صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 06 - مبوبة [ناقصة] توثيق القرآن الكريم حفظًا في الصدور ورسما في السطور بكير بن محمد الشيخ بالحاج
الأستاذ: الشيخ بالحاج بكير بن محمد (باشعادل)
الله أنزل أحسن الحديث على أكرم خلقه، قرآنًا عجبًا أتمَّ به على عباده نعمته، وأقام به عليهم حجَّته، ومقتضى تمامِ النعمة على الناس دوامُها على مرِّ الدهور، وقيامِ الحجَّة بقاؤُها مدى العصور؛ وهذا ما تهيَّأ للقرآن الكريم، ودلَّ عليه البرهان الساطع، ولا أدلَّ عليه أقوى من الواقع. ومن عجب أمر هذا الكتاب أن يستودعه منزِّله سبحانه قلب النبيء الأمِّي، ويستحفظه أمَّة أمِّية لا تقرأ ولا تكتب إلاَّ قليلاً منها. ولقد وصف القرآن الكريم مدى حرص النبيء صلى الله عليه وسلم واهتمامه بحفظ ما يتنزَّل عليه منه؛ قال عزَّ وجلَّ {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (1). وكان الصحابة رضوان الله عليهم ينقلون عن النبيء فيبذلون غاية جهدهم في سبيل حفظ ما يتلى عليهم واستذكاره، إذ كان اعتمادهم وتعويلهم على حوافظهم، وكانوا يتنافسون في جمعه ويتدارسونه فيما بينهم، ويتلونه في صلاتهم بالليل والنهار، وحيثما كانوا في ظعنهم وإقامتهم. وبهذا يتحقَّق لهذا الكتاب أعلى صور التحقيق والتوثيق، وتظافر على حفظه الحوافظ والأقلام، وتحقَّق وعد الله الذي لا يُشكُّ في وعده إذ قال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2). (1/1)
صفحة 2
ويجمل بنا بعد هذه التوطئة أن نذكر مراحل توثيق القرآن مرحلة مرحلة، من مبدإ نزوله على قلب رسول الله إلى يوم الناس هذا ـ مع الإشارة إلى بعض ما صاحب هذه المراحل من أخطار ـ وإلى بعض ما زُرع من شُبه لتشكيك ضِعاف العقول فيه وصدِّهم عنه، ويأبى الله إلاَّ أن يبقى كتابه أبد الدهر محفوظًا من كلِّ تحريفٍ، محفوفًا بعناية منزِّلِه فلا تصل إليه أيدي العابثين المغرضين.
المرحلة الأولى: توثيق القرآن في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم:
أ ـ الحفظ في الصدور:
كان اعتماد الصحابة رضوان الله عليهم في نقل القرآن ـ في المقام الأول ـ على الحفظ في الصدور، ولن يزال الأمر كذلك إلى يوم الدين. قال الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري: «إنَّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتبن، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمَّة ( ... ) كما جاء في صفة أمَّته "أناجيلهم في صدورهم" وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلاَّ في الكتب، ولا يقرءونه كلَّه إلاَّ نظرًا لا عن ظهر قلبٍ، ولمَّا خصَّ الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمَّة تقاتٍ تجرَّدوا لتصحيحه، وبذلوا أنفسهم في إتقانه، وتلقَّوه من النبيء صلى الله عليه وسلم حرفًا حرفًا، لم يُهملوا منه حركة ولا سكونًا ولا إثباتًا ولا حذفًا، ولا دخل عليهم في شيءٍ منه شكٌّ ولا وهمٌ، وكان منهم من حفظه كلَّه، ومنهم من حفظ أكثره، ومنهم من حفظ بعضه، كلُّ ذلك في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم» (3).
ب ـ الحفظ بالكتابة:
ورد في كتب السنَّة وفي كثير من كتب علوم القرآن أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قد أتَّخذ كُتَّابًا للوحي، ومن أشهرهم زيد بن ثابت، غير أنَّه ليس بأوَّلهم، لأنَّه أسلم بعد الهجرة، وقد كتب للنبيء قبله أُبيُّ بن كعب وهو أوَّل من كتب له بالمدينة. وأوَّل من كتب له بمكَّة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وممَّن كتب للنبيء صلى الله عليه وسلم الخلفاء الأربعة وغيرهم، وكان إذا أملى على أحد كُتَّابه شيئًا من القرآن يستقرئه ما كان كتب بين يديه. قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «كنتُ أكتب الوحي عند النبيء صلى الله عليه وسلم وهو يُملي عليَّ، فإذا فرغتُ قال: إقرأ، فأقرِؤُه فإذا كان فيه سقطٌ أقامه ثمَّ أخرُج به إلى الناس» (4). (1/2)
صفحة 3
ولا شكَّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أدرى الناس بمن يصلح لكتابة الوحي لا سيما القرآن، فلقد كان كتَّاب الوحي على رتبة عالية من الأمانة والحذق بقواعد الكتابة، وقد دلَّت المصادر أنَّ القرآن كان يكتب في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم وتُرتَّب آياته بتوقيف من جبريل عليه السلام، وبإخبار من النبيء صلى الله عليه وسلم، فلم ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى كان القرآن كلُّه مكتوبًا على العُسُب (العسُبُ جمع عسيب؛ وهو الطرف العريض من جريد النخل)، واللخاف وهي صفائح الحجارة، والرقاع وهي قطعٌ من جلدٍ أو ورق، وعظام الأكتاف وغير ذلك ممَّا تهيَّأت للصحابة الكتابة عليه.
