبر عنه
منه
بالماضي.
استعمال الماضي لإظهار كمال الرضى قوله تعالى (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً 338 إذ لم يقل " إن يردن " منطوق الآية: إن أردن تحصنا ولا تكرهوهن على الذي، ومفهومها بحسب اللفظ: أنه إن لم يردن التحصن جاز إكراههن، وهو غير ممكن لأنه لا يتصوّر الإكراه على الشيء مع عدم الامتناع عنه، فالشرط لموافقة الواقع، ودلالة الشرط على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، إنّما هي بحسب الظاهر. وقد صح الإجماع والقرآن والحديث في تحريم الزنى مطلقا أو إكراه، وإنما يقال بتلك الدلالة إن لم تظهر للشرط فائدة أخرى، وهي هنا المبالغة في النهي عن الإكراه، بمعنى أنهنّ إن أردن العفة فالمولى أحق بإرادتها، لأنهنّ أنقص عقلا وأَميَلُ منه وأيضا نزلت فيمن أردن التحصن، وأيضا انتفاء المشروط له عند انتفاء الشرط النحوي غير لازم بل غالب.
حب مع
ومثال الإبراز في صورة الحاصل للتعريض بإن ينسب الفعل إلى أحد، والمراد غيره نسبة لكل وجه يفهم منه المقصود قوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ 339 فالمخاطب هو النبي
338
- النور جزء من 33 - الآية الكريمة (وَلْيَسْتَعْفِف الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَعَاتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي أَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) - الزمر جزء من 65 الآية الكريمة (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
339
من الخاسرين)
235 (1/251)
صفحة 252
لا أمته، وكلّ رسول على حدة لا أمته والأفراد باعتبار كلّ واحد على حدة. وقيل: استعمل ضمير المخاطب المفرد فيما يشمل الغائب مجازا، وعدم إشراك الأنبياء مقطوع به في جميع أزمنتهم، لكن جيء بلفظ الماضي، وإن كان على الاستقبال إبراز للإشراك غير الحاصل منهم في صورة الحاصل منهم على سبيل الفرض، والتقدير تعريضا من صدر منهم الإشراك من سائر الناس بأنه قد حبطت أعمالهم لتحقق سببه فيهم، كما إذا شتمك أحد وقلت تعريضا بأن شتمك يستحق العقوبة مطلقا " والله إن شتمني الأمير لأضربنّه ". وإن قلت: إذا كان عدم الإشراك مقطوعا به لا تصح. إن. لأنها للشكٍّ، قلتُ: تستعمل "إن" في مثل ذلك لتنزيله منزلة مالا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان. وإن قلت: التعريض عام لمن صدر منهم الإشراك في الماضي ولغيرهم وهذا يحصل بصيغة المضارع أي:. لئن تشرك. قلتُ: من لم يشرك لم يستحق التعريض، فلا وجه لتعميم من أشرك لأنّ القصد بالتعريض التوبيخ، والتوبيخ إنما يكون على ما وقع لا على ما سيقع والتعريض نشأ من صيغة الماضي لأنه على خلاف الأصل ليحصل به التعريض. وأما المضارع فهو على أصله فلا معنى لقصد التعريض به إذ لا يفيده، وحملنا الكلام على التعريض لأنّ فيه إسناد الفعل إلى من لا يتصوّر منه. والله أعلم وفي التعريض فائدتان الأولى: أنه إذا كان الإشراك يحبط عمل الأنبياء لو صدر بها حال غيره، وهذا بالنسبة إلينا فلا يرد أنّ الكفار لا يقولون بنبوة سيدنا محمد إلا أنهم يقولون بنبوة غيره، فيصبح بالنسبة إليهم أيضا. والثانية: أنّ الكبار لا يستحقون الخطاب كالبهائم؛ ففي ذلك غاية الإرذال لهم.
وأما "لو" فلتعليق حصول مضمون الجواب إيجابا أو سلبا بحصول مضمون الشرط في الماضي على سبيل الفرض كذلك مع القطع بانتفاء الشرط في الواقع ولو ثبت على سبيل الفرض، والمتبادر انتفاء الجواب عند انتفاء الشرط ولو أمكن أن يكون للجواب سبب آخر يثبت به مع انتفاء الشرط، فهو المتبادر معتبر للواضع ومن هذا أنه ينتفي الجواب بانتفاء الشرط، وحاصله أنها وضعت لتستعمل حيث يقصد انتفاء جوابها، ويترتب على انتفاء شرطها وذلك بواسطة "لو"، فمدلول "لو" التعليق المذكور معه الانتفاءين، وهذا مذهب الجمهور.
236 (1/252)
صفحة 253
وقال الشوين وابن عصفور: إنّه لمجرد التعليق بين الحصولين في الماضي من غير دلالة انتفاء
الجزاء بل يستفاد من القرينة، فيقال على قول الجمهور: لو هي لامتناع الجواب لامتناع الشرط؛ فهو منتف انتفاء الشرط في قصد المتكلّم بها أعني أنّ المتكلّم بها يتكلم بها على ذلك القصد، وهذا ما عندي في إيضاح مذهب الجمهور ولا تكلّف فيه. واعترض عليه ابن الحاجب بأن الشرط سبب والجواب سبب، وانتفاء السبب لا يدلّ على انتفاء المسبب الجواز أن يكون للشيء أسباب متعددة، كلّ واحد كاف في وجوده، بل انتفاء المسبب يدل على انتفاء أسبابه، وإلا كان حاصلا فـ"لو" لامتناع الشرط لامتناع الجواب، ألا ترى قوله تعالى لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لفسدتا 340 فإنّه سيق ليدلّ على امتناع تعدّد الآلهة بامتناع الفساد؛ أي: لأن امتناعه معلوم، وإنما يستدلّ لما جهل بما علم واستحسنه المتأخرون الذين بعده لما ذكرته عنه، أو لكون الشرط ملزوما والجواب لازما، وانتفاء الملزوم من غير عكس الجواز أن يكون اللازم أعم، نحو: " لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا " قيل: ولا بد من زيادة قولي لكون الشرط ملزوما ... الخ. لا ما ذكرته عن ابن الحاجب لا يتأتى في نحو: " لو كان النهار موجودا لكانت
لَفَسَدَنَا
الشمس طالعة " إذ لو وجود النهار ليس سببا لطلوع الشمس بل الأمر بالعكس، ولا في نحو: لو كان لي مال لحججت" إذ وجود المال ليس سببا للحج بل غيره، لكن كل من وجود المال والنهار وجود ملزوم لطلوع الشمس والحج فعدلوا إلى اللازم والملزوم، إلا أنه أيضا لا يتم في نحو: " لو كان الماء حارا لكانت النار موجودة " لأنّ الحرارة ليست ملزومة للنار لأنها قد توجد بالشمس، فإنّ ادّعي أنّ المراد الملزوم ولو جعليا أو ادّعائيا. فلابن الحاجب أن يريد السببية ولو جعلية أو ادّعائية فلا تفاوت إلا أن يجاب بأنه يعلم من تتبع اللغة " إن الشرطية "اعتبر فيها اللزوم، ولم يعتبر فيها السببية حتى يصح أن يعتبر كونها جعلية أو ادّعائية. واختار السعد مذهب الجمهور، وردّ على ابن الحاجب بأن معنى قولهم. لو. لامتناع الثاني لامتناع الأول أنها للدلالة على أن انتفاء الثاني في الخارج إنما بسبب انتفاء الأوّل في الخارج، وليس معناه أنه يستدلّ بامتناع الأوّل على امتناع الثاني، فضلا عن أن يردّ عليهم أن انتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم، قيل: إنّه يلزم أن لا تصدق الشرطية حينئذ إلا إذا كان الواقع كذلك؛
340
الأنبياء جزء من 22 الآية الكريمة (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)
237 (1/253)
صفحة 254
بأن يكون انتفاء الجواب في الواقع انتفاء الشرط، وأن تكذب إذا لم تكن كذلك بأن لم يكن انتفاء الشرط علّة لانتفاء الجواب مع أنه ليس كذلك.
أحدهما،
بب
و تما لم يكن فيه انتفاء الشرط علّة لانتفاء الجواب في الواقع قولك: " لو كان هذا إنسانا كان حيوانا " إذ ليس انتفاء الحيوانية لانتفاء الإنسانية، وقولك: " لو أضاءت الدار لكانت الشمس قد طلعت، تما يكون الشرط فيه معلولا والجواب علة، وأقول: جميع تلك الأمثلة لا يخرج معناها عن مذهب الجمهور بل يطابقه أنا نراهم يعتبرون في التمثيل أمثلة تناسب المنطق وتخالف مع بظاهرها الجمهور المناسب للغة، مع المنطق عجمي وإنّما القصد ما يوافق العربية لا العجمية. قال بعض المغاربة تستعمل فيما إذا علم انتفاء أمرين في الخارج للدلالة على انتفاء وهو الجواب بسبب انتفاء الآخر وهو الشرط، وأما إذا جهل انتفاء شيء وعلم انتفاء له فلا يستدل على انتفاء ذلك الشيء بانتفاء ذلك السبب، قلنا: ومعنى قوله تعالى {وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجمعين (341. وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ، إِنَّ انتفاء الهداية إنما هو سبب انتفاء المشيئة، وذلك أنها تستعمل للدلالة على أن علة انتفاء مضمون الجواب في الخارج هي انتفاء مضمون الشرط في الخارج من غير أن يلتفت الجمهور على علة العلم بانتفاء الجواب ما هي. وتوهّم ابن الحاجب أنهم التفتوا لذلك فأورد ما مرّ، وهو يقول معنى قولك: " لولا علي لهلك "عمرو إن وجود "علي" سبب لعدم هلاك "عمرو"، ولا يقولون: معناه أن وجوده دليل على عدم هلاك عمرو "، ولذلك صح قولك: " لو جئتني لأكرمتك لكنك لم تجئ " ولو كان المراد أنه يستدلّ بامتناع الأوّل على امتناع الثاني لم يصح، ألا ترى أنّ استثناء نقيض المقدّم لا ينتج لجواز كون اللازم أعمّ، فلا يلزم من رفع المقدّم رفع الثاني. وما تقرّر من أن "لو" تغني عن استثناء نقيض الثاني لا يشكل على ذلك؛ لأنّ الاستغناء عنه لا ينافي صحته، والمراد: الاستثناء بـ"الكن"، والمقدّم أشرط، والتالي الجواب. قال الشاعر [أبي بن سلمي الضبي
] [من المتقارب]
وَلَوْ طَارَ ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا
لَطَارَتْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
341 ـ النحل 9
238 (1/254)
صفحة 255
يعني
أن
عدم طيران ذلك الفرس بسبب أنه لا يطير ذو حافر قبلها وعدم طيران الفرس معلوم؛ والغرض بيان السبب في عدم طيرانها وهذا البيت ذكره أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في كتابه الحماسة] جمع فيه أشعار العرب الذين يستشهد بكلامهم، وإذا قيل هذا البيت حماسي يراد أنه مذكور في ذلك الكتاب، وإذا قيل قال الحماسي فالمراد أحد الشعراء الذين ذكرت أشعارهم في ذلك الكتاب والحماسة الشدة والقوة أو الشجاعة وهي تناسب القوة، فالأشعار التي فيه قوية لا ضعف فيها وقال المعري [من الطويل]
وَلَوْ دَامَتِ الدُّولاتُ كَانُوا كَغَيْرِهِمْ
رَعَايَا وَلَكِنْ مَا لَهُنَّ دَوَامُ 342 أي: لو دامت دولات من تقدّم كان أهل دولة زماننا رعايا كغيرهم، والدولة: أن تغلب إحدى الطائفتين على الأخرى (بالفتح)، والدُّولة (بالضم): في المال، يقال: "صار الفيء دُولَةً" أي يتداولونه مرّة كان لهذا ومرة لهذا. وقال أبو عبيدة: الدُّولة بالضم): الشيء الذي يتداول بعينه و (بالفتح): المصدر. وقيل: لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة (بالضم) في المال و (بالفتح) في الحرب. وقال عيسى بن عمر: كلتاهما في المال والحرب. وقال يونس: والله ما أدري ما بينهما. و"كغيرهم" خبر ورعايا" خبر ثان أو عطف بيان "للكاف" أو لمتعلّقها إذا جعلت حرفا، أو خبر، وكـ"غيرهم" حال مقدّمة. والله أعلم.
والمنطقيون يجعلون "إن" و"لو" و"إذا" و"كلما" ونحوهنّ أدوات لزوم، وهو مذهب ابن الحاجب المتقدم، واستعمال "لو" على قاعدة اللغة والنحو والمعاني والبيان أكثر في القرآن والحديث وأشعار العرب ونثرهم، وعلى قاعدة المنطق أكثر في استعمال أرباب التأليف خصوصا في كتب المنطق وعلم الكلام؛ لأن المقصود بتحصيل العلوم بيان أنّ سبب الثبوت والانتفاء في الواقع ماذا، وثمرة الخلاف بين الطرفين تظهر؛ فباستثناء نقيض المقدّم فإنه جائز عند أهل اللغة ومن معهم دون أهل المنطق، وفي استثناء عين المقدّم فإنّه العكس. وأما استثناء نقيض التالي فجائز اتفاقا واستثناء عينه باطل اتفاقا، وهنّ عند المنطقيين للدلالة على أنّ العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول ضرورة انتقاء اللازم من غير التفات إلى أن علة انتفاء الجزاء في الخارج ما هي العلم بالثبوت كذلك، وليست تلك الدلالة معناهن عندهم، بل يترتب على معناهن، ومعناهن هو لزوم
342
- سقط الزند 109
239 (1/255)
صفحة 256
انتفاء
الثاني للأوّل مع انتفاء اللازم المعلوم فيستدل به على انتفاء الملزوم المجهول. ومثال الدلالة على كون العلم بانتفاء الثاني علّة للعلم بانتفاء الأوّل أن يستثنى نقيض التالي في نحو: " كلما كانت الشمس طالعة فالنهار، موجود لكن النهار ليس موجود فالشمس ليست بطالعة ". ومثال الثبوت: وهو أن تدلّ على أن العلم بوجود الأوّل علة للعلم بوجود الثاني أن يقال في استثناء عين المقدم: " كلّما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن الشمس طالعة فالنهار موجود قيل: وقد تستعمل لو" في اللغة استعمال المنطق قليلا، كقوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ تفسد تا 343 إذ المقصود تعليم الخلف الاستدلال على الوحدانية بأن يستدلوا بالتصديق بانتفاء إفساد على التصديق بانتفاء التعدّي، وليس المقصود بيان أن انتفاء الفساد في الخارج علته التعدّد، قلت: بل المقصود هذا البيان لا تعليم الخلق الاستدلال؛ فالآية على قاعدة النحو واللغة، وأي دليل على أن المقصود تعليم الاستدلال، وإنّما الظاهر الجاري على سائر أحكام القرآن بيان أنه لا تعدد، وكلّ آية توهم بها أحد ما توهم بالآية، قلت فيها ما قلت في الآية، وحين يستفاد الحكم على طريق العربية قاسَ المستفيد عليها أو لم يقس. وذكر بعض أن لو إما لمجرد الوصل ولا امتناعها، نحو: " زيد ولو قل ماله جواد " وإمّا للترتيب الخارجي فهي لامتناع الثاني لامتناع الأوّل وإما للاستدلال العقلي فهي لامتناع الأول لا متناع الثاني، وإما لبيان استمرار شيء يربطه بما بعد النقيضين، كقوله: " لو لم يخف الله لم يعصه " فهذه أربع استعمالات. والله أعلم.
الماضي
وإذا تقرّر لك أنّ " لو " لتعليق حصول مضمون الجواب بحصول مضمون الشرط في - على حدّ ما مرّ - علمت أنه يلزم المضي وعدم الثبوت في شرطها وجوابها أنّ الثبوت ينافي التعليق، والاستقبال ينافي المضي، فلا يخرجان عن الماضوية إلا لنكتة، كقوله تعالى (لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِير مِنْ الْأَمْرِ لَعَنتُمْ 344 دخلت في المضارع لقصد الاستمرار التجدّدي في الفعل وهو الإطاعة فيما مضى وقتا فوقتا فيستمر نفيه لدخول «لو»، أي: لو أطاعكم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بعد
343 ـ الأنبياء جزء من 22 - الآية الكريمة (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) 344 ـ الحجرات جزء من 7 الآية الكريمة (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّةَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)
240 (1/256)
صفحة 257
مرة في كثير من الأمر لوقعتم في جهد وهلاك، أي: امتناع عنتكم بسبب استمرار امتناعه عن إطاعتكم. ويجوز أن يكون المستمرّ امتناع الإطاعة فيكون المعنى امتناع عنتكم بسبب استمرار امتناعه عن إطاعتكم؛ إذ كما يجوز يفيد المضارع المثبت استمرار الثبوت يجوز أن يفيد المنفي، والامتناع بـ لو نفي كما يفيد الاسمية تأكيد الثبوت، وإذا نفيت أفادت النفي كما أحد هو أوجه ذكرتها في قوله تعالى {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ 345 أي: عدم ظلمه أكيد فليس النفي نفيا للتأكيد ولو تقرّر أن النفي يتوجّه على الأصل إلى القيد، لأنّ هذا إنما هو إذا اعتبر القيد سابقا على النفي، ألا ترى قوله تعالى وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) 346 إذ كان ردا لإثبات أكيد في قولهم إنا آمنا؛ فالمراد تأكيد النفي لا نفي التأكيد وإلا أفاد أنّ لهم إيمانا غير أكيد وليس كذلك لأنّ دعواهم بقولهم: "إنا آمنا حصول مطلق الإيمان، وحمل لو يطيعكم على استمرار الإطاعة أولى لوجهين، الأول: أن الغالب توجيه النفي إلى القيد هو هنا الاستمرار والمقيد هو الإطاعة. والثاني: إنما يلزم من استمراره على إطاعتهم فيما يرون صوابا فكأنهم قدوته عكس الواجب. وأما مطاوعته لهم في قليل من الأمر فاستجلاب فيما لا ضمير فيه، وأما حمله الآية على استمرار الامتناع ففيه الوجه الثاني دون الأوّل. ورجّح بعضهم حملها على استمرار الامتناع لأنه يلزم على حملها على استمرار الإطاعة ثبوت إطاعتهم في الكثير، لأن المنفي عليه الاستمرار على إطاعتهم في كثير فيثبت نفس إطاعتهم في كثير. وقلت فيه نظر لأن معنى نفي الاستمرار على الإطاعة في كثير هو نفي نفس تكرّر الإطاعة في هذا الأمر، وفي هذا الأمر، وهكذا. وأوجب بعضهم حملها على استمرار الامتناع لأنّ مضمون الكلام عليه أن علة انتفاء العنت هي امتناع الإطاعة، وهو لا ينافي ثبوت أصلها ومع ثبوتها لا ينتفي العنت. ويبحث بأن الإطاعة في البعض لا يترتب عليها عنت فلا حاجة لنفي أصل الإطاعة كما هو مقتضى استمرار الامتناع، بل الواجب نفي استمرارها كما هو مقتضى نفي استمرار الإطاعة إلا أن يقال: أصل الإطاعة في البعض موجود أيضا في وجه نفي استمرار إطاعة تأمل.
أن
عنتهم
استمرار
345
- فصلت جزء من 46 الآية الكريمة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) 346 - البقرة جزء من 8 الآية الكريمة (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)
241 (1/257)
صفحة 258
ودخلت "لو" على المضارع في قوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ 347 لنكتة هي تنزيله منزلة الماضي لصدوره عمّن لا خلف في أخباره. وإن قلت أخبار الصادق شيء يدل على تحققه، قلت: فرض الرؤية إنما هو بالنسبة إلى المخاطب، وأما أصل الرؤية فأمر مذكور لا على وجه الفرض؛ فكأنه قيل: يرى أهل النار موقوفين على النار، ولو ترى أنت لترى أمرا عجيبا. فدخول "لو" يجعل "ترى" بمنزلة الماضي في تحقق أصل الرؤية الذي يشعر به قوله: "ولو ترى"، وبهذا أيضا عما قد يقال: من أن تنزيل المضارع منزلة الماضي في التحقق ينافي دخول "لو" الدالة على الامتناع باعتبار الإسناد إلى المخاطب والتحقق لأصل الفعل، فذكر" لو" للإشعار بأنّ الرؤية بمثابة من الهول أنه يمتنع من المخاطب، ورؤية الكفار وما معها إنما هي يوم القيامة لكنها جعلت بمنزلة الماضي المتحقق، فاستعمل فيها "لو" المختص بالماضي، لكن عدل عن لفظ الماضي الأنسب بحسب الظاهر تنبيها على أن لفظ المستقبل الصادر عمّن لا خلاف في إخباره بمنزلة الماضي المعلوم تحقق معناه، ولما كانت الرؤية والوقف على النار وقولهم ماضية تأويلا مستقبلة تحقيقا الجانبان معا فأتي بـ"لو" وصيغة المضارع، وفي صيغة المضارع إحضار الرؤية والوقف. وقولهم لأن المضارع للحال أو للاستقبال والإيقان بالمشاهدة، ولا بدّ في الإحضار من تنزيل المستقبل منزلة الماضي ثم هذا الماضي التنزيلي منزلة الحال الحاضرة فذلك مجاز على مجاز بناء على ما قيل من أن تنزيل المستقبل منزلة الحال إحضار له يشاهد لم يوجد في كلامهم، وأن الماضي هو الذي يجوز تنزيله منزلة الحال الحاضر وأقول: لا مانع من أن يقال في الآية: نزل المستقبل منزلة الحال الحاضر لأنه مقصد مقبول لا تكلّف فيه ولا حجّة على منعه وقال المبرد: قد تستعمل "لو" في المستقبل استعمال إن للمستقبل بلا شرطها نكتة كقوله " ولو بالصين " أي: وتطلبونه بالصين أو لو يكون العلم بالصين، وقوله " تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم يوم القيامة ولو بالسقط" أي: ولو أباهي بالسقط أو لو يكون التباهي السقط، و"تناكحوا "أمر و"تناسلوا" مضارع مجزوم في جوابه محذوفة منه إحدى التاءين، أو أمر بدل من الأول بدل اشتمال؛ فإنّ
روعي
347 ـ الأنعام جزء من 27 الآية الكريمة (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ
مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)
242 (1/258)
صفحة 259
التناسل ليس للتناكح لكن إسناد نسبة الطلب إليهم في التناسل مجاز، لأنّ التناسل لـ
باختيارهم.
ومن إذا الشرطية قول أبي نواس: [من مجزوء الوافر]
روي
يَزِيدُكَ وَجْهُها حُسْناً إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرا
أنه كان عند الرشيد جارية بديعة الجمال تسمّى جنان وكان له ولع بها زائد، فنظم فيها ليلة بيتا واجتهد أن يزيد آخر فلم يقدر، فقال علي بأبي نواس فبادر الغلمان وأحضروه في الحال وقد امتلأ قلبه رعبا فقال له: لا تجزع، فقال: فكيف لا أجزع وقد طرقت في مثل هذه الساعة وذعر أهلي وتركت النائحة في بيتي ولا يشك أهلي في مثلي، قال: أحضرناك لتجيز بيتا قال: ما هو يا أمير المؤمنين قال: "جنان قد رأيناها فلم نر مثلها بشرا ".
فقال أبو نواس " يزيدك وجهها حسنا
فقال الرشيد: أحسنت فزد
إذا ما زدته نظرا "
فقال: إذا ما الليل جار عليك في الظلماء واعتكرا * وراح وما به قمر فأبرزها تر القمرا فأنس الرشيد منه وقال: قد دعوتك في مثل هذه الساعة وأفزعناك فحق لك علي الجائزة،
وأمر له بمبلغ فأخذه وانصرف. والله أعلم
باب تنكير المسند
انه
ينكر لعدم إرادة الحصر والعهد، نحو: " زيد كاتب " بمعنى أنه يكتب بالقلم أو بمعنى يتكلم نثرا، وهو معنى معتاد شهير يقابلون به كلاما آخر يناسب الباب ويصح مثالا له وهو قولك: " زيد شاعر " ولست أعن أنه إذا نكر فلا حصر ولو مع أداة الحصر، فإنّ هذا لا يتوهم
!!
دخوله في العبارة، فإن نحو: " ما زيد إلا كاتب أو إلا شاعر و" إنما زيد كاتب أو شاعر للحصر قطعا، وليس كلامي أيضا مفيدا بمفهومه أنه كلما عرف المسند كان العهد لجواز إرادة الجنس، نحو: " الشجعان الرجال" وفي هذا المثال الحصر، والجواز إرادة غير الجنس وغير العهد نحو: " إن رجلا شجاعا عالما ورعا ابنك " حيث لا عهد وليس في هذا حصر.
11
243 (1/259)
صفحة 260
لا
وحاصل مرادي أنه لو أريد الحصر به مع ما يكون كالجزء منه كأل والمضاف إليه لا بنحو تقديم وإلا، وإنما أو أريد به العهد لعرف وينكر أيضا للتفخيم؛ أعني أنه يقصد التفخيم بتنكيره أن التفخيم لا يحصل إلا بتنكيره، فإنّه يحصل أيضا بالتعريف بأن يجعل المعهود هو الفرد العظيم، بل التفخيم بالتنكير أعظم بمعنى أن هذا الفرد بلغ من العظمة بحيث لا يدرك كنهه نحو: قوله تعالى] هُدى لِلْمُتَّقِينَ) 348 إذا جعل خبرا لـ "ذلك الكتاب" أو خبرا آخر له، أو خبرا
لمحذوف أي كامل الهداية، وأكد ذلك بجعله نفس الهداية، إذ كان لفظ " هدى " مصدرا أبقي
•
مبالغة أو أوّل بوصف أو إضافة، وإن جعل حالا أفاد التفخيم أيضا، ولم يكن من الباب وليس التنكير المفيد هو الجائز فقط بل الجائز والواجب، وليس كل تنكير جائز أو واجب
يفيد التفخيم، بل تارة فالحال واجب التنكير، تارة يجيء للتفخيم وتارة لغير التفخيم. وينكر المسند أيضا للتحقير نحو: " الحاصل لك من هذا العمل شيء " أي: حقير. وأما نحو: " ما عمر وشيئا قائما " أفاد التحقير نفى كونه شيئا بل لفظ شيء فيه أقرب للتفخيم إذ قصد ما عمر شيئا معتدا به. والله أعلم.
باب تخصيص المسند
بالإضافة أو الوصف أو الحال أو التمييز أو بالظرف أو الجار والمجرور المتعلّقين أو بغيرهنّ من الفضلات
يخص بذلك لزيادة الفائدة نحو: " ذلك الإنسان رجل عالم " لأنّ ذلك الإنسان. يصلح للذكر والأنثى، فأفاد أنه رجل وزاد فائدة العلم. وأما نحو: " زيد رجل عالم " فالخبر فيه موطئ لا مفيد فنعته مفيد لا زائد فائدة، إلا إن اعتبرت أنه قد يكون زيد طفلا فأفدت برجل أنه بالغ، أو أن زيدا قد يكون اسم امرأة، فحينئذ يكون الخبر مفيدا لا موطئا للفائدة، فيكون النعت يزيد فائدة. ومثال الإضافة "عمرو غلام" هند " إذا لم يعلم المخاطب أن عمرا غلام أو عبد، فأفدته أنه، غلام وزدت أنه لهند وإن علم أنه غلام ولا يدرى أنه لهند فالإضافة لتوقف الفائدة عليها لا
لزيادة فائدة.
348 - البقرة جزء من 2 الآية الكريمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْمُتَّقِينَ)
244 (1/260)
صفحة 261
ولا يخفى أنّ التخصيص لغة يصح إطلاقه ولو في نعت المعرفة أو المضاف إليه المعرف، وتخصيصه بالمعرفة اصطلاح، نحو، ولذلك لم أشعر حتى أطلقت هنا في المعرفة، وكما يصلح غلام إذا أطلق لأن يكون غلام زيد أو غيره أو أبيض أو أسود مثلا، فيفيد مثلا بأنه. غلام زيد.
"1
بالإضافة أو بأنه " غلام أبيض بالنعت كذلك " جاء زيد " يحتمل أنه جاء راجلا أو راكبا فيفيد مثلا راكبا وهو حال و " طاب زيد " يحتمل أنه من جهة النفس وغيرها فيفيد بـ (نفسا) وهو تمييز و ضربت الكافر " يحتمل أن الضرب بالعصا أو بالسوط فيفيد مثلا بالسوط، وكذا سائر الفصلات تعمّ العموم البدلي ذاتي للنكرة في الإثبات خارج عن ذات الفعل مطلقا. والله
"
أعلم.
باب ترك تخصيص المسند بالإضافة والوصف ونحوهما
يترك لما مر في ترك تقييد المسند إليه لمانع من زيادة الفائدة. والله اعلم.
باب تعريف المسند [لإفادة السامع]
يُعرف لإفادة السامع وقوع الأمر أو عدم وقوعه على أمر معلوم قد [علمه أخذا] بأمر قد علمه بأحدى طرق التعريف على أمر آخر قد علمه أيضا بأحد طرق التعريف، سواء اتحد الطريقان نحو: "الراكب هو المنطلق "، أم اختلفا نحو: " زيد هو المنطلق ". أو لإفادة السامع لازم الحكم بأمر بأحد طرق التعريف على أمر آخر قد علمه أيضا بأحد طرق التعريف؛ كالمثالين إذا أريد بهما لازم الفائدة وليس في كلامهم مسند إليه ومسند معرفة في الجملة الخبرية، وجاز ذلك في الجملة الإنشائية نحو: " من أنت " و" ما هذا " و " كم در هما مالك ". ويزاد مبتدأ هو اسم تفضيل في جملة هو نعت نحو: " مررت برجل أفضل منه أبوه " إذا ذكرت من التفضيلية إذا اسم التفضيل بمنزلة المعرفة لامتناع دخول "أل" عليه حينئذ، فإن سيبويه يجوز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المتصفة للاستفهام أو أفعل التفضيل على حدّ ما يجعل النكرة خبرا مقدما، وهو الصحيح؛ ألا ترى أن معنى " من أنت أنت أريد أن أعرفك "
وهكذا.
آنفا، وغيره
"
245 (1/261)
صفحة 262
ولا بد من مغايرة المسند والمسند إليه بحسب المفهوم ليكون الكلام مفيدا ولو أتحدا في الماصدق، ولا بد من اتحادهما فيه؛ إذ لا يقال: " الصخرة الريح " أو نحو ذلك، بل " زيد القائم" و "زيد القائم" فمفهوم "زيد" هو مسمّاه ومفهوم "قائم" الذي قام، ويفيد أن زيدا قام. وأما " أنا أبو النجم وشعري شعري فعلى تقدير شعري الآن مثل شعري القديم لم يتبدل عن الصفة التي اشتهر بها بما من الفصاحة والبلاغة وعلمت من قولنا: (على أمر آخر قد علمه أيضا بأحد ... الخ) أنه يقال مثلا: " زيد أخوك " لمن يعرف أن له أخا. وقال عبد القاهر، شيخ السعد التفتازاني في الإيضاح: إنه يقال لمن يعرف زيدا بعينه سواء كان يعرف أن له أخا أو لم يعرف. وذكر الرضي
انه
شيخه الآخر أن أصل وضع تعريف الإضافة على اعتبار العهد وإلا لم يبق فرق بين " غلام زيد و" غلام لزيد " فلم يكن أحدهما معرفة والآخر نكرة يعني كما صرّح كما صرح به السيد، حتى إنه لو كان له غلامان أو غلمان فلا بد أن يشار إلى غلام له مريد اختصاص زيد لكونه أعظم غلمانه وأشهرهم بكونه غلاما له أو لكونه معهودا بين المتكلم والمخاطب. وإذا قيل: " غلام زيد " بلا إشارة إلى معين فالإضافة للحقيقة الصادقة بفرد ما من غلمانه أو بكلّهم، كما تجيء أل. كذلك. والضابط في التقديم في نحو " زيد أعود" " وعمرو المنطلق " و " أخوك زيد المنطلق عمرو إذا كان للذات صفتان ولو بالتأويل كـ الأخ، إذ تضمن الأخوة وكزيد. إذ هو معنى مسمّى بزيد. وهو كالصفة في التعيين وكلتاهما، معرفة، وعرف السامع اتصافه بأحدهما دون الآخر، فأيهما كان بحيث يعرف السامع اتصاف الذات. به. وهو كالطالب بحسب زعمك لأن تحكم عليه بالأخرى، وجب أن تقدّم اللفظ الدال عليه وتجعله مبتدأ، وأيهما كان بحيث يجهل اتصاف الذات به. وهو كالطالب أن تحكم بثبوته للذات وانتفائه عنها، وجب أن تؤخر اللفظ الدال عليه وتجعله خبرا.
وإذا عرف السامع كلا من الصفتين للذات ولم يعرف أن الذات متّحدة، كما عرف السامع أن له أخا وعرف زيدا بعينه ولم يعرف أن زيدا وأخاه متحدان فأنت بالخيار في جعل أيهما شئت مبتدأ أو خبرا. وإذا عرف السامع زيدا بعينه واسمه ولا يعرف اتصافه بأنه أخوك وأردت أن تعرفه ذلك قلت: " زيد أخوك.". وإذا عرف أخا له ولا يعرفه على التعيين وأردت تعيينه عنده قلت: " أخوك زيد " والسامع على التقدير يعرف أن له أخا ويعرف الاسم ويعرف الذات
246 (1/262)
صفحة 263
بعينها، لكن تارة يعرف اتصاف تلك الذات بذلك الاسم ويجهل اتصافه بالأخوة، وتارة بالعكس. ولا يصح في التقدير الثاني أن تقول: " زيد أخوك " وإن قلت ينبغي أن يصح لحصوله المقصود عليه من إفادة السامع أنّ الأخ متصف بأنه مسمّى بزيد. غاية الأمر أن قولك: " أخوك زيد " أولى فكيف يجعل واجبا؟ قلت: الأمر المستحسن في نظر البلغاء لا يجوز مخالفته لنكتة؛ فهو واجب بلاغة وإن لم يكن واجبا عقلا وفي مطلق صحة الكلام، ويظهر ذلك في قولك: " رأيت أسوداً غابُها الرماح " فإنّه لا يصح رماحها الغاب لأنّ الأسد الحقيقي لا يناسبه الرمح بل الغاب، فلا يعاجل في وصفه بذكر الرمح والمراد بالأسود الشجعان لكن جعلتهم سباعا مبالغة وادّعاء. وإذا قلت مثلا: عمرو منطلق " وأردت اعتبار الجنس أفاد القصر، ومثله "زيد الأمير" وإذا لم يكن أمير سواه و" عمرو شجاع " وذلك تحقيق بأن اعتبرت القصر الإضافي بالنسبة إلى قوم أو زمان أو مكان أو غيره أو مبالغة بأن تريد أنه لا منطلق إلا عمرو، ولا أمير إلا زيد، ولا
11
شجاع إلا عمرو، وغير معتد بانطلاق غير عمرو وشجاعة غيره ولا بإمارة غير زيد. وكذا يفيد الكلام الحصر إذا جعل المعرّف بـ"أل" مبتدأ نحو "المنطلق عمرو" و"الأمير زيد" والشجاع "عمرو إلا أنه جعل خبرا كان مقصودا على الخبر، وإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدإ. وقال السيد: الجزئي الحقيقي لا يكون محمولا، والصحيح أنه يكون محمولا؛ نحو: "المنطلق زيد" وتأوّله بأنّ المعنى المنطلق المسمّى زيدا وعلى تأويله يختلف قولك " المنطلق زيد" و" زيد المنطلق" فإن موضوع "زيد" المنطلق جزئي حقيقي لا تأويل فيه؛ فالموضوع جزئي والمحمول كلي، بخلاف المنطلق زيد" على تأوّل السيد، فكلاهما كلي. ولا يقال عندنا: " الله الدهر " وقال غيرنا: قد ورد (لا تسبوا الدهر فإنّ الله هو الدهر)، فقيل: الدهر اسم والظاهر عندي: أن ان الله هو الذي يخلق ما تنسبونه إلى الزمان. كذا ظهر لي منذ عشر سنين أو أكثر، ثم
المعنى
الله.
رأيت والحمد الله للصبّان عن حاشية عبد الحكم (كذا (على السعد عن فائق الزمخشري ما وافقه ونصه: أنّ قولك:. الله هو الدهر. معناه: أنّ الجالب للحوادث هو الله لا غيره، وقيل أيضا في قولك: "التوكل على الله" و"الإمام من قريش أنه يفيد الحصر. وإذا عرف المبتدأ والخبر جميعا بـ "الام الجنس" احتمل قصر المبتدإ على الخبر وقصر الخبر على المبتدإ؛ واختار السعد قصره على الخبر؛ لأنّ القصر مبني على قصر الاستغراق، وذلك بالمبتدإ أنسب إذ القصد فيه إلى الذات، وفي
247 (1/263)
صفحة 264
الخبر إلى الصفة. وقال السيد: لا يخفى أنه يصح ذلك فيما إذا كان المبتدأ أعم من الخبر كقولنا: " الناس العلماء" وأما إذا كان الخبر أعمّ كما في قولنا: "العلماء الناس فلا، إذ لا وجه لقصر العام على العام، فلا يتجه اختيار قصر المبتدإ على الخبر، والصواب أن يقال: " إنه إن كان أحدهما أعم فهو المقصور، وإن كان بينهما عموم من وجه يفوّض إلى القرائن وإن لم توجد قرينة فالأظهر قصر المبتدإ في الخبر. ومن الإخبار بالعام على الخاص قول الخنساء: [من الوافر] إِذَا فَحَ الْبُكَاءُ عَلَى قَتِيل
رأيتُ بُكَاءَكَ الْحَسَنَ الْجَمِيلاً 349
وهو مثل قولك: " العلماء الناس "، ولا قصر في البيت عند السعد 350 قال: إنه لا قصر فيه إذ ليس المعنى عليه عند الذوق السليم والطبع المستقيم، ولو أمكن بحسب النظر والتأمل القاصر؛ لأن هذا الكلام للردّ على من يتوهّم أنّ البكاء على أخيها الذي ترثيه قبيح كغيره، فالردّ على هذا المتوهم بمجرد إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا، وليس هذا الكلام واردا في مقام من يسلم حسن البكاء، إلا أنه يدّعي أن بكاء غيره حسن أيضا حتى يكون معناه: إن بكاءك هو الحسن الجميل فقط، إذ لا يلائمه قولها: إذا قبح البكاء على قتيل، وإنما الملايم له إذا ادعى البكاء عليك وعلى غيرك، فيقال حينئذ: إن بكاءك فقط هو الحسن الجميل. والذي عندي غير هذا؛ وهو فيه القصر مبالغة منها في المقابلة، والجواب تدّعي أن الحسن الجميل كله مقصور على بكائك، وتقول: إن البكاء إنما يقبح على غير أخيها من القتلى لا على أخيها بل البكاء على أخيها هو الحسن الجميل، حتى كأنه لا جمال غيره زعما ودعوى، وإلا لقالت حسنا جميلا بالتنكير ففيه ما يلائم قولها إذا قبح البكاء على قتيل وزيادة وليس هذا قصور نظر كما قال السعد. والله أعلم.
حسن
ان
وأما إذا كان التعريف بـ (أل) للعهد فقيل لا حصر يتصوّر فيما يكون فيه عموم كالجنس فيحصر في بعض الأفراد، نعم قصر القلب يتأتى في العهد أيضا، فيقال لمن اعتقد أن ذلك المنطلق هو عمرو" المنطلق زيد " أي: لا عمر كما تعتقد .. ومثله قصر التعيين إلا إذا كان المعهود نوعا
248
الديوان 119
ينظر المطول 229:1
-
349
350 (1/264)
صفحة 265
فإنّه يصح فيه أيضا قصر الإفراد فتقول: " زيد المنطلق " مريدا النوع الفلاني من المنطلق؟
351
هو
فيصبح حصره إفرادا، وقال الفخر الرازي: في نحو " زيد المنطلق " و" المنطلق زيد " الاسم متعين للابتداء في الحال أو في الأصل تقدم أو تأخر لدلالته على الذات والصفة متعينة للجزية تقدمت أو تأخرت لدلالتها على أمر نسبي، وهو المعنى القائم بالذات، لأن المبتدأ معنى المنسوب إليه معنى الخبر هو المنسوب، والذات هي المنسوبة إليها، والصفة هي المنسوب قال عبد الحكيم والصفة هي ما دلّ على ذات مبهمة باعتبار معنى قائم بها فمقابلها الاسم ما يدل على الذات فقط، أو المعنى فقط، أو الذات المعينة باعتبار المعنى كاسم الزمان والمكان والآلة، قلت: الأولى إسقاط لفظ المعيّنة وكذا في النحو، وأما في اللغة وعلم الكلام فالصفة المعنى المصدري، ورد قول الفخر الرازي] أنّ المنطلق إذا قدم وجعل مبتدأ لم يرد به مفهومه المشتمل على معنى [نسبي وهو ثبوت الانطلاق لشيء، بل أريد به ذاته وهو ما صدق عليه فهو كالاسم .. و"زيد. إذا أخر وجعل خبرا أريد به مفهوم مسمّى بـ"زيد" مثلا فهو كوصف، فيكون الوصف مسندا إلى الذات دون العكس، وهذا على أنّ الجزئي لا يصح حمله بل يكون موضوعا لحمل عليه المفهومات الكلية يشهد بذلك تأملك في المعنى مع قطع النظر عما توهمه الألفاظ، وهو قول الكوفيين أنّ الخبر أبدا مشتق أو في معنى المشتق، ومذهب السعد والجمهور أنه يصح حمل الجزئي؛ فلا يؤوّل "زيد" المخبر به مسمّى، فمعنى المنطلق "زيد" الذات التي ثبت لها الانطلاق، الذات المشخصة ذات "زيد" وهو الصحيح من مذهب البصريين. وإن قلت أي حاجة في قول من يقول بتأويل "زيد" بمسمى أو بصاحب، قلت: الاحتياج إلى التأويل إنما هو من جهة أنّ السامع قد عرف ذلك الشخص بعينه، وإنما المجهول عنده اتصافه بكونه صاحب اسم، وسوق هذا الكلام إنما هو لإفادة هذا المعنى. وأمّا عند المنطقيين فهذا التأويل واجب قطعا؛ لأن الحقيقي عندهم لا يكون محمولا البتة، فلا بد من التأويل بمعنى كليّ وإن انحصر في الواقع على شخص.
هي
والله أعلم.
249
ينظر الشروح 103:2
-
351 (1/265)
صفحة 266
يستدعي
باب كون المسند جملة
يَكُونُها لتقوية ثبوت المسند للمسند إليه أو انتفائه عنه نحو: "زيد" "قام" و"ما قام زيد "وهـ مقصودة بالذات وبالحصر، فيفيد الكلام التقوية بالعرض نحو " أنا سعيت في حاجتك" وللبيان بعد الإجمال مع ضمير الشأن أو لكونها سببية، نحو: "زيد" أبوه "قائم" و"ما زيد أبوه قائم" وسبب التقوية على ما مر تكرير الإسناد. وذكر السكاكي في المفتاح 352 أنّ المسند إليه لكونه مسندا إليه أن يسند إليه شيء، فإذا جاء ما يصلح أن يسند إليه صرفه المسند إليه إلى نفسه، أي: مع قطع النظر عن إسناد فيه، وسواء كان خاليا عن الضمير أو متضمّنا له فيكتسي الحكم قوة، وظاهر هذا أنه يختص التقوية بما يكون مسندا إلى ضمير المبتدإ فيخرج، نحو: " زيد ضربته" لأنه فضلة وليس ذلك مرادا له، كأنه قال: إن قولك: " زيد عرفته " يفيد تحققا، وخرج مالا يعتد به وهو ضمير الوصف، نحو: " زيد قائم " - وتقدّم كلام في ذلك ـ فإنه لا يكون مع الوصف جملة. وقال عصام الدين الأظهر أن الضمير يصرف الجملة إلى المسند إليه أولا، لأنّ كونها صالحة للصرف إليه بملاحظة الضمير، ثم يصرفها المبتدأ إلى نفسه لكونها صالحة. وقال عبد القاهر في دلائل الإعجاز: إنّك إذا أتيت لاسم معرّى عن العوامل دلّ على أنه قد قوي إسناد حدث إليه، فإذا قلت: " زيد " فقد أشعرت قلب السامع بأنك تريد إسناد حدث إليه، فهذه توطئة، فإذا ذكرت الخبر دخل في قلبه دخول المأنوس لترقبه، فذلك تقوية، ولكن هذا بظاهره يصلح أيضا لما إذا لم يكن الخبر جملة.
-
بالمعتد
والإعلام بالشيء بعد التنبيه عليه أقوى من الإعلام به بغتة ويدخل الجملة التي ضميرها العائد للمبتدإ فضلة، ويتحصل مما ذكرته أولا تعليل بطريق آخر وهو أنه أسند الفعل إلى المبتدإ وإلى ضميره فغدا سند الفعل وحده لا مع ضميره إلى المبتدإ. والله أعلم. ثم كون الجملة المسندة اسمية للثبوت وكونها فعلية للتجدّد والدلالة على أحد الأزمنة بأقرب طريق، وكونها شرطية لاعتبارات معاني أدوات الشرط، وحققوا أنّ الجملة الاسمية التي الخبر فيها ومرفوعه لا تفيد الثبوت بل التجدّد. والله أعلم
352 ـ ينظر الفتاح 99 1000
250 (1/266)
صفحة 267
باب كون المسند جملة أو جارا ومجرورا
يكون ذلك لاختصار الفعلية إن قدّر المتعلّق فعلا، إذ لو صرّح به لطال الكلام لأنه يعتبر هو والضمير فيه، وأما الوصف فضميره لا يعتبر. وقال عصام الدين: التحقيق أنه ليس لظرفية الجملة نكتة داعية إليها بالذات إنّما تصير ظرفية لما مرّ من دواعي حذف المسند، واعلم أنّ الأصح تقدير الفعل عند بعض لأنّ الفعل هو الأصل في محمل النصب والرفع، والظرف والمجرور منصوبان بما يتعلق بهما، وهما معمولان لما تعلّقا به، وكذا الضمير المستتر فيهما مرفوع على الفاعلية، فكونه قبل الانتقال إليهما مرفوعا بالفعل أولى، وإنما كان أصلا في العمل لأنه يدلّ بالوضع على حدث وصاحب ومحلّ وزمان وعلّة، فهو مفتقر إلى ذلك كله، والعامل إنما يعمل لافتقاره إلى غيره من حيث المعنى فيعمل فيه، والفعل أشدّ افتقارا وهو يفتقر من حيث الحدث وغيره، والاسم إنّما يعمل من حيث الحدث فقط، ويدلّ أيضا لتقدير الفعل، قيل لتعينه في الصلة الظرفية، نحو: الذي عندك" و"الذي على الفرس" فيحمل عليها الخبر الظرفي، وقيل تقدير الاسم أولى وهو الصحيح عندي لأنّ مراعاة الإفراد في الخبر أرجح من مراعاة الأصالة في العمل، والأصل تقليل المحذوف. وإذا قدّر فعلا كان الخبر جملة محذوفة على قول أو حذف فعلها وانتقل ضميره إلى الظرف والجارّ والمجرور على قول. وإذا قدر وصفا فضمير الوصف مع الوصف ليس جملة استتر فيه أو انتقل، وأمّا تعيّن الفعل في الصلة فلا دليل فيه لأنه قياس مع وجود الفارق؛ إذ من مظان الجملة. قيل وأيضا قد تعيّن الاسم في نوع من الخبر وهو ما بعد أما. وإذا الفجائية، نحو: " أما في الدار فزيد " و إذا لهم مكر في آياتنا لأنّ "إما" لا تفصل من (الفاء) إلا بالاسم أو جملة شرط، وإذا الفجائية "لا يليها الفعل على الأصح. قلت: لا دليل في ذلك لأنّ المحذوف في ذلك واجب الحذف فتكتفي "إما" و "إذا" بما يذكر بعدها من اسم. والله أعلم.
الصلة
باب تأخر المسند
يتأخر لكون المسند إليه ذكره أهمّ إذا كان أهم، ولأنّ الأصل في المسند التأخر، أو لأن فيه ضمير عائد إلى المسند إليه، نحو: " زيد في داره " فإنه يترجح على في داره" ويعرف من تقديم المسند إليه وتأخيره. والله أعلم.
201 (1/267)
صفحة 268
باب تقديم المسند
يقدم لكونه أهم إذا كان أهمّ في نفسه أو لاتصال ضمير بعضه بالمسند إليه، نحو: " في الدار صاحبها " إذ لا يجوز "صاحبها في الدار. وللصدارة نحو: " أين عمرو .. والحصر المسند إليه فيه، نحو: " قريشي أنا " أي: ما أنا إلا قريشي، وقوله تعالى لَا فِيهَا غَوْلٌ) 353 أي: الغَوْل من حيث انتفاؤه لا يوجد إلا في حمر الجنة، أي: انتفاء الغَوْل لا يوجد إلا في خمرها، فعدم الغول مقصور على الاتصاف بالحصول في حمور الجنة لا يجاوزه إلى الاتصاف بالحصول في خمور الدنيا، وإنما قلت: على الاتصاف لأنّ قصر الموصوف على الصفة معناه قصره على الاتصاف بها، وهذا إنّما هو إن اعتبرت النفي في جانب المسند إليه وجعلته جزءا منه، فتكون القضية معدولة الموضوع لجعل حرف النفي جزءا منه فهي موجبة، وإن اعتبرته في جانب المسند كانت معدولة المحمول لجعل حرف النفي وهو لا جزءا منه فتكون القضية موجبة أيضا، وباعتبار العدول في الوجهين يندفع ما يرد من المسند أنه إذا كان تقديم في الآية للحصر؛ فإذا نفي حصر القول في خمور الجنة لا نفي الغول عنها، وقد اعترض جعلها معدولة الموضوع بفصل فيها بين الموضوع و "لا"، أجيب بأنّ الفصل بين "لا" و"غول" ففيها لا يصح لكونه ظرفيا يتسع فيه.
والمعنى على اعتبار النفي في جنب المسند أنّ "الغول" مقصور على عدم الحصول في خمور
"
نفي
يرد
د عليه أن
الجنة لا يتجاوزه إلى عدم الحصول في خمور الدنيا، وهذا نوع من القصر الإضافي فلا الحصر في صفة لنفي مقابلها، وأنّ المتبادر من حصر "الغول" في عدم الحصول في خمور الجنة أنه لا يتصف بمقابل ذلك وهو الحصول فيها. كما أن قولك: "إنما زيد قائم لقعوده لا لقيام عمرو، وبكون الحصر إضافيا يندفع ما يقال على الحصر من أنه يلزم أن عدم "الغول" لا يتجاوز إلى لبن الجنة مثلا وليس بمراد، فإنه لا يخفى أنّ الحصر في مقابلة خمور الدنيا دون سائر المشروبات، وبحثوا في تخريج الآية على الحصر بأن تقديم الخبر على النكرة لا يفيد الحصر، إلا إن كان لها مسوّغ ابتداء غير ذلك التقديم، قلنا: قد تقدّم أنّ القضيّة فيها موجبة لجعل حرف النفي كجزء من المجهول أو الموضوع، فعلى هذا قد يقال إنّ التقديم للتسويغ وللحصر معا، وأما لو
353 الصافات جزء من 47 الآية الكريمة (لا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ)
252 (1/268)
صفحة 269
جعلنا القضية سالبة بأن لم نجعل حرف النفي كجزء من أحدهما فهو المسوّغ والتقديم للحصر، وقد يقال التنوين في غول للتنويع؛ فهو المسوّغ وتخلّص التقديم للحصر. ومثل الآية في الحصر
الإضافي لكن مع التعريف، قوله تعالى لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِي ديني) 354 أي: لكم لا لي دينكم ولي (
فلا أن
أن
دينه له وللمسلمين، ولا يرد
لا لكم ديني، دينهم ولغيرهم من المشركين، ومثلها قوله تعالى إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي ربِّي 300 في قصر الموصوف على الصفة في باب الظرف قصراً إضافيا، لكن مع التعريف وتأخير الخبر. قال في المفتاح المعنى حسابهم مقصور على الاتصاف
ب على ربّي. لا يتجاوزه إلى الاتصاف بعلي وذلك أنّ ذلك النبي عليه السلام هو الذي يتوهم كون الحساب عليه لكونه المتصدّي للدعوة إلى الله تعالى وإن شئت فقل المعنى نفي حسابهم مقصور على الاتصاف بعلى غير ربي فيكون الحصر حقيقيا لأنّ ما عدا الله غير محاسب لهم لا ذلك النبي ولا غيره من الخلق؛ فذلك كله قصر موصوف، وهو المبتدأ على الصفة، وهو الخبر لا عكس ذلك، لأن الحمل على العكس يستدعي جعل التقديم لقصر المسند على المسند إليه، والقانون إنه لقصر المسند إليه على المسند، وقيل بصحة العكس على معنى أن الكينونة في حمور الجنة مقصورة على عدم الغول لا تتجاوزه إلى الغول. وللخمر صفات كالصحة والسلامة لا عدم الغول فقط فهو إضافي، وقيل بصحة العكس بمعونة المقام لا بالوضع، وحمل عليه قول علي: (لنا علم وللأعداء مال (أي مالنا إلا العلم، وما للأعداء إلا المال، وليس المراد: أن العلم مقصور على الاتصاف بلنا وأن المال مقصور على الاتصاف بـ الأعداء إذ السياق يأباه، ولعدم إرادة الحصر في قوله تعالى (لَا رَيْبَ فيه) لم يقدّم قوله فيه لأن الحصر يفيد الريب في سائر كتب الله عزّ وجلّ؛ إذ هي المعتبرة في مقالة (الكتاب) بمعنى القرآن لا مطلق الكلام، الله معجزة بالإخبار بالغيب، فلا ريب فيه للاهتمام لتوهم الحصر. والله أعلم. ويقدم المسند للتنبيه من أوّل الأمر إلى أنه خبر لا نعت للمبتدإ الذي هو نكرة، سواء أكان لها مسوّغ أو لم يكن إذا كان يتوهم النعت بالتأخير، والتقديم إراحة للفكر إذ لو أخر واستعمل
وكتب
354 - الكافرون 6
356
355 الشعراء جزء من 113 الآية الكريمة إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ)
356
-
البقرة جزء من 2 الآية الكريمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
Yor (1/269)
صفحة 270
الفكر لأدرك بالمعنى أو بعدم وجودها ما يكون خبرا سواه أو غير ذلك أنه خبر لا نعت، أما إذا كان المسند نكرة والمسند إليه معرفة فلا إيهام. واعلم أن حاجة النكرة إلى نعت أشدّ من حاجتها إلى الخبر؛ فهي تطلب النعت طلبا حثيثا، وبذلك يندفع أنه مع التقديم تتوهم الحالية إذا صلح لها، وقد لا يعلم خبر إلا بالتقديم؛ فالتقديم حينئذ ليعلم أنه خبر لا ليعلم من أول الأمر، ومثال ذلك: قول حسان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطويل]
أنه
لَهُ همَمٌ لَا مُنْتَهى لكب
تيارها
لَهُ رَاحَةٌ لَوْ أَنْ مِعْشَارَ جُودِهَا
وهمته الصغرى أَجَلُ مِنَ الدَّهْرِ
على الْبَرِّ كَانَ الْبَرُّ أَنْدَى مِنَ الْبَحْرِ
ولو قال "همم. وصلاحية الظرف لذلك، وكون لا منتهى لكبارها خبرا له أو صفة بعد صفة، أو حالا من المستتر في " له " لو كان نعتا والخبر محذوف كلاهما خلاف، المقصد، وهو إثبات الهمم الموصوفة له لا إثبات الصفة المذكورة لهممه، ولا إثبات أخرى للهمم الموصوفة بل إثباتها له، ولا يخفى أن الإخبار بـ (له) أظهر فقدّم ليفاد أولا، والهمة: الإرادة، وتمدح إذا تعلقت بالأمور العالية، وصغرى هممه الله أجل من الدهر نفسه، فكيف لا يكون أجل من همم الدهر. والعرب تضرب المثل بالدهر لوقوع عظائم الأمور فيه كان له همم، ويجوز أن يكون ذلك على حذف، أي: أجل باعتبار متعلقها أو أجلّ من همم أهل الدهر باعتبار متعلّقها أيضا، وإنما قلت: باعتبار متعلقها لأنّ الهمة وهي الإرادة لا يفاضل فيها باعتبار نفسها. ويقدم المسند أيضا للتفاؤل كقوله: [من الكامل]
لتوهم النعت توهّما قويا لاستدعاء النكرة في مقام الابتداء التخصيص
سَعِدَتْ بِغُرَّةٍ وَجْهِكَ الْأَيَّامُ
وَتَزَيَّنَت بَبَقَائكَ الْأَعْوَامُ
مع
والمسند "سعدت" ولو أخر وجعل فيه ضمير "الأيام" وكانت الجملة خبرا لكان مسندا ضميره مؤخرا، هكذا الأيام سعدت، ولكن قدم ولا ضمير فيه، وكان الأيام فاعلا، ويقدّم السند للتشويق إلى ذكر المسند إليه بأن يكون في المسند المتقدّم طول يشوق النفس إلى ذكر المسند إليه فيكون له وقع في النفس ومحل من القبول، لأنّ الحاصل بعد الطلب أعز من
بتعب، كقوله [محمد بن وهيب الحميري صلبية في مدح المعتصم]: [من البسيط]
المنساق
254 (1/270)
صفحة 271
ثلاثة تشرق الدُّنْيَا يَهْجَتِهَا
تُشْرِقُ
شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ
357
ف "ثلاثة" مسند وهو خبر مقدم و شمس الضحى" مسند إليه مبتدأ، ولم يعكس ذلك لئلا
11
11
أنه
يخبر من نكرة بمعرفة مع أنّ تلك النكرة ليست اسم استفهام ولا اسم تفضيل. ولا حاجة إلى كون " ثلاثة خبر المحذوف و شمس " بدلا من " ثلاثة" لما فيه من التكلّف، وقدّم. ثلاثة. ووصفه بإشراق الدنيا ببهجتها ليشتاق إلى ذكر من هي له و" تشرق " مضارع أشرق الرباعي بمعنى تصير مضيئة و"الدنيا " فاعل والجملة نعت "ثلاثة" والرابط (ها) من بـ"هجتها" لعوده لـ "ثلاثة" أي: ببهائها، وأضاف الشمس للضحى؛ لأن ساعة قوتها مع عدم شدة إيذائها، و "أبو إسحاق" كنية المعتصم ووسطه بين "الشمس" و"القمر" للإشارة إلى خير منهما، لأن خير الأمور أوسطها، ولإيهام تولّده من "الشمس" و"القمر"، وأن "الشمس" أمه و"القمر" أبوه. وجميع أحوال المسند والمسند إليه جارية في الفضلات بحسب الإمكان كالذكر والتقديم والتنكير والإطلاق وأضداد ذلك وغير ذلك، وإنّما يذكر ذلك فيهما فقط لكونهما عمدتين كما تقدّم إلا ضمير الفصل، وكون المسند فعلا فإنّ ذلك مختص بالمسند إذ كل فعل مسند دائما إلا باب كان على ما مرّ وما لا فاعل له كالفعل المؤكد للفعل وحده، وطال وقلّ على القول بأنه لا فاعل لهن في طالما وقلما وكثير ما، والصحيح أنّ "ما" كافة عن طلب الفاعل بل مصدرية والمصدر فاعل.
والله أعلم.
يذكر
باب ذكر الفعل مع المفعول
معه لإفادة وقوع الفعل عليه كما يذكر الفاعل لإفادة وقوع الفعل من الفاعل، أو اتصاف الفاعل به؛ فالفعل تلبس بكل منهما ولو لم يكن المراد تلك الإفادة والتلبس، بل حصول
357
جاء في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 141:17 أن الشعراء اجتمعوا على باب المعتصم، فبعث إليهم محمد بن عبد الملك الزيات أن أمير المؤمنين يقول لكم من منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري في الرشيد: خليفة الله إن الجود وأوديـ
ــة أحلك الله منها حيث تجتمع إن أخلف القطر لن تخلف مخايله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع فليدخل وإلا فلينصرف فقام محمد بن وهيب فقال: من يقول مثله قال: (ثلاثة تشرق ... الخ)
255 (1/271)
صفحة 272
الفعل أو انتفاؤه فقط لقيل مثلا وقع الضرب وثبت أو لم يثبت أو لم يقع، ولم يقل: " ضرب زيد عمرا" أو "لم يضربه" ومثل ذلك يجري في سائر الفضلات، لكن المفعول به أكثر حذفا وقربا من الفاعل، ويقال لهنّ متعلقات الفعل (بكسر اللام) عند المحققين ولو صح (الفتح) أيضا إذ المراد معمولات الفعل والمتعارف أن المعمول متعلّق بالكسر)، والعامل متعلّق (بالفتح)، وسرّه أن التعلّق هو التثبت والمتشبث (بالكسر) هو المعمول الضعيف والمتشبث به (بالفتح) هو العامل
القوي. والله أعلم.
لأنّ
وهو
باب تنزيل المتعدّي منزلة اللازم
أن لا يتعلّق القصد إلى مفعول عام ولا خاص، فحينئذ لا يذكر له مفعول به ولا يقدّر، الغرض مجرد حصول الفعل من الفاعل أو عدم حصوله، له حتى إنه لو أريد أيضا مجرد حصول الفعل ولم يتعدّى الغرض بفاعله لم يذكر من صدر منه فيقال: "وقع الضرب" وإن أريد بيان المفعول مع الفعل مثلا ليفيد وقع الضرب على "زيد" بالبناء للمفعول. ولو تعلّق بمفعول دون آخر ذكر ما تعلّق به نحو: "زيد" يعطي ألفا" في مقام ذكر جوده، إذ ليس الغرض بيان الذي يعطيه "زيد" ألفا، ولو أريد بيانه فقط لقيل: "زيد" يعطي "عمرا في مقام بيان أنه لا يحرمه، وإذا قصدا
معا ذكرا معا.
وكذا الكلام في ثلاثة المفاعيل؛ يذكر ما تعلّق الغرض به منهن، وإن تعلق بهن ذكرن، أو لم يتعلّق بهن لم يذكرن، ولا يقال في عدم التعلّق: إنّه محذوف لأنّ المحذوف كالمذكور في تعلّق الغرض به، لكن حذف للعلم، أو للاختصار، أو نحو ذلك، أو للعموم. وقيل يجوز أن ينزل منزلة اللازم ويقصد العموم، وقال السكاكي: إذا كان المقام خطابيا، وهو ما يكتفي فيه بمجرد الظن لا استدلاليا وهو ما يطلب فيه اليقين البرهاني، فالفعل لمجرد الثبوت أو الانتفاء مع التعميم في إفراد الفعل لا في إفراد المفعول، ولو كان يلزم عليه التعميم في إفراد المفعول، وليس التعميم منافيا لكون الغرض الثبوت أو الانتفاء؛ لأنّ التعميم مفاد غير مقصود بالذات، وعدم كون الشيء معتبرا في الغرض لا يستلزم عدم كونه مفادا من الكلام فهو دالّ على مجرد الثبوت والانتفاء، والتعميم دلّ عليه المقام بواسطة ذكر الفعل بلا مفعول ولا قصد مفعول دلّت عليه قرينة، لأنّ
256 (1/272)
صفحة 273
حمله حينئذ على فرد من أفراد الفعل دون الآخر تحكم، وهو ترجيح أحد الشيئين على الآخر بلا مرجّح، تقول: " زيد يعطي " وتريد كلّ إعطاء مبالغة، فيقصد المطلق ليجعل وسيلة إلى جميع أفراد الفعل فالمقصود أولا وبالذات الإطلاق وثانيا وبالعرض العموم، وقيل: مقصود بالذات أيضا، وعلى كل حال فمفيد التعميم في الإفراد الفعل لا بالوضع ولا بذاته، بل بمعونة المقام؛ فالكلام المشتمل على ذلك ممدوح يقصد ذلك بتلويحه إليه، ولو لم يشتمل على التلويح به، بل فهم من مجرد الخارج لم يعتد به، ومن هذا الباب قوله تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ 358:أي من توجد له حقيقة العلم ومن لا توجد له، إذ ليس المعنى نفي المساواة بين من يعلم كذا ومن لا يعلمه، ولا بين من هو أهل علم مخصوص وبين من هو ليس من أهل العلم المخصوص، ولا كناية في ذلك عن فعل متعلق بمفعول. وقيل: الأكثر أن يكون الفعل المنزل منزلة اللازم عن فعل على لفظه متعلق بمفعول به محسوس مدلول عليه بقرينة، وعلى المعنى المكنّى يقال: " فلان يعطي " أي يعطي كلّ أحد فيعطي هكذا على إطلاقه كناية عن يعطي كلّ أحد، لأنّ الإعطاء إذا صدر منه مثله لا يخص ويحتمله قوله تعالى {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) 309 أي: تحصل 359 أي: تحصل منه الدعوة، ودعوته ملزومة لكلّ أحد لتقرّر عموم لطفه، ومنه قول البحتري يمدح المعتز بالله معرضا بذم المستعين بالله، وكلاهما ولد المتوكل على الله [من الخفيف]: شَجُو حُسّاده وَغَيْظُ عُدَاهُ
أحدا،
أَنْ يَرَى مُبصِرٌ وَيَسْمَعُ وَاعِ" "الشجو": الحزن، والحساد، و"الأعداء": المستعين بالله ومن وافقه، و"الرؤية والسمع" المذكوران ليسا نفس الشجو والغيظ ولكن أخبر بهما عنهما، لأنهما سببها. والشاعر وقف على المنقوص المنوّن بردّ الياء إذ سقط التنوين والأفصح الوقف بإبقاء بها على الحذف وإسكان ما قبلها، فلا تكتب كما في قاض ومن كان يقف بعدها، فإنه يكتبها ويحتمل أن الشاعر كسر
358
الزمر جزء من 9 الآية الكريمة (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ)
359
-
360
يونس جزء من 25 الآية الكريمة وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) - الديوان، تح: د. يوسف الشيخ محمد، دار الكتب العلمية بيروت 2000، 128:1
257 (1/273)
صفحة 274
(العين) وأثبت الياء (للضرورة، وإنّ أصل (العين) السكون للوقف وكسره لساكن قصده وهو (الياء (التي أرادها لوزن القافية وهي لام الكلمة، ويحتمل أنها أخرى، ومعنى " يرى مبصر ويسمع واع: أن يثبت ذو رؤية وذو سمع، فيدرك بالبصر محاسنه وبالسمع أخباره الظاهرة الدالة على استحقاقه الإمامة دون غيره، فلا يجد أعداءه وحساده الذين يتمنون الإمامة إلى منازعته في الإمامة سبيلا فترى أنه نزل يرى ويسمع منزلة اللازم؛ أي يصدر عنه السمع والرؤية من غير تعلّق بمفعول مخصوص، ثم جعلها كنايتين عن الرؤية والسمع المتعلّقين بمفعول مخصوص هو محاسنه وأخباره بواسطة ادّعاء الملازمة بين حصول مطلق الرؤية ورؤية آثاره ومحاسنه، وبين حصول مطلق السمع وسمع أخباره للدلالة على أن آثاره وأخباره بلغت من الكثرة والاشتهار إلى حيث يمتنع خفاؤها فيبصرها كل راء ويسمعها كل واع ودليل تلك الكناية جعلهما خبرا عن الشجو والغيظ، بل لا يبصر الرائي إلا آثاره ولا يسمع الواعي إلا أخباره، لأنه ولو كان أيضا غير آثاره وأخباره، لكن سوق الكلام أن يكون فيه من المزايا ما ليس في غيره حتى يختص بالإمامة، فذكر الملزوم وهو مطلق الرؤية والسمع، وأراد اللازم وهو رؤية آثاره وسمع أخباره، تلويحا بأن فضائله قد بلغت من الظهور والكثرة إلى حيث يكفي فيها مطلق حصول ذي بصر وذي سمع، ولو ذكر المفعول أو نوي لم يعد الكلام ذلك. والله أعلم.
وإذا تعلق الغرض بالمفعول ذكر أو حذف، والأصل ذكره، وإذا حذف قدر بحسب ما يدل عليه عاما أو خاصا كقوله تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) 361 أي كل أحد فهذا عام، وقول عنها: (ما رأيت منه وما رأى مني). والله أعلم.
عائشة رضي
الله
باب حذف المفعول به
ليحصل الإبهام بحذفه ثم يبين بعد كما في فعل المشيئة والإرادة والمحبة ونحوهن، وغالب ذلك
إنما هو إذا كن شروطا، ومن غير الغالب أن يكون ذلك في الاسم والاسم لا يكون شرطا، أو
في فعل غير شرط، نحو أن يقال: " بمشيئة الله تفعل " و" بإرادته تفعل " أو "فعلت بمشيئة الله"
بمشيئة
و
الله فعلت " أي بإرادته لفعلك أو بمشيئته لفعلك تفعل أو فعلت، وتقول: " شاء الله
11
- يونس جزء من 25 الآية الكريمة وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
258
361 (1/274)
صفحة 275
أقله
ففعلت " أي: شاء الله فعلك ففعلت. ومن غير الغالب أن يكون في حيّز الشرط، نحو: " لو كان مريدا لقمت " أي: مريدا لقيامي وهذا قريب من كونه شرطا لأنه من جملة شرط. وقد يكون أيضا من متعلقات جملة الشرط، نحو: " جاء زيد شائيا لأكرمته " أي شائيا للإكرام، وشرط حذفه بعد فعل المشيئة ونحوها أن لا يكون تعلّق الفعل به غريبا كقوله تعالى {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجمعين 362 فإنّ تعلّق المشيئة بالهداية غير غريب، والجواب في ذلك هو الدليل على المفعول المحذوف، ويقدر من جنس الجواب؛ فإنه لما قيل لو شاء علم السامع أن هناك شيئا تعلّقت المشيئة به لكنه أبهم، وإذا جيء بالجواب صار مبينا فيكون الوقع في النفس لاستعدادها له، وإن كان تعلّق الفعل به غريبا لم يحسن حذفه بل يحسن ذكره كقوله [أي قول أبي الهندام الخزاعي يرثي ابنه الهندام] [من الطويل] وَلَوْ شِفْتُ أَنْ أَبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ 63 فإن تعلّق فعل المشيئة ببكاء الدّم غريب، فذكره ليتقرر في نفس السامع ويأنس به حيث ينكر عليه والمعنى أن في ما يوجب بكاء الدّم عليه ولكن أعان على تركه الصبر، فعليه متعلق ب أبكي" و"ساحة الصبر" جهته أوسع من البكاء وسكن (ياء) أبكي للضرورة أو على لغة من لا يظهر نصب الفعل المعتل (بالياء) أو (الواو)، وأما قوله [أي قول أبي الحسين علي بن
الجوهري] [من الطويل]
فَلَمْ يَبْقَ فِي السُّوقِ غَيْرَ تَفَكَّرِي
فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي بَكَيْتُ تَفَكَّرًا *
أحمد
فليس حذف مفعول فعل المشيئة لأنه مذكور، وهو أن أبكي المتبادر من أبكي" المتبادر من البكاء الحقيقي؛ لأنه أراد أن يقول: " أفناني النحول فلم يبق منّي غير خواطر تجول في حتى إني لو شئت البكاء
المعتاد لم يتيسر، إذ لم يبق في عيني دمع، بل يتيسر الفكر فهو بدل الدمع، فالمشيئة معلقة
ـ
ببكاء
362 - الأنعام جزء من 149 الآية الكريمة قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) جاء في المطوّل 248:1 أن هذا البيت للخريمي، لكن ورد في الشروح 132:2 أن الدسوقي نسبه في حاشيته إلى
363
أبي الهندام الخزاعي، ذاكرا مطلع القصيدة: قضى وطرا مِنْكَ البِحَبيبُ المودع
364
-
ومثل الذي لا يستطاع فيدفع
ينظر الشروح 133:2، نسب السبكي صاحب عروس الأفراح هذا البيت لابن عباد
259 (1/275)
صفحة 276
مطلق غير معتبر فيه تعلقه بمفعول، أو ببكاء الدمع فلا يصح بيانه بالبكاء الثاني، إذ لا يقال: لو شئت أن تعطي درهما أعطيت در همين، إلا أنه قد يقال ذلك لداع، كالمبالغة في الإعطاء إذا قصدت في المثال بأنّ نفسه لا تطاوع إلى درهم واحد، ولو حذف الأول لتوهم أن المراد " لو شئت أن تعطي در همين " وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري في كتاب له سماه: (ضرام السقط شرح لكتاب يسمى سقط الزند: حاصله أنّ مفعول "أبكي" محذوف على التنازع أو هو تفكر آخر البيت فإنّه مفعول لـ "بكيت" أو "لأبكي" وإن مفعول المشيئة لم يحذف لأن تعلّق المشيئة أنه لما كان معمول المشيئة مما يكون تعلّق معمولها به غريبا، عد كأنه
من
ببكاء التفكر غريب يعني معمول المشيئة، إذ كان سبب الغرابة، فذكر أو جعل كالمذكور، لأنّ المتنازع فيه إن كان له فظاهر، وإن كان لبكيت فقد اكتفى لفظان لتوجه معناه إليه. وقد قيل: بجواز حذف الفضلة الثاني المهمل عن المتنازعين، وحاصل ذلك أن تعلّق المشيئة ببكاء التفكّر غريب، كتعلّقها ببكاء الدم، ويجوز أن يكون المعنى: قد صرت بحيث أقدر على بكاء التفكّر، كما يقول قدرت على ما لم يقدر عليه غيري لا أن يكون المعنى لو أردت بكاء التفكّر لفعلت، لأن قوله: " لم يبق مني الشوق غير تفكري" يأبى هذا المعنى عند التأمّل الصادق؛ لأنّ القدرة على بكاء التفكر لا تتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكّر وإن قلت: المراد قد صرت أقدر على بكاء التفكر فقط دون بكاء الدمع والدم ونحوهما، وهنا يتوقف على أن لا يبقى التفكر قلتُ: يدفعه تخصيص الدمع بعدم البقاء في هذا الوجه، أي لم تبق مادة الدمع في ألا يقال المراد ولا غيره. والله أعلم.
