صفحة 1
الكتاب: شرح لامية الأفعال للقطب اطفيش ج2 3 سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
شرح لامية الأفعال
تأليف
العلامة محمد بن يوسف إطفيش
الجزء الثاني
1407ه – 1986م
فذو التعدّى بكسر حبَّه وع ذا
وجهين هرّ وشد علَّه عللا
وبت قطعا لم .................
..............................
أي إن أردت بيان المضاعف المفتوح المتعدى المكسور عين مضارعه ندوراً فاعلم أنه على قسمين:
أحدهما: ورد بالكسر فقط, وهو كلمة واحدة وهو كلمة واحدة وهي حبة يحبه بكسر حاء المضارع كسرا منقولا لا من بائه الأولى التي هي عينه وفتح يائه فأصل حب حبب بفتح الياء الأولى سلب فتحها وأدغمت في الثانية وأصل مضارعه المذكور يحببه بفتح الياء المثناة وسكون الحاء وكسر الباء الأولى نقل كسرها إلى الحاء وأدغمت في الثانية والكسر شاذ ولم يرد معه الضم وبذلك قرأ أبو رجاء العطارى:( فاتبعوني يحببكم الله ) بفتح المثناة وكسر الحاء نقلا من الباء المدغمة وفتح الباء الثانية المدغم فيها للتخفيف فتحا مانعا من ظهور الجزم المنوى فيها ولو ظهر الإدغام لالتقى ساكنان.
قال في الصحاح: حبه يحبه بالكسر شاذ لأنه لا يأتي في المضاعف المتعدي بالكسر إلا ويشاركه يفعل بالضم وحب الثلاثي المذكور لغة في أحبه يحبه بضم الياء وكسر الحاء رباعيا كأكرمه يكرمه وبه قرئت الآية في السبع وإسم مفعول الثلاثي محبوب على القياس والمصدر حب وحب بالضم والكسر كذا ورد وورد أيضا الحباب بكسر الحاء والحباب بضمها والمحبة مصدر ميمي.
وأما الرباعي فاسم مفعولة القياسي محب بضم الميم وفتح الحاء لكنه قليل الاستعمال فهو شاذ استعمالا فصيح قياسا والغالب مجي اسم مفعولة بلفظ محبوب كالثلاثي يقال: أحبه فهو محبوب شاذ قياسا فصيح استعمالا وقياس مصدره الإحباب بكسر الهمزة والأكثر الاستغناء عنه بالمصادر المذكورة.
الثاني: ما ورد بالضم على القياس وبالكسر على الشذوذ وهو خمسة ألفاظ: (1/1)
صفحة 2
الأول: هو زيد الشئ يهره بضم الهاء نقلا من الراء المدغمة الأولى وهو القياس وبكسرها كذلك على الشذوذ وأصل هر هرر بفتح الراء الأولى سلب فتحها وأدغمت في الثانية وأصل يهر يهرر بسكون الهاء وضم الراء الأولى أو كسرها نقل ضمها أو كسرها إلى الهاء وأدغمت وهكذا في مثل ذلك مما يأتي وغيره والمعنى كرهه ويكرهه وكذا هرته الحرب تهره وتهره بالضم والكسر كذللك والمصدر هر وهرير وأصلها من هر الكلب يهر بالكسر دون الضم هريرا وهو صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد كأنه كره البرد وهو لازم ولكونه الأصل لهما جاء فيهما الكسر.
وأما هره البرد أي صوته فالمضارع له يهر بالضم فقط علي القياس وكذا هر البعير سلحه أطلقه من بطنه وأما هر الشوكة اشتد يبسه أو يبس وتنفش مطلقا وهرت القوس صوتت وهر أكل هرور العنب وهر بسلحه رمى به وهر سلحه استطلق وهرت الإبل أكثرت من أكل الحمض فالمضارع فيها بالكسر فقط على القياس لأنهن لوازم مثل هر الكلب.
الثاني: شده يشده بالضم قياسا والكسر شذوذا وداله مهمله أي أوثقه أو قواه وأصله شد الشيء باللزوم أي اشتد ولذا جاء الكسر لأن شد الشيء بالرفع أي اشتد مضارعه بالكسر على القياس لأنه لازم وكذا شد حمل في الحرب وشد عدا وشدت النار ارتفعت وقيل مضارع شد بمعنى عدا مضموم العين لزوما شذوذا وهو ما عليه النظم كما يأتي.
وأما شذ بذال معجمه بمعنى خرج عن الجمهور فمضارعه بالضم والكسر وهو مفتوح عين الماضي لأنه لازم ولم يذكره وأما شذه بالمعجمة والتعدي أي أخرجه عن الجمهور فمضارعه بالضم على القياس. (1/2)
صفحة 3
الثالث: عله يعله بالضم على القياس ويعله بالكسر على الشذوذ أي سقاه السقيه الثانية أو سقيا بعد سقيا تباعا أو سقيا بعد ري وهى العلل بفتح العين واللام الأولى وأما الأولى فتسمى النهل بفتح النون والهاء ويقال أيضا: العل وإنما جاء فيه الكسر لأن أصله علت الأرض تعل بالكسر أي كثر ماؤها وهذا لازم ويقال: عل بنفسه يعل ويعل بالوجهين أي شرب ثانيا وهو لازم لا شاهد فيه.
وأما عل يعل بالبناء للفاعل أي مرض فالمضارع فيه بالكسر فقط على القياس للزومه واحترز بقوله: عللا من عله الله بدون همزة أي مرضه بناء على جوازه وعل إبله صرفها قبل الري فإن مضارعهما مضموم على القياس.
الرابع: بيت الشيء بيته بالضم على القياس وبالكسر على الشذوذ أي قطعه كما فسره بقوله: قطعا قاله أبو يحي.
قال صاحب فتح الأقفال: لم يظهر لي وجه تقييد الناظم له بقوله: قطعا إلا أن يكون تفسيرا
قلت: يجوز أن يريد به التفسير والاحتراز عن بت أي هزل فإنه لازم مكسور المضارع على القياس وعن بت بمعني انقطع إن قلنا بوروده فإنه لازم مكسور المضارع كذلك وإنما جاء الكسر في مضارع بته بمعنى قطعه لأن أصله بت بمعنى انقطع المكسور المضارع للزومه وتاء الكل مثناة وأما بثه بمثلثه أي فرقه ونثره فمضارعه مضموم مكسور كذلك ولم يذكره وأما بث الغبار بمثلثة أي هيجه فمضارعه مضموم على القياس.
الخامس: نم الحديث ينمه بالضم قياسا وينمه بالكسر شذوذا نقله سواء أفشاه أم لا وقيل: أفشاه وفرقه وسواء نقلعه على وجه الصلاح أو الفساد وقيل: على وجه الفساد وأما على وجه الصلاح فيقال: أنمه أي نقله على الصلاح وكذلك نم زيدا عمرا أي أغراه ونم الكلام زينه ينمه وينمه فيهما بالكسر والضم وهو القياس وكلام الناظم شامل لذلك فحمل صاحب فتح الأقفال وغيره كأبي يحي وصاحب التحقيق لكلام الناظم على نم الحديث فقط إما قصور وإما اقتصار نجانا الله منهما. (1/3)
صفحة 4
وقد يجاب: بأن وجه الحمل عليه فقط أنه هو الذي يقال في حيزه: نم الحديث بالرفع أي انتقل أو فشي ينم بالكسر فقط على القياس للزومه وهو أصله فلذا جاء فيه الكسر مع الضم لا الضم وحده وأما نم المسك أي سطع فمضارعه بالكسر فقط على القياس والله أعلم.
وظاهر كلام المصنف في هذا النظم وغيره أنه لم يجيء من فعل المفتوح المضاعف المتعدى مضارع مضموم العين مكسورها غير تلك الخمسة وليس كذلك فإن بث بمعجمه أي فرق كذلك وصر كذلك بمعني جمع قرأ ابن عباس: (فصرهن إليك) بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء المفتوحة وهو أمر يصر بضم الصاد وكسرها نقلا من الراء المدغمة ذكره الزمخشري ورم الشيء يرمه بالضم والكسر أي أصلحه كذلك ذكره صاحب تحقيق المقال وصاحب القاموس.
وهش الورق يهشه ويهشه بالضم والكسر كذلك وبهما قرئ: ( وأهش بها على غنمي ) والكسر قراءة النخعى أي أهش الورق وأصله من هش الخبز بالرفع يهش بالكسر إذا كان ينكسر وهذا لازم ولكونه أصلا للمتعدي المذكور جاء في ذاك المتعدي الكسر مع الضم ذكر تلك المادة الزمخشري وصاحب القاموس وتحقيق المقال وقد تقدم بالتمثيل بها للمضاعف المتعدي.
ونث الخبز ينثه وينثه بالضم والكسر أي أفشاه ونث الجرح ينثه وينثه كذلك أي دهنه وهما بنون ومثلثة ذكره في القاموس وشج رأسه يشجه ويشجه كذلك كسره وكذا شج البحر يشجه ويشجه شقه وشج المفازة يشجها ويشجها قطعها وشج الشراب ويشجه مزجه ذكره في القاموس.
وأضه يؤضه ويؤضه كذلك أي ابلغه المشقة أو كسره أو ألجأه إلى كذا ولم يذكر في القاموس فيه إلا الضم لأنه ذكر ماضيه بدون مضارعه فهو ككتب يكتب كما تراه في ترجمته فبطل قول صاحب فتح الأقفال أنه ذكر الوجهين في القاموس فهذه سبعة أفعال مفتوحة متعدية مضاعفة جاء في مضارعها الضم وهو القياس والكسر على الشذوذ مثل الخمسة التي ذكرها الناظم والجملة اثنا عشر ولولا العجل منى لبحثت فأزيد على ذلك إن شاء الله والأمر بيده. (1/4)
صفحة 5
ويعلم من قولي أصل هره هو هر اللازم الذي هو فعل الكلب وأصل شده شد اللازم بمعنى اشتد وأصل عله عل اللازم المستعمل للأرض بمعنى كثر ماؤها وأصل بته بت اللازم بمعنى انقطع ومعنى نمه نم اللازم بمعنى انتقل أو فشي وأصل هشه هش اللازم بمعنى انكسر إن الذي سهل مجيء الكسر مع الضم هو أن أصلها فعل لازم واللازم كما صرحت به وأنه تتعدى مرة وتلزم أخرى.
تنبيهان:
الأول: المضارع المضاعف المجزوم مطلقا وأمره يجوز فكهما وهو لغة الحجاز وهو الأفصح وبه جاء القرآن غالبا نحو: ( إن تمسكم حسنة ) ( ومن يحلل عليه غضبي ) ( واغضض من صوتك ) ( ولا تمنن ) والإدغام وهو لغة تميم.
قال السيوطي: وغيرهم وجهها اعتداد بتحريك الساكن في بعض الأحوال نحو: لم يردد القوم واردد القوم وأهل الحجاز لا يعتدون بذلك وجاء عليها: ( ومن يرتد ) في بعض القراءات في المائدة: ( ومن يشاق الله ) في الحشر و قول جرير:
* فغض الطرف إنك من نمير *
وتجب همزة الوصل في الأمر الثلاثي علي لغة الحجاز لأجل تسكين الحرف الأول ويجب طرحها علي لغة تميم لعدم الاحتياج إليها لأن الأول عندهم متحرك وذكر الكسائي أن سمع من عبد القيس إثبات همزة الوصل مع الإدغام قالوا: أرد وأغض وأمر ولم يحك ذلك أحد من البصريين وإذا إتصل بالمدغم فيه واو جمع أو ياء مخاطبة أو نون توكيد أبقى الحجازيون وغيرهم الإدغام لأن الفعل متحرك قبل هذه العلامات فتحريكه ليس بعارض فلا يرددان من شرط الإدغام عدم عروض حركة الحرف الثاني من المثلين. (1/5)
صفحة 6
قال بعضهم: التزم المدغمون فتح المدغم فيه قبل هاء الغائبة كردها ولم يردها لأن الهاء خفية فلم يعتدوا بوجودها فكان ما قبلها متصل بالألف بعدها والتزموا ضمه قبل هاء الغائب نحو: رده ولم يرده وحكى الكوفيون ضمه وكسره قبل هاء الغائبة وكسره وفتحه قبل هاء الغائب وذلك في مضموم الفاء وهاء الغائب يضمها الحجاز بعد ضمة وفتحة وكسرة وياء ساكنة وغيرها ويكسرها غيرهم بعد ياء ساكنة أو كسرة وحكى ثعلب فتح المدغم فيه وكسره وضمه قبل هاء الغائب.
قال الشيخ خالد: وغلطوه في تجويز الفتح.
قلت: مر عن الكوفيين حكاية الفتح فلا وجه لتغليظه دونهم ولا وجه لتغليظ واحد لأن من حفظ حجة وأما الكسر فالصحيح أنه لغة ضعيفة سمع الأخفش من ناس من بني عقيل مده وغضه بالكسر والتزم أكثرهم الكسر قبل ساكن كرد القوم ولم يرد القوم ورد ابن زيد لأنها حركة التقاء الساكنين في الأصل وبنو أسد يفتحون قبل الساكن.
قال في التسهيل: ولا يضم ا ه وحكى ابن جنى الضم وبالحركات الثلاث روى:
* فغض الطرف إنك من نمير *
والضم قليل وإن لم يتصل بالمدغم فيه واو الجماعة ولا ياء المخاطبة ولا نون التوكيد ولا هاء الغائبة ولا هاء الغائب ولا ساكن ففيه سواء كان مضموم الفاء أو مكسورها أو مفتوحها ثلاث لغات: الفتح المطلق وهو لغة بنى أسد وغيرهم والكسر مطلقا وهو لغة كعب ونمير والإتباع لحركة الفاء وهذا كثير من كلامهم وإذا اتصل به ضمير الرفع المتحرك وجب الفك عند جمهور العرب ولو أدغم لالتقى ساكنان لأن لغتهم تسكين ما قبل ذلك الضمير والإدغام لغة ضعيفة حكاها سيبويه عن الخليل عن ناس من بكر بن حاله بعد دخوله أي لم يسكنوا أخره كما يسكنه غيرهم لذلك الضمير فلم يلتقى ساكنان وإنما جاز الفك والإدغام في المضارع ولأمر محمول عليه. (1/6)
صفحة 7
وعن على باشا في شرح التسهيل: أن من يدغم من بكر بن وائل إنما يدغم مع زيادة حرف ساكن نحو: ردن بزيادة نون ساكنة قبل نون الإناث مدغمة فيها كغرهم وردات بزيادة ألف قبل تاء الضمير.
الثاني: أن في قوله: وضم عين معداه ويندر ذا كسر كما لازم ذا ضم احتملا وقوله: فذو التعدي بكسر حبه إلى قوله حر نهار لف ونشرا مرتين هذا هو الحق لأن البيت الأول مشتمل على اللف جميعا والأبيات بعده مشتملة على النشر جميعا وأما أن يكون اللف والنشر في البيتين الأولين أي مع زيادة قوله: وبث قطعا ونم كما زعم أبو يحي فباطل لأن البيت الأول مشتمل على جملة اللف والثاني مع ذكر مشتمل على بعض النشر فقط فتأمل.
الإعراب: الفاء رابطة لجواب شرط ما جازم أو غير جازم محذوف أو عاطفة للجملة الاسمية بعدها على الفعلية في قوله: ويندر ذا كسر وهي ( ح ) للترتيب الذكرى وهو عطف مفصل على مجمل نحو: ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) لأن قوله: ذا كسر كما الخ مجمل وقوله: فذو التعدي مفصل قاله الشيخ أبو يحي والترتيب الذكرى وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه بحسب الذكر لفظا لا أن الحكم عليه وقع بع الحكم على المعطوف عليه كما في المعنوي قاله خالد وفيه أن الترتيب الذكرى بذلك المعنى موجود مع إسقاط الفاء.
والجواب: أن لو أسقطت الفاء لم يفهم العطف فلا يرتبط الكلام بل يحتاج في تصحيحه إلى طول بأن يقال: في قام زيد بكر قام زيد قام بكر والأولى تفسيره بأنه بيان أن المعطوف متأخر ذكرا لتأخر رتبته على رتبة المتقدم وأكثر ما يكون بل غالبه في عطف مفصل على مجمل وتمثيل أبى يحي مبني على أن يراد إخراجهما مما كانا فيه من النعم والكرامة وإلا لو أعدنا الضمير في عنها الشجرة أو الجنة فلترتيب المعنوى في الأول وللتساوي في الثاني لان إخراجهما من الجنة بعد الإزلال عن الشجرة والذي كانا فيه هو الجنة. (1/7)
صفحة 8
وذو مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه واو محذوفة من اللسان والمكتوبة خطا دليل عليها وعلة حذفها دفع التقاء الساكنين والتعدي مضاف إليه وبكسر متعلق بمحذوف حال من حبه أي كائنا بكسر أو ملتبسا بكسر فالباء للمصاحبة.
وحبه بجملته اسم واحد محكى خبر أي بعض حبه لأن المتعدي بكسر هو حب ويضعف قوله بكسر حالا من ذو لضعف مجيء الحال من المبتدأ ويجوز تعليقه بمحذوف خبر وحبه بدل من ذو بدل كل والخبر ليس بأجنبي من المبتدأ فجاز فصله بين البدل والمبدل منه.
والواو للاستئناف أو لعطف الجملة الطلبية على الاسمية التي هي ذو التعدي الخ وع فعل أمر مبنى على حذف آخره وهو الياء والفاعل مستتر وجوبا وفاؤه محذوفة كما حذفت في يعي ولم يع ومعناه احفظ وإنما لم يلحقه هاء السكت لأنه الوصل وإذا وقف عليه فلا بد من هاء السكت لئلا يلزم الابتداء بالساكن أو سكن الوقف على المتحرك لو حرك وقفا وهكذا في كل فعل بقى على حرف واحد ولا محل للاطاله في ذلك هنا.
وذا حال من هر ويقدر لكل واحد من شد وعل وبت وغم حال حذف لدلالة الأول عليه أو يقدر الجميع حال واحد أي ذوات وجهين حذف لدلالة الأول أو يجعل ذا حالا من الجميع بتأويله بالفريق أو الصنف أو نحوهما أو بتأويل ذا بمعنى ذوات ويجوز جعل شد وما بعده مبتدأ ومعطوفا عليه محذوفا خبره أي وشد وعل وبت ونم كذلك.
والجملة مستأنفة وهي مفعول ع ويجوز جعل ذا مفعولا به لع وهر بدلا منه بدل كل باعتبار ما عطف عليه أو بيان أي احفظ هذا الذى اذكره هر وشد الخ ويجوز جعل ذا مفعولا به وهو خبر لمحذوف أي هو هر الخ أو مفعولا لمحذوف أي أعني هر الخ.
ووجهين مضاف اليه والمعطوفات كل معطوف على ما يليه أو على الأول وعله عللا معطوف بواو محذوفة والمجموع كلمة واحدة أريد لفظها لكن المراد حقيقة بعضه وهو عل. (1/8)
صفحة 9
وقطعا منصوب على نزع الخافض أي في القطع أو للقطع أو على نزعه وتقدير مضاف أي بمعنى القطع يتعلق بمحذوف حال من بت لأنه يدل على القطع إذا أراد المعنى أو يقدر مضاف حال أي دال قطع أو مفيد قطع وليس مفعولا مطلقا لبت كما قد يتوهم لأن المراد لفظ بت فبت اسم كرجل في البيت أي لفظا بت المستعمل بمعنى القطع ويجوز كون بت قطعا كلمة واحدة محكية قصد بعضها وهو بت أصلها أن بت فعل وقطعا مفعول مطلق وبذلك كله يقال في عله عللا.
واضمن مع اللزوم
في أمر ربه وجل مثل جلا
هبت وذرت وأج كرهم به
وعم ذم وسح مل أى ذملا
وأل لمعا وصرخا شك أ وشد
أى عدا شق خش غل أى دخلا
وقش قوم عليه الليل جن ورش
المزن طش وثل أصله ثللا
أى راث طل دم خب الحصان ونبت
كم نخل وعست ناقة بخلا
فست كذا.................................
..............................
أى اضمم ولا بد عين مضارع هذه الأغعال المفتوح ماضبها عين المضاعفة اللازمة والقياس الكسر وهي ثمانية وعشرون:
الأول: مر به أو عليه يمر بالضم مرا أو مرورا خطر وذهب أو ذهب وجاز ولو لم يكن الخطور والمنصوب بعده على نزع الخافض ضرورة وقيل وسعة لا على التعدي وظاهر القاموس أنه على التعدي فالضم فيه متعديا قياسى وفيه لازما سماعى وقيده الناظم بقوله: به احتراز من مر ضد حلا فإنه فعل بالكسر ومضارعه يمر بالفتح وفي الحديث القدسي: (( يا دنياي مرى على اوليائى ولا تحلولى فتفتنيهم )).
وقال في القاموس: يفتح ويضم وظاهره أن ماضيه فعل بالفتح ومن مر بعيره شد عليه الحبل فانه متعد مضموم المضارع ومن مررت بالمزاج أى غلبت على المرة بالكسر وهي مزاج بدنى فانه مبنى للمفعول. (1/9)
صفحة 10
الثانى: جل عن موضعه يجل بالضم جلولا زال عنه مثل جلا عنه يجلو أى انكشف عنه وزال واحترز بقوله: مثل جلا أى مثله في المعنى كما رأيت عن جلا بمعنى عظم أو أسن أو احتنك فان مضارعه يجل بالكسر وكذا جل الشيء في العين وجل احتقر وصغر وعن جل البعر والعذرة جمعهما والتقطهما وعن جللت الدابة أجلها ألبستها الجل وعن جللت هذا على نفسك حننته فانه متعدى مضموم عين مضارعه.
ويفال أيضا: جلت الدابة بالكسر أجلها بالفتح لكن جلا غير صريح في المراد لأن له معانى سوى الارتحال عن الموضع مثل جلا الخبر أى اتضح وجلا بثوبه ألقاه ولكن فعل ذلك لشهرة جلا بمعنى زال عن موضعه وما كان متعديا من معانى جلا يخرج بأن جل المتكلم فيه لازم فتفسيره باللازم أليق ولأن معانى جلا كلها لا تخرج عن بعض معانى الزوال والارتحال والناظم حافظ على جل الذى بمعنى زال وارتحل واحترز عن غيره فأخل بطرده ولو قال وجل أى رحلا كان أولى في الأفهام وأبين وان فاته التنبيه على أنه وجلا مترادفان وجلا في البيت واوى اللام.
الثالث: هبت الريح تهب بالضم تحركت هبا وهبوبا وهبيبا وهب من نومه هبا وهبوبا انتبه وهب السائر نشط وأسرع هبا وهبوبا وهبابا يكسر هاء الأخير وهب السيف اهتز وهب غاب وهب في الحرب انهزم وهب يفعل طفق وهببت به دعوته ليترو ولا يقال هببته على التعدى خلافا للجوهرى وهب جاء.
فمضارع الكل بالضم فتقييد الناظم في بعض كتبه وصاحب فتح الأقفال كصاحب تحقيق المقال وأبى يحي هب بالريح ليس بشيء وقد يقال: ليس ذلك بتقييد وخرج هبه يهبه بالضم لأنه متعد أى قطعه أو أيقظه من النوم وخرج هب التيس يهب بالكسر ويهب بالضم نب للفساد فهو بالوجهين. (1/10)
صفحة 11
الرابع: ذرت الشمس بذال معجمه تذر بالضم أى طلعت أو فاض شفاعها على الأرض وذر البقل يذر طلع وذر الرجل يذر تخدد والكل بالضم فتقييد صاحب فتح الأقفال بذرت الشمس قصور أو اقتصار وخرج ذر الرجل أى شاب مقدم رأسه فان مضارعه يذر بالفتح شاذا وخرجت ذرت الأرض النبت أطلعته قانه متعد وعين مضارعه مضمومة على القياس.
الخامس: أج الرجل أو المرأة أو غيرهما يؤج بالضم أجا أسرع وأج الظليم أسرع أو عدا وأجت النار تؤج أى تلهبت أو سمع لها دوى وأجت الريح سمع لها دوى وكون أج الظليم يؤج بالضم فقط هو ما عليه صاحب فتح الأقفال وصاحب تحقيق المقال وهو باطل ومثله قول أبى يحي: أج الرجل فانه جاء أيضا بالكسر على القياس كما في القاموس فلا ينبغي تخريج النظم عليه.
وأما أج الماء أى مر أى لم يحل فهو بالفتح في الملضي والضم في المضارع ككتب يكتب ويأجج بفتح الجيم والماضى أجج بكسر ويأجج بضمها والماضى أجج بفتحها ويأجج بكسرها والماضى بفتحها وليس داخلا في كلام الناظم كما لا يدخل فيه أجج بالفتح يأجج بالفتح أيضا أى حمل على العدو.
السادس: كر على قرنه بكسر القاف أى كفؤه في الشجاعة يكر بالضم أى رجع وكر الى الشيء مطلقا يكر وكر عنه رجع يكر ولا فائدة في تقييده بكر على قرنه ولو فعله صاحب فتح الأقفال وخرج كر أى صات من صدره صوتا كصوت المنخنق فانه مكسور العين ومضارعه مفتوحها ويجئ أيضا مفتوحها ومضارعه مكسورها.
السابع: هم بالأمر يهم بالضم أى قصده وأراده وقيده بقوله به ليخرج همت خشاخش تهم أى دبت فانه بالكسر على القياس وليخرج همه الأمر يهمه أحزنه وهم الشحم أذابه وهم اللبن حلبه وهم الناقة جهدها فانها متعديات مضموم عين مضارعها. (1/11)
صفحة 12
الثامن: عم النبات والنخلة تعمان أى طالا وهو بعين مهمله وكذا عم بمعنى صار عما فتقييد صاحب فتح الأقفال بعم النبات والنخلة قصور أو اقتصار وخرج عمه يعمه بالضم أى شمله فانه متعد وخرج غمه بغين معجمه يغمه أحزنه وغم الحمار وغيره يغمه ألقم فاه ومنخريه الغمامه بالكسر وغم الشئ غطاه فانها مضموم مضارعاتها على القياس لتعديها وأما غم اليوم بالمعجمة أيضا أى اشتد حره فانه لازم مضموم المضارع مثل غم النبات والنخل بمهملة.
التاسع: زم بزاء معجمة يزم بالضم تكبر وزم البعير بأنفه أو برأسه رفع رأسه وزمت القربه بالرفع امتلأت وكذا غيرها وزم تقدم في السير أو تكلم وكلام الناظم شامل لذلك وأما زم العصفور أى صات صوتا ضعيفا فمضارعه يزم بالكسر على القياس وهو وارد على الناظم وأما زم الشئ بمعنى شده وزم القربة أو غيرها أى ملأها وزم البعير حطمه وأوثقه وزم النعل جعل لها زماما فمتعديات مضموم مضارعها.
العاشر: سح المطر يسح بالضم أى نزل بكثرة وسحت العين أى نزل دمعها بكثرة وسح الماء والزيت واللبن ونحوها سال من فوق ويقال في ذلك سحه يسحه بالتعدى والضم قياسا صرح به صاحب تحقيق المقال وأشار اليه في القاموس بقوله: السح الحب والسيلان فان الصب متعد والسيلان لازم وهو بمهملتين ومثله شخ بمعجمتين ببوله صات وشخ في نومه غط فانه لازم مفتوح فى الماضى مضموم فى المضارع.
وأما شححت بالشين المعجمة والحاء المهملة والفتح فمضارعه يشح بالكسر قياسا والضم شذوذا وأما شححت بالكسر فمضارعه مفتوح وأما شج بالمعجمة وجيم فقد تقدم وأما سج بمهملة فجيم بمعنى رق غائطه فمضارعه ضموم مثل سح بالمهملتين وكذا سخ بمهملة فخاء معجمه أمعن في الحفر أو في السير أو غرز الجراد ذنبها في الأرض. (1/12)
صفحة 13
الحادي عشر: مل يمل بالضم بمعنى أسرع كذمل أى أسرع أو مشى فوق العنق أو مشيا لينا ما كان واحترز بقوله : أى ذملا عن مل الخبزة أو اللحم بمعنى أدخلها الملة وهى الرماد الحار أو الجمر فإن مضارعه مضموم قياسا لتعديه وعن مللته بالكسر ومللت منه فمضارعه أمل بالفتح وعن مل السهم أو القوس بالنار عالجه بها ومل الشئ فى الجمر أدخله فيه.
وعن مل الثوب خاطه فان مضارع الكل مضموم متعد وقيل مفتوح وأن الماضى مكسور وعن مل عليه السفر أى طال يمل بالفتح فى المضارع والكسر فى الماضى وكذا مل بمعنى تقلب مرضا أو غما وعن مللته بالفتح أمله بالضم أى قلبته فإنه مضموم متعد.
الثاني عشر: أل السيف يؤل بالضم أى صفا ولمع كما أشار إليه بقوله: لمعا وأل العليل وغيره يؤل صرخ كما أشار إليه بقوله: وصرخا وكذا في شرح التسهيل واحترز بقوله لمعا وصرخا عن أل بمعنى أسرع أو اهتز أو اضطرب فإن مضارعه بالضم على القياس للزومه.
وعن أل فلانا طعنه وطرده وأل الثوب خاطه تضريبا وأله عليه حمله فإن مضارعه بالضم قياسا لتعديها وبالكسر شذوذا وبقى على الناظم أل الفرس أى نصب اذنيه وحددهما وأل الصقر أى أبى أن يصيد فإن مضارع الكل مضموم لازم.
وجعل في القاموس مضارع أل الحزين والمريض أى أن وحن ورفع صوته بالدعاء وأل صرخ عند المصيبه مكسورا فقط على القياس وجعل مضارع أل بمعنى لمع بالضم والكسر مثل: صد وأث وخر.
الثالث عشر: شك في الأمر يشك تردد فيه وشك البعير يشك بالضم أى ظلع وشك في السلاح يشك كذلك أى دخل فيه وكلام الناظم شامل لذلك فلا فائده في تقييد فتح الأقفال بالأول وكذا تحقيق المقال وشامل أيضا لشك البعير لزق عضده بالجنب وأما شكه بالرمح انتطقه فمضارعه مضموم على القياس لتعديه وأما شككته وشككت إليه أى زكنت فهو مكسور والمضارع مفتوح. (1/13)
صفحة 14
الرابع عشر: أب يؤب تهيأ لسفر أو لذهاب ما كذا في الصحاح والضياء وشرح التسهيل بالضم وجعل في القاموس مضارع أب المذكور ومضارع أب الى وطنه أى اشتاق بالضم والكسر وأما أب بيده الى سيفه وأب بسيفه أى رد يده ليأخذه فمضارعه بالضم شذوذا فكلام الناظم شامل له.
وأما أب يد إلى سيفه أى ردها ليسله فمضارعه بالضم قياسا لتعديه وكذا أبه أى حركه وأما أب أبه أى قصد قصده فبالضم شذوذا إن جعل لازما وقياسا إن جعل متعديا وأما أبت إبابته أى استقامت طريقته فضم مضارعه شذوذا للزومه وكذا أب بمعنى هزم وأب تيسر.
الخامس عشر: شد يشد بمهمله بمعنى عدا أى تعدى وظلم أو مشى نوع مشى وأما شده بالتعدى فقد مر أنه بالضم والكسر وعنه احترز بقوله: أى عدا فانظر ما مر هناك.
السادس عشر: شق عليه الأمر يشق شقا وشقه اذا أضر به وشق بصر الميت اذا نظر إلى شئ نظرا لا يرتد اليه طرفه وشق عمود الصبح لاح وشق ناب البعير طلع وشق عليه أوقعه في المشقة إما لثق الشئ صدعه أوفرقه وشق العصى فارق الجماعة فالضم في مضارعه قياسى لأنه متعد ويرد على الناظم شق الرجل أى طال فان مضارعه يشق بالفتح إلا إن قيل : إن الماضى مكسور العين.
السابع عشر: خش في الشئ يخش بالمعجمتين أى دخل وخش السحاب جاء بالليل وكلام الناظم شامل لذلك فليس قوله أى دخلا تفسير لحش وغل جميعا بل لغل فقط وزعم أو يحي أنه تفسير لها وليس بشئ لأن خش السحاب أى جاء بالليل مثل خش بمعنى دخل إلا إن قيل: خش السحاب بمعنى جاء بالليل فيه معنى دخل في الليل.
وأما خششت فلانا أى شنأته ولمته في خفاء وخششت البعير أدخلت في أنفه الخشاش وهو ما يدخل في أنفه من خشب فمضارعه مضموم قياسا لتعديه. (1/14)
صفحة 15
الثامن عشر: غل فيه يغل أى دخل وفسره به الناظم احترازا من غل الشئ يغله بالضم أى سرقه فانه متعد فضمه مقيس ومن غل يغل أى حقد وغل يغل أى لم يرو عطشا فان مضارعه بالكسر وفي القاموس غل بالبناء للمفعول أى لم يرد فهو عطشان وغل البعير يغل بفتحها وقد يقال بتعد خش وغل اذا كانا مثل دخل كما يعلم من باب التعدى واللزوم وبسطته في غير هذا.
التاسع عشر: قش القوم يقشون حسنت حالهم بعد بؤس قاله أبو يحي وقال صاحب التحقيق: حيوا بعد الهزال وقال في القاموس: صلحوا بعد الهزال والأول أعم وقشوا أكلوا من ها هنا وها هنا وقش لف ما قدر عليه وقش مشى مشى المهزول أو أكل ما يلقيه الناس على المزابل أو أكل كسر الصدقة وقش النبات يبس وقش القوم انطلقوا.
وأما قش الشئ جمعه أو حكه بيده حتى يتحات قش الناقه أسرع حلبها فضم مضارعاتها مقيس لأنها متعديه.
المتمم العشرين: جن عليه الليل يجن أظلم وقيده بقوله: عليه احترازا من جنه الليل فإن ضم مضارعه مقيس لأنه متعد أى ستره وعن جن الشئ ستره كذلك بضم مضارعه قياسا لتعديه وعن جن في الرحم يجن بالكسر على القياس أى استتر وعن جن بالبناء للمفعول أى أزيل عقله وعن جنت الأرض بالبناء للمفعول أى أنبت فيها الزهر والنور.
قال صاحب تحقيق المقال: ومادة جن تدور مع الستر حيثما دار سترنا الله بستره في الدنيا والآخرة بجاه سيدنا محمد أى عندنا صلى الله عليه وسلم.
الحادي والعشرون: رش المزن يرش أى جاء بالرش أى أمطر مطرا ضعيفا والمزن السحاب الأبيض أو السحاب مطلقا أو ذو الماء خلاف ورشت الطعنة جاءت بالرش أو اتسعت فتفرق دمها وأما رش الفصيل حك ذنبه ليرتضع ورش الفرس عرفه بالركض فضم مضارعهما لتعديهما. (1/15)
صفحة 16
الثانى والعشرون: طش المزن يطش أمطر مطرا خفيفا دون الرش وفوق الرذاذ والذى في القاموس أن مضارعه بالكسر والضم وظاهر الصحاح أنه بالكسر فقط على القياس حيث أطلقه ولم ينبه على شذوذه كعادته ولم يضبطه وخرج كلش الرجل بالبناء للمفعول أى أصابه داء كالزكام.
الثالث والعشرون: ثل الفرس والحمار ونحوهما يثل بمثلثة أى راث أى خرج الروث وفسره براث احترازا من ثل البئر يثلها أى أخرج منها التراب ومن ثله أهلكه ومن ثل التراب المجتمع أو الكثيب حركه بيده أو من إحدى جوانبه ومن ثل التراب أهاله ومن ثل الدراهم صبها ومن ثل الله عرشه أماته وأذهب ملكه أو أعزه.
فإن ضم مضارعاتها قياسى لأنها متعديه ولا فائدة في قوله أصله ثللا لأنه معلوم أنه مفتوح لأن الكلام على فعل المفتوح المضاعف الا تتميم البيت وقد يقال: إنه نبه على أصله الفتح فأدغم إشعارا بأنه فتح ولو كان من الأعراض والغالب في الأعراض الكسر وفيه أنه معلوم أنه بالفتح لأن الكلام في المفتوح بدون تنبيه فيظهر أن فائدته تتميم البيت وأن وزنه فعل بالفتح فأدغم والتنبيه على الفتح من هذا الجانب غير التنبيه المطلق المعترض بأنه لا حاجة إليه لأن الكلام في المفتوح فافهم.
والرابع والعشرون: طل دمه أى بطل وضاع ولم يعاقب الجانى عليه وهو مرادف لهدر وقيل: الإهدار أخص من الطل لأن الطل لا يقتل قاتله ولا تعطى فيه دية والإهدار ان يكون القتل مباحا امنا فاعله ولا يتبع بجريرته ولا تخشى عاقبته وذلك مبنى على استعمال طل مبنيا للفاعل والمشهور هو الأكثر بناؤه للمفعول كما في القاموس وعلى استعماله لازما واحترز عما إذا استعمل متعديا نحو: طل زيد دم عمرو فان الضم في مضارعه مقيس وتعديته هي الموافقه لبنائه للمفعول ونيابة الدم أو ضميره عن الفاعل فتعديته أكثر. (1/16)
صفحة 17
وورد طل يطل بالكسر على القياس وجاء طللته بكسر اللام أطله بفتح الطاء نقلا من اللام المدغمة ولا شاهد فيهما وخرج أيضا طل طلاله أى أعجب فإن عينيه مكسورة ومضارعه مفتوح العين وخرج طله لمدة يقصه إياه وطله أحقه أبطله وطل غريمه مطله وطله حقه منعه وطله أى طلاه فإن مضارعاتها مضمومة قياسا لتعديها.
وأما طلت الأرض نزل عليها الطل أى المطر الضعيف أو أخفه وأضعفه أو الندى أو فوقه ودون المطر فمبنى للمفعول.
الخامس والعشرون: خب الحصان وغيره يخب أسرع وخب النبات يخب طال بسرعة وقيل: خب مشى مشيا دون الإسراع وقيل: بمعنى مبادئ الجري وقيل من العدو وقيل: كالرمل وقيل: أن ينقل الفرس أيامنه جميعا وأياسره جميعا وقيل: أن يراوج بين يديه.
قال بعض : وخب النبات طال وارتفع ولم يقيده بسرعة وخب الرجل منع ما عنده وخب نزل المنهبط من الأرض ليجهل موضعه بخلا وخب البحر اضطراب وكذا خب الماء مطلقا وخب للشراب وخب زيد صار خداعا.
وخرج خب زيد غش فإنه مكسورة عين الماضى ومفتوحه عين المضارع والحصان بكسر الحاء الفرس الذكر وقيل: الفرس الضنين بمائه وفي الصحاح سمي حصانا لأنه ضنن بمائه فلم ينز إلا على كريمة ثم كنز ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانا.
السادس والعشرون: كم النخل يكم طلعت أكمامه أى أوعيته طلعه وكم النبات والشجر طلع غطاء نوره وكم الناس اجتمعوا.
وخرج كم فم البعير يكمه غطاه لئلا يعض وكم الحب يكمه شدد رأسه فإن ضم مضارعتها قياسى لتعديها وخرج أيضا كمت النخله فهي مكموم بلا هاء وكم الغسيل أشفق عليه فستر حتى يقوى لأنهما مبنيان للمفعول متعديان. (1/17)
صفحة 18
السابع والعشرون: عست الناقه تعس بعين وسين مهملتين أى رعت وحدها كما أشار إليه بقوله: بخلا أى بموضع خال وأصله المد قصر ضرورة والباء ظرفية وهذا أولى وأظهر من جعل الخلا بمعنى الحشيش الرطب فيكون مقصورا على الأصل والباء بمعنى في أى رعت في الحشيش كما قال صاحب التحقيق أو بمعنى من كما قال صاحب الفتح ومنه أخذت المخلاة لأنه يجعل فيها الخلا العلف والواحدة خلاة ووجه كون ذلك أولى وأظهر مع أن فيه استعمال ضرورة قصر الممدود أن فيه إشارة إلى تفسير عست وعست معناه رعت وحدها في موضع خال سواء رعت من الحشيش الرطب أم من اليابس.
وكذلك عست الناقة تعس أى لا تدد حتى تباعد الناس وعس زيد يعس طاف بالليل وعس خبره أبطأ وأما عس زيد القوم أى أطعمهم شيئا قليلا فضم عين مضارعه قياسى لتعديه.
والخلاء بالمد مقلوبة همزته عن واو وألف الخلى بالقصر عن ياء فإن أزيد الأول في البيت كتب بالألف لأنها مقلوبة عن واو بل لأنها وسط لأن الهمزة مقدرة بعدها وهذه الهمزة هي المقلوبة عن واو وإن أزيد الثاني كتب بالياء.
والثامن والعشرون: قست بقاف وسين مهملة أى رعت وحدها قال في تحقيق المقال ولولا قوله: قست كذا لاحتمل أن يكون عست معناه لا تدر حتى تتفرد عن الناس وقس الرجل مشى بالنميمة واغتاب لأنه أيضا بالضم في المضارع شذوذا وأما قسه أى أذاه بكلام قبيح فضم مضارعه قياسى لتعديه.
فهذه ثمانية وعشرون فعلا مفتوح عين ماضيها مضاعفة لازمة مضموم عين مضارعها شذوذا ولم تكسر مع أن الكسر هو القياس المضاعفة واللزوم هذا مراد الناظم وسبق الإنتقاد عليه في أل و أب وطش وغيرها وبقيت على الناظم ثمانية وعشرون فعلا أخرى هي مثل الثمانية والعشرين التي ذكرها في فتح عين الماضى والمضاعفة واللزوم وانفرد الضم شذوذا في مضارعاتها فإذا حسبناها مع ما ذكر الناظم يكون الخارج ستة وخمسين فنقول: (1/18)
صفحة 19
التاسع والعشرون: متّ إليه بقرابة يمتُّ بالضم، أي توسل، ولا يقال في التوسل بغير قرابة خلافاً لبعض.
المتمم الثلاثين: ثجّ الماء يثج بمثلثة سال، ويستعمل متعدياً فيكون ضمه قياساً، ثجه يثجُّه أي أسَاَله، وليس مختصاً بالماء، بل يقال أيضاً: ثج دم الهدى يثج أي سال.
الحادي والثلاثون: سج زيد بمهملة فجيم أي رق غائطه، وأما سجّ الحائط يسجّه أي طينه فمتعدّ مضموم قياساً.
الثاني والثلاثون: أحّ الرجل يؤح بهملة سعل.
الثالث والثلاثون: سخّ في الحفر أو السير يسخّ أمعن، وقد تقدم هذا والذي قبله، وسخت الجرادة غرزت ذنبها في الأرض أي لتبيض وقد مرّ أيضاً.
الرابع والثلاثون: أدّ البعير يؤد هدر، أو رّجع الحنين في جوفه، وأدت الناقة تؤدّ أي حنت، وأد في الأرض ذهب، وأما أد الشيء يؤده مدّه فالضم فيه قياس لتعديه، وأما أدته الداهية فمضارعه مضموم على القياس، ويكسر ويفتح على الشذوذ.
الخامس والثلاثون: حدّ يحدّ غضب، وأما حدّ يحدّ أي طاش وخف عند الغضب فمضارعه بالكسر قياساً، والضم شذوذاً.
السادس والثلاثون: عرّ الظليم يعرّ بمهملتين صاح، وأما عرّ البعير مثلاً يعرّ أي جرب فمضارعه بالضم والكسر.
السابع والثلاثون: حصّ الحمار يحصّ ضم أذنيه، وحرك ذنبه، وضرب به، وحص يحص ضرط أو مشى شديداً، أو جرب، وأما حصّ الشعر يحصه فمتعدّ ضمه قياسي.
الثامن والثلاثون: لطَّت الناقة بذنبها تلط أي ألصقته بين فخذيها مطلقاً، وقيل: عند المسمى بالعدو، وأما لطَّ الخبر أي طواه، ولط الباب أغلقه، ولططت الشيء ألصقته، ولطَّ حقَّه جحده، والمضارع فيها مضموم قياس لتعديتها، وأما لطَّ بالأمر أي لزم، ولط عليه ستر فمضارعهما مكسور قياساً للزومه.
التاسع والثلاثون: كفّ بصره يكف أي عمى، ويقال أيضا: كف بصره بالبناء للمفعول فهو متعدّ لازم، وكفت الناقة تكف أي تآكلت أسنانها من الكبر حتىّ تكاد تذهب، وكفّ الشاعر يكف أسقط الحروف السابع الساكن من الجزء. (1/19)
صفحة 20
وأما كف الثوب أي خاط حاشيته، وكف الإناء ملاُه مفرطا، وكف رجله عصبا بخرقة، وكفّ العيبة شدّ ها، وكفه دفعه وصرفه وصرفه فمضارعاتها مضمومة قياساً لتعديتها، وأما كف عنه فلازم مضموم شذوذاً فينبغى حدّ ه.
المتمم الأربعين: بقّ يبق أي كثر كلامه، وبق النبات طلع، وبقت المرأة كثر ولدها، وبقت السماء جاء بمطر شديد، ويق الوادي خرج بقاقه، وبقت الغنم وادت، وهي مهازيل، وبق أوسع في العطية، وأما بق عيابه أي نشرها، وبق ماله فرقه، وبق الجراب شقه، فضم مضارعاتها قياسي لتعديها.
الحادي والأربعون: شقّ بصر الميت تبع روحه.
الثاني والأربعون: عكّ اليوم أو الليلة كذا قيل، والذي في القاموسكسر مضارعه على القياس أي اشتد حرّ ه، وسكنت ريحه، وأما عكَّه عليه عطفه، وعك فلانا حدثه بحديث فاستعاذ منه مرتين أو ثلاثا، وعك فلاناً ما طله بحقه، وعكه بشر كرره عليه، وعكه عن حاجته صرفه، وعكه بالحجة قهرة بها، وعكه بالأمر ردّ ه عليه حتى أتبعه، وعكه بالسوط ضربه، وعك الكلام فسره، فضم مضارعاتها على القياس لتعديها.
الثالث والأربعون: فك يفك هرم، وفكت يده انكسرت، وفك منكبه استرخى، وانفرج، وأما فك أي حمق في استرخاء فهو مكسور العين، مفتوح العين في المضارع كعلم يعلم، ومضومها ككرم يكرم، وأما فكه أي خلصه أو فصله، وفك الرقبة أي خلصها أي أعتقها، وفك يده فتحها عما فيها، وفك يده كسرها، فضم مضارعاتها على القياس.
الرابع والأربعون: أمَّت المرأة تؤم صارت آمَّا، وأما أمَّه أي قصده، وأمَّه أصاب أم رأسه فضم مضارعيها على القياس لتعديهما.
الخامس والأربعون: غمّ اليوم يغمّ اشتد حرّ ه، وكذا الليلة، وغم في الحرب اشتد عليه الأمر، وأما غمّ الهلال وغمّ الخبر فمبنيان للمفعول به.
السادس والأربعون: حنّ عنه يحنّ أي صد وأعرض. (1/20)
صفحة 21
السابع والأربعون: ذبّ عنه بالذال المعجمة يذبّ أي دفع، وذب يذبّ اختف، ولم يستقم في مكان، وذبّ في الغدير جفّ في آخر الحر، وذب هزل، وذب النبات دَوِى، وذب النهار بقيت منه بقية قليلة، وذبّ فلان شحب لونه، وذب أتعب في السير، وأما ذبت شبته جفت عطشا فمضارعه بالكسر على القياس.
الثامن والأربعون: نص على كذا ينص عينه وأظهره أو أسنده إلى الرئيس الأكبر، ونص الشواء صوّت على النار، ونصت القدر غلت.
وأما نص الحديث إليه رفعه، ونص ناقته استخرج أقصى سيرها، ونصه حركه، ونص أنفه حركه غصباً، ونص الأشياء جعل بعضها على بعض، ونصه استقصى سؤاله عن الشىء، ونص العروس أقعدها على المنصة أي ما ترفع عليه، ونصه أظهره، فضم مضارعاتها على القياس لتعديها.
التاسع والأربعون: غض من طرفه بمعجمتين يغض أي خفضه، وغضَّ منه نقص كغض من صوته، وغض من قدره وضع منه، وقيل غرض طرفه بالتعدى أي حفضه، وغض منه باللزوم نقص، فالضم في متعديه قياسي كالضم في مضارع غض الغصن أي كسره، ولم ينعم كسره وغضّ الشئ نقصه، وأما غضت البقرة أي كانت قريبة العهد بالنتاج، أي نتجت قريباً فمكسورة عينه مفتوحه عين مضارعه، ومفتوحة عينه مع عين مضارعه.
المتم الخمسين: حطَّ بالمكان يحطُّ أي نزل، وحط من علوّ إلى أسفل، وأما حطه أي وضعه وحط الجلد صقله ونقشه، فمضارعهما بالضم على القياس لتعديهما.
حادي والخمسون: خطَّ بالقلم يخطُّ أي كتب، وخط منه أي أكل عنه قليلا، وأما حظه أي كتبه بالتعدى وخطها أي جامعها نوعا من الجماع فضم مضارعهما قياسي لتعديتهما. (1/21)
صفحة 22
الثاني والخمسون: حَفّ القوم به يحفون أي أحدقوا، وأما حفّ رأسه أي بعد عهده بالدّهن، وحفت الأرض يبس بقلها، وحف سمعه ذهب كله، وحفّ الفرس سمع عند ركضه صوت، وحفت الأفعى صاتت بجلدها، وحفّ الطائر كذلك، وحفت الشجرة صاتت، فمضارعاتها بالكسر على القياس، وقيل بالضم شذوذاً، وأما ضم مضارع حف رأسه أو شاربه أخفاهما، وحفت وجهها قشرته فقياس لتعديهما.
الثالث والخمسون: صفوا يصفون أي وقفوا صفوفاً، وأما صف الناقة أي حلبها في محلتين أو ثلاث، وصف الطائر جناحيه أي جعلها مصطفين، وصفت الناقة أقداحا من لبنها، وصفت ثديها عند الحلب، وصفت قوائمها، وصففت القوم أقمتهم صفوفا، وصففت السرج جعلت له صفة، فضم مضارعاتها قياسي لتعديها.
الرابع والخمسون: عقّ عن والده يعق، وعقّ عن المولود ذبح عنه، وعق بالسهم رمى به نحو السماء، وعقّ انشقّ.
وأما عقّ والده يعقه فضمه قياس لتعدّيه، وأما عقت الفرس أي صارت حاملاً أو حائلا أو هو على التفاؤل فمضارعه بالكسر على القياس.
الخامس والخمسون: حلّ بالمكان يحل أي نزل به، وسمع كسره على القياس، وأما يحلُّه فضمه على القياس لتعدّيه، وأما يحل من إحرامه ويحل أي لم تحرم فمكسور أن قياساً.
السادس والخمسون: منّ عليه يمنّ أي أنعم عليه، ومنّ الشئ نقص، وأما منَّه أي امتنّ أي ذكر له ما أنعم عليه به، ومن الحبل قطعه، ومنّ الناقة حسرها، ومنه السير أصعفه وأعياه، فضم مضارعاتها مقيس لتعديها.
ومنّ تتبع كلامنا في أثناء بيان تلك الستة والخمسين، فإنه يجد أكثر من ذلك، وإنما جاء الضم في ذلك مع اللزوم الملاحظة التعدية، فإن كثيراً منها يستعمل متعدّيا ولازما، وأصل المعنى واحد مثل: خطَّ بالقلم فإنه يقال: خط المسألة، بل قد يقال في خط بالقلم إنه من باب حذف المفعول، أو من باب عدم إرادته، ومثل: طل، وكثيراً في معنى ما هو متعدّ مثل: ثل أي راث يقال: ثل التراب أي أهاله وصبه، فكأن الدابة تلت روثها أي صبته. (1/22)
صفحة 23
ومثل: زم فإنه يقال زمه أي رفع زم البعير رأسه رفعه، وزمّ الشيء شدّه، وقد قيل أصله زمّ متعدّ لأجل ذلك، وأصل ملّ التَّعدِي ملَّه، أي ضجر منه، وأصل شدّ التعدي شدّ المتاع يشدَّه، وأصل غلّ كذلك غلَّه سرقه وأخفاه، وأصل ثل كذلك وسحّ المطر، وخش وغل، وجنّ الليل، ورش المزن، وذرّت الشمس، وحل البعر يحلَّه التقطه، وكال القوم عند جلائهم التقطوا أمتعتهم، ثم حذف المفعول ويقال: هبَّه من النوم، وكأن الرّيح هبت الأشجار، أي حركتها.
ويقال: درّ الملح وغيره، وكأن الشمس درّت شعاعها أفاضته، وسححت الماء، وخش متاعه وغلَّه أي أدخله وأخفاه، وجنَّه الليل ستره، ورش المكان بله، وكأن المزن رش الأرض، وكممت الشيء سترته وأصل ذلك التعدي ثم طرأ عليه اللزوم، وأبقى الضم وكذا غيرها، وكذا ذبّ أصله التعدي ذبَّه يذبُّه، ونصه رفعه أو أظهره، ويستعملان كذلك، وغضّ طرفه، وحط رحله، وخفَّه (وحففناهما بنخل) وصفّ قدميه، وصف الطائر جناحيه، وعقّ العقيق، وحلّ المنزل أي نزله، ومن عليه النعمة أي ذكرها (وتلك نعمة تمنُّها) وغير ذلك مما يعلم مما مرّ في تلك المواد، وكون الشيء أصله التعدية لا ينافي عدّ ضمه بعد لزومه شذوذاً باعتبار، وكون فعل لازم وافق لفظ فعل متعدّ لا يوجب كون أصله التعدية.
فائدتان:
الأولى: أنه وقع في عبارة الناظم وغيره، وعبارتي ذكر الشيء وتفسيره، وقد نصّ الأدباء على أن جمع المفسر والفسر باطل.
والجواب: أنه ذكر السيد في حواشي الوافية وابنه في الرشاد، أن محل البطلان ما إذا لم ينشأ الإبهام في المفسر إلاّ من حذفه، وأما المفسر الذي فيه إبهام بدون حذفه، فيجوز الجمع بينه وبين مفسره، كقولك: جاءني رجل أي زيد، وما فعلناه من هذا القبيل. (1/23)
صفحة 24
الثانية: ذكر ابن هشام وغيره أنه إذا وقعت أي المفسرّة بعد تقول، وقبل فعل مسند للضمير المذكور قبلها، وحكى الضمير كقولك تقول: استكتمته الحديث، أي سألته كتمانه، ويقال ذلك بضم التاء أي تاء سألته كما ضمت تاء استكتمته، ولو فتحت تاء استكتمته لفتحت تاء سألته، وكذا الكسر.
ولو جئت باذا مكان أي فتحت فقلت: إذا سألته، لأن إذا ظرف لتقول، وهو للخطاب فيكون ما بعده كذلك، ويضم بعد إذا إن سبقها لفظ أقول، وإن كان القول مبنياً للمفعول جاز الوجهان: الضم بعد إذا على إرادة أقول، والفتح على إرادة تقول.
وقد ناقش التفتازاني الزمخشري في قوله: لقيته ولاقيته إذا استقبلته، فقال التفتازاني: حق التكلم تقول بلفظ الخطاب أو أي استقبلته بضم التاء، وبأي المفسرة، وذلك أنه إذا أريد تفسير الفعل المسند إلى ضمير المتكلم، فإن أتى بكلمة أي كان ما بعدها مطابقاً لما قبلها، ويجوز في صدر الكلام تقول على الخطاب، ويقال بالبناء للمفعول وإن أتى بكلمة إذا كان صدر الكلام في موضع الجزاء، فيجب أن يكون ما بعد إذا على لفظ الخطاب، أي إذا استقبلت تقول لقيته، ولا يستقيم إذا استقبلته، يقال: لقيته إلا إذا قدر القائل هو المخاطب.
قال في فتح الهادي شرح جمل المجرادي: إذا فسرت جملة فعلية مسندة إلى ضمير المتكلم بأي ضممت تقول: استكتمته سرّي، أي سألته كتمانه بضمها، لأنك تحكيه، وإذا فسرتها بإذا فتحت لأنك تخاطبه أي تقول ذلك إذا قلت ذلك القول، وفي بعض حواشي الكاف السرّ في الضم أن أي مفسرة فينبغي أن يطابق ما بعدها لما قبلها.
الإعراب: الواو للإستئناف، أو لعطف جملة طلبية فعلية بعدها على اسمية خبرية في قوله: فذو التعدي إلخ، أو على مثلها في قوله: وع ذا وجهين، بل هو الأولى لأنه يمنع تعاطف الخبر والإنشاء، واضممن فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الشديدة، ونون التوكيد الشديدة والفاعل مستتر وجوباً. (1/24)
صفحة 25
ومع ظرف متعلق بمحذوف حال من مستتر أضممن، ويجوز تعليقه بمحذوف حال من امرر به، وما بعده لإجازة الناظم، سبق الحال أو ظرفه الاستقراري على صاحبه المجرور بحرف جرّ، ولكنه ضعيف هنا إن لم يمنع، لأن قوله في امرر به على حذف مضاف أي في مضارع امرر به، والحال الآتي من المضاف إليه لا يتقدم هو ولا معموله على المضاف، إلاّ إن قيل: إذا قدّر المضاف أو لوحظ كانت الحالية منه لا من المضاف إليه، ويبقى بعد فيه ما مرّ من سبق الحال أو معموله على صاحبه المجرور بحرف جرّ، ويضعف من حيث المعنى تعليق مع باضمم، ومفعول اضمم محذوف أي واضممنّ العين في مضارع امرر به، ومضارع جل، ومضارع هبَّت وهكذا بتقدير مضاف مع كل مادة.
والمختصر تقديره مرة قبل أمر به جمعا أي في مضارعات امرر به، وجل وهبت إلخ أو مفردا أريد به الجمع، وإنما احتجنا التقدير ذلك، لأن الضم في عين المضارع لا في الماضي والأمر، واو كان الضم في غيره لكن تبعا للمضارع، والمقصود هنا المضارع، وكون امرر فعل أمر وبه متعلقابه، وجل وما بعده أفعالا ماضية، والتاء للتأنيث هو بحسب الأصل.
وأما الآن فأسماء محكية مع المجرور والجار، ومع التاء كما مر مثل ذلك، ويقدر مضاف آخر في امرر به وهم به، وقش قوم عليه الليل جن وطل دم، وخب الحصان، وكم نخل، وعست ناقة، وفي هبت وذرت وقست أي أبعاض ذلك، أي بعض امرر به، وبعض هبت وهكذا وهي مجرد تلك الألفاظ بدون الجار والمجرور والتاء، أو أفعال ذلك، أو يقدر ذلك تعبيرا بالكل وارادة البعض كما مر، لأن المضارع إنما هو لامرر لامرر به، ولهم لا لهم به واجن لا لجن عليه الليل، ولقش لا لقش قوم وهكذا.
ولهب لا لهبت، ولذر لا لزرت، والمزوم مضاف إليه، وفي امرر به متعلق باضمم أو بمحذوف حال من مفعول اضمم، وهو لفظ العين المقدر، وتلك المواد معطوفة عن امرر به، أو كل على متلوها بعضها بعاطف مذكور، وبعضها بعاطف محذوف، كما ترى. (1/25)
صفحة 26
ومثل بالنصب حال من جل واضافته لمعرفة لا تفيده تعريفا وهي لفظ جلا لأنه علم على الفعل الماضي الذي هو في مثل جلا زيدا، وخبر لمحذوف أي هو مثل جلا، فالحملة تفسيرية لا محل لها، واستئنافية نحوية أو حالية محلها النصب، أو مثل بدل أو بيان من جل، وجلا مضاف إليه، وهبت اسم واحد وهكذا مثله والأصل فعل، والتاء التأنيث وأي حرف تفسير، وذمل بدل أو بيان من مل باعتبار تقدير مضاف أي مل دال ذمل أي الدال على معنى ذمل.
وعلى قول الكوفيين أي حرف عطف وما بعدها معطوف، وسبطت الكلام عليه في النحو، وهكذا قوله أي عدا مع قوله شد، وقوله أي دخلا مع قوله غل ونحو ذلك.
وهمّ به كلمة واحدة محكية وأصلها فعل، وجار ومجرور، وقش قوم كلمة، وأصله فعل وفاعل، وعليه الليل جن كلمة، وأصله جار ومجرور متعلق بجن، والليل مبتدأ، وجن ماض مستتر الفاعل خبره، والجملة نعت قوم هذا في الأصل،
وطل دم كلمة وهكذا خب الحصان، وكم نخل وعست ناقة، والأصل فعل وفاعل، والتاء التأنيث في الآخر، بل خب الحصان ونبث كلمة واحدة أصلها فعل وفاعل ومعطوف، وفي قوله لمعا ما مر في قوله عللا، وقوله قطعا وصرخاً معطوف على لمعاً، وأصل مبتدأ، ونالهاء مضاف إليه، وتللا اسم مفرد خبره حكى فتح آخره منذ كان فعلا، والجملة حال من مثل أو استئنافية استئنافا نحويا.
وقست مبتدأ وكذا متعلق بمحذوف خبره أولا يتعلق وذلك المحذوف خبر، والاشارة بذا إلى عست أي مثل عست في المعنى، وفي ضم عين المضارع شذوذاً مع اللزوم، والمضاعفة فيهما، وهذا لكثرة وجه الشبه فيه ولقربه، ولعدم التأويل أولى من كون ذا إشارة إلى ما مر كله، لأنه يأول (ح) ما مر من المواد بقولك ما ذكر حتى تصح الاشارة إليه باللفظ الموضوع للمفرد، ووجه الشبه (ح) هو مجرد كسر عين المضارع شذوذا في اللزوم، والمضاعفة، ويصح جعل الكاف اسما خبر المبتدأ مضافا لذا، ويصح عطف قست على ما قبله. (1/26)
صفحة 27
وكذا متعلق بمحذوف حال منه أو الكاف اسم حال منه مضاف لذا، ونصف البيت في اللام الأولى الساكنة المدغمة من قوله مع اللزوم، وياء في محذوفة نطقا لالتقاء الساكنين، وهي دميم امرر ومدلول عليها بكتابتها خطا، ونصف البيت في الدال الساكنة المدغمة من قوله: شد ونصف البيت أيضا في باء نبت.
نبت وع وجهى صدّ أث وخرّ
الصَّاد حدّت وثرّت جدّ من عملا
ترت وطرت ودرت وجم شب حصا
ن عى فحت وشذ شح أي بخلا
وشطت الدار نس الشيء حرنها
أي احفظ الوجهين الضم شذوذاً والكسر قياساً في عين مضارع هذه الأفعال الثمانية عشر المفتوح عينها المضاعفة اللازمة.
الأول: صد عن الشيء يصد بالكسر والضم أي أعرض عنه، وصد منه ضج، وبالوجهين قرئ (إذا قومك منه يصدون) والأصل صده عنه يصده بالضم فقط لتعديته، ولكونه أصله جاء الضم مع الكسر فيه، والذي في القاموس أن صد عنه يصد هو بالضم فقط، وصد منه أي ضج يصد بالكسر والضم، وهما في الآية بمعنى يضجون، وقيل الضم بمعنى يعرضون ويعدلون، فالكسر بمعنى يضجون، وقيل في قراءة الكسر معناه يضجون، ولا يضم ما بمعنى الضحك، وقيل: يصد عنه بالضم يعرض، ويصدّ منه في الآية بمعنى يضج، ووجه ضحكهم أنهم سمعوا: (إنكم وما تعبدون من دون) إلخ فقالوا: (أآلهتنا خير أم هو) أي عيسى صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه نسب إليه ما لا يليق بمخلوق من الألوهية، وضحكوا تعجباً وسروراً، ورأوا أن عيسى صلى الله عليه وسلم وآلهتهم سواء في كونهم حصب جهنم، فأنزل: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون) أي يضحكون وقوله: (ما ضربوه لك إلاّ جدلاً) أي إلاّ إرادة للجدال واللغو في الحق. (1/27)
صفحة 28
وقد علموا أن المراد بحصب جهنم معبوداتهم من الموت، وأنزل أيضاً زيادة في البيان ودفعاً للبهتان: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) إلخ، فشملت عيسى والملائكة، ومن عبد من دون الله، ممن سبقت لهم الحسنى، والذي ضربه مثلاً هو ابن الزبعري قبل إسلامه، ومحل بسط ذلك كتب التفسير.
ومن متعلقة بيصد إن كان بمعنى يضحك أو يضج أو يعرض أو يعدل، لأنها للتعليل، أي يعدلون لأجل ضربه مثلاً، ولا يمنع من ذلك كون صد بمعنى أعرض وعدل من أجل أنها حينئذ إنما تتعدى بعن، لأن تعديتها بعن إنما هو لمطلوبها من المعرض عنه، والمعدول عنه، وقد قلنا: إن من للتعليل، وهذا كما تقول: أنت من أجل كذا، معرض عني، ولك أن تقول: إن من إذا فسرنا صد بأعرض متعلقة بمعنى الكلام السابق والتقدير: إذا قومك من أجل المثل يعدلون، وكأنه على هذا متعلق بمحذوف، أي يوحدون من أجل المثل معرضين، أو بما في المفاجأة من معنى الفعل.
والظروف والمجرورات يسهل فيها مثل هذا، ولا يبعد، والله أعلم.
ومصدر صد المتعدي صداً، واللازم الذي بمعنى أعرض صدود وبمعنى ضج صديد، وهو قياس لأنه صوت، قاله صاحب تحقيق المقال.
الثاني: أث النبات أو الشجر أو الأغصان أو الشعر يئث ويؤث بمثلثة التف وكثر.
وقال في القاموس: أنه مثلث يضم ويكسر ويفتح ويرد على الناظم أثت المرأة تئث عظمت عجيزتها، فإنه جاء مضارعه بالكسر فقط على القياس، وذكر أث ولم يستثنه، وظاهر القاموس أنه مثلث بل مضموم فقط.
الثالث: خر الصلد أي الحجر يخر ويخر سقط من علو إلى أسفل، وكذا خرّ الانسان لوجه، والكسر أفصح، وعليه أجمع القراء: (ويخرجون للأذقان سجداً) ، (ويخرّون للاذقان يبكون).
وكذا خرّ الماء أو الريح أو الهو أي صاتت، وخرت العقاب حفت، وخرّ الانسان مات، وخر على الشئ أقام.
قال في القاموس: الخر السقوط أو من علو إلى أسفل، والصلد بفتح الصاد وتكسر: الصلب الأملس أي من كل شيء لا من الحجارة فقط. (1/28)
صفحة 29
الرابع: حدت المرأة تحدّ وتحدّ تركت الزينة لموت زوجها، أو للعدة، فهي حاد لا حادة، وأصله حده أي منعه يحده بالضم فقط لتعديه، وكأنها حدت نفسها من الزينة أي منعتها منها فامتنعت، فالضم باعتبار التعدى، والكسر باعتبار اللزوم، وقيل: إنه يقال أحدت المرأة أي امتنعت من الزينة رباعيا لأحدت ثلاثيا، وعليه الأصمعي فهي مُحد لا مُحدة، وأثبت في القاموس الرباعي والثلاثي.
قال صاحب تحقيق المقال: ولعل قول المصنف حدت بالتأنيث احتراز من حددت على الرجل أحد حدة وحدا وحدداً من الترق، وهو الخفة والطبش والانفعال الغصب، فإنه بالضم وهو مما بقى عليه مما جاء بالضم أ .هـ.
قلت: الذي في القاموس أن هذا بالكسر، وأما حدد بينهم أي حجز فبالضهم شذوذاً، وأما حده أي منعه أو دفعه، أو أخرج الحق من فاعل الذنب الكبير فمضارعاتها بالضمك قياساً لتعديها، وكذا حده بمعنى ميزه، وحد السكين مثلا أي مسحها بحجر أو مبرد، ومطاوع هذا بالكسر للزومه يحدها بالضم فتحد بالكسر، وأما حد عليه أي غضب، فمضارعه بالكسر قياسا.
الخامس: ثرت العين بالمثلثة تثر وتثرُ، أي غزر دمعها، وثرت السحابة كثر ماؤها، وثرت عين الماء كثر ماؤها، وثرت عين المطر وهي مطر أيام لا يقلع، وسحابة تأتى من قبل قبلة العراق، وثر بحر العين وبخر العين بالحاء والخاء، وبنات بخر وبحر سحائب يجئن قبل الصيف رقاق بيض منتصبات، وبنات مخر بالميم أيضا من الخاء المعجمة، وأصله من ثر التراب يثره أي صبه وهو بالضم قياساً لتعديه، ولكونه أصل ثرت المذكور جاء في ثرت المذكور الضم مع الكسر.
والذي في القاموس: أن المضارع ثرت العين، وثرت الناقة أي الشاة، أي كثر لبنها، أو وسع إحليلها، وثرت الطعنة كثر دمها يكسر ويضم ويفتح، وإن ثرت المر|أة كثر كلامها، وثره فرقه أو بدده، وثر أي وسع، وثر السحاب كثر ماؤه مضارعاتها بالضم إلا الأول، فلعله بالكسر. (1/29)
صفحة 30
قلت: ويجوز أن يكون تر في البيت بمثناة، من تر العظم يتر ويتر بان وانقطع، فإنه بالوجهين أيضا، والتأنيث لا يمنعه لجواز أن يريد ترت العظام أي بانت وانقطعت.
السادس: جد في عمله يجد ويجدّ بالجيم والدال المهملة أي قصده بعزم وهمه، وكذا جد في الأمر ومعناها اجتهد أيضا، وعزم عليه وأصله جد الحبل أو غيره قطعه يجده بالضم فقط قياسا لتعديه، والضم في اللازم لكون هذا أصله كأنه قطع عنه كل شاغل، واخترز بقوله: من عملا بفتح الميم الأولى من جد في الشيء ضد هزل، ومن جدّ الشيء صار جديداً، فإن مضارعهما بالكسر على القياس، قاله صاحب تحقيق المقال.
والذي في القاموس: أن مضارع جد ضد هزل يكسر ويضم، ومن جد البيت يجد أي قطر، فإنه مكسور المضارع على القياس ومن جدت المرأة تجد أي صغر ثديها، أو قطع أذنها، أو ذهب لبنها، فإنه مكسور عين الماضي مفتوح عين المضارع، ومن جد يجد أي عظم، أو صار ذا بخت أو حظ أو حظوة أو رزق أو سمن أو عظم بدنه أو عجل أو حقق أو بالغ في التحقيق، أو خلقت ثيابه، فإن مضارعاتها بالضم شذوذاً فقط، ومن جده أي قطعه وجد النخل صرمه فإن مضارعهما بالضم قياسا لتعديه.
السابع: ترّت بالمثناة ترت يده تتر وتتر بانت عند القطع، وكذا ترت النواة وثبت من تحت المرضاخ، وقيل: فتت، وقيل: لم يحكموا بالوجهين إلاّ في النواة، ومثله: تر العظم بان وانقطع كما مر، ويحتمله البيت، فيكون التأنيث باعتبار ترت العظام، وبكون تر العظم يتر بالضم والكسر بطل قول من قال لم يحكموا بالوجهين إلاّ في ترت النواة مثل صاحب تحقيق المقال، إلاّ إن كان القصر في عبارته إضافياً إلى تر بمعنى سمن أو بضَّ فإنه قال: وأما النزارة بمعنى السمن والبضاضة ففعلهما فعل بالكسر، أي فالمضارع يفعل بالفتح يتر بفتح التاء.
وأما تر عن بلده أي تباعده، وتر امتلأ جسمه وتروى عظمه، وترت النعامة ألقت ما في بطنها، فمضارعاتها بالضم فقط شذوذاً. (1/30)
صفحة 31
الثامن: طرّت يده بانت وطارت عند القطع، تطر وتطر، وأصله وأصل أكذى قبله طرها وترها بالتعدية يطرها ويترها بالضم فقط، أي أبانها.
قال صاحب تحقيق المقال: وأما طر النبات والشارب نبتاً فمضارعهما بالضم، قلت: صرح في القاموس أنه بالكسر والضم، وكذا وجهان في طر يطر بمعنى سقط.
وأما مضارع طر حوضه أي طينه، وطر الشيء أي شده أو ساقه سوقاً شديداً، وطر الإبل ضمها من نواحيها، وطر السكين وغيرها حدّدها، وطر البنيان جدده، وطر الشيء قطعه أو شقه أو خلسه أو لطمه، فالضم قياساً لتعديها.
وأما طر الفتح من قرعة واحدة، فمضارعه بالضم أيضاً لكن شذوذاً.
التاسع: درت بالدال المهملة أي جرى لبنها كثيراً، وأصله درها يدرها بالتعدية والضم أي استدرها، والأكثر دررها بالتضعيف ثانياً، ودر اللبن أي كثر كذلك مضارعه بالوجهين.
وظاهر القاموس أن در اللبن بالوجهين، ودرت الناقة باللبن بالضم.
وأما مضارع لا دَر درُه أي لا نكأ عمله، ودر النبات التف، ودر العرق سال، ودرت السماء بالمطر، ودر السوق نفق متاعه، ودر الشيء لان، ودر السهم دار على الظفر، ودر صاحب السهم أي أدر سهمه، ودر السراج أضاء، ودر الخراج فبالضم شذوذاً.
وأما مضارع در الفرس أي عدا شديداً أو عدواً سهلاً فبالكسر على القياس، وأما در وجهه أي حسن بعد علة فمضارعه بالفتح ندوراً.
العاشر: جم الماء يجم ويجمّ كثر واجتمع، وكذا غير الماء وأصله يجمع بالضم والتعدية أي أكثره وجمعه، وكذلك جم البئر رجع ماؤها، وجم الفرس ترك الضراب فاجتمع ماؤه، وجم الفرس ترك فلم يركب، وأما جم الأمر بمعنى دنا فمضارعه بالضم فقط شذوذاً، وأما جم الماء يجمه أي تركه يجتمع فبالضم فقط قياساً لتعديه. (1/31)
صفحة 32
الحادي عشر: شب الحصان يشب ويشُب مرح ونشط فرفع يديه، واحترز من شب الشيء أي ارتفع، فإنه بالضم فقط شذوذاً، ومن شب النار أو الحطب يشبها أي أوقدها، فبالضم قياساً لتعديه، وكذا شب الخمار أو الشعر لون المرأة أي زادها حسناً، وأظهر جمالاً، ومن شب الغلام وغيره فإنه بالكسر في المضارع على القياس، ومن شبت النار فإن مضارعه بالضم على الشذوذ، وأصله من شبتها أشببها بالتعدية، والضم قياساً، فهو متعد لازم، ولا يقال من اللازم شابة أي منقدة، بل يقال من المتعدي مشبوبة.
الثاني عشر: عنّ له الشيء يعنّ ويعَن عرض، وعن الرجل كثر اعتراضه للأمور، وجعل في القاموس مضارع عن بمعنى ظهر أمامك واعترض بالكسر فقط.
وأما مضارع عن الكتاب يعنه أي كتب عنوانه، وعننت اللجام جعلت له عناناً، وعننت الفرس جعلت له عناناً أو حبسته به، وعننت زيداً أعطته، فبالضم فقط قياساً لتعديه.
الثالث عشر: فحت الأفعى تفح وتفُحّ أي صاتت بفيها وهو بالحاء المهملة، وأما كشت فمعناه صاتت بجلدها، ويقال أيضاً: فخت بالخاء المعجمة أي صاتت بفيها، وظاهر بفتح الأقفال أنه بالوجهين في المضارع، ونص صاحب تحقيق المقال أنه بالكسر فقط على القياس، لا بالوجهين اللذين في فحت بالمهملة، ولا يرد على المصنف فح الرجل أي نفخ في نومه من حيث أن مضارعه بالضم فقط كما هو ظاهر القاموس، أو بالكسر على القياس كما هو ظاهر التحقيق، هذا مع ما بعده لا يتم، لأنه يقال: فحت المرأة أي نفخت في نومها، ويقال: فخ بالمعجمة أي نفخاً في نومهما يفخان بالكسر، وفخ أي نام بعد الجماع أو نام على القفا، أو نام في الغداة، وفخت الرائحة فاحت بالمعجمة مضارعاتها بالضم شذوذاً.
الرابع عشر: شذ بمعجمتين يشذ ويشذ انفرد عن الجمهور، وأما شذه أي أفرده فمضارعه بالضم على القياس.
الخامس عشر: شح يشح ويشحُ بخل، كما فسره الناظم، وقيل: بخل مع حرص. (1/32)
صفحة 33
وفي القاموس: مثلثة البخل والحرص، وأما يشح بفتح الشين فمضارع شح على وزن فعل بالكسر فهو على القياس، وفسره الناظم ليتم البيت برويه.
السادس عشر: شطت الدار تشط وتشط بعدت، وكذا شرط الرجل وغيره.
وأما شط عليه في حكمه أي جار وشط في سلعته تباعد عن الحق، وشط في السوم أبعد، فالمضارع بالكسر على القياس، وأما شطه شق عليه وظلمه فمضارعه بالضم على القياس لتعديه.
السابع عشر: نس الشيء ينس وينس أي جف، وذهبت رطوبته.
وأما نس ينس أي لزم المضاء في كل أمر أو ذهب سريعاً، أو ورد الماء خاصة، فبضم المضارع شذوذاً، وأما نسه أي ساقه أو زجره فمضارعه بالضم قياساً لتعديه.
الثامن عشر: حرّ النهار يحرّ ويحرُ حميت شمسه، وأما يحرَ بالفتح فمضارع حرّ بوزن فعل بالكسر وهو قياس، ومثله حرّ اليوم والليلة وغيرهما من الأشياء.
وفي القاموس: حررت بالكسر أحر بالفتح، وحررت بالفتح وأحر بالكسر، وحررت بالفتح أحر بالضم.
وأما حر المملوك أي عتق، وحر الرجل انتفت عنه العبودية من الأصل، وحر عطش فبكسرها وفتح مضارعها كعلم يعلم.
قال أحمد بن يحيى: وتقول حر يومنا يحر حراً، وتقول من الحرية حر المملوك يحر حراراً.
وقال علي بن حمزة في تعقبه عليه: الصواب حر المملوك يحر بكسر الحاء في المستقبل نقلاً من الراء وفتح الراء قبل الإدغام في الماضي أ.هـ.
وهكذا توهم بعض شراح الفصيح على أحمد بن يحيى أن حر المملوك يحر بالفتح في الماضي وفي المضارع، وأن فتح المستقبل (ح) لا وجه له كما توهم عليه ذلك على بن حمزة حتى قال: الصواب حر المملوك إلى آخر ما مر عنه، وحتى قال بعض شراح الفصيح هذا يعني كلام علي بن حمزة هو القياس دون كلام أحمد بن يحيى. (1/33)
صفحة 34
وأجاب صاحب تحقيق المقال بأن هذا لا يصح أن يفهم عن أحمد، لأن الأفصح عنه أو الفصيح الفتح في المستقبل، وإنما يكون ذلك إذا كان ماضيه مكسوراً كما قاله غير واحد، نعم نقل عن الكسائي أنه قال: حر المملوك يحر بالكسر في المستقبل والفتح في الماضي لا غير، فإن أراد بالصواب هذا فيقرب الحال، والله أعلم أ.هـ.
وبقي على الناظم أحد عشر فعلاً مثل تلك الثمانية عشر، فيكون المجموع تسعة وعشرين فنقول.
التاسع عشر: جفّ الشيء يجفّ ويجفُّ، وأما جف يجف بكسر الماضي وفتح المضارع فأنكره الكسائي، وأثبته غيره.
المتم العشرين: دم يدم ويدم بالدال المهملة قبح وصغر حبسه.
الحادي والعشرون: عل يعل ويعُل بالمهملة شرب بنفسه كما مر.
الثاني والعشرون: شت الأمر يشت ويشت تفرق، وأصله شته أي فرقه يشته بالضم والتعدية، والأكثر تشتته بالتضعيف ثانياً.
الثالث والعشرون: عرت الإبل بالمهملتين تعر وتعر أي سحلت، أو أصابها يتمعط منه وبرها.
الرابع والعشرون: قر اليوم أو الليلة أو غيرها يقر ويقر، قال في القاموس: ويقر بالفتح.
الخامس والعشرون: أزت القدر تئز وتؤز سمع لغليانها صوت أي صات غليانها حتى سمع، أي اشتد غليانها حتى سمع، وقيل غلت غلياناً شديداً.
السادس والعشرون: رزت براء فزاي الجرادة ترز وترز غرزت ذنبها لتبيض، من رزه يرزه بالتعدية والضم، والأكثر رزه بالتضعيف ثانياً.
السابع والعشرون: أصّت الناقة تئصّ وتؤص اشتد لحمها وسمنت وتلاحكت ألواحها.
الثامن والعشرون: كعّ عن الشيء يكع ويكعّ جبن وضعف، من كعه يكعه بالتعدية والضم أي كرهه وقيل: إنما يقال كع بالفتح يكع بالفتح أيضاً، وكع بالكسر يكع بالفتح لغتان.
التاسع والعشرون: خلّ لحمه بالمعجمة يخل ويخل أي هزل، من خله يخله بالضم والتعدية، والأكثر خلله بالتضعيف ثانياً، أي أفسده. (1/34)
صفحة 35
ومن تتبع كلامي السابق والآتي، أو تتبع كتب اللغة وجد أكثر من ذلك، ووجد أمثلة المفتوح اللازم المضاعف جميعاً أكثر من مائة وأربعين.
قال الفراء: ما كان على فعلت بالفتح من ذوات التضعيف غير واقع، فإن يفعل منه مكسور العين مثل عفَفت تعفّ، ويعني بغير الواقع اللازم، وما كان واقعاً أي متعدّياً مثل رددّت فإن يفعل منه مضموم العين إلاَّ شده وعله ونم الحديث، فإن جاء مثل هذا مما لم نسمعه فهو قليل، وأصله الضم أ. هـ.
ولم يذكر الناظم فعل المكسور المضاعف، لأن مضارعه مفتوح على القياس أبداً إلاَّ نادراً كما مرّ فهو داخل في قوله: وافتح موضع الكسر في المبني من فعلا، سواء كان متعدياً نحو: ودلو يفعل هذا يود، أصل ودّ ودد بكسر الدال الأولى، سلب كسرها وأدغمت في الدال بعدها، وأصل يود بفتح الواو يودد بسكونها وفتح الدال الأولى، نقل فتحها للواو، فأدغمت وهكذا في مثله مما يأتي وغيره.
وودّه يوَدّه بفتح المضارع أحبه، وبرّ والده يبرّه، ومصَّه بلسانه يمصَه، وفيه لغة بفتح الماضي وضم المضارع، ومضَّه السقم يمَضه أوجعه، وسف الدواء يسَفه، ومل الشيء يمَله كرهه وضجر منه، ومسه يمسه وفيه لغة بفتح الماضي وضم المضارع.
وشمّ الرائحة يشمَها وفيه لغة بفتح الماضي وضم المضار، أو لازماً كخب يخَب خدع، وصب يصَبّ عشق، وطب يَطب صار طبيباً، وفيه لغة بفتح الماضي وضم المضارع، ولج بالجيم يلج تمادى، وبح صوته يبح، وبذّ يبذ ساءت حاله، ولذ الشيء يلَذ لذاذة، وبر الرجل يبرّ أطاع الله، وبر في يمينه يبر، وحرّ العبد يحرّ عتق وقر بالمكان يقر، وفيه لغة بفتح الماضي وكسر المضارع، وقرت عينه تقر وفيه لغة بفتح الماضي وكسر المضارع.
ومر طعم الشيء يمر مرارة، وفيه لغة بفتح الماضي وضم المضارع، وحسَّ بالخبر يحَس علم، وخس يخَس أي صار خسيساً، وفيه لغة بفتح الماضي وكسر المضارع، وبَشّ به يبش لقيه بطلاقة وجه، وهش له يهش ارتاح، وفيه لغة بفتح الماضي وكسر المضارع. (1/35)
صفحة 36
وغصّ بالطعام يغَص، وغصّ المجلس بأهله يغَص، وعضّ عليه بأضراسه يعَضّ، وفظ الرجل يفظ صار فظاً غليظاً، وشلت يده تشلَ فسدت، وظل نهاره يعمل يظل، ومل من الشيء يمَلَّ ضجر منه، وجمت الشاة تجم صارت لا قرن لها، وحمّ الماء يحم صار حاراً، وضن بالشيء بالضاد المعجمة بخل، وفيه لغة بفتح الماضي وكسر المضارع.
وعلى الطالب أن يعتني بحفظ ما ورد منه، فإني اختبرت غير واحد من الطلبة فوجدتهم يلتبس عليهم فعل المكسور المضاعف من المفتوح المضاعف، حتى إنّ ما كان منه متعدياً يضم مضارعه متوهماً أنه من فعل المفتوح المضاعف المتعدي، وما كان منه لازماً يكسر مضارعه متوهماً أنه من فعل المفتوح المضاعف اللازم مع أنه مكسور عين الماضي، مفتوح عين المضارع، فتلك الأفعال كلها مكسورة الماضي، مفتوحة المضارع، إلاَّ ما فيه لغة بأن كان من باب ضرب، أو من باب نصر.
ويكون للأعراض كصم وشم أي ارتفعت قصبة أنفه، وصك صارت ركبتاه تصطكان، وسك صغرت أذناه، وزل صغرت عجيزته، وزبّ طال شعره، وزج دق حاجباه، والنطق بالمضاعف الماضي كله سواء مكسوراً أو مفتوحاً أو مضموماً، ويظهر الفرق في المضارع بنقل حركة عينه للفاء أو بظهورها عند الفك للجازم في العين، كيرُدّه ولم يدده، ويحنّ له ولم يحنن، ويلُبّ ولم يلبب، ويمس ولم يمَسس.
فإذا أراد العارف إظهار ذلك مثل بالمضارع أو بما يوجب الفك كالجازم والأمر، وإذا أراد إظهار حركة عين الماضي لمن جهلها أسنده إلى ضمير الرفع البارز المتصل المتحرك كتاء الفاعل، ونونه فيجب في اللغة الفصحى فك الإدغام، فتظهر الحكة في العين كرددت بفتح الدال الأولى، ولبُبت بضم الباء الأولى، وحننت بكسر النون الأولى، ومسست بكسر السين الأولى تتممة الفعل الثلاثي المكسور المضاعف المسند إلى تاء الفاعل أو نون الإناث، أو نا الذي هو فاعل فيه ثلاثة أوجه: (1/36)
صفحة 37
الأول: وهو الأصل المتفق عليه استعماله تاماً نحو: ظللت بفتح الظاء وكسر اللام، بعدها وسكون اللام الأخيرة.
الثاني: حذف عينه مع سلب حركة الفاء، ونقل حركة العين إليها نحو: ظلت بكسر الظاء وسكون اللام الأخيرة التي هي لام الكلمة، وحذف اللام الأولى التي هي عين الكلمة بعد نقل حركتها، وهي الكسرة إلى الظاء، وهو فاء الكلمة، فكسرت الظاء بعد أن كانت مفتوحة، وإنما حذفت للتخفيف، ونقلت حركتها استبقاء لها، ودلالة عليها.
الثالث: حذف عينه بدون نقل حركتها للفاء، فتبقى الفاء مفتوحة، وسبب الحذف التخفيف، فالمحذوف هنا عين الكلمة وحركتها التي هي عين الكلمة محذوفة مع كسرتها، والمحذوف في الثاني حركة الفاء وعين الكلمة فقط دون كسرتها، لبقائها في الفاء نقلا، وإن زاد الفعل على الثلاثة، وكان مفتوح العين تعين الإتمام نحو: حللت وهممت بتشديد اللام الأولى والميم الأولى، وشذّ هممت بفتح الميم بعد الهاء غير مشددة حكاه ابن الأنباري.
وإن كان ذلك الفعل الثلاثي المضاعف المكسور مضارعاً متصلاً بنون الإناث، أو أما متصلاً بها جاز الإتمام نحو تقررن واقررن يا هنود بسكون القاف وكسر الراء الأولى، وإسكان الثانية، وجاز حذف العين ونقل حركتها للفاء نحو: تقرن وقرن بحذف الراء الأولى، وهي عين الكلمة، ونقل كسرتها للقاف قبلها فتكسر القاف بعد أن كانت ساكنة، وتحذف همزة الوصل التي في أقررن لعدم الحاجة إليها لتحريك ما بعدها، والماضي قررن بالفتح للقاف والراء الأولى، وبالحذف والنقل قرأب بعض: (وقرن في بيوتكن) بكسر القاف كسراً منقولاً من الراء الأولى التالية لها المحذوفة. (1/37)
صفحة 38
وإن كان الماضي مفتوح العين، أو كان المضارع مفتوح العين، فالإتمام نحو: رددت بفتح الراء والدال الأولى، وإسكان الثانية، وقررن في المكان بفتح القاف والراء التالية لها في لغة من جعل قر بالمكان من باب ضرب يضرب، ونحو: يقررن بسكون القاف وفتح الراء الأولى مضارع قررت بكسر الراء، من باب علم يعلم وهو لغة، وقل حذف العين في الماضي نحو: ردت بفتح الراء وسكون الدال الثانية، وحذف الأولى بينهما، وقل حذف العين في المضارع، ونقل فتحتها للفاء فتفتح بعد أن كانت ساكنة نقلاً من الراء الأولى المحذوفة التي عين الكلمة، وحذف همزة الأمر الوصلية لعدم الاحتياج إليها لتحريك ما بعدها، وعلى هذا قراءة نافع وعلصم: (وقرن في بيتوكن) بفتح القاف نقلاً من الراء الأولى المحذوفة، وحذف الهمزة.
ووجه قلة الحذف في الماضي المفتوح، وقلة الحذف مع النقل في المضارع المفتوح، وقلة النقل وحذف العين وهمزة الوصل في الأمر المفتوح، أن ذلك تخفيف للخفيف، لأن المفتوح خفيف فلا حاجة إلى تخيفه، وتحتمل قراءة: (وقرن) بكسر القاف أن يكون فيها أمر من الوقار، وقر يقرّ كوعد يعد، فالقاف عين الكلمة، والراء لامها وفاؤها محذوفة، وهي واو، وتحتمل قراءة: (وقرن) بالفتح أن يكون فيها أمر من قار يقار، كخاف يخاف بمعنى الاجتمع، ولا يترجح كون قرن بكسر القاف أمراً من قررت بفتح الراء الأولى، لا من وقَر يقرُ لمجرّد توافق قراءة قرن بفتحها، لأنا نقول يتمُ هذا الترجيح لو كان قرن بالفتح متعيناً لأن يكون أمراً من قررت بكسر الراء، وليس كذلك لجواز كونه أمراً من قار يقار كما مرَّ. (1/38)
صفحة 39
هذا والمشهور في قررت بالمكان اقر فتح الماضي وكسر المضارع لا العكس، وقررت عيناً أقرّ عكس ذلك، ولا يجوز حذف العين في المضارع المفتوح والأمر المفتوح بدون نقل الفتح، لأنه يلتقي ساكنا، لأن فاء الكلمة مسكنة ولامها مسكنة للضمير، ولا يدعي النقل في الماضي المفتوح مع الحذف أو غيره، لأن فاءه مفتوحة قبل إمكان إدعاء النقل، وقد يجوز الحذف بدون النقل في المضارع والأمر المفتوحين في لغة من لا يفك، وإن كان الماضي مضموماً أي مضموم العين فالإتمام نحو لبُبت، ويجوز حذف العين بدون نقل نحو لببت بفتح اللام وحذف الباء المضمومة.
ويجوز مع النقل نحو: لبت بضم اللام نقلاً من الياء المحذوفة، لأن المضموم لثقله أحق بالتخفيف بالحذف وحده أو مع النقل، وكذا في مضارعه وأمره المتصلين بنون الإناث، ولقد أجاز ابن مالك في الكافية وشرحها إلحاق المضارع المضموم العين بالمكسورها، فأجاز في اغضضن أن يقل: غضن بحذف عين الكلمة وهي الضاد الأولى، ونقل ضمتها إلى العين المعجمة وهي فاء الكلمة.
قال خالد: واحتج له بأن المضموم فك أثقل من فك المكسور وإذا كان فك المفتوح قد فرّ منه إلى الحذف في قرن المفتوح القاف ففعل ذلك المضموم أحق بالجواز.
قال ابن مالك: ولم أره منقولاً، هذا وظاهر قوله في الخلاصة (وقرن) نقلاً بفتح القاف أن النقل في المضارع والأمر المفتوحين المتصلين بنون الإناث لا يطرد، وصرح به في الكافية فهو غير مقيس، وأما في المكسورين فصرح في الكافية بقياسه قال: وقرن في اقررن، وقس معتضداً. (1/39)
صفحة 40
وذكر غيره أنه غير مطرّد أي لا يقاس وهو ظاهر التسهيل، بل ذهب ابن عصفور إلى أن الحذف في نحو: ظللت غير مطرد، وقد صرح الإمام بشذوذه وبأنه لم يرد إلاَّ في ظلت ومسْت من الثلاثي، وفي أحست من الرباعي بحذف السين الأولى التي هي عين الكلمة، ونقل فتحها للحاء فتفتح الحاء بعد إسكان، ويرد على سيبويه وابن عصفور أن الحذف في نحو ظلت لغة سليم كما في التسهيل، فكيف لا يطرد مع أنه لغة؟ فألحق اطراده أي قياسه كما صرح به الشلوبين، وهو ظاهر إطلاق التوضيح، بل قال خالد: إن إطلاق التسهيل شامل للمفتوح والمكسور والثلاثي ومزيده.
ويجاب بأن مرادهما بالاطراد اللزوم لا القياس، وأنهما أرادا لا يطرد في غير لغة سليم أو أرادا به القياس، أي لا يقاس بالنظر إلى لغة غير سليم لقلة وروده فيها مطلقاً، أو لقلته بالنسبة لغة سليم إذ هو في لغة سليم أكثر، وكثيراً ما يراد بالاطراد القياس، وذكر ابن جني أن كسر الظاء من ظلت أفعل لغة الحجاز، وفتحها لغة تميم.
قال خال: وينبغي العكس فإن الفتح جاء في القرآن، والقرآن نزل بلغة الحجاز.
قلت: لم ينزل بلغتهم فقط، بل نزل بعضه بلغتهم، وبعضه بلغة غيرهم، وبعضه بلغتهم ولغة غيرهم، مثل: (يشاقق) بالفك و (يشاق) بالإدغام، بل فتح الظاء أفصح، وعليه أجمع القراء في: (ظلتم تفكهون) وما مرّ من أن المحذوف هو عين الكلمة، هو مذهب ابن مالك في التسهيل، وهو ظاهر كلام الإمام، ووجهه أنها قد تغيرت بالإدغام فلتغير بالحذف إذ التغيير يأنس بمثله وقيل المحذوف اللام بقيت العين تالية للضمير، فسكنت بنقل حركتها للفاء، حيث كان النقل، وبحذف حركتها حيث لم يكن، وهو مذهب ابن مالك في شرح الكافية.
ووجهه أن الثقل إنما حصل بها، ولأنها آخر الفعل، والإخر أولى بالتغيير، وأما تغييرها بالسكون فكلا تغيير، ونصف البيت في قوله: وخرّ الصَّلد الراء الساكنة المدغمة، وفي قوله: شبّ حصان ألف حصان، وفي قوله: حرّ النهار ألف نهار. (1/40)
صفحة 41
الإعراب: الواو للاستئناف أو للغطف على اضممن أو على ع في قوله: وع ذا وجهين، ووجهى مفعول علامة النصب فيه الياء، وهو مثنى حذف نونه لإضافته لصدّ، والمعطوفات بعده بمذكور أو محذوف معطوفة عليه، أو كل على متلوّه، وخرّ الصلد كلمة واحدة معطوفة، وأصله فعل وفاعل، والمقصود بالذات خرّ وكذا مثله.
وحدت وثرت ونحوهما مما فيه تاء كتائهما كلمة معطوفة، والأصل فعل، وتاء تأنيث، وأصل جد من عملاً وفعل وفاعل بعدهما فعل مستتر الفاعل، وشبّ حصان، وشطت الدار، ونس الشيء وحر نهار مثل خر الصلد.
والحاصل أن إعراب ذلك كإعراب الأبيات قبله، والله أعلم وأحكم.
والمضارع من فعلت إن جعلا
عيناً له الواو أو لاماً يجاء به
مضموم عين . . . . . .
أي المضارع المشتق من مصدر فعل المفتوح الذي هو غير مضاعف، يجب ضم عينه إن كانت عينه أو لامه واواً، وإنما فهمنا أن المراد بفعلت فعل المفتوح، لأن الكلام فيه منذ قال وأدم كسر العين مضارع بلي فعلا، فلا يقطع عنه إلاَّ الدليل، ولأن الغلب إيصالهم في التمثيل تاء الفاعل بفعل المفتوح لخفته، فليحمل البيت على الغلب، ولأن المعرفة إذا أعيدت معرفة فالمقصود بهما واحد ما لم يدل دليل، ولا دليل هنا، فإن فعلا في قوله: يلي فعلا معرفة بالعلمية على الماضيات المفتوحة، وحيث أعد فعل في هذا البيت ولم يقيد حملناه عليه، فهو بالفتح مثله فهما فعل بالفتح، ولا يضرّ تخالفهما باتصال الأول بألف الإشباع، واتصل الثاني بتاء الفاعل، فإن المقصود منهما فعل بفتح العين لا بقيد ألف الإشباع وتاء الفاعل. (1/41)
صفحة 42
وفهمنا منه أن المراد فعل المفتوح غير المضاعف، لأنه شرط أن تكون عينه واواً أي ولامه غير واو أو لامه واواً، أي وعينه غير واو، فإذا كانت عينه واواً دون لامه، أو لامه واواً دون عينه، فأين التضعيف إذ لم تكن العين واللام (حَ) من جنس واحد، فمضارع الواوي العين يجب ضم عينه، سواء كان متعدياً: كساءه يسوءه وجابه يجوبه خرقه وقطعه، أو أتى به، وشاب البن يشوبه خلطه، وصابه يصوبه بمعنى أصابه يُصيبه، ونابه أمر ينوبه نزل به، وفاته يفوته، وقاته يقوته، وماثه يموثه، مثلثة أذابه، ومثله: ماسه يموسه، وحاجه عن الطريق يحوجه عوج به، وأوَدَه بهمزة مفتوحة فواو مفتوحة يئوده عطفه، وداده يدوده طرده، وراده يروده طلبه، وساده يسوده، وعاد المريض يعوده أي زاره، وقاده يقوده، وساقه يسوقه، وزاره يزوره، وشار العسل يشوره استخرجه من الخلية.
وصاره يصوره أماله، ويقال أيضاً يصيره، وبهما قرأ: (فصرهن) بسكون الراء، وكسر الصاد وضمها، وقاره يقوره خرقه مستديراً، وكار العمامة يكورها أدارها، وهار البناء يهوره هدمه، وحازه يحوزه حواه، ورازه يروزه حزره وقدّدره، وضازه يضرزه حقه نقصه، وواسه يؤوسه، وباسه يبوسه قبَّله، وجاس خلال الدّيار يجوسها تردّد بينها، وداسه يدوسه وطئه، وساسه يسوسه أدبه، وحاش الإبل يحوشها ساقها، وناشه ينوشه رفعه وتناوله، وحاص الثوب يحوصه خاطه وشاصه يشوصه دلكه، وماصه يموصه غسله، وحاضه يحوضه أي جمعه.
وخاض الماء يخوضه دخل فيه، وراض المهر يروضه أدبه، وعاضه الله يعوضه أخلفه عليه، وقاض البناء يقوضه هدمه، وحاطه يحوطه صانه، وساطه يسوطه ضربه بيده ليخلطه، ولاطه ياوطه ألصقه، وناطه ينوطه علقه، وراعه يروعه أفزعه، وزاعه يزوعه حركه، وصاغ الحلي يصوغه هيأه على مثال. (1/42)
صفحة 43
وداف المسك يدوفه بله وخلطه، وسافه يسوفه سحقه، وجافه يجوفه جلاه، وباقه يبوقه خانه، وذاقه يذوقه، وراقه يروقه أعجبه، وعاقه يعوقه منعه، وشاقه يشوقه هاج شوقه، وفاقه يفوقه، وباكه يبوكه حركه، وحاكه يحوكه، وداكه يدوكه سحقه، وساكه يسوكه كذلك.
وشاكته الشوكة تشوكه أصابته، ولاكه يلوكه علكه، وغاله يغوله أهلكه، وقال يقول، ورامه يرومه طلبه، وسامه يسومه، وصام يصوم، وفيه خلاف وبحث أصلهما في النحو.
ولامه يلومه، وخانه يخونه، وصانه يصونه، ومانه يمونه قام بكفايته، أو كان لازماً كفاه يفوه نطق، وهان يهون سهل أو ذل، وكان يكون، وبان عليهم يبون فاق، وقام يقوم، ودام يدوم وحام الطائر يحوم دار حول الماء، وعال الميزان يعول مال، وطال يطول على ما مرّ، وصال يصول سطا، وشالت بذنبها تشول رفعته، وزال يزول، ودال الثوب يدول بلى، وحال يحول حجز، وحال الحول يحول دار، وحال الحال تغير.
وجال يجول طاف، وبال يبول، وآل يئول رجع، وتاق يتوق اشتاق، وشاف بمعنى تشوف للنظر أي علا يشوف، وأما شاف يشوف أي نظر فمتعدّ، وساغ الشيء يسوغ سهل، وراغ الثعلب يروغ مال في خفية، وراغ غيره كذلك، وضاع المسك يضوع فاح، وراع يروع قرع، وجاع يجوع، وباع الفرس يبوع، وسع خطوه، وشاظت النار تشوظ التهبت، وجاظ يجوظ ساء خلقه، وغاط في الشيء يغوط خل، وشاط الفرس يشوط جرى مرة إلى غاية.
وخاض في الماء يخوض فيه، وكذا غير الماء، وناص عنه مال، وناص إليه التجأ ينوص، وغاص في الماء يغوص، وناس ينوس ناح، وعاس في الليل يعوس طاف، وفاز يفوز ظفر أو نجا، وجاز يجوز مرّ، ونار ينور أضاء، ومار يمور اضطرب، وفار الماء يفور جاش، وغار الماء يغور، وصار يصور صاح، ودار يدور، وخار العجل يخور صاح، وخار يخور ضعف، وخارت قواه ضعفت. (1/43)
صفحة 44
وحار يحور رجع، وجار يجور، وسار غضبه يسور، وثار يثور تحرك، وبار يبور هلك، وبار السوق أو غيره كسد، وناد ينود مال، وهاد يهود رجع، وعاذ به يعوذ التجأ، ولاذ به يلوذ توارى، وعاد يعود، وجاد يجود سخا، وساخت رجله في الأرض تسوخ ويقال أيضاً: تسيخ، وداخ يدوخ ذل، وباخت النار تبوخ سكن لهباً.
وناحت المرأة تنوح، وكذا غيرها، ولاح يلوح، وفاخ المسك يفوخ، وفاج يفوج، وفاح يفوح بمعنى، وزاح يزوج تنحى، وراح يروح، وباح السير يبوح ظهر، وباح به يبوح أظهره، وماج يموج اضطرب، وعاج يعوج عطف، وراثت الدابة تروث أخرجت الروث، ومات يموت، ويقال أيضاً: يميت، وناب عنه ينوب، ولاب الطائر يلوب أي حام حول الماء ليرده ولم يصله، وصاب يصوب مال، وصاب المطر يصوب نزل بكثرة، وراب اللبن يروب، وذاب الشيء يذوب، وحاب يحوب أثم، وثاب يثوب، وتاب يتوب، وآب يؤوب بمعنى، وناء ينوء نهض بمشقة، إلى غير ذلك من المتعدي واللازم من تلك المواد مسندة إلى غير ما ذكر، ومن غير تلك المواد وسواء في لزوم الضم في ذلك ما كانت لامه غير حرف حلق أو حرفه كما رأيت في تلك المواد.
وقال أحمد بن يحيى في بغية الآمال: إن عين مضارع فعل المفتوح الواوي العين تضم سواء كان متعدياً أو لازماً، إلاَّ أن يكون لامه حرف حلق فإنه يجيء على يفعَل بالفتح ويفعُل بالضم قال: ماهت البئر تموه وتماه كثر ماؤها أو ظهر، وظاهر التسهيل أيضاً أنه إن كانت لامه حرف حلق فتح وهو ظاهر إطلاقه أيضاً في قوله:
*في غير هذا لدى الحلقي فتحاً أشع*
إلى قوله:
من دخلا.
كذا قال صاحب فتح الأقفال بإشارة. (1/44)
صفحة 45
والحق أن الحكم لقوله: والمضارع من فعلت إن جعلا عيناً له الواو أو لاماً يجاء به مضموم عين لا لقوله في غير هذا: لدى الحلقى إلخ فهو مقيد بقوله: والمضارع من فعلت إن جعلا إلخ فنقول الآن وهو الحق: إن ظاهر إطلاقه في قوله: والمضارع من فعلت إلخ أنه لا أثر لحرف الحلق في المفتوح الواوي العين، وكذا في الواوي للام والعين حرف حلق، ثم إن الحق عندي لزوم ضم الواوي العين المفتوح وإطراده، بحيث لا ينتقض، وأن ما جاء منه بالكسر فيه لغتان لا فيه وجهان، وهو واوي العين كما هو ظاهر كلام بعض: كفاح يفوح، ويفيح من قال يفوح فهو عنده واوي، ومن قال: يفيح فهو عنده يائي، وكذا صار يصور ويصير أي ضم، قرأ: (فصرهن إليك) بسكون الراء مع ضم الصاد وكسرها.
وجاء يجوء ويجئ، وطاح يطوح ويطيح كما مرَّ، ومات يموت ويميت، وساخ يسوخ ويسيخ، وعال الميزان يعول ويعيل، وصار وجهه يصوره ويصيره أقبل به، وقد ظفرت أنا بمثال جاء مفتوحاً في القاموس وبغية الآمال، ولم يظفر به صاحب فتح الأقفال، وهو ماهت البئر وغيرها تماه وتموه.
وقد يقال: لا نسلم أن تماه مضارع ماه المفتوح، بل مضارع ماه المكسور عسى أنه وجد، فماهت تماه كخاف يخاف، وجاء أيضاً ماهت تميه، فماه هذا الذي مضارعه تميه بوزن فعل بالفتح، لكن ألفه عن ياء، وإنما التزم ضم عين مضارع فعل المفتوح الواوي العين، لأن الضمة تناسب الواو، ولئلا يلتبس يائي العين لو كسر، ولئلا يخفى كونه واوياً أو يائياً لو فتح، بل يلبس إذا فتح بباب علم، ونظير ذلك تقدم في قوله: أو اليا عيناً، ولأن اليائي المفتوح ينقل إلى فعل بالكسر نحو: باع وبعت، في قول على ما يأتي إن شاء الله، والواوي إلى فعل بالضم كقال وقُلت في قول على ما مرَّ، ويأتي إن شاء الله... (1/45)
صفحة 46
وفعل بالكسر يتردد بين الفتح في المضارع وهو قياس وبين الكسر، وقد علم أن فعل المضموم يلزم طريقة واحدة، فالتزم في اليائي ما جاز في غيره، إما لأنه فرع بالنظر إلى التحويل فأعطى الكسر الذي هو فرع فعل بالكسر، وإما لئلا يخرج عن طريق فعل بالفتح إذا كان صحيحاً، وإما لئلا يوقع في اجمال واحتمال، لأنه لو فتح المضارع صح في الجملة، واحتمل أن ألفه عن ياء أو عن واو.
قال ابن عصفور: شذ من الواوي المفتوح: طاح يطيح، وتاه يتيه في لغة من قال ما أطوحه وما أتوهه.
ويجاب: بأنهما مضارعاً طاح يطوح، وتاه يتوه، استغنى بالياء عن الواو تخفيفاً، وقال (س) والخليل: طاح وتاه الواويان فعل يفعل بكسر الماضي والمضارع، يدلك على الواوية: طوحت وتوهت، وما أطوحه وأتوهه، ومن قال طيحت وتيهت فقد جاء بها على باع يبيع.
ورده ابن عصفور بأن فعل يفعل شاذ في الصحيح والمعتل، وفعل يفعل وإن شذ فيما عينه واو غير شاذ في الصحيح، فليحمل على ما يكون غير شاذ في حال.
(م5 ـ لامية الأفعال جـ2)
وأجيب: بأن الشذوذ المرتكبة هو غير موجود نظيره في النوع، والذي ارتكب غيره موجود النظير في النوع، ومراعاة النوع في النوع أولى من مراعاة النوع في الجنس، والله أعلم. (1/46)
صفحة 47
ومضارع الواوي اللام المفتوح، يجب ضم عينه لبيان أنه واوي اللام، ولأن الضم يناسب الواو، ولئلا يلتبس بذوات الياء لو كسرت العين فتقلب الألف ياء، ولئلا يحتمل القلب عن ياء لو فتحت العين فتبقى الألف، وسواء فيه المتعدي كأسى الجرح يأسوه داواه، وآلاه يألوه قصر: (لا يألونكم خبالاً) وبلاه يبلوه اختبره، وتلاه يتلوه تبعه، وتلا القرآن قرأه، وجفاه يجفوه هجره، وجفا البلد يجفوه خرج منه، وجلا السيف يجلوه صفاه، وجلا العروس أراها الناس، وجلاه يجلوه أظهره وأخرجه، وحباه يحبوه أعطاه، وحدا الإبل يحدوها غنى لها ليسوقها، وحذاه يحذوه أعطاه، وحساه يحسوه شربه جرعاً، وحشا الوسادة يحشوها، وذراه يذروه فرقه، ورجاه يرجوه، ورشاه يرشوه، ورفا الثوب يرفوه ألحمه، وشجاه يشجوه أطربه، وشجاه يشجوه أيضاً أحزنه، وعداه يعدوه جاوزه، وغزاه يغزوه، وقفاه يقفوه تبعه، وكساه يكسوه، وهجاه يهجوه شتمه بشعر.
وهكذا تلك الأفعال متعدية إلى غير ما ذكر أو آتية بمعان غير ما ذكر كما تراه في القاموس في أواخره، جاعلا صاحبه الواو قبل الكلمة حمراء، أو كبيرة سوداء، علامة على أن الألف في آخر الكلمة منقبلة عن واو، أو على أن الواو في آخرها أصل أي غير منقلبة عن ياءان صرح بها، واللازم كآلايأ يألو اللازم، وبدا يبدو أي ظهر أو سكن البادية، وبذا يبذوا فحش في الكلام، وجلا يجلوا ظهر، وحبا يحبوا مشي على بطنه، وحنا يحنو عطف، وخبت النار تخبو سكنت، وخطا يخطو أي مشي، وخلا يخلو، ودجا الليل يدجو أي أظلم، ودنا يدنو، وذكت النار تذكو أي اشتغلت، وربا يربو زاد، ونما ينمو كذلك، ورسا يرسو ثبت، ورنا إليه يرنو نظر، وزكا يزكو، وسجا يسجو، وسطا يسطو، وسلا إليه يسلو وفيه لغة سلى يسلي كرضي يرضي، وأخرى سلي يسلي بفتحها كأبي أبي شاذاً أو مركبا من اللغتين. (1/47)
صفحة 48
وسما يسمو ارتفع، وشبا يشبو مثله، وشدا يشدوا غني، وشذا المسك يشذو فاح، وصبا يصبو مال، وصحا يصحو، وصفا يصفو، وضفا الثوب يضفو، وطرا يطرو حدث، وطفا يطفو أي علا على الماء، وعدا يعدو جري، وعشا يعشو إلى النار قصدها من بعد، وعفا يعفو، وغدا يعدو، وغفا يغفو نام، وغلا يغلو جاوز الحد، وفشا الخبر يفشو، وقسا يقسو، وكبا يكبو، ونبا ينبو، ونجا ينجو خلص، ونزا ينزو وثب، وهفا يهفو زل.
وهكذا تلك المواد إذا كان فاعلها أو متعلقها غير ما ذكر، وغير تلك المواد أيضاً كما ترى ذلك في القاموس في أواخره، وسواء في ذلك كانت عينه حرف حلق أم لم تكنه، واشترط أحمد بن يحيى في بغية الآمال، والناظم في التسهيل للزوم الضم هنا أن لا تكون عينه حرف حلق، فإن كانه حرفه فالضم غير لازم، فمنه ما يجيء بالضم وحده كثغث الشاة تثغو صاتت، وحجا التراب يحجوه جرفه، ودعاه يدعوه، ودهته الداهية تدهوه أصابته، ورحوت الرحى أرحوها أدرتها، وسخا يسخو جاد، وأما يسخى بالفتح فمضارع سخى بالكسر كرضى، ورغا البعير يرغو صات، وسها يسهو، وشغت سنه تشغو خالفت غيرها بزيادة أو خروج، وصحا يصحو، ولحاه يلحوه أي عذله، ولحا الشجر قشره ولخاه الدواء يلخوه أسعطه إياه، ولغا الشيء يلغو لم يعتد به، ولها يلهو، ونخا ينخو افتخر، وغير ذلك من المتعلقات مع تلك المواد.
ومن المعاني لتلك المواد ومن مواد غير تلك المواد.
ومنه ما جاء بالضم والفتح كدحاً الأرض يدحوها ويدحاها بسطها، وسحا التراب سحوه ويسحاه جرفه، وصفا يصفو ويصفا، وضحا للشمس يضحو ويضحا برز، وطها اللحم يطهوه ويطهاه أنضجه طبخا وشياً، ومحاه يمحوه ويمحاه كذا لصاحب فتح الأقفال.
قلت: وجاء أيضاً يصحيه بالكسر ونحا نحوه ينحو وينحا وغير ذلك، ومنه ما جاء بالفتح فقط كطحا الأرض يطحاها، وطغى يطغى وفيه لغة طغى بالكسر يطغى بالفتح أيضاً، وفخا التراب يفخاه جرفه. (1/48)
صفحة 49
ومنه ما جاء بثلاثة أوجه: كمحاه يمحوه ويمحاه ويمحيه، فكلام صاحب بغية الآمال، والناظم في التسهيل صحيح، لأنهما اشترطا عدم كون العين حرف حلق للزوم الضم لا لوجوده، أو لوجود غيره، فاعتراض صاحب فتح الأقفال للناظم، واستدلاله بما ذكر مما جاء بالضم، وما جاء بالفتح، وما جاء بهما، وبأنه لم ينفرد الكسر إلاَّ في قليل باطل جاءه من عدم إمعان النظر، كما بطل قوله: إن ظاهر قوله في غير هذا لدى الحلقي إلخ اشتراط أن لا تكون تلك العين حرف حلق، لأن قوله: في غير هذا إلخ مقيد بأن لا تكون اللام واواً لا العكس كما مرَّ في واوي العين.
ولو سلمنا اعتراضه في حد ذاته، لم نسلم استدلاله لصحة أن يقال: إن تلك الأفعال الواردة بالفتح وحده أو مع الضم، وما جاء بالكسر وحده أو معها من تداخل اللغات، وكذلك كونها من التداخل مبطل لادعاء الناظم، أن مثل تلك الأفعال التي جاءت بالضم مع غيره، أو بغير الضم خارجة عما تقرر من لزوم الضم، لأنا إذا قلنا بالتداخل فالمضارع الآتي بغير الضم ألفه عن ياء لا عن واو، وهو لغة فالضم في الواوي اللام المفتوح العين مطرد لازم لا ينتقض بحرف الحلق، فقد قال صاحب تحقيق المقال: إن ما جاء منه بالكسر فلأن فيه لغتين مثل: نما ينمو وينمي، فمن قال ينمو فألف نما عنده عن واو، ومن قال ينمي فألف نما عنده عن ياء، وكذا أتى يأتو ويأتي، وقلا يقلو ويقلى، وطما يطمو ويطمي ارتفع، وطباه يطبوه ويطبيه دعاه، وبرأ يبرؤ ويبري وهو كثير مرت منه أمثلة خلاف ما يوهمه كلام بعضهم، أنه محصور في أفعال ذكرها الضرير في نظمه، فتوهم الخصوص بها وأما طباه عن كذا صرفه فألفه عن ياء.
فائدتان: (1/49)
صفحة 50
الأولى: قال في بغية الآمال: إن مضارع فعل المفتوح الواوي اللام مضارعه على يفعل بالضم، سواء كان متعدياً أو لازماً ما لم يكن عينه حرفاً من حروف الحلق نحو قولك: صفا يصفا، وطغى يطغى، وقالوا محا يمحى، فإن المضارع منها جاء على يفعل بالفتح واللام واو لمكان حرف الحلق، وانقلبت الواو والياء ألفاً في المضارع لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ولم يفعلوا ذلك فيما عينه واو وياء نحو: قال يقول، وباع يبيع، لئلا يلتبس بما ماضيه في الأصل فعل بالكسر، ولأن الحركة لا تظهر للزوم سكون العين أ. هـ.
ومراده بقوله: ما لم يكن عينه إلخ أنه إذا كان عينه حرف حلق فليس الضم بلازم، بدليل تمثيله بمحا يمحا مع أنه قد مثل به فيما مضى هكذا محا يمحو بالواو، محا يمحى بالياء، وبدليل ذكره صفا يصفو بالواو، فلو أراد أنه إذا كانت عينه حرف حلق، فإنه يفتح حتماً لتنافي كلاماه.
الثانية: سمى المضارع مضارعاً لأنه مشابه للاسم في الإبهام والتخصيص والمضارعة المشابهة، مأخوذة من الضرع كأن كلا المتشابهين ارتضعا من ضرع واحد، وأصل المضارعة تقابل السخلتين على ضرع الشاة عند الرضاع، بأن تأخذ كل واحدة بحلمة من الضرع، فهو الاسم أخوان رضاعاً، ووجه الشبه الإبهام والتخصيص، فإن نحو رجل حر النكرات مبهم، يصلح أن يكون لزيد أو لعمرو أو غيرهما، والمضارع يصلح للحال والاستقبال، ويخصص الاسم بنحو: اضافة أو وصف كرجل أحمر، ورجل هند، والرجل، وهذا الرجل، وكذا زيد ونحوه من المعارف المتعددة الوضع، مبهم لصلوحه لكل واحد ممن سمى به، فيخصص بذلك نحو: زيد الحداد، وزيدنا، ولا تدخله أل على الأصح. (1/50)
صفحة 51
ويخصص المضارع للاستقبال بنحو: إن ولن وغيرهما من النواصب، وسوف والسين، والحال بنحو: الآن، والمراد بالتخصيص هنا غير التخصيص في باب الإضافة، فإنه في بابها التخصيص بالحرف المقدر كاللام، ومن وهما لا يقدران في الفعل، فلا يقال: إنهم نصوا في بابها أن التخصيص والتعريف لا يكونان إلاَّ في الاسم، تكون في الجملة أو دائماً على خلاف لأجلهما.
وقد يقال أيضاً: مرادهم بذلك أنهما لا يكونان جميعاً إلاَّ في الأسماء، فلا يرد أنه يكون أحدهما في الفعل وهو التخصيص، أو المراد أنه لا يكون التخصيص بالأصالة إلاَّ في الاسم، وما ذكر من احتمال المضارع الحال والاستقبال عند عدم القرينة قول، والقول الآخر أنه حقيقة في الحال، فجاز في الاستقبال، والقول الآخر عكس ذا، وبسطت ذلك في النحو.
وقيل: وجه الشبه قبول لام الابتداء، فإن كلا منهما يقبلها نحو: لزيد قائم، وإنه ليقوم، ومنه ليقومن ونحوه في قول، وفي ذلك بسط ذكرته في غير هذا.
وقيل: وجه الشبه الجريان على اسم الفاعل، ولو باعتبار الأصل في الحركات والسكنات، وعدد الحروف، وتعيين الحروف الأصول والزوائد نحو: يضرب وضارب، فإن كلا منهما متحرك الأول ساكن الثاني، متحرك الثالث، ونحو: يقوم وقائم، فإن أول يقوم في الأصل متحرك، وثانيه ساكن، وثالثه متحرك، لأن أصله يقوم بفتح الياء وسكون القاف وضم الواو، كما أن قائماً محرك الأول والثالث، مسكن الثاني، ولا يضر اختلاف الحركات بأن يقابل كل من الضم والفتح والكسر بالآخر، ولا اختلاف الساكنات بأن يكون أحد الساكنات صحيحاً، والآخر معتلاً، أو أحدها حياً والآخر ميتاً، ونحو: ينطلق ومنطلق باختلاف حركة الأول. (1/51)
صفحة 52
والأصول في الاسم هي الأصول في الفعل، وما سواها زوائد، فالزائد في يضرب الياء قبل الضاد، وفي ضارب الألف بعدها، ومثله قائم ويقوم الزائد في قائم الألف بعد القاف، وفي يقوم الياء قبلها، وفي منطلق وينطلق الميم والنون والياء قبل الطاء، ومثل تلك الميم والنون والياء في الزيادة همزة الوصل المحذوفة.
وقيل: وجه الشبه جميع ما ذكر، ولا يبعد أن يقال وجه الشبه قبوله معانيمختلفة كالاسم، ووجود بعض تلك الأوجه الشبهية في الماضي لا يوجب تسميته مضارعاً، لأن وجه التسمية لا يوجب التسمية، مثل أن الماضي يحتمل الزمان القريب والبعيد الماضيين، وتقربه قد للحال على قول، ويقبل لام الابتداء، ولو مجرداً على قول نحو: أنه لقام ويقبل اللام بعد لو، وهي قيل لام الابتداء، ويجري على الاسم في مثل فرح فهو فرحْ، وأشر فهو أشرْ، وغلب غلباً، وجلب جلباً، ولا يضرنا أن المضارع قد لا يجري على الاسم فيما مرَّ، لأنه يكفي جريانه في بعض وجريان بعض الأفعال المضارعات دون بعض.
وقد يقال: وجه الشبه أنه معرب كالاسم، ولا يبطله قولهم أن المضارع أعرب للحمل على الاسم لمشابهته لأنه نقول: هذه العلل مناسبات لا موجبات، والمراد بالحال عند النحاة والصراف أو آخر الماضي وأوائل المستقبل، أو بعضها والكلام على ذلك كله بسطته في النحو. (1/52)
صفحة 53
الإعراب: الواو للاستئناف أو لعطف جملة اسمية خبرية أو طلبية أن قيل: يجاء به بمعنى جئ به على فعلية طلبية، وهي آدم بناء على جواز ذلك، أو هي ضم عين معداة أو على كذا المضاعف، أو على اضممن، أو على ع ذا وجهين، أو على ع وجهين صد، وذلك كله من عطف قصة على أخرى، والجامع كون كل واحدة في مضارع فعل المفتوح، وفي حركة عينه، وإنما قلت بالعطف محل الأول والأوسط والآخر، مع اشتهار أن العطف على الأول أو على الآخر فقط إذا كان العاطف غير مرتب لجواز ذلك، أو لأنه إذا عطفت على واحد جاز ذلك العطف على ما هو الآخر بالنظر إليه، ويتوهم أن العطف على الأول والأوسط لمجيء المتعاطفات قبل وبعد، أو قبل وبعد وهذا إذا صح في المعطوف المسبوق بمعطوف أو أكثر، أو معطوف عليه المتقدم عن معطوف أو أكثر أن يكون استئنافاً فافهم.
وهكذا يقال فيما مر أو يأتي، والمضارع مبتدأ، ومن فعلت متعلق بمحذوف صفة المضارع لأن أل فيه للجنس، بل ولو قدرناها لغير الجنس بناء على إجازة كثير من المتأخرين وصف المعرفة مطلقاً بالجملة وشبهها، ويضعف كونه حالاً من المضارع، لأنه مبتدأ، ويجوز كونه حالاً من هاء به بناء على جواز تقديم الحال ومعمولها، وأحدهما على صاحبها المجرور، والتعليق بجاء أن جعل خبر المبتدأ، وإن جعل جواباً أو بعض جواب فلا يعلق به، ولا يجعل حاللاً من هاء به إلاَّ على مذهب من أجاز تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط.
وإن حرف شرط، وجعل فعل ماض مبني للمفعول في محل جزم بأن على الشرط، وعيناً مفعوله الأول، والواو نائب فاعله وهو المفعول الأول في الأصل، ولا معطوف على عيناً، وجعل ونائبه لا محل لهما، لأن الجازم طلب محل الفعل وحده كما بسطت ذلك في النحو، وله متعلق بجعل، أو بمحذوف ونعت لعيناً، أو مفعول ثان، وعلى هذا الأخير فعيناً حال من الواو، ومن ضمير الاستقرار، أو تعدّد المفعول الثاني، ويجاء مضارع مبني للمفعول. (1/53)
صفحة 54
وبه جار ومجرور متعلق به في محل رفع نائب يجاء، أو النائب هو المجرور فهو وحده في محل رفع، والجملة خبر المبتدأ في محل رفع، والرابط الهاء، وهي دليل جواب الشرط المحذوف أو لا جواب للشرط لسدّ الخبر مسدّه، كما أجازه في التسهيل أو جملة يجاء به بعض الجواب خبر لمحذوف، أي فهو يجاء به، والمبتدأ والخبر جواب، والفاء محذوفة للضرورة أو لجواز حذفها سعة لكثرة وروده، كما بسط في محله أو جملة يجاء به جواب مع قد المحذوفة مقرونة بفاء مقدرة، أي فقد يجاء به.
وقد لغير التقليل والشرط والجواب خبر المبتدأ، وكذا لذا جعل يجاء هو الجواب بلا تقدير، ولم يجزم لأنه لما لم يعمل أداة الشرط في الشرط عملاً يظهر فيه أثره، بل عمل في محله ضعف عن العمل في الجواب، وفي ذلك مبحث ذكرته في النحو، ومضموم حال من هاء به مضاف لعين، والله أعلم.
تنبيه:
الأولى في إعراب كلام كل مصنف وتخريجه أن يعرب ويخرج على مذهبه من المنع والجواز والترجيح ويجوز تخريجه على ما لم ينص على منعه ولو نص على ترجيح غيره.
*وهذا الحكم قد بذلا*
لما لبذّ مفاخر وليس له
داع لزوم انكسار العين قلا
أي وهذا الحكم الذي هو ضم عين مضارع فعل المفتوح قد أعطى للمضارع الذي هو لغلبته المفاخر الذي ماضيه فعل بالفتح الذي ليس فيه موجب الكسر، وهو كون الفاء واواً وكون العين أو اللام ياء، سواء وجد حرف الحلق عيناً أو لاماً أم عدم، وذلك الذي فيه موجب الكسر هو مثل قلى على لغة كون لامه ياء تقول قلاني فقليته فأنا أقليه، أي فأنا غلبته في القلاء، وهو البغض بكسر أقلية، ولو دلّ على غلبة المفاخر، لأن لامه ياء، ومثل واعدني فوعدته فأنا أعده بكسر عين أعد، ولو دلّ على المفاخرة لأن فاءه واو، ومثل بايعني فبعته فأنا أبيعه بكسر أبيع، واو دلّ على غلبة المفاخر، لأن عينه ياء. (1/54)
صفحة 55
ومثال ما يلزم ضمه لدلالته على غلبة المفاخر، مما ليس فيه داعي الكسر: سابقني فسبقته فأنا أسبقه بفتح باء سبقته وضم باء أسبقه أي غلبته في السبق وجادلني فجادلته فأنا أجدله بضم دال أجدل، أي غلبته في الجدال، وإنما لزم الضم في الدال على غلبة المفاخر مما ليس فيه داعي الكسر للمناسبة، لأن الغلبة فيها استعلاء فأعطى الفعل الدال عليها ما كان أشرف الحركات، وهو الضم ليناسب اللفظ المعنى، ولأن الضم قوي فألزم باب المغالبة ليدلّ على معناها، وليكون منبهة على معنى طرأ في الفعل، لأن لزومهم إياه مشعر به.
فأصل أسبق وأجدل المضمومين في المثالين أسبق وأجدل بكسر الباء والدال، لأنهما مضارعاً سبق وجدل الثلاثيين المفتوحين، ولما طرأ عليهما الدلالة على غلبة المفاخر ضُمَّا وكسروا المضارع الدال على المفاخرة إذا كان فاؤه واواً، أو عينه أو لامه ياء لاستثقال الضم فيه، وأيضاً لو ضم ما عينه أو لامه ياء لقلبت الياء واواً، فيلتبس يائي العين ويائي اللام بواويهما.
وكذلك ضم الصحيح الدال على المفاخرة مع، أن أصله الكسر لفتح ماضيه، لما في الضم من القوة المناسبة للمفاخرة والغلبة، وهو قابل للضم المطلوب، ولو لم يضموه لاختلط بالمعتل، فالتزموا في الصحيح في باب المغالبة ما جاز في غيره، وحكم المضاعف اللازم المفتوح حكم غيره، فيضم مضارعه في باب المغالبة كالمفتوح المضاعف المتعدّي في باب الغلبة وغيرها، لأن موجب الكسر وهو اللزوم قد زال لتعديه بسبب المغالبة.
وإذا كان مضارع فعل المفتوح مضموماً قبل الدلالة على الغلبة مثل: نصر ينصر، وجبه يجبه، وصبه يصبه، فالضم الذي فيه بعد الدلالة على الغلبة غير الذي قبلها، ولا يصاغ المضارع للغلبة من فعل ناقص مثل كان الناسخة اتفاقاً، ولا يصاغ المضارع للمغالبة من الماض المكسور العين، والمضموم العين لا مضموماً عند عدم موجب الكسر، ولا مكسوراً عند عدمه هذا مذهب ابن عصفور. (1/55)
صفحة 56
وإنما يصاغ من فعل المفتوح المتصرف التام، وصوغه مقيس، وإنما خصه بالمفتوح لأنه لم يأت استعماله عنهم إلاَّ منه.
وقال غيره: يصاغ قياساً من كل فعل ثلاثي تام متصرف مفتوح العين، أو مضمومها أو مكسورها، ولكن تفتح عين الماضي، ولو كانت قبل المفاخرة مضمومة أو مكسورة ويتعدّى، ولو كان قبلها لازماً نحو: كرمته بفتح الراء خفيفة أكرمه بضمها كما في المغني وغيره، وإنما يقاس لكثرة وروده كثرة ما.
وقال صاحب بغية الآمال: وباب المغالبة سماعي، إنما تقف فيه عندما سمع من العرب، وروى عنها قال: قال سيبويه: وليس في كل شيء يكون هذا، ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته، استغنى عنها بغلَبته وأشباه ذلك، يريد أنهم قد يقولونه من غير لفظ الأول كقولهم: نازعني فغلبته وذلك مسموع أ. هـ.
ومعنى بذلاً بذال معجمة أعطى، والمضارع يبذل بضم الذال وكسرها، والماضي بذل بفتحها، والإشارة بذا إلى المجئ بالمضارع مضموم عين المفهوم من قوله: يجاء به مضموم عين، أو إلى الضم المفهوم من قوله: مضموم عين.
وقال صاحب تحقيق المقال: إلى لزوم الضم أي لزومه المفهوم من قوله: يجاء به مضموم عين، لأنه قال: يجاء به ولم يقل: قد يجاء به، ولا يجاء به جوازاً، ولا مثل ذلك، أو لأنه يؤول يجاء بالطلب الدال على اللزوم.
والبذّ بفتح الباء وتشديد الذال المعجمة بمعنى الغلبة، وهو مصدور، ومثله البذيذ، والفعل بذّه يبذّه، كنصره ينصره. (1/56)
صفحة 57
ومفاخر بكسر الخاء وضم الميم اسم فاعل، إضافة بذّ إليه إضافة مصدر لفاعله، أو بفتح الخاء، وضم الميم اسم مفعول، فالإضافة إضافة مصدر لمفعوله، قاله صاحب تحقيق المقال، وليس بمتعين لجواز أن يكون إضافة بذّ لمفاخر بكسر الخاء إضافة مصدر لمفعوله، أي لغلبتك من فاخرك، وإضافة بذّ لمفاخَر بالفتح إضافة مصدر لفاعله، أي لغلبة من فاخرته إياك، ويجوز على بعد أن يكون مفاخر بضم الميم وفتح الخاء مصدراً ميمياً بمعنى مفاخرة، والمصدر الميمي قيل: مصدر وقيل: اسم مصدر، وعليه المكودي خلاف أوضحته في النحو.
وزعم صاحب تحقيق المقال: أنه يجوز كونه اسم مصدر بمعنى افتخار، أما كونه اسم مصدر فهو قول كما رأيت، وأما كونه بمعنى افتخار فلا حاجة إليه، بل المناسب بمعنى المفاخرة، لأن مصدر فاخر مفاخرة لا افتخاراً، ومفاخر اسم ذلك المصدر، إلاَّ إن أراد مطلق المعنى، لأن معنى افتخار من حيث كونه يقع من شخص في مقابلة شخص في معنى مفاخرة، ولو كانت لفظة المفاخرة للمفاعلة بين اثنين دون افتخر، وافتخار، ويجوز فتح الميم وكسر الخاء جمع مفخر أي فخر فيمنع من الصرف، ويجوز صرفه للبناء على القول بجواز صرف مفاعل سعة، وضرورة لا للضرورة، لأن الوزن يقبل تنوينه وعدم تنوينه بناء على أنَّ الضرورة ما لا مندوحة للشاعر عنه، وهو مذهب الناظم وفيها مبحث طويل ذكرته في النحو.
وفي كثير من النسخ لما لمبدى اسم فاعل أبدى بيدى رباعياً بمعنى أظهر يظهر، ومفاخر (حَ) بفتح الميم وكسر الخاء وهو جمع مفخر بفتح الميم والخاء، وتتابعت الإضافات في قوله: داعي لزوم انكسار العين، بأن لم ينون داعي وتتابعهما لا يخرج الكلام عن الفصاحة، وقد وقع في التنزيل قال الله تعالى: (مثل دأب قوم نوح) وقال: (ذكر رحمة ربك عبده). (1/57)
صفحة 58
وزعم بعضهم أنه مخرج للكلام عن الفصاحة، ويردّه وقوعه في التنزيل، ويردّه أيضاً أنه إن ثقل اللفظ بسبب تتابعها على اللسان فمخرج عن الفصاحة، وهو نوع من التنافر، وإن لم يثقل فلا يخل بالفصاحة كما في البيت والتنزيل، فإنه لا ثقل فيهما فبطل تميمه أن تتابع الإضافات مخرج عن الفصاحة، وبطل جعله تتابعهما نوعاً مخرجاً عن الفصاحة غير نوع التنافر، هذا ما يظهر لي، وما ذكره الناظم من أن قلى مفتوح العين لغة مشهورة، وكذا ما ذكره من أنه يائي اللام، وفيه لغة بكسر عينه كرضى، ولغة بأنه واوي اللام فلا يقلو، كدعا يدعو، وقد مرّ ذلك.
فعلى أنه يائي اللام كما في البيت يكتب بالياء، ويوجد في جميع النسخ بالألف في البيت موافقة للإلفات، أو آخر الأبيات قبل وبعد، وقياسه كتبه بالياء وعلى أنه واوي اللام يكتب بالألف.
تتمه:
قال صاحب تحقيق المقال: سمع خاصمته فأنا أخصمه بالكسر، أي مع كونه للمغالبة، وكونه خالياً من موجب الكسر الذي هو كون الفاء واواً وكون العين أو اللام ياء، قال: ويأبى ذلك البصريون أ. هـ.
