صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 07 - مبوبة [ناقصة] واقعية التصور الإسلامي في نثر أبي اليقظان
د. محمد زغينة، جامعة باتنة
إنَّ الواقعية الإسلامية عند أبي اليقظان (1) تصورٌ، وطريقةٌ لطرح القضايا، وكيفية فهمها، إنها استيعاب الكاتب لآلام أمته، وآمالها، وتشخيص أداوئها، وضبط مقاييسها وأفق منظور فكره، وما يستلزم عصره وما تقتضيه أحداث زمانه؛ كما يذهب إلى ذلك محمد ناصر (2).
فكان تصوره للواقع والحياة تصوراً «واعيًا برسالته الحضارية ... حاملاً بين جنبيه قلباً يفيض بالمحبة والإشفاق لكلِّ إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يشجى للآلامهم ويندد بأعدائهم، ويكشف عوار الخونة والمنافقين» (3).
فالواقعية عنده واقعية الفكر وواقعية الأسلوب إذ «نلمس فيها غناها اللغوي بحيث يخيل إلى الناقد أنَّ المادة اللغوية كانت تنسال على يد الكاتب ... ليختار منها ما يؤدِّي وظيفة الواقعية وأنَّه كان يقتطف ألفاظه من واقع الحياة لا من القواميس والكتب» (4)، وهذا ما نراه في جرائده بخاصَّة إذ يقول في أوَّل عددٍ: «أيُّها الجزائري إن رأيت أخاك عنك بعيداً أو بينكما فروق، وحواجز ومسافات، فالواقع بخلاف ذلك فقد ألحم الله بين غرائزكما بلحمة الدين، وجمع نشأتكما بعلاقة النسب، ووصل بين نفوسكما بِصِلَة الجنس، وربط بين أجسادكما برابطة الوطن، ووحَّد ما بين لسانكما بوحدة اللغة، وأظلَّكما بسماء واحدة، وأنضج عقولكما بشمس واحدة، وأنعش (1/1)
صفحة 2
أرواحكما بهواء واحد، فوق أرض واحدة، أفلست بعد هذه العلاقة المتينة أنت هو، وهو أنت؟» (5).
من هذا النص السابق نلمس واقعية الفكر، وواقعية التعبير، وواقعية التصوُّر للوطن الجزائري، إذ لا يمكن للمصلح أن يدعو إلى أكثر مما دعا إليه أبو اليقظان، ولا يمكن لأيٍّ كان أن يتصوَّر وحدة قوميَّة واقعية أكثر مما تصوَّر أبو اليقظان بحسِّه الشاعري وبإيمانه التوحيدي، وكلُّ ذلك لأنَّ الأديب فردٌ من هذه الأمَّة، أي أنَّه «ليس عنصراً غريباً عن المجتمع، وليس مثالياً في منزعه الفكري وفي تصوُّره لما هو واقع في ركب الحياة بجميع مظاهرها المختلفة». (6)
فأبو اليقظان في تصوُّره هذا كان فنَّانًا ذا تصوُّر عالمي واقعي، فهو لا يرسم صورة لواقعه مزيفة أو كاذبة وإنَّما يصوِّر كل ما يراه وكل ما يحدث التوازن الاجتماعي فعلا، لأنَّ الشعب الجزائري فعلا ألحم الله بين أفراده بالدين واللغة والنسب والوطن الواحد ... فكلُّه في فلك الوحدانية.
ومن تصوراته الواقعية لظاهرة الفقر التي يقول عنها: «إنَّ أشد على الناس هونا وأعظم لديهم خطراً؛ هو ذلك الشبح الأسود البشع الصورة الفظيع المنظر، القبيح اللون، ألا وهو الفقر .. فتِّش في العالم كلَّ قلب من كلِّ إنسان تجده مفعمًا بالخوف والذعر من الفقر، يختلف الناس في اكتساب المعاش إلى طرائق ومسالك، ويذهبون فيه إلى مذاهب، وينزعون بسائر الذرائع من حلال وحرام، وسائق الجميع واحدٌ هو الخوف من ذلك الشبح الأسود، شبح الفقر» (7).
إنَّ النص السابق هو: «كلُّ ما تحمله الواقعية من دلالات لمصطلح أدبي يدخل حقل النقد الأدبي، ويعدُّ الأثر الأدبي تعبيرًا وتفسيرًا لرؤية الأديب للأحداث الاجتماعية والسياسية وغيرها .. وواقعية ليست تسجيلاً للواقع وانحصاراً فيه وتبريراً له أو تزويراً فيه، بل هي موقفٌ فكريٌّ حرٌّ للأديب من ذلك الواقع» (8)؛ إنَّها واقعية تنبض بكل المعاني.
واقعية تجربة من «تجارب الحياة التي تهتز لها نفس الإنسان، وتثير فيها أعمق الانفعالات وأصدقها (9)»، لأنَّ الواقعية عند أبي اليقظان هي واقعية العمق الفكري والصدق الفني وشمول التصوُّر، ووضوح الهدف، لأنَّ الأديب الحقَّ إذا كان بعيدًا عن ذلك يصبح أدبه «شيئا ضعيف الأثر وضئيل القدر، بعيدًا عن قضايا العصر منعزلا عن مصائر البشر» (10).
ومن هذه الواقعية، هذا الوصف الواقعي لواقع الإنسانية في ظلِّ الاستعمار يقول: «يخدم القويَّ كل جد، ويواتيه كلُّ حظ، ويلائمُه كلُّ ربح، البَرُّ يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجوُّ يمدُّ إليه بساطه، والأرض تُنبت لملء مطاميره، والسحاب لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللآلئ لترصيعِ تاجه، وتَحلِيةِ جيدِه؛ البخارُ يذلِّل ضمَّ الصعاب، والكهرباء تُسخِّرُ له ما عجز عنه أولو الألباب ... يرى أنَّه لا قوَّة غير قوته، ولا دين غير دينه، ولا شريعةَ غير شريعته، ولا عقليةَ غير عقليته، والمرضيَّ من رضى عنه، والمغضوبَ من غضِبَ هو عليه (1/2)
صفحة 3
«(11)
إنهَّا واقعية الفكر والتصوُّر والمنطق، كما رجَّت في ذهن الكاتب فنقلها إلى المتلقي بكلِّ صدق وأمانة ووفق تصوُّره للحياة، لذلك يضيف قائلاً: «ويرى بموجب ذلك أنَّه يجب عزلُ الله - تعالى الله - من أرضه ومزاحمته في ملكوته، يجب نسخُ دينه وشريعتِه، يجبُ مسخُ نظامه في الكون، وتأسيسِ نظام عصريٍّ جديد على أنقاض نظامِه، هكذا القويُّ، وهكذا آثار القوَّة العمياء» (12).
فهذه واقعيَّة التصوُّر الإنساني حين يتجبَّر الإنسان منذ فرعون، مروراً بهامان وقارون ووصولاً إلى عصرنا هذا، عصر النظام العالميِّ الجديد، إنَّه التصوُّر الإنساني الواقعي لحركة التاريخ الاجتماعي، وعلاقة القوي بالكون وبالضعيف، وهو ما يمكن أن نكتشفه من خلال الفقرة التالية أيضاً: «أمَّا الضعيف فإنَّه يخونُه كلُّ حظ، ويعثر به كل جد، ويعاكِسُه كلُّ ربح، وتقفُ في سبيله كلُّ عقبة، وينغلِقُ أمامَه كلُّ باب، إن نهض قعد به فقرُه، وإن سعى أخَّرهُ ضعفُه، وإن طرق باباً أوصدَهُ دونَه هوانُه، وإن استغاث خانَهُ خفوتُ صوتِه، حَسنُهُ سيِّئة، صلاحُه فساد، وصوابُه خطأ، وحقُّه باطل، جمالُه دمامة، وعبقريَّتُه طيش وتجاوُزٌ لطوره، إن تكلَّم الحقَّ سُفِّه، وإن صدق القول كُذِّب، وإن أبدى رأيا سديداً لغا فيه .. » (13).
إنَّ المتأمل في النص السابق يحسُّ أنَّ أبا اليقظان يتناول قضايا الحياة من داخل نفسه وبوحي انفعاله الصادق العميق (14). لذلك نرى واقعية الطرح والتفاعل مع الواقع والفكرة، فهو تصوُّرٌ فكريٌّ وموقفٌ من الواقع، ولذلك يقول محمد مصايف: «إنَّ أول ما يميِّز الأدب الواقعي من غيره ارتباطُه الوثيق بالواقع الذي يشكِّل الموضوع الأساسي، إن لم يكن الأوحد لهذا الأدب في المغرب العربي، وهو واقع المجتمع، وواقع الإنسانية كلِّها، بل إنَّ بعض النقاد الواقعيين المغاربة يعتبرون الواقع الإنساني أصلاً لكل الموجودات ... فالواقع الإنساني بهذا الاعتبار هو المادة الأولى التي يستوحيها الأديب في التعبير عن مشاعره ومواقفه، وفي وضعه الاجتماعي بما يطبعه من بؤس أو رخاء، وعلاقته بالإنسان والأرض وموقفه من الأنظمة ... «(15).
هكذا نحسُّ بهذه الواقعية التي كانت تسيطر على ذهن أبي اليقظان، وتقضُّ مضجعه فلا يملك إلاَّ أن يقول عن هؤلاء الضعفاء الذين نَسَوا إنسانيتهم واستعبدهم الأغنياءُ، وصار الضعف خاصيَّة من خصائصهم، فيقول فيهم بكلِّ أسى وحزن واقعيين: «إنَّ الضعيف جرثومةٌ تلد آلافًا من الجراثيم، فيسري الضعف في المال إلى الدين والأخلاق والمدارك والعقول والنفوس، ويصبح صاحبه ضعيفًا في كلِّ ذلك إلى أن يصير وهو يردِّد الأنفاس في حكم الميت تتقاذفه القوَّة من هنا وهناك «(16).
فواقعية أبي اليقظان كانت هادفة، ناقدة للوضع، لأنَّه كان كاتبًا مصلحا عاش آلام شعبه وأمال أمَّته، فكان فكرُه ينبض بهذا الواقع وكان تصوُّره له تصورًا إسلاميًّا بكلِّ واقعياته ولذلك أبرز لنا الصراع الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان بكلِّ تناقضات الواقع، فكرةً وأسلوبا وطرحاً لأنَّ (1/3)
صفحة 4
جميع كتابات أبي اليقظان تتنفَّس فيه الروح الإسلامية المشبَعة بالإيمان الصحيح، والتصوُّر السليم للكون والحياة، تبدو فيها مهمَّة الإنسان المؤمن ذي الفكر الرسالي، لأنَّ أبا اليقظان رجل سلفي التوجُّه، تربَّى وترعرع في أحضان الإصلاح، فعاش منافحًا عن الدين ممكِّنا له، داعيا إلى التحرُّر من غثائية الطرقية، وميراث عصور الانحطاط، ولذلك يقول في محاضرة ألقاها في تونس عن الحركة الأدبية في الجزائر: «بما أنَّ القصد منها مكافحة الجهل ومقاومة الأمية فهي مفرغة في قالب العلم بما فيه من تنوير الأذهان .. وبما أنَّ الغاية منها إبادة الخرافات والأوهام فهي مطبوعةٌ دائما بخاتم الدين بما فيه من تحرير العباد ... وتستمدُّ قوَّتها من كتاب الله وسنة رسول الله وآثار السلف الصالح» (17).
بهذا التصوُّر الواقعي كان أبو اليقظان يمدُّ حباله في كلِّ اتجاهٍ ليُمسِك بالحقيقة الكبرى التي يستطيع بواسطتها أن يبلغ مراده، ولكنَّه حورب حربًا شعواء، وكُفِّر ورُمي بالزندقة والماسونية والشيوعية (18)، ورغم ذلك فقد أصرَّ على تفكيك ألغام المعارضة بهدوء العالِم وسكينة المؤمن تارة، وبقوَّة المجاهد وثورة الغضب طوراً آخر، يقول مخاطباً العلماء: «فإن نهضتم نهضتم بدينكم وملَّتكم وبلادكم أثناء زوابعها، واستفدتم منها وأفدتم سِواكم بمنافعها، ووقيتم أنفسكم وأهليكم، وكلَّ عزيز لديكم وإلاَّ ... لا تبقي ولا تذر (19) فتُصبِحُوا كلُّكم في خبر كان».
فإذا تأمَّلنا النص السابق نجده يقطر واقعيَّة، فالتصوُّر إسلاميٌّ، والأفكار إسلاميَّة، ومصادرها القرآن، إذ أنَّ معظم الأفكار السابقة مستمدَّة من سورة التحريم، وسورة المدثر نتيجة لممارسته الفعلية والقولية للقرآن الكريم وحفظه وتأثُّره بمعانيه، ولذلك نراه في تصوره للواقع المعيش يرى أعداء الإصلاح «كاللصوص لا يعيشون إلاَّ في الظلام، يستشعرون منه بساطة القوم وسذاجتهم، فيكذبون ويقلبون الحقائق، ويقاطعون طرق الإصلاح، ويشوِّهون سمعة المصلحين، كلُّ ذلك بعنوان الصدق وقصد الخير والصلاح وقمع الفساد، فيُصدِّقهم أولئك المساكين، ويرهولون وراءهم طائعين».
ولعلَّ هذا ما جعله يُعلِن في كلِّ مقالة بأنَّ شباب الأمَّة يبتعدون عن الصواب بسبب «قلَّة التديُّن وضعف الإيمان، فإنَّ الإنسان إذا كان قليل التديُّن ضعيف الإيمان يعيش أسير شهواته وإن كان أعلم مَن في الأرض، لأنَّ العلم شيءٌ، وضعف الدين في النفس شيءٌ آخر، بل ربَّما يكون عملُه وسيلة كبرى تُقرِّبه من منال الفجور، إذ بها يفتح مغالق الأسرار ويتوصل إليه الجاهل» (20)
إنَّ التركيز على التديُّن نابع من ثقافته الإسلامية ومن رسالته الإصلاحية ومن الواقع المعيش آنذاك، والذي يقتضي التركيز على الإسلام لأنَّ الحرب الفكرية كانت (إسلامية صليبية)، لأنَّ الصليبية أعلنت عداوتها لكلِّ ما هو إسلاميٌّ على أرض الجزائر بكل فنونها، ولهذا لا نراه إلاَّ وهو يردِّد «إنَّ ضعف الإيمان وقلَّة التديُّن بالإسلام تجعل صاحبها لا يكترث بما يصدر منه من الأعمال، ولا يرى (1/4)
صفحة 5
لنفسه حدًّا يقف عنده، يقترف جرائم ويرتكب الموبقات، وهو يهزأ ويلعب، وإن أصابت مقاتل دينه وعرضه وشرفه؛ تهتك حرمة دينه فيصفِّق طرباً كأنما نكل من عدوه، ويخون قوميته فيطير تيهاً وعجبًا كأنَّما لبس تاجًا من العزَّة ... » (21).
ونتيجة لهذا التصوُّر الإسلامي الواقعي فهو يرى أنَّ أهم أسباب زوال الأمم واندثارها هو ضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى، يقول: «إذا أصيبت الأمَّة في إيمانها الصادق، وشعورها النامي، وإحساسها الفائز، ولم تكن للحقِّ فيه كلمة، ولا للعلم قيمة، ولا للفضل منزلة، ولا لأصحاب الحقِّ مقام، وكان المقام الأوَّل فيها للباطل، والمكانة الرفيعة لذوي المال والوجاهة والخلاعة، فبشِّرها بالاضمحلال والزوال»، هكذا يتصوَّر زوال الأمَّة غير المؤمنة، ولذلك يركز على الإيمان تركيزاً كبيراً في شتَّى مناحي الحياة، فيقول: «وهل أصاب المسلمين ما أصابهم وخصوصًا في العصور الأخيرة إلاَّ لضعف تلك العقيدة ووهنها من نفوسهم» (22).
ولهذا كتب مقالات كثيرة ساخنة تدعو إلى التحرُّر من العبودية الاستعماريَّة عن طريق الإيمان بالله وحده لا شريك له، لأنَّ هذا وحده هو الذي يحرِّر العبد من الخوف، ومن نفسه، وممن يحيطون به، ولهذا يقول عن القضاء والقدر: «فالذي يؤمن أنَّ لا نفع إلاَّ ما كتبه الله له، ولا ضارَّ إلاَّ ما كتبه الله عليه، لا يحيله إقدامه ولا يردُّه عنه إحجامه، فمن أين يتسرَّب له الجبن والخوف؟» (23). لأنَّ أبا اليقظان يؤمن بأنَّ «الإيمان بالقضاء والقدر - حقا - يجعل الإنسان صابراً على المصائب والمحن والنكبات، ولكنَّه لا يجعله خاضعاً لظلم العبد وعسفه وجبروته، بل كلَّفه الله سبحانه أن لا يخضع لغيره ولا يدين لقوة سواه» (24).
إنَّ هذا التصور الإسلامي الواقعي، وهذه الروح الدينية التي تشعُّ من بين سطور كتابات أبي اليقظان كان الهدف الأساسي منها هو توجيه الشعب الجزائري ليتحرَّر من عبودية الظلم والاستعمار، ولذا كانت الدعوة باسم الإسلام إلى الثورة على فرنسا أو أوروبا كما يسمِّيها في بعض مقالاته يقول: «إنَّ غضب أوروبا مهما اشتد وبلغ في الغليان فإنه لا يتجاوز هذه الحياة الفانية إلى الحياة الباقية، وليس هو في هذه الحياة الدنيا إلاَّ شرارة ضئيلة بالنسبة لغضب الله، وهذه الشرارة لا يعود لها أثرٌ متى أرسل الله شعاعًا من رضائه على عبده؛ شعاعٌ واحدٌ من رضائه تعالى لعبده يطفئُ كامل حريق غضب أوروبا، وكلُّ رضا أوربا لا يطفئُ شرارة واحدة من غضب الله» (25).
إنَّ أبا اليقظان إذ يدعو إلى الثورة على الغرب باسم الإسلام فإنه في الوقت نفسه يتعجَّب من أولئك المسلمين الذين يخافون فرنسا، فيقول بكلِّ مرارة وأسى: «يخاف المرء من حبس يوم واحدٍ ممن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا يخاف من حبسه مدَّة العمر ممن الأرضُ والسماءُ في قبضته؛ وهنا نهاية قصور النظر وسوء التفكير» (26). (1/5)
صفحة 6
إنَّه قمة التفكير الإسلامي الواقعي في مجال العبودية والولاء، إذ لا يكون الولاء إلاَّ لله، ولا يمكن للبشر مهما أوتُوا من قوَّة من ضرِّ الفرد أو نفعه.
كما يؤمن بأنَّ ثمار الإيمان عظيمة، وشجرة الإيمان أعظم وأنفع الأشجار في ساعات العسرة والأيام المصائب وشدائد الليالي، لأنَّ «السعادة كل السعادة في الإيمان الصحيح والشقاوة كل الشقاوة في الإيمان الزائف» (27).
فالإيمان في رأيه هو الذي نميز به الإنسان عن أخيه الإنسان، لأنَّه يرفع إلى الأسمى، ويدفع إلى الأفضل، ولذا وجب على من يتصدَّى للإصلاح أن: «يطهِّر قلبه قبل كلِّ شيء من الأوساخ والأدران ليُصفِّه من أوضار الشوك، والخزعبلات، أمَّا أن يشتغل بفرعٍ من فروع الإصلاح وإيمانُه ملوَّث بأدران الشكوك والإلحاد وخرافات الدجاجلة والمشعوذين، فهو كمن يطلب سكَّرًا من بزر الحنظل» (28).
وعلى العموم لا يمكن لنا أن نفصل صفة الواقعية الإسلامية في أدب أبي اليقظان، لأنَّه كان رجلا مؤمنا بـ «التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإنسانية» (29)، لأنَّ الأدب هو «كلمة طيِّبة تنبع من ضمير الإنسان ووعيِه وفكرِه ومشاعِرَ صادقة أصيلة معبِّرة موحية» (30).
ولذلك كانت مقالاتُه الكبرى تصرخ بعناوين إسلاميَّة كبرى من مثل: «من أين نستورد الرجال؟» (31)، «صولةُ الحقِّ العتيد» (32) «سُقيَا لكم يا أنصار الحقِّ» (33) «مُصاب الإسلام العظيم» (34) «أهكذا الإسلام» (35) «الإسلامُ بين شِقَّي المقراض» (36) «الإسلامُ وسياسة الحلفاء» (37) «الدينُ والإلحاد» (38) «كيف يفهمون الدين» (39) «أمات الرجال أم رُفِع القرآن؟» (40) ... الخ.
لا يمكن أن نتتبع الروح الواقعية الإسلاميَّة في أدب أبي اليقظان، لأنَّ الإسلام هو المنبع الذي يغرف منه، والمعين الذي يستقي من معالمه، ولذا كان الإسلام هو المهيمن على أدبه بل القلب النابض في كلِّ كتاباته، والمصدر الثري لأنَّه لا يرى «أنَّ الإسلام هو طهارة وصلاة وزكاة وصيام وإلى ما ذلك، ثم تخريب بقية أركان الدين وزعزعة أُسسه ... وسلبُ حرية الأبرار وإطلاق العنان للفجار» (41).
ولكنَّه يفهم الدين فهمًا واسعًا أبعد مدىً إذ يفضي بمجموعه إلى السعادة الحقَّة (42)، لأنَّه من الذين يؤمنون بأنَّ الإسلام دينٌ وشريعةٌ وسلوكٌ ونظامُ حياة.
وعلى العموم فإنَّ هذه هي سمة أدب أبي اليقظان الإسلاميَّة الواقعية بصفة عامَّة، وسمة فكر الرجال الرساليِّين الذين حرَّروا أوطانهم وعلَّموا أممهم، ورفعوا راية الجهاد عالية عبر العصور، ولا عجب في ذلك فهو أديب ومفكِّر وعى حركة الفكر الحديث وصراعه، دعا إلى الفعالية والاتِّحاد، والتمسُّك بالأصالة مع التفتُّح على المعاصرة، تحصينًا للأمة بموروثاتها الحضارية فكان بذلك علَمًا من أعلام الجزائر، ورائداً من روادها المصلحين، مؤسِّسًا فعَّالا لحركة جمعية العلماء المسلمين (1/6)
صفحة 7
الجزائريين.
1) ـ أبو اليقظان إبراهيم بن الحاج عيسى، من مواليد القرارة 1888م، وأحد أقطاب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ورائد الصحافة في الجنوب الجزائري، توفي سنة 1973 بالقرارة الجزائر.
2) ـ انظر: د. محمد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، عمان، 1993، ص23.
3) ـ المرجع نفسه، ص:23.
4) ـ د. محمد صادق عفيفي، النقد التطبيقي والموازنات، ص: 246.
5) ـ أبو اليقظان، "أيها الجزائري"، وادي ميزاب، عدد: 01/ 01/1926.
6) ـ محمد عباس، البشير الإبراهيمي أديباً، رسالة ماجستير قدمت إلى كلية الآداب جامعة بغداد، 1983، ص: 339.
7) ـ أبو اليقظان: "الشبح الأسود"، وادي ميزاب، 109/ 22/11/ 1928.
8) ـ محمد عباس، البشير الإبراهيمي أديباً، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1983، ص: 340.
9) ـ د. عبد الحكيم بلبع، حركة التجديد الشعري في المهجر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980، ص:58.
10) ـ توفيق الحكيم، فن الأدب، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2، 1973، ص:313.
11) ـ أبو اليقظان، "القوي والضعيف"، وادي ميزاب، عدد: 109/ 22/11/ 1928.
12) ـ المصدر نفسه، "القوي والضعيف"، وادي ميزاب، عدد: 109/ 22/11/ 1928.
13) ـ المصدر نفسه، القوي والضعيف، وادي ميزاب، عدد: 109/ 22/11/ 1928.
14) ـ د. عبد الحكيم بلبع، حركة التجديد الشعري في المهجر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980، ص:58.
15) ـ د. محمد مصايف، النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1979، ص:289.
16) ـ أبو اليقظان، "القوي والضعيف"، وادي ميزاب، عدد: 109/ 22/11/ 1928.
17) ـ انظر: أبو اليقظان، الأمة، عدد:14/ 18/12/ 1934.
18) ـ انظر: أبا العلاء بن الحاج سليمان، جريدة الروح، الجزائر، 1939.
19) ـ انظر: سورة التحريم: آية: 06، وأيضا: سورة المدثر، آية: 28. 29.
20) ـ المصدر نفسه، "وباء الفجور"، عدد: 91/ 13/07/ 1928.
21) ـ المصدر نفسه، "أهكذا الإسلام؟ "، عدد: 76/ 30/03/ 1928. (1/7)
صفحة 8
22) ـ أبو اليقظان: "يمهلون الباطل ويلجمون المحق"، وادي ميزاب، عدد:32/ 20/05/ 1928.
23) ـ أبو اليقظان: "حكمة التشريع الإسلامي"، وادي ميزاب، عدد: 89/ 29/06/ 1928.
24) ـ المصدر نفسه: "حكمة التشريع الإسلامي"، وادي ميزاب، عدد: 89/ 29/06/ 1928.
25) ـ المصدر نفسه: "حكمة التشريع الإسلامي"، وادي ميزاب، عدد: 89/ 29/06/ 1928.
26) ـ المصدر السابق، "الإنسانية بين غضب الله وغضب أوربا"، عدد:109/ 22/11/ 1928.
27) ـ المصدر نفسه، "الإنسانية بين غضب الله وغضب أوربا"، عدد:109/ 22/11/ 1928.
28) ـ المصدر نفسه، "الإنسانية بين غضب الله وغضب أوربا"، عدد:109/ 22/11/ 1928.
29) ـ سيد قطب، في التاريخ فكرة منهاج، دار الشررق، لبنان، ط4، 1980،ص:20.
30) ـ د. محمد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، ص:14.
31) ـ أبو اليقظان: وادي ميزاب، عدد:47/ 02/09/ 1927.
32) ـ المصدر نفسه: عدد: 56/ 10/11/ 1927.
33) ـ المصدر نفسه: عدد: 57/ 17/11/ 1927.
34) ـ المصدر نفسه: عدد: 67/ 27/01/ 1928.
35) ـ المصدر نفسه: عدد: 67/ 30/03/ 1928.
36) ـ المصدر نفسه: عدد: 88/ 22/06/ 1928.
37) ـ المصدر نفسه: عدد: 89/ 29/06/ 1928.
38) ـ المصدر نفسه: عدد: 104/ 12/10/ 1928.
39) ـ المصدر نفسه: عدد: 107/ 02/11/ 1928.
40) ـ المصدر نفسه: عدد: 119/ 01/02/ 1929.
41) ـ أبو اليقظان: "إننا نحترم عوائدكم ودينكم فلا نتدخل فيهما"، النور، عدد: 58/ 22/11/ 1932.
42) ـ أبو اليقظان: "إننا نحترم عوائدكم ودينكم فلا نتدخل فيهما"، النور، عدد: 58/ 22/11/ 1932. (1/8)
صفحة 9
الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها
بقلم: الدكتور مسعود فلوسي
أستاذ محاضر ورئيس المجلس العلمي
لكلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية
جامعة باتنة
توطئة:
تمثل الوحدة الوطنية عاملا مهما من عوامل الالتقاء بين الجزائريين، وأساسا مكينا من أسس بقاء كيانهم واستمرار وجودهم التاريخي والحضاري .. لذلك كانت هذه الوحدة هدفا مقصودا عمل الاستعمار على تحطيمه وتبديده، وسخر لذلك كل أجهزته وأرصدته، ولا تزال القوى المعادية للأمة الجزائرية تعمل على تحطيم وحدتها الوطنية وتشتيتها إلى عصبيات وعرقيات يصارع بعضها البعض وتفرق بينها أسباب التناحر والعداء .. ولسنا هنا بحاجة إلى ذكر الكثير من المخططات والمحاولات والمؤامرات التي حيكت وتحاك لإسقاط الوحدة الوطنية، لأنها الحاجز المنيع أمام أي انتهاك لحرمة الوطن، والحامي لثرواته وطاقاته وخيراته التي يريد الكثير من الأعداء الاستيلاء عليها والاستئثار بها.
واليوم، إذ يعاني مجتمعنا من هذه الأزمة الشاملة التي باتت تهدد كيانه وتعمل على تحطيم مستقبله، خاصة وقد استغلتها بعض الأصوات الناعقة هنا وهناك منادية ببعض الدعوات التي لا نتيجة لها سوى تقويض الوحدة الوطنية وبث أسباب الفرقة والشقاق بين الجزائريين، مدعومة بقوى أجنبية فاعلة لا يخفى عداؤها للشعب الجزائري وعملها المستمر على تشتيت كيانه .. نحن بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير في مقومات وحدتنا الوطنية واستدعائها من جديد إلى بؤرة الشعور الجمعي لأفراد المجتمع، حتى نضمن لها الاستمرارية في النفوس والأرواح قبل الواقع والأوضاع.
هذه الدراسة قراءة في فكر رجل بذل جهودا قصوى في سبيل حماية الوحدة الوطنية، منطلقا من وعي عميق بأهمية هذه الوحدة، وإدراك لضرورة كل مقوم من مقوماتها .. إنه رائد الحركة الإصلاحية الحديثة في المجتمع الجزائري، الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله .. الذي مثل (1/9)
صفحة 10
الحفاظ على الوحدة الوطنية أحد أبرز محاور العمل الإصلاحي الذي قاده في واقع المجتمع الجزائري خلال النصف الأول من القرن الماضي.
1 ـ موقع الوحدة الوطنية بين اهتمامات ابن باديس:
ابن باديس رجل إصلاح وتغيير، قبل أي شيء آخر، ومن طبيعة المصلح الاجتماعي أن لا يقصر جهده التغييري والإصلاحي على جانب معين من جوانب الحياة دون بقية الجوانب الأخرى، بل يمد نظره إلى كل المجالات سعيا إلى إصلاحها وتغيير أحوالها نحو الأفضل والأحسن. لذلك نجد المصلحين عادة ما يسلكون مناهج شاملة ذات أبعاد فكرية وحضارية عامة. ومن هؤلاء إمام الجزائر ورائد حركتها الإصلاحية في النصف الأول من هذا القرن الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله، الذي قاد حركة إصلاحية شاملة استهدفت تغيير حياة الجزائريين ونقلهم من حال إلى حال.
من هنا نجد أن اهتمام الشيخ رحمه الله بالوحدة الوطنية يندرج ضمن اهتمام أكبر يمتد ليشمل دائرة أوسع .. اهتمام يتعلق أساسا بانتشال أمة غارقة في أوحال الجهل والتخلف والاستعباد، والعمل على الارتفاع بها إلى مستوى تشعر معه بأهميتها وحقوقها ومكانتها بين الأمم.
فقد ولد ابن باديس رحمه الله في سنة 1889م، أي قبل بداية هذا القرن بأكثر من عقد من الزمن، وقد تفتح وعيه في بداية القرن العشرين على واقع مؤسف يعيشه المجتمع الجزائري، واقع أبرز ما يميزه هو الاستغلال الفظيع الذي كان يتعرض له الجزائريون من قبل المعمرين الفرنسيين من جهة، ومختلف أساليب التجهيل التي تمارس على هؤلاء الجزائريين من قبل الإدارة الفرنسية لكي تبقيهم على وضع من الغفلة والذهول التام عن حقوقهم ومصالحهم التي سطت عليها وأرادت أن تحافظ عليها وإلى الأبد، من جهة ثانية ..
ولكي يُبْقِيَ الاستعمارُ الفرنسي على هذه الوضعية التي أحاط بها الجزائريين، عمل بوسائل مختلفة وفي مجالات متعددة على تحقيق هذا الهدف .. وكان من أهم الوسائل التي سلك عليها؛ تأجيج أسباب الفرقة والشقاق بين أفراد المجتمع الجزائري، بإثارة النعرات العرقية والجهوية واللغوية، والعمل على حمل الجزائريين على الاشتغال بها والغفلة عن غيرها من القضايا المصيرية التي كان الاستعمار يعمل جاهدا لاستمرار غفلتهم عنها. يقول ابن باديس في وصف هذه الوضعية:
"لقد كان هذا العبد (يتحدث عن نفسه) يشاهد قبل عقد من السنين هذا القطر قريبا من الفناء، ليست له مدارس تعلمه، وليس له رجال يدافعون عنه ويموتون عليه. بل كان في اضطراب دائم مستمر، ويا ليته كان في حالة هناء، وكان أبناؤنا يومئذ لا يذهبون إلا إلى المدارس الأجنبية التي لا تعطيهم غالبا من العلم إلا ذلك الفتات الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف، حتى إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ولغتهم وقوميتهم، وقد ينكرونها" (1). (1/10)
صفحة 11
ولأن ابن باديس رحمه الله قد وصل بتأملاته في واقع المجتمع الجزائري،، إلى أن هذا المجتمع أصبح كيانه مهددا بالذوبان والفناء .. فإنه عمل على انتشال هذا المجتمع من هذه الوضعية، وذلك بالسعي لإنقاذ الشخصية الجزائرية مما سقطت فيه من ضياع وانهيار حضاري شامل على كافة المستويات. وهذا العمل لم يكن ليتم إلا بالعمل على إحياء ما تبقى من مقومات هذه الشخصية، وكان لابد له أن يكافح على أكثر من مستوى، وفي أكثر من مجال .. وكان من بين هذه المجالات؛ مجال الوحدة الوطنية الذي عمل فيه بكل ما يستطيع من جهد وقوة، بغية الحفاظ على وحدة الشعب الجزائري، التي هي السبيل إلى أن يبقى هذا الشعب في منأى عن الذوبان في مخططات فرنسا وتدابيرها.
فالشيخ الإمام رحمه الله كان يدرك جيدا أن الفرد لوحده لا يستطيع أن يقيم لنفسه كيانا، ولا يستطيع أن يدافع عن مصالحه ويحقق حاجاته إلا في إطار جماعة تربطه بغيره من بني وطنه وأمته، ذلك أن "الارتباط بالجماعة والتعاون معها يضاعف مقادير القوة، لأن القوة المجتمعة تصمد أمام القوى الأخرى المعادية، بخلاف القوى الانفرادية المتناثرة أو القوى المجزأة، فإن أية قوة معادية تستطيع الظفر بها، والتغلب عليها والتحكم بمقاديرها" (2).
لذلك عمل رحمه الله على إحياء الوحدة الوطنية بين الجزائريين وتنميتها من خلال إحياء المقومات المشتركة التي تجمع بينهم ويتكون منها كيانهم.
2 ـ مفهوم الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس:
يعتبر ابن باديس رحمه الله، أن الوحدة هي العامل الأساس في تحصيل القدرة على إقامة الكيان الحضاري للأمة أو المجتمع وبنائه وتمكينه من الوقوف في وجه محاولات الإسقاط والتبديد. وهو ينطلق في حديثه عن الوحدة من اعتبارها فريضة دينية، يطالب المؤمنون بإقامتها في حياتهم وفي علاقاتهم، دون أن يكون لهم في ذلك خيار.
يقول رحمه الله: "الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضام والالتحام، حتى يكون منهم جسد واحد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (3) .....
ألا ترى البنيان كيف يتركب من الحجارة الكبيرة، والحجارة الصغيرة، والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتكسى، وكل ذلك محتاج إليه في تشييد البنيان، فكذلك مجتمع المؤمنين فإنه متكون من جميع أفرادهم على اختلاف طبقاتهم، فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كل واحد أن يسد الثغرة التي من ناحيته، مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه، كما لا غناء له عن كل واحد منها، فكل واحد من المؤمنين عليه تبعته، بمقدار المركز الذي هو فيه، والقدرة التي عنده، ولا يجوز لأحد وإن كان أحقر حقير أن يخل (1/11)
صفحة 12
بواجبه من ناحيته، فإنه إذا أزيل حجر صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرق للكبير" (4).
ويستخلص الإمام من التاريخ الإسلامي العبرة في هذا المجال، مؤكدا أن السماح لأسباب الفرقة والخلاف أن تسري في الدائرة الاجتماعية للأمة سيفضي لا محالة إلى انهيار هذه الأمة وتحطمها وذهاب أمرها.
فيقول بعد تحليلٍ أبْرَزَ فيه ما كان عليه المسلمون في تاريخهم وكيف آل حالهم إلى ما هم عليه من انهيار واندثار، نتيجة تنازعهم وصراعاتهم على الأهواء والشهوات والعصبيات: "لقد كان افتراقهم السبب الأول الأقوى لجميع البلايا والمحن الداخلية والخارجية التي لحقتهم في جميع أجيالهم أيام قوتهم وأيام ضعفهم، وأن تاريخهم لعبرة، وأن في أنبائهم لمزدجرا".
ثم يوجه الخطاب إلى الجزائريين، قائلا: "حق علينا ـ معشر الجزائريين ـ اليوم أن نتدبر تلك العبر، وأن نزدجر عما في مصائب الفرقة من خطر" (5).
ويقول في موضع آخر:
"علينا أن نعتقد بقلوبنا أن الاتحاد واجب أكيد، محتم علينا مع جميع المؤمنين، وأن فيه قوتنا وحياتنا، وفي تركه ضعفنا وموتنا، وأن نعلن ذلك بألسنتنا في كل مناسبة من أحاديثنا، وأن نعمل على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا في كل ما يقتضيه وصف الإيمان الجامع العام" (6).
ومع أن ابن باديس لا يخص خطابه ـ في كثير من الأحيان ـ بالجزائريين، بل يتحدث عن المؤمنين بوجه عام، إلا أن المتأمل سيدرك بسهولة أن أول المؤمنين المخاطبين هم الجزائريون، هؤلاء الذين يَعتبر ابنُ باديس نفسَه مسؤولا عن تعليمهم ودعوتهم وإرشادهم ومحاولة انتشالهم من الوضعية التي يتقلبون في بأسائها وضرائها.
وذلك واضح كل الوضوح في وصية الإمام إلى المسلم الجزائري، إذ يقول له فيها:
"حافظ على حياتك، ولا حياة لك إلا بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك وجميع عاداتك". (7)
لذلك يمكننا أن نقول: إن الوحدة الوطنية في نظر ابن باديس هي اتحاد الجزائريين وتعاونهم فيما بينهم لإنقاذ وطنهم وتحرير أرضهم وبناء مجتمعهم، بحيث يشعر كل منهم بواجبه تجاه وطنه وبني وطنه، دون أن يكون حبه لوطنه دافعا له إلى كراهية الأوطان الأخرى، أو يكون حبه لبني قومه دافعا له لبغض أبناء الأمم والأوطان الأخرى.
فلا ضير أن تؤمن بوطنيتك الجزائرية، وتشعر بالاحترام لبقية الإنسانية، وفى هذا يقول ابن باديس: "إننا نحب الإنسانية ونعتبرها كُلا، ونحب وطننا ونعتبره منها جزءا، ونحب من يحب الإنسانية ويخدمها، ونبغض من يبغضها ويظلمها. وبالأحرى؛ نحب من يحب وطننا ويخدمه، ونبغض من (1/12)
صفحة 13
يبغضه ويظلمه. فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا الجزائري وتحبيب بنيه فيه، ونخلص لكل من يخلص له، ونناوئ كل من يناوئه من بنيه ومن غير بنيه" (8).
ولا شك أن من أبسط المفاهيم المتفرعة عن الوحدة والاتحاد؛ التعاون فيما بين أفراد المجتمع وتناصرهم على أعدائهم أولا، ثم الحذر من أي محاولة يحاولها أولئك الأعداء لتقويض هذه الوحدة، فيحاولون الدخول من النافدة حين يعجزون عن الدخول من الباب، وذلك بواسطة إثارة النعرات التي من شأنها أن تحيل الوحدة إلى فرقة، والاتحاد إلى تنازع وصراع .. وإننا نحن الجزائريين لفي حاجة ـ اليوم أكثر من أي وقت مضى ـ إلى الانتباه إلى هذه القضية، واستحضار الخطر الكبير الذي سينجر حتما إذا ما غفلنا عن أساليب الأعداء ومحاولاتهم المستمرة لتقسيم كياننا الوطني وإثارة النعرات الجهوية واللغوية التي لا هدف لها سوى تقويض هذه الوحدة الوطنية التي نعتز بها ونعمل على تمتينها واستمرارها، وإن لنا في هذا أسوة بإمامنا ابن باديس الذي تفطن إلى دسائس الاستعمار في هذا الإطار فعمل على مواجهتها قبل أن يستفحل أمرها ويعم خطرها.
3 ـ دعائم الوحدة الوطنية في نظر ابن باديس:
تقوم الوحدة الوطنية في نظر ابن باديس رحمه الله على جملة من الدعائم والأركان، هذه الأركان في حقيقتها، ليست سوى دعائم الشخصية الوطنية ومكوناتها الأساسية، وهي الدين واللغة العربية والوطن والتاريخ والمصير المشترك.
وقد جمع ابن باديس هذه المقومات في كلمة جامعة له فقال:
"تختلف الشعوب بمقوماتها ومميزاتها كما تختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلا ببقاء مقوماته ومميزاته كالشأن في الأفراد. فالجنسية القومية هي مجموع تلك المميزات والمقومات. وهذه المقومات والمميزات هي اللغة التي يعرب بها ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقومات والمميزات" (9).
وهذه المكونات هي الأهداف الكبرى التي عمل ابن باديس على رعايتها وخدمتها ـ كلها مجتمعة وعلى درجة واحدة من الأهمية ـ في كفاحه التربوي والعلمي الذي خاضه في النصف الأول من القرن الماضي.
والمتأمل في ما قام به ابن باديس من أعمال وما تركه من مقالات وآثار سيجد أن "الاهتمام بالنضال من أجل الوطن والدين واللغة واضح في كل أعماله وخطبه ومقالاته، ثم إن الربط بين هذه العناصر المتكاملة واعتبارها شيئا واحدا ظاهر كذلك في أفكاره وأعماله وبرامجه، لأنه لا يتصور أن الإسلام مفصول عن اللغة العربية، وأن هذه الأخيرة مفصولة عن القرآن والإسلام، كما (1/13)
صفحة 14
لا يتصور الجزائر باعتبارها وطنا عربيا إسلاميا مفصولة عن هذين العنصرين ... فالدين واللغة والوطن عناصر لشيء واحد هو الشخصية الوطنية التي لا يمكن أن ينظر إليها من جانب واحد فقط ... والشيء الذي كان يدور في ذهن الإمام حين أطلق شعاره المعروف: (الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا)، هو أن الشيء الذي يُبذل في هذا المجال يجب أن يستهدف تحرير الشخصية الوطنية مما علق بها، وتخليصها من مظاهر الزيف والتشويه، وتحديد سماتها البارزة، وإعادة الاعتبار لها حتى تزدهر وتنمو، وتعود لها هيبتها وقدرتها على العطاء ...
ومن ثم، فالفصل بين عناصر الشخصية الوطنية، هو نوع من الفصل المصطنع بين مكونات الشيء الواحد الذي إذا سقط منه عنصر ذهبت حقيقته، وتلاشت ماهيته" (10).
ونقدم فيما يلي، كلمة مختصرة عن كل واحدة من هذه المقومات المكونة للوحدة الوطنية في نظر ابن باديس:
أ ـ الوحدة الدينية الإسلامية:
يمثل الإسلام المقوم الأول للشخصية الوطنية الجزائرية، إذ أن هذا المقوم يعود ـ في تاريخه ـ إلى أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، دخل خلالها هذا المقوم إلى أعماق النفس الجزائرية، وسرى في الدم واللحم والعظم، وامتزج معها امتزاجا كليا .. هذا الإسلام كان دائما خلال هذا المسار التاريخي الطويل هو مظهر هذه الأمة ولباسها وهويتها التي تتمظهر بها بين الأمم وتُعرف بها بينها .. ولأجل الحفاظ على هذه الهوية ظل المجتمع الجزائري يقاوم خلال هذا المسار الطويل.
لذلك فإن الإسلام يعتبر عامل الوحدة الوطنية الأولى، إذ يملك من أسباب الجمع والتوثيق بين الأفراد الرصيد الأعظم، فتعاليمه كلها تدور حول التعاون والتآزر والتناصر والأخوة المتبادلة بين أفراد المجتمع .. تلك القيم التي من شأنها أن تزيد في ارتباط الجزائريين بعضهم ببعض، وتدعم تناغمهم وتعاونهم على النهوض بوطنهم وحماية مقومات شخصيتهم.
ولا يعني اعتبارُ ابن باديس الإسلامَ مقوم الشخصية الوطنية الأول؛ أن هذا الإسلام حكر على الجزائريين دون غيرهم، أو أن للجزائريين إسلامهم الذي يختلف عن إسلام بقية الشعوب الإسلامية الأخرى، وإنما المقصود من اعتبار ابن باديس للإسلام أحد مقومات الشخصية الوطنية، هو أن هذا الإسلام هو المنوط به حفظ هذه الشخصية "من الانحلال ومحاولات المسخ والدمار التي حاولها الاستعمار لتدمير كياننا الروحي والحضاري .. وبجعله ـ أي ابن باديس ـ الإسلام إحدى مقومات شخصيتنا، كان يهدف إلى الإبقاء على هذا الكيان الصغير ـ الجزائر ـ محفوظا سليما في هذه البقعة المتغيرة من الأرض، ضمن الكيان الإسلامي الكبير الذي لا يعرف له حدودا سوى حدود العقيدة من مطلع الشمس إلى مغربها" (11). (1/14)
صفحة 15
لذلك نجد ابن باديس يدعو الشعب الجزائري إلى الالتفاف حول جمعيته، باعتبارها العاملة على الحفاظ على إسلامه وعروبته وسائر مقوماته، ويحذره من الاستماع إلى أولئك الذين ينعقون في كل مكان متهمين الجمعية بما ليس فيها من أوصاف ومحملين لها ما لم تقترفه من الأعمال. فيقول:
"أيها الشعب الجزائري الكريم ..
قد بينت لك جمعيتك حقيقة الموقف وحرجه، وكشفت لك شيئا مما تعانيه أنت وتعانيه هي من الأقرباء والبعداء، وهي تدعوك إلى التبصر والتثبت والاتحاد والتجمع والتنبه والتيقظ، وتحثك على الاعتماد على الله وحده، ثم على نفسك والصادقين من أبنائك، وما الصادقون إلا الذين يحافظون بأقوالهم وأعمالهم ومواقفهم على إسلامك وعروبتك وجميع مقوماتك، ويناضلون بالنفس والنفيس عن جميع حقوقك" (12).
إن الإسلام، إذن، هو المصل الواقي الذي يقي مجتمعنا الجزائري ويلات التشتت والانهيار، ويساهم في استمرار الشعور الجمعي بالوحدة بين أفراد المجتمع الجزائري، استمرارا متصاعدا، يقوى ويترسخ مع مر الأيام.
لذلك وجدنا ابن باديس رحمه الله، وهو يؤدي عمله الإصلاحي في واقع المجتمع الجزائري، يحرص على استمداد منهجه في العمل من تعاليم الإسلام ووصاياه، ويقول رحمه الله في تعليل اختياره للمنهج الديني في الإصلاح:
"إننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها، عن علم وبصيرة، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد، وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير في خط مستقيم. وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له، من خدمة العلم والدين، وفي خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للإنسانية عامة" (13).
ب - الوحدة اللغوية:
وكما يمثل الإسلام عاملا من عوامل الوحدة الوطنية ومقوماتها، فإن اللغة العربية لا تقل أهمية في هذا الإطار، إذ تضيف إليه عاملا آخر يزيد في قيمته وقوته، فهذا الإسلام نفسه لا يمكن فهم نصوصه وإدراك تعاليمه إلا بتعلم هذه اللغة وإتقان فهمها والحديث بها. ويبرز ابن باديس دور اللغة في توحيد كيان الأمة، فيقول: " ... تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد، وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد".
فاللغة العربية هي العامل الجامع بين الجزائريين على اختلاف أعراقهم وتنوع لهجاتهم، وبها وحدها يستطيعون أن يتفاهموا ويتخاطبوا فيما بينهم، دون أن يضطر أي منهم إلى أن يسأل الآخر عما يقصده من حديثه. (1/15)
صفحة 16
وهذه اللغة، إلى جانب الإسلام، هي العامل الذي يجمع ماضي الجزائر وحاضرها ومستقبلها. يقول ابن باديس في هذا الصدد:
"لا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد، إلا هذا الحبل المتين: اللغة العربية، لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المغروسة .. إنها وحدها الرابطة بيننا، وبين ماضينا، وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا، وبها يقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغر الميامين أرواحهم بأرواحنا، وهي وحدها اللسان الذي نعتز به، وهي الترجمان عما في النفس من آلام وآمال" (14).
فاللغة العربية ـ في نظر ابن باديس ـ تمثل التاريخ الذي نسج حياة الجزائر الثقافية، ومزج بين عناصرها، وصنع من ذلك كله كيانا واحدا موحدا أبوه الإسلام وأمه الجزائر ولسانه العربية، ولا يمكن لهذا المجتمع إلا أن ينظر إلى اللغة العربية على أنها تاريخه الحي الذي يطلعه على تراثه ويصله بجهود أمته وجهادها (15).
ولا يرى ابن باديس أي تعارض بين أن يكون الجزائري أمازيغيا، وأن يكون لسانه ناطقا باللغة العربية، بل إنه يعتبر هذا دليلا على أصالة الشعب الجزائري وارتباطه الوثيق بعقيدته الإسلامية ولغته العربية.
فالشعب الجزائري، وإن كان يتكون من أكثر من عنصر إنساني، إلا أن الامتزاج التام بين هذه العناصر منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، والاتحاد الحاصل في العقيدة واللسان يقطع الطريق على كل متقول أو شاك في عروبة الجزائر ووحدتها اللغوية، وينفي كل زعم يحاول صاحبه تفتيت هذه الوحدة (16).