باب حذف المفعول به لئلا يتوهم أولا إرادة غير المراد
ذلك كقوله [أي قول البحتري]: [من الطويل]
وَكَمْ ذُتَ عَنِّي مِنْ تَحَامُلِ حَادث
365
وَسَوْرَةٍ أَيَّامٍ حَزَزْنَ إِلَى الْعَظْم 30
أي قطعته إلى العظم، فحذف المفعول به وهو "اللحم " لأنه لو ذكر لتوهم قبل ذكر قوله إلى العظم أن القطع لم ينته إلى العظم ولا يقال لو قال جززن إلى العظم اللحم لم يحصل التوهم، لأنا نقول لا يجب أن تكون مطّردة منعكسة فحصولها مع شيء كتقدّم إلى العظم لو قدم، وذكر
365 ـ الديوان 185:1
260 (1/276)
صفحة 277
بعده اللحم لا ينافي أن تحصل مع شيء آخر، ولأن تأخر مفعول به بلا واسطة حرف جرّ، كاللحم هنا مما هو مفعول به بواسطة كالعظم هنا، خلاف الظاهر والذي ظهر لي هو الجواب
11
الأول. ثم رأيت الصبان ذكر مع الثاني عن ابن قاسم عن غيره. والحمد لله لا رب غيره. معنى ذُتَ دفعت أدغم (دال) ذاد في (تاء) المخاطب، ويجوز كتبه مع ذلك بـ (دال مهملة بعد معجمة وتاء بعدها)، ويروى بالتكلّم يصف نفسه بأنه يدفع عن نفسه بالتثبت والصبر. و"كم" خبرية واقعة على الزمان فهي ظرف لـ"ذدت"، أو على "الذود" فهي مفعول مطلق له، وجعلها استفهامية محذوفة التمييز مجهل بعدد الدفع لكثرته تكلف وتحامل الحادث إتيانه إياه بلا عدل منه ومن زائدة في المفعول به، للضرورة، وقيل: بجواز زيادتها في الإثبات، وقيل: بجواز زيادتها في تمييز " كم" وأولى من ذلك لما فيه من هذه التأويلات ما قيل: إن التحامل تمييز لـ "كم" جرّ بـ"من" لفصله بـ"ذدت"، قالوا إذا فصل بين "كم الخبرية" وتمييزها بفعل متعدّ وجب الإتيان بـ"من" لئلا يلتبس بالمفعول، ولا يقال: لا يندفع الإلباس على قول من أجاز زيادة "من" ولو في الإيجاب، ومع التعريف لا يتأتى ولا يرجى البحث إلى دفع تسليم ذلك الجواز، وتأويل ما يستدل به و"سورة أيام": شدّتها وصولتها، وقال: "حززن" بالجمع لأنّ إضافة" سورة" للجنس ولكلّ يوم من الأيام التي ذكرها "سورة" أو لاكتساب الجمع من إضافته للجمع كقوله: وما حب الديار شغفن قلبي، وذلك إذا كان المضاف إليه يغني عنه ويشير إليه. والله أعلم.
باب حذف المفعول أولا
لفظه ليقع الفعل على صريح
بعد لا على ضميره إظهارا لكمال العناية بوقوعه على صريح لفظه ذلك، كقوله: "ضرب
زيد " و "ضربت عمرا" بالبناء للفاعل، أي: ضرب زيد عمرا، مما أتفق فيه الفعلان، وكقوله [أي قول البحتري في مدح المعتز بالله]: [من الخفيف]
قَدْ طَلَبَنَا فَلَمْ نَجِدْ لَكَ فِي السُّو
دَدِ وَالْمَجْدِ وَالْمَكَارِمِ مِثَلاً 366
366 ـ الديوان 150:1
261 (1/277)
صفحة 278
حذف مفعول "طلبنا" وهو مثلا ليصرّح به مفعول لقوله لم نجد اهتماما بتسليط "لم
نجد" على مثلا مبالغة في نفي المثل وعدم وجوده، ولو ذكر لطلبنا لتسلّط لم نجد على ضميره فقط، والتسلّط على الظاهر أشدّ وأظهر، ولو قلنا: إن البيت والمثال من التنازع لم يخرجا عن الباب إذا عملنا الثاني، وقيل: لا يعد التنازع من هذا الباب لأنه ليس ذكره بعد على سرّ إظهار الكمال في العناية، وإن قلت لو ذكر الظاهر أوّلا وثانيا لكان من وضع الظاهر موضع المضمر، فيفيد كمال العناية، قلتُ: لم يذكر أولا ثم ثانيا حذف المفعول أكثر من وضع الظاهر موضع المضمر، فنكتة الحذف أولا أنه مع الإتيان به بعد يلزم التكرار، ولو ذكر أولا ونكته ذكره ثانيا المبالغة في تسليط العامل عليه، فإنّه لا يخفى أن قولك: "لم نجد لك مثلا " أقوى من قولك: " لم نجده لك" بردّ (الهاء) لمثل لو ذكر. ويجوز أن يكون السبب في حذف مفعول طلبنا ترك مواجهة الممدوح بطلب مثل له قصدا إلى المبالغة في التأدب، حتى إنّه لا يجوز في دعوى الشاعر وجود المثل له فضلا عن أن يطلب، لأنّ العاقل لا يطلب إلا ما يجوز وجوده. والله أعلم.
باب حذف المفعول للتعميم مع الاختصار
كقولك: " قد كان منك ما يؤلم " أي ما يؤلم كلّ أحد بقرينة أنّ المقام مقام المبالغة، ولو ذكر المفعول العام لحصل العموم وفات الاختصار والعموم في المثال مبالغة أو حذف، وكقوله تعالى وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ 367 أي: يدعو كلّ أحد، والعموم هنا تحقيق، والآية ولو احتمل أن تكون من تنزيل المتعدّي منزلة اللازم، لكنّ التأمّل والذوق يشهدان أن القصد إلى المفعول به، فإنّ الحمل على أمثال هذه المعاني مما يتعلّق بقصد المتكلم ومناسبة المقام، ولذا جعل السكاكي في المفتاح نحو فلان يعني محتملا للتنزيل منزلة اللازم والقصد إلى المفعول. والله أعلم.
باب حذف المفعول لمجرد الاختصار لوجود قرينة
وإنما قلت لوجود قرينة لأنه لو لم توجد لكان الحذف للإبهام أو لصيانة الكلام عن ذكره أو الخوف منه أو عليه أو للجهل به أو نحو ذلك، نحو: "أصغيت إليك" أي: أذني دلّ عليه أصغيت
يونس جزء من 25 الآية الكريمة و وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
262
-
367 (1/278)
صفحة 279
وقوله تعالى أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) 368 أي أرني إياك بدليل أنظر إليك"، وإن قلت: "أرني" بمعنى اجعلني رائيا، والرؤية المجعولة نفس النظر، فكيف يترتب أنظر على أرني؟ قلت: معنى "أرني": مكني من الرؤية وارفع ما يمنع منها، وكم شيء حضر للأنسان وأمكن أن ينظره و لم ينظره تعالى الله.
ومن
هذا الباب أن يذكر العام في الكلام ثم يحذف فإن حذفه للاختصار لا للعموم، نحو: "كان منّي ما يكرم كلّ أحد وكان منك ما يؤلم" أي كلّ أحد فليس الحذف للعموم، وإنما يفيد العموم حذف العموم مفعول قابل لأشياء يكون تخصيص أحدها بالتقدير تحكما، فحينئذ ينوى تقديرها كلها بلفظ واحد عام لا بتقديرها، متعاطفة، ففيه اختصاران عدم ذكر المفعول وقد ذكره لفظا واحدا. والله أعلم.
باب حذف المفعول لحرف تختم به الفاصلة كقوله تعالى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى 369 أي ما قلاك، وفي حذفه اختصار غير مقصود بالذات، بل المقصود بالذات الحذف لتختم الفاصلة بالألف، ولا مانع من اجتماع عدة أمور دواع للحذف بعضها بالذات، وبعضها بالعرض. والله أعلم.
باب حذف المفعول لاستهجان ذكره
كقول عائشة رضي الله عنها (ما رأيت منه ولا رأى منّي (أي العورة، وقيل: الأحسن أنّ الحذف لتأكيد أمر ستر العورة، حتى إنه يستر لفظها من السامع. والله أعلم. ويحذف المفعول أيضا للإخفاء، أو ليتمكن من إنكاره إذا مست حاجة، أو لتعينه حقيقة أو ادعاء، أو غير ذلك تما مرت الإشارة إليه. والله أعلم.
باب تقديم المفعول [على الفعل]
يقدم على الفعل لردّ الخطا في التعيين وهو قصر قلب كقولك: "زيدا عرفت إنسانا" و "إنّه غير زيد، وقد أصاب في اعتقاد أنك عرفت إنسانا وأخطأ في قوله: "إنه غير زيد" وتقول:
368
- الأعراف جزء من 143 الآية الكريمة (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)
263
- الضحى 3
369 (1/279)
صفحة 280
لتأكيد هذا الردّ " زيدا عرفت لا غيره " وهذا ظاهر. وقال عصام الدين هذا لتأكيد المقدّم لا لتأكيد ردّ الخطإ لأنّ المؤكد في المتعارف هو المفيد الأوّل لا مفاده ألا ترى أنك تجعل في " جاء زيد الثاني " تأكيدا للأوّل، وقيل: يكون ردّ الخطا في الاشتراك كقولك: " زيدا عرفت " لمن
"1
اعتقد أنك عرفت زيدا وعمرا؛ وهو قصر إفراد، وتقول في تأكيده " زيدا عرفت وحده ويكون للتعيين كقولك: " زيدا عرفت " لمن اعتقد أنك غرفت إنسانا ولكن جهل عينه وذلك قصر تعيين، ويؤكد بقولك "لا" غيره". وتلك الأقسام كلّها تتصوّر أيضا في الإنشاء، نحو: " زيدا أكرم وعمرا لا تكرم " ويجمع الأقسام كلّها قولك: يقدّم للاختصاص لكن البيان والتفصيل أولى.
وإن قلت: كيف تتصوّر ردّ الخطا في إنشاء؟ مع أنه لا خارج له يحكم به، بل هو إمّا طلب إيجاد أو طلب ترك، وإما خالص إيجاد كـ «بعت»، فذلك لا يناسب إثبات الخطإ، قلت: صحيح إلا أنه يتضمّن الإنشاء خبرا، فلو قال قائل: " قبل الزوال صلّوا الظهر " أو قال على الصلاة " لكان إنشاء أفاد إخبار الحصول وقت صلاة الأولى وهو خطأ
ذلك
المؤذن: "
حي
•
وكذا قيل في التعبير بالاختصاص، لأنه ثبوت شيء لشيء وانتفاؤه عنه، فلا يغلبه الإنشاء إلا بالتضمّن، وإذا علمت أنّ التقديم لردّ الخطا في تعيين المفعول مع الإصابة في اعتقاد وقوع الفعل على مفعول ما علمت أنك لا تقول: " ما زيدا ضربت ولا غيره " لأنّ التقديم يدلّ على وقوع الضرب على غير زيد تحقيقا لمعنى اختصاص نفي الضرب بزيد، وقولك: " ولا غيره " ينفي ذلك، فيكون مفهوم التقديم مناقضا لمنطق قولك: " لا غيره، نعم لو كان التقديم لغرض آخر غير التخصيص جاز، نحو: " ما زيدا ضربت ولا غيره ولكن أكرمته " وكذلك يمنع زيدا ضربت وغيره عند التخصيص، ويجوز عند عدم التخصيص، وإنّما أجزت " ما زيدا ضربت ولا غيره ولكن أكرمت " لأن لكن أكرمته قرينة على عدم إرادة التخصيص. ومنعه القزويني لأنّ الكلام يتبادر أنه للتنبيه على الخطا في اعتقاد أن المضروب غير زيد لا للتنبيه على أن الخطأ في اعتقاد أن الواقع ضرب لا إكرام.
مبنى
264 (1/280)
صفحة 281
المنصوب،
11
واعلم أن النصب على الاشتغال، نحو: " زيدا عرفته " من باب التأكيد إن قدر الناصب قبل هكذا عرفت زيدا عرفته "، وإن قدر بعده فهو من باب التخصيص " هكذا زيدا عرفت عرفته " لتأخير العامل، والتأكيد للتكرير، ومرجع ذلك للقرائن إذا دلّت على التخصيص قدر المعمول مقدما للتخصيص وهو بالذات، وحصل التأكيد بالعرض للتكرير، كذا قيل. والظاهر أنهما معا بالذات والتأكيد، إنما هو للمحكوم به من إثبات أو نفي، وقيل: التأكيد إنما هو للمحكوم به من إثبات أو نفي، وقيل: التأكيد للتخصيص والنفي أو الإثبات، قيل: من التخصيص والتأكيد معا قوله تعالى وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} 370 لأنه لابد من تقدير العامل على مؤخر المعمول، وهكذا، وأما ثمود هدينا فهدينهم لأنّ أما لا يليها.
وقال السيوطي: شرط إفادة التقديم التخصيص أن لا يكون التقديم لإصلاح التركيب، مثل "وأما ثمود فهدينهم"، وعلى هذا فلا تخصيص في الآية؛ لأن تقدير العامل مؤخّر لإصلاح التركيب بأن لا يلي.
الجمعة
أما الفعل فالذي في الآية التأكيد فقط، وأيضا أنّ الهداية في الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب لا يختص بثمود فلا تخصيص ولا يقال الحصر بالنسبة إلى فاستحبوا العمى على الهدى غير مخصوص بهم أيضا، قيل: قد يكون التقديم لجهل السامع بثبوت أصل الفعل، كما إذا جاءك زيد وعمرو ثم سألك سائل ما فعلت بهما؟ فتقول: " أما زيدا فأكرمته وأما عمرا فضربته " ومع الجهل بذلك لا معنى للحصر. وقد أخبرتك أنّ المعمولات غير المفعول كالمفعول، نحو: " بزيد مررت " و" و" يوم سرت " و" في المسجد صليت " و " تأديبا ضربته " و" ماشيا حججت " و" نفسا طاب زيدا إذا ورد أو قيس في المتصرّف والتقديم للتخصيص غالبا هذا معنى قولهم: والتخصيص لازم للتقديم ومعنى اتصاف اللزوم بالغلبة مع تنافيها في الظاهر وجوده ملتصقا التصاقا معنويا بالتقديم وكل شيء وجد في موقع فقد التصق بذلك الموضع ولو كان الشيء نادرا، وقد يخرج إلى مجرد الاهتمام وجيد المسرة والتبرك والتلذذ وموافقة كلام السامع في التقديم كقولك: " زيدا أكرمت "
370 - فصلت جزء من 17 الاية الكريمة وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحِبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
265 (1/281)
صفحة 282
في جواب: من أكرمت؟ " والضرورة والسجع والفاصلة، وقد يجتمع بعض ذلك مع
ومع.
غيره.
371
التخصيص
ومن التقديم للفاصلة قوله تعالى (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ 371 (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ 372 وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 373.
373
ومن التقديم للحصر والفاصلة إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ 374 و لإلَى اللهِ تُحْشَرُونَ 375 وفيهما مراعاة طريق الاهتمام، وفي إياك نعبد الاهتمام والحصر، وقد قيل الاهتمام لازم في جميع صور التخصيص، والعرب تقدم ما شأنه أهم.
ومثل تقديم المعمول على العامل تقديم المعمول على غير العامل مما حقه التقديم، نحو: قوله تعالى: {وَإِنْ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ قدم عليكم للفاصلة وطريق الاهتمام، فإن أصل الاسم تقديمه
376
377
(
على الخبر، ومثل " أعطيت ألفا زيدا " فزيدا مفعول أول أصله التقديم، وقد قدم عليه الثاني وكذا تقديمه على الفاعل، نحو: " قتل الرومي زيد " اهتماما بقتل الرومي ليتخلص الناس من شره، وكذا النعت في قوله تعالى وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) فباعتبار أن يكتم نعت و من آل نعت يكون الأصل تأخير النعت الظرفي على الجملي، ولكن قدم لئلا يتبادر تعليقه بيكتم فيتغير المعنى، ويجوز حمل أنفسهم يظلمون على التقديم للفاصلة، والحصر تنزيلا لظلمهم غيرهم بالنسبة إلى ظلمهم أنفسهم منزلة العدم، وكذا (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) أي
371 ـ الحاقة 31
372
- الضحى 9
373 ـ البقرة جزء من 57 - الآية الكريمة (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
374 - الفاتحة جزء من 5 - الآية الكريمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
375 ـ آل عمران جزء من 108 - الآية الكريمة وَلَئِنْ مُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ)
- الانفطار 10
-
-376
377
غافر جزء من 28 - الآية الكريمة وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَذِباً فَعَلْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ:
266 (1/282)
صفحة 283
لا تصلوه إلا الجحيم ويقدر متعلق البسملة مؤخرا للحصر وطريق الاهتمام، فالحصر حصر قلب. وكان المشركون يبدأون باللات والعزى وغيرهما، فردّ عليهم وإن كانوا يبدأون باسم الله تعالى، واسم الضمّ فالحصر قصر إفراد، وأما (اقرأ باسم ربك (فقدم فيه (اقرأ)، لأن الأهم فيه القراءة، لأنه إلى قوله تعالى (ما لم يعلم (378) أوّل ما نزل من القرآن على الإطلاق، وقيل: اقرأ. نزل منزلة اللازم بمعنى أوجد القراءة، واسم ربّك. معمول لإقرأ الثاني للحصر وطريق الاهتمام، و (الباء) للتأكيد في المفعول به، والدلالة على الدوام والتكرير، نحو: " الخطام أخذت وقيل: للاستعانة أو المصاحبة. ويبحث بأن المتبادر أن المطلوب منه صلى الله عليه وسلم قراءة مخصوصة لا إيجاد مطلق القراءة الفاعل والنائب من معمولات الفعل للعمدية، وتقديم المفعول الأول من باب أعطى على الثاني، لأنه فاعل في الأصل، ويترك ذلك لعارض كردّ الضمير في قولك: " أكرم زيدا
غلامه ".
أن ولا يخفى الحصر يحصل بالتقديم على العامل لا بتقديم معمول على آخر، وإنما يحصل بتقديم معمول على آخر الاهتمام، ولا يكفي في تحصيل الاهتمام بالتقديم على العامل أو المعمول للقصد إلى الاعتناء به، بل القصد إلى استشعار وجه أي سبب تكون به العناية، قال عبد القاهر: لم نجدهم اعتمدوا في التقديم على الشيء يجري مجرى الأصل غير العناية، لكن ينبغي أن يفسر وجه العناية بشيء يعرف له معنى وقد ظن كثير من الناس أنه يكفي أن يقال: قدم للعناية ولكونه أهمّ من غير أن يذكر من أي جهة كانت تلك، وبم كان أهم؟ والأهمية تطلق على ما يعم كل غرض من أغراض التقديم على حدة أو بمرة فتشمل الحصر. وتطلق على القصد إلى استشعار سبب الاعتناء، كالعظمة وإنّما خير من كلامي في هذا الكتاب في مواضع، التخصيص هو الحصر وهو قول الجمهور. وقال السبكي 339 وغيره: التخصيص قصد المتكلم إفادة السامع شيئا من غير تعرّض لغيره بإثبات ولا نفي بسبب اعتناء المتكلم بذلك الشيء وتقديمه له في كلامه؛ فإذا قلت: " زيدا أكرمت " كان المقصود الأهم إفادة خصوص وقوع
379
أن منه
378 اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلْمَ بِالْقَلَمِ * عَلْمَ الإِنْسَانَ مَا
لَمْ يَعْلَمْ)
267
ينظر الشروح 2: 151، 152
379 (1/283)
صفحة 284
الإكرام على زيد لا إفادة وقوع الإكرام منك، ولا تعرض في الكلام لغير زيد بإثبات ولا
نفي
وأما الحصر فمعناه نفي غير المذكور وإثبات المذكور، ويعبّر عنه بـ (ما) و (إلا) وبـ (إنما) فهو زائد على الاختصاص ولا يستفاد بمجرد التقديم، فإن قوله تعالى أَفَغَيْرَ الله دين يبْغُونَ) 380 لو جعل في معنى ما يبغون إلا غير دين الله، وهمزة الإنكار أو التوبيخ أو التقرير أو التعجيب داخلة عليه لزم أن يكون المنكر الحصر لا مجرد طلب غير دين الله، أن هذا المجرد أيضا منكر، وكذا أغير الله تأمروني أعبد"، فإنّ الأمر بعبادة غير الله منكر ولو بلا حصر، وكذلك أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (381 أنفكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ 382 وإنما جاء الحصر في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} للعلم بأنه لا يعبد غير الله ولا يستعان بغيره فهو
جماعة
TAE
مستدلين بنحو
381
383
من خصوص المادة لامن وضع اللفظ وتبع السبكي في ذلك شيخه أبا حيان وابن الحاجب وابن هذه الآيات على أن الحصر لا يحصل بالتقديم، وقال الجمهور: غالب التقديم للحصر، وقد لا يكون له كهذه الآيات، وقد يقال: عندي هذه الآيات للحصر، تلويحا من فعل ما فيهن فقد حصر المنكر على ظاهرهن، و لم ينفعه أنه قد عبد الله أيضا، وأمر بعبادته أي من عبده وغيره، فليس عابدا إلا غيره، والله أعلم.
بأن
380 ـ آل عمران جزء من 83 – الآية الكريمة (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)
381 - سبأ جزء من 40 الآية الكريمة (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)
-
-
382
383
الصافات 86
الفاتحة.
-
384
- (هو محمد بن إبراهيم بن
سعد الله
بن
جماعة بدر الدين أبو عبد الله الكناني الحموي الشافعي (639 هـ -733 هـ) ولي الخطابة بمصر فقضاء الشام ثم قضاء مصر، وكان قوي المشاركة في علم الحديث والفقه والأصول والتفسير وكان خطيبا حسن الهيئة، ولما شاخ أصيب بالعمى، ومن تصانيفه رسالة في الكلام على الاسطرلاب المنهل الروي في الحديث النبوي .. كشف المعاني في المتشابه من المثاني. غرّة التبيان لمن لم يسم في القرآن تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام. ينظر فوات الوفيات لابن شاكر 297:3 - نكت الهميان في نكت العميان للصفدي 235 ـ الأعلام للزركلي 6: 188
268 (1/284)
صفحة 285
باب القصر
ويقال: الحصر وهما لغة الحبس، واصطلاحا تخصيص شيء بشيء على طريق مخصوص؛ كإلا، وإنما، وتعريف الطرفين، والتقديم إما على الإطلاق أو على سبيل الإضافة إلى معنى. فالقصر حقيقي وإضافي، وكلاهما حقيقة اصطلاحية، والإضافي يقال له: نسبي ويقال له: غير
حقيقي.
وذلك أن تخصيص الشيء بالشيء: إما أن يكون بحسب ما في نفس الأمر، بأن لا يتجاوز ذلك الشيء المخصوص بغير ذلك الشيء الآخر الذي خص به الأوّل الذي هو غير الأول إلى غير ذلك، الشيء الثاني أصلا وهو الحقيقي وإما أن يكون بحسب الإضافة إلى شيء آخر بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء، وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر في بعض الصور إمكانا وقوعيا لا مجرد إمكان فهو إضافي؛ فلو كان في الواقع لم يوجد لغيره، لكن يمكن أن يوجد له كان حقيقيا، بأنه خبير ربما لا يمكن فالحقيقي والإضافي بحسب اعتبار المعتبر ـ إن اعتبر التخصيص بالنسبة إلى جميع الصفات الباقية - فهو حقيقي سواء أوجد الجميع أو لم يوجد منه شيء، أو بالنسبة إلى بعضها فهو إضافي، وإن لم يوجد إلا ذلك البعض. وإنّما قلت في بعض الصور لأنه ربّما لا يتجاوزه إلى شيء آخر. كما اعتبر القصر الذي في (لا إله إلا الله) بالنسبة إلى آلهة بعض البلدان فهو إضافي، وإن لم يكن موجودا مع عدم التجاوز لشيء آخر.
فأنت
وانقسام القصر إلى الحقيقي والإضافي بهذا المعنى لا ينافي كون القصر - سواء أكان حقيقيا أو إضافيا من قبيل الإضافات، وهي النسب التي يتوقف تعقلها على تعقل غيرها لتوقف كلّ من الحقيقي والإضافي على تعقل المقصور عليه، وكلّ الحقيقي والإضافي نوعان: [الأوّل] قصر موصوف على صفة [الثاني] وقصر صفة على موصوف
(1) باب قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا
معنى قصر الصفة على الموصوف حكمك بأن لا يتجاوز الموصوف تلك الصفة على غيرها أن تكون تلك الصفة لموصوف آخر كما كانت لذلك الموصوف، لكن
من
الصفات،
مع جواز
269 (1/285)
صفحة 286
هذا الجواز ليس من مدلول القصر بل قد يمنع، نحو: " إنّما الله إله واحد " والمراد بالموصوف في باب القصر مطلقا ما حكم عليه بشيء؛ كالمبتدأ أو الفاعل مع القصر، وبالصفة الشيء المحكوم به لغيره كالخبر والفعل مع القصر، فهي المعنى القائم بغيره لا خصوص المنعوت ولا النعت، أما المنعوت فقد يكون مقصورا على ذلك المعنى القائم قصر موصوف على صفة، وبالعكس قصر صفة على موصوف، نحو: "ما الرجل العاقل إلا رابح، وأما النعت فلا يكون أبدا لمقصور عليه، ولا مقصورا إلا بالتوطئة، نحو: " ما زيد إلا رجل عاقل "، وقيل بجواز " ما مررت برجل إلا قائم بالتفريغ إلى النعت واسم الزمان والمكان والآلة يكن موصوفات وصفات، نحو: " قفل مفتاح الدار إلا هذا " و" ما هذا إلا مفتاحها ".
والصفة والموصوف في النحو يطلقان على نفس اللفظ، وهنا على المعنى القائم بغير هو
صاحبه، وذلك المعنى القائم هو المعنى المصدري، فهما في هذا الفن مغايران لهما في النحو، لا كما
قيل: إن بينهما عموما وخصوصا من وجه، وإنهما متصادفان في نحو: " أعجبني هذا العلم وفي مثل " العلم حسن " موصوف وصفه من هذا الفن، و" في مررت بهذا الرجل " موصوف وصفة نحو " يئن " اللهم إلا أن يقال الكلام على المسامحة، والمراد الصادق بين الصفة المعنوية وبين معنى النعت النحوي، إلا أن لشدة الارتباط بين اللفظ ومعناه نسب ما للمعنى إلى اللفظ، إلا أن في جعل هذا العلم من النعت، نظرا لأنّ النعت يدل على معنى في المنعوت، والعلم نفس المشار إليه اللهم إلا أن يتكلف أنّ اسم الإشارة مبهم فيه مطلق معنى الشيء المشار إليه هكذا،
"
11
ثم يخص بأنه علم ومثلوا بقصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا بنحو: " ما زيد إلا كاتب إذا أريد أنه لا يتصف بغير الكتابة، والظاهر أنه لا يوجد القصر الحقيقي، فإنما يكون المثال منه، لو كان زيد لا يأكل ولا يشرب ولا يقوم ولا يقعد، ولا يستيقظ ولا ينام، ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يفعل شيئا ما لا يتصف بصفة إلا الكتابة، وذلك غير ممكن، لأن لكل صفة منفية نفيا، وانتفاء النقيض معا لا يجوز، ولا يمكن ذلك إلا مبالغة وادّعاء أو كذبا، ولا سيما أنه لا يمكن أن يحيط أحد بصفات أحد كلها
11
ومن قصر الموصوف على الصفة " ما زيد إلا أخوك " و" ما الباب إلا ساج " " و ما هذا
إلا زيد " أي هو مقصور على الأخوة والساجية والزيدية، أو على كونه أخا أو ساجا أو زيدا،
270 (1/286)
صفحة 287
والمعنى واحد، ونسبة أخ غير محتاج للتأويل؛ كما قال بعض. ثم ظهر لي صحة قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا، وهو ما إذا صرّح بنفي نوع من الصفات عنه، إلا واحد منها يقصر عليها، نحو: " ما زيد على لون من الألوان إلا على البياض " و " ما زيد أسود، ولا أخضر، ولا غير ذلك إلا أبيض " فإنّ أراد الأوائل بقصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا مثل هذا، جاز وصح بلا إشكال والإضافي ما لم يصرح فيه بدلك، نحو: " ما زيد إلا أبيض " و" ما هو إلا على البياض"، والله أعلم.
(2) باب قصر الصفة على الموصوف قصرا حقيقيا
وهو الحكم بأن لا يتجاوز تلك الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر، لكن يكون لذلك الموصوف صفات أخر، نحو: " ما قام إلا زيد " و " ما في الدار إلا زيد " بمعنى أن حصول إنسان في الدار المعيّنة في الوقت المعيّن مقصور على زيد وإنما قدرت حصول إنسان، لأن الدار لا تخلو عن حصول مطلق شيء غير زيد أقله الهواء، ونحو: " لا إله إلا الله " و ما خاتم الأنبياء إلا محمدا " بمعنى أن الألوهية وهي الصفة ليست إلا لله، وكذا ختم الأنبياء ليس إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وتقدّم
الكلام على نحو " ما هذا الثوب إلا أبيض " آخر الباب قبل هذا وقد يقصد بقصر الصفة على الموصوف قصرا حقيقيا المبالغة لعدم الاعتداد بحصولها لغير ذلك الموصوف وكمالها فيه، حتى كأنها انتفت عن غيره، نحو: " ما في البلد إلا زيد " إذا لم تعتد بمن فيها سواه، فهو قصر حقيقي ادّعائي. وكما يكون القصر الادعائي حقيقيا يكون إضافيا بأن ذلك بالنسبة إلى بعض من عداه قال بعضهم: هل يسمّى القصر الادعائي الحقيقي حقيقة
يدعي
أو مجازا؟ الظاهر أنه مجاز، وفي الفردوس أنه من المجاز المركب، وقال عصام الدين في الأطول:
ومن البديع الدقيق أنه قد يقصد المبالغة بالقصر الإضافي، فيقال لمن اعتقد ضرب زيد وعمرو: ما ضرب إلا زيد " لا لردّ اعتقاده بل لتنزيل ضرب عمرو منزلة العدم.
والفرق بين الحقيقي الادّعائي والإضافي الادّعائي: أنّ الأوّل يجعل فيه ما عدا المذكور بمنزلة العدم، والثاني يجعل فيه ما يكون القصر بالإضافة إليه بمنزلة العدم، نحو: " ما في الدار إلا زيد" الحصول في الدار مقصور على زيد لا يتجاوزه إلى عمرو، وإن كان حاصلا لبكر
أن بمعنى
11
271 (1/287)
صفحة 288
وخالد، فهذا القصر الإضافي ادّعائي، إذ جعل عمرو بمنزلة العدم، والحاصل أن الأول ينزل فيه
من بسوى المذكور منزلة العدم والثاني ينزل فيه بعض من بسواه وهو ما يكون القصر بالإضافة إليه منزلة العدم، والله اعلم.
باب قصر الموصوف على الصفة قصرا غير حقيقي
وهو تخصيص شيء بصفة من بين الصفات، وهذا قصر إفراد، وفيه دخل قصر التعيين عند السكاكي وتخصيص أمر بصفة بدل من أخرى وهذا قصر قلب، وفيه دخل قصر التعيين عند القزويني، ولا يجري الانقسام، قيل إلى الإفرادي والقلبي والتعييني في الحقيقي، ومثال الباب " ما زيد إلا فقيه " أي ليس مُغَنّيا، والله أعلم.
باب قصر الصفة على الموصوف قصرا غير حقيقي
الصفات
وهو تخصيص صفة شيء من بين الأشياء، أو بشيء بدل من الآخر، نحو: " ما قام إلا زيد وتريد ما قام اليوم أو في الدار أو غير ذلك من القيود وقال بعض إنّهم اتفقوا على صحة " ما في الدار زيد " قصرا حقيقيا وهذا إذا أريد نفي الحصول في الدار على الإطلاق، وليس ردّ على اعتقد أن جميع الناس في الدار، وقال: لا يعتقد أمر من الناس في الدار، وقال: لا يعتقد أمر بجميع الصفات، واتصافه بجميع غير صفة واحدة، ولا يردّده أيضا بين ذلك، وكذا اشتراك صفة بين جميع الأمور، وأنت خبير بأن كلا من قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف تخصيص شيء من بين أشياء أو شيء مكان شيء، والمخاطب بالتخصيص بشيء من أشياء تخصيص موصوف بصفة، أو صفة بموصوف هو من يعتقد شركة موصوفين فصاعدا في صفة، أو معينين في موصوف، وهذا قصر إفراد، والمخاطب بالتخصيص بشيء مكان شيء، وهو من يعتقد عكس الحكم الذي أثبته المتكلّم، وهو قصر القلب، وقصر التعيين غير ذلك؛ وهو تخصيص صفة من صفتين فصاعدا محتملتين في قصر الصفة، أو تخصيص موصوف من غيره مما احتمل التعدد في قصر الموصوف، فالمخاطب به من احتمل عنده، والله أعلم
باب قصر الإفراد
وهو قطع الشركة التي اعتقدها المخاطب في الموصوف أو في الصفة؛ فالمخاطب بقولنا: " ما زيد إلا كاتب " من يعتقد اتصافه بالشعر والكتابة في قصر الموصوف، وبقولنا: " ما كاتب إلا
11
272 (1/288)
صفحة 289
زيد
11
من يعتقد اشتراك زيد وعمرو مثلا في الكتابة من قصر الصفة، وقد يخاطب في قصر الموصوف، أو الصفة قصر إفراد من يعتقد أنّ المتكلم يعتقد الشركة، وقد يخاطب من يعتقد
اتصاف المسند إليه بالمقصور عليه، ويجيز اتصافه بالغير، فيقصر قطعا لتجويز الشركة.
قيل شرط قصر الموصوف على الصفة والصفة على الموصوف قصر إفراد عدم تنافي الوصفين؛ بأن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه أو مطلق، نحو: " ما زيد إلا ماش " بمعنى أنه ليس أبيض أو ضاحكا، وبعدم تنافيها يصح اعتقاد المخاطب اجتماعهما في الموصوف، فتكون الصفة المنفية في قولنا: "ما زيد إلا "شاعر" كونه كاتبا أو منجما لا وجدانه غير شاعر لأنّ وجدانه غير شاعر ينافي كونه شاعرا، وذلك في قصر الموصوف إفرادا، وكذا تقول في قصر الصفة إفرادا؛ وذلك أنه لو كان الوصف مما لم يصح قيامه لمحلّين لم يعتقد المخاطب بأنه بهما أن يقصر المتكلّم له قصر إفراد، نحو: " لا أب لزيد إلا عمرو " فإنّه لا يتحقق وصف الأبوة لزيد لاثنين إذا لم يرد الجد، ففي مثله لا يصح قصر الإفراد فيه، وأقول ذلك الاشتراط ضائع، لأن المخاطب في قصر الإفراد من يعتقد الشركة، بل هو مضر أو غير صحيح بالكلية، لأنّ عدم التنافي كما يصدق باعتبار الشركة يصدق عند عدمها، كما في قصر التعيين، والله أعلم.
فضلا عن
باب قصر القلب
هو عكس ما يعتقده المخاطب، سمي بذلك لأنه بدل حكم المخاطب كله بغيره، بخلاف قصر الإفراد ففيه تبديل البعض وإثبات البعض، فالمخاطب بقولك: " ما زيد إلا قائم " من اعتقد اتصافه بالقعود دون القيام وهذا قصر الموصوف على الصفة والمخاطبة بقولك: " ما شاعر إلا زيد " من اعتقد أن الشاعر عمرو وزيد ولا يشترط تحقق تنافي الوصفين في هذا الباب؛ لأنّ قولنا: " ما زيد إلا شاعر " لمن اعتقد أنه كاتب وليس بشاعر قصر قلب مع عدم تنافي الشعر والكتابة، لصحة اجتماعهما في موصوف واحد، وقال عصام الدين بجمع أن يجوز أن يكون المخاطب به من اعتقد ثبوت الحكم لمن نفاه وجوز ثبوته للآخر فتثبته للآخر وتنفيه عما أثبته له
273 (1/289)
صفحة 290
385
لقلب الحكم. واشترط القزويني ذلك في قصر الموصوف على الصفة قصر قلب؛ فيكون
المنفي في قولنا: " ما زيد إلا قائم " كونه قاعدا أو مضطجعا أو نحو ذلك مما ينافي القيام. وعلى هذا يخرج عن يخرج عن أقسام القصر قولك: " ما زيد إلا شاعر " لمن اعتقد أنه كاتب وليس بشاعر، أما خروجه عن قصر الإفراد فلعدم اعتقاد المخاطب اجتماعهما، وأما خروجه عن قصر القلب فلعدم تحقق تنافيهما، وأما خروجه عن قصر التعيين فلعدم التردّد؛ مع أنّ القصر لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، وإن قلت شرطه القزويني للحسن، قلتُ: لا يعلم من عبارته أنه للحسن بل للوجوب، مع أنه أيضا لا دليل من خارج يحمل عليه كلامه أنه للحسن، ومع أنه لا نسلم عدم حسن قولنا: "ما زيد إلا "شاعر" لمن اعتقده كاتبا غير شاعر. وإن قلت: أراد بالتنافي التنافي في اعتقاد المخاطب من حيث اعتقاده ثبوت أحدهما أو انتفاء الآخر نفس الأمر، بأن لا يمكن اجتماعهما، قلتُ: قيل: التنافي بحسب اعتقاد المخاطب معلوم أن قصر القلب هو الذي يعتقد فيه المخاطب العكس فيكون هذا الشرط ضائعا، وكذا اشتراطه عدم التنافي في قصر الإفراد ضائع، كما مرّ لأنه معلوم من قوله قصر الإفراد المخاطب به من يعتقد الشركة. وذكر القزويني 386 في الإيضاح أنّ السكاكي لم يشترط في قصر القلب تنافي الوصفين؛ لأنه اشترطه بقوله المخاطب بقصر القلب، ويعتقد العكس. وعلّل القزويني اشتراط تنافي الوصفين في قصر القلب، يكون إثبات الصفة مشعرا بانتفاء غيرها، وأجيب بأنه إن أراد أن إثبات المتكلم الصفة هو المشعر بنفي غيرها، فإفادة القصر مشعرة بذلك من غير حاجة للتنافي، وإن أراد إثبات المخاطب هو المشعر فلا يتوقف أيضا على التنافي بل يفهمه منه المتكلم بقرينة أو بعبارة، مثل أن يقول: " ما زيد إلا كاتب " فيقول المتكلم ردّا عليه " ما زيد إلا شاعر "، وقال عصام الدين في (الإيضاح ليكون إثبات المخاطب الصفة المنفية في كلام المتكلم مشعرا بانتفاء غيرها و لم يشترط القزويني في قصر الصفة على الموصوف قلب تنافي الوصفين لأنّ وصف الكناية يمكن اجتماع الوصفين فيه، وقيل قصر الصفة على الموصوف قصر قلب" إنما الكاتب زيد لا عمرو" والله أعلم.
385
- ينظر 123 قال: وشرط قصره قلبا تحقق تنافيهما؛ حتى تكون المنفية في قولنا: " ما زيد إلا قائم " كونه قاعدا أو جالسا أو نحو ذلك، لا كونه أسود أو أبيض أو نحو ذلك؛ ليكون إثباتا مشعرا بانتقاء غيرها.)
274
- ينظر الإيضاح 124
386 (1/290)
صفحة 291
باب قصر التعيين
وهو تعيين المتكلم أحد المحتملين عند المخاطب أو المحتملات من الصفات أو الأشياء الصالحة لأن تكون موصوفات، فهو تعيين ما هو غير معين عند المخاطب مع تخصيصه، وإنما عبّرت بالاحتمال ليشمل ما إذا تساوى الأمران أو الأمور عند المخاطب، وما إذا كان التردّد بين أمرين فصاعدا هل الثابت أحدهما؟ وهل الثابت كلاهما؟ وما إذا جزم بلزوم صفة على التعيين وأصاب وبثبوت أخرى معها على التعيين؛ فإن القصر حينئذ قصر تعيين بالنسبة إلى ما احتمل ولم يكن على التعيين، وإن أخطأ في الصفة التي اعتقدها على التعيين فالقصر بالنسبة إليها قصر قلب، وبالنسبة إلى ما تردد قصر فيه قصر تعيين وإن تردّد هل الثابت أحدهما أو كلاهما أو غيرهما؟ كل ذلك تردد واحد؛ فالظاهر أنه قصر تعيين والمخاطب بقولنا: " ما زيد إلا قائم " من يعتقد اتصافه بالقيام والتعيين لردّ الخطاب بالقوة، كما أنّ قصر القلب لردّ الخطاب بالفعل أو القعود من غير علم بالتعيين أو اتصافه بهما واحد بعد آخر أو بأحدهما على التعيين، أو عدمه تردد ميزان يكون قام، أو قعد، أو تردد بين أن يكون قام وقعد، وأن يكون له القيام فقط، أو القعود فقط؛ وذلك من قصر الموصوف، والمخاطب بقولنا: " ما شاعر إلا زيد " من يعتقد أنّ الشاعر زيد أو عمرو ولم يعلمه على التعيين، أو التردّد بين أن يكون كليهما، وأن يكون
أحدهما فقط على أنه عمرو أو على أنه زيد، أو ذلك من قصر الصفة على الموصوف. وقصر التعيين تارة يكون الوصفان فيه متنافيين، وتارة لا يكونان متنافيين؛ فكل ما يصلح لقصر الإفراد أو لقصر القلب يصلح لقصر التعيين، وربّما يصلح لقصر التعيين مالا يصلح لقصر الإفراد، وربّما يصلح لقصر التعيين مالا يصلح لقصر القلب؛ فهو أعم من قصر القلب. وقصر الإفراد بمعنى أنه يصدق على ما يصدق عليه قصر القلب تارة، وعلى ما يصدق عليه قصر الإفراد تارة، ولا يختص بصورة غيرهما؛ إذ لا واسطة بين تنافي الوضعين وعدم تنافيها. وإن قلت: بل بينه وبينهما مباينة، لأنّ اللازم في قصر التعيين كون المخاطب شاكا في اتصاف زيد بإحدى الصفتين، وليس على التعيين، وفي قصر الإفراد من يعتقد اتصافه بأحدهما على التعيين، قلتُ: العموم هو من حيث أنه شرط شيء فيهما و لم يشرط شيء فيه، وليس المراد قصر التعيين
270 (1/291)
صفحة 292
يصدق على كل ما يصدق عليه أحدهما. وفي قصر التعيين تخصيص شيء بشيء من بين الأشياء، أو شيء بشيء مكان الآخر، فقولك: " ما زيد إلا قائم " لم يرد بين القيام والقعود وتخصيص له بالقيام وتجريد عن القعود؛ وهذا التخصيص بشيء مكان الآخر يكون في قصر التعيين، وفي قصر الإفراد، وكل من قصر التعيين وقصر القلب لمن اعتقد الاتصاف بالنظر إلى أحد أمرين لا بالنظر إليهما، وكلاهما لردّ اعتقاد المخاطب العكس فإن المخاطب في قصر التعيين في عرضة الخطإ في التعيين، وتقدير خطاه في التعيين يردّه القصر على العكس، فقصر التعيين لردّ الخطاب بالقوة كما أن قصر قصر القلب بردّ الخطاب بالفعل. والله أعلم.
باب القصر بالعطف بلا وبل ولكن
يحصل القصر بـ (لا) و (بل) في العطف مطلقا، وأما (لكن) فليس يحصل بها على الإطلاق، بل قصر القلب، والقصر بهن أقوى طرق القصر للتصريح فيه بالنفي والإثبات، وأما غيرهن من طرق القصر بالنفي والإثبات، وأما غيرهن من طرق القصر فالنفي فيه ضمني تم بالإثبات؛ إذ النفي والاستثناء أصرح من (إنّما)، وأضعفها التقديم؛ لأنّ دلالته على القصر ذوقية لا وضعية، ويكون التقديم لغير القصر كثيرا، بخلاف غيره من طرق القصر، فلا يتخلف عنها القصر. والقصر بالعطف بـ (لا) و (لكن) و (لا) مخصوص بغير الحقيقي، على ما قال عصام الدين، لكن إنما يظهر ما قاله إذا كان المعطوف خاصا نحو: " زيد شاعر لا عمرو "، وإن كان عاما نحو زيد شاعر لا غير زيد " فالقصر حقيقي. وتقدّم أنّ تعريف المسند إليه والمسند معا يفيد الحصر، وتقدم أنّ مفيد الحصر في نحو " زيد هو القائم " هو تعريفهما لا ضمير الفصل على التحقيق، نعم لما كان "زيد القائم" يحتمل النعت بحسب الظاهر، وكان ضمير الفصل يمحض الخبرية إذا جيء به صح على التسامح أن يقال: هو المفيد، والحق أنه مؤكد للحصر، نعم إذا كان الخبر اسم تفضيل والمسند إليه معرفة أفاد الحصر نحو" زيد هو أفضل من عمرو " وليس تعريف الطرفين يفيد الحصر مطلقا، بل إن كان المسند
11
276 (1/292)
صفحة 293
معرفا بأل الجنسية كذا قيل والظاهر عدم التقييد بالجنسية، فمثلها العهدية، وأما نحو "زيد أخوك
" فلا حصر فيه، ويفيد الحصر " أخوك زيد"
•
وقيل الاستثناء من الإثبات يفيد الحصر أيضا، نحو "قام القوم إلا "زيدا" وقال عصام الدين لا يفيده هو الظاهر ولو أعطي بمعناه معنى الحصر. ومثال الحصر بـ (لا) و (بل) قولك: "زيد شاعر لا كاتب" حصر موصوف في صفة حصر إفراد و"ما زيد كاتبا بل شاعر" وإنما تفيد بل الحصر بعد النفي أو النهي لا بعد الإثبات؛ لأنها بعدهما تفيد الإثبات للتابع فتفيد القصر، وبعد الإثبات لا ترفع الإثبات عن المتبوع، بل تجعله كالمسكوت عنه فلا تفيد الحصر، وإفادة (بل) الحصر إنما هو على أن ما بعدها مثبت بعد النفي إن لم يُعَدُّ النفي أو النهي، وأما على قول المبرد بجواز نقل السلب، فإذا نقل فلا، حصر، وإذا أعيد السلب فلا حصر نحو "ما" زيد قائم بل عمرو قائم". ومثال قصر القلب بـ (بل) و (لا) " زيد قائم لا قاعد " و " ما زيد قاعدا بل قائم " وإنما سميت (بل) عاطفة في هذا المثال، و" ما زيد كاتبا بل "شاعر لأنها في صورة العطف وإلا فليست عاطفة، ولو كانت عاطفة لنصب متبوعها عطفا على خبر ما بل هي حرف ابتداء، وما بعدها مبتدأ محذوف الخبر في "ما زيد شاعرا بل كاتب" ومبتدأ محذوف الخبر في "ما زيد شاعرا بل عمرو" وإن نقل النفي على مذهب المبرد نصب وكانت عاطفة لكن لا تفيد الحصر كما مرّ حينئذ قبل بعد النفي تفيد الحصر إذا كانت عاطفة نحو: "ما" قام زيد بل عمرو" أو في صورة العطف نحو: "ما زيد شاعرا بل "كاتب ونحوه مما مرّ. وقال الفنري": هي عاطفة على محلّ
من
"
"
387
الخبر وهو الرفع بالمبتدإ، ولو نصب بـ (ما) في نحو: " ما زيد شاعرا بل كاتب " قيل: فيكون عطف المفردات، وعلى محلّ المبتدإ كذلك في نحو " ما زيد شاعر بل عمرو " قال: وزوال الابتداء بالناسخ لا يضر عند البصريين، ولذا جوزوا العطف على محل اسم إنّ، بعد مضي الخبر، والحق أنه إذا جعل من عطف المفردات لزم تسلّط النفي على مدخولها، وليس بمراد.
-
387
-
هو علي بن يوسف بن محمد الفناري - (أو الفنري) ـ علاء الدين الرومي الحنفي المتوفى 903 هـ، أحد الفقهاء وعلماء العربية نشأ في بروشة وتوفي بها، كان كثير التنقل في بلاد فارس وبخارى وولي القضاء ثم عكف بعد عزله على إقراء الطلبة، ومن مصنفاته " شرح الكافية ". وهو سبط الإمام الفناري محمد بن حمزة المتوفى 834 هـ صاحب التصانيف في الأصول والمنطق والعلوم العقلية والفرائض. ينظر الأعلام 5: 302 و 2: 342.
277 (1/293)
صفحة 294
ويكون أيضا (لا) و (بل) لقصر التعيين كما يكونان لقصر الإفراد والقلب، ولا يقال: إذا تحقق تنافي الوصفين في قصر القلب، سواء أكان تحققا شرطا أم لا على ما مرّ، فإثبات أحدهما يكون مشعرا بانتفاء الآخر، فما فائدة نفي الآخر وإثبات المذكور بطريق الحصر، لأنا نقول: الفائدة فيه التنبيه في قصر القلب على ردّ الخطإ لا من جوهر اللفظ، بل من حيث وجود الزيادة في كلام البلغاء الخالي عن التطويل بلا فائدة والتنبيه على أنّ المخاطب اعتقد العكس، وقصر القلب والتنبيه على تردّد المخاطب في قصر التعيين، وقولنا: " زيد قائم " ولو دلّ على نفي القعود حال القيام، لكنه خال عن الدلالة على أن المخاطب اعتقد أنه قاعد لا قائم. ومثال الحصر بـ (لا) و (بل) حصر صفة في موصوف قصر قلب أو قصر إفراد " زيد شاعر و " ما عمرو شاعرا بل زيد " بحسب اعتقاد المخاطب؛ فإن اعتقد العكس فالقصر للقلب أو اشتراكا فللإفراد والقزويني اشترط تنافي الوصفين في قصر القلب إذا كان قصر صفة على موصوف، فلا يشكل جعله زيد شاعر لا عمرو محتملا لقصر القلب، ويجوز عمرو بل زيد " بتقديم خبر المبتدإ، ومع ذلك هو من قصر صفة على موصوف، والله أعلم.
لا عمرو
" I
باب القصر بالسلب والاستثناء
ما شاعر
تقول في قصر الموصوف قصر إفراد أو قلب: " ما زيد إلا شاعر " و" ما زيد إلا قائم " كل واحد يصلح مثالا لقصر القلب، ومثالا لقصر الإفراد. وفي قصر الصفة إفرادا أو قلبا " ما قام إلا زيد " و" لا تضرب إلا العاصي " وتلك الأمثلة صالحة لقصر التعيين والتفاوت إنما هو بحسب حال المخاطب وأدوات الاستثناء في ذلك سواء نحو " ما زيد غير شاعر " و" ما قام أحد حاشي زيدا " و" ما خرج أحد عدا عمرا " وما عدا عمرا " وإنّما عبّرت بالسلب ليشمل النهي والاستفهام الإنكاري، وإنما قرنت الاستثناء والسلب؛ لأنّ الاستثناء بلا سلب، نحو " قام القوم إلا زيدا " لا يفيد الحصر؛ لأنّ القصد فيه إلى الحصر غير مراد، وإنما قصد إلى تصحيح الحكم الإيجابي، فهو بمنزلة تقييد طرف الحكم، فكما إن قولك: " جاءني الرجال العلماء " ليس قصرا، كذلك " جاءني الرجال إلا الجهلاء " ليس قصرا، بخلاف ما " جاءني إلا زيد "، ونحو ذلك مما
278 (1/294)
صفحة 295
فيه السلب، فإن المقصود منه قصر الحكم على زيد لا تحصيل الحكم فقط، وإلا قيل: " جاء
زيد".
وسواء في إفادة السلب والاستثناء القصر أن يكون الاستثناء متصلا أو منفصلا، نحو " ما قام القوم إلا البعير "، ولا يكون المفرغ إلا متصلا؛ فيقدر المستثنى منه علما من جنس المستثنى، كالناس والقوم وأحد، لنحو زيد أو رجل أو امرأة وكلباس وكسوة ومن نوعه في الإعراب كفاعلية ومفعولية وحالية نحو " ما كسوته إلا جبة " أي " ما كسوته لباسا إلا جبة "، و"ما أدفيته إلا شملة " أي " ما أدفيته بكسوة إلا شملة "، ونحو " ما اشتريت إلا نصف الجارية " " " ما اشتريت شيئا إلا نصفها "، أو " ما اشتريت جزءا من الجارية إلا نصفها "، أو " ما اشتريتها إلا نصفها " وكحال وزمان الحال وزمان، نحو " ما جاء إلا راكبا " أي: " ما جاء كائنا في حال من الأحوال إلا راكبا " و " ما سرت إلا يوم الجمعة " أي " ما سرت في وقت من الأوقات إلا يوم الجمعة " و" ما زيد إلا يقوم " أي: " ما زيد يفعل فعلا إلاّ يقوم "، أي: قياما. وذلك بحسب ما يناسب المقام، فقد يقدر الجنس الثاني فصاعدا، نحو ما رأيت إلا زيدا " فتارة تريد ما رأيت إنسانا إلا زيدا " وتارة " ما رأيت حيوانا " وتارة شيئا، ونحو ذلك.
والمقدّر في التفريغ إنّما ينساق إليه الذهن ويرجع إليه تفصيل المعنى من غير تقدير في نظم الكلام هنا، بل في النحو أيضا؛ ألا ترى أنك تقول في " ما جاء إلا زيد " إنّ (زيد) فاعل، ولست تقول الفاعل محذوف تقديره " ما جاء أحد " وزيد بدل من المحذوف؛ ووجه الحصر أنه إذا [ثبت] شيء من ذلك المقدّر بالا جاء القصر ضرورة بقاء ما عداه على النفي، وهذا المقدر مذكور في التام، فوجهه وجه المفرغ، ووجه الحصر بلا أو بل ظاهر، والحصر بـ (إنما) راجع إلى النفي والاستثناء، والتقديم راجع إلى النفي والاستثناء أو إلى العطف، وجاز التفريغ في البدل، نحو "ما سلب زيد إلا ثوبه، قال أبو البقاء والزمخشري: وفي الصفة نحو "ما مررت برجل إلاّ قائم" والمانع يقول بدل أي: "إلا رجل" قائم"، ولا يفرغ إلى المفعول والمصدر المؤكد، ويؤخر [المستثنى] مع أداة الاستثناء؛ ففي قصر وصف الفاعلية على الموصوف تقول: " ما ضرب زيد إلا عمرو "، وفي قصر وصف المفعولية على الموصوف " ما ضرب عمرو إلا زيدا "، وفي
معه
279 (1/295)
صفحة 296
قصر الموصوف على وصف الفاعلية " ما زيد ضارب أحدا إلا عمرا " و" ما زيد إلا ضارب
عمرو
، وفي قصره على وصف المفعولية " ما زيد ضربه أحد إلا عمرو
أن مفهوم
وكما يقصر المسند أو المسند إليه على الآخر، يقصر أحدهما على الفضلة، أو الفضلة عليه، أو الفضلة على الأخرى نحو: " ما أعطيت زيدا إلا درهما.". ومعنى قصر الفاعل أو المفعول على الآخر، أو قصر أحدهما على الحال، أو غير ذلك من المتعلقات قصر الحدث باعتبار ذلك وكذا ما يأول بالحدث. وقصر الفاعل على المفعول ونحوه يرجع في التحقق إلى قصر الصفة، نحو: " ما ضرب زيد إلا عمرو "، أو قصر الموصوف، نحو: " ما جاء زيد إلاّ راكبا "، فلا بد من اعتبار تعلّق الفعل بالمفعول مثلا حتى يرجع صفة له، لكن لا يلاحظ خصوصية المفعول حتى يصح قصره عليه؛ ففي قولك: " ما ضرب زيد إلا عمرا " قصر ضرب زيد على عمرو، بمعنى الكون مضروبا لزيد صفة مقصورة على عمرو، وهذا إذا حمل على أنه قصر حقيقي، أي: " ضرب عمرا ولم يضرب بكرا وخالدا، فيجوز فيه ما ذكر، ويجوز أن يقال: إن زيدا مقصور على كونه ضاربا لعمرو لا يتعداه إلى كونه ضاربا لبكر وخالد؛ فيكون من قصر الموصوف على الصفة، كأنه قيل " ما زيد إلا ضرب عمرا " وهذا معنى صحيح، إلا أنه يلزم عليه حينئذ الفصل بين الصفة المقصور عليها وبين قيدها، ويلزم أيضا كون المقصور عليه متقدما على كلمة (إلا) وإن كان قيده متأخرا عنها. وإذا قيل: " ما ضرب زيد إلا عمرا " فإن أريد حصر الضرب الصادر من زيد على عمرو فمن قصر الصلة، وإن أريد حصر زيد في الضرب الواقع على عمرو فمن قصر الموصوف، وكذا " ما ضرب عمرا إلا زيد " إن أريد قصر الضرب الواقع على عمرو وعلى زيد، فمن قصر الصفة، أو قصر عمرو على الضرب الواقع من زيد فمن قصر الموصوف. ونحو " " ما جاء إلاّ راكبا " من قصر الموصوف؛ أي: لم يكن زيد في زمان المجيء إلا على صفة الركوب، و" ما جاءني راكبا إلا زيد " من قصر الصفة؛ أي: صفة المجيء على هيئة الركوب لم يثبت إلا لزيد. وإذا أمكن في مقال واحد تأويلان حمل على المتبادر. ومعنى " ما ضرب زيد إلاّ عمرا " ما مضروب زيد إلا عمرو أي دون كله ما عدا عمرا فحقيقي، وإن أريد دون خالد مثلا كان إضافيا، وإن أريد الردّ على من زعم أن مضروب زيد عمرو وخالد مثلا كان إفرادا،
أو على من زعم أن مضروبه خالد دون عمرو كان قلبا أو على من شك كان تعيينا.
280 (1/296)
صفحة 297
وقل تقديم المقصور عليه وأداة الاستثناء على المقصور، نحو " ما ضرب إلا عمرا زيد " في قصر الفاعل على المفعول، و" ما ضرب إلا زيد عمرا " في قصر المفعول على الفاعل، وذلك مع أن يلي المقصور عليه الأداة على الأصل وأمّا أن يليها المقصور فلا يجوز البتة لانعكاس المراد، وإنما قلّ ذلك في قصر الصفة لأنه يوهم استلزامه قصرها قبل، تمامها، لأن الصفة المقصورة على الفاعل في قصر المفعول على الفاعل هي الفعل الواقع على المفعول لا مطلق الفعل؛ فلا يتم المقصور قبل ذكر المفعول والصفة المقصورة على المفعول هي الفعل المتعلق بالفاعل؛ فلا يتم المقصور قبل ذكر الفاعل وهكذا.
ويوهم في قولك: " ما ضرب إلا عمرا زيد " من قصر الموصوف لتأويله بما زيد إلا ضرب عمرا تأخير الموصوف عن جميع الصفة، وكذا " ما ضرب إلا زيد عمرا " إذا جعل من قصر الموصوف بتأويله بما عمرو إلا مضروب زيد، وإنّما قلت يوهم استلزامه لأنه لا استلزام في نفس الأمر، لأنّ الكلام يتمّ بآخره، وإنما جاز التقديم المذكور على قلة، نظرا إلى أن الصفة في حكم التام باعتباره ذكر المتعلّق في الآخر، والله أعلم.
ولا يعطف بـ (لا) بعد الحصر بـ (إلا) على قلة ويجوز بعد الحصر بغيرها، لا تقول: " ما قام إلا زيد لا عمرو، و " ما زيد إلا قائم لا قاعد "، ويجوز النفي بغيرها على استقلال جملة، نحو
" ما زيد إلا قائم و لم يقعد " و " ما زيد إلا قائم وليس قاعدا " أو " ما زيد إلا قائم ليس قاعدا و" ما قام إلا زيد دون عمرو " أو " ولم يقم عمرو " أو " ليس عمرو قائما ". ويجوز " ما قام إلا زيد فقط " ونحو ذلك، كما يجوز ذلك كله مع غير الحصر بالاستثناء، فيجوز "إنما قام زيد
لا عمرو" و"إنما عمرو قعد لا قام ولا اتكا" و"قائم زيد لا قاعد" و"زيد أكرمت لا عمرا". وإنما لم يجز العطف بـ (لا) بعد الاستثناء؛ لأنّ السلب مصرّح به في الاستثناء، ولم يصرح بالمسلوب عنه، و (لا) إنما تعطف ما لم ينف قبلها، ولا ضير بالعطف بها بعد السلب ضمنا، أو بنحو أبي وكف وامتنع؛ لأنها في النفي كقام في الإثبات وأمّا ليس فكحرف] النفي، فقولك: "قام زيد لا عمرو" لم ينف فيه عمرو وقبل (لا)، وكذا جاء رجل لا امرأة" لم تنف المرأة قبل بل ذكر ضدها، بخلاف ما جاء إلا "زيد" ففيه نفي عمرو وغيره مثلا، و" ما زيد إلا قائم " فيه نفي قعوده واضطجاعه ونومه واتكائه، ونحو ذلك كاستلقائه. وقد يقع ذلك في الكلام بعض
281 (1/297)
صفحة 298
11
العلماء وهو لا يجوز، ومنه قول الكشاف: "ما هي إلا شهوات لا غير، وقال عصام الدين ليس هذا مما يمنع، بل جملة مستقلة للتأكيد أي: " لا غير الشهوات موجود "، وليس كما قال عندي، وانظر هل يجوز " ما زيد إلا قائم لا عمرو "؟ لأنّ العطف فيه ليس على مدخول (إلا) بل على ما قبلها؛ فيكون المعنى " ما زيد إلا قائم "، بخلاف عمرو فإنّه ليس ما هو إلا قائم وهذا عندي ظاهر. واستظهر بعض أنه لا يصح، لأنه ولو لم يكن المعطوف بها منفيا قبلها، لكنه يوهم أن النزاع في " قام زيد وعمرو " ولا في قيام زيد وقعوده الذي هو فرض الكلام. ولا يجوز أيضا العطف ببل بعد الاستثناء والسلب، لا يقال: " ما زيد إلا قائم بل قاعد " لأنّ (بل) تنقل حكم ما قبلها لما بعدها في الإثبات، وتقرر حكم ما قبلها في السلب وثبت ضدّه لما بعده. ولا يعطف بـ (بل) بعد الحصر بغير الاستثناء، لا يجوز " إنما قام زيد بل عمرو " و " تميمي أنا بل قيسي "، وإنما جاز العطف بـ (لا) بعد غير الاستثناء من أنواع الحصر؛ لأنّ السلب غير مصرح به في غير الاستثناء، وإذا عطف بـ (لا) بعد (إنّما) فالحصر يسند إلى (إنّما) لأنها أقوى، وبعد التقديم يسند إلى التقديم وإن اجتمع التقديم و (إنما) نحو: " إنما قائم زيد لا عمرو " و " إنما أكرمت زيدا لا عمرا"،:" فالحصر عند السعد يسند إلى التقديم لأنه أقوى عنده وفي شرح المفتاح وعند السيد إلى (إنما) لأنها أقوى عنده، وقال السعد في المطول: (إنما) أقوى، وقال عصام الدين: الأظهر أنّ النفي لا يجامع التقديم الذي للحصر، ولا (إنّما) للحصر، بل تُحمل (إنّما) على التأكيد، كما هو أصل وضع (إن)، فليست (إنّما) للحصر في " إنّما زيدا ضربت لا عمرا " و" في زيدا
388
و"
،
ضربت لا عمرا " و" إنّما ضربت زيدا لا عمرا " ولذا جاز الجمع بين التقديم و (لا) و (إنما) بخلاف الاستثناء بعد النفي فإنه للقصر. وتقدم الكلام في نحو " هو يأتيني " هل هو للحصر بـ (لا) مع التقديم أو مع (إنما)؟ بقولك: " امتنع زيد عن المجيء لا عمرو " في الدلالة على الانتفاء ضمنا، فإن امتناع زيد عن المجيء يشير إلى أنه لم يجئ.
ويجوز العطف بـ (لا) بعد " إنّما قام زيد " و" إنما زيد قام، ولو كان ما قبلها تضمّن لا يعطف بها بعد نفي. كما جاز العطف بها في " امتنع زيد عن المجيء لا عمرو " مع
نفيا، وهي
282
المطول 1: 276، 277
388 (1/298)
صفحة 299
389
تضمّن النفي الجامع (إنّ) الممنوع العطف بها بعد صريح النفي. وقال السكاكي: شرط العطف بـ (لا) بعد (إنّما) في قصر الصفة على الموصوف أن لا يختص الوصف بالموصوف
390
تتحصل الفائدة كقوله تعالى {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ 390؛ فإن الاستجابة تختص بالسامع فلا يقال. إنّما يستجيب الذين يسمعون لا الذين لا يسمعون. . وقاس السيد وعصام الدين على ذلك قصر الموصوف على الصفة فلا يعطف بـ (لا) بعد قصره عليها بـ (إنّما)، إن كان الموصوف مختصا بالصفة، فلا يقال " إنّما المفتي يسلك مناهج السنة لا طريق البدعة "
391
وإنما الزمني قاعدون لا قائمون". وقال عبد القاهر: لا يحسن العطف بـ (لا) بعد (إنما) إذا اختصت الصفة بالموصوف، كما يحسن في غيره، أي: لا يوجد فيه حسن البتة كما وجد في غيره، هذا مراده، والله أعلم. و لم يرد إن فيه حسنا دون حسنه في غيره.
ويقاس قصر الموصوف على الصفة في هذا المذهب، فيشترط للعطف فيه بـ (لا) إذا كان ب (إنما) أن لا يختص الموصوف بالصفة، وإن اختص لم يحسن العطف. والظاهر أن التقديم في ذلك كله كـ (إنما)؛ فلا يجوز أو لا يحسن أن يقال: " من يَسْمَع تُسمع لا غيره" للاختصاص المذكور وظاهر السكاكي جوازه بلا ضعف واختار القزويني 392 مذهب عبد القاهر وهو ظاهر، وقال: (إنّه أقرب) أي: إلى الصواب؛ وذلك أنه لا دليل على الامتناع عند قصد زيادة التحقيق والتأكيد، ولا يقال: إنه يمتنع كما يمتنع " ما زيد إلا قائم لا قاعد " و لم يجوزه لقصد التحقيق، لأنا نقول النفي مصرّح به قبل (إلا)، لا قبل (إنما)، وهذا أيضا هو الجواب إذا قيل إذا صح القصر بـ (إنّما) في ذلك، فما المانع من صحة العطف؟
ثم اعلم أنه لا يتصوّر القصر في الوصف أو الموصوف الظاهر الاختصاص إلا لتنزيل المخاطب منزلة المخطئ أو المتردّد لداع. وإنّ أصل القصر بالسلب والاستثناء أن يكون مما يجهله المخاطب
389
ينظر المفتاح 141
390 ـ الأنعام جزء من 36 - الآية الكريمة (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)
-
391
392
ينظر دلائل الإعجاز 248
- قال في الإيضاح ص 127: (قال السكاكي شرط مُجَامَعَتِهِ للثالث أن لا يكون الوصف مختصا بالموصوف كقوله تعالى (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) فإنّ كلّ عاقل يعلم أنّ الاستجابة لا تكون إلا تمن يسمع ... وقال الشيخ عبد القاهر: لا تحسن مجامعته كما تحسن في غير المختص، وهذا أقرب.)