وبهذا الذي ذُكر من وسائل الكتابة يترجَّح أو يتأكَّد أنَّ القرآن ـ في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم ـ لم يُجمع في مصحف ولا صُحف (أوراق)، لكنَّه لم يُفلت من كتابته وتدوينه آية ولا حرفٌ. ولعلَّ أحدًا يعترض فيقول كيف يصف الله الصحابة بالأميَّة مع العدد غير القليل من كتبة الوحي من المهاجرين والأنصار؟ فلا يعزبنَّ عن ذهنك صنيع رسول الله بأسرى بدر من المشركين، إذ جعل فدية من يحسن القراءة والكتابة أن يعلِّم عشرة من صبيان المسلمين، وبمثل هذا وغيره انتشرت القراءة والكتابة في المسلمين.
المرحلة الثانية: توثيق القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
لمَّا تولَّى أبو بكر رضي الله عنه إمارة المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجهته مهام جسامٌ ومشاكل عدَّة، ومن أخطرها انتشار الردَّة في جهات شتَّى من الجزيرة العربية، وقد استبسل الصحابة ومن معهم في مقارعة أهوال هذه الحروب، وكان من أشدِّها عليهم حرب اليمامة حيث ظهر مسيلمة الكذاب واشتدَّت محنته، وقد حاربه المسلمون أشد محاربة حتى خذله الله وقتِل وجمعٌ كبيرٌ من أنصاره، غير أنَّه قتل من الصحابة جماعة كثيرة، قيل سبعمائة وقيل أكثر (5).
وإزاء هذا خشى الصحابة ذهاب كثير من القرآن بسبب موت القرآن، روى البخاري بسنده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «أرسل إليَّ أبو بكر الصدِّيق مقتل أهل اليمامة (أي عقب قتل من قتل من الصحابة في وقعة اليمامة) فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبوبكر رضي الله عنه: إنَّ عمر أتاني فقال إنَّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإنِّي أخشى إن استحرَّ القتل بالقرَّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنِّي أرى أن تأمر بجمع القرآن ... » الحديث (6).
وقد اشترط أبو بكر على زيد بن ثابت أن لا يكتب شيئًا من القرآن عن أحدٍ إلاَّ إذا جاء بشاهدين على أنَّ ذلك كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ «أخرج ابن أبي داود (في كتاب (1/3)
صفحة 4
المصاحف) أنَّ أبا بكر قال لعمر وزيدٍ: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيءٍ من كتاب الله فاكتباه» (7).
قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يُكتب إلاَّ من عين ما كُتب بين يدي النبيء صلى الله عليه وسلم لا من مجرَّد الحفظ، قال ولذلك قال في آخر سورة التوبة: "لم أجدها مع غيره"، أي لم يجدها مكتوبة مع غيره، لأنَّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة (8).
قال جلال الدين السيوطي: «وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آيةً إلاَّ بشاهدي عدلٍ، وإنَّ آخر سورة براءة لم يوجد إلاَّ مع أبي خزيمة بن ثابت فقال: "اكتبوها فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين" فكتب» (9).
هذا ما تحقَّق لجمع القرآن الكريم على يد زيد بن ثابت ورفقته الكرام؛ جمعه من المحفوظ في الصدور ومن المخطوط فيما تيسَّرت عليه الكتابة، حتَّى يتمَّ لكتاب الله تواتر نقله وحفظه من كلا الطريقتين.
ولا يشكلن عليك بعد هذا، ما قاله زيد في آخر الحديث « ... حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحدٍ غيره: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} حتى خاتمة سورة براءة» (10).
قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في توجيه كلام زيد بن ثابت الآنف الذكر؛ «أي لم يجدها مكتوبة إلاَّ مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أنَّ زيدًا كان يحفظها، وكان كثيرٌ من الصحابة يحفظونها، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة زيادةً في التوثيق، ومبالغةً في الاحتياط، وعلى هذا الدستور الرشيد تمَّ جمع القرآن بإشراف أبي بكرٍ وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمَّة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيدٍ في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار» (11).
المرحلة الثالثة توثيق القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفَّان رضي الله عنه:
إنَّ الذي حصل من الخوف على القرآن الكريم في العام الثاني عشر من الهجرة ـ في خلافة أبي بكر ـ حصل أيضًا في حدود عام خمسة وعشرين من الهجرة ـ في خلافة عثمان بن عفَّان (12) (1/4)
صفحة 5
ـ غير أنَّ الخوف هذه المرَّة لم يكن على ضياع القرآن ولكن على الخوف على المسلمين أن يتشتَّت شملهم وتتفرَّق كلمتهم بسبب الخلاف في قراءة القرآن والفتنة أشدُّ من القتل وأكبر (13).
لقد سمع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بعضًا ممَّن حضر مغازي المسلمين في بلاد "أرمينية" و"آذَرْبَيْجان" يقول للآخر: "قراءتي أصحُّ من قراءتك"، فأفزعه ذلك، وبلَّغ الأمر خليفة المسلمين عثمان، وقال له: "أدرك هذه الأمَّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى". لم يتردَّد عثمان في جمع القرآن الكريم مرَّة أخرى، فبعث إلى حفصة ـ أمِّ المؤمنين ـ أن أرسلي إلينا بالصحُف ننسخها ثمَّ نردُّها إليك، فأرسلتها إليه، وكلَّف بالنسخ من كتبها أوَّل مرَّة ـ زيد بن ثابت الأنصاري ـ وأمدَّه بثلاثة كتَّابٍ قُرشيِّين؛ عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال لهم: "إن اختلفتم أنتم وزيدٌ في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنَّه إنَّما نزل بلسانهم". أتمُّوا الكتاب الأوَّل المعروف بـ "المصحف الإمام"، ثمَّ استنسخوا منه مصاحف روعي في كلٍّ منها أن يوافق رسمه قراءة الصحابي الذي وُجِّه معه ذلك المصحف إلى أحد الأمصار. كما جُرِّدت جميعها من النقط والشكل ليحتملها ما صحَّ نقله وثبتت تلاوته عن النبيء صلى الله عليه وسلم.
هذا شأن المصحف في صدر الإسلام ـ عصر الصحابة والتابعين ـ وقد كثر الحفَّاظ والقرَّاء من بعدهم وتلاحقت طبقاتهم ـ على تفاوت بينهم ـ وقيَّض الله لكتابه علماء جهابذة ضبطوا الحروف والقراءات، وأصَّلوا قواعد تلاوة القرآن ورسمه وفصَّلوا، وألَّفوا في مختلف علومه وصنَّفوا، نصيحةً لله ولكتابه {وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (14) وصدق وعد الله {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (15).
في ختام هذا البحث لا يفوتني أن أشير إلى أنَّ جوانب منه جديرة بمزيد من الكلام فيها، لكن لا يتَّسع لها هذا البحث، من ذلك تحقيق ما ينسب إلى عثمان من أنَّه حمل الناس على القراءة بحرف واحدٍ من الأحرف السبعة أو تفنيده، وما طبيعة المصاحف التي حرَّقها أو أمر بتحريقها .. ؟ وما عدد المصاحف العثمانية .. ؟ وما مآلها .. ؟ إلى غير ذلك ...
هذا ما سيتناوله البحث المقبل إن شاء الله، نسأله تعالى أن يمدَّ في أعمارنا ويبارك في أعمالنا ويتقبَّلها منَّا بقبول حسن. آمين.
فرغت من تبييض هذا البحث صبيحة يوم السبت 12شعبان 1423هـ / 19 أكتوبر 2002م. (1/5)
صفحة 6
والحمد لله أولاً وآخرًا.
----------------
الهوامش
1 ـ سورة القيامة، الآيات: 16 ـ 19.
2 ـ سورة الحجر، الآية: 09.
3 ـ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». ج1، ص: 06.
4 ـ رواه الطبراني.
5 ـ راجع شرح الحديث الأول من باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن، «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، مج9، ص: 12.
6 ـ «فتح الباري»، مج9، ص: 10، 11.
7 ـ ذكره السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن»، مج1، ص: 166.
8 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
9 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
10 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
11 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان في علوم القرآن»، ج1، ص: 245.
12 ـ من الكتَّاب من حدَّد ذلك بعام ثلاثين للهجرة، وقد رجَّح القول الأول ابن حجر.