ولدحض كل الشبهات والأقاويل، يورد ابن باديس الحديث الشريف الذي يقول: (ليست العربية بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي) (17) .. وسبب ورود الحديث أن أحد المنافقين نفى العربية عن سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي رضي الله عنهم جميعا (18) .. وهكذا فالجزائريون جميعا عرب بمقتضى كونهم مسلمين أولا، وبمقتضى نطقهم بلغة دينهم العربية ثانيا.
إن ابن باديس بهذا يفند محاولات أولئك الذين يعملون اليوم على انتقاص المساحة التي تتحرك عليها اللغة العربية من كل أطرافها، إن على الصعيد الاجتماعي أو الصعيد الإداري، بدعوى العمل على التمكين للأمازيغية .. وهم في الحقيقة لا يريدون إلا أن يمكنوا للغة الفرنسية، لغة الاستعمار والمستعمرين، أما الأمازيغية المسكينة فليست سوى قميص عثمان الذي يستعمل للدعوى والاعتراض .. وقد دلت كل أعمال وأقوال هؤلاء على هذه الحقيقة الساطعة، التي تتجلى على ألسنتهم حين يتحدثون إلى شعب عربي أمازيغى بلغة فرنسية، فهل شعبنا الأمازيغي يفهم الفرنسية ولا يفهم العربية؟!! .. (1/16)
صفحة 17
ج ـ وحدة الموطن:
فالجزائريون يشتركون في انتمائهم جميعا إلى وطن واحد هو الجزائر، وهذه الوحدة في الانتماء تكفي في إنهاء كل أسباب التفريق والتمييز فيما بينهم، وتسهم في ربط أواصر اللقاء والتعاون بين شرائحهم.
ولقد رأى ابن باديس أنه لتأجيج الشعور بالوحدة الوطنية بين الجزائريين، ينبغي تأجيج الشعور قبل ذلك بوحدة الانتماء إلى الوطن الواحد والأرض الواحدة وإن اتسعت أطرافها وامتدت مناطقها. لذلك كان الشيخ رحمه الله لا يفتأ يذكر طلبته الذين كانوا يُقبلون من مختلف مناطق الجزائر، بضرورة التعارف والتفاهم والتعاون حتى يربوا على ذلك أبناءهم وتلامذتهم عندما يكونون معلمين، وقد قال لطلبته يوما:
"إن وطننا الجزائر واسع الأطراف، متعدد المناطق والبيئات، حتى كاد يستقل بعضها عن بعض، فوجب علينا أن نربط بين حاضرته وباديته بما لدينا من وسائل الاتصال حتى نقرب بينها تقريبا يجعل المواطنين يتعارفون ويتعاونون كأبناء وطن واحد. وإن من جملة الوسائل التي تساعد على تحقيق هذا الهدف في مطلع نهضتنا العلمية؛ هذه الحلقاتُ التي استطاعت بفضل الله أن تجمعكم من عدة جهات، لا فرق بين من قدِموا إليها من الحواضر وبين من قدِموا من البوادي، وإني لأكون فرحا مغتبطا حينما ألتفت حولي فأجد أبناء الصحراء بجنب أبناء الجبال وأبناء الحاضرة بجنب أبناء البادية، والجميع قد جمعتهم هذه الحلقات العلمية في صعيد واحد، لا فضل لأي منهم على الآخر إلا بالاجتهاد والعمل" (19).
ولا يكتفي الإمام ابن باديس بتأكيد أسباب اللقاء بين الجزائريين من خلال اجتماعهم في موطن واحد، بل يضيف إلى ذلك العمل على غرس حب هذا الوطن في النفوس حتى تشب على الإحساس بالواجب تجاهه وتعمل مشتركة متعاونة على حمايته والحفاظ عليه.
ومن كلماته في هذا الإطار:
"إنما ينسب للوطن أفرادُهُ الذين ربطتهم ذكريات الماضي ومصالح الحاضر وآمال المستقبل، والنسبة للوطن توجب علم تاريخه، والقيام بواجباته، من نهضة علمية واقتصادية وعمرانية، والمحافظة على شرف اسمه وسمعة بنيه، فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه" (20).
وقد أعطى ابن باديس المثل من نفسه حين أعلن أنه يعيش للإسلام وللجزائر، فقال:
"أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض علي تلك الروابط لأجله ـ كجزء منه ـ فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة. فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل به من (1/17)
صفحة 18
شيء تتصل به مباشرة. وكما أنني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتُني في حاجة إليه، إلى رجاله، وإلى ماله، والى حاله، وإلى آلامه، وإلى آماله، كذلك أجدني إذا عملت قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه" (21).
ولا يعني هذا أن ابن باديس رجل متعصب لبني قومه، غافل عن بني أمته الآخرين، منغلق على وطنه الصغير المحدود الجزائر، دون وطنه الكبير وطن الإسلام والمسلمين .. فالرجل لم يكن يخدم وطنه فحسب، وإنما كان يريد أن يخدم الإنسانية كلها لو استطاع، ولكنه رأى أن الطريق إلى ذلك إنما تبدأ من خدمة وطنه وبني قومه، ثم إن تمكن بعد ذلك مد عمله ليشمل الإنسانية كلها في مختلف شعوبها وأقطارها. يقول ابن باديس في هذا الشأن:
"الإخلاص أن تعمل لوطنك ولو أنكرك وأنكر عملك أبناءُ وطنك، وتكريسُ العمل أن تكون جميع أعمالك عائدة بالخير على وطنك، فتستطيع أن تنفع الناس كلهم دون أن تضر بوطنك، فتكون قد خدمت وطنك بما زرعت له من محبة في قلوب من أحسنت إليهم من الناس .. فحِبَّ وطنك ولا تُبغض أوطان الناس، انفع وطنك ولا تضر أوطانا أخرى، بل اجتهد لأن تكون مصدر محبة شاملة ونفع عام" (22).
إن هذه الروح الوطنية الدافقة التي كان يفيض بها قلب ابن باديس وتظهر في سلوكاته وتصرفاته ودعواته في دروسه ومحاضراته، هي التي نفتقد إليها اليوم في حركتنا الحياتية داخل هذا الوطن الكبير الذي نعيش فيه، فلقد انعدمت هذه الروح من النفوس أو تكاد، وأصبح هم كل واحد هو العمل لما فيه مصلحته الخاصة، والسعي بكل وسيلة لتحقيقها وتحصيلها، دون النظر إلى ما يمكن أن ينتج عن ذلك من هدم للمصلحة الوطنية العامة .. والخطر كل الخطر في تضخم الـ"أنا" الفردي على حساب الـ"نحن" الجماعي، لأن الفردية لا تصنع إنسانا سويا، بقدر ما تحوله إلى وحش كاسر لا يلوي في سبيل تحقيق مصلحته الخاصة على شيء.
د ـ التاريخ المشترك:
تجمع بين الجزائريين ذكريات تاريخية مشتركة تعود إلى مئات السنين .. ذكريات عايشوا معها السراء والضراء، وكانوا في الحالين دائما مشتركين، متآزرين متعاونين .. وأعظم هذه الذكريات تلك التي جمعتهم على الدفاع عن بلادهم والمنافحة عن مقومات شخصيتهم، في وجه الحملات العدائية التي ظلت تُشن على الجزائر عبر التاريخ، مستهدفة تحطيم كيانها والاستيلاء على خيراتها، وإنهاء وجودها التاريخي والحضاري.
لذلك فإن هذه الذكريات تمثل عامل جمع وتوحيد، وينبغي على الجزائريين أن يتخذوا منها وسيلة إلى بناء حاضر مشترك ينعمون فيه جميعا بالخير والرفاهية، ويأملون معا في مستقبل مشترك يجمعهم أيضا على الخير والسعادة.
ويعتبر ابن باديس أن الذكريات التي جمعت الجزائريين هي تلك المتصلة بالإسلام والعربية، فمنذ أن (1/18)
صفحة 19
دخل الإسلام هذه الأرض، ومنذ أن نطقت ألسنة البربر بالعربية، منذ ذلك الحين بدأ تشكل الكيان الجزائري الذي انتهى إلى ما هو عليه الآن.
ولا يعني هذا أن ابن باديس يقول بذوبان أمازيغية الشعب الجزائري ضمن العروبة، فهو "يؤكد أنه ليس هناك من ينكر أن الأمة الجزائرية "كانت أمازيغية من قديم عهدها"، وأن جميع الأمم التي اتصلت بها لم تستطع "أن تقلبها عن كيانها" ولم "تخرج بها عن أمازيغيتها أو تدمجها في عنصرها، بل كانت هي التي تبتلع الفاتحين فينقلبون إليها ويصبحون كسائر أبنائها".
فهو يقرر الأصل البربري الأمازيغي للجزائر، دون أن يحاول إنكاره أو تجاهله كما يفعل الآخرون، إلا أنه لا يلبث أن يقرر حقيقة أخرى لا يستطيع أن ينكرها أيضا، وهي أن الأمازيغ من أبناء الوطن الواحد دخلوا "في الإسلام وتعلموا لغة الإسلام العربية طائعين، فوجدوا أبواب التقدم في الحياة كلها مفتوحة في وجوههم، فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة، وقاسموهم في مجالس العلم وشاطروهم في سياسة الملك وقيادة الجيوش، وقاسموهم كل مرافق الحياة، فأقام الجميع صرح الحضارة الإسلامية". وهكذا أصبحوا شعبا واحدا "متحدا غاية الاتحاد، ممتزجا غاية الامتزاج، وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد واتحد اللسان".
وهكذا يحلل ابن باديس التفاعل الذي تحقق من امتزاج العرب والبربر في ظل الإسلام، ويؤكد بصريح العبارة مساهمة الأمازيغ إلى جنب العرب في بناء صرح الحضارة الإسلامية، فاستحقوا بنوتها على قدم المساواة دون تفرقة أو تمييز" (23) ..
إن هذه الجوانب الإيجابية في الماضي، والتي تجمع الجزائريين جميعا، بل وتمثل مناط فخرهم وعزتهم، هي التي يدعو ابن باديس إلى التمسك بها وذكرها وتربية الأبناء عليها، حتى تتوطد أركان الوحدة بين الجزائريين ويكونوا يدا واحدة في بناء وطنهم ومواجهة أعدائهم.
أما تلك الدعوات المشبوهة التي كانت في زمن ابن باديس ولا زال صوتها يعلو إلى اليوم، والتي تعمل على بث أسباب الفرقة والشقاق بين العرب والبربر، من خلال اعتبار العرب غزاة محتلين، والأمازيغ مضطَهَدين مقهورين، فهي دعوات لا هدف لها في الحقيقة إلا الدعوة إلى رفض ما جاء به العرب معهم ألا وهو الإسلام الذي يدين به كافة أفراد المجتمع الجزائري على تنوع أعراقهم واختلاف أجناسهم، واللغة العربية التي هي اللسان الجامع بينهم ..
هـ ـ وحدة المصير:
وكما أن الجزائريين ينتمون إلى موطن واحد، هم مطالبون بالمحافظة عليه وحمايته من كل دخيل، وكما يجمعهم أيضا تاريخ واحد ينبغي عليهم تذكره واستحضاره، فهم كذلك يشتركون في وحدة المصير الذي يجمعهم، فما يصيب شبرا من أرض الجزائر يلتزم كافة الجزائريين بالدفاع عنه، لأن كل واحد منهم يعتبر مسؤولا عنه إلى جانب غيره من بقية الجزائريين .. وما يصيب فريقا من (1/19)
صفحة 20
الجزائريين، يكون بقيتهم مطالبين بالشعور بالألم لألمه، وبواجب النهوض لحمايته ونصرته .. فمصير الجزائريين جميعا واحد، وما قد يتهدد طرفا من بلادهم أو أبناء جهة من جهات وطنهم، هو بالضرورة يتهدد بقية الأطراف وسائر أبناء الجهات الجزائرية الأخرى.
فوحدة المصير بين الجزائريين توجب عليهم أن يوجهوا جهودهم إلى إعداد العدة اللازمة للدفاع عن دينهم ولغتهم ووطنهم، لحماية كل ذلك من أي عدو محتمل. وذلك لا يتأتى إلا بوحدتهم التي هي السد المنيع والحصن الحصين في وجه كل الأطماع التي تستهدف إضعاف الصف الوطني وإثارة الفتن والخصومات بين أبناء الوطن.
وإننا لنفهم هذا من كلام ابن باديس في كلمته إلى أعضاء لجنة المؤتمر الإسلامي، حيث قال:
"لا أعرف من معنى المؤتمر الإسلامي الجزائري، إلا أنه اتحاد جميع العناصر الجزائرية للمطالبة بالحقوق الواجبة لها على فرنسا ... والمحافظة على المقومات اللازمة لها كأمة عربية مسلمة. وعلى هذه العقيدة دعوت للمؤتمر، وعليها عملت فيه، وعليها سأبقى عاملا فيه" (24).
فلا يهم أن يختلف الجزائريون فيما بينهم حول بعض القضايا المتعلقة بشؤونهم الخاصة، لكن المهم والأهم أن يكونوا يدا واحدة إذا تعلق الأمر بحقوقهم وحقوق دينهم ولغتهم ووطنهم، إذا ما تعرض شيء من ذلك للخطر والعدوان .. والخطر كل الخطر يكمن في الاشتغال بالصراع حول المسائل الجزئية البسيطة، والغفلة عن القضايا المصيرية المشتركة التي هي فعلا أسباب الأخوة والاتحاد والتعاون بين الجزائريين.
4 ـ جهود ابن باديس في سبيل المحافظة على الوحدة الوطنية:
إذا كان اهتمام ابن باديس بالوحدة الوطنية إنما يندرج ضمن اهتماماته الإصلاحية الكبرى، فإن جهوده في مجال حماية الوحدة الوطنية، تندرج هي الأخرى ضمن جهوده لتحقيق هدفه الأكبر، فكل جهد قدمه الرجل في إطار عمله الإصلاحي هو بالضرورة جهد لحماية الوحدة الوطنية والمحافظة عليها، والعكس صحيح. لكن إذا أردنا أن نخصص، فيمكن أن نشير إلى بعض المجالات التي انصبت فيها جهود الشيخ حول الحفاظ على الوحدة الوطنية خاصة، ومنها:
أ ـ الوقوف في وجه المحاولات الاستعمارية الهادفة إلى زعزعة الوحدة الوطنية:
كثيرا ما حاول الاستعمار الفرنسي ـ ولا يزال ـ زرع بذور الخلاف والشقاق بين العناصر المختلفة المكونة للشعب الجزائري، فقد قسم هذا الشعب في البدء إلى قسمين: عربا وبربرا، وأجرى الدراسات "الفيزيولوجية" على البربر، وادعى بأنهم يشبهون في تكوينهم شعوب الغاليين، أسلاف الفرنسيين، وحاول إعادتهم إلى "أصلهم التاريخي" في زعمه، عن طريق فصل مناطقهم عن المناطق الجزائرية الأخرى، بسلسلة من الأنظمة والقوانين، وشجع عمليات فرنستهم وتنصيرهم، ولكنه فشل في محاولته، كما فشل أيضا في إذكاء التقسيمات العشائرية بين البربر أنفسهم، وذلك (1/20)
صفحة 21
عندما وضع نظاما خاصا لكل وحدة عشائرية أو كل طائفة مذهبية من الوحدات العشائرية البربرية المعروفة في الجزائر، وهي: القبائل، الشاوية، الطوارق، والميزاب (25).
وقد تصدى ابن باديس لهذه المحاولات، وأكد على ضرورة تمسك الشعب بعروبته وإسلاميته، فذلك كفيل بإفشال هذه المحاولات وردها في نحور أصحابها. لذلك سعى ـ رحمه الله ـ إلى توحيد الشعب الجزائري كله وراء هدف واضح ومحدد، على أساس من رابطة الدين والعروبة. وقد تمكن الإمام أن يوحد صفوف الشعب ويكتل قواه الحية من أجل المحافظة على وحدته الوطنية من ناحية، وإفساد أهداف الاستعمار في بذر بذور الخلاف والشقاق بين الجزائريين من ناحية أخرى، وقد حقق هذا الهدف عن طريق التربية الإسلامية التي نشرها في طول الجزائر وعرضها، وهي التربية التي ظلت فرنسا تحاربها باعتبارها تمثل الخطر الأكبر على مستقبلها في الجزائر (26).
وكما وقف ابن باديس في وجه محاولات الاستعمار لهدم الوحدة الوطنية، فقد وقف كذلك سدا منيعا أمام بعض أذناب الاستعمار الذين حاولوا بث التفرقة بين الجزائريين عن طريق إثارة النعرات العرقية، فكتب يوما منددا بأحد دعاة التفرقة، ومدافعا عن وحدة الشعب، قائلا: "إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا أمه الجزائر وأبوه الإسلام، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم .. فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم؟ لولا الظنون الكواذب، والأماني الخوادع، ياعجبا لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي، كلا والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم" (27).
فالذي يجمع الجزائريين أكثر مما يفرقهم .. إن الذي يجمعهم هو مقومات ومميزات جنسيتهم ووطنيتهم التي لا يستطيع أحد محوها أو التأثير عليها. وفي هذا يقول:
"نحن الأمة الجزائرية لنا جميع المقومات والمميزات لجنسيتنا القومية، وقد دلت تجارب الزمان والأحوال على أننا أشد الناس محافظة على هذه الجنسية القومية، وأننا ما زدنا على الزمان إلا قوة فيها وتشبثا بأهدابها، وأنه من المستحيل إضعافنا فيها، فضلا عن إدماجنا أو محونا" (28).
ب ـ العمل على توحيد الشعائر الدينية:
لا يكتفي ابن باديس بهذا التأكيد على وحدة الشعب الجزائري ومواجهة المتنكرين لها، بل يعمل أيضا على تحقيق الوحدة الدينية بينهم من خلال توحيد الشعائر الدينية، وخاصة منها فريضة الصيام، وذلك من خلال استنكار مظاهر التفرقة التي كانت تظهر مع إقبال شهر رمضان من كل (1/21)
صفحة 22
عام. وقد كتب يوما يخاطب المسلمين الجزائريين بعد أن استفحل بينهم الخلاف في شأن رؤية هلال رمضان، حيث كان بعضهم يصبح صائما والبعض الآخر يصبح مفطرا، سواء في أول شهر رمضان أو في آخره، مما جر إلى إثارة بعض النزاعات بين المسلمين في هذا الشأن، وكان مما قاله رحمه الله:
"إن الخلاف كله شر، وشره ما كان في الدين، وأشنع أنواعه وآلمها لكل ذي غيرة على دينه ما يقع كل عام بهذه الديار من اختلافكم في الصوم والإفطار ...
إن مسألة الصوم والإفطار خرجت عندنا من باب الاعتبار الديني إلى باب التعصب الشخصي أو الحزبي، ومن آيات ذلك أن أصبحنا نرى في هذه الأمة من يصوم لأن فلانا مفطر، ومن يفطر لأن فلانا صائم. ومن القبيح الشنيع أن نجعل الدين ـ الذي هو مناط وحدتنا ومعقد ارتباطنا ـ موضوع اختلافنا ودائرة تفرقنا وسبب تفكك رابطتنا ...
أيحسن في الشرع أو يجمل في الذوق أن يكون في القبيلة الواحدة مفطر وصائم، ثم لا يكفي ذلك حتى يكون في البيت الواحد مفطر وصائم.
أيحسن في الشرع أو يجمل في الذوق أن تكون في البلدة الواحدة أسرة مبتهجة بالعيد، بطالعه السعيد، كبارها يتقبلون التهاني والتبريكات، وصغارها يتقلبون في صنوف الأفراح والمسرات، بينما جار الجنب صائم ممسك وأولاده يتحرقون حسرة ويتميزون غيظا وإن كانوا لا يدرون على من؟ ولو كان الفرق يوما واحدا لهان الأمر، ولكنه اليومان والثلاثة. فلا عجب إذا كان هذا الحال من أسباب الضغائن والحقود تحملها القبيلة للقبيلة والأسرة للأسرة ثم يحملها الأولاد للأولاد" (29).
وكما عمل ابن باديس على توحيد الشعائر الدينية المتفق عليها بين المسلمين، عمل كذلك على أن يحترم المسلمون بعضهم بعضا في الشعائر البسيطة المختلف في بعض كيفياتها، من ذلك ما قام به من جهد لحسم الصراع الذي قام بين الإباضية والمالكية في شأن الأذان بمسجدي غرداية، حيث قام الإباضية بمنع المالكية من إقامة الأذان للصلاة في هذين المسجدين. وقد حاول ابن باديس أن يجد طريقة يجمع بها الفريقين ويجعل كلا منهما يتنازل للآخر عن بعض ما يراه حقا له، ما دامت القضية موضع خلاف وليست أمرا مقطوعا به في الدين، حفاظا على وحدتهم ومنعا لأسباب النزاع أن تشتت قوتهم.
ومما كتبه ابن باديس تعليقا على هده الحادثة، ومحاولة لإصلاح ما خلفته من آثار، قوله:
" ... برأنا الإباضية من تعصبهم على المالكية لأنهم مالكية، ولكننا من ناحية أخرى نرى أنه حق عليهم أن يرجعوا في هذه المسألة عن رأيهم، ويسمحوا لإخوانهم المالكية بالأذان.
أولا: إصلاحا لذات البين بين المسلمين، وهي في الإسلام من أول ما تجب وتتأكد المحافظة عليه والقيام به.
ثانيا: حفظا للوحدة الإسلامية بحفظ القلوب غير متصدعة بداء الفرقة القتال المعدود في الإسلام (1/22)
صفحة 23
من أكبر المحرمات المهلكات.
ثالثا: مجاملة لبقية إخوانهم المالكية بالقطر، الذين تربطهم بهم رابطة الدين والوطن والمصلحة (30) ".
ج ـ العمل الشخصي في فك الخصومات وفض النزاعات:
حيث كان لا يفتأ يسعى إلى كل شقاق يبلغ خبره إليه، فيعمل على إنهاء أسبابه ومحاولة إقامة الصلح بين أطرافه، درءا للفتنة ودفعا لكل أسباب الشقاق، ومحاولة لتوجيه جهود الأمة كلها إلى مواجهة المعضلة الكبرى التي كان يعاني منها المجتمع الجزائري، ألا وهي معضلة الجهل والاستذلال. ولابن باديس في هذا الإطار مواقفه الكثيرة، ومنها موقفه المشهور في إخماد نار الفتنة بين اليهود والمسلمين في قسنطينة.
فقد "شهدت مدينة قسنطينة في صيف 1934م، حوادث دامية بين اليهود والمسلمين، بسبب انتهاك أحد اليهود وهو "الياهو خليفي" حرمة المسجد واعتدائه على المصلين بالسب والشتم، وتوجيه الكلام البذيء إليهم وإلى نبيهم ودينهم، فتحكم المسلمون في أعصابهم في البداية ولم يجاروه، ولكنه تمادى في غيه، واستمر يسب ويشتم ويفحش في القول، عند ذلك لجأ المسلمون إلى الشرطة وطالبوها بمعاقبته وتقديمه للمحاكمة، ولكن اليهود جيرانه تضامنوا معه، وامتنعوا عن تسليمه للشرطة، فزاده ذلك تعنتا وتجبرا، وانضم إليه جيرانه اليهود وأعلنوها هجمة شرسة على المسلمين، وراحوا يطلقون الرصاص على المتجمهرين والمارين، وكادت الفتنة تعم المدينة كلها لولا تدخل ابن باديس وبعض الأعيان الذين حرصوا على تهدئة الوضع .. وكان لابن باديس دور كبير في تهدئة الجموع الهائجة وإخماد نار الفتنة، وسجل في ذلك مواقف إنسانية شجاعة، إذ استطاع أن يجمع المسلمين ويقنعهم بتحكيم العقل، وعدم مسايرة الاستفزازات اليهودية ... " (31).
دـ الترفع عن مجاراة الخصوم فيما يبثونه من أسباب الفرقة والشقاق:
فابن باديس باعتباره رئيسا لجمعية العلماء، كان يدرك جيدا خطورة السير في خط الصراع والنزاع مع بقية التنظيمات الحزبية التي كانت موجودة في ذلك الحين، وهو يعلم مدى حرص الحكومة الاستعمارية الفرنسية على تأجيج مثل هذه الصراعات، لما فيها من هدم لأسباب الوحدة والتعاون بين التنظيمات الوطنية الجزائرية واستمرار للسيطرة الفرنسية على الوضع.
لذلك عمل ما وسعه الجهد أن يجنب جمعيته الوقوع في صراعات مع بقية التنظيمات الجزائرية الأخرى، بل عمل من جهته على التعاون معها وإشعارها بأنه وجمعيته يقاسمانها التفكير في تحرير الوطن وتخليصه من الاستعمار، شعاره في ذلك: "لنعمل معا فيما اتفقنا فيه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه". (1/23)
صفحة 24
ورغم محاولات الاستفزاز التي شنتها بعض التنظيمات الحزبية الوطنية تجاه الشيخ وجمعيته، إلا أنه أعلن صراحة أنه لا ولن يجاريها في تلك الاستفزازات ولن يسخر جهده ولا جهد جمعيته لمواجهتها والدخول في صراعات معها.
وقد صرح ابن باديس يوما بموقف جمعيته من بقية التنظميات، فقال:
"أما موقف الجمعية مع خصومها، فإنها تعلم أن الأمة اليوم تجتاز طورا من أشق أطوارها وأخطرها، فهي تتناسى كل خصومة، ولا تنبذ إلا أولئك الرؤوس، رؤوس الباطل والضلال الذين لا تجدهم الأمة في أيام محنتها إلا بلاء عليها ... ولا يتحركون إلا إذا حُرِّكوا لغايات عكس غاياتها" (32).
فابن باديس كان يدعو غيره من زعماء التنظيمات الوطنية إلى ترك أسباب الاختلاف التي يمكن أن تفرقهم، وإلى توحيد الوجهة بتنظيم الجبهة الوطنية ضمن نقطة الالتقاء المشتركة وهي العمل ضد الاستعمار (33).
تلك ـ إذن ـ بعض جهود ابن باديس رحمه الله في حماية الوحدة الوطنية والذود عن حياضها، وترسيخ مقوماتها .. ولقد آتت تلك الجهود أكلها وأثمرت الخير الكثير، إن على صعيد الوحدة الوطنية أو على سائر الأصعدة الأخرى التي ناضل فيها ابن باديس وعمل من خلالها على انتشال المجتمع الجزائري من وهدة الجهل والتخلف والاستغلال .. والحق أنه ما كان لرجل مثل ابن باديس، في ضعف بنيته وقلة حيلته، أن يحقق تلك المنجزات الضخمة لولا إيمانه العميق بالله عز وجل، وإيمانه بتناغم الشعب الجزائري مع دعوته وحركته الإصلاحية، ذلك "الإيمان هو الذي ساعده على النجاح، حتى استطاع أن يهزم خصوم القضية الوطنية وخصوم اللغة العربية، وخصوم الإسلام في الجزائر، ويزيحهم جميعا واحدا بعد آخر، وبذلك خرجت الشخصية الجزائرية، بكل مقوماتها الدينية واللغوية والوطنية، ظافرة منتصرة على أعدائها، وسارت الجزائر نحو تحقيق هدفها الكبير في الحرية والاستقلال" (34).
إن هذا الإيمان هو ما نحتاجه اليوم، ونحن نعمل على الحفاظ على مقومات وحدتنا الوطنية وعناصر شخصيتنا الحضارية، وهذا الإيمان لن يتحقق في نفوسنا ولن نرى آثاره في حياتنا إلا إذا وقر في نفوسنا حبا لوطننا وشعورا بانتمائنا التاريخي والحضاري الذي ينبغي أن نفخر به ونعتز، لا أن نشعر بالدون والنقص .. حبا يدفعنا إلى مزيد من العطاء والعمل كل في موقعه ومن خلال إمكاناته على أن نعود بقاطرة وطننا إلى السكة الصحيحة .. فلنأخذ من ابن باديس ذلك الإيمان وما اقترن به من حب وإخلاص لله والوطن، وإن لم نستطع، أو لم يستطع بعضنا، فعلى الأقل لا نعمل على تخريب هذا الوطن وهدم كيانه وإلغاء مقوماته، كما هو ديدن الكثيرين اليوم ممن مسخت شخصياتهم وأفكارهم وفقدوا قيمهم وأخلاقهم، ولم يعد لهم من ذلك كله إلا الاسم والتواجد الجغرافي ..
رحم الله ابن باديس، وأعلى قدره في الخالدين، ووفقنا إلى تقفي آثاره والسير على منهجه، الذي (1/24)
صفحة 25
هو منهج الأنبياء المكرمين والعلماء العاملين.
-------------------------------
الهوامش
1 ـ أثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج: 4، ص: 148.
2 ـ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: الأمة الربانية الواحدة. مجلة الرسالة، وزارة الشؤون الدينية - الجزائر، العدد: 13/ 14، ذو الحجة 1408 هـ، محرم - صفر - ربيع الأول 1409 هـ، ص: 80.
3 ـ رواه مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير، كتاب البر والصلة والآداب، رقم: 4685.
4 ـ مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص:155 ـ 151، بتصرف.
5 ـ آثار ابن باديس، ج: 6، ص: 80 ـ 81.
6 ـ مجالس التذكير من حديث البشير النذير، ص: 102.
7 ـ آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج: 4، ص. 43.
8 ـ المنتقد، ع:1، ذي القعدة، 1343 هـ ـ جويلية، 1925م.
9 ـ الشهاب، ج: 12، م: 12، ذي الحجة، 1355 هـ، فيفري 1937م.
10 ـ محمد الصالح رمضان وعبد القادر فضيل: إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، ط:1، دار الأمة ـ الجزائر، 1998م، ص: 55.
11 ـ إبراهيم مزهودي، في مجلة الأصالة، س: 1، ع: 1، محرم 1391 هـ، مارس 1971م، ص: 99.
12 ـ آثار ابن باديس، ج: 5، ص: 333 - 334.
13 ـ الصراط السوي، السنة الأولى، العدد 15، قسنطينة، رمضان 1352 هـ، ديسمبر 1933م.
14ـ آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج:4، ص: 147 - 148.
15ـ محمد الصالح رمضان وعبد القادر فضيل: إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، ص: 75.
16 ـ المرجع نفسه.
17 ـ لم أقف على تخريجه، والعهدة فيه على من أورده، ونحيل إليه هنا.
18ـ محمد الطاهر فضلاء: قال الشيخ الرئيس، ص: 201.
19ـ محمد الصالح الصديق: خاتمة الجزء السادس من آثار ابن باديس، ص:380. وقد نقله عن: أوراق للشيخ علي مرحوم سجل فيها انطباعاته عن شيخه الإمام.
20ـ الشهاب، ج:10، م:5، جمادى الثانية 1348 هـ ـ نوفمبر 1929م. (1/25)
صفحة 26
21ـ آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4، ص: 112
22 ـ آثار ابن باديس، ج:6، ص: 203 - 204.
23 ـ محمد الميلي: ابن باديس وعروبة الجزائر، ص: 47ـ 48.
24 ـ آثار ابن باديس، ج:6، ص:186.
25ـ د/ تركي رابح: الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص: 269.
26 ـ المرجع نفسه، ص: 270.
27 ـ آثار ابن باديس، ج:5، ص: 459.
28 ـ آثار ابن باديس، ج:5، ص: 325 - 326.
29 ـ آثار ابن باديس، ج:6، ص: 68 - 69.
30 ـ آثار ابن باديس، ج: 5، ص:453.
31 ـ د/ عبد القادر فضيل، أ/ محمد الصالح رمضان: إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، ص: 141 - 142.
32 ـ آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4، ص: 207.
33 ـ محمد الميلي: ابن باديس وعروبة الجزائر، ص:65 ـ 66.
34 ـ د/ تركي رابح: ابن باديس ونشأة الحركة الإصلاحية في الجزائر. مجلة الأصالة، س:4، ع: 24، ربيع الأول ـ ربيع الثاني 1935 هـ، مارس - أبريل 1975م، ص: 39. (1/26)
صفحة 27
الاعتكاف: العبادة المهجورة
بقلم الدكتور: محمد بن موسى باباعمي
مكتب الدراسات، الجزائر
الإشكال:
عقدت في شهر رمضان جولة مع صديقين في كثير من مساجد ميزاب، بحيث آلينا على أنفسنا أن لا نصلي صلاتين في مسجد واحد، وكان الهدف هو تحليل نوع الدروس، ووجهتها، ومواضيعها، وجوانب القوة فيها، ومواطن الضعف التي تسجل عليها. فكانت بحقٍّ رحلة علمية عملية، انتهت بتقرير مكتوب، أودعته مكتبتي، واستفدت منه في رؤتي ومستقبلي ...
وبغض النظر عن الإيجابيات، وهي كثيرة لا تحصى، سجلتُ جلة من السلبيات، منها: قلَّة الدروس في الفقه والعقيدة، بل الغالب على الدروس التي حضرناها هو الطرح الاجتماعي، والمواضيع
الاجتماعية المتكررة، إلا ما نذر.
ثم بعد سنوات، لاحظت من جملة ما لاحظت أنَّ ثمَّة غيابا لعبادة عظيمة من واقع الأمَّة، وإتيان بعض الناس لها بأسماء أخرى، وأحكام مختلفة، وكأنها ليست في فقهنا، ولا اصل لها في ديننا. وبهذا ضيعنا خيرا كثير اجراء جهلنا بها. ذلك أنَّنا في حاجة ماسة اليوم إلى تزكية النفس بعلم، وليس بناء على عواطف أو حركات وانتماءات لا أساس لها من الدين الصحيح. إنها عبادة الاعتكاف.
ولكون هذه العبادة مرتبطة بالصوم في القرآن الكريم {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (سورة البقرة: 187). وفي الحكم، والتبويب الفقهي، والمناسبة الزمنية ... ونحن في شهر الصيام. ولأنها كذبلك وردت بأبوابها في جميع كتب الفقه الإباضية وغير الإباضية.
هدفي من هذا المقال:
- عمليٌّ محض، فكلُّ رجائي أن نحيي مع بعضٍ هذه السنَّة، وأن نطبِّقها سواء في مساجدنا، أو في المسجد الحرام للمعتمرين.
- بودِّي لو ينظَّم في بعض مساجدنا اعتكاف في رمضان، حسبما تراه إدارة هذه المساجد، وبخاصة في أيام عطلة نهاية الأسبوع؛ فيكون لها الفضل إن شاء في إحياء سنَّة؛ وقد أخرج مسلم من حديث جرير عن عبد الله البجلي، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة». وفي حديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا الى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يُنقص ذلك من أجورهم شيئا».
تعريف الاعتكاف:
- الاعتكاف لغة: الافتعال, من عكف على الشيء عكوفا وعكفا. إذا لازمه وواظب عليه, وعكفت الشيء: حبسته. ومنه قوله تعالى: {هُمُ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا اَنْ يَّبْلُغَ مَحِلَّهُ} (سورة الفتح: الآية 25). وعكفته عن حاجته، منعته. والاعتكاف: حبس النفس عن التصرفات العادية.
- وشرعا: اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية، وقال القطب اطفيش في شرح النيل: «اللبث في المسجد للعبادة، معزوما على دوامه يوما وليلة، أو يوما وبعض الليل, مما يلي آخره فأكثر». وأقله ساعة دخولك المسجد، ذلك أنَّه حبس لحركتك العقلية والدنيوية في بيت من بيوت الله لحيِّز زمنيٍّ معلوم. قال صحابي: «كنَّا نخلِّف أمر الدنيا مع نعالنا»، فأضاف آخر: «وأقدارنا». وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضاَّلته في المسجد فقال له: «لا ردَّ الله لك ضالَّتك». (1/27)
صفحة 28
دليل مشروعية الاعتكاف:
من القرآن الكريم، ومن السنَّة الشريفة، ومن إجماع الأمَّة.
- ففي القرآن الكريم: قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (سورة البقرة: الآية 125). وقد ورد في معنى العاكفين عدَّة تأويلات، ولكن أولاها «بالصواب ما قاله عطاء، وهو أنَّ العاكف في هذا الموضع المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة؛ لأنَّ صفة العكوف ما وصفنا من الإقامة بالمكان» (1).
ففي الآية ملاحظ:
أوَّلا- أنَّ إبراهيم طهَّر البيت لثلاثة أصناف هم: الطائفون، والعاكفون، والمصلُّون ... فنحن في حجِّنا واعتمارنا غالبا ما نقوم باثنين، وتنقصنا ثالثة، ففاتنا بذلك فضلها.
ثانيا- أنَّ الاعتكاف قديم، وهو من عهد إبراهيم عليه السلام، فليس خاصًّا بأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم.
ثالثا- أنَّ في الربط بين اتخاذ "مقام إبراهيم" مصلى، وتطهير البيت نكتة أبدع فيها الشيخ الشعراوي وهي: أنَّ المقام حجر يقف عليه إبراهيم (وشكل القدم ليس معجزة كما يظنُّ الكثير، بل هو شكل مرسوم على الحجر لئلاَّ يزلق، وتحايل بذلك إبراهيم على رفع الحجر، وعلى إنجاز التكليف بإبداع واجتهاد، ومن هنا وجب علينا أن لا نأتي مجرَّد مقتضى التكليف وكفى، بل نجتهد في الإحسان والزيادة، ونستعمل عقولنا وجوارحنا .. وكلَّ ما نملك في هذه الخدمة ... والاعتكاف المذكور نوع من هذا الإبداع ...
- وقال تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (سورة البقرة: 187).
- وفي الحديث عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر». متفق عليه. و «روي أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتكف في سنة في رمضان لأنه سافر، واعتكف من قابل في رمضان عشرين، كأنه استدرك عشرة العام الماضي، وذلك عام موته، عرض القرآن على جبريل عام موته مرتين، واعتكف عشرين، وقبل ذلك يعتكف عشرا، ويعرض مرَّة» (2).
- وقدثبت الاعتكاف كذلك بإجماع الأمة، بلا خلاف.
حكم الاعتكاف:
- الاعتكاف منه: المسنون-المندوب، ومنه الواجب (3).
- الاعتكاف المندوب: وهو أن ينوي الاعتكاف تطوعا لله تعالى. وأقله لحظة، أو ساعة، أو يوم، أو يوم وليلة حسب اختلاف الفقهاء. وهو سنة في كلِّ وقت, ويسن ألا ينقص عن يوم وليلة. قال (1/28)
صفحة 29
القطب: «سن الاعتكاف وندب في كل زمان. ولا سيما في العشر الأواخر من رمضان لموافقة ليلة القدر» (4).
- الواجب: لا يجب الاعتكاف إلاَّ بالنذر عند الجمهور منجزا أو معلقا, وبالشروع في الاعتكاف المسنون ذلك أنَّه «ما ألزم نفسه وعقد عليه لزمه» (5).
فضل الاعتكاف:
- من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان غفرت له ذنوبه (6).
- قال الحسن بن علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اعتكف عشرة في رمضان كمن حجَّ حجَّتين واعتمر عمرتين» (7). وبخاصة إذا كان ذلك في المسجد الحرام، ومعروف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه».
حكمة مشروعية الاعتكاف:
وحكمة مشروعية الاعتكاف التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات في العبادة, وحبس النفس عن شهوتها, وكف النفس عن الخوض فيما لا ينبغي.
ولا يخفى أنَّ الملائكة في البيت المعمور - وهو فوق الكعبة مباشرة - كما في حديث الإسراء، الذي رواه البخاري عن مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ... فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه، مرحبا به، ونعم المجيء جاء. فأتيت على إبراهيم فسلَّمت عليه، فقال: مرحبا بك من ابن ونبي. فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم».
لزوم الصوم في الاعتكاف:
قال صلى الله عليه وسلم: «لا اعتكاف إلاَّ بصوم» الراجح عند الإباضية «لزوم الصوم فيه, ... وجوز بدونه، أي بدون الصوم عند القليل منا، والحسن وعلي وابن مسعود والشافعي»، والصحيح لزوم الصوم «ثلاثة أيام، أو عشرة، أو يوم وليلة» (8). و «ومن اعتكف في أول رمضان أو وسطه أو آخره أجزاه صوم رمضان، ولا يجزي صوم كفارة ولا التطوع»
مكان الاعتكاف:
خلاف بين العلماء في كونه بمسجد يصلى فيه بجماعة، أو لا يكون إلا في الذي تصلى فيه الجمعة, وقيل: يجوز في كل مسجد, وقيل: في مسجد مكة ومسجد المدينة وبيت المقدس، إلاَّ أنَّ القطب اختار مسجدا تصلى فيه الخمس فقال: «والأولى أن يكون في مسجد تصلى فيه الخمس بالجماعة لئلا يخرج».
اعتكاف المرأة: (1/29)
صفحة 30
«واعتكاف المرأة ببيتها أفضل منه في المسجد ويجوز فيه؛ وصح لها بمسجد بستر مع زوج لها أو محرم ولو عبدا, قيل: أو مع امرأة أو طفل أو طفلة ومع أمينين, ومع من لا حاجة له بالنساء, وجوز وحدها».
الدخول في الاعتكاف:
يدخل في الاعتكاف بنية، لأنَّه عبادة، والعبادة لا تكون إلاَّ بالنية؛ وذلك قبل غروب الشمس، ومن اعتكف الأواخر من رمضان خرج من اعتكافه بعد صلاة العيد في مسجد اعتكافه.
ما ذا يفعل المعتكف:
ندب للمعتكف أن لا يكون إلاَّ ذاكرا أو قارئا أو مصليا أو نائما، ويجوز له نسخ العلم في الاعتكاف ودرسه وتعلمه (9) , «ويخرج لما لا بدَّ منه كسؤال عما لا بدَّ منه في الحال» (10) وله الخروج للجمعة بعد الزوال.
وجاز خروجه لما لا بد منه كحاجة الإنسان، وغسل نجس, وطعام لا غنى عنه وإن لعياله, وإتيان بيته لأكل أو شرب, أو اغتسال أو استنجاء أو وضوء. أو صلاة على ميت لزمه حضوره كأب. وأم وولد وأخ وزوجة وزوج «بلا وقوف لتعزية أو كلام في طريق, ولا للتحليق والقراءة».
ويكلم في طريقه، ويصافح ماشيا إن خرج في حاجة، ويرد السلام لا يبدأه. وله في المسجد أن يتحدث بما لا إثم فيه، لا بدنيوي ولا بتجارة (11).
بماذا يفسد الاعتكاف:
يفسد الاعتكاف بمباشرة الزوجات، لقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ولا تفسده القبلة واللمس ما لم يصل إلى الشهوة والإنزال. ويفسده الخروج من المسجد لغير حاجة، وفي الخروج للأكل خلاف، إلاَّ إذا لم لم يكن له بدٌّ فجائز بإجماع. وفي فساده بحضور جنازة أو عيادة مريض قولان. , وأجاز بعض قومنا الخروج لكل عبادة.
ماذا يلزم من أفسد اعتكافه:
لزم بجماع نهارا ما لزم المجامع في رمضان من الكفارة بالتخيير (العتق أو صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا)، والانهدام، وعصيان، ولا يكفر. وإن تعمد الأكل أو الشرب انهدم اعتكافه ... ولزمه القضاء.
خاتمة:
كلُّ أملي ورجائي أن يكون هذا المقال سببا لإحياء عبادة مشروعة في القرآن، دأب عليها خير الأنام، واتبعه في ذلك الصحابة الكرام، والأيمة الأعلام .. ثم غفلنا عنها برهة من الزمان، فها هو الوقت قد لإحيائها، فقها لا عادة، ولأن ينال مسجد من المساجد فضل السبق، ويكتب لنا جميعا أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ... والله ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير.
فاللهمَّ تقبل بنا، وارزقنا رضاك والجنَّة ... آمين. (1/30)
صفحة 31
الدكتور محمد بن موسى باباعمي
ـــــــــــــــــــــ
بعض المصادر:
القطب اطفيش: شرح النيل؛ ج3/ص439 - 447
القطب اطفيش: الذهب الخالص؛ ص258 - 262
شركة حرف للبرمجيات: جامع الفقه الإسلامي؛ قرص مدمج، 100 كتاب من الأمَّهات في الفقه.
الشعراوي: تفسير الشعراوي. قرص مدمج.
موسوعة الفقه وأصوله؛ قرص مدمج.
----------------------------
الهوامش
1 ـ الطبري؛ تفسير؛ ج6/ص291.
2 ـ الذهب الخاص؛ ص258.
3 ـ الموسوعة الفقهية؛ ج5/ص208.
4 ـ شرح النيل؛ ج3/ص439 - 447.
5 ـ شرح النيل؛ ج3/ص439 - 447.
6 ـ الذهب الخاص؛ ص258.
7 ـ الذهب الخاص؛ ص259.
8 ـ الذهب الخاص؛ ص258.
9 ـ شرح النيل؛ ج3/ص439 - 447.
10 ـ الذهب الخاص؛ ص259.
11 ـ الذهب الخاص؛ ص257. (1/31)
صفحة 32
بسم الله الرحمن الرحيم
القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة
- أ/ بوراس عيسى -
تمهيد:
إنَّ التشريع الإسلامي فيما وُضع له من ضبطٍ لحياة الإنسان يندرج ضمن التدبير الإلهي للكون الذي بمقتضاه يتحرَّك هذا الكون بكلِّ ما فيه، على أساس الحكمة والقصد في اتجاهٍ غائي هادف، وهو ما صوَّره قولُه تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} (الأنبياء 16).
إذا كانت الحكمة الإلهية تبدو في تدبير الكون عامَّة فيما ركِّب عليه من نظام وتناسق يدلان عن مقاصد بيِّنة في دفعه إلى تحقيق غايته، فإنَّها في التشريع الذي وضعه الله تعالى لضبط حياة الإنسان تبدو فيما ركِّب عليه ذلك التشريع من مقاصد تنتهي بالإنسان إلى أن يحقِّق ما خُلق لأجله من مُهمَّة عمارة الأرض والخلافة فيها.
وكما تبدو الحكمة الإلهية في كلِّ الكائنات بالنظر إلى ذاتها وبالنظر إلى حركتها ضمن الحركة الكونيَّة، فإنها أيضا تتحقَّق في كل تشريع من التشريعات الإلهية، فما من حكم من الأحكام الشرعية إلاَّ وهو مُنطوٍ على حكمة مُوصِلة إلى الغاية من الوجود الإنساني، مجموعُ تلك الحِكم هي المعبَّر عنها في الدراسات الفقهيَّة الأصولية بمقاصد الشريعة.
فالشريعة الإسلامية شريعة منزَّلة، ولكنَّها في جانبها الموحى تعطي من خلال الاجماع والاجتهاد استمرارًا للنص في الزمان والمكان.
ولأنها أُنزلت للبشرية، وتستمرُّ في حياتهم عبر القرون والأجيال فإنها تتضمَّن قواعد تعتبر منهجًا يرسم للمجتهد أُسُس الاستنباط ضمن المقاصد الكبرى للشريعة، ويحاوِل هذا البحث بيان علاقة القاعدة الشرعيَّة بمقاصد الشريعة، ولقد قسَّمت الموضوع إلى مبحثين أساسيين الأوَّل حول القواعد الشرعية في خمسة مطالب. أمَّا المبحث الثاني فكان بيان القاعدة الشرعية وعلاقتها بالمقاصد في أربعة مطالب، مع تخصيصي المطلب الرابع لقاعدة شرعية ومقصدها التشريعي نموذجًا.
فهذه خطَّتي للبحث عامة، فإن وفقت في تحليل هذا الموضوع وإظهاره جليا واضحا فمن الله سبحانه، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، ولله الحمد والمنة أوله وآخره.
المبحث الأول: القواعد الشرعية
المطلب الأول: التعريف بالقاعدة:
قال الكَفري: «يطلق الأصلُ على القاعدة المناسِبة المنطبقة على الجزئيات، فالقاعدة هي الأصل» (1).
جاء أنَّ القاعدة هي القانون، وقال صاحب دستور العلماء: «القانون في الاصطلاح هو القاعدة، قضيَّة كلية تعرف منها بالقوة القريبة من الفعل أحوال جزئيات موضوعها مثل: كل فاعل ومرفوع.
وفرَّق بعضهم بأنَّ القانون هو الأمر الكلِّي المنطبق على جميع الجزئيات التي سيتعرف أحكامها منه.
والقاعدة هي القضيَّة الكلية المذكورة» (2).
وجاء في دور الحكام: «القاعدة لغةً: أساسُ الشيء، وفي اصطلاح الفقهاء: هو الحكم الكلِّي أو (1/32)
صفحة 33
الأكثري الذي يُراد به معرفةُ حُكمِ الجزئيات» (3).
وجاء في حاشية الحمودي على الأشباه والنظائر: «القاعدة: حكمٌ أغلبي ينطبق على معظم جزئياته (4)، بمعنى أنَّ كلَّ قاعدة منها تندرج تحتها فروع كثيرة متناثرة، في مختلف أبواب الفقه، وهي تتميز بالإيجاز في العبارة، وصقل الصياغة والإستيعاب الواسع للفروع، وإن كانت لا تخلو كلُّ قاعدة من مستثنيات يقتضي الاستحسان تطبيقها على قواعد أخرى» (5).
المطلب الثاني: نشأة القواعد الأصولية:
إنَّ الترتيب المنطقي للأمور يقضي بأنَّ القواعد الأصولية سابقة في الوجود على الفقه، كما يسبق أساس البناء في وجود البناء نفسِه.
وإذا أمعنَّا النظر في ما دُوِّن من الفقه الإسلامي وأصوله .. وجدنا أنَّ الفقه مسبوقٌ بقواعد أصوليَّة كان يبني عليها الفقهاء من الصحابة - ومَن بعدهم - أحكامهم، ويلاحظونها عند الاستنباط وإن لم تكن هذه القواعد آنذاك مدوَّنة في كتُب.