283 (1/299)
صفحة 300
11
وينكره إنكارا، تاما، كقولك لصاحبك وقد رأيتما شبحا من بعيد: "ما هو إلا زيد" إذا اعتقد صاحبك أنه غير زيد؛ فالقصر، قلب أو إنّه" زيد وعمرو فالقصر إفراد والشبح جسم لا يدرى ما هو، حتى إنّه يحتمل أيضا أن يكون شيئين أو أكثر وذلك لبعده، وقد يكون لغير بعد؛ كضعف البصر وتلبيس، وباؤه تفتح وقد تسكن)، وعلى ذلك فقصر التعيين بالاستثناء خلاف الأصل لأن المخاطب به غير منکر بل متردّد، وخرج تقييد الإنكار بالتام غير التام، فإنه يوجد في سائر طرق الحصر، وأما الجهل فيوجد في جميع طرق الحصر، وقد ينزل الحكم منزلة المجهول للاعتبار المناسب للمقام، فيحصر بالاستثناء حصر إفراد، كقوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ 393 أي مقصور على الرسالة لا يتعدّاها إلى التبرؤ من الموت؛ فهو قصر موصوف قصرا إضافيا، والصحابة عالمون بأنه غير جامع بين الرسالة والتبرؤ من الموت، لكنهم لما كانوا يعدون موته أمرا عظيما نزل المعلوم وهو عدم التبرؤ من الموت منزلة المجهول لاستعظامهم، موته، ونزل استعظامهم موته منزلة إنكارهم، موته، فلزم أنّ علمهم بموته كالجهل به فقصر بهم قصر إفراد، أي: له الرسالة التبرؤ من الموت، والاعتبار المناسب للمقام هو الإشعار بعظم هذا الأمر في على بقائه عليه الصلاة والسلام أو التنبيه على مفاسد الاستعظام حتى
وجدها لا
نفوسهم و
وشدّة
حرصهم
يلحق بالجهل في الفساد في التحذير عنه. وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول للاعتبار المناسب فيحصر بالاستثناء حصر قلب، نحو قوله تعالى إِنْ أَنتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا) 394 فالرسل المخاطبون عالمون بأنهم بشر غير منكرين، لكن نزلوا منزلة المنكرين لاعتقاد المتكلمين الكفار أن الرسول لا يكون بشرا، مع بقاء المخاطبين على دعوى الرسالة المنافية للبشرية على زعم هؤلاء الكفّار، وذلك الاعتقاد هو الاعتبار المناسب؛ فدعوى الرسالة كدعوى عدم البشرية في زعمهم فكأن المخاطبين في زعمهم قالوا لسنا بشرا، إذ قالوا إنا، رسل، فقصروا لهم، قلبا، وهو إنكم بشر، والبشر لا يكون رسولا، ففيكم البشرية التي نعتموها في ضمن دعوى الرسالة، لا الرسالة التي تدعونها.
393 ـ آل عمران جزء من 144 - الآية الكريمة وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وضَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) - إبراهيم جزء من 10 - الآية الكريمة (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَاتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)
394
284 (1/300)
صفحة 301
ومبنى القصر هنا حال المتكلم والمخاطب، وفي الآية السابقة حال المخاطب. وأما قول المخاطبين "إن نحن إلا بشر مثلكم " فإثبات للبشرية ونفي للملكية لا للرسالة، كما زعم الكفار أن إثبات البشرية نفي للرسالة، وذلك جري منهم مع الكفار بتسليم البشرية وهي حق كما يجري مع الخصم يعرض بعض باطله أنه حق على سبيل التنزيل ليصغي فيفحم، ولو عورض من أول وهلة لنفر، أي: نحن بشر كما قلتم لكن البشر قد يمنّ الله عليه بالرسالة، لكنهم أثبتوا الرسالة على طريق الحصر ليكون على وفق كلام الخصم، ولا يلزم من الكون على وفق كلام الخصم عدم إرادة الحصر، وإن قلت الكفار لا ينكرون بشرية الرسل، فضلا عن أن يردّ عليهم بهذا الحصر الذي هو الحصر، الذي هو إن نحن إلا بشر، فالحصر غير مراد واللفظ مستعمل في أصل الإثبات، و استعمال اللفظ في بعض معناه قلت قد يكون القلب لنكتة غير الإفراد والقلب والتعيين، ويحتمل أن يكون قوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ 395 من حصر القلب؛ بأن نزل استعظامهم موته منزلة دعوى ألوهيته لأنّ البقاء مختص بالله تعالى واعتقاد الألوهية ينافي اعتقاد الرسالة، وهذا على أن معتمد القصر ليس الصفة التي هي خلوّ الرسل من قوله قَدْ خَلَتْ مِنْ قبله الرُّسُلُ، وأما إن جعلناها محطّ الحصر كما قال الزمخشري والسيد فقصر قلب قطعا، أي: " وما محمد إلا يخلو كما خلت الرسل من قبله، ويحتمل أن يكون قول تعالى إِنْ أَنتُمْ إِلا بَشَرٌّ من قصر الإفراد من غير تنزيل للمعلوم منزلة المجهول جريا على الظاهر، أي: ما اجتمعت لكم البشرية والرسالة كما تزعمون. وأن يكون من قصر القلب بلا تنزيل بأن يكون المراد: "إنّما أنتم بشر مثلنا لا بشر أعلى منا بالرّسالة». وقال عصام الدين: يحتمل ما جعلوه تنزيلا أن يكون على مقتضى الظاهر، ويكون الكلام من قبيل الكناية؛ فمعنى إن أنتم إلا بشر": "إن أنتم إلا غير رسل، باستلزام البشرية نفي الرسالة "، فذكر البشرية وأريد انتفاء الرسالة، فيكون قصر قلب بلا تنزيل، والله أعلم.
مثلنا
396
وغيره لا في قصر الموصوف وقصر الصفة إفرادا، وقلبا، وتعيينا، وعدم مجامعة لا العاطفة، تقول: " قام غير زيد " و " زيد غير قائم " ولا تقول: " قام غير زيد لا عمرو " و" زيد غير قائم
395
3 - آل عمران جزء من 144
396 ـ إبراهيم جزء من 10
285 (1/301)
صفحة 302
لا قاعد " نعم يجوز على التكرير، فقط نحو " قام زيد غير لا زيد " و" زيد غير قائم لا قائم".
وسوى بلغاتها كغير، إذا قلنا إنها غير ظرف
•
باب القصر بإنما
)
يقصر بما لتضمّنها معنى حرف السلب وأداة الاستثناء، وأصل أدواته (إلا)، فهي أولى بالاعتبار، وليست مرادفة لحرف السلب والأداة، لأنّ المترادفين يتحدّان معنى وإفرادا في اللفظ، وإنما مفرد بالتركيب، وحرف السلب والأداة لا إفراد فيهما تحقيقا ولا تركيبا؛ فإنه لا يقال إنسان مرادف للحيوان الناطق، ولفظ (إنما (يستعمل فيما من شأنه أن لا ينكره المخاطب، وحرف السلب وأداة الاستثناء بالعكس، ولذلك قلت: تضمّنت معنى حرف السلب وأداة الاستثناء، ولم أقل هي بمعناهما، وقال بعض الأصوليين: يقصر بها لأنّ (ما) نافية، و (إن للإثبات، ولا يرجع النفي والإثبات إلى ما بعدها لظهور التناقض، فأحدهما راجع إلى ما بعدها والآخر إلى ما عداه، وكون (ما) راجعا على ما بعده خلاف الإجماع فتعين الإثبات لما بعدها والنفي لما عداه، وهو تكلف لا يوصل إلى اختباره والتعليل الأوّل أولى، وكذا التقديم أفاد الحصر لتضمن معنى (حرف السلب) و (إلا)، ولذا فسروا (شَرُّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ بِمَا أَهَرَّهُ إِلَّا ثَمِلٌ) وتقول في قصر القلب أو الإفراد والتعيين: قصر موصوف " إنّما زيد كاتب "، وقصر صفة إنما قام زيد " وقال في دلائل الإعجاز (إنما) و (لا العاطفة (لا يستعمل في الكلام المعتد به إلاّ لقصر القلب أو إلى قصر التعيين، قال الله تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ 397، أي: "ما حرم الله عليكم إلا الميتة"، وقرئ (برفع) الميتة، فـ (ما) موصول، و (الميتة) خبر، والحصر بتعريف الطرفين، وتعريفهما يحمل على غير لا قصر إلا لفائدة ظهرت والرابط محذوف إي إنّ الذي الله عليكم الميتة، وقرئ "برفع" (الميتة) و"بناء" (حرّم) للمفعول؛ فالميتة نائب الفاعل، والحصر بـ (إنّما)، أي: ما المحرّم إلا الميتة. أو "الميتة "خبر"، و"ما" موصول، أي: المحرم الميتة؛ فالحصر بالتعريف، ورجّح ببقاء إن على عملها مع وجود الحصر.
حرمه
397 ـ البقرة جزء من 173 - الآية الكريمة (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ
اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
286 (1/302)
صفحة 303
والعرب كابن عباس وابن مسعود ومجاهد فسروا الآية بالحصر، فتفسيرهم حجة في أن (إنما) للحصر، لأنهم فسروا بذلك، ولو في قراءة نصب الميتة المتعينة لكون (إنما) كانا مكفوفا، وأما أن يقال في قراءة النصب: إنّ (ما) اسم لـ (إنّ)، وإنّها للعالم - وهو الله تعالى هنا، وأنّ الخبر محذوف، أي: إنّ الذي حرّم الميتة والدم ... الله، فتكلف يجعل (ما) للعالم وحذف الخبر، وبتخريج الكلام على سوقه لبيان المحرّم بكسر الراء)، وإنما سيق لبيان المحرّم بفتحها، وأكثر تكلفا أن يقال: إنّ الذي حرّمه الله الميتة ثابت تحريمه يجعل ما اسما الله، وجعل الميتة بدلا
منه
من
الرابط المقدر، وحذف الخبر، ويحتج أيضا لكون (إنّما) للحصر بقول النحاة: إنما لإثبات ما
يذكر بعدها ما سواه على الإطلاق في القصر الحقيقي، وتما سواه مما يقابله في الإضافي؛ ففي إنما زيد قائم " لإثبات قيام زيد ونفي سواه من القعود والاضطجاع ونحوهما عنه، ذلك من قصر الموصوف. وفي (إنّما) يقوم زيد لإثبات، قيامه ونفي ما سواه من قيام بكر وعمرو
•
وغيرهما، وذلك من قصر الصفة وكان كلام النحاة حجة لأنه مستنبط من كلام العرب. وصرّح النحاة بالإثبات والنفي في (إنما) لخفائهما، بخلاف العطف بـ (لا) و (الاستثناء)، فظاهر إنّ فيهما، وأما التقديم فلا يفيد الحصر عند النحاة، ويحتج أيضا لكون (إنما) للحصر بوجوب انفصال الضمير معها، إذا كان الوصف مقصورا عليه نحو " إنما قام أنا " و" إنما قام أنا وزيد" "إنما قام "هو" ف "هو" و"أنا" و"أنت" فواعل أي: "ما قام إلا أنا"، و"ما قام إلا أنت"، و"ما قام إلا هو " وأما إذا أريد قصر الضمير على الوصف فإنّه يجب الوصل، نحو: " إنما قمتُ " و" إنما قمت" و"إنّما قام "، أي: " ما فعلت إلا القيام " و" ما فعل إلا القيام " وذلك قول ابن مالك وهو الحق، وردُّ أبي حيان عليه لم يصادف محلاً، وقال سيبويه: الفصل بعد (إنما) ضرورة بناء على أنها ليست للحصر كما هو المنقول عنه، وهو خلاف ما عليه الجماعة وقول الزجاج بجواز الوصل والفصل بناء على أنه يجوز وجود قرينة ظاهرة غير الفصل على حصر الصفة في الضمير فيوصل اتكالا عليها وهو ضعيف، وإنما كان الفصل دليلا على أنها للحصر، لأن الفصل يكون إذا تعذر الاتصال، وقد يجوز الوجهان لا وجه للتعذر هنا إلا لكونها متضمنة لمعنى حرف السلب والاستثناء، ولو وصل لفات المعنى المراد، فالمانع من الوصل معنوي لا لفظي، وما ذكرته هنا دليل
""
287 (1/303)
صفحة 304
على شدة اتصال المضمر المتصل بالفعل، حتى إنه متأخر ولا حصر فيه، مع أن الحصر بعد (إنما) على (أنت) خبر، نحو " إنما قمت " فإن معناه: "ما كان منّي إلا القيام"، وليس معناه: "ما قام إلا أنا"، فالفعل والمتصل ككلمة واحدة. وإن قلت صحة الانفصال متوقفة على تضمّن حرف السلب والاستثناء، ومعرفة التضمّن متوقفة على صحة الانفصال لاستدلالنا بها عليه، وذلك دور. قلت: التوقف الأول توقف حصول، والثاني توقف معرفة فلا دور. ومن الفصل قول الفرزدق: [من الطويل] أَنَا الذَّائِدُ الْحَامِي الدِّمِارَ وَإِنَّمَا
عنف
يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
398
فـ"أنا" فاعل يدافع، أي: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، "الذائد" بإعجام (الدال) الأولى بمعنى الطارد، و"الحامي" المانع الحافظ، و"الذمار" العهد يمنع نقصه ويحفظه. وقيل الذين إذا لم يحمهم وليم، كعياله وجاره وصاحبه وسائر حريمه وماله و (الواو) في و"إنما يدافع" للاعتراض الذي يذكر في هذا الفن، وفيها قيل معنى التعليل أي لأني شجاع مطاوع، وإنما للقلب أو للإفراد أو للاشتراك بحسب اعتقاد من يخاطبه الفرزدق، و"الأحساب": جمع حسب [وهو ما يعده المرء من مفاخر نفسه وآبائه والأصل أنه المفخرة، ولو قال: "إنما أدافع" (بالهمزة) لكان المعنى "أدافع عن أحسابهم لا عن غيرها، وكان من قصر الصفة ـ وهي الدفاع - على الموصوف - وهو والأحساب - وليس ذلك بمراد فأظهر الضمير منفصلا، فكان المعنى: "لا يدافع عنها إلا أنا أو مثلي، وكان أيضا قصر الصفة على الموصوف، لكن الصفة الدفاع والموصوف "أنا ومثلي"، وكونه لو قال: "أدافع" (بهمزة المتكلم) لكان حصر الدفاع في أحسابهم مبنيان على تسليم إفادة (إنّما) الحصر التي هو الدعوى، قلتُ: علمنا من قرينة المدح أنها للحصر، وهذه القرينة من خارج، ولا يصح أن المدح حصر، وصح أن (إنّما) للحصر، ولا يصح أن يقال: الفصل ضرورة؛ لأنه يمكن أن يقول: "أدافع" (بالهمزة) فيكون "أنا" تأكيدا للمستتر في أدافع، وهذا على مذهب ابن مالك: أن الضرورة ما لا
398
=
وردت في الديوان 153/ 2 بالصيغة الآتية: أَنَا الضَّامِنُ الْرَّاعِي عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا ولقد نسبه بعضهم إلى أمية بن أبي الصلت.
288
يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي (1/304)
صفحة 305
يجد الشاعر عنه مندوحة. وأما الجمهور فالضرورة عندهم ما ورد في الشعر ولم يرد في النثر، أو ورد في الشعر وندر في النثر، وهو الصحيح لأنه لا يتعاصى لفظ عن الشعر إلا وقد يصح أن يحتال له بحذف أو بتبديله بآخر أو تقديم أو تأخير أو غير ذلك من المناديح، ولا أن يقال (ما) موصول اسم (إنّ) واقعة على العالم، أو نكرة موصوفة كذلك، وأنا خبر، أي: إنّ الذي يدافع عن أحسابهم هو أنا، فليست فيه (إنّما) بل إن واسمها فيستفاد الحصر من تعريف الطرفين، قلتُ: لا داعي إلى العدول عن لفظ من إلى لفظ ما واستعمالها للعالم ولا سيما المقام للفخر فيناسبه من، ولو كانت موصولة أو نكرة موصوفة لفصلت (إنّ) عنها في الخط، اللهم إلا أن يقال: إنّه من استعمال ما في صفة من يعلم وهو سائغ كثير مقيس كقوله تعالى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ 399 أي: إِنْ قَوِيّاً يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي، وإن القوي الذي يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي، وإن كتابته بوصل النون بما هو رأي من يقول ذلك هو (إنما) التي هي مكفوف وكاف، ولو كتبت على رأي إنّ ما موصول أو نكرة موصوفة لفصلت، ويضعف أن يقال: "أنا" تأكيد لمضمر مستتر في يدافع عائد "على الذائد الحامي" أكد ضمير الغائب بضمير المتكلم لوقوعهما هنا على ذات واحدة، لأن الذائد الحامي ويدافع ولو كان بصيغة الغائب، لكن جريا على ضمير المتكلم وهو أنا السابق فجاء التأكيد على المعنى مثل أن تقول: " إنا قائمون " بتأكيد المستتر في "قائمون" بـ (نحن)، والله أعلم.
399 ـ النساء جزء من 3 - الآية الكريمة وَإنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَقُولُوا)
289 (1/305)
صفحة 306
وأحسن مواقع (إنّما) الكلام الذي يراد به التعريض وهو أن يستعمل الكلام في معنى ليفهم منه معنى آخر، نحو قوله تعالى {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ 400 فإنا نجزم بأنه ليس المراد ظاهره فقط؛ وهو حصر التذكر، أي: تعقل الحق في أولي الألباب أي أرباب العقول الخالصة، فإنّه معلوم بل هو تعريض بأنّ الكفار من فرط جهلهم كالبهائم، فطمع النظر منهم كطمع النظر من البهائم، فمناط الفائدة هو المتوسل إليه.
2.1
والأصل في (إنّما) أن تستعمل فيما يجهله المخاطب، لكن من شأنه أن لا يجهله، وأما قولك: " إنما هو أخوك " لمن يعلم ذلك، وتريد أن ترققه عليه، فهو من خلاف مقتضى الظاهر لأنه يعلم أنه أخوه، لكن لما لم يشفق عليه نزل منزلة الجاهل فخوطب بالقصر، وقد ينزل ما جهله المخاطب منزلة ما من شأنه أن لا يجهله ولا ينكره، وإن كان جاهلا له لادعاء ظهوره، فيستهل له الحصر بـ (إنما)، نحو إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) 401 ادعوا أن كونهم مصلحين أمر ظاهر من شأنه أن لا يجهله المخاطبون ولا ينكروه، ولذلك جاء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ 402 للردّ عليهم مؤكدا بالجملة الاسمية الدالة على الثبات، وتعريف الخبر الدال على الحصر، وتوسط ضمير الفصل المؤكد، وتصدير الكلام بحرف التنبيه الدال على أنّ مضمون الكلام مما له حظ وبه عناية، وتوبيخهم وتقريعهم بقوله وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ)، والحصر في أنهم"هم المفسدون" حصر مسند في مسند إليه؛ فالمعنى لا مفسد إلا هم، لأنّ تعريف الخبر وضمير الفصل لقصر المسند على المسند إليه، وتأكيد الردّ على الكفّار حاصل به ولو كان قصر المسند إليه على المسند أبلغ
في ذلك.
403
واعلم أنّ في (إنما) و (السلب) و (الاستثناء) و (التقديم) و (العطف بلا أو بل أو لكن) تعقل الحكمين السلب والإيجاب، ولـ (إنما) مزيّة على التقديم من حيث احتمال كون المقدم معمولا لشيء آخر، وعلى السلب والاستثناء من حيث توقف الاستثناء في الإفادة على المستثنى منه،
-
400
401
402
403
الزمر جزء من؟ - الآية الكريمة (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ) البقرة جزء من 11 - الآية الكريمة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) - البقرة جزء من 12 - الآية الكريمة ألا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ)
-
- البقرة جزء من 12
290 (1/306)
صفحة 307
والفرق بين الاستثناء والعطف أنّ صورة العطف تحتمل الاستقلال والاستثناء مرتبط بالمستثنى منه؛ لأنّ الاستثناء هو الإخراج، فلا بد من ملاحظة المخرج منه فيفيد الحكمين بواسطة ذلك الارتباط، وإفادتهما في (إنّما) أقوى منها في السلب والاستثناء لعدم التوقف على شيء في (إنما)، لأنه يفاد فيها الحكمان إجمالا أولا، ولـ (إنما) وغيرها من أدوات الحصر مزيّة على الحصر بـ (لا) و (لكن) و (بل)، لأنهنّ يفدن الحكمين معا دفعة وأمّا (لا) فتفيد النفي بعد تقدم الإثبات، و (بل) و (لكن) يفيدان الإثبات بعد تقدّم السلب وتعقل الحكمين معا بمرة أرجح؛ إذ لا يذهب فيه الوهم إلى عدم القصر من أوّل الأمر، كما في يذهب في (لا) و (بل) و (لكن)، ومعنى تعقل الحكمين بمرة إذ الواضع وضع (إنما) والتقديم والاستثناء والسلب بمجموع الحكمين، ولو يلاحظ أحدهما قبل الآخر.
والأصل في (إنّما) و (الاستثناء) و (التقديم النصّ على المثبت فقط، ويرد هذا الأصل في قولك: " ما زيدا ضربت " و " ما أنا قلت " إذ القصر به قصر الفعل على غير المذكور لا قصر عدم الفعل على المذكور، كما هو الحق، فيكون النص بما نفي لا بما أثبت و" ما جاء القوم إلا قصر فيه على المثبت والمنفي جميعا، فقيل هو خلاف الأصل أن يقال: إنه لم ينص على الإفراد واحدا واحدا، والحق أن في الحصر بالاستثناء والنفي التفريغ وقصر مثبت فقط، والإنشاء كالخبر وكثر بما في كثير مما ذكره في الإسناد والمسند.
زيد
وأما الحصر بـ (لا) و (بل) و (لكن) فينص على المثبت والنفي، وإنما يترك النص كراهة
11
الإطناب في مقام الاختصار، أو لتأتي الإنكار عند الحاجة أو قصد الإبهام ونحو ذلك، يقول القائل: " زيد يعلّم النحو والصرف والعروض، فتردّ عليه بقولك: " زيد يعلم النحو لا غير أو " لا ما سواه " أو " لا ما عداه " أو نحو ذلك، أي: " لا غير النحو " وبهذا الاختصار، وبسطه " زيد يعلم النحو لا الصرف والعروض " فتردّ عليه بقولك: " يعلم النحو لا غير" أو " ما سواه " أو " ما عداه " أو نحو ذلك أي:. لا غير النحو، وهذا الاختصار وبسطه " زيد يعلّم النحو لا الصرف والعروض"، ويقول القائل: " زيد يعلّم النحو وبكر وعمرو " فتردّ عليه بقولك: زيد يعلّم النحو لا غير، أي: لا غير زيد، وهو من قصر الموصوف، وبسطه " زيد يعلم النحو لا عمرو ولا بكر " وهو من قصر الصفة، ومثله أن تقول: " لا من عداه " أو " لا
11
291 (1/307)
صفحة 308
من سواه " أو نحو ذلك، وإن قلت: " لا غير" أو نحوه نص على المنفي، لأن لفظ (غير) ونحوه عبارة عن المنفي؛ فالمثالان نصا على المثبت والمنفي، قلت: المراد: النص الصريح وليس في ذكر (غير) ونحوه تصريح بالمنفي، بل هو مذكور معها إجمالا لعدم دلالتها على المنفيات بخصوصها. وقال عصام الدين وربما يكون قولك: " زيد يعلّم النحو لا غير " نصا على المثبت والمنفي، كما إذا قصد القصر الحقيقي بأن لا يتقدم قول القائل: زيد يعلم النحو والصرف والعروض " وليس قولك: " لا غير " "بالضم لحنا" على الصحيح لوروده في قول الشاعر: [من الطويل]
جوابا به تنجو اعتمد فوربنا
11
لعن عمل أسلفت لا غير تسأل
الحصر.
404
ومثل "لا غير" في حكم القصر "ليس "غير" وليس لحنا، وقال الرضي: ليست (لا) عاطفة في قولك (لا غير) بل نافية للجنس، والخبر محذوف أي لا غيره عالم في قولك: " زيد يعلّم النحو " جوابا لمن قال: " زيد يعلّم لا عمرو وبكر"، أو (لا غيره) معلوم في قولك: " زيد يعلّم النحو لا غير جوابا لمن قال: " زيد يعلّم النحو والصرف والعروض "، فـ"لا غير" وما قدر بعده جملة مستأنفة يستفاد معها الحصر، وليست من صيغ ودلالة (إنّما) و (السلب) و (الاستثناء) و (الطعف) و (بل) و (لكن) على القصر بالوضع؛ لأنّ الواضع وضعها لمعان تفيد القصر، وهو إثبات المذكور ونفي ما سواه، إلا أن أحوال القصر من كونه إفرادا وقلبا أو تعيينا، إنّما يستفاد منها بمعونة المقام، وهي المقصود في الفن بالذات. ووضع ذلك القصر ظاهر، لأنّ حرف السلب سالب وأداة الاستثناء موجبة مخرجة عن حكم النفي. ويلزم من اجتماعها، قصر و (إنّما) بمنزلتهما، وما قبل (لا) مثبت وما بعدها منفي، و (بل)
بالعكس.
وأما التقديم فيدلّ على القصر بالمفهوم يفهم منه صاحب الذوق السليم القصر، إذا تأمل ولو لم يعرف اصطلاح البلغاء فيه، ويؤخر المقصور عليه بـ (إنّما)؛ فمعنى " إنما ضرب زيد عمرا " ما ضرب زيد إلا عمرا، ومعنى " إنّما ضرب عمرا زيد " ما ضرب عمرا إلا زيد، ولو تقدّم وتلا (إما) لالتبس بالمقصور، لأنه التالي لـ (إنما). واعترض كون المؤخّر هو المقصور عليه بعد (إنما)،
292
ينظر الشروح 2: 205
-
404 (1/308)
صفحة 309
والتالي لها هو المقصور بأمور منها، " إنّما زيدا ضربت " فإن المقصور عليه "زيدا" وقد تلاها، والمقصور "ضربت" وهو المتأخر، قلتُ: هذا القصر حصر تقديم، وحصر (إنما) من وراء ذلك، وجعل المحصور عليه بمنزلة شيء محصور عليه بـ (إنما)، والمحصور بها مقدر، أي: ما وقع إلا اختصاص الضرب بزيد، وقيل: إنما هنا خارجة عن الحصر، والتزم السيد أن الحصر فيه للضرب في زيد إنما هو بإنّما لا بالتقديم، وعليه فيستثنى صورة التقديم المجتمعة (إنما)، فيكون التقديم للاهتمام ونحوه لا للحصر. قال عصام الدين: الحكم بأنها فيه لغير الحصر، وفي "إنما جاء زيد لا عمرو" للحصر، تحكم ومنها: "إنّما قمت فالمحصور عليه القيام، وقد تلا (إما)، ولو كان المحصور فيه (التاء)، لقيل: " إنما قام أنا " قلت: نزلت (التاء) منزلة الجزء من الفعل فلم بعد لفظ القيام شيء مقصور وليس في اللفظ إلا المقصور عليه وكأنه قيل " ما وقع إلا قيامي"، ومحلّ قولنا تاليها مقصور، والمؤخر مقصور عليه ما إذا صرح بهما ومنها قوله (إنما يأكل آل محمد من هذا المال (قلت: قد تأخر المحصور عليه، أي: إنّما يأكلون من هذا المال لا من الزكاة. ومنها قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْحَمْرِ وَالْمَيْس 400 فإنه ليس المراد ما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء إلا في الخمر والميسر، قلت: ليس المراد بالمؤخر المقصور عليه ما تأخر مطلقا بل تارة يكون ما تأخر مطلقا نحو " إنما ضربت زيدا، وتارة ما تأخر بالنسبة للمقصور، ولو كان بعده شيء آخر فيكون من لواحقه أو لواحق غير، والآية منه؛ فالمتأخر المقصور عليه إيقاع العداوة والبغضاء وكون الإيقاع في الخمر والميسر، أو كون العداوة فيهما من لواحق المقصور عليه، وقد تقدّم على ذلك كله المقصور. ومنها قوله تعالى إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ 406 فليس المراد ما أشرك آباؤنا إلا من قبل، قلتُ: المقصور عليه آباؤنا" وقد تأخر عن المقصور و من "قبل من لواحق المقصور. ومنها قوله
-
405
المائدة جزء من 96 - الآية الكريمة (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)
406
- الأعراف جزء من 173 – الاية الكريمة (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا
فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)
173
293 (1/309)
صفحة 310
تعالى {إِنَّمَا فُتِتُمْ بِهِ فليس المراد (ما فتنتم إلا به (قلتُ: بلى، فإن المعنى (إنما فتنتم الآن بهذه الفتنة الخاصة (وهو الإشراك الواقع بعبادته به لا بغيره فحينئذ يقال: ليس مساق الآية ذلك، فإنهم لم يدعوا أنهم فتنوا بغيره، فيقلب عليهم ولا به وبغيره، فيفرد لهم فأقول: عبادتهم إياه إنكارهم أن يفتنوا به، فإن كنا فتنا فبغيره، فقال: "ما فتنتم إلا به". ومنها قوله تعالى {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 408 فليس المعنى ما يقول له كن قلت المحصور عليه- يقول له كن " من لواحقه ولم يذكر مقصورا، وتقديره ما يقع إلا قولنا له كن أي توجه إرادتنا إليه. ومنها قوله تعالى إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ 40 فليس المراد ما يأتيكم به الله إلا إن شاء، ولو صح معنى (بل)، المراد ما يأتيكم به إلا الله، إذ هو جواد لقولهم فأتنا بمَا تَعدُنَا ... الخ) 41، قلتُ:
"إن شاء الله" من لواحق "يأتيكم" و"يأتيكم" مقصور وقد تأخر عنه المقصور عليه وهو
ل، والله أعلم.
باب الحصر بالتقديم
الله
يحصل الحصر بتقديم ما حقه التأخير، نحو " تميمي أنا " و" تميميا كنت وراكبا " و" زيدا أكرمت " و " في الدار نمت " في قصر الموصوف. و" أَنَا كَفَيْتُ مُهِمَّكَ " في قصر الصفة، وذلك
هو
بإفراد قلب وتعيين. وإن قلت ليس (أنا) في المثال الأخير حقه التأخير لأنه مبتدأ، قلتُ: على التأكيد فقدّم للحصر وجعل مبتدأ،
811
أنا " على
على رأي السكاكي أن أصله " سعيت أنا "
407
من
طه جزء من 90 - الآية الكريمة (وَلَقَدْ قَالَ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنَتُمْ بِهِ وَإِنْ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي
وأطيعوا أمري به
408
البقرة 117) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران 47 يَشَاءُ إِذا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ) مريم 35 (إِذا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) غافر 68 (هُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
409
410
411
هود جزء من 33 - الآية الكريمة قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) ينظر سورة هود 32 {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَاكْثَر تَجِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) المفتاح 140 - 141، قال: ( ... بحسب المقام في قصر الصفة على الموصوف إفرادا " أنا كفيت مهمك " بمعنى وحدي لمن يعتقد أنك وزيدا كفيتماه مهمه، وقلبا " أنا كفيت مهمك " بمعنى لا غيري لمن يعتقد كافي مهمه غيرك.)
294 (1/310)
صفحة 311
412
وتقدم أن تقديم المسند عند القزويني يفيد الحصر ولو لم يكن أصله التأخير. وما وجب تقديمه للصدارة كاسم (الاستفهام لا يفيد تقديمه الحصر، وإنما صلح " تميمي أنا " تميمي أنا " لقصر القلب والتعيين والإفراد؛ لأنه إذا كان المخاطب يردّده بين (قيس) و (تميم) كان قصر تعيين، وإذا نفاه عن (تميم) وأثبته لـ (قيس) كان قصر قلب، وإذا أثبته من جهة لـ (قيس) ومن أخرى لـ (تميم) كان للإفراد؛ ككون من (تميم) أبا ومن (قيس) أما أو بالعكس أو من أحدهما بالنسب مطلقا ومن الآخر بالولاء، والله أعلم.
باب الإنشاء على العموم
لفظ الإنشاء قد يطلق على نفس الكلام الذي ليس لنسبته خارج، تقصد مطابقته أو عدم مطابقته؛ فالإنشاء لنسبته خارج لكن لا تقصد بالمطابقة ولا بعدمها، وقد يطلق على ما هو فعل المتكلم وهو النطق بذلك الكلام الذي ليس لنسبته خارج تقصد مطابقته أو عدم مطابقته، كما أن الإخبار بكسر الهمزة" يطلق على نفس الكلام الذي لنسبته خارج تقصد مطابقته أو عدم مطابقته، ويطلق على النطق بالكلام الذي لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه. والفرق بين الكلام والنطق به: الكلام الحروف المسموعة، والنطق به استعمال مخارج الحروف حتى تكون تلك الحروف وهو التكليم.
والإنشاء قسمان طلب وغير طلب أمّا الإنشاء غير الطلب فلا يذكر هنا لقلة المباحث البيانية المتعلقة به، ولأنّ أكثرها في الأصل إخبار نقلت إلى معنى الإنشاء؛ وذلك كأفعال الرجاء، وأفعال المدح والذم وصيغ العقود، والقسم، وربَّ، ونحو ذلك، كفعل التعجب، وكم الخبرية ورب. قال السيد ولا ينافي كون ربِّ وكم للإنشاء كون ما دخلا عليه كلاما محتملا للصدق والكذب بحسب نسبة الظرف إلى الرجال في كم رجال عندي" و"رب رجل عندي" مثلا، وأما
412
الإيضاح،126، قال: (ومنها: التقديم كقولك في قصر الموصوف على الصفة إفرادا " شاعر هُوَ " لمن يعتقده شاعرا وكاتبا، وقلبا " قائم هو " لمن يعتقده قاعدا. وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادا " أنا كفيت مهمك " بمعنى وحدي لمن يعتقد أنك وغيرك كفيتما مهمه. وقلبا: " أنا كفيت مهمك " بمعنى لا غيري لمن يعتقد أن غيرك كفى مهمه
دونك.) (1/311)
صفحة 312
باعتبار استكثارك إياهم فلا يحتملهما لأنك استكثرتهم ولم تخبر عن كثرتهم، ومثل ذلك عن ابن الحاجب. وقال صاحب عروس الأفراح 413: إنّ ذلك ضعيف، وإن الذي نقطع به أن هذا لأن هذا التكثير ليس المعنى، بل معناه اعتقاد الكثرة الواقع في النفس، والتعبير عن ذلك بكم
أنه
خبر،
إخبار عن هذا الاعتقاد " فكم رجال " إخبار عن اعتقاد الكثرة، كقولك: " اعتقدت هذا كثيرا " وتعليل ابن الحاجب كونه إنشاء من جهة التكثير بأنّ المتكلم عبر عما في باطنه من التكثير يستلزم أن يكون، نحو " أحببت زيدا " و" عزمت على كذا " إنشاء ولا قائل به، وقوله عقب ذلك: والتكثير معنى ثابت في النفس، لا وجود له في خارج، صحيح لكن لا ينفعه وأما الإنشاء الذي هو طلب فإنه يستدعي صحة طلب شيء غير حاصل وقت الطلب، ولا يخفى أنه يستدعي صحة طلب شيء غير حاصل وقت الطلب، ولا يخفى يستدعي مطلوبا غير معلوم الحصول وقت الطلب وطلب الحاصل عبث لا يليق وإذا جاء ما لفظه طلب الحاصل حمل على أنه لم يحصل في زعم الطالب، نحو أن يقال لك: " إيت بزيد" و لم يدر القائل أنك قد أتيت به، أو حمل على الدوام، أو على قيد نحو قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا 414 أي دوموا على الإيمان، أو أخلصوا الإيمان أو آمنوا من قلوبكم، ونحو ذلك، والله أعلم. أ والإنشاء كالخبر في كثير مما ذكر في الإسناد والمسند والمسند إليه، ومتعلقات الفعل، والقصر، ألا ترى أنك تقول: " في المسجد أجلس " التقديم للحصر مثلا و" أجلس أجلس "، وتعرف المسند إليه فيه وتنكّره لنكت التعريف والتنكير بحسب الإمكان. وتذكر المسند أو المسند إليه أو تحذفه نحو قولك بعد ذكر زيد "هل قائم " أي: " هل هو قائم ". وليس كالإخبار في بعض؛ ككون التأكيد لظنّ خلاف الحكم أو الإنكار، فإن هذا لا يجري في الإنشاء لخلوه من الإيقاع والانتزاع، بل تأكيد الإنشاء لبعد المخاطب عن الامتثال أو قربه منه، قيل: ولا يكون المسند فيه إلا مفردا، وأمّا في الخبر فيكون مفردا وجملة ويبحث بأنه يقال: " هل زيد أبوه قائم"، وإن قيل: هو بمنزلة " هل زيد قائم الأب " أو " هل قام أبو زيد " قلنا: فكذا في الخبر.
413
- أي: السبكي
414 ـ النساء جزء من 136 - الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)
296 (1/312)
صفحة 313
باب الإنشاء الذي هو الذي هو التمني
وهو طلب ثبوت شيء أو انتفائه على طريق يفهم منه المحبة. وخرجت أنواع الطلب الباقية؛ لأن فيها محبة لكن لا على طريق تفهم منها، ولا يشترط إمكان المتمنّى ولا امتناعه. ومعنى إمكان المتمنّى عدم استحالته، فهو إمكان عام -) والإمكان العام هو سلب الضرورة عن الجانب المخالف للنسبة) - أو معناه جواز الوجود والعدم، فهو إمكان خاص - (والإمكان الخاص سلب الضرورة عن الجانبين) - ومعنى الضرورة هنا كون الشيء لا محيد عنه، ولا يصدق التعريف بالواجب، أعني بما ثبت قطعا؛ لأنه يخرج بقولي: طلب؛ لأنّ ما ثبت لا يطلب ثبوته، وإنما زدت عليهم قولي: " ولا امتناعه إيضاحا زائدا و لم يذكروه لأنه لا يتبادر الوهم إلى اشتراط إمكانه لما تقرر أنه لا يصح طلب المحال، وعدم تمييز الوهم بين طلب على وجه التمني وطلب لا على هذا الوجه.
ولا يخفى أن الترجي طلب، وقيل: ليس طلبا، ولكن ترتب الحصول، ولا بد من إمكان ما يترجى، فغير الممكن لا يترجى، وكذا الأمر والنهي والاستفهام والنداء؛ لا تستعمل إلا فيما كان ممكنا، ولو من وجه، فأمر الله جل وعلا بما سبق في علمه أنه لا يكون، ونهيه عما سبق في علمه أنه يكون أمر ممكن الوقوع، ونهى عن ممكن عدم الوقوع، وذلك أن المأمور في ذلك مأمور بما جعل الله جوارحه وقلبه قوية وكذا المنهي في ذلك منهي عما جعله قويا على الانتهاء عنه. وأما المستحيل الذي لا قوة للمكلّف عليه، فالحق أن الأمر به أو النهي عنه غير واقع من الله ولا جائز، إلا إن كان يؤول إلى جائز، كالأمر ببلع جبل لما قرب منه شيء أمر به، عاد لقمة كعسل، ولا تقول: " لعل الشباب يعود "، فإن عوده غير ممكن عادة فهو محال عادة معنى قوة الشبوبية بالجنس أو النوع، وأما عود الشبوبية التي كانت بعينها ثم ذهبت، أو عود السن المعين، فإن ذلك محال عادة وعقلا. وإذا كان المتمنّى ممكنا، يجب أن يكون طمع أو توقع، ولو كان أحدهما لكان الكلام ترجيا؛ فيؤتى بأداته، كـ (لعل) و (عسى) و (اخلولق)، والتوقع أبلغ من الطمع. ولعل له وعسى للطمع. وظهر لك من ذلك أنّ التمني والترجي متباينان وإن قيل الترجي: ليس طلبا، فالتباين أظهر، والموضوع للتمنّي " ليت الشباب يعود ".
297 (1/313)
صفحة 314
لأنه حينئذ يمتنع
حملة
وقد يتمنّى بهل)، نحو " هل من شفيع " حيث يعلم أن لا شفيع، على حقيقة الاستفهام لحصول الجزم بانتفائه، فالعلم بذلك قرينة المجاز، والتمني بـ (هل) على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل بمرتبتين، بأن يتجوّز بها إلى مطلق الطلب عما وضعت له من الطلب، بقيد كونه استفهاما، ثم على طلب حصول شيء على سبيل المحبة والنكتة في التمني ب (هل)، والعدول عن (ليت) هو إبراز المتمنّى لكمال العناية به في صورة ما هو في الإمكان، وفي عدم الجزم بانتفائه؛ لأن المستفهم عنه لا بد أن يكون ممكنا لا جرم بانتفائه، بخلاف المتمنّى، فإنه قد يكون مجزوما بانتفائه في صورة الممكن.
وقد يتمنى بـ (لو)، نحو "لو تأتينا فتحدّثنا" (بالنصب) في جواب التمني، قال السكاكي 415: كان [الحروف المسماة بحروف] التنديم والتخصيص وهي: (هلا)، و (ألا) بقلب الهاء همزة، و (لولا) و (لوما) مأخوذة من (هل) و (لو) اللتين للتمنّي جوازا و احتمالا، و (لا) و (ما) المزيدتين بأن ركبت (هل) و (لو) مع (لا) و (ما). والغرض المطلوب من هذا التركيب جعل (هل) و (لو) متضمنتين لمعنى التمني وجوبا ونصا، والغرض من تضمّنهما معنى التمني أن يتولّد منه في الماضي التنديم، نحو هلا أكرمت زيدا " و" لوما أكرمته " أي: ليتك، أكرمته، تقول ذلك حملا على الندم على ترك الإكرام. وفي المضارع الذي للاستقبال التخصيص، نحو: " هلا تكرم زيدا " و"لو ما تكرمه" أي ليتك تكرم، تقول ذلك قصدا إلى حنّه على الإكرام، قال ذلك بالمعنى.
"1
والتنديم حمل المخاطب على الندم ويعبر عنه بالتوبيخ وهو العتاب والتهديد، ولم يجعلهما للتنديم والتخصيص من أوّل الأمر بلا توسط تمن، لأنّ التنديم يتعلّق بما مضى والتخصيص بما يستقبل، فاختلفا فارتكب معنى التمني واسطة، لأنه طلب في المعنى ليكون كالجنس لهما، فيكون في الحروف شبه تواطؤ لا شبه اشتراك، لأنّ التواطؤ أقرب من الاشتراك، وإنما قلنا: "شبه" لأنّ
-
415
المفتاح 147 - 148) قال اعلم أن الكلمة الموضوعة للتمنّي هي ليت وحدها وأما لو وهل في إفادتهما معنى التمني، فالوجه ما سبق وكأن الحروف المسماة بحروف التنديم والتخصيص وهي هلا وألا ولولا ولوما مأخوذة منهما مركبة مع لا وما المزيدتين مطلوبا بالتزام التركيب التنبيه على إلزام هل ولو معنى التمني فإذا قيل " هلا أكرمت زيدا " أو ألا بقلب الهاء همزة أو لولا أولوما فكأن المعنى ليتك أكرمت زيدا متولدا منه معنى التنديم، إذا قيل هلا تكرم زيدا أو لولا فكأن المعنى ليتك تكرمه متولدا منه معنى السؤال.)
298 (1/314)
صفحة 315
217
التواطؤ الحقيقي إنّما يتصور في غير الحروف. وهذا التعليل يظهر على القول بأن الحروف جزئية وضعا، أعني وضعت لمعان، جزئية، لا على قول السعد والجمهور: إنها كلية وضعا جزئية استعمالا، ووجه تولّد التنديم والتخصيص من التمنّي، أنّ التمنّي مرغوب فيه ومطلوب فيندم على فوته ويحث على فعله، ولا يقال: التمنّي طلب الشيء على سبيل المحبة، ومحبة المتكلّم للشيء لا توجب ندامة المخاطب على تركه أو حرصه على فعله، فكيف يتوصل به إلى التخصيص والتنديم، لأنا نقول ذلك للشفقة على المخاطب، فيوجب التخصيص والتنديم لا لنفسه. ويكون أيضا (ألا) بالتخفيف للعرض، وكل من العرض والتخصيص في أمر مستقبل، والتوبيخ في أمر مضى.
وقد يتمنى بـ (لعل)، نحو: لعلّي أحج فأزور رسول الله صلى الله عليه وسلم (بالنصب) في جواب الترجي، وقوله: [أي فرعون] (لَعَلِّي أَبْلُغُ ... إلى فَأَطَّلِعُ (417) بـ (النصب) في جواب الترجي، ويدلّ له سماع الجزم بعد الترجي، وعند سقوط (الفاء)، وسماع الجزم أقوى دلالة من الآية؛ لاحتمال النصب في جواب ابن لي صرحا، ولاحتمال النصب عطفا للمصدر على الأسباب، ولاحتمال إشراب لعلّ معنى ليت فالنصب للتمنّي، ويناسب هذا الاحتمال أن الترجي في الممكن والاطلاع إلى إله موسى وبلوغ أسباب السموات غير ممكن، فليست للترجي. وتقول: "لعلّي أحجّ فأزورك" أي "ليتني أحجّ" تستعمل (لعلّ) للتمني إذا قرب المتمنّى من الحصول، وكأنه قريب من الرجاء، وجعل السيد المقام مقام ترجّ، لكن جعل المرجو فيه بعيدا عن الحصول، وأنزله منزلة ما يتمنّى، فبذلك البعد أشبه المحال، والممكن الذي طمع فيه، فتولّد منه معنى التمني، والله أعلم.
باب الاستفهام على العموم
هو طلب إدراك صورة ما جهل بالهمزة) أو (هل) أو (ما) أو (من) أو (أي) أو (كم) أو (كيف) و (أين) و (أنى) و (متى) و (أيان) و (أم المنقطعة، فإن كانت تلك الصورة وقوع نسبة في
416 - المطول 1: 290
-417
قال تعالى في سورة غافر 36 - 37 (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَانَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَاطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ
إِلَّا فِي تَبَابٍ)
299 (1/315)
صفحة 316
الخارج بين أمرين أو لا، وقوعها فإدراك أنه محقق خارجا، أو ليس محققا هو التصديق، وإلا فهو التصوّر؛ ومنه تصور الوقوع، وإنّما قلت: (أم (المنقطعة) لأنها بمعنى (بل) و (الهمزة) أو بمعنى (الهمزة)، بخلاف المتصلة، فإنّها تدلّ على الاستفهام، بل تذكر (همزة) الاستفهام قبلها، والله أعلم.
هي
باب الهمزة
لطلب التصديق والتصوّر و (أم المنقطعة) و (هل) لطلب التصديق، والباقي لطلـ التصوّر، إلا أن التصوّر في كلّ مخالف له في الآخر ولو باختلاف الزمان كـ (متى) و (أيان)؛ فإنّ (متى) لمطلق الزمان، و (أيان) لمستقبله.
والتصديق انقياد الذهن لوقوع نسبة تامة بين الشيئين والانقياد والإذعان عند أهل المنطق الإدراك بالتصديق إدراك وقوع تلك النسبة أو لا، وقوعها وإدراك ما سوى ذلك من موضوع ومحمول ونسبة هي مورد الإيجاب والسلب تصوّر، وأما إدراك وقوع النسبة الناقصة فتصوّر. ومثال طلب التصديق " أقام زيد " و " أزيد قائم " تصوّرت القيام وزيدا والنسبة بينهما، وسألت عن وقوع تلك النسبة خارجا، فإذا قيل: " قام " أو " قائم " حصل ذلك التصديق. والاستفهام بالجملة الفعلية أحق منه بالاسمية، وطلب التصديق أحق ولذلك قدمته وذلك أنه لا طلب في التحقيق إلا للتصديق.
وأما طلب التصوّر فكلام ظاهري، والتصوّر إدراك غير وقوع النسبة التامة، فإدراك ذات النسبة تصوّر، والتصديق موصوف على التصوّر؛ فانتفاؤه يستلزم انتفاء التصديق، ولكن لما كان التصديق بغير المعين حاصلا، والمقصود حصوله بالمعين، والتفاوت بينهما ليس إلا في تعيين المسند أو المفعول أو نحوهما من سائر قيود الفعل. وطلب التصوّر أقسام:
طلب تصوّر النسبة بين الطرفين من غير طلب وقوعها.
-
وطلب تصوّر الطرفين
وطلب تصوّر المسند
وطلب تصوّر المسند إليه
ومن طلب تصوّر المسند إليه قولك: " أدبس في الإناء أم عسل؟ "، فهذا يدل، فهذا يدل على أنك عالم بوقوع النسبة وهي الحصول في الإناء، لكنّك جهلت الحاصل الذي هو المسند إليه، وإنما
300 (1/316)
صفحة 317
قلت: هو المسند إليه لأنه هو المتصف بكونه حاصلا، فسألت فإذا قيل مثلا: " عسل" تصورت المسند إليه بخصوص أنه عسل - والدبس شراب حلو يتخذ من التمر أو العنب، أو هو عسل
التصور
التمر - وظاهر ما ذكرت تأخر التصوّر عن التصديق والمعهود العكس، الجواب أن المتأخر تصوّر خاص - كما أشرنا - إلا به وأمّا مطلق التصوّر أعنى تصوّر المسند إليه فهو
-
متقدم لأنك تعلم أن ثُمَّ شيئا حاصلا دائرا بين العسل والدبس.
من
من طلب تصوّر المسند قولك: " أفي الخابية دبس أم في الزّقِّ " عالما بكون الدبس في واحد الخابية والزق طالبا لتعيين ذلك؛ فهنا تصوّر سابق توقف عليها لتصديق وهو كون المحصول فيه أحد هذين، وتصوّر خاص متأخر هو المسؤول عنه وهو كونه نفس الخابية بخصوصها أو الزق بخصوصه، ثم الطرفان متصوّران لذاتهما أيضا، وإنما سئل عنهما من حيث الحصول فيهما بالخصوص؛ ففي هذا التصوّر تصديق كما في المسند إليه لأنّ التصديق المعلوم مطلق الحصول في أحدهما، ثم سئل عن حصول خاص يتبين بذكر المحصول فيه الخاص، ولمجيء الهمزة لطلب التصور لم يقبح في طلب تصور الفاعل " أزيد قام " كما قبح " هل زيد قام "، ولم يقبح في طلب تصوّر المفعول " أعمرا عرفت " كما قبح " هل عمرا عرفت والقبح في " هل عمرا عرفت " لأنّ التقديم يستدعي حصول التصديق من المتكلّم وبنفس الفعل، إذ التقديم يفيد الاختصاص، فمفاد "أعمرا عرفت " السؤال عن خصوص المفعول الذي اختص بالمعرفة دون غيره، بمعنى أنه سئل عن الذي يصدق عليه أنه هو المعرفة فقط دون غيره بعد العلم بوقوع المعرفة على "عمرو- أو غيره فاصل التصديق بوقوع الفعل على مفعول ما حاصل. وإنّما سئل عن المفعول الذي اختص بوقوع الفعل عليه، فالسؤال لطلب التصوّر، و (هل) لا تكون لطلب التصوّر وإن جعلت لطلب التصديق كانت لطلب حصول الحاصل وهو عبث، وإنّما يقبح المثال لا بمنعه؛ لأن التخصيص غير متعين لجواز أن يكون التقديم لغير التخصيص فلم يمنع أصل التركيب، فإذا قصد التخصيص منع، والفرق المذكور ظاهر في " أعمرا عرفت " لا في " أزيد قائم " لأن تقديم المنصوب يفيد الاختصاص ما لم تقم قرينة على خلافه فالغالب فيه الاختصاص، وقد يكون لغيره كالاهتمام. فقد ساوى تقديم المرفوع من حيث أن كلا يكون للاختصاص، وغيره ويجاب بأن النظر للغالب، والمسؤول عنه بالهمزة أو بغيرها هو ما يليها أو يلى غيرها من أخواتها كالفعل والفاعل والمفعول،
301 (1/317)
صفحة 318
فالفعل كقولك: " أضربت زيدا " إذا كان الشكّ في نفس الضرب الصادر من المخاطب الواقع
لطلب
المخاطب
على زيد وأردت أن تعلم، وجوده، لا إذا حصل العلم به بلا تعيين وأردت تعيينه وهي التصديق. ويحتمل أن تكون لطلب تصوّر المسند بأن تعلم أنه قد تعلّق فعل من بزيد، لكن لا تعرف أنه ضرب أو إكرام ويحتمل أن يكون لطلب تصوّر المسند إليه، قال السبكي] في عروس الأفراح 418: إذا قلت: " أقام زيد " احتمل أن يكون لطلب التصديق، وأن يكون لطلب تصوّر المسند، وأن يكون لطلب تصوّر المسند إليه؛ لأن ذلك قد يصدر من متردّد في وقوع "قيام زيد" ومن جازم بوقوع قيامه شالاً في المسند إليه، ومن جازم بوقوع فعل من زيد. شاك أنه القيام أو غيره، فالمعنى على الأول " أقام أم لا "، وعلى الثاني "أقام زيد أم عمرو"، وعلى الثالث "أقام زيد أم قعد" وكذا "أزيد قائم" و"أزيد في الدار أو المسجد"، فالمراد التصديق، والدار" و"المسجد كالفضلة، غير أن الظاهر أن أن الاستفهام عن عن التصديق لأن النسبة
الجديرة بالاستفهام، ولذلك كان إيلاء الفعل همزة الاستفهام، وتأخير الاسم أولى من العكس
قال
سيبويه: التقديم في نحو " أزيدا لقيت أم عمرا " أحسن، وأنك لو أخرت فقلت: " ألقيت
419
•
زيدا أم عمرا " لكان جائزا حسنا. ونحوه في مقرّب (ابن عصفور، وقد علمت أن الفعل بالاستفهام أولى، فالمعتبر فيه الفعل فلا يلزم ما قيل من أنّ الهمزة إنما يليها المستفهم عنه إذا كان المطلوب تصوّر بعض طرفي الجملة أو فضلاتها، لا التصديق بوقوع نسبتها؛ إذ ليس له لفظ واحد يلي الهمزة بل دائر بين المسند والمسند إليه، وأنه ليس أحدهما أولى من الآخر بالإيلاء.
418
419
أحد
- ينظر الشروح 2: 253 هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669 هـ أقطاب العربية في الأندلس، أكب على كتاب سيبويه حتى ختمه وكان صبورا على المطالعة، كما كان أقرأ الناس بإشبيلية وشريش ومالقة ولورقة ومرسية، وظل مكبا على العلم إلى أن توفي بتونس. ومن تصانيفه (المقرب) ــــ نشر بتحقيق الأستاذ الجواري والأستاذ الجبوري - الجزء الأول، بغداد 1971 – وبتحقيق الدكتور فخر الدين قباوة. (الممتع في التصريف) (المفتاح) (الهلال) (كتاب البديع (شرح الجزولية) (شرح المقرب) (شرح الحماسة) (شرح المتنبي) (شرح الجمل) (الأزهار). ينظر الأعلام 179:5 و فوات الوفيات 110:3 و عنوان الدراية للغبريني 188 وبغية الوعاة
-
302
0357 (1/318)
صفحة 319
والفاعل كقولك: " أنت ضربت زيدا " إذا كان الشك في الضارب؛ فالفاعل معنى هو أنت"، ومعنى ولفظا (تاء) "ضربت".
والمفعول كقولك: "أزيدا ضربت" إذا كان الشك في المضروب وكذا سائر الفضلات، نحو: " أفي الدار صليت"، ونحو " أيوم الجمعة سرت "، ونحو: " أتأديبا ضربته "، ونحو: " أراكبا جئت". وقد مرّ أنّ الاستفهام الذي ذكروا أنه يراد به التصوّر هنا لا يخلو عن مراعاة التصديق المخصوص، ولهذا صح إطلاق الشك فيما هو سؤال عن تصوّر الفاعل والمفعول، مع أن الشك إنما يتعلّق بالنسبة لا بالفاعل أو المفعول من حيث ذاتهما. ومن الاستفهام بـ (الهمزة) ألا وهلا في الغرض والهاء) عن الهمزة) والغرض والتخصيص] مطلقا من الاستفهام غير المحقق، و (الهمزة) فيهما همزة الاستفهام دخلت على حرف النهي ودلّت قرينة على أنّ المراد الغرض والتخصيص، وهي قرينة حالية. وإذا قلت: " ألا تنزل " فالمانع من الاستفهام كون عدم النزول في الحال أو الاستقبال معلوما بقرينة من القرائن، أو نزل منزلة المعلوم أو كون السؤال عنه لا يتعلّق به غرض الاستفهام، إنما يكون عن المجهول مع تعلّق الغرض به ولما تعذر الاستفهام للعلم أو لعدم تعلّق الغرض به حمل على الإنكار بقرينة إظهار محبة ضد مدخولها، ومعلوم أن إنكار النفي يتولّد منه طلب ضدّه ومحبته، فتضمن الكلام طلب النزول وعرض على المخاطب، والله أعلم.
هي
باب الاستفهام بهل
لطلب التصديق، نحو: " هل قام زيد " و" هل عمرو قاعد " إذا كان المطلوب حصول
له
التصديق بثبوت القيام لزيد والقعود لعمرو، ولاختصاصه بطلب التصديق امتنع أن يؤتى بمعادل، فلا يقال: " هل زيد قام أو عمرو " وأجازه ابن مالك، لقوله (هل تزوجت بكرا أم ثيبا، وأجيب بأن أم منقطعة، أي بل تيبا أو بل "أثيبا"، وأم المنقطعة وما بعدها ليسا عديلا
لما قبلها.
وشرط المتصلة أن يتقدّم استفهام بالهمزة أو التسوية، وشرط المنقطعة أن تكون بعدها جملة؛ ففي الحديث يقدّر ناصب لثيبا، فأم منقطعة بعدها جملة والمستدلّ بالحديث لا يعين الاستفهام
303 (1/319)
صفحة 320
قبل المتصلة بالهمزة، بل يقول سواء فيها الهمزة وهل، ويقول الأصل عدم الحذف، فالواقع بعدها مفرد، فوقوع المفرد بعدها دليل اتصالها، لأنّ المتصلة هي التي يقع بعدها المفرد وتقع بعدها الجملة، والمنقطعة لا تقع بعدها إلا الجملة، والمتصلة لتعيين أحد الأمرين مع العلم بثبوت أصل الحكم، والمشهور في هل ما ذكرته أولا من طلب التصديق. ومعنى قولهم هل لطلب الحكم أنها لطلب التصديق، وطلب الحكم يقتضي الجهل به، والجهل مناف لما اقتضته "أم" المتصلة من العلم. ومن هذا التنافي يظهر بطلان ما قيل: ما المانع من طلب كل من التعيين وأصل الحكم، وقد يسوّغ الجمع بينهما. ولكون "هل" لطلب التصديق قبح هل زيدا "ضربت لأنّ التقديم يستدعي غالبا حصول التصديق بنفس الفعل فتكون «هل" لطلب حصول الحاصل، وطلب حصوله، قبح وحصوله محال، ولو قصد بالتقديم الاهتمام دون الحصر أو قيل مفعول محذوف أي " هل ضربت زيدا " ضربت لقبح أيضا لأنه يوهم خلاف الظاهر، وهو الحصر الممتنع هنا لإفضائه إلى طلب التصور بـ ((هل)، وأيضا في حذف العامل، مع أن العامل المذكور غير مشغول قبح، لأن فيه تهيئة المذكور للمتقدّم وقطعه عنه، وفيه حذف عامل الأول و معمول الثاني، وليس ذلك في الاشتغال. وإن قيل للحصر كان ممتنعا لأنه يفيد التصور هنا، فالمثال دائر بين الضعف والامتناع أو بين القبح والامتناع وما أوهم أنه قبيح أو ممتنع قبيح، ولو لم يقبح في نفسه لكن جاءه القبح من دورانه بالإيهام بين القبيح والممتنع، ولو قامت قرينة على أن المراد الاهتمام أو على أنه مجهول لمحذوف لم يقبح، ولا قبح في "هل زيدا ضربته" لأنه لم يتعين لتقدير الناصب بعد زيدا، بل احتمل قبله - وهو الأصل وبعده، والأصل مرجح، وجعل السكاكي قبح هل رجل عرف " لكون التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل، لأن أصل عرف رجل عنده عرف، رجل، على أن (رجل) بدل من ضمير في عرف، على ما مر قدم للتخصيص، والظاهر على مذهبه الامتناع لا القبح فقط، لأنّ مذهبه " إن رجل عرف " يفيد التخصيص قطعا، إلا أن يقال: أراد بالقبح الامتناع كما يراد بالكراهة التحريم، ولا يقال: التقديم للمرفوع يفيد الاختصاص عنده إذا لم يوجد مسوّغ للابتداء بالنكرة سوى التقديم، وهنا وجد المسوّغ وهو الاستفهام، لأنا نقول هذا التقديم معتبر قبل دخول (هل) لأنها الداخلة، فالجملة
-
420
420
- ينظر المفتاح 148 والشروح 256/ 2
304 (1/320)
صفحة 321
معتبرة تامة ثم جاءتها (هل)، ولا يقال: يلزم السكاكي أن لا يقبح " هل زيد عرف " لأن زيداً معرفة تقديمه لا يفيد عنده التخصيص، فضلا عن أن يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل مع أنه قبيح بإجماع النحاة، لأنا نقول: يقبح أيضا عنده، لأنّ (هل) بمعنى (قد) في الأصل، و (قد) لا تدخل على الاسم. وقد علّل غيره قبح "هل رجل عرف" و"هل زيد عرف" يكون (هل) بمعنى (قد)، و (قد) هذه التي هي بمعنى (هل) في الأصل التقريب، وقيل: التحقيق، وقيل: التوقع؛ فأصل هذا (هل) بهمزة الاستفهام، و (هل) بمعنى (قد)، فحذفت (الهمزة) تحقيقا للعلم بأنه يكثر النطق بها قبل (هل)، فأقيمت (هل) مقامها، وقد تذكر كقوله [أي قول الشاعر: من البسيط] (سائل فوارس ... / البيت (421) في المعنى، وقد تكون (هل) بمعنى (قد) بلا استفهام كقوله تعالى هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ 422)، و (هل) بمعنى (قد)، و (الهمزة) فرع (قد)، والفرع لا يقوى قوة الأصل، فلم يمتنع دخول (قد على الاسم، كما يمتنع دخول (قد) عليه، بل قبح قبحا. ولم يقبح "هل زيد قائم" لأنه لم يكن الفعل بعدها فتنوسي. واعلم أنّ (هل) تخص المضارع للاستقبال بعد أن صلح للحال، إلا (هل) التي بمعنى مجرد (قد)، فتدخل على الحال وغيره. واستظهر بعض أنّ الجملة الاسمية بعد (هل) الاستفهامية للاستقبال كالمضارع، وتوقف عيسى الصفوي فلا يجوز هل" تضرب زيدا" على أن تقول ذلك ومخاطبك مشتغل بضرب زيد شارع فيه، ولو قلت هل" تضرب زيدا وهو أخوك" ـ وهو لا يجوز لدلّ قولك "وهو أخوك" على أنك تخاطب مخاطبك حال اشتغاله بضرب زيد وشروعه فيه بواسطة العرف، لأنّ المتبادر أنّ الأخوة حالية وكذا الضرب لأنّ الحال قيد في عاملها، والأصل اتحاد زمان القيد والمقيد، فالأصل في الحال أن تكون مقارنة ويجوز" هل تضرب زيدا" وتريد الاستقبال و"هل تضرب زيدا وهو أخوك" وتريد الاستقبال بقرينة تنصبها حالية أو مقالية، والأخوة حالية مستمرة، أو يراد حصولها في المستقبل، ولو حصلت في الحال أيضا؛ لأن الحصول في كل وقت غير الحصول في الآخر، ويجوز أتضرب زيدا وهو أخوك" ولو أردت الحال، ويجوز أيضا الاستقبال، أي: أسوف تضرب زيدا مع تقرّر أخوته. والاستفهام للتوبيخ والإنكار بمعنى
421 سائل فوارس يربوع بسدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم.
422
- الإنسان جزء من 1 - الآية الكريمة هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) (1/321)
صفحة 322
أن يخرج عن القبح ضرب من هو أخوه، قيل: لا حقيقي، إذ لا معنى للاستفهام عن الضرب المقارن لكونه أخا، قلت: لا مانع منه، كأنه قيل: "أيصدر منك ضربه وهو أخوك"، فيجيبك: بأنه لا يصدر منّي أو لا يمكن، وتقول ذلك سواء أعلمته أخاه أم لم تعلم أنه أخوه، وأردت أتضربه على فرض أن يكون أخوك أو إن كان أخاك لا تضربه ولا مانعه من تقييد المستقبل بالحال سواء كانت مقارنة معه في الاستقبال، نحو "سيجيء زيد راكبا" فمجيئه وركوبه مستقبلان مقترنان بعد إذا كانا. وقوله في الحماسة: [من الطويل] سَأَغْسِلُ عَنِّي الْعَارَ بِالسَّيْفِ جَالِباً
عَلَيَّ قَضَاءُ اللَّهِ مَا كَانَ جَالبًا
423
ف "جالبا" حال مقارنة لعاملها المستقبل، وقضاء فاعل جالبا - أي حكم الله وما "كان جالبا" مفعول "جالبا" ولا يصح أن يكون مفعولا لـ "قضاء على هذا المعنى الذي هو الحكم نصب على أنه مفعول "جالبا" الأوّل، و"ما كان جالبا" فاعل "جالبا" و"القضاء" على هذا بمعنى الموت، ومعنى غسل العار بالسيف" استعماله على الأعداء.
أو محكية تحقيقا بالنسبة إلى الاستقبال نحو أتضرب زيدا غدا وقد أكرمك اليوم أو أمس". وحفظت من كتب النحو وغيره أن جملة الحال لا تصدر بعلم الاستقبال، فلا يجوز "جاء زيد سيركب " أو " لن يركب " و" لا يجيء زيد سيركب " أو " لن يركب " لتنافي الحال والاستقبال بحسب الظاهر والذي عند التحقيق جوازه فتكون مقدرّة، فكما تقول: " جاء زيد راكبا غدا " يجوز " جاء سيركب " وقد ذكرت ذلك في (هيميان الزاد) عند قوله تعالى فإن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا 424. ولكون (هل) للتصديق فقط، وكونها تخلص المضارع للاستقبال، كان لها مزيد اختصاص بالفعل - أعني بالاختصاص التعلق والاستدعاء ـ فإنّ دخولها عليه أكثر من دخولها على الاسم وأكثر من دخول غيرها على الفعل، ودلالته على الزمان أظهر من دلالة غيره، لأنها بالذات وغيره مما يدل على الحدث بالعرض، ولم يسمع دخولها ولا دخول غيرها
423
- نسب هذا البيت لسعد بن ناشب بن والشعراء لابن قتيبة 2: 696
معـ
المازني المتوفي في العاشرة بعد المئة. ينظر الشعر
-
424
للكافرين
البقرة جزء من 24 - الآية الكريمة (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاوَ الْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ
306 (1/322)
صفحة 323
على اسم الفعل الخبري ك (هيهات). ولو قلنا: إنّه يدلّ على الحدث والزمان بذاته لأن لفظه اسم، وأما إن قيل: إنه يدل على لفظ الفعل أولا وعلى الزمان والحدث بواسطة دلالته على لفظ
الفعل فلا يخفى أنه لا تناسبه والقولان من حيث الدلالة في اسم الفعل ولو إنشائيا أيضا. وأما اسم الفعل الإنشائي فلا يتوهّم دخول (هل) أو غيرها من أدوات الاستفهام عليه، فأما اقتضاء تخليصها المضارع للاستقبال مزيد اختصاص بالفعل، فلأن تأثيرها في المضارع بالتخليص دليل على أنّ لها مزيد اختصاص بجنس الفعل وإلا لم تؤثر في بعض أنواعه. وأما اقتضاء كونها لطلب التصديق مزيد اختصاص بالفعل فلأن التصديق هو الحكم بوقوع الثبوت أو وقوع الانتفاء، والثبوت والانتفاء هما نفس النسبة، والمراد بالحكم الإدراك.
والثبوت والانتفاء إنما يتوجهان إلى الحدث سواء أكان معه دلالة على الحدوث أم لا؛ كأفضل وحسن، والحدث مدلول للفعل بالأصالة ودلالة الاسم عليه بالعرض، ونسبة الفعل حكمية ونسبة الوصف تقييدية، والأولى أقوى وأيضا إذا دخلت على الجملة الاسمية فصلت المبتدأ بينها وبين الوصف، لكن قد يتقدّم الوصف نحو " هل ضارب الزيدان عمرا " و"هل قائم زيد". والأصح عندهم: أن النفي والإثبات إدراك الانتفاء وإدراك الثبوت، والإدراكان هما نفس الحكم. ولكون (هل) لها مزيد اختصاص بالفعل كان " فهل أنتم شاكرون " أدلّ على طلب حصول الشكر من " فهل تشكرون" ولو تلاها الفعل ومن فهل أنتم تشكرون" ولو كان فيه تكرار الإسناد يجعل "أنتم" فاعلا لشكر محذوفا، أو بإسناد "تشكر" إلى الواو والجملة إلى المبتدإ، حتى قيل (هل) للأمر أي (اشكروا) لأنّ إبراز ما يتجدّد في صورة الثابت يجعل للجملة الاسمية خبرها ليس فهلا أدلّ على كمال العناية بحصوله من إبقائه على أصله، وهو إبرازه في صورة وهي الجملة الفعلية أو الاسمية التي خبرها فعل، فإنّ المعتبر فيها الفعل المخبر به، فكيف إذا جعلنا المتقدّم فاعل المحذوف والفعل يدلّ على التجدد وهي داخلة عليه تحقيقا في هل تشكرون أو تقديرا أو حكما في "فهل أنتم تشكرون"
التجدّد؛
ولا يقال: هل أنتم تشكرون" يفيد الاستمرار التجدّدي، و"هل أنتم شاكرون" يفيد الاستمرار الثبوتي التجدّدي أمس بمقام الشكر من الثبوتي، لدلالته على طلب استمرار الشكر على سبيل التجدّد الأشق على النفس المستدعي لزيادة الثبوت لأنا نقول: الثبوتي أدلّ على كمال
307 (1/323)
صفحة 324
عناية الله تعالى بعباده، حيث رضي منهم بما هو أهون عليهم. وهل أنتم شاكرون" أدلّ على طلب الشكر من "أفأنتم شاكرون" أيضا بـ (الهمزة)، ولو كان منهما جملة اسمية الخبر فيها غير فعل، وكلتاهما للثبوت لأنّ (هل) أدعى للفعل من الهمزة)، فترك الفعل مع (هل) أدلّ على كمال العناية بحصول ما يتجدّد، لأنه لما كان أدعى للفعل من الهمزة) كان ترك الفعل معها لغرض أقوى، فيكون أدخل في الأنباء عن استدعاء المقام عدم التجدّد، ولكون هل أدعى للفعل من (الهمزة) لا يحسن، "هل زيد منطلق " إلا من البليغ لأنه الذي شأنه أن يقصد به الدلالة على الثبوت وإبراز ما سيوجد في معرض الموجود، فإنّه إذا صدر هذا الكلام من البليغ كان المنظور إليه معنى لطيفا، وهو الاستفهام عن استمرار انطلاق زيد مكان الكلام مخرجا على مقتضى الظاهر، وأنه فن من البلاغة لإحاطة علمه بما يقتضيه (هل) من الفعل بخلافه إذا صدر عن غير البليغ، لأن استعماله اللفظ في غير موضوعه إنّما يكون عن جهل لا عن نظر إلى معنى لطيف، فيكون هذا القول منه قبيحا ولو قصد نكتة لانتفاء بلاغته، فلا يعتد بنكتته كأنها جاءت اتفاقا لا قصدا. وقد يظهر لي أنه يحسن من التعبير البليغ إذا قصد النكتة ورأيته للصبان وعصام الدين - وقال عصام الدين: على أنه لا يحسن كان ينبغي أن يقال: لا يحسن إلا من البليغ مع البليغ؛ إذ كما لا يحسن من غير البليغ لا يحسن من البليغ مع غير البليغ وكما لا يحسن " هل زيد منطلق إلا منه لا يحسن " أزيد منطلق " إلا منه؛ لأنه يدعو إلى الفعل، وإن كانت دعوته دون دعوة (هل) إلا أن نقصان الحسن معها أقلّ، قال السكاكي: الخطب في أزيد منطلق بالهمزة أهون). وهل قسمان:
11
(1) بسيطة باعتبار المتعلّق وهي التي يطلب بها وجود شيء أو لا وجوده، كقولنا: " هل الحركة موجودة و" هل الحركة غير موجودة " وإن قلت: هذا التعريف غير جامع لأنه لا يدخل فيه " هل النسبة واقعة " و" هل العمى ثابت " و " هل الشريك معدوم " مع أنها بسيطة، قلت: يدخل ذلك أيضا لأنّ المتكلم طلب وجود وقوع النسبة، ووجود ثبوت العمى، ووجود
عدم الشريك.