قلت: وجه الكسر الرجوع للأصل، بل البقاء عليه، لأن الأصل مضارع فعل بالفتح يفعل بالكسر، ويخصم مضارع خصم بالفتح، ويفهم من قوله ويأبى ذلك البصريون أن الكوفيين مثلاً يجيزون قياس ذلك الكسر لوروده، فيجوز عندهم كسر عين مضارع فعل بالفتح الدال على الغلبة رجوعاً لأصله، بل بقاء عليه، وعلى هذا النمط فقط يجوز أيضاً فتح عين مضارع فعل بالكسر الدال عليها، وإبقاء ضم عين المضارع المضموم من فعل بالفتح أو بالضم بدون تجديد ضم آخر للغلبة لسماع البقاء على الأصل، ولو في نوع واحد، وهو المضارع الذي حقه الكسر لولا المبالغة، ومعنى مَنع البصريين لذلك الكسر منعُ القياس عليه لقلة وروده. (1/58)
صفحة 59
الإعراب: الواو للاستئناف أو لعطف الجملة الإسمية على مثلها في قوله والمضارع إلخ، أو على فعلية هي قوله: يجاء به، ولا يقال إذا جعلت خبراً ففيها رابط، وليس في المعطوفة عليها رابط، لأنا نقول: الإشارة بمنزلة الرابط، أو أل نائبة عن الضمير أو محذوف أي، وهذا الحكم المذكور له قد بذلا إلخ.
وها حرف تنبيه مبني على سكون الألف، وذا اسم إشارة مبتدأ مبني على سكون الألف، والحكم بدل من ذا أو بيان له، وقد اشتهر في مثل ذلك جوازها وجواز النعت، وقد بسطت ذلك في النحو.
وقد حرف تحقيق، وبذل فعل ماض مبني للمفعول، ونائبه مستتر فيه جوازاً، والجملة خبر المبتدأ، والرابط بعضها، وهو الضمير المستتر، ولما جار ومجرور متعلق ببذل إن لم تجعل اللام زائدة، وإن جعلت زائدة، وما مفعول ثان لبذلا، والأول هو النائب فلا تعلق كذا قيل، والحق عندي أنه إن جعلنا بذل من باب أعطى وأعملناه عمله، وجعلنا اللام زائدة فالمفعول الأول هو ما، لأن ما لبذ مفاخر هو الآخِذ بالمدّ، وكسر الخاء تأخر عن الثاني، والثاني هو النائب المأخوذ لعدم التباس الأول بالثاني، كما تقول: أعطيت درهماً زيداً، فزيداً هو الأول ودرهماً الثاني، وإنما ناب المفعول الثاني لعدم اللبس وهو مذهب الناظم، وفي ذلك خلاف مذكور في النحو. (1/59)
صفحة 60
وما موصول اسمي واقع على المضارع، أو نكرة موصوفة واقعة عليه، لا يقال: إن الذي أعطى الضم هو عين المضارع لا جملته، لأنا نقول: إذا أعطيت عينه الضم فقد أعطى هو الضم، لأن العين بعضه كما تقول ضربت زيداً مع أنك ضربت بعضه لا كله، ولك مع هذا أن تقدر المضاف، أي لعين ما لبذّ مفاخر إلى عين المضارع الذي لبذّ مفاخر، ولا تقع ما على العين إلاَّ بتقدير مضاف في قوله: لبذّ أي لعين التي لذى بذّ مفاخر، وذو بذ المفاخر هو المضارع، والإضافة قد تكون الأدنى ملابسة، ولبذّ متعلق بمحذوف، وذلك المحذوف هو وفاعله المستتر فيه أو في قوله لبذّ صلة ما أو صفتها، أي ما تبت لبذّ ومفاخر مضاف إليه.
وهذه النسخة أولى لكونها أدل على المقصود من نسخ لما لمبْدىِ مفَاخِرَ، ومن نسخ لما يدل على فخر، وفي وقوع ما على العين أو المضارع على النسختين ما فيه على نسخة لما لبذّ، والواو واو الحال، وصاحبها ضمير الاستقرار، والرابط الواو، وهاء له أو للعطف على جملة ثبت التي هي صلة ما أوصفتها عطف فعلية جامد فعلها، على فعلية متصرف فعلها وهو جائز قطعاً، والرابط فيها هاء له، وليس فعل ماض على الصحيح، وفيه خلاف بسطته في النحو.
وله متعلق بمحذوف خبر ليس إن قدر اسماً، وإن قدر فعلاً فخبرها هو وفاعله المستتر فيه، وداع بكسر العين وبالتنوين اسم ليس مرفوع بضمة مقدرة على ياء محذوفة لالتقائها ساكنة مع التنوين الساكن الأصل داعي بالتنوين، وضم الياء نقلت الضمة على الياء فحذفت تلك الضمة، فبقيت الياء ساكنة، وبعدها التنوين ساكناً، فحذفه الياء، لأنها الساكن الأول المعتل دون التنوين، لأنه الساكن الثاني الصحيح، ولزوم مفعول داع وإن لم ينون داع ثبتت ياؤه، ويضاف للزوم. (1/60)
صفحة 61
وانكسار مضاف إليه، والعين مضاف إليه، ونحو خبر لمحذوف، أي ذلك الذي فيه داعي الكسر هو مثل قلى، أو مفعول لمحذوف، أي أعني نحو: قلا أو لا تعط نحو قلى هذا الحكم، لأنه فيه داعي لزوم انكسار العين، وانكسار مطاوع الكسر أو هو بمعنى الكسر.
(م6 ـ لامية الأفعال جـ2)
وفتح ما حرف حلق غير أوّله
عن الكسائي في ذا النوع قد حصلا
يعني أن الكسائي يفتح عين المضارع الذي حرف الحلق عينه أو لامه، أو عينه ولامه حرفا حلق لا فاءه الذي ماضيه فعل بالفتح الدال على المغالبة، وليس فيه داعي الكسر، فهو يغلب حكم حرف الحلق وهو الفتح على حكم المغالبة، وهو الضم، وكذلك قال في الصحاح.
وقد اختلف البصريون في نقل مذهب الكسائي، فبعضهم نقل أنه يوجب فتح عين المضارع الدال على الغلبة إذا كان غير أوّله، وهو عينه أو لامه حرف حلق قياساً على غيره من المفتوح، إلاَّ ما سمع بالضم، فإنه يحفظ ولا يقاس عليه، وهكذا نقل ابن الناظم في شرح هذه القصيدة، ومنهم من ينقل عنه أنه يجيز فتح العين في ذلك قياساً على غيره من المفتوح، لأجل حرف الحلق أي ويجيز ضمة ايضاً، لأنه للمغالبة، ولعله أجاز الوجهين عند عدم سماع أحدهما، أو كان ممن يجيز القياس مع وجود السماع في بعض المواضع، وكذلك نقل عنه الناظم في شرح التسهيل.
وكلامه هنا يحتمل النقلين، وينبغي تخريجه على النقل الثاني، لأنه مذهب الناظم في النقل عنه، فتخريج صاحب فتح الأقفال له على وجوب فتح عين المضارع، الذي عينه أو لامه حرف حلق في باب الغلبة قياساً على داعي الكسر، ولسماع الفتح في أفعال منه، وعلى أن حرف الحلق مانع الضم وهو النقل الأول عن الكسائي مما لا ينبغي، لأنه نقل ابن الناظم عنه، لا نقل الناظم.
وما تقدم من ترجى أن الكسائي أجاز الضم والفتح في ذلك، وإن سمع الضم قياساً على غير باب المغالبة هو ظاهر قوله: في ذا النوع، على ما قال صاحب التحقيق. (1/61)
صفحة 62
قال: ويحتمل أن يكون قصره الحكم على النوع ليفيد أن الكسائي إنما يلحق الحكم بالنوع لا بالشخص، فيفتح ما لم يسمع ضمه، لا ما سمع، قال: وإنما يفتح الكسائي إذا خلا من موجب الكسر ككون الفاء واواً، وكون العين ياء، لأنه لا تأثير لحرف الحلق فيهما في باب المغالبة ولا في غيره أ. هـ.
ومذهب الجمهور ضم عين المضارع الدال على الغلبة، ولو كان حرف الحلق لاماً أو عيناً، وحملوا ما سمع بالفتح للحلقي على الشذوذ، كما سمع الكسر في أفعال من المغالبة.
وأقول: إنما آثروا داعي الكسر في باب المغالبة، فكسروا لأجله ولو يؤثر حرف الحلق فيه فيفتحوا لأجله، لأن داعي الكسر أقوى من حيث إنه يقدم على جالب الفتح، وهو حرف الحلق، فيحكم له إذا اجتمع معه نحو: باع يبيع، اجتمع داعي الكسر وهو كون العين ياء، وداعي الفتح وهو كون اللام حرف حلق، فحكم بحكم داعي الكسر فكسرت العين، ونحو: بغى يبغي اجتمع داعي الكسر وهو كون اللام ياء، وداعي الفتح وهو كون العين حرف حلق، فحكم بحكم داعي الكسر فكسرت العين، إلاَّ إذا سمع الفتح ومن حيث إن جالب الكسر يجر إلى المطلوب الذي هو مخالفة حركة عين المضارع لحركة عين الماضي.
بخلاف جالب الفتح، فإنه يجر إلى غير المطلوب، وهو توافق حركتيهما، وهو هنا أن تكونا فتحة، وهاتان الحيثيتان دالتان على أن جالب الكسر أقوى من جالب الفتح، فحكم له في باب المغالبة، ولم يحكم لجالب الفتح إلاَّ على مذهب الكسائي، فالحكم له أو أجاز الفتح والضم، وذلك الخلاف بين الجمهور والكسائي في مضارع فعَل بالفتح، الدال على الغلبة الصحيح، أي الذي ليست فاؤه واواً ولا عينه ولا لامه ياء.
ومثله مضارع فعُل بالضم وفعِل بالكسر في المغالبة إذا كان صحيحاً إن قلنا بمجيئها المغالبة عندهم، وما نقل عن الكسائي من الفتح صحيح منقول، نقل السخاوي عن أهله اللغة عن العرب: شاعرني فشعرته فأنا أشعره، وفاخَرني ففخرته فأنا أفخره بالفتح. (1/62)
صفحة 63
وحكى أبو زيد عن العرب: شاعرني فشعرته فأنا أشعره، وفاخرني ففخرته فأنا أفخره بالضم، مع أن العين حرف حلق، وهو مذهب الجمهور، ونقل الجوهريّ: واضأني فوضأته فأنا أوضئه بالفتح وهو مذهب الكسائي، قال: وذلك الحلق.
قال صاحب التحقيق: ولعله علل بذلك تبعاً للكسائي، ولو تبع غيره لقال: إنه من الشاذ إلاَّ أن يكون علل ما سمع أ. هـ.
قلت: يدل على أنه تبع الكسائي قوله في حرف الميم في مادة: خصم خصمه أي بالفتح يخصمه أي بالكسر غلبه وهو شاذ، فإن فاعَلته ففعَلتُه، أي بالفتح يرد يفعل منه أي بالكسر إلى الضم إن لم يكن عينه حرف حلق أ. هـ.
وظاهر هذا أيضاً موافقة نقل ابن الناظم، من أن حرف الحلق مانع من الضم عند الكسائي، وما في قوله: وفتح ما حرف حلق غير أوّله، واقعة على المضارع، لأن فتح عين المضارع فتح للمضارع، لأنها بعضه أو لتقدير مضاف، أي وفتح عين ما حرف حلق غير أوله، ويضعف وقوعها على العين، أي وفتح العين التي حرف الحلق غير أول لها، أي غير سابقة لها، أي غير فاء، لأن فاء الكلمة قبل عينها.
وكونه غير أوّل لها شامها شامل لأن يكون هو العين نفسها، أي حرف الخلق عين الكلمة، وأن يكون آخر الهاء أي بعدها، أي لاما للكلمة، لأن لام الكلمة بعد العين، والمقصود بالعين عين المضارع، ويكون التذكير حينئذ في أوّله باعتبار لفظ ما، أو لجواز تذكير العين على ما مرّ، وسمى حرف الحلق وحرف حلق لأنه يخرج من اللحق وهو ستة: والحاء والخاء، والعين والغين والهاء، يجمعها أوائل كلم البيت:
أترى عين خليلي
هجعت حين غليلي
وهو من مجزوء الرّمل. (1/63)
صفحة 64
هذا مذهب الجمهور، وهو المراد هنا، وقيل سبعة السابع الألف، ونقل عن الخليل وسيبوبه، وروى عن اللقاني عن الخليل أنها ستة كما هو مذهب الجمهور، والألف عندهم حرف هواء لا مخرج له، وليس ذكر الغزي وغيره في مثل هذا المقام أنها ستة اختياراً لمذهب الجمهور، كما توهم بل لأنها التي يفتح لها عين الكلمة والألف، ولو كانت حرف حلق لا يفتح لها على ما مرّ، وربما شمل الألف ذكرُ هُم الهمزة بأن يراد بالهمزة اللينة والألف، ولا بعد في عدّ الألف من حروف الحلق في مثل هذا المقام أيضاً: لأنا نقول: محل الفتح ما لم يسمع غيره، فنحو: أتى سمع كير مضارعه، ولا كانت لا مه حرف حلق وهو الألف، فلبيق على كسره.
وممن قال بأن الألف للهواء، أي الخلاء الداخل في الفم، حتى لا يكون لها حيَّر محقق شيخ الإسلام.
وممن جعلها من حرف الحلق الشاطبي، لأن مبدأها مبدأ الحلق، ثم تمتدّ وتمر على الكل، وجعلها بعد الهمزة وقبل الهاء، لأن الثلاثة وإن كانت من مخرج واحد فهي مرتبة فيه الهمزة، ثم الألف، ثم الهاء، والصحيح في مذهبه أنها بعد الهاء.
وحكى عن الشاطبي أن الألف حرف هواء لا حرف حلق، وجعلها سيبويه من مخرج الهمزة، قيل ومعناه أن مبدأها مبدأ الحلق، ويمد على الكل، أن هذا معنى قول مكي: الألف حرف يهوى في الفم حتى ينقطع مخرجه في الحلق، وقول الداني، لا معتمد لها في شيء من أجزاء الفم، قيل: وعليه يحمل قول الشاطبي وغيره الألف من حروف الحلق.
وخرج بقوله: غير أوّله، ما حرف الحلق أوله أي فاؤه، فإن الكسائي يضم عينه للمغالبة كالجمهور. (1/64)
صفحة 65
والكسائي هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن سليمان بن مرار الأسدي الأهوازي الكوفي، أحد القراء السبعة كان إماماً في النحو واللغة والقرآن، ولم يكن له في الشعر يد، حتى قيل: ليس من علماء العربية أجهل من الكسائي بالشعر، أخذ عن أ[ي بكر بن عباس وحمزة وغيرهما، وأخذ عنه الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما، وسمى الكسائي لأنه أحرم في كساء، وقيل: لأنه كان يتشح ويتخلل في كساء في زمان قراءته على حمزة.
وكان حمزة يقول: اعرضوا على صاحب الكساء، وقيل: لأنه دخل إلى الكوفة وجاء إلى حمزة المذكور، وهو حمزة الزيات بن حبيب، وعليه كساء، وقيل: لأنه كان يصنعها في ابتداء أمره، واجتمع يوماً بمحمد بن الحسن الحنفي الفقيه في مجلس الرشيد، وقال لمحمد: النحو يهدي إلى جميع العلوم، فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو، هل يسجد مرة أخرى؟
قال الكسائي: لا.
قال: لماذا؟
قال: لأن النحاة يقولون: المصغرّ لا يصغرّ.
وقال له: ما تقول في تعليق الطلاق؟
قال: لا يصح لأن السيل لا يسبق المطر.
والكسائي شأنه في الفقه والحديث أرفع من أن يستدل على المسألتين بما ذكر، ولكن استدل بهما مجاراة لمحمد، والاستدلال على الثانية لا تعلق له بالنحو إلاَّ بتكلف.
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد: أن هذه الحكاية جرت بين محمدّ المذكور والفراء، وهما ابنا خالة، وللكسائي مع سيبويه وأبي محمد الماتريدي مناظرات ومجالس أشهرها قصة العقرب والزنبور، وله منزلة عند هارون الرشيد، وكان يعلم هارون الرشيد الأدب ببغداد، ثم ابنه الأمين، ولم تكن له زوجة ولا سرّية، وكتب إلى الرشيد:
ما زلت مذ صار الأمير معي
عبدي يدي ومطيتي رجلي (1/65)
صفحة 66
في أبيات، فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم، وجارية حسناء بجميع آلاتها، وخادم وبرذون بجميع آلاته، واستوطن بغداد، وبها مات سنة تسع وثمانين ومائة، وقيل: مات بالرّي خرج إليها صحبة هارون الرشيد، وقيل: مات بطوس سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة.
والإشارة بذا في قوله: في ذا النوع إلى المضارع الدال على الغلبة بدون داعي الكسر، والنوع الصنف والضرب والقسم، وكلها ألفاظ متقاربة المعنى في اللغة، وهو المراد هنا لأن ألفاظ كل فن تحمل على معانيها اللغوية إن لم يكن في ذلك الفنّ اصطلاح لها، فليس المراد بالنوع النوع المنطقيّ، وهو ما دل على كل، ولم يدخل في الحقيقة وهو ما به يكون الشيء هو، ولم يخرج عنها، بل هو مجموع الحقيقة.
ويعرف أيضاً بأن الكلي الذي هو تمام الحقيقة كالإنسان، فإنه يدل على إفراد وليس بداخل في الحقيقة وهي الحياة والنطق، فبهما كان الإنسان إنساناً، ولا بخارج عنها، بل هو ما اشتمل على مجموع الحياة والنطق، والشيء لا يدخل في بعضه، كما لا يدخل في نفسه، ولا يخرج عن بعضه، كما لا يخرج عن كله، فهو صادق على حقيقة واحدة وهي الحياة والنطق بجنسها وفصلها، فإن الحيوان جنس، والناطق فصل.
واشتهر تعريفه بأنه ما دلّ على كثيرين في الحقيقة، مختلفين في العدد، فإن الإنسان دال على أفراد أي أضاف كثيرة كالذكر والأنثى، وكالمجنون والعاقل وغير ذلك، وحقيقة هذا كله الحيوان الناطق، واختلف بالعوارض وهي الذكورية والأنوثية، ومعنى قولهم: مختلفين بالعدد أن أفراده مختلفة بالعوارض والشخصات، وأفراد النوع أصنافه، وأفراد الجنس أنواعه، واختلاف أفراده بالحقيقة كالحيوان فإنه جنس، وأفراده الإنسان والفرس وغيرهما، وكل من الإنسان والفرس نوع مخالف للآخر في الحقيقة، فإن حقيقة الإنسان الحيوانية والناطقية، وحقيقة الفرس الحيوانية والصاهلية، ومعنى كون الصهيل ذاتياً أنه طبع في الفرس معنى يصهل به، وإلاّ فصوت الصهيل عرض خاص. (1/66)
صفحة 67
فأقسام الشيء إن اختلفت حقائقهما فهي من تقسيم الجنس إلى أنواعه مثل تقسيم الحيوان إلى الإنسان والفرس والبعير، وإن اتفقت فمن تقسيم النوع إلى أصنافه كتقسيم الإنسان إلى ذكر وأنثى، وليس المراد بالنوع في البيت هذا النوع المنطقيّ لما مرّ.
ولو صدق عليه من حيث إن المضارع جنس، وانواعه الدال على الغلبة، وغير الدّال والمبدّو بالهمزة، والمبدوّ بغيرها، كالنون إلى غير ذلك كالمفتوح والمضموم والمكسور، وأصناف الدال على الغلبة مثلاً ما فيه حرف الحلق عيناً أو لاماً ولم يكن فيه.
الإعراب: الواو للاستئناف أو لعطف الجملة الإسمية بعده على مثلها في قوله: وهذا الحكم إلخ، وفتح مبتدأ مصدر مضاف إلى مفعول، وهو ما مع حذف فاعله أو استتاره فيه على خلاف، وما مضاف إليه موصولة اسم أو نكرة موصوفة، وحرف خبر مقدّم مضاف لحلق، وغير مبتدأ مضاف لأوّل، وأوّل مضاف للهاء، والجملة صلة ما أوصفتها، والرابط على كل هاء أوله، أي وفتح عين المضارع الذي حرف حلق غلخ، أو فتح عين مضارع حرف حلق إلخ.
ولم أجعل حرف مبتدأ أو غير خبره لأن الكلام موضوع في عين الكلمة أو لامها هي حرف حلق أولاً، ولو صح الابتداء بكل من حيث إن لكل منهما مسوّغاً، فإن غير ولو كانت نكرة مع إضافتها لمعرفة، وكانت إضافتها لا تفيد تخصيصاً على ما زعموا لكنها تفيد نوع تخصيص غير ذلك التخصيص كاف في التسويغ.
وكأن أبا يحيى في جعله حرف مبتدأ او غير خبره راعي قول ابن هشام: إن المقدم من نكرتين صالحتين للابتداء هو المبتدأ مع أن للبحث فيه مجالاً، وربما جاز على هذا جعل حرف مبتدأ وغير بالنصب ظرفاً خبريَّاً لإضافته لما يكون ظرفاً، وهو أوّل. (1/67)
صفحة 68
وعن الكسائي متعلق بحصلا، وقدم للوزن والرّوى أولهما، وللحصر أي ما حصل إلاَّ عن الكسائي باعتبار أن من وافقه معه أو بعده، إنما هو تابع له، أو أن الحصر إضافي، أي عن الكسائي لا عن الجمهور، وفي ذا جار وهو في، ومجرور هو ذا الإشارية المحذوف ألفها لالتقاء ساكن مع النون الأولى المقلوبة عن لام أل المذغمة في نون نوع متعلق بحصلا، وقدم للوزن والرّوى.
والنوع عطف بيان أو بدل على رأى الناظم الذي اختاره اختياراً لا نعت لأنه رأى ابن الحاجب لا رأيه، ويجيز النعت، ووجه كونه بياناً او بدلاً أنه جامد، ولا يقال إن لشرط البيان أن يكون أعرف من المبين، واسم الإشارة أعرف من ذي أل، لأن البيت الناظم، والناظم أجاز أن يكون البيان مساوياً للمبيَّن في التعريف، وأعم وأعرف، ولو سلمنا اشتراط الأعرفية كما هو مذهب ابن عصفور الاختياري، فللناظم أن يقول أل للحضور مفيدة مفاد اسم الإشارة من الحضور، وتفيد زيادة عليه أن الحاضر من جنس المغالبة الدال على الغلبة، فذو أل في مثل هذا المقام أعرف من اسم الإشارة، فلا يرد أن البيان يكون أعرف ولا بدَّ.
ووجه النعت أن النوع ولو كان جامداً لكنه مؤول بالمشتق، فلا يرد أن الصحيح المشهور كون النعت مشتقاً أو مؤولاً به، لأن هذا مؤل به، وال (حَ) للعهد الذكري، كأنه قال في ذا وهو النوع الذي ذكرته وعهدته لك، ولا دلالة فيه على الحضور، واسم الإشارة يدل عليه، فهو أعرف من النعت، فلا يرد أن النعت إما مساو لمنعوته تعريفاً وإماَّ أقل.
واشترط بعض في البيان أن يكون مساوياً أو أعمّ فقط، وإن كان أعرف فزيادة إيضاح غير واجبة، وفي ذلك مباحث ذكرتها في النحو، وقد حرف تحقيق، وحصل ماض مستتر الفاعل جوازاً، وقد والجملة خبر المبتدأ الذي هو فتح.
فتح الله لنا وللمؤمنين بالخير وختم به، والله أعلم.
في غير هذا لدى الحلقي فتحاً أشع
بالاتفاق كأن صيغ من سألا
إن لم يضاعف ولم يشهر بكسرة أو
ضم كيبغى وما صرّفت من دخلا (1/68)
صفحة 69
أي المضارع الذي عينه أو لامه حرف حلق الذي هو غير دال على المفاخرة، تفتح عينه باتفاق من الكسائي وغيره، وبشيوع إن لم يضاعف ولم يشتهر بكسر أو ضم، وذلك كالمضارع المشتق من مصدر سأل بسين مهملة، فهمزة مفتوحة، وهو يسأل، لأن حرف الحلق ثقيل فخففوا ما هو فيه عيناً أو لاماً بالفتح في عينه، فإن حروف الحلق أثقل الحروف لتباعدها بالقياس إلى سائرها، والفتح أخف الحركات ففرّ به من ثقل حروف الحلق الذي هو أمر ثابت للمعادلة.
ولا يقال إنه أتى بحرف الحلق الثقيل ليقاوم ثقله خفة الفتخ، لأن الفتح ليس ثابتاً إلاَّ بعد ثبوت حرف الحلق كذلك.
قالوا: وقد يبحث فيه بأنه إنما تحسن المعادلة لو كان المطلوب الذي هو المشروط، كون العين واللام أحد حروف الحلق، فيقال: لا بدَّ من الفتح، فيحصل التعادل فيندفع الثقل، وتحصل الخفة أما حيث كان الأمر بالعكسر وهو أن المشروط المطلوب يفعل بالفتح فلا يضر ترك المعادلة إذ اللازم على تركها غاية الخفة، وهو حسن مطلوب، لا محذور فيه، فليتأمل قاله ابن قاسم نحو: سأل يسأل، ودعب يدعب مزح، وذهب يذهب، ورعبنه يرعبه أفزعه، وسحبه يسحبه جره على الأرض، وشعب الإناء يشعبه صدعه، وشعبه يشعبه أيضاً أصلح شعبه وأزاله، وبغته يبغته دخل عليه بغتة، وبهته يبهته افترى عليه، وسحت اللحم عن الطعام يسحته قشره.
وبحث عنه يبحث طلبه، وبعثه يبعثه أثاره، ولهث يلهث أخرج لسانه عطشاً أو عياء، وجحده يجحده أنكره مع ثبوته، واستعماله بمعنى مطلق النفي مجاز، وجهد يجهد أي أتى بطاقته، وسعَد يسعَد، ولحده يلحده عمل له لحداً أو دفنه فيه، ولحد القبر يلحده وهو شق داخله عن جانب، ولحد عن الحق يلحد مال عنه ومال عن جانبه، ومهده يمهده وطأه، وشحد السكين يشحدها حدّها، وبحره يبحره شقه، وبعر البعير وبعر النوه هاج يبعر. (1/69)
صفحة 70
وبهر القمر الكواكب يبهرها غلب ضوءها، وثغر الإناء يثغره ثلمه أي جعل فيه فرجة وجأر يجأر رفع صوته بالاستغاثة، وجهر يجهر، ودحره يدحره طرده، وذخره يذخره خبأه، وذعر يذعر خاف، وزأر الأسد يزأر صات.
وزخر البحر يزخر، وزغر يزغر، وزهر يزهر، وسخره يسخره، وسخره يسخره قهره، وسعر النار يسعرها أوقدها، وشغر المكان يشغر لم يبق به أحد يحميه، وشهره يشهره، وصهرته الشمس تصهره أحرقته، وصهر الشحم أذابه، وظهر يظهر، وفخر يفخر، وقهره يقهره، ومخرت السفينة تمخر شقت الماء، وسمع لها صوت عند الجري، ونحر الجمل ينحره، ونهر السائل ينهره، نجسه حقه ينجسه نقصه، ونعشه ينعشه رفعه، ونهش اللحم ينهشه عضه بأضراسه، وشخص يشخص أرتفع، وشخص إليه بصره رفعه، وفحص عنه يفحص بحث، ومحص الذهب بالنار يمحصه أخلصه مما يشوبه، وجهضه عن الأمر يجهضه أعجله.
ودحضت رجله تدحض زلقت، ونهض ينهض قام، ونهطه الأمر أعجله، ورحضه يرحضه غسله، ومحضه يمحضه سقاه الخالص، وجحظت عينه تجحظ عظمت متعلقها أو ندرت، ولحظه وغليه يلحظ نظر إليه بلحاظه بكسر اللام وهو مؤخرّ العين، وبخع نفسه يبخعها قتلها غمَّاً، وزحف إليه يزحف مشى قدماً، وزحف البعير أعيا، وسحف رأسه حلقه، وشعفه الحبّ بالعين يشعفه أصاب شعافة قلبه وهي رأسه، شغفه بالمعجمة يشغفه أصاب شغاف قلبه وهو غلافه، قرئ في يوسف بالعين والعين. (1/70)
صفحة 71
ودهق الكأس يدهقها ملأها، ودهقها أيضاً يدهقها أفرغها، وزهق يزهق ذب، وزهق السهم أيضاً جاوز الهدف، وسحقه يسحقه دقه، وصعقته الصاعقة تصعقه أصابته، ومحقه يمحقه محاه، ومعكه يمعكه دلكن في التراب، وبهله يبهله لعئه،وبهله رابه، وجعله يجعله، ودغل يدغل أي دخل خائفاً، وذهله يذهله تركه عمداً وقيل: نسياناً، وذهل عنه نسيه، ورحل يرحله، ورحل بعسيره يرحله أيضاً جعل فيه الرجل، وشغل يشغلها أو قدها، وشغله يشغله، وفعل يفعل، وجحم النار يجحمها أو قدها فهي جحيم، وفحمها يفحمها أطفأها وصيرها فحماً، وذأمه يذأمه حقره ومنه: (اخرج منها مذموماً) وزحمه يزحمه، وقعم الإناء يقعمه ملأه فهو مقعم كمكرم، ولأم الصَّدع يلأمه، ورهنه يرهنه، وشحن الفلك يشحنه ملأه، ووطمن الحبَّ يطمن.
وظعن عن المكان يظعن، ولعنه يلعنه، ومحن الذهب بالنار يمحنه اختبره، وبدهه الأمر يبدهه فجأة، وجبهه استقبله بما يكره، وشدهه شغله، ونده البعير يندهه زجره، ونزغ بينهم الشيطان أعاذنا الله منه ينزغ أغرى وأفسد، ولدغته العقرب والحيَّة تلدغه، وهطع يهطع أقبل مسرعاً خائفاً، وهرع يهرع أسرع، وهجع يهجع نام ليلاً، ونفعه ينفعه، ومنعه يمنعه، ولمع يلمع، ولسعته الحية والعقرب تلسعه، ولدغه يلدغه بمهملتين بالنار كواه، وقنع يقنع بفتح نزنيهما قنوعاً بضم القاف فهو قانع وقنيع، ومنه قولهم: نعوذ بك اللهم من القنوع ومعناه السؤال والتذلل، ومنه: (وأطعموا القانع). (1/71)
صفحة 72
ويستعمل أيضاً ذلك بمعنى الرّضى بالقسم، ومنه المثل: خير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع، وأما قنع بكسر النون يقنع بفتحها قناعة بفتح القاف وقنعا بفتحها وفتح النون، وقنعا بضم القاف وسكون النون فهو قنع بفتح القاف وكسر النون، وقانع وقنيع وقنوع بفتح القاف فمعناه الرّضى بالقسم، ومنه: نسألك اللهم القناعة، فقد علمت أن مضارعيهما جميعاً مفتوحة عيناهما أما قنع بالفتح ففتح مضارعه للحلقي، وأما قنع بالكسر ففتح مضارعه لكونه من باب فرح يفرح، وقد حفظت قديماً في زمان الطلب بيتين في بعض ذلك، وهما:
العبد حرّ إن قنع
والحر عبد إن قنع
فاقنَع ولا تقنَع فما
شيء يشين سوى الطمع
وهما من الكامل المجزوء بكسر نون قنع الأول وفتح نون الثاني الأولى بمعنى رضى بالقسم، والثاني بمعنى سأل وتذلل، واقنع بفتح النون أمر تقنع بفتحها أي أرض بالقسم، وتقنع بفتح النون أيضاً المجزوم بلا معنى لا تسأل وتذلل. (1/72)
صفحة 73
وفي رواية الحر عبد إن قنع بفتح النون، والعبد حر إن قنع بكسرها، ويلزم عليها سناد التوجيه بين قنع بالكسر آخر البيت، وبين الطمع آخر البيت الآخر، باختلاف حركة ما قبل الرّوى المتقيَّد بالسكون، ومثله التخالف بضمة وفتحة مع التقييد، وهما أشدّ ضعفاً من التخالف بضمة وكسرة، بل لزم إسناد أيضاً، ولوز قدم الشطر الثاني، لأن البيت مقفى ضرعه فلزم توافق العروض والضرب، وقلع يقلع، وقطع يقطع، وقرع يقرع، وصنع يصنع وطبع يطبع، وصرعه يصرعه، وصدعه يصدعه شقه شقا (فاصدع بما تؤمر) أي شق جماعاتهم بالتوحيد، وافرق به يبين الحق والباطل، وشفعه يشفعه صيره شفعاً، ومنه أمر بلال أن يشفع الأذان بفتح الياء وسكون الشين وفتح الفاء، وكونه كيقدس تشديد للمبالغة، وشفع له يشفع أعانه ومنه: (من يشفع شفاعة) ومثله: ذرع له يذرع، وشرع في الشيء يشرع دخل، وشرعه رفعه، وسعفه بناصيته يسعفه جذبه بها، وسطع النور يسطع ظهر وارتفع، وسجع الحمام يسجع صات، وزرع يزرع، وركع يركع، ورقعه يرقعه ورفعه يرفعه، وردعه يردعه، ورتع يرتع، وذرعه قدره بذراعه، وذراعه القيء سبقه، ودفعه يدفعه، وخنع يخنع ذل أو فجر، واسم التفضيل في قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: " إن أخنع الأسماء أن يسمى الرجل شاهان شاه" أي ملك الملوك، يحتمل أن يكون بمعنى أذل أو بمعنى فجر، وخشعت حواسه وقلبه تخشع، وخضعت جوارحه تخضع، وخدعه يخدعه، وخدع يخدع اختفى كخبع يخبع، جمعه يجمعه، وجدعه يجدعه.
وبضعه يبضعه قطعه، وبضعها يبضعها جامعها، وبدعه يبدعه أنشأه، ونضخه ينضخه رشه، ونضخت العين فار ماؤها، ونسخه ينسخه، ومسخه يمسخه، ولطخه بكذا يلطخه لوثه به، وشدخ رأسه يشدخه كسره، وسلخه يسلخه، ويقال أيضاً يسلخ بالضم، ورسخ قدمه يرسخ ثبت، ونفح الطيب ينفح انتشر، ونفحت الريح هبت، ونصح الشيء ينصح خلص، ونصح له اخلص، ومسحه يمسحه، ومزح يمزح، ومدحه يمدحه. (1/73)
صفحة 74
ولمع يلمع، ولمح يلمح، ولفحته النار تلفحه حرقته بحرها، وكلح وجهه يكلح عبس، وكدح يكدح سعى، وقرحه يقرحه جرحه، وقدح فيه يقدح، وقدح على الشاهد، وفلحه يفلحه شقه، وفضحه يفضحه، وفتحه يفتحه، وفسح يفسح، وطمح يطمح ارتفع، وطفح الإناء يطفح امتلأ، وطرحه يطرحه، وضبحت الخيل تضبح صاتت عند العدو، وصفح يصفح، وسنح الظبي والطائر، ولاك ميامنة، وسنح يسنح عرض، وسمح بكذا يسمح جاء به.
وسرحت الماشية تسرح سامت، وسرحها يسرحها أسامها، وسبح في النهر يسبح، ورشح يرشح، وذبحه يذبحه، وجمع الفرس غلب فارسه، وخرج لعياله كسب، وجرحه يجرحه، وبرح الطائر والظبي ولاك مياسرة، وبعج بطنه يبعجه شقه، ويطحه على بطنه يبطحه، وهدأ يهدأ سكن، ونسأه ينسأه أخره، وملأ يملأه، وكلأه يكلأه حرسه، وفقأ العين يفقأها، وطرأ عليهم يطرؤ جاءهم فجاءة، وزنأ في الجبل يزنأ معد، ورقا الدمع سكن، ورفأ الثوب أصلحه، وذرأه يذرأه فرقه، ودرأه يدرأه دفعه، وخلأت الناقة تخلؤ بركت في حال السير، وخسأ الكلب يخسؤ بعد، وخسأته طردته، وخبأ الشيء يخبأ ستره، وجفأ يجفأ قذف الجفاء أي الزبد.
وجسأت نفسه ارتفعت لخوف، وجشأ يجشؤ صات من حلقه، وجزأه يجزئه قسمه أجزاء، وجزأ به يجزؤ اكتفى، وبرئ المريض يبرؤ في لغة، وبرأه يبرأه خلقه، وبدأه يبدأه.
وسواء في ذلك المتعدي واللازم، هذا ويفهم من المقام أن الفعل الذي يفتح لحرف الحلق هو الثلاثي المفتوح عين ماضيه، لأن الباب للثلاثي، والكلام في فعل المفتوح، وأما الزائد على الثلاثي فلا يؤثر فيه، حرف الحلق فمنه ما كسرت عينه كأوقع يوقع، وانتزع ينتزع، واستقرأ يستقرأ.
ومنه ما فتحت عينه لا لأجل حرف الحلق كيتواقع ويتنازع، لأن وزنه لا يتغير مثل تغير فعل بالفتح الذي يأتي مضارعه تارة على يفعل بالكسر، وتارة على يفعل بالضم، فلا يلزم مستقبله شيئاً واحداً فاستجازوا أن يخرج منه إلى يفعل بالفتح. (1/74)
صفحة 75
وأما الثلاثي المضموم فلا يؤثر في مضارعه حرف الحلق، لأن وزنه لا يتغير كما مر فانظره، كصبح ويصبح، وضخم يضخم بضمها.
وأما الثلاثي المكسور فلا يؤثر فيه حرف الحلق، وما الفتح في مضارعه إلاَّ لتخالف حركته حركة ماضيه على ما مرَّ في محله، وليس لأجل حرف الحلق، وفهم من قوله لدى الحلقي أن حرف الحلق إذا كان فاء لا يؤثر، ووجه فهم ذلك منه أن أل في الحلقي للعهد الذكري، وهو حرف الحلق في قوله: وفتح ما حرف حلق غير أوله، فإن حرف الحلق الذي هو ليس بأول أي بفاء هو عين الكلمة أو لامها، ولا يشترط في العهد الذكري ذكر للفظ الأول بتمامه على ما هو عليه.
وسواء في ذلك كان قوله: لدى الحلقي بلام مفتوحة ودال مهملة مفتوحة، أو بلام مكسورة وذال معجمة مكسورة.
وأما إذا كسرت اللام، وأعجمت الذال، وفتحت فتصريح بذلك لأن ذا إشارة على حرف الحلق في غير أوله، وإنما لم يؤثر حرف الحلق إذا كان أولاً أي فاء، لأنه يسكن في المضارع في الجملة، والساكن ضعيف لا يوجب فتح ما بعده الضعفه بالسكون والفتح، إنما هو لثقل حرف الحلق وهو هنا خفيف بالسكون، وإذا لم يسكن حمل على ما إذا سكن، أو يقال إنه لا يثقل بالتحريك لكونه أولاً في الماضي بعد أول في المضارع، ولذلك لا يؤثر إذا كان عين الكلمة تلزم السكون، لكونها من ذوات الواو، كجاع يجوع، أو الياء كباع يبيع، أو التضعيف كشح يشح بضم المضارع، وذلك أن الكلمة قد خفت بالسكون والفتح لكونه ثقيلاً بالنسبة غليه يصيرها ثقيلاً.
قال صاحب تحقيق المقال: ولم تؤثر حروف الحلق فاءات، لأنها تسكن في المضارع، وليس ما بعدها بمنزلة ما قبل اللام. (1/75)
صفحة 76
قال سيبويه: لأن هذا إنما هو مثل الإدغام، والإدغام إنما يدخل فيه الأول في الآخر، والآخر على حاله، وتقلب الأول فيدخل في الآخر حتى يصير هو والآخر من موضع واحد، ويكون الآخر على حاله، وإنما شبه هذا بهذا الضرب من الإدغام، ولا يتبعون الآخر الأول في الإدغام، فعلى هذا يجري هذا، ومع هذا أن الذي قبل اللام فتحته اللام حيث قرب جواره منها، لأن الهمزة وأخواتها لو كن عينات فتحن،فلما وقع موقعهن الحرف الذي كن يفتحن به لو قرب فتح، وكرهوا أن يفتحواهنا حرفاً لو كان في موضع الهمزة لم يحرك، ولزمه السكون فحالهما في الفاء واحدة، كما أن حال هذين في العين واحدة أ. هـ.
وإنما آثروا حروف الحلق عيناً أو لاماً، لأنها سفلت في الحلق، فكرهوا أن يتناولوا حركة ما قبلها بحركة ما ارتفع من الحروف، فجعلوا حركتها من الحرف الذي في حيزها وهو الألف، وإنما الحركات من الألف والواو والياء، وكذلك حركوهن إذا كن عينات، ولم يفعل هذا بما هو من موضع الواو ولا الياء، لأنها من الحروف التي ارتفعت، والحروف المرتفعة حيز على حدة، فإنما يتناول المرتفع حركة من مرتفع.
وكره أن يتناول للذي سفل حركة من هذا النحو، هذا ولا فرق بين حرف الحلق الأصلي وحرف الحلق المنقلب عن غيره، ولم يبين الناظم حروف الحلق إما لاشتهارها، وإما لأنه قد أضاف الحرف ونسبة للحلق، فأي حرف خرج من الحلق فهو حرف حلق، ويظهر مخرج الحرف ظهوراً واضحاً بأن يسكن وتدخل عليه همزة الوصل، فحيث انتهى الصوت فهو مخرجه تقول: أب فتجد الشفتين عند السكوت قد انطبقت إحداهما على الأخرى، أو ينظر إليه ساكناً بعد أي حرف كان.
قال صاحب تحقيق المقال: لا تدخل الألف في حروف الحلق، لأنها ساكنة أبداً، ولأنها هوائية، ولا تكون في مثل هذا إلاَّ بدلاً من واو أو ياء قال: وحروف الحلق الستة بعضها أقوى من بعض في استدعاء الفتح، فالهاء والهمزة أدعى للفتح من غيرهما، ثم هي مندوحة كذلك أ. هـ. (1/76)
صفحة 77
ونص السعد أن الهمزة مخرجها من أقصى الحلق أسفل، وفوقها الهاء إلى جهة الفم، وفوق الهاء الغين المهملة، وفوق العين الحاء المهملة، وفوق الحاء الغين المعجمة، وفوق الغين الخاء المعجمة.
قلت: هذا لا يفيد تعين المخرج في غير الهمزة، وقد ذكروا أن الهمزة والهاء من أقصى الحلق، أي والهاء بعد الهمزة والعين والحاء المهملتان من وسطه، أي والهاء بعد العين والغين والخاء المعجمتين من آخره، والخاء بعد الغين.
قال في الدرر اللوامع:
فالهاء والهمزة ثم الألف
وآخر الحلق جميعاً تعرف
قال شارحها قيل: موضع الثلاثة واحد، وقيل: الهاء أبعد مخرجاً وبعدها الهمزة، وبعد الهمزة الألف على ترتيبها في البيت، وقيل: إن الهمزة هي المتقدمة، ثم الهاء، ثم الألف، وهو مذهب الشاطبي، وقيل: إن مخرج الألف على حسب مخارج الحروف، إلاَّ أن مستقرة الحلق، ولذلك يقال: الهاوي أ. هـ.
قال فيها:
والعين من وسطه والحاء
والغين من آخره والخاء
قال شارحها: قيل: العين والحاء المهملتان موضعهما واحد، وقيل: الحاء بعد العين بيسير، وكذلك الخلاف بين العين والخاء المعجمتين، قيل: من موضع، وقيل: الخاء بعد الغين بيسير، وأول الحلق مما يلي منه الفم، وآخره مما يلي البطن، لأن وضع الحلق على الانتصاب، ولا يؤثر حرف الحلق في المعتل العين، لأن الفتح للتخفيف، وحرف العلة ساكن، والسكون أخف من الفتح، وعبارة التسهيل أن الضم يلتزم فيما عينه أو لامه واو، وليس أحدهما حلقياً أ. هـ.
وهي توهم تأثير الحلقي في الأجوف، وصوابه أن يقول: والضم فيما عينه واو مطلقاً أو لامه واو وليست عينه حلقية. (1/77)
صفحة 78
وأما المعتل اللام فيؤثر فيه حرف الحلق كما هو ظاهر من عبارة التسهيل، وعلله صاحب التحقيق بأن العين قبله متحركة، فيخفف الكلمة بحركة خفيفة وهي الفتحة، ولا يؤثر في واوي الفاء فانظر ما مرَّ في ذلك، بل قيل ظاهر اقتصار الناظم هنا على استثناء المضاعف، والمشهور بكسر أو ضم أن الحلقي يؤثر في غير ذلك مطلقاً، ولو كان فيه داعي الكسر ككونه واوي الفاء كوعد يعد، وكونه فائي العين كباع يبيع، وكونه يائي اللم كبغى يبغي، أو داعي الضم ككونه واوي العين أو اللام كدعا يدعو، وفاح يفوح، وان قياس ذلك كله الفتح ما لم يشهر بكسرة، أو ضم وتمثيلة في النسخ المشهورة بيبعي يدل على ذلك.
ويجاب: باخراج ذلك بما مرَّ في النظم من إطلاق كسر واوي الفاء، ويائي العين أو اللام، وإطلاق ضم واوي العين أو اللام عن التقييد بعدم حرف الحلق، وهذا أولى من أن يجاب بأن واوي الفاء يؤثر فيه حرف الحلق لاماً كوضع يضع، ووقع يقع، وشذ خلاف الفتح فيه.
ويؤثر عيناً لما لامه ياء كسعى يسعى، وشذ ما خالفه، وإنهما داخلان في إطلاق قوله: في غير هذا لدى الحلق إلخ، ولا يؤثر إذا كان عيناً للواوي الفاء أو لاماً ليائي العين، أو لاماً لما عينه واو وعيناً لما لامه واو.
ووجه الأولوية أن هذه الأربعة واردة في هذا الجواب على إطلاق هذا البيت فيما يقال، وإرادته ما قبل هذه الأربعة دون الأربعة لا تدفع الإيراد، لأن الإرادة لا تدفع الإيراد على الصواب إلاَّ بقرينة ظاهرة، وقد مرَّ عن بعض أن إطلاق التسهيل يدل على كسر واوي الفاء الحلق العين، وأن إطلاق النظم مخالفا له هنا، وأن حلقي اللام منه مفتوح على إطلاق النظم هنا مخالف لإطلاق التسهيل، وأن حلقي اللام اليائي العين مكسور على إطلاقه دون إطلاق النظم هنا، وأن شرط كسر يائي اللام أن لا تكون عينه حرف حلق على تصريح التسهيل، وإطلاق النظم هنا. (1/78)
صفحة 79
وشذ بغى يبغي، ونعى ينعي، وأن واوي العين لا أثر لحرف الحلق لاماً فيه، وشرط ذلك في التسهيل، وهو ظاهر إطلاق النظم هنا، وكذا فيما لامه واو أن غالب مؤاده مضمومة، وقد سبق ما في ذلك.
ولنا أيضاً أن نقول: الإشارة بذا في قوله: في غير هذا إلخ إلى جميع ما تقدم لا على باب المغالبة فقط، أي أشع الفتح لأجل الحلقي في غير واوي الفاء ويائي العين أو اللام، وغير المضاعف، وغير واوي العين واللام، وغير الدال على المفاخرة، واشتراط عدم المضاعفة في قوله: إن لم يضاعف، ولو كان تكرار للإشارة إليه مع غيره بذا لكنه يغتفر احتياطاً وتكيداً، لأن من الناس من جعل الحلقي مؤثراً فيه.
حكى سيبويه عن يونس عن العرب: كع يكع، ويفهم من قوله لدى الحلقي حيث علق الحكم بالحلقي، أن الحلقي سبب موجب للفتح، وليس كذلك لوجود الضم والكسر مع وجود الحلقي في كثير، بل الحلقي شرط للفتح، فلا يوجد الفتح بدونه وبدون شذوذ، ولا يمنع عدم وجود الفتح في الحلقي.
ويشير إلى ذلك قوله في التسهيل: ولا تفتح عين مضارع فعل دون شذوذ أن لم تكن هي أو اللام حلقية، وذلك أنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، والسبب يلزم من وجوده الوجود، فلا يرد علينا ما لم يفتح من الحلقي، بل هو من تداخل اللغات، أو من الشذوذ كنحب ينحب بكسر المضارع، ودخل يدخل.
ويجاب: بأن قوله: لدى الحلقي بلدي، بمعنى عند، أو بذي بمعنى صاحب، أو بذا الإشارية، ولو أفهم على الأول والثاني تعليلا، وصرح به على الثالث، لكن تعليل غير موجب، وأفهم قول: أشع بالاتفاق، إنما ورد بدون فتح شاذ، وذلك أن الحلقي إما مفتوح العين في المضارع كالماضي كسأل يسأل وهو القياس، وإما مشهور كسر عينه كيبغي أو ضمها كيدخل كما رأيت في النظم.
وإما وارد بالكسر والضم على الشذوذ: ككعب ثدي الجارية يكعب ويكعب، ومهرها ويمهرها ويمهُرها، ونغض ينغض وينغُض، ونخر ينخر وينخُر، ونعم ينعم وينعُم، وورد فتحة كما مرَّ، ونغم ينغم وينغم. (1/79)
صفحة 80
وإما وارد بالكسر والضم شذوذاً، والفتح قياساً كنعم المذكور، ونغب ريقه يغَبه وينغِبه، ونحث العود ينحَثه وينحِثه وينحُثه، وجنح إليه يجنح ويجنح ويجُنح، ومخطه يمخطه ويمخُطه، ونبع الماء ينبَع وينبِع وينبُع، ومثله نبغ بالمعجمة.
وصبَغه يصبَغه ويصبُغه، وبغمت الظبية تبغَم وتبغِم وتبغُم، ورجح يرجَح ويرجُح، ودبغ يدبَغ ويدبِغ ويدبُغ، ونهَق وينهِق وينهُق، ونحَل ينحَل وينحِل وينحُل، وهنأ الجمل يهنأه ويهنِؤه ويهنُؤه، ولغى يلغي ويلغِى ويلغُو، ومحَا يمحَا ويمحي ويمحو، ويحا الطين يسحاه ويسحيه ويسحوه إلى غير ذلك.
وإما وارد بالضم شذوذاً والفتح قياساً، ومثل له في بغية الآمال: شحَب يشحَب ويشحُب، وفيه لغة بضم الماضي والمضارع، وصلح يصلَح ويصلُح، وفرغ يفرغ ويفرُغ، وجنح يجنح ويجنُح، ومر أنه كسر أيضاً، ومضع يمضَع ويمضُع، ومخَض يمخَض ويمخُض، وسلح يسلَح ويسلُح، ورعف يرعَف ويرعُف، ونعس ينعَس وينعُس، ورعدت السماء ترعَد وترعُد، وبرأ من المرض يبرَؤ وويبرُؤ.
قال السيرافي: لم يأت مما لامه همزة على فعل بالفتح يفعل بالضم إلاَّ برأ يبرؤ، والحق أن مثله هنأ يهنأ ويهنؤ، وقرأ يقرأ ويقرؤ، قال في بغية الآمال. (1/80)
صفحة 81
وقد مر غير ذلك، ومن ذلك شخب يشخَبُ ويشخُب بالفتح والضم، ونهب ينهَب وينهُب، وفيه لغة: نهب بالكسر ينهب بالفتح، وملح الماء يملَح ويملُح، وفيه لغة: ملح يملح يضمهما، وسلخ يسلَخ ويسلُخ، وطبخ يطبَخ ويطبُخ، ورعد الرعد يرعد ويرعُد، ونهد الثدي ينهَد وينهُد، وفغر فاه يفغَره ويفغُره، وسعط الدواء يسعَطه ويسعُطه، ومخط السهم يمخَط ويمخُط، ونخش ينخَش وينخُش، وطلع سن الصبى، وطلع النخل خرج طلعه يطلَع ويطلُع، وهمت عينه تهمع وتهمُع، ودمغَه يدمغه ويدمغُه، وفي رعف مع ما مرَّ لغة بضم ماضيه ومضارعه، ولغة بكسر ما فيه فتح، ومضارعه، وكحل عينه يكحَلها ويكحُلها، ونحل جسمه ينحل وينحُل، ومر كسره أيضاً وفيه لغة بضم الماضي والمضارع، ولغة بكسر الماضي وفتح المضارع.
وطعنه يطعنه ويطعنه بالرمح أو بالقول، وطعن في السن كذلك، ودخنت النار تدخَن وتدخُن، ومهنه يمهنه ويمهنه.
ومثل صاحب التحقيق بمحا يمحو ويمحا، وقد مرَّ يمحى أيضاً.
وإما وارد بالفتح قياساً، والكسر شذوذاً ومثل له صاحب التحقيق بمنح يمنَح ويمنِح، وكذا في بغية الآمال، وزاد صاحب بغية الآمال: زأر الأسد يزرأ ويزئرُ، وهنأ يهنأ ويهنئ أعطى، وشحج البغل يشحج ويشحج، وشهق الرجل يشهَق ويشهِق، ورضع يرضَع ويرضِع، ونطح ينطح وينطح، ونبح ينبح وينبح، ومثل ذلك نعب الغراب ينعَب وينعِب، ونبح الكلب والظبي والتيسر ينبح وينبح، وقد مرَّ.
ونزح عن مكانه ونزح الماء ينزح وينزح، ونكح ينكح وينكح، ورضخ له بسهم يرضخ ويرضخ أعطاه، وأصله العطاء القليل، ورضخ الشيء دقه، ونعق بغنمه ينعق وينعق، ونغق الغراب ينغق وينغق بمعجمة، وسحل البغل والحمار يسحلان ويسحلان، وصهل الفرس يصهل ويصهل، و،ام الظبي ينأم وينئم صات، ونهم إبله ينهمها وينهما، ونكه ينكه وينكه. (1/81)
صفحة 82
وإما وارد بالضم فقط كقعد يقعُد، وإما وارد بالكسر فقط كرجع يرجع، وهذان داخلان في ما شهر بضم أو كسر، وقد علمت مما مرَّ في بعض الأمثلة أن الحلقي الماضي إما مفتوح العين كمنع يمنع، وإما مفتوحة ومضمومة كشحَب يشحَب بفتحها وشحُب يشحُب بضمهما.
وملح الماء يملح بفتحهما، وملح يملُح بضمهما، وصبأ يصبؤ بفتحهما، وصبأ يصبؤ بضمهما، خرج من دين إلى دين، ونشأ ينشأ بضمهما شب، وصلَح يصلَح بفتحهما، وصلُح يصلُح بضمهما، وشعر يشعر بفتحهما وضمهما.
ومحلت الأرض تمحل بفتحهما وضمهما، وشأم يشأم بفتحهما وضمهما.
وإما مفتوحة ومكسورة: كحنأ عليه يحنأ بفتحهما، وحنئ بالكسر يحنأ بالفتح، وزرأه يزرأه بفتحهما وبكسر الماضي وفتح المضارع نقصه، وشنأه يشنأه بفتحهما وكسر الماضي وفتح المضارع، وفجأه يفجأه بفتحهما وبكسر الماضي، وفتح المضارع ولطأ يلطأ بفتحهما الماضي وفتح المضارع وشغبه ويشغبه بفتحهما وبكسر الماضي وفتح المضارع، وقرح الفرس ونحوه يقرح بفتحهما وبكسر الماضي وفتح المضارع، وربخت المرأة تربخ بفتحهما وبكسر الماضي، وفتح المضارع، ودخر يدخر بمهملة فمعجمة بفتحهما وكسر الماضي وفتح المضارع.
وهكذا تعس الماشي ونهس اللحم بالمهملة، وجهش ورعش، ومخضت المرأة، وشحط وقحط، وجرع الماء، ودمعت عينه، وكرع في الماء، وزهقت نفسه أو الباطل أو السهم، ونهكته الحمى، وقحل العود، وجهمه وابه وعمه ونقه يفتح الماضي ويكسر ويفتح مضارعه مطلقاً. (1/82)
صفحة 83
وإما مفتوح ومكسور ومضموم، ومضارع المفتوح والمكسور مفتوح، مضارع المضموم مضموم كمرأ الطعام يمرؤ بفتحهما، ومرئ بالكسر يمرأ بالفتح ومرؤ يمرؤ بضمهما، وكذا لغب الماشي ورجح الميزان، وزهد في الشيء، وبرع الرجل، ورأف ورعف ونحل جسمه، ورعن وسخن، وأما نعم فمن باب فرح ونصر وضرب، فيكسر الماضي مع فتح المضارع، ويفتح مع ضمه أو كسره، وأما رضع الصبي فمن باب فرح وضرب يكسر ماضيه ويفتح مضارعه، ويفتح ماضيه ويكسر مضارع÷، وأما نهق الحمار فمن باب ضرب وسمع يفتح ماضيه ويكسر مضارعه، وأما نهق الحمار فمن باب ضرب وسمع يفتح ماضيه ويكسر مضارعه، ويكسر ماضيه ويفتح مضارعه، وفهم من قول التسهيل لا تفتح عين مضارع فعل دون شذوذ إن لم تكن هي أو اللام حلقية أن هناك ما شذ بالفتح دون حرف الحلق، ولم يذكر هو وكثير سوى أبى يأبى.
وزاد صاحب بغية الآمال: جبى الماء يجبى وقلى يقلى وسلا يسلا وشجا يشجا، قال: وسمع فيها مجيئها على القياس إلاَّ أبى يأبى فإنه متفق على فتح ماضيه ومضارعه.
قلت: لم يتفقوا على ذلك، بل فيه أبى بالكسر كما مرَّ فانظره.
وأقول أيضاً ذلك من تداخل اللغات وهو مقيس فيما يظهر، لأن من استعمله لم يخرج من كلام العرب غايته أنه نطق بماض على لغة، وبمضارعه على لغة، كما أجاز الفقهاء للمكلف في غير باب الأحكام مثل الطهارة والصلاة أن يأخذ بقولين فأكثر في مسألة، تارة يأخذ بذا وتارة بذاك وتارة بذلك، بل زعم بعضهم أن كل فعل ذكر في القاموس أنه من باب منع، وليس فيه حرف الحلق، فهو باب تداخل اللغتين أو اللغات.
وأما مثل قولك: هلك كضرب وعلم، ومنع وركن، كنصر وعلم، ومنع وقنط كنصر وضرب وكرم وفرح، ومنع وحسب وهاتان اللغتان على الجمع بين اللغتين، يعني قوله: وحسب فظاهر. (1/83)
صفحة 84
وحكى الجوهري عن أبي زيد: ركن يركن بفتحهما، وجعله من تداخل اللغتين، ويحصل بالتداخل أمثلة كثيرة، وتتولد به اللغات مثل: هلك فإن فيه ثلاث لغات: فتح الماضي وكسر المضارع، وعكس هذا، وفتحهما، فإذا أخذ مضارع كل واحدة مع ماضيها زادت لغات أي ما هو كلغة أخرى، وفي الحقيقة لم يزد شيء، ولكن لا يقال: بأن المضارع المفتوح مضارع للمفتوح بدون حلقي إلاَّ بدليل، فلا يدعي أن يهلك بالفتح مضارع للغة هلك بالفتح إلاَّ بدليل، لأن جعله مضارعاً لهلك بالكسر هو الأصل فافهم.
وقوله: بالاتفاق هو بكسر لام أل لالتقاء الساكنين لا للنقل من همزة اتفاق، لأنها محذوفة لفظاً لا تثبت في الدرج حتى تنقل حركتها، وهكذا في مثل ذلك، فنطق بعض في مثل ذلك باللام ساكنة، وبالهمزة مكسورة لحن في الوصل، وقبيح في الوقف.
وقوله: صيغ من سألا، أي من مصدر سأل أو المراد أخذ من سأل لا اشتق منه وباب الأخذ أوسع، وقد مرَّ ذلك في قوله: في المبني من فعلا، وقد وعدتك أن أتكلم على الخلاف في الأصل المشتق منه.
وفهم من قوله: إن لم يضاعف أنه إن ضوعف لم يؤثر فيه حرف الحلق، بل إن كان لازماً فقياسه الكسر، أو متعدياً قالضم.
وفهم من قوله:ولم يشهر إلخ أنه إن شهر بالكسر فهو على الكسر كبغى يبغى، وبه مثل في النظم، ونعى ينعى، وقد سبق الكلام عليهما، ونضحه بالماء ينضحه، ونتخه ينتخه نزعه، وشخر بمعجمتين يشخر صات من حلقه وأنفه، ورجع يرجع، ونزعه ينزعه، ورضع يرضع، ومر أنه يكسر ماضيه أيضاً، ويفتح مضارعه، ومثله نهق وسغب، وإن شهر بالضم فهو عليه كيدخل الذي صرفته من دخل أي أخذته منه، أو حولته أو اشتققته من مصدره، وصرخ يصرخ، ونفخ ينفخ، وقعد يقعد، وأخذه يأخذه، وطلعت الشمس تطلع، وبزغت تبزغ، وبلغ يبلغ، وسبغ الثوب يسبغ، وسعل يسعل، ونحله ينحله، ونخل الدقيق ينخله، وزعم يزعم، وقحمه يقحم دخل بلا تفكر، ولحم الفضة يلحمها.
وقوله: كيبغ مثال لما اشتهر بالكسر. (1/84)
صفحة 85
وقوله: وما صرفت من دخلا مثال لما اشتهر بالضم، ففي ذلك تلفيف ونشر مرتبان، وذلك هو ما في أكثر النسخ، وفي بعضها كيهنى وما صرفت من دخلا بالتمثيل بيهنى بكسر النون اشتهاراً، وسهل همزته أو سكنها للضرورة، ومعناه يعطى، وجاء فيه الفتح قياساً، وما يهنو الجمل أي يطلبه بالقطران فاليفتح والضم، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: " لأن أزاحم جملا قد هنىء بقطران أحب إلى أن أزاحم امرأة عطرة".
تنبيهات:
الأول: قد علمت أنه كلما سفل حرف الحلق كان الفتح له ألزم، لأن الفتح من الألف، وهي أقرب إلى حروف الحلق من الواو والياء، فالضم مع الهمزة كبرأ يبرؤ، والكسر كهنأ يهنئ أقل، لأن الهمزة أقصى الحروف وأشدها سفولاً.
قال صاحب التحقيق: وكذلك الهاء لأنه ليس في السنة الأحرف أقرب إلى الهمزة منها، وإنما الألف بينهما هذا كلام سيبويه وحسبك به بياناً أ. هـ.
الثاني: مثل غير واحد من شراح التسهيل لما جاء بالكسر من الحلقي: بجاء يجئ، ولما جاء بالضم بساء يسوء وهذا في نفسه صحيح، ولكنه بطل من بحيث تمثيلهم به لقول التسهيل وقد يجئ ذو الحلقي غيره بكسر أو ضم، لأن الحلقي لا يؤثر في يائي العين وواويها كذا لصاحب تحقيق المقال بزيادة إيضاح منى.
وأقول: لا يبطل إلاَّ تمثيله بجاء يجيء، لأن صاحب التسهيل صرح بأن يائي العين لا يؤثر فيه الحلقي، وأما تمثيله بساء يسوء فلا يبطل، فإنما هو مجاراة للتسهيل، لأنه نص فيه على تأثير الحلقي في معتل العين بالواو فافهم.
الثالث: تقديم توجيه ضم باب قال يقول، وباب دعا يدعو وباب المغالبة، وباب المضاعف المتعدي، وتوجيه كسر باب باع يبيع، ورمى يرمي، ووعد يعد، والمضاعف اللازم، وتوجيه فتح الحلقي. (1/85)
صفحة 86
ونقول: لما لم يكن في باب ضرب ونصر وجه يرجح ضم عين مضارعه، ولا كسرها، كان القياس جواز ضمها وكسرها لاستوائهما، ولكن سماع الكسر في مضارعات نحو: ضرب مانع من إجازة الضم قياساً وبالعكس في مضارعات نحو: نصر، ولذا جاز الوجهان فيما لم يسمع بضم ولا بكسر، وإذا سمعا جميعاً جازا.
الإعراب: في غير متعلق بأشع، وقدم للوزن، وكذا لدى بفتح اللام والدال المهملة، وهي ظرف بمعنى عند هذا أشهر النسخ، وفي بعضها لذى بكسر اللام جارة، والذال المعجمة أي لصاحب، والحلقي مضاف إليه، وكذا إذا مضاف إليه غير فصلت بينهما هاء التنبيه، والحلقي على النسخة الأولى نعت لمحذوف، أي لدى الحرف الحلقي، وهذا ولي من تقدير لدى المضارع الحلقي، وعلى الثانية يتعين تقدير المنعوت لفظ الحرف، وذي واقعة على المضارع أي للمضارع الذي هو صاحب الحرف الحلقي، وفي نسخة لذا بكسر اللام جارة، وفتح الذال معجمة هي مع الألف المحذوفة اسم إشارة، والحلقي نعت أو بدل أو بيان من ذا، وهو في الحقيقة نعت لمحذوف أي لهذا الحرف الحلقي، ولا يصح هذه النسخة الثالثة إلاَّ أن تكون اللام للتعليل قاله صاحب التحقيق.
قلت: ويجوز أن تكون بمعنى عندي، أي عند هذا الحرف الحلقي، ويجوز أن تكون للتعدية فيشار بذا إلى المضارع، أي أشع فتحاً لهذا المضارع الحلقي، أي لذى فيه حرف الحلق، وأن تكون بمعنى في أي أشعة في المضارع هذا الحلقي وغير ذلك.
وتجوز هذه الأوجه على النسخة الثانية غير التعليل، والمقصود بالمضارع المشار إليه بهذا على النسخة الثانية، والمضارع المنعوت بالحلقي في الأولى والثالثة مضارع فعل المفتوح المتكلم فيه، والاستثناء في قوله: في غير هذا باق على حاله على كل نسخة، وتقدير وذا في قوله: في غير هذا إشارة إلى مضارع المفاخرة، أو إلى جميع ما مرَّ. (1/86)
صفحة 87
وفتحاً مفعول به لأشع، وقدم للحصر والوزن وأشع فعل أم مستتر الفاعل وجوباً، والجملة مستأنفة، وبالاتفاق متعلق به، أو بمحذوف نعت لفتحاً، كما يجوز في لدى أو لذا، وفي قوله في غير أن يتعلق بمحذوف حال من فتحاً، ولو كان نكرة لتسويغ التقديم على ما في محله.
وكآت متعلق بمحذوف خبر لمحذوف، أي وذلك ثابت كآت، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للالتقاء الساكنين.
وصيغ ماض مبني للمفعول، ونائبه مستتر فيه جوازاً والجملة نعت لآت إن قلنا بتغلب الاسمية عليه، وإن قلنا ببقاء وصفيته فالجملة نعت ثان لمحذوف، أو حال منه بناء على جواز الحال جملة ماضوية مصرفاً، فعلها مجردة، وآت نعت أول أي كمضارع آت صيغ من سألا، أو الجملة حال من مستتر آت ومن سألا متعلق بصيغ أو بآت على التنازع إن بقي آت على وصفيته، وإلاَّ تعلق بصيغ لا غير، والواضح تغلب الاسمية لأن المراد به المضارع الذي للمحال أو للاستقبال أو للماضي، وليس المراد الوصف بالإتيان.
وإن حرف شرط، ولم حرف نفي وجزم وقلب معنى المضارع ماضياً، ويضاعف مضارع مبني للمفعول مجزوم بلم، والجملة في محل جزم بأن، وليس من باب التنازع خلافاً لبعض، لأن إن تطلب الفعل منفياً بلم لا مثبتاً، فلا تنازع مع لم، وقد أطلت الكلام على ذلك، وكان الجزم بلم لأنها أشد اتصالاً به، ولأنها لا تدخل إلاَّ على المضارع فهي أخص به، ونائب يضاعف مستتر جوازاً، وإنما حذف جواب إن مع كون الشرط مضارعاً، لأنه مقرون بلم، ولم ترد المضارع كالماضي أو للضرورة، ودليل الجواب أشع. (1/87)
صفحة 88
وقال الكوفيون والمبرد: إن دليل الجواب هو الجواب، فجملة أشع على الأول وهو الصحيح، ومذهب الناظم لا محل لها لأنها مستأنفة، وعلى الثاني في محل جزم على الجوابية، وجملة الشرط والجواب لا محل لها، لأنها مستأنفة، والواو عاطفة، ولم جازمة نافية قالبة معنى المضارع ماضياً، ويشهر مضارع مبني للمفعول مجزوم بلم مستتر النائب، معطوفة جملته على جملة لم يضاعف، ولا محل للجملتين، لأن لم طلبت الفعل فقط، وإن طلبت لم والفعل وبكسرة متعلق بيشهر أو بمحذوف حال من ضمير يشهر، وكسرة ممنوع الصرف للوزن فهو مفتوح التاء أو مكسورها بدون تنوين، وإن نون وكسر تنوينه وحذفت همزة أو للضرورة صح الوزن أيضاً وضم معطوف بأو على كسرة.
وكيبغ متعلق بيشهر أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف، أي اشتيهاراً ثابتاً كاشتهار يبغى، وما صرفت من دخلا أو خبر لمحذوف، أي وذلك ثابت كيبغ أو الكاف اسم مضاف ليبغى نعتاً لمصدر محذوف، أو خبر لمحذوف.
وعلامة جر يبغي فتحة مقدرة على الياء صار من قبيل الأسماء المنقوصة، ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وما معطوف بالواو على يبغي موصولة اسم أو نكرة موصوفة.
وصرفت فعل ماض، وفاعل صلة ما أوصفتها، والرابط محذوف أي وما صرفته، ومن دخلا متعلق بالفعل وألف لدى الظرفية أو ذا الإشارية، وياء ذي بمعنى صاحب حذفتا لالتقاء الساكنين كما علمت.
(م8 ـ لامية الأفعال جـ2)
فايدة مختصرة: في عند ولدي، أما عند فمثلثة العين والكسر أكثر، وهي ظرف لمكان الحضور الحسي وللمعنوي كثير، أو للزمان قليل، والنظم يحتمل المكان الاعتباري والزمان، وقول الناظم: عند اسم للحضور على حذف مضاف أي لمكان الحضور، أو النسبة لأدنى ملابسة، ولا تخرج عن الظرفية إلاَّ بمن أو بارادة لفظها، وتكون عمدة وفضلة، وجرها بمن كثير، وهي معربة ملازمة للإضافة لغير الجملة. (1/88)
صفحة 89
وتكون ظرفاً للأعيان والمعاني، وتقول: عندي مال، وإن كان غائباً، وجرها بإلى لحن، وتكون اسم فعل بمعنى خذ قليلاً، ومثلها لدى فيما ذكر إلاَّ أنها لا تجر بمن ولا بغيرها، ولا تكون ظرفاً للمعاني، ولا تقول لدى مال إلاَّ إن حضر، ولامها مفتوحة، وقيل هما بمعنى واحد إلاَّ في لامها، فإنها مفتوحة، ومثلها لدن بفتح اللام مع تثليث الدال وضمهما، والنون مفتوحة، وفتح اللام مع سكون الدال، والنون مكسورة أو مع تثليثها، والنون محذوفة وتسكن النون أيضاً حيث لم تسكن الدال.
وبسطتها في غير هذا إلاَّ أنها لا تكون لمبدأ الغايات، كما تكون له عند ولدي، وأن الغالب جرها بمن، وأنها مبنية لما بسطته في محله، وأعربها قيس وقيل: إن فتحت اللام وضمت الدال وثبتت النون، وأنها تجوز إضافتها للجملة، وأنها قد لا تضاف ولا تقع إلاَّ فضلة، ولا تكون اسم فعل، وقيل: إن لدى مبنية وعن بعضهم أنها تكون ظرفاً للمعاني ندوراً، وقيل قياساً فصيحاً، وقيل: لدى لغة في لدن.
عين المضارع من فعلت حيث حلا
من جالب الفتح كالمبني من عتلا
فاكسر أو اضمم إذا تعيين بعضهما
لفقد شهرة أو داع قد اعتزلا
أي اكسر أو اضمم على السواء عين مضارع فعل بفتح العين إذا خلا من جالب الفتح، وهو حرف الحلق عيناً أو لاماً، ولم يتعافى الكسر لفقد شهرته وداعيه، وهو كون الفاء واواً، وكون العين أو اللام ياء، والتضعيف مع اللزوم، ولم يتعين الضم لفقد شهرته وداعيه، وهو المضاعفة مع التعدي، وكون العين أو اللام واواً، المفاخرة كلفظ عتل، فإنه خال من جالب الفتح، وجالب الكسر وجالب الضم، ومن الشهرة، لأنه في نفسه غير مشهور، قليل وروده من كلام العرب، فضلاً عن شهرة ضمه أو كسره فإنه ولو ورد بالكسر أو بالضم، لكن لا بشهرة فيجوز في مضارعه الضم والكسر، وبهما قرئ: (خذوه فاعتلوه) بكسر التاء وضمها وتخفيف اللام، هذا مذهب الناظم هنا، وفي الكافية والتسهيل، وعليه صاحب القاموس، تبعاً لأبي زيد وجماعة. (1/89)
صفحة 90
قال أثير الدين في شرح التسهيل: وما قاله أي ابن مالك في الشهرة ليس بجيد، بل الأولى أن يقال: إن لم ينقل أحد الأمرين فيعلق التخيير بانتقاء النقل، والذي نختاره هو أن التخيير لا يكون إلاَّ عند انتقاء النقل كما قلنا أ. هـ.
وهو قول ثان وهو قول أئمة اللغة وينسبه صاحب التحقيق عن أبي زيد، قال: وهو الصواب فالسماع عند هؤلاء مانع من التخيير مطلقاً، سواء سمع بشهرة أو بدونها، وعلى الأول المانع منه الشهرة لا مطلق السماع، وقد يقال: مراد الناظم بالشهرة مطلق السماع استعمالاً للخاص في العلم قال صاحب بغية الآمال: ويريدون بمجاوزة المشاهير أن يرد عليك فعل لا تعرف مضارعه، كيف هو بعد البحث عنه في مظانه، فلا تجده، ومجاوزة المشاهير ليست لكل إنسان، وإنما هي بعد حفظ المشهورات، فلا يأتي من لم يدرس الكتب، ولا اعتنى بالمحفوظ فيقول: قد عدمت السماع فيختار في اللفظة يفعل بالضم، أو يفعل بالكسر، ليس له ذلك.
وقال ابن عصفور بجواز الضم والكسر، ولو اشتهر أحدهما فقط، ولم يسمع الآخر أو سمع على غير شهرة، هذا ما فسر به بعضهم عبارته وهو قول ثالث، وعليه فيجوز في يضرب الضم مع أنه لم يسمع إلاَّ الكسر، وفي يقتل الكسر مع أنه لم يسمع إلاَّ الضم.
قلنا: هو باطل، لأنه قياس في معرض النص، فلا يلتفت إليه.
وقال بعضهم: أراد ابن عصفور بجواز الضم والكسر سمعاً أو لم يسمع إلاَّ أحدهما جوازهما مع عدم شهرة أحدهما، أما إذا اشتهر أحدهما فهو المتعين فيرجع إلى المذهب الأول.
وقال ابن جني: إذا انتفى سماع أحدهما وجب الكسر، لأن الباب للمخالفة، فكما أن ما كسر ماضيه بابه أن يفتح مضارعه فكذلك ما فتح ماضيه بابه أن يكسر مضارعه، وهو قول رابع. (1/90)
صفحة 91
قل في بغية الآمال: إذا عرف أن الماضي على وزن فعل بفتح العين، ولم يعرف المضارع فالوجه أن يجعل يفعل بالكسر، لأنه أكثر والكسرة أخف من الضمة، كذا قال أبو عمرو المطرز حاكياً عن الفراء إذا أشكل عليك يفعل بالضم أو يفعل بالكسر، فتب على يفعل بالكسر، فإنه الباب عندهم، والمختار الأول.
قال أبو عمر إسحاق بن صالح الجرمي: سمعت أبا عبيدة يروي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: سمعت الضم والكسر في عامة هذا الباب، لكن ربما اقتصر فيه على أحد الوجهين إما على الضم فقط كقولك يقتل ويخرج، وإما على الكسر فقط نحو قولك: يضرب فهذا الذي اقتصر على وجه واحد فيه لا بدَّ فيه من السماع، ومراده بأبي عبيدة، أبو عبيدة الوهبي الأباضي من أصحابنا رحمه الله ورضى عنه، وهو من العلماء المتقنين وترجمته مبسوطة في السير، ويكفي ما قاله الشميني في حاشيته المغنى أنه لم يكن أعلم منه في الخوارج، ولا في غيرهم.
وقول صاحب فتح الأقفال: إنه تتبع مواد الصحاح والقاموس، ولم ير مادة من هذا القسم إلاَّ منصوصاً على ضبطها بضم أو كسر أو بها، وأنه لم يظهر ما هو الذي يجوز فيه الوجهان قياساً عند عدم سماع أحدهما سهو وقصور، فإن صاحب القاموس قد تتبع وتفحص في ذلك فضبط كل كلمة لم تشهر بضم أو كسر بالضم والكسر، وخلطها بما اشتهر، ولم ينبه على عدم الشهرة، وأن من ذلك عتل فإن مضارعه لم يشتهر بضم أو كسر، ولم يسمع أحدهما أو سمع بدون شهرة فنجيز فيه الآخر، وهو بمثناة فوق، ومعناه دفعه بتعنف.
ويفهم من قوله: إذا تعين بعضهما إلخ أن ما شهر بكسر يكسر، أو بضم يضم، وأن ما فيه داعي الضم يضم، وهو كونه متعدّياً مضاعفاً، أو واوي العين أو اللام، أو دالاً على الغلبة، وأن ما فيه داعي الكسر يكسر، وهو كونه واوي الفاء أو يائي العين أو اللام، أو مضاعفاً لازماً. (1/91)
صفحة 92
كما أفهم قوله حيث خلا من جانب الفتح أنه لم يخل من جالبه وهو حرف الحلق يفتح، فأما المشهور بكسرة في المضارع فنحو: جدبه: وخصبت الأرض، وفيه لغة بكسر الماضي وفتح المضارع، وضربه وعضبه، وغصبه، وغلبه وقصبه بالصاد المهملة أي قطعه، وقضبه بالضاد المعجمة كذلك، وكذب وكسب، ونصبه والته أنقصه، وكبته ردّه، وكفته وصره، ولفته صرفه عن وجهه، ونصت وجلده، وحرد عليه وحقد، ويقال بفتح المضارع فيهما وكسر الماضي أيضاً، ورفده وسفد الذكر على الأنثى، وصغده أوثقه، وعضَد الشجرة قطعها، وعقده وفقده، وقصده ونضده جعل بعضاً على بعض، وحيده وحنذه شواه، ونبذه واسرّه وأصره عطفه، وبشرَت به سررت ويقال أيضاً بكسر الماضي وفتح المضارع، وتبره دقه وحفرت أسنانه تآكلت، ويقال بكسر الماضي وفتح المضارع وحفر الأرض.
وحقر ذل ويقال أيضاً بضم الماضي والمضارع، وخسر ويقال أيضاً بكسر الماضي وفتح المضارع، وحظر في مشيه تمايل وزفر وسفر كشف، وصبر على البلاء وصبره حبسه، وعذره قبل عذره، وعصره وعفره وعقره، وعكر الريح كثر غباره، وكسره وكشر عن أسنانه، وهدر البعير، وهصر الغصن عطفه وكسره من غير إبانة، وجنز الميت ستره، وخبز الخبز وعجز ويقال بكسر ماضيه وفتح مضارعه.
وغرز الإبرة وقفز، وكنز الذهب ونبزه نتفه بأطراف أصابعه، وجلس وحبسه، وشمس اليوم، ويقال بكسره وفتح مضارعه أيضاً وعبس وعكسه، وغرس الشجرة وغطس في الماء، وفرسه قتله، وقبس ناراً، وقرس البرد، ويقال بكسر الماضي وفتح المضارع، وكنس الظبي دخل كناسه، ولبس عليه الأمر وحمشت ساقه، ويقال أيضاً بضم الماضي والمضارع. (1/92)
صفحة 93
وخدشه وخرشه وخمشه، وغطش الليل أظلم وفتشه، ونقش الشوكة استخرجها، وحرص ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وغمصه عليه ويقال أيضاً بكسره، وفتح مضارع، وقلص الظل انقبض، وقنص الصيد وخفضه، وربضت الشاة، وعرض له كذا ويقال بكسره، وفتح مضارعه وقبضه وفرضه، وحبط ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وخبط البعير وخلطه، وضرط عبطه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
وغمطه حقره، وقسط جار ونشطه جدبه، ولفظه ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وحذفه رمى به، وحرف لعياله كسب، وحرفه عن وجهه صرفه إلى حرفه أي جانبه، وحنف أي مال واستقام، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
وخصَف القمر كسف، وخسف الشيء انخرق، وخسفه خرقه، وخصف الورق خطفه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وذرف سال، وصدف أعرض، وصرفه وطرف طرفه أغمضه، وعرفه، وعرفت نفسه أنصرفت، وعصفت الريح، وعطف وعلفها وقذفه رماه بالحجارة، وعصف الغصن أي هصره.
وقصف العود كسره وأبانه وسمع له صوت، وقطف الثمرة، وكسفت الشمس وكشفه، ونزف الماء نزحه، ونزف بنفسه أي عدم وانقضى، ونسف البناء نقضه من أصله، وحذق في الصنعة مهر فيها، ويقال أيضاً بكسر الماضي وفتح المضارع، وحدق به طاف، وحلق شعره، وخرق الثوب، وسرق وطفق، ويقال أيضاً بكسر الفاء وفتح المضارع. (1/93)
صفحة 94
وعتَقَ العبدُ، وفلقه شقه، ولفقه خلطه، ومزقه ونطق، ونزق وهرق عند الغضب، ويقال أيضاً بكسره وفتح المضارع، وكذا في أفك بمعنى كذب، وأفكه صرفه، وسبكه أذابه، وشبك أصابعه وملكه حواه وملك على قومه، وملك العجين أتقن عجنه، وهتك الستر وهلك، ويقال بكسره وفتح مضارعه، وحمله وعذل، وعزله، وغزل القطن وغسله، وفتله وفصله، وقزل تعارج، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وقصله قطعه، وقفل الشجر يبس شديداً، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وكبله قيده، ونتل كنانته صبّ ما فيها، ونزل بالمكان، وهتلت السماء وهطلت هملت، وهزل في كلامه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه وكذا في ثلمه، وجرم وجرمه قطعه، وجرم الحكم أمضاه وحتمه، وحسمه قطعه، وحطمه كسره، وختمه وختم عليه، وخضمه أكله رطباً أو بأقصى الأضراس عكس القضم، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
وصرمه وظلمه، وعزم عليه، وعزم الأمر نفسه، وعزم عليه بالله أقسم، وعصم القربة جعل لها عصاماً، وفصمه كقصمه أو هو بالفاء في الرطب، وبالقاف في اليابس.
وفطم الرّضيع وقسمه وقلمه، وكظم غيظه، وكظم البعير أمسك عن الجرة، وكلمه جرحه، ولثمه قبله، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، ولطمه ونظمه وهدمه، وهزمه وهشمه كسره كهصمه بالمهملة، وهضمه أذله أكله، ويتم الصبى، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه وبضمهما.
ودفنه وصفن الفرس قام على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة، وعمن أقام، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وغبنه وفننه وكفنه، ونتن ريحه، ويقال أيضاً بضمه وضم مضارعه، وهدن سكن فهذه كلها أفعال ماضيات مفتوحة العين، ومضارعها مكسور العين باشتهار. (1/94)
صفحة 95
وأما ما اشتهر بالضم في مضارعه فنحو: ثقبه بالمثلثة أو بالنون خرقه، وحجبه وسلبه، وخطب ورتب ثبت، ورسب في الماء أغاص، ويقال أيضاً بضمة وضم مضارعه، ورقبه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وسكب الماء ونكبه صبه، وطلبه وعقبه خلفه، وعزب أي غاب، وكتب، وندبه في الأمر، وندب الميت، ونصب الماء نقص، ونكب عن الطريق، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
وهرب وثبت، وخفت سكن، وسكت وصمت، وغلت في حسابه وقنت، ونبت البقل ونكت في الأرض طعنها، وحدث ويضم مع مضارعه إذا ذكر مع قدم للتناسب، ومكث ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه.
ونبث القبر ونبشه بمعنى، وخرج ودرج ورتج الباب أغلقه، وعوج في سلم، وفرجه فتحه، ومرجه خلطه كمزجه، ومسجه ومشجه، وبرد الماء، ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه، وخضد الغصن كسره، وخلد وخمدت النار، ويقال بكسره وفتح مضارعه، ورشد، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
ورصده وحرصه، ورقد وركد، وسجد وسرد الدرع نسجها، وسرد الحديث تابعه، وسمد رفع رأسه متحيراً، أو سند في الجبل صعد، وشرده، وصمد وطرده وعبده وعضده وعمده أقامه، وعمد له قصده، وقصد في امره اعتدل، وكسد المتاع، ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه، وكنده كفر بنعمته، ولبد بالأرض مثلاً لصق، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
ومجد ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه، ومسد الحبل فتله، ونشد الضالة سأل عنها أو عرفها، ونشدتك الله، ونقد الدراهم، وهجد، وهمدت النار طفت، وهمدت الأرض ماتت، وفلده قطعه، ونفد السهم خرج طرفه من الرمية، وبكره سبقه، وبذر الحب فرقه كبزره، وبسر وجهه عبس، وبشره سرّه بخبر، وبضره شقه، وبكر إليه أتاه بكرة. (1/95)
صفحة 96
وتجر وثبر هلك، وثمرت الشجرة، وجبر العظمُ وجبرته أكرهته، وحبره ستره، وحجزه وحظره، ودبر ودتر، وذكره وزجره وسبر الجرح اختبر غوره، وستره، وسجر التنور أحماه، وسجر النهر ملأه، وسطر الكتاب خطه، وسقرته الشمس أحرقته، وسمر لم ينم ليلاً، وشجر اعترض، وشطره قسمه، وشكره وشمر ذيله، وصبر طعامه جعله صبرة، وعبر الوادي قطعه عرضاً، والعبر الجانب.
وعبر الرؤيا، وعبر الدراهم نظركم وزنها، وعثر اطلع، وعثر المال أخذ عشره، وعمر، وغبر مكث أو ذهب، وقذره استفذره، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وقسره وقصر عليه، وقصر عنه، وقصرها حبسها، وقصر الثوب غسله، وقطر الماء، وقفز أثره، وكفر بالله، ومطرتهم السماء، ومكر وندر، ونشرت الريح هَّبت، ونشر الميت انبعث، ونشره بعثه، ونصره، ونضر الله وجهه نعمه، ونظر إليه وفيه، ونظر غريمه أمهله.
وهجره وهجر في كلامه، وبرز خرج إلى البراز بالفتح أي الفضاء، وحرزه كحرسه، وعجزت المرأة صارت عجوزاًن ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، ونجز الوعد انقضى، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
ودرس ودرسه عفا وأعفاه، ودرس الحنطة، وركسه قلبه كنكسه، ورمسه كتمه وأخفاه، وقدس طهر، ومكسه حقه نقصه، وملس ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه.
وفرشه ونجش الصيدَ أثاره من مكانه، وجلبه ونفش الصوف شعثه بأصابعه وفرقه، وخرصه وحرزه وقدره وخلص صار خالصاً، وخلص إليه وصل، وخلص منه فصل، وربص به انتظر، ورقص وقرصته النملة، ونقص الشيء ونقصه، ونكص رجع عن الخير، وركض وغمض خفى، ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه، وغمض عنه سامحه ونبض العرق تحرك، ونفض الثوب وبسطه وثبَطه عن الأمر، وسرط الطعام، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه. (1/96)
صفحة 97
وضبطه وفرط قبلهم تقدم، وقشطه وكشطه، ولقطه وجرفه كنسه، وخرف الثمار خبأها، وخلف فم الصائم، وخلف بعد أصحابه، وخلف ناب عنه، ورجف تحرك، وردفه تبعه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وزلف وسلف مضى، وقرف لعياله كسب، ولطف به، ونشف العرق، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
ونكف، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وبرق البصر تحير، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وبرق لمع، وبزق وبسق وبصق، وبسق النخل طال، ورتق الثوب رقعه وفتقه خرقه، ورزقه أنفق عليه، ورشقه ورمقه بعينه نظر إليه اختلاساً، وزاقت قدمه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وسلقه بالنار غلاه، وبالكلام آذاه، وشرقت الشمس، وصدق في الحديث وصدَقَه الحديث، وصفقَ وصفقه، وصفق الباب ردّه، وطرقه أتاه ليلاً، وطرقه ضربه بالمطرقة، وعرق العظم سلمت ما عليه من اللحم.
وفرَقَ بينهما فصل، ومرق السهم خرج من الرمية، ونسق الكلام نظمه، ونفقت السلعة، ونفقت الدابة ماتت، وبرك جثا، وتركه ودلكه مسجه، ودلكت الشمس زالت، ودلكت رجله زلقت، وربكه خلطه كعبكه، وسمك البناء رفعه، وعركه دلكه، وفرك الثوب حكه، وفرك الشيء فكه، ونسك، ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه، وأكله وأمله، وبذله شقه، وسبله لزمه أشد اللزوم، وبطل وبقل النبات، وحصل وخمل، ودبل النبات، ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه، ومثله عبُل أي صخم، ورمل في مشيه، وشمله عمَّه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه.
وصقل السيف وطبل بالطبل، وعذله لامه، وغفل، ومحلت يده نفطت من عمل، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وكذا فضل أي زاد، وقتله وكفله ومطله، ومقله في الماء غمسه، وفصل السهم ونفله أعطاه، ونقله وحكم عليه، وحلم في نومه ورجمه، ورسمه كرقمه، وركمه، وعجمه وعجم العود عضه ليختبر صلابته، وكتمه، ونجم الزهر طلع، وهجم عليه، وبطن خفى. (1/97)
صفحة 98
وحرنت الدابة وقفت عن الجري، ويقال أيضاً يضمه مع مضارعه، وحزنه وحسن وجهه، ويقال أيضاً بضمه مع مضارعه، وحضن الصبى، وخزن المال، وضمنه حزره، وقدره كخمنه، وركن إليه، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وسجنه، وسفنت الريح هبت على وجه الأرض، ويقال أيضاً بكسره وفتح مضارعه، وسكن الدار ذلَّه الفقر، ويضم أيضاً مع مضارعه، وشطن بعد وقطن أقام كمدن، وحرن على الشيء تعوده، فهذه كلها أفعال ماضيات مفتوحة العين، ومضارعها مضموم العين، وسُمِعت أفعال كثيرة بالضم والكسر في مضارعها مما خلا من جالب الفتح وداعي الضم والكسر: كجلب، وحلب اللبن وخلبه بمخلبه، وخدعه، وعتب عليه لامه، وكثبه بالمثلثة صبه، ونسبه ورفَته دقَّه، وسبت نام كثيراً وسلب قطع أنفه، وسمت حسنت سمته أي سيرته، وحرت اللحم مزقه، وحرث الأرض، وفرث الكرش، ونفث فيه، ونكث العهد والحبل، وحلج القطن، وخدجت الناقة ألقت ولدها قبل التمام، وفلج بحجته، ونسج الثوب وحسده، وحشد.
وضمد الجرح، وغمد السيف، وأبر النخل لقحه، وأثر الحديث نقله عن غيره، وأجره على عمله، وأطره عطفه، وبطر الجرح شقه، وجزره قطعه، وجزر البحر حسر، وحدر نزل بسرعة، وحزره قدره، وحسره كشفه، وحسر البعير انقطع، وحشرهم جمعهم، وحصره ضيق عليه أو عرف مقداره، وختر عنه، وخطر بباله، وخفره أجاره، وذبره كتبه، وزبره الحاكم انتهره، وزحر بالمزمار، وسفر بينهم أصلح، وسمره بالمسمار، وصدر رجع، وعسر غريمه طلبه على عسره، وغَدر وفتر عزمه، وفسره كشفه، وفطره سقه، وقبر الميت، وقتر عليه رزقه ضاق.
وقشره سلته، ونثره فرقه، وندر على نفسه وعد على شرط، ونشر الخبر أفشاه، ونفر الظبي شرد كاستقر، وهدر دمه ابطله، وهدر هو بطل، وحجز وحزز الخف، وركز ورمز ولمز، ونشز وهمزه، وبجس الماء شقه، وحدس وخنس، ودرس الكتاب، ورفسه برجله، وغطس، وغنتَ الجارية جاوزت حدّ التزوج، ويكسر فيفتح مضارعه، وقمسه في الماء غوّصه وقمس هو غاص، ولمسه. (1/98)
صفحة 99
وبطش به وجرش الحبّ دّقه غير ناعم، وعرش بنى عريشاً، ونفشت الغنم انتشرت، ورفضه تركه، وعرض العود مدّه عرضاً، وعرض المتاع عليه، وخرط الورق، وربطه، وسمط الجدى نتف صوفه بالماء الحار وشرط عليه كذا، وشرطه الحجام، وقسط أي عدل، وقمط شدّ يديه ورجليه، وقنط يَئس ويضم الماضي والمضارع أيضاً، ويكسر الماضي ويفتح المضارع أيضاً.
ونبط البئر استخرج ماءها، وهبط، ورسف في قيده، ورشفه مصَّه، ويكسر الماضي ويفتح المضارع، وعطف وغرف، وقطف قارب خطوه، وكنف الإبل آواها إلى حظيرة، ونطف الماء سال، وخرق الرجل كذب، وابق العبد هرب، ويكسر ماضيه فيفتح مضارعه، ودفق الماء، ودرق الطائر سلح، وسبقه، وفسق، وحبكه أحكم شده، وعلكه مضغه وفتك به، وأفل النجم، وتبله قطعه، وبذل المال، وتفل بصق، وجبله على كذا طبقه، وجدل الحبل وحظله منعه، وخذله خدعه، وسدل شعره أرخاه، وشمل الناقة غطى ضرعها، وعتله جرّه بعنف، وعضلها منعها التزويج.
وعقل الشيء فهمه أو شدّه أو وَدَاَه، وعقل عنه أدّى جنايته، وعكل عليه التبس، وقبل من السفر، وكفل به، ويكسر ماضيه فيفتح مضارعه، ونسل مشي سريعاً، ونكل عنه رجع، وجثم الطائر لزم مكانه، وجذمه بالمعجمتين قطعه، وجزم على الحرف وقف، وحجمه الحجام، وحشمه أسمعه ما يكره، وخدمه الخادم، وسجمعت العين الدمع أسالته، وعتم بالإبل أبطأ بحلبها إلى العتمة، وعتم الماء تغير وأسن، ويكسران فيفتح مضارعهما.
وختن الولد، ورسن الدابة جعل لها رسناً، وعطن الإبل صرفها إلى عطنها، وعجن الدقيق وعدن بالمكان أقام، وعلن الأمر ظهر، وغير ذلك، وهذه كلها أفعال ماضيات مفتوحة العين، ومضارعها يجوز ضم عينه وكسرها لو رودهما باشتهار هذا. (1/99)
صفحة 100
وأعلم أن فعل المفتوح الذي ليس بحلقيّ قد يشاركه الضم في مادة واحدة، فتكون المادة مفتوحة ومضمومة، ومضارعهما جميعاً مضموم: كرسب في الماء، ومكث، وبرد الماء، وجمد المائع وكسد المتاع، ومجد الرجل، وعجزت المرأة، وملس الشيء، وغمض وضعف، ونسك وذبل النبات، وعبل، وحرنت الدابة، وحسن وجهه، وسكن فهو مسكين بضم عين الماضي وفتحها، وضم المضارع مطلقاً.
وقد يشاركه الكسر فتكون المادة الواحدة مفتوحة ومكسورة، ومضارع المفتوحة مضموم، ومضارع المكسورة مفتوح: كسغب أي جاع، ونكب أي مال، وخمدت النار، ورشد اهتدى، ولبد لزق، وقدره نفر منه، ونجز الوعد، وسرط الطعام، وردفه، ونشف الثوب العرق، ونكف تكبر وبرق البصر دهش ولم يبصر.
وزلقت قدمه، وشملهم عمَّهم، وفضل زاد، وفجلت يده، وركن إليه، وسفنت الريح هبت على وجه الأرض، ومنه سميت السفينة، و وكمن له اختفى.
وقد يشاركه الضم فتكون المادة الواحدة مفتوحة ومضمومة، ومضارع المفتوحة مكسور، ومضارع المضمومة مضموم: كحقر الرجل، وحمشت ساقه، ونتن ريحه.
وقد يشاركه اللكسر فتكون المادة الواوحدة مفتوحة، ومضارعها مكسور، ومكسورة، ومضارعها مفتوح: كخصب المكان، وحرد عليه، وحقد، وبشرت به، وحفرت أسنانه، وخسر عجز ضعف، وشمس اليوم اشتدت شمسه، وقرس البرد اشتدّ، وحرص، وغمصه بالصاد المهملة، وعرض له، وحبط عمله، وغبطه وغمطه بالطاء المهملة استحفزه، ولفظه من فيه رمى به، وحنف وخطف، وجدق وطفق، ونزق حفّ عند الغضب، وأفك كذب وهلك وقزل، وقفل الشجر، وهزل في الكلام، وثلم الإناء، وخضم الشيء، ولثم فاها قبله، ويتم الصبيّ وعمن.
وقد يشاركه الضم والكسر فتكون المادة الواحدة مفتوحة ومضارعها مضموم، ومضمومة ومضارعها مضمومة أيضا. (1/100)
صفحة 101
ومكسورة ومضارعها مفتوح: كنقب ورفث في كلامه، وعند عن الطريق وعن الحقّ، وأمرّ صار أميراً، وعمر المال بنفسه صار عامراً، وقذر صار قذراً، وكدر صار كدراً، ومضر اللبن صار حامضاً، ونظر وجهه ولونه، والغصن نعم وحسن، وخمص بطنه خمصاً بالضم خلا، وبغض صار بغيضاً، ورفق به، وسفل ضدّ علا، وعقمت المرأة.
وقد يشاركه الضم والكسر، مع أن المادة المفتوحة مضموم مضارعها ومكسور، والمضمومة مضموم مضارعها، والمكسورة مفتوح مضارعها: كحثر اللبن، وعثر الماشي كبا، وأنس به وقنط من الرحمة.
هذا وقد زعم صاحب فتح الأقفال أن في جعل الناظم حرف الحلق جالباً للفتح تسامحاً لأنه شرط/ أي لا يفتح إلاَّ إذا وجد حرف الحلق، وليس المراد أنه إذا وجد وجب الفتح، فافهم لا سبب موجب أي ليس حرف الحلق كلما وجد الفتح لذاته.
قلت: ليس في تسمية حرف الحلق جالب الفتح ما يوهم أنه يجلب الفتح وجوباً، لأن قوله جالب الفتح في قوة قضيته غير مقيدة بضرورة ولا دوام، إذ لم يقل جالب الفتح ضرورة أو دائماً، فهو موجِد للفتح في الجملة لا ضرورة ولا دائماً، فهو شرط، وسبب غير موجب.
وأيضاً لنا أن نقول: حرف الحلق وجوده علَّة بالنسبة لجواز الفتح، وشرط بالنسبة لتحقق الفتح، فيلزم من وجود حرف الحلق جواز الفتح بقضية أنه علته، ولا يلزم من وجوده بالفعل بقضية أنه شرطه، فحيث دل قوله جالب الفتح على الشرطية، يكون المراد وجود الفتح، وحيث دل على العلية، يكون المراد جوازه.
وفي قوله: كالمبني من عتلا ما في قوله: وافتح موضع الكسر في المبني من فعلا، وقوله: بعضهما الضمير فيه عائد للكسر والضم المفهومين من قوله: فاكسر أو اضمم على ما تقرر في محله. (1/101)
صفحة 102
الإعراب: عين مفعول مقدم لاكسر، وحذف مفعول اضمم، وذكره جائز ولو فضلة، لأنه ليس على التنازع، وقول صاحب تحقيق المقال، وصاحب فتح الأقفال، وأبي يحيى: إنه يجوز أن يتنازع فيه اكسر أو اضمم مع تقديمه، ويضعفه أن تنازع المتأخرين في متقدم، ولو أجازه بعض لكن منعه الناظم، فلا يخرج بيته عليه، ولا حاجة إلى ادعاء أنه جعل التنازع فيه، وقدمه للضرورة والمضارع مضاف إليه.
ومن فعلت متعلق بمحذوف حال من عين، أو نعت للمضارع، أي المضارع المصوغ من فعلت، فانظر ما مرَّ في نظيره.
وحيث ظرف مكان مجازي، ويجوز للناظم أن يأتي بها ظرف زمان على القلة على قول الأخفش، أي إذا خلابنيت لافتقارها لجملة كافتقار الحرف لما بعده، أو لشبهها به في عدم التصرف التام، أو لشبهها بالحرف في المعنى معنى في، وهي مفتوحة الثاء أو مضمومتها، أو مكسورتها، والأول فصيح كالثالث، والثاني أفصح، والكلام على بنائها وسببه وإضافتها للجملة والمفرد، وخفضها بمن أو إلى، وكونها مفعولاً في بعض المواضع، وكون حدث في لغتها واستعمالها اسم شرط مطلقاً، ومنعه مطلقاً وإجازته بشرط زيادة ما بعدها وغير ذلك أطلته في النحو.
وتتعلق باكسر، ويقدّر مثلها لاضمم على حدّ ما مرَّ في عين لا على سبيل التنازع، وإنما لم أجعل عين مفعولاً لاضمم، وحيث ظرفاً له لاقتران اضمم بعاطف، والعاطف له الصدر لا يخرج عنه
(م9 ـ لامية الأفعال جـ2)
إلاَّ في التنازع، وتقديم همزة الاستفهام عليه، مع أنها مما بعدها في قول في نحو: (أفلم يسيروا) وإذا جعلناها اسم شرط علقت بجوابها وهو اكسر، وبُنيَت لما مرَّ أو لتضمنها معنى أن الشرطية، وإذا جعلت شرطية على مذهب من يجزم بها، ولو خلت من ما مطلقاً. (1/102)
صفحة 103
أو مذهب من يجزم بها خالية من ما بشرط نيتها، أو مذهب من يجعلها اسم شرط كذلك، لكن لا يجزم فلا يجوز جعل عين مفعولاً لاكسر، ولا متنازعاً فيه، لأن معمول الجواب لا يتقدم على أداة الشرط، اللهم إن بنى على جواز تقديمه ضرورة، أو على مذهب الكسائي من جوازه سعة، بل مفعول لمحذوف دلّ عليه اكسر واضمم.
وجاز تعليقها إذا جعلت شرطية بفعل الجواب، أو بفعل الشرط إن لم نقل بإضافتها لفعل الشرط وفاعله، أما إذا قلنا: بإضافتها وهو الصحيح فلا، لأن المضاف إليه لا يعمل هو ولا جزؤه في المضاف.
وخلا ماض مستتر الفاعل جوازاً، ولا محل لهما إن جعلت شرطية جازمة، ومحل الجزم الفعل وحده، ولهما الخفض بإضافة حيث إذا لم تجعل جازمة، أو جعلت جازمة وبنينا على القول بإضافتها، واو جازمة، وهو القول الحق، وحذف ما الزائدة بعد حيث الشرطية للضرورة من أحسن الضرائر، لأن فيها رداً إلى الأصل، ويرجح شرطيتها الفاء بعدها.
وأما ما ذكره أبو يحيى من أنها إذا جعلت غير شرطية، لم يكن لها عامل فباطل، لأن العامل اكسر أو محذوف، ثم ذكر أبو يحيى بعض هذا بعد ذلك.
ومن جالب متعلق بخلا مضاف إلى الفتح، وكالمبني أي كالمضارع المبني متعلق بمحذوف حال من ضير خلا، أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف، أي خلوَّاً ثابتاً كخلو المبني من عتلا، أو بمحذوف خبر لمحذوف، أي ذلك كالمبني، والجملة معترضة أو بخلا، ومن عتلا متعلق بالمبنيّ، والفاء زائدة في ما بعد حيث لتضمنها معنى الشرط، ولو لم تجزم أو رابطة لجوابها إن جعلت اسم شرط جازم أو غير جازم، لكن إن جعلت جازمة فالجملة بعد الفاء أو مع الفاء في محل جزم، وإن لم تجعل شرطية أو جعلت شرطية غير جازمة فلا محل لها، لأنها مستأنفة. (1/103)
صفحة 104
ويجوز جعلها رابطة لجواب أما مقدّرة أي أما عين المضارع فاكسر، وجملة قولنا: وذلك كالمبنيّ معترضة مطلقاً إلاَّ إذا جعلنا فاكسر جواباً مقدماً لإذا على القول بجوازه مطلقاً، أو ضرورة إن أجاز الناظم اتباعه، وعليه فعامل عين وحيث اكسر أو اضمم على التنازع محذوفين مقدرين قبلهما إن أجاز تنازع المحذوفين ولا محل لها إن جعلناها دليل الجواب، أعني جملة فاكسر لأنها (حَ) مستأنفة أو جعلناها جواباً مقدماً، لأن الشرط غير جازم إلاَّ إن جعل إذا جازمة شعراً، فحملها الجزم.
وجملة اضمم مثلها في المحل وعدمه لعطفها عليها واو حرف عطف، واضمم أمر مستتر الفاعل وجوباً وواو، أو مكسورة لالتقاء السَّاكنين، ويجوز ضمها لكون الضم حركة همزة الوصل بعدها لو أثبتت، بل تبعاً لضمة الميم بعدها لضعف الساكن بعدها لسكونه، وذلك شأن الضم اللازم أن يتبع له الساكن قبله الساكن المسبوق بهمزة الوصل المتصل به ساكن قبله لا للنقل منها، لأنها لم تثبت فضلاً عن تحركها، ونقل حركتها، قيل: ويجوز فتحها تخفيفاً.
وإذا ظرف زمان مستقبل متعلق بجوابه المقدر المدلول عليه باكسر، أو بجوابه المكسور وهو اكسر على القول بأنه الجواب وهو في نيته التقديم على جوابه، أو بتعلق باكسر على أنه خارج عن معنى الشرط، بل يتنازع فيه اكسر أو اضمم المذكورين قبله إذا جعلنها شرطية جوابها اكسر، أو غير شرطية، وتعيين فاعل لمحذوف فسرّه اعتزلا للبناء بالفاعل.
قال صاحب التحقيق: فافتعل بمعنى فعل، أو نائب لمحذوف يفسره اعتزلا بالبناء للمفعول. (1/104)
صفحة 105
قال صاحبه: فيكون مطاوعاً لفعل عند من أثبته، وجمل اعتزل المذكورة لا محل لها، لأنها مفسرة، وللمحذوفة محل خفض باضافة إذا إليها، وإن قلنا: بعدم اضافة إذا لشرطها جاز تعليقها بفعله، ولا محل للجملة، والفعل المقدر يقدّر غير مقرون بقد، لأن إذا لا يكون شرطها مقرونا بقد، وكذا غيرها، ولا يضرّ ذلك اقتران المفسر بهذا كذا ظهر لي، ثم رأيت صاحب التحقيق ذكر ذلك وقال: إن التفسير عهد فيه ما هو أوسع من هذا، ولا يلزم من مصاحبة قد للمفسر أي بكسر السين أن تكون كذلك مع المفسَّر بالفتح، ويجوز على مذهب الأخفش وغيره جعل تعيين مبتدأ، وقد اعتزل خبره، ويجوز على مذهب الكوفيين، وعليه الناظم في بعض مصنفاته جعل تعيين فاعلاً أو نائباً مقدماً، وبعض مضاف تعيين مضاف هو للهاء بعده، والميم زائدة، والألف كذلك دالة على الإثنين، وبنيت الهاء لوضعها على حرف أو لشبهها بهاء إياهما وإياه المعنى إن قلنا: الضمير إيا، وقيل: الضمير هما، وبسطت ذلك في النحو.
ولفقد متعلق باعتزل المحذوف أو المذكور، وقم للوزن والرّوى، ولا تنازع بين المحذوف المذكور على الصحيح مضاف لشهرة، وتاء شهرة مفتوحة أو مكسورة بدون تنوين منعاً لصرفه للوزن، أو مكسورة بتنوين مكسور لالتقاء ساكنين على حذف همزة، أو للضرورة.
وداع معطوف على شهرة، وقد حرف تحقيق مكسور القاف لالتقاء الساكنين، أو مضمومة لأن حركة الهمزة بعدها لو ذكرت ضمة إذا بنينا اعتزل للمفعول، بل تبعاً لضمة التاء، وفاعل اعتزل أو نائبه مستتر جواز.
تتمة:
لو قدم الناظم البيت الثاني لم يكن إشكال، ولو قال بدلهما كسرٌ وضمٌ:
لعين آلات من فعلا
إن لم يكن داع أو مشهور ما نقلا (1/105)
صفحة 106
لم يكن إشكال أيضاً، وكان اختصاراً لجمعه المعنى، والناظم أتى بالمعنى الواحد في البيتين، ولكن تحذف ياء الآتي من هذا البيت، ويكون في عين داع وجهان: كسره من غير تنوين للوزن، أو مع تنوين مكسور لالتقاء ساكنين على حذف همزة، أو للضرورة، وإنما قدم موجبات الكسر والفتح والضم، على جواز الوجهين، لأنها وجودية، ورفعها هو الموجب للتخيير، ولا ريب في تقديمها، لأن الطرف الوجودي يعرف به السلبي، ولا يقال: لم خصّ جالب الفتح، لأنا نقول لم يخصَّه، لأن قوله: داع شامل لجالب الضم والكسر.
فصل:
هو غالباً ما اشتمل على مسائل، وقد مرَّ تعريفه وتعريف التراجم، قال الأندلسي في محصله شرح مفصل الزمخشري: هو الحجز بين الشيئين، ومنه فصل الربيع، لأنه يحجز بين الشتاء والصيف، فكان ينبغي أن يوصل بين فيقال: فصل بين كذا وكذا إلاَّ أن المصنفين يجزونه مجرى الباب، فيصلونه بفى فيقولون: فصل في كذا، كما يقولون: باب في كذا، وهو خبر لمحذوف، أو مبتدأ لمحذوف، وسوغ ابتداءه تخصيصه بتنوين الوحدة، وفي المطوّل إدخال التنوين في الإثبات سور الجزئية أو وصفه بمحذوف، أي فصل عظيم أو مفيد أو صغير، أو حصول الفائدة كما أثبته المتقدمون وابن هشام والسعد، كابن الدهان. (1/106)
صفحة 107
إذا حصلت الفائدة فأخبر عن أي نكرة أو مفعول المحذوف وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، فيكسر الصاد على حدّ التقاء الساكنين، أو يفتح لتحصل الخفة، وعدم التقائهما، أو ينقل فتحة اللام إلى الصاد، وسكون الصاد إلى اللام، هذا ولا يخفى أن الفعل إما أن يسند إلى الظاهر أو إلى الضمير البارز المنفصا، أو إلى الضمير المستتر، فيبقى على حاله نحو: رمى زيد، وإنما رمى هو، وهو رمى، وباع زيد وضرب، وإما إلى ضمير بارز متصل لا يسكُن له آخر الفعل وهو الألف والياء والواو، فيبقى عين الفعل على حاله كباعا مع الألف، ومع الواو كباعوا وتقلب العين المعتلة ياء إن كان أصلها ياء، واواً إن كان أصلها واواً مع ياء المخاطبة كبيعى وقولى إلاَّ في نحو اختار من غير الثلاثي فتبقى.
وحاصل الأمر أنه كالمضارع، ويكسر فاؤه إن كان أصل العين ياء وتضم إن كان واواً إلاَّ إن كان المضارع يفعل بالفتح بقى كما هو نحو: خافا وخافوا وخافى، ويفتح آخر الفعل للألف، ويضم الواو، ويكسر للياء مطلقاً، وإن كان آخره معتلاً باللف ردت إلى أصلها مع الألف نحو: رمياً ودعوا بفتح الياء والواو، إلاَّ إن اتصلت به تاء التأنيث حذفت: كرمتا ودعتا، وتحذف مطلقاً مع الياء والواو نحو: ارمي وادعي يا عند، وارموا وادعوا، ويكسر ما قبلها للياء، ويضم الواو، وشذّ حذفه مع الألف نحو: الزيدان رما بالألف ممدودة للأعلى، وهي ألف الاثنين، ولام الكلمة محذوفة وقد يفتح ما قبل الواو للتخفيف.
ولا تغير الواو والياء بالحذف إن حركتا عيناً أو لاماً مطلقاً كعورا وبقيا إلاَّ مع الواو، فتحذف الياء آخراً وسواء في ذلك المعتل الثلاثي وغيره إلاَّ أن لام الكلمة المعتل تقلب ياء مطلقاً في غير الثلاثي، وكذا عينها إلاَّ في الماضي، فلا تقلب العين، وذلك مبسوط في محاله. (1/107)
صفحة 108
وإنما إلى ضمير بارز متصل يسكن له آخر الفعل وهو التاء والنون ونا، فتصون لام الكلمة إن اعتلت إلى أصلها من واو أو ياء، وتحذف عينها إن التقى ساكنان، ولا يحذف أحدهما إن تحرك كبقى ورضى وعور وحول، وذلك على الإطلاق.
لكن إن كان ثلاثياً متصرفاً خصّ بنقل حركة العين إلى الفاء، إلاَّ إن كانت حركتها فتحاً فإن الفاء تحرك بما يجانس العين ياء كان أو واواً، ولا يغير الصحيح، وإلى بعض ذلك المختصر أشار بقوله:
وانقل لفاء الثلاثي شكل عين إذا اعـ
ـتلت وكان بتاء الإضمار متصلاً
أو نونه إذا فتحاً يكون فمنـ
ـه اعتض مجانس تلك العين منتقلا
أي انقل إلى فاء الفعل الثلاثي، وهي الحرف الأصلي الأول منه حركة عينه، وهي الحرف الثاني الأصلي إذا كانت هذه العين معتلة، أي حرف علة ساكناً، وكان الفعل متصلاً بتاء المتكلم، أو تاء المخاطب، أو تاء المخاطبة، أو بنون الإناث، ومن نزل منزلتهن أي أو بناء الموضوع للمتكلم، ومن معه، وللمعظم نفسه، وإذا كانت حركة العين فتحة ضمت الفاء إن كانت العين واواً، وكسرة إن كانت ياء عوضاً عن فتح العين، وبياناً للواو والياء، وإذا كانت حركة العين ضمة نقلت للفاء أو كسرة نقلت للفاء أيضاً.
مثال المضموم العين: طال ضدّ قصر، وإذا اتصل به أحد الضمار المذكورة حذفت الألف لالتقاء الساكنين، لأنها ساكنة وآخره سكن للضمير، وتنقل حركة العين وهي الضمة، لأن أصله طوُل بضم الواو إلى الفاء وهي الطاء تنبيهاً على بنية الكلمة، ولئلا يقع الإحجاف بحذف العين وحركتها جميعاً فيقال: طلت بضم الطاء وسكون اللام. (1/108)
صفحة 109
ومثال المكسور: هاب، وإذا اتصل به الضمير حذفت الألف لالتقاء الساكنين، لأنها ساكنة وآخره سكن للضمير، وتنقل حركة العين إلى الفاء تنبيهاً على البنية، ولئلا يقع الإجحاف والعين هي ما عنه الألف، وحركتها الكسرة، لأن أصلها هَبِبَ بكسر الياء والفاء الهاء فتقول: هبت بكسر الهاء وسكون الباء، ولو بقى أول الفعل وهو فاء الكلمة على فتحه بدون نقل حركة العين إليه، لم يعلم أنه من باب فعل بالضم، أو فعل بالكسر، أو فعل بالفتح، وقد مرّ ذلك مبسوطاً مختلفاً فيه.
وتقدم سبب قلب الواو والياء ألفاً، وتقول في خاف: خفت بكسر الخاء وسكون الفاء، أصله خوف بكسر الواو، وقلبت ألفاً واتصل به الضمير فسكن آخره، فالتقى ساكنان وحذف الأول وهو الألف، ونقلت كسرة أصله إلى الفاء وهي الخاء، وإنما قلنا: إن الضمة والكسرة في الفاء منقولتان من العين، لأن أول الفعل المبنيّ للفاعل مفتوح.
ومثال المفتوح العين: قال وباع، أصلهما قول وبيع بفتح الواو والياء، قلبتا ألفاً بعد سلب فتحهما لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما، وإذا اتّصل به الضمير قيل: قلت وبعت بضم القاف دلالة على أن ألف قال عن واو، لأن الضم يجانس الياء، وبكسر الباء دلالة على أن ألف باع عن ياء، لأن الكسر يجانس الياء، وسكون اللام والعين لاتصال الضمير بهما، فلسكونهما حذف الألف قبلهما، إذ لو ثبتت لالتقى ساكنان في غير الوقف، ومن غير أن يكون الأول حرف علة، والثاني مدغماً من كلمة واحدة، فالضم دلالة على أن العين واو، والكسر دلالة على أنها ياء. (1/109)
صفحة 110
ويدل على أنهما دلالة لا أصالة أن أول الماضي المبني للفاعل في مثل ذلك مفتوح لا مضموم ولا مكسور، ولو أبقى على فتحه لفاتت تلك الدلالة، ولو نقلت إليه فتحة العين لم تكن فائدة في النقل، لأن نقل فتحة عينه إلى فائه لا يدل على أن وزنه فعل بالفتح، لأن أول الماضي مفتوح فتعذّرت الدلالة على الوزن، فراعوا الدلالة على كون العين واواً أو ياء، لئلا يجحفوا بحذفها، وبعدم الإشعار بأن أصلها واو أو ياء.
وقد يقال: هلا اقتصروا على بيان الوزن، فيبقوا الفاء على فتحها فرقاً بين فعل المفتوح وفعل المضموم والمكسور، فيبقون أول المفتوح على الفتح وينقلوا حركة العينإلى الفاء في المضموم والمكسور، أو هلا نقلوا فتحة العين للفاء بعد زوال فتح الفاء للفرق المذكور، ولتنقل حركة فعَل وفعُل وفعِل من العين إلى الفاء لا حركة المضموم والمكسور فقط.
ولا يقال بأنهم حافظوا على بيان العين واواً أو ياء، وبيان كونها مفتوحة يعلم من المضارع ونحوه كالأمر واسم الفاعل، لأنه يقال: هلا حافظوا على ذلك في المضموم والمكسور، مع أنّ بيان ضمه أو كسره يعلم مما ذكر أيضاً، وما ذكره الناظم مذهب جماعة منهم الكسائي.
قال ابن الحاجب: الصحيح في باب قال وطال ضدّ قصر أن الضم في فائه عند اتصال الضمير لبيان الواو لا للنقل، وكذا في باب باع وراعوا في باب خاف بنية الكلمة أ. هـ بتصرف.
وقد مرّ أنه إنما قيدنا طال بضدّ قصر، لأنه المضموم وهو لازم بخلاف طالة بمعنى فضلة، فإنه مفتوح متعدّ، وتعلم حركة العين المعتلَّة بالمضارع، واسم الفاعل، فإن كان المضارع بالألف كيخاف علم أنَّ الماضي مكسور العين، لأن يفعل بالفتح لا يكون مضارعاً لفعل بالفتح في المعتل إلاَّ شاذاً أو بتداخل لغات، ولا لفعل بالضم كذلك. (1/110)
صفحة 111
وإن كان بالياء كيبيع علم أن الماضي مفتوح العين، إذ لو كان مضموماً لما كان مضارعه على يفعل بالكسر إلاّ شاذاً، أو بتداخل، ولأن الضم في ذوات الياء مفقودة إلاَّ هيُؤ، لكنه غير متصرف للمضارع له، وياؤه مصححة، ولو كان مكسوراً لما كسر مضارعه، والكسر في الماضي والمضارع شاذّ، فلا يحمل عليه.
وإن كان المضارع بالواو نظر إلى وصفه المقابل لاسم فاعل من نحو: ضرب فإن كان على فعيل فالماضي مضموم العين، لأن فعيلا منه يبنى غالباً وأصالة كطويل ضدّ قصير، وصف طال يطول، وإن كان على فاعل علم أنه فعل بالفتح، لأنَّ فاعلاً فرع في فعل بالضم كقال يقول فهو قائل، وطال يطول فهو طائل، بمعنى فضَل فهو من الطول بمعنى الفضل، وهذا إيضاح ما ذكره أبو يحيى.
وقد مرَّ أنه قلنا: أصل طال ضدّ قصر طول بالضم لمجئ وصفه على طويل، وإن أصل خاف خوف بالكسر لمجئمضارعه على يفعل بالفتح، وإن أصل قال قول بالفتح لا بالضم لتعدّيه، لأن فعل المضموم لا يتعدّى إلاَّ بتضمين أو تحويل على ما مرَّ، ولا بكسر لأن مضارعه يقول، وإن أصل باع بيع بالفتح، وإن عينه ياء لأن مضارعه يبيع بالكسر والياء، وجل ذلك يعلم من كلام أبي يحيى المذكور، واللام في قوله لفاء بمعنى إلى، وقوله الثاني نعت لمحذوف أي الفعل الثلاثي، ولو ذكر الفعل ولم يقيده بالثلاثي، أو لم يذكر الفعل ولا الثلاثي. (1/111)
صفحة 112
وقال: انقل شكل العين للفاء، لصحّ لأن الكلام في الفعل الثلاثي والباب له، وكذا لم يقيده بالماضي لذلك، ولعله قيده بالثلاثي لأجل أنه قال: فصل، فقد يتوهم الإطلاق في الثلاثي وغيره، أو في غير الثلاثي، ولكن الحق أنه لا يتوهم ذلك، لأن الباب للماضي الثلاثي، والباب يشتمل على فصول فلا يخرج عن الماضي الثلاثي إلاَّ بقرينة، وقد ترجم بعد للمضارع مطلقاً، ولا بنية المزيد على ثلاثة، وسكن ياء الثلاثي للوزن وهي الياء المتحركة من ياء النَّسب المشدّدة لما سكنها التقى ساكنان، فحذف الأولى وهي الياء الساكنة، أو حذف المتحركة للوزن، وبقيت الأولى، وهذا أولى لأنه لا حاجة إلى إسكان الثانية، والأول أولى في الوقف.
وإن قلنا: أعطى الناظم الوصل حكم الوقف، حكمنا بالأول، وقد أطلت ذلك في حاشية التمرين فانظره.
والثلاثي بضم الأول نسب لثلاثة على غير قياس كما قاله الجار بردى، والقياس فتحه، وكذا رباعّي وخماسي وغيرهما بالضم، وزيادة الألف والقياس عدم الألف، وشكل الأول بما شكل قبل النسب في أربعة وخمسة وغيرهما، وقيل: إنّ ذلك منسوب إلى ثلاث ورباع ونحوهما بضم أولهما على أنهما دالان على ثلاثة واحدة، وأربعة واحدة، بلا تكرر كما هو مذهب سيبويه. (1/112)
صفحة 113
ويجوز ذلك أيضاً على مذهب غيره من دلالتهما على تكرر، ولكن استعملا في ثلاثة واحدة، وأربعة واحدة استعمالاً لهما في جزء معناهما مجازاً، وفيه تكلف، واحترزنا بالثلاثي من غيره كأجاد وأقال وأبان وأخاف واستعمان وانقاد، فإنه لا يغير بالنقل، ولا بشكل الفاء بحركة تناسب العين لئلا يخرج عن كلامهم ببقاء الكلمة على وزن لم يرد، ولتحصيل الحاصل في نحو أجاد وأقال وأبان وأخاف واستعان، لأن الإعلال بالنقل قد حصل قيل لأن الأصل أجوَدَ وأقيَل وأبيَن وأخوَف واستعوَن بفتح الواو والياء، وسكون ما قبلهما، ونقل فتحهما للساكن قبلهما، فقلبنا ألفاً وللإجحاف بالكلمة لأنها قد سكن آخرها للضمير، وحذف لتسكينه ما كان قبله ساكناً، وهو الألف كذا قيل.
وفيه أنه لا إجحاف إلاَّ جحاف في الثلاثي، ولئلا يلتبس غير نحو استعان بالثلاثي المضموم والمكسور، واحترز بقوله: إذا اعتلت عما صح فيه حرف العلَّة كعور وحول وصيد ونحوها مما مرَّ في محله، فإنه لا ينقل فيه عند الإسناد إلى الضمير شكل العين إلى الفاء، ولا تحذف عينه لأنه لم يلتق ساكنان، ولا تحرك الفاء بحركة تجانس العين، بل يجري مجرى الصحيح، وكذا في غير الثلاثي مما صح نحو استحوذ فمراده بقوله: اعتلت أنها كانت حرف علة ساكناً، فخرج حرف العلة المتحرك كما رأيت، فتعبيره باعتلت ولو قبله أبو يحيى وصاحب فتح الأقفال وغيرهما غير صواب، لأن اعتلال الكلمة عندهم كونها فيها حرف العلة، سواء كان صحيحاً أي محركاً، أو غير صحيح أي ساكناً، فيشمل كلامه نحو عور مع أنه لا ينقل فيه ولا تحرك الفاء بما يجانس العين، لأن العين فيه لا تحذف فضلاً عن أن يحتاج إلى بيانها بتحريك الفاء بحركتها، أو بيان حركتها. (1/113)
صفحة 114
والصواب أن يعبر بأعلت رباعياً أو علت ثلاثياً، لأنهما لا يشملان إلاَّ حرف العلة الساكن فنحو: قال وباع وخاف واستعان وأجاد معلول ومُعَلّ ومعتلّ، ونحو عور واستحوذ معتل لا معلول ولا معل، فكل معل ومعلول معتل، ولا عكس فبين معل ومعلول، وبين معتل عموم مطلق أصدق أحدهما وهو المعتل على كل ما صدق عليه الآخر وزيادة من غير عكس، وهذا الآخر معل ومعلول، والذي صدقه كل أعم مطلقاً، والآخر أخصّ مطلقاً، والإعلال تسكين حرف العلة.
ويطلق على تغيير حرف العلة التخفيف وتحته القلب، كما في قال، والحذف كما في قلت، والإسكان كما في تقول.
والجواب: أن الناظم أطلق اللفظ العام وأراد الخاص، فمراده باعتلت الدال على عموم حرف العلة أعلت أو علت الدال على حرف العلة الساكن أو إن اعتلت مطاوع أعلت نحو: أنجرته فانتجر، وأنصفته فانتصف، وأشعلت النار فاشتعلت، وأضرمتها فاضطرمت، وأوقدتها فاتقدت، أو مطاوع علّ كجمعته فاجتمع، وغممته فاغتمّ، وما مرّ من تعريف الإعلال بتغيير حرف العلة للتخفيف هو ما لابن الحاجب.
وخرج بتغيير حرف العلة تخفيف الهمزة، فليس بإعلال، لأن الهمزة عند الجمهور ليست حرف علة، وخرج به أيضاً الإبدال في نحو: أصيلال في اصيلان.
وخرج بالتخفيف نحو: عألم بالهمزة بساكنة في عالم، فبين تخفيف الهمزة والإعلال مباينة كلية، وبين الإبدال والإعلال عموم وخصوص من وجه، إذ وجدا في نحو: قال ووجد الإعلال بدون الإبدال في نحو: تقول، والإبدال بدون الإعلال في أصيلال، ويجمع الإعلال على ما قالوا القلب كما في قال، والحذف كقلت، والإسكان كتقول.
وأما الاعتلال فيطلق على كون كلمة فيها حرف علة أو أكثر أصلاً أو زائداً، سواء كانت الكلمة حرفاً أم اسماً أم فعلاً،وقد يطلق على المثال خاصة غلبة. (1/114)
صفحة 115
وحدّ الزنجاني والعلام التفتازاني المعتل بأنه في الاصطلاح ما أحد أصوله أو حروفه الأصلية حرف علة، وخرج بالأصلية نحو: اعشوشب وقاتل وتفيهق، فإن الأصول عشب وقتل وفهق، ودخل فيه المثال كوعد، والأجوب كقال ولا يخرج اللفيف بقوله أحد حروفه، لأن اللفيف ولو كان حرفان عليان من أصوله، لكان يصدق عليه أنّ أحد حروفه حرف علة ضرورة، لأن الواحد جزء للاثنين فصاعداً، وتحقق الجزء لازم لتحقق الكل قاله الناصر اللقاني.
ويبحث فيه: بأن ذات الواحد هو الجزء اللازم تحققه لتحقق ما فوقه، وليسالكلام فيه، وأما مفهومه الذي الكلام فيه فهو الذات مع وصف الوحدة، أي الانفراد، وذلك غير جزء لما فوقه، ولا لازم له، بل مضاد له لعدم صدقهما على ذات واحدة، باعتبار واحد، ففيه جزء زائد على مفهوم الجزئية، وهو قيد الوحدة، ومن ثم صح اعتبار مفهوم العدد فيه على وجه الاستقلال، وفي غيره وهو ما فوقه كذلك باعتبار ما فيه من وصف الوحدة فيقال: هذا واحد، وهذان اثنان، وهؤلاء ثلاثة، فيعتبر مفهوم كل واحد منها، وهذا المفهوم المستقلّ باعتبار الوصف تتحقق به المغايرة، سواء سمى عدداً أم لا، لأن التسمية أمر لفظيّ خارج عن الاعتبار، فلا يقال: الواحد ليس بعدد، لأنا ولو سلمنا انه غير عدد لكن مفهومه معتبر.
وكونه لا يسمى عدداً مبحث أم خارج لا يتوقف عليه اعتبار المفهومية، لأن اعتبارها فيما تعتبر فيه للدليل الدال على الاعتبار في المسمى، سواء سمى بالاسم الخاص به أم لا ألا ترى أن الدليل دال على اعتبار المفهومية في الشرط، مثلاً في أكرمك إن جئت سواء سمى شرطاً أم لا، مع أن التحقيق أن الواحد عدد.
قال اللقاني ولا تنسى في هذا المقام ما نصوا عليه من أن الشيء قد يؤخذ بشرط شيء أو بشرط لا شيء، أو لا يشترط شيء. (1/115)
صفحة 116
قال ابن قاسم: وكان غرضه من هذا تأييد اعتراضه، وأن الواحد هو الذات بشرط شيء هو الوحدة أي الانفراد فيتوقف على وجود الانفراد، فلا يكون جراء لما فوقه للمنافاة كما قرره، وستعلم ما فيه.
وقال البخاري: لعلّ مراد اللقاني جواز أن يعتبر أحد الحروف لا بشرط الوحدة، بل من حيث ذاته، فيصدق باللفيف، فيكون كالعذر للسعد، وأشار ابن قاسم إلى ذلك، وزيادة بقوله الظاهر أنه مندفع بأحد أمرين:
إما بتسليم أن الجزء وهو ذات الواحد، وهو الذي اعتبره الزنجاني، فقوله: أحد حروفه أي ذات من ذوات حروفه حرف علة، وأما وصف تلك الذات بوصف الوحدة فهو عنوان خارج عن حقيقة تلك الذات، ولما كان من العنوان كذلك لا يلزم اعتباره في الحكم، ويكفي صدقه في الجملة، وفي بعض الأحوال.
وما بمنع أن الجزء هو مجرد الذات، بل الجزء هو الذات، مع وصف الوحدة، لكن لا نسلم أن الوحدة التي هي وصف الواحد بمعنى الانفراد، بل هي بمعنى عدم التعدد، ولا شبهة في أن مجموع الذات والوصف بهذا المعنى جزء لما فوقه، ولازم له.
فقول المصنف يعني الزنجاني أحد حروفه، معناه شيء من حروفه، متصف بعدم التعدد، وهذا صادق بكل واحد من الحرفين، فإن كلا منهما شيء متصف بعدم التعدد، ومع جزء من مجموع الاثنين، بخلاف مجموع حرفين من حروفه، فإنه شيء من حروفه، لكنه ليس متصفاً بعدم التعدد.
فحاصل التعريف: هو الفعل الذي شيء من حروفه موصوف بعدم التعدد حرف علة، ولا شبهة في صدقه حينئذ على اللفيف، لأن كلا من حرفيه شيء من الحروف موصوف بما ذكر، وكل منهما مع هذا الوصف جزء من مجموعهما مما في قول الزنجاني ما أحد أصوله واقعة على الفعل على ما قال السعد، والحق وقوعها على الاسم، والحرف أيضاً سواء كان الاسم متمكناً أم لا. (1/116)
صفحة 117
قال الطبلاوي: لك أن تتوقف في صحة ما قاله الشيخ، يعني اللقاني، فإنه لو اعتبر في مفهوم الأحد الانفراد، لم يصدق على غير اللفيف أيضاً إذا انفراد، وهو باطل اتفاقاً، لا يقال: المراد الانفراد عن غيره من حرف العلة لا مطلقاً، لأنا نقول: هذا التخصيص باطل أيضاً، بدليل أن اللفيف يوصف الواو مثلاً من حروفه بأنه أحد حروفه، مع عدم انفرادها عن غيرها من حروف العلة.
قال ابن قاسم: قول اللقاني: بل مضاد له عائد لقوله: ولا لازم له دون ما قبله، إذ الجزء لا يمتنع أن يضاد الكل بالمعنى الذي ذكره، وقوله: ومن ثم صح مفهوم العدد فيه أن أراد به المفهوم الأصولي، أي التقييد بالواحد يخرج غيره، وبالكثر يخرج الواحد، ففيه بحث، لأنه إن كان المشار إليه قوله: وذلك غير جزء غلخ، ففيه أن صحة ذلك الاعتبار لا تتوقف على ما ذكر، بل ممكنة مع تحقق الجزئية، واللازمية لجواز أن يختص بعض الأحكام بالجزء دون الكل أو باللازم دون الملزوم أو بالعكس.
وإن كان قوله: لعدم صدقهما الخ، فكذلك لجواز أن يختص بعض الأحكام بأحد المفهومين من حيث خصوصه دون الآخر، وإن صدقا على ذات واحدة باعتبار واحد.
(م10 ـ لامية الأفعال جـ2)
هذا وقد قال صاحب فتح الأقفال: قوله: شكل عين إذا هو بنقل حركة همزة إلى تنوين عيناً أ.هـ.
قلت: وجهه أنه لو نون عيناً بدون نقل كسرة همزة إذا إلى تنوينه لكان البيت غير مخبون العروض، وخبن العروض في البسيط كالضرب واجب في غير العروض والضرب المقطوعين إلاَّ شاذاً كما أوضحته في شرح قوله: فهاك نظماً، والخبن هو حذف الحرف الثاني الساكن في الجزء، أي عدم إتيان به، وإذا سكن التنوين ولم يكسر كان هو ذلك الثاني مذكوراً، وإذا كسر فتحذف الهمزة لنقل كسرتها، وجدت الجزء ليس فيه حرف ثان ساكن، ويتوصل إلى ذلك أيضاً بمنع صرف عين، أي بإسقاط تنوينه ضرورة، ولكن اختار النقل لأنه أمر اختياري، ومنع حرف المنصرف ضروري، فافهم لا كنت من جهال هذه البلاد. (1/117)
صفحة 118
وأعلم أن تاء: اعتلت الأولى للشطر الآخر من البيت، وعينه للشطر الأول، وكذا في قوله: فمنه النون للشطر الأول والهاء للشطر الآخر، وشكل عين حركتها المنطوق بها، هذا مراده وأصل ذلك في الكتابة.