ومن ذلك قول علي (: في عقوبة شارب الخمر: أنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فيجبُ أن يحدَّ حدَّ القذف.
يفهم من هذا الاستنباط النهج الأصولي .. وهو الحكم بالمآل أو الحكم بسدِّ الذرائع، وهي قاعدةٌ من قواعد الأصول.
وكذلك قول عبد الله بن مسعود: بأنَّ عدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجها بوضع الحمل، مستدلاًّ بالآية الكريمة: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (6). ويقول: أشهدُ أنَّ سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى. أي أن سورة البقرة التي جاءت فيها: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (7).
نلحظ في هذا القول منشأ قاعدةٍ أصولية: أنَّ "المتأخر ينسخُ المتقدِّم".
وكذلك الأمر عندما نرى حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بإبقاء أراضي سوادِ العراق في أيدي أصحابها، وجعل الجزية على رقابهم والخراج على أراضيهم، حيث قال: قد رأيتُ أن أحبس الأرضين بعلوجِها وأضع على أهلها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين المقاتلين والذرية ولمن يأتي بعدهم، أرأيتم هذه المدن العظام - الشام والجزيرة والكوفة ومصر - لابد لها من أن تُشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قُسِّمت الأرضون والعلوج.
في التعليل نلمح قاعدة أصولية وهي: "إناطة الحكم بالمصلحة" (8).
المطلب الثالث: نشأة القواعد الكليَّة:
إن القواعد الكلية شأنها شأن المصطلحات الفقهية لم تُوضع زمن الصحابة رضي الله عنهم، لعدم حاجتهم إلى ذلك، ولسلامة فِطَرِهم وقدرتهم على فهم المراد، ومعاني الكلمات، وبُعدَهم عن (1/33)
صفحة 34
التلاعب بالألفاظ، ولكون العلم في بَدءِ تكوُّنه.
والحلول التي كانت تصدر عنهم، كانت حلولاً جزئية غير مسبوقة بوضع المناهج، ولم تتَّصف اجتهاداتهم بصفة علمية من ذكر الأحكام بأدلتها، وإرجاع الجزئيات إلى الكليات، أي بصورة واضحة تُعرِب عمَّا يتبعونه من الأسلوب الاجتهادي.
إنَّما اصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية، ووُضِعت الاصطلاحات، واستُخرِجت القواعد ومناهج الاستنباط في القرن الثاني والثالث تقريبًا (9).
المطلب الرابع: استنباط القواعد:
لمَّا كان أساس الأحكام الأول هو كتاب الله وما جاء مبيِّنًا له ومتمِّما من سنَّة رسول الله (؛ فقد راعى الشارع في تشريعه إعطاء النظير حكم نظيره، كما لاحظ نتائج الأفعال، وما يترتَّب عليها من منافع ومضار، وأدار الأحكام عليها، فأباح أو أقر بكلِّ ما يترتَّب عليه منفعة راجحة ومنع كلَّ ما يترتب عليه مضرة كبيرة، قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (10). والمجتهد الذي يستنبط الأحكام لا يستطيع الوصول إلى ما يريد بمجرَّد النظر في تلك النصوص الجزئية، بل لابدَّ له من ضوابط يضبط بها اجتهاده، فهو ينظر أوَّلا في تلك الأساليب ويستقرئُ مواضعها في كتاب الله وسنَّة رسوله مستعينًا في ذلك بما نُقل عن العرب، فيخرج من هذا الاستقراء بقواعد كليَّة ويجعلها أساسًا لتطبيق جزئياتها.
فمثلا إذا نظر في الأمر، وتتبَّع صيغه وموارده في الكتاب والسنَّة، وعرف ما تدلُّ عليه تلك الصيغة حال تجرُّدها من القرائن الصارفة له من الحقيقة إلى المجاز، وما تدلُّ عليه مستهديًا في ذلك بما فهمه فقهاء الصحابة منها بعربيتهم الخالصة، ووقوفهم على سرِّ التشريع، خلص من ذلك إلى أنَّها تدلُّ على إطلاقها على الوجوب، قرر قاعدة عامة تقول: "الأمر المطلقُ يُفيد الوجوب"، وكذلك في النهي؛ إذا انتهى المجتهد من استقرائه إلى أنَّه يدل على التحريم عند تجرُّده من القرائن، قرر قاعدة أخرى تقول: "النهي المطلق يفيد التحريم".
وكذلك إذا استعرض صيغ العموم وما تدلُّ عليه في موادها انتهى إلى وضع قاعدة: "العام الذي لا يلحقه التخصيص يتناول جميع أفراده قطعًا".
المطلب الخامس:
الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية:
1/ القواعد الأصولية: هي الأسس والخطط والمناهج التي وضعها المجتهد نصب عينيه عند البدء والشروع في الاستنباط.
وبمعنى آخر: هي القانون الذي يلتزمه الفقيه ليعتصم به من الخطأ في الاستنباط. (1/34)
صفحة 35
2/ القواعد الفقهية: فهي مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياسٍ واحد يجمعُها، وإلى ضابطٍ فقهي يربطها كقواعد الملكية في الشريعة، وكقواعد الضمان، وكقواعد الخيارات، وكقواعد النسخ بوجه عام، فهي ثمرةٌ للأحكام الفقهية الجزائية المتفرِّقة.
يجتهد فقيه مستوعبٌ للمسائل فيربط بين هذه الجزئيات المتفرِّقة برباط هو القاعدة التي يحكمُها أو النظرية التي يجمعها، كما ترى في قواعد الأحكام، لعز الدين بن عبد السلام، وفي الفروق للقرافي ..
فالقواعد الفقهيَّة، دراستها من قبيل دراسة الفقه، لأنَّها مبنية على الجمع بين المسائل المتشابهة من الأحكام الفقهية.
فأصول الفقه يبني عليه استنباط الفروع الفقهية، حتى إذا تكونت المجموعات الفقهية المختلفة أمكن الربط بين فروعها وجمع اشتاتها في قواعد عامَّة لهذه الأشتات، وتلك النظريات الفقهية (11).
إنَّ لاستنباط الأحكام الشرعية ركنين:
1/ علم لسان العرب.
2/ علم أسرار الشريعة ومقاصدها.
أمَّا الركن الأول: فقد كان وصفًا غريزيا في الصحابة والتابعين من العرب الخلَّص، فلم يكن في حاجة لقواعد ضبطه لهم، كما أنَّهم كسبوا الاتصاف بالركن الثاني من طول صحبتهم لرسول الله (ومعرفتهم الأسباب التي ترتَّب عليها التشريع، حيث كان ينزل القرآن وترِدُ السنَّة نجومًا بحسب الوقائع مع صفاء الخاطر، فأدركوا المصالح، وعرفوا المقاصد التي راعاها الشارع في التشريع، وأمَّا ما جاء بعدهم ممن لم يحرز هذين الوصفين فلابد له من قواعد تضبط له طريقة استعمال العرب في لسانها (12)، وأخرى تضبط له مقاصد الشارع في تشريعه للأحكام.
وقد انتصب لتدوين هذه الأحكام جملة من الأئمَّة، بين مُقلٍّ ومُكثِر، وسمَّوها بأصول الفقه.
أمَّا القسم الأوَّل: وهو الحذق في اللغة العربية، فقد نال حظًا وافرًا من البحث في أصول الفقه، في مباحث الكتاب والسنَّة، بينما لم ينل الركن الآخر اهتمامًا مماثلاً، فلم يتكلَّموا على مقاصد الشرع اللهم إلاَّ إشارات وردت في باب القياس، عند تقسيم العلَّة بحسب مقاصد الشارع، وبحسب الإفضاء إليها، وبقي الأمر في ذلك تقريبًا حتى قيَّض الله تعالى: أبا إسحاق الشاطبي - في القرن الثامن الهجري - فتدارك هذا النقص في كتابه الشهير: الموافقات.
حلَّل فيه المقاصد إلى أربعة أنواع، ثم أخذ يفصل في كل نوع منها، في اثنتين وستين مسألة، وتسعة وأربعين فصلاً (13).
قال القرافي: «إن الشريعة المحمَّدية اشتملت على أصول وفروع».
وأصولها قسمان:
1/ المسمَّى بأصول الفقه: وهو في غالب أمره ليس فيه إلاَّ قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ (1/35)
صفحة 36
العربية خاصَّة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحوه.
2/ قواعد كلية فقهية جليلة: مشتملة على أسرار الشرع وحكمه ولكلِّ قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، وقال في أهمية القواعد الفقهية والتي من أجلها صنف كتابه قائلا: «ومن ضبط الفقه بقواعد استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات» (14).
المبحث الثاني: علم أصول ومقاصد الشريعة
إنَّ معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة التشريع ومقاصده، ولئن قيل لماذا؟ فالجواب: لأنَّ مسائل أصول الفقه إنَّما تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع - كتابا أو سنَّة - وذلك بواسطة قواعد معيَّنة تمكِّن المتضلِّع فيها من تأييد فروعٍ انتزعها الفقهاء قبل ابتكار علم الأصول.
وبيانه: أنَّ مسائل الأصول تؤول إلى مباحث دلالات الألفاظ وفروقها من عموم وإطلاق ونص وظهور حقيقة، وأضداد ذلك.
وكمسائل تعارض الأدلَّة من تخصيص وتقييد وتأويل ونحو ذلك، وكلُّ هذه المباحث بمعزل عن بيان حكمة الشريعة ومقاصدها العامَّة الخاصَّة في أحكامها (15).
فالأصوليون: قصروا أبحاثهم على ألفاظ الشريعة وعلى المعاني التي عليها الألفاظ، وهي علل الأحكام القياسية أنبتت.
وإذا أردنا أن ندوِّن أصولا قطعية للتفقُّه في الدين، حقَّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد إذابتها في بوتقة التدوين، ونعيِّرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء القريبة التي علقت بها، ونضع فيما أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة (16).
المطلب الأول: طرق إثبات المقاصد:
يمكن الوقوف على مقاصد الشريعة بالوسائل التالية:
أولا: استقرار الأحكام المعروف عللها، وبالتالي الوقوف على تلك العلل واستنباط الحكم التي من أجلها شرع الحكم.
مثاله: إنَّنا نعلم النهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه المسلم، والنهي عن أن يَسُومَ المسلم على سَوْمِ أخيه، وندرك أنَّ علَّة ذلك ما يترتَّب على هذا التصرُّف من الوحشية التي تنشأ عن السعي في الحرمان من منفعة مبتغاة .. ، فنستخلص من ذلك مقصدًا هو: "دوام الاخوَّة الإسلامية بين المسلمين"، فنستخدم ذلك المقصد لإثبات الجزم بانتفاء حِرمَة الخطبة على الخطبة، والسَّوم على السَّوم.
ثانيا: استقرار أدلَّة الأحكام التي اشتركت في علَّة بحيث يحصل لنا اليقين بأنَّ تلك العلَّة مقصود الشارع (17). (1/36)
صفحة 37
مثاله: النهيُ عن بيع الطعام قبل قبضِه، علَّتُه: طلب رواج الطعام في الأسواق، والنهيُ عن بيع الطعام بالطعام نسيئَةً .. علَّتُه أن لا يبقى الطعام في الذمَّة فيفوت رواجه.
والنهي عن احتكار الطعام لحديث مسلم عن معمر مرفوعا: «من احتكر طعاما فهو خاطئ خاطئ» (18). علَّته إقلال الطعام قي الأسواق، فبهذا الاستقرار يحصلُ العلم بأنَّ رواج الطعام وتيسير تناوله مقصدٌ من مقاصد الشريعة، فنعمد إلى هذا المقصد فنجعله أصلاً.
تتبُّع الآيات القرآنية صريحةِ الدلالة على المراد، من ذلك قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (19)، وقوله سبحانه: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (20). وقوله سبحانه: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (21)، ففي كلِّ هذه الآيات تصريح شرعي أو تنبه إليه السنة المتواترة، سواء كان متواترًا معنويا أو لفظيا، بحيث يُستخلَص من مجموعها مقصدا شرعيًا.
المطلب الثاني: بم تعرف مقاصد الشارع؟:
أجاب الشاطبي على هذا السؤال بقوله: «إنَّ النظر هنا ينقسم بحسب التقسيم العقلي إلى ثلاثة أقسام (22):
1/ أن يُقال إنَّ مقصد الشارع غائب عنَّا حتَّى يأتينا ما يعرفنا به، وليس ذلك إلاَّ بالتصريح الكلامي .. إلى أن قال: وحاصل هذا الوجه على الظاهر مغلقًا، وهو رأي الظاهرية الذين يحصرون مظان العلم بمقاصد الشرع في ظواهر النصوص.
2/ على خلاف الأوَّل له ضربان:
أ: أنَّ مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يُفهم منها .. إنَّما المقصود أمرًا آخر وراءه، ويطَّرد هذا في جميع الشريعة، حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك يمكن أن يلتمس منه معرفة رأي مقاصد الشرع. وعقب على هذا الرأي بقوله: هذا رأي كلِّ قاصد لإبطال الشريعة، وهم الباطنية.
إنَّ مقصود الشارع الالتفات إلى معاني الألفاظ بحيث لا تعتبر الظواهر والنصوص إلاَّ بها على الإطلاق، فإن خالف النص المعنى النظري طرح وقدم المعنى النظري [كذا].
وهو إمَّا بناء على معنى مراعاة المصالح على الإطلاق، أو على عدم الوجوب، لكن مع تحكيم المعنى جدا، حتى تكون الألفاظ الشرعية تابعة للمعاني النظرية وهو رأي المتعمقين في القياس، المقدمين له على النصوص، وهذا طرف آخر من القسم الأول.
3/ أن يقال باعتبار الأمرين جميعًا على وجه لا يُخِلُّ فيه المعنى بالنص، ولا العكس، لتجري الشريعة على نظامٍ واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهذا الرأي هو الذي أمَّه أكثر العلماء الراسخين، وعليه الاعتماد والضابط الذي يعرف به مقصد الشارع.
ومن هذا المنطلق، يقول الشاطبي: إنَّ مقصود الشارع يُعرَف من جهات:
1/ مجرَّد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي (23): (1/37)
صفحة 38
فإنَّ الأمر معلومٌ أنَّه إنما أُمِر، لاقتضائه الفعل، ووقوع الفعل - عند وجود الأمر به - مقصد الشارع.
وكذلك النهي: معلومٌ أنه مقتضى لنفي الفعل أو الكفِّ عنه، فعلم وقوع الفعل مقصود لنهي الشارع وإيقاعه مخالف لمقصوده، كما أنَّ عدم إيقاعه المأمورية مخالف لمقصوده.
2/ اعتبار علل الأمر والنهي: لماذا أمر بهذا الفعل؟ ولماذا نهى عن هذا الآخر؟ والعلَّة: إن كانت معلومة اتبعت، كالبيع لمصلحة الانتفاع بالمقصود عليه، والحدود لمصلحة الردع.
فإذا تعيَّنت علم أن مقصود الشارع ما اقتضته تلك العلل من الفعل أو عدمه، ومن التسبُّب أو عدمه.
وإن كانت غير معلومة، فلا بد من التوقُّف عن القطع على الشارع أنَّه قصد كذا وكذا .. وله مسالِكُ تُعرَف في مكانها (24).
المطلب الثالث: المقاصد الشرعية:
المقاصد الشرعية تنقسم إلى قسمين:
ـ منها ما يرجع إلى قصد الشارع. ـ ومنها ما يرجع إلى قصدِ المكلَّف.
1/ ما يرجع إلى قصد الشارع: هو ما وُضِعت له الشريعة ابتداء يمكن حصره في مطالب ثلاثة:
أ ـ الضروريات.
ب ـ الحاجيات.
ج ـ التحسينات.
والضروريات ما أمكن حصرُها في أمور خمسة هي: حفظ الدين، النفس، النسل، المال، العقل. والسبب في تسميتها ضروريات: لأنَّها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج واختلال توازن الحياة، والحفظُ لها يكون بأمرين (25):
أ ـ ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها: أي من جانب الوجود.
ب ـ ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها: أي من جهة العدم.
ويزيد الشاطبي تفصيلا فيقول:
فأصول العبادات: راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود كالإيمان بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصيام، الحج، وما أشبه ذلك.
والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا، كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات وما أشبه ذلك.
والمعاملات: راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود، وإلى حفظ النفس والعقل أيضا لكن بواسطة العادات - والجنايات - ويجمعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وترجع إلى (1/38)
صفحة 39
حفظ الجميع من جانب العدم (26).
وقال وأمَّا الحاجيات: فمعناها أنها مفتقرٌ إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقَّة اللاحقة بفوت المطلوب، وهي جاريةٌ في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات.
وأمَّا التحسينات: فمعناها الأخذُ بما يليق من محاسن العادات، تجنب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات، يجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق وهي جارية فيما جرت فيه الأولويات (27).
المطلب الرابع: قاعة رفع الحرج - نموذج-
من القواعد الشرعية المعتبرة، دفع الحرج (28)، وقعت الإشارة إليها في القرآن الكريم والسنَّة النبوية.
فمن ذلك قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُّرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (29). وقوله تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (30). وقوله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الاَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} (31).
ومن السنة قوله (: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (32).
وقوله (: في المناسك: «اذبح ولا حرج، اِرمِ ولا حرج، افعل ولا حرج» (33).
وقوله (: «إنَّ الدين يُسرٌ ولن يشاد الدين أمد إلاَّ غلبه، فسدِّدوا وقارِبُوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيءٍ من الدلجة» (34).
والحرجُ المعبَّر عنه في القاعدة هو: ما أوقع على العبد مشقَّة زائدة عن المعتاد على بدنه أو نفسه، أو عليهما معًا في العاجل أو الآجل، غير مُعارضٍ بما هو أشدَّ منه، أو بما يتعلَّق به حق الغير مساوٍ له أو أكثر منه (35).
وهذا رفع الحرج من الوجهة الشرعيَّة، هو منعُ وقوع أو ابقاء الحرج على العباد بمنع حصوله ابتداء، أو بتخفيفه، أو تدارُكِه بعد تحقُّق أسبابه (36).
ومن الأدلة على حُجِّية هذه القاعدة، أيضًا الإجماع لما ثبت من استقرار علماء المسلمين من عهد الصحابة على أنَّ "لا حرج في الشرع".
1 ـ رفع الحرج في الأحكام الفقهية:
إنَّ تعليل الأحكام بعبارة "رفع الحرج" شائعٌ على ألسنة الفقهاء، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر (37):
قول ابن الهمام: إنَّ تكرار القراءة مُحتاجٌ إليه للحفظ والتعليم والاعتبار فلو تكرَّر الوجوب لحرج الناس زيادة حرج، فإنَّ أكثر الناس لا يحفظ من عشر مرات بل أكثر، فيلزم الحرج، ومن ذلك تعليلُهم عدم تنجُّس الآبار بالبعر القليل، سقوط غسل العين بالتأذي والحرج. (38) (1/39)
صفحة 40
وتجويز إقامة الجمعة في أكثر من موضع، حيث إذا تباعد موضعين أو ثلاثة في الحصر، لأنَّ الحصر إذا بعدت أطرافه شقَّ على أهله المشي من طرف إلى طرف فيجوز دفعًا للحرج (39).
2 ـ هل رفع الحرج قاعدة فقهية أم أصولية؟:
عبارة رفع الحرج وردت على ألسنة الفقهاء وضمن القواعد الفقهيَّة، كما وردت باعتبارها دليلاً وأصلاً، فتتنازعها جهتان، الأصوليون والفقهاء فإلى أيِّهما أقرب وأمس رحمة؟
الظاهر أنَّها قاعدة أصولية، لأنَّها حكمٌ كلي أكثري، ويستدلُّ بها في غير باب من أبواب الفقه.
ولمَّا كان الدليل على لسان الأصوليين، ما يمكن التوصُّل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري.
وهو دليل إجمالي لا تفصيلي، وأيًّا كان الأمر فإنَّ رفع الحرج أصليٌّ تُبنى عليه الأحكام الشرعية، سواء أكان ذلك ابتناءًا على قاعدة أم على دليل (40).
3 ـ قاعدة رفع الحرج والمقاصد:
إذا كات المصالح هي مقصد الأحكام التكليفية والأحكام الوصفية، فإنَّ الأحكام الشرعية كلَّها يُلاحظُ فيها أن تكون مصلحة الشخص لها اعتبارها، ولا تترك إلا إذا كانت معارضة لمصلحة أكبر.
ولأجل ذلك قرَّر الإسلام أنَّه عندما تكون ضرورة أن يكون الشخص في حالٍ تهدد مصلحته الضرورية ولا تُدفع إلاَّ يتناول محضور لا يمسُّ حقَّ غيره، فإنَّه يجب عليه أن يتناول ذلك المحضور، وقد قرَّر الفقهاء: "أنَّ الضرورات تُبيحُ المحظورات".
كما لاحظ الإسلام مصلحة الناس في دينهم ألاَّ يُكلِّفَهم إلاَّ بما يستطيعون، وما يؤدونه باستمرار، فالتكليفات الشرعية في جملتها مما يمكن احتمالُ مشقَّتها باستمرار، لأنَّ المصلحة التي تحقق بها لا تكون إلا بالاستمرار، وكان الاستمرار على التكليفات التي تكون مشقتها محتملة مقصدًا من مقاصد الشرع لأنَّ في ذلك استمرارًا على الطاعة، وأنَّ الاستمرار على اليسير يؤدِّي إلى القدرة على الكبير (41).
قسَّم الشاطبي - رحمه الله - هذا النوع من تقسيماته: قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها ثم حددها في نوعين:
1 ـ التكليف بما لا يطاق.
2 ـ التكليف بما فيه مشقَّة.
فالأوَّل منفيٌّ عن الشريعة إجماعًا، أمَّا التكليف بما فيه مشقَّة فهو الموضوع الأهم لما يكثر فيه الغموض والالتباس و الحيرة (42).
أمَّا ما قاله الشاطبي في هذا الموضوع أنَّ الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشقَّة والاعنات فيه، وما يدلُّ عليه النصوص الكثيرة النافية للحرج والمصرِّحة باليسر والسماحة في الأحكام الشرعية (1/40)
صفحة 41
ومقاصدها، وكما يدل عليه: الرُّخَص الكثيرة الورادة في تكاليف الشرع، فلو كان الشرع قاصدًا إلى المشقَّة لما وضع الرُّخص والأمر بعد هذا وذلك محلُّ إجماع.
ثم قرَّر في المسألة السابعة: أنَّ الشارع قاصدًا للتكليف بما يلزم فيه كلفة أو مشقة ما، ولكن لا تُسمَّى في العادة مشقَّة، كطلب المعاش بالتحرُّف، وسائر الصنائع، لأنَّه ممكنٌ معتاد لا يقطع ما فيه الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدُّون المنقطع عنه كسلان ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف (43).
ورغم أنَّ معظم التكاليف الشرعية لا تخلو من قدر من المشقَّة وأنَّ الشارع قد قصد وضع هذا النوع من التكاليف، فإنَّ الشارع غير قاصدٍ نفس المشقَّة التي فيها، ففي جميع الحالات، الشارعُ لا يقصد المشقَّة بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة للمكلَّف.
ويترتب على هذا أصلٌ آخر:
وهو أنَّ المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظرًا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل.
وكلما كانت المشقَّة غير عادية وفادحة كان القصدُ إليها أبلغ في البطلان ومضادَّة قصد الشارع، لأنَّ الله لم يضع تعذيب النفوس سببًا للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده، وهذا طبعًا فيما إذا كان المكلَّف هو الذي يسعى إلى المشقَّة وقصد الدخول فيها، أمَّا إذا كانت من لوازم العمل فيصحُّ الدخول فيها، وحكمُها حكمُ ذلك العمل، كما في مشقَّة الجهاد مثلاً.
وعلَّة الحرص الشرعي على رفع الحرج تتلخَّص في أمرين (44):
1 ـ الخوفُ من الانقطاع عن الطريق وبغض العبادة وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى، الخوفُ من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أن ماله أو حاله.
2 ـ خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلِّقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده، إلى تكاليف أخرى تأتي في الطريق، فربما كان التوغُّل في بعض الأعمال شاغلا عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما.
ثم انتقل الإمام الشاطبي في المسألة الثامنة إلى حكم نوع آخر من المشقَّة وهي مشقة: "مخالفة الهوى": ذلك أنَّ مخالفة ما تهوى الأنفس شاقٌّ عليها، وصعبٌ خروجها عنه، فقرَّر أن الشرع لا يقيم وزنا ولا يعطي اعتبارًا لهذه المشقة، لأنَّ الشارع إنَّما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلَّف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله، فإذًا مخالفة الهوى ليست من المشقَّات المعتبرة في التكليف وإن كانت شاقَّة في مجاري العادات (45).
فالمشقَّة الواقعة بالمكلف خارجة عن معتاد المشقَّات في الأعمال العادية، حتى يحصل حرج ديني أو دنيوي، فمقصود الشرع فيها: الرفع على الجملة ..
فمشقَّة الصلاة والصوم، قد لا يعدُّ مثلها في الحج، ومشاقُّ الحج قد لا تُعتبر شيئًا في الجهاد، فقياسُ (1/41)
صفحة 42
المشاقِّ أمرٌ نسبي، يُنظر فيه إلى طبيعة العمل، وضرورته ومصلحته، وإلى حال المكلَّف، وبناءًا على هذا كلِّه يكون الترخيص أو لا يكون (46).
ثم ختم الإمام هذه المباحث بالمسألة الثانية عشر: التي تنمُّ عن سمو فقهه في الشريعة، فقال: «فإذا نظرتَ في كلِّية الشريعة، فتأمَّلها تجدها حاملة على التوسُّط، فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقعٍ أو متوقع في الطرف الآخر، فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غَلَبَ عليه الانحلالُ في الدين.
وطرف التخفيف - وعامَّة ما يكون في التوجيه والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غَلَبَ عليه الحرجُ في التشديد.
فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، رأيتَ التوسُّطَ لائحا، ومسلكَ الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمعقل الذي يُلجأ إليه (47)».
الخاتمة:
قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عن كتاب "الموافقات": «لقد بنى الشاطبي - حقًّا - بهذا التأليف هرمًا شامخا للثقافة الإسلامية، استطاع أن يُشرِف منه على مسالِكَ وطرقٍ لتحقيق خلود الدين وعصمته قَلَّ من اهتدى إليها قبله، فأصبح الخائضون في معاني الشريعة وأسرارها عالةً عليه، وظهرت مزيَّة كتابه ظهورًا عجيبًا في قرننا الحاضر والقرن قبله، لما امتلكت على العالم الإسلامي - عند نهضته من كبوته - أوجُه الجمع بين أحكام الدين ومستجدَّات الحياة العصرية، فكان كتاب "الموافقات" للشاطبي هو المفزَع وإليه المرجع».
والشاطبي لم يكتفِ بالتوسُّع والتعمُّق في مقاصد الشريعة، وبناء نظرية متكاملة في ذلك، وشقِّ مسالك البحث والكشف عن المقاصد، لم يكتف بهذا ليترك أمر الاستفادة من ذلك لفهم الفاهمين ومبادرة المتفقِّهين، بل حرص بنفسه على أن يُوصِل الأمر إلى غايته، وينتهي به إلى ثمرته، فلم يبرح حتى أدخل المقاصد في عالم الاجتهاد، وأدخل الاجتهاد في عالم المقاصد، فأحيى صِلَة الرحم ووثَّقها بينهما ...
فلا بد للمجتهد عند الكشف عن المقاصد أن يستحضر قواعد وكلِّيات الشريعة المبنية على الجزئيات، ولا بد من مراعاة هذه وتلك في آن واحد، ولا بد أن يكون الاجتهاد مبنيا على هذه وتلك معًا؛ أعني القواعد والكليات مع الأدلة الجزئية.
وقد نبه الشاطبي - غير ما مرَّة - على هذا المسلك الاجتهادي المنسَّق بين قواعد الشريعة، وجزئياتها، ولكنَّ الموضع الجامع الأهم الذي عالج فيه هذا الموضوع هي المسألة الأولى: فالشريعة كلُّها مبنية على قصد المحافظة على المراتب الثلاثة: من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وأنَّ هذه الكليات تقضي على كلِّ جزئي تحتها، إذ ليس فوق هذه الكليات كلِّيٌ تنتهي إليه، بل هي (1/42)
صفحة 43
أصول الشريعة.
والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
--------------------
الهوامش
1) ـ الكليات، ج1/ 188 ط، دمشق، أصول السرخسي، ج1/ 301.
2) ـ دستور العلماء، ج3/ 51، 52.
3) ـ علي حيدر، دور الحكام شرح مجلة الأحكام ط/17.
4) ـ الحموي علي: الأشباه/1/ 19طبع الهند.
5) ـ مدكور: مدخل الفقه الإسلامي،112.
6) ـ سورة الطلاق، الآية: 04.
7) ـ سورة البقرة، الآية: 234.
8) ـ الدكتور مصطفى الخن: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء. أصول السرخسي، 1/ 302.
9) ـ البزدوي: كشف الأسرار، 3/ 246. عبد الوهاب خلاف: خلاصة التشريع، 12.
10) ـ سورة البقرة، الآية: 219.
11) ـ امحمد أبو زهرة: أصول الفقه، 10.
12) ـ ابن نجيم: الاشتباه والنظائر،15.
13) ـ الريسوني: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي.
14) ـ القرافي: الفروق ط /2، 3.
15) ـ ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص6.
16) ـ ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص:8.
17) ـ ابن عاشور: مقاصد الشريعة، ص:36.
18) ـ السيوطي: الجامع الصغير رقم:8930، 8332.
19) ـ الحج، الآية: 78.
20) ـ البقرة، الآية: 185.
21) ـ الأنعام، الآية: 164. (1/43)
صفحة 44
22) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 6.
23) ـ قوله الابتدائي تحرزا عن وجه احتمالات كل من الأمر والنهي الوارد تفصيلا في كتاب الأصول.
24) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 394.
25) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 10.
26) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 9.
27) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 11.
28) ـ لها إطلاقات عدَّة، تختلف عباراتها مثل: "وضع الحرج"، "ونفي الحرج".
29) ـ سورة المائدة:06.
30) ـ الحج: 78.
31) ـ النور، 61.
32) ـ ابن الأثير، النهاية، ج 1، ص:361.
33) ـ البخاري عن عمرو بن العاص، فتح الباري، ج1، ص:147.
34) ـ البخاري، والأربعون النووية، فتح الباري،1/ 79.
35) ـ الباهين: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ص 32.
36) ـ نفس المصدر، ص 48.
37) ـ شرح فتح القدير، ج1، ص:389.
38) ـ الاختيار، 1/ 75.
39) ـ الاختيار، ج 1، ص: 89 باب الجمعة.
40) ـ الباهين: رفع الحرج:119.
41) ـ أبو زهرة، أصول الفقه: 377.
42) ـ الريسوني، نظرية المقاصد عند الشاطبي، 131.
43) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 25.
44) ـ الريسوني، نظرية المقاصد، ص: 132.
45) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 26.
46) ـ الريسوني، نظرية المقاصد، 2/ 9.
47) ـ الموافقات، الشاطبي، 2/ 37. (1/44)
صفحة 45
نحن والعولمة ... بعض الفرص والمخاطر
بقلم: قاسم حجاج
أستاذ بجامعة ورقلة
انتشر خلال التسعينيات من القرن العشرين الميلادي الاستخدام المسرف لمفهوم "العولمة". والمتأمل لهذا الانتشار السريع والواسع لهذا المفهوم يدرك أنَّ ذلك حصل بدوره بسبب ما تتميَّز به العولمة ذاتها إعلاميًّا واتصاليا.
إنَّ المفهوم يعبر عن ظواهر ووقائع وتحولات تحمل الكثير لمستقبل مجتمعاتنا. كما تحمل مخاطر جمَّة تهدد مجتمعاتنا والإنسانية والكوكب الأرضي كلَّه، وتجعل الإنسان لأوَّل مرة في تاريخ الإنسان على الأرض يفكر في مصير هذا "الكوكب - الوطن" على حدِّ تعبير المفكر الفرنسي "إدغار موران".
كما أنَّ المفهوم يعبِّر أيضًا عن الرؤى والمصالح والأهداف التي صنعتها وتسعى لتحقيقها الأطراف الفاعلة من داخل المنظومة الغربية الأمريكية بالذات، فإذا كانت العولمة تعني من بين ما تعنيه لكامل شعوب ودول العالم: حقائق الاعتماد المتبادل، أو التبعية المتبادلة (قسرية أو إرادية) أو تعني لدى البعض "الأمركة" أو بداية مرحلة الثورة الصناعية الثالثة، أو بناء المجتمع ما بعد الصناعي أي المعلوماتي، بكلِّ ما تعنيه أيضًا هذه المفاهيم الجديدة من تغيير في الخرائط الجيو-سياسية والجيو-استراتيجية، والجيو-معلوماتية، وانهيار الكثير من من المسلمات المعرفية، وتراجع نفوذ الدولة القومية، وتزايد سلطة نفوذ الشركات الكوكبية المتعددة الجنسيات، وهيمنة قوى السوق الليبيرالية الجديدة عبر التوظيف المكثَّف للتكنولوجيات والعلوم الجديدة.
إنَّها (أي العولمة) تعني باختصار «أن تفكر كوكبيًا وأنت تتحرَّك محلِّيا ( Think Global and Act local) إنَّه تحوُّل جذري غير مسبوق في مفهوم "الزمان والمكان" و"الأنا" و"النحن" و"الآخر" ... ».
فإذا كانت العولمة تهني تلك التغيرات الطفرية التي تمس بإيجابياتها وسلبياتها حتى المجتمعات التي انطلقت منها مساراتها وديناميكياتها؛ فماذا تعنيه العولمة بالنسبة للمجتمع المحلِّي، وبالنسبة للمجتمع الميزابي بالذات، حاضرًا ومستقبلاً؟ وماذا يُنتظر منا من مجهود تكيُّفي كبير لاغتنام فرصها وتلافي مخاطرها، أو على الأقل التخفيف منها، بحيث نتعاطى مع مقتضيات العولمة من خلال التوظيف الذكي والواعي والنقدي للتراث والتجارب السابقة ورصيد الخبرة المحلية للخصوصية المحلية ذات الامتداد الألفي، على أن تكون النظرة إلى المستقبل المحلي والمحلي والميزابي ورهاناته هي التي تشغل جلَّ اهتماماتنا وتفكيرنا وخططنا لأنَّ التحولات تجري بسرعة كبيرة، تتطلَّب تعبئة التفكير الجماعي من أجل بلورة رؤى استشرافية تقينا من العشوائية والعفوية والفوضوية والانفعالية في التعاطي مع العولمة. (1/45)
صفحة 46
إنَّ العولمة تعني باختصار شديد، تلك المشاهدات والملاحظات والنقاشات التي تحسَّسها جميعًا في حياتنا اليومية الخاصة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ويمكن إيجاز بعضها في الملاحظات التالية:
أ- الحالة السيكولوجية للأفراد والمجتمع:
وهي حالة أخذت تتسم بشكل متزايد بالشعور بظاهرة التسارع والمؤقتية تحت تأثير صدمة العولمة، فوتيرة وحركية الحياة الاجتماعية اليومية تزداد تسارعًا .. يشهد بذلك ما نشاهده من حالة الإرباك التي أصابت الأفراد والمؤسسات جميعًا. إنَّه تعبير سمَّاه "ألفين طوفلر" عالِم المستقبليات الأمريكي في عنوان كتابه بـ"صدمة المستقبل" ... إنه انهيار سريع لمسلمات وحدود عديدة طالما حرصنا - صائبين أو مخطئين - على الاحتماء بها والحفاظ عليها. بينما أصبحت اليوم ظاهرة التغير هو الثابت.
ففجأة "تحرَّر" الأفراد والمجتمع من قيود المكان والزمان المحلي والوطني والبطيء وشبه السكوني، الذي طالما عشنا في كنفه خلال العشريات الثلاث الأولى من الاستقلال، فوجدنا أنفسنا منذ سنة 1989م نسبح في محيط كوكبي تتداعى أمام موجاته حدود وأركان عتيدة عديدة، لتنفتح آفاقنا على عالم متلاطم يتحرَّك بوتيرة الزمن العالمي الحقيقي، فكانت الدهشة والفزع، وبدأنا من جديدة معاناة رحلة البحث عن معالم جديدة لبناء مجتمع "محلي" و"وطني" متكيِّف مع التغيُّرات الانقلابية التي تفصح عنها مختلف أنماط وأشكال العولمة: اقتصادية، إعلامية، سياسية، علمية، تكنولوجية، بيئية، روحية، عسكرية، اجتماعية ...
2 - التحول الليبيرالي (اقتصاديًّا وسياسيًّا):
ومما تعنيه العولمة بالنسبة لنا أيضًا تلك الدوامة التي عاشتها وتعيشها بلادنا منذ 1985 وخاصَّة خلال التسعينيات: مع انهيار النفط، السلعة الوحيدة التي يقتات منها شعبنا الحديث الاستقلال، الذي يُنتج بشرًا أكثر ممَّا ينتج ما يعيش به البشر. صاحبت ذلك توترا الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددية الأحزاب (الانتقال إلى الديمقراطية)، مع آلام التحول إلى اقتصاد السوق الرأسمالية المتعولمة، بعد 25 سنة من التخطيط المركزي الاشتراكي، فكانت عملية "الجراحة بالصدمة" على الاقتصاد الوطني التي أمَّمتها مؤسسة "الأفامي" أحد الرموز المؤسساتية للعولمة، من خلال فرض برنامج التعديل الهيكلي وجدولة المديونية الجزائرية خاصَّة ما بين سنوات (1994 - 1998). ومازلنا نترقب ما سيحدثه ببنياتنا الاجتماعية، اتفاق الشراكة من أوروبا وكذا الانضمام المرتقب إلى منظَّمة التجارة العالمية في آفاق 2010م، حيث ينتظر أن تقام منطقة التبادل الحر الأورو-متوسطية والعربية. (1/46)
صفحة 47
وقد تزامن ذلك المخاض أيضًا مع مآسي الإرهاب المسمى سذاجة أو عمالة أو مؤامرة "إسلاميًّا" وكأنَّه لا بدَّ من أن تعيش بلادنا دوامة العنف، لتمرر الجرعات الموجعة من نصائح بل إملاءات المؤسسات الدائنة، وتبييض أموال رأسماليو الدولة؛ الذين اختاروا الثروة على الثورة في عهد بومدين، وانتهزوا فرصة انطلاق القطار المتلاطم للمرحلة الانتقالية الجارية نحو اقتصاد السوق والنظام الديمقراطي، فكانت الخصخصة للمؤسسات الصناعية وما تزال، وكان تسريح العمَّال وتفاقم البطالة وما تزال، بينما تدخل الشركات المتعددة الجنسيات بلادنا للاستثمار المربح.
هذه وغيرها، تداعيات تركت بصماتها على المجتمع المحلِّي، فبدت علامات الفقر والتسوُّل والبطالة والمتاعب الصحية والغذائية والإسكانية والإدارية، إضافة إلى الآفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأخرى: التزوير والرشوة والاختلاسات والفضائح المالية وغيرها.
3 - التعرُّض للطوفان الإعلامي والمعلوماتي والثقافي:
إنَّ العولمة تعني لنا أيضًا معايشتنا اليومية للتدفقات الإعلامية والمعلوماتية التي نتلقَّاها عبر التكنولوجيا الجديدة للاتصال، مثل: طوفان البث التلفزيوني الفضائي المباشر، والثورة الرقمية (هاتف نقال، فاكس، كمبيوتر، إنترنت .. )، كمٌّ هائل من المنتجات الإعلامية والمعلوماتية، بنوعيات باهرة للأعين، سالبة للأنفس، هاجمة على الوعي والإدراك والأخلاق، مستنفرة للقوى التغيير والإصلاح، مع كلِّ ما لهذه الثورة من آثار على الخصوصية المحلية .. لكن بدأت بوادر التكيُّف تتوالى في عدَّة مجالات.
4 - ظاهرة الهجرة (من وإلى المنطقة [ميزاب]):
بسبب تحولات اقتصادية، أمنية، جزائرية وإفريقية بالخصوص، عرفت وتعرف المنطقة تدفُّقات بشرية منها وإليها سواء من أبناء المنطقة أو أبناء الوطن أو أبناء إفريقيا، فماجت عاصمة الولاية [غرداية] وضواحيها بالوافدين الجدد هربًا من حمى الإرهاب في الشمال ولهيب البطالة وذلِّ الفقر في بلاد الساحل الإفريقي وما وراءه ... ممَّا يثير مخاوف على مستقبل موارد المنطقة المحدودة والهشَّة أصلاً، كما يعتبر لدى البعض عامل حفز للحركة الاقتصادية، ورُبَّ ضارَّة نافعة.
باختصار، تعني العولمة بالنسبة لنا بعض هذه المعاني والمظاهر والتغيرات سلبية وإيجابية، إنَّها أطياف من البشائر ومنبِّهات على توجُّسات تثيرها.
وليس أمام أبناء المجتمع المحلِّي إلاَّ أن يُحسنوا التفاعل والتكيُّف وتوظيف الفرص التي تُتيحها العولمة، مع الحذر من جعلها كبش فداء أو "شماعة" نعلق عليها أخطاءنا وقصورنا وأزماتنا المركَّبة. فلمواجهة العولمة عدَّة مستلزمات أهمُّها وأصعبها المعالجة الحوارية، الجريئة للاختلالات العديدة في منظوماتنا الفكرية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية بفكر نقدي، بدائلي، علمي، تأصيلي، تراكمي، معلوماتي ...
فلنتفاعل إيجابيًّا مع هذه الديناميكية الجديدة لتحقيق تنمية محلِّية، عادلة شاملة، متوازنة ومتواصلة بحيث تُقام - على غير ما سبق - شبكة العلاقات الاجتماعية المحليَّة، على أساس صحيحة، شفاقة وأصيلة من خلال بناء ديمقراطية محلية ترفع من شأن المواطنة الصالحة حتى يتسنَّى للمنطقة التفاعل مع شبكات العلاقات الجهوية والوطنية والكوكبية بجدارة وفعالية وقوَّة أداء لصالح أجيالنا الجديدة، فهل نحن فاعلون. (1/47)
صفحة 48
بسم الله الرحمن الرحيم
نظام العشائر في المجتمع الميزابي نموذج مثالي لإصلاح المجتمعات
دراسة تحليلية تقويمية لفعاليات عشيرة واحدة في مدة قصيرة نموذجًا
موسى بن إبراهيم حريزي
قال الله تبارك وتعالى: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (1).
المعنى الأساسي للآية الكريمة هو تذكير الإنسان بالتفكير دائمًا في قدرة الخالق على خلقه لجميع البشر من نفسٍ واحدة، وهي آدم عليه السلام، ثم حواء، وأنَّ البشر كلهم ينتمون إلى رحم واحدة، فليتَّق الله كل واحد منَّا في صلة هذه الرحم، وليحذر من قطعها.
ولكن عندما أقرأ هذه الآية بالإضافة إلى المعنى السابق، أتصوَّر أنَّ نظام العشائر، وأهدافها، ومهامِّها، في وادي ميزاب مستنبط من هذه الآية الكريمة، حيث أنَّ العشيرة في ميزاب رابطها الأساسي هو التزاوج بين أفرادها، وتوالد وتكاثر النساء والرجال فيها، وصلة الأرحام هي الرابطة الحقيقية بين أفرادها. والصلة هذه لا تكون إلاَّ بخدمات بعضهم بعضًا في الخير باستمرار، ومساءلة الله الرقيب الحسيب لكل فرد على مقدار ونوعية هذه الصلة لا محالة واقعة إلى يوم القيامة.
يجدر بنا في البداية ونحن بصدد الحديث عن العشيرة، وأهدافها ومهامِّها، أن نعرف معنى هذا المصطلح "العشيرة" وما المقصود بها بالضبط في وادي ميزاب.
نحن نعتمد في هذا الجانب على مصادر المؤرِّخين الأساسيين أمثال: الشيخ أبي اليقظان إبراهيم بن عيسى، والشيخ محمد علي دبوز، وتوفيق المدني، والشيخ علي يحيى معمَّر، رحمهم الله جميعًا، حيث قال هذا الأخير: «جميع شؤون الإباضية في الجزائر ... تقوم على إحدى مؤسسات ثلاث، أو عليها جميعًا، وهذه المؤسسات الثلاث هي: مجلس العزابة، ومجلس العشيرة [الإدارة]، ومجلس (1/48)
صفحة 49
المكاريس [إمصوردان]» (2).
تعريف العشيرة:
يعرِّفها الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر كما يلي: «العشيرة تتكون من مجموعة من الأُسَر تربطها أواصر القرابة، وعلاقة الرحم، ولكلِّ عشيرة مجلس [إدارة] غير محدود العدد من زعماء العشيرة، وذوي الرأي والفضل منهم، وللمجلس رئيس يختارونه من بينهم، ومن مجموع العشائر تتكون القرية أو المدينة، ومن رؤساء المجالس يتكون مجلس الضمان، ورئيس الضمان يمثل الحاكم المدني للقرية، ومجلس العشيرة هو الساعد القوي لمجلس العزابة من جهة، ولمجلس المكاريس من جهة أخرى» (3).
ويحدِّد الشيخ محمد علي دبوز العشيرة ومهام إدارتها بقوله: «ولكلِّ عشيرة في ميزاب دار هي ملكٌ لها من إنشائها، تعقد فيها مجالس إدارتها، وحفلات أعراسها، وتستعملها المدينة أيضًا في حفلاتها واجتماعاتها إذا احتاجتها، ولكل دار أوقاف من أبناء العشيرة، ترى الفقير يجد لعرسه أو ضيفه في دار العشيرة ما يحتاجه فيستعيره» (4).
وقد حدَّد معالم ومهام العشيرة أستاذنا الشيخ أبو اليقظان رحمه الله كما يلي: «وقد علَّق الله بنظام العشائر حقوقًا لليتامى والأرامل والسفهاء والمجانين والغيَّاب، وحفظ به نظام الأسر والعائلات، بحفظ الأنساب وإلزام النفقات، وإيصال حقوق الميراث لأصحابها، وخفَّف به ثقل الدية في الخطأ على القاتل بتوزيعها على أفراد العشيرة» (5).
أمَّا الأستاذ توفيق المدني فقد فصَّل قليلاً فيما حدَّده أستاذنا الشيخ أبو اليقظان، بقوله: «بما أنَّ العشيرة تتركَّب من بيوتات، والبيت يتركَّب من عائلات، فهي في مجموعها تعتبر كوحدة عائلية لا انفكاك بين أجزائها، ومن حيث أنَّها مكلفة شرعًا حسبما هو منصوص الفقه الإسلامي بالسهر على مصالح القُصَّر من اليتامى والمجانين والأرامل والغيَّاب منها، وأنَّها مسؤولة عن جُناتها في غير العمد، فهي متماسكة بلحام الدين، وبأوشاج الأرحام، ولهذه الميزة كان لها الأثر الفعَّال في كثير من المصالح العمومية من ردع المفسد، وإرشاد الضال، وإيواء العاجز، وإصلاح ذات البين، ودفع عادية المعتدين .. إلخ، فهي تعقد جلساتها عادة من رؤساء العائلات كلَّما همَّهم أمر، وعند كلِّ شهر تقريبًا، وجلساتها االعامَّة مرَّتين في العام، في الغالب، هذا هو النظام المتبع منذ القديم ... » (6).
مهام وأهداف العشيرة:
من خلال التعاريف ومحددات العشيرة السابقة نفهم جيدًا إلى ما تهدف إليه العشيرة لتحقيقه من تضامن وتكافل اجتماعي نابع من الفقه والشرع الإسلاميين، وخاصة صلة الرحم ومستلزماته ومساعدة الفقراء والأرامل الحاضرين والغائبين عن البلدة، وذلك تحت إشراف إدارة أو مجلس العشيرة، وهي كما ذكر الشيخ محمد علي دبوز: «فهم - أي أعضاء مجلس العشيرة- العين (1/49)
صفحة 50
البصيرة الساهرة، تراقب كل أفراد العشيرة، وتعمل لصالحهم، وتقدمهم، وهنائهم، إنهم يراقبون سير العشيرة في ميدان العلم، والمال، والصلاح» (7).
إذا كانت هذه أهداف العشيرة، فما هي مهامُّها التي يجب أن تقوم بها إدارة العشيرة أو مجلسها تجاه العائلات، ومؤسسات المجتمع؟
لقد حدَّد الشيخ علي يحيى معمَّر أبرز مهمات مجلس العشيرة [إدارتها] فيما يلي:
«1 - دراسة جميع أحوال العشيرة ودخائلها.
2 - دراسة جميع المشاكل التي تحدث داخل العشيرة واتخاذ الحلول لها.
3 - معالجة الانحرافات التي تقع من بعض أفراد العشيرة.
4 - التعاون مع مجلس العزابة، وإبلاغ الحالات المستعصية إليه، ليتَّخذ فيها قرارًا من العزابة.
5 - التعاون مع المكاريس، وتشجيع ذوي الكفاءة للإنضمام إليه.
6 - جميع ما يفرض على العشيرة من ... والنزاعات [مالية] بأساليب تتفق والمستوى الاقتصادي لكلِّ أسرة، ثم إيصال ذلك إلى الجهة المختصَّة» (8).
هذه جملة من المهام التي تقوم بها، قد ذكرها الأستاذ الكريم باختصار، وهناك مهام أخرى تنتمي إلى ما ذكره جملة.
أهداف هذه الدراسة التقويمية:
تحقيقًا لقوله تعالى: {يآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً} (9) تكوَّنت الإدارة.