13 ـ العبارة مقتبسة من الآية 191 من سورة البقرة، وفيها أيضًا إشارة إلى الآية 217 من نفس السورة.
14 ـ سورة الأنعام، الآية: 115.
15 ـ سورة الحجر، الآية: 09. (1/6)
صفحة 7
مشكلة الضمان في المضاربة والحلول الشرعية والعملية لها لسليمان ناصر
سليمان ناصر
أستاذ بكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير
جامعة ورجلان
مقدِّمة:
تعتبر الضاربة أهم صيغ التمويل والاستثمار في الاقتصاد الإسلامي، نظرًا لما تتميَّز به من وضوحٍ في
الصورة وبساطةٍ في التطبيق، خاصَّة إذا توفَّرت لها أسباب النجاح، ويأتي على رأسها الثقةُ المتبادلة، إضافةً إلى ما توفِّره من تحقيقٍ لمصلحة الطرفين: ربُّ المال، والعامل أو المضارب كما سنرى لاحقًا.
وإذا كان أهمُّ شروط نجاح المضاربة من الناحية الشرعية هو عدمُ اشتراط ربِّ المال ضمانَ رأسِ ماله على المضارب أو العامل، إلاَّ بتعدٍّ أو تقصير من هذا الأخير، فقد وُجدت آراء فقهية حديثة تجيز ذلك خلافًا لجمهور الفقهاء، فما مدى صحَّة هذه الآراء؟ وعلى ما اعتمدت كسندٍ شرعيٍّ في هذا الجواز؟ وكيف يمكن الردُّ عليها؟ وما هو البديل الشرعي لحلِّ هذه المشكلة؟
ذلك ما سنحاول تبيانه من خلال هذا المقال.
مفهوم المضاربة:
أ: لغة: جاء في القاموس المحيط: «وضارب له اتَّجر له في ماله، وهي القراض» (1). وجاء في لسان العرب: «وضرب في الأرض يضرب ضربًا وضربانًا ومضربًا (بالفتح) خرج فيها، تاجرًا أو غازيًا» (2).
المضاربةُ لغة مفاعلة، من الضرب في الأرض أي كثرة السير فيها، وتسمَّى أيضًا المقارضة أو القراض. قال أبو الحسن الماوردي: «اعلم أنَّ القراض والمضاربة اسمان لمسمَّى واحد، فالقراض لغةً أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق.
وفي تسمية القراض تأويلان:
ـ القراضُ بمعنى القطع من المال وهو تأويل البصريين (أهل البصرة).
ـ القراضُ بمعنى اشتراك اثنين في نفس الصنع، وهنا المال من أحدهما والعمل من الآخر، مثل القول: تقارض الشاعران إذا تناشدا، وهو تأويل البغداديين (أهل بغداد).
وفي تسمية المضاربة تأويلان:
ـ لأنَّ كلَّ واحد يضرب في الربح بسهمٍ.
ـ لأنَّ العامل يتصرَّف فيها برأيه واجتهاده، حيث قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاَرْضِ} (3) أي إذا تفرَّقتم فيها بالسفر» (4).
ب: اصطلاحًا: يعرِّف ابن رشد المضاربة بما يلي: «أن يعطيَ الرجلُ الرجُلَ المال على أن يتَّجِر به على جزءٍ معلومٍ يأخذه العامل من ربح المال، أيُّ جزءٍ كان ممَّا يتفقان عليه؛ ثلثًا أو رُبعًا أو نصفًا» (5).
فالمضاربة إذن هي اشتراكٌ في الربح بمال من جانبٍ ويسمى ربُّ المال، وعمل من جانبٍ آخر ويسمَّى المضارب، وقد شُرعت للحاجة إليها فقد يُوجد من الناس من يملك المال ولا يحسن التصرُّف، ومن يحسن التصرُّف ولا يملك المال فيشتركان في هذه الصيغة، وفي ذلك مصلحةٌ للطرفين.
دليل مشروعية المضاربة: (1/7)
صفحة 8
المضاربةُ مشروعةٌ بالسنَّة والإجماع:
فقد رُوي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنَّه ضارب لخديجة بأموالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدًا لها يقال له "ميسرة".
كما رُوي عن العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي الله عنه أنَّه كان إذا دفع مالاً مضاربةً اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرًا ولا ينزل به واديًا ولا يشتري به ذات كبدٍ رطبة، فإن فعل ذلك فهو ضامنٌ، فرُفع شرطُه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم فأجازه (6).
ويقول ابن قدامة الحنبلي: «وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة» (7).