قال في القاموس: شكلت الكتاب بفتح الكاف خفيفة، واشكلته أزلت عنه الإشكال أي بضبط القلم، ويجوز أن يكون بصريح النطق، وربما أفهم قوله: إذا اعتلت أنها إذا كانت حرفاً صحيحاً لا تنقل حركتها للفاء، مع أنها تنقل قياساً نحو: حسن زيد بضم الحاء وسكون السين وفتح النون، ورفع زيد الأصل حسن بفتح الحاء وضم السين، سلبت فتحة الحاء، ونقلت ضمة السين إليها، فبقيت السين ساكنة، ونقول: ظرف زيد بضم الظاء نقلاً من الراء، وسكون الراء، ورفع زيد، وعلم زيد بكسر العين نقلاً من اللام، وسكون اللام، ورفع زيد، وقد مرّ ذلك.
وذلك أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وقوله: إذا اعتلت شرط فيلزم من عدم الاعتلال عدم النقل وهو باطل، لأن النقل موجود مع عدم الاعتلال كما رأيت.
ويجاب: بأن المشروط له وجوب النقل كما تدل عليه صيغة الأمر في قوله: انقل لفاء إذا الأمر لوجوب على الصحيح ما لم تدل قرينة على خلافه، ومعلوم أنه إذا انتفى الاعتلال، انتفى وجوب النقل، والنقل في نحو حسن وظرف وعلم غير واجب، فقد لزم من عدم الشرط الذي هو الاعتلال عدم المشروط الذي هو وجوب النقل، كذا ظهر لي وهو مبني على أن المراد بالشرط المذكور ما يشمل اللغوي وهو النحوي. (1/118)
صفحة 119
وأما لزوم وجود النقل عند وجود الشرط الذي هو الاعتلال والاتصال بالضمير، فليس لذات وجود الشرط، بل لبيان حركة العين، وللاستبقاء للعين على أن الناصر اللقاني قال: وأما الشرط اللغوي وهو مدخول إذا وأخواته فالمحققون على أنه ملزوم والجزاء لازم، أو سبب والجزاء مسبب، فوجوده مستلزم لوجوده استلزاماً لذاته لاقتضائه إياه اقتضاء ذاتياً، أو جعلياً نحو: إن جئت أكرمتك، وتخلفه عنه إنما هو لانتفاء شرط أو وجود مانع.
ويجاب أيضاً: بأن الناظم لا يرى الأخذ بمفهوم الشرط، وبسط ذلك في الأصول، وخرج بقوله: وكان بتا الإضمار إلخ ما اعتلت عينه، ولم يتصل بالضمير المذكور ولا بنا كطال زيد، وخاف بكر، فإنه لا تنتقل فيه حركة العين للفاء، وكذا لا ينقل في نحو باع، لأنه لو نقل لقيل: طول وخيف فيلتبس بالمبني للمفعول على لغة من يكسر في باب المبني للمفعول كقيل، أو يضم كبوع، وحمل على ذلك قال وباع، ولأنه لو نقل لقيل قول وبيع بفتح أوليهما وسكون ثانيهما فيلتبسان بالمصدر، ويلتبسان في الخط بقول بضم أوله وبيع بكسره، ولأن من العرب من يقول وحمل على ذلك قال وباع، ولأنه لو نقل لقيل قولوبيع بفتح أوليهما وسكون ثانيهما فيلتبسان بالمصدر، ويلتبسان في الخط بقول بضم أوله وبيع بكسره، ولأن من العرب من يقول قَوُل كبوع قال بعض ذلك سيبويه وأبو علي.
قال صاحب تحقيق المقال: فروا من اللبس في قال وباع، ولم يفروا منه في قلت وبعت وخفت، وفعلوا النقل مع الضمير المذكور، ولم يراعوا اللبس لأنهم جعلوا النقل في حال، وتركه في حال، علامة فارقة بين البناء للفاعل والبناء للمفعول، إذ لو كان التغيير للمفعول لزم، ولأنهم أرادوا أن يجحفوا بالكلمة إذا كانوا مضطرين إلى زوال حركة العين استثقالاً، ولا بدّ من حذفها لالتقاء الساكنين، فاستثقلوا حذف العين وحركتها، فنقلوا لذلك. (1/119)
صفحة 120
وقيل: إنهم نقلوا ليدلوا بالتغيير على أن الفعل متصرف، ولذا لا يكون هذا في الحروف لجمودها كليت، ولا في غير المتصرف كليس، فإذا قلت: لست لم تكن ثم حركة تدل على العين كما قيل، وفيه نظر إذ ليس في ليس حركة فتنتقل إلاَّ أن يقال اعتباراً بالأصل، فإن أصلها إما فعل أي بالكسر، وإما فُعل أي بالضم فيمن قال: لست بضم اللام أ. هـ.
وأما النقل في نحو: عور وصيد إذا اتصل به الضمير أو لم يتصل، فجائز لا واجب، وتوهم بعض عدم الجواز فتقول: عير وصيد بقلب الواو ياء ساكنة لكسر العين قبلها، وكسر الصاد، وأسكن الياء وقل النقل في المعل بدون اتصال الضمير كما مرّ في زال وكاد، قال الشاعر:
وكيد ضباع الحي يأكلن جثتي
وكيد خراش يوم ذاك يتيَّم
وعلة ذلك أمن اللبس مع قتله، لأنه لا يبني للمفعول منهما، وقصر الناظم تا للضرورة، أو على لغة تا بلا همزة، وأضافها للضمار لأدنى ملابسة، لأن التاء تدل على صاحبها بإضمار رأي بخفاء بالنسبة إلى دلالة الظاهر، ولأنها تسمى ضميرا ومضمراً، والإضار يشمل التكلم، وخطاب المذكور وخطاب المؤنث، وسواء في تاء الخطاب انفردت أو اتصلت بما يدل على اثنين أو جملعة: كقلتما وقلتم وقلتن، وطلتها وطلتم وطلتن، وخفتما وخفتم وخفتن، وبعتما وبعتم وبُعتن، وكان الناظم جعل الضمير التاء فقط دون لواحقها، وهو قول ومحل ذلك غير هذا، وأراد بقوله: أو نونه الإناث، ولو استعملت في الذكور والهاء عائدة للإضمار، والإضافة فيه كالإضافة في تاء الإضمار، وبقى على الناظم نا وهي مرادة له، في أو فهو من باب الاكتفاء، وإنما اقتصر عنها لأنها في النقل والحذف موافقة لها في العلة، أعني للتاء والنون. (1/120)
صفحة 121
وما يتوهم من فتح الأقفال والصغير من أن المراد بنونه ما يشمل نون الإناث ونا، لا يخفى ضعفه، لأنا نا لا يقال له نون نص في المغني أن ما فيه حرفان ينطق بلفظه مثل نا فتقول: نا، أو تعبر عنه بالضمير، ولا تقول النون والألف اللهم إلاَّ أن يقال إضافة نون الهاء للحقيقة، لأن الإضافة، كما قال السيد، تنقسم انقسام أل، وأطلق لفظ النون على نا تعبيراً باسم البعض عن الكل مجازاً مرسلاً لعلاقة البعضية والكلية، أو إحداهما، وأراد بالنون نون الإناث، ونا استعمالاً للكلمة في حقيقتها ومجازها معاً في حال واحد، وعبارة واحدة، بناء على جواز ذلك، لأن لفظ نون حقيقة في نون الإناث مثلاً، مجاز في نا كما رأيت.
ولا يخفى ما في ذلك من التكلف قوله: وإذا فتحاً إلخ قال صاحب التحقيق: ظاهر في أن التحويل إنما يكون مع الإسناد إلى الضمير لا قبله، لقوله: فمنه اعتض، أي من الفتح عوض، ولنقل أي عوض من فتح العين ما يناسب العين، وهو الضم إن كانت العين واواً لكسر إن كانت ياء حال كون ذلك المناسب منقولاً أي مجلوباً، أي مأتياً به من خارج إلى الفاء لا من العين.
قال أبو عثمان: إذا قلت فِعَل أي بتحريك العين صارت العين تابعة للفاء أي في الفتح، وذلك باع وقال وخاف وهاب، وإنما فعلوا ذلك كراهة أن يلتبس يفعل أي بالبناء للمفعول حيث أتبعوا العينَ الفاءَ وقالوا: بوع وقول. (1/121)
صفحة 122
قال ابن جني: هذا القول من أبي عثمان يدل على أنهم ينقلون بيَعَ وقوَمَ، أي بفتح الياء والواو إلى بِيع وقوُم أي بكسر الياء وضم الواو، كما ينقلون بيَعت وقوَمت يعني يفتح الياء والواو إلى بيعت بكسر الياء، وقومت بضم الواو، ولا فضل بين فعَل وفعلت، وسألت أبا علي يعني الفارسي عن هذا فقال: نعم، ينقلون فعل كما ينقلون فعلت، ووزن متصلا مفتعل أصله مُوتَصِل أبدلت الواو الساكنة، وهي فاء الكلمة تاء، وأدغمت في تاء الافتعال، وذلك لعسر النطق بحرف اللين الساكن مع التاء لتقارب مخرجيهما، ومنافاة الوصف، لأن حرف اللين مجهور، والتاء مهموسة.
قال في الخلاصة: ذو اللين فا تا في افتعال أبدلا كما بسط في محله، ووزن اعتض بفتح التاء افتَل، الأصل اعتوض بكسر الواو وسكون الضاد، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً بعد سلب حركتها، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، ووزن اعتوض افتعل ومعنى الافتعال هنا الاتخاذ أي اتخذه عوضاًن أو مطاوعة فعل بالفتح أي أطع من أمرك بالعوض، وفيه أن مطاوع المتعدّي لواحد يكون لازماً، وهذا متعدّ، أو لموافقة المجرد أي عضه، أي اجعله عوضاً، والمراد عوض عن الفتح شكلاً مجانساً للعين، منتقلاً إلى الفاء، وهذا بناء على نقل نحو: قال، إلى فعل بالضم، وباع إلى فعل بالكسر، أما على عدم النقل فالمراد عوض عن الفتح مجانساً منتقلاً من خارج إلى الفاء، ويجوز فتح القاف مطلقاً على أن ّ الأصل منتقلاً به.
الإعراب: الواو للاستئناف، وانقل فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، ولفاء متعلق بانقل، والثلاثي مضاف إليه، وشكل مفعول انقل، وعين مضاف إليها شكل، وإذا ظرف زمان مستقبل، واعتلت ماض مستتر الفاعل، وتاء التأنيث الساكنة وهي حرف على الصحيح لا فاعل، والجملة في محل خفض بإضافة إذا إليها، وجواب إذا مقدّر بعد قوله أو نونه، وفي فعله تعلق إذا، والدليل عليه انقل. (1/122)
صفحة 123
وزعم بعض أن دليل الجواب هو الجواب، ومن علق إذا بشرطها لم يضفها إلى جملته، وإن خرجت إذا عن الشرط تعلقت بانقل قبله، كما يقول من يجعل انقل جواباً متقدماً إذا لم يعلقها بشرطها، وكان ماض مستتر الاسم عائداً ذلك المستتر إلى الثلاثي، وبتا متعلق بمتصلا، وقدّم للوزن والرّوى، مضاف للإضمار كما مرّ، ومتصلا خبر كان، والجملة معطوفة على جملة اعتلت، أو حال بدون تقدير قد عند كثير، أو بتقديرها على مذهب من لا يجيز مجئ الجملة الماضوية المتصرف فعلها، المجرّد فعلها من حرف النفي ونحوه حالاً، إلاَّ إن قرنت بعد.
ومذهب المصنف الجواز، فلا حاجة إلى تقدير قد، وصاحب الحال ضمير اعتلت العائد العين على حدّ: جاء زيد وقد طلعت الشمس.
وزعم أبو يحيى أنّ صاحب الحال هو الثلاثي، ويرده أن الثلاثي مضاف إليه، ولم يستوف شرط مجئ الحال كذا قيل، والجواب أنه له مسوغ، وهو كون المضاف، وهو فاء جزء المضاف إليه، لأن فاء الكلمة جزء منها، أو عاطفة لنون على تاء، وأجاز بعض أن يقال: تا بلا همزة في السعة، وعليه فلم تقصر تاء في البيت للضرورة، وليست ممدودة، ثم قصرت وبسطت ذلك في حاشية التمرين، والواو للاستئناف أو للعطف، وإذا ظرف متعلق بيكون بدون إضافته إلى جملته، أو باعتض وهو الصحيح، لأنه الجواب، فتضاف لجملة الشرط، وفتحاً خبر مقدم للوزن على يكون، ويكون مضارع مستتر الاسم عائداً ذلك المستتر إلى شكل عين. (1/123)
صفحة 124
وزعم بعض أن فتحاً خبر ليكون مقدرة تاليتة، لإذا مفسرة بيكون المذكور، وبسطته في حاشية التمرين، والفاء رابطة لجواب إذا، ومنهمتعلق باعتض، واعتض أمر مستتر الفاعل وجوباً، والجملة جواب إذا، وقدّم منه للوزن والحصر، ومجانس أي ملائم ومناسب مفعول اعتض، وتلك مضاف إليه، بل تى مضاف إليه حذفت ياؤه لالتقاء الساكنين، والمشهور أن الأصل تاء حذفت الألف للساكن، وكسرت التاء واللام حرف بُعْد والكاف حرف خطاب، والعين نعت أو بيان أو بدل على ما مرَّ، ومنتقلاً حال مقدّرة، لأن الانتقال بعد التعويض لا مصاحب له، وصاحب الحال ضمير اعتض أو مجانس، بل موصوفة المحذف أي شيئاً مجانساً وإضافة مجانس لفظية.
ويجوز كونه حالاً من ضمير مجانس، ومنتقلاً على الأول بمعنى ناقل أو هو اسم مفعول افتفتح قافه بمعنى منقول موافق نقل، قاله صاحب التحقيق.
ويردّه أنّ المتكلم المعِوّض لا يكون منقولاً، وعلى الثاني بمعنى تنقل بفتح التاء والنون، وتشديد القاف مفتوحة أو مطاوع نقل كذا قال، وفي كثير من النسج: فَعَنه اعتض وهو أحسن، والله أعلم.
باب
أبنية الفعل المزيد فيه
الفعل بكسر الفاء مقابل الاسم، والحرف والحاصل من المصدر، وبالفتح مصدر فعل بفتح العين يفعل بفتحها وهو القياس، وضمها وكسرها كما للسعد في شرح الزنجاني، والسيد في شرح المفتاح، وقال اللقاني ذلك بحسب الاصطلاح.
وأما لغة فهما مصدران، فالمفتوح لم يخرج عن المصدرية البتة، والمكسور خرج عنها اصطلاحا إلى الكلمة المقابلة للاسم والحرف، ويوافقه قول السعد في المطول، يستعمل المكسور للفظ والحدث، وقد يقال:أراد بالحدث الضرب من ضرب مثلا لا مدلول مصدر فعل يفعل، وقول الهندي سمي فعلا لتضمنه الفعل اللغوي، وهو المصدر يوافقه، لكن يبحث فيه بأن ما تضمنه الفعل الاصطلاحي ومن المصدر هو الفعل بالفتح لا بالكسر كما في الصحاح، وذكر في التوضيح في بحث الحسن والقبح أن المكسور يطلق على المصدر وعلى الحاصل به. (1/124)
صفحة 125
قال اللقاني: ولا تقضي سوى التزام ما في التوضيح أو الحمل على التسامح، فكأنه أراد بالتضمن الاستلزام، وبقوله: وهو المصدر حاصل المصدر على حذف مضاف، أو على تسمية الحاصل بالمصدر باسم المصدر، ولا خفاء أنّ الفعل الاصطلاحي يستلزم اللغوي الحاصل بالمصدر، فجاز أن يسمَّى به.
واعلم أن ما يصدق عليه الفعل الاصطلاحي إما ثلاثي، وأما رباعيّ، وكل منهما إما مجرد أو مزيد فيه، وكل منها إما سالم أو غير سالم، إن كانت حروفه الأصلية ثلاثة فثلاثي، أو أربعة فرباعي، فإن بقى على حروفه الأصلية فمجرد أولا فمزيد فيه، فإن خلت الحروف الأصلية من حروف العلة والهمزة والتصنيف فسالم، وإلا فغير سالم.
وقد مرّ الثلاثي والرباعي، والصحيح والمعتل، والمهموز والمضعف، والكلام الآن في المزيد فيه، والزيادة تكون للإلحاق ولغيره، والإلحاق مطلقاً جعل مثاءل على وزن مثال أزيد منه زيادة حرف أو أكثر، أي جعله موازناً له في عد الحروف، وفي الحركات والسكنات، ولذا لا يجوز في الملحق الإدغام مطلقاً، ولا الإعلال في غير الأخير، ويجعل ذلك الحرف الزائد في المزيد فيه مقابلاً للأصلي في الملحق به، ليعامل معاملته في أحكامه كالتصغير والتكسير، فنحو: قردد ملحق بجعفر، فيقال: قريدد وقرادد كجُعيفر وكجعافر.
وأعلم أن المزيد فيه إما ثلاثي الأصول فيصير بالزيادة، رباعياً إن زيد حرف واحد، وخماسياً إن زيد حرفان، وسداسياً إن زيد ثلاثة.
وأما رباعي الأصول فيصير بالزيادة خماسياً إن زيد واحد، وسداسياً إن زيد اثنان، وللرباعي المزيد ثلاثة أوزان:
تفعلل بفتحتين فسكون ففتح: كتدحرج، والزائد التاء على ما مرَّ.
وافعنلل بسكون الفاء وفتح العين، وسكون النون وفتح اللام الأول: كاحرنجم الزائد الهمزة، والنون وهما المطاوعة الفعل للرباعي الذي لا زيادة فيه. (1/125)
صفحة 126
وافْعَلَلََّ بسكون الفاء وفتح اللام والعين، وتشديد اللام الثانية نحو: اقشعرّ، وقيل: ملحق باحرنجم، زادوا الهمزة وأدغموا الأخير،وعلى الإلحاق يكون مزيد الرباعي وزنين، ويدل على إلحاقه اتحاد مصدرهما تقول: اقشعَّ ر اقشعراراً، كاحرنجم احرنجاماً، وفيه أنه لا دليل في ذلك كما يأتي إن شاء الله، فإن شأن المصدر المبدوء وبهمزة الوصل واحد، والحق أنه مقتضب أي موضوع على مثال غير مسبوق بآخر هو له أصل، أو كالأصل مع خلوه عن حرف مزيد لمعنى أو للإلحاق، وقد يطاوع فاعل بفتح العين قبلها همزة ساكنة كاطمأن مطاوع طامن، لكنه دخله القلب المكاني أي قدمت الميم في اطمأن، وأخرت في طامن، وقيل الأصل تقديم الميم.
وإنما يكون اتحاد المصدرين دليل الإلحاق في الأفعال، والملحق الذي له أصل سابق كجلبب لدحرج، وأصل جلبب جلب، وأدى له كالأصل كاشعر لاحرنجم، والمراد اتحادهما في الزّنة بأن تقع حروف الميزان في الفرع الملحق موقعها في الأصل الملحق به، لا مجرد التوافق حركة وسكوناً، ولذا حكم على اقعنسس بمماثلته، وإلحاقه باحرنجم، ولم يحكموا على استخراج بأنه ملحق باحرنجم، مع أنه موافق له حركة وسكوناً، لأن استخرج على خلاف ما ذكر في الأصلية والزيادة بالنسبة إلى احرنجم أما في الأصلية، فلأن الفاء وهي فاء وقعت موقع النون الزائدة في احرنجم الذي هو الأصل، وأما في الزيادة فلأن النون واقعة في هذا الأصل، د الفاء والعين وليس الفرع، وهو استخرج كذلك. (1/126)
صفحة 127
والفرق بين الملحق والأصل، أن الملحق يجب أن يكون فيه زيادة للإلحاق دون الملحق به مثلاً يجب في باب حوقل زيادة الواو بين الفاء والعين، دون باب دحرج، ويجب في باب اقعنسس وجللبب تكرير اللام دون باب احرنجم، وعلى هذا القياس نحو: تدحرج، فإنه ملحق تقعسس بتدحرج من حيث تكرير اللام، لا من حيث زيادة التاء أولا فإنها فيهما والفرق بين الملحق والمتشعب أن زيادة الحرف في المتشعب لقصد زيادة معنى، كما أن زيادته في الملحق لقصد مواقفة لفظ للفظ لا لذلك، بل ليعامل معاملته، وإن صحبه معنى وهذه العبرة بالفعللة لا طرادها وعمومها في جميع صور فعلل.
قال اللقاني: إن قلت الإلحاق هو جعل المصدرينعلى زنة واحدة، فكيف يكون اتحادهما دليلا على الإلحاق الذي هو عليه، والدليل يغاير المدلول؟
قلت: الإلحاق جعل الكلمة من باب غير بابها الأصلي، واتحادهما مغاير له لازم، واللازم يصح أن يكون دليلا على الملزوم، ودليل الإلحاق عند جار الله أن حرف الإلحاق ما ليس لمعنى وضعت الكلمة بسبب ذلك الحرف له، كواو حوقل، ولام شمللا، وهذا أولى لجريانه في الأسماء والأفعال، فليس المراد من زيادة الالحاق أن لا يصحبها معنى أصلاً كما قيل، لأن معنى حوقل وشملل مخالف لمعنى فرح بالتشديد، وألف فاعل بفتح العين، فلا يقال: إنها للإلحاق وإن صار اللفظ بواسطتها على وزن الرباعي، وذلك لظهورها في معنى آخر فلا يجوز حملها على المغرض اللفظي، مع إمكان المعنوي والمزيد لغير الإلحاق لابدّ لزيادته من معنى.
وإذا قيل مثلاً: إن أقال بمعنى قال فتسامح نحو: ما يقال في من في مثل: (ما من إله) إنه زائد لم يفد سوى المعنى الحاصل، وتأكيده، وكذا همزة أقال أفادت المبالغة كما للرضى في شرح الشافية. (1/127)
صفحة 128
وأما الثلاثي المزيد فيه، فإما ملحق بالرباعي المجرد عن الزيادة، وهذا منه ما يكون حرف الإلحاق قبل الفاء، وله ستة أوزان: تفعل ونفعل، ويفعل وهفعل، وسفعل ومفعل: كترمس ونرجَس، ويزنأ وهلقم، وسنبس ومدرع.
ومنه ما يكون حرف الإلحاق فيه بعد الفاء وقبل العين، وله ستة أوزان أيضاً: فيعل وفعول، وفنعل وفهعل، وفأعَل بفتح العين قبلها همزة ساكنة، وفمعل نحو: بيطر، وجورب وسنبَلَ، ورهمس وطامَنَ، وزملق.
ومنه ما يكون حرف الإلحاق فيه بعد العين وقبل اللام، وله أربعة أوزان: فعنل وفعمل، وفعيل وفعول نحو: قلنس وجلمط، وعديط وهرول، ولنا خامس هو: فعتل ككلتب.
ومنه ما يكون حرف الإلحاق فيه بعد اللام، وله أربعة أوزان أيضا: فعلي وفعلم، وفعلن وفعلس، نحو: سلقى وغلصم، وقطرن وخلبس.
وإما ملحق بالرباعي الأصول، المزيد فيه، وهذا منه ما ألحق بباب احرنجم، وله خمسة أوزان: فعنلأ بهمزة بعد اللام، وافعلني بألف بعدها، وافعنلل بزيادة إحدى اللامين، وافونعل وافعنلس نحو: احبنطأ واسلنقى، واقعنسس واحونصل، واعلنكس.
ومنه ما ألحق بباب تدحرج وله تسعة أوزان: تفعلي وتفعهل، وتفعلت وتفعنل وتفعيل وتفوعل وتفعول، وتفعل نحو: تسلقى وترهشف، وتعفرت وتقلنس، وتسنبل وتعذيط، وتجورب وترهوك وتمدرع.
وإما مماثل للرباعي غير ملحق به، وله ثلاثة أوزان: افعل وفعَّل، وفاعَل نحو: أعلم كأكرم ونحو: قدس بالتشديد، وقاتل بالفتح.
وإما مزيد فيه أيضاً غير ملحق بالرباعي، وغير مماثل له، وهو ما فيأوّله همزة وصل، سواء كان خماسياً أو سداسياً، فالخماسي له أربعة أوزان: افتعل وانفعل، وافَّعل بتشديد الفاء، وافعلّ بتشديد اللام نحو: اعتدل وانطلق، واظَّلم بتشديد الظاء أصله اظتلم، قلبت التاء ظاء وأدغمت فيه الظاء، واحمرّ بتشديد الراء. (1/128)
صفحة 129
والسداسي له عشرون وزناً: استفعل وافعالّ بتشديد اللام، وافعوعل وافعوّل بتشديد واوه، وافعنلل وافاعل بتشديد الفاء، أصله تفاعل قلبت التاء من جنس فاء الكلمة، وأدغمت في بعد الإسكان وجئ بهمزة الوصل، وافَّعَّل بتشديد الفاء والعين، أصله تفعَّل بتشديد العين فقط ففعل فيه ذاك، وافتعال بألف ودونه، وافعيَّل بتشديد الياء، وافعولل وافعلني وافعالّ بتشديد اللام الثانية، وافعلَّل بتشديم اللام، وافتعلّ بتشديدها، وافعمل بتشديد الميم، وافعهل بتشديد اللام، وافعأل بزيادة همزة قبل اللام المشددة نحو اجفأظ، وزاد بعضهم افعل بتشديد الفاء والعين، وافاعل بتشديد الفاء اللذين ليس أصلهما تفعَّل وتفاعل بناء على ثبوتهما.
وذكر المصنف في كتبه ستة وأربعين وزنا، ومثال تلك العشرين: استخرج واحمار بتشديد الراء، واخشوشن وجلوّد بتشديد الواو، واحرنجم وادّارك بتشديد الدال، أصله تدرك أبدلت التاء دالا وسكنت وأدغمت وجئ بهمزة الوصل، واخصم بتشديد الخاء والصاد، أصله تخصَّم بتشديد الصاد، أبدلت التاء خاء، وأدغمت وجلب همزة الوصل، واقتدار بفتح التاء وبألف بعد الدال ودونه، واهبيَّخ واعثوجج، واسلنقى واشمخرَّ بتشديد الراء، واجرمَّز بتشديد الميم، واحونصل واكْوأل بتشديد اللام قبلها همزة، وانكسرّ بتشديد الراء، واكتسبّ بتشديد الباء، واهرمَّع بتشديد الميم، وارهشف بتشديد الفاء، وجملة ذلك ثمانية وستون وزناً على خلاف في بعضها، وافلعل بتشديد اللام الآخرة وزيادة الأولى تاسع وستون كاسلهم، وهو مذكور في النظم، وافعلل بالفك متم سبعين نحو: احرارَرَ الرّجل أي غضب.
والدليل على ما ليس بملحق منها عدم اتحاد مصدره ومصدر ما قد يدعي أنه هو ملحق به، كافعل وفاعل وفعل بالتشديد، فإنها لم تلحق بدحرج لعدم مجئ مصدرها كدحرجةٍ، وذكر صاحب التحقيق أنَّ مزيد الثلاثي سبعة وعشرون، وينقسسم إلى ثلاثة أقسام: (1/129)
صفحة 130
الأول: زيادته للإلحاق فيكون على بناء الرباعي، وذلك ستة أبنية: فوعَل ككوثر، وفيعل كبيطر، وفعول كجهور، وفعنل كقلنس وهو قليل، وفعلل كشملل، وفعلى كسلقى فهذه ملحقة بفعلل كدحرج، بدليل مجئ مصدرها كمصدر دحرج الذي هو دحرجةٌ، وتلحقها التاء كما تلحق دحرج.
الثاني: ما على شكل الملحق لا ملحق، وهو افْعل وفاعَل وفعَّل مشدداً، وتلحق التاء الأخيرين كتقاتل وتكلم.
والثالث: ما لم يشاكله وهو تسعة، ثلاثة خماسية: تفعل وانفعل وافتعل، وستة سداسية: استفعل وافعالّ وافعوعل وافعَوّل بتشديد الواو، وافعنلل نحو اسحنكك، وافعنلى، وهذان الوزنان الأخيران ملحقان باحرنجم من مزيد الرّباعي.
ومزيد الرباعي ثلاثة: تفعلل كتدحرج، وافعنلل كاحرنجم، وافعألّ كاطمأنّ، فذلك أربعة وثلاثون بناء، عشرة بالتاء وأحد عشر بهمز الوصل وغيرها بدونهما تسعة في الثلاثي، واثنان في الرباعي، وأربعة أصول، وستة ملحقة بالثلاثي، وثلاثة على وزن الملحق.
قال: هذا هو المعلوم عند الأكثرين في عدّ المزيد، وزيدت أبنية شاذة، فذكر ابن عصفور يفَعَلَ بفتح الياء والعين واللام، كيرنَأَ لحيته سبغها باليرناء وهو الحناء، وتَفَعلَتَ بفتح التاءين والفاء واللام كتَعفرتَ، وزاد الزبيدي أفعالاً تبرأ من عهدتها افعيَل كاهبيخ، وافعولل كاعثوجج، وافونعل كاحونصل.
قال: ذكر صاحب كتاب العين هذه الأفعال، ولم أسمعها لغيره، ولا أحقها فعهدتها عليه أ. هـ.
وكتاب العين فيه مناكير لا يعول على ما نفرد به، لما علم من عدم صحة نسبته إلى الخليل أو لكونه لم يصحح.
قال الزبيدي: وقد جاء فعنل حكى بعض اللغويين سنبل الزرع، وأسبل ودنقع الرجل إذا افتقر، وكنتأت لحيته وكتأت عن أبي عبيدة، وفَعيَل قالوا طشْيَأَ رأيه ورهيأ إذا غلط، وافوعل بتشديد اللام كاكوهد ارتعد، واكوأل قصر، ذكر هذا كله في آخر باب ما ألحق من الأفعال الثلاثية بالرباعي، وأنكره غيره. (1/130)
صفحة 131
وأما هرقت وهرحت وأهرقت واسطاع فلا يقال إنها من مزيد الثلاثي، قال سيبويه: وأما هرقت وهرحت يريد أرحت، فأبدلوا مكان الهمزة الهاء كما تحذف استثقالاً لها، فلما جاء حرف أخفّ منها لم يحذف في شيء، ولِزم لزوم الألف في ضارب وأجرى مجرى ما ينبغي لألف افعل أن يكون عليه في الأصل.
وأما الذين قالوا: هرقت فإنما جعلوها عوضاً من حذفهم العين، وإسكانهم إياها، كما جعلوا ألف يمان عوضاًن وجعلوا الهاء عوضاً لأنها تزداد، ونظير هذا قولهم اسطاع يُسطيع، جعلوا العوض السين لأنه فعل وهي فيه، وجعلوا الهاء بمنزلتها، لأنها تزداد ملحقة في آخر الفعل نحو: ارمه وعه، وكذا لا يقال في ارعوى واجأوى يجاوي أي اسودّ في غبرة وحمرة أنهما من مزيد الثلاثي، لأنهما من باب احمرّ، ولم يلحقهما الإدغام لانقلاب حرف العلة ألفاً للفتحة، بل للإلحاق بمزيد الثلاثي.
وذكر بعض شراح الألفية: أن المزيد من ثلاثي الأفعال خمسة وعشرون بناء مشهورة في بعضها خلاف، وهي: أفعل كأكرم، وفعل كقدّس، وتفعل كتعلم، وفاعل كقاتل، وتفاعل كتقاتل، وافتعل كاكتسب بالتخفيف، وانفعل كانطلق، واستفعل كاستغفر، وافعلّ بتشديد اللام كاحمرّ بتشديد الراء، وافعال كذلك وهو بالألف قبل اللام كاحمارّ، وافعوعل كاخشوشن، وافعوّل كاجلوّذ، وافعولل كاعثوجج، وافعيل كاهبيخ، وفوعل كحوقل، وفعول كهرول، وفعلل كشملل، وفيعل كشيطن، وفعيل كرهياً، وفعلى كسلقى، وافعنلى كاسلنقى بالألف، وافنعلأ كاحبنطأ بالهمزة لغة في احبنطى بالألف، وافعنلل كاحرنجم، وفنعل كسنبل، وتمفعل كتمندل، والكثير تندل، ويجيء كل من هذه الأوزان لمعان متعددة.
قلت: يرد عليه أنّ منها ما لم يوضع لإفادة معنى من المعاني التي تفاد بألبنية، بل وضع ليفيد معنى بجوهره: كفوعل وفعول، وفيعل وفعيل. (1/131)
صفحة 132
قال: وللمزيد من رباعيها ثلاثة أبنية تفعال كتدحرج، وافعنلل كاحرنجم، وافعللّ كاقشعرّ، وهي لازمة، واختلف في هذا الثالث فقيل: هو بناء مقتضب، وقيل ملحق باحرنجم، زادوا فيه الهمزة وأدغموا الأخير، فوزنه الآن افعلَل أي وقبله فعلل كدحرج، ويدل على إلحاقه باحرنجم مجئ مصدره كمصدره أ. هـ.
قلنا: وعلى الإلحاق أصله قشعر كدحرج، زادوا الهمزة وإحدى الراءين، فصار اقشعرر، نقلوا إلى العين فتحة الراء الأولى توصلا إلى إدغامها في الثانية، وردّ القول بالإلحاق بأن الملحق به إذا كانت فيه زيادة يجب اشتمال الملحق عليها واقعة فيه موقعها في الأصل كما مرّ، والنون في احرنجم دون اقشعر، وبأنه لا يجوز في الملحق مطلقاً الإدغام ولا الإعلال في غير الآخر، ومجرد اتحاد المصدرين لا يدل على الإلحاق، بل لا بدّ من استيفاء شروط الإلحاق قاله الصبان تبعاً للقاني.
قلت: صرح الجار بردى بأنه ملحق، وقد أجاب ابن قاسم بأن شرط عدم الإدغام في الملحق باعتبار الغالب، أو تكون المسألة خلافية.
وأما أوزان الأسماء المزيد فيها فثلاثمائة وثمانية أوزان عند سيبويه، وثلاثمائة ونيف وثمانون عند الزبيدي، إلاَّ أن منها ما يصلح وما لا يصلح، ويزاد في الاسم حرف وحرفان، وثلاثة وأربعة، ويصير الاسم الثلاثي رباعيَّاً إن زيد ثلاثة، وسباعياً إن زيد أربعة، ويصير الرباعي خماسياً إن زيد واحد، وسداسياً إن زيد حرفان، وسباعيَّاً إن زيد ثلاثة، ويصير الخماسي سداسيَّاً إن زيد حرف، وسباعياً إن زيد حرفان. (1/132)
صفحة 133
قال الشيخ خالد: ومواضع الزيادة أربعة: ما قبل الفاء، وما بين الفاء والعين، وما بين العين واللام، وما بعد اللام، ولا تخلو من أن تقع متفرقة أو مجتمعة، فالزيادة الواحدة قبل الفاء نحو: اجدل، وما بين الفاء والعين نحو: كاهل، وما بين العين واللام نحو: غزال، وما بعد اللام نحو: علقى، والزيادتان المتفرقتان بينهما الفاء نحو: أجادل، وبينهما العين نحو: عاقول، وبينهما اللام نحو: قصيري، وبينهما الفاء والعين، نحو إعصار، وبينهما العين واللام: نحو: حيزلى، وبينهما الفاء والعين واللام نحو: احملى والمجتمعتان قبل الفاء نحو مطلق، وبين الفاء والعين نحو: جراجر على القول، بأن المضاعف الزائد فيه الأول، وبين العين واللام نحو: خطاف على القول بأن زائد المضاعف هو الثاني، وبعد اللام نحو: علباء، والثلاث المتفرقات نحو: تماثيل، والمجتمعة قبل الفاء، نحو: مستخرج، وبين العين واللام نحو: سلاليم، وبعد اللام، نحو: عنفوان، واجتماع ثنتين، وانفراد واحدة نحو: أفعوان، والأربعة نحو: اشهيباب مصدر اشهابّ أ. هـ.
واعلم أن الزيادة تكون لأحد سبعة أشياء:
الأول: الدلالة على معنى وهو الأصل والغالب، كدلالة الهمزة على التعدية، وهي يصير الفاعل مفعولا، وحاصل ذلك أمر معنوي في نحو: أكرمته، وثلاثية: كرم بمعنى حسُن حاله فأكرمته بمعنى ميزته حسن الحال، وأعلمته، ودلالة الألف في ضاربته وقاتلته على الاشتراكي في الفاعلية والمفعولية، ودلالة السين على الطلب في استغفرت ربي، ومعرفة هذه المعاني أصل مهمّ سأذكرها مع الأبيات إن شاء.
وكدلالة همزة أقوم على تكلم الواحد، والنون عن تكمله وحده أو عن جماعة أو اثنين في نقوم، وكدلالة الياء والثاء على الغيبة، ودلالة التاء على التأنيث في يقوم زيد وتقوم هند، ودلالتها على الخطاب في تقوم يا زيد ونحوه، وكدلالة زيادة التثنية والجمع والتصغير والتكسير وغير ذلك مما يكثر عدّه. (1/133)
صفحة 134
الثاني: الإلحاق كواو كوثر وجوهر، وياء صيرف وعيثر، وألف أرطى والف شملال، ونون جحنفل ورعشن، وقد مرّ تعريف الإلحاق، وعرّفه في التسهيل بجعل ثلاثي أو رباعي موازناً لما فوقه، أي موازن له صورة وإلاَّ فقد يختلف الوزن بحسب الحقيقة، فإن جعفراً فعلل، وكوثراً فوعل، والموازن صورة هو الموازن وزناً طبيعياً وهو الموافق حركة وسكوناً، ولو خالف أصالة وزيادة، والموازن وزناً صرفياً هو الموافق حركته وسكوناً وأصالة وزيادة، والموازن وزناً عروضياً الموافق في مطلق الحركة والسكون، ولو قوبلت ضمة بفتحة أو كسرة فكل وزن صرفي أو طبعي عروضيّ، وكل صرفي طبعي ولا عكس.
الثالث: المد كألف رسالة، وياء صحيفة، وواو حلوبة، وكحروف المد في سربال وقنديل وعجوز.
الرابع: التعويض، كتاء زنادقة فإنها عوض عن ياء زناديق، وتاء مشارقة ومغاربة عوض عن ياء النسب، وتاء إقامة واستقامة، فإنها عوض عن ألف الأفعال بكسر الهمزة والاستفعال، أو عن عين الكلمة على الخلاف في المحذوف، وسين يسطيع، فإنها عوض عن حركة عين الكلمة بدليل ضم حرف المضارع، إذ لو كان حرفاً زائداً بلا تعويض لكان خماسياً فيفتح، وميم اللهم فإنها عوض عن حرف النداء.
الخامس: التكثير كميمات ستهم وزرقم وابنمّ فإنَّها زيدت لتكثير اللفظ، وتفخيم معنى الستة وهو العجز والزرقة والابن فكثر اللفظ ليكثر المعنى، وهذا داخل في الأول، وكألف قبعثرى وكمثرى.
السادس: الإمكان، كهمزة الوصل، لأنه لا يمكن أن يبتدأ بساكن، ويمكن الابتداء بها كذا لصاحب تحقيق المقال كالشيخ خالد، وهو المشهور الذي عليه الجمهور، وهو الحق.
قال الجار بردى في شرح تصريف ابن الحاجب: من أنكر ذلك فقد أنكر العيان وكابر المحسوس، وعبارة السعد أنهم رفضوا الابتداء بالساكن. (1/134)
صفحة 135
قال الغزى: وفيها إشارة إلى إمكانه في نفسه، وهو ما صرح به جماعة وقالوا: إن عدم جواز الابتداء به ربما يختص بلغة العرب، لا لأنه ممتنع في نفسه، بل لأن لغتهم موضوعة على غاية من الإتقان، وفي الابتداء به نوع لكنه وبشاعة، ويجوز في لغة أخرى كلغة الخوارزم، وعليه السيد في حواشي الكشاف، قال فيها الحقّ جوازه، ومن قال باستحالته لا يسمع منه إلاَّ حكايتها، وإذا استعربت لغة العجم وجدت فيها الابتداء بالساكن المدغم لا سيما في لغة الخوارزم إلاَّ أنه غير واقع في لغة العرب.
وقال اللقاني: إنَّ تعبير السعد بالرفض إشارة إلى إمكانه، فإن الرفض الترك، ولا يطلق الترك إلاَّ حيث يصح عدم الترك، فالمحال لا يقال متروك صرح به السيد في شرح المواقف، بل قال اللقاني: إن معنى رفضهم ذلك رفضهم جعل الساكن بدءاً للكلمة، وإن الابتداء به بهذا المعنى ممكن باتفاق، وإن بعضاً توهم أن المراد بالابتداء بالساكن ابتداء التلفظ، والخلاف في اسحالته وإمكانه شهير في علم الحكمة وغيرها، وإن التعبير بالرفض إشارة إلى اختيار إمكانه، وفيه نظر، لأن رفضهم له بهذا المعنى لا يستلزم عدمه بالمعنى الأول لإمكان بدء الكلمة بساكن يبتدأ التلفظ بما قبله موصولاً به.
قال البخاري: ولا يخفى أن في رفضهم له بهذا المعنى الأول مع صدق نحو: (قد أفلح) بسكون الهمزة ونقل حركتها إلى الدال في القراءة المتواترة إشكالاً، والظاهر ما ذكره هذا البعض، ونازعه أيضاً ابن قاسم قال القائل: إن يقول هو وإن لم يستلزمه لكنه يناسبه، فالحاصل أنهم لما رفضوا الابتداء به تلفظاً ناسب أن يجعلوه أو الكلمة التي من شأنها الابتداء بأولها، ففي الحكم بالوهم والنظر نظر أ. هـ.
هذا ومثل بعض للإمكان بهاء السكت في نحو: عهْ وقِه، لأنه لا يمكن أن يبتدأ بحرف ويوقف عليه وقفاً نحوياً، أما مطلق الوقف عليه فممكن بأن يوقف عليه محركاً لكنه لحن. (1/135)
صفحة 136
السابع: البيان كهاء السكت في نحو: (سلطانيهْ) و (ماليهْ) لبيان أن الياء متحركة لا ساكنة، ويازيداه لبيان وصل المنادي بالألف.
وأعلم أن الأصل عدم الزيادة، فلا يحكم بها إلاَّ بدليل، وأدلتها عشرة وعدّها بعضهم تسعة، وبعضهم سبعة، وأكثرهم ستة وهو الأظهر عند صاحب التحقيق لازماً زاد يرجع إليها:
الدليل الأول: سقوط الحرف في أصل كسقوط ألف ضاربً بكير الراء في أصله، وهو المصدر، وسقوط ألف ضارَبَ بفتح الراء في ضرب الذي هو فعل، وهمزة اعلم في علم، وسقوط نون حنظل في حظلت الإبل أي أكلت الحنظل، وسقوط تاء ملكوت في الملك، وهو أقرب الأدلة إلى الضبط، وأصحها علة وأقواعها.
ويكون في الفعل والاسم ولو علماً ولا سيما الصفات والأعلام المنقولة، ونقلها نوع تصرف، وفي اسم الجنس ولا يعتبره النحوي لأنه لا يلزم فيه ولا يطرد ويسمَّى ذلك بالاشتقاق وهو صغير إن كان بين اللفظين تناسب لفظاً وترتيباً كاشتقاق ضرب وضارب ويضرب ونحوها من الضَّرب، وهو المراعي في الدلالة على الزيادة وكبير إن تناسبا لفظا لا ترتيبا لحيد وجدب وأكبر إن تنايبا مخرجا فقط كنهق ونعق، وقيل بالنظر إلى الباب إما أكبر وهو أن تكون الممادة واحدة، ويختلف حالها بالترتيب وتدل على معنى واحد، قال بعض: كقعد تراكيب ق و ل على معنى الخفة والسرعة.
وممن قال بدلالته: أبو الفتح، وربما ركن إليه أبو علي، وإما أصغر وهو إنشاء مركب من مادة يدل عليها وعلى معناه وهو المعوّل عليه كما مرّ، كدلالة أحمر على الحمرة، ومن قامت به، وسمَّى الأول بالصغر الأن من ينظر إلى ضرب يعلم بدون التأمل أنه مشتق من الضرب، لحصول المناسبة لفظاً وترتيباً، والثاني بالكبير الأن من ينظر إلى جبد مثلا يعرف بالتأمل أنه مشتق من الجدب لعدم المناسبة في الترتيب، والثالث بالأكبر الأن من نظر إلى نعق يعلم بالتأمل القوي أنه مشتق من النهق لعدم المناسبة ترتيباً ولفظا. (1/136)
صفحة 137
ووجه الاشتقاق ثلاثة أنه إما بالتبديل فهو الأكبر، بالتقديم والتأخير، وهو الكبير، وإما بدونهما وهو الصغير، وكذلك تفهم تعليل التسمية بالأصغر، وسمى بعضهم الأول بالمصغر، وهو موافقة الأصول لفظاً وترتيباً، والثاني بالصغير، وهو الموافقة لفظاً لا ترتيباً والثالث بالأكبر وهو هدم الموافقة لا لفظاً ولا ترتيباً، ويعتبر في هذا الأصغر موافقة المشتق للمشتق منه في المعنى واللفظ، وفي الأخيرين مناسبة له في المعنى، فإن كنى أي لم يصرح يناسب معنى ناك أي نكح في الإخفاء، واعتبروا في الأكبر الموافقة في أكثر الأصول والمناسبة نوعاً أو مخرجاً في باقيها، وسمى بعضهم الأول بالأكبر والثاني بالكبير والثالث بالصغير نظراً إلى الظهور.
وإن شئت فحد الاشتقاق الأصغر بحسب العلم، بأن تجد موافقة فرع لأصل بحروفه الأصول، والمعنى فتردّه إليه وبحسب العمل بأن تأخذ من أصل فرعاً يوافقه في الحروف الأصول، وتجعله دالاً على معنى يوافق معناه، ولك إسقاط لفظ الرّد، لأن الأصل يغني عنه إذ الأصالة والفرعية لا يتصوران بدونه.
والدليل الثاني: سقوط حرف في فرع، كسقوط ألف كتاب في جمعه الذي هو كتب، وهو عكس الاشتقاق، لأن الاشتقاق استدلال بالأصل، وها يسمونه التصريف استدلال بالفرع.
الدليل الثالث: سقوط في نظير لغير علة كسقوط ياء أيطل في أطل وهو الخاصرة، ويشمل الأدلة الثلاثة، قولك بسقوط الحرف في بعض التصاريف.
وشرط الثلاثة كما للمرادي وغيره: أن يكون السقوط لغير علة تصريفية، فإن كان لها فليس دليلاً على الزيادة، كسقوط واو وعد في يعد لئلا يقع بين ياء وكسرة، وسقوط ألف طال وخاف وقال وباع في: طلت وخفت وقلت وبعت لالتقاء الساكنين، وحذف واو يغزو في لم يغز، وياء يرمي في لم يرم، والف يسعى في لم يسع. (1/137)
صفحة 138
وعرَف في الخلاصة الزائد: بأنه الذي لا يلزم في جميع التصاريف، والأصلي بأنه الذي يلزم فيها، ومراده السقوط المذكور، لأن الساقط لعلة تصريفية كالثابت، فالأصل إذا سقط للعلة مقدّر الثبوت، والزّائد إذا لزم مقدّر السقوط، ولذا يقال: الزائد في سقط في أصل الوضع تحقيقاً أو تقديراً، فلا يرد عليه سقوط تلك الحروف الأصول، وثبوت قرنفل وواو كوكب في التصاريف، مع أنهما زائدتان.
الدليل الرابع: كون الحرفمع عدم الاشتقاق الكلمة التي هو فيها في موضع تلزم فيه زيادته مع الاشتقاق، أو الأخذ كالنون الساكنة الثالثة غير المدغمة المتلوّة بحرفين بعدها: كعصنص بمهملات بينها نون، وهو جبل فنونه زائدة لأنها في موضع لا تكون فيه مع المشتق إلاَّ زائدة كحدنفل لشفة ذي الحافر.
الدليل الخامس: كونه مع عدم الاشتقاق في موضع تكثر فيه زيادته مع الاشتقاق، أو الأخذ كالهمزة أولاً بعدها ثلاثة نحو: أرنب، فإنها زائدة، وإن لم يعلم اشتقاق ما هي فيه لكثرة زيادتها إذا وقعت كذلك فيما علم اشتقاقه كأحمر وأكرم، قاله الشيخ خالد وغيره، وظاهره أنها قد تكون إذا وقعت كذلك فيما علم اشتقاقه أصلاً، كإمعة وإمع فانظره.
الدليل السادس: كونه بموضع لا يقع فيه إلاَّ حرف زائد كنون حنطاو للعظيم البطن وكنثاو بمثناة الوافر اللحية، وسنداو وقنداو الرجل الخفيف.
الدليل السابع: لزم عدم النظير في تلك الكلمة التي ذلك الحرف منها، بتقدير الأصالة في تلك الكلمة كتتفل بفتح التاء الأولى، وسكون الثانية، وضم الفاء لولد الثعلب، ولو حكمنا بأصالة تائه لكان على وزن فعلل بفتح الفاء وضم اللام الأولى وهو مفقود. (1/138)
صفحة 139
قال صاحب التحقيق: وكثير يمثل بإمع وإمعت، وهي العيىّ الذي لا رأي له، ويقولون: لو كانت الهمزة زائدة لأدّى إلى وجود أفعل بكسر الهمزة في الصفات وهو فيها مفقود، وهذا في الحقيقة من أدلة الأصالة، والأشبه بهذا أن يستثني من دليل الكثرة، فإن الهمزة المتصدرة في مثل هذا الأكثر زيادتها، إلاَّ أن توقع في محذور كعدم النظير في إمعة.
الدليل الثامن: لزم عدم النظير بتقدير الأصالة في نظير الكلمة التي ذلك الحرف منها، كتنقل على لغة ضم التاء الأولى والفاء، فإن تاءه أيضاً زائدة، وإن لم يلزم من أصالتها عدم النظير، لأنها لو جعلت أصلاً فله نظير: كبرثن وهو موجود، لكن يلزم عدم النظير في نظيره الذي هو مفتوح التاء، فلما ثبَتت زيادة التاء في لغة الفتح لعدم النظير، حكم بزيادتها في لغة الضم، لأن الأصل اتحاد المادة أيضاً.
الدليل التاسع: دلالة الحرف على معنى كحرف المضارعة وغيره مما مرَّ.
الدليل العاشر: الدخول في أوسع البابين عند لزوم الخروج عن النظير، على تقدير الأصالة، وعلى تقدير الزيادة: كنهبل بفتح الهاء وبضم الباء مشددة، فإن وزنه على تقدير أصالة النون فَعَلُل بضم اللام الأولى المشدّدة، وهو مفقود، وعلى تقدير زيادتها فنعلل بضم اللام الأولى غير مشدّدة، وهو مفقود أيضاً، ولكن أبنية المزيد فيه أكثر فنحكم بزيادة نون نهبل، ومن أصولهم المصير إلاَّ إلى الكثير فهذه عشرة.
ووجه ردها إلى ستة وهو الحق أن هذا العاشر داخل في السابع، وأن الرابع مندرج في السادس، إن أرادوا بقولهم بموضع لا يقع فيه إلخ ما يشمل المشتق وغيره، وأريد بنحو الأمثلة الأربعة في السادس ما يتناول كنثاو بالمثلثة، وأن الرابع نفس السادس إن قصر على غير المشتق، وأريد بنحو الأربعة مثل حنظاو بالظاء المشالة المعجمة، وأن الثلاثة الأوائل واحد. (1/139)
صفحة 140
قال ابن هشام: وتحرير القول فيما تعرف به الزوائد أن يقال: اعلم أنه لا يحكم على حرف بالزيادة حتى يزيد بقية أحرف الكلمة على أصلين، أي بقية أصول أحرف الكلمة عند الترّدد فيها، والزائد نوعان:
النوع الأول: مضاعفة أصل وتكرير، وهذا يكون في جميع الحروف حتىّ الهمزة، إلاَّ أنه يثقل فيها إلاَّ الألف فإنها لا تقبل التشديد، وسواء في ذلك أن تكون الزيادة بالتضعيف، والتكرير للإلحاق أو غيره.
قال صاحب فتح الأقفال: وله شروط معروفة.
قلت: بل شرط واحد، لكن لما راعى كثرة المسوغات: هذا مسوغ للتضعيف، وهذا مسوغ له، وهكذا عدّها شروطاً وهو أن يكون المزيد مماثلاً للام كجلبب بزيادة الباء الثانية للإلحاق بدحرج مع الاتصال، كما مثلت، أو مع الانفصال بزائد كجلباب، وتكرير اللام لا يفصل بأصل أبداً، أو مماثلاً للعين مع الاتصال كقتل بتشديد التاء بزيادة الأولى أو الثانية على ما مرَّ من الخلف، أو مع الانفصال بزائد عليهما كعقنقل بفتح العين المهملة والقافين بينهما نون ساكنة، وهو كثيب الرمل المتداخل، ويطلق على مصارين الضَّب، أو مماثلاً للفاء والعين كمرمريس بفتح الميمين وسكون الراء الأولى وفتح الثانية، وهو الداهية، ومثله مرمريث للثغر ولا ثالث لهما، أو مماثلاً للعين واللام كصَمَحْمح بمحملات وفتحات إلاَّ الحاء الأولى ساكنة للتشديد أو للغليظ القصير، أو للرأس الأصلع خلاف.
وأما الذي يماثل الفاء وحدها كقرقف بقافين مفتوحتين بينهما راء ساكنة للخمر، وسندس لرقيق الدّيباج، أو يماثل العين المفصولة بأصل كحدود بمهملات اسم رجل، ولم يجئ على فعلع بتكرير العين غيره فأصلي.
وإذا بنى الرباعي من حرفين، ولم يصح إسقاط الثالث فالجميع أصل، لأن الاثنين أصل قطعاً، ولا بدّ من ثالث مكمل، وليس أحد الباقيين بأولى من الآخر، فحكم بأصالتهما. (1/140)
صفحة 141
وقيل عن الخليل رحمه الله، وعن الكوفيين: وزنه فعفل بتكرير الفاء وهو بعيد، وإن صح إسقاط الثالث كلمه في لملمه فهذا الثالث الصالح للسقوط زائد عن الكوفيين، مبدل من حرف مماثل للثاني أصله لمَّم بتشديد الميم الأولى على ما مرَّ، ويردّه مجيئه على فعللة، ولو كان مضاعفاً لقيل في لملم تلميم كتقديس، ويقال: إنه لما كان بوزن دحرج بالزيادة، كان مصدره كمصدر دحرج.
وقال الزجاج: ذلك الثالث زائد غير مبدل.
وقال البصريون: غيره إنه أصل واختار ابن الناظم قول الكوفيين، وقال: إنه أولى من جعله ثنائياً مكرراً موافقاً في المعنى للثلاثي المضاعف كما يقول البصريون في أمثاله نحو: قضقضت وكبكبت وكفكفت.
النوع الثاني: ما زيد لغير تكرار، وهذا مختص بعشرة حروف: السين والهمزة، واللام والتاء المثناة فوق، والميم والواو، والنون والياء المثناة تحت، والهاء والألف، وقد جمعت في تراكيب كثيرة جمع ابن خروف منها نيفاً وعشرين تركيباً محكيَّاً وغير محكى.
قال علاء الدين بن عبد الباقي الخطيب: أحسنها لفظاً ومعنى قول القائل:
سألت الحروف الزائدات عن اسمها
فقالت ولم تبخل أمان وتسهيل
وهي حروف أمان وتسهيل، كذا قال صاحب التحقيق إنه أحسنها، ويجمعها أربع مرّات قول القائل:
هناء وتسليم تلى يوم أنسه
نهاية مسئول أمان وتسليم
من الطويل.
قال أبو يحيى: وقد نسب هذا البيت للمصنف يعني الناظم.
قلت: نسبة إليه ابن هشام في التوضيح، وجمعها بعضهم في قوله: اليوم تنساه، حروف زائدة نطقتها لكي تحور الفائدة، وهي حروف اليوم تنساه، فقوله: اليوم تنساه مبتدأ محكىّ، وحروف خبره أي حروف اليوم تنساه حروف زائدة.
قال الرضى في شرح الشافية: إن المبرر سأل المازني عن حروف الزيادة فأنشد المازني لنفسه:
هويت السمان فشيبنني
وقد كنت قدماً هويت السمان (1/141)
صفحة 142
فقال المبرد: أنا أسألك عن حروف الزيادة وأنت تنشدني الشعر؟ فقال له: أجبتك مرتين، يعني في قوله أوّلاً وآخراً هويت السمان، وكذا نسبه شارح مراح الأرواح لأبي عثمان المازني.
وجمعها الناظم في التسهيل بقوله: سألتمونيها، قال الدماميني في شرحه: هذه العبارة وقعت لبعض النحاة، وقد سأله بعض أصحابه عن حروف الزيادة فقال: سألتمونيها؟ أي هل طلبتم مني أن أخبركم عنها، وسألتموني عنها؟ فقالوا: نعم أي استخبرناك عنها، فقال: قد أجبتكم أي هي في قوله سألتموينها بالهمزة بعد السين، وهو أراد إخبارهم بها.
وإيهامهم أنّه استفهم، هل أردتم أن أخبركم بها أو الأول أو الثاني، ثم على هذا الثاني ظهر له أنه جمعها بقوله: وبعض يعبر بأسلتمونيها بالهمزة للاستفهام قبل السين، وإسقاطها بعدها بعد نقل فتحتها للسين، ويجمعها قولك يتساولونهم، وقولك: يا هول استنم، وقولك: أسلمَني وتاه، وقولك: أهوت سليمان.
قال الشيخ خالد: وينبغي أن يعدوا الشين المعجمة في نحو: أكرمُتكِشّ في خطاب المؤنث، فإن قالوا: هذه مختصة بالوقف، قلنا: وهاء السكت كذلك أ. هـ.
قلت: الحقّ أن هاء السكت كلمة زائدة مستقلة، حرف مضى فيما قيل، والكاف لغة الكشكش لا تختص بالوقف، وليست تزاد في كلمة، وتجعل حرفاً من حروفها، بل هي كتنوين بعد الكلمة قال: وخصت هذه الأحرف بالزيادة دون غيرها، لأن أولى ما زيد حروف المدّ واللين، لأنها أخفّ الحروف وغيرها من الحروف العشرة ترجع إليها، فالهمزة مجاورة للألف في المخرج، وتتقلب إلى أحرف اللين عند التخفيف، والهاء أيضاً مجاورة للألف في النخرج والميم من مخرج الواو، وهو السعة وفيها غنَّة، والنون فيها المدّ في الخيشوم امتداد الألف، والتاء حرف مهموس أبدلت من الواو في تجاه، والسين حرف مهموس فيه صفير، ويقرب من مخرج التاء واللام، وإن كانت حرفاً مجهوراً لكن تشبه النون، وتقرب منها أ. هـ. (1/142)
صفحة 143
والزيادة للإلحاق تارة تكون من حروف سألتمونها، وتارة من غيرها وهو سائر الحروف، قال المرادي والأشموني وغيرهما، كصاحب التحقيق: إن معنى تسمية حروف سألتمونيها زوائد، أنها تزاد في الكلمة لغير تكرير، وليس المراد أنها أبداً تكون زوائد، لأنها كثيراً تكون غير زائدة كما لا يخفى، وليس معنى زيادتها أنها لا تدل على معنى لأنها تدل على معنى غير المعنى المدلول عليه بجوهر الكلمة، بل أنها ليست من أصول الكلمة، وزيادة اللام والهاء قليلة كأمهات وأهراق، بدليل سقوطها في الأمومة والإراقة، فبطل قول المبرد: إن الهاء لا تزاد.
قالوا: ولا جواب عنه إلاَّ دعوى الغلط ممن قاله، لأنه لما أبدل الهمزة في هراق، توهم أنه فاء فأدخلت الهمزة عليها، فأسكنت وأما تمثيل الناظم في الخلاصة وابنه في الشرح بلمه ولم تره فيرده أن هاء السكت كلمة برأسها، وليست جزءاً من غيرها، ولا مُنزلة منزلة الجزء مما قبلها، ومحل قولهم: إن المناشقة في المثال ليس من دأب العقلاء والمحصلين، ما إذا نوقش فيه مثلاً بكونه صالحاً لغير ما مثل به له.
هذا وقال السيوطي في الأشباه والنظائر: متى كانت الزيادة لغير التكثير، تكثير الحروف كانت أولى من أن تكون للتكثير، ومراده بالتكثير ما في نحو: قبعثر: أو نهبل، هذا وقد مرت كيفية الوزن، هذا وباب مضاف لأبنية.
وأبنية مضاف للفعل، والفعل منعوت بالمزيد، والمزيد اسم مفعول كالمبيع، وفيه متعلق به نائب الفاعل، ويستعمل مزيد أيضاً مصدراً ميمياً بمعنى الزيادة، والزيد عما ما يأتي إن شاء الله في قوله:
كالصحيح الذي اليا عينن وعلى
رأى توقف ولا تعد الذي نقلا
والله أعلم.
كأعلم الفعل يأتي بالزيادة مع
ولي ووالي استقام احرنجم انفصلا (1/143)
صفحة 144
أي الفعل يأتي كائناً بالزيادة أي مصاحباً لها كأعلم، ووإلى وولي، واتتقامة واحرنجم وانفصل، وهكذا بالعطف في الأبيات بهد هذا إلى الفصل حيث أمكن العطف، وكل ذلك أفعال مزيد فيها أصل بعضها ثلاثة، وأصل بعضها أربعة، والمقصود هي وما وازنها، بدليل كاف التشبيه، وهذا أر واضح، وقد ذكر في هذا البيت ستة أفعال، مشيراًَ إلى ستة أوزان، فهذا البيت متضمن ستة أوزان.
الأول: أفعل هو مماثل للرباعي الأصلي الحروف لا ملحق به، والزائد فيه همزة القطع أولا، والباقي في ثلاثة أصول، وذلك كأعلم وأكرم، ومنه نحو أعطى، لأن أصله أعطى بياء مفتوحة، قلبت الفاء لتحركها بعد فتح، ومنه نحو: أعد وأشد بالتشديد، لأن أصلهما اعدد واشدد بسكون العين والشين، وفتح الدالين بعدها، نقلت فتحة الدالين إليهما، فأدغمتا في الدالين الثابتين، ومنه نحو: أقام وأعان، لأن أصلهما أقوم وأعون بسكون القاف والعين، وفتح الواوين، نقل فتحهما للقاف والعين فقلبتا ألف لتحركها قبل النقل وانفتاح ما قبلهما بعده.
فالمراد بنحو أعلم ما كان على وزن أفعل مطلقا لفظا أو تقديرا مما كان أصله ثلاثة حروف، وزيدت أول همزة قطع، وسواء كان مكسوراً كعلم وأعلم، أو مضموما ككرم وأكرم، أو مفتوحاً كذهب وأذهبه، ونزل وأنزله، ودخل وأدخل صحيحاً كما رأيت، أو معتل الفاء كوعد وأوعد، ويتم وأيتمه، أو العين كقام وأقام، وباع وأباع، أو معتل اللام كأتى بدون مد الهمزة وآتاه بمدها، وخلا وأخلاه، وهكذا سائر أمثلة المجرد الثلاثي المتصرف المذكورة بأنواعها سابقا ونحوها. (1/144)
صفحة 145
ومن معاني أفعل التعدية، وهي أشهر معانيه، ويعبر عنها بالنقل أيضا، وهي عند بعض الفاعل مفعولا، ولا تعرف أيضا بإيصال معنى الفعل إلى الاسم، وقال بعضهم: هي أن يجعل الفعل بحيث يتوقف فهمه على متعلق، بعد أن لم يكن كذلك، وقال بعضهم: هي أن تضمن الفعل معنى التصيير، فيصير فاعل أصل الفعل مفعولا للتصيير، فإنك إذا أردت أن تجعل اللازم متعدياً ضمنته معنى التصيير بادخال الهمزة مثلا، ثم جئت باسم وصيرته فاعلا لهذا الفعل، وجعلت فاعل أصل الفعل مفعولا، نحو: جلس زيد وأجلسته، ففاعل جلس هو الذي صيرته جالسا.
قال الجاربردي: وفي تمشية هذا المعنى في فسقته نظر لأن معناه نسبته إلى الفسق لا صيرته فاسقاً، ولو قيل معناها: أن يجعل الفعل لفاعل يصير من كان فاعلا له قلب التعدية، منسووباً إلى الفعل لكان أقرب.
قال ابن قاسم: لا نسلم أن معناه نسبته إلى الفسق، بل صيرته فاسقاً، وإن سلمنا لكن جعله فاسقاً مجاز.
وقال اللقاني: التعدية هي إيصال معنى الفعل إلى مفعول لا يصل إليه الفعل بدون المعدي، أي بكسر الدال وهو الهمزة وغيرها كالتضعيف، وهو أولى.
واعلم أن التعدية بالهمزة مقيسة في القاصر والمتعدي إلى واحد عند بعض لا غيره، وقيل مقيسة في القاصر، سماعية في غيره وهو الحق عند ابن هشام، قال: وهو ظاهر مذهب سيبويه، وقيل: سماعية في القاصر وغيره، ولا تُعدى إلى ثلاثة ما تعدى إلى اثنين إلاَّ رأي وعلم إذا دخلتهما عدتهما إلى ثلاثة، وأجاز الأخفش أن يعامل غيرهما معاملتهما إذا كان من أخواتهما القلبية فيقول: أظننت زيداً عمراً قائماً، وأحسبته إياه فاضلاً، وهو مذهب جماعة من البصريين طرد للباب، واختاره ابن السراج. (1/145)
صفحة 146
وظاهر التسهيل أن الأخفش أجاز ذلك في ظن وحسب، وخال وزعم ووجد فقط، ومنع جمهور البصريين ذلك، لأنه لم ينقل عن العرب، فالزيادة على ما ورد من ذلك ابتداء لغة، ولأن المعدي بالهمزة فرع المعدي مع التجرد، وليس في الأفعال متعد مع التجرد، أي من الهمزة والتضعيف إلى ثلاثة، فيقاس عليه متعد بالهمزة، وكان مقتضى هذا أن لا ينقل علم ورأي إلى ثلاثة، لكن ورد السماع بنقلهما فقبل، ووجب أن لا يقاس عليهما، ولا يستعمل استعمالهما إلاَّ ما سمع، ولو ساغ القياس عليهما لجاز أن يقال أكسوت زيداً عمراً جبة، لكن لا يسوغ لما ذكرت، فلم يجز أن يقال ذلك، وأما ألبست زيداً عمراً جبة فلا يجوز اجماعاً، ولو أجزنا القياس عليهما، لأن لبس يتعدى لواحد، فبالهمزة إنما يتعدى لاثنين لا إلى ثلاثة، اللهم إلاَّ إن عدى لاثنين بابدال حركة عينه فإلى ثالث بالهمزة.
وأعلم في البيت يجوز أن يكون مزيد علم الثلاثي المتعدي لواحد، فيتعدى لاثنين، وأن يكون مزيد علم الثلاثي المتعدي لاثنين فيتعدى لثلاثة، لكن مراده ليس ذلك، بل مراده مجرد الوزن، وذلك لأن المتعدي لواحد يتعدى بالهمزة إلى اثنين، والمتعدي إلى اثنين يتعدى إلى ثلاثة بها، والقاصر يتعدى بها إلى واحد، فلذلك بطل قول صاحب فتح الأقفال في الصغير والكبير أن أعلم في البيت مزيد علم الثلاثي المتعدي لاثنين، فيتعدى بالهمزة لثلاثة، إذ بجوز أن يكون مزيد علم الثلاثي المتعدي لواحد فيتعدى لاثنين بالهمزة، أو مزيد علم الثلاثي اللام بمعنى شقت شفته العليا أو غيره من المعاني، فيتعدى بها إلى واحد.
ومعنى قولنا يتعدى الفعل بالهمزة إلى اثنين أو ثلاثة أنه يتعدى معها إلى ذلك، وندر مجئ أفعل بالهمزة لازماً، وفعل الثلاثي متعدياً عكس ما ذكر، وجاء من ذلك كبه فأكب، وقشعتهم فأقشعوا قاله صاحب فتح الأقفال، وظاهر نص عبارته أنه لم يجئ غيرهما. (1/146)
صفحة 147
قلت: وهو باطل من وجوه الأول: أنه ورد غيرهما وهو عرضه فأعرض أي أظهره فظهر نص عليه السعد في شرح الزنجاني، وطئرت الناقة فأطئرت أي عطفتها فانعطفت، واستقت البعير فاستق أي استوقفته فوقف، ونسلت ريش الطائر فانسل، أي أسقطته فسقط، ونزفت البئر فأنزفت البئر فأنزفت، أي زال ماؤها، ومريت الناقة بالمسح فأمرت در لبنها، ذكرها الناظم، وحجمت القوم وأحجموا أي أوقفتهم فوقفوا.
قال السعد: وأعلم أنه قد تنقل الشيء إلى أفعل فيصير لازماً، وذلك نحو: أكب وأعرض، يقال: كبه أي ألقاه على وجهه فاكب، وعرضه أي أظهره فأعرض.
قال الزوزني: ولا ثالث لهما فيما سمع أ. هـ.
فإن أراد الزوزني فيما سمعته فبناه للمفعول فلا إشكال، ويؤيده أن في بعض النسخ فيما سمعناه بناء على الظاهر في مثل ذلك أنه عنى نفسه، وإن أراد فيما سمعه الناس فيبطله الأللفاظ المذكورة سواهما، ويدل على وجود غير أكب وأعرض في كلام السعد قوله نحو: أعرض وأكب، إذ لم يقل وذلك وأعرض وجعل نحو إشارة الأفراد الذهنية، خلاف الأصل، ولا سيما وقد سمعت الألفاظ المذكورة وهي أفراد خارجة.
الثاني: انه قد لا نسلم أن اكب مطاوع كب، بل معنى دخل في الكب، أو صار ذا كب، كأصبح دخل في الصباح، وأغد صار ذا غدة، وهما غير نادرين، وظاهر السعد أيضاً مطاوعة أفعل لفعل، ونص عليها الناظم في التسهيل، وابن جني في الخصائص، وأشعر به في الكشاف، وأنكره ولم يذكره سيبويه، وممن أثبت أكب مطاوع كب الصبان.
قال الجار بردى: قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: (أفمن يمشي مكباً على وجهه) الآية أنه يجعل أكب مطاوع كبه، ويقال كببته فأكب من الغرائب، ومثله قشعت الريح السحاب فأقشعت وما هو كذلك، ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً، ولا يتقن نحو هذا إلاَّ حملة كتاب سيبويه، وإنما أكب من باب انقض وألأم ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب، وكذلك أقشع السحاب إذا دخل في القشع، ومطاوع كب وقشع وانكب واقشع أ. هـ. (1/147)
صفحة 148
وما في قوله: وما هو كذلك نافية والواو للحال وانقض القوم هلكت أموالهم، وألأم الرجل بالهمزة عيناً أتى ما يدعي به لئيماً أو بالألف إذا أتى ما يلام عليه، ولا يقول جاهل عصري: أن ليس مراد فتح الأقفال المطاوعة، وكذا السعد يحمل نا العادة الجارية في مثل عبارة كبه فأكب، وقشعه فأقشع أنها بحكاية المطاوعة، ثم رأيت ابن قاسم صرح به في حاشية تصريف السعد شرح الزنجاني، اللهم إلاَّ أن يقال: مع ذلك إن غرضهما غير بيان المطاوعة، فلا يخالف كلام الكشاف الذي ذكر بعضهم أنه الصحيح، ووجهه بأن الأصل في باب أفعل عدم المطاوعة، وإن أمكن إخراج ما أوهمها عنها بالمحمل الصحيح، لم يجعل منها موافقة للأصل، ولا دليل فيما طرقه الاحتمال.
الثالث: أن عبارته توهم أنه لم يذكر ذلك أو نحوه إلاَّ صاحبا الصحاح والقاموس، وليس كذلك، وقد رأيت وأعلم أنه قد شاع التمثيل للتعدية بأكرمت.
قال اللقاني: التمثيل به يقتضي أن المراد به صيرته كريماً كما مرّ، والمراد إنما هو أوصلت المعروف إليه.
قلت: لعل كرم المجرد يرد بمعنى الجود النفسي، فتعديته صيرته كريماً أي جواداً، ويرد بمعنى تناول المعروف، وتعديته صيرته آخذاً له، وأوصلته إليه، وهو الشائع في الاستعمال، ومما زيدت فيه الهمزة للتعدية: (فأجاءها المخاض) بزيادة الهمزة على جاء، أي أوصلها المخاض كذا لصاحب فتح الأقفال، وظاهره أن الهمزة دخلت على جاء فعدته إلى الضمير مع بقاء جاء على معناه.
قلت: الحق أن جاء يتعدى بدون الهمزة، وما دخلت عليه الهمزة إلاَّ بعد لزومه وكونه بمعنى الالتجاء بالتاء، وحيث دخلت عليه عدته وصيرته بمعنى الإلجاء بدون التاء، فالمعنى فألجأها المخاض، ولهل هذا مراد فتح الأقفال.
ومن معاني أفعل: سلب الفاعل وإزالته أصل الفعل عن المفعول نحو: أقذيت زيداً وأشكيته، أي أزلت القذى عن عينه، وأزلت عنه شكواه قال:
تمد بالأعناق أو تلويها
وتشتكي لو أننا نشكيها
مس حوايا قلماً نخفيها (1/148)
صفحة 149
أي نرفعها عنها ومن ذلك أعجمت الكتاب أي أزلت عجمته، أي لبسه بنقط ما ينقط وإهمال ما يهمل، وأشكلته أي أزلت إشكاله بالضبط تقول: أهملت الحرف وعجمته بتشديد الجيم، ولا تقول عجمته محققاً عند الجوهري، وغلطه صاحب القاموس.
قال المبزي: قد جوز الشارح يعني السعد، كون معنى الإعجام إزالة العجمة بالتلفظ، وهذا إنما يتم إذا جعل كون الهمزة للسلب مقيساً أو مسموعاً في هذه الكلمة.
قال اللقاني: ومن هذا الباب حروف المعجم أي الخط المزال عجمته بالتلفظ.
قال ابن قاسم: ظاهره أن جميع الحروف أزيلت عجمتها بالتلفظ، ولا مانع أما ما نقط فظاهر، وأما ما لم ينقط، فمقابلته للمنقوط سبب في إزالة عجمته، فللفظ سبب في إزالة عجمة ما لم ينقط، وبعض يجعل المعجم بمعنى الإعجام مصدراً ميمياً أي من شأن هذه الحروف أن تعجم أي تنقط.
ونقل الأزهري عن الليث: أن الحروف المقطعة سميت معجمة، لأنها أعجمية أي لا بيان لها، وإن كانت أصلاً للكلم كلها، ومن معاني أفعل سلب الفعل عن الفاعل، أعني سلب الفاعل الفعل عن نفسه كأقسط زيد، أي أزال عن نفسه القسط بفتح القاف، أي الجور ويشمل السلبين في قولنا أفعل لسلب ما اشتق منه الفعل، وبه عبر الصبان.
قال: الطبلاوي: ويجوز أن يلحق أقسط المذكور من باب اللام أي أتى بما هو عدل كقوله تعالى: (قاماً بالقسط) أي بالعدل، أو أتى بالجور.
ومن معاني أفعل الأحواج: إلى الشيء وهو ضد السلب، ذكره اللغويون وأبو حيان وغيره، وحكوا أنه يقال: أشكيته إذا أحوجته إلى الشكوى، وهو يرجع إما إلى التعدية وإما إلى الجعل.
قال صاحب التحقيق: فلا يقال: إن المصنف أسقطه في التسهيل، وفيه نظر.
ومن معاني أفعل الكثرة: كأظبى المكان كثرت ظباؤه، وأضب كثرت ضبابه، وأعال الرجل كثر عياله، وأذأب المكان بهمزة أو ألفكثرت ذئابه. (1/149)
صفحة 150
ومن معاني أفعل الصيرورة: كأغد البعير صار ذا غدة، والمراتد ما يشمل صيرورة الفاعل كالمثال، وهي أن ينسب الفعل إلى الفاعل، وليس فعله، ومن هذا أجرب البعير صار ذا جرب، وأعشرت الدراهم والفت وأتسعت ونحوها، أي صارت عشراً وألفاً وتسعاً، وأشرقت الشمس أي صارت ذات شروق أي ضوء ومنه: (وأشرقت الأرض بنور ربها) خلافاً للناظم في الأعداد، ولابن عصفور في المثال الآخر، وما يشمل صيرورة متعلق الفاعل إما بأن ينسب الفعل إلى الفاعل وهو فعله كألأم الرجل وأيمن وأنجد ونحوهما أي صار ملتبساً باليمن، ونجد إقامة أو ولوجاً أو قصداً خلافاً للناظم، وأشرع وأبطأ خلافاً لابن عصفور، وإما بأن ينسب إليه، والمراد غيره كأجرب الرجل صارت ماشيته جرباً، وأبخر صار ذا إبل أصابها بخار، وهو داء يصيب الإبل في رئاتها، ويُوجد سُعالاً كثيراً قاله الغزى.
وعبارة الرضى: وقد يكون للصيرورة أي صيرورة ما هو فاعل فعل صاحب شيء، وهو على ضربين: إما أن يصير صاحب شيء هو صاحب ما اشتق منه نحو: أجرب الرجل أي صار ذا إبل ذات جرب، ومنه: أحصد الزرع، وأهل التصريف جعلوا مثله قسماً آخر، وذلك لأنهم قالوا: يجيئ أفعل بمعنى حان وقت يستحق منه فاعل أفعل أن يوقع عليه أصل الفعل، فمعنى أحصد الزرع حان أن يحصد.
وعند صاحب الشافية: هو في الحقيقة بمعنى صار ذا كذا أي صار الزرع ذا حصاد، وذلك حينونة حصاده، ومنه دخول الفاعل في المشتق منه أفعلنحو: أصبح وأمسى وأفجر وأشهر، أي دخل في الصباح والمساء والفجر والشهر، واصبى وأجنب وأدبر أي دخل في أوقات، ريح الصبا وريح الجنب، وريح الدبور، وأنجد وأخيل أي وصل إلى نجد والخيل، ,اعشر وأتسع وآلف بمد الهمزة، ونحو: العدة والصباح اسم لا مصدر، فالمراد بالاشتقاق منه الأخذ وهو أوسع أي دائرة منه، ومثله أورق الشجر أخذاً من الورق وهو اسم عين، ولك أن تقول الفعل مشتق من تلك الأسماء بواسطة اشتقاق المصدر، أي أخذه منها. (1/150)
صفحة 151
وعبارة السعد: ولصيرورة الشيء منسوباً إلى ما اشتق منه الفعل نحو: أغد البعير إذا صار ذا غدة، ومنه: أصبحنا أي دخلنا في الصباح لأنه بمعنى صرنا ذوى صباح أ. هـ.
وإنما فصل هذا المثال بقوله: ومنه لأن مفهومه الصريح ليس للصيرورة، بل بمنزلتها، وليس كالأول في حصوله المعنى، وتحققه كأحصد الزرع، فإن معناه قارب وقت حصاده، فنزلتمقاربته منزلة حصوله.
قال الجار بردى: ألا ترى أنك تقول: أصرم النخل وأحصد الزرع، وهو لم يصرم ولم يحصد، بخلاف الأول، فإنه على معنى حصوله ذلك الشيء، ولذا جعله بعضهم للجينونة أ. هـ، قاله العلامة الطبلاوي.
ومن معاني أفعل الإعانة على ما اشتق الفعلمنه: كأحلبت زيداً أي أعنته على الحلب، وأقريته أي أعنته على قراه، وأرعيت فلان أعنته على الرعاية.
ومن معاني أفعل التعريض: كأبعت الثوب عرضته للبيع، وأقتلت زيداً عرضته للقتل، وأبعت العبد عرضته للبيع، فالمراد التعريض لما اشتق الفعل منه، وعبارة السعد وللتعريض للأمر.
قال الطبلاوي: هو أن تجعل المفعول معرضاً لأصل الفعل، وعبارة الرضى في شرح الشافية همزة باب الأفعال أي بكسر الهمزة قد تكون للتعريض، أي تفيد أنك جعلت ما كان مفعولاً للثلاثي، معرضاً لأن يكون مفعولاً لأصل الفعل سواء صار مفعولاً له أم لا نحو: أقبلته أي عرضته لأن يكون مقبولاً قبل أولاً، وأسقيته أي جعلت له ماء وسقياً شرب أو لم يشرب، وأباع الجارية عرضها للبيع بيعت أولاً، وجعلها منتسبة إليه، فالتعريض للشيء النصب له وفي شرح المفصل للتعريض نوعان:
أحدهما: التعريض لفعل منسوب إلى الفاعل كالقتل والبيع.
وثانيهما: التعريض لما ليس كذلك كأقبرته، أي جعلته ذا قبر، وهذا ليس مثل عرضته للبيع، لأن القبر لفعلاً له متعلقاً بالمفعول. (1/151)
صفحة 152
ومن معاني أفعل: إلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه، وإن شئت فقل وجدان الشيء على معنى ما صيغ منه، وإن شئت فقل وجدان المفعول متصفاً بما اشتق منه الفعل كأبخلت زيداً وجدته بخيلاً، وأحمدته وجدته محموداً، أي متصفاً بما يوجب حمده، وأعظمته وجدته عظيماً متصفاً بما يوجب له العظمة، ومنه: (فلما رأينه أكبرنه) أي وجدنه كبير الشأن، وقيل أكبر بمعنى حضن، والهاء للسكت تسكن، وجعل منه أبو الفتح: (ولا تطع من أغفلنا منه) أي وجدناه غافلاً.
قال الكشاف: كأجبنته وأفحمته وأخجلته، إذا وجدته كذلك، قال صاحب التحقيق: وهي نزعة اعتزالية.
قلت: لا اختصاص بذلك للمعتزلة إذا فسرنا الوجود بالعلم أو نحوه، نعم يختصون عن القوم يمنع إسناد االإغفال إلى الله، لأن الإغفال جبر مسقط للمدح والذم، وهذا في حد ذاته صحيح عندنا معشر الإباضية، ويجوز أن يكون المعنى من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر، ولا جبر أو تركناه ولم نوفقه للإيمان كأغفل إبله أي تركها بلا سيمة، وقرئ (أغفلنا قلبه) بفتح اللام ورفع القلب، أي حسبنا بفتح الباء قلبه بالرفع، غافلين من أغفلته إذا وجدته غافلاً، ومنه قوله:
فأصممت عمراً وأغفلته
عن الجود والمجد يوم الفخار
أي وجدته أصم غافلاً، قول عمر بن معدي كرب: والله يا بني سليم قاتلناكم فما آخيناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم، أي ما وجدناكم إخواناً لنا، وما وجدناكم بخلاء، وما وجدناكم مفحمين، وعبارة السعد ولوجود الشيء على صفة.
قال الجار بردى: أي أن الفاعل وجد المفعول موصوفاً بصفة مشتقة من أصل ذلك الفعل وتلك الصفة في معنى الفاعل للفعل اللازم أن كان أصل الفعل لازماً نحو: أبخلته أي وجدته بخيلاً، وفي معنى المفعول إن كان متعدياً نحو: أحمدته أي وجدته محموداً، فالمحمود هو مرجع الهاء. (1/152)
صفحة 153
وفي بعض حواشيه قال الشريف: معنى قوله: لوجود الشيء على صفة أن فاعله وجد المفعول موصوفاً بصفة مشتقة من فعله الثلاثي، وفيه بيان لأصل الفعل في كلام الشارح، يعني الجاربردى (وح) فمعنى أبخلته وجدته بخيلاً، ولا شك أن بخيلاً صفة مشتقة من بخل وهو في معنى الفاعل، لأن البخيل من قام به البخل، ومعنى أحمدته وجدته محموداً والمحمود بمعنى المفعول لوقوع حمد عليه، ويقاس عليه جانب النفي كما مرّ في قول ابن معدي كرب.
ومن معانيه جعل صاحب الشيء بمعنى ما نحو: سقيته أي جعلته ذا ماء، وقد مر أقبرته جعلته ذا قبر، وعبارة الغوى، ولجعل المفعول صاحب شيء بموجه ما: كأقبرته وأسقيته وأعبدته إذا جعلت له قبراً، وأعطيته دلواً يستقي به، وعبداً ذكره ابن مالك.
ومن معاني أفعل: بلوغ عدد كأمأت الدراهم صارت مائة علىوزان أعطت وآلفت بالمد صارت ألفاً، ومر الكلام على ذلك، فإن أصول مائة الميم والهمزة فوق صورة ياء، والياء المحذوفة المعوض عنها التاء، فهو من باب سنة، ولذلك يجمع جمع المذكر السالم ولو لغير العاقل كسنة، وأما الألف فزائد في الخط ولا حظ له في النطق، لأنه بعد كسرة زيد فرقاً بين منة أو منه علماً أو مصدراً أو جاراً ومجروراً، وذلك العدد.
ومن معاني أفعل بلوغ زمان: كأمسينا وأصبحنا، أي بلغنا المساء والصباح، ومر الكلام على ذلك، ومن معانيه بلوغ مكان: كأنجد وأيمن وأعرق وأشأم، أي بلغ نجداً واليمن والعراق والشام، ومر ذلك، ويعبر عن ذلك كله بالدخول، أي يفسر به، ومن معانيه القصد كأنجدت بمعنى قصدت نجداً. (1/153)
صفحة 154
ومن معاني أفعل: معنى ثلاثية المجرد، فيستعمل بمعنى الثلاثي المجرد من تلك الهمزة، فيتوافقان معنى مثل له الجار بردى بأقلت البيع بمعنى قلته، ومنه: أشغلته بمعنى شغلته، وأحزنه بمعنى حزنه، وأحبه بمعنى حبه، وأنعظ ذكره بمعنى نعظ، وأشكل الأمر بمعنى شكل أي التبس، وأذعن بمعنى ذعن أي انقاد، وأغدر بمعنى غدر أي أظلم، وأظلم بمعنى ظلم، وأشجن بمعنى شجن بكسر الثلاثيات، من أنعظ إلى هنا وأوحى بمعنى وحى، وأوعى بمعنى وعى، وأوكى القربة بمعنى وكأها، وأزرى بمعنى زرى، وأسرى بمعنى سرى، وأسقاه بمعنى سقاه، وأشجاه بمعنى شجاه، وأقرى الضيف بمعنى قراه، وأمنى بمعنى منى بالفتح عيناً والإعلال لاماً.
وأمضه الجرح بمعنى مضه بالفتح والتضعيف، وأصابه بمعنى صابه، وأرده بمعنى رده، وأنار بمعنى نار بالفتح والإعلال عيناً، والحد بمعنى لحد، وأسعر النار بمعنى سعرها بفتح الحلقي عيناً، وأثمر الشجر بمعنى ثمر وأجبر بمعنى جبر على الأمر، وأدبر بمعنى دبر، وأنظر غريمه بمعنى نظره، وأركسه بمعنى ركسه، وأغمض بمعنى غمض، وأخلف فم الصائم بمعنى خلف، وأشرقت الشمس بمعنى شرقت، وأبقلت الأرض بمعنى بقلت، وأنجمت السماء بمعنى نجمت، وأعتم قراه بمعنى عتم بالفتح وعدم الحلقي ومن ذلك:
(فأتبعه الشيطان) بالتخفيف بمعنى تبعه، وهو أولى من كونه بمعنى استتبعه كذا ظهر لي.
ثم رأيت الكشاف جارياً عليه، فالحمد لله، وكذا: (فأتبعه شهاب ثاقب).
ومن معاني أفعل الإغناء عن الثلاثي: فلا يكون له ثلاثي أصلاً، أو يكون له نادراً، ومعنى الاستثناء عنه إذا لم يكن قطعاً عدم الإتيان به رأساً، ومعناه إذا كان له نادراً ترك استعماله مع وجوده: كأذنب أي أثم، فإنه لا ثلاثي له، وكذا أعنق وأرقل بمعنى أسرع وأقسم أي حلف، وأفلح فاز، وألفى أي وجد، وأما أقل بمعنى حمل، وأناب بمعنى رجع، فقد قيل فيهما قل وناب بالمعنين. (1/154)
صفحة 155
ومن معاني أفعل: مطاوعة استفعل، كاستفتيته فأفتى، ومنها مضادة فعل كأنشدت بمعنى عرفت، ونشدت بمعنى طلبت، وأنشط العقدة حلها، ونشطها عقدها، وأخفى ستر، وخفى أظهر كذا، قيل: وفيه نظر إذ يحتمل التعريض كأنشدت الضالة عرضتها الناشد أو السلب أي أزلت نشداته، وكذا في أنشطت أي أزلت الأنشوطة، وأخفى عرض للحفاء أو جعله في مكان خفي.
ومن معاني أفعل: الهجوم ذكره سيبويه قال: يقال: طلعت الشمس بدت، وأطلعت هجمت، وأشرقت بدت، وأشرقت هجمت بالشروق، وأضاءت، وقيل: إن أشرقت وشرقت للفرق، قال صاحب التحقيق: وهو أصوب.
ومن معاني أفعل مطلوعة فعل بالتشديد: كفطرته فأفطر، وبشرته فأبشر، قال سيبويه: وهذا النحو قليل، ويقال أيضاً: أفطره بالهمزة متعدياً.
ومن معاني أفعل الدعاء كأسقيته دعوت له بالسقي، قال ذو الرمة:
وقفت على ربع لمية ناقتي
فما زلت أبكى حوله وأخاطبه
وأسقيت حتى كاد مما أبثه
تكلمني أحجاره وملاعبه
وناقتي مفعول وقفت، لأن يتعدى ويلزم.
قال الرضى: والأكثر في باب الدعاء فعل أي الثلاثي كجدعه وعفره أي قال جدعه الله وعفره.
ومن معانيه التكثير، قال سيبويه: قالوا: غلقت الباب، وغلقت الأبواب حين كثروا العمل يعني بالتشديد والتخفيف قال: وأن قلت: أغلقت الأبواب كان عربياً جيداً قال الفرزدق:
ما زلت أعلق أبواباً وأفتحها
حتى أتيت أبا عمر بن عمار
قال صاحب التحقيق: شرك أفعل أي بالهمزة في هذا فعل أي بالتشديد كما شركه في التعدية، قال سيبويه: ومثل: فرحت وأفرحت نزلت وأنزلت، قال الله عزّ وجلّ: (لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية) وقال أيضاً: زعموا أنه في قراءة ابن مسعود: (وأنزل الملائكة تنزيلا) لأن معنى أنزل ونزل واحد، وهذا صريح أن أنزل ونزّل للتعدية، ومثله عن أبي علي، وذكر سيبويه عن أبي عمرو أنه فرق بينهما فقال: ومثل غلقت وأغلقت أجودت وجودت وأشباهه، وكان أبو عمرو أيضاً يفرق بين أنزلت ونزلت أ. هـ. (1/155)
صفحة 156
ويرد على أبي عمرو (ولولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) إذ لا تكثير هنالك إنما هي مرة، وكذا (لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية) فإنهم قرءوه بالتشديد إلاَّ ابن كثير إلاَّ أن يقال: المحل التكثير، وآية في موضع آيات، لأن السياق في مكان الرد على الكفار، والإعلام بأن الله على كل شيء قدير، وزيادة التشريف والاعتناء بالنبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ غيظاً لهم، وغماً، ومما يرد عليه قوله تعالى: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) وقوله تعالى: (ما نزل الله من شيء) إذ هي سالبة كلية فهي للسلب عن كل فرد فرد.
ولو قيل: إن من معاني أفعل التعظيم، ويستدل بالآية لكان وجهاً لأن معاني أبنية الأفعال أمر استقراره أئمة اللغة، قال أبو علي: وقد عمل في هذا الفن أهل اللغة كتباً.
ومن معاني أفعل المجئ بالشيء: كأكثر أتى بكثير، وأقل أتى بقليل، وأعرب أتى بولد عربي اللون، وأكرم أتى بولد كريم أو بولدين أو بأولاد، وعبر عنه بعض بإتيان الفاعل بالموصوف بالأصل.
ومن معاني أفعل إتيان الفاعل الشيء كأخس أي أتى شيئاً خسيساً.
ومن معانيه التسمية: كأكفره سماه كافراً، وأثبته ابن عصفور.
قيل: ومن معانيه الغفلة: كأغفلته وصلت غفلتي إليه، والوجود كأبصره دله على وجود البصر، تقول: أبصرت الأعمى بمعنى قلت: إن للناس أبصاراً يرون بها ما تفعل، والاستحقاق كأحصد الزرع، ولجعل المفعول (متمكناً) من معنى المصدر كأحفرته البئر أي أمكنته من حفرها، ولحمله على الأصل كأكذبته أي حملته على الكذب.
قال السعد: وللزيادة في المعنى، قال اللقاني: أي المعنى المدلول عليه بالفعل الأصلي بناء على أن الزيادة في الحروف تتبعها الزيادة في المعنى غالباً أ. هـ. (1/156)
صفحة 157
ويحتمله اتبعه الشيطان و (أتبعه شهاب ثاقب) أي تبعه تبعاً عظيماً قال ابن قاسم: وقد يمنع كونه مثلياً على ذلك لجواز وضع الهمزة في هذا الباب لزيادة المعنى، وإن لم تغلب تبعية زيادة الحروف زيادة المعنى نحو: شعلت الفضاء وأشغلته، أي ملأته فالامتلاء المدلول عليه بالثلاثي دون المدلول عليه بالرباعي، قال بعض: يجوز أن يكون النقل فيه إلى أفعل لمجرد توسع البناء لا لزيادة المعنى، قيل: ويجيء لنفي الغريزة كأسرع وأبطأ أي أزال البطء وأزال السرعة.
قال الغزى: وليست هذه المعاني تفاد بهذه البنية اطراداً وقياساً بل سماعاً، وكذا زيادة تلك الهمزة، وكذا سائر الأبنية الآنية.
(م13 ـ لامية الأفعال جـ2)
قال: وقد يجئ أفعل لغير المعاني ولا ضابط له كأبصره أي رآه، وأوغرت إليه تقدمت والله أعلم.
تتميمات:
الأول: ألغز بعض بناء على أن نحو: أقشع مطاوع نحو: قشع، وأكب مطاوع كب، فيتعدى مع التجريد من الهمزة، ويلزم معها قال:
يا عالم النحو أي فعل
إن حله الهمز لم يعده (1/157)
صفحة 158
ثم هو بالعكس أن يفسر منه، فأبن يا نسيج وحده آخره الشطر الأول من البيت الأول لام فعل، وآخر الشطر الثاني من البيت الأول هاء لم يعده، وآخر الشطر الأول من البيت الثاني نون منه، وآخر الثاني منه هاء وحده، وهاء يعده، وهاء وحده، ساكنتان وهاء هو ساكنة، وإبن بكسر الباء بعد همزة مفتوحة، وبسكون النون أمر من الإبانة، ونسيج مضاف اوحْد على القلة والندور، والبيتان من البسيط المجزوء عروضاً وضرباً أي المحذوف منه فاعلن الآخر في الشطر الأول والثاني، فيبقى كل شطر على: مستفعلن فاعلن مستفعلن ثلاثة أجزاء، وهو ايضاً مقطوع الضرب والعروض، أي محذوف من آخر ما بقي من الشطر الأول آخر الواد المجموع، وسكن ما قبله، وكذا من الشطر الآخر وذلك أن الباء الثانية من قوله: أي فعل أول سبب خفيف من الجزء حذف ثانيه الساكن، أي لم يؤت به، وذلك خبن والفاء والعين سبب خفيف، واللام أول الوتد، والتنوين وسطه أصله التحريك، وجئ به ساكن ولم يؤت بآخره والمجموع عروض، وياء يعده أول السبب الخفيف من الجزء حذف آخره الساكن أي لم يؤت به، وذلك خبن، والعين والدال الساكنة المدغمة سبب خفيف، والدال أول الوتد المجموع، والهاء وسطه، وأصله التحريك، وجئ به ساكناً، ولم يؤت بآخره والمجموع ضرب. (1/158)
صفحة 159
فذلك عروض وضرب مجزوان مقطوعان مخبونان، وياء يعر وعينه سبب خفيف وراءه أول سبب خفيف لم يؤت بثانيه، وثانيه هو رابع الجزء، فذلك طى أي حذف الحرف الساكن الرابع في الجزء، والميم أول الوتد المجموع، والنون وسطه وأصله التحريك، وأتى به ساكناً ولم يؤت بآخره، والمجموع عروض مقطوعة مجزوة مطوية غير مخبونة، وجيم نسيج أول السببالخفيف لم يؤت بثانيه وثانيه حرف ثان في الجزء، فعدم الإتيان به خبن، والواو والحاء سبب خفيف، والدال أول الوتد المجموع، والهاء وسطه، وأصله أعني أصل وسطه التحريك، وأتى به ساكناً ولم يؤت بآخره، والمجموع ضرب مخبون مقطوع مجزو، وبطل قول أبي يحيى أن العروض مخبونة في البيتين، فإن العروض التي قوله يُعرض من غير مخبونة.
الثاني: أن أمر الثلاثي المجرد، ومضارعه كاقتل واضرب، ويقتل ويضرب من القسم الذي أصوله ثلاثة، والزائد حرف واحد، ومضارع فاعل كيقاتل من القسم الذي أصوله ثلاثة، والزائد حرفان، وقس على ذلك، ولكن عادة الصراف أنهم يعتبرون في معرفة المجرد والمزيد الماضي الذي للواحد الغائب المذكر.
الثالث: شرط زيادة همزة القطع، وهمزة الوصل أن يتأخر عنهما ثلاثة أصول، وأن تتصدر كأعلم، وأفضل وأفكل، فإن تأخر عنهما أكثر من ثلاثة أصول لم تكن زائدة كإصطبل، وكذا إن تأخر عنها أصلان فقط نحو: أكل وكذا إن لم تتصدر همزة القطع نحو: كنأبيل بضم الكاف وفتح النون، وسكون الهمزة، وكسر الباء الموحدة بعدها مثناة تحتية ولا تكون همزة الوصل إلاَّ متصدرة، فمعنى اشتراط التصدير لها الإخبار بأنها لا تزاد إلاَّ أولاً وهي دائماً زائدة.
الوزن الثاني: فعل بفتح العين مشددة: بزيادة احدى العينين على الخلاف السابق في قوله: باب أبنية الفعل المجرد وتصاريفه قيل الزائد العين الأولى لسكونها، وقيل الثانية لحصول التكرير بها، ولأنها قريبة من الآخر، وقيل: بجواز الوجهين. (1/159)
صفحة 160
قال الصبان: وهذا خلاف فيما قيل في الزائد من كل مكرر، وهو من مزيد الثلاثي على وزن الرباعي، وليس ملحقاً به، بل مماثلاً له.
قلت: بل الخلاف في كل مشدد سواء كان رباعياً أم أكثر إلاَّ ما كان للإلحاق، ومثل له الناظم بولي بتشديد اللام، وبدون ألف بين الواو واللام، وأصله ولي بتشديد اللام وبياء مفتوحة تحركت، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً بعد سلب فتحها والزائد إحدى اللامين على الخلاف، وذلك التشديد يكون في كل حرف إلاَّ الألف، فلا تشدد لأنها لا تحرك فلا تدغم فيها ألف ولا الهمزة، فإنها لا تشدد ولا تضعف، لئلا يؤدي إلى إدغام الهمزة، والإدغام فيها قيل وإلاَّ غيرها من حروف الحلق كذا في التسهيل وشرحه، والحق جوازه في غير الألف والهمزة، بل الهمزة تشدد لكنه يصعب: كسأله أي حمله على السؤال، ويسأل صفة مبالغة.
وولى في البيت يحتمل أن يكون للتعدية أي جعله تالياً لغيره، أو للتصيير أي جعل والياء كأمرّه جعله أميراً أو لموافقة الثلاثي من المعنى الأول، و لموافقة تفعل ومعناه أدبر، وأصل وضع فعل بالتشديد للتكثير، وأكثر وروده واستعماله للتعدية، فله معان منها التعدية كفرحت زيداً وخوفته عمراً وكرمته وعلمته،وأدبت الصبي، وزكيت الشهادة (قد أفلح من زكاها) وسيرت الدابة هو الذي يسيركم.
وقال الطبلاوي: عن ابن قاسم في تمثيل السعد بفرحته أي صيرته فرحاً أن أريد بالتعدية الإيصال إلى المفعول، فالمراد أن المقصود الأظهر، ذلك وإلاَّ فيمكن أن يجعل فرحته للنسبة، أن المقصود الأظهر في نحو: فسقته النسبة كما مثل به السعد للنسبة، وإلاَّ ففيه التعدية أيضاً، وإن أريد بها التصيير فكذلك، وحينئذ المراد بالتصيير في فسقته التصيير نسبة، أو أنه حمله على الفسق أ. هـ.
وزعم أبو على الفارسي أن التضعيف في سير للمبالغة لا للتعدية لأن سار متعد بنفسه قالوا: سرت زيداً، قال الشار:
*فأول راض سنة من يسيرها* (1/160)
صفحة 161
قال ابن هشام: وفيه نظر، لأن سرته قليل، وسيرته كثير بل قيل: إنه لا يجوز سرته وأنه في البيت على إسقاط الباء توسعاً أ. هـ.
قلت: أو على إسقاط في أو مفعول مطلق لأن السنة بمعنى السيرة، والتعدية بالتضعيف في فعل كالتعدية بالهمزة في أفعل نحو: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه) (وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس).
وقال الزمخشري والسهيلي: إن بين التعديتين فرقاً التضعيف يقتضي التكرار، التمهل بخلاف الهمزة، ولذلك قال: (نزل عليك الكتاب) بالتضعيف لأن القرآن نزل منجماً وقال: (وأنزل التوراة والإنجيل) بالهمزة لأن التوراة والإنجيل نزلاً جملة، وقال: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) وقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) لأن القرآن جملة في رمضان في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.
وأما قول القفال: المعنى الذي في شأنه أو في وجوب صومه القرآن فتكلف بدون داع، يرد عليهما وعلى من قال بقولهما: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) فقرن نزل المضعف بقوله: (جملة واحدة) المنافي للتمهل والتكرار، وقد نزل عليكم في الكتاب بالتضعيف مع أن المراد بالمنزل آية واحدة هي: (وإذا رأيت الذين يخوضون) الآية، وكذا في (لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية). (1/161)
صفحة 162
ويجاب أنهما قالا ما ذكر حيث لا قرينة، وجملة واحدة، وآية واحدة قرينة على عدم التمهل والتكرار، وقد صرح الزمخشري بنفسه في هذا قوله تعالى: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) بأن نزل هاهنا بمعنى أنزل لا غير كخبر وأخبر وإلا كان متدافعا أي لأن نزل لو أبقى على التمهل والتكرار نافي جملة واحدة، وصرح في (كهعيص) في (ما تنزل إلا بأمر ربك) بأن التنزيل على معنينالنزول على على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق وقال فيه نزل يكون بمعنى أنزل وبمعنى التدريج والنقل بالتضعيف سماعي في القاصر كفرحته والمتعدي لواحد كفهمته المسألة، ولم يسمع في المتعدي لا ثنين، ولا يقاس وهو ظاهر شيبويه.
قال في المعنى: وزعم الحريري أنه يجوز عي علم المتعدية إلة اثنين أن تنقل بالتضعيف إلى ثلاثة، ولا يشهد له سماع ولا قيلس، وقيل قياس في القاصر المتعدي إلى واحد، ومن معاني فعل بالتضعيف التكثير نحو: (ومزقناهم) ، (وقطعناهم) ، (وقطعت البواب) زفتحت أبوابها كذا قال الشراح.
قلت: التكثير إما في الفعل بأن يفيد أن الفعل كثير في نفسه من قطع النظر عن كثرة الفاعل وقلته: كجولت وطرفت أي أكثرت الجولان والطواف، وإما في الفاعل بأن يفيد أن الفاعل من حيث تعلق الفعل به كثير في نفسه، ويلزمه كثرة الفعل المتعلق كموتت الإبل أي كثر موتها، وإما في مفعول بإن يفيد أن الفعل الذي وقع عليه الفعل كثير في نفسه، ويلزمه كثرة الفعل الواقع لا كثرة الفاعل نحو: (غلقت الأبواب).
وأما مزقناهم وقطعناهم فالأظهر أنهما من الأول، ولو احتمل الثالث، وأما موتت الشاة بالرف فليس من تكثير الفعل، ولا من تكثير المفعول لأنه لا مفعول، وأما غلق زيد الباب، وقطع الثوب فمن الأول لا من غيره، لأن الثوب واحد، والباب واحد، والمقطع بكسر الطاء واحد، كما يدل له ما في شرح المفصل، وبينه الجاربردي، ولخصله شيخ الإسلام.
قلت إن قال: الباب والثوب إن خففت على الأصل إلا أن يكون التكثير في الفعل ولا عكس. (1/162)
صفحة 163
قلت: ولعل مراد شيخ الإسلام بقوله على الأصح الاختراز عن القول بجواز التشديد في المبالغة في الفعل الواحد نحو: قطع زيد الثوب إذا قطعه في موضع واحد قطعا فاحشا.
قال صاحب التحقيق: ومن التكثير: (وفتحت أبوابها) (وفجرنا الأرض عيوناً) قلت: هما مثل مزقناهم وقطعناهم، ولا حاجة هنا إلى ذكره أن عيوناً بدل من الأرض على حد ابدال الأبواب من مفتحة في (مفتحة لهم الأبواب) لا تمييز على الصحيح، من حيث كون التمييز في الفاعل لا في المفعول، وأن مثل: (أحصى كل شيء عدداً) فعدداً بدل من كل يعني بدل اشتمال، أي عدده، وكذا الأولى إن أريد بالعين الماء، وبدل بعض إن أريد موضعه، وأن من قال: التمييز يكون بالمفعول جعل منه (أحصى لما لبثوا أمداً) فأحصى عنده أفعل من، يعني اسم تفضيل لأفعل، وجعله الفارسي فعلاً، وأمداً مفعوله مانعاً للتمييز بالمفعول.
وأقول: في ذلك مبحث ذكرته في النحو، وذكر بعضه في المغني في الباب الخامس، وذلك استطراد كما في قوله: وإما فرق بين الفاعل والمفعول لتعذر في الفاعل، وإمكانها في المفعول، فلا يعدل عنها، وقيل: إن الأصل في هذا النوع من التمييز أنه خارج من باب الصفة المشبهة، ولا ينتصب فيه إلاَّ الفاعل.
ومن معاني فعل بالتضعيف: السلب كقردت البعير وحلمته، وقذيت عينه، وجلدت الشاة، أي أزلت عنه القراد والحلم، وأزلت القذى عن عينه، وأزلت الجلد عن الشاة.
ومن معانيه التوجه: كشرق وغرب وكوف وغور، أي توجه إلى الشرق والغرب والكوفة والغور، ولجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه: كأمرته وعدلته ووليته، أي جعلته أميراً وعدلاً ووالياً، وذلك أولى من تعبير فتح الأقفال بالتصيير، وجعل من أمثلته فسقته أي جعلته فاسقاً وهو: باطل. (1/163)
صفحة 164
قال الجار بردى: وليس المعنى صيرته فاسقاً، وقال شيخ الإسلام: لا يكون بمعنى صيرته فاسقاً إلاَّ بتجوز إلاَّ أن أجيب بأن المراد بالجعل والتصيير ما يشمل الجعل بالقول، أي قلت له: يا فاسق ونسبته إلى الفسق كما مرَّ، والجعل بالاعتقاد أي اعتقدته فاسقاً، والجعل بالفعل، ولا يجاب بالتجوز المذكور، لأن الكلام في التحقق لها في التجوز.
ومن معاني فعل بالتضعيف: النسبة أي نسبت المفعول إلى أصل الفعل نحو: فسقته أي نسبته إلى الفسق، صرح به السعد، وكذا الجار بردى قال: معناه قلت له: يا فاسق، أو نسبته إلى الفسق، وجعله اللقاني للتعدية جوازاً، قال: أي جعلته فاسقاً، والجعل إما بالقول، وإما الاعتقاد، وإما بالفعل، وكذا جعله ابن الحاجب في الشافية، قال: ومنه فسقته.
قال الجار بردى: إنما فصله لأنه مخالف لفرحته في أنه لم يصيره فاعلاً للفعل المشتق هو منه، وإنما جعله منسوباً إليه، وعبر الناظم في التسهيل عن الجعل والنسبة، بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه.
قال بعض: ومن معاني فعل بالتضعيف: التسمية كفسقه سماه فاسقاً أ. هـ.
ومن معانيه: الصيرورة كعجزت المرأة صارت عجوزاً، ومن معانيه معنى تفعل مع الاغناء عن تفعل كعجزت المرأة أي تعجزت، ومن دخل ظفار حمر أي تكلم بالحميرية، وجربت الشيء إذ لم يسمع تفعل من ذلك بتلك المعاني، أو مع عدم الاغناء: كفكرت وتفكرت، وبين الشيء وتبينه، ومعنى عجزت بهذا المعنى ادعت العجز أو العجوزية، أو فعلت فعل ذلك أو تشبهت بذلك.
ومن معاني فعل بالتضعيف: اختصار الحكاية فيصاغ من مركب: كسوف أي قال: سوف، وهلل إذا قال: لا إله إلاَّ الله، وأمن إذا قال: آمين، وأيه إذا قال: إيه يا رجل أو أيها الرجل، وكبر إذا كن بمعنى قال: الله أكبر، وسبح إذا كان بمعنى قال: سبحان الله، وحمّد إذا كان بمعنى قال: الحمد لله. (1/164)
صفحة 165
ومن معاني فعل بالتضعيف: موافقة معنى الثلاثي المجرد نحو: (فقدرنا فنعم القادرون) في قراءة التشديد، وشمر ذيله بالتشديد بمعنى شمر بعدم التشديد، وكذا صفق وخمنه وقطب وجهه وأبرَّ النخل وتبرَّ وفتَّش بالتشديد في معنى عدم التشديد.
ومن معانيه الاغناء عن المجرد كذكيت الشاة إذ لم يسمع مخففاً، وعَّرد ترك القتال جنباً، وعيرت الرجل وعولت على الصبر، ومن معانيه: القيام على الشيء كمرضه قام عليه في مرضه، ومن معانيه ضد معنى المجرد كنمى الحديث بالتخفيف نقله على جهة الفساد، وفصله نقله على جهة الصلاح مشدداً معتلاً بألف أصلية، والزائد أحد الميمين، ومن معانيه الدعاء بالخير أو بالشر: كبركته أي دعوت له بالبركة، وخدعته أي دعوت عليه بالخدع.
ومن معانيه: الرمي بالشيء: كشجعته أي رميته بالشجاعة، ومن معانيه المتمهل والتكرر: كنزل على ما مرَّ، ومن معانيه الحينونة كظهر الوقت أي حان وقت الظهر، والحمل كحل الكتاب إذا حمله على الحفظ.
تتمة: إنما تكون زيادة اللام قليلة في غير التضعيف نحو: طيسل بدليل سقوطها في طيس وهو العدد الكثير، أو كل ما على وجه الأرض من التراب، أو هو خلق كثير كالذباب والنمل والهوام، وسها الناظم في التمثيل لها في الخلاصة بلام البعد، لأنها كلمة برأسها لا جزء من الكلمة، ولا كالجزء على حد ما مرَّ في الهاء السكتية، وجواب شيخ الإسلام فيهما بأنه لا يسلم أن كلامهم مختص بزيادة ما هو جزء من غيره باطل، لأنه قطعاً مختص بهما، كما لا يخفى وأما زيادتها في التضعيف فغير قليلة نحو: قلل وعلل وعلق وملق. (1/165)
صفحة 166
الوزن الثالث: فاعل بزيادة ألف بين الفاء والعين، مع فتح العين، وهو ثلاثي مزيد فيه مماثل للرباعي، غير ملحق به، ومثل له بوالي بألف بين الواو واللام، وأصله وإلى بفتح الياء، أبدلت ألفاً بعد حذف فتحها لتحركها بعد فتحة، وهو من الموالاة ضد العداوة، أو بمعنى تابع بفتح الباء أي جعله تالياً لكذا، فهو على الأول للاشتراك في الفاعلية والمفعولية، وعلى الثاني للتعدية.
وكأن اقتصار أبي يحيى على الثاني اختيار له، وأصل وضع هذا الوزن لاقتسام الفاعلية والمفعولية لفظاً، والاشتراك فيهما معنى، وهو أيضاً أشهر معانيه نحو: جاوز زيد عمراً (وآزره فاستغلظ) بهمزة فألف من المؤازرة أي المعاونة، بناء على أصالة الهمزة وزيادة الألف، وأما إن عكس الأمر فوزنه أفعل كأعلم، فيجمع معنى القراءة المذكور، ومعنى قراءة آزر بهمزة قراء مشددة أي قواه، وضارب زيد عمراً بفتح راء ضارب وبائه، فإن زيداً وعمراً قد اقتسما الفاعلية والمفعولية لفظاً، فصار أحدهما فاعلاً، ولآخر مفعولاً، وليس أحدهما أولى من الآخر فيهما، فأيا منهما جعلت فاعلاً، والآخر مفعولاً جاز، واشتركا في الفاعلية والمفعولية معنى، فإن كلا منهما ضارب للآخر، ومضروب له، ولهذا جوز الناظم اتباع المرفوع في ذلك بمنصوب، والمنصوب بمرفوع، وخالف في ذلك مذهب البصريين والكوفيين.
واستدل بقول الحجاج:
قد سالم الحيات منه القدما
الأفعوان والشجاع الشجعما
بنصب الأفعوان بدلاً من الحيات، وهو مرفوع فاعل سالم، ونصب الشجاع المعطوف عليه، والقدم مفعول به مفرد، وألفه للأشباع، أو تثنيته على لغة قصر المثنى، حذفت نونه للضرورة، وروى بنصب الحيات فقيل: من باب اعطاء الفاعل إعراب المفعول به، والقدم مفعول به، وقيل: الحيات مفعول به، والقدما فاعل وهو مثنى حذفت نون للضرورة. (1/166)
صفحة 167
قال الطبلاوي: فاعل لنسبة أصله وهو مصدر فعله الثلاثي إلى أحد الأمرين متعلقاً بالآخر صريحاً ويجئ عكس ذلك ضمناً وهو نسبته إلى الأمر الآخر متعلقاً بالأول، كما إذا قلت: ضارب زيد عمراً، فإنه يدل صريحاً على نسبة الضرب إلى زيد متعلقاً بعمرو، وضمناً على نسبة الضرب إلى عمرو متعلقاً بزيد، ولأجل تعلقه بالأمر الآخر كان اللازم إذا نقل إلى فاعل متعدياً نحو: كارمته فإن أصله لازم، وقد تعدى هاهنا.
والمتعدي إلى واحد إن لم يصلح مفعوله لأن يكون مشاركاً للفاعل في المفاعلة، بل يكون مغايراً للفاعل، وهو المشارك يكون متعدياً إلى مفعولين نحو: جاذبته الثوب، فإن مفعول جذب وهو الثوب مثلاً لما لم يصلح أن يكون مشاركاً للفاعل في المجاذبة اجتيج إلى مفعول آخر يكون مشاركاً له فيها فتعدى إلى اثنين، وأما إن صلح مفعوله للمشاركة فلا يتعدى إلى اثنين بل يكتفي بمفعوله كما في شاتمت زيداً، ويشير إلى ما ذكر قول السعد وهو أي فاعل تأسيسه أي أصل وضعه على أن يكون من اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بصاحبه ما فعل الآخر به، والبادي هو المرفوع، قيل: والحق أنه المنصوب وسيأتي إن شاء الله.
قال الطبلاوي: وقد تفرق بين فاعل أي بفتح العين، وتفاعل من حيث المعنى بأن البادي في فاعل معلوم دون تفاعل، يعني معلوم من العبارة وهو المرفوع كما رأيت، أو المنصوب ولذلك يقال أضارب زيد عمراً، أم ضارب عمرو زيداً، ولا يقال ذلك في تضارب هذا، ومثل ابن الحاجب في الشافية بشاركته.
ويبحث فيه بأن الاشتراك ليس مستفاداً من هيئة شارك، بل من المادة وهي الشين والراء والكاف، ولا يجوز أن يراد الاشتراك في الشركة، لأنه تحصيل الحاصل، فشارك لموافقة المجرد الثلاثي. (1/167)
صفحة 168
ويجاب: بأن شرك الثلاثي وهو المادة الأصلية إنما يدل على أن أحدهما بحسب النطق شريك، وأما دلالته على الآخر فبالالتزام، وبمنع لزوم تحصيله الحاصل، لأن المستفاد من شرك معنى لا يتصور إلاَّ بين اثنين، إذ هو مفهومه، وأما تثبيته إلى الأول وتعلقه بالثاني صريحاً وبالعكس ضمناً فإنما هو مستفاد من صيغة الفاعل، إذا بنيت منه، ويأتي ذلك في تمثيل صاحب التحقيق: بقاسمت شريكي، وتمثيل بعضهم: بخاصمته.
ومن معاني فاعل بفتح العين معنى ثلاثيه المجرد: كجاوزت الشيء بمعنى جزته، ورافعت الحجر بمعنى رفعته، وسافرت بمعنى سفرت، وهاجرته بمعنى هجرته، فهو نسبة الفعل إلى الفاعل لا غير، وإنما عدل في ذلك إلى صيغة فاعل، لأن الزنة في الأصل للمبالغة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب، ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
قال صاحب التحقيق: قيل ومنه: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلاَّ أنفسهم).
قلت: وجهه أن الله لا يخدع خلقه، والمؤمن لا يخدع غيره، والخادع إنما هو الكافر فقط، فليس يخادع للمفاعلة أما خدعهم الله فمبني على زعمهم أنه يمكن خدعه بأن يخفى عنه شيء يخدع به وحاشاه، وأما خدعهم المؤمنين فممكن قطعاً، ولك أن تجعله للمفاعلة أما خدعهم الله والمؤمنين فعلى ما ذكر، أو على مشابهة صورة صنعهم مع الله والمؤمنين، حيث تظاهروا بالإيمان صورة صنع الخادع.
وأما مخادعة الله والمؤمنين لهم فلأن صورة صنعه معهم من اجراء أحكام المسلمين عليهم، وهو عالم بكفرهم تشبه صورة الخادع، وكذا صورة صنع المؤمنين معهم، حيث أجروا أحكام المسلمين عليهم لجهلهم حالهم، ولك أن تجعله من باب المجاز الاسنادي، أو المجاز بالحذف، بأن يكون المراد يخادعون رسول الله وهو الخليفة في الأرض، والناطق عن الله، ومخادعة المؤمنين، ورسول الله مع الكفار على ما سبق. (1/168)
صفحة 169
ولك أن تقول: أراد يخادعون الذين آمنوا بالله، كما تقول: أعجبني زيد وكرمه، أي أعجبني كرمه، وقد مثل ابن الحاجب في الشافية: سافر، ونص في شرحه على المفصل أنه لا ثلاثي له، واستدرك عليه الجار بردي في شرح الشافية أن الجوهري أثبت له ثلاثياً قال: سفرت أسفر سفوراً إذا خرجت للسفر، ورد على الجار بردي والجوهري بعض ... من حشى على الجار بردي بقول القاموس: إنه لا فعل لسافر بكسر الفاء، وبأن عدم استعمال المجرد لا يمنع التمثيل بسافر لفاعل بمعنى فاعل كما فعل المصنف، يعني ابن الحاجب، نعم الأحسن التمثيل بدافع، وجاوز وواعد ونحوها.
ويجاب: بأن الجوهري مثبت والقاموسي ناف، والمثبت يقدم على النافي كما تقرر في الأصول، ولكن يبحث في ذلك بما قاله الناصر اللقاني في إثبات معنى فعل لفاعل بالمثالين، سافر ودافع الله الناس نظر، لأن الدفع من الله على يد بعض الناس وعادته جارية بمقالته بدفع أيضاً من المدفوع، وإن كان دون الدفع الأول، فلم يخرج عن معناه الأصلي، وسافر يمكن أن يكون من السفور بمعنى الظهور، كما صرح به في الصحاح، بأن ذلك مصدره، ولا يضر تصريحه فيه بقوله إذا خرجت للسفر، إذ يقال ذلك أي لغة في الظهور حيث كان.
قال الطبلاوي: وإيضاح نظره في دافع أنه لما استدل على استعمال دافع في معنى بقوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) ولولا دفاع الله الناس كما قرئ يدفع ودفع أشكل الاستدلال، بأن الدفع عن الذين آمنوا قد يكون بواسطة بعض الناس، كما يكون بلا واسطة، وعلى التقدير الأول يكون يدافع ودفاع على بابه، إذ العادة جارية بمقابلة الدفع أيضاً بدفع من المدفوع، وإن كان دون الدفع الأول، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. (1/169)
صفحة 170
قال البخارى: ولك أن تقول في الجواب: إنه قد علم بما تقرر أن الدفع من الله تعالى لا ينحصر في الدفع بواسطة من الناس ونحوهم، ممن يتصور معه دفع من المدفوع، بل يعمه ويعم الدفع أيضاً بلا واسطة، كذلك بأن لا يكون هناك واسطة أصلاً، أو واسطة لا يتصور معها دفع من المدفوع كما في إرسال الريح والجنود على الأحزاب، المنتفى دفعهما من الأحزاب بكل وجه، وإذا عم الدفع الشيئين صح الاستدلال به على أحد التقديرين وهو الدفع بلا واسطة، فتأمل.
ومما جاء فيه فاعل بمعنى الثلاثي: باعد بمعنى بعدُ، ومن معاني فاعل بفتح العين التعدية كأفعل بدون الإغناء عنه نحو: باعدته وأبعدته، وعاليت رحلى على الناقة وأعليته، وعافاك الله وأعفاك، ويقال أيضاً عفاك ثلاثياً تعدى بعد لزومه، لأنه بمعنى أعفى، وقد لزم في عفا الله عنك، وفاعل هذا يتعدى بألفه، فإن بعد لازم، فلما زيدت الألف بعد الباء تعدى.
قال في المعنى: والثاني أي من الأمور التي يتعدى بها الفعل القاصر ألف المفاعلة، تقول في جلس زيد، ومشى وسار: جالست زيداً وماشيته، وسايرته، وأما قول الأشموني الثالث المفاعلة، فإما سهو لأن المعدى بكسر الدال ليس المفاعلة، بلأ ألفها، وإما أن يريد ألف المفاعلة أو دلالته، أي دلالة الفعل على المفاعلة، واشتقاقه من المفاعلة. (1/170)
صفحة 171
وقول الحفني أي المشتق من المفاعلة سهو عن كون المعدود في كلام الأشموني الأشياء التي يصير بها اللازم متعدياً لا الأفعال المتعدية، ومن معاني فاعل التكثير كفعل بالتشديد نحو: (باعد بين أسفارنا) وقرئ: (بعِّد) بالتشديد، ومثل السعد وأبو يحيى بضاعفته أي أكثرت من ضَعفه بفتح الضاد مصدراً، أي أكثرت من تكريره فهو للتكثير في الفعل مثل: ضعفته بالتشديد، فتكرير الشيء مرة واحدة لا يستعمل فيه ضعف مشدداً، لأنه لا يقال في المرة الواحدة: إنها تكثير في التكرير، لأن التكرير وقع مرة، بل يستعمل فيه ضعف غير مشدد أو أضعف، والمراد من التكثير غير التكثير من الكثرة المقابلة للوحدة، فإن الكلام في إفادة الصيغة التكثير صيغة فاعل، وصيغة فعَّل بالتشديد لا في إفادة المادة الشيء، والمستفاد من فاعل وفعل التكثير الأول من هيئتهما وصيغتهما، لا من مادتهما والمفاد بمادتهما التكثير الثاني.
ون معاني فاعل: معنى أفعل اللازم نحو: شارفت على البلد وأشرفت عليه، ومن معانيه: معنى الثلاثي المجرد مع الإغناء عنه: كبارك الله في أعمالنا، ومن معانيه: معنى أفعل مع الإغناء عنه: كواريت الشيء أي أخفيته، وقاسيته أي صبرت عليه، واجتهدت فيه، وآراه أي أراه غير ما يقصد، أي ما يقصد الذي أرى لغيره.
وقال أبو يحيى: وأريت وقاسيت للإغناء عن المجرد، ومن معانيه: إتيان الفاعل إلى مكان صلة نحو: يأمن أي آتى إلى اليمن، ومن معانيه: موافقة تفاعل كأسرع بمعنى تسارع. (1/171)
صفحة 172
تتمة: وقع في أكثر النسخ تقديم والي بالألف بعد الواو بوزن فاعل بفتح العين، على ولى بتشديد اللام وعدم الألف قبلها بوزن فعل بتشديد العين، وعليه أكثر الشراح، وتزاد الألف بشرط أن يصحبها أكثر من أصلين: ثانية: كضارب، وثالثة: كتضارب، ورابعة: كسلقى وإدراك، وخامسة: كتسلقى، وسادسة نحو: اسلنقى، وسابعة: في الأسماء بردرايا، ومثال ما مرّ في الأسماء ضارب بكسر الراء سما، وعماد وغضبى، وسلامى الشاهد في التي بعد الميم، وقبعثرى إلاَّ إذا صحبت أكثر من أصلين من مضاعف الرباعي، فإنها أصل نحو: ضوضى فإنها فيه بدل من أصل لا زائدة، وليست زائدة في نحو: قال وباع وغزا ورمى، لأنها لم تصحب أكثر من أصلين، ولا تزاد أولاً لأنها ساكنة.
(م14 ـ لامية الأفعال جـ2)
الوزن الرابع: استفعل وهو من مزيد الثلاثي الذي ليس مماثلا للرباعي، أي ليس على وزنه، وهو سداسي ثلاثة أحرف زوائد هي: الأول والثاني والثالث الهمزة، والسين والتاء، وثلاثة أصول: الفاء والعين واللام، وتلك الهمزة همزة وصل، ومثالهُ: استقام أصله استقوم بسكون القاف وفتح الواو، ونقلت فتحة الواو للقاف، وسكنت فقلبت ألفا، ومثله: استدعي أصله استدعي بياء مفتوحة، ولو كان أصله الواو من دعا يدعو تحركت الياء بعد فتحة، فقلبت ألفاً، ومن ذلك استحق أصله استحقق بسكون الحاء وفتح القاف الأول، نقلت فتحتها إلى الحاء فسكنت، فأدغمت في القاف بعدها.
ويكون لمعان منها: الطلب، وهو الأصل الأكثر الأشهر فيه قال السعدي: وهو لطلب الفعل أي الفعل اللغوي، وهو معنى المصدر الثلاثي هنا. (1/172)
صفحة 173
قال الجاردبردي: ومعناه نسبة الفعل إلى فاعله لإرادة تحصيل الفعل المشتق هو منه، وهكذا في شرح المفصل، والمراد بالفعل المضاف إليه تحصيل المصدر، والضمير في معناه للفعل للطلب، والمنفصل للفعل الأول المراد به الفعل الصناعي، وهاء منه للثاني المراد به المصدر، وفي التفسير(ح) نسخ والتقدير ومعناه إرادة تحصيل الفعل بالنسبة المذكورة كذا في حاشية بعض على الجاردبردي.
قال ابن قاسم: ولا يخفي المناسب أن يراد بالفعل الثاني الحدث الذي هو معنى المصدر، لأنه الذي يطلب، وحينئذ يشكل قوله المشتق هو منه، لأن الاشتقاق من اللفظ، إلا أن يراد المشتق هو من لفظه، فهو على حذف المضاف، وقوله: إلى فاعله أراد به مفعوله، لأن فاعله مفعول به.
قال الجار بردي: وذلك قد يكون صريحاً نحو: استكتبه أي طلبت من الكتابة، وقد يكون تقديراً نحو: استخرجت الوتد من الحائط، فليس هنا طلب صريح، بل المعنى لم أزل أتلطف وأتحيل حتى خرج، ونزل ذلك منزلة الطلب أ. هـ.
ومحل الأول العاقل لأنه إنما يطلب من العاقل، ومحل الثاني غير العاقل كذا قالوا.
قلت: قد يكون الثاني من العاقل، كقولك: استخرجت زيداً إذا فعلت له ما يتسبب في خروجه مثل الانقباض عنه، أو ضربه، وأمثال ذلك، وذلك الطلب التقديري مجاز، ومنه استعلفه الحمار، أي طلب منه العلف، أي فعل ما هو كالطلب كنهيقه له، إذ لا فرق في استحالة الطلب بين الطالب والمطلوب كما يأتي إن شاء الله.
ومنه: (استوقد ناراً) إذا كان بمعنى طلب الوقود من النار، أي احتال لها لتقد (واستهوته الشياطين) فإن الشياطين لم يطلبوا منه صراحاً أن يهوى، بل وسوسوا وخيلوا له حتى هوى، واستفزز من استطعت فإنه لا يطلب منهم الفز، بل يوسوس ويزين، فشبه وسواسه وتزيينه بمن يطلب الفز صراحاً، وليس من التقديري: فاستخف قومه، لأن المعنى طلب منهم الخفة فهو من الحقيقي فبطل قول فتح الأقفال أنه من التقديري. (1/173)
صفحة 174
قال صاحب التحقيق: وقد يكون الطلب مجازاً كاستعجل زيد إلى كذا أي طلب العجلة من نفسه إلى كذا، وما تقدم من أنه لطلب الفعل هو الغالب في الطالب، وقد يكون لطلب الذات نحو: استخيرتهم، واستحمرتهم أي طلبت خيرهم وأحمرهم، وليس منه استخف قومه، أي طلب الخفيف، لأن معنى الآية طلب منهم الخفة كما مرَّ لا طلب الخفيف، لأنه طلب الخفة منهم عموماً، فبطل ما يظهر من فتح الأقفال أن الآية منه، وبطل ما صرح به من أن المعنى طلب الخفيف.
ومن معاني استفعل: النسبة إلى شيء كاستحسنت زيداً، واستقبحت الظلم، وصوغ الفعل للطلب أو للنسبة المذكورة من أسباب تعديه كما صرح به في المعنى، وأشار إليه الأشموني بقوله: الرابع استفعل أي الرابع مما يتعدى به الفعل استفعل، أي صوغه استفعل، أو كونه عليه فينقل اللازم إلى التعدية لواحد كالأمثلة المذكورة، فالأصل مثلاً حسن زيد، فلما صيغ على استفعل تعدى
لواحد، وقد ينقل المتعدي لواحد إلى اثنين نحو: استكتبته الكتاب، واستغفرت الله الذنب أي طلبتهما الكتابة والغفران، الأصل كتب الكتاب وغفر الله الذنب، فنقلهما الصوغ على استفعل لاثنين، وقد لا ينقل إليهما مثلاً استغفرت الله من الذنب، واستغفرته الذنب، أو ذنباً بتقدير من ونحو: استفهمت الخبر أي طلبت فهمه، وكذلك التضعيف قد ينقل المتعدي كعلم، وقد لا ينقله ككسر.
وأما الهمزة فتنقله كلما دخلت، وأما رتج الباب وأرتجه أي أغلقه فلا يرد علينا توافقهما، لأن الهمزة ليست للنقل. (1/174)
صفحة 175
قال في المعنى: وإنما جاز استغفرت الله من الذنب لتضمنه معنى استنبت، ولو استعمل على أصله أي طلب الغفران لم يجز فيه ذلك قال: وهذا قول ابن الطراوة وابن عصفور، وأما قول أكثرهم: أن استغفر من باب اختار، أي في كيفية التعدي لا في الوزن، لأن استغفر استفعل واختار افتعل فمردود، أي بأن صوغ الفعل على استفعل للطلب مثلاً من أسباب تعديه لواحد إن تعدي لواحد، وجعل استغفر من باب اختار خروج عن هذا الأصل لأن باب اختار ما يتعدى للأول بنفسه، وللثاني بحرف جر دائماً حتى إنه لو تعدى إليه بنفسه فتوسع.
وصرح ابن الحاجب في أماليه، وصرح غيره أيضاً بأن استغفر يتعدى للثاني بنفسه تارة، وبالحرف تارة.
ومن معاني استفعل: الإصابة ويعبر عنها بإلقاء الشيء على معنى ما صيغ منه، ويوجد أنه كذلك، والمراد بالشيء المفعول، وبمعنى ما صيغ منه الصفة اللغوية التي هي معنى مصدره الثلاثي، كما أشار إليه قول السعد، ولإصابة الشيء على صفة نحو استعظمته أي وجدته عظيماً، ونحو: استجدته أصبته جيداً، واستصغرته أي وجدته صغيراً، واستوبأت الأرض وجدتها ذات وباء.
ومن معاني استفعل: عد الشيء متصفاً بمعنى ما صيغ منه، مع أنه غير متصف به كاستستمنت زيداً أي حسبته سميناً، وليس سميناً، واستعظمته واستحسنته أو استصغرته أي حسبته عظيماً وحسبته حسناً، أو حسبته صغيراً وهو بخلاف ذلك، ويجوز عندي ذلك مع كونه متصفاً به، ولكن هذا يغني عنه ما قبله.
ومن معاني استفعل: جعل مفعوله متصفاً بأصله كاستهامه أي جعله هائماً، ومن معانيه: موافقة أفعل كاستخلف لأهله، وأخلف لهم واستعجلته إذا أريد معنى أعجلته، لا معنى طلبت منه العجلة، واسثجاب أي أجاب، واستقر أي أقر، واستيقن أي أيقن، واستبان أي أبان، واستحصد الزرع بالرفع أي حصد، أي حان وقت حصاده، أما على معنى طلب الحصاد فمن الطلب المجازي. (1/175)
صفحة 176
ومن معانيه: الحينونة كاستحفر النهر أي حان له أن يحفر، ومن معاني استفعل: موافقة المجرد الثلاثي كاستغنى بمعنى غنى، واستهمزأ بمعنى هزأ يستهزئون الله يُستهزأ بهم، وجعل منه أبو يحيى استبان أي بان، واستيئس بمعنى يئس، ومثل سيبويه وأبو حيان في التذّييل والسعد باستقر بمعنى قر، ومثل سيبويه أيضاً باستعلا بمعنى علا، وقال أبو حيان في الإعراب: إن الموافقة للثلاثي إنما سمعت في المكسور العين ويرده قرَّ واستقر، وعلا واستعلا، فإن الثلاثي فيهما مفتوح العين.
قال أبو سعيد: هذه الموافقة للثلاثي مطلقاً تحفظ ولا تقاس، وقد قيل: إن حكام الباب كلها إلى السماع، وقال بعضهم: إن استقر للطلب المقدر لا الصريح، كأن فاعله يطلب القرار من نفسه، وإنما قال في نفسه لأن، قر لازم وضعفه السعد حيث حكاه بقيل بعد تمثيله به لموافقة المجرد الثلاثي.
قال اللقاني: ووجه تضعيفه أن استقر إسناده إلى ما يمتنع منه الطلب كاستقر الحجر، وهذا القول هو ما قرره الجار بردي في استخرجت الوتد من الحائط، وقد مرَّ إذ لا فرق في استحالة الطلب بين الطالب والمطلوب، ولهذا أسقطه من معاني استفعل أ. هـ.