تهدف هذه الدراسة النموذجية الخاصة لأعمال إدارة العشيرة من كراس واحد (64 صفحة) لمحاضرها كعيِّنة نموذجية لجميع أعمالها في جميع السنوات السابقة واللاحقة لها إلى ما يلي:
1 - تقويم أعمال العشيرة إحصائيا لكل شيء، لغرض تقدير كل ذلك بالمحسوس لمن لا يحسُّ ولا يقدِّر الأمور غير المحسوسة.
2 - مقارنة ما أنجزته من مهام بالمهام والأهداف المحددة في النصوص السابقة.
3 - دحض بعض الأفكار المنحرفة ونفي الشكوك والأوهام بالمحسوس الرقمي عن أمور لا أصل لها في الواقع المعيش في الإدارة.
4 - إتيان أنَّه ليس كلُّ شيءٍ تعمله الإدارة له مقابل مالي، أو مصلحة شخصية، والآخرة خير وأبقى.
5 - بعد التقويم لكل جانب، يمكن أن نقدم ملاحظات واقتراحات لتحسين أساليب حل المشكلات.
6 - توعية الجيل الصاعد من شباب للحفاظ على الإرث الحضاري الإنساني النابع من الفقه (1/50)
صفحة 51
الإسلامي الإباضي.
وسيظهر كل ذلك من خلال تحليل محاضر جلسات الإدارة لمدَّة عام ونصف تقريبًا والتي هي كما يلي:
تاريخ الاجتماعات:
وقعت الاجتماعات الخاصة بإدارة العشيرة - حسب ما ورد في محاضر هذا الكرَّاس - ما بين 13 جوان 1999 إلى يوم 30 نوفمبر 2000؛ أي الفترة الزمنية لهذه الجلسات هي عام وخمسة شهور و17 يومًا، أي حوالي عام وستة أشهر تقريبًا.
وقد شملت هذه الدراسة كراسًا كاملاً من المحاضر وعددها 31 محضرًا، في كراس من حجم (64 صفحة)، أي 31 اجتماعًا لأدارة العشيرة، نحلِّلها هنا بأمانة، حسبما سُجِل في المحاضر.
كتابة أو قراءة المحاضر:
تقرأ المحاضر في اجتماعات الإدارة، وتُكتب من غير بيان من يسجلها أحيانًا، وأحيانًا لا يُذكر قارئ المحضر في الاجتماع، وأحيانًا قليلة يذكر القارئ، ونسبة المحاضر كالآتي:
1 - الكاتب (08) محاضر من جملة (31) محضر، بنسبة: 25.81%.
2 - لآخر (05) محاضر من جملة (31) محضر، بنسبة: 16.13%.
3 - لآخر (05) محاضر من جملة (31) محضر، بنسبة: 16.13%.
4 - لآخر (13) محاضر من جملة (31) محضر، بنسبة: 41.93%.
مجموع ساعات وأوقات الاجتماعات المقدرة:
أ - الوقت المذكور في الاجتماع، في الافتتاح أو الاختتام: لم يذكرا معًا في أي محضرٍ، فأحيانًا يذكر وقت الافتتاح، وأحيانًا يذكر وقت الاختتام، ولذلك فنحن نميل إلى تقدير الوقت حسب الإشارة إلى ذلك، أو حسب العادة. ولهذا التقدير أمر مهم سنذكره في الأخير عند ذكرنا للتقديرات المالية لدراسة المشاكل في هذه الفترة.
ذُكر وقت الافتتاح أو الاختتام في (09) جلسات، ومجموع هذه الجلسات المقدَّرة بـ 22 ساعة، يقسَّم هذا المجموع المقدر على (09) جلسات، فيصبح 2.44، ويقترب إلى 2.45 ساعة، وهو المعدَّل الأساسي في كلِّ الاجتماعات، فيقاس عليه وقت الاجتماع للإدارة في المحاضر التي لم يذكر فيها وقته.
وعليه فإنَّ مجموع ساعات أو وقت هذه الجلسات التسع يساوي 24.45 ساعة.
ب - الجلسات التي لم يذكر وقتها في المحاضر: وهي إثنان وعشرون جلسة، ومعدَّل الوقت لكلِّ جلسة هو 2.45 ساعة، ومجموع وقتها هو 60.30 ساعة، وعليه فإنَّ 24.45 + 60.30 = 85.15 ساعة، أي مدَّة 3.54 يوم، أي حوالي 04 أيام كاملة بلياليها، أو مدَّة 11.04 من أيام (1/51)
صفحة 52
العمل.
ج - عدد اللجان المنبثقة عن اجتماعات الإدارة ووقت عملها المقدر:
ينبثق من كل جلسة لاجتماعات الإدارة لجنة أو لجان لتتابع المشاكل المطروحة خارج أوقات الاجتماعات، وقد بلغ عدد هذه اللجان - بعد عدِّها في كلِّ المحاضر - سبعون (70) لجنة، وقد تؤلَّف من عضوٍ أو عضوين إلى خمسة أعضاء أو أكثر، لمتابعة حلِّ المشكلة. وقد قدِّر معدَّل عمل هذه اللجان بساعتين خارج وقت الاجتماع، ومجموع هذه الساعات هو: (2 × 70 = 140 ساعة).
وعليه فإنَّ مجموع الساعات لعمل الإدارة داخل الاجتماع وخارجه في صورة لجان، قد بلغ: 85.15 + 140 = 225.15 ساعة، أي عملت الإدارة باستمرار 9.38 يومًا بلياليها، وبعبارة أخرى قد عمل هذه المدَّة خلال تلك الفترة الزمنية عام ونصف تقريبًا، وهذا الوقت له قيمته المالية كما سنرى في الأخير.
تقرير القضايا المطروحة في جدول:
القضايا والمشاكل التي نوقشت في هذه الجلسات كنموذج
موضوعات القضايا والمشاكل لم تحل حلت المجموع النسبة العامة نسبة ما لم يحل نسبة ما حل الوقت
المستغرق
بالساعة
في الاجتماع؟؟؟ الوقت
المستغرق بالأيام
السكن ولإصلاحات المساكن والكراء 45 12 57 24.05 54.16 28 06.77
الاشتراكات والنفقات 31 22 53 22.36 50.36 26 06.29
العلاقات الاجتماعية والخلقية 35 10 45 18.99 42.76 15 05.34
الثقافة والتعليم 17 03 20 08.44 19.00 08 02.37
التركات والميراث 13 00 13 05.49 12.35 05 01.54
العمل والبطالة 12 00 12 05.06 11.40 04 01.42
الانحرافات 08 02 10 04.22 09.50 06 01.12
التجارة وديونها 09 01 10 04.22 09.50 04 01.12
الأراضي والعقود 09 01 10 04.22 09.50 03 01.12
الزواج والطلاق 06 01 07 02.95 06.65 03؟؟؟
المجموع 185 52 237 100 78.06 21.94 225.18سا؟؟؟؟؟؟ (1/52)
صفحة 53
العدد النسبة
عدد الرجال بمشاكلهم 38 76%
عدد النساء بمشاكلهن 12 24%
المجموع 50 100%
الجانب المالي:
نشير في البداية إلى الإدارة قد أعطت الثقة التامة فيمن يسيِّر الشؤون المالية للعشيرة، حيث أنَّهم يسيرونها بدقة وتدبير وتقدير وحكمة شرعية وواقعية، وإخلاص في العمل وزيادة، بدون مناقشة أو خوض في هذا الأمر من طرف الإدارة أو غيرها، فما على الإدارة إلاَّ أن تدير أمور كيفية جلب المداخيل كالاشتراكات والهبات والصدقات، وكيفية تحديد قوائم المصاريف للأشخاص المحتاجين والإصلاحات، وذلك بمعايير يتفق عليها أعضاء الإدارة، وهذا ما يظهر من خلال تقارير المحاضر، في خانة النفقات والاشتراكات ومصاريف الإصلاح للسكن والعشيرة.
أولاً: السكن والإيواء:
قال الله تعالى: {قُلِ اِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (10).
قال الزمخشري (467 - 538هـ) شارحًا فحوى الآية: «وعن الحسن، هي عقوبة عاجلة أو آجلة [أي قوله تعالى "فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ"]، وهذه آية شديدة لا ترى أشدَّ منها، كأنَّها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين، فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب في ذات الله، والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء، والأبناء، والإخوان، والعشائر، والمال، والمساكن، وجميع حظوظ الدنيا، ويتجرَّد منها لأجله، أم يزوي الله عنه أحقر شيءٍ منها لمصلحته، فلا يدري أيَّ طرفيه أطول، ويغويه الشيطان من أجل حظٍّ من حظوظ الدين، فلا يبالي، كأنَّما وقع على أنفه ذباب فطيَّره» (11).
إذا نظرنا إلى أحوالنا ومشاكلنا في هذه العشيرة، أو في عشائر أخرى في المنطقة وغيرها، وما يُخاض فيها من مشاكل دنيوية ومادية وقارنَّاها بفحوى الآية، وما شرحه الزمخشري، فإنَّنا نجد أنفسنا في ضلال وتيه كبيرين، حيث أنَّ بعض المشاكل التي نتخبَّط فيها فارغة تمامًا من حبِّ الله ورسوله، والاعتراف بأوامره ووصاياه، والتقوى واليقين والثبات على دينه، وتحمُّل كلِّ شيءٍ دنيوي ضارٍّ، أو فيه خسارة مادية والصبر على ذلك من أجل الله وحبه أو في سبيله إلاَّ عند الضرورات القصوى، كالفقر المدقع، والقصور الذهني، والعجز، وما شابه ذلك، والرسول صلى (1/53)
صفحة 54
الله عليه وسلم قال: «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنَّما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
فأين نحن من هذا وذاك؟ من يقين ثابت وعقيدة راسخة، وورع وزهد في قشور الدنيا، إلاَّ أنَّ ضرورات الحياة الاجتماعية، والاستمرار للعيش في الحياة يستدعي من الإنسان منذ القديم - ضرورة فطرية - أن يتَّخذ بيتًا ومأوى له للحياة فيه، هو ونسله كسائر الحيوانات والبشر في جميع الحضارات المختلفة. وإنَّ هذا الإيواء والسكن يسعى إليه كل إنسان عاقل، أما غير العاقل أو العاجز فإنَّ المجتمع المتحضر، وأهل الحل والعقد، أن يتكفَّلوا بشؤون حياته البسيطة والمعقَّدة كواجب إنساني وحضاري وديني واجتماعي.
هذا هو بالضبط ما تقوم به - بإخلاص ونية صادقة خدمة للمجتمع وطلبًا للأجر والمغفرة عند الله - إدارة العشيرة، أية عشيرة في هذه الربوع الطيبة.
وإذا ما حلَّلنا الموضوعات التي خاضت فيها العشيرة خلال تلك المدة الزمنية من عمرها، أي مدة عام ونصف فقط، نجد أنَّ موضوعات المشاكل المتعلقة بالإيواء والسكن والإصلاح قد بلغ عددها (28) موضوعًا، وهذا العدد هو نصف العدد الإجمالي للمشاكل (57) التي نوقشت في تلك الجلسات (31) الواحدة والثلاثين، وباقي الموضوعات هي تكرار واستمرار لمناقشة تلك الموضوعات في الجلسات الأخرى.
لقد حازت مشكلة السكن والإيواء قصب السبق في الخوض فيها حيث بلغت مناقشتها (57) مرَّة، في هذه المدة الزمنية القصيرة، وبنسبة (24.05%) كما أنَّ مناقشة إصلاح دار العشيرة قد أخذت النصيب الأكبر لهذا الجانب في المناقشة، أي (23) مرَّة، حيث بلغت نسبتها (82.14%) بالضبط.
أما نسبة للمرات المتبقية (05) موضوعات ونسبتها (17.86) وموضوعات هذا الجانب مختلفة المشارب، كتحضير ملفات لطلب إعانة بناء المساكن للفقراء والقصارى من البلدية (03) حالات، وتحضير ملفات الوكالات، وإيجاد منازل للكراء للأرامل وأولاهن، وترميمها، أو الخروج منها، ودفع الكراء، وطلبات سلف للبناء، وطلبات تحديد النصيب من الميراث في دار موروثة، وتطوعات مختلفة للحفر والبناء، وغير ذلك.
ومن الأرقام السابق نلاحظ أنَّ هذا الجانب يحتاج إلى علاج والتخطيط له للمدى القصير والطويل، وخاصَّة وأنَّ نسبة كبيرة من المشاكل في هذا الجانب السكني قد بقيت عالقة وهي (45)، وبنسبة 78.95%، ولم يوجد حلٌّ لهذه المشاكل في هذه الفترة إلاَّ في حدود (12) حالة، وبنسبة (21.05%).
وكما لاحظنا في الجدول السابق للقضايا والمشاكل، أنَّ هذا الجانب (السكن والإيواء) قد أخذ ربع (1/54)
صفحة 55
الموضوعات المطروقة كلِّها (24.05%)، وإذا كان مجموع الوقت المقدَّر لهذه الجلسات وعمل اللجان قد بلغ (225.15) ساعة، فإنَّ ربع هذا الوقت تقريبًا هو (56.28) ساعة، ويُقدَّر هذا الوقت بعمل (07) أيا تقريبًا باعتبار (08) ساعات عمل في اليوم لكلِّ عضو في اللجنة، ولهذا الوقت حسابه المالي عند البعض، ولكن الإدارة عملها لوجه الله في كلِّ هذا.
اقتراحات وحلول لهذا الجانب:
1 - تخفيفًا لحلِّ مشكلة السكن والإيواء لأبناء العشيرة علينا أن نشجِّع ظاهرة التطوع الجماعي والفردي للمساعدة في بناء وإصلاح الديار، وندعِّمها بالتنظيم الدوري لمن هو في حالة فقر، وفي حاجة ملحَّة، وكذا تنظيم ذلك عند خدمة المصالح الجماعية.
2 - تخصص إحدى الديار القديمة للعشيرة لغرض إيواء مؤقت ومحدود للفقراء والمحتاجين، وتقسَّم الكبيرة منها في شكل استديوهات لإيواء العائلات الصغيرة، والنشاطات الثقافية للشباب، والاجتماعات تحوَّل إلى الدار الجديدة، أو إلى دار الأعراس الجماعية.
3 - أو يخصص جناح خاص لبناء استديوهات في قطعة الأرض الواسعة للعشيرة الجديدة.
4 - تشجيع الوقف للعشيرة، حيث يتطوع بعض المحسنين لشراء بعض الديار الصغيرة في أي جهة من البلد وقفًا، وتخصَّص لهذا الغرض فقط.
ويشترط أن يتمَّ ما تقدَّم من تطوُّع وإيواء بمقاييس محدودة للاحتياج والضرورة بقدرها، وخاصَّة الأرامل واليتامى، والمرضى جسديًّا أو ذهنيًّا.
ثانيًا: الاشتراكات والنفقات:
قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمُ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (12).
هي آيات كثيرة في القرآن الكريم تنصُّ على الفضل الكبير في الإنفاق والصدقات، والأجر على ذلك بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة.
وذكر الأستاذ المرحوم محمد علي دبوز (1919 - 1986) في كتابه "نهضة الجزائر الحديثة" فيما يتعلق بالنفقات والمصاريف الخاصَّة لكل عشيرة في ميزاب، فقال: «ولكل دار أوقاف من أبناء العشيرة، أو صندوق من تبرُّعاتهم لإصلاح الدار، وتجهيزها بالأثاث الذي يحتاجه أبناء العشيرة»، ثمَّ قال: «والعشيرة هي التي تهتمُّ بالأيامى واليتامى في العشيرة، فإذا مات أحد وترك أبناء صغارًا دون وصيٍّ، عيَّنت له العشيرة وصيًّا، وراقبته وحاسبته في مال اليتامى، وتربيتهم وتعليمهم، وإذا لم يكن للأيم أقرباء ينفقون عليها فإنَّ مجلس العشيرة يتولَّى كفالتها وصيانتها» (13).
لقد تجسَّد بصورة ملموسة هذا الجانب من عمل الإدارة في اجتماعاتها المذكورة في تلك الفترة، وقد جسَّدت بالفعل معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في التضامن والتكافل الاجتماعي، (1/55)
صفحة 56
وذلك ما تظهره الإحصائيات من هذه الدراسة، حيث أتى هذا الجانب في الدرجة الثانية بعد السكن والإيواء، وذلك لأهمِّيتها وحيويَّتها في الحياة، "فالمال قوام الأعمال الدنيوية والأخروية".
نلاحظ أنَّ مجموع الموضوعات المطروحة والمكرَّرة كان (53) مسألة، وبنسبة 22.36% من مجموع المشاكل المدروسة، وقد استغرقت من الوقت 50.36% ساعة، أي حوالي 06.29 أيام باعتبار مدَّة العمل 08 ساعات في اليوم.
ومن خلال الموضوعات (26) المطروحة نلاحظ أنَّ موضوع الاشتراكات قد أخذ حصَّة الأسد في النقاش والجلسات باعتباره موضوعًا واحدًا وقد نوقش (07) مرَّات أي بنسبة 26.92% من الجلسات، ثمَّ يأتي بعد هذا الموضوع مختلف النفقات الشهرية على العوائل: أرامل ويتامى وإهمال بعض الأزواج للنفقات على الأسرة، وقد نوقشت (09) مرَّات أي بنسبة 34.61% من الجلسات وهي على اعتبار عوائل مختلفة. ثمَّ يأتي بعد ذلك مختلف الموضوعات في النفقة، كتسديد بعض الديون، ودفع الكراء، وشراء بعض الأدوية، وجمع التبرُّعات وتوزيعها، والمطالبة بالدين، والإعانة .. وغير ذلك.
ثم نلاحظ من خلال الجدول السابق أنَّ (22) مشكلة قد حُلَّت أي بنسبة (41.50%) من مجموع هذا الجانب (الاشتراكات والنفقات) وبنسبة (42.30%) من مجموع المشاكل المحلولة في العشيرة، وهذه أكبر نسبة باعتبار الجوانب العشرة للقضايا عامَّة.
وتفسير ذلك أنَّه من السهل جدًّا حلُّ المشاكل المادية المتعلِّقة بالاشتراكات والنفقات، وأنَّ في العشيرة والحمد لله من كانت نفسه سخيَّة، ويده كريمة للإنفاق على المعسر، وخاصَّة أصحاب المال في العشيرة، وجزاؤهم على الله كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} (14)، فهم أسخياء على أهل الحاجة والفقر والمسكنة، فما دفعوه لهم بنية خالصة فهم من وراء ذلك يبتغون مرضاة الله لا يريدون جزاءًا ممن أعطوه ولا شكورًا، بل يرجون ما سيضاعفه لهم الله من حسنات بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، ومن أجل هذا وذاك من الأهداف النبيلة بنيت فكرة العشائر في منطقة ميزاب.
أما من ناحية أخرى فنجد من بعض المتثاقلين في الاشتراكات يتثاقلون عن واجبهم التكافلي، إمَّا عن شحٍّ أو عن عدم وعي أهداف العشيرة وأهمِّيتها وفائدتها {وَمِنْهُم مَّنِ اِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُوَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا} (15)، ويتناسون أنَّ أفواه الفقراء تنتظر رحمة الله وعطف قلوب الإخوان عليهم.
اقتراحات وحلول لهذا الجانب:
يبدو من خلال المشاكل المادية المطروحة في هذا الجانب، فإنَّ التفكير المنطقي يدعو إلى جعل وقفٍ أو أوقاف تجارية أو صناعية يرجع ريعها إلى أبناء العشيرة الفقراء والعاجزين وأمثالهم، وبقية المصالح للعشيرة، ولكن يشترط أن يبقى الوقف التجاري في أيد أمينة ومخلصة وورعة في الحقوق والحدود، (1/56)
صفحة 57
ويبقى الاشتراك شيئًا رمزيًّا للأفراد يربطهم معنويًّا أكثر منه ماديًّا بالعشيرة، أمَّا المتقاعس عن ذلك فله روادع عرفية.
ثالثًا: العلاقات الاجتماعية والخُلقية:
قال الله تعالى: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمُ إِلاَّ مَنَ اَمَرَ بِصَدَقَةٍ اَوْ مَعْرُوفٍ اَوِ اِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (16). وقال: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (17).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: « .. الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقال أيضًا: «المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم، وأهاليهم، وما وُلُّوا».
وقال الشيخ محمد علي دبوز رحمه الله في كتابه "نهضة الجزائر الحديثة" في هذا الشأن: «ينظر المجلس [أي مجلس إدارة العشيرة] في مشاكل العشيرة، فيفضُّ الخصومات بين أهلها، ولا يترك خصومة تصل القضاء، ويراقب سلوك أبناء العشيرة، فإذا شذَّ أحد عن الدين، وزاغ عن الصراط المستقيم يستدعيه المجلس [الإدارة] إلى العشيرة، فيعظه ويوبخه، ويحاول إصلاحه باللين، فإن أصرَّ اجتمع أبناء العشيرة وقرَّروا تعزيره بالجلد، فإن تمادى رُفع أمره إلى العزَّابة» (18).
إنَّ هذا الجانب الاجتماعي للعلاقات قد تضمن (14) مشكلة، منها أربعة موضوعات متعلقة بإصلاح ذات البين لسوء الخلق تجاه القيم الإنسانية والإسلامية، وخاصَّة من طرف الأبناء والأزواج، وبالأخص جريمة ضرب الابن لأمه، وجريمة إهمال الزوج لزوجته تمامًا من غير تقدير للمسؤولية الملقاة على عاتق الرجل، وبذلك يكون لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنَّهن لكم عوان»، وهذه القضية أي إصلاح ذات البين قد تكرَّرت في (13) اجتماعًا، وهذا الجانب قد اشتمل على (14) موضوعًا كل واحد يختلف عن الآخر؛ كالتوكيل، وتطرُّف بعض الأفكار الفاسدة والمفسدة بين الشباب والشيوخ، وإهمال الورثة الصغار، والنزاع بين الزوجين .. وغير ذلك، وقد بلغ مجموعها (45) كما رأينا في الجدول السابق، ولم يصل منها إلى الحل سوى (10) قضايا، أي بنسبة (19.23%) من جملة القضايا المحلولة، أمَّا الباقي (35) قضية أي ما نسبته (18.91%) من القضايا غير المحلولة فقد بقيت عالقة. ونسبة القضايا في هذا الجانب هي (18.99%)، ومجموع الساعات التي استغرقتها هذه الجلسات هو (42.76) ساعة، وتقديرها بالعمل اليومي لمدة ثماني ساعات في اليوم هو (05.34) خمسة أيام ونصف تقريبًا.
ومن الملاحظ أنَّ هذا الجانب قد استقطب نسبة كبيرة من النساء، وهن (08) ثماني نسوة، وكل واحدة ومشكلتها، من جملة (12) اثني عشرة امرأة في القضايا كلِّها، أي بنسبة (66.66%)، (1/57)
صفحة 58
وهذه النسبة تمثل ثلثي مشاكل النسوة، في هذه الفترة من الجلسات، فما تفسير ذلك ياترى؟ وماذا نقرأ من خلال هذه الأحداث؟
أ - يبدو - والله أعلم - أنَّ القيمة الخلقية والدينية لرعاية الحقوق والعلاقات بين الجنسين بدأت تضعف في نفوس الرجال بالخصوص، وأنَّ فرص احتقار النساء والأمهات يمكن أن تظهر بين الحين والآخر، لسبب أو لآخر، وبدأت الآية تنعكس وتنقلب في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنَ اَمْوَالِهِمْ} (19)، فنوعية أصحاب المشاكل هؤلاء ليسوا بقوَّامين، ولا مُنفِقين من أموالهم، وإنَّما نجد أغلبهم منحرفون مخالفون للقرآن والشريعة المحمَّدية، يعانون انحلالاً خلقيًّا وإهمالاً لواجباتهم الدينية، ضعفاء الإيمان، وحسابهم عسير يوم القيامة.
ب - ونقرأ من خلال هذه النقطة كذلك أنَّ العلاقات الحميمية والرحمية للأسرة بدأت تتفكَّك عند البعض، حيث أنَّ المرأة لا تجد في محيطها العائلي والرحمي من يقوم بشؤونها، ومن يكون وكيلاً عليها يشرف عليها ويحميها، فتضطرُّ مرغمة إلى الشكاية للعشيرة، ومع أنَّ العشيرة من واجبها ومن مهامها ذلك، «وإذا لم يكن للأيم أقرباء ينفقون عليها، فإنَّ مجلس العشيرة يتولَّى كفالتها وصيانتها» (20) - كما قال الشيخ الدبوز-، فإنَّ الأنفة والنصوص القرآنية تنهى عن إهمال واحتقار المرأة، بل لقد قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذِينَ ءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (21)، وقال: {وَأُوْلُو الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} (22)، وقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمُ إِن تَوَلَّيْتُمُ أَن تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (23)، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت»، رواه أبو داود.
ج - وتقرأ من خلال ذلك أيضًا أنَّ الغيرة على المرأة، وحماية حماها أصبحت ضعيفة في نفوس هؤلاء المنحرفين، إلاَّ أنَّ هذه الأحداث والانحرافات - والحمد لله - قليلة، ولكنها مؤشر على أنَّ الخطر بدأ يهددنا ويداهم حياتنا إن لم يُتدارك بسياج يحمي شرف المرأة بالتوعية، وبأنواع الروادع لكلِّ منحرف يمسُّ بقيم الأسرة في المجتمع.
اقتراحات وحلول لهذا الجانب:
1 - يركَّز في التربية والتعليم، وفي الوعظ والإرشاد، وفي التجمُّعات على هذا الجانب الاجتماعي الخطير، وعلى مثل هذه القضايا التي بدأت تزحف إلى مجتمعنا لكي تُتلافى في المستقبل.
2 - قد لا تُحل مثل هذه المشاكل بأسلوب اللجان والاتصالات خارج الإدارة والجلسات، وإنَّما تحلُّ باستحضار طرفي النزاع، والأقارب، والشهود، والمدعين إلى الإدارة نفسها بصورة مستعجلة للمناقشة والحوار، ولو كانت امرأة، ولكن بأسلوب ملائم، كما قال الشيخ محمد علي دبوز: (1/58)
صفحة 59
«فإذا شذَّ أحد عن الدين وزاغ عن الصراط المستقيم يستعيه المجلس [الإدارة] إلى دار العشيرة فيعظه ويوبِّخه ... إلخ» (24).
رابعًا: الثقافة والتعليم:
قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (25)، وقال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وقال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالحٍ يدعو له» (26).
إنَّ من مهام العشيرة أن تراعي وتراقب من لا وليَّ له، أو هو ضعيف وفقير في الجانب التعليمي والتربوي، وتشجعه ماديا ومعنويًّا، وتدعمه لتحقيق الحديث النبوي السابق جملة وتفصيلاً، وذلك لجميع أبناء العشيرة، أية عشيرة، وخاصَّة الفقراء وذوي المؤهلات الذهنية والفكرية والمهنية.
نلاحظ أنَّ هذا الجانب من القضايا والمشاكل قليلة نوعًا ما بالمقارنة مع كثرة المشاكل في الجوانب الثلاث السابقة، فهناك فرق بين السابقة لها (45) وهذا الجانب الذي فيه (20) عشرون قضية بل طرحًا، بين ما هو جديد وما هو مكرَّر في الجلسات، ومعظمها موضوعات ثقافية هي إلى الإعلام والتوعية أقرب من التعليم، ولم تطرح مشكلة متعلقة بالتعليم سوى قضية واحدة في هذه الفترة من الجلسات، وهو انقطاع ابن من العشيرة عن التعليم قبل الآوان، وبقي عاطلاً عن العمل، وحاولت الإدارة إرجاعه إلى المدرسة، ولكنه لم يلبث فيها طويلاً، ثمَّ حاولت إدماجه في التجارة. أما الموضوعات الأخرى كما ذكرت فهي ثقافية، مثل تنظيم الأعراس، والإحصاء، وتوعية البنت وخاصة البالغات، وإقامة جسور بين إدارة العشيرة وبين الشباب بالاجتماع معهم وتوعيتهم، وإقامة معارض كاقتراح، وتنظيم الأنشطة الصيفية للتلاميذ، وقراءة البيانات المختلفة، اجتماعية وسياسية ودينية، صادرة من جهات معينة، ومجموعها (08) ثماني موضوعات، وقد تكرَّرت في (20) جلسة؛ (17) منها بقيت عالقة أي بنسبة (85%)، بل لم تكن عالقة بقدر ما هي إعلام وتوعية، ويقدر عملاً ومجهوًا للإدارة صرف فيه من الوقت والجهد الفكري شيئًا معتبرًا، ومنها (03) ثلاث قضايا محلولة بنسبة (15%) ونسبة هذا الجانب بالنسبة لكل القضايا المطروحة (08.44%) والوقت المستغرق في هذه الجلسات قد بلغ 19.00 ساعة، وتقدر بأيام العمل لمدة ثماني (08) ساعات في اليوم بـ (02.37) أكثر من يومين من أيام العمل.
إنَّ تفسير قلَّة طرح القضايا في هذا الجانب، وخاصَّة في مجال التعليم، هو أنَّ لكل تعليم إدارة خاصَّة تقوم بامتصاص مثل هذه المشاكل، وتحلُّها لوحدها أو بمساعدة أولياء التلاميذ دون اللجوء إلى إدارة العشيرة.
اقتراح لهذا الجانب: (1/59)
صفحة 60
في الحقيقة هناك مشاكل تعليمية كثيرة تحتاج إلى حلٍّ سريع، وخاصَّة في هذا العصر ومفرزاته، وخاصَّة ما يتعلَّق بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم «اطلبوا العلم ولو بالصين»، فإنَّ الإدارة قد تفكر في استغلال ذوي الطاقات الفكرية والمهنية لتكوينهم ولو في الخارج، وتمدُّ لهم يد العون بالمنحة الشهرية، كما يقع ذلك من طرف إخواننا في بعض قرى ميزاب.
خامسًا: التركات والميراث:
قال الله تعالى: {وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} (27)، وقال: {اِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا اِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (28)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أحرج مال الضعيفين: المرأة واليتيم»؛ أي أوصيكم باجتناب مالهما، وقال السُّدِّي: «يُبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه بآكل مال اليتيم» (29).
وقال الشيخ أبو اليقظان رحمه الله (1888 - 1973م): «وقد علَّق الله بنظام العشائر حقوقًا لليتامى، والأرامل، والسفهاء، والمجانين، والغُيَّاب [أي الغائبين]، وحفظ به نظام الأسر والعائلات بحفظ الأنساب، وإلزام النفقات، وإيصال حقوق الميراث لأصحابها، وخفف به ثقل الدية بتوزيعها على أفراد العشيرة» (30).
إنَّ إدارة العشيرة تسعى جاهدة إلى أن تحفظ هذا الجانب وترعاه، وتحفظ الناس من الوقوع في سوء التصرُّف في مال الإرث، وخاصَّة اليتامى والأرامل كما ذكر في الحديث السابق.
ويلاحظ في هذا الجانب أنَّ مشاكلع قد تناقصت بشكلٍ حاد ومفاجئ إلى أقلَّ من نصف معدَّل المشاكل والقضايا السابقة، بل إلى حوالي الربع بالنسبة مثلاً للقضية الأولى (السكن)، فمجمل القضايا المطروحة الجديدة والمكررة في جلسات هذه الفترة (13) مرَّة بنسبة (05.49%) وهذه النسبة أقل من ربع نسبة القضايا الأولى في السكن.
والوقت المستغرق في هذه الجلسات (12.35) ساعة، وهذا الوقت يقدَّر بأيَّام العمل لمدَّة (08) ثماني ساعات في اليوم هو (01.54) أكثر من يوم واحد، بل قرابة يومين من العمل.
وجملة هذه القضايا خمسة تقريبًا، والواحدة منها ليست من خصوصيات العشيرة، بل هي من عشيرة أخرى في البلدة.
ويمكن تفسير تناقص القضايا في هذا الجانب بأنَّ هناك هيئة الأمناء الذين يقومون بهذه المهمَّة، أي تقسيم التركات، وإيصال حقوق الميراث لأصحابها، وغالبًا ما يلجأ أهل العشيرة والبلدة كلِّها إلى هؤلاء للفصل في قضاياهم بثقة تامَّة.
وقد لجأ إلى العشيرة هؤلاء منهم امرأتان وعائلتان من القصر وأخرى لعائلة من غير العشيرة.
إنَّ الظاهرة البارزة في هذا الجانب؛ تقسيم التركات؛ هو تأخر العائلات الكبير في اللجوء تقسيم التركات حيث يصل بعضها إلى أكثر من عشر سنوات، وهذا يعتبر من جملة أكل مال اليتامى (1/60)
صفحة 61
ظلمًا وعدوانًا، فلا يقسم الورثاء التركة حتى يختلط الحابل بالنابل، ويلتبس أمرٌ تركه الهالك بما أضاف فيه أو انتقص المقتدرون من الأبناء، وأحيانًا يكون السبب فيه بعض المشاحنين الذين قدَّر لهم الله ألاَّ يعمّهم برحمته عفانا الله من ذلك. قال الله تعالى: {وَءَاتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمُ إِلَى أَمْوَالِكُمُ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} (31).
اقتراح لهذا الجانب:
نقترح في هذا الجانب أن تكوِّن إدارة العشيرة لجنة أو أمناء خاصِّين لتقسيم هذه التركات، وتقصي حقوق أبناء البنت المنتمية للعشيرة المتزوجة في عشيرة أخرى، وبهذا تقلُّ المشاكل.
سادسا العمل والبطالة:
قال الله تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الذِينَ أُحْصِرُواْ فيِ سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فيِ الاَرْضِ يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيم} (32)، وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (33)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدَّ فاقته، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجلٍ أو آجل» (34)، وقال صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس تكثُّرًا فإنَّما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر» (35)، وقال صلى الله عليه وسلم كذلك: «والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبلاً فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً أتاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه» (36).
العمل واجب وشرف وكرامة وأنَفة، والبطالة مذلة وخنوع وباب لجميع الشرور. إنَّ إدارة العشيرة تحارب بكل قواها ومجهوداتها هذه الظاهرة الخطيرة في كل مجتمع حيث أن البطالة قد تكون مدعاة للسرقة والطمع لما في أيدي الناس، فهي مرض نفسي واجتماعي في آن واحد، وعليه فإنَّ البطالة محرَّمة في وادي ميزاب، ومن مهامِّ إدارة العشيرة أن تُوجِد العمل للبطالين، كما ذكر ذلك الشيخ محمد علي دبوز، حيث قال: «وإذا تعطَّل أحد عن العمل، أوجد له مجلس العشيرة عملاً، إنَّ البطالة محرَّمة في ميزاب، ولذلك ترى التاجر أو الفلاح الذي لا يسع عمله إلاَّ عاملين يستخدم ثلاثة أو أكثر، فزالة البطالة في وداي ميزاب بفضل الإسلام» (37).
من خلال جلسات هذه الفترة ترى أنَّ هذه الظاهرة هي خفيفة نوعًا ما، إذ لم توجد البطالة إلاَّ عند (04) أربعة أشخاص اثنان منهم في حالة غير عادية بصورة واضحة، أمَّا الآخران فيبدو فيهما الاضطراب وسوء التصرف نوعًا ما. ونخصُّ بالذكر أنَّ واحدًا منهم في حالة مستعصية. إنَّ هذه المشكلة قد أخذت من الجلسات والبحث فيها (12) مرَّة، (05.06%) من الجلسات، ولم يكن حلُّها واضحًا، حيث أنَّ بعضهم يشتغل ثم ينقطع ثم يرجع فينقطع وهكذا، وقد استغرق من الوقت في هذه الجلسات (11.40) ساعة، ويقدَّر العمل بهذا الوقت بمدة (01.42)، أي أكثر من يوم (1/61)
صفحة 62
واحد من أيام العمل.
ونفسر قلة البطالة هذه هو صعوبة أن يُرى الميزابي يتسكَّع في الطرقات، أو يقتل الوقت في المقاهي ... وكما يصعب عليه أن يطلب ذات اليد أو أن يسأل كما قال توفيق المدني: «وبفضل ما تقدَّم لا يوجد في بلاد ميزاب على الإطلاق زاوية ولا حانة ودار خناء - إلاَّ ما أوجده الفرنسيون خارج غرداية - كما لا يرى على الإطلاق متسول من الميزابيين في أي طريق من طرق ميزاب» (38).
ونتحدَّث هنا عن القضايا التي وصلت إلى الإدارة ولا نتحدَّث عمَّا هو خافيا، وعن البطالة المقنعة، وعمَّا يتعلَّق بعمل المرأة خارج المنزل فهذا غير معتبر وغير معترف به شرعًا تقليدًا على العموم.
اقتراح لهذا الجانب:
دعمًا لمحاربة البطالة فإنَّنا نقترح على إدارة العشيرة أن تفتح سجلاًّ خاصًّا لطلب العمل من الأفراد من جهة، ومن جهة أخرى طلبات التجار وأرباب الصناعة وغيرهم للعمال ونوعيتهم، وستنظِّم الإدارة تقنيات ذلك ولو بالهاتف ... وذلك ممَّا يدعم أقوال الشيخ الدبوز والشيخ توفيق المدني السابقة.
سابعًا: الانحرافات:
قال الله تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (39)، {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (40)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي الله رجلاً على يدك خير لك ممَّا طلعت عليه الشمس». وقال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (41).
إنَّ من جملة مهام العشيرة - كما ذكر علي يحيى معمَّر - «معالجة بعض الانحرافات التي تقع من بعض أفراد العشيرة» (42)، وكما ذكر الشيخ محمد علس دبوز سابقًا « ... فإذا شذَّ أحد عن الدين وزاغ عن الصراط المستقيم، يستدعيه المجلس [الإدارة] إلى دار العشيرة، فيعظه ويوبِّخه، ويحاول إصلاحه باللين، فإن أصرَّ اجتمع أبناء العشيرة وقرَّروا تعزيره بالجلد، فإن تمادى رفع أمره إلى العزَّابة» (43).
إنَّ سوسة المجتمع التي تنخر هيكله العظمي هم المنحرفون عنه وعن مبادئه الدينية وعاداته وتقاليده، ولكل مجتمع مخالفين ومعارضين عن سوء ظن، وسوء فهم وتفسير لما يريده المجتمع منهم، وهم معارضون في الخفاء، وليست لديهم شجاعة كافية لإبداء رأيهم للمناقشة والحوار وتصحيح الأفكار والأخطاء، وحتى المجتمع قد يستفيد من ملاحظاتهم وآرائهم، وهذه لا تظهر إلاَّ في صورة "خالف تُعرف"، أو في صورة "حُبِّ الظهور"، أو لدافع من الدوافع المجهولة عنده، وعند غيره. وعلى العموم «فإنَّ الذئب لا يأكل من الغنم إلاَّ الشاة القاصية». (1/62)
صفحة 63
من خلال محضر الجلسات لهذه الفترة، وبالرجوع إلى جدول القضايا نلاحظ أن هذا الجانب قد قلَّت فيه المشاكل الكبيرة والعويصة، ولا يخلو أي مجتمع من مثلها، وأكبر من ذلك. ونحن والحمد لله على أبنائنا - في الظاهر طبعًا - يمتازون بالسلامة في سلوكهم، فعلينا بالظواهر والله يتولَّى السرائر. مجموع الجلسات التي طرحت فيها هذه القضايا هي (10) فقط، في ست موضوعات يتكرَّر طرحها بين جلسة وأخرى للنظر في الحل، منها قضيتان لا تعتبران انحرافا بأتم معنى الكلمة، إحداهما تتمثل في تصلب في الرأي من غير ليونة له تبعاته، الثانية أصلها مرضٌ نفسي على ما يظهر من تصرفات الشخص، بينما الثالثة تعتبر انحرافا في الدين ولكن هي متعلقة بشخصٍ من عشيرة أخرى، فلو أنَّ ابنة العشيرة لم تشتكي لاعتبرت القضية لاغية، وستبقى القضايا الثلاث الأخرى للانحراف متعلقة بأبناء العشيرة. وعلى العموم فإنَّ نسبة هذه الجلسات العشرة (10) قد بلغت (04.22%) من مجموع القضايا الأخرى، وعدد الساعات المستغرقة لهذا الجانب (09.50) ساعة، أي حوالي (10) ساعات في هذه الفترة، وتقدير أيام العمل عليها هو (01.18)، أي يوم واحد من أيام العمل.
وتفسير هذه التصرفات على ما سظهر أنَّها نابعة من شباب طائش هم في حاجة إلى توصية وإرشاد ديني، ودراسة نفسية لإصلاحهم باللين كما ذكر الشخ الدبوز.
اقتراح لهذا الجانب:
يوجد في مجتمعنا اختصاصيون في علم النفس وعلم الاجتماع لو توكل إليهم هذه الحالات لدراستها علميًّا، لكي يسهل توجيههم وإرشادهم دينيًّا ونفسيًّا، قبل أن تنتشر مثل هذه السوسة في المجتمع.
تاسعًا- التجارة وديونها:
عاشرًا- الأراضي والعقود:
قال الله تعالى: {قَالَتِ اِحْدَاهُمَا يَآأَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الاَمِينُ} (44)، وقال: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (45)، وقال: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَابَ كَاتِبٌ اَن يَّكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ} ... إلى آخر الآية (46).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «"من اقتطع حقَّ امرئ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة"، قال رجل: "وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ "، فقال: "وإن كان قضيبًا من أراك"» (47).
وقد ذكر الشيخ محمد علي دبوز أنَّ من مهام إدارة العشيرة النظر في الأزمات التجارية، فقال: «وإذا اختلَّت تجارة أحدٍ، ووقع في أزمة لجأ إلى مجلس العشيرة [إدارتها]، فيُعينه ويُقرضه، ويأخذ (1/63)
صفحة 64
بيده حتى ينهض» (48).
لقد جمعنا هذين الجانبين لتحليلهما، وذلك لارتباطهما في المعاملات التجارية، وهما متعادلان في القضايا المطروحة في جلسات الإدارة، وهي قليلة جدًّا بالمقارنة مع القضايا الأولى في الجدول، وقد بلغ عدد القضايا المطروحة في كلِّ واحدٍ منها (10) قضايا منها الجديدة والمتكرِّرة للنظر في الحل النهائي، وتمثِّل النسبة في كلِّ واحد منها (04.22) وقد حُلَّت في كلِّ واحد منها قضيَّة واحدة، وبقية القضايا ظلَّت عالقة. وقد استغرقت من الوقت بينها في الاجتماعات (19.40) ساعة، ويقدَّر العمل فيها بـ (02.36) أي يومين ونصف ساعة.
والموضوعات المطروحة في الجانب التجاري لا تتعدَّى أربعة موضوعات، وهي نزاع على تصفية حساب بين شريكين انحلَّت حركة تجارتهما وقد أخذت من الجلسات سبعًا، وبنسبة (70%)، والقضايا الثلاث الأخرى أخذت نسبة (30%)، وتتمثل هذه القضايا الثلاث في المطالبة بدفع كراء محلٍّ تجاري، وديون تجارية على شريكين من العشيرة، والمطالبة بدفع كراء محلٍّ من طرف شخص آخر خارج العشيرة؛ إذن فثلاثة أرباع القضايا هي ديون على كراء محلاَّت تجارية، أي (75%) هي من هذا النوع، و (25%) هي لتصفية حسابات شركة منحلَّة.
أمَّا موضوع الأراضي والعقود فإنَّ قضية أرض نوقشت مرَّتان أي بنسبة (20%)، أمَّا الموضوع الثاني فيمثل قضية مطالبة بعقد قطعتين من الأرض، وقد نوقشت (08) ثماني مرَّات، أي بنسبة (80%)، ومنها تحضير عقد أرض مقر العشيرة الجديد.
وتفسير قلَّة القضايا في هين الجانبين هو أنَّ الميزابي عمومًا متمرِّس وخبير بأمور التجارة منذ قرون طويلة، ويمتاز بالأمان بصورة عامَّة إلاَّ ما نذر، ولا يقع في قضيَّة خطيرة تخلُّ بالأمانة إلاَّ من هو غشيم، أو مبتدئ، أو طائش، كما في قضية عدم دفع الديون، بالإضافة إلى أنَّ مثل هذه القضايا الاقتصادية والتجارية قد تكون من اختصاص المحاكم.
اقتراح لهذين الجانبين:
معظم من يتخرَّج من المدارس يكون في مرحلة مبكِّرة، ويجهل الكثير من الحقوق والواجبات التجارية، ولذا نقترح أن تؤلَّف كتب مدرسية، وكتب قصصية للصغار تتناول الموضوعات التي تزيد الوعي الاقتصادي الشرعي.
عاشرًا: الزواج والطلاق:
قال الله تبارك وتعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (49)، وقال: {وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنَ اَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا} (50)، وقال تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُّبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ} (51). (1/64)
صفحة 65
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال عند الله الطلاق».
ربما لمعنى الحديث السابق كانت مشاكل هذا الجانب قليلة جدًّا في هذه الفترة من الجلسات لإدارة العشيرة، وقد نوقشت هذه القضايا (07) مرَّات فقط، وهي أقلُّ المشاكل في العشيرة، حيث ناقشت الإدارة (03) ثلاثة موضوعات فقط: الموضوع الأول غير متعلق بالعشيرة تمامًا؛ حيث أنَّ بنتًا من العشيرة تزوَّجت في عشيرة أخرى فطالبت بفراق زوجها لسوء سيرته وطبعه معها. والموضوع الثاني يتعلق بزواج ابنتين من العشيرة خارج البلدة بعيدًا، وكان النظر في كيفية الاهتمام بهن ومتابعة أحوالهن. أمَّا الموضوع الثالث فيتعلق بطلاق حقيقي، وهي الحادثة الوحيدة في هذه الفترة، ونسبة الجلسات لهذه القضايا هي (02.95%) وهي أقل النسب، وقد استغرقت من الوقت حوالي (07) ساعات من المجموع الكلي، وهذه تقدَّر بأقلَّ من يومٍ واحدٍ من أيام العمل.
يمكن أن نفسِّر هذه المشاكل وخاصَّة الطلاق، فنسبته في هذه الفترة هي (00.42%) أي أقلَّ من نصف المشكلة من بين مجموع الموضوعات المطروحة في مجموع الجلسات، وبالنسبة لمجموع الموضوعات الجديدة المطروحة في هذه الفترة وهي (102) موضوعًا تصبح ننسبة هذه المشكلة (00.98%) وهي قليلة كذلك إذ لم تبلغ النسبة (01%).
ونستطيع أن نفسِّر هذه الظاهرة في القلَّة بتفسيرين منطقيين، الأول منهما هو أنَّ الطلاق كالموت لا يحدث يوميًّا كما تحدث المعاملات والاتصالات لقضاء الحاجات اليومية، والثاني منهما هو أنَّه مؤشِّر اجتماعي للاستقرار العائلي والنفسي والحمد لله، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمِنَ -ايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (52).
وخلاصة لما تقدم من تحليل نقول إنَّ مؤسسة العشيرة وإدارتها صغيرة التكوين، ولكنها تقوم بمهام كبيرة جدًّا، فهي تخفف العبء عمَّا تقوم به مؤسسات الدولة كالمحاكم والشرطة والمالية والتعليم والتربية .. وغيرها، وبمعنى آخر أعظم شأنًا فإدارة العشيرة هي الأب والأم لم فقدهما، تقوم بمهامها بإخلاص وتضحية، وحبٍّ لأبناء أُسر العشيرة بدون مقابل، ولا انتظار شكر شاكر، وسيتبيَّن لنا قيمة هذا الكلام عندما نقرِّر ونحوِّل المعنويات إلى قيم ماديَّة أو مالية لاحقًا لكلِّ مشكلة.
موضوعات حيوية لم ترد إلى الإدارة لمناقشتها في هذه الفترة:
1 - الصحة والصحة النفسية (وقد نوقش البعض منها ضمن النفقات وأساليب العلاج).
2 - الفلاحة، وشؤون الحدائق (الغابات) والضِّياع.
3 - الشؤون الصناعية.
4 - الأبناء المولودون من أمهات غير ميزابيات سواء داخل الوطن أو خارجه.
التقديرات المالية للمشاكل المدروسة في هذه الفترة:
قال الله تعالى: {وَمَنَ اَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (1/65)
صفحة 66
(53). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة من كُرب الدنيا فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة».
ليس كلُّ ما يقدَّم من خدمات وفوائد للإخوة المسلمين له ما يقابله من أجرٍ ماديٍّ فانٍ؛ وإنَّما المؤمن بالله واليوم الآخر يقدِّم لإخوانه خدمات جلى بكل طاقاته بدون مقابل، وذلك رجاءً لما سيجده من خيرات منصوص عليها في القرآن والسنة يوم القيامة.
فنحن إذا ما قدَّرنا هنا بعض التقديرات المالية لعمل إدارة العشيرة فليس ذلك منًّا أو محاسبة للآخرين، وإنَّما لنبين بالدليل والبرهان المحسوس أنَّ الإدارة تضحِّي ولا تحاسب أحدًا، فعملها كلُّه لوجه الله خالصًا، بالفكر والجهد والوقت والمال.
قُدِّر الوقت المستغرق لمناقشة القضايا المذكورة والمختصرة في الجدول السابق في هذه الفترة المحدَّدة في البداية بـ (28.27) يومًا، بدون حساب عطلة يوم الجمعة، وبهذا يمكن أن نقدِّر العمل بمدَّة شهرٍ كامل من العمل، وكل عضو يقر له أجرة (15000دج) أو مليون ونصف في الشهر في المتوسط أو المعدل العام، وإذا كان أعضاء الإدارة (20) عضوًا، فيقدَّم لهم هذا الراتب في هذه الفترة المقدَّرة بشهر فيصبح مجموع رواتبهم (15000 × 20 = 300.000دج) أي ثلاثين مليون سنتيم كاملة، كما أنَّ لوازم كلِّ جلسة تقدَّر بـ (800دج) مكرَّرة في (31) جلسة، فيصبح (800 × 31 = 24800دج) فيكون المجموع نفقات وحقوق الإدارة: (324.800دج) أي اثنين وثلاثين مليون وأربع مائة وثمانين ألف سنتيم.