-
425 - المفتاح 149
308 (1/324)
صفحة 325
(2) ومركبة باعتبار المتعلّق: وهي التي يطلب بها وجود شيء هو المحمول لشيء هو الموضوع، أو عدم وجوده، له، نحو: " هل الحركة دائمة " و" هل الحركة غير دائمة " والمطلوب وجود الدوام للحركة أو عدم وجوده. والمراد بوجود الشيء في البسيطة التصديق بوقوع وجود الشيء، والتحقق في الخارج. وفي المركبة الثبوت الذي هو النسبة. والمعتبر في المركبة شيئان غير الوجود وهما: الحركة والدوام، وهذا الوجود هو النسبة التي هي ثبوت الدوام. وفي البسيطة شيء واحد، وهو: الحركة مثلا. وقد يقال: اعتبار المحمول في المركبة شيئا ثانيا، وعدم اعتباره في البسيطة تحكم، فقيل: المعتبر في البسطة شيء واحد غير الوجود بمعنى النسبة، وغير الوجود بمعنى التحقق خارجا، وإنما قلت: باعتبار المتعلّق لأنّ لفظ (هل) لم يتركب من كلمتين. والمراد بالمركب هنا ما كان أكثر أجزاء من مقابله من حيث الدلالة على المعنى، وبالبسيط ما كان أقل أجزاء من مقابله " فهل الحركة موجودة " أو " هل الحركة غير موجودة " بسيطة بالنسبة إلى " هل الحركة دائمة " أو " هل الحركة غير دائمة ". وقولك " هل الحركة دائمة " أو " هل الحركة غير دائمة " مركب بالنسبة إلى " هل الحركة موجودة " أو " هل الحركة غير دائمة "، فالبساطة قلة المعتبر والتركيب
وكثرته.
والقلّة والكثرة أمران نسبيان؛ ولو اعتبر الوجود كان في البسيطة ثلاثة: (الحركة، والوجود بمعنى التحقق خارجا، والوجود بمعنى الثبوت الذي هو النسبة). وفي المركبة: (أكثر من ثلاثة (لكن لما اتحد الوجودان لفظا عدا شيئا واحدا، وقيل: إن الوجود عين الموجود، فالوجود بمعنى التحقق في الخارج هو عين الحركة على هذا ولا يقال: " هل الحركة لا دائمة " أو " هل زيد ما قائم " لأنه تركيب فاسد لم ينطق به العرب، لأنه يسأل بـ (هل) عن النسبة
السلبية، ويبعد كون القضية معدولة المحمول وليس من ذلك قولك: "هل الحركة غير موجودة
و" هل زيد غير موجود
واعلم
الهمزة أيضا قسمان باعتبار المتعلق بسيطة ومركبة؛ إذا كانت لطلب التصديق
على حد ما مرّ في (هل)، والله أعلم.
"
309 (1/325)
صفحة 326
باب الاستفهام بما
يطلب بما شرح الاسم أو الفعل أو الحرف أو ماهية المسمى ويتعين المراد بالقرينة، ومعنى شرح الاسم أو الفعل أو الحرف شرح مفهومه؛ وهو بيان ما استعمل فيه لغة أو اصطلاحا، ومفهوم اللفظ معناه هو، مدلوله وليس مفهوم الأصول وتجاب بمرادف أشهر أو تفصيل من غير بيان الماهية، وإنّما يجاب بالتفصيل إذا لم يوجد مرادف أو طلب المتكلم بما تفصيل المعنى؛ يقال: ما الإنسان؟ فتقول " البشر " إذا لم يعرف السائل معنى الإنسان وعرف معنى البشر، فهذا جواب بالمرادف وهو تعريف لفظي، ويقال: ما العنقاء؟ فيقال: • طائر كبير في زمان أصحاب
الرس يخطف الأطفال ويأكلهم في الجبل " وهذا تفصيل لا حدّ ولا رسم، وإن قلنا: إنّه يضر لأنه ليس فيه شرح ماهية المسمّى فهو إجمال لا تعرف منه الماهية، كما أن الجواب بالمرادف إجمال لا تعرف منه.
والمراد تمييز المعنى الحاصل عند السائل عن غيره بأنه الموضوع له اللفظ، فيقال: كيف أفاد الجواب التصوّر وهو حاصل، وإنما يفيد التصديق بأنّ هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، ويمكن أن يجاب بأن المراد بكونه يفيد التصوّر أنه يفيده على وجه أنّ المعنى المتصوّر يفهم لفظ كذا، أي: يلفت النفس ويوجهها على تصوّره على هذا الوجه، وهذا غير حاصل قبل، ويقال: "ما جلس" فيجاب بـ"قعد" و" ماحتى الجارية "، فيجاب بـ"إلى" إذا أراد السؤال عن مطلق المعنى
الإجمالي فلا يضر أنّ (حتى) تجرّ الآخر أو المتصل بالآخر حتما دون أن يحتم ذلك في (إلى). ومعنى شرح ماهية المسمّى بيان حقيقته التي هو بها والحقيقة والماهية شيء واحد، وهو ما به الشيء، هو مثل إنسان؛ فإنه إنسان بالحياة والنطق، وقد يفرق بأنّ ما به الشيء هو باعتبار تحققه وباعتبار تشخصه هُويَّة، ومع قطع النظر عن ذلك ماهية وتفسير الماهية بهذا الأخير أشهر، وهو ما به الشيء هو بدون اعتبار تحقق أو تشخص، والمسمّى ملاحظ إجمالا، والحقيقة ملاحظة تفصيلا، فاختلف السبب والمسبب باعتبار الإجمال والتفصيل. وأما اختلاف المبتدإ والخبر فبإطلاق المبتدإ وتقييد الخبر بالمسبب، أو بملاحظة المبتدإ نوعا مخصوصا مع قطع النظر عن العنونة عنه بكذا، والخبر نوعا مخصوصا معنونا عنه بكذا؛ أعني ذلك في قولنا ما به الشيء هو ونحوه، ومثال [قولك:] شرح الماهية " ما الحركة " أي ما حقيقة الحركة، فيجاب بإيراد ذاتياته الجنس
310 (1/326)
صفحة 327
والفصل، وقد تذكر الرسوم مقام الحدود توسعا فيقال في ذاتيات الحركة: هي الكون الأوّل في الخيز الثاني، ويقال ما السكون؟ فتقول: الكون الثاني في الخيز الأول وهو عكس الحركة وقيل: الحركة كونان في زمانين ومكانين والسكون كونان في مكان واحد، ويقع السؤال
اللفظ
"هل البسيطة في حال ترتيب الطلب الطبعي؟ أعني العقلي بين السؤال بما التي لطلب شرح والتي لطلب شرح الماهية والترتيب الطبعي توقف الثاني على الأول على سبيل العلية، وإنما قلت الطبعي عقلي لأنّ العقل هو المراعى للمناسبات؛ وذلك أن مقتضى الترتيب الطبعي أن يطلب أولا شرح الاسم وجود المفهوم في نفسه برهل البسيطة) ثم ماهيته وحقيقته، والسؤال عن حاله (هل المركبة بعد السؤال عن ماهيته وحقيقته، تقول مثلا: " ما البشر؟ " فتجاب " بإنسان "
"1
ثم تقول: " هل هو موجود؟ " فتجاب " بموجود " ثم تقول: " ما ماهيته وحقيقته؟ " فتجاب بحيوان ناطق " ثم تقول: " هل يمشي على رجلين؟ " أو نحو ذلك من الأحوال العارضة، وذلك أنه لا يحسن لمن يعرف المفهوم الإجمالي من اللفظ أن يطلب وجود ذلك المفهوم، ومن لا يعرف موجود لا يطلب حقيقته وماهيته؛ إذ لا حقيقة ولا ماهية لما لم يوجد بعد، فظهر السؤال أوّلا عن المفهوم إجمالا، ثم السؤال ثانيا عن وجوده (بهل البسيطة).
أنه
انه
يحسن
وضعه
ولا يستحيل طلب الوجود قبل الوقوف على المفهوم في الجملة، لأن الأصل في اللفظ لمفهوم ما، فيسأل عن معنى اللفظ للعلم بأنّ له مفهوما، ولا بدّ على الأصل أو كيف إذا عرف أن له مفهوما ولو لم يوقف على ما بعينه في الجملة. ويجوز أن يسأل أولا عن تفصيل مفهوم مع قطع النظر عن كون هذا المفهوم حقيقة وماهيته أولا، ثم يسأل عن وجوده، فلا يحتاج بعد إلى سؤال آخر بهل (المركبة التي يسأل بها عن أحوال الشيء الزائدة على حقيقته، وإذا سأل ثانيا عن وجوده فأجيب بالوجود، عرف أنه حقيقة وماهية؛ فشرح اللفظ لا يتعين أن
اللفظ
ان من
يكون بالإجمال. والفرق بين المفهوم الإجمالي للعالم باللغة والماهية التي تعرف بالتفصيل خوطب بلفظ فهم الماهية فهما ما، ووقف إجمالا على الشيء الذي يدلّ عليه اللفظ إذا كان عالما باللغة، فيعلم أن سمع لفظ إنسان أنه موضوع لنوع مخصوص من الحيوان، وأما الماهية بالتفصيل فتعرف بالفعل أو محض فرض العقل على الأصح لا بصناعة المنطق، ولو كان المرتاض فيها يسهل له استخراج الأجزاء الذاتية للحقيقة من الجنس والفصل.
311 (1/327)
صفحة 328
واعلم أن الموجودات لها حقائق ومفهومات فلها حدود حقيقيه إن علم وجودها تدل على الحقيقة، وحدود اسمية إن لم يعلم. وهي لفظية تدل على المفهومات والحقائق الماهيات المركبات من الذاتيات مأخوذة باعتبار التحقق.
الاسم؛
والوجود والمفهومات صور في العقل مدركة في اللفظ بواسطة تفسير اللغويين سواء أكانت مع الوجود أم لا، وأما أسماء المعدومات فلها المفهومات لا الحقائق فلا حدود لها إلا بحسب لأنّ الحدّ بحسب الحقيقة لا يكون إلا بعد أن يعرف أنّ الذات موجودة، فما يوضع في أوّل الأبواب ونحوها إنما هي تعاريف اسمية، لأنه قد يطلب بـ (ما) الشارحة للاسم تفصيل ما دلّ عليه اللفظ، إجمالا، فيكون جوابها بحسب الاسم، ثم إذا برهن على هذه التعاريف الاسمية وأثبت وجودها الخارجي صارت بعينها حدودا حقيقية بأن يكون ما اعتبره الواضع جميع الإفراد؛ لأنّ الحدّ الحقيقي عبارة عن جميع ذاتيات الشيء الموجود، وإن كان ما اعتبره الواضع عارضا للإفراد لا ذاتيا، بقيت بعد البرهنة عليها على أنها تعاريف اسمية، والله أعلم.
باب الاستفهام بمن
?
ذاتيات
يطلب بها الأمر العارض المبين لذي العلم علما أو صفة؛ وإنّما قلت: "المبين ولم أقل "المشخص" كراهة لأن يقال شخصت الله، لأنه لا يقال: الله شخص فإنّه شرك، وكذلك لم أقل: لذي العقل لأنّ الله لا يوصف بالعقل، ومن وصفه به أشرك ولو قلت: " لذي العقل" لم يشمل السؤال عن الله، كقولك لأحد: "من" ربك" فيجيبك بأنه الذي خلق السموات والأرض، وكقول فرعون قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا ولو كان لعنه الله يزعم أن الله تعالى شخص ـ تعالى
N
-
426
427
أن
الله عما يقول الجاهلون فقد أجابه موسى عليه السلام بأمر عارض أي حادث يبين المتصف به هو الله المسئول عنه وهو إعطاء كل شيء خلقه وهداه إياه، وهما صفتا فعل؛ وصفة الفعل عارضة، ولا يكون شيء عارضا الله بل يعرض منه لغيره. ولا يوهم ذلك من قولي العارض" وإن شئت فقل: "الأمر الذي ليس ذاتيا" يقال: "من" في "الدار" فتقول: "زيد" فقد بينت
426 - طه جزء من 49 - الآية الكريمة (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) 427 - قال تعالى في الآية .. من سورة طه) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أعْطَى كُلِّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)
312 (1/328)
صفحة 329
من فيها، ولا شك أن لفظ "زيد " عارض الذات، وكذا لو قلت: "ابن فلان" أو " الذي فعل كذا " أو " الذي ضحك أمس عند الأمير " أو " الرجل الطويل الذي لقيته بالأمس "، أو نحو ذلك مما يبينه من الأعراض الخاصة أو العامة. وأما عرض عام لا يبينه كالضاحك إذا أريد به الحقيقة، والكاتب فلا يجاب به. وقال السكاكي 428: يسأل بـ (ما) عن الجنس من ذوي العلم وغيرهم، أو عن الوصف بـ (من) عن الجنس من ذوي العلم وأراد بالجنس ما يشمل النوع فهو جنس لغوي يعمّ الجنس المنطقي والنوع. ومثال السؤال بـ (ما) عن الجنس: " ما عندك؟ " أي بين لي الجنس الذي عندك، وجوابه كتاب أو فرس أو إنسان أو نحو ذلك؛ سؤال عن الجنس إجمالا. وقد يسأل عنه تفصيلا، مثل أن يقال: " ما الكلمة؟ " أي جنسها من الألفاظ، فيجاب بلفظ وضع بمعنى مفرد؛ وهذا سؤال عن الجنس مع قطع النظر عن أنه مسمّى الاسم، وهذا من السؤال عن الماهية والحقيقة. ومثال السؤال بـ (ما) عن الوصف: " ما زيد؟ " وجوابه الكريم ونحوه،
ومثال السؤال بـ (من) عن الجنس: " من جبريل؟ " أي أبشر هو أم ملك أم جني؟ وقالت المناطقة: لا يسأل بـ (ما) عن الصفات المميزة، بل) بأي)، ولعل السكاكي أراد أنه يستفهم بها عن الصفات مجازا، وقال غير السكاكي: لا يسأل بـ (من) عن الجنس، وأنه لا يقال في جواب من جبريل؟ ": "ملك"، بل يقال ملك" يأتي بالوحي"، ونحو ذلك مما يفيده التشخص، ويدل لقول السكاكي قوله: [من الوافر]
اتوا ناري فقلت منون أنتم
قالوا الجن قلت عموا ظلاما وأجيب بأن السائل وهو الشاعر اعتقد أنهم من جنس البشر، وسأل عما يميزهم ككونهم من أي قبيلة بالجنس إشارة إلى أنّ الاعتقاد خطأ وأنه لا ينبغي السؤال بـ (من)، قال عصام الدين: ولو كان (من) للسؤال عن الجنس لما صح أن يقال: لمن قال " جاءني إنسان " (من هو؟) مع شيوعه، ولصح لك السؤال عمن جهلت جنسه وهو بحضرتك بـ (من هو)، قلت:
•
-
428
- قال في المفتاح 149 - 150: (وأما من فللسؤال عن الجنس من ذوي العلم تقول من جبريل؟ بمعنى أبشر هو أم ملك أم جني وكذا من إبليس ومن فلان ... )
313 (1/329)
صفحة 330
لم يرد السكاكي أن (من) للسؤال عن الجنس فقط بل تارة له، وتارة للأمر العارض المبين لذي العلم، والله أعلم.
باب الاستفهام بأي
يسأل بما عما يعيّن أحد الشيئين فصاعدا يعم المشاركين في أمر يعمهما وهو مضمون مال ضيف إليه " أي " والأمر المشترك فيه يعم المشتركين قط ما ولكن زدت قولي: "يعمهما للتأكيد بزيادة الإيضاح ولإخراج المشتركين في مال فإنّه لا يسأل عما يعينهما ما لم يجعلا تحت ما يعمهما، ولو كان مفهوم المشتركين في هذا المال، ولا بدّ في معرفة ما يعم في بعض المواضع من فطانة، ففي قولك: " جاءني زيد وعمرو " لإدراك أيهما تقدم الأمر العام تعدد الجائي، أي: لا أدري أي الجائيين تقدم قال الله تعالى (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا 429 أي: أنحن أم محمد وأصحابه، فالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون والكافرون قد اشتركوا في الفريقي ـ أعني كل فريق ـ وسأل الكافرون عما يميّز الفريق الذي ثبتت له الخيرية، والله أعلم.
باب الاستفهام بكم
يسأل بها عن العدد، ويدخل في العدد هنا الواحد ولو اختلف هل هو عدد كما بسطته في
430
شرح القلصادي وشرط عصام الدين: أن يكون العدد المسئول عنه على قصد التعيين، فلا
يجاب إلا بالتعيين، فلو قيل: "كم رجل في البلد " لم يصح أن يجاب بألوف، فلو قيل:" كم ألف فيه " لم يصح أيضا أن يقال: بل يصح أن يجاب بألف أو بألفين. قال الله تعالى سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ)) (3) فليس الاستفهام في الآية حقيقيا بل توبيخيا، وبخهم بعدم
429
مريم جزء من 73 - الآية الكريمة (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ
مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَديا
430
هـ
891/
- هو شرح كتاب (كشف الأسرار عن علم حروف الغبار) في الحساب لعلي بن محمد القلصادي 815 هـ. ينظر آراء الشيخ امحمد بن يوسف العقدية لمصطفى بن الناصر وينتن. ص 484 البقرة جزء من 211 - الآية الكريمة سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلُ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
431
314 (1/330)
صفحة 331
اتعاظهم مع كثرة الآيات، فلم يرد ما أورده عصام الدين على التمثيل بها من أن المقام مقام المعاني الحقيقة، وأقول: الاستفهام فيها، حقيقي، لأن السائل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله بالسؤال وهو
لا يدري كم هي،
كأنه قال: كم آية آتاكم الله أعشرين أم ثلاثين؟ ثم بعد مدة رأيت ذلك لابن
قاسم، والله أعلم. و"آية "تمييز زيدت فيه "من"، و"كم" مفعول " آتَيْنَاهُمْ "، وإنما زيدت للفصل
بين
"
11
وتمييزها بفعل متعد حتى لا يلتبس تمييزها بمفعوله، قال الرضي: لم أجد زيادة " من
" I
في تمييز " كم " الاستفهامية في نظم ولا نثر ولا كتاب من كتب النحو، فلا تجوز، وقال السعد في مقابلته سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ لوح إلى الرضي يأمره بالسؤال حتى يعلم جواز زيادتها، ولوح إلى أن ها زيدت في الآية، وقد يقال: زيدت في المفعول، و "كم" ظرف أو مفعول مطلق، أي: " كم مرة " أو " كم إيتاء آتيناهم آية بينة "، أو " من " للبيان أو للتبعيض، أي: بعض جنس آية متعلق بمحذوف وجوبا نعت لـ " كم "، والتمييز محذوف أي " كم شيء. وقيل سياق كلام الرضي يدل أنه يقول: لم أر زيادتها في تمييزكم بلا فصل متعدّ، والعدد في كم الاستفهامية مبهم عند المتكلمين معلوم عند المخاطب في ظن المتكلم أو جزمه،
"1
لأنك تسأل علمت أنه
من
عالم ومن
ظننت أنه
يعلم. وكم الخبرية مبهم عند المخاطب ربما يعرفه
المتكلم، وقد يجهله المتكلم ويعرفه المخاطب، وقد يعرفانه، وقد يجهلانه، وذلك أن القصد بها
الفخر لا حقيقة الإخبار، والله أعلم.
باب السؤال بكيف وأين ومتى
يسأل ب (كيف) عن الحال، نحو " كيف أنت " أي ما حالك أسخط أم رضى؟ أو
أجزع أم
صبر
؟ أو أفرح أم حزن؟ أو أشبع أم جوع؟ أو نحو ذلك، والله أعلم. وتقول: "
كيف جئت " أي: على حال الركوب أم المشي أو نحو ذلك.
ويسأل بـ (أين (عن المكان، قيل: ما أن يسأل بها عن المسند إليه، نحو " أين زيد " أو عن
المكان، نحو " أين تسكن " قلت: هي في ذلك وغيره للسؤال عن المكان؛ والمكان إما ظرف للحدث " كأين تسكن " أو للمسند إليه " كأين زيد " هذا مراد القائل، والله أعلم. وقد يقال هي في " أين زيد " سؤال عن المسند من حيث المسند إليه ويسأل بـ (متى) عن الزمان ماضيا
315 (1/331)
صفحة 332
أو مستقبلا، ولا يسأل بما عن زمان حاضر، تقول: " متى جئت؟ " في أي وقت من الأوقات
11
"
الماضية جئت؟ و" متى تجيء؟ " في أي وقت من الأوقات الآتية تجيء؟، ولا تقول: " متى يقوم؟ وتريد: هل هو في هذه الحال قائم؟، وأما أن تقول: " متى تقوم؟ " وتريد: هل تقوم في الحال المتصلة بالكلام أو قريبا فذلك استقبال في هذا الفن، ولا أدري لم قال الصبان: إنما تكون أيضا للحال، والله أعلم.
باب الاستفهام بأيان
يستفهم بها عن الزمان المستقبل، وهي بسيطة، وقيل: بسيطة، وقيل: أصلها أي أوان فحذفت ثانية الياءين من (أي)، والهمزة" من أوان)، فصار (أيوان) فقلبت الواو "ياء" وأدغمت فيها "الياء" قبلها، ورد بأنه غير متصرف فلا يليق به ادعاء التصرف المذكور، وبأن كسر "الهمزة" فيه لغة مستعملة وهو يأبى ذلك، لأنّ "همزة" (أي) مفتوحة، اللهم إلا أن يدعي أن "لكسرة" عوض عن "الياء" المحذوفة، وتستعمل في مواضع التفخيم وغيره، وقيل: لا تستعمل إلا في التفخيم، مثل قوله تعالى (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (432 ولا يضر الإخبار بـ"أيان" عن يوم القيامة، لأن المراد السؤال عن زمن وقوعه؛ إذ الكلام على تقدير المضاف، أي: "أيان وقوع يوم القيامة" فليس إخبارا بالزمان عن اليوم الذي هو كالجثة هنا، وكذا الإشكال في السؤال عن زمان وقوع اليوم الذي هو زمان أيضا لجواز اعتبار الأخص ظرفا للأعم، والأعم ظرفا للأخص والتفخيم فضلا عن تفخيمه لأنّ هذا السؤال يقوله بناء على اعتقاد المخاطب استهزاء أو إنكارا،
والله اعلم.
باب الاستفهام بأنّي
تستهل تارة بمعنى (كيف) فيليها الفعل، وتارة بمعنى من أي فيليها الفعل أو الاسم، وتارة بمعنى (متى) كذلك، والأظهر أنه يليها الاسم أو الحرف كما يليها الفعل إذا كانت بمعنى كيف،
432 ـ القيامة 6
316 (1/332)
صفحة 333
لكنّه لم يسمع بدون احتمال وهي حقيقة في المعاني الثلاثة؛ وهي لفظ مشترك، وهي بسيطة المعنى إلا إذا كانت بمعنى (من أين فمركبة المعنى تدلّ على معنى من الابتدائية تضمنا، وعلى معنى (أين) تضمّنا أيضا، ومجموعهما، مطابقة، كما تدلّ (لن) على الاستقبال وعلى النفي وعلى التأبيد، ويصلح للمعاني الثلاثة معنى (كيف) ومعنى (من أين)، قيل: ومعنى (متى) قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ 433) وقوله تعالى و أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا 434، وقال
435
صاحب عروس الأفراح: لو كانت أنى في أنى شئتم لاكتفت بها بعدها. قال: والذي أختاره شيخنا أبو حيان في هذه الآية شرطية وأقيمت فيها الأحوال مقام الظروف المكانية، وجوابها محذوف في كونها استفهامية أو شرطية إشكال، لأنّ كلا من الاستفهامية والشرطية لها الصدر، فلا يعمل فيها ما قبلها والمعنى على أي حال من استلقاء أو غير ومن أي شق شئتم، أو متى شئتم، وفي الآخر تكلف، نعم لا تكلف إن جعلت بمعنى (متى الشرطية) ويصلح لمعنى (من أين) ومعنى (كيف) على ما ذكرته من أنه لا يمتنع أن يليها الاسم أو الحرف إذا كانت بمعنى (كيف) فيكون قد تلاها الحرف والاسم وذلك احتمال قوله تعالى أنى لك هَذَا 436 أي من أين لك
هذا؟ أو كيف هذا لك؟ وقد يصرح بـ (من) قبل (أنى) كقوله: " من أنَّى عشرون لنا
" "
(من أنى) خبر، و (عشرون (مبتدأ و (لنا (نعته، فإذا لم تذكر معها (من) فهي بمعنى (من أين)
433
- البقرة جزء من 223 - الآية الكريمة نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا الله وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ)
434
- البقرة جزء من 259 - الآية الكريمة أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةِ وَهِيَ حَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طعامك وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلَنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ تُنشِزُهَا ثُمَّ تَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
-
435
ينظر الشروح 2: 289
436 ـ آل عمران جزء من 37 - الآية الكريمة فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفْلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حساب)
317 (1/333)
صفحة 334
إذا كان فيها معنى (أين)، وإذا ذكرت معها (من) كانت لمعنى (أين)، وقيل: معناها بسيط أبدا
وهو معنى (أين)، ولكن تارة تحذف (من) وتقدّر، وتارة تذكر، والله أعلم.
واعلم أنه ليس شيء من مباحث الاستفهام متعلقا بهذا الفن، فإنّ حقائقه وظائف لغوية، ومجازاته من مباحث البيان وفروع قواعد المجاز، ومحل ذكر ذلك كتب النحو، ولكن ذكرتها هذا إيضاحا للتصوّر والتصديق، وذكر الحقيقة يستتبع ذكر المجاز، والله أعلم.
باب استعمال هذه الكلمات في غير
الاستفهام الحقيقي على سبيل المجاز المرسل
کالاستبطاء نحو "كُمْ دعوتك" وقوله تعالى مَتَى نَصْرُ الله 437 فالاستفهام مسبب عن الجهل، والجهل مسبب عن كثرة الدعوة، إذ يبعد جهل القليل وكثرة الدعوة مسببة عن الاستبطاء، فأطلق السبب وأريد المسبب ولو بواسطة وكالتعجب فإنّ التعجب يستلزم الجهل، والجهل يستلزم الاستفهام نحو لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (438 كان الهدهد لا يغيب عن سليمان عليه السلام إلا بإذنه كسائر الطير وغيرها، فلمذا لم يبصره في مكانه تعجب من حال نفسه كيف لا يراه، هذا في ظاهر الأمر، وفي الحقيقة تعجب من غيبته؛ كيف غاب بلا إذن منه؟ ويحتمل أن يكون استفهاما حقيقيا إذ لا مانع من أن يتعجب الإنسان من حال نفسه إذا خفيت عنه، أي كيف لم أره؟ ألساتر ستره؟ أو لغفلة بصره؟ أو كلاله؟ أو لإخفاء الله إياه؟ أو لاختلاطه بالطير في غير محله وهو على ذلك كله في مكانه؟ أو لغيبته ثم ظهر له أنه غائب؟ كما أضرب بقوله: أمْ كان مِنَ الْغَائِبِينَ وإِنما يمنع تعجب الإنسان من حال نفسه إذا لم تخف، وهنا خفيت على هذا التقرير، مع أنه يصح تقرير آخر، وهو أن المسؤول عنه وجوده مانع للرؤية، ومنه الغيبة وليس
437
البقرة جزء من 214 - الآية الكريمة (أمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِيكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وَزُلْ زِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). سورة النمل جزء من 20 الآية الكريمة وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ)
438
20
318 (1/334)
صفحة 335
ذلك حالا لنفسه وكالتنبيه على الضلال عن أمر؛ لأنّ الاستفهام عن الشيء يستلزم تنبيه المخاطب عليه وتوجيه ذهنه إليه، فإذا سلك طريقا واضح الدلالة بزعم المتكلم، كان هذا غفلة من المخاطب عن الالتفات إلى ذلك الطريق، فإذا نبه عليه ووجه ذهنه إليه كان تنبيها له على ضلاله، فالاستفهام عن ذلك الطريق يستلزم توجيه ذهنه إليه المستلزم له أن يعلم أنه على ضلال، كقوله تعالى {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) 439 القصد استعلام مذهبهم بل التنبيه على ضلالهم، وأنه لا مذهب لهم ينجون به، وكثير ما يؤكد هذا الاستعمال بالتصريح بالضلال، فيقال لمن ضل عن طريق القصد: " يا هذا إلى أين تذهب قد ضللت فارجع " فالتنبيه على الضلال لا يخلو من الإنكار، وفي استعمال الاستفهام في الآية دون التصريح بكونه طريق ضلال مبالغتان إحداهما: أن كونه ضلالا أمر واضح يكفي في العلم به مجرد الالتفات إليه والثانية: إيهام أن المخاطب أعلم بذلك الطريق من المتكلم حتى يحتاج إلى سؤال عنه. وكالوعيد لأنّ الاستفهام ينبهه على جزاء إساءة الأدب، وهو يستلزم وعيده لاتصافه بها، كقولك لمن فعل ما يوجب التأديب بالضرب أو نحوه كالسجن: " ألم أؤدّب فلانا " إذا علم ذلك الفاعل أنك أدبت فلانا وأنت تعلم أنه يعلم ذلك، فيفهم معنى الوعيد، والتخويف فلا يحمل المخاطب الاستفهام على حقيقته، وعلمه بذلك قرينة اعتبرها المتكلم في إخراج الاستفهام عن حقيقته، وفي العدول عن الاستفهام عن الإثبات، بأن يقول: "أأدبت فلانا" إلى الاستفهام عن النفي إيهام أنّ المخاطب اعتقد نفي التأديب، فلذلك أقدم على ذلك الفعل وفيه من المبالغة ما لا يخفى. وكالتقرير لأنّ الاستفهام يلزمه الحمل على الإقرار بالمستفهم عنه مع سبق الجهل من المتكلم، فاستعمل في مطلق الطلب، ثم في الطلب مع العلم وهو نفس التقرير. والتقرير حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجاؤه إليه وليس التقرير هنا بمعنى التحقيق والتثبيت كما هو الاستعمال المشهور في الفن، بل ذلك تقرير نحوي. ولو صح أن يكون الاستفهام للتقرير بهذا المعنى لأنّ الاستفهام المذكور يقرّر ويثبت الحكم المعلوم للمتكلم في ذهن المخاطب، لأنّ الاستفهام يستدعي توجهه إليه وإحضاره والجواب عليه، ويجب أن يلي المقرر به الهمزة" غالبا، وقد يفصل النافي أو غيره، تقول: " أضربت زيدا " في تقريره زيدا بالضرب و" أأنت ضربت زيدا " في تقريره بالضارب "و " أزيدا ضربت " في تقريره بالمضروب و" أراكبا جئت
11
319
26
439 ـ التكوير (1/335)
صفحة 336
" في تقريره بالراكب حال المجيء، وهكذا، وقوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ رَحْ لَكَ صَدْرَكَ 440 أي: أقرر بالشرح، وكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ولهذا عطف وضعنا. وإلا كان عطف خبر على إنشاء وكذا أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى 441، ويحتمل أن تكون الهمزة. لأنكار عدم الشرح، وعلى حمل التقرير على التحقيق والتثبيت، يكون معنى قولك مثلا: " أضربت زيدا؟ إنك أيها المخاطب ضربته البتة " واختار ابن قاسم أنه إن كان مثلا ضرب المخاطب مجهولا لنفسه فالمقصود إخبار به على وجه التثبيت أو معلوما فالمقصود تثبيت إعلامه بكونه معلوما؛ كأنه يقول: هذا معلوم قطعا فلا تطمع في إنكاره وكالإنكار قال عصام الدين: العلاقة بين الاستفهام والإنكار بمعنى نفي اللياقة أنّ مالا ينبغي تما لا يصدق بوقوعه في الماضي أو المستقبل بل يشك فيه والشك يستدعي الاستفهام، فأفاد بالاستفهام أنه مما لا ينبغي. وكذا بين الاستفهام والإنكار بمعنى التكذيب، فإنّ الخبر الكاذب وإن ادعاه أحد لا ينبغي أن يصدق به غاية الأمر الشك فيه، فأفاد المستفهم أن غاية الأمر فيه الشك دون الدعوى وقال السيد السند إنكار الشيء بمعنى كراهيته والنفرة عن وقوعه في أحد الأزمنة، وادّعاء أنه مما لا ينبغي أن يقع يستلزم عدم توجه الذهن إليه المستدعي للجهل به المفضي إلى الاستفهام عنه، أو نقول: الاستفهام عنه يستلزم الجهل به المستلزم لعدم توجه الذهن إليه المناسب لكراهته والنفرة عنه، وادّعاء أنه لا ينبغي أن يكون، واقعا، وقس على هذا حال الإنكار بمعنى التكذيب قال الله تعالى أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ} الدعاء مسلم والمنكر كون المدعو غير الله فقد تلا المنكر الهمزة لأنّ الاستفهام عنه. وقال امرؤ القيس: [من الطويل] وَمَسْنُونَةٌ زُرْقَ كأَنياب أغوَال 443
أيَقْتُلُني وَالمَشْرَفِي مُضَاجِعِي
442
بإيلاء الفعل "الهمزة" إذ كان هو المنكر، والمشرفي السيف المنسوب إلى مشارف قرية من قرى العرب تدنو إلى الريف، قيل: لم ينسب إلى مشارف بهذا اللفظ، بل إلى مفرده لأنه لا
440
- الشرح 1
441 - الضحى 1
4 - الأنعام جزء من 40 - الآية الكريمة (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَنَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ
صادقين
443
- الديوان 110
320 (1/336)
صفحة 337
ينسب إلى جمع بلفظه، قلت: ذلك إذا زال معنى الجمعية كما هنا فإن مشارف: اسم لمفرد وهو القرية، وقيل: في نسب إلى مشرف، وهو أحد يعمل السيوف، والمسنونة: المحدودة من السلاح مطلقا كرمح وسهم وسيف؛ وصفها بالزرقة لدلالتها على صفائها وكونها محلوة. وقال الله تعالى أَهُمْ يَقْسمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ 444 بإيلاء الفاعل في المعنى "الهمزة" إذ هو المنكر، وقال الله تعالى (أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا 445 بإيلاء المفعول "الهمزة" لأنّ المنكر كون المتخذ غير الله، وأمّا أصل الاتخاذ فلا يتعلق به إنكار ويجيء أيضا غير (الهمزة) للتقرير والإنكار، لكن لا تجري فيه هذه التفاصيل التي هي كون المقرّر به أو المنكر فاعلا أو مفعولا أو غير ذلك، ولا يكثر كثرة الهمزة، ولذلك لم يبحث عنه، إذ لا تستعمل في شيء مخصوص، كـ (هل) إنما التصديق، وإذا استعملت للإنكار أو التقرير فإنّما هي لإنكار النسبة أو التقرير بها، ولا تكون لإنكار نحو الفاعل أو التقرير لكونها لا تستعمل في التصوّر، وقال الله تعالى {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ الاستفهام للإنكار وهو النفي وليس نفي، ونفي النفي إثبات، وذلك في معنى قولك:
عبده
هي
لطلب
عبده،
الاستفهام للتقرير أي حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، أي: أقرر بكفاية الله وقيل: لا يجب أن يكون التقرير بما يلي (الهمزة)، بل بما يعرفه المخاطب إثباتا ونفيا؛ فالنفي كالآية، والإثبات كقوله تعالى أأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ 447 فالتقرير فيه بما يعرفه عيسى، وهو أنه لم يقل ذلك، وليس تقرير بالفاعل، مع أن التالي للهمزة فاعل معنى لأنه ليس المعنى أأنت لا غيرك قلت كما هو ظاهر التقديم، فليس تقديم الفاعل
444
- الزخرف جزء من 32 - الآية الكريمة أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُحْرِيًّا وَرَحْمَةً رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)) 445 - الأنعام جزء من 14 - الآية الكريمة قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) الزمر جزء من 36 - الآية الكرمية أليْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ
446
من هاد
447 - المائدة جزء من 116 - الآية الكريمة (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتُهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا. فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ)
321 (1/337)
صفحة 338
معنى للتخصيص لازما بل غالبا، ومن ذلك قد يقال: يصح التقرير بالنفي مع ذلك قد يقال: يصح التقرير بالنفي مع أن المراد الإثبات، مثل أن يقال في قوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ 448 المعنى: أقرر بعدم الشرح إن كان، أو أقرر أكان عدم الشرح أم الشرح، أو بالإثبات مع أن المراد النفي؛ كالآية قبل هذه على أن المعنى أقرر بقول (اتخذوني وأمي إلهين (إن كان منك أو أقرّر هل كان وقد علمت أنه قد يلي (الهمزة (غير المقرّر به أو المنكر، ومنه وصورة ضابطها أن يلي (الهمزة) معمول الفعل المنكر، ثم يعطف عليه بـ (أم) أو غيره، فقد تلاها غير المنكر، نحو قولك: " أزيدا ضربت أو عمرا " لمن يردّد الضرب بينهما من غير أن تعتقد تعلقه بغيرهما، بل تعتقد عدم تعلقه بغيرهما، أو أنكرت تعلقه بهما، فقد نفيته عن أصله؛ لأنه لا بد له من محلّ يتعلّق به، وقد انحصر في زيد وعمرو، وقد نفيته عنهما فلزم نفي الفعل من أصله، وبهذا الاعتبار صار إنكار التعلّق كناية عن إنكار أصل الفعل؛ فـ (الهمزة) هنا استعملت استعمال الكنايات، وعلى هذا قوله تعالى {قُلْ الذَّكَرَيْنِ حرم أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اسْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَنَيْنِ) 44 فالمراد إنكار أصل التحريم لما في بطون الأنعام، فالمنكر ابتداء أهو المفعولان في المثال زيدا وعمرا من حيث كونهما متعلّق بالفعل، وإنكارهما من
هذه الحيثية يستلزم إنكار الفعل، لأنهما محلّه، ونفي المحل يستلزم نفي الحال، فإنكارهما من هذه الحيثية للتوسل إلى المقصود بالذات وهو إنكار الفعل، وهكذا في نحو " أزيد ضربك أو عمرو
و" أفي الليل كان هذا أم في النهار " والمدار على انحصار الفعل في متعدّد، وكذا في واحد؛ فإذا
عنه فقد نفي البتة، والله أعلم.
""
"1
نفي عما فرض أنه لا يخرج والإنكار إما للتوبيخ؛ بمعنى أنه ما كان ينبغي أن يكون ذلك الأمر الذي كان، نحو أعصيت ربك " فالعصيان واقع لكنه منكر، ويجوز أن يكون للتقرير بمعنى التحقيق والتثبيت لما يعرفه المخاطب، أو للتقرير بمعنى الحمل على الإقرار إذا اقتضى المقام اعتراف المخاطب وإقراره بالعصيان لغرض من الأغراض. وأما للتوبيخ بمعنى لا ينبغي أن يكون ما قصدت أيها المخاطب
448
449
- الشرح 1
-
سورة الأنعام جزء من 143 - الاية الكريمة (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجِ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعِزِ اثْنَيْنِ قُلْ الذَّكَرَيْنِ حُرِّمَ أمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اسْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)
322 (1/338)
صفحة 339
450
إيقاعه نحو أتعصي ربِّك" أي ينبغي أن لا يتحقق العصيان، وقوله تعالى أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ. . . فالتوبيخ لا يختص بماض بل يكون على ما مضى وعلى الحاضر، ولا خفاء في ذلك وعلى الآتي، ووجه التوبيخ عليه تصمم المورّخ عليه بفتح الباء)، والمثال الأخير صالح للحال والاستقبال، وإن قلت: كيف فسرتهما بلا ينبغي أن يكون المضارع تخلصه أن للاستقبال؟ قلت: قيل إنها لا تخلص المضارع الناسخ استقبال، والذي عندي أنها تخلصه للاستقبال مطلقا، فإذا دخلت على مضارع للحال فإنّه يؤوّل بتنزيل الحال منزلة المستقبل تأكيدا في التحذير عن الفعل، أو في الإغراء عليه كأنه لما يشرع فيه فأنت تحذره عن الشروع فيه أو ترغبه فيه، أو يعتبر التحذير، أو الإغراء بحسب ما بقي منه؛ فإذا قلت لمن رأيته يصنع شيئا: "ما ينبغي أن تصنعه" "أواجب أن تصنعه فقد أنزلته منزلة من علمت أنه أراد فعل شيء ولم يشرع فيه فحذرته عن صنعه، أو رغبته فيه، أو أمرته بإتمامه، أو نهيته عن إتمامه.
ثم ظهر لي وجه آخر وهو أنها للاستقبال كغاية فإنك إذا كرهت استقبال شيء أو أجبته فهم منك أنك تحب الواقع منه أو تكرهه والناسخ وغيره في ذلك سواء، وتتصور هذه الأوجه فيما مضى وعبر فيه بالمضارع، وإن مثل أن يكون قد قام وتقول له: "ما يعجبني أن تقوم" وتريد ما مضى. وإما لتكذيب في الماضي أي:" لم يكن" كقوله تعالى (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ (451) أي: لم يُصفكم ربكم بالبنين، ولم يتخذ من الملائكة إناثا، أو في المستقبل أو الحال أي: "لا يكون" نحو قوله تعالى أنلْزِ مُكُمُوهَا 452) و (الميم) للجمع تضمّ ويزاد معها (الواو) قبل الضمير المتصل وهو الراجح، ويجوز إسكانها، وقرئت الآية به وهو الصحيح؛ وهو مذهب سيبويه ويونس، وقيل: لا يجوز السكون والمعنى: لا يكون إلزامنا معشر الرسل أو المؤمنين إياكم الحجة، والكفرة يدعون أنهم ألزموا ما كرهوا أو كانوا بمنزلة المدعي للإلزام في القهر، فأشارت الآية إلى أنهم
450 - الأنعام جزء من 40 - الآية الكريمة (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ
صادقين
451
-
عظيما الله
452
الإسراء جزء من 40 - الآية الكريمة أفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِنَانًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا
هود جزء من 28 - الآية الكريمة قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيت
عَلَيْكُمْ أَنلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)
11
323 (1/339)
صفحة 340
كذبوا أو لم يصرح لهم بالتكذيب تأليفا لهم، وذلك من كلام نوح عليه السلام، والمراد بالتكذيب: مدعي الشيء سواء تحقق الادعاء أو كان على سبيل الفرض والتوبيخ يشارك التكذيب في النفي، ويختلفان في أن النفي في التوبيخ متوجّه لغير مدخول (الهمزة) وهو الانتفاء ومدخولها واقع أو كالواقع، وفي التكذيب يتوجه لنفس مدخولها، فمدخولها غير واقع، والله
أعلم.
وكالتهكم وهو الاستهزاء والسخرية، لأنّ الاستفهام يقتضي الجهل، والجهل بالشيء يتسبب عنه الاستهزاء به ولو كان عظيما؛ إذ لم يعرف قدره، فهو كشيء نسي منسي مجهول يسأل عنه، كقوله تعالى أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ) 453) بـ (الهمزة) للتهكم مجازا لغويا، وأسند الأمر إلى ضمير الصلاة مجازا عقليا. كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلّي تضاحكوا استهزاء وقالوا: ألا مزية لك توجب اختصاصك بأمرنا ونهينا إلا هذه الصلاة التي تلازمها، وليست هي ولا أنت بشيء.
وكالتحقير لأنّ الاستفهام يقتضي الجهل والجهل بالشيء ربما يتسبب عنه تحقيره، والتحقير جعل الشيء حقيرا، والاستهزاء عدم المبالاة به وإن كان عظيما، وربّما يتحد محلهما ولو اختلفا مفهوما لما بينهما من الارتباط في الجملة لصحة نشأة أحدهما من الآخر، نحو قولك: من هذا؟ استحقارا بشأنه مع أنك تعرفه وكالتهويل وهو التقطيع والتفخيم لشأن المستفهم عنه، ينشأ عنه غرض من الأغراض، وذلك أن التهويل يقتضي العظمة وشأن العظيم عدم إدراكه، ويلزمه أن يجهل بالفعل ويتسبب عنه الاستفهام كقراءة ابن عباس رضي الله عنه وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مَنْ فِرْعَوْنُ: بفتح (ميم). مَنْ على أنها مبتدأ استفهامية ورفع لفظ - فرعون. على أنه خبر، أو بالعكس لما وصف العذاب بالشدة والفظاعة زيادة في المنة على بني إسرائيل بالانجاء منه زادهم
453
هود جزء من 87 - الآية الكريمة قالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
454 - الدخان 30 وجزء من 31 - الآيتان الكريمتان وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ –
كَانَ عَالِيًا مِنْ الْمُسْرِفِينَ)
324 (1/340)
صفحة 341
تمويلا، بقوله: " مِنْ فِرْعَوْنَ" أي: هل تعرفون من هو غاية في فرط العتو التكبر وناهيكم بعذاب من هو غاية في ذلك، وقد نجيناكم من عذابه فاشكروا ولذلك التهويل قال: إنه كان عاليا من
المسرفين.
وكالاستبعاد وهو عد
الشيء ء بعيدا سواء أتحقق بعده أم لا والفرق بينه وبين الاستبطاء: أنّ الاستعباد متعلقه غير متوقع، والاستبطاء متعلقه متوقع إلا أنه بطيء في زمان انتظاره، نحو قوله تعالى الله أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى 400:أي: من أين لهم التذكر والرجوع إلى الحق والوفاء بما وعدوه من
عنه،
الإيمان على كشف العذاب، والحال أنه جاءهم رسول يعرفون أمانته، فتولّوا وأعرضوا ما جاء على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن والمعجزات أعظم من كشف الدخان، أي ما يتخيلونه كالدخان شدة الجوع، والله أعلم. وكالأمر، نحو فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 456 أي: من أسلموا. والزجر، نحو: أتفعل" "كذا أي انزجر، أي لا تفعل، حذرته من فعل كاد يفعله وهو مضرّة له. والعرض نحو " ألا تنزل" والله أعلم.
باب الأمر
الأمر هو طلب فعل بغير لا على جهة الاستعلاء؛ والمراد: الأمر اللفظي، وأما النفسي فلا وجه لذكره؛ لأن الكلام النفسي ينزه الله تعالى عنه، وأما نفس المخلوق بلا تعلّق هنا به؛ لأنّ الأمر الذي في نفسه ولم يلفظ به لا نعلم به ولا يتعلّق به حكم نحكم عليه به ما لم يلفظ به، والكلام هنا على الألفاظ وخرج بالطلب الخبر والإنشاء غير الطلب، وخرج بقولي: " بغير لا" زيادة بيان، وإنما يعتبر في ذلك صيغة النهي وصيغة الأمر، فنحو: " لا تدع الفعل " نهي، ونحو: كف واترك " أمر. وهو عندي فعل، والتروك عندي أفعال، وكف ولا سيما أنك تكف نفسك كمن يحبذ شيئا عن شيء، لا كما قيل، نحو " لا تدع الفعل " أمر، ونحو: " كف واترك " نهي،
455
4 - قال تعالى في الآيتين 13 و 14 من سورة الدخان أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.
456
11
هود جزء من 144 - الآية الكريمة فَإِلمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ
325 (1/341)
صفحة 342
ولو صح هذا لغة، وخرج " بقيد الاستعلاء الدعاء والالتماس، ودخل. بالاستعلاء" ما تحقق فيه العلوّ وما ادعي، وقيل: إن كان ادّعاء غير صحيح لم يسمّ ذلك أمرا، وقيل: هو أمر ولو لم يكن استعلاء، لقول الله " فماذا تأمرون "، وفرعون يدعي الألوهية لا يقرّ بالعلو لمن تحت حكمه عليه
ولا يدعيه. وطلب الكف
عن
الكف بغير (لا)،أمر كما أنّ طلب الكف أمر، نحو " كف
عن
كفك
عن الصلاة " أي اترك الكفّ عن الصلاة، أي: " صلّ " وهو طلب فعل وطلب الكف عن الكف مطلوب به حصول الفعل، وطلب الكفّ مطلوب به عدم الحصول؛ وكل ذلك فعل حيثما دار، نحو: " كف عن الكف الترك " ف "الكف" الأول" ترك، و "الثاني" فعل. ولو قلت: "كف عن الكف عن الكف" لكان كذلك، و " الثالث" ترك.
•
واختلفوا أحقيقة الأمر الطلب الجازم أم غيره؟ الأصح أنه للوجوب إن لم يصرفه دليل، وعليه الأكثر وهو مذهبنا معشر الإباضية الوهبية وقيل للندب، وقيل: لهما وللإباحة، وقيل: للإذن المشترك بين الثلاثة وصيغته إما فعل أمر كـ" قم " أو اسم فعل كـ" صه" أو مصدر ك" ضربا زيدا " أو حرف نحو قوله عزّ وعلا ليُنفق ذُو سَعَة لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ 458 وقيل: صيغة المضارع بلام الأمر الداخلة عليه، وقيل: كلتاهما؛ وجه الأول: أنه لا دلالة للمضارع على الأمر وإنما يحمل عليه بـ (اللام)، وإذاً على الأمر بدونها فمجاز. ووجه الثاني: أن المأمور به حدث المضارع. ووجه الثالث: أن المأمور به الحدث لكن صار مأمورا به بـ (اللام). قيل: وعلى الثاني فتضاف (اللام) للأمر للملابسة؛ أي (اللام) المقترنة بصيغة الأمر، والصحيح الأول فالأمر يدلّ عليه.
أما الكلمة كَلامِ الأَمْرِ والمصدر واسم الفعل غير ما كان منه على وزن " فعال". وأما الهيئة كفعل الأمر واسم الفعل على وزن فَعَال كنزال والصحيح أن الأمر في ذلك كله
457 ـ قال تعالى في سورة الأعراف 110) يُريدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) وقال أيضا في سورة الشعراء 35) يُريدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) 458 - الطلاق جزء من 7 - للآية الكريمة ليُنفق ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرٍ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْقَ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلا مَا آتَاهَا سَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْراً
326 (1/342)
صفحة 343
موضوع
ب الفعل على سبيل الوجوب، وعليه الجمهور كما مرّ، وقيل: موضوع لطلب الفعل ولو ندبا، قيل: المتبادر إلى الفهم عند سماع صيغة الأمر الطلب استعلاء، والتبادر إلى الفهم من أقوى إمارات الحقيقة، ولا يشكل تبادره إلى المجاز لأنه القرينة لا، بدونها، وإن تبادر إليه بدونها بحقيقة عرفية، وإن قلت تبادر الفهم يتوقف على معرفة الوضع ففي الاستدلال به على الوضع دور، قلت: هو لا يتوقف إلا على معرفة مطلق الوضع لا على خصوص الوضع الذي يتضمن الفرق بين الحقيقة والمجاز. قيل: لا نسلّم أن معرفة مطلق الوضع تفيد معرفة الحقيقة لصحة أن تدرك أن هذا الوضع مثلا حقيقة دون ذاك، وقد تستعمل صيغة الأمر لغير طلب الفعل لعلاقة بينه
وبين الأمر بحسب القرائن، فإن قامت قرينة على منع إرادة معنى الأمر فمجاز وإلا فكناية. ولا يخفى عليك أن مباحث الأمر كالاستفهام ليس من فن المعاني، وليس منه إلا نكتة العدول من الحقيقة إلى التجوّز بالأمر، ومن ذلك الإباحة والتخيير، والفرق جواز الجمع بين الأمرين وتركهما في الإباحة دون التخيير ويجوز تركهما في الإباحة والتخيير، فقيل: مفيد الإباحة أو التخيير وهو الأمر و (أو) قرينة، وقيل: مفيدهما (أو) والتحقيق أن المستفاد من الصيغة مطلق الإذن، والمستفاد من (أو) الإذن في أحد الشيئين أو إباحتهما، وما وراء ذلك من جواز الجمع بينهما وعدمه فبالقرائن والعلاقة بين الطلب والإباحة والتخيير الموجبين لاستعمال لفظة فيهما مطلق الإذن العام فهو من استعمال الأخص في الأعم مجازا مرسلا، وهذه العلاقة ولو كانت عامة يتقوّى اعتبارها في الإباحة والتخيير بالقرائن واشتهر التمثيل للإباحة بجالس الحسن أو ابن سيرين وسره غير ظاهر، إذ لا يتوهم منع أحدهما حتى يحتاج إلى الإباحة، بل هو أقرب
للندب، والله أعلم.
والتهديد هو التخويف والعلاقة بينه وبين الطلب ما بينهما من نسبة التضاد، ولهذا يقال: التهديد لا يصدق إلا مع المحرّم والمكروه، وهو أعم من الإنذار بحسب الوجود مع تباين الحقيقتين؛ لأنّ الإنذار إبلاغ مع التخويف، وبحسب الحقيقتين على أن الإنذار مع دعوة صريحة، والتهديد يتضمن الدعوة بلا تصريح ما يهدّد عن المخالفة فيه وقيل الإنذار إبلاغ التخويف، وقيل: الإنذار في الغالب إبلاغ وتخويف، وقد يكون بمعنى مجرد الإعلام، ويكون أيضا بمعنى مجرد
327 (1/343)
صفحة 344
التحذير، قيل: يفارق التهديد بذكر الوعيد وجوبا مع الإنذار، وقيل: التهديد التخويف والإنذار
إبلاغ المخوف منه، وبعض لم يفرق ببينهما، والمشهور الفرق بينهما.
460
ومثلوا للإنذار بقوله تعالى {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنْ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ 459 فقوله تعالى ذَلِكَ أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر، وهو تمتع فيكون أمرا بالإنذار. ومثال التهديد قوله تعالى {اعْمَلُوا مَا شَئْتُمْ 461 فسترون منا عقابا يعجز المخلوق أن يصفه، فقد تضمن وعيدا مجملا، والقرينة ليس المراد بعمل المعاصي والتعجيز وهو إظهار العجز والعلاقة بينه وبين الطلب نسبة التضاد في متعلقهما، فإن التعجيز في المستحيلات والطلب في الممكنات كقوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه 462 إذ ليس المراد طلب إتيانهم بسورة من مثله لكونه محالا ولا تكليف بمحال فليس بمطلوب منهم، فاستحالته قرينة على أن المراد التعجيز، والمراد سورة دون بسملتها، فالمتحدّى به أقصر سورة بدون بسملتها، وذلك ثلاث آيات وهي "سورة الكوثر" بدون بسملتها، وإلا كان المتحدي به أربع آيات إلا أن يقال البسملة وما يليها آية واحدة، وذلك أن البسملة آية من أوّل السورة في القول الحق، ومن متعلق فأتوا " و"من" ابتدائية، و"الهاء" لعبدنا، ووجه المماثلة عدم الكتابة وقراءة المكتوب أو المحذوف نعت لسورة، و"من" تبعيضية" و "الهاء" لـ"ما أنزلنا" أو "العبدنا على أنّ المماثلة في البشرية من غير شرط عدم الكتابة والقراءة لعجز الكل، وإذا علقنا "من" بـ "أتوا" لم يجز عود "الهاء" لـ"ما أنزلنا" لأنه يقتضي بـ" ثبوت مثل القرآن في البلاغة وعلوّ الطبقة بشهادة الذوق، واستعمال البلغاء واعتباراتهم، إذ المعنى على هذا إيتوا من مثل القرآن بسورة. وقيل: إن إعجاز القرآن بالفصاحة والبلاغة قد كان مثله في طرق العرب، ولكن صرفهم والتعجيز على احتمال تعلّق من "فأتوا" إنما يكون عن الإتيان بالسورة مع وجودها القرآن،
عنه،
459
460
الله
- إبراهيم جزء من 30 الآية الكريمة (وَجَعَلُوا اللَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنْ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) الطلاق جزء من 5 الآية الكريمة لذلك أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعَظَّمْ لَهُ أَجْراً) 461 - فصلت جزء من 40 - الآية الكريمة و إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَحْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
462
- البقرة جزء من 23 - الآية الكريمة وإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)
328 (1/344)
صفحة 345
فكأن مثل القرآن موجود لكنهم عجزوا عن أن يأتوا منه بسورة، وهذا لا يصح إلا على قول من قال إعجازه صرف الله إياهم عن مماثلته وقد أمكنتهم، وإذا كان من مثله نعتا لسورة فالمعجوز عنه هو السورة الموصوفة باعتبار انتفاء الوصف وهو كونها من المثل لانتفاء المثل، ولو ثبت المثل لثبت الوصف لسورة منه، والعجز عن الشيء الموصوف صادق والعجز عن الشيء الموصوف صادق مع انتفاء كل من الشيء والوصف، ومع انتفاء أحدهما وإن قلت: إذا علق بـ"أتوا" وكانت "الهاء" لـ"ما أنزلناه" فليكن التعجيز باعتبار انتفاء الآتي منه، فلا يقتضي ثبوت المثل، كما تقول: " إيتني برجل أو جناح من العنقاء" على معنى العنقاء لم توجد فلا يوجد رجلها ولا جناحها، بخلاف قولك: برجل" فإنّه يقتضي بحسب الاستعمال وجود العنقاء، قلت: احتمال عقلي لا
من
مثله
"إيتني من العنقاء يسبق إلى الفهم ولا يوجد له مساغ في اعتباراتهم واستعمالاتهم، فلا يعتدنه بخلاف كون التعجيز باعتبار انتفاء الوصف، فإنه شائع كثير، بل القيود محط القصد، والمعجوز عنه إذا كان نعتا لسورة هو السورة الموصوفة بصفة؛ هي كونها من مثل المنزل أو من مثل عبدنا، ومعلوم الذي يفهم من مثل هل الكلام عند امتناع الإتيان إن الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه، كقولك: " إيتني بثوب ملبوس للأمير " فملبوس الأمير موجود وامتنعت
أن
11
القدرة عليه، أو لعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه فيلزم امتناع الإتيان به، كقولك: إيتني بثوب فيه أربعون ذراعا " والغرض أنه لا ثوب موصوف بهذا الوصف. بخلاف تعليق "من" بـ"أتوا" وعود "الهاء" لـ"ما أنزلناه"، فيتعين أن يكون لعدم القدرة عليه مع وجود كليهما، والله
أعلم.
والتسخير هو نقل الشيء من حالة إلى حالة فيها مهانة ومذلّة وقد كان موجودا. والتكوين إبراز الله تعالى الشيء من العدم إلى الوجود، ويحتمل أن يكون التكوين أعم بأن يراد به مطلق التبديل إلى حالة لم تكن. ومثال التسخير قوله تعالى {قُلْ كُونُوا قِرَدَةً حَاسِنِينَ 463، والله أعلم.
463
4 - قال تعالى في سورة البقرة 65 وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) وقال أيضا في سورة الأعراف 166 فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قَرَدَةً خَاسِئِينَ)
329 (1/345)
صفحة 346
والإهانة كقوله تعالى {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَديداً 464 والعلاقة بين الأمر والتسخير
والإهانة إلزام الذل والصيغة فيهما يحتمل أن تكون إنشاء أو إظهارا لمعناهما أو إخبارا بالحقارة والمذلة، فكأنه قيل: على هذا هو بحيث يقال فيهم: إنهم أذلاء محتقرون، وكونها للإخبار في الإهانة أظهر منه في المسخ، وليس الأمر في الآيتين على حقيقته، إذ ليس المراد أن يطلب منهم كونهم قردة أو حجارة لعدم قدرتهم على ذلك، ويحصل الفعل في الإهانة وهو صيرورتهم قردة ولا يحصل في الإهانة لأنّ المراد فيها المبالاة بهم لا حصول الفعل، وفي التسخير إهانة لكن لما كان المقصود فيه حصول الفعل لا الإهانة سمي بالتسخير دون الإهانة، والله أعلم. والتسوية والعلاقة بينهما وبين الأمر نسبة المضادة، وكذا بين الإباحة والأمر؛ لأنّ الإباحة والتسوية بين الفعل والترك كلتاهما تضاد إيجاب أحدهما وتزيد الإباحة بعلاقة مطلق الإذن، والأقرب أن الصيغة في التسوية إخبار دون الإباحة، ويحتمل إنشاء التسوية وإخبار الإباحة والمخاطب في الإباحة كأنه توهم أن الفعل محظور عليه، فإذن له في الفعل مع عدم الحرج في الترك. وفي التسوية كأنه توهم أن أحد الطرفين من الفعل والترك أنفع له وأرجح بالنسبة إليه، فرفع ذلك وسوي بينهما، والله
أعلم.
والتمني والدعاء والالتماس والعلاقة بينهن وبين الأمر مطلق الطلب؛ مثال التمني قول امرئ القيس: [من الطويل] ألا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطويل الا الحلي بصبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ 465
فإنّه ليس الغرض طلب الانجلاء من الليل، لأنه ليس الانجلاء في طاقة الليل، بل لا طاقة له في شيء، والحق أنه لا يصح التكليف بالمحال من الله ولا من غيره، فقوله: "انجلي" تَمَنْ وحب للتخلص عما عرض له في الليل من شدائد ألم الحزن أو العشق واستطالة منه لتلك الليلة كأنه لا طمع في انجلائها، فلهذا يحمل على التمني دون الترجي ولا يبعد أن يكون قوله: (ألا انجلي) من ظرافة الشعراء يجعل الليل بمنزلة إنسان متعاص يجتري على البخل بالنفع للشاعر، فلا ينجلي لاعتقاده أن الانجلاء أنفع له فيقول له: انجل بصبح فإنّك أخطأت وليس الإصباح منك بأمثل
464
465
-- الإسراء ..
- شرح ديوان امرئ القيس للأعلم الشنتمري. ص 74، و شرح المعلقات السبع للزوزني. ص 75.
330 (1/346)
صفحة 347
أي بأفضل، لأن الهجر دائم ليلا ونهارا فلا تجاوز عادتك لاعتقادك الخطأ إذا اعتقدت أن الإصباح
ظهور
فيه يقع وأنه أفضل لي منك وليس لذلك انجلت به ـ والانجلاء الانكشاف، والإصباح ضوء الصباح و (ياء) انجلي لام الكلمة التي تحذف للجزم وشبهه رجعت للضرورة، لأنّ الضرورة قد تردّ الشيء إلى أصله، ولو كانت بـ (لا) بالإشباع لم تكتب، و"منك. متعلق بأمثل. بعده قدم من التفضيلي على اسم التفضيل للضرورة، وهذا أولى من أن تجعل متعلقة بمحذوف حال من المبتدإ أو نعته أي: وما الإصباح ثابتا منك أو وما الإصباح الثابت منك، فيقدر مثلها تفضيلية، أي: وما الإصباح الثابت أو ثابتا منك أفضل منك.
ومثال الدعاء وهو الطلب على سبيل الخضوع " ربِّ اغفر " ومثال الالتماس ويسمى
11
السؤال وهو طلب لمن يساويك تحقيقا من المتكلم أو ادعاء منه قولك لمن يساويها في الرتبة: قم " فمناط الأمر في الطلب هو الاستعلاء ولو من الأدنى، ومناط الدعاء فيه التضرع والخضوع ولو من الأعلى، كالسيد مع عبده ولا يكاد يتصوّر على حقيقته فالبعض مناط الالتماس التساوي فيه مع نفي التضرّع والاستعلاء. وذكر السعد أن الالتماس يكون تضرع وتَخَضُّع لا يبلغان إلى أحدهما في الدعاء، وعلى قول البعض: إذا صدر الطلب من الأعلى للأدنى كالسيد مع عبده من غير استعلاء ولا تخضع لم يسمّ أمرا ولا دعاء ولا التماسا وهو بعيد، والله
أعلم.
467
466
معه
قال السكاكي وحق الأمر الفور، وهو اصطلاحا وجوب تعجيل المأمور به في أوّل أوقات الإمكان وضدّه التراخي، وهو اصطلاحا جواز تأخيره لا وجوبه، إذ لا قائلا بأنه إن أتي به في أوّل أوقات الإمكان لم يجز، وكذلك في الدعاء والالتماس والنهي ودعائه والتماسه، وذلك أن المتبادر الفور فيحمل الكلام عليه ما لم يصرفه دليل، وأنّ الظاهر من الطلب مطلقا الفور عند الانصاف كالاستفهام والنداء، وحق استفهام والنداء الفور باتفاق، فإن المراد جواب الاستفهام عقبه وإقبال من نودي عقب النداء، ويدل أيضا على أنّ الأمر للفور تبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد الأمر بضده وقبل فعل ضدّه إلى تغيير المتكلم الأمر الأول بالثاني دون الجمع بين الأمرين.
331
ينظر المطول 1: 308
- ينظر المفتاح 152
-
466
467 (1/347)
صفحة 348
"
وإرادة التراخي من غير أن يتبادر أنّ المتكلم أراد جواز التراخي في أحد الأمرين حتى يمكن الجمع بينهما، وبهذا يعلم أن الجمع الجمع والتراخي متقاربان لأنه متى جاز التراخي أمكن الجمع، فأحد الأمرين أو كلاهما على التراخي، ويلزم تغيير الأول كونه على الفور، فالمولى إذا قال لعبده: " قم ثم قال له قبل القيام: " اضطجع إلى المساء " يتبادر الفهم إلى أنه غير الأمر بالقيام إلى الأمر بالاضطجاع، ولم يرد الجمع بين القيام والاضطجاع مع تراخي، أحدهما، واعترض على السكاكي بأن ظهور ذلك إنما هو لقرائن أظهرته، كقوله: " حتى المساء " فإنّ الفور ظهر به، فإذا كان ظهور الفور لقرينة لم يكن الظهور دليلا أنّ حق الأمر الفور، والله أعلم. وقيل الأمر على التراخي، والله أعلم.
باب النهي
وهو طلب الكف بـ (لا) عن الفعل استعلاء محققا أو ادعائيا، وإما تضرعا، وإما بالتساوي؛ فالتماس على حدّ ما مرّ في الأمر، وقيل: نهي مع تحقق العلوّ ولا صيغة له إلا كما علمت. وقد تستعمل مجازا فيه لا النافية)، والفرق أنّ المضارع بعدها مرفوع ومعناها النهي، وإنما الجازم (لا) الناهية لا النافية ولو تضمّنت نهيا، وقال ابن مالك وابنه إن (لا النافية) تجزم المضارع إذا صلح قبلها (كي)، إذ سمع من العرب " اربط الفرس لا ينفلت " و " أوثق العبد لا يهرب أو لا يفر " بكسر راء يفر أو فتحها ترفع العرب ذلك وتجزمه، ومثل ذلك " جئتك لا تكن لك علي حجة " وخالف في ذلك الخليل وسيبويه وسائر البصريين، وقال أبو حيان: الجزم في ذلك على تأويل "إن لم أربط أي أو إن لا أربط ينفلت ونحو ذلك، وقال غيره: " (لا) ناهية في ذلك للغائب " ونهي الحجة والفرس مجاز، والأصل في النهي الفور بمعنى: " انته الآن عن كذا، والدوام أي: لا غاية لهذا النهي فهو أبدا منهي إلا لقرينة ونازع السكاكي في الدوام. والنهي حقيقة في التحريم عند التجرد عن القرينة، وكذا الأمر في الإياب، وذلك مذهب الجمهور فيهما وهو الصحيح. وقيل: حقيقة في طلب الكف العام للتحريم والكراهة، والأمر حقيقة في طلب الفعل العام للإيجاب والندب وقيل: النهى طلب الترك بـ (لا)، والترك عدم الفعل، وما يشعر به الترك من القصد غير مراد وهذا بناء على أنه يكلف بعدم العمل بناء على
332 (1/348)
صفحة 349
أن
إلا
القدرة عليه بسبب القدرة على التلبس بضدّ النهي، لأن العدم متحقق ولا يستدعي تقدّم الشعور، بخلاف الكفّ فإنّه يستدعى تقدّم الشعور بالمكفوف عنه، فلا يفعل مقتضى النهي من استشعر المنهي عنه فتركه فلا يمتثل النهي من لا يفعل المنهي عنه داخلا عنه فيلزمه إثمه. نعم الامتثال شرط للثواب وأمّا انتفاء الإثم فيكفي فيه عدم الفعل، وعلى أن المكلف به عدم الفعل يكون من لم يفعل المنهي عنه ذاتيا بمقتضى النهي، ولكن لابد في الثواب من النية المستلزمة للشعور، ثم إن قولهم: كف دواعي النفس يحصل بشغلها بالضد يبطل من لا داعية له كالأنبياء والملائكة، وإنما حاصل كفّ الدواعي عدم العمل بمقتضاها بسبب التلبس بالضد، وذلك هو القول الآخر، فقد عاد الأمر إلى أن القدرة في النهي بسبب التلبس بالضد مطلقا، والإثم ساقط بعدم التلبس بالفعل المنهي عنه، ولو بلا شعور والثواب لابد فيه من النية على كلا القولين، وهما متقاربان، حتى قيل: لا تظهر من الخلاف ثمرة. وفي عروس الأفراح 468: الترك فعل هو عند الأصوليين، ويحصل الامتثال بالترك للغافل على القول الثاني دون الأول، وينبغي على الأوّل أن لا يكون الغافل مخالفا للنهي بل واسطة ولا إثم أو هو مخالف، والإثم لا يحصل على المخالفة مطلقا بل بشرط، واستعماله في غير طلب الكف أو طلب الترك مجاز كالتهديد، كقولك لعبدك الذي لا يمتثل أمرك: "لا تمتثل أمري"
الكف
وأما الدعاء والالتماس ففيهما الطلب بلا استعلاء، فهي مجاز فيهما، والعلاقة بين النهي
والدعاء والالتماس مطلق الطلب، والمجزوم في الجواب إخبار مسبب عن إنشاء وجوب الشرط
مقدر من مضمون الإنشاء، نحو: " ليت لي مالا أنفقه ":أي إن يكن لي أنفقه، أو لازمه نحو أين بيتك أزرك " أي: إن تُعَرِّفنيه أزرك، وإنما قدرت أن تعرفنيه لأن قولك أين بيتك استعراف من المخاطب، وقيل: يقدر أن أعرف بالبناء للفاعل والتخفيف لأن السبب المعرفة حصلت بتعريف المخاطب أو غيره، أو بلا تعريف. ويقدّر في " أتكرمني أكرمك " إن تكرمني أكرمك، والمسألة من الإيجاز لكن ذكرتها هنا لمناسبتها وقرائن الحذف الإنشاء المجزوم في جوابه، وإن لم
"
333
ينظر الشروح 2: 324
468 (1/349)
صفحة 350
يكن مسببا رفع على الاستئناف أو الحال أو النعت بحسب ما يليق، كقوله تعالى تطهرهم 469 وقوله تعالى يَرِثُنِي 470. ومن قال الجزم بالإنشاء أو بأداته أو بالجملة، فليس ذلك من باب الإيجاز؛ ووجه تقدير الشرط أن الحامل على الإنشاء كون ما أنشئ مقصودا للمتكلم لذاته نادرا أو لغير ذاته غالبا، وإنما كان هذا غالبا لتوقف غير ذاته على حصول المنشا وهذا لازم معنى الشرط، فإنك إذا ذكرت بعده ما يصلح توقفه على المنشا غلب على ظن المخاطب كون المنشأ مقصودا لذلك المذكور بعده لا لنفسه، فإذا ذكرت وغلب على ظن المخاطب كان معنى الشرط مع ذكر ذلك الشيء ظاهرا فناسب تقدير الشرط، وقيل: تضمّن الكلام الإنشائي الشرط مغن عن تقديره ويردّه أنّ الجزم يقتضي تقدير جازم، ولا جزم في قولك: "أين بيتك" "اضرب زيدا في السوق" ولا تقدير لعدم توقف ضرب زيد في السوق على معرفة البيت إلا على تأويل اضربه في السوق بصوت أخذه منه أو اضربه أمامه، ويحذف الشرط لدليل في غير الجزم في جواب الإنشاء كما حذف في الجزم في جوابه والإنشاء دليله، نحو قوله تعالى (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِي 471 أي: إن أرادوا وليا بحق فليتخذوا الله وليا، لأنّ الله هو الذي يجب أن يتولّى بحق، ويعتقد أنه المولى والسيد، والدليل (الفاء) مع قوله تعالى أَمْ أَتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء، والحصر إفراد في قوله (هُوَ الْوَلِيُّ) وكانوا يتخذون الله وليا وغيره وليا، ولفظ. دونه. يستعمل في الإفراد كما في القلب وليس كما قيل قصر قلب لأنهم لم يتخذوا غير الله وتركوا الله بل الله وغيره. مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى لما كان قوله تعالى " أم اتخذوا " إنكار وتوبيخ، أي: لا يليق أن
الله
472
يتخذوا من دون وليا فيتفرع عليه الله هو الولي بـ (الفاء) بلا تقدير شرط تفرع العلة على المعلول، فـ (الفاء) لعطف الإخبار على الإخبار المعنوي ولو كان بصيغة الطلب فلا دليل على
469
- التوبة جزء من 103 - الآية الكريمة خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنْ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ
لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
470
مريم جزء من 6 - الآية الكريمة (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) - عَلَى كُلّ 471 - الشورى جزء من 9 - الآية الكريمة أمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ.