قلت: الحق في وجه التضعيف اتحاد الطالب والمطلوب منه، مع أن قضية الطالب تغايرهما وزيادة امتناع تعلق الطلب حقيقة بهما، وإلا فمجرد صحة إسناده إلى ما يمتنع من الطلب لا يقتضي تضعيفه عند السعد، لأنه اراد بالطلب ما يشمل التقديري، وطلب ما يمتنع طلبه تقديري كما مرَّ غير مرة.
ومن معاني استفعل: الإغناء عن الثلاثي نحو: استبد واستأثر واستحيى إذ لم يسمع منهما ثلاثي، وكذا استعبر وجعل منه أبو حيان في الإعراب، وأبو يحيى وغيرهما استعان بمعنى حلق عانته، ومن معانيه: الإغناء عن فعل بالتشديد كاسترجع أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والأصل رجع بالتشديد ولم يسمع كما يقال: سبح أي قال سبحان الله، وأمَّن قال: آمين. (1/176)
صفحة 177
قال صاحب التحقيق: ومنه استعان حلق عانته، الأصل أن أن يقال فيه فعل بالشديد لأنه للسلب والطرح كقرد وحلم ونحوهما مما مر، وعليه أبو حيان في التذييل، ومن معانيه مطوعه أفعل كأراحه فاستراح، وأبنيه فاستبان، وأحكمه فاستحكم. ... ...
ومن معانيه موافقه تفعل: كاستكبر أى تكبر، واستمع أى تمنع واستعظم أى تعظم، واستير أى تسير فما استيسر من الهدى، واستبدل أى تبدل (أتستبدلون الذى هو أدنى) وقد يجعل هذا للطلب.
ومن معانيه: موافقه افتعل كاستعصم، أي اعتصم واستعذر أي اعتذر، واستراح أي ارتاح، واستراب أي ارتاب، ومن معانيه الاتخاذ: كاستعبد واستأثر، واستأخر كذا في التسهيل، ومن معانيه العمل المكرر في مهلة كاستدرجته، ومن معانيه التعدية كاستذله، ومن معانيه مطاوعة فعل بالتشديد كوسعته فاستوسع.
ومن معانيه: الاستسلام كاستقبل أي استسلم للقبل ذكره السعد في حاشية الكشاف، ومن معانيه التصيير والتحويل بالياء بعد الواو، وتمثيل بعضهم له باستحجر الطين بالرفع سهو لأنه بمعنى صار حجراً وتحول حجراً، لا بمعنى صيرته حجراً وحولته إلى الحجرية، بل المثال نحو: استحجرت الطين بالنصب، واستبوبت الأعواد أي صيرت الطين حجراً، والأعواد أبواباً.
ومن معانيه: الصيرورة والتحول بضم الواو كاستحجر الطين بالرفع، واستيست الشاة صارت تيساً، واستنوق الجمل أي صار ناقة، والمقصود في ذلك كله الصيرورة إلى أشكال ما ذكر وصفاته لا التحول حقيقة، وعبارة الجار بردي وستحول إلى أصل الفعل نحو استحجر الطين أي تحول إلى الحجر أ. هـ.
والأولى إلى الحجرية كما قال السعد، أعني كما عبر السعد، قال الجار بردي: ومعناه أنه صار حجراً، وأن البغاة بأرضنا تستنسر أي تتحول إلى صفة النسر، والبغاة بتثليث الباء الموحدة طائر دون الرحمة أي من جاورنا عربنا أ. هـ. (1/177)
صفحة 178
وفي بعض حواشيه معنى قوله: ولتحول الفاعل إلى أصل الفعل أن يصير متصفاً بصفة الأصل الذي اشتق منه، كقولك: استحجر الطين فإنه بمعنى صارت صفة الطين صفة الحجر، لا كونه صار حجراً أو كالحجر أ. هـ.
قلت: الأولى إسقاط قوله: أو كالحجر، والمراد بالاشتقاق الأخذ بواسطة اشتقاقه من المصدر، فإن الحجر لا يشتق منه شيء، فاستحجر مأخوذ منه بواسطة اشتقاقه من الاستحجار، وفي تلك الحاشية استتيست الشاة، واستنوق الجمل، صارت الشاة لقوتها متصفة بصفة التيس، والجمل متصفاً بصفة الناقة، وهذا تحول معنى، والأول يعني استحجر الطين حقيقي أو صوري أ. هـ.
قلت: لعل كونه حقيقياً مبني على إن إطلاق الحجر على المدر حقيقة، ومن ذلك استأسد زيد أي صار أسداً، أي اتصف بصفة الأسد حقيقة أو ادعاء.
تنبيه: قال الطبلاوي: وهاهنا فائدة وهي أن قاعدة التصريف أن يؤخذ أبواب المزيد فيه من الثلاثي المجرد، أو من الرباعي المجرد، وقد يؤخذ استفعل من أفعل، وهو إذا كان متعدياً إلى واحد وزيد فيه السين ليتعدى إلى اثنين كأنجح الله حاجتي، واستنجحته إياها، وأرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه.
تتمة: همزة استفعل وصلية، فتحذف في الدرج، وتثبت مكسورة في الابتداء وللضرورة، وهكذا في همزات الوصل إلاَّ همزة أل، فإنها مفتوحة حيث تثبت، وإلاَّ همزة أل من الله فإنها تثبت مفتوحة في النداء جوازاً، وإلاَّ همزة اسم فيجوز ضمها وفتحها حيث ثبتت والكسرة الأصل، وكذا في همزة أيم ونحوه، والكلام على ذلك بسطته في محله. (1/178)
صفحة 179
وتزاد السين في الاستفعال وفروعه باطراد، وقيل: بدون اطراد، قال الناظم في بعض كتبه: لم تطرد زيادة السين، لعله أراد لم تطرد في غير باب الاستفعال، وأما في باب الاستفعال فالصحيح اطرادها، ومثال زيادتها في غيره: قدموس بضم القاف والميم وسكون الدال المهملة بينهما، وقيل بفتح القاف وهو ملحق بعصفور حيث ضم ومعناه القديم، ودليل زيادتها سقوطها في القدم بكسر القاف وفتح الدال، قاله ابن هشام.
قال خالد: وكان حقه أن يقول في التقدم، ففي كتاب الترقيص لمحمد بن المعلي الأزدي: القدموس السيد المتقدم قومه، وجمعه قداميس، وقيل القدموس ما تقدم وأشرف من أنف الخيل أ. هـ.
كما يستدل على زيادة همزة أعلم وألف وإلى الأولى وإحدى اللامين في ولي بالتشديد بسقوطهن في علم وولى الثلاثيين، وأما استطاع بفتح فزيادة السين فيه مقيسة، لأنه استفعل حذفت منه التاء، وقيل: هو بفتح الهمزة، وهي همزة قطع وسينه زائدة بدليل سقوطها في الطاعة، أصله أطوع كاكرم، نقلت فتحة الواو إلى الطاء، فقلبت ألفاً، وزيدت السين عوضاً عن الفتحة المذكورة، هذا مذهب سيبويه وجمهور البصريين، ويدل له قولهم: يستطيع بضم حرف المضارعة، فهو رباعي زيادة السين فيه مثل زيادة تاء التأنيث الساكنة، لم تجعل من حروفه فلم تؤثر فيه بأن تجعله خماسياً، فيفتح حرف المضارعة. (1/179)
صفحة 180
قلت: قد يقال: لا يحسن التعويض عن الفتحة، لأنها مذكورة لكنها نقلت، وقلت: قد يقال يسطيع بالضم لا دليل فيه، لأن مضارع ما ذكر، ومن قال اسطاع استفعل حذفت التاء كسر الهمزة وفتح حرف المضارعة، بل مذهب الكوفيين أن أصل يُسطيع بالضم يستطيع، حذفت التاء تخفيفاً فأشبه أطاع، فضموا أوله، قاله صاحب بغية الآمال، وتزاد التاء اطراداً في نحو: قائمة وقامت وتقوم وتعلم بتشديد اللام، وتدحرج وتزاد في الاستفعال والتفعل والافتعال وفروعها، وفي التفعيل والتفعال، وسماعاً في نحو: رهبوت وملكوت بفتح الأوائل والثواني، وضم الثوالث، وعفريت بكسر العين والفاء، وقيل قياساً في رهبوت وما بعده.
ودليل زيادتها سقوطها في الرهبة والملك والرغبة والعفر أي التراب بفتح العين، وتاء الرهبة والرغبة زائدة للتأنيث، وتاء رهبوت ورغبوت زائدة للتعظيم لا للتأنيث، فهي متغايرات، واستقام في النظم مطاوع أقامه بمعنى أدامه في الشيء، أو جعله قويماً أو أزاله من المكان، أو مواقف فعَّل بالتشديد قومت السلعة واستقمتها، أو مواقف المجرد، أو موافقاً، أو للطلب أو لغير ذلك مما يصلح له من المعاني المذكورة، فاقتصار فتح الأقفال والصغير على المطاوعة إما اختيار لها، وإما قصور وتحكم، ومؤلفهما من العلماء المحققين، لكن أي جواد لا يكبو، وعلى كل حال فجعله متعناً للمطاوعة باطل.
الوزن الخامس: افعنلل بزيادة همزة الوصل، وسكون الفاء، وفتح العين، وزيادة نون ساكنة بين العين واللام الأولى، وتكرير لام الكلمة وأصوله أربعة: الفاء والعين واللامان، وهو من مزيد الرباعي، وهو لا يتعدى، كما لا يتعدى ما للصيريورة، وما ألحق بافعنلل أيضاً لا يتعدى وهو افعنلل بزيادة إحدى اللامين كاقعنسس، وافعنلأ بالهمزة بعد اللام، وافعنلى بالألف، وقيل: يتدى وسيأتي إن شاء الله. (1/180)
صفحة 181
قال في بغية الآمال: افعنلل لا يكون متعدياً أبداً، لأنه نظير انفعلت، ألا ترى أن فيه نوناً وهمزة، كما أنهما في انفعلت نحو: ارنشق وابرنسَق بالشين والسين، والأوضح أن يقال في عدم تعديه: إنه لا يتعدى، لأنه لا يكون إلاَّ مطاوع المتعدي إلى واحد.
ومن ذلك اخرنطم، أي غضب، واتعنجج أي سال، واسحنكك الليل اشتدت ظلمته، واسحنكك الشيء اشتد سواده، واسحنكك الكلام عليه تعذر، وافرندع عن الشيء تقبض عنه بالدال المهملة وبالذال المعجمة، واسلنطح طال وعرض، واسلنطحت الأرض اتسعت، وكذا اسلنطح الوادي، واسلنطح وقع على وجهه، واستحنفر مضى الطريق استقام، واسحنفر المرض كثر، واستحنفر البلد اتسع، واسحنفر الرجل حذق، واحرنجم النعم اجتمع في موضع واحد، حرجمته فاحرنجم، وهو كأمثاله مطاوع الرباعي المجرد، ومعنى حرنجم: جمع ورد بعضاً على بعض، أنشد الفراء:
الدار أقوت بعد محرنجم
من معرب فيها ومن معجم
وقال أبو زيد: احرنجم الرجل فهو محرنجم، يريد الأمر ثم يكذب فيرجع.
قال صاحب التحقيق: فكأنه والله أعلم يجمع أمره على شيء، ثم يرد نفسه عن ذلك، وزعم الضرير أن ابن الناظم انفرد بكون احرنجم افعنلل، ويرده أنه يسبقه إليه سيبويه وأبو علي وغيرهما، وزعم أنه افعنلم بزيادة الميم من حرج إلى كذا أي انضم، ويرده أنه لم يثبت افعنلم، وموافقة الكلمة لا يلزم منه أن تكون أصلاً كسبط من سبطر، والراء ليست من حروف الزيادة، وكذا منجنيق على الأصح، لا يدل على زيادة ميمه جنقوناً ولق لق فإنه رباعي أخذ منه في النسب ما تحدى الهمزة الآخرة، مع أن زيادة الميم في غير الأول قليل. (1/181)
صفحة 182
وأبو عثمان يمنع الزيادة في غير الأول، ومثل احرنجم اخرنطم، وزعم أن ميمه زائدة من خرط بالطعام غص، أو من خرط بمعنى سلطه، أو وقع في الأمر على جهل أو من الاستخراط في البكاء، والانخراط أي الازدراء في القول القبيح والاندفاع، ويلزم عينه ثبوت معلوم إذ قبل خرطوم وإنهم لم يستعملوا اخرنطم بتلك المعاني، ومن مزيد الرباعي: اخرنطم غضب وتكبر مع رفع رأسه والمطاوعة تكون فيه تحقيقاً كاحرنجم، وتقديراً كابرنشق انبسط فرحاً، لأن برشق لم يستعمل أي لم يستعمل بذلك المعنى.
وأما برشق اللحم أي قطعه، وبرشق فلاناً ضربه به فموجودان، ومثل ابرنشق بمعنى فرح وسر ابرنشق الشجر أزهر وابرنشق النور تفتق.
وفسر السعد احرنجم أولاً بازدحم، وثانياً بارتد، قال: وافعنلل بزيادة الهمزة والنون كاحرنجم أي ازدحم احرنجاماً، ويقال: حرجمتُ الإبل فاحرنجمت، أي رددت بعضها إلى بعض فارتدت.
قال الناصر: وهذا المعنى أخص من الأول.
وقال ابن قاسم: الازدحام ليس معنى الاحرنجام، بل لازم لمعناه، يعني لمعناه الذي هو الارتداد، فالتفسير به أو لا تفسير بالازم أ.هـ.
وفي الصحاح: احرنجم القوم ازدحموا، قال الفراء المحرنجم العدد الكثير، وحرجمت الإبل فاحرنجمت رددتها فارتد بعضها إلى بعض واجتمعت أ. هـ.
وظاهره أن له معنيين ليس أحدهما لازماً للآخر، فليحمل عليه كلام السعد، وجمع ذلك كله قول القاموس: حرجم الإبل رد بعضها على بعض، واحرنجم أراد الأمر ثم رجع عنه، والقوم او الإبل اجتمع بعضها على بعض وازدحموا، والمحرنجم العدد الكثير أ. هـ.
ومن ذلك فرقعته فافرنقع أي لويت عنقه فالتوى، وفرقعت الأصابع فافرنقعت أي نفضتها، وإفرنقع انكشف، وتأتي زيادة الكلام على افعنلل المذكور عند قوله: اسنلقى إن شاء. (1/182)
صفحة 183
تتمة: شرط زيادة النون متوسطة أن يتقدمها أصلان أو أصل، وأن تكون ساكنة، وأن تكون غير مدغمة كاحرنجم ويحرنجم واحرنجام، واقعنسس واسلنقى وفروعهما، وكذا احبنطأ وفروعه، وغضنفر وعقنقل وقرنفل وورنتل، وهو النسر وأما انطلق فمن قبيل ما زيدت أوله، لأنه لم يسبقها إلاَّ همزة الوصل، وتأصلت نون عنبر لأنها سبقت بأصل واحد، ونون غرنيق لتحركها وهو بضم الغين المعجمة وسكون الراء، وفتح النون وسكون الياء، طير من طيور الماء طويل العنق، ونون عجنس للإدغام وهو الجمل الضخم بفتح العين المهملة والجيم والنون المشددة، تعارض فيه زيادة النون مع زيادة التضعيف، فغلب التضعيف لأنه أكثر، وجعل وزنه فعلل بفتح الفاء والعين، وفتح اللام الأولى مشددة.
وقال أبو حيان: بزيادة النونين، وأن وزنه فعنل بتشديد النون، وتزاد النون آخراً بشرط أن يسبقها ألف بعد ثلاثة أصول فصاعداً في اسم كعثمان، أو صفة كغضبان، وتزاد متأخرة في المثنى والمجموع على حدة، وما حمل عليهما وتأصلت نون أمان وسنا، لكون الألف قبلها مسبوقة بأصلين فقط، وتزاد النون متصدرة في المضارع، وثانية في نحو حنظل، وثالثة في نحو غضنفر، ورابعة في نحو ضيفن، وخامسة في نحو سرحان، وسادسة في نحو زعفران، وسابعة في نحو عيشران.
ونون انطلق ومنطلق إن راعينا الزائد قبلها عدت ثانية، وهذا في سائر الزيادات أولاً وثانياً فصاعداً قبل النون، والظاهر المراعاة كما في سرحان وما بعده، ودليل زيادة نوني حنظل: كسنبل سقوطها في حظلت الإبل أكلت الحنظل، وأسبل الزرع والله أعلم.
الوزن السادس: انفعل بزيادة همزة الوصل والنون، ويسمى باب الانفعال، وهو من مزيد الثلاثي الذي ليس على وزن الرباعي، وهو خماسي، ولا يكون إلاَّ لازماً لأنه للمطاوعة كذا قيل، ويأتي ما فيه.
قال صاحب التحقيق: وأشار بانفصل إلى أن هذا البناء لا يكون غالباً إلاَّ مطاوعاً، ولولا ذلك لقال بدل انفصل انفعل أ. هـ. (1/183)
صفحة 184
قلت: ليس لازماً أن يقول: انفعل بدل انفصل لو لم يرد الإشارة إلى ذلك، قال: وأشار مع ذلك إلى شروط المطاوعة، لأنه طاوع ثلاثياً دل على معالجة وتأثير أ. هـ.
قلت: لم يقيد الثلاثي بفتح العين لأنه يكون مطاوعاً له، ويكون مطاوعاً للثلاثي المكسور نحو: خطفته بكسر الطاء فانخطفت، وللمبني للمفعول نحو: قطع فانقطع، وفصل فانفصل، ومثال الناظم يحتمل مطاوعة المبني للفاعل، ومطاوعة المبني للمفعول، والأصل الأول.
قلت: بناء على إشارة صاحب التحقيق، وأشار بالتمثيل بانفصل أيضاً إلى أنه إنما ينبني من المتعدي، فإن فصل متعد، والإشارتان بعد تسليمهما إنما تحسنان من حيث إن غالب انفعل المطاوعة، وإلاَّ فقد يجئ لغيرها، ويفهم اشتراط التعدي من تعريفهم المطاوعة بحصول الأثر من تعلق الفعل المتعدي لمفعوله، ومن تعريفهم بها بقبول الأثر الناشئ من تعلق فعل الفاعل بمفعوله، فلا يبنى انفعل للمطاوعة من غير الثلاثي إلاَّ قليلاً نحو: أقحمته فانقحم، وأفردته فانفرد، وأغلقته فانغلق، وأزعجته فانزعج، وأسفقت الباب فانسفق، والتعبير بالقلة للجار بردي.
قال: وقد جاء مطاوع أفعل قليلاً، وعبارة السعد ومجيئه لمطاوعة أفعل نحو: أسفقت الباب أي رددته فانفسق، وأزعجته فانزعج من الشواذ، وتمثيل المصنف بأوكأته فاتكأ فهو فيما قال صاحب التحقيق، ونقول: لا دليل لكون انغلق وانسفق مطاوعي أغلق وأسفق لجواز مطاوعتهما لغلقت وسفقت الثلاثيين لورودهما كما نص عليه ابن مالك صاحب النظم بلا دليل فيهما، ولا في انقحم وازعج وغيرها مما فوتق الثلاثي لجواز كونها مطاوعة لثلاثيات من معانيها، لجواز ذلك نحو: قطعته فانفصل، ووصلته فانقطع، وهشمته فانكسر، وهكذا.
واختلف في قول أبي الأسود:
ولا أقول لقدر القوم قد غليت
ولا أقول لباب الدار مغلوق (1/184)
صفحة 185
فقيل: قصد بالشطر الأول أنه معرب غير لجان لأن غليت لم يثبت وإن نقله بعض المتأخرين، وبالثاني كذلك أنه فصيح لا يقول مغلوق، لأن غلق لحن، وقيل أراد بالأول الامتداح بعدم التجسس والشره للأكل، وبالثاني الكناية عدم البخل فيثبت أبو الأسود غلق فهو لغته وهو قليل، ويثبت غليت.
ولا ينبغي انفعل للمطاوعة مما لا يدل على علاج وتأصير، فلا يقال: انكرم من كرم، ولا من أكرم، ولا انعدم من عدم، ولا من أعدم، لأن الإكرام إعطاء شيء لآخر، والإعدام إفناء الشيء فلا يبقى ثمث علاج وتثير، فقولهم: انعدم لحن كما في القاموس، وأما قول بعضهم: لما شاع استعمال انعدم في كلام المحدثين، وكتب المصنفين صار استعماله أولى من غيره، لأنه أقرب إلى الفهم، وكذا قيل الخطأ المستعمل أولى من الصواب النادر، وكذا قيل اللفظ إذا تعارفه العامة صح التكلم به على ما فيه من الخلل، بقصد تفهيمهم، لأنه أبلغ في تحصيل مقصودهم، فغير مقبول عندي، ولو سلم فلا يخرج من اللحن، أعني من الخطأ في ألفاظ العرب.
ولا يقال: انعلم وانفهم، لأنه لا علاج ولا تأثير في علم وفهم، كما لا يقال: انكرم وذلك أن الكرم لا أثر فيه بالمكرم بالفتح، لأن المكرم إذا تعلق به لا تحصل منه له صفة محسوسة، بخلاف نحو الكسر والقطع، فإن فيه أثراً ظاهراً بالمنكسر والمنقطع، وهو الكسر والانقطاع، والمعدوم ليس بموجود حتى يقوم به أثر.
وأما العلم والفهم فكل منهما انفعال أي تأثير، ولو سلم فأثرهما وهو العالمية والفاهمية غير ظاهر للحس، بل هو معقول.
قال الطبلاوي: قال بعضهم: وإنما جاز علمته فتعلم، وإن لم يكن فيه علاج مع أنه وضع لمطاوعة فعل بالتشديد يجئ للعمل المكرر، فتكريره يجعله كالمحسوس، وإنما جاز عممته فاعتم، لأن باب افتعل لم يكن موضوعاً للمطاوعة، فجاز أن تجئ مطاوعته في غير العلاج، ولما في القول من العلاج جاز: قلته فانقال. (1/185)
صفحة 186
قال في شرح المفصل: وقالوا قلته فانقال، لأن المقول معالج بتحريك اللسان والشفتين، وإخراج الصوت، وكل ذلك من باب المحسوس للمخاطب والمخاطب، قال فإن أطلق قلته فانقال على إرادة المعنى المعقول المفهوم من القول، أي مراد به ذلك المعنى غير أن يقصد إلى ألفاظ محققة أو مقدرة، كان في الامتناع نظير انعدم أ. هـ.
والعلاج: إيجاد فعل الجوارح الظاهرة ليتولد عنه فعل آخر، وهو أثره كالقول والضرب والتأثير إيجاد أثر، والمراد أثر ظاهر كما رأيت أي للحواس الظاهرة، قائم بالمفعول قاله الطبلاوي، فلا يقال: علمت المسألة فانعلمت، ولا ظننت ذلك حاصلاً فانظن، لأن العلم والظن مما يتعلق بالباطن، وليس اثرهما محسوساً.
قال صاحب التحقيق: ومعنى المطاوعة أن تريد من الشيء أمراً مَّا فيساعدك بفعل ما تريد منه إن كان الفعل يصح منه، أو يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يتأتى منه الفعل، ومنه: قطعت الحبل فانقطع، وكسرت الحب فانكسر، وقوله: ولا يدي في حميت السمن تتدخل، ومحوت الكتاب فانمحى، وقسمت المال فانقسم.
قلت: المطاوعة فيما يصح منه الفعل حقيقة، وفيما لا يصح منه مجاز، وكذا من المجاز، فلان منقطع إلى الله، وانكشفت إلى حقيقة المسألة، وكذا حديث: "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" لأن الأثر غير محسوس.
قال الصبان: سلمنا أنه حقيقة، لكن لا نسلم أنه مطاوع، بل هو من باب انطلق زيد، وإنما لم يبنوا انفعل للمطاوعة إلاَّ مما فيه علاج، لأن الصرفيين لما خصوه بالمطاوعة المعهودة، وقصروه عليها التزموا أن يكون اصل فعله من المصدر الذي يظهر أثره ظهوراً واضحاً يعرفه من عند الفاعل، أو حواليه بالحس، وهو علاج تقوية للمعنى الذي هو أن المطاوعة حصول الأثر، فقوى الأم بكونه ظاهراً. (1/186)
صفحة 187
وما مر من أنه لا يقال انكرم وانعدم من كرم وأكرم، ولا من عدم وأعدم، إنما هو لأن كرم وعدم لازمان، ولأنهما لا علاج ولا تأثير فيهما، وأكرم وأعدم رباعيان لا تأثير ولا علاج، وتخصيص السعد انتقاء انكرم وانعدم، من أكرم وأعدم، بكونهما لا أثر ولا علاج، إنما هو لأن مطاوعة افعل قد تثبت في الجملة شذوذاًن فنفى مطاوعتهما شذوذاً وقياساً إنما هو لعدم العلاج، وتأثير وتعلم من قولي تقوية للمعنى أنه قد تتحقق المطاوعة، ولو لم يكن أصل الفعل مما يظهر أثره، ولا ينبني انفعل للمطاوعة من اللازم خلافاً لأبي على الفارسي قاله أبو يحيى.
وعبارته ربما توهم أنه يجيز بناءه من اللازم قياساً، وليس كذلك، فإنه لا يقول بقياسه، بل يخصه بالضرورة، فإنه قال: وقد جاء من غير متعد، وأنشد:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى
بإجرامه من قنة النيق منهوى
قال: وفي هذه القصيد منغو من غوى، وإنما ذلك لضرورة الشعر فأشار إلى أن منغوياً ومنهوياً من الضرورات، لأن غوى لازم بمعنى ضل، وهوى كذلك بمعنى سقط.
قال أبو الفتح: ولا يكاد يكون فعل منه إلاَّ متعدياً، وكذا قال الغزى، وقد يقال: لا دليل في القصيدة للفارسي لجواز كون منغو ومنهو من هويته وغويته، فلا شذوذ لتعديهما، كما لأبي يحيى: وأجاز ابن عصفور كونهما من أغويته وأهويته، كأدخلته فاندخل، قال: ولا يكون ذلك فيهما شاذاً.
قلت: هذا منه تصريح، بأن بناء انفعل من الرباعي غير شاذ، وهو مخالف لما مرَّ، وقد يجمع بين القول بالشذوذ وقوله بعدمه، بأنه أراد بعدم الشذوذ عدم مخالفة الاستعمال، وأراد من قال بالشذوذ مخالفة القياس كما للقاني، وقد يقال: هذا الجمع ضعيف، لأن ابن عصفور أراد نفي الشذوذ استعمالاً، فلا حاجة إلى ما قاله، لأنه لو جعلهما مطاوعي هوى وغوى كان كذلك كما لابن قاسم، وقد مرَّ جعلهما مطاوعي هوى وغوى المتعديين، فلا يكون كذلك. (1/187)
صفحة 188
وعلى كل حال يبحث في كلام ابن عصفور بأن الشاعر لم يرده أهواه فانهوي، لأن المنهوي هنا المجبل، وبأنه لم يرد أنه رد أ.هـ.
ويدل عليه تصريحه بهوي أي هوى من شأنه أن ينهوى، تأمل، وجعل الجوهري منهوي في البيت بمعنى هوى، فيكون لمواقفة الثلاثي لا للمطاوعة، وإنما جعله الفارسي مطاوع اللازم، لأنه يرى أن انفعل لا يكون إلا مطاوعا، ويأتى خلافع إن شاء الله.
قال السعد: ولكون انفعل للمطاوعة لا يكون إلا لازما، أي لأن المطاوعة كما قال الجربردي تقتضي اللزوم أ.هـ.
قلت: وفي كلامها نظر قوي، لأن اللزوم إنما هو في مطاوع المتعدي لواحد، كما قال الناظم، أو طاوع المعدي لواحد: ككسرته فانكسر، ومنه في باب افتعل مدة فامتد، وأما المطاوع المتعدي لاثنين فيتعدى لواحد نحو: كسيتة جبة فانكساها، وتكلم على ذلك شراح الألفية وغيرهم ذكر في المعنى أن من أسباب اللزوم صوغ الفعل على انفعل لغير المطاوعة، أو لمطاوعة المتعدي لواحد، أو على أي وزن كان كان لمطاوعة المتعدي لواحد كانطلق وانكسر، وضاعفت الحساب فتضاعف، وعلمته أي عرفته بالتشديد فتعلم، وثلّمته فثِلم، قال: وأصله أن المطاوع ينقص درجة عن المطاوع كألبسه الثوب فألبسه، وأقمته فقام.
وزعم ابن برى أن الفعل ومطاوعه قد يتفقان في التعدي لاثنين نحو: استخبرته الخبر فأخبرني الخبر، واستفهمته الحديث فأفهمني الحديث، واستعطيته درهماً فأعطاني درهماً، وفي التعدي لواحد نحو: استفتيته فأفتاني، واستنصحته فنصحني، والصواب ما قدمته لك وهو قول النحويين، وما ذكره ليس من باب المطاوعة، بل من باب الطلب والإجابة، وإنما حقيقة المطاوعة أن يدل أحد الفعلين على تأثير، ويدل الآخر على قبول فاعله لذلك التأثير أ. هـ. (1/188)
صفحة 189
وهو حسن سوى تعريفه المطاوعة، فقد ينتقض بنحو ضربت زيداً فتألم، فإن الضرب عنده للإيلام كما في خاتمة الحذف من الباب الخامس، فليقل أن يدل أحد الفعلين المتلاقيين في الاشتقاق إلخ فيخرج المثال ونحوه، ومما مثل به صاحب فتح الأقفال: (فإذا النجوم انكدرت) قلت: هو باطل لأنه لا فعل له ثلاثي من معناه، مستعمل يطاوعه، لأن معناه انقضت وتناثرت فهو فعل للفاعل على الحقيقة، مغن عن الثلاثي، منسلخ عن معنى المطاوعة كانطلق وانقض، وانسلخ الشهر صرح بذلك المبرد والغزى، وبعض من حشى على الجار بردي وغيرهم.
وقد يجاب: بأنه مطاوع لفعل من معناه ثلاثي، وقد يبطل هذا الجواب، بأنه غير مراد لهم في باب المطاوعة، وإلاَّ لم يكد يثبت فيها شاذ، وهم أثبتوه.
وقد يجاب أيضاً: بأن انكدرت مطاوع لأكدرت الشيء المقدر الوضع، كما صرح بهذا المعنى اللقاني، وصرح أيضاً بأن انطلق مطلوع لأطلق، وانقض مطلوع لقض لاستعماله في قض اللؤلؤة مثلاً ثقبها، وانسلخ الشهر مطاوع لسلخ، لاستعماله في سلخ الشاة مثلاً، وبأن قول بعضهم لا فعل لها باطل، ويبطل هذا الجواب أنه أعنى صاحب فتح الأقفال إنما مثل بانكدرت النجوم لمطاوعة الثلاثي، لا لمطاوعة أفعل الرباعي، وأكدر رباعي، فلا يكون تقدير أكدر جواباً له.
ويبحث في كلام اللقاني المذكور بأن انطلق بمعنى ذهب، فيحتاج إلى إثبات أن أطلق بمعنى أذهب، وأن انقض المتكلم فيه بمعنى سقط، فلا يلائمه قض اللؤلؤة لاختلاف معنييهما فلا مطاوعة بينهما، وأن انسلخ الشهر أي فرغ غير سلخ الشاة أزال جلدها إلاَّ بتشبيه وتجوز وتكلف، فصح قول البعض: إنها لا فعل لها، أي لا فعل لها مستعمل بمعنى يكون معناها أثراً لذلك المعنى، كما هو قضية المطاوعة، وتلك الأفعال ليست كذلك، وأطلق يتوقف كونه بالمعنى المذكور في المطاوعة، على أن معناه معنى أذهبته، لأن انطلق معناه التبس بالذهاب، ولم يثبت ذلك. (1/189)
صفحة 190
قال سيبويه في باب ما لا يجوز فيه فعلته: إن من ذلك انفعلت نحو: انطلقت وانكمنت، وانجردت وانسللت، قال: وهذا موضع قد يستعمل فيه انفعلت، وليس مما طاوع فعلت نحو: كسرته فانكسر، ولكنه بمنزلة ذهب ومضى أ. هـ.
فأنت خبير أن انفعل يخرج عن المطاوعة عند سيبويه والمبرد وغيرهما، فقد يكون لمعنى فعل ثلاثي ويغني عنه: كانطلق أي ذهب إذ لم يستعمل طلق الثلاثي بمعنى ذهب، فهو لمعنى أصل الفعل ذكره المبرد وسيبويه وغيرهما كالصبان، وقد يكون معناه موافقاً لمعنى فعل ثلاثي من لفظه نحو: انطفأت نار بسكون التاء ورفع النار، بمعنى طفت بكسر الفاء وسكون التاء ذكره في القاموس، ويقال أيضاً: أطفأتها فانطفأت من مطاوعة الرباعي.
وذكر الطبلاوي عن بعضهم: انطفأت النار وأطفأت ببنائهما للفاعل، لزومهما فيكون من موافقة انفعل للرباعي اللازم في معناه، وأما (انبعث أشقاها) فعناه أسرع، والأولى أن يكون مطاوع بعثه على القياس، وقد يجئ انفعل لبلوغ الشيء كانحجز أي بلغ الحجاز، ذكره الصبان، ويغني افتعل عن انفعل في المطاوعة فيما فاؤه لام: كلوتيه فالتوى، ولمته فالتم، أو راء: كرفعته فارتفع، وردعته فارتدع، أو واو: كوصلته فاتصل، ووكلته فاتكل، ووضعته فاتضع، ووسمته فاتسم، أو ميم: كملأته فامتلأ، ومددته فامتد، ومزته فامتاز، ومطلته فامتطل، أو نون كنقلته فانتقل، ونبذته فانتبذ، ونفيته فانتفى، ونسأته فانتسى. (1/190)
صفحة 191
وقد لا يغني عنه في الميمي الفاء نحو: محوته فانمحى، ومزته فانماز، وسمع محوته فامحى، ومزته فامَّاز، بتشديد ميمي امحى وامَّاز، والأصل انمحى وانماز، قلبت النون ميماً وأدغمت في الميم، ونقول إنما أغنى افتعل عن انفعل فيما فاؤه أحد هذه الأحرف، لأن النون تدغم فيها فيخاف اللبس، ويخرج المثال عن شكله الذي قصر وضعه عليه، وذكر بعض ذلك الطبلاوي، وبعضه الصبان، وبعضه صاحب التحقيق، وفي بعض نسخ التسهيل أو همزة أي، أو كانت فاؤه همزة فيغني عن انفعل فيه افتعل، وهو صحيح نحو: أمرته فائتمر، لأن ما فاءه همزة فيه توصل إلى التسهيل، لأنه قد تبدل عن الهمزة ياء، ثم عن الياء تاء، فتدغم في تاء الافتعال كاتزر أصله اأتزر بكسر همزة الوصل، وهي الأولى، وسكون همزة القطع وهي الثانية، وهي فاء الكلمة، وفتح التاء قلبت الثانية ياء لسكونها بعد همزة مكسورة، وأبدلت الياء تاء، فأدغمت في التاء المفتوحة، ويأتي مزيد على ذلك قوله: أتصلا إن شاء الله.
وإذا لم تكن الحروف فقد يستغنون بافتعل عن انفعل: كسترته فاستتر، وشددته فاشتد، وبللته فابتل، وغررته فاغتر، وعززته فاعتز، وكفيته فاكتفى، وقد يشاك افتعل انفعل كحجبته فانحجب واحتجب، وفصلته فانفصل وافتصل، وفتته فانفت وافتت، وأطرت الرمح أو نحوه فانأطر بوزن انفعل واتطر بتشديد التاء بعدها طاء مفتوحة، فالتاء الأولى منقلبة عن الياء المنقلبة عن همزة اطرأ التي هي فاء الكلمة، والثانية تاء الافتعال، والطاء عين الكلمة، فهو من باب اتزر. (1/191)
صفحة 192
وشويت اللحم فانشوى أي قبل الشوى، نقله سيبويه وغيره فنقله حجة على ثعلب المانع لاشتوى، بذلك المعنى القائل أن اشتوى بمعنى شوى، فالمشتوي بالكسر عنده الشاوي لا بمعنى اللحم القابل للشوي، وبعض ذلك لي وبعضه للدماميني في شرح التسهيل، وظاهر قول الطبلاوي عن بعضهم أنه قد يغني افتعل عن انفعل فيما فاؤه لام أو واو أو نون أو ميم، أن ذلك الإغناء قليل، وليس كذلك فإنه لازم غير الميم غالب فيها كما للدملميني، وقد في عرف المصنفين واستعمالهم للتقليل إذا دخلت على المضارع كما نص عليه خالد، إلاَّ إن قيل لم يستعملها ذلك البعض للتقليل بل للتحقيق أو غيره.
قال صاحب التحقيق: ,إذا كان الاستغناء في هذه الحروف جارياً كان قوله تعالى: (يريد أن ينقض) مضارعاً لأفعل لا لاِنفعل، وكذا هو عند أبى علي من النقض.
وقال غيره: هو انفعل ينفعل، هو من القضيض قضضته دققته، ومنه أسد قضقاض كاسر لعظام فريسته، والعادة أن الجدار إذا انهدم صار قضيضاً، أي حجارة صغاراً، والقضة أرض ذات حجارة صغار في تراب أو رمل، ومنه: "جاءوا بقضهم وقضيضهم" أي لم يبق منهم أحد، قيل: القض كبار الحصى، والقضيض صغاره، ومما يبعد كونه أفعل أنه لا يكون غالباً إلاَّ في اللون، ولكنه أقرب إلى المعنى والحقيقة أ. هـ بلفظه.
قلت: بيان ذلك أن (ينقض) في الآية إما مضارع ماضيه على وزن افعل بتشديد اللام، وهو انقض بتشديد الضاد، زيدت ضاد على نقض فوقع الإدغام، وزيدت همزة الوصل فهو مماثل للرباعي، وحذفت همزة في المضارع على القاعدة، فانقض وزنه افعل بالتشديد، وهي نون نقض ينقض بدون تشديد، ويضعف هذا أن أفعل بالتشديد لغير الألوان والعيوب شاذ، وقد يقال: هذا من العيوب الظاهرة، ومجيئه لها غير شاذ. (1/192)
صفحة 193
وإما مضارع ماضيه على وزن انفعل بتخفيف اللام وهو انقض بتشديد الضاد، الضاد الأولىعين الكلمة نظير عين انفعل، والثانية لام نظير لام انفعل، وهما ضاد قض يقض بقاف هي فاء الكلمة، وضادين إحداهما عين، والأخرى لام، وفاء انقض بالتشديد هي القاف أيضا، والنون زائدة كنون انفعل فافهم.
تتمة: قال بعضهم عن سيبويه: وربما استغنى عن الفعل في هذا الباب، لم يستعمل وذلك قولهم: طردته فذهب، ولا يقولون فانطرد، أي بوزن انفعل، ولا فاطرد أي بوزن افتعل، استغنوا عن لفظه بلفظ غيره إذ كان في معناه أ.هـ. وبسطت الكلام على اطرد في غير هذا والله أعلم.
الإعراب: كاعلم على القول بتعليق الكاف، سواء جعلت للتشبيه أو للاستغلاء، أي على اعلم، أي على وزنه يتعلق بيأتي لجواز تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ على الأصح، ولا سيما في الضرورة، ولا سيما أنه ظرف أو يتعلق بمحذوف حال من ضمير يأتي، وهذا أولى من تعليقه بمحذوف حال من الفعل، لأن الفعل مبتدأ، ومجئ الحال من المبتدأ ضعيف، ولو أجازه (س) يأتي مضارع مستتر الفاعل جوازاً، والجملة خبر الممبتدأ.
وبالزيدة، أي مع الزيادة متعلق بيأتي أو بمحذوف حال من ضمير يأتي وهذا أولى من جعله حالا من المبتدأ.
ومع بالسكون ضرورة أو لغة ظرف مكان مجازي أو ظرف زمان متعلق بمحذوف حال من أعلم، أي كأعلم مصاحباً لوالي في مجرد الإتيان، أي يأتى كوالي كما يأتى كأعلم ووالي مضاف إليه، وولي معطوف على والي أو على أعلم وما بعده معطوف عليه أيضا أو كل على متلوه بعاطف محذوف هو الواو.
وأفعال ألف في الحشور رابعة
وعاريا وكذاك اهبيخ اعتدلا
اشتمل هذا البيت على أربعة: اثنان منها وزنان أفعال وأفعل، واثنان مثالان أراد بهما ما كان على وزنهما اهبيخ واعتدل. (1/193)
صفحة 194
الوزن الأول: افعال بزيادة همزة الوصل، بزيادة الألف بعد العين، وبتشديد اللام ففيه لا مان: إحداهما زائدة قيل الأولى وقيل الثانية، وقيل بجواز الوجهين على حد الخلاف المذكور في فعل بتشديد العين.
قال اللقاني: إن قلت القوا بأن الزائد أول العينين في فعل لكونه ساكنا لا يجري هنا في اللام الأولى هنا، والتقاء اللام ساكنة مع الألف في الوزن المذكور جائز لجواز التقاء ساكنين: الأول حرف علة، ونقول في القول بإجازة الوجهين أن إمكان كون الزائد أول العينين عند الصحة دليله ومكافأته لدليل مقابلة، مع أنه لا يصح هنا لعدم السكون، وكونه في الأصل متحركاً كافلاً يتأتى التعليل بالسكون، فلا يتأتى فيه التحكم لعدم تكافئ الأدلة.
قلت: لما علم أن وضعه متحرك اللام الأولى عملاً بالدليل السابق، يفضي إلى وجوب سكونه للإدغام في مماثله، نزل هذا السكون العارض لوجوبه منزلة السكون الأصلي، فيجري فيه القولان المذكوران أ. هـ.
وتقول: افعللت بفتح اللام الأولى، وهو من السداسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق، ولا تعتل لامه إلاَّ في شذوذ، ولا تضاعف عينه إلاَّ شذوذاً، والغالب مجيئه للألوان، وكثر مجيئه للعيوب الحسية، وقل مجيئه لغير الألوان والعيوب نحو: املاسَّ الشيء من الملاسة، وارماق ضعف، واصمال اشتد، وابهار الليل انتصف أو كثرت ظلمته، وانقاضّ الحائط، واقطار النبت إذا أخذ يجف، وقد يرد هذا إلى اللون أو ما يدل عليه، ويستلزمه، وكذا في ابهار إذا فسر بشدة الظلمة، وأكثر مجيئه للمعاني العارضة غير اللازمة من الألوان غير الثابتة نحو: احمار وجهه، بالشمس أو بالخجل، واصفار للخوف، فإن الاحمرار بالشمس أو الخجل عارض غير لازم، وكذا الاصفرار للخوف يقال: يحمار مرة ويصفار أخرى وقل مجيئه للازم كاشهاب وادهام، كقوله تعالى: (مدهامتان) في وصف الجنة، فإنه اسم فاعل فعله ادهام بتشديد الميم بعد ألف. (1/194)
صفحة 195
قال في الكشاف: قد ادهامتا من شدة الخضرة، ومثال دلالته على عيب حسى اعوار، واصياد، وعن بعض أنه قليل أي أصابه عراء في عنقه مخصوص، وإنما لا يصاغ من معتل، ولا مضاعف لم يلزم من الثقل بالمد في الإعلال، وباجتماع حروف في التضعيف، ولو فصل الألف فلا يقال من ألمى ألمَايَا، ولا من حم احمام، وشذ احواوي بالاعتدال، والأكثر مجيئه مدغماً، وقل أو ندرفكه نحو: احرَارَرَ الرجل برائين بعد الألف مفتوحتين وقبلها أخرى، ومضارعه يحرار بكسر الراء بعد الألف، وهو شاذ من حيث الفك، ومن حيث مضاعفة العين، وأعني بالمضاعفة في هذا المقام كون العين واللام من جري واحد.
وأصل ذلك الوزن الفك، أصل افعال بالتشديد افعالل بفتح اللامين يفعالل بكسر الأولى، فكره جمع مثلين متحركين، فسكن الأول وأدغم للتخفيف، إلاَّ إذا وجد موجب الفك نحو: افعاللت واحماررت، فإنه يفك ويفتح لئلا يلتقي ساكنان، والإدغام دليل عدم الإلحاق، لأن الملحق لا يدغم نحو: جلبب، لأن الإدغام ينافي الإلحاق، لأنه لا يوازن الملحق به بإدغامه، ولا يكون إلاَّ لازماً غير متعد، لأنه غالباً للون، وما دل على اللون لا يتعدى، وحمل عليه غيره وهو للمبالغة في الوصف.
الوزن الثاني: أفعل بزيادة لهمزة الوصل، وإحدى اللامين من اللام المشددة بعد العين، على الخلاف المذكور في أفعال وفعل، وليست ألف بين العين واللام في ذلك الوزن الثاني، وهو من مزيد الثلاثي لغير الإلحاق خماسي، نحو: احمر واصفر، واسود، واشهب وابيض، بتشديد أواخرها مدغمة لاجتماع المثلين، وأصل الحرف الأول من المثلين الفتح، بدليل أنه إذا زال الإدغام نحو: احمررت وابيضضت، تحرك بالفتحة فهي حركته قبل الإدغام، ولكنهم لما كرهوا اجتماع مثلين متحركين، سكنوا الأول وأدغموه في الثاني، فلو لم يماثل الأول الثاني لفتح الأول مطلقاً، ولم يدغم: كارعوى واجاوى فإنهما من هذا الوزن، إلاَّ أنهما لم يدغما لانقلاب حرف اللين ألفاً للفتحة قبله. (1/195)
صفحة 196
ولو بنيت مثله من الرمي لقلت ارميا بفتح الياء مخففة بعدها ألف، وهذا الوزن إذا لم يدغم بمنزلة انفعل وافتعل في عدد الحروف والسكنات، والغالب مجيئه للألوان كالأمثلة، وكثر مجيئه للعيوب الحسية: كاعور واعوج واصيدّ بتشديد آخرها، وقل مجيئه لغير الألوان والعيوب الحسية: كارمق أي ضعف، واصمل أي اشتد، وابهر الليل أي انتصف، أو اشتدت ظلمته، وانقض الحائط، واقطر النبات إذا أخذ في الجفون، واملس وارقد في العدو، وابهر القمر إذ قوى ضوءُه كذا في مثل الناظم بابهر القمر، وغيره بابهر الليل بالمعنيين المذكورين، واقطر النبت.
وفي ذلك نظر لأن ابهر القمر بمعنى اشتد ضوءًه، وابهر الليل اشتدت ظلمته، وازور النبت أخذ في الجفوف، وترك الخضرة إلى غيرها من اللون باليبس هي من الألوان، فلا قلة ولا شذوذ، وقيل: مجيئه للعيوب الحسية قليل ولغيره، وغير الألوان شاذ ونادر، وقد يقال لا منافاة، لأن الشذوذ والقلة قد يترادفان، وكذا الندور والشذوذ والقلة، ولأن القلة والكثرة نسبيان، فلعل قلته للعيوب الحسية إنما هي بالنسبة للألوان، وكثرته بالنظر إلى مجرد ما ورد منه لها، وكذا في أفعال بالألف وهو الوزن الأول، وأكثر مجيئه أعني أفعل بدون ألف للمعاني اللازمة، وقل مجيئه للعارضة نحو: احمر خجلاً، واصفر وجلاً، كقوله:
سألته قبلة مني على عجل
فاحمر من خجل واصفر من وجل
قال الشيخ أبو البركات هبة الله محمد المعروف بالوكيل، وكان شخصاً ظريفاً أديباً حضر من بستاني كثير من ورد وياسمين، جعلت دائرة من الورد تقابلها أخرى من ياسمين، فدخل علينا شاعران: أحدهما يعرف بالمهذب، والآخر بالحسن، فقلت: لهما اعملا في هاتين الدائرتين شيئاً، ففكرا ساعة، ثم قال المهذب:
يا حسنها دائرة
من ياسمين مشرق
والورد قد قابلها
في حلة من شفق
كعاشق وحبه
تغامزا بالحدق
فاحمر ذا من خجل
واصفر ذا من فرق
قال: فقلت للحسن: هات فقال:
يا حسنها دائرة
من ياسمين كالحلى
والورد قد قابلها (1/196)
صفحة 197
في حلة من خجل
كعاشق وحبّه
تغامز بالمقل
فاحمر ذا من خجل
واصفر ذا من وجل
قلت: والنظم من مجزو الرجز والشاهد لنا في احمر واصفر، فإن حمرة الخجل وصفرة الوجل، عارضتان غير لازمتين، ومن ذلك تزور بسكون الزاي وتشديد الراء في قراءة ابن عامر، وقول عنترة:
فازور من وقع القنا بلبانه
وشكا إلى بعسرة وتمحمح
فإن الأزورار عرض لا يلزم لأنه الميل، وفيه قلة أخرى وهي عدم الدلالة على لون، وأما قراءة تزوار بألف بعد الواو فلا قلة فيها إلاَّ من عدم الدلالة على اللون، لأن افعال بالألف الأكثر فيه العروض، وأما قراءة: (تزَّاور) بتشديد الزاء بعدها ألف فمضارع ازوار بالتشديد، أصله تزوار كتغافل، أبدلت التاء زاياً بعد سلب فتحها فأدغمت في الزاي وجئ بهمزة الوصل على حد ما مرَّ في ادّارك بالتشديد، وحذفت الهمزة في المضارع.
ولا يصاغ من معتل ولا مضاعف، أعني معتل اللام للزوم الثقل كما مرَّ في افعال، فلا يقال في: حم والمى احممّ بتشديد الميم الثانية والميا، والأحم الأسود، والألمى من الرجال، واللميا من النساء، ومن في شفته حمرة مع سواد أو سمرة، صفة تستحسن، وشذ ارعوى فإنه من باب افعل بتشديد اللام كما مرَّ، وهو معتل وشذ أيضاً من حيث إنه لا يدل على لون وشذ أيضاً من حيث إنه للمطاوعة، والمطاوعة في هذا النوع نادرة، وإنما حقه أن يكون مقتضباً كاحمرّ وابيضَّ أو موافقاً لفعل وفعل بالكسر والضم كاسمر وسمِر وسمُر.
وأما أحوى وأجوى فلا شذوذ فيهما إلاَّ من حيث الاعتلال لأنهما لغير المطاوعة وهما للألوان، لأن الأول لمعنى حمرة في سواد، والثاني لمعنى سواد في غبرة وحمرة، وشذ اقتوى للاعتلال، ولعدم اللون، وللمطاوعة، حيث جعل لها قال:
تبدل خليلاً في كشكلك شكله
فإني خليل صالح بك مقتوى
وقال:
*وما كنا لأمك مقتوينا* (1/197)
صفحة 198
كذا قيل، وأقول الحق إن اقتوى افتعل لا أفعل، ولا يكون افعل إلاَّ لازماً لأنه للألوان والعيوب، وحمل غيرها عليها، أو لأن معناه لا يجاوز فاعله فيعم ذلك، وكذا يقال في افعال بالألف، وهو أولى، وهو للمبالغة في الوصف، وافعال بالألف أشد منه، لأن فيه حرفاً زائداً عليه وهو الألف، وقيل: هما سواء، واختلف في أيهما الأصل فقيل: الأصل افعالّ بالألف وهو مذهب ابن عصفور، والخليل، وصاحب بغية الآمال.
قال ابن عصفور: افعل مقصور من افعال لطول الكلمة، ومعناه كمعناه، بدليل أنه ما من شيء يقال بالألف إلاَّ يقال بدونها، لكن قد يكثر أحدهما في لفظ، ويقل الآخر، وكثرة افعل كاحمر واخضر، وكثرة افعال كاسهاب وادهام أ. هـ.
وكون افعل مقصور من افعال هو مذهب الخليل كما مرَّ.
قال صاحب بغية الآمال: وهذا المثال أعنى افعللت مقصور من افعاللت لطول الكلمة، ومعناها كمعناها، وزعم سيبويه أنه ليس من شيء يقال فيه افعل إلاَّ ويقال فيه افعال وبالعكس، إلاَّ أنه قد تكثر إحدى اللغتين في الشيء، وتقل في الآخر، فيقولون: احمر واحمار، واصفر واصفار، وابيض وابياض، واخضر واخضار، واسود واسواد، إلاَّ أن طرح الألف من هذا أكثر، قال الله عز وجلّ: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم) وقال: (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله) وقرأ بعضهم: (يوم تبياض وجوه وتسواد وجوه)، وذكر عن ابن عباس: لا تشتروا النخل والتمر حتى يحمار ويصفار، قال الفراء: وهي لغة قضاعة قال: وربما أخذ بعضهم من لغة بعض.
قال سيبويه: ولا يكون إلاَّ لازماً، لأنه ليس في الكلام افعاللته أ.هـ.
وصرح صاحب فتح الأقفال أنه سمع: ارقد وارعوى واقتوى بدون ألف رابعة، ولم يسمع بالألف، وقد يقال بالألف قياساً وقيل: الأصل افعل بدون ألف، وزيدت الألف في افعال الزيادة المعنى، كما أنه يجوز لمن قال بأصالة افعال بالألف أن يقول: نقصت الألف في افعل لينقص المعنى. (1/198)
صفحة 199
تتمة: تقدم تعريف الكلمة المتضيئة بأنها ما وضع على مثال لم يسبق بأصل أو مثل أصل مع خلوه من زيادة لمعنى، أو الإلحاق، فخرج بقولنا: غير مسبوق إلخ نحو جلبب، فإنه ملحق بدحرج، ففعلل من غير تضعيف أصل للمضعف، وبقولنا: أو مثل أصل نحو: اقعنسس فإن إحدى سينيه زيدت للإلحاق باحرنجم، واحرنجم من مزيد الرباعي، وكان كالأصل لا قعنسس، لما ألحق هو به، وكتجلبب فإنه للإلحاق بتسربل المزيدة تاؤه للمطاوعة، وبقولنا: مع خلوه إلخ أعلم وعلم ونحوهما، فإن الهمزة والتضعيف فيهما للتعدية، وبقولنا: أو لإلحاق نحو: جهور وكوثر وبيطر، بزيادة الواو والياء للإلحاق بفعلل.
تنبيهان:
الأول: أشار الناظم إلى الوزن الأول وهو افعال بالألف بين العين واللام، وتشديد اللام بقوله أول البيت: وافعال، بدليل قوله: إذا ألف في الحشو رابعة، ولكنه لم يشدد اللام بل حففها للضرورة، فإن من الضرائر تخفيف المشدد، وتشديد المخفف.
وأشار إلى الوزن الثاني وهو: افعل بتشديد اللام وعدم الألف بقوله: أو عارياً، ولا يقال: إن تخفيف اللام أول البيت يوهم أن الوزن افعال بتخفيف اللام أصالة لا ضرورة، لأنا نقول: ليس في الأوزان افعال بتخفيف إلاَّ في أوزان الأسماء، ويجوز أن يكون افعل أول البيت بالتشديد، وعدم الألف أسقطها للضرورة، ويدل عليها قوله: ذا ألف إلخ، ويجوز كونه كذلك لا للضرورة، ولكنه وضعه بدون ألف.
وقال بعد ذلك: سواء كان ذا ألف إلخ أي سواء زيدت عليه ألف أو أبقى كذلك عارياً، كما تقول: يعرب فو بالحركات متصلة به الميم، وبالحروف عارياً عنها، وهذا الأوجه أولى من الأول، لأن الأول ربما أوهم المبتدئ أن من أوزان الأفعال افعال بعدم التشديد.
الثاني: قال صاحب التحقيق لو قال: المص واحضر ذا ألف أو وادهم ذا ألف أي ونحوهما مما دل على لون لكان أبين في الدلالة على اللون، نعم يفوته منه ما دلّ على غير لون من العيب الحسي، فعدل إلى الوزن الجامع. (1/199)
صفحة 200
الوزن الثالث: افعيَّل بزيادة همزة الوصل وياءين بين العين واللام، أدغمت الأولى في الثانية وهو سداسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق، وهو من الأوزان النادرة، بل قيل غير الثانية، ومثاله: اهبيخ بسكون الهاء وفتح الباء الموحدة بعدها، وتشديد الياء المثناة تحت مفتوحة بعدها خاء معجمة، وهو عند من أثبته بناء مقتضب، لأنه لم يسبق بمثال هو له أصل، أو كأصل وخلا من حروف الزيادة لمعنى، أو إلحاق كذا يقال، وأقول، قد يجعل ملحقاً باحرنجم، والياء والهمزة من حروف الزيادة للإلحاق، ولكنه يضعفه لحوق الإدغام، لأن الإدغام لا يلحق الملحق كما مرَّ، ومعناه تبختر، على ما فسره صاحب بغية الآمال، فسره الصبان كصاحب التحقيق، وأبو يحيى بامتلأ الصبي وسمن، والوصف هبيخ في المذكر، وهبيخة في المؤنث على غير قياس.
وفي القاموس: الهبيخة بفتح الهاء والباء والياء المشددة: الجارية والمرضعة، والناعمة التارة، والهبيخ كذلك الأحمق المسترخي، ومن لا خير فيه، والوادي العظيم، والنهر الكبير، وواد والغلام الناعم، والهبيخة مشية في تبختر وقد اهبيخ أ. هـ.
واهبيخ انتفخ وتكبر، ولا يقلل مهبيخ ولا مهبيخة، وسيأتي الكلام على زيادة الياء.
الوزن الرابع افتعل: بزيادة همزة الوصل والتاء، وهو خماسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق، وله معان:
منها: مطاوعة العثلاثي المفتوح والمكسور، سواء كان علاجاً نحو جمعته فاجتمع، أو غير علاج نحو غممته فاغتم، أي حدثت فيه الغم، وإنما يجيء للمطاوعة في الأغلب فيما فاؤه لام، أو واو أو ميم أو نون، نحو لويته ولففته، وردعته ورفعته، ووضعته ووصلته، ومددته ومطلته، ونقلته ونفيته. (1/200)
صفحة 201
ويأتي كثيراً للمطاوعة فيما فاؤه غير تلك الحروف: كجمعت المال، وغممت زيداً، وشويت اللحم، وعجبت الشيء، وقد يأتي لمطاوعته أفعل كأنجرته فانتجر، وأنصفته فانتصف، وأشعلت النار فاشتعلت، وأضرمتها فاضطرمت، وأوقدتها فاتقدت، أصل اضطرمت اضترمت بضاد فتاء، قلبت لكونها حرف همس بعد حرف إطباق طاء، وأصل اتقدت اوتقدت بكسر همزة الوصل، وسكون الواو، قلبت ياء لسكونها بعد كسرة، وثم قلبت تاء وأدغمت في التاء، وبسط هذا ونحوه لا محل له هنا.
ومن معاني افتعل: مطاوعة فعَّل بالتشديد: كعطت الرمح فاعتدل، واعتدل في النظم منه، أعني من هذا النوع من المطاوعة، لأنه يقال أيضاً عدلت فلاناً فاعتدل، وعدلت الميزان فاعتدل، وعدلت شيئاً ما فاعتدل، ويحتمل اعتدل في النظم جل معاني افتعل أو كلها بتكلف في بعضها.
ومن معاني افتعل: اتخاذ فاعله شيئاً كاختبز، أي أخذ الخبز لنفسه، واصطب الماء إذا كان بمعنى اتخذه لنفسه، واستعده وأصله اصتب قلبت التاء طاء لما مر في اضطرم، واذبح بتشديد الذال أي اتخذ ذبيحة، وأصاله إذتبح، قلبت التاء ذالاً فأدغمت فيها الذال، وبسطته في غير هذا، واشتويت اللحم اتخذت شواه.
ومن معاني افتعل: الاختيار كانتقاه واصطفاه، واعتماه واختاره، وانتخبه بالخاء المعجمة، وانتصى بالصاد المهملة أصل انتصى، وانتفى واعتمى، واختار انتصى، وانتقى واعتمى بتحريك الياء آخراً، واختير بتحريكها وسطاً، قلبت ألفاً لتحركها بعد فتحة، وأصل اصطفى اصتطفى بتحريك الياء، وبين الصاد والفاء تاء قلبت الياء ألفاً لتحركها بعد فتح، والتاء طاء لأنها همسية بعد إطباقي، ولا يقال: إن الاختيار في الأمثلة مستفاد من أصولها وموادها، لأنا نقول: المستفاد من أصولها وموادها كون الشيء في نفسه حسناً، واستفيد من هيئة افتعل في تلك الأمثلة اختيار غيره له والإطلاع على حسنه. (1/201)
صفحة 202
ومن معاني افتعل: موافقة الثلاثي: ككسب واكتسب، وكحل واكتحل، ورقى وارتقى، ومثل سيبويه بقرأت واقترأت، قال: يريدون شيئاً واحداً كما قالوا: علاه اعتلاه، ومثله خطف واختطف، وجدب واجتدب، وحمله واحتمله، وكون اكتسب بمعنى كسب هو ما لصاحب فتح الأقفال، والحق أنه للمبالغة في المعنى كما للسعد، ويعبر عنها أيضاً بالتسبب والسعي كما فعل الصبان، وبالطلب والتصرف والاجتهاد كما لصاحب التحقيق، وكلهم مثلوا لذلك باكتسب، إلاَّ إن كان صاحب فتح الأقفال مثل به على أن معناه ومعنى كسب واحد، حيث لا اجتهاد ككسبت تمرة واكتسبتها إذا لم يكن في كسبها عسر، وهكذا في اختطف واحتمل، واحتدب وارتقى، والخطفة كأنها فعلة واحدة لما فيها القوة والسرعة.
قال سيبويه: وأما انتزاع فإنه خطفة: كاستلب، وأما نزع فإنه تحويلك إياه، وإن كان على نحو الاستلاب، وكذلك قلع واقتلع، وجدب واجتدب، وتمثيل جماعة للمفتعة بمعنى فعل بنزع وانتزع، وقلع واقتلع، وجدب واجتدب، مخالف لكلام سيبويه، وممن مثل باجتدب السعد، وحكى الأصمعي: حمل واحتمل.
قال الغزى قيل: ومنه نزع وانتزع، وقلع واقتلع، وفيه نظر، لأن الانتزاع الأخذ بسرعة، والنزع التحويل، وكذلك القلع والاقتلاع، والجدب والاجتداب، قاله ابن عصفور.
قال الناظم: ومنه اقتدر واستمع، واقترب. قلت: يجاب بأن ما فيه خطفة واحدة للقوة والسرعة ما كان كذلك باجتهاد فهو للمبالغة، والحق أن استمع لكسب السمع فهو من باب الاجتهاد والمبالغة، فلذا لا يقال: إذا وصل سمعه كلام للجهر به ولقربه من المتكلم، ولم يضع إليه ليسمعه أنه استمع، بل يقال: سمع وتسوية الصحاح بين جدب وحيد، واجتدب واجتبد في المعنى دليل على صحة التمثيل باجتدب. (1/202)
صفحة 203
ومن معاني افتعل: معنى تفاعلوا نحو: اختصموا أي تخاصموا، واشتركوا أي تشاركوا، واجتوروا أي تجاوروا، وازدوجوا، أي تزاوجوا، لكن قلبت التاء دالاً لوقوعها بعد الراء كما بسطته في في محله، ويدل على أن اجتوروا وازدوجوا بمعنى تجاوروا وتزاوجوا عدم الإعلال فيهما، مع وجود علته فيهما تبعاً لعدمه في تجاوروا وتزاوجوا، لما كان في معنييهما، وبسطت ذلك في محله، ومن ذلك قوله تعالى: (يخصِّمون) بفتح الياء وتشديد الصاد أصله يختصمون، نقلت فتحة التاء للخاء، وأبدلت صاداً لما مرَّ في اصطفى من اجتماع حرف همس وحرف إطباق، وأدغمت في الصاد.
ومن وزن افتعل: استكان من السكون، أشبعت فتحة الكاف فتولدت الألف، والأولى أن يكون استفعل من الكون، فألفه هي واو الكون، والأشهر في الإشباع أنه ضروري، وقد خرج بعض على الإشباع قوله تعالى: (فما استكانوا) ومن وزن افتعل يهدي بفتح الياء والهاء، وتشديد الدال أصله يهتدي بسكون الهاء، وفتح التاء وعدم تشديد الدال، نقلت فتحة التاء للهاء، وأبدلت دالاً، وأدغمت في الدال.
ومن معاني افتعل: التسبب والسعي في الشيء، ويعبر عنه بالمبالغة في المعنى وغيرها مما مرَّ، وتعبير السعد بزيادة المبالغة في المعنى مشكل، لأن المبالغة لم توجد في أصل افتعل حتى يزاد عليها مبالغة في افتعل، فإنه مثل باكتسب أي اضطرب في الكسب، والمبالغة مدلول اكتسب لا مدلول أصله، وهو كسب، فالأولى أن يقول للمبالغة في المعنى لا لزيادة المبالغة في المعنى.
ويجاب: بأن الإضافة للبيان، أي لزيادة هي المبالغة، فالزيادة بمعنى المزيد أو بأنه من إضافة المصدر لمفعوله بعد حذف فاعله، أي لزيادة المتكلم المبالغة على أصل المعنى، أو من إضافته لفاعله، لأن زاد يلزم ويتعدى، أي ولحصول المبالغة أو زاد بمعنى ازداد تأويلاً، أي لازدياد المبالغة، وأشار بالمثال إلى قوله عز وجلَّ: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت). (1/203)
صفحة 204
قال جار الله: فإن قلت: لم خصَّ الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟
قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجزبة إليه، وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم يكن ذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والتصرف أ. هـ.
قال الجار بردي: فالكسب تحصيل الشيء على أي وجه كان، والاكتساب المبالغة الاعتمال فيه، ففي الآية تنبيه على لطف الله تعالى بخلقه، أثبت لهم ثواب الفعل على أي وجه كان، ولم يثبت عليهم عقاب الفعل إلاَّ على وجه مبالغة واعتمال فيه أ. هـ.
قال اللقاني: ما لجار الله هو مبني ما ذكره الجار بردي من تعريف الكسب والاكتساب، والتنبيه على سر الآية، فقول الغزى إنهما متخالفان، وإن قول جار الله ومن تبعه لما كان إلخ أولى من قول الجار بردي سهو، وقد يقال: لا سهو بل متخالفان، فإن الجار بردي ذكر أن الشر يقع على مبالغة وعدمها، وجار الله ذكر أنه يقع على مبالغة، والجار بردي صرح بأنه لا عقاب على المعصية، إلاَّ أن فعلت بمبالغة، وليس كذلك، وجار الله ذكر أن المعصية على الإطلاق تشتهيها النفس، وتعلمها أكثر من عمل الخير فيفيد أنه يعاقب على المعصية مطلقاً، وهو الحق إلاَّ الصغيرة، فإنه لا يعاقب عليها من اجتنب الكبائر، وأما من مات بالكبائر فلا صغيرة عنده إلاَّ وقد رجعت كبيرة يعاقب بها، كما هو مذهبنا معشر الإباضية.
ولكن آلحق عندي أن الصغيرة لا ترجع كبيرة على الحقيقة بل الإصرار عليها يكون كبيرة، ومن معاني افتعل الإغناء عن الثلاثي فيفيد معناه، كالتحى أي طلعت لحيته، واستلمت الحجر أي قبلته، وهو افتعلت من السلمة، ويقال أيضاً، استلأمتُ الحجر بلام ساكنة بعدها همزة مفتوحة. (1/204)
صفحة 205
وقال بعض الكوفيين: همزته زائدة، وأن وزنه افتعألت بسكون العين وفتح الهمزة بعدها، ويرده إنه ليس من أبنية المزيد هذا الوزن، بل همزته أصل، ووزنه استفعلت فسينه زائدة من اللأمة، وهي آلة الحرب، واستلأمتُ الحجر تحصنت به، فهو في المعنى كاللأمة بجامع التحصن.
ومن معاني افتعل: فعل الفاعل بنفسه: كادهن واكتحل، واضطرب قاله صاحب التحقيق والغزى. قلت: ادهن واكتحل داخلان في موافقة الثلاثي، واضطرب للمبالغة والاجتهاد، وإنما قالا ذلك تبعاً للناظم في شرح التسهيل، كأنه يريد لا ثلاثي من معناه، وقد يقال هو من قولهم ضرب إلى كذا أي مال إليه، من معانيه معنى تفعل كابتسم واغتدى، أي تبسم وتغدى.
ومن معانيه: معنى استفعل كارتاح واعتصم، واختفى واحتمى، أي طلب الراحة والعصمة والخفاء والحمى.
ومن معانيه: التقحم والتولج، كأدخلوا وأتلجوا أصلهما ادتخلوا واوتلجوا، قلبت التاء دالاً، وأدغمت فيها الدال، والواو ياء لسكونها بعد همزة وصل مكسورة، وقلبت التاء تاء، وأدغمت في التاء، وعبر عنه بعضهم بموافقة تفعل بتشديد العين أي تدخلوا وتولجوا بتشديد الخاء واللام.
قال صاحب التحقيق: وهذا المعنى في تفعل أمكن من غيره، ولذا يعبر عنه بموافقة تفعل، وزاد في شرح التسهيل الناظم من معاني افتعل قبول فاعله أصله كافتضح، أي قبل الفضيحة، قلت: هذا داخل في مطاوعة الثلاثي.
قيل: ومن معانيه التنقر والخطف، ومثل لهما باستلب، فانظر ما مرَّ. (1/205)
صفحة 206
تتمة: ما مرَّ من أن مراد الناظم باعتدل افتعل وزناً من الأوزان هو ما عليه أبو يحيى، وصاحب فتح الأقفال وغيرهما، ولك أن تقول لم يرد به وزن افتعل، وإنما أشار إلى افتعل بقوله في البيت الآتي: اتصلا، وإنما أراد باعتدلا تفسير أهبيخ، لأن الهبيخ تستوي أعضاؤه وتعتدل وهو الظاهر لكمال الاستفادة فيهما، أحدهما أفاد التفسير، والآخر أفاد الوزن، بخلاف ما إذا جعلنا اعتدل مراد به الإشارة إلى افتعل، فإنه لا يبقى لاتصلا إلاَّ تتميم البيت وزناً وقافية، فيكون زائداً، والاسيس أولى من الزيادة، وأما جعل اتصلا خبر الخلبس وسنبس، وألفه للاثنين أو خبر السنبس وألفه للإطلاق أو حالاً منهما أو منه كذلك ففي منزلة الزيادة للتتميم لأنه يغنيه عن ذلك عطف خلبس وسنبس مع أنه الأظهر.
هذا ولو قصد باعتدلا الوزن والتفسير تصريحاً في أحدهما وإشارة في الآخر لكان فيه نوع تورية، سواء جعل اتصلا للوزن أو للتتميم، وذلك أنه يحتمل اعتدل الوزن والتفسير، فإن جعل المعنى المتبادر الوزن كانت إرادة التفسير تورية، وإن جعل المتبادر التفسير كانت إرادة الوزن تورية، واتصلا إذا جعل للوزن مع جعل التورية في اعتدلا للإيضاح.
الإعراب: فعل أول البيت معطوف على اعلم أو على ما أضيف إليه مع أو على انفصلا، وهكذا ما يأتي بالعطف كل واحد معطوف على متلوّه أو على ما أضيف إليه مع أو على أعلم.
وذا حال من أفعل مضاف لألف، وفي الحشو متعلق لمحذوف نعت لألف، أو متعلق برابعة، أي متربعة في الحشو لا في الآخر، والأول أولى. (1/206)
صفحة 207
ورابعة بالجر نعت لألف أيضاً أو بالنصب حال من ضمير الاستقرار في الحشو لا حال من الألف، ولو وصفت لأنها مضاف إليها، والمضاف إليه لا يأتي الحال منه إلاَّ إن كان جزء المضاف أو مثل جزئه، أو كان المضاف يصح عمله عند الناظم والجمهور وهو الصحيح، فبطل جعل صاحب التحقيق رابعة حال من ألف، لأنه لم يوجد واحد من ذلك، اللهم إلاَّ أن قيل بأن ذو بمعنى صاحب تعمل كالوصف، وهو قول من أقوال.
وعارياً معطوف على ذا بالواو، وفي بعض النسخ أو عارياً بأو، جعل بعض الواو للتقسيم، وأجاز أن تكون للتخيير، وبناؤه على أن أفعل مقصور من أفعال، ويجوز أن يبنيه على اتفاق معناها، بل أو على اختلافهما أي قل أفعال مريداً المبالغة، أو أفعل مريداً مبالغو دونها، ولكن في إثبات التخيير والتقسيم للواو بحث ذكرته في غير هذا، والواضح إبقاء الواو على حالها، ويجوز كون عارياً حالا من محذوف أي وافعل عارياً.
وكذا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، والكاف الآخرة حرف خطاب.
واهبيخ مبتدأ، والجملة مستأنفة إن جعل ما يأتى من الأوزان معطوفاً على اهبيخ أو كل على متلوه، ومعترضة إن جعل العطف على ما قبل اهبيخ على القاعدة، أو متعلق بمحذوف حال من اهبيخ متقدم هو وظرفه عليه أو ظرفه فقط لأن صاحب الحال ولو كان مجروراً بالعطف حينئذ، لكن لم يتصل به الجار، وعليه بما يأتى من الأوزان كل معطوف على متلوه، أو على متلوه، أو على ما مرذذ.
واعتدلا معطوف على الكيفية المذكورة إن جعل وزناً، وإن جعل تفسيراً الأهبيخ كان حالا منه على حدّ ما مرّ في قوله: مثل جلا، أو قدرت له أي التفسيرية فيكون على حد ما مرّ في قوله: أي ذملا، والله أعلم وله الحمد.
تدحرجت عذيط احلولي اسبطرتوا
لي مع تولى وخلبس سنبس اتصلا
تضمن هذا البيت ثمانية أوزان إن لم نعد اتصلا، واستعنينا عنه باعتدلا في البيت قبله أربعة، وإن عددنا اتصل في هذا البيت ولم نعد اعتدل كان في البيت الذي قبل ثلاثه، وفي هذا تسعة. (1/207)
صفحة 208
الوزن الأول: تفعلل، بزيادة التاء مفتوحة أولا، وفتح الفاء وسكون العين، وفتح اللام الأولى، وحروفه أصول إلا التاء، وهو خماسي من مزيد الرباعي.
قال صاحب تحقيق المقال: المزيد في الرباعي إما نون: ثالثة: وتجتلب همزة الوصل لسكون أوله كاحرنجم وقد تقدم، أو تاء كتدحرج وهو الذي في هذا البيت أولا، أوحرف تضعيف كاقشعر وسيأتى إن شاء الله بزيادة إيضاح منى.
والظاهر إنه إما واو في كلامه لمنع الخاو، وهو أيضاً قطعاً لمنع الجمع، فيوجب ذلك حصر مزيد الرباعي في تلك الثلاثة، وهو صحيح، وعليه السعد، وزاد بعضهم رابعا من مزيد الرباعي وهو افعلل بتشديد اللام الأولى، كاجرمرّ بتشديد الميم، واخرمس كذلك.
قال السيوطي: قال أبو حيان: ويظهر لي أنه من مزيد الثلاثي غير الملحق وغير المماثل. أ.ه.
وهو أغنى الوزن الأول الذي هو تفعلل لمطاوعة الرباعي غالباً كدحرجته فتدحرج، وسربلته فتسربل، وتدحرجت في البيت أصلها تاء التأنيث الساكنة، حكيت في الكلمة، المدحرج المدود، ودحرجه فتدحرج أيضاً تتابع في حدور، وقد تكون المطاوعة في فعلل تقديراً كتبختر وتمسكن وتمدرع، إذ لم يسمع بختر ومسكن ومدرع، ولو قال الناظم: تفعللت بدل قوله تدحرجت لكان أشمل لأنه يعم تدحرج ما ألحق به مثل تجلبب أي لبس الجلباب، وتجورب لبس الجورب، وتفيهق أكثر في كلامه، وترهوك أي تبختر وتمسكن أي أظهر الذّل والمسكنة، وهذه ملحقة بتدحرج ونحوه من قولهم: تشرجف أي تهيأ للقتال، وتجرثم سقط من علوّ، وتجرجم وتغرغر على ما مرّ في مثلهما، وتدربس تقدم، وتبرقعت الجارية إذا لبست البرقع.
والإلحاق في تلك الكلمات بواسطة تكرير الباء، وزيادة الواو والياء والميم لا بالتاء، لأن الإلحاق لا يكون من أول الكلمة، والتاء إنما دخلت لمعنى المطاوعة كما كانت كذلك في تدحرج، والميم في تمسكن زائدة كالتاء، ومن قال: أصل فقد سها، وعن بعضهم كأنهم اشتقوا من لفظ الاسم كما يشتقون من الجمل كبسمل. (1/208)
صفحة 209
قال القزويني: شرط الملحق بالرباعي أن يتصرف تصرفه، ويوازنه في جميع الأحوال كجلبب يجلبب جلببة وجلباباً كدحرج يدحرج دحرجة ودحراجاً، وإن فقدت الموازنة في بعض لم يكن ملحقاً. مثل: فاعل وافعل وفعل بتشديد العين، فإن أوزانها كدحرج لكن لا توازنه في مصدره.
واعلم أن نحو: تمسكن يعده من يعد مجرد الأوزانا وزناً من الأوزان، ومن لا يعد الملحق لم يعده، ومثله تمدْرع، ويقال: لنحوهما تمفعل.
قال سيبويه: وهو قليل.
قال في بغية الآمال: وقالوا أيضاً تمندل وتمخرق وتمنطق وتمغفر وتمعثر، وهذه ألفاظ شاذة، وإنما الكلام تدرع وتسكن وتندل وتنطق، والميم زائدة، لأن تمدرع من الدرع وتمسكن من السكون، وهكذا.
وأما تنعدد فالميم أصل لقولهم معد فوزنه تفعلل، وإنما كانت شاذة لخروجها عن القياس بزيادة الميم ثانية، وحكمها أن تزاد أولاً في الموضع الذي لا تزاد فيه الواو، لأنها صارت خلفاً عنها أ. هـ.
ولذلك قيل: لم تعهد زيادة الميم أولاً إلاَّ فيما ذكر، قلت: لعل ذلك في غير الأوصاف والمصادر، وأسماء المكان والزمان والآلة ونحوها، فإن زيادتها، أولاً في ذلك مقيسة كثيرة: كمكرم بفتح الراء وكسرها، ومضراب ومضروب، ومقتل بفتح الميم أي قتال ومقاتلة، ومدخل بالفتح للميم والخاء أي زمان الدخول أو مكانه ومفتاح.
قال صاحب التحقيق: ولما ذكر في التسهيل فوعل وفعول وفعلل ذا الزيادة، وفيعل وفعيل وفعلى، وأنها ملحقات بفعلل قال: ونزاد التاء قبل متعدّياتها للإلحاق بتفعلل، وهذا كما تراه، لأنه جعل التاء للإلحاق، ولو كانت له ما اشترط التعدي، لأنها إذ ذاك للمطاوعة والإلحاق بغيرها وقع بغيرها، ولو قال قبل لازمها للإلحاق بتفعلل لكان صواباً لأنها لا فائدة (ح) إلاَّ لالحاق فتأمله، وقد قال غير واحد: إن التاء تدخل عليها كلها أ. هـ.
قلت: وما ذكر الناظم من أن التاء للإلحاق مخالف لما مرّ آنفاً. (1/209)
صفحة 210
الوزن الثاني: فعيل بفتح الفاء وسكون العين بعدها ياء مفتوحة زائدة، وهو رباعي من مزيد الثلاثي للإلحاق بالرباعي المجرد نحو: عذيط بالعين المهملة، والذال المعجمة، فهو عُذيوط بضم العين والياء وسكون الواو سكوناً ميتاً وعِذيَوط بكسر العين وفتح الياء وسكون الواو سكوناً حياً، والمرأة عذيوط بالوجهين كذلك، وبالتاء وهنّ صفات على غير قياس، والقياس معذيط بضم الميم وفتح العين وسكون الذال وكسر الياء كمدحرج، والمعذيط الذي يحدث عند الجماع، وعبارة بعضهم الذي يسبقه الحدث عند الجماع، قال الشاعر:
إني بليت بعُذيوط له بجر
يكاد يقتل من ناجاه إن كشرا
والمصدر العذيطة كالدحرجة، والاسم العذط بفتح العين والذال متلوة بالطاء، ويقال في الوصف أيضاً على غير قياس عذووط بضم العين والواو الأولى، وعذوط بكسر العين وفتح الواو متلوة بالطاء، والجمع عذيوطون وعذائط وعذاويط، وعن بعضهم: إنما يقال عيذط بالياء بعد العين وهو غريب مرادف لعذيط في الوصف وغيره، قال بعضهم لا يشتق عذيط ولا عيذط، لأن العذط خلقة، ومن وزن عذيط رهيأ العمل وشطيأه بالهمز، أي لم يحكمه قاله أبو يحيى.
وطشيأ رأيه بتقديم الطاء أفسده ورهيأه وشطيأ وزهيأ ضعف أو توانى، أو جعل أحد العدلين أثقل من الآخر أو اغرورقت عيناه بالدموع جهداً أو كبراً أو حمل حملاً ولم يشده وهو يميل، ورهيأه حركة أو كفَّاه بتشديد الفاء ورهيأ السحاب تهيأ للمطر، ورهيأ في أمره هم به، ثم أمسك عنه، وهو يريد فعله فهو متحير متردد، أو خلط فيه، ورهيأ عنه لم يغرم عليه، ورهيأ اضطرب ولم يثبت على رأي، وكذلك شطيأ، وقيل: هو بمعنى لم يحكمه أو أفسده فقط، وذلك وزن نادر.
قال الناظم في شرح التسهيل: وفعيل مما أغفله سيبويه أ. هـ.
قال أبو حيان: قال بعض أصحابنا: يعني العلماء الأندلسية قولهم شطيأ رأيه ورهيأه لا حجة فيه على إثبات فعيل، بل يحتمل أمرين: (1/210)
صفحة 211
أحدهما: أن تكون الياء أصلاً في بنات الأربعة لئلا يؤدي إلى بناء لم يستقر في كلامهم وهو فعيل.
الثاني: أن يكون أصله رهيا أي بالألف زائدة، والياء أصل فهو على وزن فعلى، ثم أبدلت الهمزة من الألف أي فوزنه بعد الإبدال فعلأ بالهمزة بعد اللام نظراً للفظه.
وأقول: من ذلك شريف الزرع قطع ورقة إذا كثر وطال حتى يخاف فساده، فهو من الشرف أي العلو الحسي، وذلك الوزن كما مرَّ ملحق بدحرج، ويلحق به أيضاً فوعل كجورب، وفعول كهرول، وفعلل كجلبب، وشملل أي أسرع، وفيعل كبيطر، وفعنل كقلنس، وفعلى كسلقى زاد بعضهم عفعل كزهوق وكهلقهم، وفهعل كرهمس، وفعلن كقطرن، وتفعل كترمس، وفعتل نحو كلتب، وفعمل كجلمط، وفعلم كغلصم، وفنعل كسنبل، وفمعل كزملق، وفعلس كخلبس وسفعل كسنبس.
(م17 ـ لامية الأفعال جـ2)
تتمة: تزاد الياء بشرط أن يكون معها أكثر من أصلين، وأن لا تكون في مثل سمسم، وأن لا تتصدر قبل أربعة أصول في غير المضارع نحو: صيرف وقضيب وحدرية بكسر فسكون أرض غليظة قطعة فهي أصلية في بيت وبيع، لأن معها أصلين فقط، وفي يؤيؤ بضم الياء بينهما واو ساكنة مهموزة، وآخره واو مهموزة لطائر ذي مخلب يشبه الباشق، لأنه من باب سمسم، وفي يستعور بفتح الياء وسكون السين وفتح التاء، وضم العين المهملة لتصدرها قبل أربعة أصول، ووزنه فعللول، والزائد الواو وهو شجر يستاك بعيدانه، قاله خالد تبعاً للمرادي، وذكر أنه الصحيح، لأن الاشتقاق لم يدل على الزيادة في مثله إلاَّ في المضارع نحو: يدحرج فإن ياءه زائدة، ولو تصدرت قبل الأربعة لدلالة الاشتقاق كدحرج ودحرجة وداحرجاً ومدحرج.
وقال الجوهري: اسم موضع عند حرة المدينة، وكساء يجعل على عجز البعير، واسم من أسماء الدواهي، ويقال ذهب في اليستعور أي في الباطل حكاه خالد عن الجار بردي. (1/211)
صفحة 212
الوزن الثالث: افعوعل بزيادة همزة الوصل والواو الساكنة بين العينين الزائدة إحداهما على الخلاف المفتوحتين، وهو سداسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق، وهو مضاعف العين، لكن فصلت بينهما الواو، والغالب فيه القصر نحو: اغدودن النبت طال، وكذا غير النَّبت، واغدودن تنعم أو لان أو حسن واسترخى أو فتر، ونحو: اغرورقت عيناه بالدموع كأنها غرقت في دمعها، واحضوضل ابتل، واخلولق السحاب استوى، وصار خليقاً للمطر، واخلولق الرسم استوى بالأرض، واخلولق بطن الفرس املس، اخلولق يفعل كذا، وادرنقع الرجل بالقاف فر من الشدة، واحقوقف الرمل أو القمر اعوج، واعشوشب المكان كثر عشبه، واعشوشبت الأرض أنبتت العشب، واعشوشب القوم أصابوا عشباً.
واحلولى إذا كان بمعنى طاب وصار حلواً، أو عظمت حلاوته، واقلولى زيد جد في السير أو رحل أو قلق أو تجافى أو انكمش، واقلولى في الجبل صعد أعىلاه فأشرف، ومثله اقلولى الطائر وقع أعلى الشجرة، وادلولى مرّ سريعاً، واخدودق الليل أرخى سدوله، واغدودق المطر كثر قطره.
وقد يجيء متعدياً نحو: احلوليته أي استحليته واسطييته قال الشاعر:
لو كنت تعطي حين تسأل سامحت
لك النفس واحلولا لكل خليل
أجل لا ولكن أنت ألأم من مشى
وأسأل من صماء ذات صليل
وقال حميد بن ثور: فلما أتى علمان بعد انفصاله عن الضرع، واحلولى دماثاً يرودها، وهكذا حيث كان بمعنى استفعل الدال على الفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه، ونحو: اعرورى زيد البعير أو أي دابة أي ركبها، وهو أعنى زيداً عريان، واعرورى قبيحاً أتاه، وأما اعرورى بمعنى سار في الأرض وحده، فلازم. (1/212)
صفحة 213
وظاهر قول الجار بردي، وقد جاء في افعوعل لفظان متعديان نحو: احلوليته استطييته، واعروريته ركبته عرياناً أنه لم يجئ غيرهما فلا نسلمه، أو أنه لم يطلع إلاَّ عليهما فلا غبار، ولا فعوعل معان منها المبالغة، ومثل لها السعد، وصاحب التحقيق باعشوشبت الأرض كثر عشبها، وقد مرَّ أنه يقال أيضاً اعشوشب وجد العشب وأصابه، فهو لوجود الشيء، واعشوشبت الأرض أنبتت العشب، فهو للإيجاد.
ومثل الطبلاوي باخشوشن مبالغة في الخشن، ومثل به صاحب التحقيق أيضاً، وباعدودن الشعر أي طال وتم، ولان، قال حسان:
وقامت ترائيك معدودنا
إذا ما تنوء به آداها
واغدودن النبات اخضر حتى ضرب إلى السواد من شدة ريه، وجعل سيبويه من المبالغة احلولى الشيء أي حلا جداً، وجعل منها اخلولق أن يفعل، واخلولج التوى وتعسر، وجعل الجوهريّ احلولى بمعنى حلا مخالف لكلام سيبويه، وهي أعني المبالغة غالب معاني افعوعل.
ومنها الصيرورة كاحلولى إذا كان بمعنى صار حلواً، واحقوقف الجسم صار أحقف منحنياً، واحقوقف الرمل صار أعوج، والحقف بكسر الحاء وسكون القاف المعوج من الرمل، والجمع أحقاف وحقاف وحقوف، وجمع الجمع أحقفه وحقفة، أو الرمل العظيم المستدير أو المستطيل المشرف، واحلولى الشراب إذا كان بمعنى زادت حلاوته ليس للصيرورة كما زعم في فتح الأفعال وصغيره بل للمبالغة.
ومن معانيه: معنى المجرد نحو: اخلولق أن يفعل أي خلق أن يفعل واحلولى بمعنى حلا، واخلولج بمعنى خلج أي التوى وتعسر ذكر الثلاثة الجوهري، وأصل احلولى احلولو، تحركت الواو الآخرة وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، وقيل: ياء ثم ألفاً وكذا ما أشبهه.
ومن معاني افعوعل: مطاوعة المجرد نحو: ثنيته فاثنونى، ومنها قراءة (تثنون صدورهم) بفتح تاء المضارعة وهي الأولى وسكون الثاء المثلثة وفتح النون وسكون الواو وكسر النون الآخرة، لأنها في المضارع. (1/213)
صفحة 214
واعلم أن الصيرورة وإن كانت أعم من موافقة المجرد ترجع إلى معنى الموافقة، لأن كل ما كان على صفة يقال فيه صار كذا، واخلولق والخلولج قابلان للمبالغة، فلا يعدل عنها ما أمكنت، وكذا مطاوعة فعل فإن تثنوني قابل للمبالغة كذا قال صاحب التحقيق.
وأقول: الحق أنه لا يقال على الحقيقة صار كذا إلاَّ إذا كان قبل ذلك على غير تلك الصفة، وأنه إذا قيل في غير ذلك صار كذا فهو مجاز.
ومن معاني افعوعل: موافقة معنى المجرد مع إغنائه عنه نحو: اعروريت وادلولى أي جد في السير أو انطلق مستخفياً، والذي يدل عليه كلام سيبويه أن افعوعل للمبالغة والتوكيد، أو الإصابة كاحلولى دماثاً يرودها أو الإغناء عن المجرد، ولزم الزيادة له، وبناء الفعل عليه، قال: وربما بنى عليه الفعل فلم يفارقه، كما أنه قد يجيء الشيء على افعلت وافتعلت ونحو ذلك لا يفارقه بمعنى قاله صاحب التحقيق.
قلت: المراد بالمبالغة والتوكيد واحد، وبالإغناء عن المجرد ولزوم الزيادة أي زيادة الحروف، وبناء الفعل عليه واحد، وقد مرَّ أنه يجيء افعوعل بمعنى استفعل الدال على إلغاء الشيء بمعنى ما صيغ منه فيتعدى لذلك.
واعلم أن جعل تلك الأمثلة ونحوها من باب افعوعل متعين، لأنه لا تجعل من باب افعلعل لأنه وزن مفقود في الأفعال، ولا يقال لنا أن نقول إنها افعلعل وأنه غير مفقود، وليس افعوعل لأنا نقول الدليل على أنها افعوعل ثبوت الواو زيادة في نحو اعشوشب، ولا دليل على أنها افعلعل، والمعتل محمول على الصحيح، والتردد دائماً هو في المعتل، ولعل من قال: افعلعل مفقود أراد أنه مفقود في الصحيح، فكيف يدعي وجوده في المعتل من غير دليل، وذلك أن الواو تثبت في الواوي نحو: احلولى، وفي اليائي نحوك اثنونى، ولو كان افعلعل اثنينى، ولا موجب لقلب الياء الأولى واواً. (1/214)
صفحة 215
قال صاحب التحقيق: ولما عارض سيبويه هذان في الفعل، لم يدع أن وزن اقطوطى أي أسرع افعلعل وهو افعوعل من القطور، أصله اقطوطو، فقلبت الواو الآخرة ياء فقيل اقطوطى بفتح الياء بعد الطاء، لانقلابها كذلك في المضارع، وهذا هو الموجب لقلب كل واو رابعة فصاعداً بدون أن يعد حرف المضارعة، فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقيل تقلب الواو أولاً ألفاً لا بعد قلبها ياء، وإن لم يجعل الأئمة تلك الأمثلة من باب افعلعل بتضعيف العين واللام، مع أن مضعفهما أوسع وأكثر مما ضعفت عينه فقط وجعلوها من باب افعوعل المضعف العين فقط، لفقد افعلعل في الفعل كما مرَّ لما مرَّ.
وجعل سيبويه اقطوطى مرة افعوعل لتكون الواو بعد الطاء زائدة في الاسم والفعل ومرة فعلعللكونه أوسع البابين لأن ما ضعفت عينه ولامه كصمحمح أكثر مما ضعفت عينه فقط كعثوثل كما مرَّ والله أعلم.
تتمة: شرط زيادة الواو أن يكون معها أكثر من أصلين، وأن لا تكون كلمتها من باب سمسم الرباعي المضعف على هذه الكيفية، وأن لا تتصدر الواو نحو: جوهر وعجوز، وافعوعل وعَوقُوة بفتح فسكن فضم الخشبة المعترضة على رأس الدلو، فهي أصل في نحو سوط، وقول: لأن معها أصلين فقط، وكذا في تقول بالتشديد ونحوه، وأصل في نحو: وعوعة لصوت السبع، لأنه من باب سمسم، وفي ووَرَنتَل بفتح الواو والراء والتاء وسكون النون بينهما للنسر، لأنها تصدرت قبل أربعة أصول وذلك هو الصحيح.
وزعم قوم أنها زائدة وهو ضعيف، لأنه لا نظير له، وكون لامية جميعاً أصلين قول بعضهم وهو الصحيح، وقال الناظم كالفارسي: زائدة، فعلى كلام القولين وزنه فعنلل، واللام على الأول أصل، وعلى الثاني زائد. (1/215)
صفحة 216
الوزن الرابع: فعلل بزيادة همزة الوصل واللام الثانية، وهو بلام مفتوح غير مشدد بعده لام مشدد، وعينه مفتوحة وفاؤه ساكنة، وهو سداسي من مزيد الرباعي للإلحاق يقال له المقتضب، وتقدم تعريف المقتضب نحو: اسبطرّ بتشديد الراء أي اضطجع وامتد، واسبطرّ الشعر وغيره طل، واسبطرت الإبل مدت أعناقها لتسرع في سيرها، واسبطرت البلاد استقامت، واسبطرّ اضطجع وامتد، وغير ذلك من معاني اسبطر.
واسبكر اعتدل أو استقام، والمسبكر الشاب المعتدل التام، قال الشاعر:
إلى مثلها يرنو الحليم صبابة
إذا ما اسبكرت بين درع ومجول
واسبكر الشعر استرسل، واشمعل بالشين المعجمة أسرع أو أشرف، واشمعلت الإبل مضت وتفرقت مرحاً، واشمعلت الغارة في العدوّ انتشرت، واشمعل القوم في الطلب بادروا فيه وتفرقوا، واشمعلت الناقة نشطت، واشمعل الرجل خف وظرف أو طال، واشمعل اللبن حمض.
واسمعل بالمهملة الشعر استرسل، واسمأر الشيء بالمهملة والهمزة أي ورم، وابذعروا أي تفرقوا أو فروا، وابذعرت الخيل ركضت تبادر شيئاً تطلبه، وكذلك ابدفر ونحو: اقشعر أي أخذته قُشعريرة أي رعدة، واقشعرت السنة امحلت، واشمأز بالهمزة انقبض وجهه، واقشعر واشمأزت القلوب، واطرعش من مرضه برئ أو تمايل منه، واطرعش تحرك أو قام أو مشى، واطرغش القوم غيثوا وأخصبوا بعد الجهل، واطرغش الفر تحرك في الوكر.
واسمهر الأمر اشتد، واسمهر صلب، واسمهر اعتدل، واسمهر قام، واسمهر الظلام تنكر وتراكم.
واسجهر النبات طل وانبسط، واسجهر السراب تريه، واسجهرت الرماح أقبلت، واسجهرت السحابة ترقرق فيها الماء.
واسمدر ضعف بصره، واشمخر علا، واسمهل تم طوله، والمسمغل والمسمهل الطويل من الإبل والضامر.
واسبغل الثوب ابتل بالماء، واسبغل الشعر ابتل بالدهن، واسبغل الشيء اتسع. (1/216)
صفحة 217
واكفهر الرجل تجهم، وفي الحديث: "إذا لقيت الكافر فالقه بوجه مكفهر" أي غير منبسط، ونحو: اطمأن وغير ذلك، وهو أعني ذلك الوزن الرابع بناء لازم كما في المغني، وشروح الألفية.
قلت: قد يجيء متعدياً، رأيت في القاموس: والشيء كرهه بنصب الشيء، أي واشمأز الرجل الشيء بمعنى كرهه، ورأيت التصريح به للروداني في حاشية التصريح، وتقدم مراراً الكلام في أنه بناء مقتضب، أو ملحق باحرنجم، وممن صرح باقتضابه الفارسي في إيضاحه، ونصه.
ومما ألحقته الزيادة من الأربعة قولهم: اطمأن واقشعر واشمأز، وهذا غير ملحق بشيء، ألا ترى أنه ليس من الخمسة فعل كما أن احمر أي بتشديد الراء كذلك أ. هـ.
قلت: بل لاحمر فعل ثلاثي وهو حمر كعلم كما مرَّ، وعدم الإلحاق ظاهر سيبويه.
قال صاحب بغية الآمال: الأصل افعلل بسكون اللام الأولى وفتح الثانية والثالثة، فكرهوا جمع مثلين محركين، فنقلوا فتح الثانية للأولى، وأدغموها في الثالثة، فأصل اقشعر اقشعرر بسكون العين وفتح الراءين، نقلت فتحة الأولى إليها وأدغمت في الثانية، ويدل على ذلك الرجوع إليه في نحو: اقشعررت، وإنما أدغموها لأنها غير ملحقة بشيء، ألا ترى أنه ليس فعل مثل اسفرجل، حروفه أصول كلها سوى الهمزة الوصلية، فيلحق به ذلك، وقد جاء على الأصل قالوا: اسمأدَدَ بالفك أي ذهب، وقد يخفف نحو اصطخم بتخفيف الميم، ويقال أيضاً بتثقيلها، ومثله في الاستدلال على عدم بالإدغام الإلحاق.
وقول صاحب التحقيق: ويدل علىعدم الإلحاق الإدغام، لأنه لو كان ملحقاً لم يدغم؟ (1/217)
صفحة 218
قلت: مرّ الجواب وصرح الناظم في التسهيل باقتضابه، ومثله صنيعه في النظم حيث صرح به بعد ما صرح باحرنجم، وهو ظاهر قوله في الخلاصة كذا افعلل، إلاَّ إن قيل راعي وزنه على ما صار إليه، وما تقدم عن صاحب بغية الآمال من أن الأصل افعلل بسكون اللام الأولى وفتح الثانية والثالثة هو الحق، سواء قلنا بالاقتضاب أو بالإلحاق، بدليل ظهور سكون الأولى وفتح الثانية عند اتصال التاء ونحوها، وبدليل ظهور ذلك في اسمأدَدَ كما مرَّ، فبطل قول صاحب تحقيق المقال: إن حركة اللام الأولى على الاقتضاب أصلية، والسكون في الوسطى أصل، وعلى الإلحاق بالعكس، وقد يطاوع فعلل كما يطاوعه تفعلل نحو: طمأنته بالهمزة، والأصل اطمأن بتقديم الهمزة على الميم فقلب قلباً مكانياً، وهو مذهب سيبويه، لأن المجرد الذي هو طأمَنَ بسكون الهمزة وتقدمها الميم وخفة النون أصل للمزيد فيه.
وقال الجرمي: طأن هو الأصل بسكون الميم مقدمة على الهمزة، وفتح الهمزة والنون الخفيفة، وطأمنَ مقلوبة بسكون الهمزة وتقدمها على الميم، وفتح الميم وخفة النون لكثرة تصرف طمأن، وكثرة التصرف دليل لأصالة قيل، والإلحاق به نادر كأبيضض بتشديد الضاد الثانية.
الوزن الخامس: تفاعل، بفتح التاء والعين بزيادة هذه التاء والألف بعد الفاء، وهو فاعل بفتح العين زيدت عليه التاء وهو خماسي من مزيد الثلاثي لغير الإلحاق، وقيل للإلحاق، وبتفعل بتشديد العين نحو توالى أصله توالى بفتح الياء قلبت ألفاً لتحركها بعد فتحة، ونحو: ادارك بتشديد الدّال أصله تدارك، سكت التاء وأبدلت دالا، وأدغمت في الدال وجئ بهمزة الوصل لئلا يبتدأ بالساكن، وله معان أشهرها وأصلها المفاعلة بين اثنين، أو أكثر، ويعبر عنها بالاشتراك في الفاعلية لفظاً، وفيها وفي المفعولية معنى، نحو: تضاربوا وتضاربا، وتضارب زيد وعمرو، فإن هذه المرفوعات هي الفاعل، والمعطوف على الفاعل فاعل، والكل ضارب ومضروب. (1/218)
صفحة 219
وعبارة السعد هكذا وهوى أي تفاعل لما يصدر من اثنين فصاعداً نحو: تضاربا وتضاربوا، قوله: لما يصدر إلخ أي للفعل الذي يصدر من اثنين فصاعداً من حيث إنه يصدر منهما، فيوافق أنه للمشاركة المذكورة، وبها عبر ابن الحاجب، والمراد المشاركة على وجه مخصوص، بأن كان فعل كل منهما متعلقاً بالآخر، فيخرج ما إذا ضربا أو ضربوا بكراً مثلاً.
قال الطبلاوي: قال بعضهم: فإن قيل صدور الفعل من الجانبين لا يتحقق في بعض المواضع كالتداخل، لأن الأكثر غير داخل في الأقل.
قلنا: إن قبول الفعل منزل منزلة نفس الفعل كما في قوله تعالى: (وواعدنا موسى) وقولهم: عالج الطبيب المريض أ. هـ.
قال اللقاني: وعبارة السعد تصدق بنحو: القرب والبعد، ولا يتعين فيه تفاعل لجواز قرُبَ زيد من عمرو، وبعُدَ عنه، فالأولى قول ابن الحاجب: وتفاعل المشاركة أمرين فصاعداً في أصله، أي في مصدر فعله الثلاثي صريحاًز
قال الجار بردي: وإنما قال صريحاً، احترازاً عن فاعل بفتح العين، ولأجل أنه يتشارك فيه أمران صريحاً نقص معمولاً عن فاعل بفتح العين.
وحاصله: أن وضع فاعل بالفتح لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقاً بغيره، مع أن الغير فعل ذلك مثلاً، ووضع تفاعل لنسبته إلى المشتركين فيه من غير قصد إلى تعلق به، فلذلك جاء الأول زائداً على الثاني بمفعول أبداً، فإن كان تفاعل من فاعل المتعدي إلى مفعول كضارب لم يتعد، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين كجاذبته الثوب تعدى إلى واحد، وقد يفرق بينهما من حيث المعنى، بأن البادي في فاعل معلوم دون تفاعل، ولذلك يقال أضارب زيد عمراً أم ضارب عمرو زيداًن ولا يقال ذلك في تضارب أ. هـ كلام اللقاني.
قال الطبلاوي: ولعل وجه الأولوية أن في عبارة ابن الحاجب التصريح بالمشاركة بين الاثنين فصاعداً، وأن تلك المشاركة في اصله لا فيه، فخرج القرب والبعد، فإن الدال على المشاركة هو لا أصله، إذ لا أصل له. (1/219)
صفحة 220
قال البخاري: وقد يجاب عن أصل السؤال بأن الكلام في الدلالة بحسب الهيئة، فلا يرد القرب والبعد، فإن دلالتهما على ما ذكر بحسب المادة لا الهيئة أ. هـ.
قال ابن قاسم: لا ينبغي أن يفهم أن مراد الشيخ الاعتراض، لأن عدم التعين فيما ذكر لا ينافي ذلك، إذ قولنا: هذا اللفظ لهذا المعنى لا يدل على انحصار ذلك المعنى في ذلك اللفظ، فكونه لما يصدر من اثنين إلخ لا يقتضي حصر ما ذكر فيه، بل غاية ما يقتضي حصره فيما ذكره، ولهذا يصدق قوله، وهو لما يصدر من اثنين بنحو الضرب، مع أنه لا يتعين فيه تضارب، لجواز ضارب زيد عمراً فليتأمل.
قال السعد، واللقاني، وصاحب التحقيق وغيرهم: إن كان تفاعل مأخوذاً من فاعل المتعدي إلى مفعولين تعدى لواحد نحو: نازعت زيداً الحديث، وتنازعنا الحديث، قال الله عز وجلّ: (يتنازعون فيها كأساً) قال امرؤ القيس أبعده الله:
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت
هصرت ببغض ذي ـشماريخ ضيال
وإن تعدى لواحد فتفاعل لازم كضاربت زيداً، وتضاربنا.
قال السعد: وإنما نقص تفاعل مفعولاً عن فاعل، لأن فاعل وضع لنسبة الفعل إلى الفاعل المتعلق بغير الفاعل، وهو المفعول الصالح للمشاركة في نحو: ضارب زيد عمراً، ونازعته الحديث، مع أن غير الفاعل وهو المفعول المذكور فعل ذلك الفعل بالفاعل المذكور.
قلنا: ولذلك كان فاعل دالاً على المشاركة كتفاعل لكن لا صريحاً، وتفاعل وضع لنسبة الفعل المذكور إلى المشتركين فيه من غير قصد إلى تعلق ذلك الفعل بغير الفاعل وهو المفعول. (1/220)
صفحة 221
قال اللقاني: ووجه دلالة ذلك على أن تفاعل ينقص عن فاعل بمفعول أن المفعول الذي تعلق به الفعل على وجه المفعولية في فاعل نسب إليه الفعل في تفاعل على وجه الفاعلية، أي والذي تعلق به الفعل على وجه المفعولية في فاعل قد يتعدد كما مرَّ في نازعته الحديث، فالهاء والحديث مفعولان لنازع، والذي ينسب إليه الفعل في تفاعل أحدهما فقط، وهو مرجع الهاء، ولذا نقص مفعولاً وما عدا ذلك الواحد باق بحاله وهو الحديث، فقوله: مع أن غير الفاعل إلخ قيد لقوله: بغير الفاعل، فالمعنى المتعلق بغير الفاعل على وجه أن غير الفاعل فعل ذلك الفعل أيضاً، فلا يرد على قوله، لأن فاعل وضع لنسبة الفعل إلخ أنه موضوع لنسبته إلى الفاعل المتعلق بغيره، أي بغير الفاعل المذكور، وغيره هو المفعول كالحديث في نازعته الحديث، لأن قوله: وضع لنسبة إلخ لا ينافي وضعه لزيادة على ذلك تأمل.
وربما وجد في اطلاقات الأئمة مثل ثعلب أن تفاعل لا يتعدى.
قلت: مرادهم تفاعل المأخوذ من فاعل المتعدي لواحد، وهو الأكثر، فإطلاقهم جار على الأكثر، ومن أراد أن تفاعل مطلقاً لا يتعدى سها، ويأتي مزيد كلام على ذلك.
ومن معاني تفاعل: مطاوعة فاعل الموافق لأفعل في التعدي، كضاعفت الشيء فتضاعف، وباعدته فتباعد، وواليت الصوم فتوالى، وتابعته فتتابع. (1/221)
صفحة 222
ومن معانيه: تخييل اتصاف الفاعل بأصل الفعل، وإن شئت فقل تخييل تارك الفعل كونه فاعلاً، وإن شئت فقل: إظهار الفاعل خلاف ما هو عليه، وعبر السعد بالتكلف نحو: تجراهل زيد، فإن الفاعل وهو زيد خيل نفسه متصفاً بالجهل، وهو أصل الفعل، فإن الجهل أصل لجهل وتجاهل أو أصل لجهل، والتجاهل وتجاهل أصله التجاهل، وقد خيل زيد وهو الفاعل التارك للفعل الذي هو الجهل كونه فاعلاً للجهل، متصفاً به، وقد أظهر الفاعل الذي هو زيد الجهل الذي هو خلاف ما هو عليه من العلم، وأظهر الجهل من نفسه، والحال أنه منتف عنه وهو المراد بقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: "ولا تجاهل في الإسلام" ونحو: تمارض أي جعل نفسه كأنه مريض، وتعارج أي جعل نفسه كأنه أعرج، وتعامى جعل نفسه كأنه أعمى وفعل أفال من ذكر، ويعبر عن ذلك أيضاً بالإيهام بالمثناة تحت، وبالتخييل وبالإيهام سماه ابن عصفور كما في بعض الحواشي على الجار بردي.
قال في بعض الحواشي: والإيهام أن يرى أنه في حال ليس فيها وأنشد:
إذا تخازرت وما بي من خزر
ثم كسرت الطرف من غير عور
وبعد:
الفيتني ألوى بعيد المستتر
أبزى إذا بوزيت من كلب
ذكر احمل ما حملت من خير وشر، وقوله: وما بي من خزر كاشف عن أن مراده إظهار ما ليس فيه من الخزر، وهو ضيق العين مع صغرها، أي ضيقت جفن عيني، وليس فيها ضيق ولا صغر، وعبارة الجار بردي في شرح ابن الحاجب ويجيء أي تفاعل ليدل على أن الفاعل أظهر أن المعنى الذي اشتق منه تفاعل حاصل له، مع أنه ليس في الحقيقة كذلك فمعنى تجاهل أنه أظهر الجهل من نفسه، وليس بجاهل في الحقيقة، ومراده بالمعنى الذي اشتق منه تفاعل هو معنى مصدر فعله المجرد، كما يفيده قوله: فمعنى تجاهل أنه أظهر الجهل، فإن لفظ الجهل مصدر جهل المجرد.
قلت: ومثل قوله إذا تخازرت وما بي من خزر بيت المعاني الذي هو قوله:
*تعاللت كي أشجى وما بك علة*
أي أظهرت العلة وليست فيك. (1/222)
صفحة 223
ومن معاني تفاعل: موافقة المجرد في المعنى نحو: تواقى إذا كان بمعنى وقى، وتعالى الله بمعنى علا، وتعاظم بمعنى عظم، وتوانى إذا كان بمعنى ونى، ولا يوافق المجرد المتعدي إلاَّ في المعنى، ولا يوافقه في التعدية، فتواقى موافق لوقى في المعنى، لا في التعدي، فهو بمعنى تحصن وتحرز.
ومن معاني تفاعل: موافقة أفعل كتساقط وأسقط، وتفعل كتعاهد، وتعهد، ومطاوعة فعل كنفقت الدراهم فتنافقت، وموافقة المجرد مع الإغناء عنه كتثاءب، فإنه ليس منه ثلاثي، وكذا تمارى وتوالى في النظم، قابل لتلك المعاني كلها خلا الآخر لا المطاوعة فاعل فقط، كما هو ظاهر فتح الأقفال.
نعم الأقرب أنه للمطاوعة كما في تحقيق المقال، ونص في الصغير على أنه يحتمل المطاوعة والاشتراك، وما مرّ من أن تفاعل ينقص مفعولاً عن فاعل، سواء فيه كان للمطاوعة أو غيرها، وإذا كان فاعل لازماً كان لازماً إن أمكن ذلك، وما مرّ ظاهر في أن لا بدَّ من مفعول في الجملة.
الوزن السادس: تفعل بفتح الكل وتشديد العين، نعم العين المدغمة ساكنة، وهو خماسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق، والزائد فيه التاء، وإحدى العينين على الخلاف المذكور، وقيل للإلحاق بتدحرج وهو الحق عندي، وعليه أبو يحيى ولم معان: منها مطاوعة فعل بتشديد العين وهو الأصل الأكثر فيه نحو: علمته فتعلم، وأدبته فتأدب، وكذلك عبر الشراح وغيرهم: ومثلوا وفي ذلك بحثان: (1/223)
صفحة 224
الأول: أن إضافة المطاوعة لفعل إضافة مصدر لمفعوله بعد حذف فاعله واستتاره على الخلاف، وهو تفعل وفي ذلك تجوز بإسناد المطاوعة لتفعل، وإيقاعها على فعل، وحقيقة الإسناد أن يقال لمطاوعة فاعل: تفعل فاعل فعل لأن المطاوعة قبول الأثر الناشئ من تعلق فعل الفاعل بمفعوله كقبول الإناء للإنكسار الناشئ من تعلق فعل الكاسر وهو الكسر بذلك الإناء في قولك مثلاً: كسرته فانكسر، فالمطاوع اسم فاعل هو المؤثر، إذ هو القابل للأثر، وهو الإناء لا الانكسار، والمطاوع اسم مفعول هو المتكلم لا الكسر الذي هو التأثير، لأن المطاوعة حقيقة بين الفاعل والمفعول، لا بين المفعول والفعل، كما حقق ذلك اللقاني.
وقد يحمل قولهم: مطاوعة فعَّل على تلك الحقيقة الإسنادية بأن يكون المعنى لمطاوعة تفعل من حيث فاعله فعل من حيث فاعله، أي لمطاوعة فاعل تفعل فاعل فعل، على أنه يمكن أيضاً أن يدعي أن ذلك الإسناد حقيقي اصطلاحاً كما قال ابن قاسم، وقد أسند الجار بردي أيضاً المطاوعة للفعل.
قال: ويجيء أي تفاعل للمطاوعة، ومعنى كون الفعل مطاوعاً كونه دالاً على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد به كقولك: باعدته فتباعد، فقولك: تباعد عبارة عن معنى حصل عن تعلق فعل متعد وهو باعد، أي بهذا الي قام به تباعد، وقد يتكلم بالمطاوع بالكسر، وإن لم يكن مع مطاوع بالفتح كقولك انكسر الإناء.
قلت: بل هو كثير ليس ذكر المطاوع بالفتح معه أكثر.
قال عبد القاهر: معنى كون الفعل مطاوعاً أنه قبل الفعل ولم يمتنع، والثاني مطاوع لأنه طاوع الأول والأول مطاوع لأنه طاوعه. (1/224)
صفحة 225
الثاني: قال بعض من حشى عليه أعني على الجار بردي قوله: ومعنى كون الفعل مطاوعاً إلخ هذا التعريف ذكر المصنف في شرح المفصل والضمير في به للمعنى بتقدير مضاف، أي بمحله أي بما قام به ذلك المعنى كما أفاده الشارح بقوله: أي بهذا الذي قام به تباعد أي أصله وهو التباعد واراد بالمصنف ابن الحاجب، وبالشارح الجار بردي وفي شرح المفصل بعد التمثيل للمطاوع بانكسر ما لفظه، فقولك: انكسر عبارة عن معنى حصل عن تعلق فعل متعد وهو الكسر به أي بهذا الذي قام به أثر الكسر، وهو الانكسار، قال اللقاني: وأراد بقوله: عبارة عن معنى أنه دال عليه كما لا يخفى.
البحث الثاني: تقدم تعريف المطاوعة مراراً، وعرفها السعد بحصول الأثر عن تعلق الفعل المتعدي بمفعوله، فإنك إذا قلت: كسرته فالحاصل له الكسر.
قال اللقاني: وأراد المطاوعة المجازية، وحصول الأثر هو مدلول تفعل مثلاً، والفعل المتعدي هو فعل مثلاً، قال: ولو أراد المطاوعة الحقيقية فسد التعريف، لأن حصول الأثر للمفعول في نفس الأمر، ناشئاً من تعلق الفعل المتعدي الذي هو الفعل الاصطلاحي الحاكي عن الفعل اللغوي، الذي هو الإيجاد الصادر منه، وتفعل وفعل مثلاً يخبران عن ذلك الحصول، وعن ذلك التعلق السابق كل منهما على الفعلين الكذكورين.
قال ابن قاسم: ويمكن حمل كلام الشارح يعني السعد هلى هذه الحقيقة بتكلف، بأن يراد بحصول الأثر حصوله في محله الذي هو المفعول، وهو المراد بقبول المفعول له، ويراد بالفعل في قوله عن تعلق الفعل المتعدي الحدث، وبتعلقه بمفعوله وقوعه عليه، لا مجرد نسبة الفعل الاصطلاحي إلى المفعول الاصطلاحي، وقد نبه الحللقاني على أنه الحصول من التعلق ليس لا زماً بل غالبا يتخلف كما في كسرته، فلم ينكير، وعلمته فلم يتعلم صرح به القاضي أعنى البيضاوي في (وعلم آدم الأسماء) ، قال: والتعلم فعل يترتب عليه العلم غالباً أ , هـ. (1/225)
صفحة 226
ويأتيك كلام الصبان إن شاء الله، ولأجل كونه غالياً يكتفي في الأعلام بحصول الأثر في الإعلام بالتأثير كقولك كسرته، وربما قررنا ينبغي أن يفهم قوله السعد، فإنك إذا قلت كسرته فالحاصل له الكسر على أن الحصول غالب لا واجب، هذا ما أشاروا إليه وأوضحته وبنيته، فاصغ لما أقوله وه الحق إن شاء الله.
وهو: أن علمته في قولك علمته فلم يتعلم، وكسرته في قولك كسرته فلم ينكسر، لم يرد بهما حقيقتهما وإلا ناقضها قولك فلم يتعلم واسم ينكسر، وإنما المراد معنياها المجازيان، أي فعلت ما يؤدى إلى تعلمهولم يتعلم، وفعلت ما يؤدى إلى انكساره ولم ينكسر، وكذا المراد في كسرته فانكسر، وعلمته فتعلم، وإلا لم يكن للترتيب معنى كذا ظهر لي، رأيت بعضهم لابن قاسم، فالحمدالله على موافقة عالم.
فلقائل أن يقول: إن الحصول من تعلق معنى الفعل الحقيقي لازم لا غالب، وأنه لا حاجة إلى أن يفهم قوله: فإنك إذا قلت: كسرته فالحاصل له الكسر، على أن الحصول غالب لا زم، بل يمكن فهمه على أنه لازم بناءً على أن المراد قول ماذكر على وجه الحقيقة قولا صادقاً كما هو وضع الخبر، بقي شيء وهو أن تفعل وهل هو مطاوع الفعل بمعناه المجازي أول؟
يكون مطاوعا له حينئذ قاله ابن قاسم، قال الطبلاوي: والظاهر أنه مطاوع له اصطلاحا.
قال الصبان: المطاوعة قبول فاعل فعل آخر يلاقيه اشتقاقاً، وإن شئت قلت: حصول الأثر من الأول للثاني مع التلاقي اشتقاقاً، والقيد الأخير لإخراج نحو: ضربته فتألم، وقد يتخلف معنى الثاني عن معنى الأول لتوقعه على شيء من جانب فاعل الثاني لم يحصل، كعلمته فيجوز أن يقال فما تعلم، بخلاف كسرته فلا يقال فما انكسر لعدم توقفه على شيء من المنكسر، كذا قالوا، وهو مبني على ما زعموه من كون علمته موضوعاً عالماً هو من جانب المعلم فقط. (1/226)
صفحة 227
وفيه بحث لأنه يلزم عليه أن لا يكون تعلم من قولك علمته فتعلم مطاوع علم، لأنه (ح) مثل: أضجعته فنام مما يقتضي ترتب الثاني على الأول، للثاني بلا مطاوعة أي مما يطلب كثيراً الأول فيه الثاني، وكذا علمته فما تعلم يلزم أن يكون مثل: أضجعته فما نام، لأن الحقيقة المنفية ليست (ح) لازمة المثبتة والإجماع، على أن تعلم مطاوع علم إثباتاً ونفياً، فالوجه أن علم لما هو من جانب المعلم والمعلم معاً، ولا يلزم التناقض في علمته فما تعلم، لاحتمال التجوز بعلمته في عالجت تعليمه، وأنه يجوز أن يقال كسرته فما انكسر على هذا التجوز، ولا وجه لمنعه فلا فرق (ح) بين علمته وكسرته في صحة المعنى المجازي في النفي دون المعنى الحقيق، فاحفظه أ. هـ كلام الصبان.
وهو حسن جداً وافقه ما ظهر لي فيما مرَّ، وأقول وجه التجوز إنه أطلق لفظ الفعل الحقيقي وهو الكسر مثلاً في كسرته فانكسر أو لم ينكسر، وأريد سببه وهو فعل ما يكون سبباً للكسر المذكور، فالمجاز ارسالي، أو يكون شبه السبب المذكور بالفعل المذكور، فأطلق لفظ الفعل وهو كسر عليه، فالمجاز استعاريّ تفهمُه إن شاء الله تعالى.
ومن معاني تفعل التكلف: كتحلم وتشجع، وتسخى وتندى وتصبر، قال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: "ومن يتصبر يصبره الله" قال حاتم:
تحلم عن الأدنَيْن واستبق ودهم
ولن تستطيع الصلم حتى تحلم (1/227)
صفحة 228
أي تعاطى وتكلف من نفسه، وحملها أن يكون حليماً وشجاعاً، وسخياً وكريماً ندياً، وصابراً ولن تستطيع الحلم الذي هو سجيه أو كالسجية حتى تكتسبه، بأن تحمل نفسك عليه، فالتكلف كما قال الصبان معاناة الفاعل على الفعل، أي اجتهاده فيه ليحصل، فتشجع مثلاً معناه تكلف الشجاعة وعاناها لتحصل فهو مجرد عنها، مريد حصولها، بخلاف التكلف في الوزن الخامس، وهو تفاعل فإن المتكلف بكسر اللام مجرد فيه عن المتكلف بفتحها، غير مريد حصوله، فإن تجاهل معناه أظهر الجهل، وتكلف أن يكون على هيئة الجاهل، مع انه ليس بجاهل، وأنه غير مريد حصول الجهل، وكذلك قال الجار بردي في شرح ابن الحاجب، والسعد في شرح الزنجاني.
قال الجار بردي بعد ذكره ما ذكره الصبان: ولما كان هذا أي تفعل ملتبساً بتفاعل من حيث إن كل واحد منهما غير ثابت، لمن ينسب إليه فرق بينهما، بأن معنى التفعل ممارسة الفعل ليحصل، ومعنى التفاعل إظهار الفعل على خلافه لا لتحصيله، بل يظهر أنه عليه، وأن الفاعل في تحلم زيد يطلب أن يكون حليماً، والفاعل في تجاهل زيد لا يطلب أن يكون جاهلاً، وكذا ذكره اللقاني عنه في حاشية السعد، وهو أصل لما للصبان، إن قال وإرادة حصول الأصل هنا أي تفعل وعدمها في تفاعل هي الفارقة بينهما، مع كون كل لإظهار الأصل.
قال ابن قاسم، صاحب الآيات البينات: كلام الجار بردي قد يقتضي أن تفاعل مطلقاً حيث كان للتكلف، لا يكون فاعله طالباً لأن يحصل له الفعل، وإن نحو: تعالم زيد لا يطلب زيد فيه أن يكون عالماً، بل يظهر العلم، على خلاف ما هو عليه. (1/228)
صفحة 229
قلت: ومثل كلام الجار بردي قول السعد، والفرق بين التكلف في هذا الباب يعني تفاعل وبينه في باب تفعل أن المتحلم يريد وجود الحلم من نفسه، بأن يكون حليماً بخلاف المتجاهل، أي فإنه لا يريد من نفسه أن يكون جاهلاً، بل يظهر أنه على الجهل، مع أن الأمر بخلافه، واعترضه اللقاني بأن الأولى أن يقول يطلب كما قال الجار بردي، لا يريد إذ وجود الحلم غير مقدور له، فلا تتعلق به الإرادة إلاَّ بتأويل تعلقها بأسبابه العادية، بخلاف الطلب فإنه متعلق بالمقدور مطلقاً أ. هـ.
قلت: الحق أن الإرادة منا تطلق كثيراً على ميلنا إلى شيء أوجبنا إياه، واو كان غير مقدور لنا فهي تعلق بالمقدور وغيره.
وقلت: الأولى أن يعبر في باب تفاعل بغير التكلف من العبارات السابقات فيه، وأولاها التعبير بإظهار الفاعل خلاف ما هو عليه.
ومن معاني تفعل: جعل الفاعل المفعول هو أصل الفعل، ويعبر عنه بالاتخاذ نحو: تبني زيد الصبى أي اتخذه ابناً فالفاعل زيد، والمفعول الصبي، والفعل تبني، وأصل الفعل الابن، ومثل السعد بتوسدته أي اتخذته وسادة، والهاء عندي راجعة للشيء مثل الثوب والذراع وغيرهما، لا للتراب كما قيل.
ومن تفعل: الدلالة على أن الفاعل جانب الفعل أي ترك الحدث المدلول عليه بالمجرد، الذي هو أصل تفعل، فالدال على المجانبة هو الهيئة في تفعل لا المادة لأنها لا تدل على المجانبة، بل هي التلبس بالحدث والاختلاط به، ومثل السعد بتهجد أي جانب الهجود وهو النوم ليلاًن وكذا مثل فتح الأقفال تبعاً له أو للبيضاوي، وفيه عندي بحث لتصريح بعضهم، بأن تهجد يكون أيضاً للسهر، وكذا هجد الثلاثي وتصاريفهما، فتهجد مشترك بين النوم ليلاً وتركه، فليس للدلالة بهيئته على المجانبة، بل مادته وضعت للدلالة على المجانبة كما وضعت لفظة العين ومادتها لجرم الشمس، والباصرة وغيرهما. (1/229)
صفحة 230
وفي القاموس بعض ذلك إذ قال: الهجود أي بالضم النوم كالتهجد، قال: وتهجد استيقظ كهجد ضدّ، وأهجد تام وأنام، قال: وهجده تهجداً أيقظه ونمه ضد أ. هـ.
وهو صريح في أنه يستعمل تهجد وهجد في النوم، وفي ترك النوم بعد النوم، وما تقدم صريح في استعمال مثل ذلك في النوم مطلقاً وفي السهر، قيل: النوم أو بعده، أو مع عدم النوم أصلاً، وعلى كل حال فالأولى التمثيل بتأثم أي ترك الإثم، وكذا تحوب وتحرج، أي جانب الحرج ونحو ذلك دون تهجد، فإن تهجد بحسب ما ذكرته لموافقة المجرد، ثم رأيت السمين ذكر في إعرابه أنه قيل: الهجود النوم، وقيل: مشترك، فلعل من مثل بتهجد بنى على القول بأن الهجود النوم، فيكون تهجد بمعنى جانب النوم، كما أن أثم بمعنى أذنب، وتأثم بمعنى ترك الذنب وجانبه، والله أعلم بما هناك.
ومن ذلك فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً أي تركاً للإثم ومجانبة له، فإن التأثم مصدر تأثم.
ومن معاني تفعل: الدلالة على حصول الفعل مرة بعد مرة، ويعبر عنها بمواصلة العمل في مهلة، ويعبر أيضاً عنها بالتكرار، ومثل السعد بتجرعته أي شربته جرعة بعد جرعة، ومثل ابن الحاجب بتفهمته، وكذا أبو يحيى، ومثل صاحب التحقيق به، وبتبصرت وبتخوفت إذ قال: ومنه أو يأخذهم على تخوف.
قال الجار بردي في شرح ابن الحاجب بعد التمثيل بتفهمته: كأنه حصل له فهمه شيئاً بعد شيء، قال بعض: من حشى عليه فيه تجوز، لأن المسألة شيء واحد، لا يتصور التدريج في فهمها نفسها، وإنما هو في مقدماته أي مقدمات الفهم، وهي الانتقالات والأفكار الموصلة إليه، كان يلتفت الذهن لها في الأول، ثم يخالط في الثاني، ثم يصح له في الثالث بالترتيب المقتضى، لكن لما حصلت المهملة والتدريج في طريق الفهم، جعل كأن ذلك واقع فيه، وإلى ذلك أشار الشارح يعني الجار بردي أي تبعاً لشرح المفصل بقوله: كأنه حصل له فهمه شيئاً بعد شيء. (1/230)
صفحة 231
قلت: مشى على ذلك الغزى، وعيسى الصفوي، والحق أن المسألة تكون مركبة وهو الغالب وبسيطة فيمكن حمل المثال على المركبة، إذ هي الغالب، فيمكن التدريج في فهمها بفهم أجزائها واحداً بعد واحد، كما أشار إليه ابن قاسم، وليس من ذلك قوله تعالى: (يتجرعه) بل للتكلف أي يتكلف جرعه.
ومن معاني تفعل: الطلب نحو تكبر إذا كان لا بمعنى طلب، أن يكون كبيراً بذا مثل السعد، ومنه تنجز حوائجه ومواعده، وتنجحها أي طلب انجازها ونجاحها، وتعظم إذا كان بمعنى طاب أن يكون عظيماً، وتعجل أي طلب العجلة، وتبين وتثبت أي طلب البيان والثبات، قرئ: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وقرئ (فتثبتوا) قيل: ومنه ليس منا من لم يتغد بالقرآن.
قال صاحب التحقيق: والظاهر أنه من موافقة المجرد.
قلت: الحق أنه من موافقة فعل بالتشديد، وهو غنى بتشديد النون، لأنه لا يقال غنى بالتخفيف.
والجواب: بأنه أراد المجرد من التاء فقط خلاف الظاهر من اطلاقاتهم المجرد، مع أنه يرده أيضاً تمثيله وتنظيره بتعدي وعداً، وتحجى وحجا، وأما قوله: وتهجد وهجد، فهجد فيه مخفف.
قال الناصر اللقاني: إن قلت: ما الفرق بين الطلب والتكليف؟ قلت: هو حصول أصل الفعل صورة في التكليف دون الطلب أ. هـ.
فالفعل حقيقة منتف عن كل منهما، وأما صورة فموجود في التكليف دون الطلب، وسواء الطلب تصريحاً أو إشارة، ومنه تعطى وترحم أس سأل العطاء والرحمة، ويعبر عنه بسؤال أصله.
ومن معاني تفعَّل: معنى فعل المشدد: كتغنى أي غنى، وتولى أي ولى. (1/231)
صفحة 232
ومن معانيه: الصيرورة نحو: تأيمت المرأة أي صارت أيما، وتثبيت صارت ثيباً، وتحجرّ الطين صار حجراً أو كالحجر، وتجبن اللبن صار جبناً، وتقيس وتنزر أي صار من قيس، وصار من نزار، أو صار بالانتماء إليهم كواحد منهم، وهو الذي ذكره الناظم، وأدرج الزمخشري وابن عصفور باب تقيس في التكلف، ومن معانيه معنى المجرد: كتفكر بمعنى فكر بالتخفيف، وتبسم أي بسم، وتبين إذا كان بمعنى بان، وتعجب بمعنى عجب، وتعدى الشيء وعداه بتخفيف دال الثاني أي تجاوزه، وتحجى بمعنى حجا أي قام.
ومنه قول ابن دريد: حيث تحجى المازمان، وهي بفتح الحاء والجيم مشددة، وقوله: فهن يفهن له إذا حجا، يعني أن حجا هذا وتحجى بمعنى، والشاهد في تحجى فقط، وتهجد بمعنى هجد بالتخفيف، وأما هجد بالتشديد فموافق للمجرد المخفف أيضاًن وهكذا في مثله: وتأذى بمعنى أذى أو أذِىَ بالفتح والكسر.
ومن معانيه: معنى المجرد مع الإغناء عنه، كتكلم وتصدر، وتصدى وتأتى، فإنها ليس لها ثلاثيات بمعانيها.
ومن معانيه: اختصار الحكاية مغنياً عن فعل بالتشديد كتويَّل أي قال ياويلاه قال الشاعر:
تويل إذ ملأت يدي وكانت
يميني لا تعلل بالقليل
وكان حقه أن يقول: ويل بتشديد الياء أي قال: يا ويلاه، كما يقال: أفَّلف بتشديد الفاء أي قل أف، لأن الأصل في اختصار الحكاية فعل بالتشديدن لا تفعل كما مرَّ.
ومن معاني تفعل: التلبس بمسمى ما اشتق منه أي الاختلاط به نحو: تقص وتعمم، وتأزر وتغرى، أي لبس القميص والعمامة والإزار والغرو.
ومن معانيه: العمل في مسمى ما اشتق منه نحو: تغدى وتعشى، وتضحى وتسحر، أي أكل في تلك الأوقاف، أو فعل فيها فعلاً غير الأكل.
ومن معاني تفعل: التكثير كتعطينا أي أكثرنا العطاء.
ومن معانيه التوقع: كتخوف، والانتظار كتغفر أي انتظر الغفران، والختل كتغفلته وتملقته، وتشبه الفاعل بالمتصف بأصله: كتهجر فلان أي تشبه بالمهاجرين، ويمكن إدراجه في التكلف. (1/232)
صفحة 233
قال الطبلاوي: ومطاوعة أفعل كأعقدته فتعقد، وفعل كصاده فتصيد.
قلت: هو داخل في إطلاق المطاوعة، حيث أطلقها بعضهم، قال: ومنعنى تفاعل نحو: تعهد بمعنى تعاهد، ودخل في بعض ما مرَّ، وتولى في البيت يصلح لتلك المعاني إلاَّ الإغناء عن المجرد، والأقرب أنه لمطاوعة فعل بالتشديد، أو موافقته.
تتمة: ذكر ابن هشام: في آخر الأمور التي لا يكون الفعل معها إلاَّ قاصراً أن ثعلباً ذكر في فصيحة، في باب المشدد: فلان يتعهد صنعته، وأن ابن درستويه قال: لا يجوز عند ثعلب يتعاهد، لأنه لا يكون عند أصحابه إلاَّ من اثنين أي فصاعداً، ولا يكون متعدياً، ويرده أنه قد يكون من واحد ويتعدى كقوله وهو امرؤ القيس:
*تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً*
وأجاز الخليل يتعاهد وهو قليل، وأن الحكم ابن قنبر سأل أبا زيد عنها فمنعها، وسأل يونس فأجازها، فجمع بينهما، وكان عذره ستة من فصحاء العرب فسئلوا فامتنعوا من يتعاهد، فقال يونس: يا أبا زيد كم من علم استنفدناه كنت سببه، وأن ابن عصفور نقل عن ابن السيد أنه قال في قول أبي ذؤيب:
بينا تعانقه الكماة وروغه
يوماً أتيح له جري سلفع
أن من رواه بجر التعانق فخطأ، لأن تفاعل لا يتعدى، ثم رد عليه بأنه كان قبل دخول التاء متعدياً إلى اثنين فإنه يبقى بعد دخولها متعدياً إلى واحد نحو: عاطيته الدراهم، وتعاطينا الدراهم، وإن كان متعدياً إلى واحد فإنه يصير قاصراً نحو: تضارب زيد وعمرو إلاَّ قليلاً، نحو: جاوزت زيداً وتجاوزته، وعانقته وتعانقته أ. هـ. (1/233)
صفحة 234
وأنه إنما ذكر ابن السيد أن تعانق لا يتعدى، ولم يذكر أن تفاعل لا يكون متعدياً، وأن ابن السيد لم يخص التخطية برواية الجر، ولا معنى لتخصيصها بها، وأقول هذه التخطية باطلة، وتفاعل في البيت متعد سواء جر التعانق على الإضافة أو رفع على الابتداء، والخبر محذوف بضم القاف وفتح التاء، لأنه مصدر مضاف لمفعوله وهو الهاء، رافع لفاعله وهو الكماة بالرفع، أو مضاف لفاعله وهو الهاء ناصب لمفعوله وهو الكماة بالنصب، أو جعل تعانق فعلاً مضارعاً فتفتح التاء والنون جميعاً، وتضم القاف، لأنه مضارع حذف منه تاء المضارعة أو تاء تفاعل أو فعلاً ماضياً، فتفتح التاء والنون والقاف.
فعلى الفعلية مطلقاً فالهاء مفعوله، والكماة فاعله، وإن ضمت التاء وكسرت النون وضمت القاف فهو مضارع ناصب للهاء رافع للكماة على ما ذكر، ولا شاهد فيه لأن (ح) من باب المفاعلة، وهو متعد قطعاً كخاصم يخاصم، وقاتل يقاتل، لا من باب التفاعل كتضارب يتضارب، وتخاصم يتخاصم، ويقاتل ويتقاتل، هذا ما ظهر لي.