ولنفرض أنَّ نصف المشاكل المطروحة ومجموعة (102) أي (51) قضية قد رُفعت إلى المحكمة، فأقلُّ تقديرٍ في المتوسط سيصرف عليها حوالي (10000دج) مليون سنتيم، أي بمجموع (510000دج) واحد وخمسين مليون سنيتم، فيصبح المجموع الكلي للنفقات يساوي (834.800دج) ثلاثة وثمانين مليونًا، وأربع مائة وثمانين ألف سنتيم، وهذه قيمة دار متوسطة الحجم والعمر عند شرائها.
إنَّ هذه القيمة المالية الثقيلة، قد تخسرها قبيلة مفكَّكة وغير نظامية من غير أن تشعر في مجتمعات أخرى، كما أنَّنا لو تحاسبنا في كلِّ شيءٍ بالمقابل المادي، فيطالب كلُّ عضو في العشيرة أو المشتركين فيها، فيدفع للإدارة مقابل خدماتهم، وسهرهم، كلُّ ذلك العدد! ولكن كل ذلك يقدم مجَّانا لصالح أبناء العشيرة - الضعفاء بالخصوص- وهو ربح لهم في آن واحد. فليقدِّر الماديون والمغفَّلون من أصحاب المشاكل قيمة مجهودات إدارة عشيرتنا المخلصة.
الخاتمة
ملاحظات واقتراحات للتحسين (1/66)
صفحة 67
ختاما لما تقدَّم من تحليلات وتفسيرات بسيطة ومستعجلة لبعض المشاكل المطروحة، وما انبثق عنها من حلول، وصعوبات في حلِّ البعض منها، فإنَّنا لغرض تحسين وضعية جلسات إدارة العشيرة، نقدم الملاحظات والاقتراحات التالية:
1 - إنَّ بعض القضايا أحيانًا تبقى عالقة لمدة طويلة، بدون حلٍّ مستعجل، وفي الغالب يكوَّن لها ما يسمى باللجنة، وهذه اللجنة - مع تقديرنا لمجهودها - بدورها أحيانًا يصعب عليها الاتفاق على الوقت المناسب للاجتماع أو المعاينة، وأحيانًا يغيب بالسفر أو بسبب آخر بعض أعضائها، لمهامهم الخاصة، وأحيانًا أخرى يصعب الاتصال مع المعني بالمشكلة، ومع الطرف الآخر ... لذا فإنَّه في نظرنا أنَّ فكرة تكوين لجنة لحلِّ مشكلة تمدد في عمر المشكلة.
الحلُّ الأفضل - في نظرنا الخاص - هو أنَّ إدارة العشيرة بكاملها تكون مسؤولة عن الاتصال أو المعاينة، أو الحوار مع الطرف الآخر، وكل حالة ينظر في أمرها، كيف ومتى يتم ذلك؟ فمثلاً بالنسبة للمنازعات، ومطالب تصفية الحسابات التجارية بين الشركاء، فإنَّ على الإدارة في اجتماعها المحدد أن تستدعي أصحاب المشكلة للاجتماع مع الإدارة، للاستماع من الطرفين، سواء من داخل العشيرة أو من خارجها، ولو كانت ىمرأة لتدلي بقضيتها بكيفية شرعية مع ذي محرم لها، وذلك أفضل من المراسلة المختصرة الناقصة لعناصر القضية. وإنَّ هذه الفكرة ستختصر عمر القضية للوصول إلى الحل سريعًا، وكأنَّها محكمة عائلية مصغَّرة.
2 - يلاحظ أنَّ الجلسات متقاربة الزمن بينها، جلسة بين كلِّ (15) يومًا، حيث أنَّ هذه الفترة لا تسمح للجنة المكونة أو المعني بالوصول إلى الحل في هذه المدة، وبذلك تبقى بعض القضايا تتكرَّر في جلسات متتالية للمناقشة من غير طائل، والأفضل أن تكون جلسات الإدارة كلَّ ثلاثة أسابيع، وعند الضرورة القصوى تجتمع عند (15) يومًا.
3 - الرسائل أو الشكايات التي ترد إلى إدارة العشيرة للنظر فيها، فإنَّه من أدبيات العلاقات الاجتماعية أن يطَّلع عليها المعني، أو ولي الأمر أو الأبوين، أو ترسل إليه نسخة منها للإعلام والاطٍّلاع، أو لا تقبل إلاَّ بعد توقيع الطرف الآخر عليها.
4 - الرسائل التي ترد إلى إدارة العشيرة من متزوجة في عشيرة أخرى، من الملائم أن ترسَل إلى عشيرة المشتكى منه نسخة من الشكاية، أو استدعاء ممثل عنه لإدارة العشيرة، لمناقشة القضية معًا.
5 - من الملاحظ أنَّ المشاكل المطروحة هي نابعة من أبناء العشيرة مستواهم الثقافي والتعليمي لا يتجاوز الابتدائي والمتوسط، وأنَّ هؤلاء يتخرَّجون وهم فارغون من أدبيات العلاقات الاجتماعية والحقوق الشرعية، ومن هنا نرى أهمية محتويات البرامج المدرسية، ولذا نرى أنَّه من الأوكد الالتزام بما يلي: (1/67)
صفحة 68
أ- أن نشجِّع الأبناء - وإن أمكن البنات كذلك - الدخول إلى معهد الحياة، أو معهد عمي سعيد، أو معهد الإصلاح، ليستمر في التكوين تكوينًا شرعيا في المعاملات خاصَّة، حيث نلاحظ أنَّ المتخرجين منها يتمتَّعون بأخلاقيات عالية.
ب- إنَّ نصب مثل هذه المشاكل بصورة قصصية - أو أسلوب آخر - في كتب القراءة التي تؤلف لهذا الغرض، أي تقدم أمثلة واقعية للمشاكل الحياتية، لمعرفة الحقوق والواجبات الشرعية والاجتماعية.
ج - أن تؤلَّف كتب قصصية في مثل هذه المواضيع والمشاكل مطعَّمة بالآيات والأحاديث للعبرة والاتعاظ، أي يركز في التربية والتعليم على مثل هذه القضايا الدينية والاجتماعية في كلِّ الدروس لتلافي الوقوع فيها في المستقبل. والله الموفق للصواب.
ذو القعدة 1423هـ/ جانفي 2003م
موسى بن إبراهيم حريزي
--------------------
الهوامش
1 ـ النساء، الآية 01.
2 ـ الإباضية في الجزائر، ج2، ص 556.
3 ـ نفس المرجع ونفس الصفحة.
4 ـ المرجع السابق، ص 559.
5 ـ المرجع السابق، ص 557.
6 ـ المرجع السابق، ص 558.
7 ـ المرجع السابق، ص 559.
8 ـ المرجع السابق، ص 557.
9 ـ النساء، الآية 59.
10 ـ التوبة، الآية 24.
11 ـ الزمخشري، الكشاف، ج2، ص 181.
12 ـ فاطر، الآيتان 29 و30.
13 ـ علي يحيى معمَّر، الإباضية في الجزائر، ج2، ص 559.
14 ـ الحديد، الآية 18.
15 ـ آل عمران، الآية 75.
16 ـ النساء، الآية 114. (1/68)
صفحة 69
17 ـ الحجرات، الآية 10.
18 ـ نقلاً عن علي يحيى معمَّر، الإباضية في الجزائر، ج2، ص 559.
19 ـ النساء، الآية 34.
20 ـ المرجع السابق، ص 559.
21 ـ البلد، الآية 17.
22 ـ الأحزاب، الآية 06.
23 ـ محمد، الآية 22.
24 ـ المرجع السابق، ص 559.
25 ـ الزمر، الآية 09.
26 ـ رواه مسلم.
27 ـ الفجر، الآيتان 18، 19.
28 ـ النساء، الآية 10.
29 ـ ابن كثير، ج2، ص 211.
30 ـ نقلاً عن علي يحيى معمَّر، الإباضية في الجزائر، ج2، ص 557.
31 ـ النساء، الآية 02.
32 ـ البقرة، الآية 273.
33 ـ الجمعة، الآية 10.
34 ـ رواه أبو داود والترمذي.
35 ـ رواه مسلم.
36 ـ رواه الربيع بن حبيب.
37 ـ نقلاً عن علي يحيى معمر، الإباضية في الجزائر، ج2، 560.
38 ـ المرجع السابق، ص 558.
39 ـ الإسراء، الآية 15.
40 ـ يونس، الآية 35.
41 ـ رواه مسلم.
42 ـ المرجع السابق، ص 557.
43 ـ المرجع السابق، ص 559.
44 ـ القصص، الآية 26.
45 ـ النساء، الآية 29.
46 ـ البقرة، الآية 282.
47 ـ رواه مسلم.
48 ـ المرجع السابق، ص 560.
49 ـ التغابن، الآية 14.
50 ـ الفرقان، الآيتان 74، 75.
51 ـ التحريم، الآية 05.
52 ـ الروم، الآية 21.
53 ـ الإسراء، الآية 19. (1/69)
صفحة 70
بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة في كتاب عقد التأمين في ضوء الإسلام
لفضيلة الأستاذ: الشيخ بالحاج محمد بن بابه
إعداد: أ/ حمدي محمد بن صالح
- جامعة باتنة -
إنَّ التأمين بجميع صوره وأشكاله من القضايا الخلافية بين الفقهاء في العصر الحاضر لحداثة هذا النوع من العقود الذي وُجِد وتطوَّر في ظل الحضارة الغربية، حتى قيل: «إن التأمين عقدٌ مستحدث لم يتناوله نصٌّ في الشريعة بالحظر أو الإباحة».
يقول الكاتب في هذا الصدد: «إنَّ عقد التأمين مستحدثٌ في معاملات الناس المعاصرة بحيث لو بحثنا عن حكمه فيما بين أيدي المسلمين من الفقه القديم لم نجد له ذكراً فيه، بالتصريح ولا بالتلميح، وعليه فهو من العقود المبتكرة المستحدثة المستجِدَّة، لم يكن عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة - رضوان الله عليهم - ولا من جاء بعدهم من التابعين وأيمة المذاهب وكبار تلاميذهم إلى القرون المتأخرة» (1).
هنا نقف وقفة ونضع السؤال الآتي: هل الشريعة الإسلامية - التي تُنعت بالكمال والشموليَّة وصلاحيتها لكلِّ زمان ومكان - جاءت خالية من معالجة قضيَّة الأمن ووضع القواعد الأساسية لحياة إنسانية آمنة مطمئنة؟ حتى نقول إنَّ التأمين قضيَّة عصرية لم تُعرف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
وهذا التساؤل سوف يكون محور بحثنا، ومحاولة الإجابة عنه من خلال مناقشتنا لأراء الكاتب في "التأمين".
وقد تردَّد أيضا في كتابات بعض المفكرين في عرضهم لبعض القضايا المعاصرة - منها قضية التأمين (1/70)
صفحة 71
- القولُ إنَّ ذلك تغلغل في المعاملات حتى فرض وجوده على الناس، وإنَّه شاع وتفرَّع بحيث لا يمكن الاستغناء عنه تبريراً للأمر الواقع، ورضوخا للنزول على حكم القانون الوضعي، فهل يكفي ذلك التبرير لاستساغة المعاملات والنظم التي تصطدم مع النصوص الشرعية؟ أو تزيينها بمظاهر وشعارات إسلامية؟.
فقد عالج الإسلام مثل هذه القضايا بأسلوبه الفريد المبني على التدرُّج في تحريم ما تأصل في أعراف الناس وعاداتهم؛ شأن الربا، الذي كان محور معاملات الناس التجارية، فخلَّص بعض العادات، وأبقى على البعض منها التي تتَّفق مع روح التشريع الإسلامي.
الأمن مطلب فطري:
الأمن مرتبط بالإنسان واستمرارية حياته، فلا جدال أنَّ كلَّ إنسان مسؤولٍ يسعى إليه قدر طاقته ويحرص على الاستزادة منه كما يسعى للحصول على رزقه، ويصدق القول نفسُه على ربِّ الأسرة الذي يسعى لأمن عائلته، وعلى ولي الأمر الذي يهدف إلى استتباب الأمن في أطراف مملكته، وبصفة عامة على كل راعٍ في رعيته. وقد ذكره القرآن في أكثر من موضع، منه سورة قريش؛ فذكر الجوع رمزاً لحاجات الإنسان البدنية التي تشبع بالإطعام، وذكر الخوف وهو مجمع حاجات النفس التي تشبع بالأمن، والآية جاءت في سياق الامتنان من الله على عباده لهاتين النعمتين: الإطعام والأمن، وما يترتب عليهما من شكرهما بالانصياع لأوامر الله ونواهيه.
وإذا كان الأمر كذلك، فمن الخطأ إثارة الجدل حول الحِلِّ والحرمة من حيث طلب الأمن والحرص عليه، ومن يقوم بكفالته للناس، وهل يخضع الأمن لجهاز الثمن، بمعنى أن يكون محلاً للبيع والشراء؟ و هل يجوزُ للمشتغل به أن يحقِّق الربح التجاري من هذه الوظيفة، أي أنَّ البحث ينبغي أن يدور في كيفية الأمن وطرقه ووسائله، لذا يجب أن نميِّز بين أنواع الأمن، ومن يقوم بكفالة كل نوع من أنواعه (2).
أنواع التأمين:
إنَّ التأمين تنوَّع وتفرَّع إلى أشكال وصور أوصلها بعض الباحثين إلى ثلاث عشرة صورة، إلاَّ أنه يمكن حصرها كالآتي:
أولاً: تأمينٌ لا يجوز إلاَّ للدولة وله مجالات ثلاث:
الدفاع الخارجي، والأمن الداخلي، والعدل والقسط بين الناس، وتكفَّلت الدولة بالإنفاق على هذا المجال، وتُخصِّص إيرادات هامَّة من موازناتها للإنفاق في هذا السبيل.
ثانياً: التأمين الاجتماعي: هو تأمينٌ ينظِّم العمال ويؤمنهم من إصابات العمل، ومن المرض والعجز والشيخوخة، ويساهِم فيه إلى جانب العمال أصحاب العمل والدولة ذاتها، وتتولَّى الدولة تنظيمه وإدارة شؤونه، ويؤخذ منهم أقساطًا شهرية، ويُعطَون إمَّا مبلغاً معيَّنا عند وقوع الخطر أو معاشاً (1/71)
صفحة 72
شهرياً.
ثالثاً: التأمين التجاري (3): وهو تأمينٌ تقوم به شركات المساهمة لتحقيق الربح في تجارة الأمن، وهو إمَّا أن يكون:
1/ تأمينا بحرياً: ويتعلَّق بالنقل عن طريق البحر، ويكون على البضائع أو السفن ذاتها.
2/ تأمينا برياً: ويلحق به في كثير من أحكامه التأمين الجوِّي، والتأمين الخاص البري، وينقسم بدوره إلى تأمين على الأشخاص وتأمين على الأضرار.
أ) التأمين على الأشخاص: هذا النوع يتعلَّق بشخص المؤمَّن فيؤمِّن نفسه من الأخطار التي تهدد حياته أو سلامة جسمه أو صحته أو قدرته على العمل، وعلى ذلك فهو تأمين ليست له صفة تعويضية، فالمستأمن يحصل على مبلغ التأمين إذا تحقَّق الخطر بصرف النظر عن الضرر الذي أصابه.
ويتفرَّع عن التأمين على الأشخاص فرعان:
1. التأمين على الحياة: ويكون تأميناً لحالة الوفاة، أو تأمينا لحالة البقاء، أو تأمينا مختلطاً.
2. التأمين من الإصابات: يكون من الإصابات التي تمسُّ بحياة الإنسان أو جسمه نتيجةً لسبب خارجي مفاجئ، فيستفيد المؤمَّن له من مبلغ التأمين، إذا تحقَّقت الإصابة؛ كأنْ يموت في حادث مفاجئ، أو يصاب في جسمه بما يسبِّب عجزه عن العمل عجزًا دائماً أو مؤقتاً.
ب) التأمين من الأضرار (4):
فهو لا يتعلَّق بشخص المؤمَّن بل بماله، فيؤمِّن نفسه من الأضرار التي تصيبه في المال، فيتقاضى من الشركة تعويضاً عن هذا الضرر، وهذا النوع له صفة تعويضية بارزة، ومن ثمَّ يخضع لمبدإ التعويض، فلا يجوز للمؤمَّن له أن يتقاضى التعويض من الشركة، إلاَّ إذا أُلحق به ضررٌ في ماله، وفي حدود قيمة هذا الضرر، ويتفرع عن التأمين من الأضرار فرعان:
1 ـ التأمين على الأشياء: ويكون تأميناً من الأضرار التي تقع بشيء معيَّن، كتأمين المنزل من الحريق والمزروعات من التلف وضدَّ السرقة ... إلخ.
2 ـ التأمين من المسؤولية: فيؤمِّن الشخص نفسه من الضرر الذي يصيبه في ماله فيما إذا تحقَّقت مسؤوليته قِبل المضرور ورجع عليه هذا بالتعويض، والمسؤوليات التي يؤمِّن الشخص نفسه منها كثيرة متنوعة، فقد يؤمن نفسه من مسؤوليته عن حوادث سيارته أو مسؤوليته عن حوادث النقل، أو مسؤولية رب العمل عن حوادث العمل، فهذه تدخل ضمن التأمين الاجتماعي.
رابعاً: التأمين التبادلي أو التعاوني (5):
وصورتُه أن يصبح المؤمِّنون هم المستأمِنُون ولا يوجد طرفٌ ثالث وهو أصحاب الأسهم في شركات المساهمة، وقد كانت النشأة التاريخية للتأمين تعاوناً أو تبادلاً بين أفراد المهنة الواحدة، أو الحرفة أو الصناعة، ويساهم كلُّ مشترك بمبلغ يُتَّفق عليه، فمن وقع به مكروه، فإنَّ كامل المساهمين يتضامنون في درء ذلك المكروه، ومن المميزات الرئيسية لهذا النوع أنَّ القائمين على إدارته هم (1/72)
صفحة 73
الأعضاء أنفسُهم.
ويتَّضح أنَّ هذا التنظيم التعاوني يصدر عن نزعة إنسانيَّة، فكرةُ الاستغلال مستبعدة منه، ويصلح أن يكون قاعدةً لتأمينٍ إسلامي.
بعد عرض أنواع التأمين نرى أنَّه يُستبعد النوع الأوَّل والثاني من موضوع بحثنا لأنَّهما لا يقومان على الاستغلال والمتاجرة والربح في قضايا الأمن، فالدولة تقوم بتوفير الأمن وتبذل في سبيل ذلك أموالا طائلة من طرفها كما هو واقع في النوع الأوَّل، أو بالتعاون مع أطراف أخرى كما هو حاصل في النوع الثاني المتمثِّل في الضمان الاجتماعي حيث تتضامن - عادة - الدولة ورب العمل والعامل في تحمل أعباء التأمين ضد الشيخوخة والعجز والمرض والوفاة، فهو تعاونٌ وتضامنٌ متعدد الأطراف فلا يقال عنه أنه حلال أم حرام، بل هو واجبٌ من واجبات الدولة تجاه أفراد مجتمعها.
غير أنَّ الكاتب لم يذكر ولو بالإشارة العابرة هذا النوع من التأمين الذي له مظاهر بارزة في الشريعة الإسلامية من خلال فريضة الزكاة وما تتميَّز به من الحثِّ على التكافل بين أفراد المجتمع في نطاق الأسرة والعائلة والعشيرة، ثم على مستوى القرية أو المدينة، ثم على مستوى الأمة والمجتمع, ويمكن أن يُطوَّر ويقنَّن على ضوء التطورات الاقتصادية والاجتماعية ويصبح نظاما للتأمين يغطِّي مجالات عديدة من الأخطار التي تنتاب الإنسان في حياته.
بينما ركَّز الكاتب بحثه عن التأمين التجاري الذي اختلف الفقهاء في شأنه أهو حلال أم حرام. غير أنَّه كاد أن ينعقد الإجماع في المدَّة الأخيرة على تحريمه، ومالت الكفَّة إلى جانب المحرمين له بفتاوى فردية وجماعية من مجامع الفقه الإسلامي، ومن الندوات والمؤتمرات التي عقدت هنا وهناك لبحث هذه القضية. ولم يتعرَّض الكاتب للتأمين التعاوني الذي يعتبر البديل الإسلامي للتأمين التجاري، بل راح يقدِّم ويجمع التبريرات لإجازة هذا النوع.
وقبل عرض هذه التبريرات ومناقشتها، ألاحظ أنَّ الباحث تأثَّر بمفكر إسلامي معاصر هو الأستاذ: مصطفى الزرقاء؛ الذي يميل إلى جواز هذا النوع رغم أنَّه شذَّ عن الإجماع الذي حصل في مجمع الفقه الإسلامي الذي أفتى بحرمة هذا النوع من التأمين (6).
وللتوضيح أورد نص الفتوى الصادرة عن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة من 10 ـ 16 ربيع الثاني 1406هـ / الموافق لـ 22 ـ 28 ديسمبر 1985م قرر ما يلي:
1) إنَّ عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرَرٌ كبير مُفسِد للعقد، لذلك فهو حرام شرعاً.
2) إنَّ العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني. (1/73)
صفحة 74
3) دعوة الدول الإسلامية على إقامة مؤسَّسات للتأمين التعاوني، وكذلك مؤسَّسات تعاونية لإعادة التأمين حتَّى يتحرَّر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي يرضاهُ الله لهذه الأمة - انتهى نص الفتوى -.
وما أظن أننا في حاجة - بعد هذه القرارات - إلى مزيد من الدراسات لبيان حُكم عقد التأمين، وإنما نحن في حاجة إلى تنفيذ القرار الثالث وإنشاء مزيد من شركات التأمين، وإعادة التأمين التعاونية، التي تتفق مع روح النصوص الشرعية، وما دمنا في صدد عرض فتاوى شرعية أود أن أشير إلى أنَّ هناك قضايا عامة مستجِدَّة تتعلَّق بالحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإنسانية للمسلم المعاصر ينبغي أن تُعرض على مجامع الفقه الإسلامي التي تتكوَّن من علماء أجلاَّء من مختلف المذاهب الإسلامية، للخروج منها بفتاوى تكون أشبه بالإجماع، وعدم إصدار الفتاوى الخاصَّة في هذه المواضيع العامَّة والحساسة من حياة الإنسان، فمهما أوتي الفرد من قوَّة العلم والاجتهاد فلن يصل إلى درجة رأي مجموعة من العلماء سخَّروا مقدراتهم العلمية وكفاءتهم في استصدار فتاوى أجمعوا عليها.
وقبل البدء في مناقشة آراء الباحث ارتأيتُ أن أقدِّم نبذة تاريخية عن التأمين، وأسوق التعريف القانوني للتأمين، زيادة للإيضاح وتحديداً للمصطلحات والمفاهيم.
لمحة تاريخية عن التأمين (7):
إنَّ التأمين كانت بدايته في صورة الضمان الاجتماعي الذي نشأ وتطور مع تطور المجتمعات الإنسانية، فلم يظهر طفرة واحدة، فكانت نشأته في النطاق الأسري ثم في المجال الحرفي، وفي عهود الإسلام الزاهرة قامت به المؤسسات الدينية والخيرية بتقديم مساعدات الفقراء والمحتاجين والمنكوبين وطلبة العلم وأبناء السبيل.
وفي العصور الحديثة - وبضعف هذه المؤسسات - قامت الدولة بهذه المهمَّة وما يرتبط ذلك من حقوق وواجبات، أمَّا التأمين التجاري فقد بدأ وارتبط في نطاق التأمين على المخاطر المترتبة عن الرحلات البحرية حيث ترتفع درجة الخطورة، فكثيراً ما تغرق السفن بما فيها من أموال التجار فيخسر أربابها سواء مالكي السفن أو أصحاب السلع فيؤدي ذلك إلى خراب مدمِّر، ثم إنَّ الملاحة البحرية من أقدم طرق المواصلات بين مختلف أنحاء المعمورة، فجاءت فكرة التأمين البحري، التي كانت معروفة منذ عهد الإمبراطورية الرومانية، وتطور هذا النظام مع ازدهار التجارة بين المدن الإيطالية والعالم الشرقي، ومنها انتقل إلى سائر الدول الأوربية. وفي منتصف القرن السابع عشر شبَّ حريق مهول في لندن أتى على جانب كبير من المدينة مما جعل أهلها يفكرون في شأن الوقاية مستقبلا من هذه الأخطار، فجاءت فكرة التأمين عن حياة الإنسان عن التأمين البحري الذي كان يشمل التأمين عن السفينة وحمولتها وملاَّحيها، وإن كان في مجال ضيِّق لرحلة واحدة، فنشأ التأمين (1/74)
صفحة 75
على الأشخاص.
وفي تطوُّر آخر استخدمت نظرية الاحتمالات في الرياضيات وعلم الإحصاء لدراسة توقُّعات حياة الإنسان، فوُضعت جداول على أقساط التأمين.
ومع التطور الصناعي وما أحرزه من مخاطر بزيادة المصانع وتطوُّر وسائل النقل فأدَّى إلى تكاثر الحوادث.
وزادت حالات المسؤولية، ففكَّر أصحاب الأعمال والمصانع في التأمين على مسؤولياتهم، وبتطور النقل الجوي في القرن العشرين أقبلت شركات التأمين على تغطية مخاطره.
انتشار التأمين وتنوُّع أغراضه:
ومع توسُّع وتنوع الأعمال وظهور وجوه أنشطة جديدة للإنسان زاد انتشار التأمين ودخل مجالات عديدة واقتحم ميادين تثير الاستغراب والدهشة كالتأمين على موت المطرب وسيقان الراقصة، والنجاح في الانتخابات.
تعريف التأمين:
أورد المشرِّع الجزائري تعريف التأمين في القانون المدني الذي تأثَّر إلى حدٍّ بعيد بالتعريف المنصوص عليه في القانون المدني المصري، والذي تأثر بدوره بالقانون المدني الفرنسي. ومن الملفت للانتباه أنَّ عقد التأمين صنَّف ضمن عقود الغرر الباب العاشر ويضمُّ (8):
الباب الأول: القمار والرهان.
الباب الثاني: المرتَّب مدى الحياة.
الباب الثالث: عقد التأمين.
ومفهوم الغرر لا يختلف كثيراً عند كلٍّ من الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، وهو ما اشتمل على جهالة، وهي القاسم المشترك بين الأبواب الثلاثة، وإذا كان القانون يتغاضى عن هذه الجهالة لتوفُّر إرادة الطرفين فإنَّ الشريعة الإسلامية إلى جانب ذلك على عنصر الوضوح واليقين في إبرام العقود وانتفاء أيِّ غرر إلاَّ ما كان يسيراً.
فالغرر والجهالة من الحجج القوية التي استند إليها المحرِّمون لعقد التأمين التجاري، فقد أكَّد عليها القانون الوضعي بالنص.
التعريف: «التأمين عقد يلتزم بمقتضاه المؤمِّن أن يؤدِّي إلى المؤمَّن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو إيراداً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقَّق الخطر المبيَّن في العقد، وذلك مقابل أقساطٍ أو أية دفعةٍ مالية أخرى يؤدِّيها المؤمَّن له للمؤمِّن». المادة 619 من القانون المدني الجزائري. (9)
أهداف وأغراض التأمين:
بعد أن أوضحنا التأمين بتعريفه وبيان نشأته وتطوره وأنواعه وربطنا ذلك بكونه مطلب إنساني (1/75)
صفحة 76
فطري، ينبغي الآن أن نرصد أغراضه وأهدافه، لأنَّ سبب اضطراب الباحثين - في الحقيقة - في علاجه لاضطرابهم في تشخيص دائه وتحديد أهدافه.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل الهدف النهائي للتأمين تراكُمُ الأموال وزيادة الأرباح؟ أم غرضُه تحقيق الأمن والتراحم والإغاثة للمنكوبين والمحتاجين؟
من الباحثين من اعتبر أنَّ التأمين يؤدِّي إلى تراكم الأموال وزيادة الأرباح، وأن ذلك من محاسن التأمين، وطالب من أجله تصحيح العقد شرعياً باسم المصلحة (10).
والفرق ليس هيِّنا كما قد يتصور البعض، لكونها نقطة افتراق مبدئية يترتَّب عليها افتراق في الأساليب والأهداف.
لقد كان من أكبر الأخطاء في تاريخ الإنسانية أن فتح باب الإثراء عن طريق التجارة في التأمين، لأنَّ ذلك استغلال لضرورة من ضروريات المجتمع وهو التكافل، وهو لا يقلُّ أهمية للمجتمع عن مطالبه الحيوية الأساسية.
وإذا كان المجتمع الغربي تخلَّى عن مبادئ وقيم التضامن والتكافل لكونه قائم على أساس مادِّي، فإنَّ المجتمع الإسلامي لا يتخلَّى عن هذه الأسس والمبادئ، فقد جعل التواصي بالمرحمة وتأمين حقِّ الفقير والمسكين أحد الأركان الأساسية لرسالته: {أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ» (11).
والتأمُّل في هذه المبادئ والأسُس يجعلنا نقف خاشعين أمام عظمة الشريعة الإسلامية حين جعلت التكافل فرضاً على الأغنياء حقاًّ على الفقراء، وكيف ضمنت لقمةَ الجائع، وأمّنَتْ من رَوع الخائف.
وهنا تتحدَّد الخطى في أوَّل مدخل للطريق الصحيح بقناعةٍ أساسيَّة أنَّ نشاط التأمين لا يمكن أن يحقِّق أهدافه إذا كان همُّه تحقيق الأرباح بالتجارة بالأمن، ولكنه يحقق أهدافه إذا كانت غايته التبرع لتحقيق الأمن، وإن استخدم وسيلة لتنمية المال (12).
مناقشة بعض الآراء والأفكار الواردة في الكتاب:
صفحة 12: «أمَّا أركانه فتنحصر عادة بالنسبة لجميع العقود على اختلاف أنواعها في أربعة أركان أساسية، ما خلا عقداً واحداً فإنه يزاد فيه ركن خامس ... وأعني به عقد النكاح».
أرجو التمييز بين عقود المعاملات والعقد الذي يرتبط بالحياة الزوجية، فالأولى: عقود تبرُّع أو معاوضة فيهما مصلحة مادِّية أو معنويَّة، بينما عقد النكاح نسيج وحده، سماه القرآن الكريم بالميثاق الغليظ، أرى فصله وعدم إدراجه مع بقية العقود، ولا أدلَّ على ذلك تميُّزه بشروط وأركان خاصَّة كما ذكر الكاتب وهي: الوليُّ والإسلامُ والصداق.
ـ نفس الصفحة: «فأركان سائر العقود هي: الأول والثاني المتعاقدان، الثالث والرابع المتعاقد (1/76)
صفحة 77
عليه».
أرى أنَّ أركان العقد كما حدَّدها فقهاء الشريعة والقانون هي:
1/ الإيجاب والقبول.
2/ المتعاقدان.
3/ محل العقد.
أمَّا ما ذكر الكاتب بقية الأركان فهي شروط: منها الأهلية، ويضاف في بعض العقود ركن شكلي وهو الإشهار والتسجيل. غير أنَّ الكاتب أدرج ركن الإيجاب والقبول ضمن الشروط، إلاَّ أنها في الحقيقة ركنٌ أساسي لأنه يعبِّر عن إرادة الطرفين في إبرام العقد.
صفحة 23: «كما أنه لا يتعاقد على ما أبيح تملكه ولكنه حرّم بيعة مثل فضل الماء والكلأ والنار وغيرها من المشاع الغير المحرز».
أرجو توضيح هذا الكلام، وما كان ينبغي أن يُمَرَّ عليه مرَّ الكرام، لأنَّه يتعلَّق بكلية من أصول الملكية المشاعة، وما يمكن تملُّكه ملكية خاصة، ثم تحديد مفهوم فضل الماء.
صفحة 24:» وهناك ركن كثيراً ما يزيده العلماء أو بعض العلماء وهو ركن الصيغة» ...
أظن أنَّ الباحث يقصد ركن الإيجاب والقبول، وهو ركنٌ أساسيٌّ كما بيَّنت، لكونه يعبِّر عن إرادة الطرفين، أمَّا إذا كان مقصود الكاتب الركن الشكلي فهو مهمٌّ أيضاً وحكمته أن يخضع عقود الناس للقوانين والأعراف السائدة في بلد ما، حتى تكون العقود بصيغة موحدة منظمة.
صفحة 26 - 27: حدَّد الكاتب الإشكالية التي مهَّد بها الدخول إلى قضية التأمين بهذه الصيغة:» هل العقود توقيفية محدَّدة ومسماة، أم هي مصلحية قياسية معقولة المعنى، وأنَّها لا تنحصر في نوع معين، وإنما تتنوع وتختلف حسب اختلاف وتنوُّع وتعدُّد مصالح الناس؟ «.
وتبنى الموقف الثاني بقوله:» وبذلك يتعيَّن صواب قول الجمهور القائلين بأنَّ العقود مصلحيَّة «ويضيف في صفحة: 31؛» إن عقد التأمين من حيث كونه عقداً لا يمانع من استحداثه إذا استكمل أركان وشروط العقود الصحيحة الآنفة الذكر «.
هنا يكمن الخلاف بين الفقهاء المبيحين والمحرِّمين لعقد التأمين، فهل تتوفَّر فيه الأركان والشروط العقود الشرعية الصحيحة؟
صفحة 31: ... وله نظائر في الفقه الإسلامي من عقود استحدثت في الإسلام ... مثل عقود بيع الوفاء وعقد الموالاة، ... أمَّا بيع الوفاء فيقول عنه الباحث: «وإن كان هذا النوع مشهوراً عند الإباضية وعند الأحناف» ... ص 34.
أرى أنَّ أغلب المذاهب تقول بهذه الصورة من البيع، وغير مقتصر على المذهبين المذكورين مع اختلاف في تسميته، فهو في اصطلاح الفقهاء: أنَّ يبيع الشخص شيئاً بكذا أو بدين عليه بشرط أنَّ البائع متى ردَّ الثمن إلى المشتري أو أدَّاهُ الدَّين الذي عليه يردُّ عليه العين المبيعة وفاءً، وإنما سمي ببيع (1/77)
صفحة 78
الوفاء لأنَّ المشتري يلزمه الوفاء بالشرط، ويسميه المالكية "بيع الثنيا" والشافعية "بيع العهدة" والحنابلة "بيع الأمانة" ويسمى أيضا: "بيع الطاعة" و"بيع الجائز" ويسمى "بيع المعاملة" (13).
أمَّا عقد الموالاة فقد ساقه الباحث على سبيل التمثيل بالعقود المستحدثة، غير أنَّ هناك من الباحثين من يقيس عليه عقد التأمين، إلاَّ أنه قياس مع فارق، إذ أنَّ عقد التأمين هدنة الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة، بخلاف عقد الموالاة، فالقصد منه التآخي في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء.
صفحة 35: أورد الباحث جملة من المبادئ لتكون مدخلاً وتمهيداً ليجعل بها التأمين من العقود المباحة التي لا تصطدم بالنصوص الشرعية، فهي من الناحية النظرية مبادئ إسلامية لاغبار عليها، لكنَّ الإشكال في كون التأمين هل تنطبق عليه تلك المبادئ أم لا.
أولاً: إنَّ المصالح المطلوب جلبها ودفع عوض عنها أعمُّ من أن تكون مصالح مادية مالية ... ، ثم ضرب مثالاً للمصالح المعنوية بالحراسة والحارس، فهو يرمي إلى القول: بأنَّ الأمن الذي تجلبه الحراسة مصلحة معنوية مشروعية تنطبق على المصلحة المعنوية التي يجلبها التأمين بدفع الأقساط.
إلاَّ أنَّ قياس التأمين على قيود الحراسة غير صحيح، لأنَّه قياس مع فارق، ومن الفروق: أنَّ الأمان ليس محلاً للعقد في المسألتين، وإنمَّا محله في تأمين الأقساط ومبلغ التأمين، وفي الحراسة الأجرة وعمل الحارس، أمَّا الأمان فغاية ونتيجة، وإلاَّ لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس. وهو ما أكده الباحث بقوله:» مع أنَّه لو وقع له حادث سرقة أو اعتداء على بدنه أو حرمه رغم بذل الحارس جهده في مهمَّته، فإنَّه لا يطالبه بعوض أو غُرمِ شيءٍ ممَّا تلف منه أو لحقه من أضرار، بينما عقد التأمين يحقِّق المؤمِّن لنفسه الهناء والطمأنينة» ... ص36. ومن الفروق أيضًا أنَّ المؤمِّن يضمن الخطر ولو وقع بغير تقصيره بينما الحارس لا يضمن الخطر إلا عند تقصيره، وذلك لاختلاف العلَّة في الأمرين، أمَّا علة بذل المال في الاستئجار على الحراسة هي قيام الأجير بعمل هو الحراسة، أمَّا علة بذل المال في التأمين، فهي بالنسبة للمؤمَّن له حصوله على مبلغ التأمين عند تحقُّق الخطر، وبالنسبة للمؤمن هي تحقُّق الخطر.
ومن الفروق أيضًا أنَّ الحارس يقوم بعمل فيه حفظ الشيء هو الحراسة بينما المؤمِّن لا شأن له بحراسة الشيء المؤمَّن عليه ولا حفظه، كما أنَّ الحارس يعمل لحساب من استأجره بينما يعمل المؤمِّن لحساب نفسه (14).
إذن فلا يمكن القياس بين العقدين مع ما بينهما من تشابه.
ثانياً: مشروعية مبدأ التعاون في الإسلام على البر والتقوى ... ص37.
وهو المبدأ الذي كان عليه التأمين في العهود الإسلامية الأولى، وهو ما ينبغي أن يكون كأساس (1/78)
صفحة 79
لتأمين تعاوني إسلامي، أمَّا التأمين التجاري الحالي، فهو قائم على أساس الإثراء والمتاجرة والأرباح، فإذا أحسَّت الشركة بتناقص هذه الأرباح بسبب ارتفاع درجة الخطورة زادت من قيمة الأقساط أو تذرَّعت بحيل قانونية للتخلُّص من دفع التعويضات. فكيف نقيس ذلك بما ساقه الباحث من قيم إسلامية أخلاقية في التآزر والتعاون، ثم إنَّ التأمين لا تعاون فيه بين المؤمَّن لهم، لأنَّه عقد على الأمان لا على التعاون، فكلُّ مؤمَّن له يتعاقد على التأمين بدافع مصلحته الخاصة لا لصالح بقية المؤمَّنين لهم، فالتأمين تعاقدٌ فردي ولا يوجد أي تعاقد جماعي، والواقع أنَّ خبراء التأمين وجدوا أنَّ المؤمِّن لا ينجح إلاَّ إذا كثر عدد المؤمَّنين لهم، فزعموا وجود اتفاق جماعي على التعاون على الكوارث.
إذن فالتعاون في التأمين أمرٌ مفترض لا ظلَّ له من الحقيقة، يشبه تماما فكرة العقد الاجتماعي التي أتى بها الفيلسوف: "جون جاك روسو" ومن معه، فهي محض خيال.
ثالثاً: أناطَ الشارع كثيراً من الحقوق والواجبات على الجماعة المترابطة بروابط تجعل منها وحدة اجتماعية ... ص37.
نعم يصلُح نظام الأسرة والعائلة ليكون إطاراً لكثير من أصناف التضامن والتكافل، ويمكن توسيعه على مستوى القرية أو المدينة في نطاق الشريعة الإسلامية السمحاء، ونجد نصوصا شرعية تؤكِّد على هذا الاتجاه، غير أنَّها تبقى مصبوغة بصبغة التبرع والتضامن لا المتاجرة وابتغاء الربح المادي.
يضيف الباحث: «نجد المجموعة الدولية كلَّها تتعاون في تحمُّل بعض الكوارث الطبيعية مثل الزلازل» ...
إنَّ هذا النوع من التضامن الدولي خارجٌ من نطاق التأمين التجاري، بل تقوم به المنظمات الخيرية والإنسانية، وهو عملٌ محمود إذا كان خالياً من الأغراض السياسية والتبشيرية التي كثيراً ما تجعل من أعمال البر والإحسان وسيلة لبث الأفكار ضدَّ الإسلام مستغلَّة ظروفهم ومأساتهم الإنسانية. كما أنَّ تشريعات التأمين التجاري نصَّت صراحة على استثناء هذا النوع من الأخطار من مجال التأمين، وكان من الأجدر أن يكون من أولى الأولويَّات لو قُصد منه التضامن والتكافل. فقانون التأمين الجزائري - مثلاً - خصَّص بابا كاملاً للاستثناءات، منها استثناءات عامَّة لجميع أصناف التأمين، واستثناءات تخصُّ بعض الأصناف، ولا بأس أن أورد فقرة منه:
المادة 10: استثناءات مشتركة. لا ينطبق الضمان على:
أ ـ على الحوادث المترتِّبة على الهزات الأرضية.
ب ـ على الأضرار الناتجة عن الحرب الأجنبية، الحرب الأهلية، الفتن.
ج ـ الأضرار الناتجة بصفة مباشرة أو غير مباشرة عن الانفجارات ... (15).
أمَّا إذا كان الباحث يقصد الشركات العالمية للتأمين، فهي لا تخرج عن نطاق بقيَّة الشركات التي تسيطر عليها - كما تسيطر على أكثر النشاط الاقتصادي - الصهيونية العالمية. (1/79)
صفحة 80
رابعاً: «ما يبذله المرء من إعانة أو مساعدة في تفريج كرب أخيه المسلم ... «ص 38.
ثم ضرب مثلا بنظام الديَّة في العواقل؛ وهذا القول محلُّ نظر لأنَّ التعاون في التأمين - كما رأينا - أمر مُفتَرَض لا أساس له من الحقيقة، لأنه لا رابطة بين المؤمَّنين لهم، بينما التعاون في نظام العواقل حقيقي، فهي مجموعة أُسَر يربطها الدم وصلة الرحم، وتتضامن تضامناً حقيقيا في تحمل ديَّةٍ مهما تعدَّدت، بينما المؤمن في نظام التأمين لا يضع في حسبانه سوى مصلحته الخاصَّة، فهو لا ينوي عند دفع الأقساط التعاون أو التضامن مع غيره، ولا شأن له إلاَّ بما يستردُّه من مبالغ عند تحقُّق الخطر له.
خامساً: «حرَّم الشارع عقود الربا بإجماع الأمَّة الإسلامية» ... ص:40.
تحريم الربا بالنص القطعي لا جدال فيه بالنسبة لربا الديون، أمَّا ربا البيوع ففيه خلاف بين الفقهاء في تحديد نطاقه والعلَّة التي تجمع من أصنافه، فبعد أن استعرض الباحث مضارَّ الربا وحكمة تحريمه، توصَّل في عقد التأمين إلى أنَّ التأمين خالٍ من الربا بقوله: «ولا شيء مطلقًا ممَّا ذكر في عقد التأمين» ... ص: 43.
ينبغي ألاَّ ننخدع بالمظاهر، فلو رأينا إلى عقد التأمين من حيث هو عقد بين المؤمَّن وشركة التأمين على دفع أقساط، مقابل تحمُّل نتائج الخطر عند وقوعه، فلنا أن نقول ذلك، إلاَّ أنَّ الواقع غير ذلك، فالأقساط التي تجمعها الشركة تودِعُها في حسابات بنكيَّة وتأخذ عليهما فوائد ربويَّة، ولنتصور حجم الودائع التي تجمع من المؤمنين وما هو مقدار الفوائد التي تجنيها من وراء ذلك، فهي لا تعود على المؤمَّنين بل إلى المساهمين في الشركة. وإلاَّ فكيف تغطيِّ الفروق بين الأقساط التي تجمعها والمبالغ التي تدفعها لولا استغلالها لتلك الأموال في شكل قروض ربويَّة في مختلف المؤسسات المصرفية.
وقد يُقال إنَّ هذا اعتراض غير جوهري أي لا يمسُّ العقد في أساسه، بمعنى أنَّه يمكن أن ينقَّى منها العقد دون أن يتغيَّر هيكله الأساسي، لذلك نقول إنَّه لكي يكون التأمين جائزًا يجب أن يستبعد الربا في استثمار أمواله.
لكن لو فرضنا أنَّنا توصلنا إلى صيغة لاستثمار الأموال التي تجمع من الأقساط بطرق الشرع الحلال، فإنَّنا نسقط في محذور ربا البيوع الذي أفاض الباحث في بيانه، في حالة استراد المؤمَّن له مبالغ أكثر مما دفع من أقساط أو أقل، فهو ينطبق تمامًا بتعريفه ومواصفاته مع صورة ربا البيوع الذي هو ربا "التفاضل والنَّسَاء"، أي مبادلة نقدٍ بنقدٍ مع عدم تساوي البَدَلين، فهو عقدُ معاوضةٍ يجري فيه النَّسَاء والفضلُ لاتحاد الجنس وعلَّة الثمنيَّة، والشرط في هذا النوع من التعامل التماثل في القدر والتقابض في المجلس والنص الشرعي يؤكد: «من زاد أو استزاد فقد أربَى» (16).
تعرَّض الباحث لربا البيوع، وجعل من تعريفه تعريفًا عامًّا للربا، والأصل أنَّ ربا الديون هو الأعمُّ (1/80)
صفحة 81
والأمُّ، وهو الربا المقصود من قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَآ} ... (17).
أمَّا ربا البيوع فقد حرَّمه الرسول صلى الله عليه وسلم كذريعة لعدم الوقوع في ربا الديون، وللتخلُّص من نظام المقايضة وجعل النقود كوسيط للتبادل، حتَّى يتم العدل في المبادلات، حتى أنَّ الصحابة لم يكونوا يتصوَّرون أنَّ مبادلة جنس بجنس مفاضلة حرام. أمَّا في الوقت الحاضر - وبعد اتِّساع نطاق استعمال النقود - فَقَدَ هذا النوع أهمِّيته، وكاد أن يختفي أسلوب المقايضة من معاملات الناس، وأرى أن ينصب الاهتمام على ربا الديون في وقت أصبح سعر الفائدة هو المؤشِّر القوي على ازدهار أو انكماش دورة الاقتصاد، في حين أنَّ الباحث لم يُشر إليه من خلال كلامه عن الربا.
ـ صفحة 45: «أمَّا الغرر فحقيقته الشرعية مبادلةُ مالٍ بمالٍ مجهول أحدهما أو كلاهما» ... إلى أن يقول: «ويبدو أنَّ لا شيء من ذلك في عقد التأمين خاصَّة تأمين الدولة على رعاياها» ...
أقدِّم الملاحظات الآتية على هذه الفقرة:
أ): انتهى الباحث من بيان بعض المبادئ الأساسية وحصرها في خمس نقاط، غير أنَّنا نلاحظ تداخلاً بين هذه المبادئ والدخول في صلب الموضوع.
ب): نلاحظ عدم التمييز بين التأمين الذي تتولاَّه الدولة وهو ما يسمى "بالضمان الاجتماعي" - والذي ذكرناه سابقا -، وبين التأمين التجاري الذي تقوم به شركات التأمين، سواء أكانت تابعة للدولة أم للقطاع الخاص، وقد ميَّزنا بين النوعين؛ استبعدنا النوع الأوَّل من البحث، لأنَّه لم يقل أحدٌ بحرمته ما دام قائمًا على أساس التعاون بين الدولة ورعاياها.
ج): رأينا من خلال تصنيف القانون للتأمين بوضعه في خانة عقود الغرر أنَّ طبيعته تقتضي ذلك فلا مجال للقول: «إنَّ التأمين خالٍ من الغرر»، وإنَّما البحث يدور - من الناحية الشرعية - هل هذا الغرر من الغرر الفاحش الذي نهت عنه النصوص الشرعية، كبيع المضامين، والملاقح، أو ضربة القانص والغائص، أم هو من الغرر اليسير الذي يُتغاضى عنه تيسيراً للناس ورفع الحرج عنهم، مثل دخول المستحمَّات، كما أشار الباحث إلى ذلك؟.
والصحيح كما يقول الدكتور عبد الناصر توفيق العطار (18):
«إنَّ الغرر في التأمين غررٌ فاحش في أغلب صُوره، وهي العقود التي فيها مخاطرة في استحقاق مبلغ التأمين، وقد لا يُستحقُّ أبداً بسبب عدم وقوع الخطر، وذلك كما في التأمين على الأشياء، والتأمين ضدَّ المسؤولية بصُوره المختلفة، أمَّا غير هذه الصور وهي قليلة جدًّا فقد يكون الغررُ يسيرًا».
إلاَّ أن الباحث صنَّف الضرر والغرر في التأمين بالضرر اليسير الضروري، وغم أنَّه نفى هذا الغرر عن عقد التأمين أوَّل مرة انظر ص: 45. (1/81)
صفحة 82
ـ صفحة 47: «أمَّا عقد التأمين على الحياة فإنَّه يبدو في نظر الكثير ... » وذكر الاعتراضات على هذا النوع بعدم الرضا بقضاء الله وقدره وعدم التوكُّل على الله.
نؤيِّد الكاتب في هذا الأمر لأنَّ التأمين ليس إنكاراً للقدر وإنَّما هو اعتراف به ومحاولة للتخفيفق من آثاره، فمن يؤمِّن حياته ضدَّ الموت - مثلا - فهو يعترف بالقضاء والقدر ويخشاه ويسعى للتخفيف ممَّا قد ينتج عنه من أضرار.