شَيْءٍ قَدِيرٌ)
472
- الزمر جزء من 3 - الآية الكريمة ألا لِلهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)
334 (1/350)
صفحة 351
تقديره بصحة الكلام بدونه، وفيه نظر إذ ليس كلّ لفظ فيه معنى الشيء حكمه حكم ذلك الشيء فليس يلزم الحكم على جملة الاستفهام التوبيخي، لكونها بمعنى الجملة الخبرية السلبية بحكم الجملة الإخبارية، فيعطف عليها الإخبار، وإنما يحكم بهذا حيث لم يوجد أقوى منه، وهنا وجد فإن العطف عطف اسمية على فعلية مُؤوّلة بالخبرية وهو مرجوح وحذف الشرط ولو كان خلاف الأصل لكنه متبادر إلى الفهم، وفيه خلاف الأصل من جهة واحدة، قيل: ومما لم يحكم فيه على الشيء بحكم ما هو في معناه قولك " لا تضرب زيدا فهو أخوك " بـ (الفاء) فإنّه صحيح، ولا يصح " أتضرب زيدا فهو أخوك " بـ (الفاء)، بل يصح بواو الحال) مع الاستفهام فيه إنكار، و لا النافية إنكار، وكذا إن كانت ناهية ويبحث بأنهما ليسا بمعنى واحد، فإن أتضرب إنكار لأنّ ينبغي ضربه ولا تضرب نهي عن ضربه، ثم إنه لا يقال: يلزم أن يكون حكم الشيء حكم ما في معناه، بل كونه في معناه يسيغ حكمه له ولا يوجبه، و (الفاء) للتعليل، وإن قلت فقد قال أبو تمام [من الطويل]
أحاولت إِرْشَادِي فَعَقْلِيَ مُرْشدي أمِ اسْتَمْتِ تَأْدِبِي فَدَهْرِي مُؤدي 173
فلم قلت: " أتضرب زيدا فهو أخوك " قلت: قد ثبت نفس جواز " أتضرب زيدا فهو
أخوك " بتعليل انتفاء أن يكون الضرب مما ينبغي بأن اعتبر في التعليل معنى " أتضرب زيدا وكأنه قيل: " لا يصح ضربك زيدا لأنه أخوك " وإنّما الذي لم يثبت حسنه لتعاصي اللفظ عليه، ولو صح معنى؛ وأما البيت فلعل تعليله لمحذوف، أي: لا حاجة إلى إرشادك إياي، لأن عقلي مرشدي ولا حاجة إلى تأديبيك إياي لأنّ دهري مؤدّبي، والله أعلم.
باب النداء
هو طلب المتكلّم إقبال المخاطب بـ يا) أو بإحدى أخواتها نائبة مناب أدعو مذكورة أو محذوفة واستعمالها في غير طلب الإقبال، مجاز وبيان حقيقة النداء وظيفة النحو واللغة، ومجازاته وظيفة البيان، ونكات اختيار الحقيقة أو مجاز من مجازاته وظيفة المعاني.
11
335
- ينظر الشروح 2:333
473 (1/351)
صفحة 352
11
و من مجازه استعماله في الإغراء، كقولك لمن أقبل يتظلّم: " يا مظلوم " قصدا إلى حنّه على زيادة التظلّم أي الشكوى من ظلم أحد له لم تقصد إقباله بل زيادة الشكوى على شكواه، والعلاقة بين النداء والإغراء المستعمل النداء فيه أنّ الإغراء ملزوم للإقبال، إذ لا معنى لإغراء غير المقبل بأن يكون بحيث لا يسمع، أو في الاختصاص أعني أن صورة الاختصاص أصلها للنداء فاستعملت الاختصاص، ولا أعني أن الاختصاص نداء بل هو كنداء، نحو: " أنا أفعل كذا أيها الرجل " فإنه لما كان لفظ "أنا" يصلح للرجل وغيره ولو تعين بحسب سماع المتكلم به، ومعرفته خص نفسه بقوله: " أيها الرجل " ولو قلت: " أنت تفعل كذا أيها الرجل " لصلح أن يكون قائله طفلا، فحصرت نفسك بقولك: " أيها الرجل " وقولك: " نحن العرب أسخى من بذل لفظ نحن فيه صالح لأن يراد به العجم أو المشارقة أو المغاربة أو نحو ذلك لولا أنه خص العرب. والأصل في اسم التخصيص أن يستعمل في مقام تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك، ولو كان هو المتكلم عند قصد تجريد منادى من نفسه مبالغة، ثم جعل بنقله لمطلق التخصيص مجردا عن طلب الإقبال، ونقل إلى تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه من الفعل، والسخاء في المثالين ونحو ذلك، فالعلاقة بين النداء والاختصاص الإطلاق والتقييد؛ فالتخصيص إخبار مستعمل بصورة النداء توسعا كما استعمل الخبر بصورة الأمر، نحو " أحسن بزيد "، "، والأمر بصورة الخبر نحو: [قوله تعالى] وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ 474 في أحد الأوجه في الآية ولا يخفى أنه ليس المراد بـ (أيها) في المثال الأول وتابعها المخاطب، بل مادلّ عليه ضمير المتكلم، ولما نقل من النداء التزم فيها حكم المنقول عنه من بناء على الضم كالمنادى المنكر المقصود، فالبناء باق، والمحل نصب لأنه منادى في الأصل أو معرب، و (الضم) لحكاية حاله في النداء، و (النصب) مقدّر، وعلى كل حال هو مفعول لأخص محذوف، والجملة حال، أي:
474
البقرة جزء من 233 - الآية الكريمة وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَعْرِضُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَّا لآتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْلَمُونَ بَصِيرٌ}
336 (1/352)
صفحة 353
متخصصا من بين الرجال أو معترضة؛ كما في نحن العرب أسخى، فجملة أخص العرب معترضة. وقال السيرافي أي في اختصاص مبتدإ أو خبر.
ومن مجاز النداء استعماله في الاستغاثة، نحو: " يا الله لي " و" يا الله لنا " والعلاقة مشابهة النداء في مطلق التوجه أو العلاقة للعموم والخصوص إذا استعمل ما للأعمّ في الأخص، بأن استعمل مطلق طلب الإقبال الذي هو النداء في طلب الإقبال بخصوص الإغاثة، وإن شئت فقل: الإطلاق والتقييد واستعماله في التعجب، نحو " يا للماء " عند مشاهدة كثرته أو حلاوته، والعلاقة مشاكبة المتعجب منه المنادى في أنه ينبغي الإقبال عليه بالخطاب كالمنادى للاهتمام، فهو امتلاء القلب بشأنه. واستعماله في التحسّر والتحزّن كما في نداء الأطلال والمنازل والمطايا، والعلاقة الشبه الادّعائي بعاقل مشتاق إليه فيقبل. أو في التوجع نحو "يا مرضه" و"يا سقمه" أو في الندبة، والله أعلم
باب الإنشاء بصيغة الخبر
هو مجاز، وذلك يكون للتفاؤل بلفظ الماضي للدلالة على أنه كأنه واقع، نحو: " وفقني الله للتقوى " والأصل "وفقني يا الله للتقوى" بصيغة فعل الأمر وهو للدعاء، فجيء بالماضي تفاؤلا بوقوع التوفيق حتى كأنه وقع فعبّر عنه بماض. أو لإظهار الحرص في وقوع المطلوب، لأنّ الطالب إذا عظمت رغبته في شيء يكثر تصوّره إياه فربّما يتخيّل إليه حاصلا من الزمان الماضي مستمرا إلى وقت تكلّمه، نحو "رزقني الله لقاءك" تتوسل إلى مخاطبك بأنك تحب لقاءه. وفي التفاؤل حرص لا إظهار وإذا أريد إظهاره في مثال التفاؤل كان من إظهار الحرص.
معا
والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتمل التفاؤل ويحتمل إظهار الحرص، ويجوز استعماله فيهما بمرة أيضا، كقولك: "رحمه الله ورضى عنه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه". وأما غير البليغ فهو داهل عن هذين الاعتبارين وغيرهما مما يعتبره البليغ، وربّما ما يعتبره البليغ فيكون بليغا فيما اعتبره، ووافق في اعتباره البلغاء ولو لم تكن له ملكة يقتدر بها على كل كلام بليغ، إذ قد يبلغ في باب دون باب بناء على تجزي البلاغة كالاجتهاد.
337 (1/353)
صفحة 354
ويكون الإنشاء بصيغة الخبر أيضا للاحتراز عن صورة الأمر لأنها ولو كانت ترد أيضا للدعاء وللالتماس، لكن الأصل والمتبادر منها الاستعلاء، كقول العبد للمولى" ينظر المولى إلي ساعة " بدل أن يقول: " انظر يا مولاي إلي ساعة " بفعل الأمر مراعاة للأدب أو للاحتراز عن صورة النهي، لأنّ الأصل والمتبادر منها الاستعلاء فيراعي الطالب الأدب بصيغة الخبر، نحو "يكف شيخي حتى ينظر" هل فهممت بدل لا تنطق، لكن يحتمل أنه عدول عن الأمر، فيكون "اسكت". وكذلك في الدعاء يجوز فيه مراعاة هذه النكتة، فيجوز للطالب قصد الأدب
بدلا عن
في طلبه، فيأتي بالماضي بدل صيغة الأمر، أو لحمل المخاطب على المطلوب إذا كان المخاطب تمن يكره نسبة الطالب إلى الكذب مثل أن يقول له: " تأتيني غدا " بدل قولك: " إيتني غدا " لأنّ لفظ تأتيني إخبار منك بإتيانه، فلو لم يأت كان خبرك غير مطابق للواقع، وهو لا يحب أن يكون خبرك غير مطابق مجمله عدم حبّه لذلك على الإتيان ليطابق، والله أعلم.
باب الفصل
هو الإتيان بجملتين مستقلتين بلا عطف واحدة على الأخرى؛ فليس من الفصل الجملة الواحدة، نحو " قام زيد " لاتحاد الجملة ولا جملة الصلة وجملة النعت، وجملة الحال، وجملة الشرط وجملة الجواب وجملة الخبر لعدم الاستقلال، ولا الجملة المعتبرة إلى مفرد كخبر جملي، أو نعت جملي بعده آخر مفرد فإنّها من حقيقة الاتحاد لأنّ اعتبارها إلى مفرد قبلها لا إلى الجملة كلّها قبلها، ولا الجملة المعطوفة، فإذا أتت جملة بعد أخرى وكان للأولى محل من الإعراب كجملة الخبر والحال والنعت ولم يقصد تشريك الثانية للأولى في المعنى الذي يقتضيه عامل الإعراب فصلت الثانية، أعني يؤتى بها غير معطوفة لئلا يلزم من العطف التشريك في المعنى، كقوله تعالى قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ 475 فلو قيل: " والله يستهزئ بهم" بالعطف على "إنا معكم "، لأنّ " إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ " مبين له وتابع، ولأنّ العطف على المتبوع هو الأصل، أو على "إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. لقربه من قوله اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
475
البقرة جزء من الآية 14 وجزء من الآية 15 الآيتان الكريمتان وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
338 (1/354)
صفحة 355
وكونهما معا مشتملتين على لفظ الاستهزاء لتوهم السامع أنه من جملة ما قالوا، ولو قصد العطف على جملة أداة الشرط. والجزاء والشرط وليس من مقولهم، وجملة (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) مستأنفة للبيان جواب السؤال أي كيف تقولون: إنكم" معنا مع أنكم تجتمعون بمحمد وأصحابه وتعظمون دينهم، أو بدل اشتمال لأنّ الاستهزاء بالإسلام تعظيم للكفر، وهو مقتضى "إنا معكم"، أو تأكيدا نظرا إلى أن الاستهزاء بالإسلام نفي له يقتضي الثبات على الكفر، وهو معنى " إنا معكم " وإن لم يكن للأولى محلّ من الإعراب ولم يقصد ربط الثانية بالأولى بعاطف غير (الواو)، وكان للأولى حكم لم يقصد إعطاءه للثانية، فالفصل أيضا لئلا يلزم بالعطف التشريك في الحكم كالآية فإنه لم يعطف "الله يستهزئ بهم يستهزئ بهم " على " قالوا " لئلا يشاركه في التقييد بـ (إذا، لأنّ المعطوف على الجواب جواب، والشرط قيد في الجواب، واستهزاء الله بهم غير مقيد بوقت خلوّهم لأنه بمعنى عقابهم على استهزائهم، والمعطوف على المقيد مقيد. وهذا التقرير مع سهولته نفيس يغنيك عما حكاه الصبان وقرّره السعد من أن (إذا) ظرف قدم، وأفاد بتقديمه الحصر ولو كان شرطا، نظرا إلى كونه في الأصل ظرفا غير شرط، وأنه لو قلنا ليس أصله ظرفا أفاد الحصر أيضا تقديمه، وإنّما قلت في الأصل شرط وحدثت له الظرفية، ذلك لأنّ واجب التقديم لا يفيد تقديمه الحصر، و (إذا) واجبة التقديم وادعاء اعتبار أصله ضعيف. وأمّا التقييد فحاصل بأداة الشرط ظرفا أو غير ظرف كان الحصر أو لم يكن، والقيد بالشرط يأتي في المعطوف على ما قيد به، فلو قلت: " إذا جئت أكرمتك وقمت بك " كان المجيء قيدا لقيامه كما كان قيدا لإكرامه. ومثله في الحصر " يوم الجمعة سرت وأكرمت زيدا " فحصر الإكرام في الجمعة كما حصر فيه السير لعطفه عليه، وإن لم يكن للأولى محلّ من الإعراب أو كان ولم يوم يقصد ربط الثانية بالأولى، ولم يكن للأولى حكم زائد على مفهومها أو كان حكم لم يقصد إعطاءه الثانية، وكان بينهما كمال الانقطاع بدون أن يكون في الفصل إيهام خلاف المقصود، أو كان بينهما كمال الإتصال أو شبه كمال الإنقطاع أو شبه كمال الإتصال بدون إيهام الفصل خلاف المقصود، فالفصل أيضا. فأما كمال الانقطاع فبأن تكون إحدى الجملتين إخبارا لفظا ومعنى، والأخرى إنشاء لفظا ومعنى أو إحداهما خبرا ومعنى والأخرى إنشاء معنى، ولو كانتا خبريتين أو إنشائيتين لفظا، ولأن لا يكون بينهما جامع؛ فالأول نحو " قم تصلي " فهذا مما لا
339 (1/355)
صفحة 356
محل له من الإعراب في كمال الانقطاع، ونحو " تصلّي قم " ونحو " رحم الله زيدا لتهنأ له السعادة " ونحو " لتهنأ لزيد السعادة رحمه الله " وقوله [أي قول الأخطل]: [من البسيط] قَالَ رَائِدُهُمْ أَرْسَوْا نَزَاولَهَا فَكُلُّ حَتْفَ امْرِئٍ يَجْرِي بِمِقْدَارِ
476
وهذا من كمال الانقطاع مع وجود محلّ الإعراب فارسواء إنشاء لفظا أو معنى، ونزاول. إخبار لفظا ومعنى، قلت: التحقيق أنّ الجمل المحكيات مفرد لأن المراد هذا الكلام، وإنما هو جمل في الأصل، فقوله: "ارسوا " إلى "مقدار" مفرد مراد به اللفظ، ويجوز أن المحكي في الأول يكون في الأصل تعليلا لـ "أرسوا" أو " نزاولها"، ثم صارت هي وما قبلها لفظا مفردا، وما حكي في الأول مفعول به على التحقيق وهو المشهور، وقيل: مفعول مطلق، وعلى ما قيل إن ذلك جملتان معتبرتان لأنّ إحداهما "أرسوا" والأخرى "نزاولها "، فلكل منهما نصب على حدة بناء على أنّ الجزء المقول محلا إذا كان مفيدا، وإن اعتبر في التمثيل حال الجملتين من "الرائد" قبل أن يحكيهما الشاعر، فهما جملتان محققتان لا محلّ لواحدة، وإن قلت: "نزاولها" إما تعليل لما قبله فهو جواب لسؤال مقدّر، فليس الفصل لكمال الانقطاع بل لشبه كمال الاتصال، وإما حال مقارنة أي اثبتوا حال المزاولة أو مقدرة، أي: اثبتوا الآن مقدرين زوالها إذا كانت، فكذلك ليس الفصل لكمال الانقطاع، بل لأنّ الحال لا تعطف على الجملة المفيدة به، قلت: لا تزاحم بين كمال الانقطاع وشبه كمال الاتصال، ولا بين كمال الانقطاع وكون الحال لا تعطف على الجملة المفيدة به، فيجوز الفصل للأمرين ولم يجزم "نزاولها" في جواب الأمر لأنه لم يقصد التعليق، و"الرائد" متقدم القوم لطلب الماء والكلإ للنزول عليها، و"أرسوا" بمعنى اثبتوا المرسى بمعنى رسا، أي: ثبت وأمر أرسى المتعدي، أي: أثبتوا أنفسكم ودوابكم بقطع همزة أثبتوا وكسر بائه - وأما (همزة) "أرسوا" في البيت فـ (همزة قطع) على كل حال مفتوحة، وذلك من رسيت السفينة إذا حبستها بالمرساة وهي الحديدة التي تلقى في الماء متصلة بالسفينة فتقف، وهي بكسر الميم)، وأما بالفتح فالموضع الذي رست فيه السفينة، و"الحتف" الموت، وموت كل أحد غير موت الآخر، وأيضا أسباب الموت متعدّدة كجوع
-
- ينظر المفتاح 130 - والإيضاح 154 - والشروح 3: 27
340
476 (1/356)
صفحة 357
و برد وسيف ورمح، فقد أضيفت كل" إلى متعدّد فلا حاجة إلى أنّ ذلك قلب من قولك: كل امرئ حتف يجري بمقدار، والمعنى: أنه ليس الجبن ينجي ولا الإقدام يُهلك.
ومثال عدم الجامع " زيد طويل وعمرو نائم " إذ لا مناسبة بين طول زيد ونوم عمرو، فلا تعطف الثانية ولو قصدت مناسبة ودلّ عليها دليل، مثل أن يراد أن زيدا طويل لا يصلح لأمر من الأمور وعمرا يصلح له لكنّه نائم لكان الوصل، وذلك مع كونها لم يختلفا في معنى الخبرية والإنشائية، بل خبريتان لفظا ومعنى ذلك قولك: " نم يا عمرو انظر على السماء يا زيد " لعدم المناسبة وقد اتفقنا إنشاء لفظا ومعنى فإنه لا مناسبة بين نوم عمرو ونظر زيد إلى السماء، وإذا قصدت ودلّ على وجهها دليل فالوصل وعدم المناسبة في هذه الأمثلة هو بين المسندين إن كان بين زيد وعمرو جامع من صداقة أو غيرها، وإن لم يكن فعدم المناسبة قد كانت بين المسندين، وقد كانت بين المسند إليهما، ولو قلت: عمرو قصير زيد طويل " فالمناسبة بين المسندين بالتضاد لا بين المسند إليهما إن لم تجمعهما صداقة أو عداوة أو غيرهما، فلو جمعتهما عطفت الثانية، فما لا يصلح فيه العطف لانتفاء الجامع، أما لانتفائه عن المسند إليهما، أو عن المسندين،
أو
عن
المسند إليهما، والمسندين.
""
11 11
ومثال اختلافهما خبرا وإنشاء معنى فقط مع اتفاقهما لفظا في الخبرية أو الإنشائية " مات فلان رحمه الله " و" و" رحم الله فلانا مات، ونحو " تبوأ مقعدك من النار إن كذبت على رسول الله تب إلى الله "، فتبوا أمر لفظا، ونحو " قم تبوأ مقعدك منها بشرب الخمر إن كنت
تشربها ".
قيل لمنع العطف بين الإنشاء والخبر شروط:
-
أن يكون بالواو
وأن يكون فيما لا محل له من الإعراب
وأن لا يتوهم خلاف المراد وهو الوصل بالواو والفصل بعدمها، والله أعلم.
وأما كمال الاتصال فيفصل فيه لأنهما فيه كشيء واحد وجزء الشيء لا يعطف على جزئه الآخر، وكمال الاتصال إما لكون الثانية مقوية للأولى لدفع توهّم الغلط أو النسيان أو التجوز،
341 (1/357)
صفحة 358
وإما لكونها مبينة لخفائها بالمقوية كقوله تعالى ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فيه 477 لا يغلط ولا ينسى، لكن نزل كتابه على طريقة العرب في كلامهم، فإنّه لما كان ذلك الكتاب في الدرجة القصوى من الكمال يجعل المبتدإ اسم إشارة دالاً على كمال العناية بتميزه مقرونا بـ (لام) البعد
كانه
دلالة على التعظيم لعلوّ الدرجة، وبالحصر بتعريف الخبر بـ (أل) بعد تعريف المبتدإ، حتى ليس غيره من كتب كتابا جاز على عرف الكلام أن يتوهم السامع أنه قيل ذلك بلا تحقيق وإتقان للأمر، كما يصدر كلام بلا تفكر ولا بصيرة من قائله، فأزال ذلك بقوله: (لا رَيْبَ فِيهِ كأنه قال لم أغلط و لم أنس، كما يكون ذلك شأن الخلق، و لم أتجوز في ذلك و لم أتساهل كما
(
خبر
11
يتساهل المبالغون في المدح بوصف الشيء بغير وصفه، فهو كنفس من قولك: " جاء زيد نفسه في دفع مطلق التجوز وغير المراد، ولو كان ذلك بنفسه باعتبار المفرد، وفي الباب باعتبار الجملة، فالمدفوع بها الغلط والنسيان والتجوز، والمدفوع به التجوّز بإرادة رسول زيد مثلا، قيل: أو يدفع به الغلط في ذكر زيد بدلا عن رسوله المقصود أو التجوّز في ذكر زيد دون رسوله، وكلاهما مراد أو الغلط بذكره دون عمرو أو كلاهما، وزعم بعض أيضا أنّ " جاء زيد نفسه " يفيد دفع الغلط بالنسبة لمن توهّم أن الجائي الزيدان وكقوله (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) على أنه لمحذوف أي "هو هدى"، فإنّه يفيد قوله ذلك الكتاب، لأن معناه الكامل في الهداية، وهذا المعنى موجود أيضا في قوله (هدى) للمتقين (إذ جعل نفس الهدى، كقولك: " زيد صوم " إذا بالغت في وصفه بالصوم، وكأنه نفس الصوم وإذ نكر "هدى" للتعظيم أي: " هدى عظيم"، فـ"هدى للمتقين مع قوله "ذلك الكتاب " لتوكيد اللفظي في " جاء زيد " وذلك أن الحصر بظاهره محال، وكذا كون الكتاب نفس الهدى، ولكن أريد الكمال في كونه كتابا، وفي كونه يهدي به، فاتفقا في الكمال، و"لا ريب فيه" مع "ذلك الكتاب" كالتوكيد المعنوي بنفس، وإن قلت: المتقون مهتدون فكيف يكون القرآن هدى لهم وهدى لك إلا تحصيل حاصل، قلت: المراد: زيادة "هدى" بنزول حكم لم يزل قبل وبزيادة الإيمان بكل ما نزل لأنه كلما نزل آية أمنوا بها. أو المراد: هدى لهم من الضلال قبل أن يكونوا متقين أي هدى للضالين الصائرين إلى التقوى. أو المراد: المشرفون على التقوى. أو المتقون في علم الله تعالى. وهذه الثلاثة متحدة الماصدق.
477
-
البقرة جزء من 2 الآية الكريمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
Y
342 (1/358)
صفحة 359
وأما كون الثانية بدلا من الأولى بحيث كانت الأولى غير وافية بتمام المراد أو وافية وفاء قاصرا أو خفيا، وكانت الثانية وافية كمال الوفاء، والمقام يقتضي اعتناء بشأن المراد، ككون المراد مطلوبا في نفسه، أو للتذرّع لغيره أو لكليهما، أو فظيعا، أو عجيبا، أو ظريفا مستحسنا، و لم يقتصر على المبدل فيحصل الوفاء الكامل لتحصل النسبة مرتين.
تري
كما علمت أن المقام مقام اعتناء، ولا يخلو بدل المطابق وبدل البعض وبدل الاشتمال من بيان، إلا أن البيان لم يقصد فيهن بالذات كما قصد في عطف البيان. مثال (الفظيع): قولك لامرأة تزني وتتصدق من حلال أو من كسب فرجها " لا تجمعي بين الأمرين، لا تزني وتتصدقي" ف "لا تزني وتتصدقي" بدل مطابق من "لا تجمعي بين الأمرين". ومثال (العجيب): "قال زيد قولا، قال أهزم الجيش وحدي". ومثال (المطلوب في نفسه): قوله تعالى (أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام 478000 "أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ" بدل مطابق "لأَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ" ومحل الإعراب للموصول دون الصلة على الصحيح لا لمجموع الصلة والموصول كما قال السيد: لا أن الإعراب يظهر في (أي الموصولة وفي اللذان (واللتان) (واللذين واللتين) على الأصح وهو أنهما معربان لا آيتان بصورة المعرب. وفي (الذين) واللذون) في لغة. وأيضا لا العامل على الصلة مع الموصول إلا شدة الاتصال والاحتياج، وليس ذلك بأشد من نحو "عبد الله" إذا كان علما فإنّه أشدّ، وقد أعرب كل على حدة. وأما ظهور الإعراب في صلة (أل) التي هي وصف فلا متزاجهم والمراد في الآية التنبيه على الله، والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لكونه مطلوبا في نفسه، لأنه تذكير للنعم لتشكر، وكونه ذريعة إلى غيره كالإيمان والعمل بالطاعة. وقوله (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام ... الخ) أو فى بتأدية التنبيه، لأنه يدل بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين، لأنهم ربما نسبوا ذلك لقوتهم واحتيالهم، ونسبوا الله الخلق والتصوير والإحياء، ثم إنّه إن أريد (بما تعلمون) الأنعام والبنون وجنات وعيون (فأمدكم بأنعام (بدل مطابق أوفى بالتفصيل، وإن أريد ذلك وغيره كالسمع
نعم
478
وجه
لتسليط
قال تعالى في سورة الشعراء الآيات 132 - 133 - 134 (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامِ وَبَنِينَ *
وَجَنَّاتٍ وَعُيُون)
343 (1/359)
صفحة 360
والبصر والعافية كان بدل بعض أوفى بالتفصيل للبعض، وكان) أمدكم بما تعلمون) أوفى
بالعموم في هذا الوجه الذي هو بدل بعض. وقول الشاعر [من الطويل] أَقُولُ لَهُ ارْحَلْ لَا تُقِيمَنَّ عِنْدَنَا
وَإِلا فَكُنْ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ مُسْلَمَا 479
فلا "تقيمن" بدل اشتمال" من "ارحل قبل الحكاية، وليس "ارحل" موضوعا لكمال إظهار كمال كراهة إقامة المأمور بالرحيل، وإنّما وضع لطلب الرحيل، ولكن استعمله الشاعر لكمال الإظهار المذكور، وقوله: "لا" تقيمن "عندنا" أو فى بتأدية هذا الكمال، لأنّ "لا تقيمن عندنا" يدل بالمطابقة على كمال الكراهة في العرف وزيادة ذكر المرحول عنه بقوله: "عندنا" التأكيد ب (النون) فيتولد منه كمال إظهار كمال الكراهة، ولم يقصد مجرّد الكف عن الإقامة وإلا كان بدلا مطابقا لـ (ارحل) ولما كان طلب الشيء عرفا يقتضي غالبا محبته، ومحبة الشيء تستلزم كراهة ضده، وهو هنا الإقامة فهم منه كراهة، الإقامة والدليل على أن الأمر أجري على مقتضى هذا الغالب و لم يرد به مجرد الطلب الصادق بعدم كراهة الضدّ قوله: " وإلا فكن في السر ... الخ " فإنه يدل على كراهة إقامته لشره، وعدم الإقامة مغاير للارتحال باعتبار ما قصد بهما في البيت، وباعتبار أن عدم الإقامة مطلق عدم اللبث مع قطع النظر عن كونه لم يكن في الموضع، أو كان فزال عنه والارتحال الزوال عنه بعد كونه فيه، فليس "لا تقيمن عندنا" توكيدا نحويا ولو حصلت به تقوية، وليس عدم الإقامة بعضا من الارتحال فليس بدل، بعض ولا بدلا مطابقا لما علمت متن المغايرة. ويتميز البدل المطابق عن التوكيد اللفظي بمغايرة، اللفظين وكون المقصود الثاني والأول تمهيدا له مع تغايرهما في إفادة " فعندي قمح قمح " توكيد لفظي، وكذا " عندي قمح بر " تأكيد لفظي بمرادف ولو تغاير اللفظ الأول والثاني، تقوية، و جاء زيد أخوك زيد " أو " جاء أخوك زيد " لأنّ الأخوة لم يدل عليها لفظ "زيد".
وبدل الغلط لا يقع في الفصيح فلا يحمل عليه البيت لأنه خلاف الأصل، بل لا يقع في الشعر. وبدل فصيح لكن نادر فلا يحمل عليه بل بين "أرحل" و"لا" تقيمن" ملابسة لزومية فـ"لا "تقمين بدل اشتمال. وأما كون الثانية مبينة للأولى فحيث كانت الأولى خفية واقتضى المقام
"
إزالة خفائها.
479
- ينظر المفتاح 128 - الإيضاح 157 - المطول 2: 236 – الشروح 3: 43
344 (1/360)
صفحة 361
والفرق بين البدل المبين للخفاء والبيان: أن الإيضاح غير مقصود في البدل بالذات وفي البيان بالذات، قال الله تعالى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَا يَيْلى 480 فجملة "قال فجملة "قال ... الخ " مبينة لوسوس إليه الشيطان.
ومن
أجاز عطف البيان في الجمل سماها عطف بيان قال عصام الدين: كون الجملة الثانية بيانا للأولى أعم من أن تكون بتمامها بيانا لتمام الأولى، أو تكون بتمامها بيانا لجزء الأولى، أو يكون جزء منها بيانا الجزء الأولى، والله أعلم. وأما شبه كمال الانقطاع فلكون عطف البيان الثانية على الأولى يوهم العطف على غيرها
تخصيص
مما لم يقصد العطف عليه لفساد المعنى عليه فتفصل ويسمى هذا الفصل قطعا إما من الخاص باسم العام اصطلاحا وإلا فكل فصل قطع، وإما لأن فيه قطع توهم خلاف المراد، وإما لأن الجملتين كانتا متصلتين لوجود التناسب، والجامع، فقطع لمانع، فالفصل فيه كأنه قطع متصل، كقوله: [من الكامل]
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا
بَدَلَا أَرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ
481
فلو قال: وأراها لتوهّم العطف على "أبغي "، فيكون مما تظنّه "سلمى" وليس كذلك، فلإزالة التوهّم ترك العطف على " تظنّ سلمى" مع أن بين "تظن" و "أرى" مناسبة باتحاد المسندين وهما "تظن" و "أرى" بالبناء للمفعول أو للفاعل، وكلاهما معناه أظنّ بالبناء للفاعل، وأصله إن بني للمفعول " جعل رائيا إياها أي ظانا وجعل بمعنى أظن أنا استعمالا للشيء في لازم معناه، ومع أن المسند إليه في الأولى محبوب وهو سلمى، وفي الثانية محبّ، فبينهما تضايف وتقارن في الخيال، وقال: "أراها "بالظن مع أنّ المناسب دعوى تيقن ضلالها ليشعر بأن غاية الجرأة دعوى الظن والمناسبة التي لا تناسب كمال الانقطاع ولا شبهه هي المصححة للعطف بخلاف التي معها الإيهام المنافي للعطف، فيصح وجودها فيه، وإن قلت لا مناسبة بين مسند "أبغي" و"أراها" و كفى بذلك في نفي التوهّم قلت كفى للمناسبة كونه متعلق الظن، وإن قلت اختيار الفصل على العطف لو لم يكن في الفصل أيضا إيهام خلاف المقصود، وقد احتمل هنا أن يكون "أراها"
345
- طه 120
- المفتاح 26 126 - المطول 329:3 – الشروح 50:3
480
481 (1/361)
صفحة 362
مع
العاطف
حالا من ضمير أبغي أو خبر ثان لأنّ قلت: لا يضر الاحتمال وإنّما يضر الإيهام مع أن الأصل في الجملة الاستقلال، والخبر والحال غير مستقلين والأصل هو الفصل، فإذا منع المانع عن العارض الذي هو العطف يختار الأصل بمرجح الأصالة، وإن لم يخل عن مانع كان ولا يصح جعل الفصل لرعاية وزن الشعر، لأنّ الوزن ليس في مرتبة الداعي المعنوي، فمع وجوده لا يستند صنع البليغ إلى الأمر اللفظي. وقال عصام الدين: من نكت الفصل رعاية الوزن، وأمّا شبه كمال الاتصال ولكون الثانية جوابا لسؤال اقتضته الأولى لكونها مجملة في نفسها باعتبار الصحة وعدمها، أو مجملة السبب أو غير ذلك مما يقتضي السؤال، فتنزل الأولى منزلة السؤال لتضمنها له، فتفصل الثانية عنها كما يفصل الجواب عن السؤال لما بينهما من شبه كمال الاتصال، ويحتمل أن يكون من هذا قوله أراها في الضلال، تهيم كأنه قيل: كيف تراها؟ في ظنها أنك تبغي بها بدلا فقال: أراها مخطئة تتحيّر في أودية الضلال وإنما عطف في قوله تعالى وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ 482 وهو كأنه جواب سؤال تضمنه قوله تبارك وتعالى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا 483 أي: ولم استغفر إبراهيم، لأنه ليس كلما صلح الكلام جوابا لسؤال فصل، بل إذا صلح وقصد استشعار السؤال. أما إذا قصد الجمع بين ما يصلح جوابا وما تضمن سؤاله قبله بطريق مجرد الإفادة فلا يفصل لذلك بل يوصل إن لم يوجد مانع، لأن الأولى حينئذ ليست على طريق تضمّن السؤال، والآية من ذلك فوصلنا، كذا ظهر لي الآن.
ومن أثبت (واو) الاستئناف غير عاطفة أجاب بأن الآية من الفصل، فالفصل عنده يكون بلا (واو)، وبـ (واو) الاستئناف، وكما أنّ الجملة الأولى في الأقسام الثلاثة من كمال الاتصال مستتبعة للثانية، ولم توجد الثانية بدون الأولى، كذلك السؤال الصريح مستتبع للجواب،
482
التوبة جزء من 114 الآية الكريمة (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنْ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهُ حَلِيمٌ) التوبة جزء من 113 الآية الكريمة (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِيَ قُرْبَى مِنْ
483
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)
346 (1/362)
صفحة 363
والجواب لا يوجد بدون السؤال، فكذا صوّره والجواب والسؤال والاستئناف من شبه كمال الاتصال.
ومن موجبات كمال الاتصال كون الجملتين سؤالا، وجوابا، وذلك أن الجواب ابتداء كلام
•
غير مسبوق بما يعطف عليه، بل تقدّمه كلام من متكلم آخر مثلا وقد علمت أن الفصل فيما كان جوابا لسؤال مقدّر لما بين الجملتين من شبه كمال الاتصال، وبعضهم يجعل منع العطف بين الجواب والسؤال لما بينهما من كمال الانقطاع، إذ السؤال إنشاء والجواب إخبار. وقد علمت أيضا أن الجملة الأولى منزلة منزلة السؤال والثانية جوابها، وقيل عن السكاكي يقدر السؤال كأنه واقع والثانية جوابه. وتنزيل الكلام منزلة الجواب والسؤال إنّما يكون لنكتة مثل غناء السائل عن أن يسأل تعظيما له أو شفقة عليه، ومثل أن لا يسمع من السامع شيء تحقيرا له وكراهة لكلامه، ومثل أن لا ينقطع كلامك بكلامه، ومثل الاختصار بأن لا يوجد في المقام كلامك وكلام السائل جميعا إذ لو سكتت لسألك فتجيبه، ومثل القصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ إذ لولا ذلك لقلت له: " إن قلت كيت وكيت قلتُ كيت وكيت " أو غير ذلك، كالتنبيه على فطانة السامع وأنّ المقدّر عنده كالمذكور ويسمى الفصل؛ أعني ترك العطف في كون الجملة بمنزلة جواب سؤال استئنافا للازم باسم الملزوم، وكذا نفس الجملة تسمى استئنافا ومستأنفة وهذا النوع المسمّى بالفصل أربعة أضرب لأنّ السؤال الذي تضمنته الأولى؛ إما عن سبب المحكوم به بأن جهله أصلا، وإما عن سبب خاص لهذا المحكوم به بأن يخفى عنه شيء مما يتعلق بالجملة الأولى، فالمقام للتردّد فيؤكد الجواب، وإما عن غير السبب على الإطلاق فلا يقتضي تأكيدا، وإما عن غيره على خصوصية فيقتضي التأكيد فالأول كقوله: [من الخفيف] قَالَ لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيلٌ سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ فكيف سؤال عن حال المخاطب على الإطلاق، فأجابه بقوله "أنا عليل" بحذف "أنا" ولا شاهد في ذلك، وقوله "عليل" تضمّن سؤالا عن سبب مطلق؛ أي ما سبب علتك أو ما حالك عليلا، فأجابه بأنه سهر" دائم وحزن طويل وهنا الشاهد فإنّه جهل سبب العلة على الإطلاق، فإنّ العرف إذا قيل: " فلان عليل " أن يقال: ما سبب علته؟ ولا يقال: هل سبب علّته كذا،
484
،
- ينظر معاهد التنصيص 1: 271 272 ودلائل الإعجاز 197 والمطول 1: 93 - 331.
484
347 (1/363)
صفحة 364
ولاسيما السهر والحزن فإنّهما أبعد أسباب حدوث المرض، فهما جديران بأن لا يسأل عن تردّد. أو إنما أتى بالجملة الاسمية في الجواب مع أنه جواب عن السبب المطلق فلا يقتضي تأكيدا، لأنّ الجملة الاسمية لا تكفي تأكيدا في مقام التردّد. والثاني: كقوله [تعالى] وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنْ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي 485 كأنه قيل: هل تفي تبرئة نفسك لأن النفس أمارة؟ - بالسؤال فقال: "إن النفس لأمارة بالسوء" وتأكيد الجواب بأنه دليل على أن السؤال في خاص متردّد فيه، وذلك إنما نفي تبرئة نفسه فهم السامع أنه تنطبع النفس على طلب مالا ينبغي فسأل فأجيب بالتأكيد. والسؤال عن السبب المطلق لا يؤكد جوابه في الأصل، ولو كان ربما يؤكد لمطلق الرغبة في تقرير الجواب أو غير ذلك مما ليس مع ولا ردّا لأنكار، وقد علمت أنّ التأكيد للمتردّد مستحسن لا واجب، وإنما أتى بتأكيدين (أن) و (اللام) لاستبعاد كون نفوس الأنبياء أمارة بالسوء، والمستحسن في باب
شك
البلاغة بمنزلة الواجب.
والثالث كقوله تعالى] قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ 486 كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم في جواب سلامهم، فقيل: قال" "سلام" أي حياهم بتحية أعظم من تحيتهم لكونها بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت، أي: عليكم سلام أو سلام عليكم؛ ونصب سلاما لمحذوف أي سلمك الله سلاما أي تسليما. ويمكن تقدير سلمنا عليك سلاما على الإنشاء كبعت أعني إحضار الدعاء بالسلامة، وقد يقدر المنازع المستمرّ مثل: يسلمك الله، أو يسلم الله عليك، أو نسلم عليك سلاما فيفيد الاستمرار التجدّدي، فيكون كالاسمية إلا أن الاسمية ذلك أدلّ على الثبوت لأن استمرارها
غير تجددي، وكقوله [من الكامل] زَعَمَ الْعَوَاذِلُ أَنَّنِي فِي غَمْرَةٍ
485
-
رحيم)
486
487
صدَقُوا وَلَكِنْ غَمْرَتِي لَا تَنْحَلِي 18
يوسف جزء من 53 – الآية الكريمة (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنْ رَبِّي غَفُورٌ
-
هود جزء من 69 - الآية الكريمة (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ
بعجل حَنيذ)
487
ينظر معاهد التنصيص 1: 281 - دلائل الإعجاز 166 - المطول 2: 332 – الشروح 3: 61
348 (1/364)
صفحة 365
العواذل
جمع
عاذلة
بمعنى جماعة عاذلة لا
جمع
امرأة عاذلة، بدليل (الواو) في "صدقوا" فإنّه
للذكور أو لهم مع الأناث، وإنما أجعله جمع عاذل لمذكر لأنّ فاعلا لمذكر عاقل صفة حقه أن لا يجمع على فواعل إلا قليلا، ويضعف جعله جمع عاذلة لمذكر بتاء المبالغة لا من إلحاقها فاعلا غير مقيس، فلا يحمل عليه البيت؛ وكأنه قيل: هل صدقوا؟ فقال: صدقوا. والغمرة الشدة والزعم هنا بمعنى الاعتقاد الحق لقوله صدقوا كقول أبي طالب: [من الكامل]
ودَعوتَني، وزعمت أنك ناصح
فلقد صدقت، وكنت ثُمَّ أمينا 488 لقوله "فلقد صدقت" إلا أن يقال أراد أولا إنّك كذبت يا محمد ـ حاشاه [أصدق]
الخلق ـ ثم بعد ذلك ظهر لي صدقك تحقيقا، والله أعلم.
-
-
والزعم مطية الكذب فيفهم أنّ ما زعموه يحتمل الكذب والصدق، وإن قلت: إذا تصوّر من الكلام الأول الصدق وفيما زعموا وتردّد هل وقع ذلك الصدق؟ وكان المقام مقام التردّد، والكلام يشتمل على خصوصية، لأنّ العلم حاصل بواحد من الصدق والكذب، والسؤال عن تعيينه فلم يؤكد الجواب، مثل " إنهم صدقوا" أو " الصادقون " قلت: أتى بالجواب ماضيا ليطابق السؤال، والتأكيد مقدّر أي: "صدقوا والله " أو "صدقوا صدقوا". أو لما كان الكلام في معنى طلب التصوّر، إذ حاصله أي واحد من الصدق والكذب وقع في زعمهم، والتصوّر لا يطلب التأكيد، وقال عصام الدين: الأوجه أنّ المراد زعم العواذل أنني في غمرة تنكشف" فالزعم في معناه المشهور، ولما كان زعمهم مركبا سأل هل صدقوا؟ فأجاب بأنهم صدقوا في قولهم إنه في غمرة أي شدة، وكذبوا في دعواهم الانجلاء إذ غمرته لا تزول كما تزول سائر الغمرات، والله
أعلم.
والفصل المسمى بالاستئناف منه ما يأتي بإعادة اسم ذكر في الكلام المتضمن للسؤال، نحو قولك: " أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان " (بضم التاء أو فتحها أو كسرها)، ومنه ما يأتي بصفة ما ذكر في الكلام المتضمن للسؤال نحو " أحسنتُ إلى زيد صديقي القديم أهل للإحسان " (بضم التاء (ونحو " أحسنت إلى زيد صديقكَ القديم أهل الإحسان " (بفتح التاء والكاف أو كسرهما) والصديق في ذلك كله هو "زيد"، وكأنه قيل: لماذا وقع الإحسان إلى زيد،
349
- ينظر الشروح 3: 66
488 (1/365)
صفحة 366
وهذا سؤال عن السبب المطلق، فناسب أن لا يؤكد في الجواب، وكأنه قيل: هل هو حقيق بالإحسان؟ وهو سؤال عن سبب خاص فناسب ذكر ما يغني عن التأكيد في الجواب، وهو موجب الاستحقاق وهو الصداقة القديمة، وهذا القسم الذي هو ذكر الصفة أبلغ من القسم الأول لاشتماله على بيان السبب الموجب للحكم، كالصداقة القديمة في المثال من حيث أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، وقد يقال في الأول أيضا بيان السبب وهو كونه حقيقيا بالإحسان، كما يدلّ عليه كونه جوابا عن السؤال المقدّر عن السبب، نعم في الثاني زيادة بيان سبب السبب فهو أبلغ من هذه الجهة، وإن قلت السؤال: إن كان عن السبب في هذه الأمثلة المذكورة في القسمين فالجواب مشتمل على بيان السبب بني على اسم أو صفة فكيف يخص البيان بما بني على الصفة؟ وإن لم يكن السؤال عن السبب فلا وجه لاشتمال الجواب على بيان السبب سواء ذكر الاسم أو الصفة، كما لم يشتمل عليه قوله تعالى قال سلام وقول الشاعر "صدقوا " قلت: الأول بين سبب الحكم، والثاني بين الحكم، والثاني بين سبب سَبَب الحكم - كما مر آنفا والحكم في ذلك أعني به المحكوم به، وأيضا فرق بين بيان سبب الحكم الذي في الجواب وبيان سبب الحكم المتضمن للسؤال، فإن قولنا: " زيد حقيق بالإحسان " بيان لسبب الإحسان إلى زيد مع أنه لا يشتمل على سبب استحقاقه للإحسان، والله أعلم. وقد يحذف صدر ما هو جواب لسؤال مقدر أو عجزه، فمثال حذف العجز "نعم الرجل زيد" على أن المخصوص مبتدأ محذوف الخبر أي زيد هو، ومثال حذف الصدر قوله تعالى يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ .. 489 في قراءة بناء "يسبح" للمفعول، فـ (له) نائب الفاعل متعلق به، وفيها فضلة متعلّق به أيضا، وكذا بالغدو" وذلك أولى من العكس، لأن نائب الفاعل أحق بالتقديم ولأنّ إسناد التسبيح على ذلك الوجه أولى من إسناده إلى فيها؛ إذ التسبيح الله لا بدّ وليس لا بد من إيقاعه في المساجد، و (رجال) فاعل، لمحذوف كأنه قيل: من يسبح له بكسر (الباء)، فقال: يسبح له رجال، وإنما يدلّ عليه يسبح المذكور في الآية لا الذي في السؤال، لأنّ
489
-
-
النور جزء من 36 وجزء من 37 - الآيتان الكريمتان في فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلْبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)
350 (1/366)
صفحة 367
الذي في الآية هو الدال على المقدّر في السؤال ولا شعور للذي في السؤال إلا بالذي في الآية، كله مع قيام
490
ومنه " نعم نعم الرجل زيدان " جعلنا المخصوص خبر المحذوف، وقد يحذف الجواب شيء مقامه فيكون الفصل تقديرا، كقول الحماسي. يهجو بني أسد في انتسابهم لقريش وزعمهم أنهم إخوتهم ونظائرهم: [من الوافر]
زَعَمْتُمْ أَنْ إِحْوَتَكُمْ قُرَيْشٍ
أُوْلَئِكَ أُومِنُوا جُوعاً وَخَوْفاً
لَهُمْ إِلفْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاف
وَقَدْ جَاعَتْ بَنُو أَسَدِ وَخَافُوا
491
كأنه قيل أصدقنا أم كذبنا لأنّ الزعم يحتمل الصدق، فأجاب بقوله: "كذبتم" فحذفه وأقام علته مقامه وهي قوله: "لَهُمْ إِلْف" أي كذبتم لأنّ "لهم إلفا " وليس لكم إلاف، و"إلف" بكسر
(الهمزة) وإسكان (اللام) مصدر إلف الشيء - بكسر اللام) وبفتحها، وإلاف بكسر
-
-
"الهمزة "بلا ياء بعدها مصدر إلف بـ"همزة" أصلية و"ألف" بعدها زائدة، وفتح "اللام" بوزن قاتل بفتح التاء ومعناها مؤالفة كقتال مقاتلة بمعنى واحد، وأما إيلاف بكسر الهمزة) بعدها ياء فمصدر آلف بهمزة زائدة وإلف بدل همزة أصلية وفتح اللام بوزن افعل، والبيت [الأول] إشارة إلى لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف والبيت بعده إلى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وليس كما قال عصام الدين أراد نفي مطلق الألفة عن بني أسد لا إلفا لرحلتين فقط. وقد يحذف الجواب بلا قيام شيء مقامه نحو قوله تعالى فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) أي نحن هم أو هم نحن، والله أعلم.
492
باب الوصل
وهو عطف بعض الجمل على بعض فدخلت الجملتان فصاعدا لأنه قد تتناسب جملتان بجملة قبلها أو بجملتين، بأن يناسب مثلا مجموع الأخريين مجموع الأوليين، ونظيره في المفردات قوله
490
- أي قول الشاعر الذي ذكره أبو تمام في حماسته ويقصد ها هنا الشاعر ساور بن هند بن قيس بن زهير ابن جذيمة العبسي، شاعر مخضرم.
491
- ينظر الشعر والشعراء 1: 348 معاهد التنصيص 1: 283 - دلائل الإعجاز 167 - المطول 2: 334 الشروح 3: 65 الذاريات جزء من 48 - الآية الكريمة وَالْأَرْضَ فَرَضْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)
351 (1/367)
صفحة 368
تعالى {هُوَ والآخر في كل منهما عطف تضاد وتناسب المجموعات باعتبار أجزائهما، بل قال [السبكي] في عروس الأفراح 44: إن الفصل والوصل يكونان في المفردات كما يكونان في الجمل أيضا، وذكر فيهن ما ذكر في الجمل من أقسام الفصل والوصل، وقدمت الفصل لأنه عدمي إذ فيه عدم العطف، والعطف شيء يحدث بعد عدمها وليكون الختم بالوصل الذي هو أولى من الفصل، وبدأ غيري كالقزويني 495 بالوصل في تعريفه وبالفصل في الترجمة، فتوافقا في ذكر الفصل أولا بالترجمة، ثم رأيت - والحمد لله - علل بما عللت به؛ إذ قال: إنه بدأ يذكر الفصل لأن الأصل والوصل مار عارض حاصل بزيادة حرف وقال: إنه بدأ بتعريف الوصل؛ لأن الوصل ملكة والفصل، عدمها والإعدام تعرف بعد معرفة ملكاتها ويعني بالملكة الوجود، وفسرت الملكة بأنها ما يقوم بالشيء مما شأنه قيامه به باعتبار الجنس كالبصر للحيوان، أو باعتبار الشخص ولا شك أن الجملتين شأنهما الوصل جنسا، وقد لا يكون شأنهما الوصل شخصا بأن كان بينهما كمال الانقطاع فتفصل، كقوله تعالى إنَّا مَعَكُمْ 496 وإنما قلت الجمل ليشمل الجملة المستقلة وغير المستقلة كالجملة التي هي شرط أو جواب أو صلة صفة ولو قلت الكلام لم يشمل غير المستقلة لأنه مختص بالمستقلة وهي المقصودة بالذات لا لغيرها، فإن الشرطية) وما بعدها قصدت لغيرها، ولو قلت عطف بعض الكلام على بعض لتوهّم دخول عطف بعض الجملة على بعضها الآخر، وقيل: كلّ يسمّى كلاما ولو لم تكن الجملة التي لا تستقل غير مفيدة، وإذا أتت جملة بعد أخرى وكان للأولى محلّ من الإعراب رفع أو جر أو نصب أو جزم، وقصد التشريك عطفت عليها كما تعطف المفردات المشتركات في الحكم " كجاء زيد وعمرو " كجاء زيد وعمرو " و" زيد وعمرو قائمان " وقد لا يعطف في المفردات، نحو " زيد قائم فرح " و " زيد فقيه شاعر " و" جاء زيد
تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ 493 فمجموع الظاهر والباطن يناسب مجموع الأول
493 ـ الحديد جزء من 3 - الآية الكريمة هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
-
494
495
- ينظر الشروح 3: 67،70
- ينظر الإيضاح 151، قال: (الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه.) قال تعالى في الآية 52 من سورة التوبة (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَاب مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) وقال أيضا في الآية 15 منسورة الشعراء (قال كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ)
352 (1/368)
صفحة 369
الفقيه الشاعر " ونحو ذلك من الأخبار والصفات المتعددة، ويجوز العطف فنقول: وفرح
وشاعر والشاعر في الأمثلة.
والأصل في الصفة عدم العطف كقوله تعالى الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبَرُ 497 وعند إيهام التضاد يكون العطف أولى كقوله تعالى {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ 498 ليفهم الجمع وينفى التضاد، وشرط كون الوصل مقبولا في باب البلاغة فيكون بين الجملتين وصف خاص يجمعهما أو يقرب إحداهما من الأخرى، ولا يكفي مطلق ما يجتمعان فيه لأنّ كل شيئين لا بد أن يجتمعا في شيء حتى الضب واللبون فيجتمعان في الحيوانية وعدم الطائرية، ولا يكفي قبول عطفهما حتى يراعى ما هو الأخص كالضدية.
ومثال الوصل للوصف الخاص الجامع بينهما " زيد يعطي ويمنع " فإنّ العطاء والمنع متقابلان و" زيد يكتب ويشعر " شهر عند الأوائل أن يكون الذي يكتب أن لا يعتاد أن يكون شاعرا، والذي يكون شاعرا أن لا يكون كاتبا، فبينهما تقابل، وذلك شرط والقبول في المفرد أيضا، لا تقول: " جاء زيد والحمار" عند البلاغة إلا لنكتة؛ مثل أن يكونا مَخُوفا عليهما أو على أحدهما فيكون ذلك بمنزلة قولك: " لم تصبهما آفة " ولا تقول: " جاء زيد وعمرو " في البلاغة إلا لمناسبة كصداقة وعداوة، وذلك الاشتراط في الواو وما استعمل في معناها مجازا من مطلق الجمع وحده، وأما غيرها من حروف العطف فلكل منها معنى آخر قيد يكتفي به عن الوصف الخاص بالتشريك؛ كترتيب (الفاء) و (ثم) وغاية (حتى) على القول بأنها يجوز أن تعطف الجملة إما (أو) و (أم)، وإما (لا) و (لكن) و (بل) فلا جمع معها، وعندي لا يكفي في ذلك القبول معنى ذلك الحرف، بل لابد من وصف خاص فلو قلت: " قام زيد ثم قعد حمارك " لم يكن بليغا إلا الفاء، فالسببية فيها كافية، نحو " قام زيد فهرب "حمار" أو" فقعد حمار " ولكونه لابد من الوصف الخاص الجامع. عيب على أبي تمام قوله: [من البسيط]
497 الحشر جزء من 23 - الآية الكريمة هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
498
الحديد جزء من 3 - الآية الكريمة هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
353 (1/369)
صفحة 370
لا والذي هُوَ عالِمٌ أَنْ النَّوَى
صبر وأن أبا الحسين كريم "
فإنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى أي، البعد، ولا يحتمل أن المراد: البعد عن
أبي الحسين فتحصل المناسبة، لأنا نقول: الكلام السابق يدلّ على أن المراد البعد عن حبيبته،
قبل: هذا البيت زَعَمَتْ هَوَاكَ عَفَا الْغَدَاةَ كَمَا عَفَا
عَنْهَا طَلَالٌ باللَّوَى وَرُسُومُ
500
فإن
ولفظ "لا" نفي لما ادعته حبيبته من اندراس هواه كما ذكره في هذا البيت بالزعم، ويحتمل أن تكون زائدة لتأكيد جواب القسم في البيت بعد وصله لا والذي هو عالم البيت، وهو قوله ما زُلْتُ عَنْ سَنَنِ الْوِدَادِ وَلَا غَدَتْ
0.12
نَفْسِي عَلَى إِلْفِ سِوَاكَ تَحُومُ
كسر (الكاف)، وقد يقال: لما كان يقال: لما كان الكرم الموصوف به أبو الحسين حلوا يدفع بسبب ألم احتياج السائل ومرارة النوى يحصل دفعها به، كان هناك مناسبة التضاد والوصف الخاص الجامع مع الألم، لكن هذا ضعيف لبعد هذه المناسبة، وإنما يقبل المناسبة التي لا تكلف فيها، وقال عصام الدين: الوصف الخاص الجامع مع كمال المبالغة في التعظيم بحيث أنه لا يعلم إلا الله كنه مرارة النوى وكرم أبي الحسين، وقيل: الوصف الخاص الجامع أن في خيال أبي تمام هذين الأمرين، وزعم تعدّى في البيت إلى المفعولين بدون أنّ، وهو قليل كقوله [مجزوء البسيط]
زعمتني شيخا ولست شيـ
خا والغـ ــداة غداة الهجر وإن لم يكن للأولى محل من الإعراب وقصد ربطها بها على معنى عاطف غير الواو، وذلك المعنى هو الرابط الجامع بينهما كان معه جامع آخر، أو لم يكن أو قصد ربطها بها على معنى الواو يجامع غير معناه وصلت الثانية بالعطف، نحو " دخل زيد فخرج عمرو" بربط السببية والتعقيب أو " ثم خرج عمرو " بربط الترتيب والتراخي، أو " وخرج عمرو خوفا منه " بربط التعليل وإذا كان للأولى محل من الإعراب فالوصل بـ (الواو) كغيرها أظهر لأنّ الاشتراك في
499
500
501
-
ينظر الدلائل 158 -
131
- المفتاح 31 المطول 318/ 2 -
-
ينظر المثل السائر لابن الأثير 3: 149
- المرجع
نفسه والصفحة نفسها
354 (1/370)
صفحة 371
حكم العامل جامع وهذا في غير ما وجد فيه موجب الفصل، وليس كون الأولى لها محلّ من الإعراب يكفي جامعا في غير (الواو) ولا في (الواو)، بل علمت أن معاني غير (الواو) تكفي جامعا نعم الوصل مع وجود المحل لأظهر منه مع عدمه، وإذا لم يكن أو كان للأوّل محل و لم يكن لها حكم زائد على مفهومها أو كان وقصد إعطاءه الثانية ولم يكن بينهما كمال انقطاع بلا إيهام ولا كمال اتصال ولا شبه أحدهما فالوصل أيضا.
مثال الوصل لدفع إيهام المراد عند كمال الانقطاع أن يقال لك:" ادخل للأكل " فتقول: لا وأيدك الله " أو " لا ورحمك الله " أو " لا وبارك الله فيك " بالعطف، إذ لا نفي لمحذوف دلّ عليهما قبل أي لا ادخل وما بعد (الواو) دعاء بالخير، فلو أسقط العاطف توهم أن لا حرف دعاء لجواز دخولها على الماضي ولو لم تتكرر مع ماض آخر، ولا يتوهم أنها نافية لأنها لا تدخل على ماض بدون التكرّر فتوهّم الدعاء بشر، ولذلك كان العطف مع كمال الانقطاع، إذ لا. حرف النفي وما قدر إخبار وما بعد (الواو) إنشاء، وقيل (الواو) زائدة لدفع الإيهام لا عاطفة، كما قيل بزيادتها مع عدم الإيهام في قولك: " ربنا ولك الحمد " وذلك مذهب ابن مالك والكوفيين، وإنما يكون الإيهام إن لم يوقف على (لا) ثم يستأنف بما بعدها، وأما إن وقف عليها واستؤنف بما بعدها فلا إيهام، ولكن هذا فيما يلفظ لفظا وأما إن كتب فلا بد من (الواو) إذ لا يدري في الكتابة هل وقف على ولو علم بالنقط مثلا بعد (لا) لم يطرد عند كل كاتب، فقد يسقط العلامة كاتب آخر مع أنّ ذلك ليس خط المصحف ويحتفظ عليه جدا، وقال في عروس الأفراح الإيهام كما يدفع الفصل بين الجملتين اللتين بينهما كمال الانقطاع يدفعه بين اللتين بينهما كمال الاتصال، وكذا غيره من الأقسام فليعتبرها لناظر، والإيهام مشروط بأن لا يعارضه إيهام آخر.
والوصل للتوسط بين كمال الاتصال وكمال الانفصال لدفع التوهّم، إنما هو إذا اتفقت الجملتان خبرا لفظا ومعنى، وإنشاء لفظا ومعنى، فذلك قسمان أو اتفقتا خبرا معنى فقط ولفظهما إنشاء، ولفظ الأولى خبر ولفظ الثانية إنشاء وبالعكس أو اتفقتا إنشاء معنى ولفظهما خبر، أو لفظ الأولى خبر ولفظ الثانية إنشاء أو بالعكس؛ فذلك ثمانية أقسام مع تحقق جامع بين الجملتين، إذ لو لم يكن كان بينهما كمال الانقطاع. مثال المتفقين إخبارا في اللفظ والمعنى قوله
"
355 (1/371)
صفحة 372
في
505
تعالى {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم واتفقتا اسمية والجامع التضاد في الطرفين، وقوله تعالى يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، وتخالفتا اسمية وفعلية ويخادعون" خبر إن والمناسبة أن المسندين من المخادعة وكل من المسند إليهما مخادع ومخادع ولهما محلّ. ومثال الا تعلق إنشاء اللفظ والمعنى قوله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا 004 ثلاث جمل فعليات إنشائيات والجامع اتحاد المسند إليه مع ما بين الأكل والشرب والإسراف من المناسبة. ومثال اتفاقهما في الإنشاء معنى مع اختلافهما لفظا بأن كان لفظ الأولى إخبارا والثانية إنشاء قوله تعالى وإذ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) إلى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسنا) فلا تعبدون إخبار لفظا إنشاء معنى، وأحسنوا بصيغة الأمر النائب عنه إحسانا إنشاء أيضا لكن لفظا ومعنى، ويجوز أن يقدّذ وتحسنون بالوالدين إحسانا (فيكون معناهما معا إنشاء ولفظهما معا إخبارا، وتعطف "قولوا" على "لا" تعبدون" فتتفقان في الإنشاء معنى وتختلفان لفظا؛ فلفظ "تعبدون" إخبار ولفظ "قولوا" إنشاء، كمعناه "قولوا" على "أحسنوا" فتتفقان لفظا ومعنى في إنشاء أو تقدّر "تحسنون" إخبار، ولفظ "قولوا" إنشاء والجامع اتحاد المسند إليه في الثلاثة وهو "الواو" لبني إسرائيل واتحاد المسندات فيهن في كونهن مأمورا لهنّ مأخوذ الميثاق عليهن، وإنما صح عطف "قولوا على "لا" تعبدون" أو "على تحسنون" أو "أحسنوا " لاختلافهم في العاطف الذي لا يفيد الترتيب إذا تكرر العطف، فقيل العطف على المعطوف عليه الأول، وقيل كلّ على ما يليه، وإنما المفيد له فكلّ معه على ما يليه. وقال في عروس الأفراح: اتفقوا أن "قولوا " معطوف على "لا تعبدون إلا الله لا على "وبالوالدين إحسانا" على ما هو الظاهر؛
502 ـ الانفطار جزء من 13 - الآية الكريمة إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنْ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} 503 ـ النساء جزء من 142 - الآية الكريمة وإِن الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)
-
504
- الأعراف جزء من 31 - الآية الكريمة يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
-
505
قال تعالى في سورة البقرة آية 83 (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ)
356 (1/372)
صفحة 373
لأنّ الأصل في الطلب أن يكون بصيغته الصريحة لا يقال وبقرينة و"قولوا" لأنا نقول تعارضها قرينة "لا تعبدون".
ومثال اتفاق الجملتين في الإنشاء معنى " قم " كون الأولى إنشائية لفظا كالمعنى، والثانية خبرية لفظا " أقم الليل وتصوم النهار برفع تصوم أي وصم النهار، ولا ينصب على المعية في جواب الأمر لأنه أمر في المعنى.
ومثالهما مع كونهما خبرتين معنى والأولى إنشائية لفظا دون الثانية قوله تعالى (أَلَمْ يُؤْخَذ
506
عَلَيْهِمْ مِيثَاقَ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ فدرسوا معطوف على (ألم يؤخذ) وهو خبر لفظا ومعنى (وألم يؤخذ (إنشاء لفظا خبر معنى؛ لأن الاستفهام فيه للأنكار فينقلب النفي بـ"لم" إثباتا، أي أخذ ودرسوا والجامع بين المسندين اتحادهما، إذ معنى أخذ ميثاق الكتاب إعلامهم بما فيه مع التزامهم إياه، وذلك مرجع الدرس أو التلازم بين الأخذ والدرس كتلازم المتضايفين وأمّا اتحاد المسند إليهما فظاهر فإن الميثاق مأخوذ ومتحصل من الدارسين. وقوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ومثالهما مع كونهما إنشائيتين لفظا وخبريتين معنى " ألم آمرك بالتقوى وألم آمرك بترك
الظلم".
507
ومثالهما مع كونهما خبريتين معنى ولفظا، والأولى خبرية لفظا فقط " أمرتك بالتقوى" و"ألم آمرك بترك الظلم " ويدلّ لذلك في أمثلة الاستفهام عطف "وضعنا" كما مر قبل هذا وقد يقال: إن الاستفهام في ذلك إنشاء لفظا ومعنى ولو لم يكن حقيقيا، وإن وضعنا مثلا مردود إلى الإنشاء المذكور قبله للعطف عليه أي ووضعنا، والله أعلم.
ومن محسنات الوصل بعد وجود الجامع كونهما معا اسميتين أو فعليتين، فعلهما معا ماض أو مضارع هو فيهما معا للحال أو للاستقبال والاتفاق في التقييد أو الإطلاق، والاتفاق في طلق
506 ـ الأعراف جزء من 169 - الآية الكريمة فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضَ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُوْحَدْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقَ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) 507 - الشرح 1 و 2
357 (1/373)
صفحة 374
التقييد بأن يكون فيهما (إن) الشرطية أو (إذ (الشرطية وشرطها أو يكون جملة أو مفردا، وكون الثانية شرطية إن كانت الأولى شرطية، وقيل بمنع تعاطف الفعلية والاسمية وهو ضعيف، وقيل بالجواز مع (الواو) فقط، والله أعلم.
وذلك المحسن من المحسنات بالحسن الذاتي الداخل في البلاغة ومن المجوزات التي لابد للبليغ منها، ويتبين لك إمكان التناسب وعدمه بأن تعلم أن النسبة بين المسندين ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المقصود تجديدها عن الخصوصية.
ثانيها أن يكون المقصود خصوص الدوام والثبوت أو خصوص التجدد.
ثالثها أن يكون المقصود نفس النسبة في ضمن أي خصوصية.