شروط المضاربة:
للمضاربة شروطٌ أجمع عليها الفقهاء عمومًا مع خلافٍ في بعضها، فبالإضافة إلى أهلية العاقدين يمكن تقسيم هذه الشروط إلى ثلاثة أنواع:
أ ـ الشروط الخاصَّة برأس المال:
1 - أن يكون من الأثمان (أي من النقود وما يقوم مقامها من الذهب أو الفضة) عند جمهور الفقهاء، وأجاز بعضُهم أن يكون من العروض مثل طاووس والأوزاعي وحمَّاد، وقَصَر ابن أبي ليلى الجواز على المثلي من العروض.
2 - أن يكون معلومًا لكلٍّ من ربِّ المال والمضارب.
3 - أن لا يكون دَينًا في الذمَّة عند جمهور الفقهاء، وأجاز ذلك ابن القيِّم، بينما أجاز أحدُ الفقهاء المعاصرين ذلك إذا كان دَينًا على مُوسر ومنعه على المعسر.
ب ـ الشروط الخاصَّة بالعمل:
1 - أن يسلِّم رأسَ مالِ المضاربة إلى المضارب مناولة أو بالتمكين منه.
2 - أن يستقلَّ المضارب استقلالاً تامًّا بالعمل والإدارة، وأجاز الحنابلة أن يعمل ربُّ المال مع المضارب، لأنَّ المضاربة نوعٌ من المشاركة عندهم (8).
3 - في حالة الخسارة يخسر المضارب عمله وجهده، ويخسر ربُّ المال ماله، ولا يجوز اشتراطُ ما يخالف هذا الشرط عند جمهور الفقهاء، أمَّا إذا خالف المضاربُ شرطًا من شروط صاحب المال اعتُبر متعدِّيًا وعليه ضمان رأس المال، وسنعود إلى هذا الشرط لمناقشته لاحقًا لأنَّه يمثِّل محور موضوعنا.
ج ـ الشروط الخاصَّة بالربح:
يجب تحديدُ نصيب كلٍّ من ربِّ المال والمضارب في الربح، وأن يكون هذا النصيب جزءًا شائعًا كالنصف أو الثلث أو الربع، لا مبلغًا معيَّنًا.
الآراء المجيزة لاشتراط ضمان رأس المال في المضاربة ومناقشة هذه الآراء:
الإشكال الذي يثيره البعض في المضاربة هو: هل يجوز لربِّ المال أن يشترط على المضارب ضمان (1/8)
صفحة 9
رأس المال ولو بغير تعدٍّ منه؟
رأينا في الشروط السابقة أنَّه لا يجوز ذلك عند جمهور الفقهاء، هناك من الفقهاء المعاصرين من أجازه، ومنهم على سبيل المثال: الأستاذ محمَّد باقر الصدر الذي يرى بأنَّ تطبيق المضاربة من طرق البنك الإسلامي يمكن فيه الضمان من هذا البنك، لأنَّ ما لا يجوز في المضاربة هو اشتراط الضمان على المضارب، وهو يفترض أنَّ البنك وسيط بين ربِّ المال والمضارب، فهو إذن جهة ثالثة يمكن أن تتبرَّع لصاحب المال بضمان ماله (9).
لكن المعلوم أنَّ البنك الإسلامي يمارس المضاربة بصفته مضاربًا أوَّلاً والمستثمر هو المضارب الثاني، وهو يسمى بإعادة المضاربة، وبالتالي فهو يشترك في الربح والخسارة.
وكذلك يرى الدكتور سامي حسن حمود هذا الجواز مع اختلافٍ في التعليل، حيث يرى بأنَّ المضاربة التي تطبِّقها البنوك الإسلامية حاليًّا هي مضاربة جماعية أو مشتركة لأنَّها تجري مع عدد كبير من أرباب المال (المودعين)، أمَّا تطبيق المضاربة بصورتها الفردية التي كانت في القديم فهي محاولة للاكتفاء بالاسم المفرغ من محتواه، ولذا فهو يقيس البنك الإسلامي الذي يمارس المضاربة المشتركة على الأجير المشترك الذي يعمل لكافة الناس، وبالتالي يجب على البنك أن يضمن هذه الودائع تمامًا كما يضمن الأجير المشترك ما تحت يده عند من قال بذلك (10).
والردُّ على هذا الرأي هو أنَّ تضمين الأجير المشترك ليس محلَّ اتِّفاقٍ بين الفقهاء كما يعترف بذلك صاحب الرأي نفسه. ومن جهة أخرى فإنَّ الأجير المشترك يتلقَّى أموالاً على شكل عروضٍ، أمَّا البنك الإسلامي فيتلقَّى أموالاً على شكل نقود، وهناك فرق بين النقود والعروض من حيث الخصائصُ والأحكام؛ فمثلاً يمكننا تأجير آلة بالنقود، لكن لا يمكننا تأجير النقود بالنقود فذلك هو عين الربا.