أمَّا التوكل على الله، فإنَّ التوكل الصحيح هو الاعتماد على الله مع عدم التفريط في الأخذ بالأسباب، والتأمينُ وسيلة من وسائل اتخاذ الأسباب لجلب منفعة أو دفع مضرَّة.
على أنَّ التأمين على الحياة لم يحرُم بهذه الاعتبارات، وإنَّما لكونه نوعٌ من أنوع التأمين التجاري ينطبق عليه الحكم الشرعي - الذي أيَّدناه - والصادر عن هيئات ومجامع فقهية وعلماء أجلاَّء، لاتِّحاد مناط الحكم لأنه عقد معاوضة، ويشمل على الغرر الفاحش والربا، ويزيد التأمين على الحياة عنصراً آخر يستدعي التحريم، وهو أنَّ مبلغ التأمين ضدَّ المسؤولية المدنية أو التأمين على الأشياء محدودٌ بسقفٍ أعلى لا يُمكن تجاوُزُه، أمَّا التأمين على الحياة فإنَّ مبلغ التأمين لا يمكن الرجوع فيه إلى قيمة محدَّدة إذ ليس للإنسان قيمة مادية، ليمكن جعلها مبلغاً للتأمين، ولذا فإنَّ مبلغ التأمين يكون بحسب ما يتحدَّد مُسبقاً في وثيقة التأمين، فيمكن أن يصل إلى ملايين الدنانير، ثم تزيد الأقساط أو تنقص بحسب ذلك، وهذا من الناحية الشرعية يُقرِّب التأمين على الحياة من أن يكون نوعاً من المقامرة والرهان (19).
ـ صفحة:51: «أمَّا شبهة كون المال المستحقِّ بالتعويض في التأمين قد استثمر في البنوك ... » إلى أن يقول: «هذه الشبهة أنَّ هذا المحذور شيء زائد وخارج عن حقيقة عقد التأمين ... ».
كيف يجيز الكاتب لنفسه بأن يسمِّي المال المستحق في التأمين شبهة، وهو يُقرُّ ويعترف بأنه ربا لا تجيزه الشريعة الإسلامية.
نعم إنَّ الربا المترتب عن استثمار أموال التأمين ليس من جوهر العقد بمعنى يمكن تداركه - كما رأينا سابقاً - لكن ذلك لا يكفي لاستساغة وإجازة ما يدخل فيه الربا.
أرى أنَّه من واجب الفقيه والباحث أن يبين الحكم الشرعي ويعطي البدائل في طرق الاستثمار الحلال، أمَّا أن تذعن الحكومات وشركات التأمين لرأيه أم لا، فهو خارج عن نطاقه، فهو بريء أمام الله وأمام العباد، ويكفيه إنكاره بقلبه إن لم يستطع أن يغيِّر المنكر بيديه وقلمه ولسانه.
أمَّا أن نقول إنَّ التأمين خالٍ من أنواع الربا، أو أنَّ الربا أمرٌ غير جوهري في عقد التأمين، فهذا يجرِّئ أرباب التأمين في التمادي واتخاذ أقوال المجيزين لقعد التأمين وسيلةً إشهارية ودعائية للتأمين التجاري.
وأرى أنَّ دور الفقيه يتمثَّل - بعد بيان الحكم الشرعي - في التنبيه للبدائل الشرعية كالتأمين (1/82)
صفحة 83
التبادلي أو التعاوني، وتشجيع الناس على استعماله والسعي لانتشاره وتوسيع مجال المعاملات الإسلامية النظيفة الخالية من الربا.
ـ صفحة 55: «وكلُّ هذه الأغراض يمكن تحقيقها وتلافي تلك المحاذير إذا غدت مصلحة التأمين تابعة للدولة، ترجو لمواطنيها الخير والنفع ودفع المضار والآفات الناجمة عن الفقر والبطالة، فلا تتَّخذ التأمين وسيلة للربح واستدرار الثروة بامتصاص أموال الناس، وإنَّما يعتبرها مظهراً من مظاهر الوحدة الوطنية» ... إلى أن يقول: «وإذا لم تقم بهذه المصلحة مصلحة التأمين الدولة ذاتها فلتقم بها شركات خيرية إحسانية تتولَّى جمع الأرصدة بالأسهم واستثمارها بطرق شرعية، مِن مُضاربة ... ».
تُعتبر هذه الفقرات دعوة إلى نبذ التأمين التجاري والعودة إلى التأمين التبادلي والتعاوني القائم على أسُس إسلاميَّة، الخالي من أغراض الربح والمتاجرة، وكان من الأجدر أن يكون خلاصة أو نتيجة لما وصل إليه الباحث في تحريم التأمين التجاري، إلاَّ أنَّ هذا الكلام الجميل لا ينطبق مع ما ذهب إليه الكاتب في الفقرات السابقة في كون التأمين حلالاً، وما ساقه من حجج لتبرير ذلك، وجعله من العقود المباحة.
ـ صفحة 57: «ولعلَّ أقوى شبهة يمكن أن يثيرها البعض حول عقد التأمين ومنافاته للمشروعية الإسلامية أو القانونية إنَّما هي شبهة الإلزام والإجبار القانوني في بعض أنواعه التي تفرض فرضاً من قبل السلطات» ...
أرى أنَّ الإلزام والإجبار القانوني - وفي حدود اطلاعي - لم يتخذه أحد الفقهاء سبباً من أسباب التحريم وعدم جواز التأمين، ويمكننا حصر اعتراضهم أي أسباب تحريم التأمين وتصنيفها صنفين:
الصنف الأول: الاعتراضات الجانبية وهي:
1 ـ أكل المال بالباطل، فالتجارة في الأمن عقدُ مُعاوَضَة يترتَّب عليه ما يلي:
أ) أنَّ المستأمِن لا يحصل على ما دفعه إذا لم يقع الخطر.
ب) ضياع جزءٍ من المال في حالة فسخ العقد.
ج) مطالبة الشركة أحيانًا زيادة القسط عند زيادة الخطر.
د) استثمار أموال الربا في القروض الربوية.
2 ـ التأمين قد يتعارض مع قواعد الميراث والوصيَّة، وهي أحكام ثابتة بالنص القطعي، ويدخل ضمن الشروط المفسدة للعقد.
3 ـ التأمين قد يكون غرضه في الحرام: كالتأمين على الانتحار، وسيقان الراقصة، ونتائج المخمور.
وهذه الاعتراضات كلُّها جانبية يمكن تلافيها دون المساس بجوهر العقد.
الصنف الثاني: الاعتراضات الجوهرية: (1/83)
صفحة 84
فهي التي تتَّصل بجوهر العقد وهي الأسباب الرئيسة لحرمة عقد التأمين عند المحرمين له، نوجزها كالآتي:
أ ـ الغرر والجهالة.
ب ـ المقامرة والرهان.
ج ـ الربا (ربا البيوع) (20).
وقد سبق بيان وشرح هذه الاعتراضات في ثنايا البحث.
نعم عقد التأمين من عقود الإذعان، والمؤمِّن هو الجانب القوي، لا يملك المؤمَّن له إلاَّ أن ينزل على شروطه، وقد تمكَّنت شركات التأمين من الاتِّفاق فيما بينها على شروط موحدة بالنسبة لكلِّ نوع من أنواع التأمين، ويجد المؤمَّن نفسه مضطرًا لقبوله، فعقود الإذعان أو المراكنة - كما سماها الباحث - لا يمكن القول بأنَّها حرامٌ لوجود عنصر الإلزام والإذعان فيها، وإلاَّ فإنَّ شركات توريد الكهرباء والغاز والماء - مثلا - تُمضي عقود توريد المياه والتيار الكهربائي مع المواطنين، فهي التي تضع شروط عقودها دون الرجوع إلى المستهلكين، فلا خيار لهم إلاَّ الإذعان أو التخلِّي عن خدمات هذه الشركات، فلا يُقال إنَّ عنصر الإذعان يجعل تلك العقود محرَّمة.
والباحث أورد أمثلة من عقود الإذعان لا تنطبق مع مفهومه؛ فضرب مثلا بعلاقة الابن مع والديه، وعلاقة المواطن بالسلطة في العقد الاجتماعي، أمَّا علاقة الابن مع أقاربه فتحكمها الرابطة الدموية وعاطفة الأبوة والبنوة وهي أمر فطري، فنحن في صدد البحث عن العقود التي تنشأ بين طرفين قد يكون رضاء أحد الطرفين مشوباً بإكراه أو إلزام، تربطهم المصلحة وتبادل المنافع.
أمَّا علاقة الفرد بالسلطة، فقد افترض الفيلسوف "جون جاك روسو" (1712 ـ 1778) أن أساس تبرير قيام السلطة السياسية، هو عقد نشأ بين الأفراد ليتنازل كلٌّ منهم بجزء من حريته لصالح السلطة مقابل قيامها بتنظيم المصالح العامَّة، فهو عقد افتراضيٌّ وهمي لا أساس له من الحقيقة، كما أنَّه لا تشابه بينه وبين العُرف، كما أشار الباحث.
ثانياً: أمَّا ما تفرضه الدولة من الواجبات المالية على المواطنين فلا علاقة له بموضوع التأمين، فالباحث قارن بين هذه الواجبات التي تفرضُها السلطة في الظروف الاستثنائية، وهو ما يُسمَّى في الفقه الإسلامي "بالتوظيف" الذي له شروطه وظروفه، وبين اتخاذ صندوقٍ خاصٍّ لتفريج كُرب الناس، فإذا كان غرض هذا الصندوق هو ذاك، فإنما يُفرَض فرضًا، والقيم الإسلامية تدعو وتحثُّ على ذلك، فعلى رجال الدعوة والمصلحين العمل على إذكاء روح المحبَّة والتضامن بين المسلمين وإبراز الروح الجماعية التي تبني عليها أحكام الشريعة الإسلامية، وإظهار نماذج منها من خلال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، والعمل على محاربة الروح الأنانية وحبِّ الذات التي طبعت معاملات الناس في الوقت الحاضر بتأثير الروح المادية التي طغت على (1/84)
صفحة 85
أفكارهم.
خاتمة:
بعد هذا العرض الموجز للتأمين، وبعد هذه الوقفات مع الباحث في آرائه التي تضمَّنها بحثُه في التأمين في ضوء الإسلام، لا أدَّعي أنِّي أتيت بجديد؛ كلُّ ما هناك أنِّي أيَّدت فريق المحرِّمين للتأمين التجاري بشكله الحالي، أرجو من وراء ذلك إبداء الرأي في قضية ظلت - ولا تزال - تشغل بال المفكرين.
ثمَّ إنَّ الشريعة الإسلامية لا تحرِّم أمراً إلاَّ وهيَّأت بدائل عنه، فالبديل الإسلامي للتأمين يتمثَّل في الزكاة والتي تشمل ثمانية أصناف من التأمين: تأمين ضدَّ الفقر والبطالة، وتأمينُ الأجور، وتأمين العمل، وتأمين الدين، وتأمين الحرية، وتأمين المغارم، وتأمين الجهاد، والتنمية الاقتصادية، وتأمين الطوارئ، فهذه الأنواع مستمدَّة من القرآن الكريم، ومن الواضح أنَّ فيها تأميناً لجميع الأخطار التي تهدِّد الأمَّة، وينبغي على الاقتصاديين الإسلاميين شرح أبعاد هذه التأمينات ووضع النظم الإدارية والفنية لتنفيذها (21).
كما أنَّ الإسلام لا يمنع أن يكون هناك أنواع أخرى من التأمين طالما لا تتعارض مع أصوله وأحكامه، ومن ذلك التأمين التعاوني، والتأمينات الاجتماعية، ونظام المعاشات، بشرط أن يخلو من المحظورات الشرعيَّة.
كما ينبغي التحرُّر من الهزيمة الفكرية بانبهارنا بكلِّ ما يأتينا من الغرب من نُظُم وأفكار، فلنا غنىً في النظُم الإسلامية المستمدَّة من الكتاب والسنَّة، ومن التراث الفقهي العظيم.
والحمد لله رب العالمين.
المراجع المعتمدة في البحث:
1) عقد التأمين في ضوء الإسلام: الشيخ بالحاج محمد بن بابه، المطبعة العربية، غرداية، 1986.
2) الزكاة وترشيد التأمين المعاصر: يوسف كمال، الطبعة الثانية 1990، دار الوفاء، المنصورة، ج م ع.
3) القانون المدني الجزائري: وزارة العدل، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية.
4) الشروط العامة لعقد تأمين السيارات، 1987، الشركة الوطنية للتأمين.
5) حكم التأمين في الشريعة الإسلامية: د. عبد الناصر توفيق العطار، نشر مكتبة النهضة المصرية.
6) التأمين الإسلامي بين النظرية والتطبيق، عبد السميع المصري، مكتبة وهبة، القاهرة.
7) التأمين بين الحل والتحريم: د. عيسى عبده، دار الاعتصام، القاهرة.
8) بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، دار النفائس، الأردن، المجلد الأول، 1418 هـ / (1/85)
صفحة 86
1998.
9) معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، نزيه حماد.
---------------------------
الهوامش
1) ـ عقد التأمين، الشيخ بالحاج محمَّد بن بابه، ص 25.
2) ـ التأمين بين الحل والتحريم، عيسى عبده، ص 33، ص06.
3) ـ الزكاة وترشيد التأمين المعاصر، يوسف كمال، ص 13 ـ 14.
4) ـ التأمين بين الحل والتحريم، مرجع سابق، ص 26.
5) ـ الزكاة وترشيد التأمين المعاصر، مرجع سابق، ص 16.
6) ـ الزكاة وترشيد التأمين المعاصر، مرجع سابق، ص 67.
7) ـ انظر: التأمين بين الحل والتحريم، مرجع سابق، ص 18.
8) ـ القانون المدني الجزائري، ص 131 وما بعده.
9) ـ المرجع السابق، ص: 141.
10) ـ انظر: الزكاة وترشيد التأمين، مرجع سابق: ص 27.
11) ـ سورة الماعون، الآيات: 01، 02، 03.
12) ـ الزكاة وترشيد التأمين، مرجع سابق: ص 27.
13) ـ معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، نزيه حماد، ص 86.
14) ـ حكم التأمين في الشريعة: عبد الناصر توفيق العطار، ص: 47.
15) ـ انظر: الشروط العامة لعقد تأمين السيارات، الشركة الوطنية للتأمين، ص: 13 إلى 20.
16) ـ الزكاة وترشيد التأمين، مرجع سابق: ص 51.
17) ـ سورة البقرة، آية: 278
18) ـ حكم التأمين في الشريعة: مرجع سابق، ص: 45.
19) ـ بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، بحث: "التأمين على الحياة"، د/ محمد سليمان الأشقر. مج 1، ص: 13.
20) ـ الزكاة وترشيد التأمين، مرجع سابق.
21) ـ حكم التأمين في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص:76. (1/86)
صفحة 87
المرحوم محمد بن يحيى سليمان بوعصبانه (1918 ـ 2002 م)
بساطة .. وتاريخ مضيء (1)
نصادف في حياتنا اليومية كثيرًا من الرجال .. العالِمَ والأمي، الفقير والغني، السقيم والسوي ... فيفنى البعض وينقطع ذكرُه، ويفنى الآخر ويخلُد ذكره، لصفاتٍ اتصفوا بها، ومكارم اتَّسموا بها، فغدت نورًا يضيء تاريخهم الذي لم نحفل به كثيرًا، ولم ندرك أهميته إلاَّ بمغادرتهم لنا، وندرك حينها حقيقة قول الشاعر:
فاغنَم لِنفسِكَ قبلَ مَوتِكَ ذِكرَهَا فالذِّكرُ للإِنسَانِ عُمرٌ ثَانِ
ومن هؤلاء الرجال المخلصين، الذين نذكرهم اليوم، ونلتمس دربهم المنير؛ المرحوم محمد بن يحي:
1 - نسبه الكامل:
هو سليمان بوعصبانه محمَّد بن يحيى بن باحمد بن يحيى بن الحاج إبراهيم، أمُّه سليمان بوعصبانه مسعودة بنت الحاج محمد، ينتمي إلى عائلة سليمان بوعصبانه العريقة، أكبر عائلات عشيرة "البلات" بالقرارة عددًا، والتي يمتدُّ نسبُها إلى الجدِّ سليمان أحد مؤسِّسي عشيرة البلات بالقرارة.
2 - مولده ونشأته:
وُلد بالقرارة خلال سنة 1918م، في عائلة ميسورة الحال، وكان نجل والده الوحيد، وله أختٌ واحدة. دخل الكتَّاب في سنٍّ مبكِّرة، شأنه شأن كلِّ الميزابيين آنذاك، ليتعلَّم أوَّل ما ينبغي أن يُتعلَّم من علم الله وهو القرآن. نشأ وترعرع في عائلة محافظة ومتمسِّكة بالقيم الدينية والأخلاقية ومنهج السلف الصالح.
3 - مراحل تعليمه:
لما بلغ سنَّ السادسة من عمره انتقل إلى مدينة باتنة أين يعمل والده "يحيى بن باحمد" تاجرًا مع شريكه المعروف بـ"باحمد بن الحاج سليمان بوعصبانة"، دخل مدرسة الأمير عبد القادر التي كانت تدرِّس باللغة الفرنسية، وكان من بين زملائه آنذاك "محمد بن الحاج عبد الله الهناي" رحمه الله، و"محمد بن أحمد سليمان بوعصبانة" .. فأكسبته ثقافة ممتازة في اللغة الفرنسية، وتخرَّج منها بشهادة التعليم الابتدائي.
ثم أرسله والده مع آخر بعثة علميَّة ميزابية إلى تونس، في نهاية العشرينيات من القرن الماضي، وكان أبرز زملائه في هذه البعثة: محمد بن الحاج قاسم جهلان، عمر بن صالح أدَّاود، ويوسف حشحوش. (1/87)
صفحة 88
التحق بثانوية "الصادقية" بتونس؛ التي تخرَّج منها كبار الزعماء، أمثال: فتحي الزُّهير، وموجي السليم: وزير الخارجية التونسي الأسبق وممثل تونس في جمعية الأمم المتحدة، وكذلك رائد الحزب الدستوري في تونس السيد صالح بن يوسف.
كان محمد بن يحيى ناجحًا ومثابرًا في دراسته، إلاَّ أنه لم يُكتَب له تحقيق حلمه الذي ظل يُراوده وهو نيل شهادة البكالوريا، كان ذلك بسبب قذًى أصاب إحدى عيْنَيْه، فأُجريت له عملية جراحية فيها، مما أعاقه عن الوصول إلى القسم النهائي.
4 - محمد بن يحيى بعد العودة من تونس:
لما عاد محمد من تونس إلى مسقط رأسه بالقرارة سنة 1936م، دخل "دار العلم" التي كان يدرِّس فيها الشيخ إبراهيم بيوض - رحمه الله - طلبته، على مختلف مستوياتهم.
وفي هذه الآونة تعرَّف على الشيخ "محمد علي دبوز" - رحمه الله - الذي كان من أعزِّ أصدقائه، فأنشآ مع ثلة من الإخوان (2) ما يُسمى بـ: (إخوان الصفاء) سنة 1938م، الذين يلتقون في جلسات دورية لمناقشة مواضيع الساعة، وخاصة السياسية التي تهمُّ الوطن، والاجتماعية التي تهمُّ المجتمع الميزابي، وتبادل آخر الأخبار المحلية والوطنية والدولية، وإبراز المواهب الفنية والشعرية للمشاركة في شتى المناسبات.
5 - بن يحي في حياته العملية:
اشتغل محمَّد بن يحيى معلِّما للغة الفرنسية بمدرسة الحياة بالقرارة لمدة سنة واحدة، إلى جانب دروس التقوية التي كان يقدِّمها في هذه المادة بـ"نادي الحياة" (3)، بعد ذلك استُدعِيَ ليعمل تُرجُمانا بمحكمة بسكرة، نظرًا للمستوى الذي كان يمتاز به في اللغتين العربية والفرنسية، فاشتغل مع السيد الفاضل: "عز الدين ارتباز". ولقد كانت له ذكريات سيئة في هذا العمل؛ لاحتكاكه بجرائم الناس ومشاكلهم ومخالفاتهم.
بعد ذلك استدعاه أبوه "يحيى بن باحمد" إلى جانبه ليدير معه أمور "شركة سليماني" بباتنة، فاستشار السيد خبزي عيسى بن عماره فأرشده إلى الالتحاق بوالده.
كان أبوه يحيى بن باحمد رئيسا للجماعة الميزابية بباتنة آنذاك، وبعد تقاعده تجدَّدت لجنة الجماعة، التي ضمت المرحوم محمد بن يحيى، فكان خير خلف لخير سلف، وكان مقر "شركة سليماني" مركزًا للاتصال بين وادي ميزاب ومدن الشرق، فيما يخص القضايا الوطنية والمحلية، وكذا أخبار الشيخ بيوض رائد الإصلاح في الجنوب.
6 - محمد بن يحيى وجهاده الاجتماعي في القرارة ...
عُرف محمَّد بن يحيى في القرارة بنشاطه الاجتماعي الدؤوب، إذ التحق بإدارة عشيرته (البلات) سنة 1950م، وعمره 32 سنة، فبرز في لجنة الشؤون الاجتماعية، وكان يتولَّى معالجة القضايا العويصة، فلجأ إليه خلقٌ كثير لحل قضاياهم ومشكلاتهم؛ سواء أكانوا من أبناء عشيرته أم من أبناء (1/88)
صفحة 89
العشائر الأخرى، فكان يقضي بيضة نهاره في حلِّ قضايا الناس، ومشاركة إخوانه من أهل الحلِّ والعقد في إدارة العشيرة أمثال السيِّدَين: "عيسى بوحجام" و"حمو لقمان". كما اختصَّ بتصفية المواريث وتقويم أملاك الناس وتَرِكَاتِهم، حيث كان يتعاون مع المختصين في هذا المجال من شخصيات البلدة: أمثال الشيخ دحمان سعيد، والحاج محمَّد الزيت وغيرهم.
7 - محمد ونشاطه المتعدد في باتنة ...
1. بعد الاستقلال مباشرة شارك محمد بن يحيى مع إخوانه أعضاء "شركة سليماني" بباتنة في إعادة تكفين وجمع رفات الشهداء، بالتنسيق مع المجاهد "صالح باتار".
2. أنشأ المرحوم مدرسة لتعليم اللغة العربية في مدينة باتنة أواخر سنة 1963م، بمساعدة لجنة من السادة: "شريف بلقاسم"، "نايلي عمر"، "شعباني الوردي"، و"الطاهر مقلاتي"، فكان المرحوم بن يحيى رئيسا لهذه اللجنة، مهتمًّا بجمع التبرعات، وقد استقدمت أساتذة سوريين لهذه المدرسة، التي سُمِّيت: "بالمدرسة العائلية"، وكان السيد "محمود الواعي" يتولى شؤونها الإدارية. فأعطت المدرسة ثمارها وخرَّجت أجيالا مثقفة باللغة العربية، ودامت المدرسة إلى أن أنشئت وزارة التربية.
3. كان المرحوم بن يحيى أوَّل مدير مدرسةٍ للميزابيين في باتنة، وقد انطلق نشاطها بقسميْن اثنيْن، وكان يعتني بتعليم القرآن الكريم والفقه الإسلامي. ولمَّا قدم الشيخ الحاج عمر صالح (دغيوس) إلى باتنة استحسن منهج المرحوم في التعليم، فطوَّره وأثراه.
4. في لقاءٍ لعقيد الولاية الأولى المرحوم "الحاج لخضر" مع أعضاء شركة سليماني بباتنة، كشف عن نيته في بناء مُجمَّع أوَّل نوفمبر، الذي يتضمَّن مسجدًا كبيرا يتَّسع لـ 30 ألف مصلِّي، ومعهدًا لتعليم أصول الدين وعلوم الشريعة، فرحَّب الحاضرون بالفكرة وأبدَوْا استعدادهم الكامل لمساعدته، فاختار العقيد الحاج لخضر، كلاًًّ من "عمر بن الحاج إبراهيم" و"محمد بن يحيى" عُضويْن في لجنة بناء المُجمَّع، لكن الأجل عاجل عمر بن الحاج إبراهيم، فبقي محمد بن يحيى ينشط مع العقيد بمعية "الشيخ البُخاري" والسيد "عبد العزيز القنطري"، فتجوَّلوا في عدة ولايات من الوطن لجمع التبرعات.
5. للمرحوم دور فعَّال في بناء مُصلى الميزابيين في باتنة، والذي ما يزال يؤدي دوره ورسالته إلى اليوم.
6. انتُخِب المرحوم محمد بن يحيى عضوًا في المجلس البلدي لمدينة باتنة، لمدة عهدتين كاملتين، منذ سنة 1967م، مُكلَّفا بالشؤون الاجتماعية، فانصبت كل اهتماماته في مساعدة المُحتاجين، إذْ كان يقضي يومه كاملاً مشتغلاً بقضاء حوائج الناس دون أن يكترث لمصالحه الخاصة، فكان - رحمه الله - رجلا اجتماعيًّا بأتم معنى الكلمة، حتى قيل فيه بأنَّه: (تضحية تمشي على رِجليْنِ)، مهتمًّا (1/89)
صفحة 90
بإصلاح ذات البين بين جميع فئات المجتمع، الإباضي والمالكي، في الأوراس وفي ميزاب على حدٍّ سواء.
7. تولَّى "محمد بن يحيى" رئاسة جماعة الميزابيين بباتنة، مباشرة بعد وفاة "عمر بن الحاج ابراهيم"، فاهتمَّ بالمُصلَّى والمدرسة والمعلمين وظروفهم الاجتماعية، وكذا الطلبة الجامعيين الوافدين إلى باتنة، والتجار الجُدد، والمرضى الذين يقصدون باتنة للاستشفاء، والشباب المُقبل على الخِدمة الوطنية، فأصبحت إقامة " la commune" التابعة "لشركة سليماني" قِبلةً مقصودةً لكل الوافدين إلى باتنة من وادي ميزاب، لقضاء حوائجهم الاجتماعية المهنية والعلمية. كما كان يساعد الطلبة - وخاصة الفقراء - من أبناء الأوراس في الالتحاق "بمعهد الحياة" بالقرارة، وبالأخصِّ من الوادي الأبيض بحوز آريس. وبالمقابل كان يستقدم الطلبة المجدِّين من وادي ميزاب للدراسة في المعهد الإسلامي بباتنة، بالتعاون مع الشيخ "عمر دردور"، والأستاذ "محمد الطاهر عزوي".
8. امتدَّت أعمال المرحوم الاجتماعية والإصلاحية في الأوراس إلى مساعدة المدرسة القرآنية في المركب الثقافي التاريخي بدشرة "أولاد موسى" التي انطلقت منها الأفواج الأولى للثورة ليلة قيامها، تحت إشراف الشهيد "مصطفى بن بولعيد" في نوفمبر 1954م.
8 - محمد بن يحيى ومشاركته في الثورة التحريرية ...
> كان محمَّد بن يحيى صديقا حميما لمفجِّر الثورة التحريرية المباركة، الشهيد "مصطفى بن بولعيد".
> في 30 أكتوبر 1954م عبَّأ محمَّد شاحنة مليئة بالمؤونة، بأوامر من مصطفى بن بولعيد تحضيرًا للفاتح من نوفمبر.
> كان محمَّد يتَّصل بأصدقائه الثوَّار في الأوراس وفي خنشلة، بواسطة السيد "علي زقادة" أحد أصدقاء الشيخ أبي اليقظان، وكانت لمحمَّد بن يحيى علاقات وطيدة بصاحب المركز الآخر للثورة في يابوس، السيد "بودراع محمد"، وكان هذا المركز يُمَوَّل بواسطة "شركة سليماني"، وبتنسيق المجاهد المرحوم محمَّد بن يحيى.
> كوَّنَ محمَّد لجنةً لمساعدة عائلات المجاهدين الموجودين في السجن، وآخرين في الجبال، فوُزِّعت عملية تموين هذه العائلات على "شركة سليماني"، التي كانت إحدى مراكز الثورة، إلى أن كُشف أمرها، فأُغلق محلُّها لمدة طويلة، وأُدخل أصحابها السجن، فأُذيقوا أشدَّ أنواع التعذيب، مقابل إخلاصهم وتضحياتهم في الثورة، وقد نجى منهم محمَّد بن يحيى بفضل فراره إلى الجزائر العاصمة.
10 - مرضه ووفاته:
في بداية شهر ماي 2002م، أُصيب محمَّد بن يحيى بقصور كلوي حاد، فألزمه المرض الفراش مدَّة شهر كامل، إلى أن انتقل إلى جِوار ربه يوم الأحد 28 ربيع الثاني 1424هـ / 10 جوان (1/90)
صفحة 91
2002م، بمستشفى القرارة.
11 - قيل في حقِّ المرحوم محمد بن يحيى:
* «محمد بن يحي رحمه الله كان أبًا للجميع، وأخًا للجميع». الحاج عمر صالح (دغيوس)
* «إنَّ محمد بن يحيى رحمه كان رجلاً لا ككلِّ الرجال». باحماني مسعود
* «محمد بن يحيى رحمه كان رجلاً اجتماعيًّا، يمتاز بأخلاق طيِّبة ونبيلة، ذو ثقافة عربية وفرنسية، كلُّ عمله جهادٌ في سبيل الله، متواضعٌ مع كلِّ الناس، سخيٌّ بماله، يحبُّ مساعدة الجميع». ... الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون)
----------------
الهوامش:
1 ـ هذا المقال مستخلص من مداخلات قدمت في الحفل التأبيني الذي أقامته جمعية الفرقان بمدينة باتنة للمرحوم محمد بن يحيى، والمرحوم عيسى بن الحاج إبراهيم سليمان بوعصبانه، وذلك يوم الجمعة: 30 صفر 1424هـ، الموافق لـ: 02 ماي 2003م، وحضرته شخصيات مختلفة وممثلين عن الحكومة، إلى جانب أصدقاء المرحومْين وعُشَرَائهما. وقد اعتمد المقال بالخصوص على ما كتبه السيد "حمدي سعيد بن محمد بن عمر"، والأستاذ "محمد الطاهر عزوي".
2 ـ ومن هؤلاء نذكر: الشيخ دحمان سعيد بن عبد الله المعروف بـ"الشيخ سعيد"، والشيخ الشهيد محمد المرموري رحمه الله، والأستاذ عماره عماره بن إبراهيم، والسيد حشحوش يوسف بن يحيى، والسيد جهلان محمد بن الحاج قاسم، والسيد جهلان محمد بن الحاج بكير المعروف بـ"الطالب"، والسيد الشيخ أحمد عمر الذي كان أكبرهم سنًّا والمتوفى سنة 1942م.
3 ـ نشير - للتاريخ - أنَّ صديق بن يحيى السيد الشيخ سعيد - حفظه الله - كان من أوائل من علَّم النحو الواضح بأسلوبه الحديث في "دار العلم" لفضيلة الشيخ بيوض رحمه الله. (1/91)
صفحة 92
ميزاب جامعة بلا جامعة!؟ لقاسم حجاج
بقلم: قاسم حجاج
جامعة ورقلة
تعدُّ ولاية غرداية مفترق طرق وطني وإقليمي وقاري ألفي، ومحور استقطاب وجذب لمختلف الأنشطة النافعة الحضارية في الجزائر قديما وحديثا. إنها نقطة ربط بين الشمال والجنوب الجزائري، المغاربي، الإفريقي، المتوسطي، خاصة في أفق إقامة منطقتي التبادل الحر الأورومتوسطية والعربية. إنها تكسب هذه الأهمية بفضل حيوية قلبها الممتثل في مجموعة مدن منطقة بلاد الشبكة ابتداء من
مدن سهول مزاب وبريان والقرارة شمال الولاية ومتليلي والمنيعة جنوبها، وخاصة بؤرة المنطقة في المحور الغرداوي الذي يمتد على محور يصل ما بين المدن الواقعة على 80 إلى 100 كلم في الاتجاهات الأربعة والذي يتحول شيئا فشيئا إلى مركز عمراني كبير (ميغالو بوليس) وسط الصحراء بحوالي 100.000 نسمة مع تعددية في الأعراق والمذاهب والاتجاهات والأنشطة ...
إن المنطقة تمثل مصدرا حقيقيا للثراء والإشعاع وكذلك أيضا للرهانات الثقافية والاقتصادية والسياسية نظرا للعراقة التي تزيد عن عشرة قرون، والتي تتميز بها تنظيماتها الاجتماعية-الاقتصادية-الثقافية. وما يزيد من أهميتها المستقبلية أن سمعتها أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية لتشكل مصدرا للإلهام العالمي، بفضل حكمة وصلابة وعبقرية أجيالها المتعاقبة.
إن تلك العبقرية المحلية طالما تكيفت بذكاء وتعايشت بتسامح وانسجمت في تناغم وأبدعت في أصالة، مع محيط إقليمي وعالمي شديد وسريع التحول، منذ بداية عصر الاكتشافات الجغرافية والعلمية والاتصالات الحديثة ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي، لتصل إلى مستوى مثير للإعجاب يصل أحيانا حد الأسطورة. ذلك أن وقوع المنطقة في منطقة جغرافية-مناخية-اقتصادية-اتصالية تتميز بالصعوبة القصوى - والأهمية الكبيرة في نفس الوقت- لم يكن عاملا مثبطا للإدارات بل محفزا لروح الاستجابة المحلية الموفقة إلى حد كبير. فكانت في مستوى التحدي، وفق ما يعبر عنه أرنولد توينبي المؤرخ البريطاني للحضارات في نظرية التحدي والاستجابة. فأثارت التجربة فضول العام والخاص وأسالت أقلام مفكرين ورحالة ومغامرين أمثال: شارل دوفوكو ولوكور بوزيي ومالك بن نبي وأنيس منصور ... وغيرهم. إذ كانت الاستجابة للتحدي عبارة عن تأسيس نظم دينية، تعليمية، ثقافية، اقتصادية، كثيرة منها:
- مساجد ومحاضر وكتاتيب و مدارس وزوايا عامرة بالذكر والروحانية قديما وحديثا.
- رموز علمية وأدبية ودينية وجهادية عديدة قديما وحديثا، أمثال: الشيخ اطفيش وبيوض ومفدي زكرياء، وإبراهيم بوحميدة وصالح خرفي وبن بيتور أحمد والحاج سليمان شريف، ومرغوب بلحاج وغيرهم من الكفاءات الجزائرية الفذة التي زخرت وتزخر بهم المنطقة.
- مدارس ومعاهد تعليمية زاهرة بالفكر والعلم والإيمان. وقد كان مثلا معهد الحياة منذ الثلاثينيات مشتلة لتخريج عدة إطارات وطنية بعد أن التحقت بجامعات الأزهر والقاهرة بمصر والزيتونية بتونس وبغداد بالعراق، وغيرها، وعادت لتخدم الوطن قبل الاستقلال وأثناء الثورة وبعد الاستقلال. كما احتضنت أبناء الجزائر الذين قدموا إليها من عدة مناطق ومن أطراف شمال إفريقيا وبعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، لما شهدوا فيها من أدب رفيع وعلوم مفيد وتسامح عال أمثال المفكر والداعية علي يحي معمر الليبي والشاعر محمد الأخضر السائحي وغيرهما كثيرون.
-هندسة معمارية ذات خصوصية وإلهام عالمي متواصل. (1/92)
صفحة 93
-نظام للري وتوزيع عادل وفعال لمياه السيولة من قنوات وسدود.
-حركة صحفية وتجارية وفلاحية وصناعية وخدماتية وجمعوية ما تفتأ تتطور وتتكيف مع المستجدات وتقاوم عاديات وتقلبات الزمن، وتتطلع إلى مستقبلات أفضل في زمن العولمة.
فبعد الاستقلال، عرفت المنطقة نموا ديمغرافيا وعمرانيا وتنمويا كبيرا بفضل روح المبادرة والمغامرة والديناميكية الاستثنائية التي يتميز بها سكانها. وبفضل جهود التنمية الحكومية. وهي اليوم، تبحث - في أفق الألفية الثالثة للميلاد - عن معالم وخطط السر وفرص التكيف لتجاوز سلبيات الماضي وتثمين إيجابياته والإفادة من إيجابيات العولمة.
ومن بين المشاريع التنموية الحضارية الواعدة التي يتوق جل سكان المنطقة إلى رؤيتها تتحقق: مشروع جامعة غرداية، مشروع جعل الكثيرين يتساءلون بأسف وحسرة كبيرين: لماذا أصبح من قدر سكان المنطقة أن تتأجل مشاريعهم التنموية، التحديثية الطموحة -ومنها مشروع الجامعة - في كل مرة لأسباب ومزاعم وحجج ومغالطات وأوهام ومخاوف ومبررات واهية، يحار في أمرها كل ذي عقل وبعد نظر وكل مدرك لخطورة الرهانات العلمية والتكنولوجية التي ستواجه مجتمعاتنا مع بداية إقامة البنيات التحتية اللازمة لبناء مجتمع المعلومات لاستيعاب الانفجارات المعرفية المتوالية؟
ولولا ضغط الحاجة وتفاقم مشكلات موضوعة ضاغطة كائنة حاليا خاصة خلال سنة2001/ 2002 وما بعدهما، لكان مصير جامعة غرداية مزيد من التأجيل والتسويف. ومن المهم أن نشير إلى أن الشروع الجاد في إقامة هذا المشروع مع بداية الموسم الجامعي القادم 2003/ 2004لم يعد رهانا محليا لبعض النخب الإدارية والتعليمية والمثقفة المحلية بل تجاوزها ليصبح رهانا لنخب مركزية مماثلة ترى في ضرورة الإسراع بإنشائه فرصة للمزيد من المنافع المادية التي تخولها الهيكلة القانونية الجديدة للمنظومة الجامعية الوطنية.
لكن ليكن ذلك، ولتكن الاستفادة مزدوجة. فالأهم من ذلك أن يدرك الفاعلون الاجتماعيون المحليون: عموميون وخواص من جميع المؤسسات العمومية والخاصة ومن جميع القطاعات، أن مشروع جامعة غرداية من نوع المشاريع المحورية، الحيوية، المحركة للعديد من القطاعات التنموية المحلية والوطنية. لذا فليتم النظر إلى منافع هذا المشروع القريبة والمتوسطة الأجل والتي ستستفيد منها الأجيال القادمة، أكثر من التركيز على سلبيات لا تخلو منها أي فكرة أو مشروع تنموي حضاري.
لذلك فإنه قد تمت الخطوات الأولى الجادة على مستوى السلطات المحلية والمركزية لإقامة هذا المشروع في أرضية تقع بين المركز الوطني للتكوين المهني ومركز الطاقات الجديدة، بحيث يستقبل العام القادم 2003 - 2004 م الدفعة الأولى (جذوع مشتركة في العلوم التكنولوجية، الهندسة (1/93)
صفحة 94
المعمارية والعلوم الاجتماعية والعلوم الاقتصادية والتسيير) بتراب بلدية بنورة قرب مطار مفدي زكريا والمنطقة الصناعية في الجنوب الشرقي التابعة لنفس البلدية.
ولكن قد يقول قائل: وما الفائدة والجدوى الاقتصادية والعلمية و .. من إقامة جامعة بغرداية؟ خاصة وأن تجربة جامعة التكوين المتواصل التي بادر بتأسيسها الوالي السابق عثماني مختار في أكتوبر 1996 لم تحقق سوى نجاحا متواضعا جدا نظرا لعدة أسباب أهمها بالذات:
- عدم وجود مركز جامعي بجوارها.
- عدم استقرار الطاقم الإداري والبيداغوجي حيث تعاقب على رئاسة الفرع ستة مدراء بمعدل مدير لكل سنة. فضلا عن الأساتذة الرحالة الذين تعاقبوا عليها بدون مؤهلات كافية في معظمهم.
- الافتقار إلى هياكل بنائية مستقلة دائمة فهي جامعة لاجئة بمدرسة ابتدائية.
- قلة الاعتمادات المالية المرتبطة بالحالة الاقتصادية العامة للبلد خاصة آنذاك.
- محاصرة المشروع من طرف عدة أطراف رغم توفر إدارة سياسية محلية ومركزية محتشمة لم تستطع الذهاب بعيدا في إقامة المشروع بعيدا عن الديماغوجية والشعوبية.
-بداية المشروع في ظرف أمني سياسي مضطرب جدا، أقل ما يقال فيه أنه محكوم بالفوضى الاجتماعية والأخلاقية والإدارية ... الخ وأشكال من الانتهازية والرداءة الفكرية والإدارية والبؤس الثقافي والعلمي والأخلاقي والضغوط المتعددة المصادر. ورغم ذلك نقول الفضل للمبتدئ ولو أحسن المقتدي.
وقد تمكن سكان وإطارات متليلي بدورهم، من إضاءة شمعة علمية أخرى بإقامة ملحقة للمعهد الوطني للتجارة بالعاصمة منذ أوساط التسعينيات. وهو يشع اليوم -برغم ضعف الإمكانيات- على المنطقة ويعد بالمزيد من النجاح.
ولا بأس أن نشير إلى البدايات المحتشمة والجريئة لفتح أقسام لدراسات ما بعد التدرج بمعاهد الحياة بالقرارة ومعهد عمي سعيد، حيث تستقبل منذ بداية التسعينيات دفعات صغيرة من الطلبة لمواصلة دراستهم في العلوم الإسلامية في مرحلة ما بعد الثانوية. وعسى أن تتحول تلك المشاريع التعليمية الخاصة إلى مشاريع جامعية خاصة متكاملة، شاملة، مفتوحة على الكفاءات الجامعية العليا ويسعى أكثر لعصرنة مناهجها ووسائلها في المستقبل القريب.
فهي تجارب تعليمية ثرية بالدروس. رغم أنها تحتاج إلى تطوير للوصول بها إلى مستوى الأداء وفق المقاييس الوطنية والعالمية، في أفق التغيرات والإصلاحات المنتظرة في المنظومة التربوية الوطنية نحو مزيد من الخوصصة واللامركزية والتنافسية، استجابة لتحديات الانفتاح والشراكة والعولمة العلمية والمالية والمعلوماتية التي تنخرط فيها البلاد. و يمكن أن تتعزز مكانتها ويصلب عودها أكثر مع إقامة مشروع جامعي بالولاية. إذن، هذه حقائق تدل على توفر الإرادة والطلب والوسط المحلي الحاضن لمثل هذه المؤسسات التعليمية العليا مثل جامعة غرداية المنتظرة. (1/94)
صفحة 95
وقد يتساءل سائل أيضا عن حاجة سكان المنطقة كميا ونوعيا إلى جامعة سواء من الزاوية التعليمية والاقتصادية والعلمية والديمغرافية؟ وإلى أي مدى ستساهم وتشرك النخب المحلية خاصة المثقفة والجامعية والبحثية عبر الوطن وخارجه في صياغة معالم صلبة لهذا المشروع الواعد. أم أن معظمهم يقف موقف المتفرج واللامكترث؟
وهل تساهم المؤسسة الجامعية المرتقبة في حل مشكلات تنموية واجتماعية وثقافية لا تخلو منها المنطقة، أم ستزيد إليها مشكلات جديدة هي في غنى عنها؟ وهل هناك إمكانيات مالية ومادية كافية وهياكل لائقة ومشجعة لإقامة المشروع؟ وهل لدى النخب المحلية والمجتمع المحلي تصور مستقبلي معين الانعكاسات العلمية والاجتماعية لهذا المشروع خاصة على تقاليد وعادات المنطقة وبالذات على حياة بعض الشرائح والفئات الاجتماعية الحساسة كالمرأة والبنت المحلية؟ أم أن المهم هو إقامة هيكل معماري، تعليمي واقتناص بعض المناصب المالية وفرص العمل والإسكان الوظيفي. وبعد ذلك التباهي الخادع أمام المناطق الأخرى من الوطن بامتلاك غرداية جامعة وكفى؟
لا شك أن هذه التساؤلات التي تعبر عن انشغالات معينة هي تساؤلات مشروعة. ولكن البعض يطرحها أحيانا من زاوية التعجيز والتهويل والتشاؤم والرفض، والبعض الآخر يطرحها في معرض الدعوة إلى التفكير والاستشراف المتأني والجاد والبناء قبل الشروع في بناء مثل هذه المشاريع الحيوية. لذلك أود المساهمة في بلورة رؤية حول هذا المشروع مساهمة في النقاش حول جدواه واقفا منذ البداية في صف الفئة المتسائلة الثانية من موقع المتفائل، المؤيد لإقامة المشروع. مشيرا في البداية أن عمليات النهضة والتحديث منذ العهد الاستعماري (المجتمع المحلي يواجه أولى صدمات الحداثة الغربية) كانت في صلب الجدال الفكري والاجتماعي بين سكان المنطقة.
وقد قامت الحركة الإصلاحية والثورة الجزائرية وعمليات التنمية إبان الاحتلال وبعد الاستقلال بتخطي عقبات ذهنية وواقعية كثيرة في ذلك السبيل لكن حصلت بعض الانتكاسات والثغرات - خلال العقود الأخيرة - خاصة في مستوى الوعي الذي كانت تتمتع به عينة من النخبة المحلية إبان النصف الأول من القرن العشرين .. وقد تبين من استقراء تلك الحقب إلى أي مدى أضاع سكان المنطقة وقتا كثيرا في طريقهم إلى التحديث والتنمية مع جدالهم المتمحور حول الأصالة والمعاصرة، العلم والدين، التكنولوجيا والتقاليد والمجتمع أي حول إدخال التحديث في التعليم والاتصالات والعمران والسياسة والاقتصاد .... وحول ضرورة رفع التحديات يدا بيد بعيدا عن العصبيات المقيتة والإقصاء المتبادل وأجواء الشك وعدم الثقة والكراهية واللاتسامح. وفي هذا الصدد يقول أينشتاين:" سهل علي أن أحطم ذرة من أن أغير ذهنية " ذهنية يبدو أنها تتسم عموما بالقحط والتصحر والبؤس الثقافي.
فما أشبه حالتنا الذهنية والاجتماعية العامة اليوم بالبارحة إبان بداية الجهود المضنية والطموحة (1/95)
صفحة 96
للحركة الإصلاحية والنهضة والحركة الوطنية الحديثة. فتجد مثلا جرائد أبي اليقظان تضم مقالات جريئة كثيرة بعض عناوينها ومضامينها يعكس تماما - مع فارق في الشكل الدرجة والطموح - صورة الوضع القائم حاليا بالمنطقة في الجانب العلمي، التعليمي والاجتماعي العام كأن تجد مقالات معنونة كما يلي:
- «رأي صريح في أسباب انحطاط مدينة غارداية من الناحية العلمية» أنظر جريدة الأمة، عدد 105 الصادر في 12 جانفي 1937 م.
- «حاجتنا إلى نادي أدبي في عاصمة ميزاب» أنظر الأمة، عدد 70 الصادر في 14 أفريل 1936 م.
- «هل في الإمكان إيجاد كلية {جامعة} دينية علمية بالقطر الجزائري» انظر جريدة الأمة العدد 49 الصادر في 05 نوفمبر 1935 م.
- «اختلال التعليم بوادي ميزاب» في حلقتين صادرة بجريدة وادي ميزاب، عدد 103 بتاريخ 05 أكتوبر 1928 وعدد 111 بتاريخ 07 ديسمبر 1928م.
- «اختلال التعليم الفرنسي ببلدة العطف، للأستاذ البكري (الشيخ عبد الرحمن بكلي) في جريدة وادي ميزاب، العددان: 09 و 11 الصادران بتاريخ 13 نوفمبر 1934م و27 نوفمبر 1934م على التوالي. ومقاله الآخر بعنوان «حالتنا التعليمية ... » بنفس الجريدة عدد 02 الصادرة بتاريخ 08 أكتوبر 1926م.
وغيرها من المقالات المهمة في معناها ومغزاها بالنسبة للتاريخ والمستقبل العلمي للمنطقة والجزائر على السواء.
ونكتفي بإيراد مقطع معبر، ذي دلالة، يمكن أن نقارن به الحالة المحلية الحالية ومع الحالة المحلية خلال العشريات الأولى للقرن الـ 20م وحالتنا العلمية والتعليمية في بداية العشريات الأولى للقرن الـ 21م.
يقول صاحب المقال المعنون «اختلال التعليم بميزاب» المشار إليه أعلاه، ولعله لأبي اليقظان لأنه بلا إمضاء، يقول: «ففي ميزاب-كما في الجزائر-لا شيء [أي لا أثر لنهضة علمية] فضلا عن أن يذكر، ففي عصر تقدم العلوم والصناعات وفي وقت تدفق المدارس والكليات والجامعات بفطاحل العلماء والنبغاء والعبقريين والمخترعين والمكتشفين، نجد ميزاب محروما من كل شيء يسمى العلم والعرفان وهو تحت ظلال حماية فرنسا التي ما نصبت حمايتها عليه إلا بعنوان التحضير (أي نشر الحضارة) والتمدين في مدة ثلاثة أرباع قرن». إذن شتان بين طموحات وهمة وبعد نظر أولئك الرجال وتخذيلات وقصر نظر بعض رجال زماننا في مسألة التعليم وتطويره. ولعلنا نقول: (1/96)
صفحة 97
اليوم لقد تأجلت إقامة جامعة غرداية عقودا نظنها كافية. فاليوم يتوفر لدى شرائح هامة من سكان المنطقة ونخبها، قدر لا بأس به من الوعي الفكري والإرادة السياسية والاستعداد الإداري والإمكانيات العلمية والمالية، خاصة مع برنامج الإنعاش الاقتصادي وموارد صندوق الجنوب، مع مزيد من استتباب الاستقرار والأمن العام-بعد سنوات الإرهاب والفوضى- مما يتيح فرصة تاريخية لإقامة المشروع في ظروف أفضل مما سبق. ويمكن أن نتوقف عند أهم الحقائق والمعطيات والحوافز والعوامل الضاغطة الدافعة لإقامة جامعة بغرداية فيما يلي:
1 - انعدام هيكل للتعليم العالي بالمنطقة: ففيما عدا المركز الجامعي بالأغواط وجامعة ورقلة والمعهد العالي للعلوم الإسلامية بأدرار والمركز الجامعي بالوادي، فإن مناطق الجنوب الكبير خاصة ولايات: غرداية، إليزي، تمنراست، وتندوف ليس بها أي هيكل للتعليم العالي. وهو ما لا يتماشى والأهمية الاقتصادية لهذه المناطق. هياكل يمكن أن تستجيب للطلب المحلي المتزايد منذ الثمانينيات من القرن الماضي على التعليم العالي سواء من طرف العائلات أو الفاعلين الاجتماعيين الآخرين من جمعيات ومن إدارات وشركات وطنية وأجنبية خاصة أو عامة. وإن إنشاء مركز جامعي بغرداية سيعزز المكانة والوظيفة الجهوية لغرداية ويستجيب جزئيا لذلك الطلب المتزايد سنويا على التعليم العالي.