تعين الاسمية في الأوّل " كزيد قائم وصديقه جالس " لأنّ الاسمية لا تدلّ إلا على مطلق الحصول بناء على أنها لا تفيد الدوام إلا بالقرائن أو تتعين الفعلين بناء على أن الفعلية لا تدلّ على أكثر من مطلق الثبوت، فقال " قام زيد بعد صديقه " فهذا الوجه لا محلّ للاستحسان فيه. في الثاني: إن قصد التجدّد فيهما مما تعينت الفعلية فيهما، أو الدوام فيهما تعينت الاسمية، أو التجدد في الأولى والدوام في الثانية تعيّنت الفعلية في الأولى والاسمية في الثانية، أو العكس تعين العكس، وهذا أيضا لا محلّ للاستحسان فيه؛ فهذان القسمان فيهما مانع من مراعاة التناسب المستحسن لأنه تارة يجب التوافق وتارة يجب التخالف فلا استحسان. يتصوّر الاستحسان في الثالث. وإذا أردت مجرد الإخبار من غير تعرض للتجدّد مثلا في إحداهما والثبوت في الأخرى، ومن غير تعرّض للتجدّد فيهما وإثبات فيهما، قلت: " قام زيد وقعد عمرو " و " زيد قائم وعمرو قاعد " فلا تعرّض في ذلك الخصوص كل ولو قصد أحدهما لا أما إن قصد التجرّد عن كل منهما فالتناسب واجب، والمراد التعرض في القصد لا مجرد دلالة اللفظ وإلا ففي" قام زيد وقعد عمرو " تعرّض للتجدّد و" في زيد قائم وعمرو قاعد " تعرض للثبوت، بل قال ابن الحاجب: اسم الفاعل موضع للحدوث وإذا قصد في إحداهما التجدد وفي الأخرى الثبوت، أو في إحداهما المضي وفي الأخرى المضارعة، أو في إحداهما الإطلاق وفي الأخرى التقييد، أو نحو ذلك، جيء بالكلام على طبق القصد؛ فيقال: " قام زيد وعمرو قاعد " و" زيد قام وعمرو يقعد" قال الله تعالى لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكُ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا
بعينه
358 (1/374)
صفحة 375
0.9
لَقُضِيَ الْأَمْرُ الأولى في الآية غير شرطية والمراد بالذات الجواب، وأما الشرط والأداة فقيد له والجامع ذكر مطلق ما يكون نزول الملك سببا له وهو إيمانهم في زعمهم وقضاء الأمر في التحقيق، وقال الله تعالى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) فالأولى شرطية، والثانية غير مقيّدة بالشرط؛ فهي معطوفة على مجموع الأولى على جوابها فقط، فضلا من أن يكون الشرط قيدا فيها، إذ لا معنى لقولك إذا جاء أجلهم لا يستقدمون لاستحالة أن يتقدّم الأجل بعد حضوره، وإنما يتوهّم تقدّمه قبل حضوره، فلذلك ترى الوقف على (لا يستأخرون)، وقيل: الثانية مستأنفة، وقيل: معطوفة على الجواب مقيدة بالشرط على أن المراد عدم الاستخارة عند الأجل حتى سوى بينه وبين المعلوم وهو عدم التقدم، أي: يستحيل التأخر بعد المجيء كما يستحيل التقدّم بعد المجيء، والله أعلم.
||
باب بيان الجامع بين الجملتين
يجب وجود الجامع بين مسند الأولى ومسند الثانية، ووجوده بين المسند إليه في الأولى وبين المسند إليه في الثانية، وبين فضلات الأولى وفضلات الثانية إن قصد التقييد بمن بالذات؛ لأنّ الكلام يمدح بمن أيضا ويذم وكثيرا ما يفسد بفضلة لم تذكر أو ذكرت أو قدمت أو أخرت أو نحو ذلك، وكان الأولى خلاف ما فعل بها، وكذا لا بد من الجامع بين المفرد والجملة، فلا يسمحون بقولك: " زيد كاتب أبوه والشاعر عمرو في داره " إذا لم يكن بين الأب وعمرو مناسبة و زيد شاعر أخوه وعمرو جالس في داره كذلك " وإن وجد الجامع بين مسند إحدى الجملتين والمسند إليه في الأخرى كفى، نحو " الإيمان حسن والقبيح الكفر " تقول: " يشعر زيد ويكتب " فالمسند إليه فيهما متحد، والشعر والكتابة متضادان لأنّ الكتابة بمعنى النثر، ويعطي ويمنع لاتحاد المسند إليه، وتضادّ المسندين إذا قلنا: المنع كفّ النفس عن الإعطاء، فالمنع أمر ثبوتي، فظهر التضادّ، وإلا فإن فسرنا المنع بعدم الإعطاء فهو عدمي لا يضاد الإعطاء، فيكون بينهما تقابل العدم والملكة، ويكفي ذلك مناسبة جامعة، وتقول: "زيد" شاعر وعمرو كاتب" و زيد طويل وعمرو قصير " فالتضادّ في ذلك جامع بين المسندين وبين عمرو وزيد مناسبة
508 - الأنعام جزء من 8 - الآية الكريمة قَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكَ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) 509 - الأعراف جزء من 34 - الآية الكريمة (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)
359 (1/375)
صفحة 376
بالصداقة أو العداوة أو الإمارة أو التجارة أو غير ذلك من المناسبات المعتبرة في التكلم، ولا يكفي وجودها بلا قصد بل لا بد من القصد، وكون المناسبة نوع اختصاص، فلا يكفي الاشتراك في النوعية الإنسانية مثلا، فإن لم تكن مناسبة بين "زيد " و "عمرو " في المثالين أو لم تقصد لم يجز الوصل في المثالين. ولا يجوز " خاتمي ضيق وخفّي ضيق " ولو أتحد المسند لاختلاف المسند إليه فيهما وعدم مناسبة بين المسند إليهما فيهما، بل يجب الفصل إذ لا مناسبة بين خاصة بين الخف والخاتم ولا عبرة بمناسبة كونهما معا ملبوسين لبعدها ما لم يوجد بينهما تقارن في الخيال لذلك أو غيره، أو يقصد ذكر الأشياء المتفقة في الضيق من حيث هي أشياء ضيّقة، فيجوز العطف لأنّ المعنى حينئذ هذا ضيق وذلك ضيق، فعاد الأمر إلى الاتحاد في الركنين. وبهذا الاعتبار صح الجمع بالاتحاد في المسند وذلك المتعلق لعوده لما ذكر، كقولك: " ضرب زيد عمرا " أو " كلّم خالد وقعد معه بكر " لأنّ المعنى هولاء الأشخاص استووا في تعلّق فعلهم بعمرو، فعاد ذلك إلى الاتحاد في الأركان، وبهذا يفهم قول من قال: يكفي الجامع الذي هو المسند أو المتعلّق وبقيد، نحو قولك: " الشجر طويل والنملة قصيرة والسماء متعالية وماء البحر راكد" مما قصد فيه ذكر الأشياء المتفاوتة، فمجرد التشبه يكفي جامعا للمسندين، ولا يجوز " زيد شاعر وعمرو طويل " ولو كانت مناسبة بين زيد وعمرو لعدم تناسب الشعر وطول القامة، وذكر السكاكي 510: أنه يجب أن يكون بين الجملتين ما يجمعهما عند القوة المفكرة؛ أي الآخذة من غيرها ما تتصرف فيه بالحل والتركيب إما جمعا بواسطة حكم الفعل؛ بأن يقتضي بسببه جمعهما في المفكرة؛ وذلك هو الجامع العقلي. وإما جمعا بواسطة الوهم؛ بأن يقتضي الوهم بسببه اجتماعهما في المفكرة؛ وهو الجامع الوهمي. وإما جمعا بواسطة الخيال بأن يقتضي بسببه اجتماعهما في المفكرة؛ وهو الجامع الخيالي. قال عصام الدين: الجامع العقلي: ما هو سبب لاقتضاء العقل اجتماع الجملتين عند المفكرة، والجامع الوهمي: ما لا يكون سببا إلا باحتيال الوهم وإبرازه في نظر العقل في صورة ما هو سبب لاقتضاء العقل والجامع الخيالي ما يكون سببا بسبب تقارن أمور في الخيال حتى خلي العقل ونفسه غافلا عن هذا التقارن لم يستحسن جمع الجملتين.
360
ينظر المفتاح 122 – 123
510 (1/376)
صفحة 377
قيل: وإما جمعا بسبب التقارن في الحافظة التي هي خزانة الوهم والتقارن في خزانة العقل، وهي في المبدأ الفياض على ما زعموه لإلف وعادة؛ فإنّ الإلف والعادة كما يكون سببا للجمع في الخياليات يكون سببا للجمع بين الصورة العقلية والوهمية والمفهوم إما كلي وإما جزئي، والجزئي إما صور وهي المحسوسة بإحدى الحواس الخمس الظاهرة - (وليس عندنا معشر الإباضية الوهبية وسائر أهل القبلة إلا هذه الخمس) - وأما الخمس الباطنة المدعاة إن ثبتت فقد دخلت في الخمس الظاهرة أو إدراكها بأمر الله، وإما معان وهي الأمور الجزئية المنتزعة من الصور المحسوسة ومدرك الكلي وما في حكمه من الجزئيات المجردة عن العوارض المادية هو العقل وحافظه على ما زعموا هو المبدأ الفياض. ومدرك الصور هو الحس المشترك وحافظها الخيال. ومدرك المعاني هو الوهم وحافظها الذاكرة، ولا بد من قوة أخرى متصرفة وتسمى متفكرة ومتخيلة. والعقل عند هؤلاء المثبتين لذلك ومع الحكماء القوة العاقلة المدركة بالذات للكليات. والوهم القوة المدركة بالذات للمعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات بإحدى الحواس الخمس الظاهرة من غير أن تصل إليها من طرق الحواس الظاهرة، مثال هذه المعاني الجزئية المذكورة إدراك الشاة معنى في الذئب.
والخيال وليس مدركا بل للحس المشترك وهو ـ أعني الخيال - القوة التي تجتمع فيها صور
ـ
-
المحسوسات وتبقي فيها بعد غيبتها عن الحس المشترك المدرك لها، وهو القوة التي تصل إليها صور المحسوسات من طرق الحواس الظاهرة. والمفكرة القوة التي من شأنها التفكيك والتركيب بين الصورة المأخوذة عن الحس المشترك بعضها مع بعض والمعاني المدركة بالوهم بعضها مع بعض والمعاني مع الصور والفك كحكمها بأن عمرا منقسم قسمين أو بلا رأس، والتركيب كحكمها بأنّ زيدا برأسين أو أن رأس الفيل بلا، عنق، وذلك تمثيل للفك والتركيب في الصور. ومثال الصور مع المعاني أن تتصوّر أنّ لزيد علما في التركيب وأن عمرا بلا علم في الفك. ومثال المعاني مع المعاني أن تتصوّر أن للعلم قوى في التركيب وأن لا علم له في الفك.
361 (1/377)
صفحة 378
والخيال كحوض يصب فيه من أنابيب خمسة هو الحواس الظاهرة، والصور ما يمكن إدراكه
بإحدى الحواس الظاهرة والمعاني ما لا يمكن، قيل: فيدخل في المعاني الكليات المدركة بالعقل، وفيه أنّ المعاني المدركة بالوهم لا تكون إلا جزئية.
زعم الحكماء أن القوى الباطنة المدركة أربعة: القوة العاقلة زعموا أنها قائمة بالنفس أو القلب، تدرك الكليات والجزئيات المجرّدة عن عوارض المادة المعروضة للصور والأبعاد؛ كالطول والعرض والعمق لأنها مجرّدة ولا يقوم بها إلا المجرد، وزعموا أن لها خزانة هي العقل الفياض. والوهمية وتقدّم تعريفها، ومثلوا لها بإدراك الصداقة والعداوة، وإدراك الشاة معنى هو الإيذاء في الذئب مثلا، ولهذا يقال: إن للبهائم وهما تدرك به، كما أن لها حسا، وتحكم تلك القوة بأحكام
قد تكذب.
والوهمية قائمة بأول التجويف الآخر من الدماغ، وذلك أنّ للدماغ تجاويف أي بطونا واحدها في مقدم الدماغ وآخر في وسطه، فزعموا أنّ الوهم قائم بأوّل التجويف الآخر وله خزانة تسمى الذاكرة، والحافظة قائمة بمؤخر تجويف الوهم.
وأما الحس المشترك وهو الذي تصل إليه الصور المحسوسة الجزئية من الحواس الظاهرة، فهو قوة قائمة بآخر تجويفه. وأما المفكرة فهي قوة تتصوّر في الصور الخيالية وفي المعاني الجزئية الوهمية، وهي دائما لا تسكن يقظة ولا مناما. وإذا حكمت بين تلك الصور وتلك المعاني فإن كان حكمها بواسطة العقل كان صوابا أو الوهم أو الخيال كان غالبا كاذبا؛ كالحكم بأن رأس الحمار على جسد الإنسان والعكس، وإنما تسمّى مفكرة في الحقيقة إن تصرفت بواسطة العقل وحده أو مع الوهم، وإن تصرّفت بواسطة الوهم وحده أو بالخيال وحده، أو بهما خصت المتخيلة أو المتوهمة ولا خزانة لها، لكن خزائنها خزائن القوى الآخر. ففي الباطن سبعة أمور: (2/ 1) القوة العاقلة وخزانتها
(4/ 3) والوهمية وخزانتها (6/ 5) والحس المشترك وخزانته
(7) والمفكرة
362 (1/378)
صفحة 379
وذكر بعض أن النفس هي المدركة بواسطة هذه القوى وأنّ نسبة الإدراك إليها كنسبة القطع إلى السكين في يد صاحبها، وذلك كله عند الحكماء، ولا مانع من ذلك التفصيل والتعدد على وجه العادة، والجعل من الله تعالى عند المسلمين إلا العقل الفياض الذي جعلوه خزانة القوة العاقلة، لأنه عندهم عبارة عن العقل العاشر المفيض على الكائنة ما تقبله، فهذا كفر، والعقل
الفياض عند هؤلاء الكفرة فلك القمر، والأفلاك عندهم حية مدركة لها عقول ونفوس. ويجوز عند المسلمين أن يكون المدرك هي القوة الواحدة وتسمّى بهذه الأسماء باعتبار تعلّقها بتلك المدركات وحكمها بتلك الأحكام، فهي من حيث حكمها بالأحكام الكاذبة. وإدراك المعاني الجزئية وهم ومن حيث إدراك الصور الظاهرية من الحواس حس مشترك وخيال، ومن حيث التصرف الصادق ومتعلّقة، ومن حيث التصرف الكاذب متخيلة ومتوهمة. والقوى الباطنة عند مثبتها كالمرايا المتقابلة ينعكس إلى كلّ منها ما ارتسم في الأخرى، والوهمية سلطان تلك القوى، فلها تصرف في مدركاتها بل لها تسلطات على مدركات العاقلة فتنازعها فيها وتحكم بخلاف أحكامها. والجامع العقلي بين كلّ شيئين من الجملتين يكون إما باتحاد عند التصوّر العقل لهما، وإما بتماثل في الماهية مع اختلاف في العوارض كزيد وعمرو في تماثل المسند إليهما، وكالأبوّة لعمرو والأبوّة لخالد في تماثل المسندين في قولك: " زيد أب لعمرو وبكر أب لخالد "، وإما بتضايف. والعقل شأنه إدراك الكليات، وإنما يتحقق كون المعنى كليا بتجريد يده عن المشخصات الخارجية، وذلك أن العقل على زعم الحكماء مجرّد عن العناصر الأربعة ولواحقها، فلا يرسم فيه إلا الكلي المجرّد عن الأمور الخارجية، أو الجزئي المجرد. وإنما يدرك الجزئي الجسماني أو الوهم وإنما قلنا: يدرك بواسطة الآلة لأنه لا يحكم بالكلي على الجزئي، والحكم فرع التصور. وعند المسلمين العقل يدرك كلّ شيء بواسطة وبغيرها، وتقدم أن المدرك حقيقة هو والقوى، آلات، فهي تدرك الجزئي بواسطة الحس ثم تجرده فتدركه كليا بواسطة العقل، والعقل بين الشيئين بسبب تجريدهما عن مشخصاتهما خارجا فحينئذ يصيران شيئا واحدا عند المفكرة كالمتحدين وإنّما يصيران متحدين إن كان المجرد مشتركان وإن انتزع من هذا كلي
يرفع
التعدد
النفس
363 (1/379)
صفحة 380
ومن
هذا آخر لم يرتفع التعدّد، مثل أن تعلم من زيد أنه رجل أحمر فاضل ومن عمرو أنه رجل
أسود جاهل.
والعقل يجرد الجزئي الحقيقي عن عوارضه المشخصة الخارجية، وينتزع منه المعنى الكلي فيدركه ولا يجرده من المشخصات العقلية؛ لأنه كلّ ما هو موجود في العقل فلا بد فيه من تشخص يمتاز عن سائر المعقولات والتضايف، كون الشيئين بحيث لا يمكن تعقل كل منهما إلاّ بالقياس إلى تعقل الآخر " كزيد يكتب وابنه يشعر " و " زيد أبو عمرو وعمرو ابنه"، ذلك ابنه"، ومن العلة والمعلول وهو بين مفهومهما لا بين ذاتهما، إلا أن تعتبر الذات بالنسبة إلى كونها علة والأخرى معلولا فتعطف جملة العلة على جملة المعلول.
تضايف
-
هكذا مثلا العلّة أصل والمعلول فرع، أو هذه العلة موجودة وذلك المعلول موجود عنها، ومعنى مفهوم الشيء هنا كونه علة وكونه علّة غير ذاته، وكلّ أمر يصدر عنه أمر آخر بالاستقلال أو بواسطة انضمام غيره إليه، فهو علّة والآخر معلول، فما بالاستقلال علة تامة كحركة الإصبع لحركة الخاتم، وما بالواسطة علة ناقصة كالنجار للسرير. ومن التضايف الأقل والأكثر في العدد فتقول: "هذا العدد الأكثر لزيد والأقل لعمرو أخيه" والجامع هو أمر بسبب يختال الوهم في اجتماع الشيئين عند القوة المفكرة ـ كما مر ــ بخلاف الفعل فإنه إذا خلي ونفسه لم يحكم بذلك، وذلك بأن يكون بينهما شبه تماثل، وهذا التماثل هو الاتحاد في النوع، أو يكون بينهما تضاد، أو شبه تضاد؛ فشبه التماثل كلوني بياض وصفرة؛ الوهم يبرزهما في معرض المثلين من جهة أنه يسبق إلى الوهم أنهما نوع واحد زيد في أحدهما عارض بخلاف العقل، فإنّه يعرف أنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس هو اللون فيقال: " هذا الأصفر حسن وذلك الأبيض أحسن منه " لوجود الجامع الوهمي. وأما عند الملاحظة العقلية فيجوز الفصل عند الغفلة العقل، و يمتنع عند عدمها كدخول أل. على العلم المنقول إذا استحضر الأصل ومنعها عند عدم استحضاره وعارض الصفرة في المثال الكدرة عن خالص البياض وعارض البياض الصفاء والإشراق الزائدان على الصفرة، ولما كان العقل يميز بين الأشياء الملتبسة وتنسب إليه الأمور الصحيحة المطابقة للواقع، وكان كل واحد من الاتحاد والتماثل والتضايف سببا في نفسه للاجتماع نسب الجمع إلى العقل، ولما كان الوهم مما يشتبه عليه الأمر
364 (1/380)
صفحة 381
بما يناسبه، وكان شبه التماثل والتضاد وشبه مناسبة لتلك الأسباب المقتضية في نفسها للاجتماع نسب الجمع بها إلى الوهم، ولما كان الخيال محلاً لتقارن صور المحسوسات التي منها تنزع صور الموهومات والمعقولات نسب الجمع بسبب تقارن الصور كلية كانت أو جزئية محسوسة أو موهومة إلى الخيال والضابط في الجامع أن الجمع إما بسبب التقارن في خزانة الصور أو لا؛ فالأول هو الخيالي والثاني إما أن يكون بواسطة أمر يناسب الجمع ويقتضيه بحسب نفس الأمر فهو العقلي وإلا فالوهمية وللجامع الوهمي حسن الجمع بين شمس الضحا وأبي إسحاق والقمر في قوله: [من البسيط]
ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا
شمْسُ الضُّحَا وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ لكن ليس من عطف الجمل بل المفردات لأن الجامع يشترط فيها كما في الجمل وهو هنا وهمي كما مرّ، ويجوز أن يكون بين الشمس والقمر خياليا، والعقل يعرف تباين الثلاثة ولكن الوهم يريك أنها من نوع واحد لاشتراكها في الاهتداء بها وعموم النفع بها في زعم الشاعر، أو لاشتراكها في إشراق الدنيا لها إشراقا حسيا بالأول والثالث وعقليا بالثاني؛ وهو أبو إسحاق المعتصم بالله لإفاضته أنواع العدل والإحسان والتضاد التقابل بين أمرين وجوديين يتعاقبان على محل واحد مع عدم توقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر فخرج بوجوديين تقابل السلب والإيجاب وتغالب العدم والملكة.
والمراد بالوجودي ما ليس العدم داخلا في مفهومه فيشمل الأمر الاعتباري فيدخل المتضايفان، فخرجا بقولنا مع عدم ... الخ، ودخل بقولنا على محلّ واحد التضاد بين الجواهر؛ وهي هنا الصور النوعية للعناصر، ومن لم يثبت التضاد بينهما اعتبر الموضوع بدل المحل أعم من الموضوع. (الموضوع مختص بالأعراض والمحل لا يختص). والمراد بالتعلّق على المحلّ التعاقب باعتبار الحلول لا باعتبار الصدق.
وقولنا بينهما غاية الخلاف التعريف بالتضاد الحقيقي؛ فالتقابل بين السواد والحمرة قسم خامس من مطلق التقابل مسمّى بالتعاند وقد لا يعتبر هذا القيد فيشمل التضاد تقابل السواد والحمرة ويسمّى تضادا مشهورا.
365 (1/381)
صفحة 382
"
ومثال الوصل في التضاد " السواد قبيح والبياض محبوب " قيل: " الإيمان محبوب والكفر قبيح فالبياض والسواد ضدان محسوسان والإيمان والكفر ضدان، معقولان، وأقول: أما الإيمان فوجودي قطعا لأنه اعتقاد وإقرار على المشهور، أو اعتقاد فقط على غير المشهور، والإقرار إظهار له. وأما الكفر بمعنى الجحود بالقلب أو باللسان معه، أو النطق بما يدخل في الكفر أو اعتقاده فوجودي. وأما الكفر بمعنى عدم العلم ببعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث لا يعذر أو بوجود الله فعدمي والتصديق في الإيمان الإذعان وقبول النفس لما جاء به، وهذا التصديق الذي هو بمعنى الإذعان هو المذكور في المنطق وينضم إليه على المشهور الإقرار.
ويعد من التضادّين ما يتصف بالضدين كالأبيض والأسود والمؤمن والكافر باعتبار الاشتمال على الوصفين، ومثال شبه التضاد: السماء والأرض في المحسوسات فإن السماء مرتفعة ارتفاعا عظيما والأرض منخفضة انخفاضا عظيما بالنسبة إلى السماء، فبينهما بعد كثير كما بين المتضايفين وليسا متضادين لعدم توارد هما على المحل لكونهما من الأجسام لا من الأعراض. وتقدم أن المحل أعم من الموضوع، وليسا من قبيل الأسود والأبيض، لأنّ الوصفين المتضادين اللذين هما الارتفاع والانخفاض ليسا بداخلين في مفهوم السماء والأرض كما دخل السواد والبياض في مفهوم الأسود والأبيض، فإنّ السماء جرم مخصوص فلم يشعر أحدهما بوصف أشعر الآخر بضده، وإن اعتبرتا في لفظ السماء من السموّ وهو (الارتفاع) لم يكن لها في لفظ الأرض مقابل وهو (الانخفاض).
ومن شبه التضاد الأول والثاني في المحسوسات والمعقولات فالأول هو الذي يكون سابقا، والثاني ما سبق بواحد فأشبها المتضادين باعتبار اشتمالهما على وصفين لا يمكن اجتماعهما، ولم يجعلا متضادين كالأسود والأبيض؛ لأنّ عدم المسبوقية جزء مفهوم الأول وعدم المسبوقية بغير الواحد جزء مفهوم الثاني بل شرط بعض قليل في الضدين أن يكون بينهما غاية الخلاف، والرابع الثالث، أو الثالث مع الثاني، أو الخامس مع الرابع، ونحو ذلك، فهي أيضا شبه تضاد. وأمّا آخر مفصول عنه كثالث أو رابع مع الأول فليسا ضدين ولا شبههما لكثرة المخالفة، مع أن العدم معتبر في مفهوم الأول فلا يكون وجوديا، وذلك ولو قلنا بالمشهور من عدم اشتراط وجود غاية الخلاف بين الضدين، وإنما جعل التضادّ وما يتصف به وشبهه جامعا وهميا،
مع
عدد
لأن
366 (1/382)
صفحة 383
الوهم ينزلهن منزلة التضايف عند العقل في أنه لا يحضره أحد المتضادين، أو الشبهين بهما، أو المتصفين بالتضاد إلا ويحضره الآخر، كما أنّ العقل لا يخطر عنده أحد المتضايفين إلا وحضر
أحدهما
الآخر، وذلك غالب، فبسبب إن حضور أحدهما عنده يستلزم غالبا حضور الآخر حكم بإجماعهما عند المفكرة تنزيلا لغلبة الحضور مع الآخر عدم الانفكاك كالمتضايفين. وبهذا يندفع أنه إذا كان يحضر ما قاله عصام الدين من بحضور الآخر كان التضاد وشبهه جامعا من غير حاجة إلى تنزيل الوهم إياه منزلة المتضايفين ولتنزيل الوهم إياهن منزلة التضايف نجد الضد أقرب حضورا في البال مع الضدّ من المتغايرات غير المضادّ بعضها بعضا، وكون التضاد وشبهه وما يتصف به جامعا مبني على حكم الوهم وتصوّره لاتساعه ومجازفته فيلحق الضدين
بالمتضايفين.
من
شأنها
واعلم أن أسباب التقارن في الخيال مختلفة باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة، لأنها وإن كانت راجعة إلى مخالطة تلك الصور الحسية المقترنة في الخيال أسباب تلك المخالطة بينهما فيلزم وجودها لشخص دون الآخر، مثلا إذا تعلقت همة إنسان بصناعة الصياغة أوجبت له مخالطة أمورها من سباكة الذهب والفضة وآلاتها ولاختلاف أسباب التقارن اختلفت الصور التي إن تثبت في الخيال ترتبا ووضوحا والترتب الاجتماع على وجه التلازم وبالوضوح عدم الغيوبة لأنهما ولو كانا متلازمين وأحدهما يغني عن الآخر، لكن معنى الترتب والتلازم: أنه يلزم من حصول إحدى الصورتين في الخيال حصول الأخرى، ولا يلزم من هذا عدم غيوبتهما معا عن الخيال، وكم صور لانفكاك عنها في الخيال لكثرة إلف الخيال لها؛ كالدواة والقلم عند الكاتب هي في خيال آخر أصلا لعدم إلفه لها، وكم من صور لا تغيب عن خيال وهي في خيال آخر مما لا يقع أصلا، والجمع بسبب الجامع الخيالي إنّما يدرك على وقوع الشيء المألوف والمعتاد وقوع متكررا في الخيال والنفس بحسب انعقاد أسباب الاقتران في إثبات الصور في الخيال؛ وذلك كصنعة الكتابة فإنّها سبب في اقتران القلم والدواة، وانظر أيعتبر خيال المتكلم أو السامع أو هما والأقرب أن المعتبر خيال السامع لأنه هو
الذي يعتبر حاله ويراعي حاله في غالب الخطاب.
367 (1/383)
صفحة 384
والأسباب المتباينة التي هي أسباب الخيال كثيرة تفوت الحصر؛ فالجامع الخيالي أكثر الجوامع،
وليس المراد بالجامع العقلي خصوص ما يدرك بالعقل وبالوهمي خصوص ما يدرك بالوهم، وبالخيالي خصوص ما يدرك بالخيال، بل المراد بالعقلي أمر بسببه يقتضي العقل الاجتماع في المفكرة سواء كان من مدركاته بنفسه أو لا وكذا الخيالي والتضاد وشبهه ليسا من المعاني التي يدركها الوهم، وكذا التقارن في الخيال ليس من الصور التي تجتمع في الخيال، وإنما هو وصف للصور بل جميع ذلك معان يدركها العقل، وإنما كان التماثل جامعا عقليا والتضاد وهميا مع كونهما معقولين؛ لأنّ التماثل صالح لجمع بلا احتيال، فإذا التفت العقل وجد الجمع بينهما شأنه بخلاف التضاد فإنّه في نفسه غير صالح، لذلك يحتاج إلى احتيال فنسب إلى الوهم الذي من الحيلة. وأما الجامع العقلي فيصح فيه إدراك العقل الاتحاد والتماثل والتضايف، والجامع العقلي قد يكون مدركا للوهم؛ والمراد بالجوامع في هذه القوى ما تتوصل به كل قوة إلى الجمع. عند المفكرة ما لم يدرك بتلك القوة خصوصا، وذلك أنّ هذه القوى لا يختص إدراكها بما اختصت به بما تدرك به غيره لكن بعد أن تأخذه عن السابق إليه وهو قوته المختصة بإدراكه أولا، ولذلك يحكم العقل على الجزئيات ويحكم الوهم على الكليات أو الحسيات ويحكم الخيال على المعاني بعد تصويره الوهم إياها بصور المحسوسات والحكم على الشيء فرع تصوّره؛ فالجامع العقلي على هذا ما يقتضي بسبب العقل الجمع ولو سبق إليه الوهم لكونه مدركا له بالخصوص أو لا فأخذه منه العقل، والجامع مع الوهمي ما يحتال سببه الوهم سواء إن سبق إليه الخيال لكونه مخصوصا بإدراكه أولا أم سبق إليه العقل لكونه كذلك بالنسبة إليه، ثم أخذه الوهم من أحدهما،
والجامع الخيالي ما يتعلق بالصور الخيالية ولو كان عقليا أو وهميا في أصله، والله أعلم. باب الحال الشبيهة بالوصل
الجملة الحالية المقرونة بـ (الواو) شبيهة بجملة الوصل وأصل الحال العطف، والمجردة من (الواو) شبيهة بجملة الفصل، والكثير الراجح في الحال غير المؤكدة منتقلة أو لازمة أن تكون بغير (واو)، وأما المؤكدة لمضمون الجملة فإنّه يجب البنّة أن تكون بغير (واو) لشدة ارتباطها بما قبلها، لأنها نفس الجملة قبلها في المعنى أو كنفسها، و (واو) الحال للربط، وجزء الشيء لا يربط بباقيه، نحو: " زيد أبوك عطوفا لا يغدر " و " أنا أحقه عطوفا " أو " وقد أحق عطوفا " وبـ (الواو) بل
368 (1/384)
صفحة 385
بغير (واو) أو يغدر أحقه بدونها أيضا، ونحو" طلع الفجر قد ظهر ضياء الشمس " يراد بالضياء: بياض الفجر إذا جعلنا قد ظهر ضياء "الشمس" حالا، وإن جعلناه بدلا لم يكن من الوصل أو الفصل. ونحو " خلق الله الزرافة يداها أطول من رجليها " وهذه حال لازمة، وإنما كان في غير المؤكدة الخلو من (الواو) لأنها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر بالنسبة إلى المبتدإ، فإنّ في قولك:" جاء زيد راكبا " إثبات الركوب لزيد على طريقة إفادته لا على طريق التعيين به، أو إزالة الإبهام كما في " جاء رجل راكبا " و" جاء زيد الراكب " فـ"راكبا" في مثال الحال ك راكب في زيد راكب، إلا أنه في الحال على طريق التبعية، وإنما المقصود المجيء، ولكن بالحال ليزاد في الإخبار عن المجيء هذا المعنى.
وذلك
ويبحث بأنّ الكلام إذا اشتمل على قيد زائد كان ذلك القيد هو الغرض المقصود بالذات عند البلغاء، إلا أن يقال المراد بالتبعية كونه زائدا على ركني الإسناد وللحال أيضا شبه بالنعت، والنعت لا يقرن بـ (الواو)، فلا تقرن بـ (الواو) غالبا. كما أن لها شبها بالخبر في الإفادة، أن الحال وصف لصاحبها. كما أن النعت وصف لمنعوته، ويصح الكلام إذا سقطت غالبا يصح إذا سقط النعت غالبا، وهي قيد لعاملها وبيان لكيفية وقوعه، بخلاف النعت فإنه لا يقصد بيان كيفية وقوع العامل، وإن لزم ما قصد به غالبا إذا كان وصفا من حيث أن الوصف الأصل فيه الاستمرار بالثبوت أو الحال - على ما مرّ - وقد يخالف ذلك، وأيضا يكون غير وصف وهو حينئذ مصاحب لوقت عامله أو غير مصاحب نحو " جاء الآن زيد الراكب أمس أو غدا " و" جاء أمس زيد الراكب الآن أو غدا "، قيل: وربما جاء الخبر والنعت بـ (الواو) تشبيها بالحال لورودها بعد ما يستقل، وتسمّى (الواو) في جملة النعت (واو) تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والتعليل بالورود بعدما يستقل لا يتمّ في قول الحماسي: " فأمسى وهو عريان لأن الخبر الذي لم يتقدّمه خبر آخر لم يرد بعدما يستقل مع أنه يجوز أن يكون "أمسى" تاما "وهو عريان" حال، وإنما ذلك لو زيدت في الخبر الثاني وما بعده، مع أنه لا داعي على زيادتها بل تقول عاطفة
511 - فَلَمَّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَامْسَى وَهْوَ عَرْيانُ البيت من الهزج وهو للفند الزماني شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمان الحنفي من بني بكر المتوفى 70 ق هـ. كان سيد بكر وفارسها شهد حرب بكر وتغلب، وقال ابن جني سمي بالفند لعظم خلقته تشبيها بفند الجبل. ينظر خزانة البغدادي 2:58 الشروح 3:121 - الأعلام 3: 260
369 (1/385)
صفحة 386
ومثلوا لزيادتهما في النعت بقوله تعالى أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ حَاوِيَةٌ 12 ولا يلزم ذلك، بل نقول: الجملة حال من ضمير "مرّ" والرابط (واو) الحال وحدها، أو من "قرية" بلا مسوّغ على القلّة، أو بمسوّغ التعظيم؛ أي: قرية عظيمة الشأن أو عظيمة بكثرة دورها لجواز إطلاق القرية على الكثيرة، والرابط (واو) الحال والضمير. وبقوله تعالى {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ 513 الجملة نعت "سبعة " كما نعت" ثلاثة" بجملة "رابعهم كلبهم" و "خمسة" بـ"سادسهم كلبهم" قيل: حال من سبعة "بلا" مسوّغ وفيه الخروج عن النظم السابق؛ وهو أن مثليه منعوتان. وقد علمت أنّ الكثير الراجح أن لا تقرن الجملة الحالية بـ (الواو)، وقد يخالف هذا لأنها ولو كانت تستقل بالإفادة من حيث هي جملة، ولكنها غير مستقلة من حيث أنها حال لتتميم ما قبلها، فمن
" I
هذه الحيثية احتاجت للربط بصاحبها.
ويصلح للربط (الواو) الحالية والضمير (والواو) أقوى في الربط لأنها موضوعة لذلك؛ إذ هي في أصلها للجمع كما مرّ أنّ أصلها العطف، وقيل: إن الضمير أقوى لدلالته على المربوط به، وأنه الأصل بدليل أنه أو نائبه كـ (أل) على قول والعموم وإعادة الظاهر والإشارة هو الرابط للخبر الجملي، وأنه الرابط للنعت، والصلة وأنه الرابط أيضا في الحال المفردة والنعت المفرد وصلة (أل) المفردة، وقيل: لا افتقار في المفرد من الأحوال والنعوت والصلة للرابط لأنه دل على صاحبه بالوضع، فالضمير فيه أدّى إليه الاشتقاق الموجب لتحمل الضمير، فالضمير فيه مثله في الخبر وجد في "زيد" "قائم اتفاقا لا قصدا للربط بدليل عدم الربط في الخبر الجامد، وبعد تسليم أن (الواو) أقوى في الربط قيل: الأصل الضمير وأنه أكثر، نحو: " جاء زيد الشمس طالعة عند مجيئه " بلا (واو)، فإذا أريد تأكيد الربط جيء بـ (الواو)، نحو " جاء زيد والشمس طالعة "، وإن أريد
11
512 ـ البقرة جزء من 259 - الآية الكريمة أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ حَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنِّي يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طعامك وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ تُنشِزُهَا ثُمَّ تَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 513 - الكهف جزء من 22 - الآية الكريمة سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَحْمَا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا)
370 (1/386)
صفحة 387
514
زيادة التأكيد جمع بينهما وبين الضمير نحو " جاء زيد يده على رأسه " و" جاء زيد ويده على رأسه " و" جاء زيد والشمس طالعة عند مجيئه " وذلك حيث يصلحان ولا يشكل علينا ما يتعين فيه أحدهما. وقيل: يجوز الربط بـ (الواو) ولو لم يقصد تأكيد الربط لكنه يحوّل الكلام غير بليغ، وقد تربط بضمير محذوف، وإذا لم يوجد الربط قدر الحال أو الضمير، واختار الدماميني الضمير لأنه الأصل في الربط، وقيل: الأصل (الواو) في ربط الحال فيقدر "هو"، مثال ذلك قول المسيب بن علس]: [من الكامل] نَصَفَ النَّهَارُ الْمَاء غَامِرُهُ
وَرَفِيقُهُ بِالْغَيْبِ لَا يَدْرِي
515
فالماء غامره" حال من الفاعل وهو "النهار"، انتصف النهار والماء غامره فيه، يصف
غائصا اللؤلؤ وصاحبه لا يدري ما حاله، والله أعلم.
ويجب ربط جملة الحال ب
(الواو) وإذا لم يكن فيها ضمير صاحب الحال، وإن كان فيها جاز الاقتصار عليه وزيادة (الواو) إلا إن كانت الصلة فعلية فعلها مضارع مثبت مجرد من (قد) فلا تجوز (الواو) بل يقتصر على الضمير قوله تعالى (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثُرُ 516 أي: لا تمنن مستكثرا ما مننت به في قراءة الرفع، وأما الجزم فإبدال اشتمال من "تمنن" لا في جواب النهي، لأن شرطه أن يصح إن الشرطية ولا النافية قبله على الصحيح. وقيل: إن كان المضارع بمعنى الماضي جاز قرنه بـ (الواو) وحدها أو بالضمير أو بهما، كما جاز ذلك كله إذا قرن بـ (قد) أو نفي، وإنما لم يجز قرنه بـ يجز قرنه بـ (الواو) إذا كان مثبتا مجردا لأنه على وزن الوصف ومعناه، والوصف الواقع حالا لا يقرن بالواو. وقد يقال هذه العلة موجودة أيضا في المنفي مع أن (الواو) جائزة فيه، فيجاب بأنّ هذا تعليل بعد الوقوع فهو في معنى الحكمة وهي لا يلزم اطرادها أعني أنه ورد بلا (واو)، وقلنا حكمة وروده موافقة الوصف وزنا، ومعنى وقيل لم تجزم بـ (الواو) لأنّ
514
-
هو محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي القرشي بدر الدين المعروف بابن الدماميني، لازم ابن خلدون، واشتغل بالتدريس والتأليف، فألف في الشريعة وفنون الأدب، منها: " تحفة الغريب" " نزول الغيث" " شمس المغرب في المرقص والمطرب" " شرح تسهيل الفوائد ".
515
- ينظر الدلائل 143. والمطول 2: 360
516 - المدثر 1
371 (1/387)
صفحة 388
الأصل الحال المفردة، إذ المفرد مختصر يظهر فيه الإعراب المبين للمعنى، والحال المنتقلة كالمضارع المتجدد لا يدلان على الثبوت، وكلاهما حاصل مقارن والأصل لا الحال أن تكون مقارنة، وفيه ضعف لأن مقارنة المضارع بمعنى كونه الحال أنه مشروع في حصول معناه و لم ينقض. ـ كما قيل الحال أجزاء من أواخر الماضي وأوائل المستقبل - ومقارنة الحال اتخاذ زمانها وزمان عاملها ماضيا أو حاضرا أو استقبالا، ولو زاد زمانها بسطا بحصوله أيضا قبل حصول معنى عامله واستمراره لما بعده أو انقطع مع تمامه " وجاء قمت وأصك عينه " وقوله [أي قول عبد الله بن همام السلولي]:
من المتقارب]
فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ
نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا
017
بالواو ومع المضارع المثبت المجرد، فقيل ذلك شاذ، وقيل على حذف المبتدإ أي: وأنا أصك
518
w
وأنا أرهنهم، وقال عبد القاهر عاطفة والمضارع للمضي أي وصككت ورهنت، وذلك حكاية للحال الماضية بأن تفرض ما كان في الزمان الماضي واقعا في هذا الزمان، أو إنك في زمان قبل الزمان الماضي الذي وقع فيه الفعل، أو إنك في زمان الوقوع، أو إنّ زمان وموجود الآن، وذلك استحضار للأمر، أو تنزيل له منزلة المترقب فيعبر بمضارع الحال أو الاستقبال وإن نفي المضارع بـ (لا) أو (ما)، أو إن جاز الربط بـ (الواو) أو بالضمير أو بهما على السواء. ورجح بعضهم ترك (الواو). ومنع ابن هشام (الواو) مع (لا) أو (ما) ولم يذكر أن قرأ ابن دكوان 19 فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ 520 بكسر النون مخفّفة فـ (الواو) للحال و (لا) نافية و (النون) للرفع ولو جعلت عاطفة على الإنشاء. وقد يقال: إنه إخبار في معنى الأمر، فلا يمنع العطف. وقد يقال: (لا) ناهية و (نون) الرفع محذوفة والثابتة باقية من (نون) التوكيد الشديدة حذفت الساكنة تخفيفا، ولو حذفت المتحركة لكان حذف حركة وحرف وحذف الساكن أقل تغيير، أو يجوز أن تكون (لا) ناهية و (الواو عاطفة و (النون) نون التوكيد الخفيفة كسرت
517
518
-
المطول 351:2 والشروح 133:3
ينظر الدلائل 145 - 146
519 قال بعضهم ابن دكران. ينظر الشروح 137:3
-
520 - يونس جزء من 89 - قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
372 (1/388)
صفحة 389
للساكن قبلها. وأما قراءة الباقين بالتشديد فلا ناهية والواو عاطفة قال تعالى {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بالله 21 بترك (الواو) فـ "لا نؤمن حال من "نا" وعامله ثابت أو ثبت الذي تعلّق به لنا، والمعنى: أي شيء ثبت لنا مانعا من الإيمان وإنما جاز (الواو) وتركها لدلالة المضارع الواقع حالا على المقارنة، فكان فيه شبه بالحال المفردة، فجاز الترك، ولا يدلّ على الحصول لأنه منفي، فكان فيه منافاة للحال المفردة لأنها لا يدخل عليها النافي فجازت (الواو)، ويجوز (الواو) وتركها مع الماضي المثبت المتصرف المجرّد من (قد) والمقرون بها والمنفي، ومع المضارع و (لم) (ولما) والماضي الذي بمعنى المضارع قبله كقوله تعالى أنى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكَبَر وقوله تعالى {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر، وقوله تعالى أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ 524، وقوله تعالى (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وقوله تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) 526، وقول الشاعر [من الطويل] ووَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةٌ
23
025
،
وحدرَى كَالدَّارِ لَمَّا يُنقب
،
522
وإنما عد (لم يمسسني بشر) حال منتقلة مع أنّ عدم مس البشر لها لا يزول، ولم يزل لأنه دلالة فيه على اللزوم، وهذا القدر كاف في كون الحال منتقلة كذا قال الفنري، وأقول: بل انتقاله عدم اعتباره في زمان ماض لا تحمل فيه لعدم المس وعدم اعتباره بعد الوضع، أما الماضي المثبت فقيل دلالته على الحصول فأشبه المفردة بترك (الواو) لا على المقارنة لمضيه فلم
وجه
521 المائدة جزء من 84 - {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلْنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ)) 522 ـ آل عمران جزء من 40 - الآية الكريمة (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكَبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)
523
مريم جزء من 20 - الآية الكريمة) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا) 524 ـ النساء جزء من 90 - إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقَ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلْطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) 525 ـ آل عمران جزء من 174 - الآية الكريمة (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) 526 - البقرة جزء من 214 - الآية الكريمة (أمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنْ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)
-
373 (1/389)
صفحة 390
يشبهها فقرنت بـ (الواو) جوازا، ولعدم دلالته على المقارنة شرط من شرط أن يكون مع قد) الظاهرة أو المقدّرة كما في (حصرت (27؛ لأنّ (قد) تقرب الماضي) (قد) تقرب الماضي من الحال، والمقاربة بالموحدة قريبة من المقاربة بالنون) ولو كان المعتبر في الحال حقيقة بـ (النون) لا ما يقرب منها، ويشرط في الماضي الموالي لـ (قد) الواقع في مرفوعه حالا أن لا يكون بعد (إلا) ولا قبل، أو فلا يقال: " ما جاء إلا قد ضحك " و" لا لأضربته قد ذهب أو مكث " وكذا لا يجوز ذلك مع
(الواو) فلا يقال: " إلا وقد ضحك ولا وقد ذهب أو مكث " بل يجرّد فيقال: " إلا ضحك
"
لأضر بنه ذهب أو مكث " وعند جواز إلا وضحك" بـ (الواو) وإلا بعد ضحك، وإلا وقد
ضحك بهما، وإلا ضحك بدونهما
الماضي
"
ويجبان إذا فقد الضمير نحو " جاء زيد وقد طلعت الشمس " وقيل بجواز (الواو) وحدها ولو لم تقدر. ثم رأيت أنّ الرضي قال: يجتمع (الواو) و (قد) بعد (إلا) يعني جوازا. ومنع سيبويه حالا بدون (قد)، وأوّل حضرت صدورهم بأنه نعت لحال محذوفة أي: جاءوكم قوما حضرت صدورهم، وقيل: حضرت مستأنف على طريق الدعاء واعترض ذلك التعليل المذكور بقولنا فقيل لدلالته ... الخ بما مرّ من أن الحال التي تذكر في النصب معناها المقارنة أصالة والحال المقابلة للماضي، والآتي بمعنى زمان الشروع في الفعل وما بعد الشروع ما لم ينقض وهي التي تقابل الماضي، وتقرب (قد) الماضي منها فتجوز المقارنة إذا كان الحال والعامل ماضيين، ولفظ (قد) إنما يقرب الماضي من الحال التي هي زمان الشروع؛ وأعني بزمان الشروع زمان التكلّم، وربما بتعده عن الحال التي نحن بصددها نحو " جاء زيد في السنة الماضية وقد ركب " وأجيب: بأن المجيء بـ (قد) إصلاح للفظ حيث اجتمع فيه فعل الماضي والحال، وفيه أن يصير التعليل على هذا وهميا محضا. وأجيب أيضا بأنّ المضي باعتبار العامل في الحال والتقريب بـ (قد) باعتباره وفيه خفاء، فإذا قيل: "جاء زيد ركب " فهم منه أنّ الركوب ماض بالنسبة للمجيء فيؤتى ب (قد) لتقربه منه، وجاز دخول (واو) الحال على الماضي الجامد، وتركها، فيربط بها فقط، أو بما
-
527
90 (قال تعالى في سورة النساء آية إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقَ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يَقْتُلُوكُمْ أَوْ يَقْتُلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَرَلُوكُمْ فَلَمْ يَقْتُلُوكُمْ وَالْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلامَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ سَبِيلاً)
374 (1/390)
صفحة 391
مع
الضمير، أو بالضمير. وأما جواز الواو وتركها في الماضي النفي والمضارع المنفي بـ (لم) أو (لما) فلدلالته على المقارنة دون الحصول أمّا عدم دلالته على الحصول فلكونه منفيا، وأما دلالته على المقارنة فلأنّ (لما) متصلة النفي وغيرها لانتفاء حدث متقدم على زمان التكلم مع أن الأصل استمرار الانتفاء إلى تمام التكلم حتى تظهر قرينة الانقطاع فيحصل بكون الأصل في الانتفاء الاستمرار، كما في الدلالة على المقارنة إذا لم يوجد دليل الانقطاع، وإذا وجد دليله فلا يقال: الأصل بقاء الانتفاء تقول: " لم يضرب زيد أمس لكن ضرب اليوم " ولا يكون تناقضا بل يكون تخصيصه لذلك الأصل، ولا يصح لما يضرب أمس لكن ضرب الآن، بخلاف المثبت فلا يفيد الاستمرار المقتضي للمقارنة لا وضعا ولا استصحابا كذا قيل مع أنه يقال: الأصل في كل ثابت دوامه، حتى إن وجه إفادة الجملة الاسمية الدوام بذلك، وأقول: كون الاسمية تفيد الدوام قول لا اتفاق، والذي حققته أن معنى كون الاسمية للثبوت والدوام أنه لا تعرض فيها للحدوث، وأن فيها وصف خبر؛ ففي دلالتها على الحدوث قولان ومرّ جميع ذلك. واستمرار النفي في الماضي صحيح لكن غير قطعي، وإنّما هو قطعي مع " لما ". واختلفوا في استمرار الانتفاء ب. لم. فقيل وضعي، وقيل استصحابي وهو الصحيح. وأما بـ"لما" فوضعي. وتحقيق أصالة استمرار الانتفاء أنّ استمرار العدم لا يفتقر إلى وجود سبب، إذ سببه عدم السبب، بخلاف استمرار الوجود فإنّه يحتاج إلى سبب موجود لأنه وجود عقب وجود، ولا بدّ للوجود الحادث من السبب، وهو امتداد الذات بالأعراض المقتضية استمرار وجودها، وذلك على أن الوجود غير الموجود، وأنه من الأحوال التي هي من الأعراض التي هي من القدرة، وعلى أن العرض لا يبقى زمانين على القول بأن الوجود عين الموجود، والقول بأنّ العرض يبقى فليس هناك وجود عقب وجود، ولا للوجود الحادث احتياج إلى سبب حتى يحتاج بقاء الحادث إلى سبب وبقاء الذات على هذا ببقاء العرض الأول، وإنما تتعلق القدرة بإيجاد الذات حال الإيجاد فقط، وهي بعد ذلك في قبضة القدرة؛ إن شاء المولى أبقاها وإن شاء أعدمها. ومذهبنا معشر الإباضية الوهبية وسائر المحققين هو القول الأول من أن العرض لا يبقى أكثر من حال، وأن القدرة تتعلق بالحادث في كل أدنى من اللحظة على التجدد للإبقاء، فالحادث
متعلقات
375 (1/391)
صفحة 392
هو
متعلق الإبقاء في كل أدنى لحظة، ولو اقتصر على الإيجاد المجرّد ولم يجدد له في كل أدنى من لحظة إبقاء الحصول بتجديدي الأعراض لزال وكان عدما، والله أعلم.
واعلم أنهم اختلفوا في الجملة الاسمية، فقيل: يجوز أن تربط بالضمير وحده أو مع (الواو) وهو المشهور، وقيل: لا يجوز ربطها بالضمير وحده بل مع (الواو) أو بـ (الواو) وحده، نحو كلمته فوه إلى في" و "كلّمته وفوه إلى في" والصحيح الأول؛ فدلالته الاسمية على المقارنة لاستمرارها يناسب ترك (الواو)، وعدم دلالتها على حصول صفة غير ثابتة لدلالتها على الثبات والدوام ـ على ما مر ـ يناسب (الواو). والمشهور أنّ قول (الواو) مع وجود الضمير أولى من الاقتصار على الضمير والكلام في الاسمية الدالة على الثبوت لا على التي الخبر فيها فعل، قال
—
-
ـ ــ
بعضهم أو وصف.
529
وتمتنع (الواو) في الحال المعطوفة على الأخرى لئلا تحصل صورة اجتماع عاطفين، كقوله تعالى إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا بياتا أوهم قائلون 528، وإنما كان (الواو) مع الضمير أولى من إحداهما لتقوية الربط، ولأنّ ترك (الواو) يوهم الاستئناف، ولدلالة الاسمية على الثبوت والدوام، إذ الحال المفردة لا تدلّ عليهما - على ما مرّ في ذلك فبعدت عن المفردة بالدوام والثبات وبإيهام الاستئناف، فناسبت (الواو) إذ خالفت المفردة. قال الله تعالى {فَلَا تَجْعَلُوا لله أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) والفعلية مشتقة أبدا من حيث فعلها من المفردة، فلا يظهر فيها إيهام الاستئناف، وقال عبد القاهر: إن كان المبتدأ ضمير صاحب الحال وجبت (الواو) ولو كان الخبر فعليا، وذلك أنّ لا تترك (الواو) في جملة حتى تقدر بمفرد يكون من متعلقات العامل وإعادة المسند إليه بضميره مانع من التقدير بمفرد، لأنه كالظاهر يتبادر منه الاستئناف فوجبت (واو الحال) نحو " جاء زيد وهو مسرع " بخلاف " جاء زيد يسرع " فقدّر بالمفرد فالمثبت هو المجيء حال الركوب، لا ركوب مقيد بإثبات مستأنف، فهو في تقدير " جاء زيد راكبا فلو لم تقصد استئناف الإثبات لقلت:" جاء زيد مسرعا " أو " ويسرع " لأنّ المضارع كالوصف في أوّل
528
11
5 - الأعراف جزء من 5 - الآية الكريمة فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) البقرة جزء من 22 - الآية الكريمة الذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
376 (1/392)
صفحة 393
وهلة؛ فالقياس أن لا تجيء الاسمية إلا مع (الواو) ولو لم يكن المبتدأ ضمير صاحب الحال، وما جاء بدونه فسبيله سبيل الشيء الخارج عن القياس لضرب من التأويل، كما في " أو هم قائلون "
لو قرن بـ (الواو) لاجتمعت وهي كالعاطف مع أو ونوع من التشبيه بالمفرد كـ"كلمته فوه إلى واهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ 530 أي متعادين، ولا يحسن هذا في نحو "جاء
في مشافها
96
11
زيد وهو مسرع" ولذلك قيل: إن إسقاط (الواو) فيه خبيث، لأنّ التأويل فيه بالمفرد ليس باستخراج معنى الجملة يعبر عنها بالمفرد ومن تركها قولك: " جاء زيد على كتفه سيف
وقول بشار: [من الطويل]
إِذَا أَنْكَرَتْنِي بَلْدَةً أَوْ أَنْكَرْتُهَا
خرَجَتْ مَعَ الْبَازِي عَلَيَّ سَوَادُ 531
"
الماضي
أي خرجت مبتكرا على بقية من سواد الليل إذا لم يعرف أهل بلدة قدري أو لم أعرف قدرهم والبازي أبكر الطير ويجوز أن يكون الظرف في ذلك متعلقا بمحذوف رافعا للظاهر على الفاعلية، والمقدّر ماض أو مضارع أو وصف تمتنع (الواو) مع المضارع وتجوز مع على - ما مر - مع الجملة الاسمية وبتقدير الوصف يخرج الحال عن الجملة وتمتنع (الواو) أي: ثابتا على كتفه سيف وثابتا على سوادي؛ والكلام في الراجح والمرجوح عند جواز (الواو) هنا على حد ما مر والجملة الشرطية أعني الأداة جملة الشرط وجملة الجواب لا تكون حالا، نحو " جاء زيد إن يسأل يعط " وأجازوه إن تقدّم المبتدأ هكذا وهو إن" يسأل يعط" إذ يكون الحال حينئذ المبتدأ والخبر، وأجازه أبو حيان ولو لم يتقدمه مبتدأ وأوجب (الواو)، وأجازه ابن جني ولم
-530
530 قال تعالى في سورة البقرة آية 36 فَازَلْهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَ فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حين) وقال أيضا في سورة الأعراف آية 24 (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ
531
جاء في الديوان 51:3 - تح: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - الشركة التونسية والشركة الوطنية للنشر للتوزيع الجزائر 1976 - (أن القصيدة نظمت لخالد بن جبلة الباهلي)، وقال أبو الفرج في الأغاني 49:3 إنه نظمها في خالد
البرمكي حين وفد إليه، وهو على فرس أخالد لم أخبط إليك بذمة
فأنشد
:
سوى إنني عاف وأنت جواد
377 (1/393)
صفحة 394
يوجب (الواو)، ولا يجوز ذلك إذا كان الجواب إنشاء، لأنّ الأنشاء لا يكون حالا، نعم إن قدر القول حالا و (الواو) قبل (إن) و (لو) الوصليتين عاطفة على محذوف عند بعض، والمحذوف ضدّ الشرط أو حالية وعليه الجمهور والزمخشري، وقيل: اعتراضية من الاعتراض الآتي آخر الكلام نحو " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " والنحاة لا يسمون هذا اعتراضا ولا جواب لهما في قول
الحال، والله أعلم.
ويحسن ترك (الواو) إذا دخل حرف على المبتدإ في بعض المواضع، مثل: (كأن) و (إن) و (لا النافية)، كقوله تعالى (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) 532 [وقوله تعالى {إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ 533 فالجملتان حالان، وقول الفرزدق [يخاطب امرأة عذلته على اعتنائه بشأن بنيه]: [من الطويل فَإِنِّي عَسَى أَنْ تُبْصِرِينِي كَأَنَّمَا بَنِي حَوَالَيِّ الأَسودُ اللوَابِدُ
534
أي القواضب، وحوالي جوانبي، والحال من اسم كان لجواره من المبتدإ إذا كان معه، قيل: مثل (ليت) و (إن) و (كأن) و (كان). وقيل إن دخل عليها عامل لفظي وبسطته في النحو، ويحسن الترك أيضا لتقدّم حال مفرد كقول ابن الرومي [من السريع] والله يُبقيك لنا سالماً
برداك تبجيل وتعظيم
و 035
أي ثوباك، ويجوز كون برداك" "تبجيل حال من ضمير سالما لأنه يصدق بالمخاطب ولو كان لفظه غائبا، ويجوز كون برداك فاعل سالما وتبجيل بدل مطابق لبرداك بحسب عطف تعظيم، والله أعلم.
532 - الرعد جزء من 41 - الآية الكريمة أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ تَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
533
الفرقان جزء من 20 - الآية الكريمة (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)
-
534
الديوان 1: 148
535? الديوان 3:298
378 (1/394)
صفحة 395
باب المساواة والإيجاز والإطناب
هنّ أمور نسبية لا يتعقل أحد من إلا بالنسبة إلى غيره؛ فالموجز إنّما يكون موجزا بالنسبة إلى كلام أزيد منه والمطنب إنما يكون مطنبا بالنسبة إلى ما هو أنقص منه، والمساواة إنما يتعقل إلى انتفاء الإيجاز والإطناب؛ أعني أنه يتعقل بانتفاء الزيادة والنقص؛ فبالزيادة على اللفظ يحصل الإطناب، وبالبعض منه يحصل الإيجاز، فربّ موجز أو مساو مطنب بالنسبة لغيره، ورب مطنب موجز بالنسبة لغيره أو مساو، ورب مساو مطنب أو موجز بالنسبة لغيره، فلا يقدح في كون الكلام موجزا كونه زائدا على كلام آخر ولا في كونه مطنبا كونه ناقصا عن آخر، وكذا في المساوي وذلك باعتبار حاصل الاصطلاح.
وإما باعتبار أن المساواة دلالة اللفظ على مجموع ما وضع له فليست نسبية، ولكونهنّ نسبيات لم يصح أن يضبطن بأن هذا المقدار من الكلام إيجاز وذاك مساواة وذلك إطناب، إنما يبنى على متعارف الأوساط في تأدية المعاني، وهم الذين ليسوا في مرتبة البلاغة ولا في غاية العي، ومتعارف الأوساط لا يذمّ، لأن فيه تأدية أصل المعنى بدلالات وضعية وألفاظ كيف كانت، ولا يحمد في باب البلاغة لعدم مراعاة مقتضيات الأحوال، فما نقص عن هذا المتعارف إيجاز إذا تكلم به البليغ، وما زاد عليه من البليغ إطناب وما ماثله من البليغ، مساواة، وهذا الذي يصدر من البليغ من المماثل محمود لأنه لا يأتي به إلا لنكتة راعاها غيره، وإن لم يراعها غيره، وإن لم يراعها البليغ لم يحمد، كلامه، ولكن يحمل كلامه على المراعاة لأنها الأصل في كلامه إلا لدليل أو مناسبة، مثل أن يخاطب به غير البليغ قال عصام الدين: لا يحمد من البليغ مع من ليس بليغا، لأنه لا يقصد مع من ليس بليغا بكلامه مزيّة، ولا يذمّ إن تكلّم به مع البليغ و لم يقصد المزية ذمّ، وإن قصدها مع غير البليغ لم يحمد و لم يذمّ، وإن قصدها مع البليغ حمد، وقال غيره: إن قصدها مع البليغ أو غيره، حمد، وربّما يشتمل كلام الأوساط على حذف ولا يسمى إيجازا مثل: " يا زيد وإياك والأسد " وإن تكلّم به البليغ سمي إيجازا إن قصدها، وقيل إن قصدها مع البليغ وفي حمده وذمه ما ذكر ولا يقال وهو أنه قد يختلف متعارف الأوساط بأن يتعارفوا عبارتين على معنى واحد إحداهما أزيد من الأخرى من غير زيادة في المعنى فما المعتبر منهما، وإن اعتبرتا لم يتميز الإطناب والإيجاز والمساواة بعضها من بعض، فذلك رد إلى الجهالة لأنا نقول: " الألفاظ قوالب
379 (1/395)
صفحة 396
المعاني " فمن عرف الوضع عرف أي معنى يُفرغ في هذا القالب من اللفظ، للعلم بأن المعنى الذي يكون على قدر اللفظ هو ما وضع له مطابقة، وذلك سهل لمدرك الوضع وإن كان عاميا، وقيل: " المعاني قوالب الألفاظ " لأنّ المعنى يستحضر أولا، ثم يؤتى باللفظ على طبقه. ويجمع بأن الأول باعتبار السامع، والثاني باعتبار المتكلم. والأوساط الذين لا يقدرون [على تأدية] المعاني على اختلاف العبارات والتصرف في لطائف الاعتبارات لهم حدّ معلوم من الكلام يجري بينهم في المحاورات والمعاملات، وهذا معلوم للبلغاء وغيرهم جميعا. وكون اللفظ أقل من متعارف الأوساط أو أكثر يشعر بوجود خاصة، ولا يقال: متعارف أوساط العرب لا تتيسر للعجم؛ فمتى عرف الإنجاز والإطناب والمساواة لم ينتفع من التعريف إلا المتتبع لغة العرب، والتصنيف عام لكل طالب فهو ردّ إلى الجهالة لكثير من المخاطبين.
والبليغ لا يحتاج إلى علم المعاني؛ فتعريفات الفن لطالبي البلاغة لا البلغاء، فالتعريف بما يخص معرفته البلغاء ردّ على الجهالة، لأنا نقول: ينفع التعريف، لأنّ ما سبق في الأبواب السابقة تكفّل
منه.
536
من معرفة المقامات ما يكفي في معرفة البسط اللائق بالمقام، قال السكاكي في "المفتاح الإيجاز أداء المقصود بأقل من المعبر به المتعارف، والإطناب أداؤه بأكثر والمساواة أداؤه على المتعارف. وقيل الإطناب يعمّ المساواة عنده، وكما يوصف الكلام بالإيجاز لكونه أقل من المتعارف كذلك يوصف به لكونه أقل مما يقتضيه المقام بحسب الظاهر لا تحقيقا وإلا لم يكن من
537
البلاغة، فقوله تعالى إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) 537 إطناب بالنسبة إلى المتعارف، وهو قولك:
""
يا رب شخت "، وإيجاز بالنسبة إلى مقتضى المقام بحسب الظاهر لأنه مقام بيان انقراض الشباب وإلمام المشيب، فينبغي بحسب الظاهر أن يبسط فيه الكلام غاية البسط، مثل أن يقال: "وهن عظم اليد والرجل وضعفت قوى العين والأذن" ... إلى غير ذلك.
33
- ينظر المفتاح ص.
- مريم جزء من 4 الآية الكريمة {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْئًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
380
536
537 (1/396)
صفحة 397
فللإيجاز معنيان كونه أقل من عبارة المتعارف وكونه أقل مما يقتضيه ظاهر المقام، والاختصار مرادف للإيجاز؛ فتارة يعبر في المفتاح 538 بالإيجاز، وتارة بالاختصار فيما هو بالنسبة إلى مقتضى المقام، فلعل الإيجاز أخص
منه
"1
وكذلك للإطناب معنيان كونه أكثر من عبارة المتعارف وكونه أكثر مما يقتضيه ظاهر المقام. وبين معنيي الإيجاز وكذا بين معني الإطناب عموم من وجه وخصوص من وجه، يجتمعان فيما لو قيل: " رب شخت " فإنّه أقل من مقتضى الحال لاقتضائه أبسط منه لكونه مقام التشكي من إلمام الشيب وانقراض الشباب، وأقل من عبارة المتعارف وهو " يا ربي شخت (بإثبات حرف النداء وياء المتكلم)، وينفرد الثاني وهو كونه أقل مما يقتضيه المقام في الآية، إذ يقتضي المقام أكثر منه كما مر والمتعارف أقل منه وينفرد الأول وهو كونه أقل من المتعارف بنحو قول الصياد: " غزال " عند خوف فوت الفرصة، فإنّه أقل من المتعارف وهو " هذا غزال وليس أقل مما يقتضي المقام، وقيل المقبول من طرق التعبير تأدية المراد بلفظ مساو له بأن يؤدى بما وضع الأجزائه مطابقة لفائدة وهو المساواة أو بلفظ ناقص عنه (واو) بأن يؤدي بأقل مما وضع لأجزائه لفائدة وهو الإيجاز. ومنه " حمدا لك " أو بلفظ زائد عليه لفائدة بأن يكون أكثر مما لأجزائه مطابقة وهو الإطناب. ومنه " جاء حيوان ناطق " فإنّه إطناب؛ ومساواته " جاءني إنسان " وإيجازه " جاء إنسان ". وإن كان اللفظ ناقصا أنه لم يف بالمراد لم يكن إيجازا مقبولا، كقول الحارث بن حلزة اليشكري من الكامل المجزوء [المضمر] المرقل:
وضع
وَالْعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلا
539
مع
لِ النَّوْكِ مَمَنْ عَاشَ كَدًا 540
لأن المراد: والحياة الناعمة في ظلال الحماقة خير من العيش الشاق في ظلال العقل، واللفظ غير واف بذلك فليس بمقبول، إذ لا يعلم المراد منه إلا بتكلف وتعسف، فلو ظهرت القرينة
538 قال في صفحة 33) الإيجاز هو أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط ... وقد تليت عليك فيما سبق طرق الاختصار والتطويل فلئن فهمتها لتعرفن الوجازة متفاوتة بين وجيز وأوجز بمراتب لا تكاد تنحصر.)
539 - نسبة لبني يشكر بطن من بكر وائل، شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات
540
ينظر المطول 2:363 والشروح 3:172، ولقد ورد في الديوان بالرواية الآتية
فَالنُّوكُ خَيْرٌ في ظلا
لِ العَيْشِ مِمَّنْ عَاشَ كَدًا
381 (1/397)
صفحة 398
وسهلت لكان مقبولا. ووجه كون الحياة في الحماقة والجهل خيرا أن الجاهل الأحمق يتنعم بما وجد ولا يضيق على نفسه، والعاقل يتأمل في العواقب والآفات فلا يجد للحياة لذة. و" في ظلال" متعلق" بالعيش" أو حال من ضمير خير و"النوك" بضم النون وفتحها: الحماقة والجهالة. ويقدر مضاف أولا أي وذو العيش أو آخر أي من عيش من عاش وكدا" مفعول مطلق أي: عيش كدا، أو حال أي ذا كد أو مكدودا. وإنّما قلت في ظلال العقل ولم أقل في شدة إحراق إشراقات العقل، كما قال عصام الدين؛ لأنّ مراد الشاعر - والله أعلم تفضيل الحياة في الجهل مع قبحه على الحياة في العقل مع حسنه، وكونه كالظل في عود النفع، لأن الجاهل لا يتألم بالنظر في العواقب، ولا يتحرّز عما يشتهيه، ولا يقال: إنه قد اشتهر في العرف: إن العيش المعتد به الناعم إنما هو عيش الجهلة الحمقى دون العقلاء المتأملين في عواقب الأمور، لأنا نقول إنما اشتهر بعد
021
هذا البيت وجعل السيوطي هذا البيت من الاحتباك، وقال: إنّه لا إخلال فيه، وإن زاد اللفظ لغير فائدة لم يكن إطنابا مقبولا بل تطويلا إن لم يكن الزائد متعينا بل احتمل أن يكون الزائد غيره وحشوا إن تعيّن مفسدا للمعنى وغير متعيّن. فالتطويل كقوله [أي قول عدي بن زيد العبادي]: [من الوافر]
وَقَدَّدْت الْأَدمَ لِرَاهِشَيَّه
وَأَلْفَي قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنَا 542 قدّدت: قطعت بالتشديد للمبالغة وفيه ضمير الزباء، والأديم " الجلد، والمراد: جلد الذراعين، ولـ "راهشيه" تعليل متعلّق بـ "قددت الأديم" لتصل "راهشيه". أو غاية متعلقة بمحذوف، أي: منتهية إلى راهشية والراهشان عرقان في باطن الذراعين ـ و (الهاء) الجديمة الأبرش، والمين: الكذب وهو تطويل بلا فائدة ولكن الأظهر مبينا بدل ومينا فلا تطويل، وذلك أن باقي القوافي ياؤه ساكنة سكونا بينا بعد كسرة، وإن قلت: الفائدة موجودة وهي التأكيد إنما يكون فائدة إذا قصد لاقتضاء المقام إياه وليس مقام هذا الكلام مقتضيا لذلك، لأن المراد منه الإخبار بمضمون
541
542
-
ينظر الشروح 72:3
بنظر الشرح 173:3 - هذا بيت من قصيدة طويلة نظمها عدي بن زيد العبادي يخاطب بها النعمان بن المنذر كان حابسا له ويذكر فيها حوادث الدهر وما وقع الجذيمة والزباء من الخطوب، مطلعها:
أأبدلت المنازل أو عيينا
تقادم عهدهن فقد بلينا
382 (1/398)
صفحة 399
وَصَبْرِ الفَتى لَوْلا لِقاءُ شَعُوب
543
ومينا
القصة، وإن قلت: يتعين المين للزيادة فلا يكون من التطويل لأن قوله كذبا جاء في محله معطوف، قلت: المراد بعدم التعين إنه يكتفي بأحد اللفظين عن الآخر فيصح ولا عبرة بالتقديم والتأخير، وإلا لم يوجد تطويل أصلا، فإنّه لو اقتصر على مين وأزال كذبا لصح، مثل أن يقول: وألفى قولها مينا، ويدبر أمر القافية، ولا عبرة بما يحتاج إليه للقافية والوزن وإنما المعتبر أصل المعنى في التركيبن وهو يصح بكل منهما. ومثال الحشو المفسد قول أبي الطيب في رثاء يماك التركي غلام سيف الدولة: [من الطويل] وَلا فَضْلَ فيها للشَّجَاعَة وَالنَّدَى فلفظ "الندى" حشو مفسد لأنه لا يصح قولك: لا فضل للعطاء لولا لقاء الموت، لأن قولك هذا يفيد أنه إنّما يكون الفضل للمعطي من أجل أنه يموت، ولو كان لا يموت لم يكن له فضل، والأمر إنما هو بالعكس لأنه من علم أنه يموت يسهل عليه العطاء لأنه يموت ويخلف المال، ولأنه ليس يحتاج إليه أبدا، لأن الموت يقطع احتياجه إليه، وإنما يصعب على نفسه العطاء جدا لو كان يموت إذ يحتاج إليه دائما، فإذا أعطى مع أنه لا يموت مدح بخلاف الصبر على المكاره والشجاعة في الحرب، فإن استشعار الحرب سبب لعظمها، إذ يعلم أنّ شجاعته أو صبره يوصلان إلى الموت ومع ذلك يصبر عليهما، ولو كان لا يوصلان إليه لسهلا واجترأ الناس لعلمهم بأن العاقبة للخلاص، والضمير في "فيها" للدنيا و"الندى" العطاء وشعوب" علم جنس للموت صرف للضرورة على أن بكسر ولو بلا تنوين، صرف، وقيل ليس صرفا وإنما الصرف التنوين مطلقا، وقال أبو الفتح: ليس الندا حشوا لأنّ المعنى أن الخلود في تنقل الحال من عسر إلى يسر ومن رخاء يسهل البؤس ويسكن النفوس فلا يظهر لبذل المال كثير فضل بخلاف الأمر إذ كان الموت لا بد منه ومع ذلك يبذل المال، فربما أبذله فيحتاج وينكد عيشه إلى أن يتصل بالموت فيكون في شدة تليها أخرى، وقد يقال: إنه على تقدير الخلود وخوف الابتلاء بالشدة والاحتياج أكثر، وعلاقة القلب بمحبة المال أشدّ، وأما رجاء البذل المالي بتنقل الأحوال ففي غاية الضعف بخلاف تقدير الموت، ولذا كان ترك الشاب للمال أفضل من ترك الشيخ الفاني فهو حشو، وإنما صح لنا أن نقول: إن "النداء حشو مع أنه ليس في الكلام ما يغني عنه ويفيد معناه، لأنه لا يشرط في
543
5 الديوان
0.: 1
شدة
383 (1/399)
صفحة 400
الحشو وجود ما يفيد مدلوله غيره، وكذا الإطناب لا يجب أن يكون مستفاد مما قبله، بل إذا أتي بالشيء المعناه وفيه دقيقة في المقام مناسبة لا يأتي به لأجلها الأوساط، بل يتفطن له البلغاء ويقدمون الإتيان بما كان إطنابا.