أمَّا الشيخ محمَّد بن بابه الشيخ بالحاج فهو يرجِّح طلب الضمان ـ الذي يُجيزه ـ إلى انعدام الثقة والأمانة بين الناس، وإلى الحرص على توظيف أموال الأغنياء بضمانات كافية من جهة، وانتشال الشباب من البطالة من جهة أخرى (11).
والردُّ على هذا الرأي ـ وهو يصلح ردًّا على الجميع ـ هو أنَّ المضاربة الشرعية والتي تشترط عدم ضمان رأس المال إلاَّ بتعدٍّ من المضارب قد ثبتت بالنصِّ (السنَّة التقريرية فيما رُوي سابقًا عن العبَّاس رضي الله عنه)، والتي يُفهم منها (بمفهوم المخالفة) أنَّ ضمان رأس المال في المضاربة لا تجوز المطالبة به إلاَّ في حالة مخالفة المضارب لشروط صاحب المال، حيث يثبت هنا التعدِّي أو التقصير.
وللأمانة العلمية فإنَّ كلاًّ من: الهيثمي وابن عدي والزيعلي، قد ضعَّفوا هذا الحديث لوجود أبي الجارود ضمن سنده، وهو ممَّن جُرِّح في روايته. لكنَّ الدليل الآخر الذي يعتدُّ به، والذي يصلح أيضًا للردِّ هو الإجماع، فقد حسم الفقهاء المعاصرون كما القدامى هذه القضية بالإجماع، وذلك (1/9)
صفحة 10
في مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي لمنظَّمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في أبو ظبي (الإمارات) من 01 إلى 06 ذي القعدة 1415هـ الموافق 01 إلى 06 أفريل 1995م حيث جاء في توصياته:
«إنَّ الودائع التي تُسلَّم للبنوك الملتزمة فعليًّا بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثماريٍّ على حصَّةٍ من الربح هي رأسُ مال مضاربةٍ، وتُطبَّق عليها أحكام المضاربة أو القراض في الفقه الإسلامي والتي منها عدم جواز ضمان المضارب (البنك) لرأس مال المضاربة» (12).
الحلول المقترحة لمشكلة ضمان رأس المال في المضاربة:
إنَّ التساؤل الذي يطرح نفسه بعد هذه المناقشة هو ما مدى إمكانية إيجاد حلول عمليَّة لهذه المشكلة؟ وما مدى سلامتها من الناحية الشرعية؟
والجواب على هذا التساؤل يتطلَّب منَّا التفريق بين حالتين: المضاربة الفردية (وهي التي تحدث كمعاملات فردية بين الأشخاص)، والمضاربة الجماعية (وهي التي تطبَّق في معاملات البنوك الإسلامية خاصَّة)، سواء بين المودعين والبنك الإسلامي بصفته مضاربًا، أو بين هذا الأخير والمستثمرين بصفته ربا للمال.
أ ـ تطبيقات البنوك الإسلامية:
لقد ثبت من الناحية العمليَّة أنَّ ضمان رأس المال في المضاربة من خلال عمليَّات البنوك الإسلامية لم يطرح أيَّ إشكال بالنسبة لهذه البنوك، ليس لأنَّ القضية فيها إجماع بعدم الضمان إلاَّ آراء قليلة جدًّا خالفت هذا الإجماع، ولكن لأنَّ البنك الإسلامي يتلقَّى أموالاً من عددٍ كبير من المودعين من جهة، ويستثمرها مع عددٍ كبير من المستثمرين من جهة أخرى وبمختلف صيغ الاستثمار المعروفة في الاقتصاد الإسلامي. وبما أنَّ أغلب البنوك الإسلامية تطبِّق المضاربة المطلقة (أي عدم اشتراط المودع استثمار أمواله في مشروع معيَّن بذاته)، فإنَّ إمكانية خسارة البنك للأموال تصبح ضئيلة خاصَّة إذا أضفنا إلى ذلك الدراسة الدقيقة التي يقوم بها للمشروع المراد إنجازه من طرف المستثمر (المضارب)، وكذلك الضمانات القويَّة التي يمسكها البنك من هذا الأخير، والتي تمكِّنه من استرجاع أمواله في حالة التعدِّي أو التقصير.