2 - تزايد مطرد لنسبة الناجحين في البكالوريا: فقد تعزز الهياكل التعليمية الابتدائية والمتوسطة والثانوية بالولاية والولايات المجاورة بفضل التزايد الانفجاري للديموغرافيا. حيث تشهد المنطقة معدلات نمو ديمغرافي مرتفعة على المعدل الوطني، حيث أن عدد سكان الولاية يصل حاليا سنة 2002 حوالي 480 ألف نسمة ويتوقع بلوغه سنة 2010 أزيد من 500 ألف نسمة بمعدل نمو يصل إلى 3.4 % حسب إحصائيات 1998 م. بينما يزداد الإقبال على التعليم عموما والتعليم العالي بين الجنسين من خلال نسب التمدرس السنوية المسجلة حسب الأعمار فنسبة التمدرس وصلت سنة 1991/ 1992 حوالي 85.34 % للبالغين سن السادسة من الجنسين وهي الآن سنة 2001 - 2002 تزيد عن 90%بينما ارتفعت بالنسبة للباغين سن 15 إلى 19 سنة من 34.01 سنة 1991/ 1992 إلى حوالي40%سنة 2001/ 2002.
كما تشير مصادر مصالح الولاية أن نسبة تمدرس الإناث بالولاية في تزايد مطرد، حيث وصل سنة 1991/ 1992 في سنة 91/ 92 في سن السادسة إلى 70.76. % بينما بلغ سنة 2001/ 2002 نسبة 80%. أما بالنسبة للبالغات سن 15 إلى 19 سنة فكانت النسبة تصل 24.09% سنة 1991/ 1992 لتبلغ أزيد من 31.50% سنة 2001/ 2002. كما أن نسبة النجاح في البكالوريا للذكور والإناث للسنوات العشرة الأخيرة في تزايد ملفت ليصل إلى حوالي 40% من نسبة المترشحين محليا وهي نسبة تجعلها في مرتبة متقدمة وطنيا، فقد بلغ عدد الإناث الفائزات بالباكالوريا سنة 2001/ 2002 أزيد من 400 طالبة عبر ثانويات بلديات الولاية وفي سنة (1/97)
صفحة 98
2002 بلغن أزيد من 500 طالبة فضلا عن بلوغ العدد الإجمالي لهذه السنة 2002 حوالي 16000 طالب وطالبة.
وهذه الأرقام تعكس الإقبال الكبير على التعليم بين سكان المنطقة. كما تشير الإحصائيات أن هناك مئات الطلبة الذين يسجلون في جامعات ومعاهد خارج الولاية يقطعون مسافات طويلة ويعانون غلاء تكاليف التنقل والدراسة وقسوة ظروف الإيواء في أحياء جامعية يتكدس في غرفها كالنمل، مما يزيد من نسبة التسرب الجامعي بين أبناء الولاية خاصة بين الإناث وهو نزيف داخلي لطاقات المنطقة والجزائر لا يمكن تجاهله. وإذا أضفنا إلى ذلك ضغط الثقافة الدينية المحافظة جدا والتقاليد الدينية الاجتماعية المتوجسة من تعليم البنت بالجامعة حفاظا على كرامتها وشرفها وكذلك ضغوط الأزمة المعيشية والاقتصادية على الأباء والأمهات.
ومن مفارقات واقعنا الثقافي الاجتماعي المحلي المتعلق بمسألة تعليم البنت أن يجد المرء نفس المبررات المطروحة من البعض للتعبير عن التخوف من انعكاسات المشروع على العنصر الأنثوي كالاستناد إلى الدين والأخلاق تعد لدى البعض مبررات يستند إليها للتعبير عن الجدوى من إقامة المشروع. ونقول في هذا الصدد، إن الدين لا يحمى بالجهل، فضلا عن أن تحمي المجتمع امرأة جاهلة، تعاني أمية مركبة وطورية أمام السيل الانفجاري للمعارف. خاصة في ظل غياب بدائل أخرى. فالخيار صعب لكن مصيري ومن خاف الركوب ما وصل.
إذا، إن الجدوى من إقامة المشروع الجامعي بغرداية، تزداد اليوم إلحاحا وتبريرا. صحيح أن إنشاء مركزين جامعيين بالأغواط وورقلة قد خفف نوعا ما من مشكلة الالتحاق إلى الجامعة بالنسبة لطلبة الولاية، إلا أن المشكلات الاجتماعية والبيداغوجية الناتجة عن الأعداد المتزايدة للملتحقين والملتحقات بهذين المركزين خلال السنتين الأخيرتين بالذات وكذلك غياب تخصصات جديدة بالمراكز المذكورة، لمما يعزز أطروحة الجدوى الفعلية والملحة للمركز الجامعي بغرداية.
3 - وفرة إمكانيات التأطير الإداري والبيداغوجي والبحثي: تشير الإحصائيات الأولية المتوفرة إلى وجود ما يزيد عن 250 إطار جامعي وبحثي من مستوى ما بعد التدرج من أبناء الولاية من مختلف التخصصات يشتغلون عبر جامعات الوطن أو خارجه، مما يعزز حظوظ طلبة الولاية في مجال التأطير البيداغوجي والعلمي سواء عبر التوظيف الكامل أو التعاقد مع أساتذة متنقلين أو إطارات تتواجد عبر الهياكل التنموية المختلفة داخل الولاية وخارجها.
كما أن الولاية وما جاورها تتوفر على موارد طبيعية، طاقوية، فلاحية، وثائقية، تراثية، ثقافية، وصناعية تعزز إمكان نجاح المركز الجامعي بغرداية، بالاستفادة من الطاقات المتخرجة منها والمتكيفة مع بيئتها الصحراوية ومتطلبات الأداء للأنشطة بفعالية والانضباط في السيرة والأمانة والصرامة في الإنتاج والعمل بإخلاص وهي ميزات تنافسية تتميز بها اليد العاملة المؤهلة للمنطقة (1/98)
صفحة 99
خاصة في ظل الشراكة الحالية. كما سيعزز من جدوى وأداء هياكل السياحة العلمية وهياكل البحث العلمي المتواجدة عبير الولاية مثل: مركز الأبحاث حول النباتات الصحراوية بلشبور بغرداية ومركز الطاقات المتجددة فرع المعهد الوطني للتجارة بمتليلي وغيرها ... وأشير هنا إلى أهمية انفراد جامعة غرداية مستقبلا بتخصصات منعدمة في المركزين المجاورين وحتى في الجامعات الأخرى عبر الوطن ومنها:
? الهندسة المعمارية الصحراوية.
? علم الاجتماع الريفي وعلم الاجتماع الديني.
? الدراسات الإفريقية ولغاتها.
? الطاقات الجديدة والمتجددة.
? تكنولوجيات التبريد والتخزين الغذائي.
? الدراسات الفقهية المقارنة.
? علوم التسيير أو المانجمنت والأوديت أو التدقيق المحاسبي والتسويق والتقنيات البنكية.
? السياحة الصحراوية.
? الأدب واللغات.
? والأنثروبولوجيا.
على أن الأولوية - في نظري - بالنسبة لهذه المرحلة هي لفتح جذوع مشتركة في فروع: العلوم الإسلامية، والعلوم التكنولوجية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، في انتظار فتح فروع جديدة مستقبلا.
4 - القرب من هياكل صناعية وخدماتية هامة: إن توفر ولاية غرداية على عدة مناطق صناعية، ومناطق أنشطة صناعية مثل: القرارة-غرداية-بونورة-متليلي-المنيعة، وقربها الشديد من مطار غرداية الدولي ومحاذاتها الطريق الوطني، الإفريقي رقم واحد، في أفق مرور خط السكك الحديدية الرابط بين توقرت-ورقلة - غرداية -والأغواط- فالجلفة خلال العقد الثاني من القرن الحالي إن شاء الله .. إن هذه الهياكل القاعدية التي تتعزز ببنية معلوماتية اتصالية رقمية إضافة إلى التوسعات العمرانية والإسكانية في جميع الاتجاهات خارج المناطق والمراكز السكانية التقليدية، خارج القصور المعروفة مثل: مناطق متليلي ومدينة النميرات الجديدة ومنطقة تافيلالت وقار الطعام ومنطقتي حمريات وسدراتو ومنطقة بوهراوة ووادي نشو وأوريغنو وغيرها .. كما ينتظر افتتاح هياكل خدماتية هامة منها مراكز استشفائية خاصة وفنادق وسياحة وحمامات معدنية، إضافة إلى الحقول النفطية عبر الولاية، مما سيحدث طلبا مستمرا وكبيرا ونوعيا على الموارد البشرية المؤهلة وهي بمثابة منافذ ( dédouchées) لأصحاب الشهادات مستقبلا من جهة. ومن جهة أخرى ستقوم الجامعة الجديدة في حد ذاتها بخلق طلبات جديدة من خلال الاعتمادات المالية الخاصة بها، بحيث (1/99)
صفحة 100
أنها ستكون بذلك أحد المشاريع المحورية، والقاطرة الحيوية التي ستجر معها إلى الأمام العديد من المشروعات التنموية العامة والخاصة الكائنة والمرتقبة، من مختلف القطاعات، فتنشطها وتفعل أداءها وتنميها على المدى القريب والمتوسط على الأكثر، فضلا عن البعيد.
فوجود مثل ذلك المركز الجامعي سيزيد المنطقة ازدهارا وإنعاشا تنمويا بعد طول ركود خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة من أزمة البلاد الاقتصادية والأمنية. مع العلم أن المرحلة الجديدة مرحلة تحول نحو اقتصاد السوق الحرة بكل ما تعنيه من تنافسية وفعالية وصرامة في التسيير وتطوير للأداء الاقتصادي .. فستنتعش قطاعات المكتبات والسياحة العلمية والثقافية والترفيهية وقطاعات النقل والاتصال والمطبعية والوحدات الصناعية والتجارية والفلاحية وحركة التعمير والبناء والحركة التعليمية والبحث التراثي والعلمي والمعلوماتية .. لذلك فالمركز ذو أهمية اقتصادية واضحة فالتعليم كما يقال مشروع اقتصادي أيضا، فلا ينبغي الإسراف في النظرة الأخلاقوية- الاجتماعية والتشاؤمية الضيقة للمشروع فنظلمه بسبب الجهل أو التجاهل لمزاياه العديدة القريبة والبعيدة، المدركة وغير المدركة.
5 - توفر الطاقات التقنية والبحثية بالمنطقة: يمكن الإشارة هنا إلى الموارد الهامة في ميدان المعلوماتية والبحث العلمي الخاص العصامي، والعمومي، ويمكن التنويه إلى ريادة أبناء المنطقة في إقامة عدة مواقع أنتيرنتية لأغراض علمية واقتصادية وتثقيفية مثل: موقع مركز المطياف القرآني وموقع ميزاب أون لابن، ومواقع ثقافية وتجارية من إنشاء إطارات متليلي وموقع أبو اليقظان وغيرها. كما يمكن الإشارة إلى النشاط الرائد في البحث التراثي الذي تزاوله جمعيات التراث بالولاية وخاصة جمعية التراث بالقرارة، وأبو إسحاق بغرداية وكذا افتتاح مركز الوثائق الصحراوية التابع للآباء البيض بغرداية وغيرها من الهياكل العلمية اللوجيستيكية، مما يشكل روافدا لمثل هذا المشروع الجامعي المرتقب وسندا لطلبته وباحثيه الذين ينشطون اليوم في جمعيات طلابية وبحثية ذات أداء طيب يبشر بكل خير.
6 - توفر إمكانات وهياكل الاستقبال لانطلاق المشروع: بانتظار بناء بين المركز الوطني بين المركز الوطني للتكوين المهني ومركز الطاقات المتجددة هيكل يتربع على مساحة 30 هكتار ستبنى عليه مدرجات ومكتبة ومصلى وإقامتان الواحدة للذكور والأخرى للإناث، و يمكن أن يستقبل في الدفعة الأولى حوالي 1200 طالبا وطالبة ليرتفع بعد خمس سنوات إلى حوالي 5000 طالب مع إمكان تعبئة حوالي 30 إلى 70 أستاذ دائم ومتعاقد خلال هذه المدة. وقد اتخذ السيد والي الولاية عبد المال بوضياف إجراءات إدارية تقنية ومالية لتجسيد المشروع فعليا خلال عام 2002 - 2003م.
خلاصة القول إن التحدي أمام النخب المحلية خاصة الجامعية بكل فئاتها أن تنظم طاقاتها المشتتة (1/100)
صفحة 101
بسبب الانتماء العرقي أو المصلحي أو اللغوي أو التخصصي أو المذهبي أو الأيديولوجي أو الطبقي أو القصوري أو المزاجي أو العروشي وذلك بإقامة شبكة محلية للباحثين والأساتذة الجامعيين تتلاحق فيما بينها وتبني مستقبلا محلي ووطني أفضل للأجيال القادمة. كما أن عليها أن تتعاون مع السلطات المحلية والمركزية وأن تصمم على تحقيق هذا المشروع في أقرب الآجال، وعليها أن ترتقي بهمتها وكفاءاتها ورصيدها من الخبرات والتجارب والأخلاقيات لتصل بهذا المشروع إلى مستوى رسالة العلم والعلماء، تسامحا وتعاونا وانسجاما، وإبداعا واجتهادا علميا بأن تترفع عن الحسابات الضيقة والتفكير المحدود بالمغانم الآنية والشخصية المادية والعصبية لهذا الطرف أو ذاك، فتسقط في فخ تفريخ وإعادة إنتاج الرداءة بكل أشكالها.
إن كل غيور يتمنى أن تتعزز فرص نجاح المشروع، ليكون نموذجا بين جامعات الوطن في إغناء الجهد الإحيائي، التنويري، المعرفي، والتطويري للمنطقة والوطن ولم لا الإشعاع مع أمثاله في الجزائر على جامعات ومجتمعات وثقافات، حوض المتوسط وإفريقيا والعالمين العربي والإسلامي في زمن نحن أحوج ما نحتاج إليه إلى إقامة تنميتنا على الاستثمار في أهم عوامل الإنتاج والحضارة، أي الاستثمار في الإنسان، في الرأسمال البشري، في الذهب الرمادي المتجدد العطاء باستمرار، استعدادا لمرحلة ما بعد الذهب الأسود الزائل حتما. (1/101)
صفحة 102
جنون البقر بين سنن الخالق وجشع الإنسان
أ/ إبراهيم بن محمد حمدي عيسى
قال الله تعالى في محكم آياته من القرآن الحكيم:
{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للهِ إِن كُنتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1).
وقال أيضًا في آية أخرى:
{قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَو دَمًا مَّسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (2) *. (3)
فقد أمرنا الله تعالى في هذه الآيات أن نأكل ونتمتَّع من طيبات رزقه، ونتجنب أكل الميتة والدم ولحم الخنزير ... فهذا التحريم لِحِكَم يعلمها هو وقد نجهلها نحن فما علينا إلاَّ أن نمتثل لأوامره ونواهيه، فلا شكَّ أنَّ الله لا ينفعه طاعتنا كما لا تضرُّه معصيتنا، فما أمرنا إلاَّ بما فيه نفعنا، وما نهانا إلاَّ عمَّا فيه ضررنا سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك.
فإذا خالفنا أوامره ونواهيه فلابدَّ أن نتضرَّر، فلنأخذ مثلاً الميتة والدم:
قد عمد الخبراء في أوروبا وخاصَّة في بريطانيا إلى إقحام الدم و هياكل الحيوانات والعظام في أطعمة البقر وهذا لاعتباره مادة بروتينية إضافية لترفع من إنتاج الحليب (4)، ولكنهم جهلوا أنَّ الله تعالى قد حرَّم أكل الميتة والدم .. فبدافع الجشع من هؤلاء الأوروبيين وسعيًا وراء جني الأرباح الطائلة يتخذون كلَّ الوسائل حتى المحرَّمة منها.
ولكن مع مرور الزمن تبين لهم أنَّ هذه المواد (الميتة والدم) يترتب عنها ضرر كبير وهو جنون الحيوان وخاصَّة البقر.
فلنتعرَّف بالتفصيل على هذا المرض:
مرض جنون البقر اكتشف لأوَّل مرة في بريطانيا في نوفمبر سنة 1986م وأصاب الأبقار الحلوب، وهو مرض جرثومي لا تسببه بكتيريا ولا فيروس ولا طفيلي .. ولكنه جزيءٌ أصغر من ذلك، وهو جزء من البروتين يدعى ( Le prion) بحيث يعشش على سطح الأعصاب، وبالتالي يتسبب في موت بعضها (5)، وهذا يسبب ظهور بعض الأعراض العصبية لدى الحيوان المصاب، منها: (1/103)
صفحة 103
أ - تغيُّر طبع الحيوان بحيث يصبح عصبيًّا يضرب ويهاجم الإنسان والحيوانات الأخرى.
ب - صعوبة التحرُّك، والارتجاف.
ج - الحساسية المفرطة لأيِّ لمس، أو لأية حركة.
د - الحيوان يقوم بحكِّ رأسه بالحائط، لأنَّ الجرثومة تعشش في الجهاز العصبي.
عندما اكتشف العلماء هذا المرض لأوَّل مرَّة وضعوا عدَّة فرضيات عن مسبب المرض، وهي كالآتي:
1 - ظهور جرثومة جديدة تنتقل عن طريق استعمال المواد البيولوجية (لقاحات، هرمونات ... )
2 - مرض وراثي جديد.
3 - ظهور جرثومة جديدة جاءت نتيجة استيراد الأبقار.
4 - انتقال المرض من الأغنام إلى البقر لأنَّ هناك مرضًا عند الأغنام يشابه هذا المرض.
5 - ظهور هذا المرض نتيجة لتناول الأبقار مسحوق من هياكل وعظام الحيوانات، ومسحوق من الدماء المجمَّعة من المذابح.
ومع مرور الزمن وتركيز البحوث أثبت العلماء صحة هذه الفرضية الأخيرة وبالتالي ألغيت الفرضيات الأخرى لأنَّهم وجدوا ما يلي:
أ - إنَّ كل الحيوانات المصابة قد تناولت هذه المساحيق ضمن أعلافها.
ب - أصيب حيوان ثدِّي في أمريكا ( Le Vison)(6) بمرض مشابه لجنون البقر، وكان يتناول غذاء به مسحوق العظام والدم.
ج - حيوانان مجترَّان برِّيان في حديقة الحيوانات في بريطانيا أصيبا بنفس المرض سنتا 86 و87 نظرًا لأنَّ صاحب الحديقة كان يمزج غذاءهما بمسحوق العظام والدم.
هكذا قرَّر العلماء أخيرًا أنَّ هذه المواد (الميتة والدم) مضرَّة ويجب أن يمنع خلطهما مع أعلاف الحيوانات.
ولكن ألم ينه الله عن تناولها منذ أزيد من 14 قرنًا؟ (7).
فقد قال تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الاَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا، وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (8).
لما غفل الإنسان عن أمر الله ونهيه، واتَّبع خطوات الشيطان أضلَّه وأغواه عن الطريق، لأن الشيطان قد اتخذ عهدًا لغواية بني آدم بحيث يقول الله تبارك وتعالى في محكم آياته عن الشيطان {لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الاَنْعَامِ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَّتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} (9).
هكذا باتباعهم الشيطان أصبحت أبقارهم "آكلة اللحوم النجسة" بدلاً من أن تكون آكلة (1/104)
صفحة 104
للأعشاب، وبذلك تحقَّق فيهم قول الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَّتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا}.
سنبيِّن نموذجًا من الخسائر الجسيمة التي جنتها البشرية من جرَّاء هذه المخالفة:
1 - عدد الحالات المسجلة من الإصابة بمرض جنون البقر*: (10)
أ - بريطانيا:
ب - باقي دول العالم:
الدولة عدد الإصابات إلى غاية سنة 2000 الحالات المسجلة سنة 2001 الحالات المسجلة سنة 2002
بلجيكا 19 46 21
فرنسا 245 274 161
إيرلندا 603 362 361
إسبانيا 02 82 70
البرتغال 531 113 49
سويسرا 365 42 12
الدانمراك 03 06 01
ألمانيا 13 125 01
إيطاليا 02 50 60
النمسا 00 01 18
التشيك 00 02 00
هولندا 11 21 00
اليونان 00 01 12
اليابان 00 03 00
أوكرانيا 00 01 1
سلوفاكيا 00 05 00
كندا 01 00 05
عمان 02 00 00
2 - القضاء على الملايين من رؤوس الأبقار، وبالتالي تضرر اقتصاد هذه الدول، ثم دفع فواتير باهضة لتعويض المربين المتضررين؛ بلجيكا مثلاً دفعت 4.8 مليون أورو بين سبتمبر 2000 ونوفمبر 2001 كتعويض للمتضررين، وفرنسا هي الأخرى دفعت 75.5 مليون أورو بين نوفمبر 2000 وديسمبر 2001 (11). (1/105)
صفحة 105
3 - تجهيز عدَّة مخابر بوسائل هامَّة لتقوم بتحليل لحوم الأبقار بعد ذبحها للتأكد من سلامتها من المرض، قد كلَّف الحكومات مبالغ ضخمة، فرنسا وحدها تجري 2500 تحليل في الأسبوع في 13 مخبر (12). على أنَّ فاتورة التحليل يدفعها المستهلك حيث كان يضيف المستهلك الفرنسي 1.5 فرنك لكلِّ 01 كلغ من اللحم الذي أجري له التحليل (13).
4 - تخوُّف الناس من أكل لحوم البقر وبالتالي تراجعهم عن شرائه؛ في ألمانيا مثلا يوجد شخصٌ من بين كل اثنين لا يأكل لحم البقر (14). وهذا التخوف ولده التشابه بين مرض جنون البقر وبعض الأمراض التي تصيب الإنسان (15)، رغم أنَّ العلماء لحدِّ الآن لم يُثبتوا علميًّا طريقة انتقال هذا المرض من الحيوان إلى الإنسان. إضافة إلى هذا فإنَّ العديد من الدول غلقت حدودها ومنعت استيراد أي حيوان أو أي إنتاج حيواني من الدول التي أصاب المرض حيواناتها.
هذه عينة بسيطة من الخسائر المادية التي جناها الغربيون وبصفة أخص بريطانيا التي ظهر فيها المرض.
قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (16) *. (17)
حقًّا هذا كلُّه بما كسبته أيديهم فليعتبروا، وليعتبر كلُّ مسلم من هذه الظاهرة.
المراجع:
1 - القرآن الكريم.
2 - مختصر تفسير ابن كثير.
3 - تفسير القرطبي.
4 - تفسير الشيخ بيوض (في رحاب القرآن).
5 - جريدة: ( Magwet) جريدة جزائرية شهرية ع: 20. أكتوبر/نوفمبر 1996.
6 - ( Le Point Veterinaire) مجلة فرنسية:
- Vol 31 N° 207 Mai 2000
- Vol 28 N° 179 Mai 2000
7 - (Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية:
- N° 1016 Mai 2001
- N° 1002 27 Janvier 2001
- N° 1001 20 Janvier 2001
- N° 1000 13 Janvier 2001
8 - عناوين من الأنترنات:
www.oie.int (1/106)
صفحة 106
www.inra.fr
www.afssa.fr
www.mhr-viandes.com
www.centre-info-viandes.asso.fr
9 - البقرة المجنونة، كتاب صدر عن وزارة الفلاحة الجزائرية.
10 - ( L'espace veterinaire) جريدة مغربية: - N° 27 Novembre/decembre 2000
11 - L'alimentation de la vache.
12 - (l'eleveur laitier) مجلة فرنسية: - N° 90 Mars 2002
13 - الموسوعة الطبية الفقهية (موسوعة جامعة للأحكام الفقهية في الصحة والمرض والممارسات الطبية). تأليف د/ أحمد محمد كنعان. دار النفائس. بيروت.
----------------------
الهوامش
1 ـ البقرة، الآيتان 172، 173.
2 ـ الأنعام، الآية 145.
* ـ يقول المفسرون بأن هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام: «أُحلَّت لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال». وكذلك حديث جابر في العنبر مع قوله تعالى: ?أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ? (المائدة، الآية 96). يقول جابر (: «غزونا جيش الخبط وأميرنا أبو عبيدة فجُعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم ير مثله يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر ... ».
4 ـ وجد الباحثون أنَّ الأبقار ذات الإنتاج العالي يجب أن تتناول مواد بروتينية لا تتحلَّل بسهولة في المعدة ( Le rumen) حتى تصل إلى الأمعاء وتستغلها الجراثيم الموجودة هناك لتقوم لإنتاج مواد بروتينية هامة للحليب، وترفع إنتاج الحليب. ومن أمثلة هذه المواد التي لا تتحلَّل في المعدة:
- مسحوق العظام والدم: Les farines animales
- مخلفات مصانع الخمر.
- الفصَّة المجفَّفة.
لهذا السبب فإنَّ الدول الأوروبية تستعمل هذه المواد؛ فرنسا مثلاً تستهلك سنويًّا 400.000 طن من مسحوق الدم والعظام التي تمزجها بأعلاف الأبقار.
5 ـ عند مشاهدة قطعة من الجهاز العصبي للحيوان المصاب بالمجهر الإلكتروني نشاهد بقعًا إسفنجية وهي علامات لتعشش هذا البروتين ( Le prion) وبالتالي علامات خاصة لاكتشاف (1/107)
صفحة 107
هذا المرض.
6 ـ Le Vison: حيوان ثدي يشبه السنجاب في شكله، يربَّى في أمريكا وأوروبا من أجل فروه بحيث يستعمل في صناعة المعاطف.
7 ـ نشير هنا إلى أنَّ الله عز وجلَّ حرَّم على الإنسان أكل الميتة والدم وبالتالي يمنع أن تُطعم الحيوانات بها، وهناك نصوص تنهي عن تناول وأكل ما ينتجه أو يتولَّد من الحيوان الذي أكل محرَّمًا، ويسمَّى بالحيوان الجلال أو الجلالة.
وقد جاء في الموسوعة الطبية الفقهية ص 891 في موضوع النجاسة ما يلي:
«نجاسة الجلالة: الجلالة هي الدابة التي تتبع النجاسة وتأكل الجلَّة (البعرة والعذرة) أو هي الدابة التي تُعلف بالنجس وقد ذهب الجمهور إلى أن أكل لحم الجلالة وشرب لبنها وأكل بيضها مكروه إذا ظهر تغيُّر لحمها بالرائحة النتن في عرقها، واتفقوا على أنَّ الكراهة تزول بالحبس على العلف الطاهر على خلافٍ بين الفقهاء في مدَّة حبسها بحسب نوعها».
8 ـ البقرة، الآية 168.
9 ـ النساء، الآية 118 - 121.
* ـ هذه الإحصائيات حسب الديوان العالمي للأمراض ( O.I.E) (L'office International Des Epizooties).
نلاحظ أنَّ العدد الكبير سجِّل ببريطانيا نظرًا لأنها كانت هي المنتجة للأعلاف الممزوجة بالدماء والعظام، وأغلب الدول التي ظهر بها المرض كانت تستورد الأعلاف من بريطانيا، أو كانت قد استوردت أبقارًا مصابة بالمرض.
11 ـ هذه الإحصائيات وردت بالعنوان التالي بالأنترنت: www.mhr-viandes.com
وبالدينار الجزائري تكون بلجيكا قد دفعت ما يقارب 4012800دج، وفرنسا ما يقارب: 63118000دج.
12 ـ ( Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية: ع: 999. 30 ديسمبر 2000م
13 ـ ( Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية: ع: 1002. 27 جانفي 2001م
14 ـ ( Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية: ع: 1001. 20 جانفي 2001م
15 ـ مرض: Kurou، ومرض: Creus feldt Jakob: هذان المرضان وخاصة الأخير يتميَّز بأعراض عصبية يؤدي إلى موت الإنسان.
16 ـ سورة الروم، الآية 41.
* ـ جاء في صفحة 276 من تفسير الشيخ بيوض (في رحاب القرآن) تفسير سورة النور: «ليس هنالك سبب لظهور الفساد في البر والبحر إلاَّ عمل الناس، وما كسبته أيديهم من جرائم وكفر وطغيان وتنكبهم عن الصراط المستقيم وعبادتهم للأهواء والشهوات، ويعلله بقوله: "ليذيقهم بعض ما عملوا" ... »
ويواصل في صفحة 282: «بما كسبت أيدي الناس لأنَّهم عصوا ولم يتَّبعوا طريق الله وعبدوا أهواءهم واتَّبعوا شهواتهم وطغوا بمالهم وتعدَّوا على الفقير والضعيف والمسكين، من ملك منهم مائة يود أن يملك ألفًا، ومن ملك ألفًا يودُّ أن يبتلع الدنيا بأسرها فيبيت يتألَّم من البطنة بينما يتضوَّر جاره جوعًا ... ». (1/108)
صفحة 108
بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
إنَّ دراسة الفكر والشعر ممتزجين شيء ممتع ومفيد؛ لأنَّها تتيح الفرصة لمعرفة التلاقح والتناغم، اللذين يكونان بين قطبين يمثلان جانبين مهمَّين في الحياة الأدبية والمعنوية في الإنسان. وتُقدِّم النموذج أو الدليل على التلاؤم بين الفكر والشعر، بين العقل والوجدان، و تبيِّن أنَّ الإنسان السويَّ هو الذي يصدر في سلوكه وتعبيره عن أصول فكرية، ويتحرَّك طبقا لمبادئ يؤصِّلها فكرٌ متميِّز خاص. ودراسة أثر الفكر في الشعر تُسهم في توضيح الرؤى، وتأصيل المفهومات. والشعراء خير من يعطي المثال لهذا التطبيق العمليِّ لهذه النظرية أو النظرة.
في هذا السياق تندرج الدراسة المهمَّة التي تفضَّل بها الدكتور "محمود بن مبارك السليمي" لنيل درجة الدكتوراه في الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا، قسم اللغة العربية. وقد نُوقشت الرسالة في شهر تَموز سنة2001م. ثم طبعت سنة 1423هـ/2003م في سلطنة عمان، ونشرتها مكتبة "الجيل الواعد" بمسقط.
تأتي هذه الدراسة لتجسِّد الحقائق التي أشرنا إليها، ولتؤصِّل هذا التناول، ولتعرض وتناقش محاولات الشعراء التعامل مع الفكر، ولتبين مدى توفيقهم أو عدم نجاحهم في هذا المجال.
حاول الباحث في المقدمة تقديم صورة عن دراسته؛ بداية من التأكيد على خصوصيَّة الفكر الإباضي: انتماءً إلى بيئة محدَّدة، وصدورًا عن أفكار قد تبدو متميزة - في بعض الأحيان - عن بقيَّة ما عُرف عند غير الإباضية، وتأكيدًا على ريادته في خوض هذا الموضوع، الذي يتناول الفكر والشعر ممتزجين في إطار المذهب الإباضي. يقول الباحث: "يتميز الشعر العماني بسعة عطائه وقوة انتمائه وخصوصية تفاعله. والشعر العماني على وجه الخصوص مرتبط أشد الارتباط بالبيئة العمانية وخصوصيتها الفكرية وغير الفكرية. والجانب الفكري يعدُّ أحد جوانب العمل الشعري، وذلك إذا (1/109)
صفحة 109
استطاع الشاعر أن يصهر الفكرة عبر القيم الشعورية والتعبيرية.
وهذا البحث لم يسبق معالجته من هذه الزاوية، وقد يكون في ذلك شيء من الصعوبة، لكن الباحث يرجو أن يوفق في العمل على إخراجه مقبولا، فإنَّ استيضاح أثر الفكر في الأدب عمومًا وفي الشعر خاصة أمر يستدعي مزاوجة بين شيئين يبدوان متباعدين". (ص: 7)
أشار بعد ذلك وأكَّد أنَّ الشعر مرتبط كل الارتباط بثقافة الشاعر ومنطلقاته الفكرية. والباحث يبرر بذلك تناوله التعريف بالفكر الإباضي، وعرض بعض أصوله، وتوضيح بعض منطلقاته؛ حتى يسهل فهم ما ورد في نظم الشعراء، ومعرفة درجة تأثرهم بهذا الفكر، ولماذا تأثروا به: "وبما أنَّ الشعر مرتبط أشدَّ الارتباط بثقافة الشاعر ومنطلقاته الفكرية، فإن مثل هذه الدراسة تُعدُّ مهمة للتعرف عن قرب إلى هذا الفكر من جهة ومدى حضوره في نتاج الشاعر وأسلوبه وقاموسه من جهة أخرى.
والأصل في هذه الدراسة قائم على معرفة معالم الفكر الإباضي وملامحه الكلية، واتخاذها مدخلا عريضا لاستشرافها في الشعر العماني على وجه التعيين بزمانها المحدد، دون إغفال الجانب الفني والأسلوبي." (ص: 7)
وتبعا لذلك ولمزيد من توضيح الرؤى وتقديم المساعدة للقارئ كي يعي ما تضمَّنه شعر الشعراء من أفكار، ويفهم حقيقة ما تناولوه، وطبيعة معالجتهم له، الذي يتميز كل ما فيه بالخصوصية، فإن الباحث يقول إنه يعرج على الأحداث الجسام التي حدثت في عصر الفتنة، التي كانت لها إفرازات خاصَّة، ونتائج متميزة: "ولذلك لابد لهذه الدراسة من أن تطوف بالأحداث الجسام، التي شهدتها الأمَّة في عصر الفتنة، إذ كانت هذه الأحداث تمثل تيارات سياسية ودينية انبثق منها الفكر الإباضي. وليس في مقدور الباحث أن يحيط بهذا الفكر من جميع جوانبه، ولكن عليه أن يسعى إلى الإلمام بأهمِّ الأصول الفكرية للمذهب قبل الشروع في دراسة أثر الفكر في الشعر العماني". (ص 7، 8)
إذن من جملة هذه الإفرازات والنتائج ظهور المذهب الإباضي. من هذا المنظور رأى الباحث ضرورة التعريف بهذا المذهب وفكره؛ حتى تتضح الرؤية، وتتحدَّد المعالم، وتتبيَّن الأمور للقارئ الذي يتابع ويتأمل ما يعرضه الباحث من أشعار الشعراء المتأثرة بهذا الفكر: "ومن أجل ذلك سيركز الباحث على أهم المقولات الفكرية التي تمثل هويَّة المذهب، كما تمثل رمز أصالته؛ بما يهيئ لإدراك عمقها التاريخي، لما تتركه من سمات بارزة في إبداع المبدعين." ثم يضيف الباحث "إنَّ الفكر الإباضي مرتبط بفكر إسلاميٍّ شامل، فهو جزء من نسيجه، يخضع لمجموعة من الأنساق الفكرية، تختلف أو تتَّفق في رؤاها وتوجهاتها مع الآخر، لكنها تبقى محكومة بالمنظومة الفكرية العليا التي تنطلق من خلالها". (ص: 8) التعليق الأخير يقدِّم توضيحا مهمًّا، وهو أن هذا الفكر ولو كان متميزًا؛ بسبب الظروف التي أوجدته، والأحداث التي مرَّت عليه، والنظرة التي كان ينظر بها (1/110)
صفحة 110
إليه الآخرون أو بعضهم، فإنه ليس مبتورًا من الفكر الإسلامي، ولا بعيدا عن منطلقاته وأصوله، إنما هناك جوانب ينفرد بها مما سيكشف عنها الباحث من خلال عرضه شعر الشعراء المتأثر بهذا الفكر.
بما قدمه الباحث من توضيحات حول طبيعة دراسته يكون قد أعلن عن المسوِّغات أو الدوافع لبحث هذا الموضوع. ثم عرض بعد ذلك مجموعة من الأسئلة، التي تمثل إشكالية البحث؛ قال إنه سيجيب عنها في أثناء الدراسة. هذه الأسئلة هي: من هم الإباضية؟ ومن هو إمامهم ومؤسس مذهبهم الحقيقي؟ وما الضير في أن ينسب المذهب إلى عبد الله بن إباض، وهو واحد منهم؟ ولماذا لم ينسبوه إلى جابر بن زيد، في حين إنَّهم يرونه المؤسس الأول لمذهبهم والمقعِّد لفكرهم؟ ثم هل الإباضية فرقة من الخوارج كما تورد ذلك كتب المقالات؟ ولماذا يرفض الإباضيون إلحاقهم بالخوارج، وينفرون من الانتساب إليهم؟ وما الفرق بين الإباضية والخوارج؟ ومن هم الخوارج في نظر الإباضية؟ وما أهم أصول الفكر العَقَدي والسياسي عند الإباضية؟ وإلى أي مدى أثَّر الفكر عند الشاعر العُماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين؟.
وقد حدَّد فترة دراسة الموضوع بعقدين من الزمن: الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. مصادره كانت متنوعة، بين مصادر خاصَّة بالفكر وأخرى معنية بالمادة الشعرية: مطبوعة، ومخطوطة، ومجموعات قصائد، ومختارات شعرية ... ومراجع متخصِّصة في النقد، ونظرية الأدب، ودراسات في الأدب، والدراسات العامة ...
خطة البحث توزَّعت على خمسة فصول، وكانت كالآتي: المقدمة، الفصل الأول: حول نشأة المذهب الإباضي وأصوله. الفصل الثاني: الظواهر الكبرى في الشعر الإباضي، أثر الفكر العقدي. الفصل الثالث: أثر الفكر السياسي. الفصل لرابع: ظواهر أخرى. الفصل الخامس: السمات الفنية. الخاتمة.
ذكر الباحث بعد ذلك مجموعة من الصعوبات التي واجهته في أثناء الدراسة، التي منها: "وإذا كان جمع المادة الشعرية المتَّصلة بالبحث أحد الصعوبات التي أخذت وقتا وجهدا من الباحث، فإن تلك الصعوبة تهون في مقابل الصعوبات الأخرى، المتمثلة فيما تقتضيه منهجية الدراسة بفصولها ومباحثها ... " (ص: 12).
ليس لنا ما نقوله عن الفصل الأوَّل الخاص بنشأة المذهب الإباضي وأصوله، فهو عرض تاريخي وتأصيلٌ لجذوره، وتقديم لأصوله ومبادئه ومرتكزاته، قدمها بين يدي البحث لتُلقِي ضوءًا على ما يتناوله في الدراسة, وتفتح للقارئ بعض المغاليق في هذا الفكر الذي سيتعامل معه الباحث ممتزجا بالشعر.
* الظواهر الكبرى في الشعر العُماني، أثر الفكر العقدي: (1/111)
صفحة 111
غلب على عرض هذا الفصل الجانب النظري، على حساب جانب الأثر في شعر الشعراء، أو بمعنى آخر إن الباحث ركَّز على تقديم رأي الإباضية في القضايا المتعلقة بالعقيدة، وسرد أقوال العلماء وأدلَّتهم المعتمدة في الموضوع. بينما ما ظهر من أثر للفكر في شعر الشعراء، فإن الباحث لم يأت له إلاَّ بنزر قليل. مثلا في مسألة الإيمان والعمل وبيان حقيقة التوحيد لم يذكر سوى نموذج واحد لأبي مسلم البهلاني:
بِيضُ العمائِمِ لا تُجدِي إذا انكَدَرَتْ بِيضُ القُلُوبِ وللإِيمانِ عُنوانُ (ص: 64)
وهذه القضية هي الوحيدة التي مثل لها بمثال واحد، مما سماه "جملة التوحيد" كما تنصُّ على ذلك العقيدة عند الإباضية. وقد وردت هذه المسألة في هذه الدراسة تحت عنوان "التوحيد والتنزيه". بينما أورد مسألة الرؤية في العنصر الثاني من المبحث, وهي في الحقيقة تتعلَّق بالتنزيه، كان عليه أن يدرجها تحت عنوان التنزيه.
المهم إنَّ رأي الإباضية أنَّ رؤية الله تبارك وتعالى مستحيلة في الدنبا والآخرة. فبعد أن عرض الباحث رأي الإباضية وأتى بالشواهد، من أقوال العلماء وسرد الأدلة، وأفاض في العرض والتحليل والمقارنة، قال: "وقد تركت هذه المسألة صدى واسعا عند الشعراء الإباضيين عبر ما جاء على لسان مجموعة منهم، سواء أكان ذلك من خلال تخصيص قصائد بعينها، من أمثال العلامة البطاشي والخليلي والبهلاني، أو ما انعكس في شعرهم، ضمن أغراض مختلفة، تأثروا فيها بهذا البعد". (ص: 69)
دلَّل على تأثر الشعراء بهذا الفكر في هذه المسألة بأبيات ممَّا نظموه، بخاصة شعر "سعيد بن خلفان الخليلي" و"أبي مسلم" وغيرهم، وذكر محموعة من العناصر التي تتعلق بمسألة الرؤية، أثارها الشعراء، قال الباحث: "هذا بعض التأثير الذي تجلَّى ضمن متفرقات انعكس فيها البعد الفكري العقدي. أمَّا أن يعمد الشاعر إلى بناء قصيدة عمادها الفكر الديني، ويعالج فيها جانبا عقديا بحتا، فلا ريب أنَّها كانت مقصودة قصدًا موظَّفا، ليغدو الفكر العقدي غاية في حد ذاته، وبذلك ينتقل الشاعر بشعره من المجال العاطفي والشعوري إلى الجانب العقلي، لا سيما ما يوافق الخطاب فيه من استدلالات عقلية، واستنتاجات فلسفية، ومقولات جدلية, فهل ينجح الشاعر في ذلك؟ " (ص: 74)
وقد أشار بخاصة إلى قصيدة "أبي مسلم البهلاني" التي ردَّ فيها على شاعر، رمى الإباضية بفساد معتقدهم وسوء تأويلهم في مسألة الرؤية: "الناظر في قصيدة أبي مسلم البهلاني (طمس الأبصار) يجد أنها تميزت بأسلوب الحوار، وخروج الفكر من خلال العاطفة المتقدة، وقد ظهر عليها الجانب الفلسفي والجدلي، ممتزجا بالحرص على عرض الأدلة، وتفنيد حجة الخصم، وهي من القصائد القليلة التي تشي بحالة أبي مسلم النفسية وهو ينشئها، إذ عكست شدَّة في المواقف، وعنفًا في الخطاب، وتعصُّبًا للرأي، وإن كان تعصبا قائما على إيمان راسخ بصدق المعتقد". (ص: 75) قال (1/112)
صفحة 112
أبو مسلم:
نزه إلهك أن يرى كي تعرفه أتراك تعرفه وتثبت ذي الصفه
واعرف مقامك دون ما حاولتَه إن التي حاولتها لك متلفه
أتعبت نفسك في ظنون قلب والحق أنَّ ظنون وهمك مُخلَفه
عجبا توحده وتجعله لأعـ ـراض الطبيعة عرضة مستهدفه
وفررت من تحديده ونصبته غرضا لعينك من وراء البلكفه
أتى الباحث بهذه الأبيات ليعرض من خلالها رأي الإباضية في نفي الرؤية. في الحقيقة، إنَّ هذه القصيدة تمثل نموذجا من الدفاع المستميت عن الرأي. وتكشف عن الصراع والجدل الذي كان يظهر من حين إلى آخر على الساحة.
لقد وفق الباحث في عرض المسألة، كما بدت على ألسنة الشعراء. كما نجح في اختيار الشاهد الذي مثل الشاعر الذي يعرض الفكر من دون المساس بفنية الكتابة الشعرية، وعرف كيف يقدم الشعر من دون أن يسيء إلى الفكر، قال الباحث: "لقد جاءت قصيدة أبي مسلم مخاطبة ومناظرة، مشحونة بالمنطق من ناحية والعاطفة من ناحية أخرى، وقد استطاع البهلاني توظيف الشعر للحديث عن القضايا الدينية والعقدية دون أن يثقل الفكر كاهل القصيدة، وذلك راجع إلى قدرة الشاعر على المواءمة بين فنه ومعتقده كما يقول الأستاذ إحسان عباس (1) مع أنَّ موضوع القصيدة أقرب إلى روح الفلسفة والمنطق منها إلى الشعر. (ص: 79)
- الصفات
بينما يعلن الباحث أنَّه يقصد إلى تحليل أثر الفكر في الشعر، نجد هذا المبحث يتحوَّل إلى عرض مسألة الصفات ورأي الإباضية فيها، بعيدًا عن بيان أثر هذه الآراء والنظرات في الشعر. فقد خصَّص الباحث تسع صفحات للجانب النظري، أي سرد رأي الإباضية في الموضوع، وأربع صفحات فقط للكشف عن أثر ذلك في الشعر.
تناول في الجانب النظري صفات الله: حقيقة صفات الذات وصفات الفعل، تأويل الصفات، ودفع الشبهات، والردِّ على المشبهة، وتنزيه الله عن التشبيه والتجسيد والتجزئ. قال الباحث: "ولا ريب أنَّ مجيء هذه الألفاظ إنما هي للتقريب إلى الأذهان، وعليه ينبغي الابتعاد عن الحرفية المباشرة في التفسير؛ خشية الوقوع في التشخيص والتجسيم، والعدول عن التصريح إلى الكناية عن بعض الحقائق من الأساليب المحببة، لما فيها من حسن وجمال." (ص: 87)
في الجانب التطبيقي أو في مجال الأثر انتقل الباحث ليقول: "وقد ترسخت هذه النظرة العقدية عند شعراء الإباضية، فانعكست آثارها في شعرهم. فالشاعر "خلفان بن جميل السيابي" يخاطب مولاه متوسلا بعظمته وكبريائه. قيقول: (1/113)
صفحة 113
تعالَيْتَ عن كيفَ وأينَ وعن متىَ ومالَكَ كفءٌ أو نظيرٌ ولا مِثْلُ
تَعالَيْتَ عن كيفَ وكيَّفتَ كيفَنَا وقُدِّستَ عن أينَ نعوتًا لِمن حلُوا (ص: 88)
ثم قدم نماذج من شعر أبي مسلم الرواحي؛ دليلا على أثر هذا الفكر على الشعر العماني، بعد أنَّ قال: "وأكثر هؤلاء الشعراء تأثرًا بهذا البعد العقدي أبو مسلم البهلاني، فقد انسابت أفكار المذهب في شعره عبر دعواته الإلهية وجاءت عفوية في مقام خلواته، وفي مقام التذلل والمديح النبوي، وفي غمرة الخضوع والاستكانة لمولاه، بعيدا عن روحة الجدل والحجاج ... " (ص: 89، 88) وأنهى النماذج التي مثل بها من شعر أبي مسلم بما يقر به الشاعر من تسجيل عجزه عن إدراك مقام صفات الله الجليلة.
المهم إن الباحث وقف عند شاعرين هما: خلفان بن جميل السيابي بمثال واحد. وبمجموعة من الأمثلة مع أبي مسلم البهلاني. نتساءل هل يكفي هذا لبيان أثر هذه المسألة في الشعر العماني؟ وإذا كان هذا كل ما عثر عليه الباحث فإنَّنا نستفسر لماذا لم نجد للمسألة أثرًا في الشعر؟ أو نقول لا يمكن الحديث عن أثر هذه المسألة في الشعر العماني، ما دامت الأمثلة محدودة. فلنقل إن أثرها محدودٌ جدًّا.
هناك ملاحظة شكلية على هذا المبحث. وهي يمكن أنَّ بكون توزيع العناصر فيه كالآتي:
الذات الإلهية: 1 - التوحيد. 2 - التنزيه: أ - الرؤية. ب - الصفات
- المعاد واليوم الآخر:
1 - حكم مرتكب الكبيرة
عرض الباحث في هذا المبحث ثلاث عناصر فقط ممَّا يشتمل عليه اليوم الآخر، وهي: مرتكب الكبيرة والشفاعة والصراط والميزان، لست أدري لِمَ لَمْ يتعرض لبقية مشمولات يوم المعاد، هل يعني ذلك أنَّ الشعراء لم يكتبوا عنها؟
كما يبدو لي أنَّ حشر عنصر مرتكب الكبيرة في اليوم الآخر غير صحيح. هي - طبعا - من مسائل العقيدة، ولها أثر وعلاقة بسلوك المؤمن، من حيث الالتزام أو عدم التقيد بالأصول وقواعد الإيمان؛ وذلك حسب ما يعتقد من خلود مرتكب الكبيرة في النار أو عدم خلوده فيها، إذا مات قبل التوبة. مع ذلك أنا أرى أنَّها ليست من مسائل يوم المعاد، لأنَّ يوم المعاد يبدأ بالموت، و اعتقاد ما يتعلق بهذه المسألة يبدأ في الدنيا.
تناول الباحث في هذا الموضوع مفهوم الصغيرة والكبيرة وتحديد الإباضية لهما. مع عرضٍ موجَز لرأي غيرهم. كما سرد مفهوم الكفر وتقسيمه عند الإباضية، وحاول توضيح الرؤية في هذه النقطة، وتصحيح المفهومات: "إنَّ مسألة الكفر عند الإباضية وإطلاقه على مرتكب الكبيرة، ينبغي أن يدرس ضمن سياقه التاريخي واللغوي. والمتتبع لهذه القضية عندهم يجد أنَّ الإباضية قد قسَّموا الكفر إلى قسمين، بينهما بونٌ شاسع، وهما كفر جحودٍ وكفر نعمة، ولعلَّ حكم عبد الله بن إباض (1/114)
صفحة 114
على نافع بن الأزرق وبراءته منه، يشير إلى الفرق الكبير بين الإباضية والخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة من جهة، وفي تفريقهم بين كفر النعمة وكفر الجحود من جهة ثانية.