ومثل الحشو الذي هو غير مفسد قول زهير [بن أبي سلمى]: [من الطويل] وأَعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ والأَمْسِ قَبْلَهُ
ولكنني عَن عِلْمٍ مَا فِي غَدٍ عَمِ
544
فلفظ "قبله" حشو غير مفسد لأن معناه معلوم من الأمس، وقد تعين للزيادة لأنه لا يصح
545
"
على اليوم، لأنّ قبل لا يكون مضافا إليه، ولو صح لكانت (الهاء) لليوم فليس (الهاء) مانعة، وإن جعلنا (أل) في "الأمس" للجنس وكان "الأمس بالقبلية من قبيل وصف الجنس بما يعمّ كل فرد تبيينا لعمومه وتنعيت عليه، كما في قوله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) 40° [فليس] حشوا، وليس من الحشو قولك في مقام يفتقر إلى التأكيد: " أبصرته بعيني وسمعته بأذني وكتبته بيدي " فإنّه لدفع المجاز، لأنه يحتمل الإبصار بالقلب لو لم تقل بعيني والسمع بالقلب لو لم تقل بأذني، والأمر بالكتابة لو لم تقل بيدي، وليس ذلك تأكيدا للحاجة إليه في البيان - أعني أنه ليس تأكيدا يغنى عنه ـ وإلا فلا يخلو عن تأكيد، كما أنه يقال: " جاء زيد نفسه" و"جاء الزيدون كلهم " لرفع التجوّز، ويعد تأكيدا وذلك أنه يتبادر المراد بلا ذكر للعين والأذن واليد والنفس والله أعلم. وإن قلت " أبصرته بعيني ... الخ " في مقام لا يفتقر إلى
التأكيد كان حشوا
باب المساواة
قدمتها هنا لأنها أصل يقاس عليه الإيجاز والإطناب لأنّ تصوّرها بإدراك هذا اللفظ دال على مجموع ما وضع له، فمن هذا المعنى بلا تعرّض لأكثر لا تتوقف على شيء، فساغ قياس الإيجاز
544
- شرح المعلقات السبع للزوزني. تقديم ظافر كوجان. دار اليقظة العربية للتاليف بيروت 1969 ص 181 وينظر شرح شعر زهير بن أبي سلمى لأبي العباس ثعلب. تح: د. فخر الدين قباوة. دار الفكر المعاصر بيروت ودار الفكر بدمشق
1996 ص 35.
545 الأنعام جزء من 38 - الآية الكريمة و وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)
384 (1/400)
صفحة 401
القزويني
والإطناب. وأما كونها نسبية فإنّما هو باعتبار الحاصل في الاصطلاح من أنها لفظ لم يزد عن المراد و لم ينقص، فمن هذا لا يقاس عليها وإلا لزم الدور وأيضا هي أولى بالتقديم لقلة مباحثها، وقد علمت أنّ المساواة والإيجاز والإطناب مرجعهن إلى اللفظ وهو الصحيح، واختار اعتبارهن بالمعنى، ومثالها قوله تعالى {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ *** والمكر السيء من الله أن يفعل بالعبد ما يهلكه، ففي الآية إطناب بذكر السيء بعد المكر، فإنّ المكر لا يكون إلا سيئا، وقيل: وصف المكر بالسيء إيماء إلى أنّ بعض المكر ليس سيئا، كما في قوله تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله جزاء السيء، وجزاء السيء ليس بسيء، قلت: يجوز وصف مكر الله بالسيء بمعنى أنه ضار، وقول النابغة يخاطب أبا قابوس بن النعمان المنذر: [من بن
548
الطويل]
فإنَّكَ كالليلِ الذي هو مُدْرِكي
وإنْ خِلْتُ أن المنتأى عنك واسِعُ
549
في حال سخطه وَهَوْله شبهه بالليل في عمومه الأماكن وبلوغه كل موطن لسعة ملكه وبسطة يده فلا يفلت منه أحد، والمنتأى بضمّ (الميم) وإسكان (النون والهمزة) بصورة (ألف) وبعدها (ألف) بصورة (ياء) (مفتعل من نأى بمعنى بعد وهو اسم مكان أي موضع النَّأْي أي البعد، وعنك متعلق بـ واسع، لا بـ المنتأى، لأنّ المكان واسم الزمان لا يعملان في الظرف على المشهور وكذا لا يعمل في غيره ويجوز تعليقه به على أنه مصدر، أي: إن البعد عنك واسع أي ممكن، وليس كون استثناء مفرغا في الآية موجبا لأن تكون إيجازا إذ حذف لأن ذلك الحذف معنوي لا لفظي؛ أعني تم الكلام بلا تقدير له. ومعنى قول السعد له. ومعنى
المستثنى،
546
اسم
550
قال في الإيضاح 179 - 180) والأقرب أن يقال: المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تادية أصل المراد بلفظ مساو له أو ناقص عنه أو زائد عليه لفائدة والمراد بالمساواة أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد؛ لا ناقصا عنه بحذف أو غيره، كما سيأتي، ولا زائدا عليه بنحو تكرير أو تتميم أو اعتراض)
-
547 فاطر جزء من 43 - الآية الكريمة واسْتَكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيْنِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)
548 ـ آل عمران جزء من 54 - الآية الكريمة (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
549
550
- الديوان 56
- المطول 2: 266
385 (1/401)
صفحة 402
إنه لفظي أنه يراد أن يقال الأحد لا يحيق المكر السيء بأحد إلا بأهله اكتفى عنه بقوله: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ألا ترى أنك تقول: "بأهله "متعلق بـ"يحيق" ولا تقول: بدل من محذوف، وكذا تقول: في " ما قام إلا زيد " زيد فاعل، وتقول: الفاعل محذوف و"زيد "بدله وهكذا، والفاعل لا يحذف إلا لساكن أو ضرورة، وكذا لا يقال إن البيت من الإيجاز لحذف الجواب لأي، أقول: الشرط إذا قرب منه دليل جوابه واتصل به قبله فلا جواب له محذوف
11
سواء كانت (إن) وصلية أو غير وصلية بل يغني عنه ذلك الذي يسمونه دليلا، فإذا قلت: زيد قائم إن قمت لم يقدر " لأنّ جواب بل استغنت بما قبلها عنه ألا ترى أنه ليس القصد أن تقول: " زيد قائم إن قمت " فزيد "قائم" بل لو قلت: " زيد قائم إن قمت " فـ"زيد قائم" لحمل على أن زيد قائم سيق غير موطئ للجواب ولا مُقيّد بالشرط بل كلام مستقل عام، ثم استأنفت شرطا وأتيت بمثله مقيّدا به بيانا للعموم السابق. ثم تذكرت أن بعضا بل كثيرا من النحاة لا يقدّرون الجواب لأنّ الوصلية والحمد لله. وليس البيت إيجاز بحذف ثابت أو ثبت قبل قوله: كـ الليل" لأنّ هذا الحذف واجب، بل لو ذكر لكان حشوا مفسدا لوجوب حذفه، فالحشو يكون بفساد لفظي كما يكون بفساد معنوي وقال السعد لو ذكر لكان تطويلا، ولعله أراد التطويل اللغوي وما جرى عرف الاستعمال بالاستغناء عنه بلا قرينة خارجة عن ذلك الكلام والمستثنى منه والجواب واستقرار في الآية والبيت لا يكون عدم ذكره إيجازا، وما لا يستغنى عنه إلا لقرينة خارجية فحذفه إيجاز، والله أعلم.
إيجاز القصر
وهو إكثار المعنى وتقليل اللفظ بلا حذف، والفرق بين إيجاز القصر والمساواة وبين مقاميهما أن المساواة ما جرى به عرف الأوساط الذين لا ينتبهون لإدماج المعاني الكثيرة في لفظ يسير والإيجاز بالعكس ومقام المساواة كثير مثل أن يكون المخاطب من لا يفهم بالإيجاز ولا يتعلّق غرضه بإدماج المعاني الكثيرة، ومقام الإيجاز كتعلّق الغرض بالمعاني الكثيرة ويكون الخطاب مع من ينتبه لفهمها ولا يحتاج معه إلى بسط.
551 - المطول 2:366
386 (1/402)
صفحة 403
أنه
ومثال إيجاز القصر قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ *** سواء أكان المعنى ولكم في أن
يقتص أحدكم من الآخر أو كان ولكم في القصاص المعهود شرعا كذا ظهر لي إذ لا حذف في ذلك، وقيل: إن كان المراد بالقصاص الحكم مجازا فإيجاز، قصر وإن أريد ولكم في مشروعية القصاص وهو المتبادر فإيجاز، حذف وكذا إن قيل: المعنى "ولكم في علم القصاص" أي العلم به، وأقول: ليس كذلك، لأنّ إرادة ذلك تؤخذ من اللفظ بلا حذف، والمعنى: أن الإنسان إذا علم متى قتل إنسانا قتله ولي الإنسان كف عن القتل فيحي مريد القتل ومراد قتله، ولما كان متعلّق "لكم في القصاص واجب الحذف فعلا كان أو اسما، "ولكم" و"في القصاص" نائبان عنه لم يكن إيجاز حذف بل لو ذكر لكان حشوا فاسدا في اللفظ لوجوب حذفه وإنما قلت: كان حشوا، و لم أقل كان تطويلا لتعينه للزيادة وإنّما قلت: " لكم" و"في القصاص" نائبان عنه لأن ما تعلّق به الظرف الخبري خبر ثان نعم تعلقه بالظرف لنيابته عمّا يتعلّق به، وفضل في القصاص حياة مع أنه إيجاز قصر على ما كان عندهم أوجز كلام في هذا المعنى مع أنه إيجاز قصر وحذف، وهو قولهم: (القتل أنفى للقتل) بإشباه الأول قله حروفه، فإن حروفه التنوين أحد عشر حرفا وقد لا يعتبر التنوين لحذفه في الوقف، وحروف القتل أنفى للقتل" أربعة عشر أعني الحروف الملفوظ بها، وتعدّ فيه همزة الوصل، لأنه ابتدئ بها فثبتت والإيجاز يتعلّق باللفظ لا بالكتابة، ولو كان بالكناية لعدّ (ياء) في القصاص، وهمزته مع أنهما محذوفان وصلا، فتكون حروفه ثلاثة
عشر.
الثاني: النص على المطلوب وهو الحياة، ولا نص عليه في قولهم "القتل أنفى للقتل " بل يدلّ عليه التزاما، لأنّ نفي القتل يستلزم ثبوت الحياة المنفية بوجوده لا الحياة مطلقا، لأنه يموت الحي أيضا بلا قتل، وانتفاء القتل ليس مطلوبا لذاته بل لطلب الحياة والنصّ على المطلوب أعون على القبول، وإن قلت: الدلالة عليه باللزوم سلوك طريق البرهان وهو فن من بلاغة الكلام. قلت: إنما ذلك إذا لم يقتض المقام التصريح والتخصيص ليرغب العام والخاص في تلك الحياة ويحافظ الجميع عليها، ومقام الآية يقتضي ذلك.
552 البقرة جزء من 179 الآية الكريمة وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أَوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
179
387 (1/403)
صفحة 404
والثالث: ما يفيده تنكير "حياة" من تعظيمها؛ وذلك أنّ القصاص مانع لهم عما كانوا عليه
من قتل بواحد وعظيم لم يلزمه دم المقتول بحقير وقتل غير القاتل فحصلت لهم حياة عظيمة مع سلامة الأعضاء، فإن القصاص يعمّ العضو والنفس وهي حياة حاصلة بالارتداع للعلم بالقصاص. الرابع: ما يفيده تنكير "الحياة" من النوعية فإنّه لا مانع من كون التنكير للتعظيم والتنويع معا، أي نوع من الحياة، عظيم، كما جمع التعظيم والتكثير والتنكير في قوله تعالى (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ 553 وذلك النوع هو الحياة الحاصلة للذي يقصد قتله وللذي يريد القتل بالارتداع عن القتل للعلم بالقصاص؛ وهو نوع عظيم من الحياة
دد
الخامس اطراد بالحياة القصاص لأنّ القصاص مطلقا سبب للحياة، فإن ذلك ليس في قولهم: (القتل أنفى للقتل) بحسب ظاهره لشموله القتل ظلها ولو كان مرادا فيه، لأن المراد بالقتل فيه القتل قصاصا. السادس: خلوّ الآية عن التكرار الحاصل في قولهم: "القتل" أنفى للقتل " فإنّ التكرير مرجوح ولو لم يخل بالفصاحة، وإن قلت: في هذا التكرير ردّ العجز على الصدر وهو من قلتُ: إنما يكون من المحسنات المقبولة إذا لم يكن بالتكرير، فقولهم: ولو اشتمل على نوع محسن، لكن اشتمل على مرجوح وهو كونه بالتكرير، والآية خلت عن مرجوح، والخلو منه لا
يقاومه وجود راجح معه.
المحسنات،
السابع: استغناؤها عن تقدير محذوف، وقولهم يحتاج لتقدير أي "أنفى للقتل" - من تركه، وليس تقديرا مستغنى عن استحضاره وتفضيل القتل على تركه لا على غيره، كالضرب والجرح فلا يفهم بلا تقدير واستحضار. وكونه لم يسدّ شيء مسدّه لا يزيل عنه الضعف وترك القتل يشمل كل زاجر، فكأنه قيل: " أنفى من كل زاجر " الثامن: المطابقة في الآية بالجمع بين القصاص والحياة باعتبار أنّ في القصاص قتلا، وفي القتل موتا والموت يقابل الحياة، فالقصاص مشتمل على الموت بالوساطة، والقتل في قولهم ولو ضاد حياة تفاد من أنفى، لكن ليس تضادهما كالآية، فإن الحياة بنفسها ظاهرة التضاد بخلاف أنفي.
- - 553 - فاطر جزء من 4 - الآية الكريمة لا وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذَّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)
388 (1/404)
صفحة 405
التاسع: ما فيها من الغرابة؛ وهو أن القصاص قتل وتفويت الحياة، وقد جعل مكانا وظرفا
للحياة.
العاشر: سلامتها عن توالي وزن الأسباب الخفيفة التي تنقص سلاسة الكلام، بخلاف قولهم، فإنه كله أسباب خفيفة إلا (لام) القتل الأوّل و همزة) أنفى و (نونه) فإنهن كالوتد المجموع، وأما (لام) القتل الأخير فإلى السبب الخفيف أقرب إما بالوقف على الإشباع فظاهر، وإما بحسبانها وحدها متحركة وصلا فكالسبب المحذوف الآخر، وبالوقف بالسكون يكون كالسبب المحذوف الأخير المسكن لما قبله.
الحادي عشر: ما في الآية من تقديم الخبر على المبتدإ للاختصاص مبالغة، ولا يقال: إن تقديم الخبر على المبتدإ المنكر مثل " في الدار رجل " لا يفيد الاختصاص لأنا نقول: التنوين للتنويع أو للتعظيم أو لكليهما فذلك مسوغ للابتداء فيبقى التقديم الاختصاص، والله أعلم.
باب إيجاز الحذف
هو إما بحذف جزء الجملة سواء أكان الجزء عمدة أو فضلة، وسواء أكانت الجملة كلاما مستقلا أو غير كلام، لأنها لم تستقل كالصلة، وسواء أكان المحذوف مضافا، نحو [قوله تعالى] وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي أهل القرية، وإن قلنا سمي أهل القرية بالقرية مجازا لعلاقة الحلول، أو
554
000
زعم أحد كداود الظاهري أن القرية اسم موضوع للمكان المبني المعتاد وموضوع لأهله، أو
556
•
قلنا كما قال السبكي °°: المراد حقيقة القرية، والسؤال على وجه الإعجاز فلا إيجاز حذف. ولا يقال الأصل عدم هذا الاحتمال لأنا نقول ظاهر اللفظ غير مراد فلا بد من تأويل، فكما أنّ الأصل عدم هذا الاحتمال نقول: الأصل عدم المجاز؛ وإنّما عددت المضاف المفعول وهو فضلة جزء الجملة بناء على أن الفضلة جزء من الجملة كالعمدة ف الياء) من قولك: " الله ربي " جزء
554
555
يوسف جزء من 82 الآية الكريمة {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) داود بن عليبن خلف الأصبهاني أبو سليمان الملقب بالظاهري (210 - 270) هو أحد العلماء المجتهدين وإليه ينسب المذهب الظاهري الذي ينص على الأخذ بظاهر الكتاب والسنة، وإعراضها عن التأويل والرأي
389
ينظر الشروح 3:
191:3
556 (1/405)
صفحة 406
الكلام، وكذا المفعول به والحال وغيره؛ وذلك مذهب بعض، ومذهب ابن الحاجب: أن الفضلة ليست جزءا من الكلام أو كان منعوتا، نحو قوله: [أي قول سحيم بن وثيل الرياحي 557]: [من الوافر]
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَاعُ الثَّنَايَا
مَتَى أَضَعَ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي أي: أنا ابن رجل جلا الأمور أي كشفها من جلا المتعدي؛ فذلك إيجاز بحذف المنعوت وبحذف المفعول، أو انكشف أمره من جلا اللازم فذلك إيجاز بحذف المنعوت وحذف المضاف، وقيل: جلا علم منقول من فعل وفاعل مستتر فلم ينوّن كما لا ينوّن سائر الأعلام المركبة من فعل وفاعل مستتر، وفيه السلامة من حذف المنعوت بالجملة ولو لم يكن بعض اسم مجرور ب (في) أو بـ (من)، ولو كان علما منقولا من الفعل وحده لنوّن لأنه وزن لا يختص بالفعل، لأنه كجبل وعسل وفرح بفتح الراء) من الأسماء وطلاع الثنايا ركاب لصعاب الأمور مجاز عن صعاد العقبات، ومعنى متى أضع العمامة تعرفون متى أضع عمامة الحرب وهي البيضة أو المغفر على رأسي تعرفوا شجاعتي، أو متى أحطّ العمامة عن وجهي الساترة له عرفتموني ولم تجهلوا وجهي لشهرتي. أو كان نعتا، كقوله تعالى وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلكُ يَأْخُذُ كُلِّ سَفِينَة غَصْبًا أي كل سفينة غصبا أي كل سفينة صحيحة أو كل سفينة سليمة، أو كل سفينة غير معيبة، أو نحو ذلك بدليل فأردت أن أعيبها، فإنّه يدلّ على أن الملك لا يأخذ المعيبة. أو كان شرطا، نحو
560
009
قوله تعالى هُوَ الْوَلِيُّ) أي إن أرادوا وليا فالله هو الولي أو كان جوابا فيكون من حذف الجملة وإبقاء قيدها، وذلك إذا احتاج الكلام إلى تقديره. وأما قولك: " زيد قائم إن أقامه الله " فلا حاجة فيه إلى التقدير كما مرّ. وقال الكوفيون: يجوز جعل ما تقدّم جوابا مقدما وحذف الجواب لمجرد الاختصار أو للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع
557
558
سحيم هو ابن وثيل بن عمرو بن جوين بن وهيب بن حميري، له ديوان شعر صغير. ينظر الوفيات 6:87 ينظر الوفيات 165:1 و جاء في 33:2 أن الحجاج بن يوسف افتتح خطبنه المشهورة في أهل العراق بهذا البيت. 559 - الكهف جزء من 79 - الآية الكريمة (أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلكُ يَأْخُذُ كُلِّ سَفِينَة غَصْبًا)
560 - الشورى جزء من 9 - الآية الكريمة (أمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ)
390 (1/406)
صفحة 407
كل مذهب ممكن، وأكثر حذفه يكون لهذه الثلاثة ولاختبار مقدار تنبه السامع وغير ذلك. مثل حذفه للاختصار قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) 0561 أي أعرضوا بدليل إلا كانوا عنها معرضين، ومثال حذفه للدلالة على أنه لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن قوله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ أي لكان كذا وكذا، أو لرأيت ما يكل عنه وصفك أو لرأيت أمرا عظيما فحذف ليدل حذفه على أنه لا يحيط به الوصف، أو حذف لتذهب نفس السامع إلى كل ممكن فتقدّره جوابا
563
562
على سبيل البدلية أو بمرة، وقال في عروس الأفراح يحتملها ويحتمل الاختصار قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَتَّقُوا} 564 أي إذا قيل لهم ذلك فعلوا، أو قالوا ما لا يحيط به الوصف وحذف لذلك، أو القصد أن تذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، أو للاختصار، ولا مانع من اجتماع ذلك كله، فإن النكت التي لا تضاد لا يمنع اجتماعها إلا أنه يظهر أن الحذف للدلالة على عدم إحاطة الوصف إنما هو في أمر موهوب أو مرغوب فيه في مقام الوعيد أو الوعد وليس قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ إلى آخر الآية هو ما يلي أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 565 تأمل واعلم أنّ الحذف لذهاب نفس السامع كل مذهب ممكن، والحذف لعدم إحاطة الوصف مفهومهما مختلف، وما صدقهما متحد يقصدهما البليغ معا تارة، ويقصد أحدهما وحده تارة، ويقصد الذهاب كلّ مذهب ممكن يكمل الترغيب أو الترهيب، أو بالدلالة على عدم إحاطة الوصف أو بهما والكمال بقصد الذهاب أو بهما أظهر وإن قلت | ة | قدرت في آية الأنعام لرأيت ما يكل عنه وصفك أو لرأيت أمرا عظيما فالذهاب وعدم الإحاطة يفيدهما هذا المقدر، قلت: إذا ذكر دلّ على ذلك بنفسه وإذا حذف دلّ على ذلك حذفه، ألا ترى أنه إذا قلت لعبدك: " والله لئن قمت يا فاجر " ذهبت نفسه كل مذهب بالحذف ولو كان
561
يس 45
562 - الأنعام جزء من 27 - الآية الكريمة (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا
وَتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)
-
563
564
-
- ينظر الشروح 3:194،195
يس جزء من 45 - الآية الكريمة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) 565 ـ قال تعالى في سورة يس الآية 45 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
391 (1/407)
صفحة 408
الجواب الذي يقدّره السيد عذابا مخصوصا إذا حذفه لذلك. وقال عصام الدين: إن قلت: هل يقدر في النظم جزاء بلا قرينة فيكون عبثا لعدم فهم السامع فهو بمنزلة التكلم بما لا يفهم أو لا يقدر، فكيف يلغى ما لا يصح السكوت عنه؟ قلت: هذا إشكال قوي وأظن أنه إذا لم تنصب قرينة على الخصوص يقدر مبهم، فالتقدير أفعل شيئا هو الغاية في ذلك، فحذف مثل هذا الجزاء لتذهب النفس كل مذهب ممكن، بخصوصه، أو للإشارة إلى أنه لا يحيط الوصف به، أو كان المحذوف مفعولا به أو تمييزا أو حالا أو ظرفا أو غيرهن من الفضلات أو مبتدأ أو خبرا أو فعلا، وأما استتار الفاعل أو النائب مع تقدم المرجع وخفائه ومع عدم تقدمه ودلّ عليه دليل كالتنازع. فمن إيجاز القصر نحو " قاموا وفرح الزيدون "، أو كان المحذوف عاطفا أو معطوفا أو كليهما، نحو: قوله تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) 566 أي: ومن أنفق من بعده وقاتل بدليل قوله أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا 567 ويحتمل أن لا حذف بأن يكون المعنى لا يستوي بعض من أنفق قبل الفتح وقاتل مع البعض الآخر منهم لتفاوتهم في الإنفاق والإخلاص، ويكون قوله تعالى أولئك أعظم درجة بمعنى أنهم مع
568
تفاوت درجاتهم أعظم من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، أو كان المحذوف جملة لا تستقل كلاما كحذف الصلة بجملتها حيث ورد أو بعضها، نحو: " جاء الذي أفضل أهل عصره " أي الذي هو أفضل، ونحو " إن قمت وإلا قتلتك " أي وإلا تقم؛ فحذف الشرط إلا بعضه وهو (لا النافية)، أو كان كلاما مستقلا مسببا عن سبب مذكور، كقوله تعالى ليُحقِّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (569 أي فعل ما فعل في تقوية المؤمنين ونصرتهم وتضعيف الكافرين وخذلانهم لهذه الغاية التي هي إحقاق الحق أي إثباته وهو دين الإسلام، وإبطال الباطل وإزالته وهو دين الكفار ويجوز أن يطلق على. يحق الحق ويبطل الباطل. إنّه مسبب لجملة محذوفة هي
566 ـ الحديد جزء من 10 - الاية الكريمة (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللهُ
بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
567
568
- الحديد جزء من 10
الحديد جزء من 10
569 - الأنفال 1
392 (1/408)
صفحة 409
وهي
ما قدرته آنفا، لأنّ فعل ذلك سبب لحقية الحق وبطلان الباطل؛ إذ كلّ علّة غائية
يصح أن يطلق عليها اسم السبب واسم المسبب، لأنها علة في الأذهان معلولة في الأعيان
570
ويجوز تعليقه بيقطع فلا حذف، وكقول أبي الطيب يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكا
البسيط]:
أَتَى الزَّمَانَ بَنُوهُ فِي شَبِيبَته
أي فأساءنا، وهذا آخر القصيدة، ومنها قوله:
غَاضَ الوَفَاءُ فَمَا تَلْقاهُ في عِدَة
فَسَرَهُمْ وَآتَيْنَاهُ عَلَى الهَرَمِ
وأعوزَ الصَّدْقُ في الأخبارِ وَالقَسَمِ
سبحان خالقِ نفسي كيف لذتها فيما النفوسُ تَراهُ غاية الألم الدهرُ يَعْجَبُ مِن حَمْلِي نَوَائِبَهُ وَصَبرٍ نَفْسِي على أحْداثِهِ الحُطْمِ وقت يَضِيعُ وَعُمْرٌ لَيتَ مُدّتهُ في غَيْرِ أُمَتِهِ مِنْ سَالِفَ الأُمَمِ
ومنها قوله:
هَوَنْ عَلَى بَصَرٍ مَا شَقّ مَنظَرهُ فإِنَّمَا يَقظَاتُ العَينِ كَالْحُلم ولا تشك إلى خلق قشمتَهُ شكوى الجريح إلى الغربان والرحم وَكُنْ عَلَى حَذَر للنَّاسِ تُضْمِرُه " وَلا يَعْرُكَ منهُمْ تَغرُ مُقسم
ومنها:
or
من اقتضى بسوى الهندي حاجته أَجَابَ كل سؤالٍ عَنْ هَل بِلَمِ يعني يقول لكل قائل: هل ظفرت لم أظفر. ومنها:
•
من
وَلَمْ تَزَلْ قلَّةُ الإِنْصَافِ قاطِعَةٌ تين الرّجالِ وَلَوْ كانوا ذُوى رحم أو كان المحذوف جملة مستقلة سببا لمذكور قوله تعالى فَانفَجَرَتْ 572 أي: فضربه بهما فانفجرت؛ فحذف العاطف والمعطوف أو فانفجرت؛ فحذف الجار والمجرور، أو إن ضربت فقد
ينظر الديوان 4:160 وما بعدها
وفي رواية أخرى (تستره)
-
570
571
572 ـ البقرة جزء من 60 الآية الكريمة وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ - عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
393 (1/409)
صفحة 410
انفجرت؛ فالمحذوف للشرط وأداته فيكون انفجرت بمعنى تنفجر، أو بولغ في ترتب الانفجار على الضرب حتى كأنه إذا وجد الضرب فقد وجد الانفجار قبله أو يؤول على تقدير الحكم كما قال ابن الحاجب ترتب الجواب على الشرط إما باعتبار معناه؛ مثل " إن قام زيد يقم عمرو " وإما باعتبار الحكم؛ مثل " إن تعتدّ عليّ بإكرامك الآن فقد أكرمتك أمس " أي: فاحكم الآن بإكرامك أمس فأثبت الآن إكرامي معتدا والحكم التنجيزي متأخر عن الضرب، قال الله تعالى إِنْ يَسْرِفْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ) 573 أي حكم بمساواة جميع السرقة الكائنة قبل، أو حذف الجواب وناب عنه علته أي فلا بدع، لأنه قد سرق أخ له من قبل. ومثل (الفاء) في قوله تعالى فَانفَجَرَتْ) تسمى فصيحة في وجه العطف على محذوف، وقيل في وجه تقدير الشرط وقيل على التقديرين، ورجّحه السيد وسميت بفصيحة لإفصاحها عن معناها في الأكثر للفصيح لا لغيره، أو لأنها لا ترد من الفصيح لعدم معرفة غيره بموردها، أو كان المحذوف غير سبب وغير مسبب، كقوله تعالى فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} إذ قدرنا
574
من
المخصوص بالمدح وجعلناه مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدإ، وقال ابن هشام لا يحذف الخبر وجوبا إلا إذا سدّ شيء مسده، أو كان المحذوف جملتان أو ثلاثا أو أربعا فصاعدا كقوله
575
تعالى فَأَرْسِلُونِي يُوسُفُ أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا فأخبركم بتعبيره، فأرسلوه، فأتاه وقال له: يا يوسف، فالمحذوف خمس جمل مع متعلقاتها ومتعلّق " أرسلون " بل حرف النداء بمنزلة جملة أدعو، والمحذوف كما علمت إما مع قيام شيء مقامه كما مر في فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ في أحد أوجه. وقوله تعالى (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ "
573
يوسف جزء من 77 الاية الكريمة قَالُوا إِنْ يَسْرِقَ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}
574 ـ الذاريات جزء من 48 - الآية الكريمة وَالْأَرْضَ فَرَضْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)
-
575 ـ قال تعالى في سورة يوسف 45 - 46 وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَإِذَكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعَ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُبُلَاتِ حُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتِ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ)
576
77 نَفْسِهِ وَلَمْ يوسف جزء من 77 – الآية الكريمة قَالُوا إِنْ يَسْرِقَ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}
394 (1/410)
صفحة 411
قبلكم
577
أي فاصبر أو فلست بأوّل مكذب، أو لم يقدح التكذيب في رسالتك، لأنه قد كذبت رسل من قبلك، فإنّ تكذيب الرسل متقدم على تكذيبه فليس جزاء الشرط، بل هو سبب لمضمون الجزاء المحذوف، وجاز حذف الجواب مع إن الشرط مضارع مجرد من (لم)، لأنه قد ناب عنه ما ناب، فكأنه لم يحذف؛ فلا يقال: حذفه حينئذ يختص بالضرورة، بل أجازه الكوفيون غير الفراء في غير الضرر بلا شرط، وقوله تعالى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) 578 أي أهل القرية، ناب " القرية " عن أهل، والله أعلم.
باب أدلة الحذف
هن كثيرة بالنظر إلى تعيين المحذوف، وأما بالنظر إلى مجرد الحذف فالدليل واحد وهو العقل، ولا بد من دليل على المحذوف ولو قام شيء مقام المحذوف، لكن الدليل غير متعدد بكثرة بل قليل فيما قيل، فالعقل في تلك الأدلة كلها بل قد يتجرّد العقل، فمن الأدلة: المقام فإنه يدل على تعيين المحذوف مع العقل الدال على مطلق الحذف، كقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ 579 فالعقل دل على أنّ هنا حذفا، لأن الأحكام الشرعية تتعلّق بالأفعال دون الأعيان، والمقام يدلّ على أنّ المحذوف تناول تلك الأشياء الشاملة للأكل وشرب الألبان، إذ لا معنى لتعلّق التكليف بالذوات لعدم القدرة عليها؛ هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والأشعرية العراقيين، وقال جمهور الأشعرية: إن تعلّق الأحكام حقيقة يراد بها تحريم العين كالخمر والخنزير، وقال السبكي: الحلّ والحرمة وسائر الأحكام عند الأشعرية ليست من صفات الأعيان، وذهب من ينتمي إلى أبي حنيفة من علماء الكلام إلى أنها صفات للمحال، وينبني على المسألة أن حرمت عليكم أمهاتكم ونحوه، هل هو مجمل؟ فمن قال بالثاني نفى الإجمال ويلزمه الوقوع فيه، لأنّ الذات
-
578
579
577 - فاطر جزء من 4 - الآية الكريمة وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) يوسف جزء من 82 - الآية الكريمة (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ التي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) المائدة جزء من 3 - الآية الكريمة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخنزير وَمَا أُهل لغَيْرِ الله به وَالْمُنْخَنَقَة وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصْبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَحْمَصَة غَيْرَ مُتَحَانِف لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
395 (1/411)
صفحة 412
إذا كانت محرمة ينبغي أن يضاف التحريم إلى كلّ ما لاقاها من الأفعال حتى يحرم النظر إلى الأم وغير ذلك مما لم يقل به أحد، ومن قال بالأوّل أثبت الإجمال غير أنه يدعي في اللفظ عرفا ما بأن المراد الفعل المقصود من الذات لا نفسها، قال: وعندنا أن المعقود عليه في النكاح منفعة البضع، ولا نقول: إنها في حكم الأجزاء، وقال أبو حنيفة عين المرأة يوصف بالحل،
يقتضي
-
يعني
الشافعية ومن معهم
فالخلوة لا تقرر المهر عندنا لعدم استيفاء المنفعة، والخلوة لا تقتضيها، والحرّ لا يدخل تحت اليد، وهم لما قالوا المعقود عليه عينها جعلوا نفسها من التمكن بالخلوة كافيا. ومن الأدلة العقل إذا دلّ على الحذف وعين المحذوف، كقوله تعالى (وَجَاءَ ربُّكَ 580 فالعقل يدلّ على امتناع المجيء عن الله عز وجل، ويدل على تعيين المراد، أي جاء أمر ربك، أي: ما أمر به ربِّك، والأمر أعم من العذاب، وإن قدر وجاء عذاب ربك، فقيل ما يعذب به قال عصام الدين: فلا يقال الأمر والعذاب أمران معنويان لا مجيء لهما، قلت: لا مانع من إبقائهما على المصدرية لأنّ المعنوي يوصف بالمجيء مجازا، ولا يقال إن إدراك العقل لكون المقدر أحد هذين الأمرين لا تستقل فيه دلالته بل يحتاج إلى قرينة كون هذا يوم القيامة الذي لا يناسبه إلا ما ذكر، لأنا نقول العقل استقل بإدراك أنّ الله جلّ وعلا لا يوصف بالمجيء، وأنه لا ينبغي بعد امتناع مجيئه إلا مجيء أمره سواء كان ذلك دنيا أو أخرى. وأما مجيء ملائكته فقد ذكر بقوله: والملك، ولكن الواقع في الآية أن ذلك يوم القيامة لقوله (إِذَا دَكْتِ الْأَرْضُ دَكَّاً دكار 81 وقوله وَجِيء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) بل هذا يناسب أن العذاب على معنى المصدر لا معنى المعذب به وإلا كان ذكر جهنم ذكر خاص بعد عام وهو جائز، ثم إنه لا مانع من تقدير المحذوف خاصا نحو " وجاء جند ربك القائم بتعذيب "العاصي" أو " عبيد ربك القائمون بذلك
581
582
580
-
الفجر جزء من 22 - الآية الكريمة وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)
581 ـ الفجر جزء من 21 - الآية الكريمة (كَلَّا إِذَا دَكْتِ الْأَرْضُ دَكَا دَكَاً)
-
582 ـ الفجر جزء من 23 - الآية الكريمة) وَجِيء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى
396 (1/412)
صفحة 413
كالملائكة " على أن يراد بالملك بعد ملائكة غير العذاب، وتقدير الأمر أولى لشموله. وقدر بعضهم في حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) 583 حرم عليكم أمر الميتة.
ومن الأدلة العقل على الحذف المطلق والعادة على التعيين، كقوله تعالى {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لمتني فيه فالعقل دلّ على مجرّد الحذف، إذ لا معنى للوم على ذات الشيء وإنما يلام
584
على أفعاله، وأما عين المحذوف فإما حبّ أي في حبّه لقوله قد شغفها حبا، وإما مراودة، أي: في مراودته، لقوله تعالى تُرَاوِدُ فَتَاهَا} وأما شأن فيعمهما والعادة المتقررة عند المحبين
،
585
دلّت على تقدير مراودة لأنّ الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه في تلك العادة لقهر الحب المفرط صاحبه فلا يقدر في حبه، فيكُنَّ قد لُمنْهَا على الحب المفرط ولا يقدر في شأنه، لأنه يشمل الحب المفرط، وإن قدّر في شأنه وأريد به المراودة فقط جاز، وإنّما يلام على الحب المفرط عند غير المحبين غفلة عن كونه ليس بنقص فإن لام عليه المحبون فللوازمه. أدلة ومن تعيين المحذوف مشارفة الشروع في الفعل نحو (بسم الله الرحمن الرحيم) فالجار والمجرور دالان على مجرد الحذف، إذ لا بد لهما من متعلّق يدرك ذلك من أدرك معنى الجار ولو لم يكن نحويا، لأنه يدرك أنه لا بد من معنى يرجع إليه الجرّ فذلك هو التعلّق، وذلك بالعقل فعند الله الرحمن الرحيم (أقرأ وهكذا؛ وذلك مذهب البيانيين، قيل: والنحاة يقدرون القراءة (بسم ابتدئ وليس كذلك، بل النحويون بعض يقدر ابتدئ وبعض يقدره اشرع فيه كافر. أو أدلة من تعيين المحذوف بعد دلالة العقل على أصل الحذف الاقتران بعد وجود بعض الفعل أو جله وجوده كله متصلا بالكلام أو قريبا من الاتصال، كقولهم للمعرس وهو المتزوج أي المتخذ
583 ـ قال تعالى في سورة المائدة الآية 3 حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصْبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَحْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِفِ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يوسف جزء من 32 - الآية الكريمة (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمُتَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) يوسف جزء من 30 - الآية الكريمة وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا
584
-
585
إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
397 (1/413)
صفحة 414
للعرس وهي الزوجة: " بالرفاه والبنين " وهو دعاء الجاهلية حيث يحترزون عن البنات بالبنين، وقد ورد النهي عنه والرفاه الصلاح والالتئام بين الزوجين أي أعرست بالرفاه والبنين، والله
أعلم
باب الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام
يكون بالإيضاح بعد الإبهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين: أحدهما مبهمة والأخرى، موضحة، وعلمان خير من علم واحد لا باعتبار التمكن في النفس ولا باعتبار اللذة، بل لزيادة العلمين في نفسهما من حيث أنهما علمان اثنان لا واحد وذلك عند كون المقام مقام إدراك الشيء على حقيقته والإحاطة بجوانبه؛ كمقام افتخار بالعلم ومقام التعلم أو التعليم بحيث لا يقع فيه جهل بوجه ما ولا خطأ من المتعلم أو السامع فيناسبه تعلّق علمين به إن قلنا: إن هنا علمين من جهتين أو إيهام علمين إن قلنا بخلاف ذلك.
ويكون الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام ليتمكن في نفس السامع فضل تمكن عند اقتضاء المقام، لكون المعنى ينبغي أن يملأ به القلب لرغبته أو لرهبته أو أن يحفظ لتعظيم وعدم استهزاء، أو عمل به، أو نحو ذلك لما جبلت النفس عليه من أنّ الشيء إذا ذكر مبهما ثم بين كان أوقع عندها، لأنّ الإشعار به إجمالا يقتضي التشوّق إليه ولاشيء إذا جاء بعد التشوق يقع في النفس فضل وقوع ويتمكن أي تمكن.
ويكون الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام لتكمل لذة العلم للسامع لأن نيل الشيء بعد الشوق والطلب الذ، وذلك أنه إذا أجمل أشعر بالشيء. والفرق بين التمكن واللذة في العلم بحسب مفهوميهما واضح ولو كان الشوق بالإجمال سبب كل منهما، ومقام الأول كالافتخار والتعليم والتعلم كما مرّ، ومقام الثاني كإمالة نفس السامع إلى ما يلقيه المتكلّم حيث يأتي به بهذا الطريق، فيكون حديث المتكلم مما يراد فيه لا تما يكره وينفر عنه، قال الله تعالى {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صدري 586 فإن "اشرح" يفيد بقوله" لي" طلب شرح شيء ما للطالب سواء جعلنا (اللام) للتعدية أو للتعليل، وصدري "يفيد تفسير ذلك الشيء، فـ"لي" يشير على مبهم، وذلك أن "لي"
586
طه 20
398 (1/414)
صفحة 415
11
يشير إلى شيء يثبت للمتكلم زيادة على طلب اشرح له، ولا يكفي في ذلك وإلا كان كل فعل مع مفعوله المتأخر إبهاما وتفسيرا، فأنت خبير بأنه سواء في الإبهام أن يكون مفهوما أو مذكورا، وأيضا فإنّ (الياء) في "صدري" تغني عن (الياء) في "لي" والشرح من حيث أنه مشعر بالحسن والرغبة فيه يغني عن (لام) "لي"، فـ"لي" إطناب مع الشيء المفهوم منه، لأنّ الشرح بما يضره ولو كان ممكنا لكن بعيد، والإنسان العاقل ولا سيما نبي لا يطلب لنفسه ضرا؛ فلا يقال إن "لي" ليس إطنابا بل تقييد بـ (لام) النفع واحتراز عن الضرب، فأنت خبير بأنه لا حاجة إلى جعل "لي" نعتا لشيء محذوف، وصدري بدلا منه لتكلفه مع الغنى عنه بوجود الإطناب بدونه، والآية إيضاح بعد إبهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين، أو ليتمكن في النفس أو لتكمل لذة العلم، وإن
الا
قلت: هذا الكلام قاله موسى ال الله تبارك وتعالى وعزّ وجلّ، ولا يناسب أن يقال: تكلّم إلى الله بعلمين على أنهما بالنسبة إليه خير من علم، واحد ولا أن يقال: تكلم له بما يتمكن عنده ولا تكلّم له بما يلتذ به الله تعالى بعلمين على أنهما بالنسبة إليه خير من علم واحد، ولا أن يقال تكلّم له بما يتمكن عنده ولا تكلم له بما يلتذ به الله تعالى الله عن اللذة والجهل وعن كل نقص قلت: أجيب بأنّ المراد أنه لو خوطب بذلك إنسان لأمكن فيه ما ذكر. واعترض بأن أصل الكلام أن يؤتى به لما أراده المتكلّم وإلا لم يوثق بمفاد الكلام لإمكان تحويله إلى مقصود آخر، وأجيب أيضا بأنّ المراد هنا لازم المتقدم لعدم إمكان ظاهره، فإنّ من إمكان لازم سوق الكلام لعلمين الاهتمام به، فإن طلبا لزم التأكيد في السؤال، وكما الرغبة في الإجابة وكذا سوقه للتمكين واللذة من لازمه الاهتمام المسلتزم لكمال الرغبة في الإجابة، وكمال الرغبة والتأكيد في السؤال مناسبان في المقام.
ومن الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام (باب نعم وبئس (إذا ذكر المخصوص مؤخرا أو جعل خبرا لمحذوف أو مبتدأ لمحذوف لا مبتدأ للجملة قبله لأنه حينئذ في نيّة التقديم ليس بعد إبهام في النية، ويحتمل أن يكتفي باللفظ فإنّه متأخر فيه ولو نوي في التقديم، فإذا قلت: " نعم الرجل زيد فقد أوضحت بعد إبهام ولو قلت " زيد نعم الرجل " لم يكن كذلك، ولو تركت الإطناب لقلت: " زيد نعما "، أو احتلت لتربو إلى زيد ضميرا فتقول: " هو نعما " ولا يجوز على الصحيح " نعم زيد " لأنّ فاعل نعم إما معرف بـ (أل) أو مضمر مميز بنكرة منسوبة أو بـ (ما)،
399 (1/415)
صفحة 416
ما
ولأنّ نعم وبئس للمدح أو للذم العام للجنس؛ فمعنى " نعم الرجل " أن زيدا جيد في جميع يتعلق بالرجولية إلا أن يقدر " نعم زيد " في الرجولية، والله أعلم. ووجه حسن الإطناب في باب نعم وبئس زيادة على ما مرّ من تكميل اللذة والتمكن في النفس ورؤية المعنى في صورتين إبراز الكلام في معرض الاعتدال إذ كان إطنابا بما ذكر، وإيجازا بحذف المبتدإ أو الخبر وإبهام الجمع بين المتنافيين الإيجاز والإطناب
وما ذكرت من الاعتدال والإبهام مختلفان مفهوما متلازمان، صدقا وقيل إبهام الجمع بين المتنافيين الإجمال والتفصيل، وإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل غير نفس الإجمال والتفصيل، ولا يخفى أن إيهام الجمع بين المتنافيين من الأمور المستغربة التي تستلدّها النفس فيكون ذلك من البديع بقصد مجرد الظرافة والحسن ومن المعاني باقتضاء المقام مزيد التأكيد في إمالة قلب السامع وإنما قلت: إنه يوهم الجمع بين المتنافيين لأنّ الجمع بينهما إن يصدق على ذات واحدة وصفان يمتنع اجتماعهما على شيء واحد في زمان واحد من جهة واحدة وهو محال، والجهة في ذلك لم تتحد ويكون الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام على التوشيع ويسمّى توشيعا، وهو أن يؤتى في عجز الكلام وهو الغالب أو في أوّله أو وسطه بمثنى أو جمع مفسّر بما تعاطف، قال عصام الدين أو بلا تعاطف، ومثاله بدون تعاطف " يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان إحداهما الحرص والأخرى طول الأمل" أو "وهما الحرص وطول الأمل، وغير عصام الدين لا يسمي ذلك بلا عطف توشيعا، ومثاله بالعطف يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل" ومعنى تشب) بكسر الشين وتشديد الباء (تقوى وتنمو كما يكون الشيء في زمان الشباب، ولفظ الحديث (يهرم ابن آدم ويشيب معه اثنان الحصر على المال والحرص على العمر) ومعنى يشيب أنه يصحبانه في شيبه لا يزولان، وفي "جامع" السيوطي يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال وطول العمر، أي وحب طول العمر وكقوله: [من الطويل] سَقَتْنِي فِي لَيْلٍ شَبِيهِ بِشَعْرِهَا شَبِيهَةٌ حَذَّيْهَا بِغَيْرِ رَقِيبٍ فَمَا زِلْتُ فِي لَيْلَيْنِ شَعْرٍ وَظُلْمَةٍ وَشَمْسَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَوَجْهِ حَبِيبٍ
400 (1/416)
صفحة 417
أيضا
وشبيهة خديها فاعل سقتني وهي الخمر والتوشيع اسم للإتيان بذلك الكلام واسم لذلك الكلام وهو "لغة لف القطن المندوف"، ووجه المناسبة أن في الاصطلاحي لفا وندفا أعني
إجمالا وتفصيلا ولو كان فيه اللف سابقا على الندف عكس اللغوي.
ويكون الإطناب بالإجمال بعد التفصيل لما مرّ من التمكين واللذة ورؤية المعنى في صورتين كقوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) بل هو الإطناب بالعطف بذكر الخاص بعد العام، وبالعكس تنبيها على مزية الخاص حتى كأنه ليس من جنس العام، فينزل تغاير الصفة منزلة تغاير الذات حتى إنه ذلك يكون بالعطف وأصل العطف التغاير، كقوله تعالى حافظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى 588 وسواء كان العطف على العام أو على غيره، كقوله على من كان عدوّ الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل؛ فجبريل معطوف على لفظ الجلالة وهو الأصح أو على رسله لا على ملائكته وهو العام، ويجوز أن يكون المراد بالرسل ما يشمل رسل الملائكة فيكون العطف للخاص على العام وسواء في المزية الزيادة في الخير كالآية أو في الشر، وليس ذلك جاءني رجل وزيد وعمرو " ولا " جاء رجلان العكس " جاءني من دون خالد "، ومن
زيد وعمرو
""
باب الإطناب بالتكرير
لنكتة فهو إطناب لا تطويل، والنكتة كتأكيد الإنذار والردع في قوله تعالى كَلَّا سَوْفَ
589
تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * 589 ذكر الإنذار وأكد الثاني بثم «الدالة على البعد الرتبي * هنا، فهو قولك: وكلا والله لسوف تعلمون، وإنما عد هذا تكريرا أن الثاني أبلغ لأن أصل الجملتين واحد، وإنّما زاد الثانية المبالغة بما زيد عليها، وقال عصام الدين: كون الثانية أبلغ باعتباره زيادة اهتمام المنذر به لأنه زاد في المفهوم شيء. وكنفي التهمة مثل قوله تعالى {وَقَالَ
-
587
البقرة جزء من 196 - الآية الكريمة (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ فَإِنْ أَحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةِ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) 588 البقرة جزء من 238 - الآية الكريمة حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)
589 ـ التكاثر الآيتان 3 و 4
401 (1/417)
صفحة 418
الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} كرر النداء مع أنه يكفي الأول للجملتين وما اتصل بهما للتنبيه على نفي التهمة، ووجه نفيها أنّ المتكلم من قومه إذ أضافهم لنفسه فلا يريد لهم إلا ما أراد لنفسه، وككون معنى متعلّق الفعل المذكور مختلفا واللفظ الدال على ذلك المتعلّق، فإن في تكريره إفادة التنبيه على كل معنى بخصوصه والمقام
091
يقتضيه، كقوله تعالى فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فإنّه كرّر أثر ذكر النعم في السورة المذكورة مختلفة، والمقام يقتضي التنبيه على كل نعمة يقام بشكرها بخصوصها، وأما ذكره بعد ذکر جهنم وإرسال الشواط من النار فبالنظر إلى أنهما زجر على المعصية فعادا نعمة من حيث الانزجار بهما، والله أعلم
•
باب الإطناب بالإيغال
092
وهو ختم الكلام في الشعر بما يفيد نكتة يتمّ أصل المعنى، بدونها، فالإيغال بالمعنى المصدري وهو الختم المذكور، ويطلق أيضا على الكلام المختوم به؛ كذا عرفه القزويني، قال عصام الدين هو تعريف شامل لذكر الخاص بعد العام والتكرير وسائر أقسام الإطناب إذا كان ذلك آخر البيت، فيكون ألا يقال وهو من أوغل في البلاد إذا أبعد فيها، وذلك يكون بزيادة المبالغة في التنبيه في قول الخنساء ترثي أخاها صخرا: [من البسيط]
وإِن صَخراً لَتَأْتَم السراة بِهِ
093
كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رأسه نار شبهته بالجبل المرتفع الذي هو أظهر المحسوسات في الاهتداء به، وزادت في التشبيه مبالغة وهو إثبات أن في رأس الجبل المشبه به نارا تزيد ظهورا، والمراد أنه في الظهور المعنوي في الإشهار بالخصال الكريمة كالجبل في الظهور الحسي، وزاد بالمعنى ظهورا زيادة كظهور نار على
590
- غافر جزء من 38 وجزء من 39 - الآيتان الكريمتان وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنْ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ *)
591
سورة الرحم
رحمن الآيات 13 - 16 - 18 - 21 - 23 - 25 - 28 - 30 - 32 - 34 - 36 - 38 - 40 - 42 - 45 - 47 - 49 - 51 - 53 - 55 - 57 -
YY-YO-Yr-Y 1 - 79 - 7 V-10 - 17 - 11 - 09
592 - ينظر الإيضاح 199 -
593
- الديوان 49 -
402 (1/418)
صفحة 419
جبل ليلا؛ فشبه ظهوره بظهور الجبل نهارا وبظهور نار رأس الجبل ليلا فافهم، وإلا فلا ظهور للجبل ظهورا واضحا ليلا، اللهم إلا بظهور ناره من بعيد فيعلم برؤيتها عالية أنها على رأس الجبل وتأتم بألف أو همزة ساكنة وجهان وفتح التاءين وتشديد الميم تغتدي، ويروى الهداة مكان السراة 59 السراة السائرون بالليل، والهداة الذين يهدون الناس إلى المراشد والمعاني فكيف بالمهتدين. ويكون بتحقيق التشبيه كقول امرئ القيس: [من الطويل]
كأَن عُيونَ الوَحشِ حَوْلَ حَبائِنَا
وَأَرْحُلْنَا الجَزْعُ الذي لم يُنقب
ذو الخباء إرادية الجنس أي حول خيامنا بدليل " وأرحلنا "، لكن لا مانع من خباء واحدة لجماعة، وزعم بعض أن قوله: "وأرحلنا " عطف تفسير "والجزع " بفتح (الجيم) الخرز
-
اليمني الذي فيه سواد وبياض والخرز العقيق شبيه بعيون الوحش ـ ولكن لما كان الجزع
-
المثقب يخالف العيون مخالفة في الشكل زاد قوله الذي لم يثقب ليتحقق التشبيه في الشكل بتمامه، لأنه إذا كان غير مثقوب كأنّ العين أشبه به، قال الأصمعي الظبي والبقرة إذا كان حيين فعيونهما كلّها سود بحسب الظاهر، وإذا ما ماتا بدا بياضهما، وإنّما شبهها بالجزع وفيه سواد وبياض بعد موتهما، فليس كما قيل: إن المعزاة الوحشية ألفت رحالهم لطول مسايرتهم في المفاوز، إذ عيون الظباء البقر في الحياة سود، فليست كالجزع المثقب، وقيل: ألا يقال ختم الكلام بما يفيد نكته يتم المعنى بدونها في الشعر أو في غيره، كقوله تعالى (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُون 596 فإنّ المعنى تم بدون قوله تعالى وهم مهتدون)، إذ الرسول مهتد إلا أنّ فيه زيادة حثّ على الاتباع وترغيب في الرسل، وأصل الحثّ يفيده " يا قوم اتبعوا المرسلين الدال على اهتدائهم قاله بعض، وقد يقال: أن لا يقال وهو قوله اتبعوا من لا يسألكم أجرا
وهم مهتدون؛ إذ الرسول مهتد وغير طالب الأجر لا محالة، ففيه زيادة حثّ على ما في قوله تعالى يا قوم اتبعوا المرسلين من الحثّ. والله أعلم.
" I
594
595
596
- وردت في الديوان كلمة الهداة عوض السراة
الديوان 149
يس
21
403 (1/419)
صفحة 420
باب الإطناب بالتذييل
وهو تعقيب الجملة بجملة لا محلّ لها من الإعراب تشتمل على معناها للتوكيد عند اقتضاء المقام التأكيد، ومثله تعقيب الظرف والجار والمجرور بجملة أو مثله، ولا يرد التكرير لأن معنى تعقب الجملة بجملة ... الخ أنهما متغاير بأن، ولذا قلنا تشتمل فإنّه يتبادر من الاشتمال إذ الثانية تضمنت معنى الأولى، وغيره والتزم عصام الدين أنّ التعريف صادق بالجملة المؤكدة، نحو " إن زيدا قائم إن زيدا قائم " وإن بين التذييل والتكرير عموما من جهة فافهم، والتذييل أعم من الإيغال من جهة أنه يكون في ختم الكلام وغيره وأخص منه من جهة أن ألا يقال قدر يكون بغير الجملة ولغير التأكيد فهما يجتمعان فيما هو الجملة للتأكيد في ختم الكلام، وينفرد ألا يقال فيما هو بالمجرد وفيما هو لغير التأكيد سواء كان بجملة أو بمفرد، وينفرد التذييل فيما هو في غير ختم الكلام اللفظ المسمى. والتذييل قسمان الأول: خرج مخرج المثل بأن يقصد بالجملة الثانية حكم كلي منفصل عما قبله جار مجرى الأمثال في الاستقلال وفشو الاستعمال، كقوله تعالى {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنْ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (97، والثاني: لم يخرج مخرج المثل، وهو لم يقصد بالجملة الثانية فيه ما قصد في الأول، وذلك أن لا تستقل الجملة الثانية أو أن يكون الحكم جزئيا، أو أن يكون كليا لم يفش استعماله فليس خارجا مخرج الإنشاء، لأنّ المثل: كلام مستقل نقل عن أصل استعماله إلى ما صلح لمشابهة حال الاستعمال الأوّل كما في الاستعارة التمثيلية كقولهم: الصَّيْف ضَيَّعت اللَّبَنَ (يضرب لمن ترك الشيء في أوانه أو طلبه في غير أوانه، وإنما أخرتُ هذا القسم لأنه انتفائي، وبعضهم يقدّمه لأنه أشد ارتباطا بالمقصود، ومثاله قوله تعالى ذلكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) أن أريد وهل يجازى الجزاء المخصوص
597
598
وهو إرسال سيل العرم وتبديل الجنتين المذكورتين بقوله (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)
599
597
- الإسراء 81
598 ـ سبأ 17
599 ـ سبأ جزء من 16 - الآية الكريمة (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِحَنَتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أَكُلٍ -
حَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)
404 (1/420)
صفحة 421
يصح
فهو متعلق بما قبله فليس جاريا مجرى المثل في الاستقلال، وإنّما أريد وهل يعاقب بالنار أو مطلق العقاب إلا الكفور؛ فهو من القسم الأول ويبحث فيه بأن مطلق العقاب أو العقاب بالنار يستحقه الكافر ولو لم يكن كفورا، بخلاف إرسال سيل العرم وتبديل الجنتين فإنهما واقعة حال أن يقال هل يجازيهما إلا الكفور؛ والآية من القسم الأول، ويجاب بأنه قال الكفور تلويحا بأنّ كلّ كافر كفور لعظمة حق الله وكثرة نعمه، هذا ما ظهر لي ويدلّ لي قوله تعالى فراما شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا 100 فكل من فعل فعلا يسمى كفرا فقد بالغ في الكفر، وهذا إن شاء الله (أولى من قول عصام الدين إن الحصر ادعائي يعني على طريقة العرب في الحصر الادعائي، وكل من القسمين إما لتأكيد منطوق به كقوله تعالى {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنْ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) فإن الزهوق منطوق به، فيقوله وزهق الباطل والمادة واحدة مع اتحاد المعنى ولو اختلفتا بالفعلية والاسمية، وأما لتأكيد مفهوم، كقول النابغة: [من الطويل] ولست مستبق أعاً لا تلمه
على شَعَثِ أيُّ الرجال المُهَذِّبُ؟ "
602
دل قوله: " ولست مستبق لا تلمه على شعث " بمفهومه على أنه لا مهذب من الرجال أي لا كامل منقح الخصال مرضي الفعال، لأنه لو وجد لم يصدق أنه لم يبق لنفسه أخا، وأكد هذا بقوله: "أي الرجال "المهذب بالاستفهام الإنكاري وهو نفي، و"الشعث": عدم تعاهد الخصال الحميدة مأخوذة من "شعث" وهو انتشار الشعر بعدم إصلاحه، ودهنه استعير للأوساخ المعنوية وهي الأوصاف الذميمة بعد نقله إلى اللازم الذي هو الأوساخ الحسّية على طريق المجاز المرسل فيكون فيه مجاز بمرتبتين، ولا تلمه خال من (تاء الخطاب لست أو من المستكن في مستبق والفعل، ولو كان أقوى من الاسم في العمل لكنه هنا جامد؛ ففيه بعض ضعف ومختلف فيه؛ إذ قيل ليس خرفا ومزاحا، ولو كان نكرة لتسويغ العموم إذ كان نكرة في سياق السلب، وقيل: إن دلالة الكلام مفهومه على نفي المهذب إنما يتضح على أن لا تلمه" حال من (تاء) لست أو المستكن في مستبق لا على غير ذلك إلا ببعد وعدم وضوح إذ لو جعلناه حالا من أخ أو نعتا له
600
- الإنسان جزء من 3 - الآية الكريمة (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) 601 ـ الإسراء جزء من 81 - الآية الكريمة (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)
405
- الديوان 28
602 (1/421)
صفحة 422
كان المعنى مثلا كل أخ موصوف بأنه على شعث لا تبغيه لنفسك إن لم "تلمه" على شعثه، وهذا المعنى لا يقتضي أن لا مهذب وإنّما يقتضي أن غير المهذب لا بدّ معه من الصبر، وأما غيره فلا معه إلى الصبر فيصح أن يبق المهذب ولو لم يبق غير المهذب، وجاز ذلك ببعد وعدم وضوح؛ لأنه قد لأنه قد يدعي أنه مفهوم باعتبار ما جرت به العادة في حال الرجال فتكون العادة قرينة
يحتاج
على إفادة اللفظ هذا المفهوم، والله أعلم.
باب الإطناب بالتكميل
تكميلا لتكميله ويسمى الاحتراس لأن فيه الاحتراز عن توهم خلاف المقصود، وإنما سمي. المعنى لدفع خلاف المقصود عن الجملة الأولى؛ وهو أن يؤتى مع كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع الإيهام سواء أكان الدافع وسط الكلام أم، آخره أجملة أم غير جملة، قلت: أو أول الكلام. والتذييل أيضا يدفع الوهم، لأنه للتأكيد إلا أنه يختص بالجملة، والأخير يدفع الوهم بالنسبة والتكميل لا يختص بشيء من ذلك وبين التكميل والإيغال عموم من وجه، ومثال التكميل قوله أي قول طرفة] [من الكامل] فَسَقَى دِيَارَكَ غَيْرَ مُفْسِدهَا
صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ تَهْمِي
603
"غير" حال من فاعل "سقى" وهو "صوب"، وصوب الربيع نزول المطر في الربيع، و "الديمة": المطر الذي دام ثلث يوم فصاعدا أو أكثره ثمانية أيام وتهمي": تسيل، لما كان المطر قد يؤول إلى خراب الديار وفسادها أتى بقوله "غير" "مفسدها" دفعا لما قد يتوهم من أن المراد الدعاء بالخراب. ومعظم الإيهام من قوله ديمة تهمي، وذكر الديار دون الزرع مثلا، ولا يقال: غير مفسدها متقدم على ديمة تهمي؛ فلا إيهام في "ديمة تهمي" لأنا نقول هو في نية التأخير، بل التحقيق أن المراد بالتكميل: المجيء بدافع الإيهام في أي موضع بأن يكون لولاه لأوهم الكلام،
ورد البيت برواية أخرى هي:
فَسَقَى بلادَكَ، غَيْرَ مُفْسدها
صَوْبُ الغَمَامِ ودمةٌ تَهْمي
406
603 (1/422)
صفحة 423
هم
وهنا في وسطه. ومثال آخر قوله تعالى أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ} 604 أو قوله "أذلة على "المؤمنين أنّ ذلهم لضعفهم، ودفعه بقوله "أعزة على الكافرين" تنبيها على أن
ذلك تواضع منهم للمؤمنين، ولهذا عدّى الذلّ بـ"على" لتضمّنه معنى العطف كأنه قيل عطفا على المؤمنين أو عداه على تلويحا على شرفهم وعلو، رتبهم، ومع ذلك خفضوا أجنحتهم فلا تضمين، أو عداه بـ"على" لمشاكلة ما بعده، وقيل: المقصود لو أنكم ترجعون عن الإيمان سيأتي الله بقوم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين فينقل حالكم من كون هؤلاء القوم متواضعين لكم إلى كونكم أدلة لهم، ولا بدّ في إفادة هذا المعنى من ذكر قوله: " أعزة على الكافرين" فهو داخل في أصل المقصود وليس الإطناب في شيء، والله أعلم
باب الإطناب بالتتميم
وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة آخر أو وسطا، وهو يتناول بعض صور الإيغال. والفرق بين التكميل والتتميم أن النكتة في التتميم غير دفع خلاف المقصود لا أنه يكون في كلام يوهم خلاف المقصود إذ لا مانع من اجتماع التتميم والتكميل. وتسمية ذلك بالتكميل وهذا بالتتميم مجرد اصطلاح إذ هما شيء واحد لغة، وقال في
عروس الأفراح": يمكن أن يفرق بينهما لغة بأن التكميل استيعاب الأجزاء التي لا توجد الماهية
C
المركبة إلا بها والتتميم، قد يكون بما وراء الأجزاء من زيادات يتأكد بها ذلك الشيء الكامل والفضلة كالمفعول به والحال مما ليس بجملة مستقلة ولا ركن الكلام بأن كان مفرد أو جملة غير مستقلة كجملة الحال والصفة، ومثال التتميم قوله تعالى ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ 606
-
"
604 ـ المائدة جزء من 54 - الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) 605 - ينظر الشروح 3: 236 قال: ( ... فرق في اللغة بين التكميل والتتميم وهما شيء واحد، والثاني أن هذا قريب من الإيغال أو هو هو على أنه يمكن أن يقال فرق بين التكميل والتتميم لغة؛ فالتكميل استيعاب الأجزاء التي لا توجد الماهية المركبة إلا بها والتتميم قد يكون بما وراء الأجزاء من زيادات يتأكد بها ذلك الشيء الكامل.)
606 - الإنسان جزء من 8 - الآية الكريمة) ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)
407 (1/423)
صفحة 424
والنكتة فيه المبالغة، وذلك إذا أردنا الضمير في حبه للطعام لأن المقصود حينئذ مدحهم على السخاء بإطعام الطعام وهو متحقق مع حبهم واحتياجهم للطعام وبدونهما لكنه معها أبلغ، وإن جعلنا الضمير الله تعالى فهو لتأدية أصل المراد، لأنّ المعنى يطعمون لأجل الله، وهذا نفس المراد إذ لا يحمد الإطعام ويستحق الثناء عليه إذا لم يكن الله، والله أعلم.
باب الإطناب بالاعتراض
أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محلّ لها من وهو الإعراب لنكتة سوى دفع الإبهام، ومرادي باتصال الكلامين معنى أن يكونا متناسقين أو يكون الثاني بدلا أو تأكيدا، أو معطوفا عطف نسق البيان بالجمل، أو يكون الثاني جملة، أو نحو ذلك، كقوله تعالى رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) إلى قوله (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) فإنّه معطوف
607
على ربِّ إنّي وضعتها أنثى وجملة النعت المقطوع مما يتصل معنى بالجملة السابقة، وكذا جواب السؤال الناشئ من الجملة السابقة. وذكر بعض أنّ الاعتراض يشمل بعض صور التذييل والتذييل اعتبر فيه أن يكون للتأكيد، وصرّح ابن قاسم أن التأكيد غير دفع الإبهام، وذكر ابن هاشم أن أن من فوائد الاعتراض التقوية، قال عصام الدين ينتقض التعريف بمعطوف لا محلّ له من الإعراب بين المعطوف والمعطوف عليه نحو قوله تعالى الذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا 108 فقوله "يؤمنون" جملة لا محلّ لها من الإعراب وقعت بين جملتين متصلتين أنهما اعتراضية، كما لا ريبة فيه، قلت: لا نسلم ذلك بل جملة يؤمنون متصلة أيضا معنى بقوله يسبحون بحمد الله
نكت الاعتراض التنزيه كقوله وَيَجْعَلُونَ لله الْبَنَات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ 609 ومن فسبحانه و ناصبه وفاعل ناصبه معترضة بين المنطوق عليه وهو لفظ الجلالة ولفظ البنات.
607 ـ قال تعالى في سورة آل عمران الآية 36 فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ) غافر جزء من 7 - الآية الكريمة الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلِّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)
608
408
- النحل 57
609 (1/424)
صفحة 425
والمعطوف وهو لهم وما يشتهون عطف معمولين على معمولي عامل واحد؛ كأنه قيل: ويجعلون لهم ما يشتهون، ولا يقال: كيف صح العامل وهو يجعل المحذوف في ضميرين لواحد وهما (الواو) و (هاء) " لهم"، لأنا نقول: ليس "هاء" لهم معمولة ليجعل بل معمولة لفعل الاستقرار أو وصفه والجعل متعد لاثنين بمعنى التصيير فـ (هاء) لهم معمولة لمعمول ذلك العامل، لأن فعل الاستقرار
أن
أو وصفه معمول للجعل، وإن جعلنا الجعل بمعنى الاعتقاد ففيه هذا الجواب أيضا وزيادة هي فعل القلب يجوز عمله في ضميرين، لواحد، وإن جعلنا الجعل متعديا لواحد فالجواب أنه يجوز
71.
عمل العامل في ضميرين لواحد إذا عمل في أحدهما بواسطة الجار، نحو وَاضْهُمْ إِلَيْكَ 610
611
و وَهُزِّي إِلَيْكَ ومن نكت الاعتراض الدعاء كقول عوف الشيباني يشكو ضعفه: [من السريع]
إِنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلْغَتَها
قدْ احْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تُرْجُمَانِ
612
فجملة وبلغتها معترضة و (الواو) واو الاعتراض ونكته الاعتراض الدعاء لمخاطبه بطول العمر حتى يبلغ الثمانين ويجاوزها، وذلك دعاء بالخير، فالدعاء بالثمانين ظاهر والدعاء بمجاوزنها دلّ عليه المقام، وكونه قد جاوزها وهو أراد مماثلة المخاطب له في طول العمر، وكونه لا يحسن
610 ـ القصص جزء من 32 - الآية الكريمة (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْغَيْرِ سُوءٍ وَاضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَايْهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)
-
611
612
مرين جزء من 25 - الآية الكريمة (وَهُزِّي إِلَيْك بجذع النَّخْلَةِ تُسَاقِطُ عَلَيْكَ رُطَبَاً جَنيا
- ينظر الشروح 3:239 – هذا بيت من قصيدة قالها عوف بن محلم الشيباني يشكو ضعفه قالها لعبد الله ابن طاهر وكان قد دخل عليه فسلم عليه عد الله فلم يسمع، فأعلم بذلك فدنا منه وأنشده:
يا ابن الذي دنا له المشرقان طرا وقد دان
المغربان
قَدْ احْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تُرْجُمَان
وبدلتنـ
بال شطاط از
نا وكنت كالصعدة تحت السنان
وأنشأت بيني وبين الـ
وري
سحابة ليست كنسج
العنان
ولم تدع في لمـ أدعوا بـ
الله وأثـ
إلا لساني وبحي لاني
الهجان
على الأمير المصعى الهجـ
409 (1/425)
صفحة 426
أن
يريد الدعاء بالبلوغ لها والموت على، تمامها، ولا يقال ذلك يوهم الدعاء عليه بالصمم والحاجة إلى ترجمان لأني أقول: إنما دعا له بمجرد بلوغ الثمانين، وليس كل من بلغها يلحقه الصمم والحاجة للترجمان، ولعله أراد أن يبلغها صحيحا سالما، ولأنا نقول الغبطة في طول العمر يفتقر معها ذلك الضعف لعدم إمكانه إلا به، ولم أجعل الجملة حالا و (الواو) حالية أن الحال لا يجيء من المبتدإ إلا عند سيبويه إذا لم يدخل عليه مقيّد ولم يكن اسم إشارة، ولأن الجملة دعائية فهي إنشاء، و لم يصح تقدير القول لأنه إذا قدر فالمانع الأول موجود ولا يقال: حال مقدمة لأنّ جملة لا تقدم على صاحبها وعاملها وقد تلتبس واو الاعتراض بواو الحال فلا يعين أحدهما إلا القصد، فإنّ قصد كون الجملة قيدا للعامل فحالية وإلا فاعتراضية فيحتملها قوله تعالى {ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ * (613 فإن قدر أن المعنى حال كونكم العبارة في غير محلها فحال وإن قدّر وأنتم قوم عادتكم الإعراض والظلم على أنها
ظالمين بوضع تقرير لظلمهم مستأنف و لم يقصد التقييد والتوقيت فمعترضة.
ومن نكت الاعتراض التنبيه كقوله: [من السريع]
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفُعُهُ
أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلِّ مَا قُدِّرَ:
718
وقوله فعلم المرء معترض للتنبيه و (الفاء) اعتراضية والذي أرجحه أن تكون (الفاء) للتعليل وليست الجملة اعتراضية، أي واعلم، لأنّ علم المرء ينفعه وعلى كل حال أن سوف ... الخ مفعول لأعلم أي أنه والضمير للشأن وذلك مذهب الجمهور، وأجاز سيبويه تقدير ضمير غير الشأن في قوله تعالى يَا إِبْرَاهِيمُ) 615 أي إنك يا إبراهيم، وعلى الاعتراض فوجه التنبيه (أن المقدور يأتي البتة، وإن وقع فيه تأخير فهذا تسهيل للأمر وتسلية، والقدر يسهل الصبر والتفويض وترك منازعة الأقدار.