ومن جهة أخرى، وحتَّى إذا افترضنا جدلاً أنَّ بعض المشاريع التي موَّلها البنك الإسلامي قد حقَّق خسارة، فإنَّ بقية المشاريع (وهي الأغلب) والتي تحقِّق مردودًا ولو بدرجات متفاوتة، سوف تغطِّي ذلك البعض الذي حقَّق خسارة، إذ من المعلوم أنَّ البنك الإسلامي يوزِّع على المودعين تلك الأرباح المحقَّقة من جميع المشاريع التي موَّلها بصورة شائعة تطبيقًا لمبدأ المضاربة المطلقة.
ب ـ التطبيقات الفردية:
كثيرًا ما يُثار مشكل ضمان رأس المال في المضاربة الفردية أكثر من الجماعية، أي بين ربِّ المال والمضارب، وهو الأمر الذي أدَّى ببعض الفقهاء إلى إجازة طلب الضمان من طرف ربِّ المال ولو بغير تعدٍّ من المضارب. ونحن نرى أن تتمَّ المضاربة الفردية وفق الخطوات التالية: (1/10)
صفحة 11
ـ يتمُّ الاتفاق بين ربِّ المال والمضارب على كلِّ شروط المضاربة (نوعية العمل، مدَّته، مكانه، ما يُحتسب ضمن المصاريف وما لا يُحتسب ... إلخ).
ـ يقدِّم المضارب لربِّ المال كفيلاً عنه ويكون موسرًا، بحيث يتعهَّد بتعويض أيِّ نقصٍ أو خسارة قد تلحق بربِّ المال (إذا ثبت التقصير)، ويكون ذلك كتابيًّا وبشهادة شاهدين عدلين، ولن يجد المضارب صعوبة في ذلك إذا كان مطمئنًّا إلى سيرته وسمعته.
ـ إذا كان المضارب يملك أصلاً أو عقَّارًا ولا يرغب في تحويله إلى سيولة مالية ليتاجر بها، فيمكنه أن يتعهَّد ببيع هذا الأصل أو العقَّار لتعويض النقص أو الخسارة التي قد تحدث لرأس المال (إذا ثبت التقصير)، ويكون هذا التعهُّد كتابيًّا ومسجَّلاً لدى موثِّق ( Notaire) بحيث تكون له قوَّة قانونية أمام المحاكم إذا اقتضت الضرورة ذلك، وسوف نرى كيف يتَّفق الطرفان على إثبات التقصير، ونرى أنَّ الإجراء يُغني عن تقديم الكفيل.
ـ إذا وقعت الخسارة ـ لا قدَّر الله ـ يتَّفق الطرفان مسبقًا على اختيار خبير محاسب ( Expert Comptable) أو على الأقل مراقب حسابات ( Commissaire aux Comptes) ويُشترَط أن لا يمتُّ بصلة إلى أيٍّ من الطرفين، بحيث يقوم هذا الأخير بمراجعة الشروط المتَّفق عليها أوَّلاً، ثمَّ الاطِّلاع على جميع السجلاَّت والوثائق الخاصَّة بعمليَّة المضاربة (تجارية كانت أم صناعية)، ليقرِّر بعدها وقوع التقصير من طرف المضارب أو عدمه، ثمَّ يقرِّر أيضًا مقدار الخسارة التي لحقت برأس المال وكيفية تعويضها في حالة ثبوت التقصير.
الخاتمة:
نذكِّر في الأخير بأنَّ جوهر المشكلة هو أنَّ مطالبة ربِّ المال للعامل بضمان رأس مال المضاربة ولو بغير تعدٍّ أو تقصير من هذا الأخير غير جائزةٍ عند جمهور الفقهاء، وقد ثبت ذلك بالنصِّ والإجماع، ونحن نرى أنَّ حلَّ هذه المشكلة لا يكون بتجاهل النصوص أو نقض الإجماع، وإنَّما بالتفكير في حلول شرعيَّة وعمليَّة لها، وقد عوَّدتنا شريعتنا السمحاء بمرونتها وخصوبتها وقابليَّتها للتطوُّر مع مستجدَّات العصر، وبالتالي قدرتها على إيجاد الحلول لكلِّ ما يواجه الإنسان عبر الأزمان، وهذا سرُّ بقاء الإسلام والحمد لله.
--------------------
الهوامش
1 ـ الفيروزآبادي: «القاموس المحيط»، المطبعة الحسينية، القاهرة، ج:1، ص: 96. (مادة: ضربه).
2 ـ ابن منظور: «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، 1956، ج:1، ص: 544. (مادة: ضرب). (1/11)
صفحة 12
3 ـ سورة النساء، الآية: 101.
4 ـ أبو الحسن الماوردي: «المضاربة»، تح/ د. عبد الوهاب حواس، دار الوفاء، المنصورة/ مصر، 1989، ص: 117، 118.
5 ـ ابن رشد: «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1952، ص: 234.