الوزن السابع: فغلس بزيادة السين، وهو رباعي من مزيد الثلاثي للإلحاق بالرباعي المجرد، وهو من نادر الملحق نحو: خلبس زيد عقل عمرو، أي خلبه أي سلبه وخدعه وفتنه، مأخوذ من خلب بمعنى ما ذكر ولامه مفتوحة، ثم سكنت وزيدت عليه السين يقال: برقُ خلب بالإضافة، وبرقُ خلب بالنعت، والخاء مضمومة، واللام مشددة مفتوحة، أي مطمع في المطر، ولم يكن مطر والخلب أيضاً السحاب المطمع، وإليه أضيف برق، وذلك مذهب الناظم. (1/234)
صفحة 235
قال بعضهم: ويحتمل أن تكون السين في خلبس أصلاً، واللام زائداً، فوزنه فلعل والأصول خلبس أي أخذ، وخبسه حقه أخذه وظلمه، وغشمه وهو عار هذا الاحتمال نادراً أيضاً ملحق بالرباعي المجرد، ومذهب الناظم أولى، لأن زيادة السين أحق لتطرفها، ولأنها في موضع الألف الزائد من قلسى الملحق بالرباعي المجرد، ولأن زيادة السين أكثر من زيادة اللام، وظاهر القاموس أن سينه أصلية، لأنه أورده في باب السين.
قال: وخلبسه وخلبس قلبه فتنه وذهب به، وظاهره أن لامه أصل أيضاً، لأنه أورده في عين اللام، فهو على هذا رباعي مجرد كدحرج، وزنه فعلل، وسبب سكون اللام على مذهب الناظم مع أنها في الأصل مفتوحة التخفيف، لأنهم لما زادوا السين ثقلت الكلمة، وسكن الناظم السين ثقلت الكلمة، وسكن الناظم السين للضرورة، فيجوز إدغامه في السين بعده، ولم يجب لأن كل واحد في كلمة، والباء مفتوحة، وقد يقال سكنت لأنه أمر، فالباء مكسورة، وأشار به إلى الماضي لأنه معلوم أن ماضي خلبس الذي هو أمر بكسر الباء، وسكون السين خلبس بفتحهما كدحرج ودحرج.
الوزن الثامن: سفعل بزيادة السين، وهو رباعي من مزيد الثلاثي للإلحاق بالرباعي المجرد، وهو نادر الملحق نحو: سنبس بزيادة السين الأولى، وسكون النون، واصلها الفتح، ولما زيدت السين سكنت النون لما مرَّ في خلبس، ومعناه أسرع، وأصله نبس ينبس، كضرب يضرب، ومعناه تكلم وأسرع وتحرك، وأكثر ما يستعمل نبس في النفي، وعن ابن الناظم، عن أبي عمرو الزاهد: السنبس السريع وسينه زائدة لسقوطها في نبس أ. هـ.
والسنبس صفة على غير قياس، والياس مُسنبس كمدحرج. (1/235)
صفحة 236
تنبيه: سكن لام خلبس ونون نبس، لأنه لو فتحتا لاجتمعت أربعة متحركات في كلمة واحدة، وخص التسكين بهما لأنهما ثانيتان، كما سكن الثاني فيما ألحقا به نحو: دحرج لأنهما ملحقان بنحو: دحرج، ولو سكن ضميرهما لفاتت موازنة دحرج، وأما اتصل فقد تقدم الكلام عليه، وأن أصله أو اتصل بكسر همزة الوصل فقد تقدم الكلام عليه، وأن أصله أو اتصل بكسر همزة الوصل وسكون الواو قلبت ياء لسكونها بعد كسرة، وقلبت الياء تاء، وأدغمت في التاء، وقيل: قلبت أولاً تاء، وأدغمت وهو مذهب الناظم، فليحمل عليه وهو أولى، لأن فيه إعلالاً واحداً مع الإدغام، وعليه ابن الحاجب، قال: لم تقلب الواو ياء مثناة تحت لأنها لو قلبت ياء لزم قلب الياء تاء فيجئ إعلالان.
وبحث فيه السعد بأنه لو قلبت مثناة تحتية لم يجز قلب هذه التحتية تاء، وأجيب بأنه قد يجوز الفرق بين الياء المنقلبة عن الواو، والمنقلبة عن الهمزة، لأن الهمزة تقلب ياء تحية، وتبقى الياء نحو: ايتزر ولشد إبدال الهمزة ياء والياء تاء نحو: اتزر، وقاسه البغداديون من ذلك اتزر، واتمن واتهل واتكل، من الإزار والأمانة والأهل والأكل.
مسألة: آخر الشطر الأول الألف المتصلة بواو توالى، واللام أول الشطر الثاني.
الإعراب: تدحرجت وتوالى وما بينهما معطوفات بمحذوف على حد ما مرَّ، وقول أبي يحيى تدحرجت وما بعده إلى قوله مع تولى معطوفات إلخ، ليس مراده دخول الغاية، لأن قوله: مع ظرف متعلق بمحذوف حال من توالى، أو منه ومن تدحرج وما بينهما، أو من ذلك وغيره. (1/236)
صفحة 237
وتولى مضاف إليه، ولو كان عدم تعرضه لإعراب قوله مع تولى دليلاً على إدخال الغاية، دلالة ما، ولعله لم يتعرض له اعتماداً على تعرضه لمثله فيما مرَّ، وخلبس وسنبس معطوفان على حدّ ما مرَّ، أو خلبس معطوف على تولى، وسنبس على خلبس أو كلاهما على تولى، واتصلا بألف الاثنين حال منهما، أو بألف الإشباع حال مع مستتره من سنبس، وذلك على جواز الحال جهلة ماضوية متصرفاً فعلها مجرداً، أو خلبس مبتدأ عطف عليه سنبس، واتصلا بألف الاثنين خبره كما مرَّ.
واحنبطأ احونصل اسلنقى تمسكن سلـ
ـقى قلنست جوربت هرولت مرتحلا
اشتمل هذا البيت على ثمانية أوزان، بل ثمانية أمثلة مشيراً بها الناظم إلى ثمانية أوزان.
الوزن الأول: افنلأ بزيادة همزة الوصل أوله، وزيادة النون بين العين واللام، وزيادة همزة قطع في آخره بعد اللام وهو سداسي من مزيد الثلاثي للإلحاق باحرنجم من الملحق النادر، هذا مذهب الناظم في شرح التسهيل، وقيل: غير ملحق نحو: احنبطأ بهمزة الألف همزة زائدة لسقوطها في حبنط وحبط على غير قياس، لأن قياس الهمزة الزائدة أن تكون أولا أو آخراً بعد ألف، وليس انبطأ كذلك.
وقيل: إن احبنطأ وزنه افعنل مثل: اسلنقى بالألف، وأبدلت الألف همزة، فالهمزة بدل من ألف الإلحاق، وذلك لأن افعنلأ بالهمزة بعد اللام بناء مفقود، ولم يذكر في الصحاح احبنطأ بالهمزة بعد الطاء، بل ذكر احبنطى بالألف بعد الطاء، وهو المشهور، وذكرهما في القاموي معاً، فاحنبطأ بالهمزة بعد الطاء من زيادات القاموس على الصحاح، ذكره في فتح الأقفال في الصغير. (1/237)
صفحة 238
قلت: ذلك غلط عجلة، فانهما جميعا مذكوران في الصحاح، لكن ذكر احنبطأ بالهمزة بعد مادة حطأ بالهمزة، ولكن وهم في إيراده بعد مادة خطأ بالهمزة لأنه يوهم أنه همزته التي بعد الطاء أصل مع أنها زائدة، كما قال ابن برى في حاشية الصحاح، والحق أن يذكره بعد حاحأ كما فعل في القاموس، ومعنى احبنطأ بالهمزة أو بالألف عظم بطنه من وجع، يسمى الحبط بفتح الحاء والباء، والحباط بضم الحاء ومد الباء وهو التخمة، واحنبطأ البعير عظم بطنه لذلك، واحبنطأ امتلأ غيظاً، أو انتفخ بطنه بالحاء المعجمة، وقيل انفتحت بطنه بالحاء المهملة متصلة بالمثناة فوق قبلها.
قال المازني: سمعت أبا زيد يقول: احبنطأ بالهمزة امتلأ بطني، واحبنطيت بغير همزة فسد بطني.
قال المبرد: والذي نعرفه وعليه جملة الرواة أحبط بطن الرجل انتفخ، واحبنطأ انتفخ بطنه لطعام، أو غيره، واحبنطأ امتنع، وأجاز فيه أبو عبيدة ترك الهمزة، ورجل حبنطأ وحبنطأة وحبنطئ بهمز الكل، ومحبنطئ بالهمز أو بالياء المثناة تحت قصير سمين عظيم البطن، ويقال أيضاً حبنطى بالألف، ويقال: مثل ذلك في المرأة وفي الحديث: "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطأ أو يلم" أي يقرب من ذلك.
وقيل: الحبنطأ بالهمز المتغضب، وبتركه العظيم البطن، وقيل هو بالهمز الملقى بنفسه إلى الأرض.
وقال الكسائي المحبنطئ بالهمز وعدمه الممتنع، وفي المحكم وغيره المحبنطئ الأزق بالأرض، قال بعضهم: ومن معنى عظم البطن قوله:
فظل محبنطأ ينزو له جبن إما بحق وإما كا موصُوباً
وفي الحديث: "إن السقط يظل محبنطأ على باب الجنة فيقال له ادخل فيقول حتى يدخل أبواي" أي ممتلأ غيظاً.
قال أبو عبيدة: متغضباً متغيظاً، متبسطاً لأبويه.
قلت: أو معناه ممتنعاً أو ملقياً بنفسه إلى الأرض.
وقال أبو زيد: قلت لإعرابي ما المحبنطأ؟
قال: المتكأكئ.
قال: المتكأك.
قلت: وما المتكأكئ؟
قال: المتأزف.
قلت: وما المتأزف؟
قال: أنت أحمق. (1/238)
صفحة 239
قلت: أراد الإعرابي بقوله: أنت أحمق التنبيه على أن معناه الأحمق، والإشارة إلى أن أبا زيد أحمق حيث لم يفهم بعد عدة تفاسير، ففيه نوع تورية.
تنبيه: شرط زيادة الهمزة آخراً أن يسبقها ألف، وأن يسبق الألف بأكثر من أصلين كحمراء بفتح الحاء، وعلباء بكسر العين، وقرفصاء بضم القاف، فهمزة ماء وشاء أصل لسبق الألف بأصل واحد، وكذا بناء وأبناء، لأن الألف سبقت بأصلين فقط، وكذا نبأ بالهمزة متصلة بالباء لعدم الألف.
الوزن الثاني: افونعل بهمزة الوصل زائدة، ففاء فواو زائدة، فنون زائدة، فعين فلام، وهو سداسي مزيد فيه الواو والنون للإلحاق باحرنجم، وهو من مزيد الثلاثي، وهو من الملحق النادر كما للناظم في شرح التسهيل.
وقيل: هو لغير الإلحاق نحو: حونصل الطائر ثنى عنقه وأخرج حوصلته، وهي مستقرة الطعام منه كالكرش من غيره، وقيل: هو مجرى الطعام كالحلقوم، والذي في القاموس الحوصل والحوصلاء والحوصلة، وتشدد لامها من الطير كالمقعدة للإنسان، واحونصل ثنى عنقه وأخرج حوصلته أو الحوصلة أسفل البطن إلى العانة من كل شيء، أي وقيل الحوصلة أسفل البطن إلخ، والحوصلة من الحوض مستقرّ الماء في أقصاه كالحوصل، والمحوصل والمحصوصل من يخرج أسفله من قبل سرته كالحبلى، والحوصل شاة عظم من بطنها ما فوق سرتها، قال: وحوصل ملأ حوصلته أ. هـ.
وقيل: لا يصح احونصل لأنه لم يسمع إلاَّ من كتاب العين ولا يعمل بما انفرد به.
الوزن الثالث: افعنلى بزيادة همزة الوصل أولاً، والنون بين العين واللام، والألف آخراً بعد اللام، وهو سداسي من مزيد الثلاثي لغير الإلحاق، وقيل: للإلحاق باحرنجم، وهو من الملحق النادر. (1/239)
صفحة 240
قال صاحب التحقيق: والحق باحرنجم بزيادة أحد المثلين اقعنسس من القعس وهو التأخر والامتناع، واستحنكك اسود والصحيح أن الزائد هو الثاني، لأن التضعيف حصل بعد كمال الأصول، ولأن النون إنما تقع في هذا البناء بين أصلين كاحرنجم، وفي مثل هذا الأصل في نحو سلم خلاف في زائدة ما هو.
وألحق باحرنجم بزيادة الياء أخيراً اسلنقى أبدلت الياء ألفاً، ومعناه استلقى على قفاه وظهره واحرنبى الديك انتفش للقتال، واحبنطى بالألف، واغرندى واسرندى، ومعناهما الاعتلاء والغلية وإلحاق ما سوى اقعنسس واسلنقى وبابهما بافعنلل نادراً، ومأول أو غير صحيح، وسين اسلنقى ولامه وقافه هي الأصول، وإن لاقى استلقى في بعض الحروف، وألف اسلنقى ونحوه أصله ياء مفتوحة تحركت وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً.
ومن ذلك اخلنطى أي نام على أحد جنبيه، واطلنقى بالألف أي نام على ظهره، ويقال أيضاً اطلنقأ بالهمزة كاحبنطأ بالهمزة، ويقال: احرنبي الرجل إذا تهيأ للغضب والشر، وكذا الديك إذا انتفش وبره وأراد الوثوب.
ويقال أيضاً: احرنبأ بالهمزة واجلندى الرجل وابلندى اشتد وطلب، وابلندى صار عريضاً، وابلندى كثر لحمه، واعلنبى الديك أو الكلب تهيأ للشر، وكذا الهمزة، واعرندى الرجل رفع صوته بالسب، واعرندى واسرندى بالمهملات غلظ، واعبنقى ساء خلقه أو صار داهيته. (1/240)
صفحة 241
وفي القاموس: اغرندى بالغين المعجمة عليه واغرنداه، علاهُ بالشتم والضرب والقهر، وغلبه وذلك الوزن هو لمطاوعة فعلى نحو: سلقاه فاسلنقى أي اضطجع على قفاه نام أو لم ينم، وما تقدم من أن ألقه للإلحاق هو ما عليه صاحب فتح الأقفال، وأقول: لا يصح على الحقيقة، وإنما يصح على التجوز، لأنها بدل من ياء الإلحاق نص في شرح المفصل أن المحققين أن المزيد فيه للإلحاق الياء، ثم قلبت ألفاً لتحركها بعد فتح، ولا يبطل الإلحاق بهذا الإبدال، وكذا نقل ابن الحاجب عن المحققين، وما يقال: لا يجوز الإدغام ولا الانحلال في الملحق لوجوب كونه مثل الملحق به لفظاً قد مرَّ ما فيه من حيث الإدغام.
وأما من حيث الإعلال فظاهر ابن الحاجب منعه في غير الآخر، ذكر أنه إن ألحقت حشواً متحركة بعد فتحة قلبت ألفاً، فيزول الإلحاق أو حشواً لا على غير تلك الصفة التي هي التحرك بعد فتح بقيت، وصح الإلحاق بخلاف الآخر فإن حركته عارضة غير معتد بها في الزنة، أي فلا يزول عن الإلحاق بالإعلال، وفي التسهيل يحكم للملحق بحكم مقابلة غالباً.
قال الدماميني: ومن غير الغالب حبنطى، فإن المزيد للإلحاق الياء على الصحيح، ثم إنها لم تصح بل قلبت ألفاً، فلم يحكم لها بحكم مقابلها وهو اللام في سفرجل.
قال السعد: افعنلل بزيادة إحدى اللامين كاقعنسس، وافعنلى كاسلنقى ملحقان باحرنجم، والفرق بين بابي اقعنسس واحرنجم أنه يجب في الأول تكرير اللام كالسين في اقعنسس تقابل لام افعنلل، وتكرير اللام يحقق كونه من الثلاثي لأن إحدى اللامين لازمة، ويحقق كونه ملحقاً دون الثاني، فإن الحرف الذي فيه بعد الفاء والعين كالجيم في احرنجم أصلي ضرورة أنه رباعي، فيعبر عنه باللام مماثلاً كان أولاً بخلاف الزائد، فإنه لا يعبر عنه باللام إلاَّ إن كان مماثلاً للحرف الأصلي. (1/241)
صفحة 242
قلت: يرد عليه نحو: احبنطى واسلنقى، فإنهما من الأول ولم تتكرر فيه اللام إلاَّ إن أراد الوجوب غالباً أو فصيحاً، ومذهب سيبويه أن افعنلى لا يتعدى وعليه الناظم.
وقال أبو عبيدة، رضي الله عنه، وأبو الفتح: قد يتعدى لقول الراجز:
قد جعل النعاس يغرنديني
اطرده عني ويسرنديني
ولا يرد هذا البيت على الناظم لأنه شاذ.
قال ابن هشام: ولا ثالث لاغرندى واسرندى في التعدي.
قال أبو حيان: لم يسمع تعدى افعنلى إلاَّ في هذا البيت.
قال صاحب التحقيق: القول بتعدي افعنلى منكر.
قال أبو بكر الزبيدي: أحسب البيتين نصنوعين يعني الرجز المذكور، وجعل كل شطر منه بيتاً مسطوراً، ومعنى كونهما مصنوعين أنهما قالهما مولد أو عالم لشأن أراده، أو ليثبت دعواه من تعدى افعنلى، ويعبر أيضاً عن ذلك بالوضع، وادعاء الزبيدي أنهما مصنوعان باطل، لأنهما نقلهما أبو عبيدة واللحياني، واستشهدا بهما كما أشار إليه الطبلاوي.
قال صاحب بغية الآمال: ليس كما قال الزبيدي قد ذكرهما غير واحد من أئمة اللغة، كان دريد، وأبي عبيد، وكراع وابن جني، وذكرهما أيضاً أبو على القاني عن أبي عبيدة واللحياني أيضاً.
قال اللحياني: يقال اسرندى فلان فلاناً، واغرنداه، وأنشد البيتين ومعناهما واحد أعني اسرندى واغرندى، وهو إذا غلب وعلا أ. هـ.
وتقدم عن القاموس أن اغرندى يتعدى بنفسه ويعلى. (1/242)
صفحة 243
الوزن الرابع: تمفعل بزيادة التاء والميم، وهو خماسي من مزيد الثلاثي للإلحاق بتدحرج فيما قيل، وقيل: لغير الإلحاق، وعلى القول بإلحاقه هو من نادر الملحق، نحو: تمدرع وتمسكن وتمندل أي لبس الدرع والمنديل بفتح الميم وكسرها، وأظهر المسكنة، والمسكنة من السكون، والمنديل من ندل أي سلب، والدرع من درع أي دفع، وهن مطاوعات مدرع، ومسكن ومندل مقررات، بل سمعن شواذ وتستعمل طاوعة لها أيضاً، والأكثر تدرع وتسكن وتندل وهو الفصيح، ومن ذلك تمرأى، وفي الحديث: "لا يتمرأ أحدكم في الماء" وفي القاموس: الدرع من الحديد، والمدرعة بكسر الميم وفتح الراء ثوب، ولا يكون إلاَّ من صوف، وتمدرع لبسره، وتمندل تمسحّ بالمنديل، وتمسكن صار مسكيناً أ. هـ.
ومعنى تمرأى في الماء رأى وجهه مثلاً في الماء كما يراه في المرآة، وتمرأى نظر فيها، وتقدم كلام على ذلك الوزن.
تتمة: تزاد الميم بثلاثة شروط: أن تتصدر ويتأخر عنها ثلاثة أصول فقط، وأن لا تلزم في الاشتقاق كمسجد لموضع السجود مطلقاً، ومنبج بفتح الميم، وسكون النون وكسر الباء وبالجيم اسم موضوع فهي أصل في نحو ضرغام للأسد، لعدم تصدرها وشذ نحو: ابنم وسعدم إلاَّ إن قيل: ميم ابنم كلمة مستقلة للمبالغة، وفي نحو: مهد لتاخرَّ أصلين فقط، وفي نحو: مَرزَ جُوش ومَردَ قوش بفتح ميمهما وسكون راءيهما وفتح زاي الأول ودال الثاني المهملة، وضم جيم الأول وقاف الثاني، كلمتان عجميتان فارسيتان عربتا لبقلة طيبة الرائحة، لتأخر أكثر من ثلاثة أصول. (1/243)
صفحة 244
وفي مرعز بكسر الميم والعين المهملة وآخره زاي لما لان من الصوف، وللزغب الذي تحت شعر العنز، وتفتح الميم أيضاً وذلك للزومها في الاشتقاق إذ قالوا: ثوب ممرعز، ولم يقولوا مرعز بإسقاطها، فبطل قول الناظم بزيادة ميمه ذكر ذلك ابن هشام، وبقى عليه شرط آخر ذكره خالد وهو أن لا تكون الكلمة مضعفة، أعني أن لا تكون رباعية مؤلفة من حرفين مكررين، وإلاَّ كانت أصلاً: كمرمر ومهم ولملم وسمسم، لكن الآخران يحكم بأصالتها فيهما لعدم تصدرها، ودليل زيادة ميم ابنم ودلامص بضم الدال وكسر الميم، وهو ملحق بعلابط سقوطها في الابن والبنوة، وفي الدلاصة والدليص، وفيه لغات ست: دلامص، ودمالص، ولمص، ودملص، ودلاص ككتاب، ودليص كأمير وهي الشيء البراق واللين.
وقال الأخفش والمازني إن ميمهن أصل وإن ذوات الأربع وافقت ذوات الثلاث، والكلام على اجتماع أربع متحركات في دلمص، وملص ذكرت جوابه في النحو اختصار أن الأصل دلامص ودمالص خففا بإسقاط الألف وفيه بحث هنالك.
الوزن الخامس: فعلى بزيادة الألف آخراً وهو رباعي من مزيد الثلاثي للإلحاق بدحرج أصله فعلى بياء مفتوحة بعد اللام، قلبت ألفاً لتحركها بعد فتح، فزيدت الياء للإلحاق، وقلبت ألفاً نحو سلقى، تقول: سلقاه أي ألقاه على قفاه، وأصله سلق بفتح اللام، وعدم الألف، ولما زيدت الألف سكنت اللام للتخفيف، وليوافق دحرج يقال سلقه أي ألقاه على قفاه، ويقال سلقه وسلقاه أي آذاه بالكلام، أو طعنه، أو عزل اللحم عن العظم، وكلام الناظم محتمل لذلك. (1/244)
صفحة 245
قال الجرمي: سلقاه يسلقيه رماه على قفاه، وإذا أرادوا فعل الرجل بنفسه قالوا: استلقى يستلقي، واسلنقى يسلنقى، وأنكر هذا أبو بكر بن الغوطية في كتاب المقصور والمدود وقال: هذا القول لا يصحبه قياس، وأظنه غلطاً من ناقله أعني أنه لا يقال استلقى بالتاء، والصواب ما ذكره سيبويه اسلنقى بالنون بعد اللام، وذلك الوزن علة نوعين متعد ولازم، فالمتعدي كسلقى وقلسى، يقال قلساه أي ألبسه قلنوسة وجعباه قلبه أو جمعه أو صرعه، واللازم كحنطأ وعنطى بالألف تقول: حنطى زيد أي انتفخ أو أكل الحنطة حتى سمن، وعنطى طال مطلقاً أو طالت عنقه أو حسنت.
الوزن السادس: فعنل، بزيادة النون بين العين واللام للإلحاق بدحرج هو رباعي من مزيد الثلاثي، وهو من الملحق النادر، قال سيبويه: هذا في الكلام قليل أ. هـ نحو: قلنسه أي ألبسه القلنسوه، وهي لباس الرأس، وقلنست المرأة ابنها ألبسته قلنوسة، وتقدم أنه يقال: قلسى كسلقى ذكرهما في القاموس، قيل: ويقال قلسته أيضاً بتشديد اللام، وهو يتعدى ويلزم أعني ذلك الوزن، فالمتعدي كقلنس وزهنع يقال: زهنع المرأة زينها وغسنب الماء ثوره ذكرهما في القاموس واللام كهرنقت المرأة أي بكت.
الوزن السابع: فوعل، بزيادة الواو بين الفاء والعين للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي كجوربه ألبسه الجورب، وهو لباس الرجل، وفي القاموس: الجورب لفافة الرجل، وتجورب لبسه، وجوربته ألبسته إياه نص على إلحاقه صاحب النحقيق كالسعد.
قلت: إن جعل الجورب عربياً فلا إشكال وهو ظاهر القاموس، وإن قلنا عجمي عرب كما نص عليه اللقاني والطبلاوي، فقد يبحث فيه بأن الإلحاق فرع عن زيادة الواو فيه، والعلم بزيادتها فرع عن الاشتقاق، والاشتقاق يختص بالعربية، ويجاب كما للقاني بأنه لما استعملتخ العرب على سند لغتهم، أعطته حكم نظيره من جوهر وكوثر ونحوها، مما زيدت فيه الواو، فكأنه من الجرب. (1/245)
صفحة 246
ومن ذلك حوقل الرجل أي صار شيخاً أي كبير السن وضعف، سواء ضعف عن الجماع أم لا، ولكن العف عنه من لوازم كبر السن، والحوقل الشيخ الضعيف، قال الراجز:
يا قوم قد حوقلت أو دنوت
وبعد حيقال الرجال الموت
ويروى: وبعد حوقال، والقياس الأول، لأن الواو الساكنة بعد كسر تقلب ياء، وحوقل أسرع في المشيء، أما حوقل بمعنى قال لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فهو رباعي مجرد أصلي الواو، لأنها في أصله وهي واو حول، وأصله لا حول ولا قوة إلاَّ بالله وقد تقدم، ويجوز أن يقال فيه حقول فالقاف والواو من قوة، ومن ذلك الوزن المزيد الواو حولق بتقديم اللام على القاف، أي صار داهية، أو وجع في حلقه وحيلق صار داهية.
وصومع الرجل إذا طول البناء أو غيره على هيئة الصومعة، وقال الجرمي: إذا أدبر عن النساء، وقد يستعمل في كل مدبر، وصومعت الشيء وقفت رأسه كرأس الصومعة، وصومعت الشيء جمعته، ودوقل الشيء أخذه أو أكله، ودوقل المرأة جامعها، ودوقلت خصياه خرجتا من خلفه وضربتا أدبار فخذيه واسترختا، قاله في القاموس.
تتمة وتنبيه: قال الصبان: الإلحاق جعل مثال أنقص من آخر موازناً له ليصير مساوياً له في عدد الحروف والحركات النفسية والسكنات، وفي التكسير والتصغير، وغيرهما من الأحكام، وربما اختلف المعنى بالزيادة للإلحاق كما في حوقل وكوثر، فإنهما مخالفان لمعنى حقل وكثر، وقد لا يكون لأصل الملحق معنى كما في كوكب وزينب، فإنه لا معنى لككب وزنب، وإنما كان فوعل للإلحاق لزيادة حرف فيه غير ألف، وهو الواو فالألف لا تزاد للإلحاق على ما مرَّ، ويأتي إن شاء الله.
وذلك الوزن أعني فوعل يتعدى ويأزم كما رأيت في الأمثلة. (1/246)
صفحة 247
الوزن الثامن: فعول بزيادة الواو بين العين واللام للإلحاق بدحرج وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: هرول أسرع في مشيته، أو ذهب بين العدو والمشي، أو بعد العتق، وجهور بتقديم الهاء على الواو في كلامه رفع صوته أي جهر به، فالواو مزيدة على جهر، وذلك الوزن يتعدى ويلزم، فاللازم كهرول وجهور المذكورين، ورهوك يموج في مشيته، ورهوكوا اضطربوا.
وزعم اللقاني وأقره ابن قاسم أن رهوك متعد لواحد، وليس يترهوك بالمعنى المذكور مطاوعاً لرهوك، حتى يلزم من لزوم ترهوك المطاوع بكسر الواو، تعدى رهوك لواحد كما فهمه اللقاني عن الصحاح، بل موافق له، نعم يقال: أمر مرهوك بفتح الواوي ضعيف مضطرب، وسروك أي مشى ردياص وأبطى في مشيه من عجف أو اعياء، وهزورمات، وفرورمات، والمتعدي نحو هروكت الأمر أضعفته، وجهورت المتاع، وما تقدم من أن هرول مزيد فيه للإلحاق، وأن الواو زائدة هو ما عليه الشراح.
بعض صرح بزيادة الواو كتصاحب فتح الأقفال، وبعض بها وبالإلحاق كصاحب التحقيق، وأبي يحيى، وكذا السعد في يعض نسخ شرحه على الزنجاني.
قال اللقاني: وما أدري ما وجه زيادة الواو فيه، وإن صرح بها بعضهم إلاَّ أنه قيل: دل الاشتقاق في جهور ونحوه على زيادتها، فيحمل عليه ما لا دليل فيه، فلذا قالوا: إذا صاحب ثلاثة أصول فصاعداً غير مصدر كانت زائدة أ. هـ.
تتمة: سكنت العين في هذا الوزن الثامن، وأصلها التحريك ليوافق الملحق به، وكذا في الوزن السادس، وكذا جئ بالواو في السابع ساكنة، وكذا يقال في زهزق وهلقم ورهمس وقطرن، وترمس وكلبت، وجلمط وغلصم وبيطر، وسنبل وزملق ونحوها.
الإعراب: اشتمل البيت على معطوفات بحذف العاطف على حدّ ما مرَّ الأول فإنه ذكر عاطفة وتاء قلنست وجوربت ساكنة للتأنيث في الأصل، وتاء هرولت متحركة مفتوحة أو مضمومة ضميراً في الأصل، ومرتحلاً بكسر الحاء حال من تاء هرولت إن قلت الأصل، وهرول من قولك هرولت مرتحلاً أو نحو ذلك. (1/247)
صفحة 248
أما إذا جعلنا هرولت كله اسماً فمرتحلاً حال منه أي ولفظ هرولت حال كونه مرتحلاً على سبيل المجاز، بل فيه ما مرَّ في قول مثل جلا إذا جعل مثل حالاً فانظره، وإن جعلنا مرتحلاً بفتح الحاء فهو مصدر ميمي بمعنى الارتحال فيكون مصدراً أو مفعولاً به لهرولت، على شرط ما مرَّ في قوله: علله عللا، وقوله: وبت قطعاً، فانظر ما فيها أو في نحوهما فهو في مرتحلا بفتح الحاء ويجوز كسر التاء في هرولت إذا فتح الحاء، وعلى كل حال فقوله: مرتحلاً قصد به مع تفسير هرولت تتميم البيت. (1/248)
صفحة 249
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
شرح لامية الأفعال
تأليف
العلامة محمّد بن يوسف أطفيشن
الجزء الثالث
1407 هـ ــــ 1986 م
زهزقت هلقمت رهمست كوأل ترهـ
ـشف اجفاظ اشلهم قطرن الجملا
اشتمل هذا البيت على ثمانية أمثلة مشيراً بها إلى ثمانية أوزان:
الوزن الأول: عفعل، بزيادة العين الأولى للإلحاق بدحرج، وكون الزائد للإلحاق لا يكون أو لا غالب، لا لازم وهو رباعي من مزيد الثلاثي، ضعفت فيع العين قبل الفاء نحو: زهزق بزايين: الأولى الزائدة، والثانية عين الكلمة، أي أكثر الضحك يقال: أهزق في الضحك أكثر منه والمهزاق المرأة المثيرة الضحك، ولا تلحقه التاء لأنه مفعال، والتي لا تستقر في موضع، ويقال لهذه هزقة بكسر الزاي، والهزق بفتح الهاء والزاي النشاط.
ودهدم الجدار هدمه، الدال الأولى الزائدة، والثانية عين الكلمة، وقيل: دهدمه بمعنى هدمه، وقلب بعضه وهو الموافق لقاعدة أن زيادة الحروف لزيادة المعنى على ما فيها من البحث، ذكرته في النحو، وذلك ابن الناظم كالناظم في شرحه على تسهيل.
وإن قلت: هلا جعلت ذلك فعفل بتضعيف الفاء بعد العين، الفاء الأولى فاء الكلمة، والثانية زائدة، فيكون زهزق زايه الأول أصل وهو فاء الكلمة، والثانية زائدة؟ (2/1)
صفحة 250
قلت: لم يجعله ذلك، لأن تضعيف الفاء بدون تضعيف العين قليل في باب الزيادة، لم يسمع منه إلاّ مرمريث ومرمريس بمعنى الداهية، وقيل: الأول بمعنى الثغر، وعبارة بعض لأن الفاء لا تضاعف في باب الزيادة إلا مع العين في مرمريس ومرمريث لا ثالث لهما، وهي أولى لأن الفاء هي الميم الأولى والعين الراء الأولى، والميم الثانية تكرار الأولى، والراء الثانية تكرار للراء الأولى، ولام الكلمة السين في مرمريس، والتاء في مرمريث، والعين تضاعف وحدها كثيراً، ولهذا قالوا في إمَّعة إن همزته أصل فتكون هي فاء الكلمة، والميم المشددة بعدها هي عين الكلمة تكررت، فالمضعف العين، ولو جعلت الهمزة زائدة لكانت الميم المشددة هي الفاء الميم الأولى فاء، والثانية عين فيؤدى إلى تكرير الفاء من غير تكرير العين، مع أن كون الفاء والعين من جنس واحد قليل جداً.
وإن تأصلا وباب كوكب منه أكثر من باب ببر، وأول ففرّ الناظم من القلة، ودخل في أوسع باب، وإلى تلك النكتة أشار الناظم في التسهيل بقوله: إن تضمنت كلمة متماينين ومتماثلين، ولم تثبت زيادة أحد المتباينين، فأحد المتماثلين زائد إن لم يماثل الفاء ولا العين المفصولة بحرف، إلا أن كلامه يؤذن بإمالة ما ماثل الفاء في هذا الأصل، فتكون حروف زهزق كلها أصولا، ويكون وزنه فعلل وهو مذهب أبي بكر الزبيدي.
قال: قال محمد: الزهزقة حرف رباعي أي لفظ رباعي، وليس من باب الرباعي المضعف، يعني بالمضعف مازيد فيه للتضعيف، وإليه يرجع كلام الجوهري، لأن قال في آخر فصل الزاي: الزهزقة شدة الضحك، وجعل ذلك كمسألة خوف أن يتوهم أن زهزق مستعمل في الضحك، وأنه من مضاعف الفاء، قاله صاحب التحقيق. (2/2)
صفحة 251
قال الزبيدي في باب الهاء والقاف والزاي: المرأة مهزاق كثيرة الضحك، ثم ذكر الزهزقة في المقلوب، وحاصله أن زهق لا يستعمل في الضحك، وإنما الذي يقال فيه: هزق، وقيل: لا يقال في الضحك إلا أهزق رباعيا، فثبتت الفائية للهاء في هزق وأهزق، أي فثبت أن الفاء هي هاء زهق وأهزق، فكيف يدعى أنها عين، فأما إن تجعلها رُباعية كما تقدم فتكون فعل، وأهزق وهزق بمعناها، وأما أن يدعى تكرير العين كما قال ابن المصنف ومثله الأبية في شرح التسهيل، فيكون عفعل، وأما عفعل فلا، والله أعلم أ . هـ كلام صاحب التحقيق.
الوزن الثاني: هفعل، بزيادة الهاء أو لإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي، ملحق نادر، وزيادة الهاء أو لا نادرة، وقيل مفقودة نحو: هلقم أي لقمه ابتلعه، ذكره أبو يحيى، الهاء زائدة، والأصول لقم بكسر القاف، ومعناه أكل سريعاً، فليكن هلقم بمعنى الأكل سريعا، بل أعظم لزيادة الهاء فيه.
وقيل: يجوز أن يكون الهاء أصلا واللام زائدة، فيكون وزنه فلعل بزيادة اللام بين الفاء والعين، الأصول هقم بكسر القاف أي اشتد جوعه، وقيل:جاع وكثر أكله، وهلقم وشد في ذلك لزيادة اللام، وهذا القول سالم من زيادة الهاء أولا، ويبحث في هذا القول بأنه لو كان الزائد هو اللام والأصول هقم لكان قاصراً، كما أن أصله وه هقم قاصر وليس هو بقاصر، بل متعدّ يقال: هلقم الطعام يهلقمه، وزيادة اللام في المادة ليست معدية، والأصل الموافقة تعدياً ولزوماً ما أمكنت، ولقم متعد يقال: لقم زيد الطعام، وهاقم متعدّ مثله، فليكن أصله لقم، والزائد الهاء، لأن الأصل الاتحاد فتعين أن الهاء زائدة واللام أصل، ويصح أن يكون هلقم كله أصولا كدحرج، وزنه فعلل، ويدل له أن القاموسي ذكره في فصل الهاء، وعين اللام، وباب الميم، فتعين أن هاءه أصل هي فاء الكلمة ولامه أصل هي عينها وميمه أصل لامها، والقاف لام آخر كما تكررت لام دحرج وجعفر. (2/3)
صفحة 252
وذكر أن الهلقم بكسر الهاء والقاف وسكون اللام بينهما المرأة الكبيرة، والقوى والواسع الأشداق، وأن الهلقم بكسر الهاء وإسكان اللام وفتح المقاف وتشديد الميم السيد الضحم ذو الحمالات، والأكول كالهلقاصة بفتح الهاء وإسكان اللام، وبعد القاف ألف، والهلقم بضم الهاء وفتح اللام وكسر القاف، والهلقام بكسر الهاء وبعد ألف الضَّخم الطويل والأسد أ. هـ.
وسمى الأسد هلقاماً لاكنازه وشدته وضخامة جسمه، أو لكثرة ابتلاعه، وقد يقال الزائد الميم والأصول هلق بفتح اللام يهلق بكسرها أي أسرع وهو ضعيف.
الوزن الثالث: فهعَل، بزيادة الهاء بين الفاء والعين للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: رهمسه أي ستره بالدفن أو غيره، والهاء زائدة، والأصول رمس أي ستر رمسته سترته، ومنه سمى القبر رمساً لأنه يستر الميت، ورمست الخبر كتمته، ورنمست الشئ رميته، والرمس أيضاً تراب القبر، وقيل: الرمس الدفن فقط لا الستر بغير الدفن، وقد يقال على صعف الزائد الميم، والأصول رهس فيكون وزنه فعمل بزيادة الميم بين العين واللام، ويدل له قول القاموس في فصل الراء في عين الهاء في باب السين بعد ذكر مادة الرهس: الرهمسة السرار والتعريض بالشر، وأمر مرهمس ومدهمس مستور.
الوزن الرابع: افوعلّ، بزيادة همزة الوصل أولا والوا بين الفاء والعين، وإحدى اللامين على الخلاف، لأن اللام مشددة وهو سداسي من مزيد الثلاثي، وهو وزن قليل قاصر نحو: اكوال بهمزة الوصل قبل الكاف زائدة، وبالواو بعد الكاف زائدة، وبالهمزة بعد الواو أصلا، وتشديد اللام إحداهما زائدة، فالأصول الكاف والهمزة وإحدى اللامين، ومعناه قصر واجتمع خلقه كما فسره أبو يحيى.
والكوألل بفتح الكاف والواو واللام الأولى، وإسكان الهمزة بينهما، والمكوئل بضم الميم فتح الكاف وإسكان الواو وكسر الهمزة وتشديد اللام القصير، أو مع غلظ أو مع فحج، والفعل اكوأل كما مر وذلك مذهب الجوهري. (2/4)
صفحة 253
وقال القاموسي: إنه غلط وإن الأصول الكاف والواو وإحدى اللامين، وأن الهمزة بعد الواو زائدة كالهمزة الأولى، وإحدى اللامين، فيكون وزنه أفعال بالهمزة زائدة بين العين واللام، هذا ما اتضح لي من عبارة القاموس والصحاح، وقيل: الكاف والواو والهمزة بعدها وإحدى اللامين أصول، فيكون وزنه افعلل بتشديد اللام الثانية، والأولى أصل مفتوحة وإحدى اللامين بعدها زائدة والأخرى أصل.
ومن ذلك اكوأدّ الفرخ والشيخ، واكوهدّا بمعنى ارتعد وارتعشا واكوهد الرجل أصابه جهد، واكوهد رفع رأسه، واكوهد بالمكان أقام فيه، وفي ذلك اقمهد بمعنى رفع رأسه، وبمعنى أقام بالمكان، وبمعنى ارتعد وارتعش، واقمعد بمعنى تكلمته بجهدك ولا يلين لك ولا ينقاد، وبمعنى عظم أعلى بطنه واستخرجى أسفله، واقلعد بمعنى مضى على وجهه في البلاد، واقلعد الاشعر اشتدت جعودته، ولكن هذه المدات الخاليات من الواو وزنها افعلل لا أفعول.
الوزن الخامس: تفعهل، بزيادة التاء أو الهاء بين الفاء والعين، وهو خماسي من مزيد الثلاثي للإلحاق بتدحرج عند بعضهم نحو: ترهشف الشراب أي رشفه أي امتصه، وفي المثل الرشف أنفع، أي مص الماء قايلا أسكن للعطش، وترهشف ورشف مص الشفة مقبلا بتشديد الباء، ورشف الإناء استقضى شرابه.
الوزن السادس: افعال بزيادة همزة الوصل أولا، وهمزة القطع بين العين واللام المشددة وإحدى اللامين وهو سداسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق نحو: اجفأظّ بمعنى أشرف على الموت، واجفأظت الجيفة انتفخت، وسمع اجفاظت غير مهموز، فيكون من باب احمار واصفار وذكره أبو يحيى وصاحب القاموس، وهو بالجيم والظاء المعجمة المشالة. (2/5)
صفحة 254
قال صاحب التحقيق: التأويل في افعأل بالهمزة ممكن، لأنه سمع غير مهموز أيضاً، افعأل بالهمزة حركة لالتقاء الساكنين كقراءة من قرأ (ولا الضألين) بفتح الهمزة بعد الضاد، بل قيل لغة السابع افاعل بزيادة همزة الوصل، وزيادة اللام بين الفاء والعين وإحدى اللامين الأخريين لأن اللام بعد العين مشددة وهو سداسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق نحو: اسلهمّ بتشديد الميم، إحداهما زائدة والهمزة واللام زائدتان وأصول سهم بتخفيف الميم، ومعناه تغير وجهه في أثر شمس أو سفر أو تغير جسمه مطلقاً ولونه.
قال أبو عبيد: المسلهم المتغير في جسمه ولونه.
قال أبو يحيى مأخوذ من سهم الوجه بالضم والكسر وذكر الجوهري صاحب القاموس اسلهم في السلهم، وذكر في القاموس أن السلهم كجعفر فتكون اللام بين الفاء والعين أصلاً، وإحدى الميمين أصل، والأخرى زائدة فيكون رباعي الأصول.
الوزن الثامن: فعلن بزيادة النون في الآخر للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو قطرن الجمل أي طلاه بالقطران، وأصوله قطر يقال: قطره أي طلاه بالقطران.
الإعراب: اشتمل البيت على معطوفات بواو محذوفة على حد ما مر، وقطرن بفتح الراء والنون فعل ماض في الأصل، وهو الظاهر، ويبعد كونه بكسر الراء وكسر النون على التخلص من التقاء الساكنين، فيكون أمراً كدحرج بكسر الراء وإسكان الجيم، والجمل مفعول به لقطرن في الأصل، وفيه مما مر في حبه وعله والمذكورين في النظم.
تتمة: التاءات في البيت كلهن متحركات وهاء ترهشفت المشطر الأول والشين للثاني كما أن لام سلقى للشطر الأول في البيت قبله وقافه للثاني.
ترهست كلتبت جمطتّ وغلصمْ
ادلمس اهرمّعت واعلنْكس انتخُلا
اشتمل هذا البيت على سبعة أمثلة مشاراً بها إلى سبعة أوزان: (2/6)
صفحة 255
الوزن الأول: تفْعَل بزيادة التاء أولا للإلحاق بدحرج على قول، وبعدها فساكنة، وبعد الفاء عين مفتوحة غير مشددة، وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: ترمَّس أي تغيب عن حرب أو شغب مأخوذ من رمس الميت وأرمسه دفنه، ورمس الكلام أخفاه، والخبر ستره، ورمس الحق ستره، وقيل: إن الزائد في ترمس الميم لا التاء، فوزنه فعمل بزيادة لميم بين العين واللام، مأخوذ من ترس أي تحصن بالترس، ومعناه التستر كما مرّ.
قلت: يضعفه أمران:
الأول: أن زيادة الميم في غير الصدر قليلة مُختلف فيها.
والثاني: أنه إذا أمكن كون المادة واحدة في الاشتقاق، واتحد المدلول فهو أولى فكونه من الرمس أولى من كونه من الترس، بل قيل واجب.
الوزن الثاني: فعتل، بزيادة التاء بين العين واللام للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: كلتب أي دَاهن في الأمر أوقاد، قال في القاموس: الكلتب كجعفر، وقنفُذ يعني بفتح الكاف والتاء وضمهما المداهنة في الأمور والكلتبان القواد.
قلت: ويقال أيضاً: الكلتبان بمعنى المداهن.
الوزن الثالث: فعمل، بزيادة الميم بين العين واللام للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: جلمط رأسه أي حلقه والأصول جلط يقال: جلط رأسه حلقه، والطاء مهملة، وجلط الجلد عن الشاة كشطه وسلخه، وقيل: يقال جلط الجلد عن الظبية فقط، وجلط كذب، وحلف وجلط سيفه سله، وجلط بسلحه رمى. (2/7)
صفحة 256
الوزن الرابع: فعلم، بزيادة الميم في آخره للإلحاق بدحرج، وهو من نادر الملحق، وزيادة الميم في الآخر نادرة وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: غلصم والأصول، غلص، تقول: غلصمه أي قطع غلصمة، وهي أصل الحلقوم، ويقال: غلصه بدون الميم أي قطعها، وقد يقال غلهص بزيادة الهاء بين اللام والصاد، فيكون وزنه فعهل وهو ملحق بدحرج نادر أيضاً، وقد يقال ميم غلصم أصل، فيكون وزنه فعلل رباعياً مجرداً من الزوائد، ويدل له أن صاحب القاموس كصاحب الصحاح ذكره في باب الميم قال: الغلصمة اللحم بين الرأس والعنق، وحرقدته أو أصل اللسان، قال: وقطع الغلصمة والأخذ بها، وأن زيادة الميم في غير الصدر قليلة.
الوزن الخامس: افعمل بزيادة همزة الوصل والميم المشددة بين العين واللام لغير الإلحاق، وقيل للإلحاق باحرنجم، وهو سداسي من مزيد الثلاثي نحو: ادلَّمس بتشديد الميم، يقال: ادلَّمس الليل أظلم، واختلطت ظلمته، والأصول دلس، وقيل: الزائد اللام بين الدال والميم المشددة، وزيدت أيضاً إحدى الميمين لتكرير العين، فالأصول دمس فوزنه افعلل بتشديد العين، يقال دمس الظلام وأدمس اشتد، قيل: ويجوز أن يكون الزائد السين وإحدى الميمين، والأخرى أصل، وهي لام الكلمة كررت واللام أصل وهي عينها، فوزنه افعلس بتشديد اللام، فالأصول دلم، والأدلم الطويل الأسود.
وفي القاموس: دلم بكسر اشتد سواده في ملوسة، وكذا ادلأم بالهمز، ودلمت شفاهة تهدل، والأدلم الأدم والشديد السواد هنا، أي من بني آدم، قال: (ومن الجبال) قال: وادلأم الليل ادلهم أي كتف ظلامه، ورد صاحب التحقيق ذلك القول، بأنهم إنما يستعملون الأدلم في الحيوان كالرجل والجمل، ولم يشتقوا منه الفعل لم يقولوا ادلمس الرجل أو الجمل، واللغة متبعة لا مخترعة، وظاهر قول القاموس دلم اشتد سواده في ملوسة، أنه يستعمل بذلك المعنى في الأجسام مطلقاً. (2/8)
صفحة 257
وظاهر قوله: والأدلم إلخ أنه لا يشترط الطول في الشديد السواد، وأنه لا يقال الأدلم بمعنى شديد السواد إلاَّ في بني آدم والجبال، وكلام صاحب التحقيق صريح في أنه لا يستعمل الأدلم بمعنى الطويل الأسود إلاَّ في الحيوان دون غيرهم كالجبال بالباء، وفي أنه يستعمل في بني آدم وغيرهم من الحيوان كالجمال بالميم، ولا يقال: ادلمس افعلس من دلم بمعنى اشتد سواده في ملوسة، لأنه لم يسمع ادلمس من ذلك واللغة متبعة.
الوزن السادس: اهفعلّ بزيادة همزة الوصل والهاء، أولاً وزيادة إحدى العينين من العين المشددة، وهو سداسي من مزيد الثلاثي للإلحاق باحرنجم، وقيل لغير إلحاق نحو: اهرمع بتشديد الميم، والأصول رمع بدون تشديد، ورمع الرجل تحرك، ومنه سميت الاست رماعة لتحركها قاله الضرير.
وهذا أولى من قول ابن الناظم ومن تبعه كصاحب فتح الأقفال، وصاحب تحقيق المقال، وأبي يحيى مزيد الإشكال أن اهرمع افعمل، مثل: دلمس، وأن الهاء أصل والميم المشددة زائدة كما ظنه الجوهري، وأن الناظم جاء بمثالين لوزن واحد أ.هـ.
وإنما كان قول الضرير أولى لأنه يفيد وزناً آخر غير مكرر، فهو تأسيس، وقول هؤلاء يفيد التكرار، والتأسيس أولى من التكرار، ومن صافح هذا النظم العزيز وجده صادعاً بعدم التكرار، غير أنه ربما ضعف قول الضرير من حيث أن زيادة الهاء في نفسها قليلة، وزيادتها أولاً أقل ونادرة وقيل: غير ثابتة، وهي على قول زائدة أولاً لأنّ همزة الوصل قبلها إنما جيء بها حيث سكن الأول وضعف قول الضرير أيضاً بأن رمع لا يستعمل بمعنى أسرع، وإنما يستعمل بمعنى أسرع اهرمع سواء في المشي والدموع وغيرها. (2/9)
صفحة 258
وما رمع فمعناه تحرك كما صرح به الضرير، فإنما يصح قوله: لو كان رمع بمعنى أسرع، ورجوع اللفظة وهي هنا اهرمع إلى موافقها لفظاً ومعنى، وهي هرع أولى من رجوعها إلى موافقها لفظاً فقط، وهو رمع لأن معنى رمع عام وهو مطلق التحرك، ومعنى هرمع خاص وهو التحرك بالإسراع، وقد يجاب عن الضعف الأول، بأن زيادة الهاء أولاً، ولو كانت نادرة أو غير ثابتة، فتخريج كلام الناظم على ثبوت زيادتها على الندور أولى لما فيه من عدم التكرار المصرح حال النظم بعدمه، والموقع في توهم أنه وزن غير مكرر، مع أن القصد (ح) أنه مكرر.
ويجاب عن الضعف الثاني بأن اهرمع لما كانت فيه زيادة الحروف أم يوافق معنى رمع لأن زيادة الحروف تكون لزيادة المعنى كما هنا، فإن اهرمع التحرك بالسرعة في المشي، ورمع لا يلزم فيه هذه السرعة، بل قد يخالفها، وكالشقداف بالألف للمركب العظيم والشقدف بعدم اللف للصغير، وذلك الأصل في الزيادة.
ويجاب أيضاً بأن رمع يستعمل أيضاً بمعنى أسرع فليكن اهرمع من هذا لا من رمع بمعنى تحرك بدون سرعة، فقد وافق لفظاً، ومعنى ولو سلمنا بطلان قول الضرير لم نسلم التكرار، بل نقول ادلمس افلعل بتشديد العين أو افعلس بتشديد اللام كما مر أنهما قولان، وكون الأدلم لا يستعمل إلاّّ في الحيوان غير متفق عليه، وكأن الناظم سمع منه ادلمس واهرمع افعمل بتشديد الميم. (2/10)
صفحة 259
وذكر صاحب الإيضاح وصاحب الإفصاح أن الأصول في اهرمع هرَّمْع بأضصالة الهاء والراء واحدى الميمين، والعين وزيادة الهمزة والميم الأخرى، وأصلها نون، فهرمع بوزن دحرج وحرجم وفعلل، واهرمع بوزن احرنجم، فوزن اهرمع افعلل بتشديد اللام الأولى، وأصله اهرنمع بالنون أبدلت ميماً وأدغمت في الميم، لأنه لا يلتبس، ألا ترى أنه لا يوجد في الكلام افعلل، وتكون اللام الأولى والثانية سواء لا نجد مثل: ادحرج بتشديد الراء، وإنما يوجد هذا البناء واللام الثانية والثالثة سواء نحو: اطمأن واقشعر، ولو كان هذا موجوداً لم يجز الإدغام لما يؤدى إليه من الإلباس، ألا ترى أنه لا يجوز الإدغام في صنوان وقنوان والدنيا، لأنك لو أدغمت لالتبس بالمثلين.
وجاز الإدغام في امحى، والأصل انمحى ادغمت النون الساكنة في الميم، لأنه ليس في الكلام افعل بتشديد الفاء، ولو كان فيه افعل بتشديد الفاء ما صحّ إدغام هذا، ألا تراهم قالوا شاة زغاء، وغنم زغم، فلو يدغموا النون في الميم، لأنهم لو أدغموا لتوهم أنهما ميمان، وأنه من ألزم بتشديد الميم أ . هـ.
ولا يصح تخريج اهرمع في البيت على ذلك، لأنه يتكرر مع احرنجم، ويلزم على ما ذكر في الإفصاح في اهرمع، وأن ادحرج بتشديد الراء لا يوجد أن يكون ادلمس مثلا احرنجم، وأن الكلمة رباعية والأصل ادلنمس، فوقع الإدغام لعدم اللبس، وهذا ينبني على سماع دلمس، ولا يخرج ادلمس في البيت عليه لئلا يتكرر مه احرنجم قاله صاحب التحقيق.
الوزن السابع: افعنلس: بزيادة همزة الوصل والنون بين العين واللام، والسين بعد اللام، وهو سداسي من مزيد الثلاثي للإلحاق باحرنجم نادر، وهو وزن لا يتعدي نحو اعلنكس الشعر اشتد سواده، وكثر واجتمع، واعلنكس الرمل تراكم، ومثله في المعنيين اعانك، وذلك قول ابن الناظم.
وقال الضرير: أصل العين فيه حاء مهملة فرده إلى الحلك بفتح الحاء واللام وهو شدة السواد، ويقال: احلنك كما أشار إليه القاموس. (2/11)
صفحة 260
وقال الضرير: أو هو مأخوذ من العنك، وهو قطعة من الليل من أوله إلى ثلثه، أو قطعة مظلمة منه مطلقاً، أو الثلث الباقي وغير ذلك من معانيه، فالنون أصل، والوزن افْلعْلس، قال وكذا وزنه إن جعل من أسود حانك بالنون.
قال صاحب التحقيق: وشبهته في ذلك أنه لم يجد للعين مساكاً في هذه المادة، والذي قال ابن المصنف هو قول الأئمة، ونقلهم، وكان الضرير حصر اللغة في الجوهري والمختصر ونحوهما، وادعاء انقلاب الحاء عيناً بعيد، وإن وقع بينهما تكافؤ وهو مع ذلك لغة قوم مخصوصين، وعلنكس مطرد عند الجميع مع أن زيادة النون أكثر من زيادة اللام، ولا سيما وهي ثالثة ساكنة غير مدغمة، وبعدها حرفان، فإن ذلك مما اطرد فيه زيادتها، فهي إذا وقعت ثالثة ساكنة بمنزلة الألف، ألا ترى أنها تعاورها في الكلمة الواحدة في نحو: شرنبث وشرابث، وكذا تحذف في عرنتن فيقال عرتن وليس غرتن ببناء أصلى، لأنه لا توجد كلمة تتوالي فيه أربع متحركات، فليس في الكلام فعلل بضم اللام الأولى، فدل حذفها على الزيادة.
ولو كانت أصلا لم تحذف، ولا سيما من الوسط ومثله: عرنقصان وعرقصان عند من قاله بالنون، وهو عند سيبويه، بالياء فهذه أمور تدل على أن النون إذا وقعت كما ذكر فهي زائدة، ولا يقال: إن اللام لما سقطت في عنك وحلنك دل على زيادتها إن لم يثبت ألنهما أصل لاعلنكس.
قال: والشرنبث الضخم الكفين، ويوصف به الأسد، والعرنتن شجر يدبغ به، والعرنقصان نبت بالبادية، وقيل: هو بالنون دويبة أ . هـ.
وقوله: انتخلا بضم التاء وكسر الخاء المعجمة بالبناء المفعول، أو بفتح التاء وكسر الخاء، والألف المبدلة من النون التوكيد بالبناء للأمر حسن جداً لأنه مستعار من نخله بالمنخل لأنه يخلس الطيب من غيره، ويميز بين المختلطين، فأشعر به أن هذا شيء حقق وجرى على الأصول المقرر ولم يرد به الوزن، لأن وزنه افتعل وقد مرّ افتعل بل الإشارة إلى ما ذكر وتم به البيت أبضا. (2/12)
صفحة 261
تتمة: يجوز أن يكون كلتب في البيت مجرداً من التاء المضمرة كما في كثير من النسخ، فيكون تاء كلتب وباؤه وجيم جلمطت ولامه، وزنها فعلن بإسقاط الألف بين الفاء والعين، فيكون جزءاً مخبوناً أي غير مأتى فيه بحرف ثان ساكن، ويجوز أن يقرن بها فيقال: كلتبت بالتاء بعد الباء، فيكون من هذه التاء مع ما ذكر وزنه فاعلن بإثبات الألف فهو جزء غير مخبون كما وجد في بعض النسخ وهو أولى لسلامته من الخبن، وليوافق ترمست قبله، وجلمطت بعده في إثبات تاء الضمير، وكون مثل تلك التاء ضميراً بحسب الأصل.
ويجوز إشباع تاء جلمطت بالواو إن ضمت، وبالألف إن فتحت وفتحها هي، وفتح مثلها أولى، وبالياء إن كسرت فيكون ميم جلمطت وطاؤه وتاؤه، وحرف الإشباع، وواو العطف، وعين غلصم ولامه، وزنه مستفعلن تاماً.
ويجوز عدم الإشباع فيكون ما ذكر على وزن مستعلن بإشقاط الفاء، فيكون جزءاً مطوياً أي محذوفاً منه حرف رابع ساكن، أي غير مأتي فيه بحرف رابع ساكن، مثل فاء مستفعلن، وعدم الإشباع ولو لزم عليه المطي الذي هو فرع من عدمه أولى من ثبوت الإشباع، لأنه مغني عنه استعمال المطي، وهو جائز مطرد كثيراً جداً، لا خلاف في جوازه بخلاف الإشباع، فإنه لو ورد قليلاً في النثر، وكثيراً في الشعر، لكن لم تبلغ كثرته كثرة الطئ، ولم تكد تبلغ مع أنه لا يقاس إلاّ في الضرورة على وجه التجاء إليه، واستعماله في غير الآخر من البيت، أو آخر شطره الأول فيه عيب وركة، ودلالة على عدم اتساع الكلام لصاحب البيت، وعدم جودته في النظم.
بل قد يقال لا حاجة إليه في البيت ونحوه مما استغنى عنه فيه لأن الوزن في البيت لا ينكسر بعدم الإشباع، ولا يفسد ولذلك لا ترى الناظم وأمثاله يشبعون حيث كان لهم غنى عن الإشباع.
وأما قوله:
قلت وقد خرت على الكلكال
يا ناقتي هاجات من مجال
وقوله:
*والخيل خارجة من القسطال*
وقوله:
وإنني حيث ما يثني الهوى بصري
من حيث ما سلكوا ادنوا فانظور
وقوله: (2/13)
صفحة 262
لو أن عمراهم أن يرقود
فانهض وشد المئزر المعقودا
وقوله:
فأنت من الغوائل حيت ترمي
ومن ذم الرجال بمنتزاح
فإنما أشبعت فيهم الحركات ليخرج حرف اللين، فيكون ردفاً لأن ترك الردف في بيت بعد بيت وقع فيه الردف عيب لا يجوز، ولو واو نادراً، فالأصل الكلكل والمقصطل، ومنتزح بعدم الألف فيهن، فأشبعت فتحات الكلف الثانية والطاء والزاي، فتولت الألف قبل روى البيت تسمى ردفاً، والأصل فانظر ويرقد بعدم الواو، فأشبعت ضمت الظاء وضمة الدال، فتولد الواو قبل الروىتسمى ردفاً كما قال الخزرجي، وردفاً حروف اللين قبل الروى.
وأما قوله:
كأنى بفيحاء الجناحين لقوة
على عجل منى لطاطئ شيمالي
بالياء بين الشين والميم للإشباع، والأصل شمالي بعدمها، فوجهه أن تلك الياء آخر الوتد المجموع في وسط الجزء، لأن قوله شيمالي مع الهمزة متصلة قبله هو مفاعيلن من الطويل، فتلك الياء نظير الألف مفاعيلن لابد منها، فظهر لك بطلان قول صاحب فتح الأفعال: أنه لا بأس بإشباع ضمة جلمطت لإقامة الوزن من الزحاف، أي التغيير، لأن مثل هذا الزحاف جائز قطعاً بلا خلاف وهو مطرد.
فإن أقيم الوزن عنه بعدم الإشباع بل بساكن من غير إشباع فأولى وأرجح، فإن أقيم عنه بالإشباع فإثبات الزحاف، وعدم الإشباع أولى، وإن لم يبطل قوله: كاد يبطل. (2/14)
صفحة 263
الإعراب: اشتمل البيت على نعطوفات على حد ما مرّ، بعضها بعاطف مذكور، وبعضها بمحذوف، وثم بمعنى الواو أو للترتيب الذكرى بلا مهملة، وبحثت في ذلك في النحو، وتاء اهرمعت ساكنة، وانتخلا بفتح التاء وكسر الخاء أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد مبدلة ألفاً للوقف أو لإجراء الوصل مجرى الوقف، والفاعل مستتر وجوباً، والجملة مستأنفة، أو هو بضم التاء وكسر الخاء ماض مبني للمفعول، وألفه للإطلاق والنائب مستتر عائد إلى ما ذكر، والجملة حال مما ذكر مما يصلح أن يكون صاحب حال أو خبر بمحذوف، أي ما ذكر انتخل أو ألفه ضمير عائد لاهرمعت واعلنكس، والجملة خبر عنهما واعلم أن ثم بالتشديد فيه ميمان: الأولى الساكنة المدغمة هي آخر الشطر الأول، والثانية المفتوحة أول الشطر الثاني.
واعلوط اعثوججت بيطرت سنبل زمـ
ـلق اضممن لتستلقي واجتنب خللا
اشتمل هذا البيت على ستة أمثلة مشار بها إلى ستة أوزان:
الوزن الأول: افعول، بزيادة همزة الوصل أولاً، والواو المشددة بين العين واللام، وهو سداسي من مزيد الثلاثي لغير إلحاق، وقيل للإلحاق باحرنجم، ويكون متعدياً ولازماً، فالمتعدي نحو: اعلوط بفتح اللام، وتشديد الواو، وأصوله علط نحو: اعلوطت المهر أي ركبته عرياً، واعلوطت الفرس كذلك، وكذا الجمل واعلوطت البعير تعلقت بعنقه، وعلوته واعلوطته ركبته بلا خطام، واعلوطت فلاناً أخذته وجلسته ولزمته، واعلوطت الأمر ركبته رأساً، واعلوط الجهل الناقة تسراها ليضربها، ويستعمل اعلوط لازماً أيضاً.
قال الجرمي: سألت أبا عبيدة: ما اعلوطت المهر؟ فقال: ركبته، وسألت: لأصمعي فقال: اعتنقته، واللازم مثل اخروط الشعر أي طال، وامتد أو امتد ولو بلا طول، قال الأعشى:
لا تأمن النازل الكومان ضربته
بالمشرفي إ1ذا ما اخروط الشعر
واجلوذ الليل طال، أنشد أبو الفتح:
ألا حبذا حبذا حبذا
حبيب تحملت منه الأذى
ويا حبذا برد أنيابه
إذا أظلم الليل واجلوّذا (2/15)
صفحة 264
واجلوذ الرجل أسرع في السير، واجلوذ المطر نقص، قال الشاعر:
بشيبته الحمد أسقى الله بلدتنا
وقد فقدنا الحيا واجلوذا المطر
أي نقص، واخروط الطريق أي طال، واخروطت الشركة في رجل الصيد انقلبت عليه وعقلته، واخروطت اللحية طالت، واخروط مضى، ومعنى اقعول الدخول واتقحم وقيل: أنه يأتي لمبالغة كافعوعل، فعلى هذا لا يكون مقتضباً لا ملحقاً.
الوزن الثاني: افعولل، بزيادة همزة الوصل والواو بين العين واللام، وإحدى اللامين وهو سداسي من مزيد الثلاثي للإلحاق باحرنجم، وقيل غير ملحق، وهو لازم نحو: اعثوجج بهمزة زائدة فعين فثاء مثلثة فواو زائدة فجيمين، إحداهما زائدة بمعنى ضخم وغلظ.
وبمعنى أسرع، والعثوجج بفتح العين والثاء وسكون الواو وفتح الجيم الأول للبعير الضخم السريع، وذلك هو الذي في البيت، وتاء غيره في البيت ساكنة، والمشهور اعثوثج بهمزة، فعين فمثلثة، فواو فمثلثة، فجيم وهو بالمعنى المذكور، ولا يصح في البيت لأن وزنه افعوعل فيتكرر مع احلولى، فثبوته في بعض نسخ البيت باطل.
الوزن الثالث: فيعل، بزيادة الياء المثناة تحت بين الفاء والعين للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي، ويكون متعدياً نحو: بيطر زيد الدابة أي شق عن موضع داؤها ليعالجه، ومنه سمي البيطار.
شق الفريضة بالمدرى فانفذها
شق المبيطر إذ يفشي من العضد
ويكون لازماً نحو هيزر أي مات، وهيكل الزرع تم، وعيذط الرجل وعيضط بالذال والضاد المعجمتين أحدث عند الجماع، وسيطر وتسلط، وبيقر خرج من الشام إلى العراق، قال امرؤ القيس:
ألا هل أتاها والحوادث جمة
بأن امرؤ القيس بن يملك بيقرا
وقيل: خرج من بلد إلى بلد، وقيل: غدا متنسكاً خاضعاً، ومنه:
*كما يبيقر من يمشي إلى الجلسد*
والجلسد صنم في الجاهلية، وهيمن قال: آمين أو أمن غيره من الخوف، والمهيمن من أسماء الله تعالى، أو بمعنى الأمين أو المؤتمن، أو الشاهد، صات صوتاً خفياً، وهينمت الأرض أبقلت أو أخرجت الهينم أي القطن. (2/16)
صفحة 265
الوزن الرابع: فنعل، بزيادة النون بين الفاء والعين للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: سنبل الزرع أي ظهر سنبله، ويقال أيضاً: سبل وأسبل بالألف أكثر، وهذه المادة كثيرة، والأكثر من النحاة والصراف أن نونه أصل، فوزنه فعلل، كدحرج، ونحو: زنجر قرع بين ظفر إبهامه وظفر سبابته، وزنهر إليّ بعينه اشتد نظره، وأخرج عينه، وهندس الأسد اجترى، وهندس الرجل جرب الأمور وجاد نظره، وهندس قدر مجاري القنا حيث تحفر.
وهنبس تجسس عن الأخبار، وهنبص أخفى الضحك، وهنبص ضعف، وحقر وردئ، وهنبص عظم بطنه، وحندر الشيء أصلحه، وحنجره ذبحه، وحنجرت العين غارت، وزنبر تكبر كترنير، وخنخف ودندن لم يبن كلامه، وخنشل اضطرب من الكبر أو أسن، ويكون ذلك الوزن لازماً ومتعدياًً كما رأيت.
الوزن الخامس:فمعل: بزيادة الميم بين الفاء والعين للإلحاق بدحرج، وهو رباعي من مزيد الثلاثي نحو: زملق العجل أي ألقى ماءه قبل الإيلاج، وكذا في العقلاء وأصوله زلق يقال زلقت قدمه.
الوزن السادس: تفعلى: يزيادة التاء في أوله، والألف في آخره، وهو ملحق بتدحرج، وقيل مقتضب، وهو خماسي من مزيد الثلاثي، وهو مطاوع سلقى وهو لازم، لأن سلقى يتعدى لواحد، وقد مرّ معناه وبقي عن الناظم تفعلل الملحق بتدحرج، وإحدى لاميه زائدة نحو: تجلبب، فإنه ملحق بتدحرج، وتفعول كنزهوك، وتفعيل كبَّيطر، تشيطن أي أشبه الشيطان، وتقوعل كتجورب ملحقات بتدحرج، وتفعلت كتعفرت وفعلت كعفرت وغير ذلك تعلمه مما مر.
وهنا أ.هـ كلام الناظم في أبنية المزيد ملحقها ومقتضبها، ولكونهما مبحثاً تزل فيه الأقدام قال: اجتنب خللا.
تنبيهات: (2/17)
صفحة 266
الأول: ذكر السعد أن تفعل بتشديد العين وتفاعل ملحقان بتدحرج، وكذا ذكر ابن الحاجب في الشافية، والجاربردي في شرحها، وأصل ذلك للزمخشري في مفصله، ويرده أن تضعيف العين لا يكون للإلحاق، لأن تفعل مطاوع فعل بالتشديد، وفعل غير ملحق بدحرج لاختلاف مصدريهما، فكذا مطاوعه، وأن الألف لا تكون للإلحاق إلاّ بدلاً من الياء في الآخر، لأنه إن ألحقت ألفاً في الوسط زال الإلحاق لفوات الحركة، فيفوت إعطاء الملحق حكم الملحق به، وإن ألحقت ياء وجب بقاؤها، فيفوت القاعدة من قلب الياء المتحركة ألفاً بعد فتحة، بخلاف حركة الآخر، فإنها غير معتد بها في الزنة كما مرّ وتخصيص ابن الحاجب ذلك في شرح الشافية بالاسم خلاف الصحيح، وربما يرده قول: العرب تضام القوم بالإدغام، ولو كان ملحقاً بتدحرج لقيل: تضامموا بالفك، كما قالوا تجلبب.
لاختلاف مصدريهما، فكذا مطاوعه، وأن الألف لا تكون للإلحاق فليس كتاب ملحق بقمطر، ولا علابط بقذعمل، لأن حرف العلة إذا وقع حشواً قبله حركة تناسبه جرى مجرى الحركة والمدة، فلا يقابل بحرف صحيح فلا يلحق بناء ببناء، وجاز إذا كان طرفاً، لأن آخر الكلمة يتعرض للتغيير كإسكانه للوقف.
وعن ابن الحاجب في شرح المفصل كثر زيادة الألف، فحكموا بأنها لا تكون أصلاً إلاّ وهي منقلبة عن واو أو ياء، لأن الأصول في الأبنية قابلة للحركات، فكرهوا أن يضعوا منها ما لا يقبل الحركة، ولذلك لم يوقعوها أيضاً للإلحاق، لأنهم إذا لحقوا قصدوا إجراء البنية مجرى الأصل، فكرهوا أن يضعوا للإلحاق ما لا يكون أصلاً.
الثاني: اقعنسس من القعس، وهو خروج الصدر ودخول الظهر ضد الحدب، قال أبو عمروا بن العلاء، سألت الأصمعي عنه، وقد بطنه وأخر صدره، وقال: هكذا ووقع للسعد في تفسير اسلنقى أنه قال: أي نام على ظهره، ووقع على قفاه.
قال اللقاني: ليس النوم شرطاً، والمراد الاضطجاع، واقتصر الجاربردي على تفسيره بوقع على قفاه. (2/18)
صفحة 267
قال ابن قاسم: ويحتمل أن الشارح يعني السعد اطلع على أن بعضهم عبَّر بالأول، وعبّر بالثاني فجمع بينهما إشارة إلى أن المراد، بالأول الثاني تفسيراً لمراد من عبر بالأول، ويقرب منه قول الجاربردي قد يقال: إن قوله ووقع على قفاه تفسير للنوم، وإنما لم يقتصر الشارح على ما ذكر مع إغنائه، عن الأول تبعاً لهم في التعبير بذلك، وفائدته التفصيل بعد الإجمال، ليكون أوقع في النفس.
الثالث: قال الطبلاوي: خلاصة القول في مزيد الثلاثي قول الجاربردي، وهو أي الثلاثي المزيد فيه إما أن يكون موازناً للرباعي أو غير موازن، والموازن إما أن يكون ملحقاً أم غير ملحق، والملحق إما بدحرج أو بتدحرج، أو باحرنجم، أما في الملحق بدحرج فهو شملل أي أسرع، وحوقل أي ضعف وهرم وبيطر أي عمل البيطرة من البطر وهو الشق، وجهور أي جهر وقلنس أي ليس القلنسوة.
وأما الملحق بتدحرج فهو تجلبب أي لبس الجلباب، وتجورب أي لبس الجورب، وتشيطن أي فعل فعلاً مكروهاً، وترهوك أي تبختر، وتمسكن أي أظهر الذل والحاجة، وتغافل وتكلم، وينبغي أن يعلم ويتحقق أن الإلحاق في تجلبب إنما هو في تكرير الباء والتاء، إنما دخلت لمعنى المطاوعة كما كانت كذلك في تدحرج، لأن الإلحاق لا يكون من أول الكلمة، وفي تجورب وتشيطن وترهوك بالواو والياء كما مرّ.
قال: وفي تمسكن كلام يأتي في باب الزيادة، أي وهو أن الميم زائدة توهمت أصالتها للزومها تصاريف الكلمة، وليس الألف في تغافل للإلحاق، لأن الألف لا تقع للإلحاق حشواً لا في الاسم ولا في الفعل، وتضعيف العين لا يكون للإلحاق، فتكلم لا يكون ملحقاً ذكر جميع ذلك في شرح الهادي، ثم قيل: فيه إطلاق لفظ الإلحاق هنا بسهو.
وأما الملحق باحرنجم فنحو: اقعنسس واسلنقى، فهذه أقسام الملحقات وهي خمسة عشر أ. هـ. (2/19)
صفحة 268
وكأنه أسقط منها شريف سهواً كذا قال الشيخ يعني اللقاني، وقوله: وقلنس أي لبس القلنوسة، قال فيه بعض المحشين: صوابه ألبس لأن الفعل متعد، وبمعناه وفي حكمه قلنس، ولم يصرح الشارح بعده اكتفاء بما نقله عن الصحاح يعني بالشارح الجاربردي.
قال: وذكرت في كتاب التعريف أفعالاً أخرى ندر إلحاقها بدحرج، ومما لم أذكره فيه افترض الشيء بمعنى فرضه أي قطعه ويرنأ رأسه باليرناء أي الحناء، ويحرب الشجرة ثقبها، وعربط وجلمط رأسه أي حلقه.
وقوله: لأن الإلحاق لا يكون من أول الكلمة ليس على عمومه، ففي التسهيل ولا تكون الهمزة للإلحاق أولاً إلاَّ مع مساعد، كنون ألندد، وواو ادرن يعني لا تكون أولاً للإلحاق إلاَّ إذا كان معها حرف آخر للإلحاق، وألندد ملحق بسفرجل لأنه من اللدد، فالهمزة والنون فيه زائدان للإلحاق، وإظهار التضعيف يدل على ذلك، وادرون بمعنى الدرن، فالهمزة والواو فيه زائدان للإلحاق بجردحل، قال ناظر الجيش: والظاهر أن المساعد لا يكون غيرهما، ثم قال الجاربردي: وأما غير الملحق من الموازن فثلاثة نحو: اخرج وجرب، وقاتل لأن شرط الإلحاق توافق المصدرين، وقد قالوا: شملل شمللة، كما قالوا: دحرج دحرجة، ولم يجئ مصدر أخرج وأخويه على ذلك.
فإن قلت: فقد قالوا: أخرج إخراجاً، كما قالوا: دحرج دحراجاً؟
قلت: أجيب عنه بوجهين:
الأول: أن الاعتبار إنما هو بالفعالة لاطرادها وعمومها في جميع صور فعلل، وأما الفعلال فلا اعتداد به، وإنما هو دخيل فيه غير مطرد أي غير مقيس ومجيئه في بعض الصور، فإنهم لم يقولوا قحطاباً وعرنانداً، بل قحطبة وعرندة. (2/20)
صفحة 269
والثاني: أن الشرط توافق المصادر أجمع أي ولم يجيء الفعللة في مصدر أخرج كما جاءت في مصدر دحرج، قال وأما غير الموازن فسبعة نحو: انطلق واقتدر، واستخرج واشهاب، وأشهب واعذودن، واعلوط، وإنما حكمنا على اقعنسس بأنه موازن لاحرنجم، وعلى استخرج بأنه غير موازن له، لأنا لم نعن بالموازنة صورة حركات وسكنات، وإنما عنينا بها وقوع الفاء والعين واللام في الفرع، موقعها في الأصل الملحق به، وإن كانت ثم زيادة فلا بدَّ من وقوع مماثلة في الملحق، واستخرج بالنسبة إلى احرنجم على خلاف ما ذكرنا في الأصلية والزيادة جميعاً، أما في الأصاية فلأن الحاء وهو فاء وقع موقع النون الزائدة في الأصل.
(م 3 ـ شرح الأفعال جـ 3)
وأما في الزيادة فلأن النون واقعة في الأصل بعد الفاء والعين، وليس في الفرع نون في موضعها أ. هـ.
قال الشيخ يعني اللقاني: وبه تعلم ما في كلام المصنف يعني السعد، فيما مضى وفيما سيأتي من قوله: ويلحق به أي يتدحرج نحو تجلبب إلخ، وكأنه أشار بما مضى إلى ما يرد على قول الشارح، وكذا تفعل وتفاعل من الملحقات بتدحرج كما بيناه المعلوم، ذلك من قول الجاربردي، وليست الألف إلخ، ومن قوله: وتضعيف العين، وقوله: وفيما سيأتي إلخ كأنه اشارة إلى ما في تمسكن من أنه اختلف هل ميمه أصلية أم زائدة، والفصيح تسكن فوازنه تمفعل، والميم زائدة إلى بيان ما تحقق به الإلحاق الذي ذكره الجاربردي بقوله: وينبغي أن يعلم أن تحقق الإلحاق في تجلبب إلخ فليتأمل.
تنبيه: قول الجاربردي: وإنما هو دخيل فيه غير مطرد، قال بعضهم في حواشيه: الضمير الأول للفعلال، والثاني لفعلل، ونفى الاطراد صادق في الجملة، وإن اطرد في المضاعف كزلزل وقلقل ونحوهما، والدخيل من قولهم هو دخيل في القوم، أي من غيرهم، ويدخل فيهم، فكل كلمة أدخلت في كلام العرب ليست منه فهي دخيل أ. هـ. (2/21)
صفحة 270
وقوله: لأنا لم نعن بالموازنة، صورة حركات وسكنات إلخ، هذا كلام مأخوذ من شرح المفصَّل وتعميمه مخرج لنحو أخرج وأخويه من الموازنة، لأنها فيه ليست إلاَّ بحسب الحركات والسكنات كما لا يخفى، وصرح به الموصلي، ومن ثم سوى الشريف وغيره من الشارحين بينها وبين استخرج، فجعلوا الكل من الموازن غير الملحق.
قال النظام: ولا يذهبن بك الوهم إلى أن نحو: استخرج يجب أن يكون ملحقاً باحرنجم لتوازنهما، وتوازن مصدريهما، وسائر تصاريفهما، لأن احرنجم مزيد فيه، وكل ثلاثي يلحق بمزيد الرباعي يجب أن يكون فيه من الزيادة مثل ما في الملحق به، ويجب أن يكون في استخرج نون زائدة مكان نون احرنجم أ. هـ.
ومنه يظهر أن ما في الشرح معنى الموازنة على وجه الإلحاق بمزيد الرباعي لا مطلقاً وبنحوه صرح اليزدي في ذي الزيادة وهو ظاهر كلام الشارح أيضاً هنا، فلا مخالفة بينه وبين كلام غير ه من الشارحين فليتأمل أ. هـ كلام الطبلاوي.
الإعراب: الواو للإلستئناف، واعلوط مع ما عطف بعده بمحذوف مفعول اضمم، ووجه الابتداء به في الجعل مفعول أنه أول البيت، ومفصول عما قبله بابتخلا، أو الواو للعطف، وزملق مفعول لاضمم، ووجه أنه تلاه وعليه، فجهلة انتخلا معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه إن لم تجعل حالاً أو خبراً على ما مر، وإن جعلت خبراً فالمبتدأ والخبر معترضان.
واضمم فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً والنون نون التوكيد الخفيفة، وجملة اضممن على كل حال مستأنفة، جملة اجتنب من فعل أمر وفاعله المستتر وجوباً معطوفة عليها، وخللا مفعول اجتنب، والله أعلم.
فصل
في المضارع (2/22)
صفحة 271
أي في أحمكام المضارع من حيث هو، سواء فتحه ماضيه أو كسر أو ضم، سواء كان ماضيه ثلاثيا أو غيره، وهي افتتاحه حرف من حروف مخصوصة، وتحريك هذا الحرف بفتح أو طكسر أو ضم، وتحريك ما قبل آخره بكسر أو ضم أو فتح، وأما رفعه ونصبه وجزمه فمحله النحو، وجعل صاحب فتح الأقفال ما يفتح به حكماً من أحكامه سهو، بل هو بعض ذاته الذي ينعقل ويتصور به، والحكم على الشيء إنما هو بعد تمام صورته وتعلقها، اللهم إلا إن جعل ما في قوله ما يفتتح به واقعة على الافتتاح، فتعود إليه باء به لا على حرف المضارعة، وفي بعض النسخ إسقاط قوله: في المضارع، وفصل خبر لمحذوف على ما مرّ، وفي المضارع متعلق بمحذوف نعته أو حاله على ما يعلم من مقامه.
*ببعض نأتى المضارع افتتح*
أي افتتح المضارع ببعض نأتى أي جعل أول المضارع حرفاً في حروف قولك نأااتى، وهي النون والألف معبراً بها عن الهمزة، لأنها تكتب على صورة الألف في كثير من الصور، منها: كونها أول المضارع، والتَّاء والياء الموجودة، في البيت خطا لا لفظاً، لأنها حذفت لالتقاء الساكنين، والإشارة بها في الخط كافية بمعونة أن نأتى في الأصل مضارع أتى، فلا بد من آخره ياء، ويجوز كون نأتى بهمزة بعد النون مسهلة، فليس (ح) أصله مضارع أتى، بل حروف جمعت. (2/23)
صفحة 272
وتعبيره بنأتى أولى من تعبير غير بنأيت من حيث أصل المعنى، لأن نأتى أصل معناه إنيان واتصال، ونأيت أصله بعد وانفصال، والأولى التعبير بأنيت بتقديم الهمزة على النون من حيث إن أصل معناه القرب والاتصال، ولكون كل حرف ضعف ما قبله الهمزة للواحد المتكلم، والنون الواحد المتكلم عن نفسه وعن غيره، سواء كان غيره واحداً أو اثنين أو أكثر، وللواحد المتكلم عن نفسه، والياء للغائب والغائبين مذكرين، أو مذكر ومؤنث، وللغائبين ذكوراً أو مع إناث، وللغائبات، والتاء للمخاطب والمخاطبين مذكرين أو مذكر أو مؤنث، وللمخاطبتين وللمخاطبين مذكرين أو مع إناث، وللمخاطبة والمخاطبات، والغائبة والغائبات.
وقال ابن الباذش: يعبر في فعل الغائبتين بالياء المثناة تحت، إذ كان المسند إليه ضميراً قبل نحوهما يقومان، والأن أنيت بتقديم الهمزة من معانيه في الأصل الإدراك، فليعبر به تفاؤلا بإدراك العلم، ولأن الهمزة والنون للمتكلم السابق على المخاطب، لأنه لا يكون مخاطباً بعد التكلم والتاء للمخاطب والغائب، وتقدم على الياء، لأن الياء لاتكون إلا للغيبة، والخطاب يشارك التكلم في الحضور، وهذه النكتة موجودة في نأتى أيضا.
قال السعد: يجمع تلك الحروف قولك أنيت أو أتين أو نأتى.
قال ابن قاسم: قدم أنيت لأنه بمعنى أدركت، ففيه تفاؤل بإدراك المطلوب، ولما فيه من النسبة التضعيفية، إذا كان كل حرف على الضعف مما قبله باعتبار ما وضع له، وقدم أتين على نأتى، لأن الماضي قبل المضارع، وأتين ماضي مع فاعلة، ونأتى مضارع أ. هـ. (2/24)
صفحة 273
قلت: ويجمعها قولك: تأين بتاء فهمزة فياء بعدها نون الإضمار، ومعناه سبقن، ويجمعها أيضا قولك أنتى عضوه أمراً للواحدة، فتفتح الهمزة أو مضارعاً فتضم، وانتاء العضو إيرامه، وقولك أنتى بالضم مضارعاً والفتح أمراً لها بمعنى التأخر أو كسر الأنف وتوريمه، أو موافقة شكل غيرك وخلقه، وقواك تنبئ بضم التاء من أنآه أبعده، أو من أنآه بمعنى أنهضه بجهد ومشقة، أو أنهضه مثقلا لجمل، أو أماله.
وقولك: نيأت بالهمز بمعنى عدم إحكام الأمر، وقولك: يتنؤ بياء فتاء فنون فمهزة من تنأ بمعنى أقام، وقولك: ينتؤ بياء فنون فتاء فهمزة أي لينتبر أو ينتفخ أو يرتفع أو يطلع عليهم أو يخرج من موضعه من غير أن يبين.
وقولك يأنت بالهمز مضارع أنت من باب ... ضرب بمعنى أنّ أنيناً أو حسد أو قدر الشيء، وقولك أنيت أي محسود، وقولك أنتى أمراً للواحدة أي إنى، أو احسدي أو قدري، وقولك ينئت وينأت بكسر الهمزة وفتحها من نأت بمعنى نهت مطلقاً، أو فوق الأنين، أو حسد.
وقولك: تئين أي تحين، وقولك أئتنى بالإضافة الياء وضم الهمزة مع سكون التاء أو ضمها أي مار أتى وأتنى بالإضافة وضمهما أي قواعد فودج، وأما ارتفع من أرضي، وقولك: يأتن بالهمز وكسر التاء من أتن بمعنى أقام.
ويجوز في البيت تأنى بتاء الخطاب أو الغيبة، مضارع أنى بالنون فعينه نون، ونأتى بالنون المتكلم عن نفسه وغيره، أو عن نفسه مضارع أتى بالتاء فعينه تاء وهو المذكور أولا الموجود في النسخ، والأرجح أن لا تبدل همزة الأول ألفا صريحاً، بل تبقى همزة ليكون صريحاً في الدلالة على الهمزة، وتسمى تلك الحروف حروف المضارعة، ومثال الهمزة للمتكلم المذكر (وإنى أعيذها) ومثالها للمؤنث المتكلم: (قالت إني أعوذ بالرحمن) و(أألد وأنا عجوز) و(لئن لم يفعل ما آمره).
وتمثيل صاحب تحقيق المقال المتكلبم المؤنث بـ (إني أعيذها بك) سهو فإن إعيذ فعل لزكريا صلى الله وسلم على نبينا وعليه وعلى غيرهما من الأنبياء. (2/25)
صفحة 274
وقولنا: الهمزة للمتكلم، والنون للمتكلم ومن معه أو وحده، والتاء للمخاطب، والياء للغائب، ونحو ذلك تجوز وتسامح بقرينة ظهور أن الحرف لا يكون مسماه الذات، وأن دلالة حروف المضارعة ليست على وجه الاستقلال، بل في حال وجودها في الكلم بدليل أنها إذا كانت حروفاً مجردة لا تدل على شىء ، ومن هنا اعتبر في دلالة الكلمة على معناها الاستقلال أو يقدر مضاف أى الهمزة والنون لتكلم المتكلم، والتاء لخطاب المخاطب، والياء لغيبة الغائب.
ومثال النون للمتكلم ومن معه ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وسواء في هذا المتكلم ومن معه أن يكونوا ذكراً أو إناثاً، أو ذكوراً وإناثاً، سواء كان مع المتكلم المذكر أو المؤنث مذكر أو مؤنث أو أكثر، وسواء كان معنى الفعل للجميع أو للمجموع، أو لمن مع المتكلم لا المتكلم كقول الأمير نجاهد ونقاتل، مع أن المجاهد المقاتل عسكره دونه.
وقولهم:النون المتكلم ومن معه، أو للمتكلم مع غيره، أو للمتكلم إذا كان مع غيره معناه كما قال اللقانى أن غير المتكلم مشارك للمتكلم في مداول الفعل المبدوء بالنون، أو قدر أنه مشاركه له في التكلم كما قيل أ . هـ .
وتقول: إن حملت المعية على المشاركة في مدلول الفعل فحقيقة، أو على المشاركة في التكلم فمقدرة، وتعبير بعضهم كالسعد، بأن النون مع المتكلم إذا كان مع غيره يوهم أن النون وضعت للمتكلم بشرط مصاحبة غيره، لا المتكلم وغيره، وأن مصاحبة غيره شرط لوضعها للمتكلم خارج عما وضعت له.
والحق أنها وضعت للمتكلم وغيره معاً حتى إن استعمالها للمتكلم وحده خلاف الأصل، وقد عبر السعد بما يدل على هذا أيضاً، وتأمل ذلك مع قولهم: إن لفظة مع لا تدخل إلا على المتبوع عقلا، يقال: جاء الوزير مع الأمير، ويخالف (إن الله معنا) والحق أنه قد يقصد بها مجرد المصاحبة، فتدخل على التابع وعلى المتبوع، فانظر شرحي على شرح عصام الدين. (2/26)
صفحة 275
ومثال النون للمتكلم عن نفسه بأن كان الفعل وحده: (نحن نقص) (وننزل من القرآن) ()ونحن نرزق
(زإنا نحن نحي ونميت) وقد يقال: إنها في نقص، وننزل ونحوهما للمتكلم ومن معه، لأن القص والتنزيل بواسطة الملك، وإذا راعينا أن فعل الملك مخلوق لله فهي للمعظم نفسه، وعبارة السعد، وتستعمل في المتكلم وحده في موضع التفخيم.
قال الغزى: الظاهر أن مراده تعظيم المتكلم، والتوجيه أن العظيم يتكلم عن نفسه وغيره غالباًُ، لأن اتباعه يشاركونه في غالب أموره، فالاستعمال المذكور مجاز عن الجمع لعدم المعظم كالجماعة، ولم يجئ مثله في المخاطب والغائب المعظمين في الكلام القديم المعتد به، أي كلام القدماء ذكره السعد في المطول، وإنما هو من استعمال المولدين.
قال ابن قاسم: وتكون النون للمتكلم المعظم بحسب الواقع.
وقال بعضهم: إنما يستعمله المعظم لنفسه وحده حيث ينزل نفسه منزلة الجماعة، ويبحث فيما مرّ من أنه لم يجئ مثل ذلك في الغائب المخاطب في الكلام القديم، بأن صاحب الكشاف والبيضاوي جوزافي(فإن لم يستجيبول لكم فاعلموا) أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستدل صاحب الكشاف بقوله: فإن شيت حرمت النساء سواكم، وذكر البيضاوي في قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون) أن ضمير يسطرون راجع إلى القلم، والجمع للتعظيم إن أريد العلم الذي خط اللوح، وفي قوله تعالى: (على خوف من فرعون وملئهم) أن الضمير لفرعون، وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، فحمل ذلك على أسلوب المولدين لا يلتزمه عاقل، والظاهر ما استشهد به صاحب الكشاف من كلام القدماء.
وقد قيل في (رب ارجعوني) أن الواو لله لتعظيمه، وفيه بحث في النحو والسعد تبع في ذلك الرضى، وعبارة الرضى تكون للواحد المعظم، وهو مجاز من الجمع لعدهم المعظم كالجماعة، ولم يجئ للواحد الغائب، والمخاطب المعظمين فعلوا وفعلت وفعلتم، في الكلام القديم المعتد به، وإنما هو من استعمال المولدين أ. هـ. (2/27)
صفحة 276
وظاهره نفي خصوص الصيغتين، فلا يرد ما ذكر الزمخشري والبيضاوي، ولا قول السعد أنه يستعمل لفظ أمر الجمع للواحد في مقام التفخيم، وقد تستعمل النون للدلالة على أن الفعل لفخامته مما يقصر الواحد عن القيام به، كما قاله كثير من المحققين، وقاله شراح جمع الجوامع والمحشين وعند قوله: نحمدك، ويحتمله (إياك نعبد وإياك نستعين).
ومثال التاء للمخاطب: أنت يا زيد تقوم، وللمخاطبين الأثنين: أنتما يا زيدان تقومان، وللمخاطب والمخاطبة: أنتما يا زيد وهند تقومان، وللمخاطبين الذكور: أنتم تقومون، وللمخاطبين المختلطين ذكراً وأنثى أنتم يا زيد وعمر وبكر وهند تقومون، وأنتم يا زيدون وهند وزينب تقومون، ويا زيدون وهند وزينب وسلمى تقومون، ويا زيدان وهند تقومون، ويا زيد وهند وزينب تقومون، ويا زيد وهند وزينب وسلمى تقومون.
ومثالها المخاطبة: تقومين، وللمخاطبتين: تقومان يا هندان، وللمخاطبات: تقمت يا هندات، ومثالها للغائبة، هند تقوم، وللغائبتين: الهندان تقومان، وهما تقومان: ونقوم الهندان، وتدمع العينان وتقران، وإنما استوى في ذلك الضمير والظاهر حملاً له على الظاهر، ونظراً للمعنى وهو الأرجح الوارد به السماع، قال امرؤ القيس في نونيته المحذوفة:
*بجدع الملا عيناك تبتدران*
وقال ورش: وتوكاف وتنهملان لأن الضمير في ذلك يعاقب الظاهرن ويجرى عليه فليعط حكمه مع أنه إذا التزم التأنيث مع الظاهر الذي فيه دلالة عليه غالباً فالتزامه مع الضمير أولى، لاشتراك الضمير الذي هو قولك: هما بين الغائبين والغائبتين، فبطل قول ابن الباذش بأنه يلزم التذكير مع الضمير، نحو: هما تقومان أعني اثنين، وتعلم من ذلك أن التاء في الغيبة تدل على التأنيث، وأصل هند تقوم وتقوم هند، والهندان تقومان وتقوم الهندان، الياء فقلبت تاء للدلالة على التأنيث، وهكذا في مثل ذلك بدليل أنك تقول: الهندات يقمن، وهن يقمن بالياء على الأصل، أن النون دالة على التأنيث. (2/28)
صفحة 277
ولو جئ بالتاء لكان كالجمع بين علامتي تأنيث، ولا يسوغ بخلاف نحو: هند تقوم وتقوم الهندان، وهما تقومان، فليس فيه جمع ولا تلزم التاء فعل جمع التكسير المؤنث الظاهر نحو: تقوم الهنود، وتلزم السالم، وتمتنع في الإضمار له مع الغيبة نحو: الهندات يقمن.
ومثال الياء للغائب: زيد يقوم، ويقوم زيد، ومثالها لغائبين اثنين: الزيدان يقومان، ويقوم الزيدان، ولغائب وغائبة: زيد وهند يقومان، ويقوم زيد وهند، ولجماعة الغائبين الذكور: الزيدون يقومون ويقوم الزيدون، ومع الأنثى فأكثر: الزيدون والهندات يقومون، ويقوم الزيدون والهندات، والزيدون والهندان يقومون والزيدون وهند يقومون وكذا مؤنث مع مذكرين، أو مؤنثان مع مذكرين، أو مذكر مع مؤنثين أو أكثر نحو: زيد والهندات يقومون، وذلك لأن المذكر يغلب، ومثالها للغائبات: الوالدات يرضعن، وأجاز الكوفيون يقوم الهندات بالمثناة التحتية وبسطت هذا ونحوه في النحو.
والمراد بالمتكلم في الهمزة والنون الذي يتلفظ بفعل نفسه مثل قولك: أقوم، والذي خلق اللفظ وهو الله فإن كلامه ألفاظ وأصوات وحروف، خلقها مستقلة لا يقال: إنها خرجت منه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، مثل أن يخلق لفظاً مسموعاً في الهواء، أو خلقها في مخلوق آخر (ح) لا يرد علينا قول أهل مذهبنا الأباضية أنه لا يجوز على الله متكلم بناء على أنه لم يسمع من كلام الله، ولا من كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا اتفقت عليه الأمة، وأن أسماء الله توقيفية، أو على أن لزومه يدل على أنه صفة ذات، مع أنه لو ثبت لكان صفة فعل، أو على أنه يوهم الاكتساب والعلاج ونحوهما، مما ينزه الله عنه، والتفعل الأصل في ذلك. (2/29)
صفحة 278
وأجازه بعضهم على معنى نفي الخرس يقول: الله متكلم، أي ليس بأخرس، والمراد بالخطاب قصد شيء بالكلام، فلا يرد علينا منع صاحب السؤالات أن يقال: خاطبت الله، فالتاء في: تغفر لنا يا الله للخطاب، أي لقصد الله بالكلام على وجه الخضوغ، وإنما يمنع القول خاطبت الله على معنى عاليته وعاظمته، تعالى الله عن النقائض.
والمراد بالغيبة عدم الخطاب والتكلم، ولو كان من له الفعل حاضراً، فإذا كان زيد حاضراً وقلت لأحد: يقوم زيد، فالياء الغيبة، والفعل فعل غائب، فالياء في: يقول الله كذا للغيبة، بمعنى أن الفعل لم يخاطب به أحد، ولم يتكلم به لنفسه الناطق، بل نسبه لغيره لا على وجه الخطاب، فلا يرد علينا أن الله في كل مكان لا يوصف بالغيبة.
وزعم بعضهم أن عدم إطلاق لفظ الغائب إنما هو على مذهب من قال: إن أسماء الله توقيفية، أما على مذهب المعتزلة والباقلاني فإنه إذا دل دليل على ثبوت معنى لفظ في حقه تعالى، جاز إطلاقه فيطلق، فيجوز الله غائب أي غير مخاطب، ولا متكلم، قلت: ذلك باطل لاتفاق المعتزلة وغيرهم، على أن شرط الإطلاق أن لا يوهم ما لا يليق بكبريائه تعالى، وإطلاق لفظ الغائب يوهم عدم الحضور، بل اشترط السعد مع ذلك الإشعار بالجلال، فيطلق لفظ غائب على لفظ الله، أي على هذه الحروف، لا على الذات، والمراد بالمذكر ما ليس بمؤنث، ومع هذا لا يطلق على الذات، لأنه يوهم بل على اللفظ فإن لفظ الله مذكر لعدم علامة التأنيث لفظاً ومعنى وتقديراً. (2/30)
صفحة 279
وإنما جعل أهل اللغة الهمزة للمتكلم، لأن المتكلم مقدم على المخاطب بالطبع، لأن الخطاب يكون بالتكلم، وعلى الغائب بالشرف، والهمزة مخرجها مقدم على مخرج الواو التي هي أصل تاء الخطاب مثلا، وعلى مخرج الياء وعلى مخرج النون، لأن الياء من وسط اللسان، والواو من الشفتين، والنون من الخشيوم، والهمزة من أقصى الحلق، مما يلي البطن، وإنما اعتبرنا الابتداء من داخل، لأن النَّفَس الذي يتحقق فيه الخروف يأتى من داخل إلى خارج لا بالعكس.
وأصل تلك الهمزة ألف قلبت الألف همزة لفرضهم الابتداء بالساكن، ومخرج الهمزة قريب من مخرج الألف، وقيل جعلوا الهمزة للمتكلم، لأنها بعد ضمير المتكلم الذي هو أنا، وجعلوا التاء للمخاطب لوجودها في أنت الذي هو ضمير المخاطب، وقيل: لأن المخاطب مؤخَّر عن المتكلم والغائب، وذلك أن الكلام إنما ينتهى إلىالمخاطب بعد الغائب، وأصل تلك التاء واو، والواو مخرجهاآخر المخارج وهو الشفة، فمخرج الهمزة والياء آخر الشفة التي هي مخرج الواو فمخرج الواو متأخر عن مخرج الياء والهمزة، فحصلت بين الهمزة والتاء مؤاخاة ومناسبة، حيث إن الواو أقصى المخارج ومنتهاها، والهمزة أولها، وينتهى مخرج الهمزة إلى مخرجها والمخاطب إليه ينتهى كلام المتكلم.
قال ابن قاسم: حاصل كون الكلام ينتهى إلى المخاطب بعد الغائب، أن الكلام يصدر من المتكلم معلقاً بشأن الغائب، هو يصل إلى المخاطب، لا يقال قد لا يتعلق الكلام بغائب، بل يخاطب المخاطب بما يتعلق بنفسه كافعل كذا لأنا نقول المراد أنه حيث كان الكلام متعلقاً بالغائب، كان الغائب مقدما على المخاطب، فهو مقدم بهذا المعنى، فلا يضر أنه قد لا يتعلق به الكلام، فلا تقدم لعدم وجوده. (2/31)
صفحة 280
ولا يقال أيضا قد يتقدم على الغائب، وإن كان الكلام متعلقا بالغائب كقولتك: يا زيد فلان فعل كذا، فإن قولك يازيد متعلق بالمخاطب، وخطاب له، مع أن المقصود بيان حال الغائب، لأنا نقول: هذا الخطاب والمنداء توطئة لبيان حال الغائب، فهو متعلق به، ولا يقال قديكون خطابة توطئة لبيان حاله مع ؟إرادة بيان حاله أيضاً كيازيد أنت كذا، وفلان كذا، لأنا نقول يكفي أن الكلام المتعلق بالغائب يتنمى إلى المخاطب، فقد تأخر باعتباره، لا يضر أن معه كلاما آخر يتعلق بنفسه أ.هـ.
إنما قلبوا الواو تاء، لأن الواو لا تزاد أو لا على ما سبق ذكره، وأما ورنتل، فواوه أصل، ووزنه فعنلل كما مرّ ولأن الواو تؤدى زيادتها إلى الثقل، ولا سيما في مثل مضارع وجل، مما أوله واو، ولا سيما إن دخل واو العطف فيجتمع ثلاث واوات، واجتماع الأمثال مكروه في كلمة، ولا يكره في كلمتين نحو:(آووا ونصروا) وقيل: قلبت تاء ولو في الماضي الذي ليس أوله واواً حملا على الذي أوله واو، وقيل على الإطلاق لم تزد الواو أولا، ولا لأنها لو زيدت مكسورة أو مضمومة صح قلبها همزة مثل أجوه واشاح، وبتقدير فتحها تضم في التصغير فتقلب همزة، على أن الواو مفتوحة قد تقلب همزة كأحد في وحدة، والغرض نفس المزيد، وقلبه ناقص للغرض.
وقلب الواو تاء كثير في كلام العرب، لكنه شاذ أي قياساً كما ذكره الناظم في التسهيل نحو: تراث وتجاه، بدليل: ورث الوجه، والموارثة والمواجهة، والتوجه وموروث وغيرها.
قال الغزي: ومنه التقية التقوى التقاة، من وقى، وتهمة من الوهم، وتخمة من الوخم، وتكأ من تكوكأ، وتكلان من تركل ويتقور من الوقار، من وكل يكل، والتاليد والتالد من ولد، وتثرى من المواثرة، وأتلجه من أولجه، وتاء القسم عند بعض كما قررته في النحو وغير ذلك. (2/32)
صفحة 281
فإذا كان المتكلم هو السابق وجوداً أو مخرجا لحرفه، والمخاطب هو الآخر من حيث انتهاء الكلام إليه، وكون تاء عن واو، والواو آخر المخارج، لم يبق للغائب إلا التوسط، فأعطى الياء لأنها من حروف الضم فهي شجرية.
وقال السعد: جعلوا الغائب والغائبتين تابعات للمخاطب، لئلا يلتبس بالغائب والغائبات.
قال الطبلاوي: ولأن التاء تكون للمخاطب: كقمت، والغائبة: كقامت هند، والغائبتين: كالهندان قامتا.
قال السعد: وحين تبعوا ما ذكر وإن التبس فعل الغائبة والغائبتين فعل المخاطب والمخاطبين، لكن هذا الالتباس أسهل أ.هـ.
ونقول: وجه الأسهلية أن قرينة الخطاب قد تمنع الالتباس لأن الفاعل إذا كان مشاهداً أو في حكمه تبين أن الصيغتين للخطاب، وإلا فهما للغيبة، وزعم بعض أنه إنما جعلوا الياء للغائبة لوجودها في هي، الذي هو ضمير الغائبة، وحمل الغائب على الغائبة في اختصاصه بالياء، لأن الغائب والغائبة في كونها غائبين.
قال السعد: ويوجد الفرق بين الغائبين والغائبات، بالواو في الغائبين، والنون في الغائبات، كيضربون ويضربن، أي كما يوجد الفرق بهما بين المخاطبين والمخاطبات.
قال الناصر اللقاني: أشار إلى السؤال لِمَ لم يجعلوا جمع الغائب بالتاء، فرقا بينه وبين الجمع المذكر الغائب، كما في المفردة المثناة؟
وإلى الجواب: أن الجمع يلحقه مع كل واحد من الذكور والإناث علامة تميزه عن الآخر، بخلاف المفردة والمثناة.
وقال ابن قاسم: أشار إلى السؤال لِمَ فرقوا بين الغائبة والغائبتين، وبين الغائب والغائبتين بالتاء في الأولين، والياء في الآخرين، ولم يفرقوا بين الغائبات والغائبين بذلك، وجعلوا الجميع بالياء؟ (2/33)
صفحة 282
وإلى الجواب: أن الفرق بينهما الواو والنون قال: وأيضاً لو أعطى جمع المؤنث الغائب التاء لالتبس بجمع المؤنث المخاطي، ولا فارق، وأيضاً لمناسبته الياء الغائب كما صرح به السعد حيث قال، ولم يجعلوا جمع المؤنث الغائب أي في الإضمار بالتاء كما في الواحدة، بل بالياء المناسبة للغائب، وجعلوا النون للمفرد المعظم أو للمشارك، لأنها بعض نحن، ونحن يكون لذلك، وسها صاحب تحقيق في جعلهالنون في تعاهدنا وتجاوزنا ونحوهما متعينة للمشاركة لجواز كونها للمتكلم الواحد المفاعل لغيره لا لمتعدد، مفاعل مع غيره، وأما كون الفعل بين اثنين فصاعداً فدليله صبغة المفاعلة لا النون.
وقال السعد: لما كان في الماضي فرق بين المتكلم وحده، ومع غيره أرادوا أن يفرقوا بينهما في المضارع أيضاً، فزادوا النون لمشابهتها حروف المد واللين في الخفاء والغنة، واعلم أن الغنة ليست بحرف، بل صفة شبهت بصوت الغزالة إذا ضاع ولدها محلها النون ولم تنوينا، والميم إذا سكنتا ولم تظهر، أو الخيشوم، مخرج محلها، فقول ابن الجزري: وغنة مخرجها الخيشوم على حذف مضاف، أي مخرج محلها، ووجه الشبه أن النون مدة في الخيشوم كما أن حرف الامد واللين مدة في الحلق.
وزعم بعض الغنة نون ساكنة حقيقة تخرج من الخيشوم تابعة لنون الساكتة ولو تنويناً، وللميم الساكنة فهي حرف مجهور شديد لا عمل للسان فيه، والكلام على ذلك مبسوط في محله.
وعبارة بعضهم زادواالنون لأنها أقرب إلى حروف العلة، لأن فيها غنة، كما في الياء التي هي من حروف المد واللين أ.هـ. (2/34)
صفحة 283
ولا وجه لاقتصاره على ذكر الياء، وقيل: زادوا النون لذلك لوقوعها لذلك مع الماضي فاعلا ومفعولا، كضربنا بسكون الباء، أو ضربنا بفتحها، وإنما زادت حروف نأيت دون غيرها، لأن الزيادة مستلزمة الثقل، وهم احتاجوا إلى حروف تراد علامات للمضترع والتكلم والخطاب والغيبة، فوجدوا أولى الحروف فذلك حروف المد واللين، لكثرة دورها في كلامهم بأنفسها أو بأبعاضها، وأبعاضها هي الحركات الثلاث، وذلم أن الواو ضمة، ومدة الضمة ضمةفالواو حاصلة من ضمتين، والياء كسرة ومدة، ومدة الكسرة كسرة، فالياء حاصلة من كسرتين، والألف فتحة ومدة، ومدة الفتحة فتحة، فالألف حاصلة من فتحتين فزادوا الألف وقلبوها همزة، والواو وقلبوها تاء، والياء وأبقوها، والنون الشبيهة بحرف المدّ كما مرّ ذكر جل ذلك السعد.
ولا ينافي قوله أيضاً، وإنما زادوا حروف نأيت فرقاً بين المضارع والماضي، ولا يرد عليه أنه كثيراً ما لا يحصل الفرق بينهما بها، كتعلم بالفتح وانطلق، واستخرج، وأما عدم المنافاة فلجعل الحصر إضافيا، أي وإنما زادوها فرقا بينهما لا عبثا، أو المراد أنها زيدت لنصب العلامات للفرق المذكور، فالزيادة المعللة بنصب العلامات معلة بالفرق، على أنه إن أزيد بالعلامات علامات الماضي فلا إشكال ووجه كونها علامات الماضي أنه يعلم أن المجرد عنها على صيغة مخصوصة ماضي، ولكن الظاهر أنها علامات المضارع.
(م 4ـ شرح الأفعال ج 3) (2/35)
صفحة 284
وأما عدم المورود فلأن همزة انطلق واستخرج إذا كانا ماضيين مكسورة لا تدل على التكلم، وإذا كانا مضارعين فمفتوحة دالة عليه، وفرق بعضهم بثبوت همزة التكلم وصلاً، وحذف همزة الوصل وصلاً، قيل: وهو لا يكفي، قلت: قد يرجح على الفرق بالكسر والفتح، لأن همزة التكلم قد تكسر كما ترى، وتاء تعلم للخطاب إذا كان مضارعاً بخلافها إذا كان ماضياً، والرفع دليل المضارع مطلقاً، ودخول الناصب والجازم، وإنما اختصوا الزيادة بالمضارع، لأن زيادتها فيه تفيد معنى التكلم والخطاب والغيبة، والماضي غني عن ذلك بلحاق الضمائر، وهذا أولى من قول السعد إنه اختصت الزيادة بالمضارع، لأنه مؤخر بالزمان عن الماضي، والأصل عدم الزيادة فأخذه المتقدم.
وحاصله أن المتقدم وهو الماضي أخذ المتقدم وهو عدم الزيادة، واللاحق وهو المضارع أخذ اللاحق وهو الزيادة، كما صرح به صاحب شرح مراح الأرواح، وأعطى الأصل وهو عدم الزيادة للأصل، وهو الماضي، والفرع وهو الزيادة للفرع وهو المضارع.
وأقول وجه تأخر المضارع أن معناه متأخر في الزمان عن معنى الماضي، لأن الفعل مؤخر بسبب تأخر الزمان الذي هو جزء مدلوله، وذلك باعتبار زمانين، وقد مرّ بسطه، وإنما كان المضارع بزيادة حروف أتين على أول الماضي دون النقصان من حروف الماضي، لأنه لو كان بالنقصان لزم أن يكون المضارع أقل من القدر الصالح، ولهذا كان بالزيادة لا بالنقصان، هذا في الماضي الثلاثي. (2/36)
صفحة 285
وأما في غيره فالمضارع أيضاً بالزيادة، وإن لم يصر أقل من القدر الصالح بالنقصان حملاً على الماضي الثلاثي، وإنما زيدت أولاًَ لأن زيادتها وسطاً تلبس بالماضي، لأن الهمزة والتاء والياء والنون كثيراً ما تراد في وسط الماضي، والزيادة في الآخر، ولو كانت هي الأصل، لأنه محل التغيير، لكن توقع في اللبس، قيل: لو زيدت الهمزة في الآخر التبس بالماضي المقرون بألف الاثنين، وزيادة التاء في الآخر تلبس بتاء المتكلم إن ضمت، وبتاء المخاطب إن فتحت، وبتاء المخاطبة إن كسرت، وزيادة النون في الآخر تلبس بنون الإناث، ولم زاد الياء في الآخر مع أنها لا تلبس طرداً للباب.
وأقول: لا تخفي الهمزة من الألف نطقاً ولا خطاً، والأحسن كتب الهمزة على صورة الألف وفوقها، حيث تكتب ألفاً وتاء الضمير ونون الإناث يسكن لهما آخر الفعل، فلا التباس نطقاً إلاّ خطاً وأعلم أنه أراد بقوله: ببعض نأتي المضارع افتتح الإشارة للمضارع والبساط للحكم الآتي لتلك الحروف، ولما قبل آخره صح وإن أراد به تعريف المضارع فتعريف غير مانع لأنه يشمل الماضي المبدوء بهمزة أو نون أو ياء أو تاء أصول مثل: أمر وأكل، ونضر ونصر، وتبد وتبع ويعر ويتم أو زوائد مثل أكرم وانطلق واستخرج، وترجس الدواء على القول بزيادة النن وتعام وتغافل، وترمس وتسلقي ويشمل الأمر نحو: أكرم واضرب وتعلَّم والاسم نحو: أفصل وإكرام والتعلم والتغافل ويزيد ويشكر علمين. (2/37)
صفحة 286
وإن أجيب بأن المراد بحروف نأتي هذه الحروف الزائدة الدالة على التكلم والخطاب والغيبة، فلا يسمى ما هي فيه أصول مضارعاً كأمر ونصر، ولا ما هي فيه زوائد لا تدل على ذلك كتعلَّم وأكرم، رد بأن الإيراد لا تدفعه، الإرادة، بل يجب على المعرف أن يصرح في تعريفه بما أرادوا جاز بعضهم دفع الإيراد بالإرادة عند وجود قرينة واضحة، ولا قرينة هنا واضحة على أن المراد الزوائد الدالة، واشتهار ذلك لا يكفي في مقام التعليم، فالأولى أن قوله: ببعض نأتي المضارع افتتح إحالة حقيقة المضارع المعلومة، وإليها، فذكر اسم المضارع لذلك لا مجاز، أو جعل لتلك الحروف علامات للمضارع لئلا يرد ما ذكر، وعرفه بعض بأنه ما كان حروفه الأول حرفاً زائداً من حروف من نأيت.
ويرد عليه الماضي وغيره مما كان أوله حرفاً زائداً منها، والزنجاني ولو عرفه بهذا لكنه نصب قرينة واضحة، على أن المراد الزوائد الدالة على ذلك وعرفه شارح المراح بما يكون في أوله أحد الزوائد الأربع.
وأجاب عن يزيد ويشكر علمين بأن مراده ما في أوله إحدى الزوائد بقصد المضارعة، هما اسمان، وبأنهما مضارعان في أصل الوضع، ومراده ما في أول إحدى الزوائد باعتباره الوضع الأصلي.
قلت: هذا لا يدفع الإشكال وأجاب عن أكرم وتكسر وتباعد بأن المراد ما في أوله إحدى الزوائد بقصد المضارعة، وأقول الحق في تعريف المضارع أن يقال، هو ما أوله همزة أو نون دالتان على التكلم، أو تاء دالة على خطاب أو غيبة، وتأنيث أو ياء دالة على الغيبة، فإن تلك الحروف إذا كانت أصولاً لا تدل على ذلك، وإذا كانت زوائد في أول نحو الماضي لا تدل عليه أيضاً وذكر أو التي لغير الإبهام والشك جائزة في الرسم والحد عند بعض، ويعرف المضارع أيضاً بدخول لم وقبولها. (2/38)
صفحة 287
قال ابن هشام: وهو العمدة فانظر حاشيتي على القطر، وشرحه وإن قلت: لفظ البعض يقع على ما دون النصف، وقيل:عليه وعلى النصف، وقيل: عليها وعلى ما فوقه، فيوهم قوله: ببعض نأتي أن المضارع يجتمع فيه حرفان من حروف نأيت دالاّن على ما مرّ، أو ثلاثة.
قلت: لا يوهم ذلك، لأن المشهور الكثير الصحيح عند كثير أن لفظ البعض لا يقع حقيقة إلاّ على ما دون النصف، وما دون نصف حروف نأيت هو حرف واحد، وإن سلمنا جواز وقوعه على النصف أو كثر فلا إبهام أيضاً، لأن معاني حروف نأيت متنافرة غالباً، لأن الهمزة لتكلم الواحد، والنون لتكلم الواحد مع غيره غالباً وأصالة، والياء للغيبة والتاء للخطاب، وهما متخالفان متنافران، ومخالفان للتكلم فلا يجتمع إثنان منها، والنون ولو كانت تكون لتكلم الواحد كالهمزة، لكن الهمزة لا تعظيم معها، والنون معها تعظيم، والتاء ولو كانت تكون للغيبة كالياء، لكنها تكون ذلك حيث لا تكون الياء صالحة، وصلاحيتهما جميعاً في نحو: تقوم الهنود مثلاً لا يوهم إثباتهما معاً، لأن الواحدة تكفي.
ولا يقال: إن التاء للتأنيث، والياء للغيبة، فلا تكفي واحدة لما مر، ولأن شهرة انفراد كل حرف من حروف نأيت مغنٍ فيما قيل، حتى لا يبقى مع هذه الشهرة لبس، فيحرز عنه، وأما سبب تسمية المضارع مضارعاً فمرّ بسطه.
وأما سبب إعرابه فبسطته في النحو، وتقدم أن أول الثلاثي يسكن في المضارع لئلا يجتمع أربع متحركات، وخص أول الماضي لإسكان دون حرف المضارعة، لأن حرفها أول، ولا يبتدأ بالساكن، والحق أن حروف المضارعة حروف معنى كما رأيت لها حروف هجاء، والحق أنه لا يشترط في تسمية اللفظ كلمة لاستقلام، فحروف المضارعة كلمات، وفي ذلك خلاف في النحو. (2/39)
صفحة 288
الإعراب: ببعض متعلق بافتتح قدم للوزن والحصر، ونأتي مضاف إليه يقدر جره في الياء، والمضارع مفعول به لافتتح قدم للوزن والحصر، وافتتح فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والجملة مستأنفة، وتاؤه الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، ويجوز مرجوحاً أن يرفع المضارع على أنه مبتدأ وافتتح المذكور، وفاعله خبره والرابط محذوف أي افتتحه أو افتتح مبني للمفعول مضموم التاء الأولى، مكسور الثانية، مسكن الحاء للضرورة، ونائبه مستتر، والجملة خبره، فيلزم عليه تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، وهو قوله ببعض وهو جائز.
*وله ضم إذا بالرباعي مطلقا وصلا *
أي وابعض نأتى ضم اتفاقاً إذا وصل بالمضارع الرباعي مطلقا، سواء كان ماضيه رباعياً مجرداً عن الزوائد كدحرج يدحرج، أو رباعياً مزيداً فيه زيادة صار بها رباعياً، سواء كانت الزيادة لغير إلخاق كأعلم يعلم، وولاه يوليه بالتشديد، ووالاه يواليه، أو للإلحاق بالرباعي المجرد كخابس يخلبس، وسنبس يسنبس، وجلب يجلبب.
وأما فتح الحرف في(يخصِّمون) بتشديد الصاد، (اهدّى) بتشديد الدال و(لا تكلمَّ نفس إلا بإذنه) فلأنها أفعال خماسيات أصل يختصمون، فهو م ... ضارع اختصم، ويهتدي فهو مضارع اهتدى، وتتكلم بتاءين لكن أبدلت التاء في الثاني دالا بعد نقل حركتها للهاء، وأدغمت في الدال، وسقطت همزة الوصل فيهما لتحرك ما بعدها، وحذفتتاء المضارعة في الثالث، أو تاء التفعل على خلاف بسطته في محله. (2/40)
صفحة 289
وضم حرف المضارعة في الرباعي للفرق بينه وبين الثلاثي، وإنما لم يفرق بينهما بضمه في الثلاثي، وفتحه في الرباعي، لثقل الضم، وقلة الرباعي بالنسبة لغيره فأعطى الثقل للقليل والخفيف، للكثير قصدا للمعادلة وتقليلا للثقل، وقيل: لأن الضم فرع الفتح والرباعي فرع الثلاثي، فأعطى الفرع، والأصل للأصل، وهذه الأصالة والفرعية مرحعها إلى الكثرة والقلة والخفة والثقل، فالكثير أن الخماسيّ والسداسيّ فرع الثلاثي، فلم يعطيا الضم الذي الخفيف أصل، والقليل الثقيل فرع، ولا يرد على هذا القول هو فرع الفتح، لأنا نقول: إنهما ولو كانا فرع، الثلاثي لكنهما كثيران بالنسبة للرباعي وحروفها أكثر من حروف الرباعي فأعطيا الفتح الخفيف دفاعاً للثقل الناشئ، من كثرة موادهما، وكثرة حروف كل منهما، ولو ضما لكان جمعاً بين ثقلين.
قال في شرح مراح الأرواح: وإنما قلنا: إن الرباعي فرع الثلاثي لوجهين، أما الأول فمن حيث إن الثلاثي قبل الرباعي أي لأن الثلاثة قبل الأربعة، وهذا مرجعه أيضاً إلى الخفة والثقل والكثرة والقلة أغنى بهما هنا كثرة حروف الفعل الرباعي، وقلة حروف الثلاثي.
قال: وأما الثاني من حيث وجود الرباعي فيفتقر إلى وجود الثلاثي، لأن وجوده غير متصور، وحتى يتصور وجود الثلاثي، ووجود الثلاثي لايفتقر لوجود الرباعي، والمفتقر أصل.
قلت: هذا لا يتم له في الرباعي المجرد، فإنه لا ثلاثي له، ولكن حكم بفرعية الرباعي مطلقاً لوجود موحيها في بعض مواده، والوجهان أيضاً في الخماسي والسداسي، هذا ورأيت ابن قاسم نظر في كون الأقلية سبباً لضم الرباعي، والأكثرية سبباً لفتح غيرم بأن الأقلية مثلاً ليست صفاً ذاتياً للرباعي، بل هي بالنظر لما عداه وهو الأكثر، حتى أنه لو كانت للرباعي مواد أربعة غير فعلل وأفعل وفاعل وفعل بالتشديد لا تصف بالأقلية أيضاً، بالنظر لما عداها، فكيف تقتضي الأقلية بهذا الاعتبار اختصاص الضم بالأقل، الذي هو الرباعي تأمله. (2/41)
صفحة 290
وقال السعد: ضم حرف المضارعة في الرباعي لأنه لو فتح فيما كان منه على وزن أفعل مع أن همزة أفعل تحذف في المضارع إلاَّ شاذاً لم يعلم أنه مضارع أفعل، حذفت همزته أو مضارع الثلاثي ومضارع كرم، ولو كان مضموم العين لكن لو فتح حرف المضارعة في رباعية المبدوء بالهمزة المكسور ما قبل آخره، لتوهم أنه مضارع لكرم بوزن ضرب، مع أنه لم يكن بخلاف الرباعي الذي ماضيه على فعلل أو فاعل أو فعل بالتشديد، فإنه لا يلتبس بفتح حرف المضارعة فيه بالثلاثي المجرد، لأنه يستعمل بزيادتها لا بحذفها.
ولما كان مضارع أفعل فتح أوله يوقع في لبس ضم دفعاً للبس، وحمل عليه مضارع فعلل وفاعل وفعل، وضم أوله ولو كان لا لبس في فتحه، وإن قلت فعلل وفاعل وفعل أكثر من فعلل، وحمل الأقل على الأكثر أولى، فهلا فتح أول المضارع أفعل حملا على مضارع فعلل وفاعل وفعل، الذي لو فتح أوله لم يلتبس.
قلت: لم يحمل عليه لأنه لو فتح لالتبس كما علمت بمضارع المجرد، بخلاف حمل ذلك الأكثر على الأقل، فلا لبس فيه، ثم إن الفتح لخفته هو الأصل، ولا يعدل من الأصل إلاَّ لضرورة، ولا ضرورة في غير الرباعي لا حقيقة ولا حكماً، والضرورة في باب أفعل حقيقة، وهي الالتباس، وفي فعلل وفاعل وفعل المحمولة عليه حكماً للحمل، وقيل: الأصل ضم حرف المضارع فيما أوله همز الوصل كالرباعي، لكن لما لم يجر على طريق الملحق بالرباعي، وكان القصد به مخالفة ما زاد على الثلاثة حتى سكن أوله لذلك، ووضع على غير القياس في وضع أوائل الكلم فتح إلحاقاً له بالثلاثة، وكأنه لم يزل ثلاثياً لما خالف طريق الرباعي.
وأما في أوله تاء زائدة زيادة معتادة ففتح لشبهه بافعنلل وافعنلى، وقيل: فتح المبدوء بهمزة الوصل،لأن أصله الثلاثي فحمل عليه، ومزيد ذي الأرعة كاحرنجم محمول عليه لافتتاحه بهمزة وصل وهو أقل من مزيد الثلاثي، وذلك كله مناسبات ذكروها، والحاكم بذلك الواضع لا غير . (2/42)
صفحة 291
وإن قلت: لم ضم حرف المضارعة في يهريق مضارع أهراق، مع أنه خماسي، وفي يستطيع مضارع إسطاع بقطع الهمزة، مع أنه خماسي؟
قلت: الهاء والسين زائدتان على خلاف القياس، ولذلك كانت همزتها همزة قطع، كأنهما على أربعة أحرف، أو ضم حرف المضارعة فيها شذوذاً،وقيل يهريق مضارع أراق، أبدلت الهمزة هاء ولم تحذف لزوال الثقل، وغة أخرى اسطاع بوصل الهمزة، ولغة أخرى استاع بالوصل والقطع، ثم جعل مكان الطاء تاء ليكون ما بعد السين مهموساً، أو حذفت الطاء لأن التكرير منها نشأ.
قاتل المرادي: والأول أولى، ولغة أخرى هي استطاع، وقد تقدم الكلام على بعض ذلك وبسطته في غير هذا.
الإعراب: الواو للإستئناف أو للحال وصاحب الحال هو بعض، فيكون الربط بالواو والضمير، لأن الهاء في قوله، وله لبعض، ويجوز أن يكون صاحب الحال المضمر المستتر في افتتح مطلقاً أو المضارع سواء جعل مفعولاً أو مبئتدأ على جواز الحال من المبتدأ، وذلك على حد جاء زيد، والشمس طالعة، ويجوز أن تكون للعطف على الجملة الإسمية أن جعل المضارع مبتدأ، وعلى افتتح إن لم يجعل مبتدأ على جواز عطف الإسمية على الفعلية، والخبرية على الطلبية، وله متعلق بمحذوف خبر، وضم مبتدأ.
ويجوز تعليقه بفعل محذوف وضم فاعله أو فاعل الظرف فالجملة، فعلية أو بمنزلتها أو بوصف محذوف مبتدأ، وضم فاعله أغنى عن الخبر، فالجملة اسمية، وذلك على القول بعدم اشتراط الاعتماد على نفي أو استفهام، وقدم له للحصر، وتقديمه مسوغ لجعل ضم مبتدأ، ووجه الحصر أنه لا يضم من حروف المضارع الرباعي الأحرف المضارعة، وأما آخره فليس لمراعاته محل هنا، لأن ضمه إعراب، ولا كلام هنا على الإعراب، فالحصر بالنظر إلى غيره.
وإذا ظرف زمان مستقبل مبني لشبهه بالحرف في المعنى، وهو أن الشرطية متعلق بشرطه أو بجوابه، على خلاف، وبالرباعي متعلق بوصل قدم للوزن. (2/43)
صفحة 292
ومطلقاً حال من الرباعي، أو من المنعوت المحذوف أي الفعل المضارع الرباعي، أو نعت لمصدر محذوف، أي وصل وصلاً مطلقاً بالرباعي، أو حال من ضمير وصل وخفف الرباعي للضرورة.
ووصل ماض مبني للمفعول ونائبه ضمير مستتر عائد على البعض والجملة شرط إذا، وزعم بعض أن بالرباعيّ متعلق بمحذوف، وذلك المحذوف هو شرط إذا، وفسره وصل المذكور فانظر حاشيتي على إعراب الألفية عند قوله: إن صحبة أبانا، والجملة المفسرة لا محل لها، وقيل بحسب ما تفسره وشرط إذا في محل خفض بإضافة إذا إن علقت بالجواب، وجوابها محذوف دل عليه قوله، وله ضم وعلى قول بعض يكون قوله له ضم هو الجواب مقدماً.
وإن خرجت إذا عن الشرط علقت بما تعلق به قوله له.
وفتحه متصلا بغيره ولغير اليـ
ـاء كسراً أجز في آلات من فعلا
أو تصدر همز الوصل فيه أو التا
زائداً كتزكي وهو وقد نقلا
في اليا وفي غيرها إن ألحقا بأبي
أو ماله الواو فاء نحو قد وجلا
أي وافتح بعض نأتى حال كونه متصلا بغير الماضي الرباعي وهو الثلاثي والخماسي والسداسي، كيضرب وينطلق، ويستخرج وتضرب، وتنطلق وتستخرج، واضرب انطلق، واستخرج ونضرب وننطلق، ونستخرج.
وأما إذا اتصل بالرباعي فقد تقدم أنه يضم اتفاقاً، وذلك لغة أهل الحجاز قريش وكنانة وهي الفصحى، وأما غيرهم من تميم وقيس وربيعة فأجز على لغتهم الفتح في غير الرباعي، فإنهم يفتحون حرف المضارعة في الثلاثي والخماسي والسداسي، ويكسرونه أيضاً دون الفتح في الرتبة، وإنما يكسرون غير الياء من حروف المضارعة إذا كان الماضي فعل بكسر العين صحيحاً أو معتل الفاء أو العين أو اللام مضاعفاً أو لا، أو غير ذلك. (2/44)
صفحة 293
أو كان مبدوءاً بهمزة الوصل أو بالتاء الزائدة زيادة معتادة كتركي وتغافل، سواء كانت للمطاوعة أم لغيرها، والكسر هو نقل تحقيقاً عن غير الحجازيين: تميم وقيس وربيعة في الياء وغيرها من حروف المضارعة، وهو الهمزة والنون والتاء إن ألحقت الياء أو غيرها من حروف المضارعة بلفظ أبي، أو بالفعل الماضي الذي فاؤه واو، وعينه مكسورة، وأما العين فلا يجيزون كسرها لثقل الكسر عليها إلاَّ في أبي واوي الفاء المكسور، بل يفتحونها فقط كالحجازيين لكراهيتهم الكسرة في الياء، حيث لم يخافوا انتقاض معنى فيتحملوا ذلك، كما كرهوا الياءات والواو مع الياء، وشبه ذلك، ولذلك يدركون الياء مكسورة في كلامهم، ولا سيما كسرها أولاً.
قال غير واحد من اللغويين: ليس في كلام العرب اسم أوله ياء مكسورة إلاَّ قولهم: اليسار لليد، وعن أحمد في بغية الآمال، عن أبي الفتح ابن جنى في تذكرته، عن أبي الحسن الأخفش، أنه يقال يقظان ويقاظ بكسر الياء، من يقاظ، وعن أبي الحسن الأخفش، عن ابن الإعرابي: كسرت في يعر وجمعه الذي هو يعرة لصوت الجدى، وتكسر أيضاً في يباس جمع يابس، وزاد المضفري في كتابه الكبير يعاطي عند إنشاده قول عمر بن معدي كرب:
غدرتم غدرة وغدرن أخرى
فما إن بيننا أبداً يعاطي
كلمة تقال عند الصلح.
وقال عن كوع: يعاط زجر للذئب، وكذا قال ابن فارس في الجمل: إنه زجر للذئب قال: وهو باضم ويقبح الكسر، وشذ كسر الياء في المضارع قالوا: يذهب بالكسر والفتح شبهوه بتعلم لفتح عينهما، وقالوا ييلم حملاً على بيبي بالكسر، وقرئ به (يئلمون كما تئلمون) وقرأ أبو بكر وحده يهدي بكسر الياء والهاء.
قال صاحب بغية الآمال: كسر الياء اتباعاً لما بعدها من الكسر، وحكى الفراء في كتاب اللغات: أن بعض كلب يكسرون الياء المثناة تحت في المضارع، كما يكسرون الهمزة والتاء والنون. (2/45)
صفحة 294
قال الفراء: وهي من الشواذ، وكذا حكى اللحياني عن الكسائي قال: لم أسمع العرب تقول: يعلم بالكسر، ثم قال بعد سمعت بعض كلب يقول، هو لا يعلم ولا يقوى بالكسر.
وأما فعل بضم العين أو بفتحها فغير الحجازيين في فتح حرف المضارعة معه، وعدم كسره سواء كان غير ياء أو ياء.
قال سيبويه: ولا يكسر في هذا الباب شيء كان ثانيه مفتوحاً نحو: ضرب وذهب.
قال صاحب بغية الآمال: ما خلا أبي بالفتح فإن حرف المضارعة فيه يفتح ويكسر.
قال سيبويه: وقالوا أبيت تبيبي قلت: تبيبي بالكسر مضارع أبي بكسر الباء في الماضي مفتوحة في المضارع.
قال في البغية: هذا الحرف اسثناه النحويون من الباب فقط، ولم أر أحداً استثني شيئاً سواه، مع طول بحثي عن ذلك، وووجدت أنا حرفاً آخر وهو حببت الرجل أحبه بكسر الهمزة حكاه الإمام أبو عبد الله محمد إياز بن سيدة القرطبي في كتابه المسمى في السماء والعالم أ.هـ.
وذلك لأنه لو كسر حرف المضارعة في فعل بالضم جمع بين الكسر والضم لأن عين مضارع فعل مضموم المضموم والضم والكسر ثقيلان، والساكن ولو فصل بينهما لكنه حاجز غير حصين، فإنه انتقل من كسر لضم، وقد علمت شذوذ فعل بكسر الفاء وضم العين، كما أنه لو ضم حرف المضارعة فيه لاجتمع ضمتان في كلمة وهما ثقيلتان، والفاصل بينهما ساكن، فهو كلا فاصل، ولو كسر حرف المضارعة في فعل بالفتح، فأما أن يكون مضارعه بالضم فيلزم عليه ثقل الكسرة والضمة، والانتقال منها إلى ساكن فإلى ضمة وأما أن يكون بالكسر يلزم ثقل الكسرتين، وأما أن يكون بالفتح أصله بالكسر فيراعي أن أصله الكسر فيمنع كسر حرف المضارعة، وشذ يذهب بكسر حرف المضارعة مع أن الماضي مفتوح، وكذا شذ نعبد بكسر النون قرئ: (إياك نعبد وإياك نستعين) بكسر النونين، وكذا قرئ (مالك) لا تيمناً بكسر التاء. (2/46)
صفحة 295
ومثال كسر حرف المضارعة في مضارع فعل بكسر العين: ما تشاءون وما تخافون، ولم أعهد، ولا تركنوا بكسر حرف المضارعة في بعض القراءات بناء على أن شاء وزنه فعل بالكسر، وتركن بفتح الكاف مضارع ركن بكسرها، وحكى بعضهم: أنه رأى أعرابياً متعلقاًَ بأستار الكعبة وهو يقول: اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم بكسر تاء تعلم، وقرئ (فتمسكم النار) بكسر التاء.