ضمير
-
البقرة 51 وجزء من 52 - الآيتان الكريمتان (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *)
614
-
- ينظر الشروح 241/ 3 - هذا البيت أنشده أبو على الفارسي من دون أن ينسبه لأحد. 615 ـ الصافات جزء من 104 - الآية الكريمة (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) (1/426)
صفحة 427
والاعتراض يباين التتميم بأنّ التتميم إنّما يكون بفضلة، والفضلة لا بد لها من الإعراب،
والاعتراض لا محلّ له من الإعراب؛ فهذا تباين في اللوازم ويؤذن بالتباين في الملزومات. ويباين الاعتراض التكميل لأنّ التكميل إنما يكون لدفع إيهام المقصود، والاعتراض لا يكون لدفعه. ويباين الإيغال؛ بأنّ الإيغال لا يكون إلا في آخر الكلام لكنه يشمل بعض صور التذييل، وهذا البعض هو ما تكون الجملة فيه بلا محلّ وقعت بين جملتين للتأكيد معنى لأنه كما لم يشترط في التذييل أن يكون بين كلامين لم يشترط فيه أن لا يكون بين كلامين متصلين، فبين الاعتراض والتذييل عموم وخصوص من وجه، وكذا بين الاعتراض وبين الإيضاح والتكرير. والكلام الذي يختصه الإيغال لا بد أن يرتبط بما بعده ارتباط كلامي الاعتراض، وإن قلت: رفع الإيهام توكيد وقد اشترط في الاعتراض أن يكون لدفع الإيهام وفي التذييل أن يكون للتأكيد، قلت: وقد علمت أن التأكيد غير دفع الإيهام، لأنّ التأكيد يقتضي كون الجملة الثانية متضمنة لمعنى الأولى، وما كذلك دفع الإيهام على أن التأكيد أعمّ من دفع الإيهام لحصوله مع وكفى هذا في صحة كونه أعمّ إذ لا يلزم من نفي دفع الإيهام نفي التأكيد مطلقا، والتتميم أعم من الإيغال من جهة أنه لا يجب أن يكون في آخر الكلام، وأخص منه من جهة أنه لا يجب أن يكون فضلة، وإنّما يكون لنكتة سوى الدفع، ويباين التكميل والتذييل إن اشترط أن لا يكون لهما محلّ، قال القزويني ": ومن الاعتراض بجملتين بين كلامين قوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) معنى له أن الله يحب التوابين ويحبّ
617
غيره،
"
المتطهرين جملتان معترضتان بين كلامين متصلين معنى؛ إحداهما " فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ والأخرى " نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ "، ولعله أراد أن قوله: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ " جملة، وقوله " وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " جملة أخرى على أن تعطف هذا على جملة إن واسمها وخبرها عطف فعلية على اسمية. ووجه آخر أن يقدَّر المبتدأ أو اسم إن؛ أي: والله يحب المتطهرين، فتعطف الاسمية على الاسمية؛ برفع لفظ الجلالة المقدر أو نصبه، وإما أن يعطف "يحب المتطهرين "على خبر
616
-
-
- ينظر الإيضاح 207
"إن"
617 البقرة جزء من 222 - الآية الكريمة ويَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
11
411 (1/427)
صفحة 428
فلا يظهر مثالا، إذ لأن هناك جملة واحدة الخبر فيها جملتان بالعطف لا جملتان لا محل لهما فالاعتراض بجملة واحدة لكن لا مانع من أن يريد القزويني مطلق الجملتين فصاعدا سواء لم يكن لهما محل، أو لم يكن للأولى وكان للثانية فيصح التمثيل ولو عطفت الثانية على خبر إن، وعلى كل حال فالحكمة في الاعتراض الترغيب فيما أمروا به والتنفير فيما نهوا عنه.
ومن نكت الاعتراض الاستعطاف والمطابقة كقول أبي الطيب [من الكامل] وَخُفُوقُ قَلْبٍ لَوْ رَأيتِ لَهِيبَه
يا جَنِّي لَرَأَيْتِ فِيهِ جَهَنَّمَا
618
"فيا جنتي" اعتراض بين الشرط والجواب للمطابقة بين الجنة وجهنم ولاستعطاف محبوبه بالإضافة إليه، وسماه جنة ليرق له فينجيه من جهنم التي في فؤاده بالوصال، وأجاز قوم أن تكون نكتة الاعتراض دفع إيهام خلاف المقصود، وافترق القوم المجيزون لهذا فرقتين: الفرقة الأولى: أجازوا وقوع الاعتراض آخر أو قبل جملة لا يتصل معناها بالجملة السابقة، وهذا ذكره الزمخشري في كشافه؛ فالاعتراض عندهم أن يؤتى في أثناء الكلام أو في آخره، أو بين كلامين متصلين أو غير متصلين بجملة فصاعدا لا محلّ لها من الإعراب لنكتة سواء كانت دفع الإيهام أو غيره، فيشمل الاعتراض على هذا التفسير التذييل بجميع صوره لأنه يكون بجملة لا محلّ لها من الإعراب، وبعض صور الإيغال وهو ما يكون بجملة لا محلّ لها من الإعراب، وبعض صور التكميل وهذا البعض هو ما يكون بجملة لا محلّ لها؛ فإن التكميل يكون بجملة وبغير جملة، والجملة التكميلية قد تكون ذات إعراب وقد لا تكون، فبين الاعتراض على هذا والتكميل عموم من وجه يجتمعان فيما يكون بجملة لا محل لها، وينفرد الاعتراض بما يكون لغير دفع الإيهام من الجمل والتكميل بغير الجمل وبما لها محلّ. وأما النسبة بينة على هذا والتتميم فالتباين، لأن التتميم بفضلة والفضلة لا بد لها من الإعراب وقيل لأنه لا يشترط في التتميم أن يكون جملة، وهو غلط؛ لأن عدم الاشتراط لا يستلزم اشتراط العدم، وغاية أمره أنه موجب التغاير في المفهوم وهو لا يمنع التضاد، وفي الإفراد الذي هو المراد، كما أنّ قولك: " الإنسان يباين الحيوان " لأنه
618 ورد البيت في الديوان 4 28 برواية لَظَنَنتِ مكان لَرَأَيْتِ - قال هذه القصيدة في صباه يمدح إنسانا وأراد أن يستكشفه عن مذهبه.
412 (1/428)
صفحة 429
لم يشترط في الحيوان النطق غلط، وأما بين الاعتراض على هذا، أو بين الإيغال فالعموم من وجه، وكذا بينه وبين الإيضاح والتكرير.
الفرقة الثانية أجازوا الاعتراض بغير جملة، يشمل بعض صور التتميم وبعض صور التكميل وبعض صور التذييل، وهو ما يكون منهنّ في أثناء الكلام أو بين الكلامين المتصلين؛ فبينه وبينهن عموم من وجه لاجتماعه معهن فيما ذكر وانفرادهما يكون آخر، وهو جملة لدفع الإيهام بالنسبة للتكميل، أو فضلة بالنسبة للتتميم. وأمّا بينه وبين الإيغال فالتباين وأما بينه وبين الإيضاح والتكرير فعموم من وجه، والله أعلم.
يجهله من يثبتهم،
لأن
ويكون الاعتراض بغير الإيضاح بعد الإبهام ونحوه تما مرّ كقوله تعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ " فقوله يؤمنون إطناب لإظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه، ولو تركه لكان الكلام مساواة وإنّما كان ذكره إطنابا، لأن إيمان الملائكة لا تسبيحهم وحمدهم يدلان على إيمانهم به تعالى، وإن قلت: ذكر تسبيحهم وحمدهم أيضا إطنابا مظهرا لشرف التسبيح والحمد، لأن إيمانهم وحمدهم لا يجهله من يثبتهم، قلت لا إذ يجوز أن تكون عبادتهم غير التسبيح والحمد، والله أعلم. وليس قوله يؤمنون به إيضاحا بعد إبهام، ولا تكريرا كما هو واضح ولا إيغالا إذ ليس ختما للشعر ولا للكلام لأنّ يستغفرون معطوف على ما قبله، ولا تذييلا لعدم اشتماله على معنى ما قبله بل لازم له؛ وذكر اللازم بعد الملزوم إطناب إذا ظهرت النكتة، ولا تكميلا لأنه ليس لدفع الإيهام، ولا تتميما لأنه ليس فضلة. وأمّا أنه ليس من الاعتراض فمشكل إذا بنينا على ما تقرر من أن جملة الاتصال بين الكلامين أن يكون الثاني معطوفا على الأوّل، ولا شك أن جملة" يستغفرون" معطوفة على يسبحون، إلا إن قلنا (واو) قوله: "ويؤمنون" اعتراضية لا عاطفة، وذلك ممكن ولو كان الأصل العطف تأمل، والله أعلم.
واعلم أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو لذلك الكلام في أصل المعنى، وهذا الإيجاز قد يكون إيجازا بالتفسير السابق، وقد
619 - غافر جزء من 7 - الآية الكريمة (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلِّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحَحِيمِ
413 (1/429)
صفحة 430
يكون إطنابا، وقد يكون مساواة. وكذا هذا الإطناب ولا يوصف بالمساواة بهذا الاعتبار؛ إذ ليست المساواة بهذا الاعتبار مما يدعو إليه المقام بخلاف الإيجاز والإطناب، قال أبو تمام [من
الطويل]
يَصُدُّ عَنِ الدُّنيا إذا عَنَّ سُوْدُدٌ
ولَوْ بَرَزَتْ فِي زِي عَدْرَاء ناهد 120
في النصف الأول إيجاز وفي الثاني إطناب، يصد يعرض، وعن ظهر والسؤدد بضم (السين)
السيادة وهي أيضا من الدنيا، ويجوز أن يريد من الآخرة والأول أظهر، وقال أبو الحسن الكاتب:
وَلَسْتُ بِنَظَارٍ إِلَى جَانِبِ الْغَنَى
إِذَا كَانَتِ الْعَلْيَاءُ فِي جَانِبِ الْفَقْرِ
621
بضم (تاء) لست بدليل قوله قبله:
وَإِنِّي لَصَّبَّارٌ عَلَى مَا يَنُوبُنِي
وَ حَسْبُكَ أَنَّ اللَّهُ أَثْنَى عَلَى الصَّبْرِ
يصف نفسه بالميل إلى المعالي؛ يعني أن السيادة مع التعب أحب إلي من الراحة مع الخمول، فأراد بالغنى [المال] وهو الراحة [وبالفقر مسبّبه وهو التعب، ويجوز البقاء عند الظاهر بل هو، أو قوله "ولست بنظار " (البيت) إطناب. بالنسبة إلى قول أبي تمام يصدّ عن الدنيا إذا سودد وهذا الشطر إيجاز بالنسبة إلى قوله: " ولست بنظار، وقد ساوى ذلك الشطر هذا البيت في أصل المعنى، والصدّ عن الدنيا ولو تمكن منها والمراد بالدنيا: المال أي لا يمسك المال إذا كان السؤدد وهو العلياء في عدم إمساكه بل ينفقه في السؤدد، وإن لم ينفقه وكان السؤدد في عدم قبضته ممن يعطيه أقام على عدم قبضته هذا ما ظهر لي فلا يقال: إن الشطر يفهم الدنيا إذا ظهر سؤدد، ولو في جانب الغنى يكون منظوره السؤدد دون ما صاحبه من الغنى إذ لا يقيد فيه ظهور السؤدد بجانب الفقر، بخلاف البيت ومعنى نظار صاحب نظرا والمبالغة راجعة
إلى النفي.
الصد
ويقرب من الإيجاز والإطناب بالاعتبار المذكور قوله تعالى لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ مع قول الحماسي: [أي قول السموأل]: [من الطويل]
يُسْأَلُونَ
622
620 ـ الديوان. شرح الخطيب التبريزي. تح: محمد عبده عزام. دار المعارف بمصر. ط 1983/ 4. ج 4 ص 73
621
- هذا البيت نسب في المثل السائر 250:3 والشروح 253:2 للمعذل
بن غيلان
عن
وَهُمْ
622 - الأنبياء.
23
414 (1/430)
صفحة 431
وتُنْكِرُ إِنْ شِئْنَا على الناس قوْلَهُمْ
ولا يُنكِرُونَ القَولَ حِينَ نَقول فالآية إيجاز بالنسبة إلى البيت وأراد بقولهم كل ما قالوه وبالقول الجنس الصادق، وبالواحد كما يقتضيه المقام أي لو شئنا لغيرنا على الناس كل قول قالوه، ولا يقدرون أن يغيروا علينا ولو قولا واحدا، ولا يتعيّن ذلك لجواز أن يكون ما يفعل في الآية واقعا على القول والفعل جميعا، والبيت مختص بالقول؛ فالكلامان لا يتساويان في أصل المعنى، بل كلام الله لا أجل
وأعلى.
والصلاة والسلام على خاتم النبيين وجميعهم وآله وصحبه
وختم
الله بالسعادة لي ولوالدي وأئمتنا وجميع المسلمين
سبحان ربك رب العزة عمّا
يصفون وسلام
على المرسلين والحمد
لله رب
العالمين.
*****
810
- ينظر الصناعتين 457) باب السلب والإيجاب)
-
623 (1/431)
صفحة 432
الأنبياء صلوات الله عليهم
فهرس الأعلام
413 - 348 - 15 - 3462 - 27
27
48 - 317
318 - 317 - 48
314 - 155 – 104
53 - 133
- 21 - 2353 - 148 - 133 - 131 – 84 - 99 - 125 - 1
-
-
- 3 - 34838 - 337 - 314 - 292 - 22 - 284 - 8571
-
365
27
224 - 394 - 122 - 10 •
-27
الأعلام الآخرون
238
182 - 3
232 - 123 - 13
205
1
330 - 403 - 320 - 182 - 181 - 2
416
135
إبراهيم
إسحاق
زكرياء
سليمان
شعيب
عيسي
محمد
يعقوب
يوسف
أبي بن سلمي الضبي
ابن الأثير
الأخفش
الأعشى
امحمد اطفيش
امرئ القيس
أوس بن حجر (1/432)
صفحة 433
21
257 - 260 - 261
377
135
279
07
354 - 353 - 335 - 239 - 17
198
39 - 40 -
351 - 382
177 - 108 - 103
268 - 199 - 197
377 - 13
109 - 98
209 - 201 - 197 - 29
200
-
- 149 - 237 - 238 - 239 - 144 - 111 - 09
268 - 296 - 358 - 390 - 394
184
390 - 192 - 191
153
16 - 17
417
121
أبو بكر اليتيم
البحتري
بشار
بشر بن أبي حازم الأسدي
أبو البقاء
تمامه البراء بن عازب
الأنصاري
أبو تمام
ثروان بن فزارة العامري:
الجاحظ
جذيمة
جرير
ابن جماعة
ابن جني
أبو جهل
الجوهري
الحاتمي ابن الحاجب
حبيب النجار
الحجاج
ابن
حرب بن أمية
الحريري (1/433)
صفحة 434
253
396
377 - 332 - 317 - 201 - 197 - 164
198
3 - 4
332 - 13 - 152 - 12
-
248 - 402
389
9
371 - 201
199
174
- 310 - 292 - 2 - 24621 - 220 - 145 - 113
-
374
378 - 107
382
183 - 182 - 180 – 179 – 141 - 59 - 13 - 8
- 24 - 2607 - 210
-
201
-
- 197 - 189
378 - 412 - 280 - 279
38
9
41
418
حسان
أبو حنيفة
أبو حيان
خداش بن زهير
الخلخالي
الخليل
الخنساء
داود الظاهري
ابن دريد
الدماميني
الدمنهوري
رؤبة بن العجاج
ابن الراوندي
الرضي
ابن الرومي
الزباء الزمخشري
الزوزني
زيد بن أرقم
سريج
سعد الدين التفتازاني (1/434)
صفحة 435
414
302 - 287 - 27 - 74 - 206 - 245 - 17 - 12
-
- 332 - 374 - 323
السموأل
سيبويه
السيد (الشريف الجرجاني (41 - 46 - 05 - 106 - 114 - 122 - 141 -
- 217 - 210 - 209 - 197 - 184 - 110 - 108
- 2 - 234 - 246 - 247 - 248 - 28229 - 221
-
331 - 320 - 299 - 290 - 292 - 280 - 283
334 - 343 - 392 - 394
9
337 - 200
383 - 7
400
-
265 - 382 - 188 - 187
61
21
-194 - 193 - 160 - 149 - 134 - 121 - 61
-2 - 26131 - 229 228 - 218 - 212 - 209 - 203
316 - 339
69
202
218
24 - 25
287 - 324 - 201
2 - 24930 - 222 - 220 - 193 - 148
- Yo - 90 - 09 - 0
•
87 - 20 - 11 - 18 - 1~
419
ابن سيده
السيرافي
سيف الدولة
السيوطي
الشنواني
الصاحب بن عباد
الصبان
الصلتان العبدي
ضابئ بن الحارث البجرمي
طريف بن تميم
عباس بن الأحنف
ابن عباس
عبد الحكيم
عبد القاهر الجرجاني (1/435)
صفحة 436
- T 10 - 197 - 177 - 17.-109 - 101 - 91
بن أبي بن سلول عبد الله
بن دمينة الخثعمي
عبد
الله
عبدة بن يزيد الطبيب
أبو عبيدة
412
-
247 - 260 - 276 - 285 - 378 - 220
38
177
1.0
97 - 26 - 28 - 44 - 82 - 85 - 12 - 11
-
1440 119 - 114 - 113 - 102
-197 - 107
- 22 - 2343 - 212 - 210
199 - 190 - 176
-276
273 - 274 - 271
-
250 264
- 308 - 293 - 292 - 2283 - 85 - 282 - 277
-
- 320 - 345 - 346 - 349 - 315 314 313
-
392 - 382 - 379 - 367 - 360 - 354 - 351
404 - 405 - 407
-
-
402 401 40 - 396
302 237 - 172
233 - 187 - 102 - 20
193
239
117
420
العجاج
عدي بن زيد العبادي
عروة بن الورد عصام الدين
ابن عصفور
أبو العلاء المعري
أبو علقمة عيسى بن عمر
النحوي
عمرو بن الجموح
ابو عمرو بن العلاء
عميرة بن جابر الحنفي (1/436)
صفحة 437
305 - 144
182
75 - 248
- 177 - 108 - 105 - 104 - 103 - 23 - 22
378 - 288
369
373 - 277 - 61 - 62
-229 - 218 - 217 - 207 - 151 - 1562 - 0
261 - 310 - 320 - 408
-
09
-101 - 10. - 1? ^ - 9 V-^^-77 - 7.
- 160 - 198 - 234 - 264 - 272 274 - 283
35 - 385 - 402 - 411 - 4122 - 290
199
98
66
229
02
-
-YAA YAY - 177 - 10. — 1? ^— 0.
-
14 - 13
300 - 332 - 303
412 - 393 - 382 - 230 - 168 - 27 - 7
421
254
10
257
عيسى الصفوي
الفارسي
الفخر الرازي
الفرزدق
الفند الزماني
الفنري
ابن قاسم
القزويني
القطامي قيس بن الملوح
الكسائي
كمال باشا زادة
الكندي أبو إسحاق
الفيلسوف
ابن مالك
المتنبي أبو الطيب
محمد بن وهيب الحميري
المرزوقي
المستعين بالله (1/437)
صفحة 438
16
192
257 - 261
Vo
166 - 246 - 73 - 68 - 11
219
39 - 40 - 38 - 37
385
Vo
372 - 394 - 230 - 210 - 209 - 181 - 13
422
4
323 - 239
المسعودي
بن جبل معاذ المعتز بالله
ابن المعذل
أبو النجم
النضر بن جؤية
النظام المعتزلي
بن النعمان
المنذر
أبو نواس
ابن هشام
ورش بن نافع
يونس بن حبيب (1/438)
صفحة 439
النصوص
ا افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جَنَّةٌ)
فهرس الآيات القرآنية
أنت قلت للناس الحدونِي وَأُمِّي الهَيْنِ مِنْ دُونِ الله)
ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي
اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ}
السور
الآيات
الصفحات
سيا
40
8
المائدة
321
116
الأعراف | 150
يس
127
403
21
دْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ)) الزخرف | 70 - 71 | 188
إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)
ادله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ)
أرأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)
أرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ
أَصْحَابُ الْأَخْدُودِ * النَّارِ)
423
الأعراف
النجم
المنافقون
المائدة
O
376
101
16
38
407
54
الفرقان
127
43
الأعراف 143
263
البروج
144
? - { (1/439)
صفحة 440
40
323
40
268
83
226
O
290
12
4
60
-110
2 - 1
342
320
322
1
357
357
320
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}
اعْمَلُوا مَا شَتُمْ)
أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ}
انا صفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالذِينَ
(أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ)
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ)
ألا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ)
المائدة
فصلت
الأنعام
الإسراء
آل
عمران
الزخرف
البقرة
أَلَمْ أَعْهَدٌ))
يس
الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ)
البقرة
الشرح
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)
أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقَ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ الأعراف 169
وَدَ رَسُوا ما فيه
321
36
الضحى
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَاوَى)
أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ الزمر
424 (1/440)
صفحة 441
373
214
405
يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}
أم. أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ
قَبْلِكُمْ
حسبتم
إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)
أمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِالْعَامِ)
أمْرًا) مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)
أهم ممن معك)
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنْ الْفُجَّارَ لَفِي حَحِيمٍ
البقرة
الإنسان
الشعراء
الدخان
هود
48
الانفطار 13
-132
356
102
الأعراف 194
102
60
203
11
133
32
Y
63
-224
77
394
110
2 - 1
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر
العاديات
الجاثية
طه
يوسف
الكوثر
425
) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ)
إن تظُنُّ إلا نا)
إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ
إِنْ يَسْرِفْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ)
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (1/441)
صفحة 442
356
142
03
14
إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}
إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ
أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}
لأنى لك هَذَا)
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى
انى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكَبَر)
النساء
پس
الفتح
110
2
1
البقرة
317
259
آل
317
37
عمران
الدخان
13 و 14 | 325
آل
373
40
عمران
323
28
293
هود
الأعراف 173
102
17
انلز مُكُمُوهَا
إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ العنكبوت 17
تعبدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا)
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ
الله فَمَنْ اضطر غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ البقرة
286
173
294
90
طه
426
إِنَّمَا فُتِتُمْ بِهِ (1/442)
صفحة 443
91
378
20
01
37
110
48 - 380
4
377
36
109
41
109
36
321
32
374
90
370
259
البقرة
الزمر
الفرقان
هود
إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ)
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي
الخمر والميسر
إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)
قُلْ يا أيها النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ
إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)
الأعراف
مريم
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)
البقرة
أهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)
الفرقان
أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ الهَتَكُمْ)
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)
أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ حَاوِيَةٌ)
الأنبياء
الزخرف
النساء
البقرة
427 (1/443)
صفحة 444
391
10
111 - 17
O
314
73
229
55
98
1
أَوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)
أولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
الحديد
البقرة
مريم
النمل
المسد
أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}
ثبت يدا أبي لهب وتب)
ثُمَّ أَتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ) البقرة
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلوهُ)
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)
جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للنَّاسِ)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ)
حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)
ذلك أمر
- 01
02
المؤمنون
? ?
الحاقة
البقرة
البقرة
المائدة
المائدة
ص
الطلاق
02
266
31
183
64
183
02
141
97 (1/444)
صفحة 445
404
-
-11.
-244
-253
342
17
195
103
152
260
112
35 - 36
110
191
ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)
سبأ
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ
البقرة
ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ)
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)
هود
البقرة
قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا آل فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي عمران
سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ
آل
عمران
الزخرف 13
13
191
البقرة
211
الأنعام
117
73
183
2 - 1
23
عبس
البقرة
ربَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطلًا)
سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُمُ الْيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيْنَة)
عالم الغيب والشهادة
*
عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى *
(قَالُوا) أتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
429 (1/445)
صفحة 446
-227
-233
328
316
223
411
222
204
47
359
34
225
131
137
13
173
97
132
279
127
394
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)
البقرة
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
البقرة
الْمُتَطَهِّرِينَ
فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاً رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى)
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)
طه
الأعراف
فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطِيرُوا يمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا الأعراف
يَعْلَمُون
فإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ)
الحاقة
فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا}
الأنبياء
البقرة
الأعراف 105
- 45
46
يوسف
430
فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)
فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ)
فَأَرْسِلُونِي يُوسُفُ) (1/446)
صفحة 447
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
)
الضحى
فإن امنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدُوا)
البقرة
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)
البقرة
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان)
الرحمن
ذلِكُنَّ الَّذِي لمتني)
فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ
فصبر جميل
فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةِ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)
فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)
فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ)
(فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضِ)
فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)
فَلَا تَجْعَلُوا لله أَندَادًا
فاللهُ هُوَ الْوَلِي)
431
يوسف
يونس
يوسف
البقرة
طه
النساء
طه
البقرة
البقرة
الشورى
265
9
228
137
306
24
402
13
208
32
392
372
89
207 83 - 81
8.1
196
101
78
76
14 (1/447)
صفحة 448
329
166
259
149
74
16
78
351
393
352
354
فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) الأعراف
الأنعام
البقرة
الذاريات 48
393
60
373
174
380
224
33
377
24
338
10 - 14
فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}
فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ
فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ}
وهُوَ الْأَوَّلُ وَالاخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد
فَانفَجَرَتْ
البقرة
آل
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)
عمران
فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَّة))
القارعة
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)
الآية
قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)
مريم
قَالَ رَبِّ السِّحْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصرف عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ
قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومناع إلى حين)
يوسف
الأعراف
قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} البقرة
432 (1/448)
صفحة 449
قالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}
قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ
قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا
يس
هود
طه
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتَنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلُ مَا أمره ليسحن وليكون من
الصَّاغِرِينَ
يوسف
قالُوا ما أتم إلا بشر مثلنا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنتم بس
إِلا تَكْذِبُونَ}
نا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)
يس
53
17
348
312
49
- Y.A
-224
32
397
03
15
01
14
أَنشَأَهَا
قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيبها الذي انتاها
أَوَّلَ مَرَّةٍ
يس
قُلْ الذَّكَرَيْنِ حُرِّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنعام
الاثنين
قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إلى أمَرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ
قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)
الأنعام
78
209
79
322
143
14
الزخرف 81
إبراهيم
30
??
321
227
328
433 (1/449)
صفحة 450
257
-10
- 173
178
110
الإسراء
الإسراء
الزمر
الإخلاص 1
396
21
2.1
012
127
233
- 11.
2
-253
341
252
47
378
120
33
محمد
قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا
قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ عَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّي)
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
قل هو الله أحدٌ)
وكذلك يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)
كَلَا إِذَا دَكَّتِ الْأَرْضُ دَكَا دَكَاً)
الفجر
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ)
التكاثر
لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا)
البقرة
البقرة
الصافات
الرعد
الأحزاب 52
الأنبياء
414
23
434
لا ريب فيه)
لا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ)
لا معقب لحكمه
لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)
لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (1/450)
صفحة 451
لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ
اللهُ الصَّمَدُ
ليُحقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ | يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمْ
الْمُفْلِحُونَ
الذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِـ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)
لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ ديني)
الحديد
392
10
الإخلاص / 2
الأنفال
الأعراف 92
البقرة
غافر
الكافرون
178
392
104
92
4 - 3 - 0
111
408
253
6
78
28
-237
22
240
359
240
<
فصلت
لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْد
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الأنبياء
عَمَّا يَصفُونَ
لوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ
لوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنْ الْأَمْرِ لَعَنتُمْ)
ليقولن الله
الأنعام
الحجرات
لقمان
-209
210
25
435 (1/451)
صفحة 452
40
334
263
26
31
353
23
141
16
191
-352
353
305
1
334
الطلاق
اليمن ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَته)
التوبة
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ
الأحزاب
ما تعبدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)
نظر ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
الزمر
الضحى
غافر
الحشر
إبراهيم
مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ)
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ
المتكبرة
من ماء صديد)
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةُ أُخْرَى) طه
هو الأول والاسرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد
الإنسان
الشورى | 9
100 - ^^
18
110
13
طه
يوسف
436
هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان
هوَ الْوَلِيُّ)
هي عصايم
وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّنْبُ) (1/452)
صفحة 453
72
2
356
83
314
73
391
45
ه وأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا}
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلا مِنَكُمْ وَأَنتُمْ
معْرِضُونَ
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتِ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيَّا)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ}
الزلزلة
البقرة
مريم
يس
البقرة
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ فصلت صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
وأمرنا المسلم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)
وَإِن الدِّينَ لَوَاقِع
الأنعام
البقرة
النساء
الذاريات / 6
290
11
265
17
184
72 - 71
44
184
289
190
437 (1/453)
صفحة 454
-1. ^
-227
23
232
-131
-388
4
188
71
-99 - 07
-182
-266
268
178
100
318
20
369
22
128
103
396
23
10
23
130
72
وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ
البقرة
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ فاطر
الزخرف
الفاتحة
الإسراء
الأمور
وأنتم فيها خالدون)
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
)
وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ)
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ) النمل
الكهف
وثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يا موسى إِنْ الْمَلَا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ اخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ القصص)
وَجِيء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وأَنَّى لَهُ
الفجر
الذكرى
يوسف
التوبة
438
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِه)
(وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ) (1/454)
صفحة 455
-2.2
81
405
389
82
394
26
1
209
79 - 78
409
32
-188
240
الإسراء
يوسف
الشمس
وزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)
وَاسأَلِ الْقَرْيَةَ
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَاهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) *
وَاضْهُمْ إِلَيْكَ)
وَاعْلَمُوا أَنْ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ
?
القصص
لَعَتُمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّة الحجرات 7 إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)
128
Y
266
402
39 - 38
404
81
390
79
-229
12
231
البقرة
وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذه الْحَيَاةُ الدُّنْيا)
غافر
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنْ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) الإسراء
وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلكُ يَأْخُذُ كُلِّ سَفِينَة غَصْبًا
الكهف
التحريم
وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ) (1/455)
صفحة 456
188
68
وَكَرَّةَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) الحجرات 7
الشعراء
121
1.0
370
33
385
43
209 - 70
38
266
101
266
07
131
45
117
3 - 2 - 1
-258
262
وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ)
النساء
ولا تكن للخائنين خصيماً)
وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً)
النور
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثر)
المدثر
ولا يُحيل الْمَكْرُ التَّى إِلَّا بِأَهْلِهِ)
فاطر
النساء
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
وَالْأَرْضَ فَرَشَنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)
الذاريات
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}
الزمر
آل
وَلَئِنْ مُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)
وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
عمران
البقرة
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)
النور
العصر
يونس
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي حُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *)
وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)
440 (1/456)
صفحة 457
235
10
102
324
31 - 30
387
179
373
20
126
30
336
233
93
12
242
27
391
188
39
348
03
100
هه
91
17
الزمر
البقرة
الدخان
البقرة
مريم
النحل
البقرة
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ ملُكَ وَتَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَ ه أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ)
السجدة
الأنعام
وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) الروم
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنْ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) يوسف
وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)
هود
الأنفال
441 (1/457)
صفحة 458
346
114
391
373
84
183
22
-137
38
384
183
-229
12
231
385
54
127
50
195
68
409
20
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ)
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلهِ مِيرَاتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ)
التوبة
الحديد
المائدة
يس
الأنعام
عبس
التحريم
JT
عمران
القصص
ومالي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَحْنَا
فِيه فيه من
رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ)
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ)
وَمَنْ أَضَلُ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ)
) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ الزمر إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)
مريم
442
وَهُزِّي إِلَيْكَ (1/458)
صفحة 459
408
407
103
87
410
1.8
90
90
356
31
67 - 79
74
71
72
192
189
350
-
وَيَجْعَلُونَ لله البَنَات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ
النحل
ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه)
الإنسان
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي النمل الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)
الصافات
يا إبراهيم)
يا أيها الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ)
الانفطار
(يا أيها الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ)
الانشقاق
الأعراف
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا
تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا)
يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ)
يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا
يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)
يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ)
يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا
غافر
القصص | 4
الأعراف 27
البقرة
النور
النساء
36
2
176
443 (1/459)
صفحة 460
وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثلثان ممَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فللذكر مثل خط الانتين بين الله لَكُمْ أَن تَضِلُّوا فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ
وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
يَوْمِ الْحِسَابِ)
ص
16
67
فهرس الأحاديث النبوية
نص الحديث
" إِنَّ اللَّه صَدَّقَكَ " قاله مخاطبا زيد بن أرقم
" إنما يأكل آل محمد من هذا المال"
الصفحة
39
293
" الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" | 27
"هل تزوجت بكرا أم ثيبا"
فهرس القوافي
أول الصدر أول العجز
القافية
الوزن
الشاعر
الصفحة
وَمُهمه
كَانَ
سَمَاؤُهُ
الرجز
رؤبة بن
199
العجاج
مبارك
كريم
النِّسَب
المتقارب
المتنبي
V
ألا ليت
زهيرا
جانب
الطويل
وما مثله
أبو أمه
يُقاربة
الطويل
الفرزدق
22
444 (1/460)
صفحة 461
4
0
129
186
202
306
335
373
383
400
403
405
28
181
211
أترجو
كما
الشباب
الوافر
كان الجاحظ
لقد كذبتك
خليع
الثياب
ينشد هذين
البيتين
له حاجب
وليس له
حاجب
الطويل
ابن أبي
السمط
طَحَا بك
تُكَلِّفُنِي لَيْلَى
وَعَادَتْ
مَنْ يَكُ
فإنَّي
بُعَيْدَ الشَّبَابِ مَشِيبُ وَخُطُوب الطويل
علقمة بن
عبدة العجلي
الطويل
ضابي بن
الحارث
البرجمي
سَأَغْسِل
على
جالبا
الطويل
--
أحاولت
أم استمت
مُؤدي
الطويل
أبو تمام
وَقَالَتْ لَهُ
وَحَذَرَتَا
وَلا فَضْلَ وصبر الفتى
يُثَقْب
الطويل
شعوب
الطويل
المتنبي
سَقَتْنِي
رقيب
الطويل
فَمَا زِلْتُ
وَشَمْسَين
كأن عُيون
وأرحلنا
يثقب
الطويل
امرؤ القيس
ولست
على شعث
المهذب؟
الطويل
النابغة
أَزْمَانٌ
أَغَرَّ
أَبْرَجًا
الرجز
العجاج
ومُقلَةٌ
وفا حما
سرجا
وظَلّت
عتاق
ملاح
الطويل
ابن المعتز
جَاءَ شقيق إِن بَنِي
رماح
السريع
حجل بن
نضلة
نَحْنُ اللذون يَوْمَ النَّخِيلِ
ليبك
ملْحاحا
الرجز
——
وَمُختبط
الطَّوَائِحُ
الطويل
ضرار بن
445 (1/461)
صفحة 462
نمشل
كريم متى
معي
وحدي
الطويل
أبو تمام
وتُسعدني
سبوح
شواهد
الطويل
المتنبي
وَالْمُؤْمِن
ركبات
والسند
البسيط
النابغة
17
27
142
ما إِنْ أَتيتُ إذا فلا
يدي
والذي
حيوان
جماد
الخفيف
أبو العلاء
تَطَاوَلَ
ونام
ترقد
المتقارب
امرؤ القيس
152
182
وبات
كليلة
الأرمد
وَذَلكَ
وخبرته
الأسود
إِذَا أَنْكَرَتْنِي خَرَجَتْ
سواد
الطويل
بشار
فَإِنِّي عَسَى
اللوابدُ
الطويل
الفرزدق
بني
وَالْعَيْسُ
النوك
كدا
الكامل
الحارث بن
377
378
381
المجزوء
حلزة
يصد جزى بنوه
ولَوْ بَرَزَتْ
ناهد
الطويل
أبو تمام
وحُسنِ
سنمار
البسيط
سلط
414
14
بن
"
السعد
وفير
وَلَيْسَ
قبر
الرجز
16 - 17
——
بشرا
فتري
الثرى
الكامل
أبو بكر اليتيم | 21
يا على
أنت
خياره
الخفيف
يرينا
يفوق
القمر
مجزوء الوافر أبو نواس
28
Yo
يزيدك
إذا
نظرا
وقيل ابن
المعذل
80
99
لا تَعْجَبُوا
قَدْ زُر
القمر
المنسرح
11
بالله
لبلاي
البشر
البسيط
مجنون ليلي
446 (1/462)
صفحة 463
صيانة
صيانة
الباري
البسيط
عبد الوهاب | 153
المالكي
بنيت
كان محاقا
الشهر
الطويل
163
كُمْ عَاقِلِ
وَجَاهل
وَقُرَى
الرجز
175
لَمَّا قَرَأْتُ نَحْنُ
المرا
فَإِنَّكَ
أَظَبْي
حمار
الوافر
--
198
ولا تَهَيَّبني إِذَا تَجَاوَبَتِ بِالسَّحَرِ
البسيط
ابن مقبل
202
ولَوْ طَارَ
لطَارَتْ
يطر
المتقارب
أبي بن سلمي 238
الضبي
يَزيدُكَ
إذا
نظرا
مجزوء الوافر أبو نواس
له همم
الده
همته
الطويل
حسان
75 - 243
254
له راحة
على البر
البحر
ثلاثة
شَمْسُ
وَالْقَمَرُ
البسيط
محمد بن
وهيب
فلم يبق
فَلَوْ شِئْتُ
تَفَكَّرًا
الطويل
أبو الحسين
-200
365
259
الجوهري
قال
فكل
بمقدار
البسيط
الأخطل
نصف
ورقيقة
يَدْرِي
الكامل
المسيب بن
340
370
علس
وإن صخراً
كانه
نار
البسيط
الخنساء
وَاعْلَمْ
أَنْ سَوْفَ
قدر
السريع
وَإِنِّي
وَحَسْبُكَ
الصبر
الطويل
أبو الحسن
402
{1.
414
إذا كانت
الفقر
الكاتب
لو يمسخ
ما كان
الجاحظ
الرجز
39
رجل
وهو القذى
ملاحظ
لَمَّا عَصَى
أَدَّى
بضاع
السريع
14
447 (1/463)
صفحة 464
28
68
177 - 108
135
135
حمامة
فأنت
ومسمع
الطويل
عبد الصمد
بن منصور
أُمُّ الْخيَارِ
جَزْبُ
عَلَيَّ
ميز
أَفْنَاهُ
الرجز
أبو النجم
فرع
اطلعي
أُولَئك
إذا جَمَعَتنا
المَجَامِعُ
الطويل
الفرزدق
إن الذي
والنجدة
جمعا
المنسرح
أوس بن
الْأَلْمَعِي
الظَّنَّ
سمعا
حجر أو
ايتها
وقعا
بشر ابن أبي
إِنَّ الَّذي
والنجدة
جمعا
حازم
الألْمَعِيَّ
الظَّنَّ
سمعا
الأسدي
والمخلف
يمتع
طبعا
والحافظ
لم يُرسلوا
ربعا
وازدحمت
بأقوام
جزعا
وعزت
أمْسَى
ملتفعا
و شبه
أقوام
فَرَعًا
وَكَانَت
الحسناء
سبعا
أوْدَى
شَيْءٍ
البدعا
نستي
يا لَهْفَ
جزعا
بشر بن أبي
03
أروع
سطعا
حازم
إِنَّ الَّذِي
وقعا
الأسدي
إن الذي
والنجدة
جمعا
والحافظ
لَمِ يُرْسِلُوا
ربعا
وهبت
أضحى
مُلْتَفعا
الحسناء
سبعا
عام
448 (1/464)
صفحة 465
قفي
ولايك
الْوَدَاعا
الوافر
القطامي
197
فَلَمَّا
وَصَارَتْ
الجداعًا
199
200
فالينا
تباعا
وقُلْنَا
لكي
اطلاعا
فلما
السياعا
أَمَرْتُ
وَنَحْنُ
تُسْتَطَاعَا
واستقبلت
فأرتي
معا
الكامل
المتنبي
خليفة
أحلك
تجتمع
البسيط
النميري
230
255
إن أخلف
أو ضاق
فيتسع
شجو
أنْ يَرَى
واع
الخفيف
البحتري
257
وَلَوْ شَئْتُ
عليه
اوسع
الطويل
أبو الهندام
259
الخزاعي
فإنك
وإن خلت
واسع
الطويل
النابغة
كم من
مهذب
منحرف
البسيط
385
176
وكم
كأنه
يغترف
هذا
في الخلق
ينكشف
زَعَمْتُمْ
لَهُمْ
الاف
الوافر
351
أولئك
وَقَدْ
وَخَافُوا
هواي
موثق
الطويل
هواي
موثق
الطويل
جعفر بن
عجبت
إلي
مغلق
علبة
48 - 124
124
125
ألمت
فلما
تزهق
يَزْدَادُ
کر
يَمَّحَقُ
البسيط
الأزهري
163
كُمْ عَاقِلِ
وَجَاهل
مَرْزُوقًا
البسيط
ابن الراوندي | 174
هذا
وصير
زنديقا
449 (1/465)
صفحة 466
نا اذا
وَمَا أَلُوكُ
ظلت
وَلَا يَأْلف لَكن يَمُرُّ
أطيق
الوافر
عروة بن
201
الورد
تستبق
البسيط
النضر بن
219
مُنْطَلق
جؤية
قفي
وَلَا تَحْرِمِينِي جَمَالك
الطويل
عبد الله بن
177
تَعَالَلْت
تُرِيدِينَ
بذلك
دمينة الخثعمي
فَإِنْ سَاءَني فَقَدْ سَرَّني
يبالك
فإن
مقرا
وإن
هَلْ يَزْجُرَتُكُمْ أَمْ لَيْسِ
دَعَاكَا
الوافر
179
سواكا
ألوك
الكامل
أبو العلاء
187
المعري
فَلمَّا
نَجَوْتُ
مالگا
المتقارب
عبد
الله
بن
372
همام السلولي
وَفَرْعٍ
أثيت
المتعثكل
الطويل
امرؤ القيس
2
غدائرها
تضل
وَمُرْسَل
الحمد لله
الواسع
المجزل
مجزوء
أبو النجم
11
الحمد لله
الواحد
الأول
البسيط
الحمد لله
أنت مليك
فاقبل
يا من
حتى
الخجل
مجزوء
أبو بكر اليتيم | 21
اشرب
قال لي
قارنت
الحمل
البسيط
شهر
طويل
الخفيف
إن الذي
بيتا
وَأَطْوَلُ
الكامل
الفرزدق
82 - 347
103
إن التي
بكوفة
غول
البسيط
عبدة بن يزيد | 105
إن محلا
وإن في
مهلا
المنسرح
الأعشى
إِذَا قَبحَ
رايت
الجميلا
الوافر
الخنساء
206
248
450 (1/466)
صفحة 467
قدْ طَلَبَنا
السؤدد
مثلا
الخفيف
البحتري
261
جوابا
أَنَا الذائد
أيَقْتُلُني
ألا أيها
لعن
ومستون
نة
يُدافع
مثلي
الطويل
الفرزدق
288
تسأل
الطويل
?
أغوال
الطويل
امرؤ القيس
بأمثل
الطويل
امرؤ القيس
292
320
330
قال لي
سهر
طويل
82 - 347
الخفيف
زَعَمَ
صَدَقُوا
تَنْجَلِي
الكامل
348
لا تَقُولن
وجهك
الرجز
20
طَرْفك
بحروف
مَا جَرَى
الْقَلَمُ
فَقُلْتُ
تَنَكَّبْ
الزحام
الوافر
تمامه البراء بن 57
عازب
ولقد
واسمْتُ
أساموا
الكامل
أبو نواس
102
وبلغتُ
فإذا
أثام
هذا أبو
من نسل
والسلم
البسيط
ابن الرومي
ولقد أمر
فمضيت
لا يعنيني
الكامل
عميرة بن
107
117
جابر الحنفي
كَمْ مِنْ
مستكمل
غريم
الرجز
ذلك
العليم
فَإِنْ أَنْتَ
فلا يتهيبك
تقدما
المتقارب
--
أو كلما
بعثوا
يتوسم
الكامل
طريف بن تميم
202
218
وَلَوْ دَامَت
رعايا
دوام
الطويل
أبو العلاء المعري
238
سعدت
وتزينت
الْأَعْوَامُ
الكامل
254
——
451 (1/467)
صفحة 468
وَكَمْ ذُتَ
وَسَوْرَة
الْعَظْمِ
الطويل
البحتري
سائل
الأكم
البسيط
اتوا
قالوا
ظلاما
الوافر
أَقُولُ
وإلا
مسلما
الطويل
وَتَظُنُّ
بدلا
الكامل
البسيط
لا والذي
أبو تمام
زَعَمَتْ
عنها
البسيط
ورسوم
أبو تمام
ا زُلْتُ
نَفْسِي
تَحُومُ
البسيط
أبو تمام
والله
برداك
وتعظيم
السريع
ابن الرومي
وأعْلَمُ
ولكنني
الطويل
زهير بن أبي
260
305
313
344
345
354
354
353
378
384
سلمي
البسيط
أتى
فسرهم
المتنبي
393
غَاضِ
وأعور
والقسمِ
سُبحان
فيما
الألم
الدهر
وصبر
وقت
في غير
الأمم
هَوَنْ
فإِنَّمَا
ولا
شكوى
والرحم
وَكُنْ
ولا يغرك مبتسم
اقتضى
أَجَابَ
بِلَمِ
فَسَقَى
صَوْبَ
تَهْمِي
الكامل
طرفة
406
قد
تُرْجُمَان
السريع
عوف
409
الشيباني
ودَعَوْتَني
ولقد
أمينا
الكامل
أبو طالب
349
فَلَمَّا
فَامْسَى
عريان
الهزج
الفند الزماني | 369
452 (1/468)
صفحة 469
390
409
70
أَنَا ابْنُ
متى
الوافر
سحيم بن
وثيل الرياحي
يا ابن
طرا
المغربان
السريع
عوف
وبدلتنـ
وكنت
السنان
الشيباني
وأنشأت
سحابة
العنان
ولم تدع إلا لساني
لساني
أدعوا
على الأمير
الهجان
أَشَابَ
كر
الْعَشِي
المتقارب
الصلتان
العبدي
إذا ليلة
أتى
روح
وحاجة
تنقضي
موت
وتبقى
بقي
453 (1/469)
صفحة 470
فهرس الأقوال المأثورة
القول
القائل
الصفحة
اللهم ارحم العبد العاصي ذا القلب القاسي
معاوية بن أبي سفيان | 179
162
286
404
388 - 387
253
شر أهرٌ ذا ناب بما أمره ألا عمل
الصَّيْف ضَيَّعت اللُّبَنَ
القتل أنفى للقتل
لنا علم وللأعداء مال
علي بن أبي طالب
03
105 - 75 - 8 - 40
21
134
1.7 - 1.0
393 - 134 - 10
48 - 12 - 12 - 21
22
فهرس الأمكنة
إنطاكية
البصرة
بغداد
البليدة
الكوفة
مصر
مكة
ورجلان (1/470)
صفحة 471
المصنفات العارضة
أرجوزة في العروض محمد بن علي الصبان أبو العرفان
الأزهار
هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي
الحضرمي الإشبيلي 597/ 669 هـ
الاستعارات
محمد بن علي الصبان أبو العرفان
الأطول
عصام الدين الإسفراييني
الانتصار
الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو
طالب، من
أحفاد الحسين بن على بن أبي طالب (355 - 436 هـ)
نقيب الطالبيين.
إنقاذ البشر من الجبر الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو
طالب، من
أحفاد الحسين بن على بن أبي طالب (355 ـ 436 هـ هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس أبو عمر جمال الدين، كردي الأصل، (570 هـ ـ 646
والقدر
الأمالي النحوية
أنموذج العلوم
الفنري محمد بن حمزة شمس الدين
أوصاف البروق
، (
البحر المحيط
الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو طالب، من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب (355 ـ 436 هـ -
966 ـ 1044 م)
—
-
محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
البدرية في علم العربية محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
التاج
أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي 245 هـ
تحرير الأحكام في تدبير محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بدر الدين أبو عبد الله الكناني
الحموي الشافعي (639 هـ -733 هـ)
أهل الإسلام
تحفة الأريب
محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
تحفة الغريب
محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي القرشي بدر الدين المعروف بابن
الدماميني
455 (1/471)
صفحة 472
تفسير القصيدة المذهبية شرح قصيدة للسيد الحميري الشريف المرتضى علي بن الحسين بن
التقريب تنزيه الأنبياء
موسى بن محمد بن إبراهيم أبو طالب من أحفاد الحسين بن على بن
أبي طالب (355 - 436 هـ - 966 ـ 1044 م) نقيب الطالبيين
-
-
محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو أحفاد الحسين ابن علي بن أبي طالب (355 ـ 436 هـ)
طالب، من
توفير التصحيح وترجيح | عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي 727 - 771 هـ
التصحيح
جامع الأمهات
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس أبو عمر جمال الدين، كردي
الأصل، 570 هـ / 646 هـ
جمع الجوامع
عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي 727 - 771 هـ)
حاشية على تفسير السيالكوتي البنجابي 1067 هـ "
البيضاوي
حاشية على شرح | محمد بن علي الصبان الأشموني على الألفية
حاشية على شرح السيالكوتي البنجابي 1067 هـ
التصريف
حاشية على الجرجاني السيالكوتي البنجابي 1067 هـ
حاشية على السعد محمد بن علي الصبان حاشية على المطول السيالكوتي البنجابي 1067 هـ
حلية اللب المصون بشرح
الجوهر المكنون
الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو
الرسائل
طلب، من
أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب (355 ـ 436 هـ)
-
الرسالة الكبرى
لصبان محمد بن علي (1/472)
صفحة 473
رسالة في العلوم العقلية الفنري الرومي محمد بن حمزة ــــ 834 هـ
رسالة في الكلام على ابن جماعة محمد بن إبراهيم
الاسطرلاب
رفع الأسرار الشيخ عبد
الله بن يوم يوسف
أحمد
الله
بن
بن
عبد بن هشام الأنصاري
جمال الدين الحنبلي
زبدة الأفكار
السيالكوتي البنجابي 1067 هـ
زهو الملك في نحو الترك محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
الشافي في الإمامة
الشافية
الشذور
شرح الأجرومية
الشريف المرتضى علي بن الحسين
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس أبو عمر جمال الدين، كردي
الأصل، (570 هـ ـ 646 هـ)،
أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني المتوفى
سنة 1019 هـ
الشنواني هو أبو بكر بن إسماعيل
شرح أشعار هذيل المرزوقي أبو علي
شرح إيساغوجي
شرح التسهيل
سبط الإمام الفناري محمد بن حمزة المتوفى 834 هـ
الشيخ جمال الدين الحنبلي عبد الله بن يوسف هشام الأنصاري
أحمد
بن
بن عبد
الله
بن
شرح تسهيل الفوائد محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي القرشي بدر الدين المعروف بابن
الدماميني
شرح التلخيص
محمد بن مظفر الخطيبي الخلخالي شمس الدين
شرح الجزولية
شرح الجمل
شرح الحماسة
هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669 هـ
هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669 هـ
ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669
457 (1/473)
صفحة 474
شرح الحماسة
الصبان محمد بن علي
شرح الحماسة
المرزوقي أبو علي
بن الحسن الرضي الاسترابادي
شرح الشافية لابن الحاجب محمد
الكافية
الفنري على بن يوسف بن محمد المتوفى 903 هـ
الكافية في النحو علي بن يوسف بن محمد الفناري علاء الدين الرومي المتوفى 903
الكافية لابن الحاجب محمد بن الحسن الرضي الاسترابادي
ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669 محمد بن مظفر الخطيبي الخلخالي شمس الدين
شرح
شرح
شرح
شرح
المتنبي
شرح
المختصر
شرح المصابيح
محمد بن مظفر الخطيبي الخلخالي شمس الدين
شرح المفتاح
السيد الشريف الجرجاني
شرح المفتاح
محمد بن مظفر الخطيبي الخلخالي شمس الدين
شرح المقرب
ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669.
شمس المغرب في المرقص علي بن محمد القلصادي
والمطرب
شمس المغرب في المرقص محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي القرشي بدر الدين المعروف بابن
والمطرب
الدماميني
الشهاب في الشيب
الشريف المرتضى
والشباب
الطبقات الصغرى عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (727 - 771 هـ)
الطبقات الوسطى عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (727 - 771 هـ)
طيف الخيال
الشريف المرتضى
العصر في تراجم رجال العصر محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
عقد اللآلي
محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ
غرّة التبيان لمن لم يسمّ ابن جماعة محمد بن إبراهيم
في القرآن
458 (1/474)
صفحة 475
الغرر والدرر
يعرف بأمالي المرتضى، الشريف
الغيث
محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي القرشي بدر الدين المعروف بابن
الدماميني
فصول البدائع في أصول سبط الإمام الفناري محمد بن حمزة المتوفى 834 هـ
الشرائع
فضيحة المعتزلة
القطر
الكافية
أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي 245 هـ الشنواني هو أبو بكر بن إسماعيل
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس أبو عمر جمال الدين، كردي الأصل، (570 هـ ـــ 646 هـ)،
الكافية الشافية في علمي محمد بن علي الصبان أبو العرفان
العروض والقافية
كتاب البديع
علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي
الحضرمي الإشبيلي 597/ 669
کشف المعاني في المتشابه محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بدر الدين أبو عبد الله الكناني
اللمحة
مجاني
مختصر الفقه
المسائل الناصرية
المفتاح
الحموي الشافعي (639) هـ - 133 هـ)
محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس أبو عمر جمال الدين، كردي الأصل، (570 هـ ـ 646 هـ
مد
الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى إبراهيم، أبو طالب، من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب (355 ــ
-
436 هـ - 966 ـ 1044 م نقيب الطالبيين، الشريف المرتضى علي
بن
-
الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم.
هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي
الحضرمي الإشبيلي 597/ 669
459 (1/475)
صفحة 476
مقدمة في الأصول الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم أبو
الاعتقادية
المقرب
المقصد الجليل
طالب من
-
-977
-
أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب (355 ـ 436 هـ =
1044 م) نقيب الطالبيين.
هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس أبو عمر جمال الدين، كردي
الأصل، (570 هـ ـ 646.
، (.
مغني
اللبيب
بن يوسف الشيخ جمال الدين الحنبلي عبد الله
أحمد
بن
بن عبد
الله
بن
هشام الأنصاري 708 هـ / 761 هـ
الممتع في التصريف هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669 هـ نشر بتحقيق الأستاذ الجواري
والأستاذ الجبوري - الجزء الأول، بغداد 1971 و بتحقيق
-
الدكتور فخر الدين قباوة
منتهى الإرادات في تحقيق أحمد بن عبد المنعم المذاهبي
الاستعارات
منهج السالك في الكلام محمد بن يوسف الجياني أثير الدين النحوي (654 - 745 هـ)
على ألفية ابن مالك
المنهل الرويفي الحديث ابن جماعة محمد بن إبراهيم (639 هـ - 133 هـ) |
النبوي ميزان الأدب
نزول
الهلال
عصام الدين الإسفراييني، (873 هـ / 945 هـ) محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي القرشي بدر الدين المعروف بابن
الدماميني
هو علي بن عبد المؤمن بن محمد بن على العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي 597/ 669 هـ
460 (1/476)
صفحة 477
الكتب
الواردة في المتن
الكتاب
المؤلف
الصفحة
الأطول على التلخيص
عصام الدين الإسفراييني
-13 - 26 - 82 - 156 - 157
الإيضاح
عبد القاهر
الإيضاح
عصام الدين
الإيضاح
القزويني
271 - 212
245
274
274
البدر الفائق في غريب الحديث جار الله الزمخشري
تاج العروس
محب الدين ابو الفيض 10
السيد
التوسعة
ابن السكيت
جامع
السيوطي
حلية المحاضرة
الحاتمي
197
400
200
دلائل الإعجاز
عبد القاهر الجرجاني
59 - 250 - 286
ديوان اللغة
10
ربيع البديع
امحمد بن يوسف اطفيش 18
شرح التبيين من النيل
امحمد بن يوسف اطفيش 207
التسهيل شرح
ابن ظفر
شرح التسهيل
ابن مالك
شرح التسهيل
ابن هشام
230
14
13
شرح
القلصادي
امحمد بن يوسف اطفيش 314
شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف اطفيش 207
شرح لامية الأفعال
شرح المفتاح
شرح المفتاح
امحمد بن يوسف اطفيش
الخلخالي
القزويني
461
11
17. (1/477)
صفحة 478
شرح المفتاح
الصحاح
ضرام السقط
عروس الأفراح
السيد الشريف الجرجاني 46 - 195
الجوهري
صدر الأفاضل
السبكي
الكشاف
الزمخشري
المطول
التفتازاني
المفتاح
السكاكي
29 - 8
259
-333 - 317 - 301 - 290 - 193
351 - 355 - 356 - 390 - 407
281 - 193
282 - 100
-180 - 132 - 98 - 80 - 79
-249 - 252 - 262 - 282 - 233
380 - 379
المقرب
ابن عصفور
302
هميان الزاد إلى دار المعاد
امحمد بن يوسف اطفيش 204
462 (1/478)
صفحة 479
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
إرشاد الأريب
أسرار البلاغة عبد القاهر الجرجاني تح: هلموت ريتر مكتبة المثنى بغداد. ط 2/ 1979
الأعلام الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر بيروت لبنان
الإيضاح للقزويني. دار الكتب العلمية. بيروت د. ت، د. ط.
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني. مصر 1348 * بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة جلال الدين السيوطي. ط 1/ 1926 *البيان والتبيين للجاحظ. ذار إحياء التراث العربي. بيروت / 1968.
*
" تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ابن مالك. تح: محمد كامل بركات دار الكاتب العربي للطباعة والنشر القاهرة 1967.
جمهرة اللغة. أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي) (321) دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن – ط 1345/ 1 هـ.
*الجوانب النقدية والبلاغية في المثل السائر لابن الأثير. د. محمد زمري أطروحة دكتوراه الدولة بجامعة تلمسان. الجزائر. 1999/ 1998.
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب عبد القادر البغدادي (1093). دار صادر ودار بيروت لبنان، د. ت، د. ط
خلاصة الأثر
* دلائل الإعجاز عبد القاهر الجرجاني. تح: د. روضوان الداية، د. فايز الداية دار قتيبة دمشق.
ط: 1/ 1983
ديوان ابن الرومي .. تح: أحمد حسن. دار الكتب العلمية بيروت. ط 1994/ 1: ديوان ابن المعتز شرح ميشيل نعمان .. الشركة اللبنانية للكتاب بيروت 1969 -
463 (1/479)
صفحة 480
ديوان أبي تمام ضبط وشرح إيليا حاوي. دار الكتاب اللبناني. بيروت. ط 1969/ 3 ديوان العباس بن الأحنف تح: د عاتكة الخزرجي. دار الكتب المصرية القاهرة ط: 1954/ 1 ديوان أبي تمام شرح الخطيب التبريزي. تح: محمد عبده عزام دار المعارف بمصر ط 1983/ 4 - ديوان أبي تمام ضبط وشرح إيليا حاوي. دار الكتاب اللبناني بيروت. ط: 3
ديوان أبي الطيب المتنبي شرح مصطفى السبيتي. دار الكتب العلمية بيروت ط 1986/ 1 – ديوان أبي الطيب المتنبي. شرح الواحدي النيسابوري. تح: فريدريخ ديتريصي طبع في برلين
1831
*
ديوان أبي الطيب المتنبي شرح مصطفى السبيتي. دار الكتب العلمية بيروت. ط 1986/ 1 ديوان البحتري تح: د. يوسف الشيخ محمد. دار الكتب العلمية بيروت 20000 ديوان بشار بن برد تح: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. الشركة التونسية والشركة الوطنية للنشر للتوزيع الجزائر 1976 ديوان عباس بن الأحنف تح: د. عاتكة الخزرجي، دار الكتب المصرية القاهرة، ط: 1/
1954
*
ديوان العجاج رواية الأصمعي وشرحه تح: د. عبد الحفيظ السطلي. مكتبة أطلس دمشق / 1971
*
يب البصري. تح: عبد الله إسماعيل الصاوي. مطبعة
ديوان الفرزدق شرح محمد بن حبيب البصري. تح. الصاوي القاهرة - ط: 1936/ 1.
*
*
ديوان الفرزدق دار بيروت للطباعة والنشر لبنان 1984
ديوان النابغة الذبياني. تقديم عباس عبد الساتر. دار الكتب العلمية لبنان. ط 1996/ 3.
سقط الزند. دار بيروت للطباعة والنشر لبنان. 1978
-
سقط الزند. دار بيروت للطباعة والنشر لبنلن. 1987 –
* شذرات الذهب في أخبار من ذهب العماد الحنبلي القاهرة 1351 هـ
شرح الحماسة للمرزوقي. تح: أحمد أمين عبد السلام هارون لجنة التأليف والترجمة
والنشر القاهرة ط 1967/ 2
464 (1/480)
صفحة 481
شعر زهير بن أبي سلمى لأبي العباس ثعلب. تح: د. فخر الدين قباوة. دار الفكر المعاصر
بيروت ودار الفكر بدمشق 1996
شروح التلخيص مصر 1966
الشعر والشعراء لابن قتيبة تح: أحمد شاكر دار المعارف بمصر 1966
شرح المعلقات السبع للزوزني. تقديم ظافر كوجان. دار اليقظة بيروت 19690. عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية أبو العباس الغبريني تحقيق أحمد بونار الجزائر 1970
*
غاية النهاية في طبقات القراء ابن الجزري تحقيق برجشتر اسر القاهرة 1932
*
* الصبح المنير في شعر أبي بصير) جمع لشعر الأعشى
الصحاح في اللغة تصنيف نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي دار الحضارة العربية بيروت ط 1/
197 – ص 213
فوات الوفيات ابن شاكر الكتبي (764 هـ) تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت 1973 الكامل للمبرد. تحقيق: محمد أبو الفضل والسيد شحاتة. القاهرة 1956 *الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل أبو القاسم جار الله الزمخشري المتوفى (538) هـ) دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت، د. ط.
كشف الظنون حاجي خليفة وكالة المعارف 1941
الكواكب السائرة 278/ 1
*المثل السائر ابن الأثير تح: د. أحمد الحوفي وبدوي طبانة منشورات دار الرفاعي بالرياض
ط: 1983/ 2
المحكم والمحيط الأعظم. علي بن إسماعيل بن سيده (458 هـ) تح: محمد علي النجار معهد المخطوطات العربية مصر - ط: 1973/ 1
معاهد التنصيص لعبد الرحيم العباسي تح: محمد محيي الدين عبد الحميد المكتبة التجارية
القاهرة 1948
465 (1/481)
صفحة 482
معجم الشعراء للمرزباني. تح: عبد الستار أحمد فراج. منشورات مكتبة النوري دمشق
معجم
المطبوعات
المعلقات السبع للزوزني تقديم ظافر كوجان. دار اليقظة العربية للتاليف بيروت 1969 المطول للتفتازاني. تح: تح مصطفى بن الحاج بكير حمودة. جامعة الجزائر 1999
مفتاح العلوم السكاكي مطبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. ط: 1937/ 1 المفضليات المفضل الضبي شرح ابن الأنباري تحقيق كارلوس يعقوب بيروت 1920 نَكْتِ الْهِمْيانِ فِي نُكَتِ الْعُميانِ صلاح الدين الصفدي تحقيق أحمد زكي المطبعة الجمالية بمصر
1329 هـ 1911 م *المفضليات المفضل الضبي شرح ابن الأنباري تحقيق كارلوس يعقوب بيروت 1920
* هدية العارفين.
هميان الزاد في دار المعاد كتاب في تفسير القرآن الكريم، طبع في وزارة التراث والثقافة بسلطنة
عُمان 1406 هـ / 1986 م.
*
وفيات الأعيان لابن خلكان. تح: د. إحسان عباس دار صادر بيروت 1968
466 (1/482)
صفحة 483
1
2
6
10
12
12
16
20
26
30
34
36
36
37
41
43
44
46
48
50
01
مق
ة التحققيق
باب فصاحة المفردات
باب التنافر في الكلمة
ركنا الاسناد وما اتصل بهما
باب الغرابة
باب المخالفة المخلة بالفصاحة
باب فصاحة الكلام
باب ضعف التركيب
باب تنافر الكلمتين أو الكلمات
باب التعقيد
باب كثرة التكرار وكثرة تتابع الإضافات
باب فصاحة المتكلم
باب بلاغة الكلام
باب بلاغة المتكلم
باب الخبر
باب الصدق والكذب
باب النسبة
باب الإسناد الخبري
باب فائدة الخبر
باب لازم فائدة الخبر
باب خطاب خالي الذهن من الحكم
باب خطاب المتردّد في الحكم أو لازمه
باب خطاب المنكر للحكم أو لازمه
محتويات الكتاب
467 (1/483)
صفحة 484
08
62
62
63
63
71
??
74
76
81
10
86
90
90
93
99
106
112
124
127
133
138
باب الحقيقة العقلية
باب الحقيقة العقلية المطابقة للواقع والاعتقاد معا
باب الحقيقة العقلية المطابقة للاعتقاد فقط
باب الحقيقة العقلية المطابقة للواقع فقط ولو طابقت الاعتقاد أيضا في الظاهر
باب الحقيقة العقلية التي لا تطابق الاعتقاد ولا الواقع باب المجاز العقل
باب المخالطات للفعل أو ما ذكر معه المناسبات في المجاز العقلي للفعل
باب أقسام المجاز [العقلي] باعتبار المسند والمسند إليه باب قرينة المجاز العقلي باب قرينة المجاز العقلي، وجه تأخير باب القرينة عن المجاز العقلي
باب حقيقة المجاز العقلي
وأقسامه
باب إنكار السكاكي المجاز العقلي
باب حذف المسند إليه
باب ما لا يجوز حذفه من المسند إليه إلا للضرورة أو التقاء ساكنين
باب ذكر المسند إليه
باب تعريف المسند إليه بالنداء.
باب تعريف المسند إليه بالإضمار
باب تعريف المسند إليه بالعلمية
باب تعريف المسند إليه بإيراده اسما موصولا
باب تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة
باب تعريف المسند إليه بأداة التعريف
باب تعريف المسند إليه بالإضافة
باب تنكير المسند إليه
باب المسند إليه منعوتا
باب تأكيد المسند إليه تأكيدا نحويا
468 (1/484)
صفحة 485
12.
142
146
10.
10.
172
174
178
179
191
192
195
196
202
209
213
214
216
219
220
باب العطف على المسند إليه عطف بيان باب الإبدال من المسند إليه
باب العطف بالحرف على المسند إليه
باب تعقب المسند إليه بالغياب
باب ذكر المسند إليه أولا
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بوضع الضمير المسند إليه موضع المظهر باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بوضع المسند إليه المظهر موضع الضمير باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بوضع المظهر المسند إليه الذي هو غير اسم الإشارة وضع المضمر
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بالالتفات
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر
باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بأن يقابل المتكلم سائله بجواب ليس
مطابقا لسؤاله
باب عد السكاكي من خلاف مقتضى الظاهر التعبير عن المعنى المستقبل بلفظ
وضع للمعنى الماضي
باب الخروج عن مقتضى الظاهر بالقلب
باب عدم ذكر المسند
باب اشتراط القرينة للحذف
باب ذكر المسند
باب إفراد المسند
باب كون المسند فعلا أو اسم فعل
باب كون المسند اسما
باب تقييد المسند بفضلة من مفعول ونحوه كالحال والتمييز والمستثنى والمضاف
469
إليه النعت (1/485)
صفحة 486
221
221
243
244
245
245
250
251
201
252
256
258
260
261
262
262
263
263
263
269
269
271
باب ترك تقييد المسند
باب تقييد الحكم بالشرط
باب تنكير المسند
باب تخصيص المسند بالإضافة أو الوصف أو الحال أو التمييز أو بالظرف أو
الجار والمجرور المتعلقين أو بغيرهن من الفضلات
باب ترك تخصيص المسند بالإضافة والوصف ونحوها
باب تعريف المسند [لإفادة السامع] باب كون المسند جملة
باب كون المسند جملة أو جارا ومجرورا باب تأخر المند
باب تقديم المسند
باب ذكر الفعل مع المفعول
باب تنزيل المتعدي منزلة اللازم
باب حذف المفعول به
باب حذف المفعول به لئلا يتوهم أولا إرادة غير المراد
باب حذف المفعول أولا ليقع الفعل على صريح
باب حذف المفعول للتعميم مع الاختصار باب حذف المفعول لمجرد الاختصار لوجود قرينة باب حذف المفعول لحرف تختم به الفاصلة
باب حذف المفعول لاستهجان ذكره باب تقديم المفعول على الفعل
باب القصر
لفظه
(1) باب قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا (2) باب قصر الصفة على الموصوف قصرا حقيقيا
470 (1/486)
صفحة 487
272
272
273
270
276
278
286
294
295
297
299
300
303
310
312
314
314
315
316
316
318
320
332
باب قصر الموصوف على الصفة قصرا غير حقيقي
باب قصر الإفراد
باب قصر القلب
باب قصر التعيين
باب القصر بالعطف بلا وبل ولكن
باب القصر بالسلب والاستثناء
باب القصر بإنما
باب الحصر بالتقديم
باب الإنشاء على العموم
باب الإنشاء الذي هو التمني باب الاستفهام على العموم
باب الهمزة
باب الاستفهام بهل
باب الاستفهام بما
باب الاستفهام بمن
باب الاستفهام بأي
باب الاستفهام بكم
باب السؤال بكيف وأين ومتى
باب الاستفهام بأيان
باب الاستفهام بأني
باب استعمال هذه الكلمات في غير الاستفهام الحقيقي على سبيل المجاز المرسل
471
باب الأمر
باب النهي
باب النداء (1/487)
صفحة 488
337
338
351
359
368
379
384
386
389
398
2.1
402
404
406
407
408
416
423
444
444
454
454
455
472
باب الإنشاء بصيغة الخبر
باب الفصل
باب الوصل
باب بيان الجامع بين الجملتين
باب الحال الشبيهة بالوصل
باب المساواة والإيجاز والإطناب
باب المساواة
إيجاز القصر
باب إيجاز الحذف
باب أدلة الحذف
باب الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام
باب الإطناب بالتكرير
باب الإطناب بالإيغال
باب الإطناب بالتذييل
باب الإطناب بالتكميل
باب الإطناب بالتتميم
باب الإطناب بالاعتراض فهرس الأعلام
فهرس الآيات القرآنية فهرس الأحاديث النبوية
فهرس القوافي
فهرس الأقوال المأثورة
فهرس الأمكنة
المصنفات العارضة (1/488)
صفحة 489
461
463
277
473
الكتب الواردة في المتن
ثبت المصادر والمراجع محتويات الكتاب (1/489)
صفحة 490
/ (1/490)