6 ـ أبو الحسن الماوردي: «المضاربة»، مرجع سابق، ص: 121، 122. (والحديث رواه كلٌّ من البيهقي والدارقطني في سننهما، والطبراني في الأوسط).
7 ـ ابن قدامة: «المغني والشرح الكبير»، دار الكتاب العربي، بيروت، 1972، ج: 5، ص: 135.
8 ـ ابن قدامة: «المغني»، مرجع سابق، ج:5، ص: 137.
9 ـ محمَّد باقر الصدر: «البنك اللاربوي في الإسلام»، دار التعارف، بيروت، 1981، ص: 32، 33.
10 ـ د. سامي حمود: «تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية»، دار التراث، القاهرة، 1991، ص: ط من المقدِّمة، و: 400، 401.
11 ـ محمَّد الشيخ بالحاج: «الاستثمار واقتصاد السوق بين الأصالة والعصرنة»، دار البعث، قسنطينة، 1996، ص: 76، 77.
12 ـ «مجلَّة الإقتصاد الإسلامي». العدد: 169، ماي 1995، ص: 13. (1/12)
صفحة 13
عندليب
الشاعر: أحمد لزعل
عن اليابان سمِعنا فداءً بكاميكازٍ تفانَوا فناء
إذا ودَّعوا بيتَهم والأهالي فلا فكر في عودةٍ أو رجاء
ولا بُدَّ من صلواتٍ تُقامُ لقُربانِهم نحو بوذا ابتداء
رجالٌ هم الذاهبون وقودًا ولكنَّ في القدس منهم نساء
عذارى فلسطين بدعُ عذارى لها ينحني الثائرون انحناء
أيا عندليبُ صداحكِ يُشجِي ويَسبي فؤادي صباحَ مساء
فأين المساحيقُ أين المرايا أمَا كنتِ للحُسن دومًا وِعاء
أحوَّاءُ قومُك إن أحجموا هببتِ تُلَبِّين أنت النداء
تمنطَقْتِ باللُّغم يحمل موتًا ففجَّرتِ نفسَك سِلتِ دماء
وحولك شرذمةٌ من يهودٍ طغاةٍ مضَوا للجحيم مضاء
دويُّك زلزل كلَّ أصمٍّ وجرَّع كلَّ عليلٍ دواء
تفرقعتِ كنتِ عليهم رجومًا وهتَّكتِهم فاستحالوا هباء
نعم قد ضمدت جراح جنودٍ رأوا لمسةً من يديك شفاء
حملتِ القنابل في ثورة الـ ـجزائر أبليت فيها بلاء
وكم من مُسدَّس احتيج نقلٌ له فلففتِ عليه الكساء
فساتينُك الزاهيات جمالاً يُقهقِهن داخلهن ازدراء
قفوتِ خُطى من سبقنك في الشهادة أعظِمْ بذاك اقتفاء
ولكنَّك اليوم حلَّقت حقًّا وفوق التصوُّر شِدتِ البناء
أيا آدمُ اليومُ ليس كأمس فليس الرجالُ فقط أقوياء
شريكتُك استسهَلَت كلَّ صعبٍ تجوبُ الأعاميق تغزو الفضاء
وإنَّ القوامة لم تَبقَ حكرًا عليكَ كعهدٍٍ مضى لا مِراء
ذوي العضلات الضِّخام هلمُّوا فجزُّوا الشوارب جزُّوا اللحاء
رجولاتكم والبطولاتُ أعطوا أزمتَها زينبًا أو سناء
تلهُّف حوَّاء للتضحيات هو الصدقُ في العزم ليس ادِّعاء
غزاةُ فلسطينِنا قد تمادوا عنوًّا فلا يعرفُون ارعواء
غزاةٌ ولكن لهم كلُّ حقٍّ ويذهبُ حقَّ بنيها جفاء
رأوا مائة من بني يعرُبٍ لصهيونيٍّ وحيد كفاء
فيا ليت شعري ألِلحَيف حدٌّ أيبقى أشقَّاؤُنا أشقياء
وحولَهمُ أممٌ ينظرون إليهم ولا ينبِسُون إباء
ودعواهمُ للحضارة دعوى وللعدلِ هُم يحملون اللِّواء
إلهي قد ظُلِمَت عندليبُ بأرضٍ فهاهي تبغي السماء
تخيَّرتِ الروحَ تفدي حماها بها ثم طارت إليك التجاء
فمُنَّ لها بفراديسِ عدنٍ تذوقُ النعيم بها والهناء
فأنت العليمُ بكلِّ الخفايا وأنت الذي تستجيبُ الدعاء
أحمد لزعل (1/13)