قال سيبويه: إنما كسروا هذه الأوائل لأنهم أرادوا أن تحون أوائلها كثواني فعل، أي بالكسر، أي كثواني ماضياتها، كما ألزموا الفتح ما كان ثانيه مفتوحاً نحو: ضرب تضرب بفتح التاء، واضرب بفتح الهمزة كما فتحوا راء ضرب، وإنما لم يكسروا فاء الماضي، ويفتحوا حرف المضارعة، لأنه لا يتحرك فجعل الكسر في الأول مناسبة بين حرف المضارعة، وعين الماضي، كما أن الفتح في تضرب مناسبة لفتح راء ضرب أ.هـ بتصرف.
وإنما رأيت كتاب سيبويه في مصر في وكالة الجاموس، وقيل كسروا حرف المضارعة ليدل على أن عين الماضي مكسورة.
قال صاحب تحقيق المقال: وفيه نظر، لأن هذه العلة لو كانت معتبرة في كل مكسور العين أهـ.
وتعلم مما مر أنهم راعوا فتحة عين فعل في حرف المضارعة، ففتح وراعوا كسرة عين فعل فيه فكسروه، ولم يراعوا ضم عين فعل فيه لثقله، ولم يخافوا لبساً فعمدوا إلى الأخف وهو الفتح، ولم يزيالوا تفريقاً بين المضموم وغيره، حتى يحتمل حرف المضارعة الضم الثقيل قاله سيبويه، ولم ينبه في النظم أن الكسر لحرف المضارعة لغة، ونبَّه صاحب التحقيق أنها لغة جميع العرب غير الحجازيين، لكنه ما بعد ما مثل: يذهب ويتلم، ونعبد ونستعين، تركنوا وتشاءون، وتخافون وتيمنا واعهدا، قال: وكل هذا وأشباهه شاذاً أو لغة قوم. (2/47)
صفحة 296
قلت: تقدم أنه لغة تميم وقيس وربيعة بالشروط المذكورة، وهو الذي عليه صاحب فتح الأقفال، لكنه لم يرد الحصر، فلا إشكال والحق أنه لغة جميع العرب تميم وقيس، وهذيل وأسد، وجميع العرب إلا الحجازيين، وكذا ذكر اللحياني في نوادره عن الكسائي، وكذا قال سيبويه، وكذا عزاه في التسهيل لغير الحجازيين، وعزاه في شرح الكافية لبني أخيل رهط ليلي الأخيلية.
حكى أبو يحيى عن الحريري في درة الغواص: أن ليلي الأخيلية كانت تكسر حرف المضارعة، فدخلت ذات يوم على عبد الملك بن مروان بحضرة الشعبي، فقال الشعبي: يؤذن لي أمير المؤمنين في ممازحتها؟ فقال له: افعل، فلما استقر بها المجلس قال: ما لقومك لا يكتنون يعني لا يستترون بالبنيان، فقالت له: ويحك لا نكتني بكسر النون الأولى تعني لا نستر، فقال لها: لا ولو فعلت لاغتسلت بضم التاءين أو كسرهما مورياً بمعنى ناك ينيك أي نكح ينكح، فخجلت واستغرب عن الملك ضحكاً.
ثم إن الناظم أطلق في النظم والتسهيل أنه يجوز كسر أول مضارع فعل بكسر العين مع أن شرطه فتح عينه أعني المضارع، وأما إن كسرت عينه فلا يكسر أوله لما مرّ من ثقل كسرتين، فلا يقال حسب تحسب بكسر السين والتاء، بل يفتح التاء، ولا تراث بكسر التاء، بل يفتح عند جميع العرب ذكره أبو حيّان في شرح التسهيل.
قال سيبويه: وأما يسع ويطؤ فإنما فتحوا فيهما، لأن ذلك فعل يفعل كحسب يحسب، ففتحوا الهمزة والعين كما قالوا: يقرأ ويفزع، فلما جاء على مثال ما فعل منه مفتوح لم يكسروا كما يكسروا يأبى حيث جاء على مثال ما فعل منه مكسور، يعني أن الكسر في يحسب وشبهه كينعم لما جاء على طريقة فعل بالفتح، فكأنه فَعَل تقديراً كما أن يأبى لما أتى على طريق فعل بالكسر فكأنه جاء على أبى بالكسر. (2/48)
صفحة 297
وقد تقدمت لغة الكسر في أبى، ووجه إطلاق الناظم أن الكسر في مضارع فعل بالكسر قليل مع كونه مشروكاً في كثير منها، فلم يلتفت إليه، فأجرى الضابط على القياس الباب، وكسروا حرف المضارعة لزيادته، ولم يكسروا الفاء دونه لبعد تحركها كما مرّ، ولم يكسر الثالث أعني العين لئلا يلتبس يفعل المفتوح العين بالمكسور، ولا الآخر لأن فيه حركة الإعراب، وأما الماضي المفتوح هو ومضارعه فيفتح أول مضارعه.
وحكى اللحياني عن الكسائي في نوادره أن ناساً من بني أسد من سوءة بن سعد، ومن بني دبير يكسرون الهمزة والنون والتاء المثناة فوق، وأنشد:
ذروني أذهب في البلاد وريقنني
تسوغ وخلفي لين ولساني
(م5 ـ شرح الأفعال جـ3)
ومثال كسر حرف المضارعة في المبدوء بالتاء أتزكى ونتزكى، وتترك بكسر حرف المضارعة وفتحة أولى، ولا تكسر الياء كما مرّ في الثلاثي، ولا يكون المبدوء بالتاء إلاّ خماسياً أعني التاء الزائدة، زيادة معتادة ذكره صاحب تحقيق المقال، وإنما كسروا في المبدوء بالتاء حملاً على المبدوء بالهمزة من الأنفعال والافتعال، لأن تكسر مثل في معنى انكسر في المطاوعة، وتسلقي في معنى اسلنقى، وتحرجم في معنى احرنجم، وتاء غير المطاوعة شبيهة بتاء المطاوعة، كما حملوا يذرمع أنه مضارع للمكسور على يدع، فحذفوا واوه أو للمفتوح وفتحوه حملاً على يدع، اجتوروا على تجاوروا، وصححوا واوه وصيد على أصيد، وصححوا ياءه، وقالوا اتقى الله رجل يتقي بفتح التاء بعد الياء حملاً على أصلها وهو الفتح في الماضي، والقياس بسكونها، كراء يرمي.
وأما ما ابتدئ بتاء زائدة زيادة غير معتادة، فلا يكسر حرف المضارعة فيه، لأنه غير محمول على المبدوء بالهمزة، وأما نحو ترمس فتاؤه ولو كانت زائدة لا تسيغ كسر حرف المضارعة، لأنه رباعي فيضم حرف المضارعة فيه، وزيادتها غير معتادة.
وأما نحو: ترب فتاؤه أصل، وفتح حرف المضارعة فيه هو الأصل، وكسره جائز من حيث كونه ثلاثياً مكسور العين. (2/49)
صفحة 298
ومثال كسر حرف المضارعة في مضارع المبدوء بهمزة الوصل: تستخرج وتنطلق بكسر التاء، وقرئ (إياك نعبد وإياك نستعين) بكسر النون في نستعين كتعبد و (تبيض وجوه وتسود وجوه) بكسر التاءين والمبدوء بهمزة الوصل يكون خماسياً كانطلق، وسداسياً كاستخرج واستعان واحرنجم، والزائد على أربعة لا يكون إلاّ مبدوءاً بتاء مزيدة، أو بهمزة وصل، وإنما جاز كسره فيما افتتح بهمزة وصل، لأنهم لما سلكوا به طريق الثلاثي في الفتح لحرف المضارعة كما مرّ، حملوه عليه في الكسر لما كانت العين فيه لازمة الكسر في المضارع، فهو نوع مناسبة، وقيل: كسر لانكسار همزة الوصل في الماضي، ولا تكسر الياء المثناة تحت في المضارع المبدوء ماضية بهمزة الوصل.
وحكى اللحياني كسرها أيضاً في المبتدأ بالتاء الزائدة، أو همزة الوصل، قال في نوادره عن الكسائي: إذا زدت في الفعل شيئاً نحو: استفعلت وتفعلت، كسروا الياء والنون والألف والتاء.
وحكى أبو حيان في مضارع فعل الثلاثي المكسور، ومضارع المبدوء بالتاء الزائدة، ومضارع المبدوء بهمزة الوصل لغة، وهي تكسر حروف المضارعة كلها الياء وغيرها، فتحصل في مضارع فعل الثلاثي المذكور، ومضارع المبدوء بالهمزة أو التاء المذكورتين ثلاث لغات:
الأولى: فتح حروف المضارعة كلها وهي اللغة الفصحى المصدر بها الناظم، وهي للحجازيين.
والثانية: كسرها مطلقاً وهذه لم يذكرها الناظم، وقل من ذكرها أبو حيان في شرح التسهيل.
والثالثة: فتح الياء وكسر غيرها، وظاهر بعضهم أن أهل هذه لا ينطقون بالفتح في غير الياء. (2/50)
صفحة 299
وصرّح بعضهم بأنهم يفتحون أيضاً وأما مضارع أبى، ومضارع ما فاؤه واو وعينه مكسورة ففيهما لغتان، ففتح حروف المضارعة كلها وهي الفصحى وهي للحجازيين، وكسرها كلها وهي لغيرهم، وظاهر بعض أن أهل هذه يفتحون أيضاً، وظاهر بعض يكسرون فقط، وشرط ما فاؤه واو وأن تكسر عينه في الماضي كما مر، وربما كان تمثيل الناظم له بوجل المكسور العين إشارة إليه، ولم يمثل بنحو: وصل كورث ترث، فإذ لا يكسر فيه حرف من حروف المضارعة عند أحد من العرب ذكره الإمام أبو حيان الأندلسي الغرناطي في شرح التسهيل.
وكذا لو كان الماضي على فعل بالفتح، كوعد ووصل، أو بالضم كوفر كذا، قيل وأقول يبحث فيه بما إذا فتح مضارع المفتوح، فإن فيه لغة الكسر كما مرّ.
قال أبو يحيى: فإن قلت: الكلام إنما هو في مضارع فعل بكسر العين، وأبى مفتوح العين.
قلت: أبى فيه لغتان: الفتح والكسر، ويأبى أي بالفتح مضارع أبي بالكسر أي بكسر الباء، وفتح الياء لكنهم استغنوا بمضارع المكسور عن المفتوح وهو المسمى بالتداخل، كما مر، وكان الأولى أن يقول المصنف أن ألحقا بأبي أي بكسر الباء وفتح الياء كرضي، لكن الوزن لم يساعده، أو يقال: أن أبي أي بالفتح أشهر أ.هـ.
قلت: لو قال المصنف: بأبي بكسر الباء وإسكان الياء ضرورة كان أولى، ولا يقال: إنه يلبس بالأب مضافاً للياء لأن الياء وغيرها من حروف المضارعة لا تلحق بالأب.
قال سيبويه: وقالوا أبي أي بالفتح فأنت تيبي، وهو ييبى أي بكسر حرف المضارعة الياء والتاء كغيرهما وفتح الباء الموحدة، قال: وذلك أنه من الحروف التي يستعمل يفعل فيها مفتوحاً وأخواتها، وليس القياس أن تفتح، وإنما هو حرف شاذ أ.هـ. (2/51)
صفحة 300
قلت: مر أن المفتوح مضارع المكسور فلا شذوذ، قال: فلما جاء مجئ ما فعل منه مكسور فعلوا به ما فعلوا بذلك، وكسروا في الياء، وقالوا:ييبي وخالفوا به في هذا باب فعل، أي بالكسر حيث كسروا فيه الياء أيضاً، وفعل بالكسر لا يكسرون فيه الياء، قال: كما خالفوا به يأبه حين فتحوا أي، والقياس كسر عينه لانفتاح عين الماضي، وقد مر ما فيه.
قال: وشبهوه بييجل حين أدخل في باب فعل، أي بالكسر يعني في قلب واو وجل ياء، وذلك أنهم كسروا حرف المضارعة كتقع واوه ساكنة بعد كسرة فتعل، وكان القياس يقتضي أن لا تكسر الياء، لكن لما كان ذلك موصلا إلى التخفيف ارتكبوه، وإن شذ لهذا كان ييجل محتملا للغة الكاسرين والفاتحين وارتكبوه لما قلناه، قال: وكان إلى جنب الياء عرف احتلال أ هـ بتشديد نون كان وأراد جنب الياء في يأبي، قال: وهم يغيرون الأكثر في كلامهم، ويجسرون عليه إذا صار عندهم مخالفاً أ هـ.
قال صاحب التحقيق: يعني أن التغيير يأنس بمثله لفتح بابه، وصيرورته كالمعهود أ هـ.
هذا ويصح في قوله نحو: قد وجلا أن يكون بالجيم أي خاف، وأن يكون بالحاء المهملة أي وقع في الطين الدقيق، ولكن الموجود فيما نراه من النسخ، وفيما رويناه الأول، واعلم أن فيهما وفي مثلهما لغات الأولى، وهي الأكثر الأفصح فتح حروف المضارعة، وبقاء الواو ساكنة، وهي للحجازيين الثابتة فتح الياء المثناة تحت، وبقاء الواو لانفتاح ما قبلها، وهو الياء لأنه يثقل الكسر عليها وكسر التاء المثناة فوق، والهمزة والنون، وقلب الواو ياء لسكونها بعد كسرة الثالثة فتح حروف المضارعة كلها، وقلب الواو ألفا كراهية للواو الياء، كما تقلب همزة، وهي لغة قوم من أهل الكسر كما حكاه أبو حيان عن الثماميني.
الرابعة: فتح حرف المضارعة كلها، وقلب الواو ياء كراهيته للواو مع الياء، قيل: شبهوه بأيام ونحوه، وهذه حكاها أبو حيان عن بعض الأصحاب، يعني العلماء الأندلسية. (2/52)
صفحة 301
قال أبو يحيى: وذلك الاجتماع الواو والياء، وإحداهما ساكن، وحمل غير الياء على الياء.
الخامسة: كسر حروف المضارعة كلها لتقلب الواو ياء، وقلب الواو ياء لسكونها بعد كسرة، ومن راجع ما مر وجد الزيادة على الخمس، وذكر الناظم في الكافية الأولى والثالثة والرابعة ثلاث لغات فقط، وتبعه أبو يحيى، وذكره صاحب التحقيق الخمس جميعاً باختصاره.
تنبيه: احترز بقوله في الآت من فعلا عن الآتي من فعل بالفتح أو بالضم، فإنه باق على الأصل السابق، وهو الفتح في غير الرباعي حيث قال: وافتحه متصلا بغيره، وأما الرباعي قد أخرجه من هذا قوله: ضم إذا بالرباعي مطلقاً وصلا.
وزعم صاحب تحقيق المقال: أنه خرج بقوله: وافتحه متصلا بغيره، ويحتمل أنه احترز بقوله: في الآتي من فعلا أو ما تصدر إلخ من الرباعي مع الاحتراز بفعل عن فعل المضموم والمفتوح، وذلك أنه لما ذكر الضم للرباعي، والفتح لغيره، وعقب ذلك بجواز الكسر، خاف أن يتوهم جوازه في المضارع المضموم والمكسور، كما جاز في المفتوح، ومفهوم المخالفة في قوله في الآت من فعلا، أو ما تصدر همز الوصل فيه أو التاء زائداً يقتضي عدم جوازه في الرباعي، وفي مضارع فعل بالفتح أو بالضم.
تتمات:
الأولى: ظاهر بعضهم أن همزة إخال مضارع خال مكسورة عند حميع العرب، وصرح كثير بأن كسرها هو اللغة الفصحى، وفيه لغة فتح قلت حكاها الشيخ خالد عن بني أسد، وظاهر بعضهم أن التاء والنون مثل الهمزة في مضارع خال، وظاهر بعض أن في مضارع خال ما مر من اللغات في فتح حرف المضارعة وكسره على كل حال الأصل الفتح.
قال في القاموس: وتقول في مستقبل خال أي ظن إخال بكسر الألف أي الهمزة، وتفتح في لغية أه، بياء التصغير مدغمة في لام الكلمة، أي في لغة حقيرة ضعيفة ردية. (2/53)
صفحة 302
الثانية: إذا اجتمعت تاءان في أول المضارع تاؤه وتاء ماضيه مفتوحتان، فالأصل ثبوتها جميعاً نحو: تتعلم وتتكلم، وتتغافل وتتضارب، وتحذف وصلا وابتداء إحداهما كثيراً جداً، ولو كان الإثبات أكثر نحو: (تنزل الملائكة والروح) و(لا تكلم نفس)و (ناراً تلظى) و(لقد كنتم تمنون) بدليل الرفع، ولو كان تلظى ماضياً لقيل تلضت، لأن الفاعل ضمير مستتر عائد لمؤنث وعلة الحذف إنه لما ثقل عليه اجتماع مثلين عدلوا إلى التخفيف بحذف إحدى التاءين، وإنما لم يخفف بإسكان الأولى وإدغامها في الثانية، لأنه يؤدي إلى جلب همز الوصل، وهي لا تكون في المضارع كما قال في التوضيح أنه لم يخلق الله همزة الوصل في أول المضارع.
وقال خالد: أي لم يخلق الله أحداً من الفصحاء أدخل همزة الوصل في أول المضارع.
وقال الناظم في شرح الكافية، وابنه في شرح الخلاصة تبعاً له: إنه يجوز الإدغام والاتيان بهمزة الوصل ليتوصل إلى النطق بالتاء الساكنة أولاً، ورده ابن هشام بما مرّ، وقد يجاب بأن مراد النحاة بكون المضارع لا يكون أوله همزة الوصل أنها لا تكون أوله على وجه اللزوم، كما في الماضي والأمر والمصدر، ولا يظن بالناظم أن يقدم على ذلك من غير سماع ولا استنباط من لغة العرب، ولا قياس خال عما ينافيه، وناهيك بالناظم الذي نقل عنه الثقات أنه قال: طالعت الصحاح جميعاً فلم أستفد منه إلاّ ثلاث مسائل، ولا يضر عدم ذكره السند في الادغام والاتيان بهمزة الوصل صريحاً، والجمهور يمنعون الإدغام في الابتداء، ويوجبون الاظهار.
وأجازوا الادغام في الوصل بدون جلب همزة الوصل لتنزيل الحرف الآخر من الكلمة السابقة منزلتها، وعن الصبان، عن يس، عن ابن الناظم أن الناظم ذكر المسألة في بعض كتبه على ما يوافق الجمهور، ونصه يجوز إدغام تاء المضارعة في تاء أخرى بعد مدة أو حركة نحو: (ولا تيمموا) و (تكاد تميز) أ.هـ. (2/54)
صفحة 303
أراد بالمدة حرف العلة الساكن المسبوق بحركة تجانسه نحو: (ولا تيمموا) بتشديد التاء في قراءة البزي، وكذا (لا تبرجن) وأما تميز فشدد بعد حركة في قراءة البزي، وكذا (كنتم تمنون) بالتشديد، واختلفوا في التاء المحذوفة إذا بقيت تاء واحدة، فقال البصريون وسيبويه: هي الثانية وهي تاء الماضي، لأن الاستثقال حصل بها لا الأولى، لدلالتها على المضارعة والخطاب وحده أو مع التأنيث، وعليه الناظم في التسهيل وشرح الكافية، وحذفها مخل بذلك المعنى.
وقال الكوفيون ومنهم هشام الضرير: إن المحذوفة هي الأولى لا الثانية، لأن الأولى زائدة على الماضي، والثانية ولو كانت زائدة لكنها من حروف الماضي وحدوثها سابق على حدوث الأولى، وحذف الزائد الطارئ زيادته أولى، ولأن الثانية دالة على المطاوعة مثلاً، وحذفها فخل بهذا المعنى، ويرد هذا التعليل أن حرف المضارعة يدل أيضاً على معنى، ولا يقال: إن الرافع والناصب والجازم الذي لا يدخل على الماضي، وعدم تاء التأنيث حيث تجب لو كان ماضياً دليل، لأنا نقول: عدم ضم حرف المضارعة دليل أيضاً على أن الفعل غير رباعي، بل خماسي فافهم.
ولم يحك ابن هشام في التوضيح، والناظم في التسهيل، هذا المذهب إلاّ عن هشام بل ظاهر المغني أنه لم يقل به إلاّ هشام، إذ قال: إن المحذوفة عند الجمهور هي الثانية، والمخالف في ذلك هشام الكوفي، ورد بذلك على أبي البقاء القائل في: (فإن تولوا فإنّ الله عليم بالمفسدين) أنه يضعف كون تولوا مضارعاً، لأن حرف المضارعة لا يحذف.
قال ابن هشام: وهذا فاسد، لأن المحذوف الثانية، وكونه الثانية، ولو لم ينص عليه يفهم من قوله: إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولاً أو ثانياً، فكونه ثانياً أولى. (2/55)
صفحة 304
قال الناظم في شرح الكافية، وابن هشام، وخالد وغيرهم: على التوزيع قد تحذف نون الماضي إذا اجتمعت مع نون المضارع لما مرّ في حذف التاء كما قرأ ابن عامر وعاصم: (وكذلك نجي المؤمنين) بضم النون وتشديد الجيم مكسورة وبعدها في الخط ياء غير متحركة، ونصب لمؤمنين أصله ننجي بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم المكسورة مضارع نجي بفتح النون،وتشديد الجيم المفتوحة، فحذفت النون الثانية، ويضعف هذا القول، ولو كان هو الأظهر عند ابن هشام أنه لا يجوز في المضارع المبدوء هو وماضيه بنون حذف، نون الماضي إلا شذوذاً، بل تثبتان وقرئ شاذاً(ونُنزل الملائكة) بضم النون واللام، ونصب الملائكة وهي قراءة حكاها أبو الفتح بن جني، وهي هذه القراءة دليل على أن المحذوف من التاءين المذكورين الثانية، لأن المحذوف فيها النون الثانية بدليل ضم الباقية فهي حرف المضارعة، إذا لا وجه لضم الثانية في المضارع، لأن نزل الملائكة بدليل رفع الفعل، ونصب الملائكة.
وقيل: الأصل ننجى بسكون النون الثانية، وضم الأولى أدغمت الثانية في الجيم، كما أدغمت في أجاصة بفتح الهمزة، وهي واحدة الأجاص، وفي أجانة بفتح الهمزة وكسرها وهي قصرية يغسل ويعجن فيها، وهي واحدة الأجانين الأصل أنجاصة وأنجانة أبدلت النون جميعاً، وأدغمت في الجيم، ويضعفه أن إدغام النون في الجيم لا يكاد يعرف كما قال ابن هشام، لأن النون عند الجيم تخفي ولا تدغم كما قال خالد،ولا يقال أنجاصة وأنجانة عند الأكثرين، ومنهم صاحب القاموس، وقيل: لغة يمانية، وقيل، نجي فعل ماضي مبني للمفعول، وهو مشدد، ونائبه ضمير المصدر، والمؤمنين مفعول به، ويضعفه أنه لو كان كذلك لفتحت الياء في الوصل، ولقيل نجيت بتاء التأنيث، لأن المصدر التنجية والضمير المستتر الراجع لمؤنث يؤنث مطلقاً، وإن إنابة ضمير مصدر الفعل نفسه ضعيفة، وإن المفعول به موجود فلا ينوب غيره. (2/56)
صفحة 305
ويجاب بأنّ الياء سكنت للتخفيف كما قرأ الأعمش، فنسى ولم نجد والحسن ما بقى من الربا بسكون الياءين وصلاً، بل قيل ذلك لغة أو بأن ذلك إجراء للوصل مجرى الوقف، لكنه ضعيف أيضاً، وبأنه لم يرد بالمصدر المصدر الذي هو مؤنث، بل التنجي بسكون النون والياء أو بتشديد الياء وحذف التاء على قلة، لكن هذا ضعيف، بل قيل يختص بالضرورة على حد تنزي دلوها تتريا، أو المراد بالمصدر اسم المصدر، وهو مصدر الثلاثي أي النجاء، وقد ناب ضمير المصدر في: (وحيل بينهم) ولا يقال: النائب الظرف المنصوب، لأنه متصرف، ولو ناب لرفع، ولا يقال بني لإضافته لمبني، لأن الإضافة لمبني لا تسيغ البناء مطلقاً، بل بشروط ذكرتها في غير هذا، وبأنه قد ورد نيتبة غير المفعول مع وجوده، قرأ أبو جعفر: (ليجزي قوماً بما كانوا بكسبون) بالبناء للمفعول، ونصب قوماً على المفعولية والجار والمجرور نائب.
الثالثة: تحذف همزة أفعل في المضارع نحو: أكرَمَ أكُرمُ مما في مضارعه همزة المتكلم لئلا تجتمع همزتان وحمل عليه المضارع المبدوء بالتاء أو النون أو الياء، واسم الفاعل واسم المفعول نحو: تكرم ومكرم، وقد تثبت ضرورة شاذة كقوله:
*فإنه أهل لأن يؤكرما*
بضم الياء بعدها همزة مفتوحة وسكون الكاف، وفتح الراء بناء للمفعول، وندر أرض مؤرنبة بإثبات الهمزة في اسم المفعول، أي كثيرة الأرانب، وكساء مؤرنب كذلك أي خلط صوفه بوبر الأرانب، وذلك إذا قلنا: همزة أرنب زائدة كهمزة أكرم وأعلم، وأما إذا قلنا: بأنها أصل كما هو قول فلا نذور في ثبوتها، بل واجب ثبوتها، فهي مثل قاف قدس يقدس، ولو أبدلت الهمزة هاء أو عيناً مهملة لم تحذف لعدم ثقلهما كما في هراق، إبدال همزة أراق هاء، وعنهل بإبدال همزة أمهل عيناً فتقول: أهريق ونهريق وتهرين ويهريق، ومهريق ومهراق بفتح الهاءات، ويجوز إسكان هاء الآخر، واعنهل ويعنهل وتعنهل ويعنهل ومعنهل ومعنهل. (2/57)
صفحة 306
الرابعة: الزيادة تتعدى مادتها وتلزم، وظاهر التفتازاني في شرح الزنجاني أنها تتعدى إلى واحد إذا تعدت حيث قال: جاءت متعدية وغيرها نحو: زاد الشيء أي أزداد، وزاده غيره أي جعله مزداداً، ويخالفه كما قال اللقاني إطباق المعربين على أن إيماناً في: (زادتهم إيماناً) مفعول، فهو متعد إلى اثنين كما نص عليه السعد نفسه، في حاشية الكشاف نحو زاده الله خيراً، والازدياد افتعال من الزيادة، أبدلت التاء دالاً لوقوعها بعد الزاي، وهو لازم.
وزعم بعضهم أنه يتعدى لاثنين، وأقول في مادة الزيادة: إنها تلزم نحو زاد الولد ومتعدية لواحد نحو زاده الله، أي أوجده وخلقه، وزدت شيئاً أي أظهرته، وجئت، وزاد زيداً عمراً شيئاً.
قال السعد: وقولهم: حرف زائد من اللازم للتعبير باسم الفاعل لا من المتعدي، وإلاّ لعبروا باسم المفعول، لأنه يبني من المتعدي ويرده أن اسم الفاعل يبني من المتعدي أيضاً كما يبني من اللازم وأنهم يقولون: حرف مزيد، والحرف المزيد تعبير باسم المفعول، فعلى اللزوم تقول: هذا مزيد فيه أي هذا اللفظ أوقعت فيه الزيادة، والنائب الجار والمجرور، وعلى التعدي لواحد تقول: هذا حرف مزيد بنيابة الضمير المستتر، وهذا اللفظ مزيد فيه حرف بنيابة حرف، وعلى التعدي لاثنين تقول: هذا اللفظ مزيد حرفاً بنيابة الضمير المستتر، وحرفاً مفعول ثان، أي زادوه حرفاً.
قال السعد: بناء على ما مر من أن التعبير بالزائد دليل اللزوم أن لفظ المزيد عندهم مع في اسم مفعول لتسويغ الظروف بناء اسم المفعول من اللازم، لنيابتها، ومع عدم في أمَّا اسم مفعول على تقدير الجار أي المزيد فيه، وحذف الجار والمجرور يجوز رفعه، ويجوز تدريجاً عند الجمهور، وعليه سيبويه والأخفش، وقيل: لا يجوز إلاّ دفعة، قيل: لا يجوز إلاّ تدريجاً بحذف الجار أولاً، وبعده المجرور، وعليه الكسائي وغيره. (2/58)
صفحة 307
وإما اسم مكان أي محل الزيادة والإضافة في قولهم مزيد الثلاثي ومزيد الرباعي إضافة صفة لموصوف أي الثلاثي المزيد فيه، والرباعي المزيد فيه، أو بمعنى من، ويتعين الآخر إذا جعل اسم مكان، وهذا إذا اعتبرنا أن الثلاثي والرباعي جنسان للمضاف، وإن اعتبرنا أن المزيد في قولهم: مزيد الثلاثي خاص بالثلاثي المجرد، وفي قولهم: مزيد الرباعي خاص بالرباعي المجرد، فاء لإضافة لامية.
فائدة: آخر الشطر الأول في قوله: وافتحه متصلاً إلخ ياء قوله، ولغير والراء للثاني، وفي قوله: أو ما تصدر إلخ التاء المدغمة من قوله أو التاء والتاء المفتوحة المدغم فيها للثاني.
الإعراب: الواو للإستئناف أو لعطف جملة الطلب الفعلية على الاسمية الخبرية، وهي: وله ضم، وإن جعلت اسمية وعلى الخبرية الفعلية إن جعلت فعلية كما مر.
وافتح فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والهاء مفعوله عائدة لبعض نأتي، ومتصلاً حال منها، وبغير جار ومجرور متعلق بمتصلاً، والهاء مضاف إليه عائدة للرباعي.
والواو للعطف على افتح أو للإستئناف، ولغير متعلق بأجز قدم للحصر، والوزن والياء مضاف إليه أو متعلق بكسر ابناء على جواز تقديم معمول المصدر عليه مطلقاً، أو إن كان لا يحل محلة الفعل، وحرف المصدر ولاسيما هذه ضرورة، والمعمول ظرف وكسر مفعول أجز قدم للوزن، وأجز فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والجملة هي المستأنفة أو المعطوفة بالواو المذكورة.
وفي الآت متعلق بأجز، جره مقدر على الياء المحذوفة للوزن، لأنها لو ذكرت كانت زائدة بين متحركي وتد مستفعلن ومن فعلا متعلق بالآت أي الجائي من فعلا، أو بمحذوف حال من ضميره، وإن جعل الآت مرادفاً لقولهم: الفعل المضارع، أو الفعل المستقبل، تعلق بمحذوف حال منه. (2/59)
صفحة 308
هذا وإن أراد صاحب تحقيق المقال بقوله: وقصر الآت ضرورة أنه حذف ياء الآتي للضرورة، صح أي قصره وحبسه عن ظهور الياء، وإن أراد أنه حذف همزة آت فباطل، لأنها مذكورة بعد اللام الساكنة في اللفظ، وقبلها أو بعدها في على الخلاف في أي موضع تكتب الهمزة المتصلة باللام إذا كانتا على صورة لام ألف، وكذا الخلف في الألف من لام ألف، ولام أل سابقة عليهما قطعاً.
اللهم إلاَّ إن أراد أن نقل فتحتها للام وحذفها تخفيفاً، وأنه صار إلى هذا التخفيف لئلا يثقل الوزن والنطق واو حرف عطف، وما موصولة أو موصوفة بالجملة بعدها معطوفة على فعلا أي في الآتي من فعل أو من الفعل الماضي الذي تصدر إلخ، أو من فعل ماض تصدر إلخ.
وقول أبي يحيى أنها معطوفة على قوله: في الآت ركيك من جهتين:
إحداهما: أنه كان الحق أن يقول على الآت، لأن لفظ في لم يكن مع ما فضلا، عن أن يجعل العطف على قوله في الآت.
ثانيتهما: أن الذي تصدر فيه همز الوصل هو الماضي لا المضارع، والمراد بالآت المضارع، ولا حرف من حروف نأيت في الماضي حتى يأمر الناظم بإجازة كسره، وتصدر ماض وهمز فاعل مضاف للوصل.
وفيه متعلق بتصدر والجملة صلة ما أو صفتها، والعائد هاء فيه، وهذه الهاء مانعة لجعل ما مصدرية لعدم ما ترجع إليه إذ ذلك، والتاء معطوفة بأو على همز، وقصر ضرورة على التحقيق، وزائداً حال من التاء، لأن الحروف جائز تذكيرها، وتأنيثها تقدمت على الفعل ونحوه، أو تأخرت وكتزكى جار ومجرور استقراري بمبتدأ محذوف، أي وذلك كتزكى، الواو للاستئناف وهو مبتدأ سكنت هاؤه لجواز سكونها بعد الواو ونحوها.
وهو عائد للكسر، وقد حرف تحقيق ونقل ماض مبني للمفعول مستتر النائب جوازاً، والجملة خبر، وفي الياء متعلق بنقل، وقصرت للضرورة، وفي غير معطوف على في الياء، وهاء مضاف إليه، وإن حرف شرط، والحق ماض مجزوم المحل على الشرط مبني للمفعول، والألف نائب، وهو عائد على الياء وغير في قوله: في الياء وفي غيرها. (2/60)
صفحة 309
وجواب إن محذوف دل عليه هو قد نقلا، وإن أجزنا تقديم الجواب فقوله هو قد نقلا جواب، ويأبى متعلق بالحق وما موصولة أو موصوفة واقعة على الماضي معطوفة على أبي لا على بأبي كما زعم أبو يحيى لعدم إعادة الباء، مع ما وله الفاء مبتدأ وظرف استقراري خبر، ويجوز فيه وفي نحوه ما مر في قوله: وله ضم.
وواوا تمييز على حد ما مر في قوله: ذا الواو فاء ونحو خبر لمحذوف أي وذلك نحو أي أمثل، وهذا أولى من جعله مفعولاً لاعني محذوفاً، وقل وجلا مضاف إليه واصله حرف تحقيق، وفعل ماض وألف إشباع أو اثنين.
وكسر ما قبل آخر المضارع من
ذا الباب يلزم أن ماضيه قد حظلا
زيادة التاء أولاً وإن حصلت
له فما قبل الآخر افتحن بولا
أي كسر الحرف الذي قبل الحرف الآخر في المضارع الذي هو من باب الزيادة على الثلاثة من رباعي مجرد، أو مزيد فيه، أو خماسي أو سداسي يلزم إن كان ماضيه لم تزد في أوله التاء المذكورة المعهودة زيادتها مثل: تزكى.
وأما إن حصلت زيادة تلك التاء في أول ماضيه فافتح لزوماً الحرف الذي قبل الحرف الآخر في المضارع فتحاً تائياً لفتحات قبله، وقد يفصل بساكن، وبما تقررا تعلم إن الإشارة بذا الباب إلى باب ما زادت حروفه على ثلاثة مطلقاً كدحرج يدحرج، وأكرم يكرم، وعلم يعلم بالتشديد، واحرنجم يحرنجم، وانطلق ينطلق، واستخرج يستخرج، وكأنه أشار إلى معهود ذهني، لأن الثلاثي قد ذكر حكمه فيما سبق، فلم يبق إلاَّ الزائد على الثلاثة هذا ظاهر أبي يحيى، وصاحب تحقيق المقال. (2/61)
صفحة 310
وهذا من حيث إنه يكون نصاً على كسر ما قبل آخر المضارع الرباعي المجرد أولى من جعل الإشارة بذا الباب إلى باب أبنية الفعل المزيد فيه، لأنه إذا جعلت الإشارة إليه تكون مخرجة ومتحررة عن الرباعي المجرد بالنظر إلى مفهوم الظرف، أعني قوله: من ذا الباب مع أن المجرد الرباعي يكسر ما قبل آخره أيضاً، ولكن كون الباب معقوداً للمزيد فيه، يرجح كون الإشارة إليه فيلغى مفهوم الظرف، فتكون غاية الأمر أنه لم يتكلم على ما قبل آخر المضارع الرباعي المجرد، لضيق النظم أو شهرته، أو يكون من الاكتفاء أي من ذا الباب، ومن باب الرباعي المجرد.
وأما ما قبل آخر الرباعي المزيد، فداخل في البيت قطعاً، وأما ما قبل آخر الثلاثي فقد تقدم في باب أبنية الفعل المجرد، وتعلم أيضاً أن المراد بالتاء التاء المعهودة مثل تاء تزكى، وتاء تجاهل وتعلم ونحوها، وأما تاء ترمس ونحوه فزيادتها غير معتادة، وترمس ونحوه داخل في المزيد، فكسر ما قبل آخر مضارعه يعلم من قوله: من ذا الباب، ولا يدخله قوله: وإن حصلت إلخ في الفتح، وتعلم أن معنى قوله: قد حظلا زيادة التاء أولاً قد منع منها، وإن كان قابلاً لها أي لم تدخل عليه، ولم يُبن عليها، وليس المراد أنه لا يقبلها، وإنما كسر ما قبل آخر المضارع الذي ماضيه فوق ثلاثة أحرف قصداً للمخالفة بين ما قبل آخر الماضي، وما قبل آخر مضارعه. (2/62)
صفحة 311
ولما كان ما قبل آخر الماضي غير الثلاثي لا يكون إلاَّ مفتوحاً لفظاً أو تقديراً كسروا ما قبل آخر مضارعه، لتحصل المخالفة، ولم يخالفوا بضم ما قبل آخر المضارع لنقل الضم في حشو غير الثلاثي، ولا سيما أنه تجتمع ضمات والمراد بكسر ما قبل الآخر كسره كسراً ظاهراً كما رأيت، أو تقديراً كيقر بالتشديد، ويحمر ويحمار بالتشديد، ويعين ويختار، وينقاد ويستقيم ويستعين، فإن أصب يقر يقرر بسكون القاف وكسر الراء الأولى، نقلت كسرتها للقاف، فأدغمت في الراء بعدها، وأصل: يحمر يحمرر بسكون الميم وكسر الراء الأولى نقلت كسرتها للميم فأدغمت في الراء بعدها، وأصل يحمار يحمارر بكسر الراء الأولى، حذفت كسرتها تخفيفاً فأدغمت في الراء بعدها، وأصل يعين يبعين بسكون العين وكسر الياء، نقلت كسرتها للعين، وأصل يختار وينقاد يختبر وينقيد بكسر الياء، حذفت الكسرة لثقلها فقلبت الياء ألفا لتحركها في الأصل بعد فتحة، وأصل يستقيم ويستعين يستقيم ويستعين بسكون القاف والعين، وكسر الياءين نقلت كسرتهما للقاف والعين وقس على ذلك.
وإنما فتح ما قبل آخر المضارع المبدوء ماضيه بتاء المطاوعة، ونحو المطاوعة نحو يتزكى ويتدحرج، لأن هذه التاء تدخل على ماض مضارعه يكسر ما قبل آخره، فإن التاء دخلت على ذكى ودحرج، ومضارعهما يزكى ويدحرج بكسر ما قبل الآخر، ففتح ما قبل آخر المضارع المبدوء ماضيه بها، لتقع المخالفة، ولا يقال مقتضى هذا أن يفتح ما قبل آخر مضارعي أنزل ونزل الرباعيين ليخالف ما قبل آخر مضارع نزل الثلاثي، فإنه الذي تدخله الهمزة والتضعيف، لأنا نقول: نزل وأنزل الرباعيين جاءا على طريق الرباعي المجرد، وإن لم يلحقا به.
وقال الجاربردي: بقى ما قبل آخر المضارع المبدوء ماضيه بتلك التاء على فتحه في الماضي، لأنه لو كسر لالتبس أمر الواحد: المذكر منه بمضارع الرباعي، إذ لا فرق إلاَّ بفتح تاء الأمر، وضم تاء الرباعي، وهذا لا يرفع اللبس لاحتمال الذهون عنه. (2/63)
صفحة 312
قلت: لعل مراده بمضارع الرباعي المضارع الموقوف عليه، أو المجزوم بلا قرينة واضحة، ليسكن آخره كما يسكن آخر الأمر، فلو قيل في مضارع تعلم بفتح التاء وتشديد اللام يتعلم بكسر اللام مشددة لكان هو وأمره تعلم بتشديد اللام مكسورة، والتاءات كلهن مفتوحات، فيلتبس هذا الأمر بمضارع علم بتشديد اللام مشددة إذا بدئ بتاء المضارعة للواحد المخاطب، أو للواحدة الغائبة، ووقف عليه بالسكون إذا لا فرق حينئذ إلا بضم تاء المضارع الرباعي، وفتح تاء الأمر الذي مضارعه يتعلم، ومر أنه فارق ضعيف.
قال الحاربردي: وهذا التعليل مثل ما قيل في غير أفعال القلوب، حيث لا جمعون بين ضميرين: الفاعل والمفعول لشخص.
قلت: تقريره أن غير أفعال القلوب، وعدم وفقد ورأى الحلمية لا يعمل في ضمير الفاعل والمفعولالواحد المسمى، فلو أجيز ذلك وقيل: ضربتني بضم التاء لكان ربما ذهل عن التاء، ولا يعلم أنها للمتكلم، بل قيل: يجوز ذلك على غير الغالب، فيذهل في المثل عن كون التاء للمتكلم، لما عهد من أن الغالب أن تكون للمخاطب في مثله، بخلاف أفعال القلوب وعدم وفقد ورأى الحلمية، فإن ذلك فيها جائز كثير بل قيل غالب نحو: (أن رآه استغنى) فإن الهاء والمستتر في رأى لواحد أي رأى نفسه، وظننتني قائماً بضم التاء، أي ظننت نفسي قائماً.
ولو كسر ما قبل الآخر في حو يتجاهل ويتدحرج لالتبس أمر مخاطبه بمضارع رباعيه الموقوف عليه، أو المجوزم، بل قرينة واضحة، فإن أمر يتجاهل تجاهل بفتح هائهما ولو كسرت هاء يتجاهل لكسر هاء أمره لأن الأمر جار على المضارع، فيلتبس هذا الأمر المكسور بمضارع جاهل بفتح اللام والهاء، وهو تجحاهل بضم التاء وكسر الهاء، وسكون اللام جزماً أو وقفاً، ولا فارق سوى فتح تاء تجاهل أمر يتجاهل، وضم تاء تجاهل مضارع جاهل، وكذات في تدحرج وقد مر أنه فارق ضعيف.
وإن قلت: هل الفتحة فيما قبل آخر المضارع هي الفتح فيما قبل آخر ماضيه أو غيرها؟ (2/64)
صفحة 313
قلت: ظاهر الجار بردي أنها هي كما رأيت في عبارته إذا قال: إنه بقيت بفتحة ما قبل أخر الماضي فيما قبل آخر المضارع، وهكذا في عبارة ابن الناظم، والتأويل بالبقاء على ماهية الفتحة أو بالبقاء على مثلها لا على ذاتها ونفسها، خلاف الظاهر، وخلاف الحقيقة.
وقال الأكثر: إنها غيرها ووجهه أن المطلوب المغايرة بين الماضي والمضارع، فإن لم تكن لفظاً كانت تقديراً، فالفتحة فيما قبل آخر المضارع غير الفتحة فيما قبل آخر الماضي، بل فتحة جديدة كما نص المرادي وغيره أن الكسرة فيما آخر اسم الفاعل غير الثلاثي غير المبدوء ماضيه بالتاء هي غير الكسرة فيه قبل آخر مضارعه، فالكسرة في مواصل غير الكسرة في يواصل.
ولم يطلع أبو يحيى على الخلاف في تلك الفتحة، ونص على أنها هي التي في الماضي تبعاً لظاهر عبارة ابن الناظم، ثم قال: إنه قد يقال هو غيره قياساً على كون الكسرة في اسم الفاعل المذكور غيرها في المضارع، وهو من أهل القياس لكثرة علمه.
قال: وانظر ما يفهم من كلام الناظم؟
قلت: بالنظر إلى ظاهر قوله: افتحن أنه فتح آخر وتأويل افتحن بابق على الفتح خلاف الظاهر، ومجاز بلا قرينة مانعة تأمَّل.
خاتمة تكون تفصيلا وأيضاحا:
اعلم أن هنا ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ما أوله همزة وصل، وهذا أول مضارعه مفتوح، وما قبل آخره مكسور.
والفصل الثاني: ما أوله التاء الزائدة للمطاوعة ونحوها، وهذا أو مضارعه مفتوح، وما قبل آخره مفتوح أيضا.
والفصل الثالث: الرباعي وهذا أول مضارعه مضموم، وما قبل آخره مكسور.
قال صاحب بغية الآمال: وقد حكي بعضهم الضم في الخماسي والسداسي، كأنهم حملوه على ذوات الأربعة، وهذا في نهاية فلا يعمل عليه، ولا يلتفت إليه. (2/65)
صفحة 314
فالفصل الأول: ما على وزن انفعل، كانطلق، أو افتعل كاكتسب، واهتوش أي اختلط، وفي الحديث: (من جمع مالا من تهاوش أي من غير حلِّه أنفقه في نهابر) أي مهالك، أو استفعل نحو: استخرج، وقد مرّ يُسطيع الذي أصله يستطيع أو على افعوعل نحو اغدودن، أو افعول بتشديد الواو كاجاوذ، وافعنلل نحو: احرنجم واحرنكم، أي غضب، واقعنسس أو افعنلى كلسلنقى بالنون والألف أو افعنلأ بالنون والهمزة كاحبنطأ إذا همز، أو افعلل بتشديد اللام الثانية كاقشعر، أو افعلل بسكون اللام الأولى وفتح الثانية والثالثة نحو اسمأدد بسكون الهمزة بعد الميم، وفتح الدالين، أو افعلل بفتح اللامين بغير تشديد كاصطخم أو افعال بالتخفيف ملحقاً بافعلل بالتخفيف أيضاً.
وإن قال سيبويه لم يلحق به شيء نحو اعضال الشجر كبرت أغصانها واشتد التفافها، واقسار كثر، وازوال زال، واجفال انهزم، واخطال ابتل، واجراش الفرس كان رابى الجنبين، أو افعلل بتشديد اللام الأولى كاجرمز انقبض، وادرمج دخل أو افعيل نحو اهبيخ بتشديد الياء، أو افونعل نحو: احونصل، أو افوعل بتشديد اللام نحو: اكوهد، أو افعولل كاعثوجج أو افعال بالتشديد كاحمار أو افعالل نحو: احرارر بالفك أو افعل بتشديد اللام كما حمر بتشديد الراء.
الفصل الثاني: ما كان على وزن تاعل كتضارب أو تفعلل نحو تشرجف تهيأ للقتال، وتدحرج أو تمفعل كتمسكن أو تفعول كتزجور أي تدحرج، وتفعل بتشديد العين كتكبر، أو تفعيل بياء بعد العين أو تفعيل بياء قبلها كتشيطر وتسيطر، أو تفعلى كتسلقى، وتفنعل كتقنشر أي شاخ، وتفعلت كتعفرت. (2/66)
صفحة 315
الفصل الثالث: ما على وزن أفعل كأكرم، أو فاعل بفتح العين كضارب بفتح الراء، أو فعل بتشديد العين ككبر وسبح بتشديد الباءين، أو فيعل كبيطر أو فعلل كدحرج وسرطع وسرعط أي عدا عدواً شديداً، وسرمط الشعر قل، وطرثم أطرق تكبراً أو غضباً، وطلسم تعبس، وطرسع عدا شديداً، وغرغر ردد الماء في حلقه، وقرقر الطعام أو الشراب في الحلق صات، وقرقر البطن صات جوعاً.
مرّ أبو خراش الهذلي في سفر بعربية ولم يذق طعاماً منذ ثلاث ليال أو أربع فقال: يا ربة البيت هل عندك من طعام؟
قالت: نعم، فأتته بعمروس فذبحه وسلخه واشتوته، فأقبلت به إليه، فأما وجد لريح الشواء قرقر بطنه.
قال:
وإنك لتقرقر من رائحة الطعام
يا ربة البيت هل عندكم من صبر؟
قالت: نعم فما تصنع به؟
قال: شيء أجده في بطني، فأتته بصبر فملأ راحته فأساغه بالماء وقال: أنت الآن فقرر إذا وجدت رائحة الطعام، وارتحل ولم يأكل.
فقالت له: يا عبدالله هل رأيت قبيحاً؟
قال: لا إلاّ حسناً جميلاً ثم أنشأ يقول:
وإني لأنوي الجوع حتى يلمني
جناني ولم تدنس ثيابي ولا جرمي
وأصطحب الماء القراح وأكتفي
إذا الزاد أمسى للمدلج ذا طعم
أرد شجاع البطن قد تعلمينه
وأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلة
وللموت خير من حياة على رغم
وقرطب إذا زلق فوقع على قفا ظهره، وذكر أن أعرابيين صليا الجمعة إلى جنب الحسن البصري، فلما ركع الناس تأخرى، فقال أحدهما لصاحبه: أثبت فإنها القرطبي، فضحك حتى أعاد الصلاة.
أو فنعل كزنجر، وفعنل كزهنع وقلنس، وفعيل كطشيأ ورهيأ، وفوعل كحوقل، وفعول كهرول وفعلى كسلقى.
الإعراب: الواو للاسئناف، وهو أولى من جعلها عاطفة للجملة بعدها على جملة، وهو نقلا أو غيرها، وكسر مبتدأ وما مضاف إليه إضافة مصدر لمفعوله بعد حذف فاعله.
وقيل ظرف مكان باعتيبار النقوش، وزمان باعتبار النطق، متعلق بمحذوف هو وفاعله صلة أو صفتها، وآخر مضاف إليه، والمضارع مضاف إليه. (2/67)
صفحة 316
ومن ذا جار ومجرور متعلق بمحذوف معرف نعت للمضارع، أي المضارع الكائن من ذا الباب، أو بحذوف حال من ضمير الاستقرار، أو من ما ولو كانت مضافا إليها، لأن المضاف يعمل عمل الفعل، وهو كسر لأنه مصدر، وتعليقه بمحذوف حال من آخر أو من المضارع يرده أن المضاف الذي هو قبل أوآخر لا يعمل كالفعل، فلا يأتي الحال من المضاف إليه إلا على قول ضعيف.
فما لصاحب التحقيق في هذا المقام سهو أو بناء على ضعف، وقد يقال في آخر: إنه يعمل كالفعل نحو: زيد آخر أبوه أي متأخر أبوه، فيجوز مجئ الحال، مما أضيف هو إليه وهو المضارع.
والباب نعت أو بدل أو بيان على ما مر، ويلزم مضارع مبني للمفعول مستتراً النائب جوازاً، والجملة خبر المبتدأ، وإن حرف شرط وماضيه نائب لفعل محذوف دل عليه قد حظلا، والمحذوف يقدر مجرد من قد، لأنه في محل جزم شرط لأن، وأداة لشرط لا يليها قد، والدلالة تصح بأدني سبب فلا يضر تخالف الدال والمدلول عليه بالاقتران بقدر، والخلو عنها ولصحتها بأدني سبب صح جعل ماضيه فاعلا لمحذوف، إي اختص أو خص بالبناء للفاعل.
وقد حرف تحقيق، وحظلاء بظاء معجمة مشالة ماض مبني للمفعول، أي منه ونائبه مستتر جوازاً عائد لماضيه، والجملة مفسره لا محل لها، ولك أن تقول شرط إن كان محذوفة، وماضيه اسمها، وقد حظلا خبرها، وزيادة مفعول حظل لأنه يتعدي لمفعولين: (2/68)
صفحة 317
الأول: هنا نائب مستتر، والتاء مضاف إليه إضافة مصدر لفاعله إن قلنا بلزوم بالزيادة هنا، أي بحضور التاء ووجودها بازدياد، وإضافة مصدر لمفعوله إن جعلت متعدية لواحد أي إحضار التاء وإيجادها، أغنى التاء المعهودة أو لا ثنين أي زيادتهم إياه التاء ولولا ظرف متعلق بزيادة أو بمحذوف حال من التاء، أو غير ظرف حال من التاء أي سابقاً، وجاز الحال من المضاف إليه، لأن المضاف مصدر يعمل كالفعل، والواو للحال من ماضيه أو ضمير حظل، أو من التاء أو من اللاستئناف، وإن حرف شرط وحصلت شرط وتاء تأنيث، والفاعل مستتر جوازاً عائد للتاء، وله متعلق بحصلت، والفاء رابطة لدجواب الشرط، وما مفعول مقدم لافتحن، قدم للوزن، وقبل متعلق بمحذوف، وذاك المحذوف وفاعله صلة ما أوصفتها.
والآخر: مضاف إليه، وافتح فعل أمر مبني على الفتح والنون نون التوكيد الخفيفة، والفاعل مستتر وجوباً، والجملة جواب إن وبولا بكسر الواو وبالقصر للضرورة مصدر، وإلى كقاتل جار ومجرور متعلق بافتح، أو بمحذوف صفة لمصدر محذوف أي افتح فتحاً ثابتاً بولائك الفتحات أو لمحذوف حال من ضمير افتح، أي افتح حال كونك ثابتاً بولائك الفتحات أو من ما زعم بعض أن الباء للسببية على الأول، وللمصاحبة على الأخرين، وأجاز على ضعف كون ما مبتدأ، وافتحن خبراً والرابط محذوف أي افتحه، والله أعلم وأحكم.
فصل
في فعل ما لم يسم فاعله
أي في أحكام فعل المفعول الذي لم يذكر فاعله، أي الذي لم يذكر معه الفاعل الذي فعل فيه الفعل، فهاء فاعله عائدة إلى ما، وما واقعة على المفعول، ولو قال في فعل النائب كان مختصراً، وهو الذي ينبغي للمعرب والناظم متناه. (2/69)
صفحة 318
قال ابن هشام في خاتمة الباب السادس من المغني: ينبغي للمعرب أن يتخير من العبارات أوجزها وأجمعها للمعنى المراد، فيقال في نحو: ضُرب فعل ماض لم يسم فاعله، ولا تقول مبني لم يسم فاعله طول ذلك وخفائه، وأن يقول في المرفوع به نائب عن الفاعل ولا يقول مفعول لما لم يسم فاعله لذلك، ولصدق هذه العبارة على المنصوب من نحو: أُعطى زيد ديناراً ألا ترى أنه مفعول لأعطي، وأعطى لم يسم فاعله.
وأما النائب عن الفاعل فلا يصدق إلاَّ على المرفوع، وأجيب بأن المفعول الذي لم يسم فاعله صار كالعلم بالغلبة على ما ينوب مناب الفاعل من مفعول وغيره، واختلف في الفعل المبني للمفعول:
قال أبو حيان: اختلافاً لا يجدي كبير فائدة.
فقال جمهور البصريين: إن فرع عن المبني للفاعل وهو الأظهر، ونقله بعضهم عن سيبويه، وذهب الناظم في باب الفاعل من الكافية وشرحها، لما حذف الفاعل غير فعله دلالة على غيبة الفاعل، واستدلوا بنحو: سوير وقوول وبويع بضم الأوائل وسكون الثواني، وكسر الثوالث، وترك الإدغام مع وجود موجبه لاجتماع وواين في قوول، ولاجتماع الواو والياء مسبوقة إحداهما بالسكون في بويع وسوير، والقاعدة قلب الواو ياء، وإدغام الياء في الياء، فلما لم يحصل الإعلال والإدغام دل ذلك على أنه مغير من فعل الفاعل، وهو هنا ساير وقاول وبايع بفتح ما بعد الألف، فكما لا تدغم هذه الألف فكذا لا تعل الواو، ولا تبدل ياء، فتدغم في الياء، ولا تدغم الواو في الواو، لأن الواو الأولى والسابقة على الياء أصلها ألف.
قيل: واستدلوا أيضاً بمدعو ومغزو، ولو كانت أصلاً لقيل: مدعي ومغزى حملا على دعى وغزى، وإنما قلب في دعى وغزى لتطرف بعد كسرة، لما زال الموجب قيل: مدعو ومغزو مراعاة لدعا وغزا، كما قالوا: مياسر جمع موسر لما زال موجب القلب في موسر، حين جمع رجع إلى الأصل، واستدلوا بنحو وررى ووفى بضم الواو الأولى، وسكون الثانية. (2/70)
صفحة 319
والقاعدة أن الواوين إذا اجتمعتا في أول الكلمة، أبدلت الأولى همزة لزوماً، فلما لم تبدل على عروض الثانية، وأنها بدل من الألف لأن، واو أرى لا تبدل همزة، فكذا ما أبدل عنها فهو مغير عن فعل الفاعل.
واستدلوا أيضاً بأن العرب أتت بالمفعول فضلة مع صيغة الفاعل، ولم تأت بالفاعل فضلة مع صيغة المفعول، ولو كانت أصلية لحصل التكافؤ بينهما من حيث إن المسند إليه قد وجد في كلا النوعين، وما عداه ينتصب فضلة.
وأجيب عن الأرل لو أدغم الواو في الواو في قوويل ونحوه، وأبدلت الواو ياء، وأدغمت في الياء في سوير ونحوه لقيل: قول بتشديد الواو مكسورة، وسير بتشديد الياء كذلك، فلا يعلم أنه ماض مبني للمفعول من قاول وساير، أو ماض مبني للمفعول من قول وسير بفتح الواو والياء مشددتين كما لم يعل الغليان والنزوان، لئلا يلتبس الفعلان بفعال إذاًَ، وقلبت الواو والياء ألفاً حذفت إحدا الألفين فيكون الغلان والنزان، ورد بأن التزام ذلك فيما ألبس فقط، وغيره يدل على الفرعية.
وعن الثاني بأن رجوع مدعو ومغزو للواو في دعا وغزا، قالوا: دعت وغزوت لا يستلزم أن يكون دعي وغزي فرعا عن دعا وغزا لجواز كونهما أصلين ياءهما عن واو، كما أن الصيام ياؤه عن واو، ليس فرع الصوم.
وعن الثالث بأن ترك الإبدال للواو: الأولى همزة في نحو: ووى، لأن الثانية ليست أصلا في الواوية، بل منقلبة عن ألف واري الأولى، وبأن إبدالها همزة مشروط بأن لا تكون الثانية مدة أي ممدوداً الصوت بها، بأن ي=تقع ساكنة تعد ضمة، وفي نحو: ووري، وقعت مدة وذلك لإبدال واجب مع استيفاء الشروط، وأما نحو: ووري إذ لم يستوفها فيجوز فيه الإبدال، وتركه لأن الواو المضمرمة المصدرة يجوز إبدالها همزة، ولو لم تكن بعدها واو نحو: وجوه وأجوه.
وعن الرابع: بمنع الملازمة. (2/71)
صفحة 320
وقال المبرد وابن الطراوة والكرفيون: إن الفعل الميبني للمفعول أصل، ونقله الناظم في شرح الكافية عن سيبويه والمازني، واستدلوا بوجرد أفعال تلزم البناء للمفعول ولا تبن للفاعل نحو: جن وبهت، وطل دمه أهدر، وأولع بكذا، وعني بحاجتي وزهي علينا، وحم وزكم ورعك وفلج، وسقط في يده، ورهطت الدابة، ونفست المرأة، ونتجت الناقة، وغم الهلال، وأغمى على زيد ونحو ذلك.
ولو كان فرعاً للمبني للفاعل لوجد منها أفعال مبنية لفاعل، لأن الفرع يستلزم وجود الأصل، والأفعال المبنية للفاعل منها غير موجودة، فليس فرعاً، واستدلوا أيضاً بقولهم أعد في وعد، وأقتت في وقتت ونحوهما، ولو كانت الضمة عارضة لم يهز إلاّ ندوراً نحو: (لترؤنّ الجحيم) و (اشترؤا الضلالة بالهدى) بهمز الواوين، لأن قلب الواو المضمومة همزة مطرد حيث كانت الضمة لازمة لا عارضة، وإلاّ كانت ستكرها نص عليه الزمخشري في سورة التكاثر.
واستلوا يضاً بدخول الروم والإشمام في الضمة:
وأجيب عن الأول بأن دلالته الفعل على الفاعل عقلية، وتلك الأفعال اللازمة للبناء للمفعول يقدر تغييرها، ولنا جموع لم يسع لها مفرد: كعباديد وأبابيل، ومذاكير وملاميح، ومشابه، والجمع فرع المفرد اتفاقاً، وأسماء مصغرة لا مكبر لها: ككميت والثريا، فلو كان ما ذكروه صحيحاً لزم كون الجمع أصلاً برأسه، وهم لا يقولون بهذا، فما كان جوابهم كان جواب غيرهم، فهو مشترك الإلزام، ويرد هذا الجواب أن نحو: عباديد، ولو كان على صيغة الجمع لكنه ليس بجمع، بل اسم جمع لا مفرد له، ونحو كميت اسم موضوع على صيغة المصغر، وليس مصغراً، ولك أن تسلم أن نحو: عباديد جمع أصل من حيث إنه لم يتفرع عن مفرد، إذ لم يكن له مفرد.
ويجاب عن الثاني: أن الضمة في المبني للمفعول عارضية تشبه الأصلية اللازمة فجاز قلب الواو والمضمومة أوله همزة باطراد. (2/72)
صفحة 321
ويجاب عن الثالث: بأنه كثير ما يوجد الروم والإشمام في الضمة العارضة الشبيهة بغير العارضة، وإنما يبني للمفعول الفعل المتصرف المتعدي، فينوب مفعوله أو اللازم المتعدي بحرف جر، فينوب الجار والمجرور معاً على ما صححه ابن هشام في المغني، وقيل: المجرور، وزعم بعض أنه ينوب الجار وحده، وينوب في ذلك المصدر أو ضمير، والظرف وقيل لا ينوب الجار والمجرور.
وقال الزجاجي عن أكثر النحويين: لا يبني اللازم للمفعول مطلقاً.
وقال أبو البقاء: لا يبقى اللازم الذي لا يتعدى بحرف جر، أو لم يتعد كقام وقعد، لئلا يبقى بلا نائب، ومن ينيبه ينيب ضمير المصدر، وشروط ذلك، والخلاف فيه والبسط محلها كتب النحو، فانظر حاشيتي على القطر وشرحه، وكذلك الكلام على منع ذكر الفاعل تمييزاً مع النيابة نحو: ضرب زيد رجلاً تمييزاً بالفاعل بعد حذفه، ولا يبني من الجامد: كنعم وبئس وليس، ولا من كان وأخواتها، فلا يقال في كان زيد قائماً: كين قائم لأنه يؤدي إلى حذف اسم كان، وإقامة خبرها مقامه، وأصل اسمها المبتدأ وخبرها خبره، ولا يحذف المبتدأ، ويبقى الخبر إلاَّ حيث يعلم، والبناء للمفعول يكون للجهل، وغيره، فمنع في كان وأخواتها مطلقاً طرداً وقيل لأن خبرها قد يكون جملة، والجملة لا تقوم مقام الفاعل عند البصريين، إلاَّ إذا أريد لفظها، فتكون اسماً نحو: قيل زيد قائم، أي قيل هذا اللفظ، وبسطت هذا في النحو.
ووقع في كتاب سيبويه: كان يكون فهو كائن ومكون بفتح الميم وضم الكاف كمقول ومصون، فهو اسم مفعول من كان، فدل على جواز بناء الفعل للمفعول منها، فيقال كين ويكان.
وسأل أبو الفتح شيخه الفارسي عن ذلك فلم يجيء بشيء سوى أن قال: (يمرون عليها هم عنها معرضون).
قال له: أتقول: إن سيبريه يجيز أن تبني كان للمفعول؟
فقال: لا، ثم قال: فما تعمل بهذا الذي ورد من كلام سيبويه؟
فقال: لا أدري.
وقال: أتقول أنه خطأ وقع في النسخة؟ (2/73)
صفحة 322
فقال: لا، وقال: ليس كل الداء يعرفه الطبيب، أو يعالجه الطبيب.
وحكى أن أبا الفتح حكى عن الفارسي أن سيبويه لم يرد أن كان تبني للمفعول، بل أراد بقوله: ومكون مع ما معه تصرف كان وعدم جمودها، فكان ذلك كناية عن مجرد الأخبار بأن كان متصرفة لا أن لها اسم مفعول، كما يقال في الكناية عن الجود: زيد كثير الرماد، ولو لم يكن عنده رماد.
ويقرب من ذلك ما قال بعض المتأخرين: إنه أراد أن يبين أن اسم كان كالفاعل، وخبرها كالمفعول، فأشار إلى أن اسمها كالفاعل بكائن، وإلى أن خبرها كالمفعول بمكون، ووجه ذلك أن كائناً اسم فاعل فأشار به إلى الفاعل، ومكوناً اسم مفعول، فأشار به إلى المفعول، وذلك كناية أيضاً، ويقال أيضاً في التوجيهين: إن ذلك تورية.
وحمل أبو سعد السيرافي والسيوطي كلام سيبويه على ظاهره من أنه يجوز بناء كان للمفعول.
قال أبو سعيد: تحذف اسمها وخبرها، وتصاغ للمفعول، فينوب المصدر يعني ضمير المصدر المفهوم من كان، بناء على أن لها مصدراً، ويذكر الاسم والخبر بعد ذلك مرفوعين مبتدأ وخبراً تفسيراً لضمير المصدر النائب فتقول: كين زيد منطلق، أي كين هو أي الكون زيد منطلق، وذلك بناء على أن كان الناقصة تدل على الحدث، وليس مذهب الحقين، بل تدل على الزمان فقط رد عليه بعضهم بهذا.
والحق عندي أنها تدل على الزمان والحذث الذي هو الوجود والحصول على الزمان، وأجاب بعضهم عن ذلك الرد بأن له أن يجعل خبرها عوضاً عن المصدر، فلما حذف لحذف المبتدأ عاد إليها مصدرها الذي رفض بوجود الخبر، وهذا التقدير يرجع إلى التامة، وإنما صيغ للمفعول من التامة، وليس محل النزاع لدلالتها على الحدث.
وقال السيوطي: الصحيح أنه لا يبني الناقص للمفعول من كان وكاد وأخواتهما وفاقاً للفارسي، وحوزه سيبويه والسيرافي والكوفيون. (2/74)
صفحة 323
قال أبو حيان: والذي نختاره مذهب الفارسي، لأنه لم يسمع والقياس يأباه، وأجاز ابن عصفور بناء كان الناقصة للمفعول بشرط أن يتعلق بها ظرف أو مجرور فيحذف اسمها حينئذ، ويحذف الخبر لحذفه لما بينهما من التلازم والربط، فيقام الظرف أو المجرور مقام الفاعل فتقول في كان في الدار زيد قائماً: كين في الدار، والدار مكون فيها، ودليل التعليق بها: (أكان للناس عجباً أن أوحينا) فللناس متعلق بكان لا بعجباً، لأنه مصدر ومعمول، المصدر لا يتقدم على المصدر ولا بأوحينا، لأنه صلة أن المصدرية، وهي موصولة، ولا يتقدم معمول الصلة على الملاوصول، ويرده أنه لا فائدة في كين يوم الجمعة، ولا في كين في مكان، لأنه لا يخلو يوم الجمعة، والمكان من وقوع شيء ما.
قلت: إنما أجاز ابن عصفور نيابة الظرف والمجرور على ما مرَّ، بشرط الفائدة كما في مثاله، وأما نحو: كين يوم الجمعة فلا يجيزه لعدم الفائدة، وأما كين في مكان فالمراد فيه مكان مخصوص مبهم، وهو صالح لئلا يكون فيه شيء ففيه فائدة لا جنس المكان على أنه يجوز أيضاً مثل كين يوم الجمعة حيث أفاد بأن يراد صيرورة شيء مخصوص أو شيء عظيم، كما يقال: كان اليوم شيء أي شيء هو كذا أو شيء عظيم، ويرده أيضاً أن كان الناقصة عنده لا تدل على الحدث، والظروف إنما تتعلق بما دلّ على حدث، حتى إنها تتعلق بالحرف المشير إلى الحدث، ولا تتعلق بفعل أو اسم لا يدل عليه.
ويرده أيضاً أنها إذا كانت لا تدل عليه، بل على زمان خبرها، فمع حذفه وطرحه بالكلية، حتى إنه لم يدل عليه دليل أي فائدة تبقى هناك، على أنه يجوز تعليق للناس بعجباً بناء على جواز تقديم معمول المصدر عليه، ولا سيما أنه لا يحل محله الفعل، وحرف المصدر ولا سيما أن المعمول ظرف، أو على أنه اسم فاعل أي معجباً، ومعموله يجوز تقديمه حيث لم يكن مانع ككونه صلة أل، وأجازه بعض، ولو كان صلتها ويجوز تعليقه بمحذوف حال من عجباً، ولو كان عجباً نكرة لتقدمه عليه. (2/75)
صفحة 324
وقيل: وأولى من ذلك تعليقه بمحذوف جوازاً على طريقة التبيين: أي أعني للناس، لأأو أقول للناس، أو أنهي للناس بضم الهمزة وكسر الهاء.
والحق عندي تعليقه بكان وهي ناقصة دالة على الحدث، أو تامة وعجباً حال من مصدر أوحينا إلاَّ أن قيل المصدر المقدر من حرف المصدر والفعل لا يأتي الحال منه، كما لا ينعت لأنه بمنزلة الضمير، بأن يحكم عليه بحكم الضمير، وجعل ابن السيد والأعلم وغيرهما مكوناً في كلام سيبويه من كان التامة، لأنها فعل صحيح دال على الحدث لها مصدر جارية مجرى الأفعال التي لا تتعدى مثل: قام وقعد وسيبويه، يجيز بناء مثل هذا النوع للمفعول تقول: قيِم وقُعد بنيابة المصدر، أي قيم القيام وقعد القعود.
قال: أظن أبا سعيد السيرافي ذهب إلى هذا، لكن قوله بعد ذلك زيد منطلق يوجب أن تكون الناقصة.
قلت: بل كلامه نص في أنها الناقصة كما تعلمه من العبارة المذكورة له، وروي عن الفراء جواز كين أخوك في كان زيد أخاك قياساً على ضرب عمرو، في ضرب زيد عمراًَ لا من كلام العرب نص هو على ذلك، وأقول يجوز أن يكون مكون في كلام سيبويه مضموم الميم مفتوح الكاف مشدط الواو مفتوحها اسم مفعول من كون بفتح الكافـ وتشديد الواو إعلاماً بأن اسم المفقعول لا يكون من كان الثلاثية، بل من الرباعية من التضعيف.
وأجاز الفراء نيابة الجملة عن اسم كان واسم جعل، التي للمقاربة وكذا الكسائي إلا أنه يقدر ضميراً عائداً إلى المجهول، والفراء لا يقدر ضميراً وقال أيضا في نحو: قيم وقعد لا ضمير فيه، وقدره الكسائي ضمير المجهول، وبسط ذلك في النحو.
والحق أن يبني الفعل للمفعول من باب ظن، وزعم بعض أنه لا يبني منه لأنه مجاز، والمجاز موقوف على السماع، ولا سماع ولو كان بناؤه في لسان العرب لم يخف عن سيبويه فبناؤه من وضع غير العرب، واو كان منهم لذكره الإمام في تعليمه. (2/76)
صفحة 325
ووجه التجوز أن المظنون أو المعلوم هو النسبة الخبرية بين الأولى والثاني، فجعل أحدهما نائباً مجاز فلذا لا تفعله العرب، وقياسه على باب كسوت لا يصح، لأن اقامة الأول من باب كسوت تصح، لأنه مفعول حقيقي.
قلت: يرده أن المجاز موقوف على سماع النوع، والنوع مسموع فلا يشترط سماعه في خصوص باب ظن، وعدم ذكر سيبويه لذلك لا يستلزم عدمه، وأنه قد سمع البناء للمفعول من باب ظن، قال حسان:
أقول ولا يُلفي لما قلت عائب
من الناس إلا عازب العقل مبعد
ببناء يلفي للمفعول.
وقال مسافر أبي عمرو:
*ونلفي عند تصريف المنايا شدودا رفدا*
وقال الشاعر:
*ألفيتنا عيناك عند القفا*
وقد يقال إن يلفي من ألفي اللازم المتعدي لواحد بمعنى أصاب، وقرأ كثير من السلف: (ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء) بالبناء للمفعول، والظاهر أنها لمتعدية لاثنين، وفي الآية أبحاث نحوية وقال:
*دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط*
ولابد لحذف الفاعل ونيابة غيره عنه، وبناء الفعل للمفعول من سبب يقتضيه، لأنه على خلاف الأصل مثل الجهل بالفاعل كقولك: ضرب زيد، إذا لم تعلم الضارب، بحث فيه ابن هشام في غير التوضيح، بأن الجهل إنما يقتضي أن لا يصرح باسمه الخاص به، لا أن يحذف بالكلية، ألا ترى أنك تقول: ضرب زيداً ضارب، وسأل سائل، وسأم سائم.
قال الصبان: وقد يقال لا يشترط في الغرض من التبيين أن لا يحمل من غيره، ومثل العلم بالفاعل نحو: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البرّ) لأنه لا يُحل ولا يحرَّم إلاّ الله، (وخلق الإنسان ضعيفاً) لأنه لا يخلق إلاّ الله، ومثل تعظيم الفاعل بصون اسمه عن مقارنة اسم المفعول به، كقوله صلى الله عليه وسلم: "من ابتلى بهذه القاذورات" أي من ابتلاه الله بهذه القاذورات، فحذف اسم الله لصونه عن مقارنة القاذورات، وقتل المحارب، وقطع اللص، وجلد الإمام الشارب، فحذف لفظ الإمام لئلا يذكر مع المحارب واللص والشارب. (2/77)
صفحة 326
ومثل تحقير الفاعل بصون المفعول أن يذكر مع ذلك الفاعل نحو: قتل عمرو، طعن عمرو، قتل الحسن، تحقيراً للقاتل الطاعن، وللقاتل، ومثل الخوف من الفاعل فيحذف نحو قتل زيداً إذا كان القاتل مجرماً يخافه من بين أنه القاتل.
ومثل الخوف على الفاعل نحو: قتل زيد إذا كان القاتل ممن ترق له لقرابته أو ضعفه أو نحوهما، ومثل إبهام الفاعل نحو: تصدق بصدقة إذا كنت أنت المتصدق، وأردت إخفاء الصدقة عن أن يعلم أنك متصدقها أو كان المتصدق غيرك، وأردت اخفاءه، ويرد عليه ما أورده ابن هشام في الحذف للجهل ويجاب بما أجيب به هنالك.
ومثل إيثار غرض السامع في عدم ذكره، وقد يدخل هذا في بعض ما مرّ، ومثل أن لا يتعلق بذكره غرض وقصد نحو: (فإن أحصرتم) (وإذا حييتم) و (إذا قيل لكم تفسحوا) إذ ليس المراد إسناد الحصر والتحية، والقول إلى فاعلين مخصوصين بل إلى أي فاعل كان، وما تقدم كله أغراض معنوية.
ومثل الاختصار كقولك: سئل النبي صلى الله عليه وسلم إذا قلت: هذا الأجل أنك لا تريد أن تطيل بذكر السائل، ومثل تصحيح النظم كقولك:
وما المال والأهلون إلاّ ودائع
ولابد يوماً أن تزول الودائع
فإنه لو قال: أيرد الوادعون أو الناس الودائع لوقعت الزيادة على الوزن، ولكانت القافية منصوبة، مع أن القوافي في القصيدة مرفوعة، ورفع قافية، ونصب أخرى عيب يسمى الإصراف وكذا جر واحدة ونصب أخرى، وأما رفع واحدة وجر أخرى فيسمى الإقواء، وينفرد إقامة الوزن أيضاً كما إذا وقع البناء للمفعول في الشطر الأول غير المقفى واو في الثاني، حيث لا يتغير حركة الروى بالبناء للفاعل.
ومثل التقارب في الأسجاع والفواصل، بحيث لو بنى للفاعل، وذكر مع المفعول زادت سجعة أو فاصلاة على أخرى، حتى تبعد عنه بعداً يمجه السمع، وينفرد الطمع، فإن زيادة سجعة على أخرى زيادة واضحة غير فصيح، كقول الحريري في المقامات:
حتى نأمن حصائد الألسنة
ونكفي غوائل الزخرفة (2/78)
صفحة 327
فإنه لو قال: ويكفينا الله غوائل الزخرفة، وكذا في قوله:
*ما طلع هلال وسمع إهلال*
أي وسمع الناس إهلال بالوقف على المنون المنصوب بالسكون على لغة، وقد يقال: إن ذكره في ذلك لا يطيل السجع طولا يمج وينفر لقلته، وهذا كله أغراض لفظية، ولله در الناظم حيث جمع ذلك كله بقوله في التسهيل: قد يترك الفاعل لغرض لفظي أو منعوي.
وقول ابن هشام في التوضيح، وصاحب تحقيق المقال، والبليدي والحفني: إن الحذف للجهل غرض آخر مقابل للغرض اللفظي، والغرض المعنوي باطل، والحق دخوله في المعنوي كما حذفه للعلم به فيه، ثم رأيته للصبان، فالحمدلله على موافقته في ذلك.
والمراد بالغرض في هذا المقام السبب الباعث على البناء للمفعول لا الفائدة المترتبة على الفعل المقصودة منه، أنه لا يظهر في جميع الأغراض المذكورة.
قال صاحب تحقيق المقال: والكلام في هذه الأغراض ليس هو في الحقيقة من وظيفة النحوي.
قلت: يعنب بل هو من البيان كما ذكره ابن هشام، ومراده بالبيان علم المعاني، لأن ما ذكر من الأغراض من تعلقات المعاني، أو المعاني و البيان، أو الكل، لأن المعاني بعض ذلك وتلك الأغراض منه.
الإعراب: فصل خبر لمحذوف، وفي فعل متعلق بمحذوف نعته أو حاله على ما مر، وما مضاف إليه موصولة، ولم حرف نفي وجزم وقلب، ومعنى المضارع ماضياً منقطعاً عن زمان الحال، ويسم فعل مضارع مبني للمفعول مجزم، بلم وعلامة جزمه حذف آخره، وهو ألف وفاعل نائبه والهاء مضاف إليه.
إن تسند الفعل المفعول فائت به
مضموم الأول واكسره إذا اتصلا
بعين اعتل واجعل قبل الأخر في الـ
ـمضى كسراً وفتحاً في سواه تلا (2/79)
صفحة 328
وإن أردت أن تسند الفعل للمفعول، فأت بذلك الفعل حال كونه مضموم الحرف الأول سواه كان ماضياً أو مضارعاً، واكسر ذلك الحرف الأول في الماضي إذا اتصل هذا الحرف الأول بعين معتلة، واجعل الكسر في الحرف الذي قبل الآخر في الماضي إن صح، وإن اعتل سكن وفتح في الحرف الذي قبل الحرف الآخر في المضارع إن صح، وإن اعتل سكن.
مثال الماضي صحيح العين، المضموم الأول، المكسور ما قبل الآخر: ضرب عمرو.
ومثال الماضي المعتل بالعين، المكسور الأول، الساكن العين: قيل وبيع.
ومثال المضارع صحيح العين، المضموم الأول، المفتوح ما قبل الآخر: يضرب عمرو.
ومثال المضارع المعتل العين، الساكنها المضموم الأول: يقال ويباع.
وسواء في ذلك الثلاثي والرباعي والخماسي والسداسي نحو: أكرم يكرم، وأعين ويعان، وانطلق وينطلق، واختير ويختار، واستخرج يستخرج، واستعين يستعان، وإنما غير الفعل لئلا يلتبس المفعول عند قيامه مقام الفاعل بالفاعل، وإنما فتح ما قبل آخر المضارع، لئلا يلتبس بالرباعي المبني للفاعل لو كسر، وذلك في الرباعي والثلاثي، ولو ضم ما قبل الآخر لكان ثقيلا، ولو اقتصر على فتح ما قبل الآخر لحصل التباس في نحو: يعلم.
وعدل عن الكسر في الأول، لأن حرف المضارعة قد يكسر في بعض اللغات، وقيل: لأن الضم أقوى الحركات، فجاء علامة على فاعل متروك كما ضم أول المصغر علامة على صفة محذوفة، وقيل: فتح ما قبل آخر المضارع ليعتدل الضم بالفتح في الضارع الذي هو أثقل من الماضي، وأطلق الناظم في الفعل ليشمل الماضي والمضارع.
وأما الأمر فلا يبني للمفعول، بل تدخل لام الأمر على المضارع، فيفاد معنى الأمر، فالمراد بسواه سوى المضي، يعني المضارع. (2/80)
صفحة 329
قال بعضهم: ذكر المضارع هنا استطراد لأن أكثر أحكام الفعل تختص بالماضي، ولهذا كان الأولى رفع قوله: وفتح في سواه على الإبتداء، وتلا خبره، والتحقيق أن أو الماضي المبني للمفعول مضموم أبداً، وما قبل الآخر مكسور، وأول المضارع مضموم، وما قبل آخره مفتوح، وتحقيقاً أو تقديراً.
مثال ذلك تحقيقاً: ضرب ويضرب، ومثاله تقديراً بيع ويباع، أصل بيع بيع بضم الباء الموحدة وكسر الياء ثقل كسرها لكونه على الياء، وكونه بعد ضمة فنقل إلى الباء الموحدة بعد سلب ضمها، وسلمت الياء لسكونها بعد كسر، وأصل يباع يبُيع بضم الياء وسكون الباء الموحدة، وفتح الياء، نقلت فتحة الياء للباء قلبها، فقلبت ألفاً لسكونها بعد فتح، أو لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبله الآن.
وكذا اختير ويختار، وانقيد وينقاد أصل اختير وانقيد واختير وانقود بكسر الياء والواو، ونقلت كسرتهما لثقلها إلى الحرف قبلها بعد سلب حركته، فسكنت بعد كسرة فسلمت الياء، وقلبت الواو ياء، وأصل يختار وينقاد ويختير وينقود بفتح الياء، والواو بعد فتحة تحركتا وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفاً بعد سلب فتحهما.
وكذا أعين ويعاد أصل أعين أعين بسكون العين، وكسر الواو ونقل كسرها للعين فسكنت بعد كسرة فسلمت، وأصل يعان يعون بسكون العين وفتح الواو، نقلت فتحتهما للعين فقلبت ألفاً لسكونها بعد فتح أو لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن.
وكذلك استعين ويستعان، أصل استعين استعون بسكون العين، وكسر الواو، ونقل كسرها لثقله للعين، فسكنت الواو بعد كسرة، فقلبت ياء، وأصل يستعان يستعون بسكون العين وفتح الواو، نقلت فتحتها للعين، فقلبت ألفاً لسكونها بعد فتح، أو لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها في الحال. (2/81)
صفحة 330
وكذلك استبيع ويستباع، أصل استبيع استبيع بسكون الباء الموحدة، وكسر الياء، نقل كسرها للباء الموحدة، فسكنت بعد كسرة فسلمت، وأصل يستباع يستبيع بسكون الباء وفتح الياء، نقل فتحها للباء فقلبت ألفاً لسكونها بعد فتح، أو لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها في الحال.
وأصل قيل: قول بضم فكسر نقل كسر الواو لثقله إلى القاف بعد سلب ضمه، فسكنت بعد كسرة، فقلبت ياء، وقيل حذفت الكسرة وكسرت القاف لتقلب الواو ياء، وأصل يقال: يقول بسكون القاف، وفتح الواو نقل فتحها للقاف، فقلبت لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها في الحال أو لسكونها بعد فتح مخصوص.
وأصل ردّ ردد بكسر الدال الأولى نقلت كسرتها للراء بعد سلب ضم الراء، فأدغمت في الدال، وأصل يردد يردد بفتح الدال، نقل فتحها للراء الساكنة، فأدغمت في الدال بعدها.
وأصل استحق استحقق، نقلت كسرة القاف للحاء الساكنة، فأدغمت في القاف، وأصل يستحق يستحقون نقل فتح القاف للحاء، فأدغمت في القاف، وهكذا إذا أدغم الأول في الحرف بعده ماضياً أو مضارعاً، فضم الأول مقدر.
وكذا إذا نقلت حركة الأول أو حركة ما قبل الآخر للحرف السابق، فإن تلك الحركة مقدرة أو سكن ما قبل الآخر للتخفيف أو للضرورة، وهكذا في مثل ذلك مما لم أذكره.
هذا وقيل غير الفعل إلى فعل بضم فكسر ليبعد عن أوزان الاسم، وأما دئل في الأسماء فقليل، ولو كسر الأول وضم الثاني، لحصل هذا الغرض لكن الخروج من الضمة إلى الكسرة أولى من العكس، لأنه طلب خفة بعد ثقل، وحمل غيرالثلاثي على الثلاثي، ولو اقتصر على كسر ما قبل الآخر التبس بنحو: علم وشرب، أو على ضم الأول لالتبس بالمضارع فيما أوله همزة من الرباعي نحو: اعلم. (2/82)
صفحة 331
وزعم بعضهم أن ضم الأول عوض عن الفاعل، ويرده أنه قد عوض عنه المفعول وهو كاف، والمراد بالمفعول هنا ما يشمل المفعول به وغيره مما ينوب، بل الظروف والمصادر لا تنوب حتى يتوسع فيها بأن تنصب المفعولات، وكلام المعاينين صريح في أن إسناد الفعل المبني للمفعول: إلى المفعول به حقيقي، وإلى غيره مجازي، قيل: وظاهر قوله أن تسند الفعل للمفعول أن النائب ارتفع بالإسناد لا بالنيابة عن الفاعل، وهو المشهور والصحيح، وذهب إليه سيبويه وأبو علي وغيرهما، وعبارته هنا أحسن منها في سائر كتب كالتسهيل وغيره، فإن ظاهرها ارتفاعه بالنيابة وهو مرجوح، وذلك مبني على أن الفاعل هل ارتفع لكونه فعل أو لكونه محدثاً عنه ومسند إليه أ.هـ وبسطت ذلك في النحو.
ويعلم مما مر من ضم أول الفعل أنه إن كان بعد أوله ياء أو همزة، أو ألف قلبت واواً نحو: أو من الأصل أأمن بني للمفعول، فضمت الهمزة، وقلب الألف بعدها واواً، وتقول يومن بقلب هذه الهمزة واواً وتحذف الواو المبدلة عن الألف، وتقول في مضارع أمن الثلاثي المبني للمفعول: يومن بقلب الهمزة واواً وتقول في الماضي المبني للمفعول من أيسر: أوسر بقلب الياء واواً.
ويعلم مما مرّ من أنه يكسر ما قبل آخر الماضي أنه إن كان الآخر ألفاً يقلب ياء لانكسار ما قبلها في دعا ورمى دعى ورمى.
ويعلم مما مر من فتح ما قبل آخر المضارع أنه إن كان آخره واواً وياء قلب ألفاً كقولك في يدعو: يدعا، وفي يرمى يرمى، وإذا كان من قبل آخر الماضي مكسوراً مع أنه مبني للفاعل فكسره إذ بني للمفعول كسر آخر غير الأول، وإذا كان ما قبل آخر المضارع مفتوحاً مع أنه مبني للفاعل ففتحه إذا بني للمفعول فتح آخر غير الأول نحو علم ويعلم. (2/83)
صفحة 332
وزعم بعضهم: أن ذلك الكسر في المبني للمفعول الماضي هو الذي في الماضي المبني للفاعل، والفتح في المضارع المبني للمفعول، هو الذي في المضارع المبني للفاعل، وفهم من إطلاقه الأول والآخر أنه سواء في ذلك كانا صحيحين أو معتلين نحو: وعد ويسر بضم الواو والياء للبناء للمفعول، ودعى ورمى، لكن إذا كان الأول واواً جاز قلبها همزة نص عليه صاحب بغية الآمال والسيوطي وغيرهما، سواء كان غير مضاعف أو مضاعفاً صحيح اللام أو معتلها نحو: وُعد وأعد، وودُ وأد، ووقُي وأقى، وأراد بالاعتلال الاعلال إطلاقاَ لاسم المطلق على المقيد، لأن الإعلال إسكان حرف العلة وقلبه ألفاً وهو المراد هنا.
والاعتلال الاتيان بحرف العلة مطلقاً ساكناً أو متحركاً، فإن حرف العلة المتحرك يجري مجرى الصحيح، فيكسر قبل آخر الماضي نحو: عور وصيد، واستحوذ بالبناء للمفعول، ويفتح قبل آخر المضارع نحو: يعور ويصيد ويستحوذ، فالأولى تعبيره في الخلاصة بأعل، وما تقدم هو اللغة الفصحى.
ومن العرب من يسكن ما قبل آخر الماضي المبني للمفعول للتخفيف، كما يسكن عين الماضي المبني للفاعل إذا كسرت نحو: علم وشهد بإسكان اللام والهاء على ما مر بسطه، فكيف لا يخفف العين في المبني للمفعول مع زيادة النقل بضم الأول، فيقال ضرب بضم الضاد، وسكون الراء قال:
*لو عصر بها البان أو المسك انعصر*
بضم العين وسكون الضاد، وجاء فزد بضم الفاء وسكون الزاي الأصل: قصد سكنت الصاد وأبدلت زايَا واختار ذلك قطرب.
قال الخضراوي: وهي لغة بكر بن وائل، وكثير من بني تميم، ومن العرب من يقلب الكسرة فتحة في المعتل اللام، فتقلب الياء ألفاً، وهي لغة طيئ تقول في دعى ورمى ورئى بضم الأوائل وكسر الثواني وفتح الأواخر: دُعا ورُمى ورُأى بضم الأوائل وفتح الثواني، وقلب الياء ألفاً.
قال خالد: فتحصل في المعتل اللام ثلاث لغات: كسر ما قبل آخره، وتسكينه وفتحه أهـ. (2/84)
صفحة 333
وما تقدم من إخلاص كسر أول الماضي المعل العين حتى تقلب عينه التي هي ألف ياء هو لغة قريش، قال خالد: ومن جاورهم.
قال بعضهم: الأولى إسقاط قوله: ومن جاورهم، تقول عليها قيل: وبيع بكسر القاف والباء الموحدة وهي اللغة الفصحي.
قال السيوطى: وبها ورد القرآن، قال تعالى: (وقيل يا أرض) (وغيض الماء) ومن العرب من يكسر أول المعل العين ويشمه بالضم، ويقلب الألف ياء أيضاً وهي لغة كثير من قيس، وأكثر بني أسد، وإنما شموا إلى الضم لأن الضم هو الأصل، معاودة الأصل مطلوبة حرصاً على بيان الأصل.
وأما من أخلص الكسر ففر من الضم، ولم يكن ليعود إلى ما فر منه، وعزا بعضهم لغة الإشمام إلى قيس لا إلى بعضهم، ولعل المراد بعضهم الأكثر.
قال المرادي: الأقرب في الإشمام ما حرره بعض المتأخرين إن تلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة مركبة من حركتين إفرازاً لا شيوعاً جزء الضمة مقدم وهو الأقل، يليه جزء الكسرة وهو الأكثر ومن ثم تمحضت الياء أ هـ.
وأشار بثم إلى كون جزء الكسرة هو الأكثر، وتمحض الياء سلامتها من القلب واواً، وذلك هو مراد الأشموني بقوله: الإشمام الإتيان على الفاء بحركة بين الضم والكسر، ومراده بالبينية الإفراز لا الشيوع، قال: وقد يسمى روماً، وفي معنى ذلك قول شيخ الإسلام: المراد بالإشمام هنا شوب الكسرة شئ من صوت الضمة، ولهذا قيل: كان ينبغي أن يسمى روماً مع أن الفراء عبر به، وفي معنى ذلك قول السيوطي: وحقيقة الإشمام ضم الشفتين مع النطق بحركة الفاء، بين حركتي الضم والكسر ممترجة منهما، لكن ظاهر إطلاق الأشموني وشيخ الإسلام والسيوطي استواء جزء الضمة، وجزء الكسرة، والمرادي نص على أكثرية جزء الكسرة، وهو مراد هؤلاء، ولو كان جزء الضمة وهو الأكثر لقلب الياء واواً.
قال السيوطي: وشرط أبو عمرو الداني إسماعه أي الإشمام، وشرط أبو عمر وابن الطفيل عدم إسماعه، فالمراد به عنده الروم، لأنه الإشارة الحركة من غير تصوت أ هـ. (2/85)
صفحة 334
وقال الرضىّ: حقيقة هذا الإشمام أن تنحو بكسرة فاء الفعل نحو: الضم، فتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلاً، إذ هي تابعة لحركة ما قبلها، هذا هو مراد النحاة والقراء بالإشمام في هذا الموضع.
وقال الشاطبي: المذهب المعروف المشهور المقروء به ضم الشفتين مع النطق بالفاء، فتكون حركتها بين الضمة والكسرة، وقيل: الإشمام ضم الشفتين مع إخلاص كسرة الفاء، وقيل هو ضم الشفتين قبيل النطق بها، لأن أول الكلمة مقابل لآخرها، فكما أن الإشمام في الأواخر بع الفراغ من إسكان الحرف، فكذلك يكون الإشمام في أولها قبل النطق بكسر الحرف، ويطلق الاشمام عند القراء على الاشارة بالشفتين إلى الرفع أو الضم عند الوقف، على نحو: (نستعين) و (من قبلُ) وعلى الإنحاء بالكسرة نحو: الضمة فتميل الياء الساكنة نحو: الواو كما مر عن الرضى، وعلى خلط الصاد بالزاي في الصراط، وأصدق.
فالإشمام يكون في الحركات والحروف، والظاهر أن الإشمام يسمى شكلاً، لأن الشكل الكيفية الحاصلة للفظ، وقال الحفني لا، وقد سماه السيوطي وصاحب البسيط حركة.
وعن الصبان في حاشية الأشموني، عن السيوطي في الأشباه والنظائر، عن صاحب البسيط في البسيط وغيره: أن الحركات ست: الحركات الثلاث المشهورة، وحركة بين الفتحة والكسرة، وهي التي قبل الألف المعجمة في قراءة ورش نحو: الصلاة والزكاة والحياة، بين الكسرة والضمة، وهي حركة الإشمام في ميل وعيض على قراءة الكسائي، وحركة ما قبل الألف الممالة مطلقاً نحو: رمى وخف ودان، ويأتي مزيد كلام بعد في الإشمام.
ومن العرب من يضم فاء الماضي المعل العين ضماً خالصاً فتقلب الألف واواً لانضمام ما قبلها، وهي لغة قليلة، وتعزى لفقعس ودبير قاله ابن هشام في التوضيح.
قال خالد: وهي موجودة في كلام هذيل.
قال المرادي في شرح التسهيل بعد ذلك: وهما يعني فقعساً ودبيراً من فصحاه بني أسد.
وقال الشاطبي: حكيت بني ضبة.
(م8 ـ شرح الأفعال جـ3) (2/86)
صفحة 335
وقال ابن هشام في بعض كتبه: حكيت عن بعض بني تميم، وكذلك عزاها الفرّاء في كتاب اللغات إلى بني فقعس، وبني دبير من بني أسد، وعزاها صاحب التحقيق لهذيل، وبني دبير من بني أسد، وفصحاء بني فقعس نحو: قول وبوع وهوب وخوف بضم الأوائل وإسكان الثواني، وذلك أنه أبقيت حركة أول الفعل على حالها، فانقلبت بسببها ألف ذوات الياء والواو واواً، وهي أضعف الأوجه واللغات.
قال الفراء: لا تدخل هذه اللغة في القراءة لمخالفتها الكتاب، قال الفراء: أنشدني بعض بني أسد:
وابتذلت عصبي وأم الرجال
وقول لا أهل له ولا مال
قلت له رؤبة:
ليت وهل ينفع شيئاً ليت
ليت شباباً بوع فاشتريت
بضم الباء وسكون الواو مبنياً وفتح العين، وقال شاعر:
*حركت على نيرين إذ تحاك*
بضم الحاء وسكون الواو ميتاً وفتح الكاف وتاؤه للتأنيث، أي حوكت الحلة أي نسجت تلك الحلة، وهي الإزاروالرداء اللذان يصفهما وقال:
*أخر نوطت إلى صلب شديد الحمل*
بضم النون وسكون الواو ميتاًً وفتح الطاء وتاؤه للتأنيث، وتلك الأوجه واللغات جائزة مطلقاً.
وقال الناظم: إذا الضم منع، وإذا ألبس الكسر منع، وجاز الباقي، في مثال إلباس الضم: ما إذا كان عين الكلمة واواً، وبنيت الكلمة للمفعول، واتصل بها الضمير الموجب لسكون آخرها نحو: عقت مبنياً للمفعول، فإنه يكسر أوله بإخلاص أو بإشمام، ولا يضم لأن ضمه يوهم البناء للفاعل: كقلت، ومثال إلباس المكسر: ما إذا كان عين الكلمة ياء، وبنيت الكلمة للمفعول، واتصل بها الضمير نحو: بعت بالبناء للمفعول، فإنه يضم أوله أو يشم، ولا يخلص كسره، لأن إخلاص الكسر يوهم بالبناء للفاعل، وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله:
*وإن بشكل خيف لبس يجتنب* (2/87)
صفحة 336
وصرح به في شرح الكافية، ومثل اليائي العين في امتناع الكسر للإلباس، واوي العين الذي مضارعه مفتوح نحو: خاف، فإذا بنى للمفعول ضم أو شم، ولا يخلص الكسر لئلا يلتبس بالمبني للفاعل كذا يظهر لي، ثم رأيت ابن هشام أشار إليه في التوضيح حيث قرن: خفت ببعت بالبناء للنفعول في تعيين الضم، أو الإشمام وامتناع الكسر، ورأيته للصبانوابن قاسم، ثم رأيته لبعض المتأخرين ناظماً لمسائل اللبس:
مثال ما الضم اللبس يجتنب
فيه كقاولت فقلت في الغلب
ومثل زرت واجتنب كسر الذي
يائي عين مثل دنت يا فتى
كذا إذا الكسر بواو قد أصل
في مثل خاف خفت للمفعول قل
وسيبويه لم ير اللبس إذا
عارض وجهاً موجباً أن ينبذا
فالحمدلله على الموافقة، ولعل ذلك إنما يجتنب عند عدم القرينة، وجعلت المغاربة الموجه الملبس من ضم أو كسر مرجوحاً لا ممنوعاً، ويحتمله كلام الخلاصة، فإن قوله يجتنب يحتمل أن يريد به الاجتناب وجوباً، وهو الظاهر ليوافق تصريحه في شرح الكافية، والاجتناب جوازاً، واستحساناً.
قالت المغاربة: إن العرب تختار الكسر في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مضمومة، وتختار الضم في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مكسور فرقاً بينهما.
قلت أنا والشيخ خالد: وهو الظاهر، ولذلك لم يلتفت سيبويه للإلباس، بل أجاز الأوجه الثلاثة فيما يظهر من عبارته، بل صرح بجواز الوجه الملبس تصريحاً كما يأتي في شرح قوله: وما لفا نحو باع إلخ مطلقا، اكتفاء بالفرق والتقديري، لأن الإلباس غير مانع لحصوله في الاسم والفعل، فالاسم نحو: مختار ومنقاد يحتمل أن يكونا اسمى فاعل، فألف مختار عن ياء مكسورة، وألف منقاد عن واو مكسورة، وأن يكونا اسمى مفعول، فألف مختار عن ياء مفتوحة، وألف منقاد عن واو مفتوحة، والفعل نحو تضار بالتشديد، فإنه يحتمل البناء للفاعل. (2/88)
صفحة 337
فالراء مدغمة مكسورة الأصل، والبناء للمفعول، فهي مفتوحة الأصل، ولم يراعوا اللبس فأعلوا في مختار ومنقاد، وأدغموا في تضار اكتفاء بالفرق التقديري كذا قالوا.
قلت: لا دليل في مسألة مختار ومنقاد وتضار، لأن هذا من باب الإجمال، وما نحن فيهخ من باب الإلباس والإجمال جائز لا ضرر فيه، لأنه لا يفهم منه المراد، ولا يوقع في غير المراد بخلاف ما نحن فيه، فإنه يوقع في غير المراد، لأنه يتبادر من نحو خفت ونعت بإخلاص الكسر، وعقت بإخلاص الضم البناء للفاعل.
وأما المضاعف الثلاثي إذا بني للمفعول فالأفصح الضم خالصاً نحو: رد وشد، حتى قال بعض بوجوبه، بل قال بوجوبه الجمهور كما في التوضيح، ولكن الصحيح كما فيه جواز الكير خالصاً، ونص سيبويه على اطراده، بل هي لغة بني ضبة بالضاد المعجمة المفتوحة، والباء الموحدة المفتوحة المشددة، وهو ابن أد بضم الهمزة وتشديد الدال، وأدهو عم تميم بن مرة.
وقال البطيوسي: ضنة بالنون بطن من قضاعة، وهو أيضا لغة عكل، وهم بعض بني تميم، وبها قرأ علقمة ويحيى بن وثاب: (ردت إلينا) (ولو ردوا) بكسر الراء نقلا من الدال المدغمة حملا على المعتل، وقرئ أيضاً (وردوا إلى الله) بالكسر.
قال الفراء: ولست أشنهى مثل هذه اللغة في القرآن، وأجاز الناظم اللإشمام، قال في التسهيل: وقد تشم فاء المدغم، وفي الخلاصة:
*وما لباع قد يرى لنحو حب*
قال المهابادي: من اشم من العرب في قيل وبيع من الفعل، أشم في المضاعف. (2/89)
صفحة 338
قال سيبويه: وأعلم أن لغة مطردة للعرب يجري فيها فعل من المضاعف الثلاثي، مجرى فعل من المعل فيكسر أوله فيقال: رد، كما يقال: قيل: وظاهر الخلاصة وغيرها وهو صريح المها بادئ في الإشمام أن من يكسر في المعل يكسر في المضاعف، وكذا الإشمام والضم، وليس كذلك إلاّ في الإشمام، فإن من يشم هناك يشم هنا كما صرح به المهابادى، وأما من يكسر هنالك فيضم هنا، ومن يضم هنالك يكسر هنا، ولذلك كان الضم هنا أفصح اللغات ويليه الإشمام، وبعد الإشمام الكسر، وهنالك أعني في المعل بالعكس.
قال ابن قاسم صاحب الآيات البينات، وتبعه بعض: إنه يجتنب ما ألبس في المضاعف كالضم في رد لإلباسه بالأمر، فيعدل إلى الكسر أو الإشمام، وإنما لم يعدل إلى أحدهما في: (ولو ردوا لعادوا) بالضم، لأن وقوعه شرطاً للو مانع من كونه أمراً، لأن الشرط لا يكون أمراً.
قلت: الحق أنه لا إلباس هنالك، بل إجمال، لأن الضم في ردّ إذا كان أمراً ليس بأولى من الضم فيه إذا كان مبنياً للمفعول، بل سواء فلا إلباس، فأقبل الحق، نعم يقع الإلباس في المبني للفاعل المضموم العين المضاعف من باب المدح والذم والتعجب، نحو: حب، وقد تكون القرينة، وعلى لغة الكسر يقال: أن الماء بكسر الهمزة وتشديد النون أي صب بضم الصاد، والماء بالرفع نائب.
هذا وهاء الكسرة عائدة إلى الأول، والمعنى مصدر بمعنى اسم الفاعل، أو على حذف مضاف أي فعل المعنى، وهاء سواء عائدة للمعنى، سوى المعنى هو الاستقبال والحال، والمراد المضارع، وإنما قال: بعين اعتل ولم يقل اعتلت مع أن العين مؤنث متقدم على الفعل، لأن العين مأول بالوسط، أو بالحرف أو بالياء، أو الواو، والحروف يجوز تذكيرها مطلقاً، أو حذف التاء للضرورة، أو بناء على جواز حذفها، ولو في السعة في نحو: الشمس طلع، أو على أن العين بمعنى عين الكلمة، يجوز تذكيره لا كعين الوجه، لا يذكر إلاّ إن جاء بعد الفعل. (2/90)
صفحة 339
تنبيه: الاعتلال كون فاء الكلمة أو عينها أو لامها واواً أو ياء، وألفاً، تغير أم لا، والاعلال تغيير تلك الحروف للتخفيف، فهو أخص من الاعتلال، فانظر ما مر، والأعم لا يشعر بالأخص المعين.
الإعراب: إن حرف شرط تسند فعل مضارع مجزوم على الشرط، بسكون مقدر لم يظهر لاشتغال محله بكسرة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه وجوباً لأنه مبدوء بتاء خطاب الواحد المذكر، والفعل مفعول به، ويجوز أن يكون يسند بالياء المثناة تحت، وبالبناء للمفعول، والفعل نائباً أو بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير مستتر عائد إلى المتكلم، والناطق والمخبر والفعل مفعول به، والوجه الأول أولى لمناسبة قوله: فايت به.
وللمفعول متعلق بتسند، والفاء رابطة لجواب الشرط، وائت فعل أمر مبني على حذف الآخر، والفاعل مستتر وجوباً، والجملة جواب إن وبسطت في النحو الكلام على فاء الجواب، هل هي سببية دخلت للربط وهو الصحيح، أو عاطفة رابطة، وأصل قوله فائت بفتح الفاء وسكون الياء سكوناً حيَّا وبإسقاط الألف من اللسان فايت بفتح الفاء وكسر الهمزة وسكون الياء ميتاً حذفت همزة الوصل بعد حذف كسرتها، لأنها لا تثبت في الوصل، وأيضاً إذا حذفت كسرتها التقت ساكنة مع ساكن بعدها، فتحذف هي لأنها الساكن الأول من ساكنين معتلين، أو أحدهما معتل وهو الياء والآخر شبيه به وهو الهمزة، وبسطت ذلك في غير هذا.
ولما سكنت الياء سكوناً ميتاً بعد الفاء المفتوحة، أبدل سكونها حياً ليصح بعد فتح، وفي نسخ فات بالفاء والألف والتاء، وجهه أنه أودلت تلك الياء ألفاً لسكونها سكوناً ميتاً بعد فتحة.
واعلم أن همزة ايت همزة وصل مكسورة، زيدت في الأمر مثل همزة اضرب، إذا كان أمراً وياء هي همزة القطع في أتى، أبدلت ياء حيث سكنت بعد كسرة، وبه متعلق بايت، والهاء عائدة للفعل، ومضموم حال الهاء واضافته إلى المعرفة، وهي قوله الأول لا تفيد التعريف لأنها لفظية على ما بسط في محله، والواو للعطف على ايت. (2/91)
صفحة 340
واكسر فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والهاء مفعول به عائدة للأول، وإذا اسم شرط طرف زمان مستقبل، واتصل فعل ماضي مستتر الفاعل جوازاً ضميراً عائدا للأول، والجملة شرط إذا وجوابها محذوف دل عليه اكسره أو غير ذلك من الأوجه المذكورة في إذا.
وبعين متعلق باتصلا، واحتل ماض مستتر الفاعل جوازاً، والجملة نعت عين ومروجه تذكيره، والواو للعطف على ايت، وهو أولى من حيث المعنى من عطفع على اكسر أو للإستئناف، واجعل فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والأوامر للوجوب، ويجوز في الأمر الثاني وهو قوله اكسر أن يكون للندب أو للإباحة مراعاة اللغة اخلاص الضم، ولغة الإشمام.
وقبل ظرف زمان باعتبار النطق، ومكان باعتبار الخط متعلق بمحذوف مفعول ثان لا جعل، والآخر مضاف إليه، وفي المعنى متعلق باجعل أو بالاستقرار المتعلق به لفظ قبل، أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار، أو من الضمير المستتر في الآخر إن قلنا به لا من الآخر، لأنه مضاف إليه، والمضاف لا يعمل، وهو قبل أو متعلق بمحذوف حال من كسراً لتقدمه عليه، أو بمحذوف مفعول ثان لا جعل.
وقبل متعلق باجعل، أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار في المضى، أو من كسراً، أو بالاستقرار، والمضيّ مصدر بوزن العقود، أصله المضوي بضم الميم والضاد وسكون الواو بعد ياء تحرك بالإعراب اجتمعت الواو والياء، وسبقت احداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وإنما قلبت ياء بعد قلب ضمة الضاد كسرة، وقيل قبله ثم قلبت كسرة لتجانس الياء.
وكسراً مفعول به أول ولك أن تجعل اجعل متعدياً لواحد وهو كسراً بمعنى أوجد، فيتعلق به قبل، وفي المضي أو المضي حال من كسراً، أو من ضمير الآخر، ويجوز تليق قبل بمحذوف حال من كسرا أيضاً وباستقرار في المضي، حيث علق بمحذوف كسراً ويجوز تعليق في المعنى بمحذوف حال من ضمير الاستقرار في قبل، حيث علق بمحذوف حال من كسراً، ويجوز تعليقه باستقرار قبل. (2/92)
صفحة 341
وفتحاً بالنصب معطوف على كسراً، وفي سواه معطوف في في في المضى من العطف على معمولي عامل إذا جعلنا في المضى معمول اجعل، أي واجعل فتحا في سواه، والهاء مضاف إليه.
وتلا فعل ماض مستتر الفاعل جوازاً، والجملة نعت سوى، لأن اضافة على ما صححوا على تفيد التعريف ولا التخصيص، ولك أن تجعلها تفيد التعريف أو التخصيص فالجملة حال، وبسط ذلك في النحو والضمير المستتر لسوى، والمفعول محذوف، أي تلاه أي تلاه فعل المضى أو الماضي أو تلاها أي ضيغة المضى، أو تلا نعت فتحاً ومر أن الأولى رفع فتح على الابتداء، وتلا خبر، أي وإذا صرفت الماضي إلى المضارع تلاه الفتح والخبر هو قوله في سواه.
ثالث ذي همز وصل معه ومع
تاء المطاوعة اضمم تلوها بولا
أي اضمم الحرف الثالث من الماضي المبدوء بهمزة الوصل مع أوله، واضمم الحرف الثاني الذي يلي التاء الزائدة زيادة معتادة، وهي الصالحة للمطاوعة ونحوها، مع تلك التاء وذلك في الماضي مثل المبدوء بهمزة الوصل: انطلق واستخرج، بضم الثالث وهو الطاء في الأول، والتاء في الثاني، مع همزة الوصل في الابتداء أو في الضرورة، وأما في غيرهما فلا تثبت همزة الوصل فضلاً عن أن تضم با تحذف، ويضم الثاني فقط، ومثال ضم تاء المطاوعة وما يليها نحو: تعلم بضم التاء والعين، وما قبل الآخر باق على الكسر في ذلك. (2/93)
صفحة 342
وأما مضارع ذلك فيضم أوله فقط، ويكسر ما قبل آخره، ويسكن ثانيه إن كان ماضيه بهمزة الوصل مثلاً، ويفتح إن كان بتاء زائدة للمطاوعة مثلاً، وإنما ضم ثالث الماضي المبدوء بهمزة الوصل لئلا يلتبس إذا حذفت همزة الوصل في الدرج بالبني للفاعل، لأنه لو حذفت وأبقي الثالث على فتحه لكان على صيغة المبني للفاعل، ولا لبس إذا ثبتت للفرق بضمها، ولكن ضم الثالث (ح) أيضاً طرداً، وقد يقال: الفارق موجود وهو كسر ما قبل الآخر، ولم يكسر الثالث لئلا تجتمع كسرتان في نحو انطلق والحاجز بينهما في نحو: استخرج ساكن، فهو ضعيف، والحق أنه إنما ضم الثالث لئلا يلتبس بالأمر لو بقي على الفتح، ولكن الفتح أيضاً في آخر الماضي فارق عن الأمر واللبس به يتم إذا وقف على الماضي.
وينبغى أن يخرج على هذا قول أبي يحيى، وإنما الترموا ضم الثالث فيما أوله همزة وصل نحو: اقتطع واستخرج، لئلا يلتبس إذا حذفت الهمزة في الدرج، وقول السيوطي. ويضم مع الأول أيضاً ثالث ذي همزة الوصل لئلا يلتبس بالأمر في بعض أحواله، وإلا فسدا وإنما ضم الثاني في المبدوء بالتاء المذكورة لئلا يلتبس بصيغة مضارع الرباعي المضاعف، إذا لم تكن قرينة كرفع الآخر، وجازم وناصب لا يدخلان على الماضي، فإنه إذا وقف على تعلم مضارع علم بالتشديد التلبس بتعُلم المبني للمفعول المشدد، لولا ضم ما بعد التاء.
وعلى هذا يحمل قول البسيوطي يضم ما بعد التاء معها حذراً من اللبس، وما تقدم في المبدوء بهمزة الوصل إنما هو في الخماسي الصحيح، والسداسي مطلقاً، وأما الخماسي المعل فلا يضم ثالثه نحو: اختار وانقاد، تعم يضم تقدير لأن الأصل اختير وانيد بضم التاء والقاف وسيأتى. (2/94)
صفحة 343
وما فيه حركة العلة محركاً يجري كالصحيح: كاعتور بضم التاء وكسر الواو، ويعلم من ذكر همزة الوصل أن الثاني بعدها ساكن، لأنه جئ بها ليتوصل إليه، ويعلم من ضم ثالث ما فيه همزة الوصل أنه إن كان بعد ثالثه ألف أو ياء قلب واو إن لم تجر الياء مجري الصحيح نحو: اختور وانقود على لغة الضم ويأتى ذلك، وإن جرت الياء مجري الصحيح ثبتت مكسورة نحو اصطيد مزيد صيد بتحريك الياء، وعلم من ضم تالي التاء أنه إن كان الثالث ياء أو ألفاً قلبت واوً نحو: تغوفل، ومراده بالتاء المطاوعة التاء الزائدة زيادة معتادة مطلقاً، سواء كانت للمطاوعة نحو تعام أو لغيرها نحو تكبر وتغافل، واقتصر في التعبير عليها، لأنها الأصل، ولأنها الغالية، والأولى أن يعبر بالتاء الزائدة المعتادة لئلا يتوهم خصوص الحكم بالمبدوء بهمزة المطاوعة.
وعبر في الخلاصة بمثل ما عبر به هنا إذ قال: والثاني التالي تاء المطاوعة، وأما عبارة التسهيل حيث قال: فيه بضم مطلقاً أول فعل للنائب ومع ثانيه إن كان أوله تاء مزيدة فإنها ولو عمت تاء المطاوعة ونحوها لكنها عمت أيضاً التاء الزائدة غير المعتادة، مع أنها لا تدخل هنا فهي محافظة على العكس مخلة باطراد.
أما التاء الزائدة غير المعتادة نحو ترمس فلا يضم ثاني ما هي فيه، وإنما كانت غير معتادة لأن الأصل في التوصل إلى الساكن في الصدر أن يكون بالهمزة نص على أن تاء ترمس غير معتادة للزيادة المرادى ومن تبعه.
تنبيهات: (2/95)
صفحة 344
الأول: إذا قيل في استتر المبني للمفعول ستر بضم السين وكسر التاء مشددة فهو مما ضم فيه ثالث ذي همز الوصل، لكن تقديراً، لأن الأصل استتر بضم التاء الأولى نقلت ضمتها للسين فحذفت همزة الوصل ونبذت لعدم الحاجة إليها لتحرك ما بعدها، وهكذا في مثل ذلك، وممَّا ضمت فيه التاء نحو ادورك بتشديد الدال، أصله تدورك أسقطت ضمة التاء، وأبدلت دالاً، وأدغمت في الدال، وجيء بهمزة الوصل مكسورة وهكذا في مثل ذلك من النقل، والإدغام ونحوهما، مما يكون فيه الضم تقديرياً كحذفه للضرورة.
الثاني: إنما لم يتعرض لحكم مضارع المبدوء بالهمزة أو بالتاء، لأن حكمه باق على ما مضى من ضم أوله وفتح ما قبل آخره لفظاً أو تقديراً، وأيضاً تالي التاء في المضارع باق على أصله من الفتح في المبني للفاعل.
الثالث: أضاف التاء للمطاوعة مع أن المطاوعة لم تستفد منها وحدها، بل من البنية لأنها لها دخل في إفادتها، وهي بعض البنية فافهمه.
تتمة: همزة الوصل همزة سابقة في أول الكلمة موجودة في الابتداء مفقودة في الدرج، قال الشيخ خالد والفارضي: كل همزة تثبت في التصغير فهي همزة قطع، وإلاّ فهي همزة وصل، يقال في ابن واسم بنى وسمى بحذفها، وفي أب وأخ أبي وأخي لثبوتها، وهي وضعت همزة على الصحيح، وقيل: يحتمل أن أصلها ألف لثبوتها ألفاً في الرجل في الاستفهام لما لم يحتج لحركتها، وقطع بعضهم بأنها وضعت ألفاً، وسميت همزة وصل وألف وصل مع أنها تسقط في الوصل، فقيل مجازاً واتساعاً، والعلاقة الضدية وحقيقتها أن تسمة همزة الابتداء، وقيل لأنها تسقط فيتصل ما بعدها بما قبلها، وما قبلها بما بعدها، وهو قول الكوفيين، وقال به ابن الضائع تلميذ الشلوبين. (2/96)
صفحة 345
وقال الشلوبين والبصريون: لأنها لوصول المتكلم بها إلى النطق بالساكن في معناه تسمية الخليل لها سلم اللسان، وفي القولين بحث وهو أن الوصل مصدر وصل المتعدي والوصول مصدر اللازم بمعنى اتصل، ومقتضى عباراتهم في القولين أنها للوصول، فكان ينبغي (ح) تسميتها بهمزة الوصول لا بهمزة الوصل، ولو عبر في هذا القول الآخر بمثل قولك، لأنها تسقط، فيصل المتكلم ما قبلها بما بعدها لوافق تسميتها بهمزة الوصل.
ويدل على أنه جيء بها ليتوصل إلى الابتداء بالساكن أنه إذا وصل بما بعدها بما قبلها، أو تحرك الساكن بعدها زالت كما رأيت مراراً إلاّ همزة أل، فالأرجح ثبوتها إذا نقلت حركة همزة بعدها إلى اللام نحو: الأحمر، ويجوز حذفها، والفرق أن النقل للإدغام نحو: ستر بالضم والتشديد، أصله استتر بالبناء للمفعول أكثر من النقل لغير الادغام، فلم يعتبر معه ما كان قبل النقل.
وكذلك في أم التي أصل ميمه لام التعريف، إذا نقلت حركة همزة بعدها إلى الميم، وظاهر بعض أنه إذا نقلت حركة الهمزة للام أو لميم، وحذفت همزة أل وأم أو لم تحذف لم تكتب في الخط، وقيل: تكتب وقد يفصل بأنها تكتب في الوصل لا في الابتداء، حيث وقع النطق أولاً باللام أو الميم المتحركتين بعدها بحركة النقل، وإنما لم تكن همزة الوصل إلاّ سابقة في أول الكلمة، لأنه جيء بها وصلة إلى الابتداء بالساكن لتعذر الابتداء به إجماعاً في الألف والواو والياء الساكنتين سكوناً ميتاً ، ووفاقاً لأبي الفتح وأبي البقاء في غيرهن.
وقال السيد الجرجاني والكافيجي: إن الابتداء به جائز ممكن لكنه ثقيل، ووجه الجواز أن التلفظ بالحركة يحمل بعد التلفظ بالحرف، وتوقف الشيء على ما يحصل بعده محال كذا قالوا.
وأجيب بأنه لا نسلم أنها بعده بل معه وإلاّ لأمكن الابتداء بالحروف غير الحركة، وهو محال، وبسطت كون الحركة بعد الحرف أو قبله أو معه في النحو، وإثبات همزة الوصل في الدرج أي في الوصل، وعدم الوقف ضرورة كقوله: (2/97)
صفحة 346
إلاّ لا أرى اثنين أحسن شيمة
على حدث الدهر منى ومن مجمل
بالنطق بهمزة اثنين مكسورة إلا همزة المفتوحة في أل وأيمن وأيمن وأيم فإنه إذا دخل عليها همزة الاستفهام فلا تحذف لئلا يلنبس الاستفهما بالأخبار، ولا تحقق أيضاً لأن همزة الوصل تحقق في الابتداء والضرورة فقط بل تبدل ألفا، وقد تيهل بين الهمزة والأصل مع القصر وهو القياس، لأن الابدال شأن الساكنة، واراجح الإبدل حتى قال الخضراوي: لم يذكر أبو على وجماعة غير البدل، ولم يقرأ بخلافه، ولا جاء في كلامهم.
قلت: بل قرئ به في الذاكرين وفي الآن في السبع، وبالتسهيل فيه أيضاً، وجاء بالتسهيل قوله:
أألحق إن دار الرباب تباعدت
أو نبت حبل إن قلبك طائر
قال البايدي: لا يتوهم من كون التسهيل مرجوحاً أنه لم يقرأ به، لأنه لا منافاة بين كونه مرجوحاً، وكونه فصيحاً، وقد صرح السعد في حواشي الكشاف بأن القراء يجمعون على وجه مرجوح عربي كما في قوله تعالى: (وجُمع الشمس والقمر) فإن الراجح جمعت الشمس والقمر بتاء التأنيث، وتحذف همزة الوصل المكسورة والمضمومة إذا دخلت همزة الاستفهام نحو: (اتخذناهم سخرياً) في قراءة غير أبي عمرو والأخوين ونحو: (استغفرت لهم) في قراءة الجميع، واصطفى البنات على البنين، ونحو: اصطر بالبناء للمفعول أاتخذناهم، وأاستغفرت وأاصطفى بهمزة مفتوحة للاستفهام، وبعدها همزة مكسورة للوصل، وأاُضطر بهمزة مفتوحة للاستفهام وهمزة مضمومة للوصل، حذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بهمزة الاستفهام، وما تقدم من الإبدال ألفا مذهب أصحاب سيبويه. (2/98)
صفحة 347
ونقل الشلوبين عن أبي عمرو أن تلك الهمزة بعد همزة الاستفهام اجتلبت للفرق، كألف اضربنان، وإنه خطأ من قال إنها مبدلة من الهمزة لأنها ليست همزة قطع، وأجاب الشلوبين بأنها قد شبهت همزة القطع من وجوه، فلا تعد في ثبوتها وتغيير صورتها بإبدالها للفرق بين الخبر والاستخبار، وهو أولى من اجتلاب همزة أجنبية، واحتج بأنها قد جمع بينها وبين ساكن في نحو: الحسن عندك، فلولا الالتفات إلى حركتها الأصلية لم يجز، بخلاف ألف اضربنان قاله خالد، وعن السيوطي عن أبي عمرو أن همزة الاستفهام حذفت على الأصل، والمدة ليست بدلاً منها، بل مدة زائدة للفرق بين الاستفهام والخبر، ويرده وجه التسهيل.
وقال المهابادي: إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل حذفت إلاَّ أن تكون مفتوحة، وإنما تفتح في أول وأيمن وأيم قلت وكلمة اسم.
ولا تكون همزة الوصل في المضارع لتحرك أوله على ما مرّ، ولا في حرف غير أل وأم المبدلة ميمها عن لام عند الإمام، ولا في ماض ثلاثي مجرد، ولا رباعي كأمر وأكرم، بل هي في ذلك قطع، لأنها في الثلاثي أصل، وفي مثل ذلك الرباعي جاءت للتعدية ونحوها لا للتوصل إلى الابتداء بالساكن، بل تكون في الماضي الخماسي والسداسي وأمرهما وأمر الثلاثي الساكن ثاني مضارعه لفظاً كاضرب بخلاف: هب وعد وقل ونحوها مما ثاني مضارعه متحرك فلا يحتاج لهمزة الوصل، إلاَّ خذ ومر وكل، فإن ثاني مضارعها يسكن لفظاً وأكثر أمرها حذف الفاء الاستغناء عن همزة الوصل.
(م9 ـ شرح الأفعال جـ 3)
ولا تكون في اسم لتحرك أوله إلاَّ في مصدر الخماسي والسداسي تبعاً لفعليهما، واسم واست وهو الدبر، وابن وابنه وابنم وامرؤ وامرأة واثنين واثنتين، وغي أيمن وأيم عند البصريين، وقال الكوفيون للقطع وأل الموصولة مطلقاً وصلت بالصفة أو بالفعل أو غيرهما، وأم الموصولة التي أصل ميمها لام، وبسطت ذلك في غير هذا. (2/99)
صفحة 348
وأجاز الصبان أن يكون الوصل والقطع من عوارض الهمز الزائد، فلا تسمى الهمزة الأصلية في نحو أكل وأخذ وأمر همزة قطع كما لا تسمى همزة وصل.
الإعراب: ثالث بالنصب مفعول مقدم لضم، وذي مضاف إليه بمعنى صاحب واقعة على الفعل الماضي، وهمز مضاف إليه ذو، ووصل مضاف إليه همز، وضم فعل أمر أو ثالث بالرفع مبتدأ، ومك ماض مبني للمفعول مستتر النائب جوازاً، والجملة خبره، ويضعف كونه أمراً هو وفاعله المستتر وجوباً خبر المبتدأ، والرابط محذوف، أي اضممه والأول أولى ليوافق: قوله، ومع تاء المطاوعة اضمم تلوها، ومع ظرف مكان مسكن على ما مرّ متعلق بضم، أو بمحذوف حال من ثالث أو الرابط المحذوف.
والهاء مضاف إليه: عائدة على الأول أو على همز لجواز إعادة الضمير على المضاف إليه على الحق الذي بينته في النحو، ولا سيما أن المضاف إليه هنا مضاف، والجملة مستأنفة، أو معطوفة بواو محذوفة على آت، أو اكسر أو اجعل.
والواو للعطف، ومع بالسكون على ما مرَّ متعلق باضمم أو بمحذوف حالة تلو، وتاء مضاف إليه، والمطاوعة مضاف إليه.
واضمم فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والجملة معطوفة بالواو، وتلو مفعول به لاضمم مضاف إلى ما العائدة إلى التاء وبولي متعلق باضمم أو بمحذوف حال من ضمير اضمم على نحو ما مرَّ في مثله، وفي الشطر الأول تتابع الاضافات، وهو فصيح على الصحيح على ما مرَّ.
وما لفا نحو باع اجعل لثالث نحـ
ـو اختاروا انقاد كاختير الذي فضلا
أي واجعل الحرف الثالث من الفعل المعل العين الخماسي المبدوء بالهمزمة الوصلية، الذي هو على وزن افتعل نحو: اختار، أو انفعل نحو: انقاد،
وما جعلته لفاء الثلاثي المعطي العين نحو: باع وقال وخاف من الكسر إذا بني ذلك للمفعول، فتقول الختير زيد وانقيد لعمروا بكسر الثالث وهو التاء والقاف، فتقلب ألف ياء الأصل اختار وانقاد، ولما بنيا للمفعول كسر ما قبل الألف فقلبت الألف ياء. (2/100)
صفحة 349
أو قل الأصل اختير وانقود بكسر الياء، والواو وضم ما قبلهما نقلت الكسرة عليهما، فنقلت: الحرف قبلهما بعد سلب ضمته، فسلمت الياء لمجانسة الكسرة، وقلبت الواو ياء لوقوعها بعد ضمة ساكنة، هذا مراد الناظم، وليس مراده أن لنحو: اختار وانقاد ما لنحو: باع من اللغات لغة إخلاص الكسر، ولغة إخلاص الضم، ولغة الإشمام، لأنه لم يذكر في هذا النظم لباع إلا اللغة الأولى إذ قال واكسره إذا اتصلا بعين اعتلّ.
ويحتمل أن يريد لنحو اختار وانقاد، ما لنحو باع من اللغات، ولو لم يذكرهن اعتماداً على اشتهارهن في نحو: قال بحيث لا يخفين، وعلى ذكره لهن في الخلاصة أولا في نحو: باع، وثانيا في نحو: اختار، هذا ما ظهر لي.
ثم رأيت صاحب التحقيق أشار إلى بعضه، فالحمدلله، فعلى لغة الضم يقال: اختور وانقود بسكون الواوين سكوناً ميتا بعد ضمة أصلهما اختير وانقود بكسر الياء والواو حذفت كسرتهما لثقلها، فوقعت الواو ساكنة بعد ضمة، فسلمت وقلبت الياء واواً لسكونها بعد ضمة كما في قول: وبوع الأصل قُوِل وبيُع بضم فكسر فيمها ثقل الكسر فحذفت فسلمت واو قول لسكونها بعد ضمة، وقلبت ياء بيع واواً لسكونها بعد ضمة.
وعلى لغة الإشمام، يقال: اختير وانقيد بسكون الياء ممالة إلى جهة الواو لإمالة الكسرة قبلها إلى جهة الضمة، والأصل اختير وانقود بضم ما قبل الياء والواو، وكسر الياء والواو وثقل الكسر فنقل لما قبلهما بعد سلب ضمه، فسلمت الياء قلبت الواو ياء، ومزجت الكسرة بشئ من الضمة كما فعل ذلك في قيل و بيع في الإشمام.
وحكم للكسر حتى سلمت الياء وقلبت الواو ياءً، لأن جزءه أكثر من جزء الضم، فمن قال: قيل وبيع بإخلاص الكسر، قال: اختير وانقيد بإخلاصه، ومن قال قول وبوع بإخلاص الضم قال: اختور وانقود، ومن قال: قيل وبيه بالإشمام قال: اختير وانقيد بالإشمام.
قال سيبويه: فتجري اختير ونقيد مجري بيع وقيل في كل شيء. (2/101)
صفحة 350
قال صاحب التحقيق: يحتاج إخلاص الضم فيهما إلى سماع يصححه، وحرف العلة في اختير وانقيد هو عين الكلمة، بل ياء انقيد بدل من عين الكلمة، وأما اختور وانقود فواو انقود عين، وواو اختور بدل من العين، أما ألف اختار وانقاد فبدل أيضاً.
وظاهر النظم والخلاصة وغيرهما اختصاص ذلك بالمعتل الذي على وزن افتعل أو انفعل، وبه صرح أي=بو يحيى وصاحب تحقيق المقال، وصاحل فتح الأقفال وغيرهما، وصرح به ابن هشام في التوضيح، والسيوطي وغيرهما من شراح الخلاصة وغيرهم، وليس كذلك، فإن المضاعف الذي على وزن افتعل نحو اشتد وانفعل نحو انهلّ بالتشديد مثل المعتل في جواز الأوجه الثلاثة اخلاص الضم وهو الأفصح فيه نحو: اشتد وانهل بضم ما قبل العين وهو التاء في الأول والهاء في الثاني، والعين هي الدال واللام المدغمتان، وإخلاص الكسر نحو: اشتد وانهل بكسر الهاء والتاء، والإشمام، وانظر هل الإشمام أولى من اخلاص الكسر أو بالعكس، أو مستويان احتمالات نص على جواز الأوجه الشاطبي أبو اسحاق صاحب حرز الأماني.
وإنما قلت ظاهر النظم والخلاصة الاختصاص بالمعتل للتمثيل بالمعتل فقط، وقد يقال: مراده فيهما باختار وانقاد افنعل وانفعل المعلي اللام، وافتعل وانفعل المضاعفين، واتمثيل لا يخصص.
وقد يقال: مراده في الخلاصة بنحو حب المضاعف من الثلاثي والمضاعف من افتعل وانفعل، لكنه ضعيف لأنه لا دليل على خصوص افنعل وانفعل بعد الثلاثي المضاعف بين سائر المضعفات، وظاهر النظم والخلاصة لزوم ضم الهمزة في نحو: اختير وانقيد، واختور وانقود، لأنه لم يتكلم عليها فيحكم عليها بحكم قوله: فائت به مضموم الأول، وقوله: وأول الفعل اضممن، ونص الشاطبي على أن الهمزة تابعة لما قبل العين إن ضم ضمت، وإن كسر كسرت، وإن أشم أشمت، ونص عليه الناظم في بعض كتبه أيضا. (2/102)
صفحة 351
وقال ابن أبي الربيع: تضم الهمزة مطلقاً لأن الكسر في الإشمام عارض وقياساً في حال كسر ما قبل العين على ضمها في نحو: أغزى أمراً للمخاطبة، وفيه أن أغزى يجوز فيه الإشمام أيضاً، وفرق ابن الضائع بأن هذه حالة غارضة بخلاف اختير ونحوه، قال ذلك صار أصلاً غي المعتل ملتزماً، وبأن الكسر في أغزى الضمير المتصل، وهو معرض للانفصال وهنا الأمر عارض في نفس الفعل لازم له لا لشيء منفصل، نص عليه السيوطي.
وهكذا يقال في المضاعف على وزن افتعل أو انفعل، وأنكر خطاب الإشمام، وإخلاص الضم في افتعل وانفعل نحو: اختار وانقاد، وأوجب إخلاص الكسر والقلب ياء فيقال: اختير وانقيد، وأنكر أبو الحكم الحسن بن عذرة وطائفة من متأخري المغاربة في ذلك إخلاص الضم، وأجاز الإشمام وإخلاص الكسر، والمشهور جواز الأوجه في باب اختار وانقاد، وهو قول ابن عصفور والآبدي والناظم.
قال أثير الدين، أعني أبا حيان، وهو لقب لقبته به المشارقة: دوننا معشر المغاربة، قال أبو الحكم يعني الحسن ابن عذرة: من الناس من ذهب إلى أن الإشمام إنما يتصور في الوقف دون الوصل، إذ معناه ضم الشفتين من غير صوت الناطق بهذه الكسرة إلى صوت الضمة، فتبطل حقيقة الإشمام، ومن القراء من زعم إمكانه أولاً من غير أن يتغير لفظ الكسرة كالإشمام في الوقف، ولا تتغير الكسرة، وهذا ليس في قوة البشر، ولو تكلفت ذلك لم تستطعه.
وكان ابن عصفور يقول: لعل هذا المذكور يهيئ شفتيه للنطق بالضمة قبل النطق بالحرف، ثم ينطق به فيكون الاشمام في غير الأواخر عكس ما هو في الأواخر. (2/103)
صفحة 352
وقال الإمام الأندلسي الشلوبين: زعم أبو عمر والداني أن الإشمام هنا بمعنى الاختلاط، وأنه لابد من سماعه ومحال أن يكون الإشمام في مثل هذا كالإشمام في الوقف يريد غير مسموع، وقال: أنه يطوع بالنطق به لسان، وكان شيخنا أبو عمروا بن الطفيل المقري يتقنه ويشم الحرف الموصول من غير أن يسمع إشمامه، وقد سمعت يورده غير مرة، ولا يسمع لإشمامه صوت أصلا أهـ.
والمشهور المأخوذ به المعول عليه في الإشمام: أن ينطق بجزء الضمة أولا، ثم بجزء الكسرة، وهو أكثر وإنما يشم الضم إشماماً، ولهذا يسمى روما، وقيل إن جزء الكسرة مقدم، وفيه ما لا يخفي من التشويه والقبح، وقيل: إنه ضم الشفتين من غير عمل، ثم ينطق بكسرة، وهذا الإشمام حقيقة كإشمام الوقف.
قال أبو عمر والداني في إيجاز البيان: واعلم أن حركة الحرف المشم ضماً عند أهل التحقيق والتحصيل من النحويين، حركة بين حركتين، بين الضمة والكسرة، جئ بها كذلك لتدل على الأصل من الحركتين حركة الفاء التي كانت مضمومة، وحركة العين التي كانت مكسورة، وكذلك عندهم الفتحة الممالة حركة بين الحركتين، بين الفتحة والكسرة.
وكذلك الألف الممالة حرف بين حرفين، بين الألف والياء، والعبارة عما تقدم بالإشمام عبارة صحيحة، وقد دخل بها وهم على قول من المتحلين لمذاهب القراء، وعلى جملة من النحويين، فزعموا أن حقيقة الإشمام فيها تقدم هي أن يكسر أول الفعل كسراً خالصاً، ثم يشار مع ذلك بالشفتين إلى الضمة الدالة على أن الأصل فعل بالبناء للمفعول، إذ الإشمام لا يكون إلا إشارة بالعضو. (2/104)
صفحة 353
قال: وجائز أن يشار إلى تلك الضمة بعد الكسر، وقيل اللفظ بها، فخلطوا بها تخليطاً، خرجوا به عن جملة من بصغي إلى قوله، ويصار إلى مذهبه، إذ كان ما حقوه من حقيقة ذلك خطأ بيناً، وغلطا فاحشاً، ونحن نذكر من الدلالة على خطئهم وغلطهم، وصحة ما ذهبنا إليه من قول العلماء النحويين وأهل اللغة إذا كان القراء متفقين على ذلك ما يتضح به للناظر وجه الصواب في ذلك إن شاء الله.
اعلم أن العبارة عن ذلك من قول العلماء، قد وردت بأربعة ألفاظ بالضم والروم والإشمام والإمالة، وكلها على اختلاف ألفاظها دالة على ما حكيناه من حقيقة الإشمام قبل، فأما المعبرون عنه بالرفع أو بالضم فعلمة أئمة القراء من المصنفين وغيرهم، عبروا بذلك عنه كما عبروا عن المال بالكسر لما حدث في المشم من الضم، وفي الممال من الكسر تقريبا ومجازاً واتساعاً، وأما المعبرون عنه بالإشمام فعامة النحويين، وطوائف من القراء المتأخرين دعاهم إلى العبارة عن ذلك بذلك أن يبنيوا أن كسرة أول الفعل غير خالصة، وإنما هي مشربة ضما، وأما المعبرون عنه بالروم الذي هو محاولة تناول الشئ، وإتما الصوت به، ولا يوصل إلى اتمام الضم أو الكسر فغير واحد من رؤسا النحويين الموثوق بعلمهم، منهم أبو حاتم سهل بن محمد.
قال في كتاب القراءات من تصنيف عند ذكراختلاف القراء في قوله: (ولو ردُوا) في الضم والكسر، وقال بعضهم يُقرأ بين الضم والكسر على الروم تقول: ردت وردوا، فذلك ثقيل شديد في اللفظ، وهو نحو من الروم في قيل وغيض وسيئت.
وقال إبراهيم ابن السري الزجاج في كتاب المعاني له عند ذكره قيل وأخواتها: تروم الضم في أول الحرف، ثم قال: وإن شئت قلت: غيض وسيق، تروم في أول ما لم يسم فاعله، وأما المعبرون عنه بالإمالة وتشبيههم إياه بها من حيث اشتركا في الشوب، ولم تكن الخركة المشمة ضمة محضة، فأبو عثمان المازني وسيبويه، وجماعة إليهما من النحويين. (2/105)
صفحة 354
فأما المازني فقال في كتابه: وبعض العرب يشم موضع الفاء إلى الضمة ارادة أن يبين أنه فعل فيقال: إنه قد خيف وقيل فهذا إشمام، وليس بالضم الخالص، لأنه محال قال: وبعض العرب يخلص الضمة، ويجعل العين تابعة للفاء.
وأما سيبويه قال في متابه بعد أن قدم صدراً من الباب: وإذا قلت فعُل أو فعُلن أو فعُلنا من هذه الأشياء ففيها لغات أما من قال: قد بيع وخيف وهيب فيقول: بعنا وخفنا وهبنا، وخفن وبعن وهبن، يدع الكسرة على حالها، ويحذف الياء لأنه التقاء ساكنان، وأما من ضم بإشمام فإذا قال: فعل فإنه قول: إذا قال فعل بالبناء للمفعول قد بعن ورعن، فيميل الفاء ليعلم أن الياء قد حذفت بعد فضم، وأمال كما ضموا وبعدها الياء يعني قيل ونظائره.
قال: لأنه أبين لفعل بالبناء للمفعول، وهذا من سيبويه كلام مفسر لحقيقة الإشمام أنه كما قلنا، وذلك بخلاف ما زعمه مخالفونا من أن حقيقة أن يكون أوله مكسوراً محضاً، ثم يشار إلى الضمة بالعضُو، ألا تراه قال: وأما من ضم بإشمام، وقوله أيضا: فضم وأمال، وقوله: كما وضموا وبعدها الياء فأطلق الضم على فاء الفعل في الموضع الثلاثة، ثم بين حقيقته بقوله: بإشمام، وبقوله: أمال يريد بذلك أن الضم ليس بخالص، وإنما هو إنالة الحرف منه شيئا كالإمالة سواء ولم يقل كسر ثم اشم، ولا كسر ثم أشار إذ ذاك يلزم أن يقوله على ما ينتحله من تقدم.
وكذلك قول المازني، وليس بالضم الخالص لأنه ممال فيه من الدلالة ما في قول سيبويه، ولعل غبياً يقول: إنه أراد بقوله: ليس بالضم الخالص الإشارة بالعضو بعد الكسر، فذلك لم يرد لسقوطه بالإجماع، إذ لوكان ذلك لجاز أن يحرك حرف بحركتين: إحداهما خالصة، والثانية غير خالصة، وذلك غير جائز في القياس، ولا يمكن في الفطرة. (2/106)
صفحة 355
ومن الدلالة على بطلان ما حكاه مخالفونا من أن حقيقة الإشمام أن يكسر أول الحرف، ثم يشار بالعضو إلى ضمة مقدرة فيه أن ذلك إذا كان كذلك وجب أن يستعمل للنطق على تلك الهيئة عضوان: اللسان والشفتان، لأن الكسرة من الياء، ومخرج الياء من بين وسط اللسان والحنك الأعلى، والضمة من الواو بين الشفتين، وهما عضوا الإشمام، ومحال أن يطوع اسان بجمعهما على حرف واحد كما محال أن يحرك حرف بحركتين.
فإذا كان ذلك كذلك فقد بطل ما حكوه بالإجماع، فأما قول من أجاز منهم الإشارة بالعضو قبل اللفظ بالحرف المشم، فقول فاسد لم يقل به أحد، ولا له وجه وهو أيضاً عندنا ساقط بالإجماع من جهتين.
إحداهما: أن العرب إنما تأتى بالإشارة دلالة على كيفية الحركة التي ذهبت عن السامع حقيقتها بذهابها قبل طلب البيان، هذا قول النحويين أجمعين، وأما أن يشار إلى حركة حرف مقدرة فيه قبل اللفظ بذلك، فغير جائز ولا مسموع إذا كان غير ملفوظ به بعد.
والجهة الثانية: أنه قد يتمكن ويجوز أن يوقف على ما قبل ذلك الحرف المشار إلى حركته لانفصاله منه، وإذا تمكن ذلك وجاز وجب أن يكون اللفظ بذلك أول ما يأخذ فيه قبل اللفظ بالحرف المتحرك إعمال العضو وتهيئته، فيضم شفتيه أولا، ثم يأتي الكسرة، وهذا لم يسمع بمثله قط، ولا حكاه حاك، وسطر في كتاب.
نعوذ بالله من جهل يؤدي القول بمثل هذا، ونسأل الله أن يساك بنى طريق من مضى من سلفنا آمين رب العالمين أ هـ كلام أي عمرو الداني في إيجاز البيان.
قال صاحب تحقيق المقال: واعلم أن هذا كله فيه تعريض بالشيخ أبي محمد مكي، فإنه ممن أجاز أن يكون الإشمام قبل اللفظ بالحرف ورأى ذلك جيداً حسناً في المنفصل نحو: سيئ وسيئت لا في المتصل نحو: (وحيل بينهم) ، (وقيل يا أرض). (2/107)
صفحة 356
ووجه الفرق أن الاشمام إذا كان قبل التلفظ بالحرف كان اشماماً حقيقة لا يسمع لا روماً فيتأتى في المنفصل، لأن ذلك ابتداء بضم العضوين، وهو بعد ساكت لم يشرع في الكلام وأما في المتصل فإنه يكون ذلك، وقد سرع في الكلام فيكون ضم العضوين قبل الحرف، ولا يتأتى مع سكوت تام، وإنما يتأتى منه شيء ما، فلم يحسن لذلك، وإذا كان الموجب للإشمام التنبيه على حركة المشم فكما يحصل بالنطق ببعضهما، يحصل بالإشارة بالعضو، مع أنه على هذا إشمام حقيقة، وعلى ما يقوله الحافظ مجاز وقوله: في حقيقة حركة بين الضمة والكسرة ظاهره أن ذلك على سبيل الشيوع، وعدم الأمتياز، لأنه جعلها ممتزجة منهما كما كان ذلك في الفتحة والألف الممالة، حيث كانت حرفا بين حرفين، وهو خلاف مادل عليه كلام سيبويه وغيره، فمن نقل عنه أنه ضم مشم.
والصواب أن ذلك على سبيل الإبراز والقسمة والامتياز، بحيث يكون جزء الضمة مقدماً أقل من جزء الكسرة ولو لم يكن جزئ الضمة كما وصفنا لم توجد الياء، ولم تتميز ولم تخلص، ولما كانت ياء خالصة، وما رود به على من مذهب إلى أن حقيقته أن يكسر أول الحرف، ثم يشار بالعفو إلى ضمة مقدرة فيه من أنه كان وذلك وجب يستعمل للنطق به على تلك الهيئة عضوان، ليس فيه إحالة بل هو انتقال من الكسرة إلى ضم العضو من غير نطق، نعم فيه تكلف، لأنه من نوع الانتقال من تسفل إلى تصعِّد، وإذا أردت الإشمام عني الوجه المشهور المعروف المختار فضم شفتيك قبل النطق بالكسرة، فتجد صوت الكسرة خارجاً مشوباً بشيء من لفظ الضمة من غير اننها إلى الضم الخالص، ويصحب الياء التي بعد هذه الكسرة شيء مَّا من صوت الواو، ولا بد من هذه لحالة أن يكون الغالب في النطق لفظ الكسرة، ولفظ الياء، والله أعلم. (2/108)
صفحة 357
تنبيه: في ذوات الياء على لغة إخلاص الكسر عملان: حذف حركة الفاء وهي الضمة، ونقل حركة العين إليها وهي الكسرة، نحو: بيع واختير، وكذا على لغة الإشمام غير أن فيه بعض زيادة على العملين من حيث الإشمام، فإن حركة الإشمام فيها بعض زيادة على الخالصة، وعلى لغة إخلاص الضم أيضاً عملان: حذف حركة العين وهي الكسرة، وقلب الياء واواً نحو: بوع واختور، في ذوات الواو على لغة إخلاص الكسر ثلاث إعمالات: نقل حركة العين وهي الكسرة، وحذف حركة الفاء وهي الضمة، وقلب الواو ياء.
وإن قلنا: إن حركة العين محذوفة لا منقولة كانت أربعه حذف حركة العين، وحذف حركة الفاء وتحريكها بكسرة من خارج، وقلب الواو وكذا في لغة الإشمام ثلاثة أو أربعة: إلا أن حركة الإشمام فيها بعض زيادة كما مر نحو: قيل وانقيد: و على الضم عمل واحد وهو حذف حركة العين، وهي الكسرة: قول وانقود: هذا ما ظهر لي وهو حق إن شاء الله.
تتمة: احترز الناظم بقوله نحو: اختار وانقاد، عن نحو: استعين واستقيم واستقيد من السداسي، وظابط نحو اختار وانقاد من الخماسي المعل العين ما تصل فيه الضم بالعين إذا نطق به مبنية للمفعول على أصل المبنى للمفعول، كأن يقال: اختير بضم التاء وكسر الياء وأما نحو: استعين واستقيم، واستقيد واستفيد، لا يجوز فيه الإشمام، لأن الإشمام موجبه الأعلام بأن المكسور أصله الضم، واستعين نحوه ليس أصل ما قبل العين فيه الضم، بل السكون، وإنما كسر لنقل كسرة عين الكلمة إليه، وعين الكلمة ياء في نحو: استعين، بل الواو المبدلة ياء، وفي إستبيع نفس الياء فتعين الضم، وأجاز بعضهم في ذلك أيضاً إخلاص الكسر نحو: استعين بالله بكسر التاء، والله أعلم. (2/109)
صفحة 358
الإعراب: الواو لعطف جملة اجعل على إحدى الجمل قبلها مما يمكن عطفها عليها على حد ما مرّ، أو للاستئناف، ما اسم موصول مفعول مقدم للوزن لاجعل واقعة لا على الكسر، أو نكرة موصوفة واقعة على الكسر والضم والإشمام على مرّ بيانه، أو موصولة كذلك إذا جعلنا ثبوت ذلك لباع ونحوه معهوداً مشهوراً ولفاً بالقصر ضرورة على التحقيق متعاق بفعل محذوف مستتر الفاعل هو وفاعله صلة ما أو صفتها، أو بوصف محذوف صفة ما.
ونحو مضاف إليه فا وباع مضاف إليه نحو: واجعل فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، ولثالث متعلق بمحذوف مفعول ثان لا جعل، أو باجعل بمعنى أثبت، ونحو مضاف إليه ثالث، وجاءه آخر الشطر الأول وواو أو الشطر الثاني، واختار مضاف إليه نحو وانقاد معطوف على اختار وهما اسمان مراد بهما لفظا هما وكاختير الذي فضلا متعلق بمحذوف وجوباً خبر لمحذوف جواز، أي وذلك كاختير أو غير
ذلك ما مر في مثله، والأصل اختير ماض مبني للمفعول.
والذي نائب، وفضل ماض مستتر الفاعل جوازاً، والجملة صلة الذي والرابط الفاعل والضاد مفتوحة، وتكسر في المضارع أو مكسورة وتفتح في المضارع، وأما الكسر في الماضي والضم في المضارع فلغة مركبة هذا هو الأنسب للاختيار، أي اختير الذي غلب غيره في الفضل، ويمكن كون فضلا مضموم الفاء مكسور الضاد مبنيا للمفعول، مستتراً لنائب جواز، والجملة صلة والعائد النائب والسلام.
فصل
في فعل الأمر
أي هذا فصل في أحكام فعل الأمر وإعرابه كإعراب مثله، وجمهور البصريين والنحاة أن فعل الأمر أصل بنفسه مبني على ما يجزم به مضارعه، كما تقرر في النحو. (2/110)
صفحة 359
وقال الكفيون والأخفش: إن أصله المضارع المجزوم بلام الأمر، وأنه معرب ما لم تتصل به نون التوكيد، أو نون الإناث، وأنه بعض المضارع المجزوم بلام الأمر، حذفت لا الأمر لتخفيف لكثرة الاستعمال، أعني في مطلق الأمر، فلا يرد أن بعض الصيغ يقل استعمالها، فكان القياس أن لا تحذفت فيه، وذلك أنهم أرادوا إجراء الباب على سنن واحد، وتبعها في الحذف حرف المضارعة الذي هو تاء الخطاب خوف الالتباس بالمضارع الموقوف عليه، الخبري الصحيح العين واللام، وحمل المعتل العين أو اللام.
والصحيح في الوصل عليه، لو لم يكن إلباس لأن المعتل كقسم وأرم لو ثبت حرف المضارعة فيه لم يلتبس بالضارع، لأنه يقال: تقم وترم بحذف عين الأول، ولام الثاني ولو كانا مضارعين موقوفاً عليها لقيل تقوم وترمى بإثبات العين، وهي الواو واللام هو الياء، ولو سكنت الميم في الأول، لأن الوقف لا يحذف فيه الساكن لسكون الوقف مطلقاً، بل في مواضع الصحيح في الوصل الفارق رفعه.
قال ابن هشام في المغنى: وبقولهم أقول، لأن الأمر معنى أى نسبى بين الآمر والمأمور، فلا يستقل بالمفهومية فحقه أن يؤدي بالحرف، ولأنه أخو النهى أي نظيره في مطلق الطلب، وأن كان الأمر طلب ترك، ولم يدل على النهى إلا بحرف، وهو لا.
فكذلك لا يدل على الأمر إلا بالحرف، وهو لام الأمر مذكورة أو محذوفة، ولأن الفعل إنما وضع لتقيد الحدث بالزمان المحصل، وكونه أمراً أخيراً خارج عن مقصوده، ولأنهم قد نطقوا بلام الأمر مع المضارع المبدوء تاء الخطاب كقوله:
* لتقت أنت يا بن خير قريش * (2/111)
صفحة 360
وقرئ: (فبذك فلتفرحوا) بالتاء المثناة فوق، وفي الحديث: ((لتأخذوا مصافكم)) وغير ذلك فأصل الأمر هو ذلك المضارع المبدوء باللام والأنك تقول: اغز واحش وارم بحذف حرف العلة، واضربا واضربوا واضربي بمحذف النون، كما تفعل بالمضارع المجزوم، والبناء لم يعهد كونه بالحذف، ولأن المحققين على أن أفعال الإنشاء مجردة عن الزمان كبعت وأقسمت وقبلت وأجابوا عن كونها مع ذلك أفعالا بأن تجردها عارض لها عند نقلها عن الخبر ولا يمكنهم ادعاء ذلك في نحو: قم لأنه ليس له حالة غير هذه، فتشكل فعليته، وإذا أدعى أن صله لتقم كان الدال عليه اللام لا الفعل أ هـ .
قلت: يرده إن حذف الجازم والغاء عمله ضعيف كحذف الجار فلا يعمل مضمراً، كما لا يعمل الجار مضمراً قال له السعدي أي كما لا يعمل الجار مضمراً دون عرض ودو تدور، ولهم منع ذلك في لام الأمر كذا قال البليدي : وكذا لهم أن يقيسوه على أن الشرطية تعمل محذوفة في جواب الطلب عند الجمهور، ويرده أن هذا القرينة الطلب، وقصد الجزاء، كأنها لم تحذف، بخلاف لام الأمر، وأنه ليس كل معنى يؤدى بالحرف، فإن المعنى والاستقبال معنيان أدّ يا بغير الحرف، كما أديا بالحرف، وأن الأمر الذي هو أو النهى ما كان معنى غير مسنقل كما هو معنى الحرف.
وأما الأمر الذي هو مدلول فعل أمر، فمعنى مستقل لكونه مع الحدث، وأن مقتضى قوله: ولأن الفعل إنما وضع إلخ أن لا يكون الفعل موضوعا للدلالة على الحدث وزمانه، وهو باطل، وأن أفعال الإنشاء كما قال الدماميني إنما قلنا بتجردها عن الزمان، من حيث إنشائية، وليست هذه الحيثية هي جهة كونه فعلا، بل فعيلته باعتبار دلالته على الحدث المطلوب من المخاطب، وعلى زمان ذلك الحدث وهو المستقبل، فقد ثبت كونه فعلا لدلالته بحسب الوضع على الحدث وزمانه، وإن كان لا دلالة له على الزمان من حيث كونه إنشاء. (2/112)
صفحة 361
وكذا إذا قلنا: أن الانشاء لا بد له من زمان حالي،كما ذهب إليه بعضهم في سائر الانشاءات، لم يشكل الأمر لأنا نقول له فان زمان إيقاعه من المتكلم، وهو زمانه من حيث هو إنشاء وهو الحال، وزمن حدثه المستند إلى المخاطب وهو زمانه من حيث هي فعلا (وح) فالإنشاء نوعان: إنشاء حدثه مسندا إلى غير المخاطب كبعث، وهذا حالي فقط، وليس الاحال من دلالة من ضرورة ووقوعه، وإنشاء حدثه مسندا إلى المخاطب وهو الأمر المدلول عليه بالصيغة، وهذا واقع في الاحال من حيث هو إنشاء.
وأما من حيث إسناد حدثه إلى المخاطب المأمور فهو مستقبل، ولا شك أنه فعل بهذا الاعتبار، وأما إجراء الأمر على طريقة المضارع المجزوم في حذف الحركة والحرف والنون نحو: قم واغز واضربوا وكون حركاته كحركات المضارع، وسكانته كسكناته، حتى أن لا يخالفه إلا بحذف حرف المضارعة، ولا يخالف المضارع المجرد من الجازم إلا في حذف حرفها وإعطائه حكم المضارع المجزوم، فلا يدل على إعرابه، بل الإجراء لكون الحركة والنون وثبوت الحرف وعلامات الإعراب، وبقاءها ينافي البناء فحذف ذلك للمننافاة، ولذا لم تحذف نون الإناث، لأنها ليست علامة إعراب فلا منافاة بينها وبين البناء.
قال ابن قاسم: في المنافاة بحث لأن الحركات أعم من علامات الإعراب بدليل أنها تكون بناء أيضاً إلا أن يراد التي في المضارع بدليل أن الأمر يؤخذ منه.
قلت: لا شك أن المراد التي في المضارع قيل، ويرد مذهب الكوفيين أيضا أن الكسائي إمامهم يقول: حرف المضارعة الإعراب الذي هو الرفع وقد انتفى في الأمر فينتفى الاعراب. (2/113)
صفحة 362
قلت: أنه لو حذفت لكنه مقدر فيعتمدون على التقدير كما يجوز عمل أكثر العوامل محذوفة إلا أن قيل: إنه من جملة الصيغة فلا يقدر إلا أن يمنع أنه من جملتها عنده أو عدم تقديره، ورجح المرضى مذهب الكوفيين بأنه القياس، لأن القياس الأمر أن يكون مجزوماً باللام كأمر الغائب حذفت اللام مع حرف المضارعة لكثرة الاستعمال، وبمجيئه مع اللام في الشعر نحو:
*لتقم أنت يابن خير قريش*
أي وفي قليل من الكلام وبالجمل على لا الناهية، فإنها تعمل في المخاطب كما تعمل في الغائب، ومذهب الجمهور بناء.
قال ابن هشام في التوضيح ما يجزم به مضارعه من حذف حركة أو حرف علة أو نون.
قلت: كما لابن قاسم |أنه لا يظهر في أمر جمع المؤنث، فإنه يبني على السكون صحيحا كان معتلا، ومضارعه ليس مجزوماً لبنائه، وكونه في محل جزم بالسكون بعد خصوصاً في المعتل وملاحظته مجرداً على نون الإناث من بعده لا يصح في المعتل، وظاهر الرضي أنه لايبني على الحذف حيث يقال المبصريون أمر المخاطب مبنى على السكون، إن أن جعل آخره كآخر المجزوم في حذف الحركة، وحذف حركة العلة والنون، لأنه قياسه أن يكون مجزوما باللام كأمر الغائب، لكن حذفت اللام مع حرف الاستعمال لكثر الاستعمال، فزالت علة الإعراب أي الموازنة، فرجع إلى أصله من البناء وبقى آخره محذوفاً للوقف كما كان في لأصل محذوفاً لجزم أ هـ.
وهو صريح في أن بناءه أصلى لا لتضمنه معنى لام الأمر كما أعربه الكوفيون، ولم يقولوا إنه مبنى لتضمنه معنى لام الأمر، لأنها عندهم مقدرة هي المفيدة للأمر حقيقة.
قال صاحب التحقيق: الكلام على الأمر هل مبنى مرتجل، أو معرب مجزوم مقتطع في المضارع شهير أ هـ. (2/114)
صفحة 363
واعلم أن الأمر للاستقبال، وما ظاهره الأمر بالحاصل أول نحو: يا من قام قم أي دم على القيام، أو قم قياما حقيقاً وهو الاستقبال، وإن قرن بدليل الحال مثل لفظ الآن، وقد استشكل بعضهم ذلك بأن قال: كيف لا يكون للحال إذا وجدت قرينة الحال مثل الآن، كما يكون المضارع بها للحال، ولا يقال: أن الأمر موضوع للاستقبال فلا تؤثر فيه قرينة الحال، لأنه كثيراً جداً ما يوضع الشىء لشىء، ويصرف عنه لقرينة.
وقد في المضارع أنه موضوع للاستقبال ويصرفه عنه لفظ الآن ونحوه للحال، ولم ونحوها الماضي، وقد قيل: إنهم مبهم، وتعينه قرينة الاستقبال أو الحال، ولا يقال زمان الحال يضيق عن معنى الأمر الذي هو الحدث، لأن مرادهم أعنى النحاة، بالحال ما هو أوسع من ذلك، كما نص عليه كثير قال تعالى: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) وقول الشاعر:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عمى
فالقائل قم قد يريد الزمان المتصل بأمره، فالحال أجزاء من أواخر الماضي، وأوائل المستقبل، ولذلك رد على الزجاج في استدلاله على استقبال المضارع بقصر الحال عن معناه، حتى أنه ليكفي النطق بحرف قل أو أكثر، وليس كذلك، فإن الحال ليس الآن الفاصل بين الماضي والمستقبل، بل للماضي غير المنقطع، فمحل إيقاع الفعل الزمان المتصل بالنطق بالصيغة، وهو معنى الفور عند من قال به، ولذلك جعل أبو بكر القاضي للصيغة زمن النطق، ثم زمن التدبر، ثم زمن الامتثال، وقال: لا تتم حقيقة الأمر إلا بذلك، قيل: ولا يقال مع أن للأمر خروجاً عن الحال على ما ذكر كيف الحال إن قلنا الفعل إما ماض وإما مضارع، والأمر بعضه فأين فصله المميزله. (2/115)
صفحة 364
وقد قال بعضهم: الحال حقيقي ومجازي، والحقيقي الآن الفاعل بين الماضي والمستقبل، والمجازي ما اتسع فيه اللغة، فكيف يدعى فيه مثل هذا، وإذا كانوا يقربون المستقبل للحال، ويقربون الماضي نحو: سأسعى الآن على ما بسطته في النحو، والآن جئت، والآن حصص الحق، فكيف يمنع الأمر، وقالوا: المضارع يخرج في أقسم بالله للحال والإنشاء وباب الأمر مثله.
وأجيب عن الاستشكال بأن الأمر إنشاء عند ابن الحاجب والجماعة، خلافاً اظاهر التسهيل، والانشاء إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود: كما قال في شرح التسهيل، وبه قال الطبلاوي، وكثير، فالأمر إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود، وهذه القضية تستلزم أن الأمر لفظ فعل يقارن معناه في الوجود، وكل لفظ فعل كذلك فهو حال عند النحاة، فالأمر حال عندهم، لمن هذا خلفلما تقرر عندهم من تقسيم الأفعال، فالنزاع لفظي.
وأقول:الحق أن معنى الأمر طلب لا إنشاء، وأن تقسيمهم لا يكون به ذلك الدليل خلفا، وأن الأمر مستقبل أبداً باعتبار الحدث المأمور بإيقاعه، لأن المقصود به حصول غير الحاصل من أصل الحدث أو دوامه، وتحصيل الحاصل مستحيل، أما باعتبار كونه إنشاء فله زماني بناء، على أن الإنشاء إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود، ولو كان كلامهم في الصيغة مع حدّ الإنشاء بما ذكر، لم يتوقفوا في أنها للحال، ولكان قام زيد حالا وإنشاء، لأن الإخبار بقيامه معز وهو الحكم يقيامه فيما مضى، وقع بلفظ قارنه في الوجود وهو لفظ قام، وكذا في المضارع، في نحو زيد قائم فإنك أوقعت الإخبار بالقيام حال النطق والقيام بنفسه، قابل، لأن يقع في الماضي أو الحال أو الاستقبال، وما ذكره المجيب أولا ليس محل النزاع، لأنه كلام في صيغة أفعل، وما اقتضت من الطلب إلا في حدثها. (2/116)
صفحة 365
وحقيقة الأمر ما دل على الطلب بصيغته، وقبل نون التوكيد، وخرج المضارع المقرون بلام الأمر، فإنه لا يدل على الطلب بصيغته، بل اللام، ولذاك يسنى الأمر بالصيغة قاله السعد، وهو مراد النحويين بالأمر وهو المراد أيضا بالأمر في النظم، وسماه السعد أمر الحاظر، كأن أمر الحاضر عندهم صار مشهوراً عندهم في اللفظ الدال على الطلب، لا بواسطة اللام وإن كان قد يؤمر الحاظر باللام.
قال ابن الحاجب: الأمر صيغة يطلب بها الفعل من الفاعل المخاطب، بحذف حرف المضارعة.
قال الرضي: أخرج بالمخاطب المضارع المقرون بلام الأمر المبدوء بالياء أو بالهمزة أو بالنون.
قلت: وخرج بقيد الفاعل المبني للمفعول المبدوء بالتاء المقرون باللام، وخرج بحذف بحرف المضارعة نحو: لتقم، وظاهر تعبيره وتعبير غيره كابن جماعة بحذف بحذف حرف المضارعة أن أصله المضارع.
قال الرضي: ولو قال صيغة يصح طالب بها الفعل لشما ما يسمى أمراً، وما يسمى دعاء نحو: اغفرلنا، ما يسمى التماساً وهو الطلب من المساوئ بهذه الصيغة وما ليس لطلب بل للإباحة أو للتهديد ونحوهما، فإن ذلك كله عند النحاة أمر.
قلت: ولو قال قال صيغة يطلب بها الفعل بحذف حرف المضارعة لكفى،
وقال بعضهم: الأمر عند الصرفيين ما يعم ذلك ويعم المضارع المبني الفاعل أو للمفعول المقرون بلام الأمر للحاضر أو غيره، فيقال: الأمر صيغة يطلب الفعل مطلقاًَ، أو يصح أن يطلب، ومع هذا فإن هذا شامل الأسماء الأفعال الدالة على الطلب ونحوها.
هذا وإضافة الفعل إلى الأمر من إضافة العام إلى الخاص ايميزه.
قال صاحب التحقيق: وكان من حق الناظم أن يذكر الأمر بأثر المضارع، ولا يفصل بينهما بفعل المفعول، لأنه به أحق لا سيما على المذهب الكوفي، لكن لما اشترك الماضي و المضارع في أن كلاَّ منهما يصاغ للمفعول، ويقع موقع الاسم ذكر ما يشتركان فيه بأكثر ذكرهما. (2/117)
صفحة 366
وفائدة أخرى في تأخير الأمر عن المبني للمفعول إشارة إلى أنه لا يضارع له، والله أعلم.
من أفعَلَ الأمرُ أفعِلْ...
. . . . . .
أي الأمر المشتق من مصدر الفعل الرباعي المبدوء بهمزة قطع زائدة، الذي هو بوزن أفعل بفتح الهمزة والعين واللام وسكون الفاء، يكون على وزن أفعل بفتح همزة القطع، وسكون الفاء وكسر العين وسكون اللام نحو: أكرم وأعلم وأجلس، بقطع الهمزة مفتوحة وكسر ما قبل الآخر وسكون الآخر، ومنه أعط بفتح الهمزة وسكون العين وكسر الطاء، وحذفت الياء وهن مضارعات: أكرم وأعلم وأجلس بفتح ما عدا الحرف الثاني، فإنه ساكن وأعطى أصله أعطى تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً.
ومنه: أعد وأشد بفتح الهمزة وكسر ما بعدها وفتح الآخر وكسره مشدداً، الأصل أعدد وأشدد بفتح الهمزة وسكون العين والشين وكسر الدال الأولى وسكون الثانية، نقلت كسرة الدال لما قبلها، وأدغمت في الدال بعدها، وحركت الدال الثانية بالكسر اتباعاً للكسرة المذكورة، والساكن حاجز غين حصين، ولا سيما مدغماً أو فتحت للتخفيف والماضي أعد وأشد بفتح الكل إلاَّ المدغم فإنه ساكن، والأصل: أعدد وأشدد بفتح الكل ما عدا الحرف الثاني، فإنه شساكن نقلت إليه فتحة ما قبل الآخر، وأدغم في الآخر. (2/118)
صفحة 367
ومن ذلك أقم وأعن بفتح الهمزة وكسر القاف والعين وسكون الميم والنون، والأصل أقوم وأعون بفتح الهمزة وسكون الثاني والآخر وكسر الواو، نقلت كسرتها لما قبلها، فالتقى ساكنان فحذف الأول وهو الواو لأنه حرف علة دون الثاني، والماضي أقام وأعان، الأصل أقوم وأعون بفتح الكل ما عدا الثاني، فإنه ساكن نقلت إليه فتحة الواو، فقلبت ألفاً لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها في الحال، وكذا أبن بفتح الهمزة وكسر الباء وسكون النون أمراً أصله أبين بفتح الهمزة وسكون الباء والنون وكسر الياء بينهما، نقل كسرها لما قبلها، فحذفت لالتقاء الساكنين، والماضي أبان وأصله أبين بفتح الكل ما عدا الثاني، فإنه ساكن نقلت إليه فتحة الياء، وقلبت ألفاً لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن.
ومنه: آت بالمد أمر آتي بالمد، حذفت من آخر الياء أو أصل أتى بالمد أأتى بهمزتين مفتوحتين أبدلت الثانية ألفاً بعد سلب فتحها إلى غير ذلك.
ومن الصحيح: (رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) أمري أدخل وأخرج الرباعي بدليل فتح الهمزة وكسر الخاء في الأول والراء في الثاني، وبدليل ضم الميمين وفتح الخاء والراء في مخرج ومدخل مصدرين ميمين بمعنى الإدخال والإخراج، فالأمر في ذلك كله بوزن أفعل بفتح الهمزة وسكون الفاء وكسر العين وسكون اللام لفظاً كأدخل وأخرج المذكورين في الآية. (2/119)
صفحة 368
وأكرم وأعلم وأجلس، أو تقديراً كأعد وأشد، لأن الأصل اعدد واشدد، وينطق بهذا الأصل أيضاً، وأقم وأعن وأبن، لأن الأصل أقوم وأعون وأبين وأعط، فإنه ولو كان بوزن افع بحذف اللام لكن أصله أعطى بإثبات الياء بوزن افعل، وآت بالمد وكسر التاء مثله، والماضي في ذلك بوزن افعل بفتح ما عدا الفاء، فإنها ساكنة لفظاً كأدخل وأخرج وأعلم وأكرم وأجلس بالفتح لما عدا الحرف الثاني، أو تقديراً كأعد وأشد بالفتح لما عدا المدغم، لأن الأصل اعدد واشدد بالفتح لما عدا الثاني، وأقام وأعان وأبان، فإن الأصل أقوم وأعون وأبين بالفتح لما عداه أيضاً، وأعطى وآتى فإن الأصل أعطى وآتى بفتح الياء آخراً.
فالمراد بأفعل الأول والثاني في قوله: من افعل الأمر افعل ما كان على وزنهما لفظاً أو تقديراً، وقد يغير آخرهما ووسطهما باتصال الضمير نحو: أكرموا وأقيموا وأعطوا وأعدوا، وأكرمي وأقيمي وأعدي، بياء المخاطبة، وأكرما وأقيما وأعطيا أوامر، ونحو: أكرموا واقاموا وأعطوا وأعدوا، وأكرما وأقاما وأعطيها واعدا ماضيات، وشكل الأمر مطلقاً غير شكل الماضي، ولو تزافق بعضه لفظاً مثل فتح تلك الهمزة. (2/120)
صفحة 369
واعلم أن الهمزة في أفعل أمراً هي الهمزة في أفعل ماضياً حذفت في المضارع لما مر في بابه، ورجعت في الأمر ليقع الابتداء بها لتحركها دون ما بعدها، لسكونه لفظاً في نحو: أكرم، وتقديراً في نحو: أقم وأعد، لأنه يبتدأ بساكن كما مر بسطه، ورجوع بتلك الهمزة لوجودهما في الماضي أولى من جلب همزة وصل، لأن أصل تلك الهمزة التحريك مثل دال دحرج، وحاء حرجم، فلم يحتج لجلب همزة الوصل، وإنما فتحت الهمزة وكسرت العين، لأنه لو ضمت الهمزة مع كسر العين لالتبس بالماضي المبني للمفعول من الرباعي الموقوف عليه، أو بالمضارع المبني للفاعل من الرباعي الموقوف عليه، أو المجزوم حيث حذفت القرينة، وما لا لبس فيه يحمل على ما فيه اللبس نحو: أعطى، فإنه مختوم بالياء إذا كان مضارعاً غير مجزوم أو ماضياً مبنياً للمفعول مجرداً عنها إذا كان أمراً.
ولو فتحت العين والهمزة جميعا لالتبس بالماضي الرباعي المبني للفاعل، وبالمضارع الثلاثي المفتوح العين عند الوقف أو الجزم، ويحمل عليه ما لم يكن فيه لبس، ولو ضمت العين لثقلت الكلمة لثقل الضم في أواسط الرباعي، ولو كسرت الهمزة لالتبس بأمر الثلاثي، وما فيه قرينه يحمل على ما لم تكن فيه، ولو ضمت وفتحت العين لالتبس بالمضارع المبني للمفعول كذلك.
وظاهر قول صاحب فتح الأقفال في الكبير والصغير، أن الأمر أفعل الرباعي المزيد فيبه همزة القطع أفعل بهمزة قطع، وكسر العين أن همزة الأمر غير همزة الماضي، لأنه عرف همزة الماضي بأل، وأتى بعدها بهمزة الأمر نكرة، وليس كذلك، ومراده المغايرة جرياً على غير الغالب الذي هو أن النكرة بعد النكرة، أو بعد المعرفة غير تلك النكرة، أو المعفرة، ولا سيما أنه قد نصب قرينة على ذلك في الكبير إذا قال: ردوا في الأمر همزة القطع الزائدة في الماضي، بعد حذفها في المضارع. (2/121)
صفحة 370
بل قد ظهرت عندي في هذا المقام مسألة جديدة لم يسطرها عصام الدين ولا غيره، وهي أن النكرة بعد أخرى أو بعد المعرفة ليست نصاً في أنها مغايرة للنكرة قبلها أو للمعرفة، بل تحتمل المغايرة والمواقفة على عادة الإبهام في النكرة، ولو قالوا بخلافه.
الإعراب: من أفعل متعلق بالنسبة الخبرية المفهومة من قوله: الأمر أفعل، أعنى نسبة الخبر إلى المبتدأ أو متعلق بأعنى محذوفاً مقدراً قبله أو بعد قوله: الأمر، بناء على جواز تقديم المبيِّن بالكسر بالكسر على المبيِّن بالفتح، أو بمحذوف حال من أفعل الذي هو خبر، وجعله صاحب التحقيق حالا من الأمر.
قلت: يلزم عليه مجئ الحال من المبتدأ وهم ضعفوه، وجعله صاحب فتح الأقفال متعلقا بالأمر.
قلت: لا يصح لأن المراد بالأمر الصيغة فايس باقياً على المصدرية، وإنما يعلق به لو كان مصدراً دل على الحدث، إلا أن لو حضت دلالته على الحدث، ومع هذا إنما يعلق به أجرتا تقديم معمول المصدر عليه مطاقاً، أو إن لم ينحل إلى حرف المصدر والفعل، ويسهل تقديمه هنا أنه ظرف، وأنه في الضرورة.
والأمر مبتدأ، وأفعل خبره، وأل فيه للجنس، ولهذا قال صاحب تحقيق المقال: إن قوله، من أفعل صفة تقدم عليه فانتصب على الحال أ هـ.
لأن المقرون بأل الجنسية يوصف بالجملة وشبهها كالنكرة، أو قال ذلك بناء على ما أجازه كثير من المتأخرين من جعل الجملة وشبها بعد المعرفة مطلقاً نعتاً مقدرة باسم معرف، ومعلقا شبهها باسم معرف محذوف وأوعزه لسواه.
... كالمضارع ذي الـ
ـجزم الذي اختزلا
أوله . . . . . .
. . . . . .
أي وانسب الأمر لغير أفعل بفتح الهمزة والعين واللام، وسكون الفاء حال كونه كالمضارع المجزوم الذي اقتطع أوله، وحذف أفعل هذا فقط يكن الأمر إن لم يكن ثاني المضارع ساكناً، فإن كانت عين المضارع مفتوحة فتحت في الأمر، أو مكسورة كسرت فيه، أو مضمومة ضمت فيه. (2/122)
صفحة 371
وإن كان صحيحاً سكن آخره، أو معتلاً حذف حرف العلة، أو متصلاً بولو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة جرد من النون نحو: قم وبع وخف ودحرج وتعلم وتغافل، والمضارع المجزوم: تقم وتبع وتخف وتدحرج وتعلم وتغافل، ونحو: عد ومضارعه المجزوم تعد بالسكون، ونحو: طل ومضارعه المجزوم تطل، والحاصل أن الأمر الذي مضارعه محرك الثاني مثل مضارعه المجزوم بلا فرق، سواء أنه يسقط حرف المضارعة كما أشار إليه بقوله: كالمضارع ذي الجزم الذي اختزلا أوله، أي اختزل بحسب صورة الحال، وإلاَّ فالمضارع لا يختزل أوله إلاَّ إذا بدئ بالتاء، وأول ماضيه تاء زائدة معتادة، فيجوز اختزاله على ما مرَّ.
وأما أن كان ثاني المضارع ساكناً فكذلك ألا أنه يزاد همزة الوصل منكسرة أن انكسرت العين أو افتحت تتصل بذلك الساكن، لئلا يبتدأ بالساكن، لأنه الإبتداء به ثقيل ، وقيل: محال وهو الصحيح، لا يمكن في العربية وإن يمكن في غيرها كالفارسية وبذلك أشار بقوله:
... وبهمزة الوصل منكسراً
صل ساكناً كان بالمحذوف متصلا
أي واجعل الساكن المتصل بالمحذوف، وهو حرف المضارعة وهو الذي أول المضارع متصلا بهمزة الوصل، حال كونه منكسراً فالأمر يضرب من اضرب بزيادة همزة الوصل منكسرة، متصلة بالساكن الذي هو الضاد، المتصلة بحرف المضارعة المحذوف، والأمر من يعلم اعلم، ومن يذهب اذهب، ومن ينطلق انطلق، ومن يستخرج استخرج كذلك، وذلك إذا كانت العين مفتوحة أو مكسورة لفظا أو تقديراً مثال الفتح لفظاً: اعلم، ومثاله تقدير، ارضوا، ومثل الكسر لفظا: اضرب، ومثاله تقديرا، امشوا، أصله امشيوا، بكسر الشين. (2/123)
صفحة 372
وأما إن كانت مضمومة ضمة لازمة أصلية، فالهمزة يضم إليه كما أشار إليه بقوله: والهمز قبل لزوم الضم ضم، أي وضم الهمز إذا كان قبل حرف مضموم ضما لازما، وهو عين الكلمة، أي سابقا لذلك الحرف، فلا ينافي أن الساكن فاصل بينهما، ويدل على هذا قوله، صل ساكناً، وأيضا الفاصل الساكن كلا فاصل تقول في أمر ظرف يظرف ونصر ينصر، اظرف وانصر، بحذف حرف المضارعة، وجعل الساكن المتصل به متصلا بهمزة الوصل مضمومة، ومن ذلك: (ادع إلى سبيل ربك) ، (وانظر إلى الجبل) و(اخرج منها) وذلك في أمر المضارع المضموم العين، سواء ضمت العين ماضيه كظرف، أو فتحت كنصر.
وإنما ضمت الهمزة اتباعا للضم بعدها، والساكن حاجز غير حصين، وقيل: لئلا يلزم الخروج من الكسر أو كسرت إلى الضم، والساكن حاجز كلا حاجز، وأل في الهمز للعهد أي التي حكم بكسرها، يعرض لها الضم قبل الضم اللازم.
وأما إن كان الضم عارضاً، فلا تضم الهمزة بل تكسر نحو: رضوا واشوا واقضوا، بكسر الهمزة وضم ما قبل الواو، ولمناسبة الواو ضمة عارضة، والأصل ارضيوا وامشيوا واقضيوا بفتح ضاد ارضيوا، وكسر شين اشيوا، وضاد اقضيوا استثقلت الضمة على الياء فنقلت الحرف قبلها بعد سلب حركته ، فالتقا ساكنان، فحذف الأول وهو الياء، لأنه حرف والواو اسم لا دليل عليها لو حذفت، أو لما ثقلت حذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وضم ما قبلها للواو، فالضم في ذلك عارض كعروضه في الماضي والمضارع، نحو: مشوا ورضوا وقضوا، والمضارع: كم يمشوا ولم يرضوا ولم يقضوا، والضم للازم يكون في الصحيح: كاظرف وانصر واكتب، وفي المعتل كاغد وادع واغز.
وأما إذ كانت العين مكسورة كسرة لازمة في الحال، وأصلها الضم لكن زال العلة، فيجوز فيه كسر همزة الوصل نظراً إلى كسر العين في الحال، كما شمله قوله: وبهمز الوصل منكسراً صل ساكناً كان بالمحذوف متصلا، ويجوز إشمام كسرها بضم نظراً لأصل العين، وهو الضم، وإشارة إلى الأصل كما أشار إليه بقوله:
. . . . . (2/124)
صفحة 373
ونحـ
ـو اغز بكسر مشم الضم قد قبلا
أي قبل إشمام الكسر بالضم في همزة الوصل من كل فعل أمر ثلاثي الماضي، معتل اللام، مضموم الثالث في المضارع، متصل به ياء المخاطبة نحو: اغزى يا هند، وادعى يا هند، ويفهم من قوله: قد قبلا إن اخلاص الكسر أفصح وأرجع، وأصل اغزى وادعى اغزوى وادعوى بضم ما قبل الواو، وكسر الواو الياء، ثقلت الكسرة فحذفت أو نقلت لما قبلها بعد سلب حركته، فالتقى ساكنان الواو والياء، حذفت الواو لأنها حرف لا الياء لأنها عمدة، وإذا قلنا: بأن الكسرة حذفت حذفاً فاعلم أن ما قبل الواو حذفت ضمته، وأبدل الكسرة ليناسب الياء.
وعن بعضهم: أن الإشمام وإخلاص الكسر في الهمز تابعان للزاي مثلا من نحو: اغزى فإن أخلصت كسرة الزاي أخلصت كسرة الهمزة، وإن أشمت ضمة أشمت كسرة الهمزة ضمة، فالهمزة تابعه للزاي، لأن الفاصل بينهما كلا فاصل لسكونه.
قال صاحب التحقيق: المصنف أتى هنا بشبه الألغاز من شدة الإختصار، لأن يوهم أن الكلام في اشمام الزاي ضمة، لكن لما كان حديثه في الهمز صار قرينة معينة على فهم المراد، وكذلك يجوز الإشمام في مضارع المخاطبة من باب غزا نحو: تغزين وتعدين للفرق بينه وبين باب ترمين من اليائى، وأقول الحق عندي في نحو اغزى وإخلاص ضمة الهمزة نظراً إلى أن أصل الزاي الضم، وقد زعم صاحب التحقيق أن قوله: ونحو اغزى بكسر مشم الضم قد قبلا، لا شك يندرج تحت قوله: والهمز قبل لزوم الضم ضم، الضم الموجود والمقدر، وضم الزاي في اغزى مقدر، وإشمام ضمة الهمزة بكسرة فالضم مراعاة للضم المقدر، والإشمام مراعاة للكسر العارض وقد قال بذلك ابن الناظم، وجعل الناظم في التسهيل وشرحه الإشمام تابعاً للإشمام. (2/125)
صفحة 374
وممن نص على الإشمام في نحو: تغزين الفارسي، ذكر أن الزاي تشم الضمة الأصلية، فرقا بينه وبين باب ترمين في كل اللغات، وزين من تغزين بمنزلة قيل، فكما لزم إشمامه يشم قيل: وبابه لينفصل من الفعل الذي بني للفاعل، وإنما لم يلزم إشمام قيل: لأن الإشمام لا ضمة خالصة، ولا كسرة خالصة، فضعف في الابتداء نخروجه عما عليه الحركات اللاحقة أوائل الكلمة المبدوء بها، فلم يلزمها إشمام في كل اللغات، بخلاف زاي تغزين فإنها في وسط الكلمة فلزمها الإشمام.
وقد حكى سيبويه عن أبي عمرو أنه أخذ بالإشمام للكسرة في يا صالح ائتنا في الدرج، ومما يدل على أن هذا الإشمام، إنما هو إمارة أن الفعل مبني للمفعول، إنك لو سميت بقيل وبيع لخلعت الضمير إن كان فيه، ولم يجز الإشمام لأنه لا يدل على بناء مخصوص لفاعل ولا مفعول، إذ هو اسم كزيد وعمرو، ولزمته الكسرة هذا ما قاله صاحب اختصار الحجة أبو محمد.
قال صاحب التحقيق: هو صريح في لزوم الاشمام في الزاي، وعليه نقول المصنف: ونحو اغزى بكسر مشم الضم قد قبلا، يحتمل أن يكون الإشمام في الهمزة تابعاً له في الزاي، كما في ظاهر التسهيل وشرحه، ويحتمل ما قاله ابن المصنف أن يكون مراعاة للكسر العارض والمصنف لم يذكر إشماماً في حركة الزاي لا بالجواز، ولا بالوجوب، وقد تقدم ما في كلامه من الألغاز، وما حكاه سيبويه عن أبي عمرو ليس مشهور عنه، ولا مأخوذ به. (2/126)
صفحة 375
قال صاحب التحقيق: واعلم كسر الهمزة قبل الضمة الأصلية لغة قوم، واعتدوا في ذلك بفصل الساكن، ورأوه حاجزاً قلت: حكاها ابن جني في المنصف عن بعض العرب، ووقع في الأسماء أيضاً آوذاك نحو أصبع، فإنه خروج من كسر إلى ضم ونحوه: زيبرُ للثوب، وطيبُل للدهاية، وإذا كانت المضمومة متصلة بساكن صحيح أو جاز مجراه، فإنه يحرك وتسقط هي، ويجوز تحريكه بالكسرة على أصل التقاء الساكنين وبالضم مشاكلة للثالث نحو: قل ادعوا أو انقص ونحوهما، وإنما ضمت الهمزة قبل الضم الللازم، وكسرت قبل الكسر الللازم، ولم تفتح قبل الفتح الللازم، بل كسرت أيضاً خوف التباس الأمر بالمضارع حال الوقف مثلا، وحال سكون المضارع للتخفيف نحو: اعلم واذهب.
فلو الهمزة لالتبس بالمضارع المبدوء بالهمزة المفتوح العين، الموقوف عليه أو المسكن تخفيفاً كما سكن للتخفيف في: ينصركم ويشعركم، وخوف التباس الاستفهام في خبر نحو: اصطفى واطلع، وخوف الالتباس بالماضي الرباعي الموقوف عليه، ولم تضم خوف الالتباس بالمضارع المبدوء بالهمزة المبني للمفعول، ولو فتحت قبل الكسر الللازم لالتبس بالأمر الرباعي، ولو ضمت لالتبس بمضارع الرباعي، وإنما لم تضم الهمزة في نحو: امشوا تبعاً لضم الشين، لأن ضم الشين عارض لأجل الواو، كما أن كسر الزاي في اغزى عارض لأجل الياء، وأصل تلك الشين لكسر، فروعي كسرها فكسرت الهمزة تبعاً للكسر الأصلي المقدر مع أصالة الكسر في همزة الوصل، وذلك هو من مراعاة الأصل.
وحاصل ما ذكر أن الأمر من أفعل المزيد فيه همزة قطع افعل بكسر الهمزة اتباعاً للعين، ومن غيره على زنة المضارع المجزوم الذي طرح أوله لا غير، إلا إن كان ثاني المضارع ساكناً، فالأمر بهمزة الوصل مكسورة إلا إن ضمت العين، فتضم أصالة، وإن كان الأصل الضم والكسر عارض فقيل: يخلص ضم الهمز أو يشم بكسر، وقيل: يكسر كسراً خالصاً أو يشم بضم هذا هو القياس. (2/127)
صفحة 376
وأما مرّ وخذ وكل بحذف فاء الكلمة تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وعدم الإتيان بهمزة الوصل، مع أن ثاني المضارع ساكن نحو: يأمر يأخذ يأكل بابدال همزة أمر وأخذ وأكل ألفا فشاذة قياسا فصيحة استعمالا لكثرة ورودها في كلام العرب، ووردت في القرآن والحديث، وإلى شذوذها أشار بقوله:
* وشذ بالحرف مرّ وخذ وكل*
أي وشذ مر وخذ وكل عن نظائرها بالحذف لفاءاتها، لأن نظائرها مما سكن ثاني مضارعه لا بد فيه من جلب همزة الوصل قبل أوله ليتوصل بها إلى الابتداء بالساكن، وهذه لم يفعل بها ذلك، بل اكتفوا عنه بحذف أوائله وهي فاءاتها تخفيفاً لكثرة الاستعمال.
فالقياس الموافق للأصل أأخذ وأأكل وأأمر بهمزتين، الأولى مضمومة لأنها قبل ضم لازم، والثانية ساكنة فتقلب هذه الساكنة واواً لوقوعها بعد همزة مضمومة، كما تقلب الهمزة الساكنة ألفاً بعد همزة مفتوحة، وياء بعد همزة مكسورة، فالمراد الشذوذ في القياس لا في الاستعمال، لأن مر وخذ وكل هو الشائع الأفصح، وعاته ثقل الهمزة، بل الهمزتين مع كثرة ورود الأمر من أمر وأخذ وأكل، ولأنه لو لم تحذف لاجتمعت همزتان، فتعل الثانية بالبدل.
ولما رأوا أن تغييرها لا محيد عنه غيروها بالحذف، لأنه أسهل، وكثر إثبات همزة الوصل في أمر امرا إذا دخل عليه ولو العطف نحو: (وأمر أهلك) أصله وأمر بواو العطف، فهمزة مضمومة همزة وصل، فواو هي مبدلة من فاء الكلمة، سقطت همزة الوصل لعدم الاحتياج إليها، لتقدم متحرك عليها، وهو واو العاطف، فتبقى الواو الثانية المبدلة من فاء الكلمة ساكنة بعد واو العطف، فأبدلت ألفاً لسكونها بعد فتح الواو، ومع كثرة إثبات همزة الوصل، في حذفها أكثر ، وإلى ذلك أشار بقوله: وفشى وأمر.
وأما الإثبات في كل وخذ فنادر مطلقاً، سواء وقعا بعد واو العطف أو لم يقعا، وإلى هذا بقوله:
* ومستندر تتميم خذ وكلا* (2/128)
صفحة 377
ومثل الواو في ذلك كله الفاء، ويظهر لي أيضاً أن الواو والفاء في ذلك سواء كانتا للعطف أو غيره، قال في التسهيل عاطفا على ما تلزم فيه همزة الوصل، ومن الثلاثي الساكن ثاني مضارعه لفظاً عند حذف أوله أ هـ.
وأخرج بقوله: الساكن ثاني مضارعه ما كان مثل يعد ويزن، ويرد فإنك لا تحتاج فيه إلى الهمزة وبقوله لفظاً ما حرك لفظاً، وإن كان ساكناً تقديراً: كيقوم ويبيع، ويرد ويود، ويرمى ويسل بنقل حركة الهمزة لسين، وحذف الهمزة وكذا نقلت حركتها إلى الراء في يرى، وحذفت وأصل السين والراء السكون،وأصل يود يودد بسكون الواو نقلت إليه فتحت الدال، فأدغمت الدال في الدال، وأصل يرد يورد حذفت الواو الساكنة لوقوعها بين الواو والكسرة، وأصل يقوم بوزن ينصر، وأصل يبيع بوزن يضرب كما مر، ولو لم يقيده باللفظ لتوهم اندماج الساكن ثانية تقديراً، وإن حرك لفظاً.
وأما نحو: اسل واعض وافر بهمزة الوصل مع تحرك ما ربعدها فشاذ، ووجهه عدم الاعتداد بالعارض، لأن فتح السين عارضة منقولة من الهمزة المحذوفة التي هي عين الكلمة ، وضمة عين اعض عارضة منقولة من الضاد المدغمة، وكسرة فاء افر عارضة منقولة من الراء المدغمة، وخرج بقوله: عيد حذف أوله خذ وكل ومرّ، وكان حقها أن يقال: أوخذ وأو كل وأو مر، كما يقال في الأمر من أثر الحديث واجر الأجير أوثر وأوجر، ووجه الخروج أن هذه الثلاثة لم يسكن ثاني مضارعها عند الحذف، بل صحب حذف المضارعة في الحذف. (2/129)
صفحة 378
قال صاحب تحقيق المقال: ولا يخفى ما في هذا من سوء التعليم إذ فيه احالة على جهالة إلاَّ أن يقال: إن شهرة الأمر من الثلاثة بالحذف في الفاء يخرج من الجهالة، وفيه بعد والذي يظهر في شرح ضابط التسهيل أن يكون اخراج بالساكن كل ما حرك ثاني مضارعه، وسواء كانت حركته عارضة كيبيع، أو أصاية كيعد، وكونه ثانياً نظراً إلى الصورة واللفظ، ولذلك صحّ أن يكون لفظاً معمول الثاني أي ثانيه لفظاً أعم من أن يكون لفظاً فقط، أو لفظاً أو تقديراً، وعند حذف أوله معمول لمحذوف، أي ويفعل ذلك أو تدخل عليه همزة الوصل عند حذف أوله وهو حرف المضارعة، وجمع الناظم في هذا البيت الآخر بين الشاذ والفاشي والنادر.
فالشاذ هنا: ما خالف القياس، ولو كان كثيراً أفصح، فكل وخذ ومر شاذ كثير وأفصح من أوخذ وأوكل وأومر.
والفاشي: ما كثر استعماله، وافق القياس أم خالفه، نحو: وأمر بالعطف، فإنه كثير وافق القياس.
والنادر: ما قل وجوده ولو وافق القياس نحو: أوكل أوخذ، والفصيح ما كثر استعماله، والضعيف ما تنازع العلماء في ثبوته كذا قال صاحب فتح الأقفال، ومر بسط ذلك وأبحاثه.
تنبيهات:
الأول: أعز معناه أنسب، وعزاه يعزوه كنسب ينسبه، وهاء اعزه عائدة للأمر، وهاء سواه لا فعل بفتح اللام والعين، واختزلا بمعنى اقتطع أي طرح، وهاء أوله عائدة للمضارع، وذي بمعنى صاحب ومنكسر طاوع كاسر، وساكناً بمعنى حرفاً ساكناً، والمراد بالمحذوف أول المضارع المحذوف، هو أعنى ذلك الأول المختزل فأل فيه للعهد.
الثاني: في قوله اختزلا أوله التضمين باتفاق، لأن قوله: أوله في البيت الثاني يحتاج إليه اختزلا في البيت الأول، وأوله عهدة، لأنه نائب اختزلا، وحاء نحو هي آخر الشطر الأول من البيت الثالث وواوه أول شطر الثاني، ثم رأيت أن بعضاً نفى التضمين ولو بين العهد، أعنى أنه نفىقبحه، للمولدين وأجاز استعماله لهم. (2/130)
صفحة 379
الثالث: قوله كان بالمحذوف متصلا فيه نزوع إلى مذهب الكوفيين، حيث جعل ما بعد همزة الوصل من الأمر كان متصلا بحرف المضارعة المحذوف كما هو مذهبهم، ولعل مراده أن كذلك بحسب ما يظهر فقط، لا حقيقة لما رأى أنه لا فرق بين المضارع والأمر سوى أنه لا يؤتى فيه بحرف المضارعة، بل الهمزة حيث يكون حرف المضارعة شبهه بذلك، كأنه حذف الحرف من أول المضارع، وجعلت الهمزة بدله.
الرابع: زعم صاحب فتح الأقفال أنه لم يفتح همزة الوصل فيما ثالثه مفتوح خشية التباسه بالمضارع المبدوء بهمزة المتكلم، فلو قلت اذهب يا زيد بفتح الهمزة لالتبس بقولك: أنا أذهب أي في الوقت مثلا، وليس كذلك، فإن قولك يا زيد دليل الخطاب بأذهب بأن يكون أمرا كما أنا دليل التكلم في أنا أذهب، إلا أن قيل بجواز النداء، حيث لا يخاطب المنادي نحو: أنا أقوم يا زيد، والحق جوازه فحينئذ يصح الالتباس في اذهب يا زيد، لكن سكون الياء دليل الأمر غير أنه قد يتوهم أنه مضارع موقوف عليه، إذا وقف عليها أو مضارع مسكن تخفيفاً أو مضارع مجزوم.
الخامس: اعلم أنه إذا كانت همزة الوصل في الماضي والأمر، فاعلم أن همزة الأمر غير همزة الماضي
ن كما أنه إذا توافقت حركات الماضي وسكناته مع حركات الأمر وسكناته، أو بعض ذلك فشكل كل واحد، خلاف شكل الآخر.
السادس: أشار بقوله: وبهمز الوصل منكسراً إلى أنه جلب همز الوصل همزة من أول الأمر، وهو الصحيح، وبعد اجتلابها همزة، فالصحيح هو مذهب الإمام سيبويه أنها جلبت متحركة بما حركت به من ضم أو كسر قيل: وهو ظاهر النظم أيضاً، وعن بعض سيبويه يرى أصلها الكسر، وإنما ضمت حيث ضمت لئلا ينتقل من كسر لضم. (2/131)
صفحة 380
وقال الجمهور: جلبت ساكنة ساكنة ثم حركت حركة التقاء الساكنين، وهي الكسرة، وإنما عرض الضم فيما ثالثه مضموم للمناسبة لاستثقال الانتقال من كسر إلى ضم، وحكى عن الفارسي والشاوبين أنها جلبت ساكنة وحركت بحركة ما قبل الآخر، ولم تفتح حيث فتح ما قبل الآخر للالباس، وعن السيوطى أن ابن جنى يقول: وصحت همزة، وقيل يحتمل أن أصلها ألف قلبت همزة لتحرك.
وقال الفارسي وغير من البصريين: جلبت همزة ساكنة وكسرت للساكنين، وعلله الشلوبين بأن أصل الحروف السكون، وقال الباقون: جلبت متحركة لأنه جئ بها للابتداء بالساكن، وحق الحرف المبدوء به التحرك، وأحق الحركات بها الكسرة لرجحانها على الضم بقلة الثقل، وعلى الفتح لأنها لا توهم استفهاماً.
وقال الكوفيون: حركت للاتباع ولم تفتح في المفتوح لئلا يلتبس الأمر بالخبر أ هـ.
وقد يقال: أطلق الناظم في قوله وبهمز الوصل منكسراً، ولم يقيد الكسر بحالة صراحاً ليشير إلى أن أصلها للكسر، لأنه حركة التقاء الساكنين، وإنما خرج عنه إلى الضم فيما ضم ثالثه، لثقل الانتقال من كسر لضم، وأما قول صاحب فتح الأقفال: إنه أطلق ليشير إلى أنها زيدت ساكنة، ثم حركت بحركة التقاء الساكنين فسهو.
وأما جمعه بين هذا الكلام وبين قوله: إن ظاهر عبارة النظم مذهب سيبويه فجمع بين الضب والنون قال صاحب التحقيق: من يرى أنها اجتلبت ألفا يقول حركته همزة لالتقاء الساكنين، ودليله آذاكرين في الاستفهام لبقائها ألفاً، حيث لم يحتج لحركتها أ هـ.
ومن يرى أنها اجتلبت ساكنة يرى أن حركة للساكنين، قيل: ويلزم عليه وعلى القول بأنها جلبت ألفا أنه يلزم التقاء الساكنين والابتداء بالساكن أو الاحتياج إلى حرف آخر، ولعل هذا الالزام نظر فيه حالها قبل التحريك فيجاب بأنه أريد بذلك أن أصلها ألف أو همز ساكن، وحركت ليبتدأ بها. (2/132)
صفحة 381
السابع: عبر بالهمز وهو جمع همزة باعتبار الأنواع التي تدخل عليها، وأفرده في قوله منكسراً لجواز أفرد مثل هذا الجمع مثل: (نحل منقعر) وكذا في قوله. والهمز قبل لزوم الضم ضم على ما يأتى إن شاء الله.
الثامن: أن ما تقدم في النظم وغيره من ضم همزة الوصل، وكسرها وإشمامها، وكذا فتحها محله ما إذا ابتدئ بها للضرورة، أو للوقوف على ما قبلها أو لكونها لم يسبقها شيء.
التاسع: لهمزة الوصل بالنسبة إلى حركتها سبع حالات، وجوب الفتح في المبدوء بها أل وأم المبدل ميمها عن لام، ووجوب الضم في الماضي المبدوء بهمزة الوصل المبني للمفعول على ما سبق وفي أمر الثلاثي المضموم العين، نحو: اقتل واكتب واقعد واظرف على ما سبق، ورجحان الضم في نحو: اغزى يا هند عند الناظم في الكافية، وشرحها وابنه في شرح الخلاصة، وأوجب الفارسي في التكملة إشمام ما قبل الياء من نحو: اغزى إشارة للضم الأصلى، وإخلاص ضمة الهمزة، ورجحان الفتح على الكسر في ايمن وايم لثقل لخروج من كسر الهمزة إلى ياء، ثم إلى ضم الميم، ثم ضم النون، ورجحان الفتح على الكسر في كلمة اسم لخفته، وجواز الضم والكسر والإشمام في نحو: اختار وانقاد إذا بينا للمفعول، وجوب الكسر فيما بقى من همز الوصل.
تتمتان:
الأولى: قال الحافظ السيوطى: كثر قطع همزة الوصل في أوائل إنصاف الأبيات، يعني أول الشطر الأول وأول الشطر الثاني، ومثل ذلك أول الشطر الثالث في المثلثات، والخامس في المخمسات، وهكذا لأنها إذ ذاك كأنها في ابتداء الكلام كقوله: اتسع الحزق على الراقع. (2/133)
صفحة 382
الثانية: الأصل في الساكنين تحريك أحدهما لأنه أقل إخلالا، فلا يعدل عنه إلى حذفه إلا عند التعذر بوجه، وأصل الحذف أو التحرك في الأخير لانتهاء الثقل عنده، ولا يكونان في الأول إلا لمرجح، وقيل: الأصل تحريك الأول لأنه به يتوصل إلى النطق بالثاني، فهو كهمزة الوصل، وقيل تحريك ما كان منهما آخراً لكلمة أولا أو ثانيا، لأن آخرها محل التغيير، ولذا كان محل اعراب، والتقاء الساكنين حال عارض لها، والساكن أصله إما السكون أو الحركة، ويلتقى الساكنان في الوقف مطلقاً عند كثير لا في الوصل، إلا إن كان الأول ليناً والثاني مدغماً متصلا.
وقد يبدل هذا اللين إن كان ألفاً همزة مفتوحة فراراً من التقاءهما، قرئ: (إنس ولا جأن) ،(ولا الضألين) قال أبو حيان: هو كثير لايقاس، والكثير في المنفصل حذف اللين، ويحذف الأول مطلقاً إن كان مداً أو نون توكيد خفيفة، أو نون لدن، وكان الثاني غير مدغم نحو: (ادخلا النار) و(يقولوا التي هي أحسن) و(أفى الله شك) واضرب الرجل بفتح الباء دلالة على نون التوكيد ولد الصباح، أي لدن وشذ: التقت حلقتا البطان، بإثبات الألف، وها الله، وأي الله بإثبات الألف والياء، وكسر نون لدن كقوله: من لدن الظهر إلى العصر.
وإن كان غير ذلك حرك الأول إلا إن كان الثاني آخر كلمة فيحرك كإين، ويكسر التنوين قبل قبل ساكن ويضم عند بعض العرب إن كان بعد ذلك الساكن ضم لازم اتباعاً كزيداً اخرج إليه، ويكسر قبل وعن الجرمى أن حذف التموين لساكن بعده لغة، وعليها قرئ: (أجد الله) ، (ولا الليل سابق النهار) بنصب النهار، وعدم تنوين سابق، ويحتملها والضرورة قوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا بالنصب، وأصل ما حرك من الساكنين الكسر لأنه حركة لا توهم إعراباً، لأنه لا يكون إعراباً في كلمة ليس فيها تنوين ولا أل ولا إضافة في سعة، بخلاف الضم والفتح هذا قولهم. (2/134)
صفحة 383
وأجاز صاحب البسيط أن يكون الأصل الفتح لخفته، لأن الفرار من الثقل، وقد يقال لا أصل في ذلك، وإنما تعين لوجه قلنا، ويعدل عن الكسر للتخفيف كأين إذا كسر النون بعد الياء كالياءين، وكذا غير النون، ومنه قراءة المَ الله بفتح الميم، أو الجبر كقبل بالضم جبر الحذف الاضافة بحركة تخالف حركة إعرابه، وللاتباع كمنذ، وقل ادع أو انقص، أو للرد للأصل كمنذ اليوم بالضم، لأن أصلها منذ، واللبس كأنت واضربن بالفتح، ولو كسرا لاتبسا بخطاب المؤنث.
ولما حمل على النظير كنحن بالضرم حملا على هم، والواد وللتجانس والغالب فتح نون من قبل أل، وكسرها مع ساكن غيرها وقل للعكس، والغالب في حذفها أن تكون قبل أل كقوله:
* كأنهما ملأن لم يتغيرا *
أي من الآن، وجعله النظم قليلا وابن عصفور ضرورة، وأبو حيان حسنا كثيراً مقيساً سعة وضرورة لوروده كثيراً، وهم كثيراً ما يبذون الحكم على بيت أو بيتين، واشترط أن لا تدغم اللام، كما لاتحذف نون بين إلا عند أل الظاهرة كلبحارث، أو بنى الحارث، ووقع حذفها في شعر الثعلسى قبل المدغمة، لكن أظهر عند الحذف قال:
المطمئن الشتاء سدائفا
ملنيب غرا . . . . .
أي من النيب، والغالب كسر نون عن قبل أل وغيرها، وقد تضم قبلها.
حكى الاخفش عن القوم: ولا وجه له، ويغلب ضم واو الجمع بعد فتح كاخشو الناس، وكسر واو غيره: كلواستطعنا، وقل العكس وفتح الواو الجمع كاشتروا الضلالة، وفي التصريح إذا اجتمع أصل وزائد، وثانيهما صحيح، سواء كان الأول حرف علة أم لا، حذف الأصلى ويحذف حرف المد قبل ساكن صحيح أ هـ وأم أخت أل مثل أل. (2/135)
صفحة 384
الإعراب: الواو للاستئناف أو لعطف جملة الطلب على جملة الخبر، واعز فعل أمر محذوف الآخر وهو الواو، بدليل الضمة مستتر الفاعل وجوباً، والهاء مفعول به واسوى متعلق به، والهاء مضاف إليه، وكالمضارع حال من هاء اغزه، وجر سوى باللام بناء على مذهبه، وإن جعلنا لسواه حالا من هاء اغزه، فالأولى أن يقال للمضارع باللام متعلقة باغز، وما ذكر أولى من جعل كالمضارع نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف، أي اغزوا ثابتاً كغز، والمضارع اوغزوا مثل غزو للمضارع لاستدعاء هذا الحذف، وذي بدل من المضارع بمعنى صاحب أو نعته، بناء على أن اضافتها تفيد التعريف عند المعرفة.
والجزم مضاف إليه، والذي نعت المضارع، واختزل ماض مبنى للمفعول أوله نائب ومضاف إليه والجملة صلة، والرابط الهاء.
والواو للعطف على اعز، وبهمز متعق بصل قدم للوزن، والحصر والوصل مضاف إليه، ومنكسراً حال لازمة من همز.
وصل فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والجملة معطوفة بالواو، وساكنا مفعول صل أي حرفاً ساكناً، وكان ماض مستتر الاسم جوازاً، وبالمحذوف متعلق متصلا، قدم للوزن والروى، ومتصلا خبر كان، والجملة نعت ثان لحرفاً من قولك حرفاً ساكناً أو حالا منه، أو من ضمير ساكنا.
قالوا: أونعت لساكن والواو للعطف على أصل أو اغز، والهمز مفعول مقدم لضم قدم للوزن.
وقبل ظرف زمان على ما مر متعلق بضم أو بمحذوف حال من الهمز، ولزوم مضاف إليه والضم مضاف إليه لزوم، وضم فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، والجملة عطف بالواو، والهمزة مبتدأ وضم مبني للمفعول مستتر النائب خبره، وقبل متعلق بضم أو بمحذوف حال من ضميره أو من المبتدأ على القول بالجواز، وجملة المبتدأ والخبر مستأنفة أو معطوفة على إحدى الطلبيتين قبلها، أو الهمز مبتدأ وضم أمر هو خبره، والرابط محذوف أي ضمه، والعطف كما ذكر وهذا ضعيف. (2/136)
صفحة 385
ونحو مبتدأ مضاف لاغز وبكسر متعلق بمحذوف حال من نحو بناء على جواز الحال من المبتدأ، وعلى تعريف نحو، أو تخصيصه بالاضافة أو من ضمير قبلا أو بقبلا.
ومشم بفتح الشين نعت لكسر، والضم مضاف إليه، وقد حرف تحقيق وقبل ماض مبني للمفعول مستتر النائب، والجملة خبر، ويجوز تعليق بكسر بمحذوف خبر وقد قبلا حال منه أمن ضمير مشم، أو نعت ثان لكسر وفي بعض النسخ وشم بالعطف على كسراً وبالنصب على المعية والمبتدأ وخبره جمله مستأنفة فالواو للاستئناف، ويجوز العطف على إحدى الجمل، وشذ ماض.
وبالحذف متعلق به أي بسبب الحذف ومر فاعل شذ، والجملة مستأنفة، فالواو للاستئناف، ويجوز العطف على إحدى الجمل وخذ كل معطوفان على مر، أو كل على متلوه ويجروز تعليق بالحذف بمحذوف حال من خذ، وكل ومر وفش ماض، وقوله: وامر فاعله، والجملة معطوفة على الجملة قبلها أولى من الاستئناف، ومن العطف على غيرها.
ومستندر خبر وتتميم مبتدأ ويجوز كون مستندر مبتدأ، وتتميم فاعل أغنى عن الخبر، بناء على عدم اشتراط الاعتماد في ذلك والجملة، مستأنفة أو معطوفة على إحدى الجمل، وخذ مضاف إليه اضافة مصدر لمفعوله، مع حذف فاعله، أو استتار على خلاف، وكلا معطوف على خذ، وأصل خذ وكل ومر أفعال أمر، ولذ وصلت كل في آخر البيت بنون التوكيد الخفيفة، وأبدلت ألفا للوقف، والله أعلم وأحكم.
باب
أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين
والله الموفق، أي القسيمة السماعية والثلاثية وغيرها، والمجردة والمزيد فيها، وبدا باسم الفاعل من الثلاثي ثم من غيره، فباسم المفعول من غيره، ثم منه، ومراده باسم الفاعل ما يشمل الصفة المشبهة، كما يفهم من قوله: ومنه عيغ كسهل والظريف، ومن مثله اعترض الشيخ خالد تعبير الألفية والتوضيح بأسمام الفاعلين، وأسماء المفعولين تبعاً لابن هشام في الحواشي، بأن مفعولا وفاعلا هنا اسمان اللفظ، واللفظ غير عالم، وغير العالم لا يجمع جمع المذكر السالم. (2/137)
صفحة 386
قلت: ويجاب أن الكوفيين أجازوا جمعه، ولكن الناظم يمنعه، فلعله بني عليه هنا، إذا جمع وبأن اضافة أبنية إلى أسماء للبيان، والفاعلين والمفعولين المراد بهما الذوات لا الألفاظ، أي باب أبنية هي أسماء الذوات الفاعلين، والذوات المفعولين، أي المفعول فيهم شيء، وغاب العاقل على غيره.
وإذا علمت أن مراد الناظم بأسماء الفاعلين ما يشمل الصفة المشبهة،، لأن إطلاق الفاعل على الصفة المشبهة في اللغة كثير، ويطلق عليها أيضاً قليلا في الاصطلاح، بل يطلق عليها وعلى كل وصف مشارك للفعل في مادة حروف الاشتقاق، وتحمل ضمير الفاعل كثيراً في اللغة، وقايلا في الاصطلاح، فينبغى أن نحد اسم الفاعل بما يشمله ويشمل الصفة المشبهة، لأن مراد الناظم ما يشملها، حتى إن أكثر ما ذكر في الباب الصفة المشبهة فنقول:
اسم الفاعل الصفة الدالة على الحدث، الصادر من الذات، أو القائم بها دون دلالة على زيادة، وذلك كالضرب من ضارب، والظرافة من ظريف، وأما اسم الفاعل بالمعنى الشامل للمشبهة وغيرها، فحده ما يذكر بإسقاط قولي دون دلالة على زيادة، أو بقولنا الصفة الدالة على فاعل، والمراد بالفاعل من أوقع الفعل أو قام به الفعل.
وأما اسم الفاعل الخاص المقابل للصفة المشبهة، واسم التفضيل وغيرهما، فحده الناظم في التسهيل بقوله: هو الصفة الدالة على فاعل، جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه، أي لمعنى المضارع وهو الإبهام أو الاستقبال، أو المعنى الماضي، فالصفة جنس يشمل جميع الصفات، ومع هذا يخرج غير الصفة من الأسماء، ويخرج الأفعال والحروف.
وقوله: الدالة على الفاعل أي الذي فعل الحدث مخرج الاسم المفعول، وما أدى معناه: كمضروب وذبيح، وضرب ونسج، بمعنى مذبوح ومضروب ومنسوج وضحكة، بضم الضاد وسكون الحاء، أي مضحوك عليه، وإن فتحت الضاد كان بمعنى ضاحك، وهذه قاعدة كلية. (2/138)
صفحة 387
والحكم على ذلك بالخروج فرع الدخول في الجنس، لأنه صفة تأويلا، وقوله جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها، أي في مطلق الحركة والسكون لفظاً أو تقديراً: كيقوم وقائم، الأصل يقوم كينصر مخرج لما جرى في التذكير فقط من الصفات المشبهة، واسم التفضيل وغيرها، نحو أهيف وأسمر، فإنهما جاريان على مضارعهما في الحركات والسكنات، وعدد الحروف في حال التذكير لا في التأنيث، لأن المؤنث هيفاء وسمراء، وليس جارياً على مضارعه في ذلك.
وهكذا كل وصف على أفعل ومؤنثه وعلى فعلاء بالمد، وذلك صفات مشبهات، ونحو: أفضل فإنه جار دون مؤنثه الذي هو فضلى، وذاك اسم تفضيل، ويخرج اسم التفضيل الدال على زيادة أيضاً من قوله: الدالة على فاعل، فإن مراده الدالة عليه دون زيادة، والمراد بفاعل ما شمل الحدث الذي تدل عليه اسم التفضيل والصفة المشبهة، وقد أخرجهما ومخرج لما جرى من الصفات على الماضي: كخرج وأشر وبطر، بكسر الثواني، وبالتنويم فإنها جارية على الماضي الذي هو فرح وأشر وبطر في الحركة والسكون، وعدد الحروف، وخرج لما لم يجر على فعله أصلا: كسهل، وصريف وضراب وضروب ونحوهما من المبالغة.
وقوله: لمعناه أو معنى الماضي فخرج لما دل على الحال من الصفات، كشاحط الدار، وطاهر القلب، فإنهما ولو جريا على المضارع لكنهما للحال الحاضرة، وهما صفتان مشبهتان، وهذا إذا قلنا: إن المضارع مبهم بالوضع أو مستقبل به، وأما إذا قلنا إنه للحال فلا يخرج من حده ما وازن المضارع من نحو: شاحط الدار، وطاهر القلب، إلا إن أراد بالفاعل الصادر منه الفعل دون من قام به، ولم يصدر منه، لكن يرد عليه نحو: مؤمن وكافر مما يسمى صفة شبهة. (2/139)
صفحة 388
وزعم الصبان أن مراده بمعنى المضارع الحال والاستقبال والاستمرار التجددي، وحد ابن هشام في التوضيح اسم الفاعل بأنه ما دل على الحدث والحدوث وفاعله، فما واقعة على الاسم أو اللفظ أو الكلمة أو الصفة، وذكرت نظراً اللفظ، فقوله: ما دل على الحدث جنس يشمل جميع الصفات والأفعال، لأن الجميع يدل على الحدث، وهو ما صدر من الفاعل، كالقيام في قائم، وما قام به كالحسن في حسن، ومع هذا هو مخرج لنحو رجل وزيد، مما لا يدل على الحدث.
وقوله: الحدوث فصل مخرج لاسم التفضيل والمشبهة، فإنهما إنما يدلان على الثبوت، ومخرج للمصدر واسمه، فإنهما واو دلا على الحدث لكن لا يدلان على الحدوث، بل على مجرد الحدث فقط، وإن أوقعنا ما على الصفة خرج بها المصدر، واسمه ونحو: زيد ورجل، ونحو: الحرث والضارب اسمان علمان، فإنهما لا يدلان على الحدث، ولا على الحدوث فيخرجان بكل ما أخرج به مثل: زيد ورجل.
وقوله: وفاعله أي وفاعل الحدوث مخرج لاسم المفعول، وما أدى معناه، وللفعل فإن الحق أن الفعل لا يدل على الفاعل إلا بالتزام العقلى لا بالوضع، وإنما يدل بالوضع على الزمان والحدث يدل على الزمان بهيئته، وعلى الحدث بالذات والجوهر، وقد يدل الفعل على الثبوت فيخرج بقوله الحدوث، وفي بعض النسخ تقديم الحدوث على الحدث ويرده أن الحدث فصل، والحدوث جنس، والجنس لا يتقدم في الحدود على الفصل عند أهل المنطق. (2/140)
صفحة 389
وقال ابن الحاجب: اسم الفاعل ما اشتق من فعل لمن قام به بمعنى الحدوث، ومراده بالفعل المصدر لا الفعل الاصطلاحي، وإن كان من النحاة من يقول: إن اسم الفاعل مشتق من الفعل الاصطلاحي، لأن المضمر في قوله: لمن قام به عائد للفعل، والقائم هو الحدث، والأولى أن يقول لمن قام به، لأن المجهول أمره يعبر عنه بما، ولعله قصد تغليب العاقل، وقد عبر الدماميني بما قلنا، عبر بحدّ بن الحاجب، لكن عبر بالمصدر بدل الفعل، وشيء بدل من، وكأنه أشار إلى تفسير حد ابن الحاجب، فإن معنى ما، ومعنى شيء واحد.
قال: اسم الفاعل الاسم المشتق من مصدر الشيء، قام به بمعنى الحدوث، فعبر بالمصدر إشارة إلى أن مراد ابن الحاجب بالفعل المصدر أو على حذف مضاف أي مصدر الفعل، وأن الحق أن يعبر به لئلا يوهم الفعل الاصطلاحي، وعبرّ بشيء إشارة إلى أن من في كلام ابن الحاجب بمعنى شيء، وأن الأولى أن يعبر بشيء أو بما.
وخرج بقوله: لمن قام به اسم المفعول والآلة والموضع والزمان، قال الرضى على ابن الحاجب: ويدخل الصفة المشبهة، ولا يشمل جميع أسماء الفاعلين نحو: زيد مقابل عمرو، وأنا مقرب من فلان أو مبعد منه، ومجتمع معه، فإن هذه الأحداث نسبة بين الفاعل والأفعول لا تقوم بأحدهما معيناً دون الآخر.
وأقول: الحق أنه يشملها لأنه قام بها، ولا يضر أنه قام بها مع غيره.
وقوله: بمعنى الحدوث يخرج الصفة المشبهة، لأن وضعها على الاطلاق لا الحدوث ولا الاستمرار، وإن قصد بها الحدوث فهي اسم فاعل كحاسن الآن أو غداً، وظارف وكارم، الأصل حسن وظريف وكريم، ولما أريد الحدوث انتقلت إلى وزن فاعل، ويخرج بقيد الحدوث ما على وزن فاعل، ولم يدل عليه فإنه صفة مشبهة كظاهر القلب، شاحط الدار، وصائم النهار، وقائم الليل، لهروض الاستمرار فيها، ولو كان أصلها الحدوث. (2/141)
صفحة 390
وأما صفات الله فإنها ولو دلت على الاستمرار لكن لا بصيغها، بل باعتبار الموصوف فهي أسماء فاعل، وكذا الصفات الدالة على الدوام بجوهرها وذاتها، لا بصيغتها: كدائم وراسخ، وخالد ولازم وواجب، فإنها دالة على حدوث الدوام والرسوخ، والخلود واللزوم والوجوب، كذا ظهر لي فبطل إيراد صاحب شراح مراح الأرواح.
قال الدماميني: وقولنا لشيء قام به يشمل ذا العلم كزيد قائم وغيره، نحو الفاعل مرتفع.
وقال السيوطي: اسم الفاعل ما دلّ على حدث وصاحبه.
قلت: قوله على حدث لا يخرج الصفة المشبهة كما زعم، لأنهما يدلان على حدث والحق أن يقول: ما دلّ على حدوث إلخ فتخرج الصفة المشبهة واسم التفضيل، ولعله قال: ذلك وحرفه الناسخ.
وخرج بقوله: وصاحبه اسم المفعول والمصدر، ويخرج المصدر أيضاً بالحدوث لو عبر به، وأما الصفة المشبهة فحدها الناظم في التسهيل بأنها الصفة الملاقية فعلاً لازماً ثابتاً، معناها تحقيقاً أو تقديراً قابلة للتجريبد والملابسة والتعريف والتنكير بلا شرط.
قلت فيه: إن قوله: قابلة إلخ يغني عنه قوله الملاقية فعلاً تأمل.
وحدها في الخلاصة بأنها صفة استحسن جر ما هو فاعل لحدثها في المعنى بها، وهو تعريف بالخاصة مثل: الإنسان حيوان ضاحك، وقيد الفاعل بالمعنى، لأنه لا تضاف الصفة إليه لاَّ بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير الموصوف، فلم يبق فاعلاً إلاَّ من جهة المعنى. (2/142)
صفحة 391
وخرج باستحسان جر الفاعل بها اسم الفاعل وغيره، فإنه لا يحسن فيه ذلك لأنه إن كان لازماً وقصد ثبوت معناه صار منها، وأطلق عليه اسمها، واستحسن جر فاعله، ولا يرد علينا قبح الإضافة في كاتب الأب، لأن الكلام في اللازم وكاتب متعد، ولنا أن نقول: المراد بالاستحسان الجواز المطلق والصحة، ولأن استحسان الجر بالنوع كاف، وإن كان متعدياً فالجمهور، على منع إضافته، وإن قصد تبوته فلا استحسان، وأجازه بعض بشرط قصد الثبوت وأمن اللبس بالإضافة للمفعول، وعليه الناظم وأجازه بعض بشرط قصد الثبوت، وحذف المفعول اقتصار أو على الجواز فهو أيضاً من الصفة المشبهة على ما للبليدي والحفني، ويرد عليهما أنه لا يلزم من الجواز الاستحسان، فلا يدخل في تعريف الصفة المشبهة إلاَّ إن قيل بالاستحسان.
وقد يجاب بأن المراد بالاستحسان مطلق الجواز أو الاستحسان في الجملة، واسم الفاعل يستحسن جر فاعله به في الجملة، أي في بعض الصور، وهو ما إذا كان لازماً، والخلاف في المتعدي لواحد، وأما المتعدي لاثنين فلا يضاف للفاعل اتفاقاً، ويرد على تعريف الخلاصة صور امتناع الجر في بعض الصفات المشبهة، وضعفه في بعض، فإن الممتنع والضعيف لا استحسان فيهما وأجيب بأن المراد استحسان الجر بلوغها، وإن لم يكن بشخصها، وأجيب عن صور الضعف أيضاً بأنّ المراد بالاستحسان خلاف الاستقباح، والضعيف لا قبح فيه، وإن قوبل بالحسنى، بناء على أن المراد بالحسن خلاف القبيح والضعيف.
وأورد ابن الناظم على ذلك التعريف أن فيه دوراً، لأنّ العلم بالصفة المشبهة متوقف على استحسان اضافتها إلى الفاعل واستحسان اضافتها إليه متوقف على العلم بكونها صفة مشبهة. (2/143)
صفحة 392
وأجاب ابن هشام، والشيخ خالد، وغيرهما بأن الاستحسان إنما يتوقف على النظر في معناها الثابت لفاعليها، بحيث لوحول إسنادها عنه إلى ضمير الموصوف لم يكن لبس ولا قبح، فتحسن الاضافة ويجاب أيضاً بأن البيت من حيز الأخبار لا للتعريف، وعرفها ابن الناظم والشيخ خالد تبعاً له بأنها مما صيغ لغير تفضيل من فعل لازم لقصد نسبة الحدث إلى الموصوف به دون إفادة معنى الحدوث، ويبحث فيه.
وفي تعريف الخلاصة على ما ذكر الشيخ يس عن ابن هشام بأنهما يقتضيان أن الحسن من قولك: زيد حسن صفة مشبهة، مع أن النحاة لا يسمونها صفة مشبهة إلاَّ إذا خفضت أو نصبت.
قلت: الحق أنه لا يرد ذلك لأنا لا نسلم اشتراط النصب والخفض، ولأنهم نصوا على أنها صفة مشبهة في نحو: زيد حسن وجهه برفع المعمول، وأيضاً وعرفها الدماميني بأنها اسم اشتق من مصدر لازم لشيء قام به على معنى الثبوت، أي الاستمرار.
قال: فخرج اسم المفعول والآلة، والمكان والزمان، واسم الفاعل من لازم، لأنه وإن اشتق من لازم لمن قام به لكن على معنى الحدوث نحو: قائم وقاعد.
قلت: هذا الحد شامل لاسم التفضيل من اللازم فهو غير مانع إلاَّ إن قيل: إنه صفة مشبهة، بل قد يقال مطلقاً اسم التفضيل صفة مشبهة.
وأقول: الحق عندي وإن قالوا ما قالوا إن الصفة المشبهة كما لم توضع للحدوث، لم توضع للثبوت في جميع الأزمنة، فما معنى قولك زيد حسن إلاَّ زيد ذو حسن في زمان أو أزمنة، إلاَّ أنه لما أطلق ولم يكن بعض الأزمنة أولى من بعض، وقد حكم بالحصول ولا دليل على الحصول في بعض دون بعض، كان الظاهر ثبوته في الأزمنة إلاَّ إن خصه دليل ببعضها نحو: كان زيد حسناً، ثم قبح أو كان الآن حسناً، أو سيصير حسناً، فما معناها عند الاطلاق إلاَّ الاتصاف الموصوف بالحدث، وهو قدر مشترك صالح للأزمنة، ثم رأيت الرضى نص على ذلك ففرحت جداً لموافقة الرضى المحقق، وإن لم يرتضه الدماميني. (2/144)
صفحة 393
قال ابن الحاجب: الصفة المشبهة ما اشتق من فعل لازم لمن قام به على معنى الثبوت، فقوله من فعل أي مصدر، وقوله: لازم يخرج اسم الفاعل واسم المفعول المتعديين، وقوله: لمن قام به يخرج اسم المفعول اللازم المتعدي بحرف جر، والمكان والزمان والآلة، وقوله: على معنى الثبوت يخرج اسم الفاعل اللازم، فإنه وإن كان من لازم لكنه للحدوث.
وأما اسم المفعول فحده ابن هشام بأنه ما دلّ على حدث ومفعوله، وأخرج بقوله: ومفعوله ما عداه، وحده ابن الحاجب بأنه ما اشتق من فعل لمن وقع عليه، وأراد بالفعل المصدر بدليل ضمير وقع أو الفعل الاصطلاحي، ويقدر أي من مصدر فعل، والأولى لما وقع عليه أو أراد العاقل وغيره، وعبر بمن تغليباً للعاقل.
قال الرضى: أو جرى مجرى الوقوع عليه، ليدخل نحو: أوجدت ضرباً، وعلمت عدم خروجك، فالضرب موجد والعدم معلوم، هذا ويخرج المصدر أيضاً من لفظ الاشتقاق حيث ذكر، لأنه غير مشتق، وكذا جميع ما ليس بمشتق وحده في مراح الأرواح بأنه اسم مشتق من يفعل لمن وقع عليه الفعل، يعني يفعل بضم الياء وفتح العين، وأخرج به اسم الفاعل لأنه عنده مشتق من يفعل بفتح الياء، لا من المصدر، وكذا اسم المفعول مشتق من المبني للمفعول لا من المصدر، إلاَّ إن قدر مضاف أي من مصدر يفعل، وأخرج بقوله: لمن وقع إلخ ما عدا اسم الفاعل واسم المفعول.
وأقول: حاجة لقوله: يفعل لأن اسم الفاعل يخرجه قوله لمن وقع إلخ، وسمى اسم الفاعل اسم الفاعل لأنه اسم لمن فعل الفعل.
قال ابن الحاجب: سمى بلفظ الفاعل الذي هو وزن اسم فاعل الثلاثي لكثرة الثلاثي، فجعلوا أصل الباب له، ولم يقولوا اسم المفعل أي بضم الميم وكسر العين، ولا المستفعل أي كذلك أي ونحو ذلك (2/145)
صفحة 394
كالمفعل بالتشديد، والمنفعل وهو عندي سهو، لأنه ليس القصد بقولهم: اسم الفاعل اسم الصيغة الآتية على وزن اسم فاعل، بل المراد اسم ما فعل الشيء، ولم يأت المفعل والمستفعل والمنفعل والمتفعل بمعنى ما فعل الفعل حتى يقال: اسم المفعل والمستفعل والمنفعل ونحو ذلك.
قال الشيخ الرضى: بل لو قال: إنهم أطاقوا اسم الفاعل على من لم يفعل الفعل كالمنكسر والجاهل والظاهر، لأن الأغلب فيما بنى له هذه الصيغة أن يفعل فعلا كالقائم والقاعد، والمخرج والمستخرج، لكان شيئا وسمى اسم المفعول اسم مفعول مع أن المفعول في الحقيقة هو المصدر، لأنه هو الذي يفعله الفاعل أو هذا الذي نحن فيه هو اسم المفعول به، أي الذي فعل به الفعل، أي أوقع عليه الفعل، يقال: فعلت به الضرب أي أوقعته عليه، لكن حذف الجار وانتصب المجرور، فارتفع على النيابة، واستتر وسميت الصفة المشبهة صفة مشبهة، لأنها أشبهت اسم الفاعل في التذكير والتأنيث، والأفراد والتثنية، وجمع السلامة لمذكر، وجمع السلامة المؤنث، وجمع التكسير لمذكر أو مؤنث، وفي عمل النصبوفي ثبوت الفاعل ورفعه ظاهراً أو مستتراً، وفي اشتراط الاعتماد عند التجرد من أل، وفي الدلالة على الحدث وعلى الفاعل.
قالوا: وفي الدلالة على الزمان، هذا ما اجتمع فيه الصفة المشبهة واسم الفاعل، ويفترقان في أمور:
الأول: أتها لا تصاغ إلا من قاصر أو منزل منزلته، وهو يصاغ منه ومن المتعدى.
الثاني: أنه يكون للأزمنة وهي لا تكون إلا ل لحاضر أي الماضي المتصل بالزمان الحاضر، قاله ابن هشام كأبي حيان الإمام الأندلسي، وقال أبو سعيد السيرافي أنها أبداً للماضي، وقال أبو بكر ابن السراج والشلوبين والناظم: إنها الحال، وجمع بعض الأندلسيين بين القولين بأن مراد السيرافي أن معناها ثابت في الماضي، ودام إلى الحال ولم ينقطع، ومراد ابن السراج أن معناها موجود في الحال كما وجد قبله. (2/146)
صفحة 395
الثالث: أنه لا يكون إلا مجارياً للمضارع، وهي تكون مجارية له دائماً إن كانت من غير الثلاثي، كمعتدل القامة، وقليلا إن كانت من الثلاثي كطاهر القلب، والغالب فيه عدم جريانها، وقول جماعة منهم ابن الحاجب: إنها لا تكون مجارية أصلا مردود باتفاقهم، على أن منها شاحط الدار، وضامر الكشح، وساهم الوجه، وخامل الذكر، وحالك اللون، وظاهر الفاقة، وطاهر العرض، ومطمئن القلب، ومعتدل القامة، وأجيب بأن هذه أسماء فاعلين قصد بها الثبوت، فعوملت معاملة المشبهة، ويأتى الجواب إن شاء الله.
قيل: ومن تلك الجماعة الزمخشري إذا قال في المفصل: الصفة المشبهة هي التي ليست الصفات الجارية.
قلت: قد يريد إنها ليست من الصفات الجارية دائما، فلا يرد عليه أنها قد تجرى.
الرابع: جواز تقديم معموله ومنع تقديم معمولها.
الخامس: أن معموله سببى وأجنبى، ومعمولها سببى، ولا يرد على وجوب تأخيره وسببيته نحو: زيد بك فرح، لأن المراد بالمعمول ما علمت فيه بحق الشبه، وعملها في الظروف والحال والتمييز ونحوها، إنما هو لما فيها من رائحة الفعل ومعناه. (2/147)
صفحة 396
السادس: إنه لا يخالف فعله في العمل، وهي تخالفه تنصب مع قصورها، وفعلها لا ينصب خلافا لبعض يقول: إنه ينصب على التشبيه نحو زيد حسن وجهه، وأما حديث: ((إن امرأة كانت تهراق الدماء )) بنصب الدماء فانتصب فيه على التمييز وزيادة أل أو على المفعولية بناء على أن تهراق مبني للفاعل، أصله بالياء قلبت ألفا لقلب الكسرة فتحه قافه الناظم، ويرده أن شرط ذلك تحرك الياء كقولهم: جاراة وقاصاة، وناصاة وبقا، في جارية وقاضية وناصية وبقى، أو على المفعولية لمحذوف أي تريق الدماء، أو على التشبيه بالمفعولية للمذكور، وهذا يأباه كثير بناء على أن النصب على التشبيه لا يكون في الأفعال، أو على أنه مفعول ثان على توهم التعدى إلى ثان كان الهمزة دخلت على الهاء المعوضة عن همزة أراق فعداه بها إلى ثان، وهذا ضعيف، ويجوز رفعه على البلدية من ضمير تهراق وحذف الرابط للعلم به، أو نابت عنه أل.
السابع: أنه يجوز حذفه وبقاء معموله دوما نحو: أنا زيد أضاربه بالنصب على الاشتغال بوصف محذوف، وهذا ضارب زيد وعمرا بنصب عمرو باضمار وصف منون أو فعل أو بالعطف على محل المخفوض عند مجيز هذا، وهي لا تحذف، ويبقى معمولها ولا تفسر عاملا قبلها.
الثامن: أنه لا يقبح حذف موصوف اسم الفاعل، واضافته إلى مضاف إلى ضميره نحو: مررت بقاتل أبيه، ويقبح مررت بحسن وجهه، وبرجل حسن وجهه.
التاسع: أنه يفصل من معموله المرفوع والمنصوب دونها.
العاشر: أنه يجوز اتباع معموله بالتوابع، ولا ينعت معمولها عند الزجاج ومتأخرى المغاربة لعدم السماع، أو لأن معمولها سببى فأشبه الضمير لرجوعه على مسماه، والضمير لا ينعت فكذا مثله، ويرد عليهم الحديث في صفة الدجال: ((أعور عينه اليمنى)) وأجيب بأن اليمنى خبر لمحذوف لا نعت، كأنه قيل: أي عينين فقال: اليمنى. (2/148)
صفحة 397
الحادي عشر: جواز اتباع مجروره على المحلّ عند كثير دونها، فلا يجوز هو حسن الوجه والبدن وقوى الرجل واليد برفع الاسم الثاني أو نصبه بعد خفض الأول، حلافا الفراء في الرفع، وأجاز البغداديون اتباع المنصوب بمجرور في اسم الفاعل، والمشبهة وبسطت هذا في النحو.
الثاني عشر: أنه الأصل في معمولها الجر إذا وليه أل، قاله الجزواي، والأصل النصب كمررت بالرجل الحسن الوجه، والمراد بالأصل الكثير فيما قال الدماميني.
الثالث عشر: استحسان اضافتها إلى ما هو فاعل في المعنى.
كوزن فاعل اسم فاعل جعلا
من الثلاثي الذي ما وزنه فعلا
أي اسم الفاعل من مصدر الفاعل الثلاثي المفتوح العين أو مكسورها لا مضمومها، جعل على وزن فاعل تعديا كان الفعل أو لازما صحيحا أو معتلا أو مضاعفا، لكنه مطرد في المفتوح مطلقا، كضرب فهو ضارب، وقعد فهو قاعد، ووعد فهو واعد، وقال فهو قائل، ورد فهو راد، وقضى فهو قاض، وفي المكسور إن كان متعديا نحو: علم فهو عالم، وشرب فهو شارب، ولقم فهو لاقم، وفضح فهو فاضح، ووسع فهو واسع وهاب فهو هائب، وبقى فهو باق، ومس فهو ماس.
وقليل لا يقاس فيه، ويقل في المكسور اللازم قيل جداً: كسلم فهو سالم، وفطح الأنف فهو فاطح إذا لصق بالوجه، وظاهر البيت استواء المفتوح والمكسور، وليس كذلك فإن المكسور اللازم مساو للمضموم في كون اسم الفاعل منه على وزن فاعل قليلا نحو فره بضم الراء فهو فاره، وطهر فهو طاهر، ونعم فهو ناعم، فكان الأولى أنه لا يخرج المضموم بقوله: ما وزنه فعلا بضم العين، بل يطلق ويذكر أن وزن فاعل يأتى من الجميع، ثم يذكر مواضع القياس كما فعل في الخلاصة، لكنه قد أخرج المكسور من قياس، ذلك بقوله: وصيغ من لازم إلخ، وقد يجئ اسم الفاعل من غير الثلاثي على فاعل نحو: أيفع الغلام فهو يافع، ولا يقال موفع، وأورق الشجر فهو وارق، ولا يقال موروق.
قلت: وقد يقال: كقوله:
*فيا شجر الخابور مالك مورق * (2/149)
صفحة 398
وأعشب المكان فهو عاشب، ولا يقال معشب، وأورس المكان فهو وارس ولا يقال مورس، والورس نبات أصفر، وطوحته الطوائح، وأطاحته فهي طائحات، لا يقال مطوحات ولا مطيحات، وذلك من النوادر، والقياس: موفع ومورق ومعشب ومورس ومطوح ومطيح.
قال الرضي: ومن ذلك قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح) على بعض التأويلات ألقحت الريح فهي لا قح لا ملقح.
قلت: ومنه أيضا: أبقل فهو باقل، وقد يقال: مبقل كما قيل أيضاً: مورس ومورق، وأقرب فهو قارب، إذا كانت إبله قوارب، وأمحل البلد فهو ما حلّ، وإلى ذلك أشار الناظم في التسهيل بقوله: وعن مفعل بفاعل، أي وربما استغنى عن مفعل بضم الميم وسكون الفاء وكسر العين، بفاعل، وقد علمت أنه ربما استغنى به أيضاً عن مفعل بالتشديد: كطوحته الطوائح فهي طائحت، والطوائح أيضاً جمع طائح، وقيل ذلك كله مبني على حذف الزوائد، كما قيل بذلك في اسم المصدر نحو أخرجه خروجاً، وربما استغنى عن مفاعل بمفعل بضم الميم وسكون الفاء وكسر العين نحو: حبه فهو محب بكسر الحاء، ولا يقال حاب، وعم بمعروفه فهو معمم بكسر العين، ومعمم بفتحها، ولمَّ فهو ملم بكسر اللام وفتحها أيضاً عند بعض، لا يقال عام ولام كما أشار إليه في التسهيل أيضاً.
قالوا: وقد يجيئ فاعل بمعنى مفعول نحو: (ماء دافق) أي مدفوق (عيشة راضية) أي مرضية.
ويجاب: بأن دفق يكون لازماً ومتعدياً، ودافق من اللازم بمعنى مندفق، وبأن دافق إذا سلمنا أنه من المتعدي، وراضية من المستغني به عن النسب كتابل بناء على أنه لا يلزم أن يكون فاعل مما لا فعل له: كتامر ولابن، بل يجوز مما له فعل أن يصاغ منه فاعل للنسب، وكذلك قد يجئ لفظ مفعول فمعنى فاعل نحو: (وعده مأتياً) أي آتياً، وأصله مأتوياً كمضروب، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء.
ويجاب: بأنه من أتيت الأمر أي فعلته فهو مأتي، أي مفعول فهو بلفظ مفعول على معنى مفعول، وكذلك جاء اسم الفاعل من أفعل على فعال كأجبره فهو جبار قاله الجوهري. (2/150)
صفحة 399
وقال البيضاوي: الجبار من جده على الأمر بمعنى أجبره، وكذلك من فعل بالتشديد كلبس فهو لباس، ونقل ملبس، ثم إن كان فاعل من الصحيح لم يلحقه تغيير مما يأتي، وإن كان معتل الفاء بالواو وبالياء، فكذلك نحو: واعد ووافر وياسر ويابس، وإن كان معتل العين بالياء أو بالواو، قلبت همزة نحو: قائل وبائع، والأصل قاول بالواو وقايل بالياء، ولكن علوهما حملاً على الفعل، فكما قالوا: باع قال بقلب الواو والياء ألفاً، كذلك قلبوهما في همزة الوصف.
وقيل: أبدلوا الألف همزة في الوصف والألف أصلها واو أو ياء قلبتا ألفاً لوقوعهما متحركتين بعد فتحة مفصولة بفاصل غير حصين وهو الألف.
وقال المبرد: دخلت ألف فاعل على ألف قال باع مثلاً، فالتقى ألفان ولم يمكن حذف إحداهما للإلباس بالماضي، فوجب تحريك إحداهما، وحركت التي نهى بدل عن العين لأن أصلها الحركة والألف إذا تحركت صارت همزة، وتكتب همزة تحت صورة ياء بلا نقط، وقيل تكتب ياء ولا تنقط ولا تقلب العين همزة إذا اعتلت وصحت، بل تبقى واو وياء لجريانها مجرى الصحيح كعين فهو عاين وصيد فهو صائد بالياء منقوطة، وفوه فهو فاوه، وعور فهو عاور بالواو، لأن العين لما صحت في الفعل خوف الإلباس بعان وصاد وفاه وعار، وصحت في اسم الفاعل بنعاله، قيل: لأن اسم الفاعل فرع الفعل في الإعلال، والتصحيح وهو مشكل من وجهين:
أحدهما: أن اسم الفاعل قد يعل ولا فعل له: كجائز بمعنى البستان، وجائزة بمعنى الخشبة في وسط السقف، فإن اعوا أنهما نقلا من أسماء الفاعلين، فقل كثر النقل في أسماء الأجناس، وهو قليل، بل قليل ممنوع والآخران الصحيح أن الوصف فرع عن المصدر لا فرع عن الفعل.
قلت: يجاب عن هذا الوجه الآخر بأن فرعية الوصف على المصدر إنما هي من حيث الاشتقاق، فلا ينافي فريعته على الفعل من الاعلال والتصحيح، كذا يظهر لي، ولم يظهر لي جواب عن الأول، ثم رأيت الصبان أجاب عن الآخر بذلك، فالحمد الله على الموافقة. (2/151)
صفحة 400
وعن الأول بالتزام النقل مع التكثير، هذا وفرق بعد ذلك الإبدال همزة بين المفرد والتثنة، وجمعها وجمع السلامة لمؤنث والتذكير والتأنيث، ومثل الوصف فيه الاسم كجائز وجائزة المذكورين، وذلك الإبدال واجب، وحيث عبر بعض بالجواز فالمراد عدم الامتناع الصادق بالواجب، لا كما يتوهمه بعض من جواز الإبدال وعدمه في الاسم كجائز وجائزة المذكورين بالجيم، وجائز بالحاء المهلة بمعنى مجتمع الماء.
وإن كان معتل اللام قلبت اللام الواوية ياء لتحركها بعد كسرة، ولتطرفها لكن لم تقلب إلا بعد زوال حركتها، وتبقى الياء، وإذا لم تكن التنوين تثبت الياءان نحو: الداعي والرامي، وإذ كانا حذفتا لالتقاء لساكنين، لأنه حرف صحيح وهما حرفا علة فحذفهما أولى كداع ورام وباق، وذلك في غير النصب، وأما في النصب فتثبتان مع التنوين نحو: رأيت داعياً وراميا، وأصل الداعي الداعو قلبت الواو ياء لتطرفها بعد كسرة، وأصل داع داعو، قلبت الواو ياء لذلك، فصار داعي تقلت ضمة الياء أو كسرتها، فحذفت فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وكذا أصل رام رامي، ثقلت الضمة أو الكسرة فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، فقد تثبت الباء مضمومة أو مكسورة حالة التنوين كداعي ورامي وهو قليل مبسوط في النحو، ويجوز إثبات الياء وحذفها في الوقف حال الرفع والجر. (2/152)
صفحة 401
ولكن الراجح في المتون حذفها عند سيبويه، وإثباتها عند يونس نحو: هذا داع ورام بسكون العين والميم، وداعي ورامي بكسرهما ياء، والإثبات لأنه الأصل، وقد ثبتت في الوصل، ولم يحدث ما يوجب حذفها، والحذف للفرق بين الوصل والوقف، والراجح في غير المتون الإثبات، وأما المنون المنصوب فتثبت ياؤه ويبدل التنوين ألفاً، والمنصوب غير المنون تثبت ياؤه ساكنة نحو: رأيت الداعي، وما تقدم من القلب للواو ياء سواء فيه المفرد والمثنى، وجمع السلامة المذكر والمؤنث: كداعية وداعيان، وداعيتان وداعون وداعيات، ولكن تحذف في جمع السلامة لمذكر، فإن أصل داعون داعيون، نقلت ضمة الياء للعين فحذفت لالتقاء الساكنين، أو حذفت الضمة لثقلها فضمت العين لتجانس الواو لحذف الياء من بينها لالتقاء الساكنين، وأصل داعين داعيين، نقلت الكسرة من الياء لثقلها، أو حذفت كذلك وكسرت العين لمناسبة ياء الجمع، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
وذلك لأن المؤنث والتأثنية والجمع فرع المذكر والمفرد، ولأن عامتها لطردها وزيارتها كان ما قبلها متطرف، وإن كان مضاعفاً أدغمت العين في اللام للتخفيف كرادّ، ويجوز فكه للضرورة، وإن اعتلت اللام وكان العين واواًَ ولم تقلب العين كراو والراوي، وتبقى الهمزة أولا ووسطاً وآخراً بدون قلب كآمن وسائل وقارئ من أمن وسأل، وقرأ بهمز الجميع، لأن الهمزة حرف صحيح يقبل الحركات جميعا بدون ثقل مطلقاً حرك سابقها أو سكن، وقد تخفف بالتسهيل إذا لم يبتدأ بها وتقلب أيضاً ياء في الآخر كالقارئ.
فمراد الناظم بفاعل ما كان على وزن فاعل لفظاً كضارب، أو تقديراً كداع، والداعي بسكون الياء، والداعون والداعي بسكونها وزادوا منه ما كان على لفظ عالف كالحادي أصله الحاد، وقلبت الواو ياء لتطرفها، وهي فاء الكلمة تأخر إلى ما بعد اللام أو نحو ذلك مما تعرفه من كيفية الوزن المذكورة. (2/153)
صفحة 402
واعلم أنه لما كان اسم الفاعل مشابهاً للمضارع معنى، قصدوا في بنائه مشابهته لفظاً لكمال المناسبة، فزادوا ألفا بدل حرف المضارعة لخفتها بالقياس إلى سائر الحروف، فرقاً بين الماضي واسم الفاعل لأنه يحذف حرف المضارعة، وتزاد ألف فيكون اسم فاعل، ثم كسروا العين كسرة جديدة لا الكسرة التي في الماضي والمضارع إن كانت فيه لاعتلال الكسرة، وقيل: كسرت لئلا يلتبس بالماضي من المفاعلة لو فتحت، ولئلا بثقل لو ضمت، ويبحث بأن الكسر يلبس أيضاً بالأمر من المفاعلة.
وأجيب: بأن هذا اللبس اللازم للكسر يغتفر للضرورة أنه لم تبق حركة سواه، لأنه التباس ما يشبه الأصل، لأن الأمر يشبه المضارع، والمضارع أصل لاسم الفاعل عند كثير، بخلاف الفتح فإنه يلبس بالماضي وضعفت بأن الضم فيثقل اللفظ أولى من الكسر فيلبس، وزيدت الألف بين الفاء والعين، لأنها لو زيدت قبل الفاء لزم الابتداء بالساكن، وإن قلبت همزة وحركت بالضم لالتبس بالأمر من المضموم العين لأنه قد يغفل عن كسرة العين، وبالمضارع من الرباعي، وبالمبنى للمفعول من الماضي الرباعي، أو الفتح لالتبس بالمضارع المكسور العين، ولو زيدت الألف في الآخر لالتبس بماضي الاثنين.
والمراد بقوله: اسم فاعل جعلا إما اسم فاعل للمصطلح عليه لأن كل وصف دل على فاعل من الثلاثي، وكان على زنة فاعل فهو اسم فاعل، لكن قد يجري مجرى الصفة المشبهة كظامر الكشح لأن مرادهم باسم الفاعل الثلاثي في باب ذكر الأبنية ما كان على فاعل، ولو كان صفة مشبهة، وفي باب العمل ما ليس صفة مشبهة إلا أن قوله: الذي ما وزنه فعل يدل على أنه لو أراد ما ذكرنا لم يحتج إليه في إخراج فعل بالضم، فإن صوغ فاعل منه وارد كما مر، وإما ما هو الفاعل وإنما المراد أن الوصف الدال على فاعل يصاغ من الثلاثي الذي ليس بمضموم العين على فاعل، وهذا أظهر لإخراجه فعل بالضم، واخترز بالثلاثي من الراعي والخماسي والسداسي فإنها تأتى. (2/154)
صفحة 403
الإعراب: كوزن متعلق بجعل على القول بتعليق الكاف التشبيهية وتعلق قطعاً إن جعلت بمعنى على أو نحوها، وفي ذلك تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، أو هو كما مر جائز وفاعل مضاف إليه، ويكسر تنوينه ولا بد ليستقيم الوزن، ولئلا يلتقى ساكنان، وهذا أولى من حذف تنوينه للضرورة، وقطه همزة الوصل بعد للضرورة، لأن كسر التنوين لئلا يلتقيا، جائز سعة وهو أو لى من ضرورتين.
واسم مبتدأ وجعلا ماض مبني للمفعول مستتر النائب جوازاً، والجملة خبر ومعناه أوجد أو وضع أو نحوهما، وإن جعل من المتعدى لاثنين فالثاني كاف، قوله: كوزن أو استقراره والأول ناب عن الفاعل، وفي نسخة جعلوا فيكون اسم مفعولا أولا ويجوز جعل كوزن حالا منه، وعلى كل حال يقدر مضاف أي وزن اسم فاعل جعل كوزن فاعلا، والكاف بمعنى على فلا يقدر مضاف.
ومن الثلاثي: متعلق بمحذوف حال من ضمير جعلا أي من فع الثلاثي: وحذف ياء المتحركة من ياء النسب: للضرورة، وحذفت ياء الساكنة فيهما لالتقائها ساكنة، مع لام الراء الساكنة أو حذف ياء من جملة ضرورة، ولا يغرنك ثبوت الياء في الخط، فإنها لاحظ لها في اللسان، وما كتبت إلا لتدل على الحذف، ويجوز أن تفتح ثاء الثلاث أولى ولا تكتب الياء بعد الثاء الآخرة، فيكون مذكر ثلاثة فيقدر مضاف، أي من ذي الثلاث، فيوافق قوله في الخلاصة من ذي ثلاثة أي من فعل صاحب الأحرف الثلاثة، وأسقط التاء بتاء على جواز تركها إذ كان المعدود مذكراً بلا قيد لغة، أو تركها للضرورة، أو بناء على أن لفظ الحرف يذكر ويؤنث، كما يذكر ويؤنث اللفظ المخصوص من الحروف كالباء والتاء، وأل على الأول للعهد، وعلى الآخر للجنس أو للحقيقة. (2/155)
صفحة 404
وليس ببعيد جدا عما قيد، ولعل جه البعد نعت لمضاف إليه نيابة عن المضاف أو لإبدال من محذوف، أو من المضاف إليه نيابة، والذي نعت الثلاثي بياء النسب، أو بدل من المضاف المحذوف أو نعته على القول بتعريف ذي بالاضافة، أو نعت الثلاث، أو بدله على سبيل نيابته.
ومنه صيغ كسهل والظريف قد
يكون افعلا وفعالا أو فعلا
والكفرات وعفر والحصور وغمر
عاقر جنب ومشبه ثملا
أي وصيغ اسم الفاعل من مصدر فعل المضموم العين مطلقاً على أوزان.
منها: فَعْل بفتح الفاء وسكون العين: كسهل فهو سهل، وضخم فهو ضخم، ونزر فهو نزر، وصعب فهو صعب، والمؤنث سهلة، والسهولة خلاف الصعوبة، ووجه سهل قليلاً اللحم، وأما السهلة بكسر السين فتراب كالرمل يجئ به السيل والماء، وأرض ونهر سهلة بفتح السين وكسر الهاء كثيرة، وأما السهل بفتح فكسر كالسهل بضم فسكون فكل شيء إلى اللين، وأما السهل بفتح فسكون فالغرب، ومن الأرض ضد الحزن.
ومنها: فعيل بفتح الفاء وكسر العين بعده ياء ساكنة سكوناً ميتاً: ككرم فهو كريم، وظرف فهو ظريف، وشرف فهو شريف، وجمل فهو جميل، والوزنان مقيسان كما هو ظاهر الهمع، وهو ظاهر الخلاصة أيضاً إذ قال: وفعل أولى وفعيل بفعل.
وقال الصبان: لم يصرح بالقياس لعدم كثرة فعل وفعيل، في فعل المضموم كثرة تقطع بقياسهما فيه عنده.
قال أبو يحيى، وصاحب تحقيق المقال: قال الناظم في شرح التسهيل: من استعمل القياس لعدم السماع فهو مصيب.
قال صاحب التحقيق: وانظره مع ما لابنه في شرح الألفية.
قلت: قال فيه الذي كثر في اسم الفاعل حتى كاد يطرد مجيئه على فعل أو فعيل أ. هـ، وهو مخالف لأبيه بعض مخالفة لأنه قال: كادا يطردان، وكلام الناظم في شرح التسهيل جواز قياسهما صراحاً إذ قال: من استعمل القياس فيهما لعدم السماع إلخ، وهو يقتضي أنه لا يستعمل القياس مع ورود السماع بغيرهما، وهو قول الكثير في مصادر الثلاثي.
وقال بعضهم: يستعمل القياس فيهما، فلورود السماع. (2/156)
صفحة 405
قال الشاطبي: وغير المصنف يرى أن فعيلاً مقيس دون فعل، ونص ابن هشام أنهما جميعاً مقيسان، وأن فعيلاً قبل فعل، وإن قلت: ما فائدة قوله في الخلاصة والفعل جمل؟
قلت: زعم الشاطبي والحفني وغيرهما: أن فائدته الاحتراز عن جمل بمعنى أذاب نحو: جملت الشحم أي أذبته فهو جميل، فإن فعله بالفتح وجميل فيه بمعنى مجمول، ويرد عليهم أن معرفة أن الفعل جمل بالضم لا بالفتح تستفاد من بنائه الكلام على فعل بالضم إذ قال وفعل أولى، وفعيل بفعل، فالظاهر أن قوله والفعل جمل ليس تقييد بل استئناف لبيان الواقع مع عدم الحاجة إليه بل، زائد ليكمل البيت برويه، فالواو استئنافية لا حالية، أو للحال اللازمة نظراً إلى فرض الكلام.
ومنها: أفعل نحو: خرق فهو أخرق وحمق فهو أحمق بمعنى وشنع فهو أشنع أي أقبح، ووطف فهو أوطف، أي طال شعر عينيه أو حاجبيه، وظلام أوطف أي أرخى ذيله، وعيش أوطف أي رخى، وخظب فهو أخظب بالخاء والظاء المعجمة المشالة، أي كان أحمر إلى الكدرة كذا في التوضيح والتصريح وغيرهما، وليس في القاموس والصحاح والمصباح، والذي في القاموس أنه بالبطاء المهملة، وأن فعله مكسور العين، وفسره بالون الكدر المشرب حمرة في صفرة أو غبرة ترقها خضرة، وشجع فهو أشجع، وحرش فهو أحرش أي خشن، وليس هذا الوزن اسم تفضيل، وإن كان على وزانه فلا يوصل التفضيلية، وليس فيه معنى التفضيلية، فأشجع بمعنى شجاع.
ومنها: فعال بفتح الفاء والعين خفيفة بعدها ألف زائدة، كما زيدت الهمزة في أفعل، والياء في فعيل، ونحو: جبن فهو جبان بفتح الجيم والياء بدون تشديد، أي هيوب للأشياء لا يقدم عليها، ويقال أيضاً جبان بتشديد الباء وجبين بوزن أمير، وحصنت المرأة فهي حصان بفتح الحاء والصاد، أي امتنعت بالعفاف، أو تزوجت، قال حسان في عائشة رضي الله عنها:
حصان رزان ما تزن بربية
وتصبح غوثاً من لحوم القوافل (2/157)
صفحة 406
وحرم الشيء فهو حرام، وكثيرا ما تقلب الاسمية على لفظ الحرام، فيكون اسماًَ لشيء المحرم لا وصفاً، ويكون أيضا مصدراً.
ومنها: فعل بفتح الفاء والعين كبطل فهو بطل بفتح الباء والطاء، أي شجع حتى إن الدماء تبطل عنده، ولا يؤخذ منه بثأرها، أو تبطل جراحته فلا يكثر لها، ويقال أيضا: بطَّال بتشديد الطاء بعدها ألف، وحسن فهو حسن، ويقال أيضا: حسين بوزن أمير، وحسان كغراب، وحسان بالضم والتشديد، وتفتح عين الفعل أيضا فيكون من باب نصر، فيقال في الوصف حاسن وظاهر بعض أنه يقال حاسن في المضموم أيضا، وتلك ا|لأوزان الثلاثة قليلة، أشار إليها وإلى قلتها: بقوله: وقد يكون أفعلا وفعالا أو فعل.
وإن قلت: لو قال: وقد يكون أحمق أو جبان أو بطلا لكان أحسن؟ قلت: قد قيل أنه أحسن وعليه صاحب التحقيق، ولا أسلمه لأن الكلام في الوزن الشامل للأفراد لا في الأفراد الخاصة، وكذا التعبير في الفعل وقع بالوزن العام، وهو فعل بالضم، فيقبح الخروج منه إلى الخصوص المخض، ولأن فعل بالضم لا يصاغ منه أحمق وجبان وبطل من لفظه، بل من أفعال موازنة له، ولأن الكل في اسم الفاعل العام، وإليه مع عمومه ترجع الضمائر في جعل وصيغ ويكون، فبرجوع ضمير يكون إلى الخاص يحتاج إلى تكلف الاستخدام والتسامح ونحوهما، ولأنه لو قال ذلك مع أنه قد وصفه بالقلة لتوهم خصوص أحمق وجبان، وبطل مع أنه المتبادر من العبارة أيضاً، بل يلزم إلا بتقدير أداة التشبيه أي كأحمق إلخ.
وأما سهل وظريف وفرات وما بعده، فإنها لو كانت ألفاظاً خاصة لكنها بتسليط أداة التشبيه عليها يكون المراد العموم.
ومنها: فعال بضم الفاء وفتح العين بدون تشديد بعدها ألف زائدة نحو: فرت الماء فهو فرات، أي عذب جداً بتاء مثناة فوق، ويكون أيضاً اسما للماء العذب جدا لا وصفاً، ولنهر بالكوفة وللبحر وعلماً. (2/158)
صفحة 407
وأما فرت بكسر الراء فمعناه ضعف عقله بعد مسكة، وأما بفتحها فمعناها فجر، ووصف المككسور مثله بأنه من باب فرح، ووصف المفتوح فاعل لأنه من باب نصر، ويقال: مياه فرتان والفراتان الفرات، ودجيل أو دجلة، وزعق فهو زعاق أي مرّ وشجع فهو شجاع.
ومنها: فعل بكسر الفاء وسكون العين نحو: عفر فهو عفر، وعفرت المرأة فهي عفرة، وفي الصحاح العفر الرجل الخبيث الداهي وأيضاً المكر الشجاع، وكذلك العفريت أو أكثر بزيادة الياء والتاء.
أبو عبيدة: العفريت من كل شيء المبالغ فلان عفريت نفريت، وفي الحديث: ((إن الله يبغض العفريت الذي لا يرزي في أهل ولا مال)) والنفريت التباع، وبدع فهو بدع أي كان غايته في علم أو شرف أو شجاعة أو غيرها، وطفل الشيء فهو طفل أي رخص ناعم، وظاهر القاموس أنه يفتح الطاء حرم فهو حرم قرئ: ((وحرم على قرية أهلكناها)) بكسر الحاء، وسكون الراء، وظاهر التوضيح أن تلك الأوزان كلها مقيسة، وكذا فعل بضمتين كجنب لكن فعيل أولى وبعده فعل بالسكون كالشهم أي ذكى الفؤاد أوضخم وبعدهما افعل وفعل بفتحتين والفعال بفتح، وفعال بالضم، وفعل بضمتين، وفعل بكسر وسكون.
قال: وقياس الوصف من فعل بالضم فعيل كضريف وشريف، ودونه أي دون فعيل فعل كشهم وضخم ودونهما، أي دون فعيل وفعل أفعل كأخظب إذا كان أحمر أي الكدرة أي مائلا إليها، وفعل كبطل وحسن، وفعال بالفتح كجبان، وفعال بالضم كشجاع، وفعل كجنب، وفعل كعفر أي شجاع ماكر انتهى.
وذلك خلاف المشهور، بل قال أبو يحيى: اتفقوا على أن غير فعل بالسكون وفعيل مقصور على السماع، وقد يقال: ضمير دونه عائدللقياس، وضمير دونهما الفعيل وفعل، أما لفعيل فليفيد عدم القياس، وأما لفعل فليفيد أن عدم القياس في الأمثلة أقوى منه في فعل، فيفيد أن المقيس فعيل فقط، وكذا إذا أرجعنا الضميرين كما مر أولا وأراد الدونية معرضا عن القياس، لعدمه في غير فعيل. (2/159)
صفحة 408
ومنها: فعول بفتح الفاء وضم العين كعززت الناقة فهي عزوز ضاق مجرى لبنها، وقيل: مخرج بولها، وحصرت فهي حصور، أي ضاق مخرج لبنها، وقيل: مخرج بولها، وحصرت فهي حصور، أي ضاق مخرج لبنها، وحصر الرجل فهو حصور، أي لا شهوة له بالنساء، والحصور أيضا البخيل السيئ الخلق، وجعل الجوهرى حصرت الناقة هو بفتح الصاد، ويقال أيضا أحصرت.
قال أبو يحيى: وهو مخالف لما أشار إليه المصنف وابنه.
قلت: الذي في النظم من المضموم لا من المفتوح، لمعنى من معاني المضموم، ولا من المكسور إذ قد جاء مكسورا كفرح، وفي القاموس: الحصور الناقة الضيقة الإحليل، وحصر ككرم، وفرح وأحصر ومن لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك أو الممنوع منهن أو من لا يشتهيهن، ولا يقربهن، والمجبوب والبخيل والهيوب المحجم عن الشيء والكاتم للسر. انتهى.
وكذا حصرت المرأة ضاق مجرى لبنها، فقد رأيت نص القاموس على بناء حصر الفاعل وضم صاده.
وزعم الصبان أن حصر مبني للمفعول دائما وأن تمثيلهم به المضموم العين باعتبار الأصل، وأنه لا يرد أن أصل المبني للمفعول متعد، والمضموم العين الذي الكلام فيه لازم لما مر عن ابن قاسم، أن المبني للمفعول قد يكون سماعا من اللازم، نحو: جنى فيجعل هذا منه، وانظر ما الدليل على أن أصله بضم العين.
ومنها: فعل بضم الفاء وسكون العين نحو: غمر فهو غمّر أي لم يجرب الأمور وهو بالغين المعجمة، وفي القاموس أنه تفتح عينه أيضاً وتكسر مع الميم أيضاً، وعن بعض: أن الغمر بالفتح فالسكون الماء الكثير، أو الكريم الواسع الخلق، أو معظم البحر، أو الجواد من الخيل، أو السابغ من الثياب، أو جماعة الناس ولفيفهم، ويقال: لفيفهم الغمر بفتحتين، والغمر بالكسر فالسكون الحفر المستور، والغمر بالضم فالسكون من لم يجرب الأمور، وصلب المكان فهو صُلب، وصَلُب الشيء فهو صلب أي اشتد ومنها فاعل بزيادة الألف نحو: عقرت المرأة فهي عاقر لا عاقرة، أي لم تحمل وهي في سن الحمل. (2/160)
صفحة 409
وزعم صاحب فتح الأقفال: أنها جاوزت سن الحمل، بل التي لا تلد وعقر الأمر لم يفتح عاقبة، والعاقر من الرمل ما لا ينبت والعظيم منه، والمرأة التي لا مثل لها.
وذكر في القاموس أنه يقال: عقرت بالبناء للمفعول أي عقمت، وعقرت بفتح القاف تعقرت بكسرها فهي عاقر، ورجل عاقر وعقير لا يولد له ولد.
ونص صاحب التحقيق أنه يقال أيضاً: عقر بالكسر فهو مثلث فاك أن تقول: استغنوا لعاقر من عقر المفتوح، عن فعيل من فعل المضموم، وبرع أي فاق في كل فضيلة فهو بارع، وبرع فهو بارع، أي جميل وهي بارعة، وفره الفرس فهو فاره أي ناشط، وفره الرجل أي حذق فهو فاره، والفاره القينة والشديدة الأكل، والجارية المليحة، وفجر الرجل فهو فاجر، وفرس فهو فارس أي حاذق بركوب الخيل، وفحش فهو فاحش، وودع فهو وادع أي ساكن، ومستقر ويقال أيضاً: وديع، ووسع فهو واسع أي دارع، وبسل فهو باسل أي شجاع لا يفلت قرنه، وحزم فهو حازم أي مشمر محتاط في الأمور، ويقال أيضاً: حزيم، وصرم السيف فهو صارم أي قاطع، ويقال أيضاً الصروم وصرم الرجل فهو صارم، أي شجاع، وفحم الشعر فهو فاحم، أي أسود، ويقال أيضاً: فحيم ونبه قدره فهو نابه أي ذو شهرة، ويقال أيضاً النبه بفتحتين، وحمض فهو حامض ويقال أيضاً حمض بالفتح وحمض بالكسر كفرح، وقيل: الكسر في اللبن خاصة.
ومنها: فعل بضمتين كجنب فهو جنب وهم جنب، وهما جنب بلفظ واحد، ويقال في الفعل جنب بالفتح أيضاً.
ومنها: فعل بفتح الفاء وكسر العين مشبه ثمل بفتح التاء وكسر الميم في الوزن فقط، لأن ثمل فعل مكسور العين، وهو لازم فليس مراده أن ثمل وصف وفعله مضموم كذا لصاحب فتح الأفعال. (2/161)
صفحة 410
قلت: لا مانع من أن يريد به ذلك أنه وصف مفتوح الأول مكسور الثاني، وفعله بالضم وهو بثاء مثلثة فإنه واو اشتهر كسر عينه كفرح لكن جاء ضمها كما هو صريح تحقيق المقال إلاَّ إن لم يطلع على الضم إطلاعاً لكن عن ظاهر النظم، ومعناه سكر أو قارب السكر، وثمل السيف بعد عهده بالصقل، وندس فهو ندس أي عالم بالأخبار مدقق للنظر في الأمور وفطن فهو فطن.
قيل: والمشهور فيها الكسر، وذكر في القاموس أن فطن بفتح طاؤه أيضاً كنصر وتكسر كفرح، وأنه يقال أيضاً في الوصف فاطن وفطين وفطون بالفتح، وفطن بالفتح والسكون وبالضم والسكون، وندس بالكسر هو المذكور في القاموس بوزن فرح، وقد يقال: فاطن وصف فطن المفتوح، وفطن بالكسر وصف فطن بالكسر، وحصف فهو حصف أي رزين الفعل، والمشهور فيه حصيف بالياء قالته صاحب التحقيق.
قلت: قد ورد حصف بالكسر أيضاً، فلعلّ حصفاً بالكسر وصف له، كفرح فهو فرح، وخشن المكان بضم الشين فهو خشن تكسرها، هذا ما في القاموس.
وزعم الأشموني أن الوصف خشن بكسرتين، فلعل ذلك لغتان، وبهج فهو بهج أي حسن، وسمح فهو سمح ضده، وبدغ بغين معجمة فهو بدغ أي سمين ناعم، ولم يذكر الناظم فعلاً بكسرتين، وذكره الأشموني، ولم يذكر فعالاً بفتح الفاء وتشديد العين بعدها ألف زائدة، وذكره صاحب التحقيق، وأبو يحيى كوضؤ فهو وضاء ولم يذكر فعلاناً، وذكره صاحب التحقيق كسرع فهو سرعان بفتح الأول، وسكون الثاني، وزيادة ألف ونون بعد الثالث، ولم يذكر مفعولاً، وذكره صاحب التحقيق كودع فهو مودوع أي وادع، ولم يذكر الناظم ذلك لشذوذه.
وقد يحول فعيل إلى فعال بالفتح والتخفيف: كطويل وطوال بفتح الطاء، والواو مخففة، وإلى فعال بالتشديد ككريم وكرام بفتح الكاف، وتشديد الراء. (2/162)
صفحة 411
وقول صاحب التحقيق: واعلم أنه قد شذ فيه أيضاً فاعل قالوا: فره فهو فاره، إن أراد به الاستدراك على الناظم فسهو لأن الناظم قد مثل له بعاقر كما شرحه صاحب التحقيق بنفسه، وإن أراد التنبيه على شذوذ فاعل لأنه ذكره الناظم بدون النص على شذوذه، وذكره هو أيضاً في محل شرحه بدون النص على الشذوذ فصحيح، والمتبادر أنه أراد الاحتمال الأول سهواً، وجلّ وعزّ من لا يسهو والهاء من قوله في أول البيت، ومنه صيغ عائد إلى فعل بالضم آخر البيت قبله كما هو ظاهر، ونص عليه أبو يحيى وصاحب تحقيق المقال وغيرهما.
الإعراب: الواو لعطف جملة صيغ على جملة جعلا، وجعلوا في البيت قبله، ومنه متعلق بصيغ، وقدم للوزن وصيغ بإخلاص كسر الصاد أو اشمامه الضم، ويجوز صوغ فعل ماض مبني للمفعول ونائبه مستتر فيه جوازاً عائد إلى اسم الفاعل في قوله: اسم فاعل جعلا.
وكسهل متعلق بمحذوف حال من المستتر أو الكاف اسم حال، وسهل مضاف إليه، وهذا أولى من جعلها اسماً نائباً، والظريف معطوف على سهل، والواو للاستئناف أو للعطف على جملة صيغ أو جعل، وقد حرف تقليل، ويكون مضارع مستتر الاسمك جوازاً عائداً إلى الفاعل المذكور، وافعل خبره على حذف مضاف أي مثل افعلا، ونحو افعلا، وموازن أفعل وفعالاً معطوف بأو على أفعل، ويوجد في النسخ مكتوباً بألف التنوين، ولا يقبل الوزن تنوينه، فالصواب منع تنوينه للوزن لأن اللام هي أول الوتد المجموع، فإنما يلين متحرك آخر يكون وسط الوتد المجموع، فهو همزة أو وآخر الوتد الواو، ولعله وصل همزة فحذفها من النطق، وكسر التنوين لئلا يلتقي ساكنان. (2/163)
صفحة 412
وفعلا معطوف بأو على فعالا، أوعلى أفعل، والواو للعطف، وكالفرات متعلق بمحذوف، وهذه المحذوف منصوب معطوف بالواو، على أصعب المنصوب على الخبرية ليكون، أو يقدر بلا تعليق الكاف به،أو الكاف اسم معطوف على افعل، والفرات مضاف إليه الكاف أي ومثل الفرات، وما بعده معطوف على الفرات، أو كل على متلوه بإسقاط العاطف في عاقر وجنب، ومشبه كذا في النسخ بالرفع أو بالجر، والصواب مشبها بالنصب معطوف على افعلا، وعلى كاف.
قوله: وكالفرات إن جعل أسماء أو على الاستقرار المحذوف إن جعل حرفاً، أو على محل المجرور أو محل الجار والمجرور على الخلاف في محل النصب، هل هو للمجرور أولا أو للجار ولا شيء يقول من قال للجار، ووجه الرفع أنه مبتدأ محذوف الحبر أو مشبه ثمل لذلك، أو نائب لمحذوف أي وقد يصاغ مشبه ثملا، وقد يأتي ونحوهما، ولا وجه للجر خال عن تكلف، مثل أن يقال: معطوف كما تقدم، وجر للمجاورة للمجرور ويقدر نصبه بناء على جواز الخفض على الجواز في المعطوف مع فصل العاطف، وهو قول رده ابن هشام وغيره كما بسطته في النحو، وإنما لم أعطفه على الفرات أو على جنب لأنه يلزم عليه أن يكون التقدير: وكمشبه ثمل لأن ما عطف عليه (ح) قد تسلط عليه الكاف تلواً أو بالعطف وهو فاسد، لأن المراد مشبه ثمل لا مثل مشبهه إلا أن يجعل كناية عن ثبوت مثل مشبهه، فيفيد أن هناك ما أشبه ثمل، وما أشبه ما أشبهه.
وغاية هذا المفاد الإشعار بثبوت أمثلة على وزن ثمل، لأن ما أشبه ثمل ليس وصفاً واحداً، أو تجعل الكاف المقدرة من حيث العطف على مدخول الكاف زائدة، وهذا أبعد لأن فيه تقدير الزائد، وثمل مفعول به لمشبه.
وصيغ من لازم موازنه فعلا
بوزنه كثج ومنسبه عجلا
والشاذ والأشنب الجزلان ثمت قد
يأتى كفان وشبه واحد النجلا
حملا على غيره لنسبة كخفيـ
ـف شيب أطيب في الصوغ من فعلا (2/164)
صفحة 413
أي وصيغ اسم الفاعل كثيرا قياسا من الفعل اللازم المكسور العين على وزن هذا اللازم المكسور، كشجى بالشين المعجمة، وجيم مكسورة، وياء مفتوحة فهو شج بفتح الشين وكسر الجيم وحذف الياء، لالتقائها ساكنة مع التنوين، وهو الذي في النظم، فوزنه فع بحذف اللام، وأصله شجى بوزن فعل فتح الأول وكسر الثاني وتنوين الثالث، تقلب الضمة فحذفت فبقيت الياء ساكنة قبل التنوين، فالتقى ساكنان فحذفت الياء لأنها حرف علة، وبعض كلمة، والتنوين حرف صحيح، وكلمة تامة، وكذا في حال الجر.
وأما في حال النصب فتثبت الياء، ومعناه حزن وهذا من معتل اللام، ومثال ذلك من صحيحها: فرح فهو فرح، وأشر فهو أشر أي يحمد النعمة والعافية، وكذا بطر فهو بطر بمعناه ووزنه، وقيل: هما بمعنى شدة المرح، ويطلق البطر أيضا على النشاط والدهش والخيرة والطغيان بالنعمة، وكراهية الشيء من غير أن يستحق الكراهة، وذلك كله بصحيحه ومعتله موازن لفعله، وإليه أشاربقوله: بوزنه كشج وهو الوزن الأول، وهو مقيس مطلقا.
وقيل في الإعراض: سواء كانت داء كشج وجو مثله وزنى ومعنى، وحبط ووقع أو غبر ذا كفرح وبطر والأعراض جمع عرض بفتح العين والراء، والمراد به هنا المعنى العارض للذات غير الراسخ فيها، فيخرج اللون والخلقة لا العرض مقابل للجسم المحدود، بأنه مالا يستقبل عند بعض، وبأنه ما لا يدوم أكثر من حال عند آخرين المبسوط في علم الكلام.
وصيغ اسم الفاعل أيضا كثير قياسا من الفعل اللازم المكسور العين على وزن فعل بفتح الفاء وضم العين، وهو الوزن الثاني، وإليه أشار بقوله: ومشبه عجلا بفتح العين وضم الجيم اسم الفاعل من عجل بكسر الجيم، ومنه يقظ بكسر القاف، فهو يقظ بضمها، وطمع بكسر الميم فهو طمع بضمها، ودنس بكسر النون فهو دنس بضمها، وكذا ندس فهو ندس. (2/165)
صفحة 414
وورد منه أشر بكسر الشين فهو أشر بضمها، والقياس والراجح كسرها كما مرّ في الوزن الأول، وورد: أشر بكسر الشين فهو أشر بفتحها كالمصدر، وورد أيضا أشر بالكسر فهو أشر بالسكون وورد أشران كسكران، والقياس الكسر ويليه الضم وورد عجل بكسر الجيم فهو عجل بكسرها أيضا، وهو أولى من ضمها، وورد عجلان كسكران، وعاجل وعجيل على غير قياس، وورد يقظ بالكسر ففهو يقظ بالكسر أيضا وهو أولى من الضم.
وورد يقضان كسكران على غير قياس، وورد مضموم عين الفعل ككرم ووصفه ذلك كله، وورد طمع بكسر الميم فهو طمع بالكسر أيضاً وهو أولى من الضم، ورد على غير قياس طامع كضارب، وورد ندس بالكسر فهو ندس بالكسر أيضا، وهو أولى من الضم.
وورد دنس بالكسر في تقديم الدال، وهو ولي من الضم وأكثر، ويصاغ اسم الفاعل أيضا على قياس، وكثرة من فعل المكسور العين اللازم على فعل بفتح الفاء، وسكون العين وهو الوزن الثالث، وإليه أشار بقوله: والشاذ تقول شيذ بالشين المعجمة والهمزة المكسورة بعدها زاي المكان فهو شأز بفتح الشين وسكون الهمزة، أوتبدل ألفا أي خشن بكثرة حجارته، وهو لغة تميم، وصلة شئز بكسر الهمزة كفرح فهو فرح، وخفف بالاسكان.
وورد عن الأصل أيضا وهو لغة غير تميم، وورد شئز جنبى بالتنوين، وكسر الهمزة وهو كثير أيضا أو أكثر، ويكون بمعنى الغلط، وبمعنى الارتفاع، وبمعنى الاشتداد، وبمعنى القلق، وبمعنى الدعر، وقد يبني للمفعول هذا الآخر كعنى، وأما شئزها بمعنى جامعها وشأزت الخيل بمعنى سمنت فمفتوح العين والأول متعد والكلام هنا في المكسور اللازم. (2/166)
صفحة 415
ويصاغ اسم الفاعل أيضا على قياس وكثرة من فعل المكسور اللازم على أفعل بفتح الهمزة الزائدة والعين، وسكون الفاء على وزن اسم التفضل، وليس اسم تفضيل وهو الوزن الرابع، وإليه أشار بقوله: والأشنب يقال: شنب بكسر النون فهو أشنب، وشنبت فهي شنباء بالمد، ويقال هو شنب وهي شنبة بالكسر، وشانب وشانبة، وشنيب وشنيبة، ككريم وكريمة، والقياس أشنب، وحكى سيبويه شمباء في التأنيث بإبدال النون ميما، والشنب قال بعضهم ماء يجرى على الأسنان، وقيل رقة وجدت في الأسنان تراها كالمنشار حين تطلع، وذاك في الشبيية لأنها إذا أتت عليها السنون احتكت، وقيل: برد وعذوبة في الأسنان، ومنه شنب يومنا فهو شنب بالكسر، وشانب أي برد.
قال الجرمى: سمعت الأصمعى يقول: برد الفم والأسنان فقلت إن أصحابنا يقولون: هو حدتها حين تطلع، فيراد بذلك حداثتها وطراوتها، لأنها إذا أتبت عليها السنون احتكت، فقال ما هو إلا بردها، وقول ذي الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس
وفي اللثات وفي أنيابها شنب
يرد قول الأصمعى لأن اللثة لا تكون فيها حدة.
قلت: للأصمعى أن يقول في اللثات معطوف على شفتيها، فيكون المراد وصفها بالحوة، واللعس لا بالحدة، فلا دليل في البيت كذا ظهر لي، وأبو يحيى لم ينتبه لهذه فسلم لذلك أو لم يسلم، والله أعلم.
وقيل: الشنب نقط بيض في الأسنان، وقال الأصمعى أيضا: سألت رؤبة عن الشنب، فأخذ حبة رمان وأومأ إلىَّ بصبيبها أي مائها، وفي القاموس: الشنباء من الرمان الامليسية ليس لها حب، إنما هي ماء في قشر، والمشانب الأفواة الطيبة، ومن ذلك الوزن: خضر فهو أخضر، وسود فهو أسود، وحمر فهو أحمر، وبيض فهو أبيض، وصفر فهو أصفر، وزرق فهو أزرق، ودهم فهو أدهم، وكدر فهو أكدر، وحول فهو أحول نوع من النظر والبصر، وعور فهو أعور، ودقن فهو أدقن أي عظم دقنه، وجهر فهو أجهر لا يبصر في الشمس، وعمى فهو أعمى. (2/167)
صفحة 416
ويقاس ذلك الوزن مطلقاً، وقيد فيما دل على اللون، وفيما دل على الخلقة أي الحال المصور عليه اليدن، كالعور والجهر والحور، حور فهو أحور أي شديد بياض العين، وسوادها مستدير، وحدقتها رقيق جفونها أبيض حواليها، وقيل: شدة بياضها وسوادها في بياض الجسد، وقيل: اسوداد جل العين أو كلها كالظبي، ولا يكون ابن آدم، بل يستعار له، وألمى فهو ألمى أي أسود حمرة الشفتين، ويصاغ أيضا اسم الفاعل على قياس، وكثرة من فعل المكسور اللازم على وزن فعلان بفتح الفاء وسكون العين، وزيادة الألف والنون في الآخر، وهي الوزن الخامس وإليه أشار بقوله: الجذلان، تقول جذل ببذال معجمة مكسورة فهو جذلان أي فرح، وورد هو جذل بالكسر أيضاً، وورد في الشعر جادل، وقد يقال ألفه للاشباع أو صيغ للدلالة على الحدوت.
ومن ذلك فرح فهو فرحان، وورد أيضا هو فرح بالكسر وهو أولى وأكثر، وورد هو فرح بالضم، وفروح كصبور، ومفروح كمضروب، ومعناه فارح، وورد فارح كضارب وشبع فهو شبعان، وسمع في الشعر شابع.
قال في القاموس: ولا يجوز في غيره، وقد يقال: إنه في الشعر ألفه للاشباع أو دال على الحدوث، فيقاس مطلقا إذا دل عليه، وروى فهو ريان بفتح الراء وتشديد الياء، وإذا دل على الحدوث قيل لا وكقاض، وسكر فهو سكران، ويقال أيضا هو كسر بالكسر، وعطش فهو عطشان، ويقال أيضا هو عطش بكسر الطاء وضمها، وفي القاموس: عطشان الآن وعاطش غدا. (2/168)
صفحة 417
وأقول: يجوز عاطش إذا دل على الحدوث مطلقا، وظمئ بظاء معجمة مشالة بعدها ميم مكسورة، وبعدها همزة فهو ظمآن، عطش، ويقال ظمئ بكسر ميموصفا تليها همزة، وغرث بعين معجمة وثاء مثلثة فهو غرثان، أي جائع، وصدى فهو صديان، أي عطشا، ويقال أيضا صد كشج، وصاد كقاض، ويقاس هذا الوزن مطلقا، وقيد فيما دل على الامتلاء كشبعان وريان، أو على حرارة الباطن كعطشان وصديان، واعترض التمثيل للامتلاء بريان، بأن الرى أنقظ حاجة الشراب وقد يكون ذاك بدون امتلاء، بل قد يحصل من غير تناول شيء أصلا.
وأقول: لنا أن نجيب بأن بمراد المثلين به للامتلاء الرى الحاصل بعد الامتلاء، وبالامتلاء، والمثال إنما يحمل على مثل به له، ولو كانت له وجوه سواه هذا ما ظهر لي.
وأجاب الصبان: بأن المراد الامتلاء حقيقة أو حكما ما رأيت من كون الأوزان الخمسة مقيسة مطلقا، هو ما ذكره صاحب فتح الأقفال، بناء على ظاهر النظم، وصرح ابن هشام العلام، ومن تبعه من العلماء الأعلام أن المقيس إنما هو الأول والرابع والخامس فقط، فعل بكسر العين وأفعل وفعلان، وإنه إنما يقاس فعل في الأعراض، وأفعل في الألوان والخلق، وفعلا فيما دل على حرارة الباطن، أو على الامتلاء، وقد يشارك فعلا بالكسر فعل بالضم في الأعراض كجعل بالكسر فهو عجل به وبالضم، وقد يشاركه أيضاً فعلان كفرج وجذل بالكسر، فهو فرح وجذل به أيضا، وجذلان وفرحان. (2/169)
صفحة 418
وقد يشاركه فعل بالكسر أفعل كخضر بالكسر فهو خضر به أيضا، وأخضر في الألوان، وقد يشارك فعل بالكسر فعلاناً في الامتلاء والحرارة كصدى بكسر الدال فهو صديان، وصد كشج أصله صدى ثقلت الضمة على الياء، فحذفت فالتقت الياء ساكنة مع التنوين فحذفت، وقد تأتى الثلاثة من مادة واحدة كشعت بكسر العين فهو شعت بكسر أيضا، وأشعت وشعتان، ولك أن تقول: اجتمعت فيه شعت بكسر أيضا، وأشعت وشعتان، ولك أن تقول: اجتمعت في المعاني الثلاثة، فإن الشعت عرض وفيه بعض لون وحرارة باطن آثرته كما يلزم من المشي الطويل في السفر، وعدم الدهن، وقيل يقاس أفعل في الآفات والخلق.
ويقاس فعلان في الامتلاء وضده، وفعل بالكسر في غير ذلك فعلى قول ابن هشام ومن تبعه يشذ ما جاء على فعل بالكسر إن لم يكن وإلا على عرض، وعلى هذا القول الآخر لا يكون شاذاً إذا لم يدل على آفة أو خلقه أو امتلاء أو ضده، سواء دل على عرض أو غيره، ومما شذ في المكسور اللازم فعل بالسكون إذا لم يكن أصله فعلا وخفف: ككهل فهو كهل بسكون الهاء، وقيل شاذاً مطلقاً، والقياس كهل بالكسر أيضا لأنه عرض، وقد تقدم أن الأصل الغالب في المكسور اللازم المعتل اللام، والمكسور اللازم الصحيح اللام، المعنى عن الفعل المضموم، أن يكون وصفها على وزن فعيل بالياء: كغنى فهو غنى، وحنى فهو حنى، وشقى فهو شقى بكسر ما قبل الياء في الوصف والفعل، وتخفيف ياء الفعل مفتوحة، وتشديد الياء في الوصف، ففي يائه ياءان إحداهما زائدة وهي ياء فعيل، والأخرى أصل وهي لام الكلمة، أدغمت الأولى فيها. (2/170)
صفحة 419
وبعد ذلك اعلم أنه قد يأتى اسم الفاعل من المكسور اللازم على فاعل على قلة، ودون قياس كما مر بزيادة الألف، وهو الوزن السادس، وإليه أشار بقوله: ثد قد يأتى كفان تقول: فنى بكسر النون فهو فانٍ كقاض أصله فإني بضم الياء أوكسرها، ثقلت الضمة أوالكسرة عليها، فحذفت فبقيت الياء ساكنة مع التنوين، فحذفت لالتقاء الساكنين، وبقى بكسر القايـ فهو باق، أصله باقي ففعل ما مر، ورضى بكسر الضاد فهو راض أصله راضي كذلك.
وقد يأتى على قلة وبلا قياس أيضاً على فعيل بزيادة الياء مثل: واحد البخلاء، ومفرده وهو بخيل، وهو الوزن السابع، إليه أشار بقوله: وشبه واحد البخلاء تقول بخل بكسر الخاء فهو بخيل، ومرض فهو مريض بكسر الراء، وإنما يأتى اسم الفاعل من المكسور اللازم على فاعل أو على فعيل لحمل المكسور اللازم على غيرم وهو المتعدى، والمفتوح والمضموم، لمناسبة بين المكسور وغيره من المماثلة في المعنى، أو من التضاد فإن الشيء يحمل على ضد، كما يحمل على نظيره، كما حملوا عدوه بالتاء على صديقة، مع أن أصل عدو لا تلحقه تاء التأنيث، لأنه كصبور، كما حمل غير واحد لا الناقية للجنس، على أن مع أن أن ضدها للاثبات فيما قيل، لأنها للتقوية والتوكيد، وهما غير نفى بل اثبات لمعنى خبرها على وجه الاثبات أو النفى، وبسطته في النحو.
وكما نص البيانيون أن العلاقة في باب المجاز قد تكون التضاد، قال أبو يحيى وابن الناظم: لأن الضد أقرب خضوراً بالبال مع ضده من سائر المغايرات، وأشار إليه صاحب تحقيق المقال وغيره، مثال حمل المكسور اللازم على المفتوح: فنى فهو فان حملا على موافقه في المعنى، كذهب فهو ذاهب، فإن المفتوح كذهب أولى بوزن فاعل من المكسور اللازم، ولكن لما قرب معنى المكسور وهو فنى، من معنى المفتوح وهو ذهب، جاء وصفه على فاعل وفان، كما جاء وصف ذهب على فاعل وهو ذاهب. (2/171)
صفحة 420
ومن ذلك رضى بالكسر فهو راض حملا على ما هو قريب معناه، كشكر بالفتح فهو شاكر، وكسخط بالكسر فهو ساخط، حملوه على شكر فهو شاكر، فإنه يقرب من مضادته، ويقال رغب بالكسر فهو راغب، ورهب فهو راهب، ولعب بالمهملة فهو لاعب، ونصب فهو ناصب، وحنث فهو حانث، وعبث فهو عابث أي لعب، ولبث فهو لابث أي مكث، ولهث فهو لاهث، أي عطش، وربح في تجارته فهو رابح، وصعد في السلم فهو صاعد، وظفر به فهو ظافر، وغلط في الحساب فهو غالط، وطمع في الشيء فهو طامع، وقنع فهو قانع، كل ذلك من المكسور اللازم جاء وصفه على فاعل حملا على ما كان من المكسور المتعدى، أو من المفتوح بمعناه أو بضد معناه.
وقد قيل: يتعدى رضي فلا شاهد فيه، وقد يقال: إن نحو باق وفان اسم الفاعل بقى وفنى بالفتح في بعض اللغات، كما نراه مما مر، ولا شاهد فيه أيضا، وقد نص في القاموس أن فنى جاء كرضي بالكسر، وسعى بالفتح والمقصود بقنع المذكور الرضا بالقسم، حمل على قنع المفتوح بمعنى عدم الرضا، وجاء عبث بالفتح فلعل عابث وصف له لا للمكسور، فلا شاهد فيه، وورد لبث فهو لبث بكسرهما.
ومثال حمل المكسور اللازم على المضموم، فيأتى وصفع على فعيل بالياء، كوصف المضموم بخله بكسر الخاء فهو بخيل، حملا على ضدع المضموم، وهو كرم فهو كريم، وعلى الموافقة في المعنى، وهو لؤم بالضم فهو لئيم، ومرض بالكسر فهو مريض، حملا على المضموم، والموافق له في المعنى وهو مثلا ضعف بالضم فهو ضعيف، وسقم بالكسر فهو سقيم، حملا على ضعف فهو ضيف، والقياس مرض وسقم بالكسر في الوصف كما في الفعل لأنهما من الأعراض، ونضج بالكسر فهو نضيج، وجهد عيشه فهو جهيد أي ضعيف، وسعد فهو سعيد بالكسر، وشقى فهو شقى، وكبر بالكسر أي أسن فهو كبير حملا على كبر الضم. (2/172)
صفحة 421
وأقول: قد جاء بخل بالضم فلعل يخيل وصف له، فلا شاهد فيه، وجاء الوصف أيضا على باخل كضارب، وجاء بخال بالتخفيف والتشديد، وجاء مرض بالكسر كفعله وهو القياس، وجاء مارض كضارب، وجاء سقم بالضم فلعل سقيما وصف له، فلا شاهد فيه، وجاء شقى بالفتح والتعدى، فلعل شقيقا شديد الياء فعيل بمعنى مفعول، فلا دليل فيه، وجاء ناضج كضارب على غير قياس أيضا، وجاء سعد بالبناء للمفعول، فلعل سعيد فعيل بمعنى مفعول منه، كما جاء منه مسعود، فلا شاهد فيه.
وحملوا المكسور اللازم على المتعدى والمفتوح فجاء وصفه على فاعل، وحملوه على فعل بالضم، فجاء وصفه على فعيل، كما حملوا فعل المفتوح على المضموم لمناسبة موافقة المعنى أو تضاده، فجاء وصفه على فعيل كوصف المضموم قالوا: خف بالتشديد أصله خفف بوزن ضرب غسكنت الفاء، فأدغمت في الفاء بعدها فهو خفيف بوزن كريم، حملا على ضده المضموم، وهو ثقل فهو ثقيل والقياس خاف بوزن فاعل، أصله خافف كضارب، أدغمت ألفا وقالوا: طاب أصله طيب بفتح الياء تحركت بعد فتح، فقلبت ألفا فهو طيب أصله عند الفراء وابن الناظم، بكسر الياء الأولى، وسكون الثانية بوزن كريم، قلب وأدغم وذلك حمل له على ضده المضموم، وهو خبث فهو خبيث وإلا فأصله طائب كضارب، فانظر ما مر عند الكلام على سيد، فإنه مثل طيب.
وكما حملوا المفتوح على المكسور، فجاء وصفه على أفعل كوصف المكسور وقياسه فاعل، قالوا: شاب أصله شيب بفتح الياء، تحركت الياء بعد فتح فقلبت ألف فهو أشيب، حملا على ضده المكسور الدال على لون، كسود فهو أسود، والقياس شائب كضارب، ويدل على أن طلب من باب فعل المفتوح لا المضموم فجئ يطيب، وأن المضموم يندر مجيئه يائى العين، وعلى أن خف من المفتوح لا من المضموم كسر مضارعه وتضعيفه، والمضموم لا يضعف إلا قليلا، أو يكون منقول إلى الضم له أصل فيه. (2/173)
صفحة 422
وما مر من أن فعيلا بالياء لا يقاس في المكسور على الإطلاق هو قول وبعض، وقال بعض: إنه مقيس في المعتل اللام كغنى فهو غنى، وفي المغنى عن المضموم وكسمن فهو سمين،
تنبيه: يجوز في أفعل المذكور في النظم في المضموم والمكسور أن يراد به ما يشمل الصفة المشبهة واسم تفضيل.
الإعراب: الواو العطف على جملة صيغ الأولى، أو على جملة جعلوا، أو جعل وصيغ ماض مبني للمفعول فيه ما في قيل، ونائبه مستتر فيه جوازاً يعود إلى اسم الفاعل، ومن لازم متعلق بصيغ أي من فعل لازم وموازن نعت لازم إن غلبت الاسمية على لازم، ونعت للمنعوت المحذوف وهو لفظ فعل إن أبقى عليه الوصية، وفعلا بالكسر العين مفعول موازن.
وبوزنه جار ومجرور مضاف إليه متعلق بصيغ، والباء بمعنى على، والهاء عائدة إلى قوله فعلا بكسر العين أو إلى قوله: لازم وكشج استقرار لمبتدأ محذوف أي، وذلك كشج أو الكاف اسم هو الخبر مضاف الشج.
ومشبها بالنصب خير ليكون محذوف، أي ويكون اسم الفاعل أيضا مشبها عجلا فالشاذ وما بعده معطوف على عجلا، أو على مشبها حال من ضمير محذوف الفاعل، أي ويصاغ أو صيغ، أو يأتى أو أتى حال كونه متشبها بعطف المحذوف على صيغ.
وجاز جعل بوزنه متعلقا بمحذوف حال من ضمير صيغ، فيعطف عليه مشبها جوازاً والشاذ وما معه معطوف على وجهي الحالية على عجلا، لا عالى الحال لتعريفه والحال لا يعرف قياسا على الصحيح، والحالية أجود من الخبرية للكون المقدر لعدم سبق لو، وأن الشرطيين، ويجوز رفع مشبه نيابة لمحذوف، أي وصيغ مشبه وجره عطفا على وزنه، وعلى كل من الرفع والجر يعطف الشاذ، وما بعده على عجلا أو على مشبه أو على وزنه، وعلى كل حال فجملة وذلك كشج معترضة، وثم حرف عطف، والتاء المثناة المتصلة به لتأنيث اللفظ، أي لجعل لفظ ثم مؤنثاً، أي لجعله الألفاظ المؤنثة لتأنيث. (2/174)
صفحة 423
معناه إشارة إلى أن ثم كلمة، ولفظة، ولقد حرق تقايل، ويأتى مضارع مستتر الفاعل جوازاً عائداً إلى الفاعل، والجملة المعطوفة على صيغ، أو على المحذوف العامل في مشبه، وثم بمعنى الواو أو لترتيب الذكرى أو للمهملة نظراً إلى بعد رتبة إتيانه كفان وشبه واحد البخلاء بالنسبة إلى إتيانه كغير ذلك، وكفان متعلق بيأتى، أو بمحذوف حال من ضميره، وإن جعلنا الكاف اسما مضاف لفان كانت هي الحال بلا حذف وشبه بالنصب عطفا على محل المجرور أو الجار والمجرور، أو على الكاف إن جعلت اسما أو على المحذوف الذي هو حال إن علق كفان بمحذوف.
وواحد مضاف إليه شبه والبخلاء بالقصر للضرورة مضاف إليه واحد، وحملا إما مفعول من أجله بناء على جواز عدم اتحاد فاعله وفاعل عامله، فإن الفاعل للحمل العرب، والفاعل للاتيان اسم الفاعل، والناظم قد يجيز هذا في بعض كتبه، وأما مفعول مطلق لمحذوف، والمحذوف حال أي محمولا حملا، أو يحمل حملا، وإما على حال تأويله بمحمول أو تقدير مضاف، وما شهر بأن مجئ المصدر حالا غير مقيس محله عندي ما إذا لم يقدر مضاف صالح للحالية، ولم يأول المصدر بالوصف وإلا فتقدير المضاف مقيس، وجعل المصدر بمعنى الوصف مجاز، والمجاز مقيس وعلى غيره جار فمجرور فمضاف إليه متعلق بحملا، ولنسبة متعلق به أيضاً.
وكخفيف خبر لمحذوف أو نعت لحملا على حذف مضاف، أي كحمل خفيف، وأشيب بصرفه بواو محذوفة للضرورة، لأن فيه وزن الفعل والعلمية على اللفظ الدال على المعنى، فإن أشيب في البيت مراد به اللفظ لا شخص شائب، وهو وطيب معطوفان، وفي الصوغ حال من الحمل المحذوف بين الكاف وخفيف أو متعلق بما تعلقت به الكاف، ومن فعلا بفتح العين متعلق بالصوغ.
فائدة: وقد خرج وصف فعل المفتوح عن فاعل إلى فوعل: كختع الرجل فهو خوتع أي ماهر بالدلالة في اللازم، وقطع فهو قطع في المتعدي، وجاء ختع وخوتع وجاء قاطع وغيره.
وفاعل صالح من كل أن قصد الـ
ـحدوث نحو غداً ذا جاذل جذلاً (2/175)
صفحة 424
أي ويصلح صوغ اسم الفاعل على فاعل من كل فعل ثلاثي، متعد أو لازم، مفتوح أو مكسور أو مضموم، إذا قصدت الدلالة على الحدوث بأنه فعل كذا في الزمان الماضي أو الحاضر أو الحال، نحو: هذا جاذل غداً أو الآن أو أمس، أي فارح والأصل جذل بالكسر دون ألف لأنه لازم مكسور دال على عرض، ولو أردت نسبته الفرح إليه فقط لقلت: هذا جذل بالكسر دون ألف، وأشد أبو يحيى:
وما أنا من رُزء وإن جل جازع
ولا بسرور بعد موتك فارح
وجازع خبر المبتدأ، والشاهد في فارح وجازع، لأن الفعل جزع كفرح، وكذا تقول زيد شاجع إذا أردت الإخبار بأنه صدرت منه الشجاعة فيما مضى، أو في الحال، أو تصدر منه في الاستقبال، وإذا أردت اتصافه بالشجاعة مطلقاً دون تقييد بزمان قلت مثلاً: شجع باسقاط الألف لازم مكسور، دلّ على عرض قال الشاعر:
أرى الناس مثل السفر والموت منهل
له كل يوم وارد بعد وارد
إلى حيث يشقى الله من كان شاقياً
ويسعد من في علمه هو ساعد
السفر جمع سافر، وبعد مقطوع عن الإضافة مبني على الضم مخبر به على القلة عن المبتدأ المذكور بعده، وهو وارد أو هو معرب منصب، نويت اضافته لفظاً فلم ينون، فلا قلة في الإخبار به، وفي البيت جر حيث بإلى وهو قليل، ويشقى بضم الياء مضارع أشقى رباعي شقى بالكسر، أو بفتح الياء مضارع شقى الثلاثي المفتوح لتعديه وشاقياً بوزن فاعل للدلالة على الزمان الماضي، وكذا ساعد، وإذا جاء الوصف على فاعل، مع أن الماضي مكسور لازم، والمراد يشقى ويسعد اظهار أثر الشقاوة والسعادة الماضيتين في علم الله، أو إظهار سببيها، وقال الآخر:
لقد ألف الحداد بين عصابة
تساءل في الأسجان ماذا ذنوبها
بمنزلة أما اللئيم فسامن
بها وكرام الناس باد شحوبها (2/176)
صفحة 425
تساءل بالهمزة بعد الألف والبناء للمفعول تفاعل من السؤال، وقوله: بمنزلة أي ما ذنوبها في المنزلة أي كم قدررها، وسامن بوزن فاعل للدلالة على الاستقبال، والأصل سمن بإسقاط ألف أو سمين بالياء، لأن الفعل المكسور لازم مقن عن المضموم، وتقول: هو مائت وسائد وضائق، إذا أردت الإخبار بالموت والسيادة والضيق أنها واقعة في الماضي أو الحال أو الاستقبال، وهو هنا الأصل، لأن الفعل مفتوح، ولكن إذا أرادوا الإخبار ذلك دون دلالة على زمانه قيل: ميت وضيق وسيد بالتشديد، وجاز التخفيف، قال تعالى: ((وضائق به صدرك)) أي في الحال أو في الاستقبال، ولعل هنا إشفاق أي رحمة وتثبيتا، وشد في عضده صلى الله عليه وسلم لئلا يطرقه ملل، وهو مبلغ متحمل للأذى.
وتقول: هذا حاسن إذا أردت الإخبار بأنه حسن في الماضي أو الحال أو الاستقبال، والأصل حسن بالفتح أو حسين بالياء وهو القياس، وبها ينطق إذا لم يرد ذلك، لأن الفعل مضموم العين،ومنه بيت النواسخ:
حسبت التقى والجود خير تجارة
أرباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
والأصل ثقيل بالياء، لأن الفعل مضموم، ولكن قال ثاقل بالألف لإرادته حدوث الثقل، وكذا إذا أردت الإخبار بحدوث الجبن قلت: زيد جابن، مع أن الفعل مضموم، وما مرّ من الضوغ على فاعله إذا أريد المضى هو ظاهر النظم، وصريح التسهيل، وزعم الفراء أنه لا يصاغ على فاعل إذا أريد المضى، ولا تقول: هو مائت أمس بل ميت، وتقوله في الاستقبال، ونسب ذلك للعرب، وتثيل الناظم بالمستقبل لا يخصص الصوغ على فاعل بالمستقبل، لأن المثال لا يخصص.
قال صاحب التحقيق: إذا كان معنى الصفة على الصحيح لنسبة الحدث إلى الموصوف به على جهة الثبوت دون إفادة الحدوث، كان الظاهر أنه إذا أريد معنى الحدوث في الماضي أن يعدل عنها إلى فاعل، لا سيما إن بنينا على المذهب الحق أن الصفة بمعنى المضى مجاز، ونقل الفراء معارض لهذا النظر أ هـ. (2/177)
صفحة 426
وتعبير الناظم بالصلوح ظاهر في أن التغيير إلى فاعل عند إرادة الحدوث غير واجب، فيجوز ابقاؤها بدون تغيير إليه، فيحمل عليه: (إنك ميت وإنهم ميتون) أي مائت ومائتون في الاستقبال، والقوم يجعل ميت وميتون للماضي مجازاً تعبيراً بالواقع عن غير الواقع تسلية له صلى الله عليه وسلم، وتخويفاً لهم، وليكون الحي من الميت على حذر، وظاهر بعضهم وجوب التغيير إلى فاعل عند إرادة الحدوث، والنظم قابل له، لجواز أن يراد بالصلوح عدم الامتناع الصاد بالواجب.
الإعراب: الواو للاستئناف أو للعطف على صيغ الآخر، أو اجعلوا عطف اسمية علة فعلية، وفاعل مبتدأ، وصالح خبره، ومن كل متعلق به أو بمحذوف حال من ضميره، وتنوين كل عندهم عوض عن المضاف المحذوف، أي كل فعل أو كل ما تقدم، أو كل الأفعال المذكورة، وإن حرف شرط وقصد مبني للمفعول شرطه، والحدوث نائب، والجواب محذوف للدلالة عليه، أي ففاعل صالح من كل، ونحو خبر لمحذوف أي وذلك نحو: وغد إذا جاذل جذلا مضاف إليه نحو: مراد به اللفظ علم على المراد به المعنى الذي يعرب هكذا: ذا مبتدأ اسم إشارة، وغدا ظرف زمان متعلق بجاذل، قدم للوزن أو مع الحصر وجاذل خبر وجذلا مصدر.
(م 15ـ شرح الأفعال جـ 3)
وباسم فاعل غير ذي الثلاثة جى
وزن المضارع لكن أولا جعلا
ميم تضم . . . . .
. . . . . . . (2/178)
صفحة 427
أي ويجاء باسم الفاعل من فعل رباعي أو خما سي أو سداسي، لا ثلاثي على وزن المضارع، لكن يسقط حرف المضارعة، ىوتجعل مكانة ميم مضمومة مع كسر ما قبل الآخر، كما في الخلاصة، وكما يدل عليه قوله: وإن ما قبل آخره فتحت صار اسم مفعول، سواء كان متعديا أو لازما، صحيحا أو معتلا أو مضاعفا مزيد فيه أو مجرد عن الزيادة، وإنما احتيج للزيادة لحرف مكان حرف المضارعة لئلا يلتبس بالمضارع لو لم يزد، وبالأمر لو أسقط حرف المضارعة ولم تزد الميم، وحمل ما لا لبس فيه على ما فيه اللبس فإنه لو قيل: دحرج بكسر الراء في اسم الفاعل لالتبس بالأمر، إذا لم ينون للوقف أو غيره، وكذا لو قيل أكرم في اسم الفاعل لالتبس فيه إذا لم ينون، ويلتبس ذلك بالمبني للمفعول، لأنه قد يغفل عن ضم الأول وفتحه، وكذا لو قيل في متعلم تعلم لالتبس بالماضي المبني للمفعول، حيث لم ينون لأنه قد يغفل عن حركة الأول، وإنما زادوا ميما لا غيرهما لكون مخرجها قريبا من مخرج الواو، ولم تزد الميم، لأنهما شفويتان.
وقد مر أن الواوأصل التاء المضارع، ولعدم صلوح زيادة حرف العلة أما الواو فلأنهما لا تزاد أو لا على ما مرّ في حروف المضارعة، ولا سيما مع واو العطف، أو مع كون التالي لها واواً، أو اجتماع ذلك كله، وأما الألف فلا تزاد أولا لسكونها وإن قلبت همزة وحركت المتبست بهمزةالمضارع بأي حركة، لأن حرف المضارعة ويفتح ويكسر ويضم كما رأيت، ولا يقال: لو أبدلت همزة وصل لم يلتبس لحذفها في الدرج، لأنا نقول: تثبت في الابتداء وفي الخط، فيلتبس، وحمل ما لا لبس على ما فيه اللبس. (2/179)
صفحة 428
وأما الهمزة القطعية فلو زيدت لالتبست بهمزة المضارع، حيث لم تكن همزة المضارع بأن لم نوجد أصلا، أو حذفت ولا جتمعت همزتان، حيث دخلت على المضارع المبدوء بالهمزة إذا لم تحذف، ولو زيدت الياء التبست بياء المضارع، ولا جتمعت ياءان حيث دخلت على مضارع مبدوء بالياء، ولم تحذف هذه الياء، وكذا التاء لو زيدت لالتبست بتاء المضارع، ولاجتمعت تاءان حيث دخلت على المضارع المبدوء بالتاء، إذا لم تحذف هذه التاء، وتجتمع ثلاث تاءات أيضاً إذا بدئ الماضي بتاء، وأربع إذا بدئ بتاءين.
ولو زيدت النون لالتبست بنون المضارع، واجتمعت نونان حيث بدئ المضارع بنون وأثبتت، وثلاث إذا بدئ بها هو والماضي أيضاً، ولشبه النون بالواو كما مرّ، وضمت الميم سواء ضم حرف المضارعة أم لا، لأن الضم أشرف والاسم أشرف من الفعل، فضمت فيه مطلقاً، ولو فتحت لالتبس الاسم أغنى اسم الفاعل باسم المكان من الثلاثي المكسور، وعين المضارع وباسم المكان المكسور، مطلقاً ولو كان مضارعه غير مكسور، ولو كسرت لالتبس باسم الآلة، وما لم يكن فيه لبس فمحمول على ما فيه اللبس طرداً للباب، وامتناعاً من اللبس ولو في بعض الصور، ولم تسكن لوقوعها أولا لو سكنت لاحتيج لزيادة همزة الوصل، والمراد بضم الميم الضم الظاهر والضم المقدر مثل أن تنقل ضمته إذى ساكن قبلها، ومثل أن يكسر تبعا لحرف قبلها أو بتعدها نحو: منثن بكسر الميم تبعا للثاء، والأصل ضمها لأنه اسم فاعل انثن، والساكن حجز غير متين ونحو مبين ومعين ومغير بكسر الميم تبعا لحرف بعدها. (2/180)
صفحة 429
والأصل الضم لأنها من أبان وأعان وأغار وكسر الاتباع لما بعدها شاذ والضم في ذلك كله مقدراً والضم في الميم غير الضم في حرف المضارعة اتفاقا، وإنما كسر ما قبل الآخر تشبيها باسم الفاعل الثلاثي، إذ كان هو الأصل في اسم الفاعل، لو فتح لالتبس باسم مفعول، وربما توهم أنه المصدر الميمى من غير الثلاثي، والضم ثقيل لكثرة حروف غير الثلاثي على ما مرّ، ولسبق الضم في الميم، والأنه يقع الضم في الآخر كثيرا جداً فتثقل الكلمة بضمتين أو ضمات.
والمراد بالكسر الكسر الظاهر المقدر محو: مستحق ومتحاب ومحاب، ومضطر ومعد ومنصب بسكون ما قبل الآخر وادغامه، وأصله الكسر نقل الكسر لما قبله فيما عدا الثاني والثالث، وحذف فيما وسكن الحرف وأدغم فيما بعده، ونحو: مختار ومنقاد إذا كانا اسمى مفعولين، فإن الألف فيهما هو ما قبل الآخر ساكن لفظاً، وأصله في مختار ياء مكسورة، وفي منقاد واو مكسورة ونحو منثن بضم الثاء تبعا للميم والنون، فأصل ضعيف لسكونه، وأصل الثاء الكسر وهو الكثير، والضم شاذ، وأشذ منه منحذر يضم الذال كالميم، مع أن الفاصل حرفان: نون ساكنة، وحاء متحركة، إلاَّ أن قيل ضم مخصوص بحال الرفع، فيكون تبعاً للراء بعدها.
واختلفوا في كسر ما قبل آخر اسم الفاعل غير الثلاثي فقيل: هو الكسر في مضارعه، وقيل: كسر جديد وهو الذي عليه المرادي، لأن المغايرة مقصودة، فإن لم تكن لفظاً كانت تقديراً، ولأنه يكسر ولو فتح في المضارع يتعلم فهو متعلم، كما يدل عليه قوله: مع كسر متلو الأخير مطلقاً، أي سواء كسر في المضارع أم فتح، قال: وفهم من قوله: مطلقاً أنه إذا كان مكسوراً قدر كسره، فتكون الحركة غير الحركة أ. هـ. (2/181)
صفحة 430
وعليه فمعنى قوله: مع كسرة متلو الأخير مع النطق بكسر ما قبل الآخر، وعلى القول بأنه الكسر في المضارع فمعناه مع إبقاء الكسر، أو مع النطق بالكسر الموجود في المضارع، وإنما قال: متلو الأخير، أي ما تلاه الآخر، ولم يقل عين الكلمة، ليعلم ما كان متلو آخره عين الكلمة كاسم الفاعل من الرباعي المبدوء بالهمزة كمكرم، كاسم الفاعل الخماسي والسداسي اللذين أصلهما ثلاثة كمنطلق ومستخرج، أو لام الكلمة كاسم الفاعل من الرباعي المجرد كمدحرج، فإن الراء لام الكلمة، والجيم بعدها لام أخرى، وإن قلت: يرد على الناظم أنه أطلق أن اسم فاعل غير الثلاثي بوزن المضارع، مع زيادة ميم مضمومة في أوله، وكان عليه أن يقيد ما قبل الآخر بالكسر كما في الخلاصة، فإن مات قبل آخر المضارع المبدوء بتاء زائدة معتادة مفتوح، ولا يبقي على فتحه في اسم الفاعل.
قلت: زعم صاحب فتح الأقفال أن ذلك وارد عليه، وهو باطل، لأنه ولو لم يذكر الكسر في البيت لكنه مراد مشار إليه بقوله: وإن ما قبل آخره فتحت، فمفهوم قوله: وإن ما قبل آخره فتحت صار اسم مفعول أنه مكسور قبل ذلك، لأنه لا سبيل إلى ضمه، لأن لا الضم لا يكون في وسط غير الثلاثي كما مر إلاَّ مقدر الزوال نحو: يعطلون، فالكسر مذكور ضمناً في قوله: وإن ما قبل آخره فتحت إلخ، مع دلالة الخلاصة عليه، هكذا ظهر لي، ثم رأيته مشاراً إليه في شرح أبي يحيى، ومصرحاً به في شرح أبي عبد الله تحقيق المقال، فبطل اعتراض فتح الأقفال، والحمد لله على كل حال. (2/182)
صفحة 431
وإن قلت: يرد على إطلاقه أنهم قالوا: أحصن الرجل بالبناء للفاعل فهو محصن بفتح الصاد، وأسهب فهو مسهب بفتح الهاء، أي تكلم بما لا يعقل مع اكثار، وألفح بالفاء والحاء المهملة صار مفلساً فهو مفلح بفتح الفاء، أو هو بالجيم واجرأشت الإبل فهي مجرأشة، بجيم فراء فهمزة فشين معجمة أي سمنت بالفتح، ذكر هذا الآخر الصبان، وذكر الثلاثة قبله السعد، وصاحب تحقيق المقال، قال: وفي الحديث أن رجلاً من بني سليم قال للنبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: الرجل يدالك أهله، قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: "نعم إذا كان ملفحاً" فقال له أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ما قال لك وما قلت له قال: "قال لي الرجل يماطل أهله، فقلت: نعم إذا كان مفلساً" فقال له أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله لقد طفت في العرب، وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك، فمن أدبك؟ قال: "أدبني ربي ونشأت في بني سعد".
وزاد صاحب التحقيق: ألقحت الناقة فهي ملقح بالفتح لما قبل آخر اسم الفاعل في ذلك كله، فيرد على اطلاق النظم، قلت: ذكر صاحب فتح الأقفال من ذلك ثلاثة: وزعم أنها ترد على إطلاق النظم، وليس كذلك، لأن الناظم على زعمه لم يذكر أن ما قبل آخر اسم الفاعل من غير الثلاثي مكسور، حتى يرد عليه أن هذه أوصاف للفاعلين، فتح ما قبل آخرها. (2/183)
صفحة 432
وأما على ما قلناه نحن من أنه ذكر الكسر ضمناً، وأشار إليه إشارة فلا ترد تلك الأوصاف أيضاً لشذوذها وقلتها، والحكم على الغالب والشاذ لا يهدم القاعدة، ولأنا قد لا نسلم أن تلك الأوصاف اسماء الفاعلين، بل أسماء المفعولين، يذكر فعلها قليلاً مبنياً للمفعول إلاَّ أحصن فذكر فعله مبنياً للمفعول كثير، ولأن بعضهم ذكر أنها مستعارة من اسم مفعول، فهي أسماء مفاعيل عبر بها عن الفاعلين كسيل مفعم، اشتهر فيها وزن اسم المفعول حتى هجر الأصل، ذكر ذلك الناصر والطبلاوي، وبذلك يجاب عن إيرادها على إطلاق الخلاصة، وما تقدم في أسهب إنما هو إذا كان بمعنى خرف وتكلم، وأكثر بما لا حاصل له، وأما إذا كان بمعنى تكلم الصواب،وكثر من كلامه، وأفصح بما يعقل، فاسم فاعله مسهب بالكسر على القياس، ولا يرد على إطلاق النظم.
والخلاصة مجئ اسم الفاعل من غير الثلاثي على وزنة فاعل لقلته وشذوذه، وهو أيضاً نادر كأورس وارس ونحوه مما مرّ، ولأنه قيل هو على حذف الزوائد، فكأنه اسم فاعل الثلاثي كما مرّ، فبطل ادعاء صاحب فتح الأقفال أن ذلك وارد على إطلاق النظم، وقد بان لك أن اسم الفاعل من غير الثلاثي على زنة المضارع مضارعه المبني للفاعل بكسر ما قبل آخره دائماً أو إلاَّ ندوداً، وزيادة ميم في أوله مضمومة دائماً تحقيقاً أو تقديراً، فهو جار على أسلوب واحد لم يتوسعوا فيه، كما توسعوا في الثلاثي استثقالاً له، وصرح بعضهم أن تلك الميم عوض عن حرف المضارعة، فمثال ضم الميم تقديراً وكسر ما قبل الآخر تقديراً ما مرَّ، ومثالهما لفظاً: مكرم ومدحرج ومتدحرج ومستخرج، وإن قلت في حمل الضم والكسر على الظاهرين والمقدرين جمع بين الحقيقة والمجاز، وهو لا يجوز، قلت: لا أسلم أنه جمع بينهما بل من عموم المجاز، ولئن سلمناه فقد أجاز كثير الجمع بينهما وبسطته في شرح عصام الدين. (2/184)
صفحة 433
الإعراب: الواو للعطف على فاعل صالح، أو على جعل أو جعلوا، وباسم متعلق يجيء مضاف لفاعل، وغير مضاف إليه فاعل، وذي مضاف إليه غير، والثلاثة مضاف إليه ذي بمعنى صاحب، وجئ ماض مبني للمفعول، والنائب مستتر عائد للمجئ أو النائب هو جار ومجرور محذوفان لدلالة المذكور عليه، أو المتقدم هو النائب بناء على جواز تقديم النائب مطلقاً، ولا سيما أن تقديمه هنا لا يلبس بالمبتدأ والخبر، لأنه جار ومجرور، أو على جواز تقديمه إذا كان جاراً ومجروراً لتوسعهم في الظروف.
ووزن منصب على إسقاط الجار، وهو على متعلق يجئ، والمضارع مضاف إليه أو جئ فعل أمر مستتر الفاعل وجوباً، فعلى الأول أصله جئ بهمزة مفتوحة سكنت للضرورة، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وأبدلت الهمزة ياء فياء جئ عن همزة، وياء جاء يجيء محذوفة، أو تبقى الياء وتحذف الهمزة، فياء جئ هي ياء يجيء، وعلى الثاني أصله جئ بسكون الهمزة حذفت الياء وأبدلت الهمزة ياء كذلك، أو حذفت الهمزة كذلك، وفي البيت تتابع الإضافات كما رأيت، وهو فصحيح على الصحيح، وإن شئت التخلص منه فاجعل غير بالرفع على الابتداء، ولم ينون لفظاً فاعل للوزن وجئ بالبناء للمفعول واستتار النائب جوازاً عائداً إليه خبر م أو بالنصب على المفعولية لجئ، بأن لجعله أمراً ولكن حرف استدراك وابتداء لا عاطفة لعدم تقدم نفي أو نهي.
ولتلو الجملة إياها والكوفي يعطف بها، ولو كان الأمر كذلك وأولاً مفعول ثان أي سابقاً، وجعل ماض مبني للمفعول وميم نائبه، وهو المفعول الأول، وتضم مضارع مبني للمفعول مستتر النائب، والجملة نعت ميم ذكرت في جعل، وأنثت في تضم، ويجوز تذكيرها في تضم فيكون بالياء المثناة تحت، لأن الحرف يذكر ويؤنث قدم أو أخر.
ويجوز جعل أولاً ظرفاً متعلقاً بمحذوف مفعول ثان لجعل.
. . . وإن ما قبل آخر
فتحت صار اسم مفعول. . . . (2/185)
صفحة 434
أي وإن فتحنا قبل آخر المضارع مع زيادة ميم مضمومة مكان حرف المضارعة في مضارع غير الثلاثي، صار اسم مفعول، وإن شئت فقل: اسم المفعول هو اسم الفاعل بفتح ما قبل آخر اسم الفاعل، وسبب زيادة الميم في اسم المفعول ما تقدم في اسم الفاعل، وكذا سبب ضمهاوكذا فتح ما قبل الآخر في اسم المفعول، هل هو الفتح الموجود فيما قبل آخر مضارعه، أو فتح آخر، قولان على حدّ ما م{َّ في ما قبل الآخر في اسم الفاعل والبيت يحتمل القولين على حد ما مرَّ في الكسر أن أرجعنا هاء آخره للمضارع، وإن رجعناها لاسم الفاعل تبادر أنه فتح جديد، والمقصود بضم الميم في اسم المفعول الضم الظاهر والمقدر، كما إذا نقلت ضمته لحرف قبله، والمراد بفتح ما قبل آخره الفتح الظاهر والمقدر نحو: مستحق ومضطر ومعتد ومنصب بالتشديد، إذا اريد: بها أسماء المفاعيل فما قبل أو آخرها ساكن لفظاً مفتوح تقديراً، لأنه في الأصل مفتوح، نقلت فتحته لما قبله، وأدغم الحرف ونحو: متحاب بالتشديد، أصله إذا كان مبنياً للمفعول متحابب، ومحابب بفتح الباء الأولى، حذفت فتحتها وسكنت وأدغمت في الباء بعدها. (2/186)
صفحة 435
ومختار ومنقاد إذا كانا اسمى مفعول، فأصل ألف الأول ياء مفتوحة، وأصل الألف الثاني واو مفتوحة، قلبتا ألفاً لتحركهما بعد فتح، وإنما زيدت الميم في أول اسمى المفعول والفاعل، لا في وسطه أو آخره، لأن الميم لا تزاد آخراً ولا وسطاً قياساً، ولأنهم أرادوا جعلها عوضاً عن حرف المضارعة، فالأولى أن تكون في مكانه، وذلك هو الغالب، وقد يكون اسم مفعول غير الثلاثي على مفعول كأجنه الله فهو مجنون، لا مجن بفتح الجيم وأحزنه فهو محزون لا محزن، وأحمه فهو محموم لا محم، وأزكمه فهو مزكوم لا مزكم، وأعله فهو معلول لا معل على ما ذهب إليه سيبويه، والصواب جواز فعل، ووروده وجواز عله فهو معلول، وأحبه فهو محبوب لا محب، والقياس مجن ومحزن ومحم ومزكم ومعل ومحب بالفتح نقلاً من المدغم وجاء محب بالفتح على الأصل في الشعر.
وكذا يقال: أهزله الله فهو مهزول، والقياس مهزل بفتح الزّاي، وأرقه فهو مرقوق لا مرق، وذلك كله شاذ لا يرد على إطلاق الناظم، وأيضا قد يقال: إنه ذلك كله أسماء مفاعيل الأفعال ثلاثية مسموعة، استغنى بها عن أسماء مفاعيل من الأفعال الرباعية، فلا شذوذ ولا ورود لدخلوها في النظم كما نص الصبان على اسماع حزنه وأحزنه، وزكم بالناء للمفعول، وأزكم وحمه وأحمه من الحمى، أو من حم يعني التقدير، وأجنه وجنه، وهزله وأهزله الأمر فوق فلا فعل له ثلاثي، بل له فعل رباعي كما مثل به الدماميني في شرح التسهيل، وقد يستغنى بمفعول عن مفعل بفتح العين.
قال فإن قلت: فقد قالوا لا رق الرجل. (2/187)
صفحة 436
قلت: إنما يقولونه بمعنى صار رقيقا، فليس بمعنى أرق وقد علمت مما مضى أن اسم المفعول مطلقاً ثلاثيا أو غيره إن كان من المتعدى فنائبه ضمير، أو ظاهر وجار ومجرور أو مصدر، أو نحو ذلك، أو من اللازم كان النائب الجار والمجرور، أو الظرف وأنهما يستويان لفظاً في المضعف والمعتل العين من غير الثلاثي والرباعي، ويفرق بتقدير الفتح فيما قبل الآخر في اسم المفعول والكسر فيما قبل الآخر في اسم الفاعل، وقد يفرق في اللازم بذكر مثل الجار والمجرور تقول: ممرور به، ومصب فيه، ومنجاب عنه، أي منكشف عنه ومشترك فيه، وقد يحذف الجار وينتصب المجرور فيرتفع على النيابة فيستتر نحو: أمة مشتركة بفتح الراء أي مشترك فيها، وأما المتعدى فالجار والمجرور ونحوهما بعده ليس نائبا إن وجد مفعول به صريح ينوب أو ضميره.
الإعراب: الواو للإستئناف أو للعطف على جئ، وإن حرف شرط وما مفعول مقدم لفتحت، وقبل ظرف زمان أو مكان على ما مر في مثله متعلق بفعل محذوف، وهذا الفعل والفاعل المستتر فيه جوازاً أو في الظرف صلة ما أوصفتها وآخر مضاف إليه قبل، والهاء مضاف إليه آخر، وفتحت فعل ماض هو الشرط ناصب لما وفاعل، وزعم الخضري وغيره أنه مفسر لشرط محذوف مقدر قبل ما، وبسطته في حاشية التمرين، وصار ماض في محل جزم على الجواب واسمه مستتر جوازاً عائد للمضارع أو للفظ الفاعل واسم خبره، ومفعول مضاف إليه.
. . . . . .
. . . . وقد حصلا
من الثلاثي بالمفعول متزنا
. . . . . . (2/188)
صفحة 437
أي وقد حصل اسم المفعول من الفعل الثلاثي على وزن مفعول، سواء كان متعديا كمضروب ومعلوم، أو لازماً كممرور به، ومدخول عليه، ومنطوق به، وإنما يصاغ اسم الفاعل واسم المفعول من أي فعل كان، إذا كان متصرفاً لا جامداً، وسواء كان صحيحا كما مر، أو معتل الفاء، فلا يغير نحو: وعوداً، ومعتل العين: كمقول ومبيع، أو اللازم: كمدعوا ومرمى، فيغير كما رأيت فمراده بمفعول أن تزاد الميم أولا مفتوحة، وإن يسكن الثاني سكونا ظاهراً أو مقدراً، وأن يضم الثالث ضماًً ظاهراً أو مقدر، وأن تزاد الواو، وتبقى أو تحذف أو تبدل ياء، وذلك في مجاله فالظواهر: كمضروب وموعود، والمقدرات كمبيع بكسر الباء وسكون الياء المثناة تحت أصله مبيوع بسكون الباء وضم الياء بعدها واو.
ومقول أصله مقوول بواوين على وزن مضروب، ومرمى أصله مرموى كمضروب، وأما مدعوا فهو بوزن مضروب غير أنه أدغمت واو مفعول في لام الكلمة، وجاء مرموى على الأصل، وقد يجئ مقوول أيضا على الأصل، ومن المقدر فتح ميمه (نسياً منسياً) في قراءة كسر الميم تبعا للسين أصله منسوياً بفتح الميم اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء وكسرت، السين للياء، وتبعتها الميم في الكسر، وإنما زيدت الميم لا غيرها أولا لا وسطاً ولا آخراً لما مر في اسم الفاعل، واسم المفعول من غير الثلاثي، وفتحت للخفة ولم تضم كما يضم حرف المضارعة التي هي عوض عنه في فعله المبني للمفعول: كيضرب لثقل الضم، ولم تكسر لثقل الكسر أصل مضروب يضرب باتلبناء للمفعول، زال حرف المضارعة وعوض الميم مفتوحة لا مضمومة كما مر، وضم ما قبل الآخر، ولم يفتح كما فتح ما قبل آخر المضارع المبني للمفعول، لئلا يلتبس باسم المكان من المضارع المضموم أو المفتوح أو الزمان أو المصدر الميمى، ولم يكسر لئلا يلتبس باسم المكان والزمان من المكسور على ما يأتى من التفصيل في باب المفعل والمفعل ومعانيهما. (2/189)
صفحة 438
وأشبعت الضمة فتولدت منها الواو لئلا يلزم وقوع مفعل بفتح الميم وسكون الفاء وضم العين متصلة باللام، ولا تاء فيه، وليس في كلامهم مفعل بهذا الوزن إلا مقروناً بالتاء نحو: مكرمة إذا فتحت الميم، وضمت الراء فقد علمت أن أصل اسم المفعول أن يوافق فعله، وكذا اسم الفاعل ثلاثيين أو غير ثلاثيين، لكن قصدوا التغيير، وقد نصواً على أن تغيير اسم الفاعل من غير الثلاثي تبع لتغييره من الثلاثي، فالأصل في ضارب فتح رائه لفتحها في الفعل، والأصل في طاهرُ بضم الهاء لضمها في فعله، والكسر في عالم غيره في علم والأصل أن يكون إياه، وذلك أن اسم المفعول مطلقاً مأخوذ من المضارع المبني للمفعول من لفظه للمناسبة بينهما، بأن كلا مسند إلى مفعول لم يسم فاعل، واسم الفاعل مأخوذ كذلك من مضارعه، المبنا للفاعل للمناسبة بينهما، بأن كلا مسند لمن فعل، ولذاك نص بعضهم على أن القياس في اسم الثلاثي ضم ميمه وفتح ما قبل آخره، وعدل عنه لئلا يلتبس باسم مفعول من الراعي المبدوء بالهمزة كمكرم ومخرج إلى الفتح لحقته لا إلى الكسر لئلا يلتبس بالآلة.
وإلى الضم والاشباع فيما قبل الآخر لما مر وخص الثلاثي بزيادة الواو لأن الرباعي أثقل منه، ولو كان بخحذف همزته مثله في الخفة، لأنه لو زيدت فيه زيدت أيضا في غير المهموز كمدحرج طرداً، ولأن الثلاثي قد تغير أخوه الذي هو اسم الفاعل من الثلاثي، لأن اسم الفاعل الثلاثي وإن كان كمضارعه في مطلق الحركات والسكنات، لكن ليست زيادته في موضع زيادة المضارع، ولا حركاته كحركاته في أكثرها، فإن زيادتها ثانية وهي الألف، وزيادة المضارع أولا وحركات ينصر فتح وضم وحركات ناصر فتح وكسر.
وأما اسم الفاعل من الرباعي المبدوء بالهمزة الزائدة فهو كمضارعه في موضع الزيادة، وفي عين الحركات فغيروه بزيادة الواو أغنى اسم مفعول من الثلاثا. (2/190)
صفحة 439
قال الرضي: فتحوا الميم لئلا تجتمع ضمتان بعدها واو، وذلك قليل كعصفور، قال: فاسم المفعول من الثلاثي بعد التغيير كالجاري على فعله لأن الضم الميم مقدر، والواو في حكم واو الإشباع في مثل قوله: من حيث ما نظروا ادنوا فأنظور الأصل فانظر أ هـ.
وادعاء شارح مراح الأرواح أنه سمى اسم مفعول من كل فعل اسم مفعول، لكثرة مفعول الذي هو اسم مفعول الثلاثي باطل، لأنه لم يريدوا بقولهم اسم مفعول لفظ مفعول بل اسم من وقع الفعل عليه كما مر نظيره في اسم الفاعل، وما تقدم هو الكثير، وقد يجئ لفظ بمعنى فاعل عندهم كما قيل في قوله تعالى: (مأتياً) إنه بمعنى آتيا، وقد مر أنه بمعنى مفعول من أتيت الأمر فهو مأتى أي مقصود بتشديد الياء كمرمى كما مر، وقد يجئ اسم مفعول الثلاثي على وزن اسم فاعل مدافق بمعنى مدفوق، وراض بمعنى مرضى، وقد مر الجواب عن ذلك.
قيل:
ومنه لقد عل الأيتام طعنة ناشره
أناشر لا زالت يمينك آشره
ولا يقال محسوس لأن الفعل أحسن فيقال: محس وقولهم ومحسوس لحن، ولو عبر به أبو علي الفارسي وغيره من الفضلاء نحوا به نحو: المعلوم لاشتراك الجميع في الإدراك، وذلك في الحواس الخمس، ذكره الشيخ سعيد قدورة عن القرافي عن بعض اللغويين، ويقال/ مغلق لأن الفعل أغلق لا مغلوق، لأنه يقال لا غلق إلا لحناً، وقيل لغة رديئة فقال: عليها مغلوق قيل، ولا يقال ملحوق به ملحق، وأقول سمع لحق فالحق فيه ملحوق، قيل: ولا يقال مطبوق والصواب جوازه، ولا ملصوق وقيل جائز، ولا يقال معتوق بل معتق، لأن الفعل أعتق وأما عتق فهو بالبناء للفاعل. (2/191)
صفحة 440
وقيل:يعني للمفعول في لغة رديئة فيقال عليها معتوق هذا، وأصل مقول ومبيع مقوول ومبيوع، نقلت ضمة الواو والياء إلى ما قبلهما، فالتقى ساكنان الواو الأولى وهي عين الكلمة، والثانية وهي واو مفعول، والياء وهي عين الكلمة، والواو وهي واو مفعول، فأما مقوول فلما حذفت احدى الواوين لالتقاء الساكنين بقيت الأخرى لضم ما قبلها، ولكن اختلفوا في المحذوفة فقيل إنها الثانية، وهي واو مفعول، لأنها زائدة وقريبة من الطرف، والتقاء الساكنين حصل بها لأنها الثانية، وهذا مذهب سيبويه.
قال ابن هشام: هو الصحيح في التوضيح، ومثله في المغنى فوزن مقول مفعل بفتح الميم وضم الواو، وسكون العين على ظاهره، وأورد عليه أن الواو الثانية علامة اسم المفعول، فلا تحذف، وأجيب بمعنى أنها علامة بدليل عدمها في اسم مفعول غير الثلاثي، وإنما جئ بها لرفضهم مفعلا بفتح الميم وضم العين والتجريد عن التاء إلا في مكرم ومعون ومهلك، وإنما العلامة ميم، وأورد عليه أيضا أن المحذوف من نحو: قاض الأصلى وهو الياء لا الزائد، وهو التنوين ومن نحو: بع وقل وخف الساكن الأول لا الثاني.
فهلا قال: المحذوف من مقوول بعد النقل الواو الأولى، ولو كانت أصلا لا الثانية، ولو حصل بها التقاء الساكنين؟
وأجيب بأن ذلك كله إذا كان ثاني الساكنين حرفا صحيحا وهو هنا حرف علة. (2/192)
صفحة 441
وقال الأخفش: المحذوفة الواو الأولى، وهي عين الكلمة لآنها لا تدل على مفعول، والأنه كثيرا ما يعرض لها الحذف في غير هذا الموضع كقل ولم يقل، وقلت: فوزنه مفعول، ويررده ما مر من أن واو مفعول لا تدل على مفعول أيضا، وإنه إنما يكون الأول أولى بالحذف إذا كان الساكن الثاني حرفا صحيحا كقل، وأما مبيوع فلما نقلت ضمة يائه لبائه التقى ساكنان كما مر، حذفت الواو وهي واو مفعول، ثم كسر ما قبل الياء لئلا تنقلب واواً فتلتبس ذوات الياء بذوات الواو، وهو مذهب سيبويه، وهو الصحيح عند ابن هشام أيضا فصار مبيع، ووزنه مفعل بفتح الميم وكسر الفاء، وسكون العين على ظاهره، ويرجع بما مر.
وقال الأخفش: المحذوف الياء وهي عين الكلمة، ثم كسر ما قبلها فقلبت واو مفعول ياء، فوزنه مَفِيل على ظاهره، وقد خالف الأخفش في هذا أصله لأنه إذا ضمت الفاء قبل ياء أصلية قلبت الياء واواً للانضمام ما قبلها عنده إلا في الجمع نحو: بيض، وقد قلب هنا الضمة كسرة مراعاة للعين المحذوفة التي هي ياء، ومراعاتها موجودة أجدر.
ويجاب أنه لم يقلب الضمة كسرة، والواو ياء، مراعاة للعين المحذوفة، بل للفرق بين ذوات الواو وذوات الياء.
قال المرادي والدماميني: تظهر فائدة الخلاف في نحو: مسوء بوزن مضروب تقلب الهمزة واوا وتدغم فيها الواو وهي واو مفعول عند الأخفش على القاعدة في الهمزة المتحركة بعد واو ساكنة زائدة لغير الحاق، وتنقل حركة الهمزة إلى الواو وهي عين الكلمة عند سيبويه، وتحذف الهمزة كما هو القاعدة في الهمزة المتحركة، بعد الواو الأصلية، تنقل حركة الهمزة إليها وتحذف كما تقول في خبءٍ خب بنقل حركة الهمزة إلى الباء، فتحذف الهمزة.
وقد اختبر الفارسي تلميذه ابن جنى عن ذلك في مسوء فقرره على مذهب الأخفش ، وعلى مذهب سيبويه كما مر فقال له: الأمر كما قلت تصديقاً له، وبنو تميم يصححون الياء لخفتها لا الواو لثقلها، فيقولون مبيوع ومخيوط. (2/193)
صفحة 442
قال بعضهم: وكأنها تفاحة مطيوبة، وقال العباس بم موداس:
*وإخال لأنك سيد معيون*
أي مصاب بالعين، وقال مطيوبة ومغيوم، وأقول قد يقال معيون فعله عين بتحريك الياء وتصحيحها، فتحرك في المفعول وتثبت قياسا في المفعول لصحتها في فعله، فلا شاهد فيه، وربما صح بعض العرب حثيثا من ذوات الواو، وهو نادر سمع: ثوب مصوون، وفرس مقوود، ومسك مدووف أي مبلول، وقيل مسحوق، وسمع مدوف بالحذف على القياس، واسم المفعول من الشوب مشوب، ويقال: مشيب بقلب الضمة كسرة، والواو ياء حملاً على لغة هوب في البناء للمفعول، كقول وبوع.
وأما المعتل اللام فإن كان مفتوح العين، واوي اللام: كدعا وعدا، فإنك تدغم واو مفعول في واوه، ولا تقلب واوه ياء تقول معدو، ومدعو بتشديد الواو حملاً على فعل الفاعل وهو دعا وعدا حيث، لم تقلب واوه ياء، وإن قلبت ألفا لتحركها بعد فتح هذا هو المختار، ويجوز قلب الواوين ياء قياساً عند الناظم، وعبر ابن هشام بأنه شاذ تقول مدعى ومعدى، قال الشاعر:
*أنا الليث معديا عليه وعادياً*
في رواية المازني، ورواه الفراء، وتبعه الناظم معدوداً، وسبب القلب ياء الحمل على الماضي المبني للمفعول نحو: دعى وعدى، فإن لام الكلمة فيه واو، قلبت ياء لكسر ما قبلها، وقيل لأن الواو الأولى ساكنة زائدة خفية بالإدغام، فلم يعتد بها حاجزاً فصارت الواو التي هي لام الكلمة كأنها تلت الضمة، فقلبت ياء، والضمة كسرة لئلا يلزم وجود اسم عربي معرّب آخره واو لازمة، قبلها ضمة.
قال الشيخ خالد: والتصحيح أولى، لأن الحمل على فعل الفاعل أولى.
قلت: أراد بالتصحيح إبقاء الواو على حالها بغير قلبها ياء وإن كانت عين الفعل مكسورة غير الواو نحو رضى فالقلب ياء أولى نحو: مرضى لأن فعله قلبت فيه ياء مبنياً للفاعل أو للمفعول لانكسار ما قبلها، فأجرى اسم المفعول على الفعل، وهو أولى من مخالفته وبه جاء القرآن، وقرأ بعضهم: راضية مرضوة بالواو مشددة شذوذاً. (2/194)
صفحة 443
وجعله الناظم مرجوجاً وإن كانت العين واواً مكسورة وجب القلب ياء نحو: قوى: فتقول: مقوى الأصل مقووو، ثقلت ثلاث واوات مع الضمة في الطرف، قلبت الآخرة ياء، ثم التي قبلها لاجتماع واو وياء، وسبق إحداهما بالسكون، ثم قلبت ضمة الواو الأولى كسرة لأجل الياء، وأدغمت الياء في الياء، وإن كانت لام الكلمة ياء وجب قلب واو مفعول ياء فإدغامها في الياء نحو: مرمى أصله موى، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وقلبت الضمة كسرة لتبقى الياء وهذا سواء، فتحت العين أو كسرت، وسواء كانت واواً أو غيرهما وأما قوى فياؤه عن واو كرضى.
الإعراب:الواو وللاستئنان أو للعطف على جى، وقد حرف تحقيق، وحصل ماضٍ مستتر الفاعل جوازاً عائداً إلى اسم المفعول المذكور في قوله: صار اسم مفعول من باب ندى درهم ونصفه، ففيه استخدام أو شبهه، ومن ذي جار ومجرور متعلق بحصل، وذى بمعنى صاحب أو بمحذوف حال من المستتر، واللاثة مضاف إليه أي الأحرف الثلاثة، وفي نسخ من الثلاثي بياء النسب أي من الفعل الثلاثي، وبالمفعول متعلق بمترناً، ومترنا حال من المستتر وأصله هو ترنا أبدلت الواو تاء على قاعدة فاء الافتعال، إذا كان ليناً ثم أدغمت التاء كما مرّت الإشارة إليه.
. . . . . . .
وما أتى كفعيل فهو قد عدلا
به عن الأصل . . . .
. . . . . . .
أي وما ورد عن كلامهم على وزن فعيل بمعنى مفعول، فهو معدول به عن أصله الذي هو وزن مفعول، وذلك أنهم كثيراً ما يعدلون عن صيغة مفعول إلى صيغة فعيل فينوب فعيل عن مفعول كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح وكحيل بمعنى مكحول، وذبيح بمعنى مذبوح، وأسير بمعنى مأسور، وأكيل بمعنى مأكول، ونطيح بمعنى منطوح، ودهين بمعنى مدهون، وطريح بمعنى مطروح، فناب فعيل عن مفعول في معناه، وهو كثير، ومع كثرته غير مقيس عند الجمهور. (2/195)
صفحة 444
وقال بعضهم: إنه مقيس فيما ليس فقيل بمعنى فاعل، وسماع فيما له فعيل: بمعنى فاعل، فلا يقال من رحم وقدر، رحيم بمعنى مرحوم وقدير بمعنى مقدور عليه، لأنه جاء منهما فعيل بمعنى فاعل، يقال: هو رحيم وقدير، أي راحم وقادر، فيلتبس فعيل بمعنى مفعول بفعيل بمعنى فاعل، حكى هذا القول الناظم في شرح التسهيل، وابن هشام في التوضيح.
وفي التسهيل ليس مقيساً خلافاً لبعضهم، وفيه أن وروده كثير، فمذهب الناظم أنه سماعي مطلقاً، وهو ظاهر قوله في الخلاصة، وناب نقلاً عنه ذو فعيل أي وناب سماعاً عن مفعول صاحب فعيل، أي موازنه في الدلالة على المعنى، فبطل ادعاء ابن الناظم أن فعيلاً بمعنى مفعول غير مقيس بإجماع.
قال في شرح الخلاصة: فعيل بمعنى مفعول كثير في لسان العرب، وعلى كثرته لم يقس عليه بإجماع.
قلت: لعله غره قول: أبيه في شرح الكافية، وكل ذلك محفوظ لا يقاس عليه بإجماع، ظن أن الإشارة إلى فعيل وفعل بفتحتين، وفعل بالكسر فالسكون مع أنها إلى الآخرين لأنه فصلهما بقد بعد أن ذكر أن مجيء فعيل بمعنى مفعول كثير، وأنه لا يقاس عليه، ولم يدع في ذلك إجماعاً، ولا خلافاً أو أراد بعدم القياس إجماعاً عدمه فيما له فعيل بمعنى فاعل، وإلاّ فقد نص أبوه وغيره أن منهم من يقيس فعيلاً بمعنى مفعول فيما ليس له فعيل، بمعنى فاعل، فتقول:ضرب بمعنى مضروب، والمراد أن يكون له فعيل بمعنى فاعل أصلي.
وأما فعيل بمعنى فعول للمبالغة فلا يمنع من قياس فعيل بمعنى مفعول على ذاك القول، لأنه محوّل عن فاعل للمبالغة.
قال أبو حيان: وينبغي أن يقيّد قياس فعيله بمعنى مفعول بالثلاثي المجرّد التام المتصرف، لأن ما وجد عن العرب مصوغاً كذلك إنما هو موضوع مما ذكرناه. (2/196)
صفحة 445
قلت: نص الناظم في التسهيل وشرحه وغيره أنه قد ينوب فعيل عن اسم مفعول الرباعي المبدو بالهمزة الزائدة نحو: أعقدت العسل، فهو عقيد أي معقَد بفتح القاف، وأعله المرض فهو عليل أي معل بفتح العين نقلاً عن اللام المدغمة والذكر الحكيم، كذا قالوا.
قلت: ليس كذلك لأن حكم الثلاثي يجيء بمعنى أحكم، فحكيم بمعنى فحكوم، وإن قلت إذا كان فعيلاً بمعنى مفعول معدولاً عن مفعول كما في البيت، فَلِمَ لم يمنع من الصرف مع أنه وجد فيه الوصف والعدل؟
قلت: لأن هذا العدل على سبيل الاستغناء، والعدل الذي يمنع به الصرف على سبيل التفريغ ذكره ابن الناظم.
وأعلم أن فعيلاً بمعنى مفعول إذا كان لمؤنث، ودلّت قرينة على أنه لمؤنث لم يقرن بالتاء غالباً نحو هذه قتيل، أي مقتولة، وجاءت بمعنى مقتولة، ورأيت قتيلاً من النساء أي مقتولة، فدلّت الإشارة بهذه وتاء التأنيث، وقولك من النساء على أنه صفة لمؤنث، فلم تلحقه التاء كما تقول: امرأة قتيل: وقد تلحقه التاء مع ذكر ما يدل أنه صفة المؤنث نحو: صفة ذميمة، وخصلة حميدة، حملاً لفعيل بمعنى مفعول على فعيل بمعنى فاعل، فإن فعيلاً بمعنى فاعل تلحقه التاء إذا كان لمؤنث مطلقاً نحو: امرأة رحيمة أي راحمة، وامرأة ظريفة وكريمة، أو حملاً لفعيل بمعنى مفعول لمؤنث بقريته على فعيل بمعنى مفعول بدون قرينة أنه صفة لمؤنث، فإن فعيلاً بمعنى مفعول لمؤنث بلا قرينة تلحقه التاء خوف اللبس بالمذكر أو للسماع وهو الأظهر، لأنهم لم يراعوا اللبس في نحو صبور ومعطار كذا لابن هشام تقول: رأيت قتيلة، كما حمل فعيل بمعنى فاعل على الذي بمعنى مفعول، وجرد عن التاء نحو: (إن رحمة الله قريب) و (قل من يحيي العظام وهي رميم) ولك أن تقول رميم بمعنى مرمومة، فحذف تائه مقيس. (2/197)
صفحة 446
ومن ذلك ملحفة جديد عند البصرية، وقالت الكوفية بمعنى مجددة أي مقطوعة، وقيل ذكر قريب لتأويل الرحمة بالمذكر وهو الغفران أو الإنعام، أو لأن قريباً بمعنى المسافة يذكر ويؤنث، وبمعنى النسب والرحم مؤنث، أو لأن المراد به النسب الاصطلاحي، لأن فعيلاً يغني عن ياء النسب، أي ذات قرب، وفيه أنه لم لا يؤنث مع هذا، أو لأن المصدر المؤنث يجوز تذكيره حملاً على لفظ آخر، أو ولأن قريباً نعت لمذكر أي شيء قريب، أو لتقدير مضاف مذكر أي أثر رحمة الله قريب، أو لأنه بمعنى مقرب، وفيه أنه لا يؤنث مع هذا أو لأن الرحمة ذكرت لإضافتها لما ليس بؤنث.
وبعلل قول بعضهم: إن الرحمة مؤنث مجاز فذكر لأن المؤنث المجازي يجب تأنيث ضميره كالحقيقي، وكذلك لا تلحق التاء فعولاً بالفتح بمعنى فاعل، كامرأة صبور أي صابرة لعدم جريانه على الفعل، ودخول التاء على الصفة محمول على فعلها، قاله الشاطبي، وفيه أن كثيراً من الصفات المشبهة لا يجري على فعله، والتاء تلحقه، ولعله للحمل على اسم الفاعل ومن فعول بمعنى فاعل: (وما كانت أمك بغياً) أصله بغوياً اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وهي واو فعول، وأدغمت في الياء التي هي لام الكلمة أي باغية، وأما امرأة ملولة أي مالة فالتاء للمبالغة، كرجل نسابة بدليل رجل ملولة، وكذا امرأة فروقة أي خائفة، وقيل لحقتهما لغلبة الاسمية عليها، وفيه نظر، وأما امرأة عدوة أي عادية أصله عدووة بواو ساكنة فمفتوحة، أدغمت ساكنة في المفتوحة فمحمول على ضده. وهو امرأة صديقة لا صديقاً ضد عدو، وصديقاً فعيل بمعنى فاعل تلحقه التاء في المؤنث، وحمل عليه في لحاقها فعول بمعنى فاعل إذ كان ضده في المعنى وهو عدو، وهم يحملون الضد على الضد كالنظير على النظير، أما عدوة بمعنى التي عاداها غيرها فعلى القياس، لأن عدوة (ح) بمعنى مفعول. (2/198)
صفحة 447
وإن كان مفعول بمعنى لحقته التاء وجوباً إلاً ندوراً كما لابن عبد الحق عن مفهوم شروح التسهيل وغيرها، وظاهر خالد جواز اللحوق وعدمه في كل مثال، وظاهر الأشموني قلة اللحوق، وفيه نظر تقول: ناقة ركوبة لا ركوب، لأنه بمعنى مركوبة، ولا تلحق تاء التأنيث مفعالاً كامرأة منحا رأى كثيرة النحر.
قال ابن الأنباري: لأنه لا يجرى على الفعل، ولأنه يشبه المصدر الميمي في زيادة الميم في أوله، وشذ لحاقها في امرأة ميقانة، ولا تلحق مفعيلاً بكسر الميم كمعطير من المعطر، لأنه لا يجري على فعله ولشبه المصدر الميمي، وشذ قياساً امرأة مسكينة كأنه محمول على فقيرة حملاً للشيء على نظيره، أو مثل نظيره في المعنى، وحكى سيبويه امرأة مسكين على القياس وهو شاذ استعمالاً، ولا تلحق مفعلاً بكسر الميم وفتح العين كمغثر بمعجمتين لمن لا ينتهي عما يهواه لشجاعته، ومدعس بمهملات لما يطعن به لما مر من التنبه، عدم الجريان، وقيل في بغياً لم تلحقه التاء لأنه فعيل بمعنى فعول، وقيل لأنه مصدر كما قيل في (وهي رميم) أنه لم تلحقه لأنه بمعنى مفعول، أو لأنه مصدر أو للفاصلة، ولا تلحقة فعالاً تقول: امرأة جبان وحصان، وروى جبانة.
الإعراب: الواو للاستئناف أو للعطف، وما مبتدأ وأتى ماض مستتر الفاعل جوازاً والجملة صلة ما أوصفتها، أو ما شرطية مبتدأ والفعل شرطها، وكفعيل متعلق بأتى أو بمحذوف حال من ضميره، والكاف للتشبيه أو للاستعلاء، أي على وزن فعيل أو كفعيل في الوزن، ويلزم على التشبيه التكرار مع قوله: واستغنوا بنحو: نجا كما زعم صاحب تحقيق المقال، فإن المراد بمثل فعيل ما وازن فعلاً كذبيح ونطيح، وبنحو نجا والنقض ما وازنهما، والفاء زائدة في خبرها والموصوفة لشبههما بالشرطية في العموم والابهام، أو رابطة لجواب الشرط إن جعلت ما شرطية وهو بسكون الهاء لجوازها بعد الفاء، ولو سعة مبتدأ. (2/199)
صفحة 448
وقد للتحقيق وعدل ماض مبني للمفعول، وبه نائب متعلق به، والجمل خبر هو وجملة هو وخبره المبتدأ الذي هو ما أو جوابه، والخلف في خبر اس الشرط فقيل: جملة الشرط، وقيل جملة الجواب، وقيل كلاهما بسطته في النحو، وعن الأصل متعلق بعدل فضلة أو هو النائب وبه متعلق به فضلة ولا ضمير في عدل حتى يقال أنه نائب كما قد توهم، ولو كان فيه لم يأت بقوله به.
. . . واسغنوا بنحو نجا
والنقض عن وزن مفعول وما عملا
أي استغنوا عن لفظ مفعول في الوزن، والمعنى لا في العمل بشئين:
الأول: الفعل بفتح الفاء والعيم نحو: جنوت الجلد نجوا فهو نجا أي المسلوخ أصله النجو بفتح النون والجيم، تحركت الواو وانفتحت ما قبلها، فقلبت ألفاً وكالقبض واللقط بفتح الأول والثاني، أي المقبوض والملقوط، وكذا النفض واللفظ والغرفة واللقمة والمضغة والأكلة والقنص أي المنقوص أي المصيد بفتح الأوائل والثواني.
والثاني: الفعل بكسر الفاء وسكون العين، كالنقض بكسر النون وسكون القاف أي المنقوض، والذبح بكسر الذال وسكون الباء بمعنى المذبوح، وكذا النطح بكسر النون وسكون الطاء أي المنطوح، والنسى بكسر النون وسكون السين أي المنسى ومنه (نسياً منسياً) جمع بين فعل ومفعول تأكيداً، والراعي بكسر الراء وسكون العين لأي المرعى وكأن الوزنين مصدران نابا عن المفعول وهما قليلان جداً على ما صرح به أبو يحيى، بخلاف وزن فعيل بالياء فإنه كثير مقيس عند بعض على ما مر وهما غير مقيسين.
ومما ينوب سماعاً عن مفعول فعلة بضم الفاء وسكون العين: كضحكة أي مضحوك عليه، وهمزة ولمزة، ولقمة وأكلة، ولفظة وصرعة، أي مهموز وملموز، وملقوم وممضوغ، ومأكول وملفوظ، ومصروع بضم الأوائل وسكون الثواني، ذكر الناظم ذلك في التسهيل، وإن فتحت الثواني صارت بمعنى فاعل، ومنه(ويلٌ لكل همزة لمزة) بفتح الميم أي هامز لامز، وذكر أيضا ذلك كله الصبان. (2/200)
صفحة 449
قال الكرماني في شرح البخاري: كون مضموم الأول مسكن الثاني بمعنى مفعول، ومضموم الأول مفتوح الثاني بمعنى فاعل، قاعدة كلية، أي فيما ورد لا فيما لم يرد، لأنه غير مقيس، والظاهر أن ذلك كله صفات متحملات للضمائر، مثل فعيل ومما ينوب عن مفعول المصدر كاللفظ بفتح اللام وسكون الفاء، والضرب والرد، والخلق والصيد، أي الملفوظ والمضروب والمردود والمخلوق والمصيد، وهو كثير مطرد مقيس كما ذكره الصبان لا قليل غير مقيس، كما هو ظاهر فتح الأقفال، وذلك المصدر متحمل الضمير عند بعضهم، بل أدخله بعضهم في الصفات مع ما مر، بل ذلك في الحقيقة غير صفات، لكن ناب عن الصفات، ولهذا لا يرفع ظاهر إلا في فعل، فإن الأظهر أنه صفة من أول الأمر.
ومما ينوب عن مفعول كذلك على غير قياس فعيل، قال صاحب فتح الأقفال: منه شيء بسكون الياء أصله شيئ بتشديد الياء وكسرها نحو: (اعلم أن الله على كل شيء قدير) وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) أي مشيئى كمبيع، قال: ويجئ بمعنى فاعل، ومنه: (أي شيء أكبر شهادة) أي شائي وجمعه أشياء، ووزن هذا الجمع عند الخليل أفعال، منع، صرفها بكثرة الاستعمال، وعند الأخفش أفعلاء كأنبياء.
قلت: كون أصل شيء شيّئ بالتشديد هو مذهب الفراء، حذفت إحدى الياءين للتخفيف وفيه وإذا شدد ما في سيد بالتشديد من الخلاف في وزنه، ولا أسلم إن شيئاً بمعنى مفعول على لأنه في الأصل شاء، ولا بمعنى فاعل، بل اسم جامد كرجل، وما زعم فتح الأقفال تكلف، وقد يقال أيضا: وزنه فعل بسكون العين لا فعيل، كما زعم القراء، وكون أشياء جمع شيء مذهب الخليل وسيبويه والمازني وجميع البصريين إلا الزيادي. (2/201)
صفحة 450
فأشياء عندهم اسم مفرد فعلاء نائبة عن أفعال، وبدل منه وعن جمع لواحدها المستعمل، وهو الشيء ذكره بعض اللغوين، وهو صريح في أن أشياء عند الخليل فعلاء نائب ـعن أفعال لا أفعال كما حكاه صاحب فتح الأقفال، على هذا فمنع صرفه الألف التأنيث وهمزته الآخرة زائدة والأولى أصل، ونسب في القاموس كون وزنه أفعالا إلى الكسائي، وأنه منع الصرف لكثرة الاستعمال، وهمزته الأولى زائدة والثانية أصل، أو منع الصرف تشبيهاً بفعلاء في الجمع على فعلاوات كصحراء وصحراوات.
قال الزجاج: أجمع البصريون وأكثر الكفيين أن قول الكسائي خطأ، وتبعد الجوهري في التخطية، ووجهها أنه لو كان كما قال الكسائي لم يصرف أبناء وأسماء، ويرده أن نحو: أسماء وأبناء لم يجمع على فعلاوات كما جمع عليها أشياء، فقل: أشياوات.
وقال الأخفش والفراء والزيادي: أشياء أفعلاء بزيادة الهمزة الأولى والآخرة، ومثله هين وأهوناء وهو جمع على غير واحدة المستعمل، وهو شيء بالسكون بل على واحدة المتروك، وهو شيِّئ بالتشديد، ومثله شعراء جمع على غير مفرده الذي هو شاعر، لأن فاعلا لا يجمع على فعلاء، وأصله أشياء بهمزة بين الألف والياء حذفت تخفيفا، وفتحت الياء للألف.
ووهم الجوهرى في قوله: إن الخليل يرى أن أشياء فعلاء جمع على غير واحدة، لأنه لا يراه جمعا بل مفرد ناب عن جمع مكسر لا غير نائب بدليل إضافة العدد القليل في قلهم: ثلاثة أشياء، ويجمع الأشياء أيضا على أشياوات وأوشاوات وأشاوى بفتح الواو، وأشاوى بكسرها، وأصل المفتوح أشاييى بثلاث ياءات، حذفت الوسطى تخفيفاً وأبدلت الأولى واواً، وكسرتها فتحة، والثالثة ألفا لتحركها بعد فتح. (2/202)
صفحة 451
وقول الجوهري: إنه بهمزة بعدها ياء أن قلبت ياء غلط، لأن الياء الأولى أصل لا تهمز، كما لا تهمز ياء مصايب إلا شذوذ، أو يجمع على أشايا كهدايا وقضايا وأشيايا وجمعه على أشاوه شاذ غريب، لأنه لا هاء في أشياء حتى تكون في جمعه، وقيل وزن أشياء لفعاء بتقديم اللام أصله شيئاء بهمزة بين الياء والألف، وهي لام الكلمة والألف والهمزة الأخرى بعدها زائدان فوزنه (ح) فعلاء قدمت لام الكلمة وهي الهمزة بين الياء الألف على فاء الكلمة وهي الشين، وفتحت الياء للألف فصار وزنه لفعاء بتقديم اللام على الفاء ونسب لسيبويه ويصغر الشيئ على شيئ بضم الشين، وحكى في العباب كسرها أيضا لا شوى، قيل: إن تصغيره على شوى لغة ضعيفة، وقول الأخضر إن أشياء يصغر على أشياء بضم الهمزة وتشديد الياء سهو، لأنه يصغر على مفرده.
تنبيه: ظاهر الشراح أن نحو النقض والذبح والطحن بكسر الأوائل وسكون الثواني، هو بمعنى ما فعله الفاعل أو ما يفعله لا بمعنى أنه ماء من شأنه أن يكون مفعولا، أو أن يفعل، والأظهر أنه يستعمل بالمعنى الأول، ويستعمل بالمعنى الثاني أيضا، وثبت في بعض النسخ: والنسى بدل قوله والنقض، وصرح جار الله بالمعنى الثاني إذ قال: النسى ما من حقه أن يطرح وينسى: كحرقة الطامث ونحوهما كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى: (وفديناه بذبح عظيم).د
وعن يونس: العرب إذا ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم أي أشياءكم اليسيرة نحو: العصى والقدح والشظاظ، وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة(نسيا) بالفتح، قال الفراء: هما لغتان يعني الفتح والكسر: كالوِتر والوَتر، والجِسر والجَسر، ويجوز أن يكون مسمى بالمصدر كالحمل، وقرأ محمد بن كعب: نسئا بالهمزة وهو الحليب المخلوط بالماء، ينسى لقاته ونزراته، وقرأ الأعمش (منسيا) بكسر الميم على الأتباع كالمغيرة والمتخير أ هـ. (2/203)
صفحة 452
الإعراب: الواو للاستئناف، وللعطف، واستغنوا فعل ماض وفاعل، حذفت لام فعله وهي ياء بعد النون، فيجوز فتح النون وسكون الواو وضمها، وسكونه ميتاً، والواو للعرب، وبنحو متعلق بالفعل نجا مضاف إليه، والنقض معطوف على نجا، وعن وزن متعلق بالفعل مضاف لمفعول.
. . . . . .
. . . . وما عملا
أي وما عمل ما ذكر من فعيل وفعل بفتح الفاء والعين، وفعل بكسر الفاء وسكون العين عمل مفعل من رفع الظاهر على النيابة، ونصب غير النائب على المفعولية حيث بنى من متعد لاثنين.
قال صاحب تحقيق المقال: لأن العمل للفعل، وما جرى مجراه في حركاته وسكناته، وعدد حروفه، أو ناب عن الجاري كأبنية المبالغة أو أشبه اسم الفاعل كالصفة المشبهة، وقد مروجه الشبه وتجئ للحال كما يجيء للحال أو ناب عن الفعل كالمصدر واسم الفعل، وأما اسم مفعول من الثلاثي فإنه غير جار على الفعل، فكان القياس أن لا يعمل، لكن ناب عن مفعل الذي هو اسم مفعول غير الثلاثي وهو جار على فعله فعمل كما عمل لأنه اطرد قيامه مقام الجاري، ولما كانت نيابة فعيل وأخواته لا تطرد ولا تقاس، لم تعمل ومفعول من المبني للمفعول يجري مجرى فاعل من المبني للفاعل، فيعمل ويقيد بالزمان كمضروب أمس أو الآن أو غداً، وفعيل وما معه لا يقيد بالزمان الماضي ولا المستقبل قلت: ولا الحاضر، ولو قيل يدل عليه فلا يعمل، فلا يقال: زيد كحيل عينه برفع العين على النيابة، فإن ورد مثله فالعمل لفعل أو وصف محذوف مع أنه فرغ الفرع فضعف لذلك لأنه فرع النائب وهي في الحقيقة ليست بصفات وإنما نابت عن الصفات ولو كانت صفات أصالة لرفعت الظاهر لأن كل صفة تثنى وتجمع ترفع الظاهر وذلك مذهب الجمهور وعليه الدماميني. (2/204)
صفحة 453
وحكى الدماميني في شرح التسهيل، والسيوطي في الهمع وغيرهما عن ابن عصفور في مقربة أن ما ناب عن مفعول من فعيل وغيره يعمل عمله: كمررت برجل كقتيل أبوه ونقض بناءه، ونجا جلد شاته، أي مقتول أبوه ومنقوض بناؤه، ومنجو جلد شاته، أي مسلوخ.
قال الصبان: ولقائل أن يقول: شروط العمل إنما هي للعمل في المنصوب، أي على المفعولية لا في المرفوع، فيجوز عند المصنف يعني الناظم أن يعمل في الظاهر والضمير، وأقول: الحق أن الضمير المستتر ترفعه تلك الصفات، وكذا تعمل في الظروف والمجرورات والفضلات غير المفعول به، بل قالوا: كل ما جرى مجرى الصفة يرفع الضمير، قالوا: مررت بقاع عرفج كله، برفع كل توكيدا للمستتر في عرفج أي خشن، والظاهر أن الناظم لا يمنع رفع الضمير بذلك لإطلاقة القول في الخلاصة أن الخبر المفرد المشتق متحمل للضمير، وكيف لا وقد أجاز كثير استتار الضمير في المصدر المخص، فما يظهر من عبارته من منه عمل ما تقدم من فعيل وفَعل وفِعل، إنما هو في الظاهر، وقد أجاز بعض عمل فعيل في الظاهر دون غيره، لكثرة فعيل، وقلة غيره، وقد يحمل عليه قول الناظم، وما عملا بأن يعاد الضمير المستتر في عملا إلا نحو من قوله: بنحو نجا والنقض والألف للإطلاق، أو تجعل ضمير النجا والنقض، وهذا الحمل المتبادر من العبارة، لأنه قد غير الأسلوب فعبر باستغنوا بعد واو العطف والاستئناف، وقد عبر في فعيل بالعدل جعل فعيلا معدولا عن مفعول، وفَعلا وفِعلا مستغن بهما عنه.
قال أبو حيان: ويحتاج في منع ذلك أو أجازنه إلى نقل صحيح أ هـ.
وقد جرى في التسهيل على المنع وحكاية العلامة الحفنى منع العمل في المرفوع الظاهر عن ابن عصفور سهو، لما مر عن الدماميني والسيوطي عن ابن عصفور من إجازته في مقربه. (2/205)
صفحة 454
الإعراب: الواو للإستئناف، وما نافية، فيصح في عملا أن يكون ألفه للإطلاق، وفاعله مستتر عائد إلى ما ذكر من فعيله وفَعل وفِعل، إو إلى ما ونحواً وإلى لجا والنقض والإفراد بتأويل ما ذكر، أو إلى نحو، وأن يكون ألفه ضميراً لما، ونحواً ولجا والنقض والنقض وإعادة الضمير مطلقا إلى النجا والنقض ضعيفة لأنهما خاصان، والأولى إعادته لما ونحو لعمومها لأنها مضاف إليهما بواسطة العطف في الثاني، لأن الصحيح جواز إعادة الضمير للمضاف إليه، بل قيل جائز باتفاق.
ويجوز أن يكون الواو للعطف على استغنوا، فيكون ألف عملا للإطلاق، والضمير المستتر لنحواً وضمير للنجا، والنقض، ويجوز كونها للحال، وصاحب الحال نحو، فالألف للإطلاق، ولا يجوز أن تكون للحال، وصاحب الحال ضمير به ونحو فيكون الألف للإثنين لأنه يلزم على هذا توارد عاملين هما عدل العامل في به، واستغنى العامل في بنحو على معمول واحد وهو الجملة الحالية، ولا تكون حالا من الهاء وحدها، لأن القيد إذا ذكر بعد جملتين أو حمل إنما يرجع إلى الجميع أو إلى متلوه لا إلى السابق أو المتوسط إلا لقرينة، ولا تجعل الجملة حالا تنازع فيها شيئان عدل به، واستغنوا بنحو لأن الجملة لا تكون ضميراً فيعمل في المهمل، ولأن الحال لا يصح فيه التنازع لأنها لا تكون إلا نكرة والضمير معرفة، والمهمل يحتاج لأن يعمل في ضمير المتنازع فيه.
تنبيهات:
الأول: قال في التسهيل في آخر الصفة المشبهة: والأصح أن يجعل اسم مفعول المتعدى من لواحد من هذا الباب يعني باب المشبهة، زذلك إذا أريد به الثبوت، فيرفع الفاعل على ما يقتضيه حال الصفة، المشبهة لا النائب، كما يقتضيه حال اسم مفعول نص عليه الشيخ خالد في التصريح عن ابن هشام في الحواشي. (2/206)
صفحة 455
قال ابن هشام: وسئل هنا هلا قيل بأن الرفع ليس على أن الصفة مشبهة، بل على ما يقتضيه حال اسم المفعول، وأجاب خالد بأن حال اسم المفعول إنما يراعي إذا أريد الحدوث، أما إذا أريد به الثبوت، فإنه يرفع السبببى على الفاعلية وينصبه على التشبيه بالمفعولية، إن كان معرفة أي أو نكرة، وعلى التمييز إن كان نكرة، ويجر بالاضافة، فالرفع كقوله: فهل أنت مرفوع بها هاهنا رأس، والنصب كقوله: لما بدت مجلوة وخباتها، والجر كقوله: تمنى لقائي الجون مغرور نفسه.
وإنما يضاف اسم المفعول إلى مرفوعه بعد تحويل الإسناد عن مرفوعه إلى ضمير الموصوف، ونصب ذلك المرفوع لأنه فضله استغنى عنه بعد تحويل الإسناد، بل أشبه الفضلة، وكذلك إذا قصد باسم الفاعل الثبوت رفع السببي أو جره بالإضافة بعد تحويل الإسناد كما مر، أو نصبه تشبيهاً بالمفعول به إن كان معرفة أو نكرة، ونصبه على التمييز إن كان نكرة، فيكون صفة مشبهة، فقولهم: عومل معاملة الصفة المشبهة، يوهم أنه ليس صفة مشبهة، ومرادهم أنه يعامل معاملة الصفة المشبهة التي هي على وزن فاعل، وهو صفة مشبهة على فاعل، وذلك جائز في القاصر اتفاقاً نحو طاهر القلب، وفي المتعدي لواحد مطلقاً عند الأخفش، وبشرط حذف مفعوله اقتصاراً أعني لغير دليل عند ابن عصفور، وابن أبي الربيع، لأنه كاللازم حين الحذف اقتصاراً وهو الصحيح الذي يشهد به القياس والاستعمال وبشرط أمن التباس الإضافة للفاعل بالإضافة للمفعول عند الفارسي والناظم ويوافقه السماع أيضاً كزيد ظالم العبيد بالإضافة إذا وجدت قرينة على أن المراد أن عبيده ظالمون.
وإذا أضيف إلى المرفوع جاز ذكر المفعول منصوباً نحو زيد واحم لأبناء الناس أي بنوه يرحمون الناس، ولا يلزم على هذا أن منصوب المشبهة لا يزيد على واحد، لأنه لا يزيد على واحد في النصب على التشبيه بالمفعول، وهنا منصوب على المفعولية المحضة، والجمهور على منع ذلك في المتعدي لواحد. (2/207)
صفحة 456
وأما المتعدي لاثنين فقال خالد: يمنع فيه ذلك باتفاق، وظاهر الشاطبي وجود الخلاف فيه، ومن الجر في اللازم قوله: وإني إليك تائب النفس باخع، وفي المتعدي قوله: ما الراحم المقرب ظلاماً وإن ظلما.
الثاني: جميع الصفات المذكورات صفات مشبهة إلاّ فاعلاً الدال على الحدوث، وأما الدال على الثبوت فمشبهة أيضاً كشاط الدار، وقائم الأب، ومعتدل القامة، ومستقيم الرأي، ومؤمن وكافر، وقد مر أن ما دلّ على الحدوث منها يحول إلى فاعل في الثلاثي، وقيل يبقى على حاله دالاً على الحدوث، ولا يسمى صفة مشبهة، بل اسم فاعل قالوا: ولا يكون فاعل صفة مشبهة إلاّ إذا أضيف لمرفوعه أو نصبه، وقصد الثبوت، ولا يشترط ذلك في غيره، لأن الأصل في فاعل الحدوث، وقصد الثبوت طارئ فلا يقصد إلاّ مع ما يدل على خروجه عن الأصل، واستعماله في الثبوت من الإضافة أو النصب المذكورين.
قلت: ليس كذلك لجواز حائض وحامل وطالق، وطاهر بدون إضافة ونصب وهي مشبهات، وأما غير فاعل فمشترك في الأصل بين الحدوث والثبوت، فاكتفى في كونه مشبهة بقصد الثبوت.
الثالث: ذكر الصبان أن المراد بجريان الصفة على الفعل جريانها عليه في التجدد والحدوث، لا في الحركات والسكنات، وإن كان هذا مراد من قال: إن الصفة المشبهة لا تكون إلاّ غير مجارية للفعل صح لأنها دائماً للثبوت، وبطل الرد عليه بطاهر القلب، ومعتدل، ومرضع وحائض ونحوها: كضامر وتجيء الصفة المشبهة على فعل بتثليث الفاء، وسكون العين كشكس لسيئ الخلق، وحرر للخاص من الرق، وصفر للخالي، وعلى فعل بكسر فسكون كملح.
باب
أبنية المصادر (2/208)
صفحة 457
المصادر جمع مصدر، وهو اسم مكان أي موضع الصدور أي الموضع الذي يصدر منه الفعل والوصف، ويشتقان منه، وهو ما دل على الحدث فقط، فخرج ما دل على الحدوث والزمان أيضاً كالفعل، وما دلّ على الحدوث أيضاً، والذات كالأوصاف، وما دل على الحدث والذات كالصفة المشبهة، والمراد ما يشمل اسم المصدر، ويعرف خصوص المصدر باسم الحدث الجاري على الفعل الذي ليس علماً ولا مبدوءاً بميم زائدة لغير المفاعلة، وخرج بالجريان غسلاً من اغتسل غسلاً، فإنه غير جارٍ على اغتسل، والجاري عليه الاغتسال، فليس مصدراً بل اسم مصدر، وخرج بقولنا: ليس علماً نحو حماد علماً لمحمدة، وبقولنا ليس مبدوءاً بميم إلخ نحو: مقتل فإنه اسم مصدر، كذا للشيخ خالد تبعاً لابن هشام.
قلت فيه: إن نحو حماد لا يدل على الحدث دلالة المصدر بل هو اسم مسماه نفس الحدث، والمراد بالإضافة في قوله اسم الحدث الدلالة على أنه قد صدر الفعل، ونحو مقتل ليس جارياً على الفعل الماضي المراد هنا، فلا حاجة إلى قوله الذي ليس إلخ، وما ذكر من أن المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة اسم مصدر تبع فيه ابن الناظم.
وقال في شرح الشذوذ: إنه مصدر ويسمى المصدر الميمي، وتسميته أحياناً اسم مصدر تجوز، وعليه فهو داخل في المصدر، فيسقط من الحد قوله ولا مبدوءاً بميم إلخ، وعلى ذلك الحد يعرف اسم المصدر بالدال على مجرد الحدث علماً كحماد أو مبدوءاً بميم زائدة بغير المفاعلة كمقتل، أو متجاوزاً فعله الثلاثي وهو بزنة اسم حدث الثلاثي كغسلاً في اغتسل، ومدلول المصد الحدث، ومدلول اسمه المصدر، فهو دال على الحدث بواسطة دلالته على المصدر، هذا ما قال ابن يعيش وغيره. (2/209)
صفحة 458
ويسمى المصدر أيضاً فعلاً نظراً إلى اللغة، لأنه دال على فعل قائم بالفاعل ـ أو صادر عنه، ويسمى حدثاً وحدثاناًً بفتح الحاء والدال، وقد أطلت الكلام على ذلك في حاشية القطر وشرحه، والتسمية بالمصدر دليل على أن غير المصدر من الفعل والوصف مشتق من المصدر، وهو مذهب الجمهور من البصريين وغيرهم.
قال بعض المتأخرين: في اجتماع الجميع على التسمية بالمصدر، دليل على صدور الفعل والوصف منه، ولو كان أحدهما هو الأصل لكان أحق بالتسمية بالمصدر، ولو كان كل من المصدر والصدور والوصف والفعل أصلاً بنفسه يسمى كل مصدراً، وفي هذا أن وجه التسمية لا يوجها، لا يقال المصدر هو الصادر، فالمصدر من الفعل، لأن المصدر المبدوء زائدة لغير المفاعلة لا يكون بمعنى اسم الفاعل ولا بمعنى اسم المفعول، وفيه أنّه صرح كثير بأنه يكون بمعناهما.
قال: وقول النحاة المصدر يكون الميم تسامح يعني، أن مثل مقتل عندهم اسم مصدر لا مصدر ميمي، وقد مر القول بأنه مصدر ميمي، فيجوز حمل كلامهم عليه، مع أنه من المتبادر، ويدل على أصالة المصدر على الفعل أن الفعل يقع من الاسم، فالاسم قبل الفعل، والمصدر اسم.
قلت فيه: إن الفعل اللغوي يقع من الذات المسماة لا من الاسم، فالذي يسبق الفعل اللغوي، ولابد هو الذات لا اللفظ المسمى اسماً، ويدل أيضاً على أصالة المصدر أنه يقوم بنفسه نحو: الصوم حسن، والفعل لا يستغني عن الاسم، وما لا يحتاج فرع ما يحتاج الثمرة لابد لها من شجرة، وليست الشجرة لابد لها من ثمرة، ويدل على أصالته أيضاً أن الفعل مركب والمصدر مفرد،
والمركب فرع المفرد، فإن الفعل للحدوث، والحدث والزمان والمصدر للحدث فقط، ويدل على أصالته أيضاً أن مفهوم المصدر مطلق، ومفعول الفعل مقيد، والمطلق قبل المقيد، والتقييد فرع الإطلاق، واستدل الناظم أيضا بأن المصدر واحد، والأفعال ثلاثة، فاشتقافه من الجميع محال، أو من أحدها تحكم لتساويها. (2/210)
صفحة 459
قلت فيه: إن الفعل الواحد أيضاً له مصدران أو مصادر في كثير من المواد، فهو مشترك للإلزام، وكون المصدر واحداً هو الكثير لا لازماً، ويدل أيضاًَ على أصالته أن من المصادر ما لا فعل له: كويح وويل وويس وويب، فلو كان الفعل أصلا لكانت هذه فروعاً أصول لها، وذلك محال؟
قلت: قد لا يسلم أنها مصادر ولو نصوا على مصدريتها، وأيضا من الأفعال ما لا مصدر له ويدل على أصالته أسضا كما لأبي على في تذكرته وإيضاحته أن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة، والفعل يدل على الحدوث والزمان والوصف يدل على الحدوث والزات زيادة على دلالتهما على احدث الدال عليه المصدر.
قلت: لا برهان يقتضى أن كل فرع يصاغ من أصل ينبغى أن يكون فيه ما في أصله وزيادة، وقد يقال: الكلام في الألفاظ، ومن شأن الفرع فيها ذلك، ولا فائدة فيه، والفرع الممنوع مزيته على أصله هو ما كان أصله أعلى مرتبة، كجمع المؤنث باعتبار جمع المذكر، وهنا ليس كذلك، فلا يقال يلزم على كلام أبي على وغيره مزية الفرع على الأصل، وهي ممنوعة قاله الدنوشرئ، والمراد بالمصدر هنا المجرد كما جزم به السعد في شرح الزنجاني، لأن المصدر المزيد فيه مشتق من المجرد المحقق إن وجد المجرد والمقدر، إن لم يوجد، ويدل أيضا على أن المصدر غير مشتق من الفعل أنه تختلف أبنيته في الثلاثي لا تجرى على قياس لازم، ولو اشتق من الفعل لوجب أن لا تختلف أبنيته، كما أن أسماء الفاعلين والزمان والمكان تجرى على قياس مستمر، وأبنية ملائمة. (2/211)
صفحة 460
قلت: قد يقال في أسماء الفاعلين الزمان والمكان لا تجرى على قياس مستمر، وأبنية ملائمة بل كثير جداً مخالفتها، نعم تجرى كذلك في غير الثلاثي إلا نادراً، وقال الكوفيون بالفعل أصل للمصدر والوصف، واستدلوا بأن المصدر والوصف يؤكد أن الفعل: كضربت ضرباً، وقم قائما (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) والمؤكد بكسر الكاف فرع المؤكد بفتحها، لأنه المقصود بالذات دون المؤكد بالكسر، وبأن الفعل يعمل فيهما وهما لا يعملان في مجرد الفعل، ولو عملا في الجملة، وبأن من الأفعال ما لا مصدر له ولا وصف، كنعم وبئس وليس، فلو اشتق الفعل منهما لبقى بلا أصل في ذلك، ويرد الدليل الأول بنحو: ضربت زيداً، فإن العامل في التاء وزيد هو الضرب، وليس أصلا لهما، ويرد الثاني أن الحروف تعمل في الأسماء والأفعال دون العكس، وليست أصلا للأسماء والأفعال، ويرد الثالث أن كثيرا من المصادر لا أفعال لها كذلك وجدت في نسخ الطبلاوي.
قلت: الصواب في رد الدليل الأول أن يقول: إنه يرده قولك ضربت ضربت وجاء زيد زيد، فإن ضربت الثاني ليس أصله الأول في الاشتقاق، ولو كان أصله من جهة أخرى، وكذا في زيد الثاني مع الأول، وفي رد الدليل الثاني أنه لو كان العامل أصلاً للمعمول لكان الفعل مثلاً أصلاً لفاعله ونائبه وظرفه وغيرها من معمولاته، ولكان الحرف أصلاً للاسم والفعل، لأنه يعمل فيهما، وعمدة الكوفيين في الاستدلال على أصالة الفعل المصدر والوصف، أن المصدر والوصف يعلان باعلال الفعل كقيام وقائم باعلال العين بالقلب ياء في المصدر، وهمزة في الوصف لاعلالها بقلبها ألفاً في الفعل، ويصحان بصحته كعور عوراً فهو أعور، وصيد فهو صايد بالياء لا بالهمزة، وكل ما يعل باعلال الفعل، ويصح بصحته فهو فرع له فهما فرع له. (2/212)
صفحة 461
وأجيب بأنه لا يلزم من فرعيتها في الاعلال فرعيتها في الاشتقاق إذ الفرعية في الاعلاله ترتب وجود صفة فيهما على وجود صفة في الفعل، والفرعية في الاشتقاق ترتب وجودهما على وجود الفعل، ولا ارتباط في ذلك لجواز تقدم وجود شيء على آخر، وتأخر وجود صفة فيه على وجودها في ذلك الآخر، فيجوز تقدم المصدر على الفعل والوصف في الاشتقاق بحسب الذات، وتأخرهما عنه في الاعلال بحسب الصفة، وتأخير الفعل عن نفس المصدر لا ينافي كون إعلال المصدر متأخراً عن اعلال الفعل، ويوافق ما مر من أنه لا يلزم من الفرعية في الإعلال الفرعية في الاشتقاق أن الفعل المضارع المبدوء بالنون أو بالهمزة أو بالتاء الواوي الفاء، المكسور العين، فرع مبدوء بالياء في الإعلال بحذف واوه لما مر، مع أنه ليس بمشتق منه، وناقش ابن قاسم ذلك الجواب، بأنا نقطع أن هيئة المصدر لا تنفك عن وجوده ضرورة أنه إنما يوجد على هيئته، فإن كانت ما تابع الفعل فيه بطل ذلك الجواب أو غيره، فهو معلوم الانتقاء، إذ من المعلوم أن المصدر من أول الأمر ليس إلاّ على هيئته الموجودة الآن، إلاّ أن قيل أخذهما من المصدر، والترتيب بينهما باعتبار الذات والصفة جميعاً أمر اعتباري فلا محذور.
وإن قلت الإعلال جار فيها جميعاً فالحكم في تأخره في البعض أو بأصالته فيه تحكم محض.
قلت: لا تحكم لوجود المرجح لأن الإعلال في قام لتحرك حرف العلة وانفتاح ما قبله، وفي نحو: يعد لنقل واو بعد ياء قبل كسرة، فهو أصل لأنه لسبب موجب، وحيث كان لغيره فهو فرع، ومما ردت به عمدتهم في الاستدلال أن الفرع قد يحمل عليه الأصل، فقد قال الفراء، ومذهبه أصالة الفعل أن قام فتح حملاً على قاما، مع أن قاما فرع قام. (2/213)
صفحة 462
قال صاحب التحقيق: وحمل غيره يضربن على ضربن في البناء على السكون، قلت: فيه أن الماضي ليس فرع المضارع، قال: وقد يحمل الشيء على غيره للمشاكلة الأصالة أحدهما للآخر، فما بالك مع ما بينها من الأصالة والفرعية، مع أن المصدر إنما يكون لزيادة كقيام زيدت الألف اليكون البناء على فعال، فقلت الواو ياء الكسر ما قبلها، والكلام في أصول المصادر لا في فروعها، مع أنها دعوى إذ يمكن أن يقابل بمثلها يعني الاستدلال باعتلال المصدر والوصف مثل الاعتلال بالفعل.
قلت: تعلم عدم المقابلة بما مر، قال بعضهم: وللكوفيين أن يقولوا: كما أن الفعل أصل في الاعلال أصل لنفس المصدر، والوصف قياسا على أصالته في الاعلال المتفق عليها بين الخصماء، فلا يرد علينا نحو اعدوا ويعد لأنه ليس فيه جهة اختلاف تقاس على جهة اتفاق، وقول بعضهم: المصدر بمنزلة الذهب يصاغ منه أوان مختلفة، والأصل واحد إن كان مجرد مناسبة وتمثيل صح بعد الاستدلال على مذهب الجمهور من البصريين المذكور، وإن كان استدلالا وترهناً فهو دعوى مجردة عن الدليل، لا يعجز المخالف أن يقلبها مختلفة، والأصل واحد.
وقال بعض البصريين: المصدر أصل المفعل، والفعل أصل للوصف، فالوصف فرع للفرع وهو الفارسي وغيره، واختاره عبد القاهر.
وإن قلت: أي فعل يشتق منه المصدر والوصف عند الكوفيين، والوصف عند بعض البصريين؟
قلت: وقال الدماميني: قيل الماضي وقيل المستقبل وهو الحق، لأن زمانه سبق زمان الماضي، لأن الماضي كان قبل وجوده مستقبلا، وحين وجوده حالا، وبعد وجوده ومضيه ماضياً، ومن قال الماضي راعي أنه سابق زماناً لسبق زمانه على زمان المستقبل بمضيه، فرض زماني الفعلين في شيئين، وأما الأمر فمقتطع عند الكوفيين من المضارع ، ويظهر على قولهم أن غير الأصل من المضارع والماضي مشتق من الأصل منهما ثم انظر من هو الآخذ من الأصل مطلقا، هل هو الواضع وهو الظاهر أو كان من يصلح لذلك احتملان. (2/214)
صفحة 463
وقال ابن طلحة: ليس الفعل أصلا للمصدر والعكس لوجود أفعال لا مصادر لها، ومصادر لا أفعال لها، وانظر ما أصل الوصف عنده، والظاهر أن أصله عنده الفعل أو هو ممن يقول إن الاشتقاق منتف رأساً عن كل كلمة، وقد قيل بأن كل كلمة مشتق، ونسب لسيبويه والزجاج والجمهور، على أن منها مشتقا وغير مشتق، وبسطت ذلك في غير هذا.
والاشتقاق رد لفظ إلى آخر لمناسبة بينهما في المعنى والحروف، وقد مر بسطه.
قال صاحب التحقيق، عن ابن الباذش، عن ابن السراج: معنى قولنا هذا الحرف مشتق من هذا الحرف أنا نجد أحد الحروف التي يقدرها النحويون بالفاء والعين واللام موجودة بأعيانها في الحرف الآخر، ويقع الاختلاف بالحركات والسكنات والزوائد والنقص، فالبناء غير البناء، والأصل واحد، وإنما يعرف الأصل والفرع بأن الأصل جنس، والفرع بتاء مأخوذ منه بمعنى زائد على الجنس، فما لا يجوز أن يكون إلاَّ مشتقاً من الكلام الصفات كلها، والأفعال، فجميع ذلك مشتق من المصادر وما أشبهها من الأعراض، فلو جمدت المصادر، وارتفع الاشتقاق من كل كلام، لم توجد في الكلام صفة لموصوف، ولا فعل لفاعل، وفيه بحث ذكرته حيث ذكرت الحجة على ثبوت مطلق الاشتقاق، ومرادهم بالحرف الكلمة التي هي اسم أو فعل، لأن الحرف المقابل لهما لا يدخله الاشتقاق، والله أعلم.
وللمصادر أوزان أبينها
فللثلاثي ما أبديه منتخلا
يعني أن لمصادر الثلاثي والرباعي والخماسي والسداسي أوزاناً يبينها في هذا النظم: (2/215)
صفحة 464
أما الفعل الثلاثي قبله مصادر منتخلة، أي مختارة، ومصادر غير منتخلة، ويبدي الناظم في هذا النظم أي يظهر ما كان منها منتخلاً، فمراده بالمصادر مصادر الثلاثي وغيره، وبدأ بمصادر الثلاثي لأن الثلاثي أصل لغيره، ولكثرة مصادره واختلافها فقد تشعبت حتى زادت على مائة وزن، وكادت تخرج عن الضبط، حتى صرح كثير بأنها لا تقاس أصلاً، وسيبويه ومن تبعه ضبطوها ضبطاً جيداً، وساقوها مساقاً حسناً، والناظم ذكر منها تسعاً وأربعين في هذا النظم، منها قياسي ومنها سماعي، وذلك أن المصادر مطلقاً من جملة الأسماء، فتنوعت كما تنوعت الأسماء، فجاءت مفتوحة الأول ومكسورته، ومضمومته، ومسكنة العين ومفتوحتها، ومكسورتها ومضمومتها، وبألف التأنيث مقصورة وممدودة، وبتاء التأنيث، وبالتجريد منها، وبزيادة ألف ونون أو غيرهما، بالتجريد من الزيادة.
وتعلم من كثرة مصادر الثلاثي وحدها، ومع مصادر غيره أن المراد بأوزان جمع كثرة، ولو كان في الأصل من جموع القلة الصادقة على ما ردت العشرة سافلاً، وقيل: ما رد احدى عشر، ووضع جمع القلة موضع جمع الكثرة كثير جداً، مقيس.
قال في الخلاصة: وبعض ذا بكثرة وضعاً يفي كما بسطته في محله، والناظم ترجم لمصادجر الثلاثي وغيره، وذكر مصادر الثلاثي مجملة، ثم ذكر المقيس منها، ثم عقد فصلا وهو من جملة الباب لا خارج عن الباب لمصادر غير الثلاثي.
الإعراب: الواو للاستئناف، أو لعطف الجملة على الجملة في الترجمة، لأن التقدير مثلاً هذا باب أبنية المصادر، وللمصادر متعلق بمحذوف خبر، وأوزان مبتدأ وأبينها فعل مضارع مستتر الفاعل وجوباً، ومفعول به، والجملة نعت أوزان. (2/216)
صفحة 465
والفاء للعطف والترتيب الذكري، أو بمعنى الواو، والعطف على قوله للمصادر أوزان أبينها أولى منه على الجملة في الترجمة، أو رابطة لجواب شرط محذوف، أي إما مصادر غير الثلاثي فللثلاثي ما إلخ، وخبر مصادر الجملة بعد الفاء، ولا يحتاج لرابط لأن ما في قوله ما أبديه بمعناه إذا قدرنا مصادر بمعنى مصادر غير الثلاثي المنتخلة، وإن أطلقنا فكذلك لا يحتاج للربط، لأن ما يبديه منتخلاً بعض منها، والاختيار يشعر بوجود ما هو غير مختار، ولك أن تقدر إما الثلاثي فللثلاثي ما إلخ بإعادة الثلاثي ظاهراً إشارة لشأنه أو للتوكيد، أو كان الأصل إما الثلاثي فله ما إلخ.
ولما حذف الثلاثي التالي لاماً عبر بالظاهر بعد الفاء، لأنه لا يعلم مرجع الضمير لو أضمر، ولك أن تقدر إذا أو إن أو نحوهما، أي إذا أردت مصادر الثلاثي فللثلاثي، أو إن أردت المصادر فللثلاثي، ويجوز كون الفاء للاستئناف على قول من يجيز كونها للاستئناف، وابن هشام يمنعه.
وللثلاثي متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وما مبتدأ وأبدى بضم الهمزة بمعنى أظهر مضارع أبدى مستتر الفاعل وجوباً، والهاء مفعول به، والجملة صلة ما أوصفتها، ومنتخلا بفتح الخاء حال من هاء أبديه أو بكسرها حال من الضمير المستتر في أبدى، والانتخال الاختيار.
فُعل وفِعل وفُعل أو بتاء مؤنـ
ـث أو الألف المقصور متصلا
الأول: فعل بفتح الفاء وسكون العين: كضرب ضرباً، ونصر نصراً، وحذف حذفاً، وقتل قتلاً.
الثاني: فعل بكسر الفاء وسكون العين: كعلم علماً وفسق فسقاً.
الثالث: فعل بضم الفاء وسكون العين: كحكم حكماً وشكر شكراً، وشغل شغلاً، وكفر كفراً.
وترتيبها في النظم هذا أحسن، ويجوز أن يكون فعل الأول فيه مكسور الفاء، والثاني مضمومها: والثالث مفتوحها، والأول مضمومها، والثاني مكسورها، والثالث مفتوحها، أو الأول مفتوحها، والثاني مضمومها، والثالث مكسورها، فهذه ثلاثة أوزان مجردة عن التاء. (2/217)
صفحة 466
والرابع: فعلة بفتح الفاء وسكون العين، وفي آخر تاء التأنيث كرحمة رحمة، وضربه ضربة، أو يقال: مراده بالتاء التاء التي بنيت عليها الكلمة كرحمة فلا يصح الثمثيل ضربة، وهذا فيما يأتى.
والخامس: فعلة بكسر الفاء وسكون العين، وفي الآخر تاء التأنيث نحو: حمى حمية، ونشد وندة.
والسادس: فعلة بضم الفاء وسكون العين، وفي الآخر تاء التأنيث نحو أدم دمة، وقدر قدرة، وكدر كدرة، وصفر صفرة، وخضر خضرة، وهو مقيس في الألوان وإلى هذه الثلاثة أشار بقوله: أو بتاء مؤنث.
والسابع: فعلى بفتح الفاء وسكون العين وفي آخره ألف مقصور نحو تقا تقوى.
والثامن: فعلى بكسر الفاء وسكون العين وفي آخره ألف مقصور، نحو ذكر ذكرى وفعلى بضم الفاء وسكون العين وفي آخره ألف مقصور كرجع رجعى، أي رجوعاً وكذب كذبى أي كذبا، فتلك تسعة أوزان، سواء فيها الصحيح والمعتل عينا أو لاماً أو فاء، والمضعف والمهموز نحو: وعد وعدا، وقال وباع قولا وبيعاً، ويسر يسراً وقفا قفوَّا ورمى رمياً وبدأ بدأً وررد رداً.
فائدتان:
الأولى: التاء التأنيثية إما متحركة وتختص بالأسماء المعربة إذا كانت آخراً كقائمة، وتكون في أول المضارع كتقوم هند للدلالة على تأنيث الفاعل وعلى المضارعة، وقد تلحق الحرف آخراً كربت وثمت بسكونها أو فتحها، لكن تأنيثها غير محض، وإنما هي لتأنيث الكلمة كما مر، ولا تلحق تاء التأنيث ولا ألفه مما بنى أصالة، بل يدل على تأنيثه بغيرهما كالكسر في ضربتك أنت يا هند، والنون في كن وهن. (2/218)
صفحة 467
وأما عارض البناء فيلحقانه نحو يا قائمة ويا حبلى لمقصودتين، وهي في نحو طلحة لرجل التأنيث اللفظ، ويجوز أن يكون مدلوله في الأصل مؤنثاً أي قبل جعله اسم رجل، ومثله خليفة ويذكر هذا النوع، وشذ تأنيثه في قوله: أبوك خليفة ولدته أخرى، وإما ساكنة وتختص بالماضي كقامت، وأما الحرف فلو لحقته ساكنة لكن تأنيثها غير محض، ولا تلحق ألف التأنيث إلا الاسم سواء كانت مقصورة أم ممدودة، وهي فرع المقصورة عند البصريين وقال الكوفيون: أصلان.
والراجع في المقصورة أن علامة التأنيث الهمزة أصلها ألف أبدلت همزة كما بسطته في النحو، وقيل: إنها الألف قبلها، ويطلق على الممدودة أنها غير مفردة لاحتياجها إلى سبق ألف، ولا تجتمع تاء التأنيث وألفه في اسم، فلا يقال في رجعى رجعاة، وأما علقاة وأرطاة فألفهما مع وجود التاء للالحاق بجعفر، ومع عدمها تحتل الإلحاق والتأنيث والفرق بين المذكر والمؤنث ليس في كل اللغات، فإن التركية والفارسية لا يفرق فيهما بلفظى بل بقرينة غير لفظية، وألف التأنيث وتاؤه أصلان عندى.
وقال الناظم: التاء أصل الألف وقيل بالعكس، لأن التأنيث بالألف لازم، وإن أراد الناظم بالأصالة الكثرة سلمناه، ولأن التاء أكثر بل هي أظهر دلالة من الألف، لأنها لا تلتبس بغيرها، بخلاف الألف فإنها قد تلبس بألفى الالحاق والتكثير، وإنما عبر الناظم بالتاء لا بالهاء،لأنها الأصل والهاء مبدلة عنها في الوقف، والأصل الوصل، وزعم الكوفيون أن الهاء الأصل، والتاء مبدلة عنها في الوصل، نظرا إلى أن الهاء تشبه الألف، وكثيراً ما يعبر عنها بالهاء نظرا إلى كتابتها على صورة الهاء المفردة المتطرفة، إلى الوقف عليها بالهاء. (2/219)
صفحة 468
ولم توضع للتذكير علامة لأنه الأصل بدليل أنه لا مذكر إلا ويطلق عليه شيء، وشيء مذكر وأنه لا يفتقر لزيادة، والتأنيث يحصل بالزيادة لفظاً أو معنى، وانما يتحقق التذكير والتأنيث في الأسماء اذا قصد مدلولها، وان قصد لفظها جاز تذكيرها وتأنيثها، وكذا الفعل والحرف، وحرف الهجاء اذا أريد ي ألفاظها فالتذكير باعتبار اللفظ، أو القول أو المفرد، والتأنيث باعتبار الكلمة أو اللفظة أو القولة أو نحوها، وقيل لا يذكر حرف الهجاء إلا في الشعر، والتاء قد تحذف كنار، بدليل التصغير على نويرة، لأن وضعها على العروض والانفكاك، بخلاف الألف فبهذا وكونها أظهر دلالة قد يستدل للناظم على أصالتها، والأصل في التاء أن تلحق الأسم لتمييز المؤنث، من المذكر وأكثر ما يكون ذلك في الصفات المشتركة بين المذكر والمؤنث.
وأما المختصة بالمؤنث فالغالب أن لا تلحقها التاء إن لم يقصد الحدوث كحائض وحامل وطالق ومرضع، لأمن اللبس، وإن قصد الحدوث لزمتها التاء كحاضت فهي حائض، وطلقها فهي طالق وقد تلحقها التاء وإن لم يقصد الحدوث، وهي في الأسماء غير مقيسة وقليلة كرجل ورجل وامرئ وامرأة، وإنسان وإنسانة، وغلام، وفتى وفتاة، وظاهر الصحاح أن إنسانة من تصرف القامة، والعربي إنسان لمذكر ومؤنث، وتكثر التمييز الواحد من الجنس مع الدلالة على التأنيث المجازي ككلم وكلمة، وشجر وشجرة، ولبن ولبنة، وسفيين وسفينة، وقد تراد لتمييز الجنس من الواحد داخلة على الجنس كجبأة بفتح الجيم والهمزة، وسكون الباء بينهما لضرب من الكماة أحمر وجبأ للواحد داخلة على الجنس كجبأة بفتح الجيم والهمزة، وسكون الباء بينهما لضرب من الكماة احمر وجبأة للواحد، وقيل بالعكس كشجر شجرة، والأكثرون على الأول، وللمبالغة كراوية للرجل الكثير الروايى وإنما أنثوا المذكر لأنهم أررادوا أنهم غاية في الرواية مثلا، والغاية مؤنثة أعنى أنهم ألحقوه علامة التأنيث لا أنه يؤنث. (2/220)
صفحة 469
ولتأكيد المبالغة كعلامة فإن المبالغة أفادتها لفظة علام بالتشديد، والتاء جاءت لتقةويها وعوضا عن ياء مفاعيل: كزنادقة وجحاجحة أي السادات عوض عن ياء زناديق وجحاجيح، فلا تجتمعان، وعن ياء النسب لمشارقة ومغاربة وأزارقة وأشاعثة ومهالبة لدلالة على أن ذلك جمع منسوب، واو أفي بالياء لنسب للواحد فهي عوض عن ياء النسب في نسبة الجماعة، لأنه ينسب للجمع بلفظ الواحد، وإنما بدلت ياء النسب هنا تاء لتشابه التاء والياء في كونها للوحدة كثمرة وزنجى، وفي حيز المبالغة كعلامة فإن التاء لتأكيدها وكذا الياء في قولك: لما هو أصل أصل، زفي الزيادة لا لمعنى كطلحة وكرسي، وقد يجاء بها للدلالة على تعريب الأسماء العجمية أي استعمال العرب لها مع نوع تغيير عما هي عليه في العجمية نحو: كيلجة وكيالجة بفتح كاف المفرد، ولام وسكون يائه مكيال عرفه في السؤالات وموزج بفتح الميم والزاي، وسكون الواو للخف، وقد تكون لتكثير حروف الكلمة وللتأنيث كقرية وبلدة وسقاية وهي في ذلك أيضاً للوحدة.
وقد تكون ايضاً عوضاً عن فاء كعدة أو عين كاقامة على القول بأن المحذوف العين، وعن زائدة كاقامة على القول بأن المحذوف ألف أفعال وتزكية بتخفيف الياء عوض عن ياء تفعيل الأمل التشديد، حذفت الياء الساكنة وعوض التاء، وعن لام كسنة وقد تكون لازمة فيما يشترك الممذكر والمؤنث كرجل أو امرأة ربعة أي معتدل القامة أو معتدلة القامة، وقد تلازم ما هو أصل في المذكر كبهمة نعم الباء وسكون الهاء، أي شجاع وقد تجئ في لفظ مخصوص بالمؤنث كنعجة وناقة لتأكيد تأنيثه ومنه قالوا: حجارة وصقورة وخولة وعمومة تأكيد التأنيث اللاحق للجمع، ويستعمل الآخران مصدرين أيضاً. (2/221)
صفحة 470
الثانية: إنما يقال في الاصطلاح الألف المقصود والاسم المقصود حيث كانت الألف لازمة بعد فتحة لازمة في الاسم المعرب، ويسمى مقصوراً لأنه قصر عن ظهور الحركة، أي منع أو قصر عن المد أي منع منه أو لأنه حبس عليه، أي كان آخراً لا همزة بعده، فلا يسمى أخاك مقصوراً في لغة من لا يلزمه الألف، ولا تسمى ذا الإشارية مقصورة لبنائها، ولا على لأنها حرف، ولا يخشى لأنه فعل، ولأن ألفه لا تلزم تحذف للجازم.
وإذا كان للمقصور نظير من الصحيح ويجب فتح ما قبل آخره فقصره قياسي كمصدر الثلاثي المكسور المعتل اللام، نحو جوى فمصدره الجوى، ونظيره الفرح بالفتح، كجمع فعلة المعتل اللام وهو فعل بكسر ففتح كمرية ومرى، فإن نظيره من الصحيح قربة وقرب بكسر ففتح، وكجمع نعلة بضم فسكون وهو فعل بضم ففتح كدمية ودمىً، فإن نظيره من الصحيح قربة وقرب إذا ضمت القافان واسم مفعل غير الثلاثي إذا اعتل نحو المعطي، فإن نظيره من الصحيح المكرم فإن فتح ما قبل آخر الصحيح، في ذلك واجب والممدود ضد المقصور، والمد إطالة الصوت أو زيادة الهمزة بعد الألف، ولا يطلق إلاّ على الاسم المعرب الذي آخره همزة بعد ألف زائدة، وقد يطلق حيث لم تكن الألف زائدة، وحيث كان الممدود نظير من الصحيح يجب قبل آخره ألف فقياسي، مثل مصدر أفعل المعتل ونحوه، كإعطاء نظيره إكرام، واعتناء نظيره اكتساب، واستلقاء نظيره استخراج، والكلام على المقصور والممدود، وتسميتها والمقيس والسماعي وألفي التأنيث مبسوط في النحو وآخر نصف البيت النون المدغمة من قوله مؤنث. (2/222)
صفحة 471
الإعراب: فعل بدل ما في قوله ما أبديه، أو خبر لمحذوف أي هو أو هي التذكير باعتبار لفظ ما، والتأنيث باعتبار ما وضعت عليه من الجملة والإفراد أو مفعول المحذوف أي أعني فعلاً، ولكن هذا يوجب كتبه بالألف، هو وما عطف عليه، وليس كذلك في النسخ، وأو حرف عطف، وبتاء متعلق بمتصلاً مضاف لمؤنث، والألف المعطوف على تاء بأو، والمقصود نعت الألف، ومتصلاً معطوف بأو الأولى على حال محذوفة، وصاحبها فَعل وفِعل وفُعل: أي مجردة أو متصلة بالتاء أو الألف وحذف التاء من متصلة للضرورة أو ذكره بتأويل ما ذكر فيقدر المحذوف مذكراً أي مفرداً ما ذكر، أو متصلاً وجملة هي فعل إلخ أو هو فعل مستأنفة أو معطوفة بالواو، تقدر والمعطوف عليه جملة الثلاثي ما إلخ أو حال من هاء أبدية أو مير الاستقرار، أو ضمير منتجلاً بفتح الحاء.
وجملة أيمن مستأنفة ويجوز تعليق بتاء بمحذوف معطوف على المحذوف، أي مجردة أو متصلة بتاء إلخ أو كائنة بتاء فتكون الباء المصاحبة إذا قدر كائنة أو ثابتة أو نحوهما ومتصلاً حالاً من الألف، والله أعلم. (2/223)