ومفهوم كفر النعمة عندهم مرادف لمفهوم الفجور والعصيان، ويقترب من ذلك قول ابن تيمية (ومرتكبو الكبيرة لا ينطبق عليهم وصف الإيمان المطلق، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.) " (2). (ص: 93)
هذا التوضيح مهمٌّ لتفسير المصطلحات الغامضة، التي سبَّب عدم فهمها من غير الإباضية مشاكل كثيرة لهم ومتاعب كبيرة، فاتخذوا مواقف سلبية نحوهم؛ نتيجة تأويل خاطئٍ لما يتبناه الإباضية من آراء في الموضوع.
ثم عرض مسائل متعدِّدة في هذه النقطة، كمفهوم المنزلة بين المنزلتين، ودلالتهما المختلفة عند الإباضية والمعتزلة، والوعد والوعيد، والخلود في النار لمرتكب الكبيرة إذا مات مُصرًّا على كبيرته. عرض كل ذلك مع مقارنة بسيطة بين ما يراه الإباضية وما يتبناه غيرهم. ثم قال بعد ذلك وهو يعلل رأي الإباضية في القول بخلود مرتكب الكبيرة أو العاصي إن لم يتوبا قبل موتهما: "ويقصد الإباضية من وراء ذلك إلى سدِّ الذرائع على من يجترئون على محارم الله فيرتكبون معاصيه، ولذلك يقول أحدهم (الحكمة من خلود أهل النار أنَّ العاصي إذا عصى ربًّا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، لأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا ينقطع ولا يزول، فلو كان لثوابه وعقابه نهاية لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم)." (3) (ص: 96).
حاول الباحث بشكل جيد وواع ربط حلقات العقيدة عند الإباضية، كما أرادوها أن تكون؛ لتؤثِّر في سلوك المؤمن، وبيان وتوضيح أسس بناء أصول الإباصية التي لم يفهمهم فيها غيرهم، فرموهم بأنواع من الشذوذ والتباين عن الجماعة الإسلامية: "ومما ينبغي الإشارة إليه أنَّ الإباضية برؤيتهم تلك يوجدون ترابطا وثيقا وتماسكا قويا بين مكونات فروع التوحيد. فالإيمان قولٌ وعمل، مرتبطٌ ارتباطا جوهريا بمبدإ الوعد والوعيد. وعليه فلا بد من احترام من يلتزم بمقتضيات إيمانه فَيُتولى، ومن يُخِلُّ بشيء منه فيُتبرأ منه، ضمن سلسلة متصلة الحلقات، مرتبطة بوشائج العقيدة، التي ينبغي أنَّ تتحول إلى واقع معيش، وتطبيق عملي لمقتضيات العقيدة. فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل". (ص: 96، 97).
بعد هذا العرض عمد الباحث إلى الكشف عن أثر هذه المسائل في الشعر العماني. فبدأ - كعادته في كثير من الأحيان - بأبي مسلم البهلاتي. فأتى بنماذج من شعر هذا الشاعر، ذكر فيها سؤاله ربه أن يتداركه برحمته، مستعينا به من خلود الفجار في دار عدله، ودعوة الإنسان الذي أحاطت به سيئاته ألا يقنط من رحمة الله. كما أشار إلى أنَّ ما أصاب الأمة الإسلامية من هوان وذلٍّ (1/115)
صفحة 115
وتعاسة، سببُه استمراء المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب. وأكَّد الباحث أنَّ ذلك الذي جاء في شعر أبي مسلم هو انعكاس مباشر لأثر العقيدة في نفسه. قال الشاعر:
فما من وعيد الله يمنع عاصم إذا لم يزع من حرمة الله وازع
نضج ضجيج النيب مما ينوبنا ونحن إلى ما يقتضيه نسارع
نطاوع أسواء المغبة رغبة ولسنا لمحمود الجزاء نطاوع
وما هذه الأوقار فوق رقابنا يدافع عقباهن عنا مدافع (ص: 98)
وبعد أن سرد أبياتا، بين فيها الشاعر أنَّ عذاب الله وثوابه عدل، وشدَّد على عاقبة الإصرار على ارتكاب الذنوب، حذَّر من مغبَّة الاتكال على وهم خلف الله وعيده والشفاعة للمصرِّين من أهل الكبائر:
وعاقبة الإصرار إنفاذ عدله (4) حذارِك مما قيل خلف وشافع
فقم نحو ما يدعو إليه بفضله فداعيك قيوم برحماه واسع
ستعلم إن خالفته كيف بطشه فمالك إلا صحة التوب نافع (ص: 98)
بعد ذلك استشهد بأبيات لأثر مسألة مرتكب الكبيرة في الشعر. اختار عامر بن خميس المالكي نموذجا لذلك. عرض له أبياتا تحدَّثت عن الخطر الذي يُحدق بالعاصين الذين لا يبادرون بالتوبة؛ فعدَّهم هلكى؛ مستعملا مصطلح الإباضية "كفر النفاق" وهو بمعنى "كفر النعمة" الذي لا يخرجه من الملَّة، ما لم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. قال الشاعر:
إنَّ المصرَّ على العصيان في خطر إن لم يتب، ما له مأوى سوى سقر
إن المصرِّين هُلكٌ لا نجاة لهم قد جاء في محكم القرآن و الأثر
وسمِّه كافرًا كفر النفاق ولا تركن إلى الوقف إن الله منه بري (ص: 99)
ومنه ينتقل الباحث إلى شاعر آخر، هو "سعود بت سعيد القصابي"، ليذكر له أبياتا تحذِّر مرتكب المعصية المتَّكل على مغفرة الله وخلف وعيده، من دون أن يعمل لهذه المغفرة بالتوبة منها قبل الفوت وحلول الموت، مقيما حجته على معطيات ونتائج، ناهجا الأسلوب الكلامي في الخطاب. قال الشاعر:
تقولُ مع العصيان ربِّي غافرٌ صدَقتَ ولكن غافرٌ بعد توبة
وربُّك رزَّاق كما هو غافرٌ فلِمْ لا تَصدُق فيهما بالسوية
فإنَّك ترجو العفو من غير توبةٍ ولستَ ترجي الرزقَ إلا بحيلة
على أنَّه بالرزق كفل نفسَهُ لكلٍّ ولم يكفَل لكلٍّ بجنَّة (ص: 99)
نسجِّل أيضا أنَّ أثر الفكر في الشعر في هذه القضية كان قليلا بالاحتكام إلى ما قدمه الباحث من نماذج، ولشعراء ثلاثة، بقياسا إلى ما عرضه من مسائل في الموضوع في القسم النظري، وبالنظر إلى ما تشتمل عليها القضية من فروع حسبما هي معروضة في كتب العقيدة. من هنا نقول إنَّ الأسئلة (1/116)
صفحة 116
التي عرضناها في الصفحات السابقة عن أثر الفكر العقدي في الشعر تظل قائمة، التي تتمثل في حقيقة ورود نماذج قليلة من هذا الأثر في هذه الدراسة، بمعنى إنَّ الأثر لم يتَّضح بشكل مكثَّف، كما قدَّم ذلك الباحث.
- الشفاعة
بين الباحث أنَّ موضوع الشفاعة مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بقضايا الوعد والوعيد ومرتكب الكبيرة الذي يموت مصرًّا على معصيته، غير تائب منها. واضح من ذلك أنَّ الباحث يريد أن يبين نظرة الإباضية التي تحرص على تفهيم الناس بضرورة العمل على تحسين السلوك والالتزام بشرع الله التزاما كاملا، وعدَّ الاتكال والاتكاء على منساة الشفاعة المهترئة، والتعلق بأوهام باطلة، والركون إلى الأماني الكاذبة خورًا في التفكير وخطلا في التدبير. يقول الباحث: "وموقف الإباضية من الشفاعة مرتبط ارتباطا وثيقا بموقفهم من مفهوم الإيمان والعمل، والوعد والوعيد وما يترتَّب على ذلك من مآل، فهم يرون أنها (ليست لمن استوجب العقاب، فيصير بها إلى الثواب، ولكن الشفاعة للمؤمنين، زيادة لهم في الثواب، وتشريف في المنازل) ". (5) (ص: 100)
عمد الباحث إلى توضيح رأي الإباضية في الموضوع؛ بمناقشة المسألة بعمق، من خلال ذكر جانب من الحوار غير المعلن بين الإباضية وغيرهم، الذين يخالفونهم الرأي في هذا القضية، ثم خلص إلى النتيجة الآتية: " ولا يخفى ما في هذه النظرة من احتراز في الوقوع في المعاصي، والانهماك في المخالفة الربانية، ما دام يعتقد الإنسان أنه غير داخل في دائرة من يشفع له، مهما عمل واقترف من المعاصي والآثام." (ص: 101)
ليدعم رأي الإباضية ذكر قولا للشيخ محمد رشيد رضا: "العجب للمسلمين، يصابون بهذه اللوثة، وهم يقرؤون قول الله تعالى:?لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلآَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَّعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا? " (6) (ص: 102).
ثم ذكر الباحث تأكيد الشيخ محمَّد رشيد رضا على انتفاء وجود نصٍّ قطعي في القرآن الكريم يثبت حصول الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة، مدعِّما رأيه بآيات قرآنية تنفي ذلك. قصدُ الباحث كان واضحا هو التدليل على أنَّ الإباضية ليسوا وحدهم الذين يقولون بهذا الرأي.
ثم أتى بأبيات للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، لا تتعدًّى كونها تقرير حقائق، غير كاشفة عن الأثر الذي تركته القضية في الشعر، بدليل تعليق الباحث على هذه الأبيات بقوله: "ففي هذه الأبيات يرى الخليلي أنَّ في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر مخالفة لدلالة آيات الكتاب العزيز، ومن ثم بين الشاعر معنى شفاعة رسول الله (عند الإباضية، وهي شفاعة يقصد بها رفع منزلة للمُوفِّين، ودفع كرب المؤمنين لطول الوقوف يوم القيامة، وهي إحدى كراماته (" (ص: 104).
ولم يأت الباحث بمثال واحد يوضح من خلاله أثر المسألة في الشعر العماني. (1/117)
صفحة 117
- الصراط والميزان:
عرض الباحث رأي الإباضية في مفهوم الصراط والميزان، وذكر التفسيرات المختلفة لهما، وحاول أن يُقارن ذلك بما وجده عند غيرهم؛ ليدعم رأي المذهب الإباضي في المسألة. ومن جملة ما ذكر: "ويبدو أنهم (أي الإباضية) رأوا أنَّ هذه المسألة ليست من المسائل ذات الشأن الخطير في تفسيرها الاعتقادي، فيكفي المسلم جملة الإيمان بالصراط والميزان، وأنهما حق، ويكل أمرهما إلى الله، لا سيما وأنهما (ليسا من المسائل القطعية، لعدم ورود القطع فيهما، وإنما هما من المسائل الظنية ... ولا يخطأ القائل فيهما برأيه) " (7). (ص: 105)
هذه النظرة إلى هذه المسألة انعكست على الشعر، فلم يرد لها ما يمكن أن يعدُّ أثرًا، وأقرَّ الباحث أنَّ الشواهد في الموضوع قليلة، فهي لم تكن من المسائل التي كانت تشغل بال الشعراء، ما وجده الباحث لا يتعدى أراجيز ومتونا، بلورت رأي الإباضية في المسألة. ونحن نتساءل لماذا أتى بها ضمن ما كان له أثر في الشعر؟ إلاَّ أنَّ التفسير الذي يمكن لنا أن نعطيه لذلك هو حرص الباحث على التعريف بأصول المذهب الإباضي، واغتنام الفرص لتصحيح الأخطاء ودفع الإيهام. إن هذا ينسيه المسار الذي اختطَّه لنفسه في هذا البحث، وهو بيان أثر الفكر في الشعر.
- الولاية والبراءة " الجانب الاجتماعي والبعد العقدي ":
العنوان الذي وضعه الباحث لهذا العنصر يفصح عن الأهمية التي أعطاها لهذه المسألة، ويكشف عن الهدف من إيرادها في دراسته، وتبين عن انشغال علماء الإباضية بها. إنهم يرونها عاملا كبيرا ومهمًّا في ضبط السلوك ومراقبة النفس ... إنها الكفيلة بردع الناس عن الانحراف، وتنبيه الغافل عن السدر في الغي يقول الباحث: "من منطلق الصلة بين العقيدة والعمل، يذهب الإباضية إلى أنَّ التعامل مع الناس يجب أن تكون مرجعيته هذه العقيدة، التي تتحدَّد العلاقة بموجبها، ولذلك عَدُّوا الولاية والبراءة أصلاً من أصولهم العقدية، وقاعدة من قواعد الإسلام، فوضعوا لها شروطا، وحددوا لها مواصفات، وتشدَّدوا في تطبيقها في مجتمعاتهم، حتى قيل: (إنه من لم يَدِنْ بها لا دِينَ له) ". (ص: 108)
عرض الباحث بعد ذلك مفهوم الولاية والبغض، كما يراه الإباضية؛ مدعِّما بالأدلة النقلية. ثم أتى بأبيات لأبي مسلم البهلاني؛ للتدليل على أثر هذه المسألة في الشعر العماني. قال أبو مسلم:
والحب والبغض فرضان استحقهما خصمان في الله من بَرٍّ ومن فَجِرِ
والأمر يبنى على الأعمال كيف جرت والمدحُ والذمُّ بحتًا غير معتبر
ومن هذا المنطلق أعلن أبو مسلم ولايته وحبَّه لأهل النهروان، انطلاقا من مبدإ عقدي، حين يقول:
جزى الله أهلَ النهروانِ رضَاءَهُ وما فوق مرضاة الإله أجورُ
ندين لوجه الله طوعًا بحبِّهِم وما شنآن الملحدين مُضِيرُ (1/118)
صفحة 118
همُ القومُ بلتهم مخافةُ ربهِم ودارَت عليهِم أبطُنٌ وظهُورُ (ص:109)
ثم سرد الباحث مجموعة من آراء علماء الإباضية وغيرهم في بيان الهدف أو النتيجة التي تحصل من تطبيق هذا الأصل، للشيخ علي يحي معمر والدكتور محمد ناصر والدكتور عوض خليفات، الذين لَمحوا إلى غاية الردع والرجوع إلى جادة الإسلام. وأشاروا إلى بعده العقدي والاجتماعي والتربوي والسياسي "وغدا فكرًا متميزًا لا يتساوى فيه الطائع والعاصي، وهذا ما جعل أحد كتابهم يفخر بهذه المنقبة قائلا: (هذه القضية يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة) ". (8) (ص: 110)
أردف ذلك وشفعه بأبيات لأحمد بن سعيد الخليلي وأبي مسلم البهلاني؛ دليلا على تطببق ما جاء في الولاية والبراءة من منظور إباضي، أو بيانا لأثر الفكر في الشعر. ونقرأ فيها نظرة الإباضية إلى مسألة الولاية والبراءة حيث يحرصون على تطبيق ذلك بما لا يسيء إلى العلاقات، ولا ينال من كيان المجتمع. فلا توجَّه وسيلة البراءة بشكل خاطئ، كالسعي إلى تتبع عورات الناس، وتصيد أخطائهم، والتعجل في إعلان البراءة، ولأدنى سبب ... إن هذا يدلُّ على التروِّي والأناة والتثبت، والقصد في استعمال هذا الأسلوب، إذ لا يلجا إليه إلاَّ في حالة الضرورة القصوى، وينبئ عن الإرادة إلى الإصلاح وليس إلى التشهير والشماتة.
متابعة في تفصيل القول في المسألة وتوضيح بعض الجوانب منها، ذكر شيئا من شعر سعيد بن خلفان الخليلي وابن شيخان السالمي وأبي مسلم البهلاني. ويبدو واضحا مما ورد في هذه الأبيات التأثر الفكري بما نادى به الإباضية في قضية الولاية والبراءة، التي منها الحذر من موالاة أعداء الله؛ لأنَّ الالتزام بهذا المبدأ العقدي يضمن المحافظة على استقلالية الشخصية، ويساعد على الحفاظ على مقوماتها، ويعين على معرفة الحدود الفاصلة بين التعاون والتنازل، ويدفع إلى ضمان الهيبة ...
إنَّ الباحث كان موفقا في عرض هذه المسألة وبيان أثرها في الشعر، وكان ناجحا في تقديمها للقارئ تقديما جيدا: حيث مزج بين الجانب النظري والتطبيقي في عرضها، وقد اعتمد على الشعراء كثيرا في تقرير حقيقتها، وعلى أقوال بعض الدارسين، الذين ركزوا على الأهداف والنتائج الإيجابية التي تحصل من تطبيق أصل الولاية والبراءة. وبذلك يكون قد ركز منذ البداية على الجانب العملي في القضية؛ إشارة منه إلى إيلاء الموضوع أهمية كبيرة، لأن الناس غفلوا عنه كثيرا، ولم يعوا دور هذا الأصل في ضبط المسيرة وتحسين السلوك. وقصدًا منه أيضًا لفت الانتباه إلى إدراك مدى تميُّز المذهب الإباضي بها ولماذا.
كل هذه المعاني وهذه الأفكار وغيرها يمكن للمتأمل المدقق في عرض الباحث أن يستنتجها أو يقف عليها بجلاء، مما يبين أنَّ الباحث كان موفقا في عرض مسألة الولاية والبراءة.
- خلق القرآن (1/119)
صفحة 119
كشف الباحث عن وجهة نظر الإباضية في القضية، وقد عدها منذ البداية غير ذات أهمية، أو ليست من مقتضيات العقيدة، ولا من أمهات مسائل الدين، ولا أثر لها في السلوك. فهي من قضايا علم الكلام التي كان المسلمون في غنى عنها؛ حتى إن الإباضية لم يعيروا لها اهتماما، حين عرضت في أوَّل الأمر، لكنهم بعد ذلك ناقشوها خوفا على عوام الناس: "ولكنهم رأوا أنَّه بعد طرحها لابد لهم من اتخاذ موقف، خشية على عوام الناس من الوقوع في مغبة الفتنة، لا سيما أنه موقف يتعلَّق بكتاب الله ... " (ص: 116)
رأى الباحث أنَّ المسألة قابلة للاجتهاد، وما يتوصل إليه فيها هو بعيد أن يكون قولا فصلا، إنما يعد استنباطا واستنتاجا، يمثل وجهة نظر قابلة للنقاش. وقرر أنَّ موقف الإباضية يتسم بالاعتدال واحترام وجهات النظر التي برزت وتبرز في المسألة.
من بين العلماء الذين استدل بأقوالهم في المسألة الشيخ خلفان بن جميل السيابي، ونقل عنه قوله: "مسألة خلق القرآن ليست من مسائل الدين التي تعبد الله بها عباده، ولا ألزمنا إياها، كما ألزمنا صنوف العبادة، وليس على وجوبها من دليل. والتحقيق إنه أريد بالقرآن الحروف الملفوظة المتلوَّة المخطوطة، فإنها حادثة قطعا، وإن لوحظ منها علمه تعالى بالمعاني المطروحة فيها، فإنَّ علمه سبحانه وتعالى لا شك أنه قديم، لأنَّ العلم من صفات الذات العلية" (9) (ص: 118، 119)
ما نقرؤه فيما أتى به الباحث شواهد من شعر الشعراء في المسألة أنَّ أثرها لم يظهر إلاَّ في كون هؤلاء الشعراء عبَّروا عن وجهة نظر الإباضية. إنَّ هذا يعطيها صفة تقرير الحقيقة، أو عرض المسألة، وليس بيان أثرها في الشعر.
الفصل الثالث: أثر الفكر السياسي
عرض فيه مباحث عن الإمامة وأثر الفكر السياسي في قصيدة المديح، وموقف الإباضية من التكسب بالشعر، وأثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء ...
بالنسبة للإمامة أكَّد الباحث أنها ذات أهمية كبيرة في الفكر الإباضي، وقد أخذت حيزا كبيرا من تفكيرهم: "يقوم فكر الإباضية السياسي على أصول فكرية مرتبطة بمعطيات الإسلام في منابعه الأولى، وهو تجسيد حي لمبدأ أساسي، يقوم عليه الفكر السياسي الإسلامي، وهو مبدأ الشورى والاختيار والمساواة بين الناس على أساس ?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ? (10)، وهو تفاضل يقوم على ميزان دقيق قائم على القيم الخلقية، لا على الانتماء في النسب. وعليه فإنهم لا يرون القرشيَّة شرطًا في الإمامة، إذا توفرت الشروط في غير القرشي، فهم يرون (كما يقول الشيخ أحمد ين حمد الخليلي) أنَّ الحكم أمانة في الأعناق، وأنَّ الناس أسمى وأشرف من أن يكونوا قطعانا من الأغنام يحكمون بالقهر والاستبداد، فتتوارثهم قبيلة معينة. فالناس قد خُلِقوا أحرارًا، ويجب أن يبقوا أحرارًا، والذي يبايعونه لابد أن يستخلفوه من تلقاء أنفسهم. ولا يرى الإباضية أي شرط من (1/120)
صفحة 120
تاحية النسب". (ص: 127)
أثر هذا الفكر كان واضحا بارزا في الشعر العماني، فابن شيخان السالمي يقول عن مسألة الشورى التي آمن بها الإباضية واشترطوها على الإمام وهو يمدح الإمام سالم بن راشد الخروصي:
أمره شورى فلا خلف لما يرتضيه العلماء النقبا
ويقول عبد الرحمن الريامي داعيا الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إلى الاهتمام بالشورى:
يا من يريد طريقة دينية عوِّل على أكفائها وسراتها
لا تحسب الشورى عليك غضاضَةً كم في الزوايا من كنوزٍ هباتها
فلربما رأي يقهقر جحفلا ويدكُّ عليا الشم من ذرواتها
قد جاء من مستحقَرٍ مستضعَفٍ وهو القمينُ بها للمِّ شتاتها (ص:128، 129).
يرى الإباضية أنَّ تنصيب الإمام واجب؛ إذ لا يمكن أن يبقى المسلمون من دون إمام. وأنَّ هذا الإمام لا يتم تنصيبه إلا بعقد. وقد وضعت نصوص تحدِّد نوعية العقد الذي يبرم لتعيين الإمام؛ بما يبين مسؤولية الإمام، وتعهده بتطبيق شرع الله. يقول الباحث: "وقد أضحت تلك النصوص بمثابة الدستور المحدِّد لنوع المسلك الذي يتخذه الإمام، ويسير بموجبه في علاقته بالأمة. وعقد الإمامة عندهم تختلف صيغته باختلاف نوع الإمامة, وباختلاف الظروف، التي بويع الإمام في ظلها. وهنا تلحظ أنَّ هذه العقود السياسية تنظم العلاقة بين الحاكم ورعيته، ويُعدُّ كلٌّ منهم ملزمًا بالوفاء بموجب العقد الذي وصل الإمام بمقتضاه إلى ذلك المنصب، وعليه تترتَّب أحكام الوفاء والمناصرة والقيام بالواجب تجاهه، ما كان عاملا بمقتضى العقد، وإلا ترتَّب عند الإخلال به أحكام من مثل العزل والخروج عليه وعدم مناصرته. وكل ذلك يدخل ضمن تنظيم وثيق للعلاقة بين الإمام والأمة، وهي فلسفة تعدُّ امتدادًا لعقود البيعة التي كانت تتمُّ مع الخلفاء الراشدين". (ص: 129، 130)
ثم ذكر مسالك الدين عند الإباضية التي تتحدَّد حسب الظروف السياسية، وهم يعنون بهذا المصطلح "الطرق التي يتوصَّل بها إلى إنفاذ الأحكام الشرعية" (11) (ص:131) ومسالك الدين عند الإباضية أربعة، هي: (الظهور، الدفاع، الشراء، الكتمان).
وتحدثوا عن الإمام وصفاته، التي منها أن يكون أفقه ممن هو موجود وأعلمهم وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقدرهم على الحكم وإقامة العدل والقيام بشؤون المسلمين ... وغيرها من الصفات التي يحتاج إليها من يقود المسلمين ويسيرهم.
وتكلموا عن العلاقة بين الإمام والرعية؛ طاعة وامتثالا لأوامره، واحتراما لرأي الرعية، تولية وعزلا وخلعا ... ولم يغفلوا عن الإشارة إلى الكيفية التي تحصل بها بيعة الإمام، وهي تتم عندهم على مرحلتين: (1/121)
صفحة 121
1 - بيعة الخصوص، وهي البيعة التي يقوم بها العلماء وأهل الحل والعقد.
2 - بيعة العموم، وهي البيعة التي يتلقَّاها الإمام من عموم الأمة.
- أثر الفكر السياسي في قصيدة المديح الفردي:
حاول الباحث أن يبين أثر الفكر السياسي في الشعر، الذي أبرز مدى تطبيق الشعر لما قرر في مسألة الإمامة، وقد استنتج هذا الأثر وهذا الالتزام من خلال الأفكار التي ذكرها الشعراء، وهم يمدحون الأئمة، الذين حكموا عُمان، وهم قد اختيروا بالمواصفات التي ذكرت في النصوص التي حدَّدت من يتولى هذه المسؤولية. قال الباحث: "وقد امتزجت مدائح الأئمة لدى الشعراء الإباضيين بمشاعر صادقة ناشئة عن قناعة بمبدأ ديني، وتوجه إيماني بوجوب المشاركة، والتعبير عن حبِّ الأئمة، والدعوة إلى مناصرتهم، ويتجلَّى ذلك عبر جملة من القصائد التي أرسلها منشئوها ترجمة عن مشاعرهم من مهجرهم في زنجبار، كما فعل الشاعر أبو وسيم الأزكوي في مدائحه للإمام عزان بن قيس وأبو مسلم البهلاني في مدائحه للإمام سالم بن راشد الخروصي". (ص: 137)
قال أبو وسيم الأزكوي يمدح الإمام عزان بن قيس ذاكرا صفاته:
فأصبح عزان بن قيس مملكا إمام هدى لله يغزو ويفتح
مليك به ترضى الإمامة قائما وما كل ملك للإمامة يصلح
تقلد سيفين المهند والتقى لأن كلا السيفين في الخطب منجح (ص: 138)
حرص الباحث من خلال النصوص التي استشهد بها على بيان مدى تعلق الشعراء بالإمامة، والتأكيد على أنَّ منطلقهم في هذا المدح كان دينيا؛ إذ كانوا يرون ضرورة التمكين لدين في الأرض، ولضمان تطبيق شرع الله لابد من إمام تتوفر فيه الشروط المطلوبة شرعا. ولذلك حين يمدحون إماما فإنما يمدحون الصفات الحسنة المتوفرة فيمن يتولى هذه المسؤولية الكبيرة. ففي مدحهم وفاء للمبادئ، وتسجيل للمآثر، وتقرير للحقائق، واعتراف بالفضل، ودعوة للالتفاف حول القائم بالحق والواجب، ونداء إلى السير في النهج القويم ... وقد ذكر الباحث مجموعة أبيات لأبي مسلم البهلاني وأخرى لشعراء آخرين في مدح الإمامين سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبد الله الخليلي.
لقد خلع الشعراء على الأئمة صفات نبيلة، وذكروا لهم شمائل عالية وفضائل راقية، وهم بذلك يثبتون ولاءهم للمكارم والعظائم. بين الباحث ذلك، وهو يسجل الرسالة التي حملها الشعراء بهذا السلوك. وبعد أن عرض مجموعة من النصوص في مدح الإمامين الخروصي والخليلي قدم السؤال الآتي: "ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: ما الصفات التي خلعها الشاعر الإباضي على أئمته، وتصوَّر مكانة الإمام الدينية؟ الناظر في صفات مديح الأئمة عند الشاعر الإباضي يجد أنه قد أضاف إلى نعت المديح الذي وضعه قدامة بن جعفر، المتمثِّل في الصفات الأربع عنده وهي: العقل (1/122)
صفحة 122
والشجاعة والعدل والعفة، ما يتفرع عن كل منها، وما يتركب من جميع بعضها مع الصفات الأخرى.
عبر قراءة إنتاج شعراء هذه الفترة ومدائحهم للأئمة يتضح أنَّ الشعراء قد منحوا الأئمة بعدًا دينيا، انعكس فيه تأثُّرهم بالبعد الفكري الإباضي في خصوصيته، والبعد الإسلامي في عمومه ... " (ص:150)
- المديح الجمعي للأئمة:
من المديح الفردي انتقل الباحث ليتحدَّث عن المديح الجمعي، قال: "وصف الشاعر الأئمة وصفا عاما في موضع التذكر لسيرتهم. هو ما يمكن أنَّ نطلق عليه (المديح الجمعي) وذلك حين يسوق الشاعر مجموع صفات الأئمة الإباضيين ومناقبهم، محاولة منه بان يضع متكأ يعتمد عليه للحديث عن الانطلاقة الجديدة؛ ربطا بين الأصالة السياسية لهذا المنهج ومحاولة بعثه". (ص: 155)
وصف الشاعر الأئمة بالصفات الراقية: الشجاعة والإقدام، والتبتل والعبادة الخالصة، وصفاء الطوية والإخلاص والزهد في الدنيا، والدفاع عن الدين ...
علق الباحث على أبيات لأبي مسلم البهلاني مدح بها الأئمة: " ... وبسبب ذلك استحقوا مديح القرآن فيهم، حين تمسكوا بالحنيفية الزهراء، وتأسوا بسيرة العُمرين، متعطشين لنيل الشهادة في سبيل الله، أو ما سماه الشاعر (شربة النهروان) ولا يخفى ما في هذه الأبيات من ملامح تاريخية تتَّصل بتعاقب الأئمة في عمان، ولمسات فكرية، تنطق برأي المذهب في سيرة الخلفاء الراشدين، حينما يجعلون من سيرة العُمرين السيرة التي تحتذى؛ لأنها سيرة لم يكدر صفوها مكدر". (ص: 156)
إنَّ هدف الباحث واضح من هذا العرض وهذا السرد، هو بيان فضل هؤلاء الأئمة على الحياة العامة في عمان، وقد اعتمد في إظهار ذلك على دور الشعراء في تسجيل مشاعرهم نحو الأئمة؛ مما يبرز تأثير الفكر السياسي في الشعر.
- صورة الإمامة في قصيدة المديح:
واصل الباحث الكشف عن التفاف الشعراء نحو الإمامة، وتعلُّقهم بالفكر السياسي الإباضي، فانتقل إلى تقديم صورة عن الإمامة في مديح الشعراء. فتتح هذه الإطلالة بأبيات لأبي مسلم الرواحي:
عادت إلى جذلها من طول غربتها خلافة الله والإسلام جذلان
عناية الله تحدوها لموطنها وللخلافة في الإسلام أوطان
تنحو ابن بجدتها العَليا وبؤبؤَها وشأنها لِمُصاص المجد خَلصان
تقلد العقدَ منها صدرُقيمها صدرٌ بخالصة الإيمان ملآن (1/123)
صفحة 123
همامها العاصم الكافي لعصمتها له على حملها جد وأقران (ص: 160)
لقد أطلق الشاعر على هذه الإمامة خلافة الله التي عادت بعد غربة طويلة، أو انقطاع دام طويلا، عادت على يد الإمام سالم بن راشد الخروصي، بعد أن انقطعت بوفاة عزان بن قيس، عادت بعد أن وجدت كفءًا يتقلَّدها ويقودها إلى حيث الخير والفلاح، يسوسها سياسة خلفاء الله الحقيقيين. وفي القصيدة وردت صفات كثيرة لهؤلاء الأئمة المهديين الشرفاء.
حتى يثبت الباحث صدور الشعراء عن أصول المذهب الإباضي والتزامهم بفكره السياسي ذكر مجموعة من النماذج لشعراء مختلفين، كان فيها أصحابها يوجهون نصحهم إلى الأئمة، ليتقيدوا بشرع الله في الحكم، والاجتهاد في نصرة الدين، والاستقامة في السلوك. قال وهو يقدم لأبيات لأبي الوليد سعود بن حميد، يمدح الإمام سالم بن راشد الخروصي: "فقد تخلل مدحه للإمام جملة من النصائح. فدعاه إلى نهج منهج الأئمة العدول الذين سبقوه، فيقتفي آثارهم. وهو تأثر بالفكر السياسي الإباضي، الذي لا يرى الإمام معصوما، ولذلك يجب على الأمَّة النصح لأئمَّتها، ويدعو الشاعر الإمام إلى التأسي بسيرة رسول الله مذكرا إياه بسيرة سلفه من الأئمة". (ص: 163، 164)
- وصف جهاد الأئمة:
تابع الباحث ذكر آثار الفكر السياسي في الشعر العماني، وبخاصة صدى الإمامة فيه، فقدم وصف جهاد الأئمة كما ورد في شعر الشعراء. قال: "والناظر في القصائد التي واكب بها الشعراء هذه الأحداث يلحظ أنها كانت تمثل شعرًا حربيا، تتخلله السياسة، وتنطلق من فكر إباضي، يدور حول وجوب طاعة الإمام، ومقاتلة من يخرج عن هذه الطاعة". (ص: 166)
عرض الباحث نماذج من الأشعار التي ذكرت الوقائع التي دارت بين الإمام وغيره، ثم علق قائلا: "وتتمثل في تلك القصائد صورة الشاري الإباضي الذي يقتحم الأهوال". (ص: 167).
كان الباحث حريصا على ربط جهاد هؤلاء الأئمة ومن لف حولهم، ربطه بجهاد الشراة، سلف الإباضية؛ ليبين شدة بأسهم وقوة شكيمتهم، وحقيقة تمسكهم بالدين الإسلامي، وإصرارهم على رد الظلم، وصد العدوان، ونصرة الحق، مهما كلفهم ذلك. قال الباحث: "ويدعو الشاعر عبد الرحمن الريامي إلى الجهاد، ويذكر بالشراة الأوائل، ومعلوم أنَّ الشراة والشراء صفتان ملازمتان للفكر السياسي عند الإباضية، بقول الشاعر:
شُراةُ الحقِّ هُبُّوا للجهاد وذُبُّوا بالصوارم والصعاد
شُراةُ الحقِّ إنَّ الحورَ نادت ألا هُبُّوا إلى تقديم زاد (ص:171،170)
ساق الباحث ذلك ليؤكد أنَّ هؤلاء الشعراء كانوا ملتزمين بالخط الذي سار عليه أسلافهم من قبلهم، وأنهم كانوا أوفياء لهم، ولهذا النهج. والأهم من ذلك كله التأكيد على التأثر بالفكر السياسي الإباضي. (1/124)
صفحة 124
ولمزيد من بيان بعض أحكام السياسة الشرعية التي كان يحتكم إليها الإباضية، وكان الشعراء حريصين على الإشارة إليها. بل كانوا يلومون من لا يلتزم بها، كموقفهم من تحريم الخروج على الإمام العادل. سرد للتدليل على ذلك نماذج من شعر خالد بن هلال الرحبي وأبي مسلم البهلاني.
وفي المقابل فإن الشعراء تبنوا رأي المذهب وموقفه من الحاكم الجائر، والتعامل معه: خروجا وطاعة، متى يجب الخروج ومنى يجوز، ومتى لا يجوز ... وقد حاول الباحث الإتيان بأمثلة لأثر هذا الفكر في الشعر العماني، لكن حسب نظري إن تلك الشواهد لا تحدِّد خصوصيةً لهذا الفكر، بالمقارنة مع غيره.
بالنظر إلى النماذج المقترحة من الباحث، لا نجد فيما ذكر إلاَّ عبارات تعمد إلى الربط بين ما نظمه الشعراء شعرًا والفكر السياسي الإباضي (12).
يبدو أنَّ الباحث كان ملزما نفسه بإثبات أثر الفكر الإباضي، السياسي منه بخاصة في الشعر العماني؛ إذ نجده يجهد نفسه لإيجاد رباط متين بين الفكر وما نظمه الشعراء، فيكون عنده كل ما يقوله الشعراء هو انعكاس للفكر على شعرهم. مثلا في موضوع الموقف من التكسب بالشعر وأثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء، سواء في رثاء الأئمة أم رثاء الإمامة أم رثاء الشيوخ والزعامات الدينية, لا نجد في النماذج التي أتى بها ما يكشف عن انعكاس الفكر على الشعر سوى تعلق الشعراء بالإمامة وبالأئمة العدول الأخيار، وسوى التأسف والحسرة على فقدان هؤلاء، كقول الباحث وهو يذكر أبياتا لعبد الله الخليلي، يرثي الإمام محمد بن عبد الله الخليلي: "وبموت الإمام تموت الحرية وتهان الملة، ويزول الإباء ويسود الظلم، ويعمُّ الكون ظلامٌ رهيب، وهي تمثِّل نظرة سوداوية لما يمكن أن تسفر عنه الأمور بعد فقد هذا الإمام، في إشارات أرسلها الشاعر، يعبر فيها عن رؤيته للمستقبل". (ص: 192)
ولا نقرأ سوى تسجيل مشاعر الحزن والأسى على الفقد والحرمان والضياع، وسوى التعبير عن الأحداث التي سببت تقويض الإمامة، كقول الشاعر سعيد بن أحمد بن سليمان الكندي، وهو يرثي الجبل الأخضر؛ رامزًا بذلك إلى رثاء الإمامة الموؤودة:
ماذا أقولُ وأدمعي منهلةٌ حزَنًا وعيني كُحلَت بسُهَادِ
لهفًا وما يُغني التلهُّف والأسى ولا أسطيع ردَّ عوادي
لكنَّها نفثاتُ مصدورٍ بها جاشت لواعجُ حسرةِ الوقَّادِ
يرجُو بها حقَّ الوفاء لمعشَرٍ سادُوا بعدلٍ إذ رَعَوا وَرَشَادِ (ص: 194)
نسجِّل في ختام قراءة ما جاء في هذا الفصل أنَّ الباحث بذل جهدًا كبيرًا في تقديم رؤية جيدة عن الفكر السياسي المتميز عند الإباضية؛ بتناول جزئيات دقيقة في الموضوع، مع مزج ذلك في كثير من الأحيان بما نطق به الشعراء في شعرهم من هذا الفكر، مما عد تعريفا به، وتأثرا في آن واحد. (1/125)
صفحة 125
وهو جهد كبير حالف فيه الباحث التوفيق إلى جد كبير؛ سواء في نقل أقوال العلماء، أم تقديم نماذج من الشعر، أم تحليل بعض الدارسين لهذا الفكر، أم تعليقات الباحث نفسه على بعض المواقف وبعض الآراء و النماذج. وهذا ما أعطى أهمية كبرى للموضوع، وقد كانت رسالة الباحث واضحة في هذا العرض الذي أفاض فيه، وهو ما يقدم الدليل على قيمة الفكر السياسي الإباضي. ولهذا أفرد له الباحث فصلا كاملا.
- الفصل الرابع: ظواهر أخرى:
عرض الباحث مجموعةً من الظواهر التي استوقفته في الشعر العماني المتأثر بالفكر الإباضي. وقد أسهب كثيرا وتوقف طويلا في شعر الزهد والسلوك. سبب هذا الإسهاب والإطالة هو الغموض والإبهام والإيهام الذي أحاط به.
إن المطلع على الشعر العماني تستوقفُه ظاهرة ورود مصطلحات صوفيَّة فيه، ويقرأ أثر بعض الشعراء المتصوفِّة في هذا الشعر، وحين يقابل هذا بموقف المذهب الإباضي الذي يرفض التصوُّف، تمتلكه الحيرة، ويبقى عاجزًا عن تفسير الظاهرة، ويظل واجما عن التوفيق بين الحالين.
هذا ما دفع الباحث إلى عرض الموضوع؛ محاولة منه لإزالة هذا الغموض، ودفع هذا الإبهام، والتخلص من هذا اللبس. وفي الوقت نفسه كان يهدف إلى تنزيه الشعراء من مخالفة مذهبهم والتخلِّي عن مبادئهم. قال الباحث: "من القضايا اللافتة للنظر عند الشعراء الإباضيين في هذه الفترة وجود وفرة واضحة فيما يسمونه (شعر السلوك) فقد انتشرت في قصائدهم ظاهرة التأثُّر ببعض التوجهات الصوفية في أشعارهم، وهي مسألة جديرة بالتأمل والدراسة.
أطلق الشعراء الإباضيون على القصائد ذات الطابع الصوفي (شعر السلوك) ولم يطلقوا عليها (شعر التصوف)، ومن الجدير بالإشارة إليه أنَّ الإباضية يتشدَّدون تجاه التصوف. وقد انعكس ذلك التأثر في موضوعات تصوفية بعينها كالزهد في الحياة والتحذير من الدنيا، والتخويف من النار وعذابها الأبدي، وطلب المغفرة من الله والتوبة إليه، والمناجاة والإقبال على الله سبحانه، ومخاطبة النفس وتبكيتها، والدعوات التي من شأنها أنَّ تؤكد التربية النفسية، ضمن رغبة جامحة للتخلص من علائق الذنوب". (ص: 207).
حاول الباحث أن يبين أنَّ الفكر الإباضي لا يقر بالتصوف، وقد ذكر ذلك في النقاط الآتية:
- الفكر الإباضي في عمومه فكر تنزيهي، لا يلتقي مع الفكر الصوفي في فلسفته.
- الإباضية لا يدعون إلى اتخاذ الأذكار مجرَّد جلسات وطقوس وتجمُّعات وأناشيد تُتلَى.
- عقيدة الإباضية في التنزيه لا تروم الوصول إلى رؤية الله سبحانه، فضلا عن التوحد معه.
ثم قال بعد ذلك: "على أنَّه لا يمكن التنكر لتأثير المتصوفة في شعر السلوك عند الإباضية، لكنه بقدر ما تأثروا في جوانب تصوفية بعينها، فإنهم قد جاء نتاجهم الشعري في هذا المضمار محافظا على معطيات الفكر الإباضي في عمومه، وإن استفاد جملة من الشعراء بنوازع التصوف في بعض (1/126)
صفحة 126
الجوانب التي استقاها المتصوفة من الفكر الإسلامي الأصيل، بما يؤدي إلى الارتقاء بالنفس إلى مراتب المخلصين، وكعلاج النفس وترويضها وتعويدها على الطاعة، والابتعاد بها عن مواطن الزلل، لتكون جديرة بالعبودية الحقة". (ص:209، 208)
إنَّ الباحث يعترف بوجود تأثر بالمتصوفة في بعض الجوانب التي لا تتصادم مع الفكر الإباضي، وهي التي تتوافق مع الفكر الإسلامي الأصيل، ولهذا حاول إيجاد مبررات لهذا التأثر أو لظهور الشعر السلوكي في الشعر العماني، وقد أرجعها إلى انصراف الناس إلى الدنيا، وكثرة الفتن الداخلية، والواقع السياسي الذي أفرز حالة من الظلم والقهر والاضطهاد. يريد أن يقول إن هذا ليس تأثرا بقدر ما هو استجابة لأوضاع معينة، وظفت بعض ما وجد عند المتصوفة من أساليب في التعبير بقدر الحاجة إليه، من دون الذوبان في هذا الفكر والتخلي عن مبادئ المذهب الإباضي: " ... ولكنه لم يكن (الشاعر الإباضي) يستخدمها كاستخدام الصوفية لها، بل هو استخدام لا يتعدى المعنى المعجمي لهذه الألفاظ والمصطلحات, دون أن يحملها بعدا صوفيا خاصا". (ص: 209).
ثم عدد الباحث الموضوعات التي عالجها الشعراء الإباضيون في هذه المسألة. منها: الزهد في الحياة، والحديث عن النفس ومحاولة رسم معالم إصلاحها وكفها عن الهوى، وتنقيتها من الجهالة والظلم، والسمو بها إلى مرتبة العبودية الحقيقية، وتحذير الإنسان من غرور الدنيا والانشغال عن الموت، والدعوة إلى الاستعداد ليوم المعاد.
وليربط الباحث بين الشعر والفكر وتأثير الثاني في الأول قدم لأبيات لبشير ين عامر الفزاري أشار فيها إلى أحد الموضوعات التي طرقها الشعراء في هذه المجال: "ولا ريب أنَّ مثل ذلك القول وتلك الرؤية لا تتعارض مع الفكر الإباضي الذي يرى وجوب الاستعداد لهذا اليوم، وعدم الاغترار بالأماني، فإن من دخل النار عندهم لا يخرج منها. فيقول الشاعر:
أيُّها الغَرُّ كيف تطعم غَمضًا والمنايا يركُضنَ حولكَ رَكضَا
بادِرِ الموتَ للمعَادِ بِزادٍ صالحٍ تَلقَ ما تُحبُّ وتَرضَى
تُب إلى الله من معاصِيكَ واندَبْ عُمْرًا منك في الذنوب تَقَضَّى (ص:211)
ثم أتى بأبيات لسعيد بن خلفان الخليلي، سجل فيها بغضه للدنيا وحبَّه لله وانصرافه إليه، وقلبه ظهر المجن للدنيا؛ لأنَّ حبها وحب الله لا يستويان:
فوجَّهت وجهِي تاركًا كلَّ مظهَرٍ إلى المظهَرِ الأعلى صرفتُ عنَائِي
وخَلَّفتُ كلَّ الكائناتِ تَرَقِّيًا فعاينْتُ نُورَ الحقِّ نَصبَ عَيَانِي
فَلَم أَرَ نفسي أو شَهَدتُ ظهُورَه وأينَ الدُّجى قَد أشرَقَ القمرَانِ
بَدَا فاختَفَى كلُّ المظاهِرِ وانتَفَى سِوَاهُ فلا غَيرٌ هنالِك ثَانِ (1/127)
صفحة 127
علَّق الباحث قائلا: إنَّ هذه النظرة الزهدية إلى الدنيا والحياة، تكتسب توجُّهها عبر نظرة سلوكية تصوفية، ارتقى بها الشاعر لتعبر عن وجهة نظره نحوها، لا سيما أنَّ ألفاظها (فعاينت نور الحق، شهدت ظهوره، بدا فاختفى) أسلوب صوفي، فيه من الإشارة الدالة على الوصول الحقيقي إلى الله سبحانه، لكن قارئ هذه الأبيات من منطلق فكري آخر عارف بمقاصد الشاعر وعقيدته، يجد أنَّ الشاعر لم يذهب إلى ذلك، فهو بعد أنَّ ترك الدنيا وراء ظهره، وأبصر الحق بشأنها، أشرقت في نفسه شمس الحقيقة، فتجلت له عظمة الله من خلال آياته، فأشرب قلبه بحبه، واختفى ما عداه، إذ لا يستحق أن يستقر في قلب المخلوق سواه. يؤكد ذلك إشارة الشاعر على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العلامة التي يستطاع بها قياس مدى استعداده للقاء ربه حيث يقول:
وقال لمن رام العلامة إنها المجا فاة عن دار الغرور بسلوان
منيبا إلى دار الخلود تأهبا ليوم نزول الموت أهبة لهفان (ص:214، 215)
اختيار الباحث هذا النموذج كان عن قصد وهدف واضح، فالشاعر من أقطاب المدرسة السلوكية في عمان، وهو ممن كثرت في شعره المصطلحات الصوفية، وهو ممن تأثر بأبي حامد الغزالي في سمات شعر السلوك والتصوف، لذا فالاستشهاد بشعره الذي يلاحظ فيه صفة التصوف، والتأكيد على أنَّ الشاعر لم يتأثر بالفكر التصوفي بالمفهوم الاصطلاحي، بل إن ما نظمه هو غير خارج عن التوجه الإباضي: فكرًا واعتقادًا وسلوكًا، يرسخ عند القارئ والدارس ارتباط الشاعر بالأصول الإباضية، ويدعم رأي الباحث أنَّ أثر الفكر الإباضي جلي وقوي في الشعر العماني.
انتقل الباحث بعد ذلك ليذكر بعض النماذج التي استعملت مصطلحات ورموزا تقرأ فيها مسحة تأملية تصوفية. عرض أبياتا لجاعد بن خميس الخرووصي، ثم علق قائلا: "وفيها نلحظ تأثر الشاعر بالبعد الفكري الإباضي في جانبه العقدي". (ص: 216)
حرص الباحث كل الحرص على نفي صفة التصوف عما قيل شعرا في هذا المجال، بل هو يراه شعرا سلوكيا؛ احتياطا من الاصطدام بالفكر الإباضي الذي لا يقر التصوف منهج حياة. لذا يقول: "وطبيعي ألاَّ نفهم التصوف أو السلوك عند الشاعر الإباضي كما هو الحال في فلسفة المنصوفة، ذلك أنَهم لا يتوقون إلى انكشاف الحقيقة الموصلة إلى التجلي الحقيقي للذات الإلهية، بقدر ما يسعون إلى التعرف إليه من خلال آياته". (ص: 216)
في الحقيقة إن هذا هو رأي الدارسين الإباضيين، الذين يفسرون كل شعر يقوله شاعر إباضي هذا التفسير (13).
سرد الباحث أبياتا لسعيد بن خلفان الخليلي، فيها جملة من المصطلحات الصوفية، من مثل (الفناء، المقامات، الذوق ... ) وقال إن الشاعر أطلق عليها مقامات أهل السلوك، لا أهل التصوف. وقد انتقى الباحث هذه العبارة من هذه الأبيات ليدلل مرة أخرى على أنَّ التصوف لا ورود ولا وجود ولا مقام له في الشعر الإباضي، فضلا عن فكره. (1/128)
صفحة 128
عرض الباحث موضوعا آخر بين من خلاله حقيقة ما بريده الشاعر الإباضي أو يقصده من سلوكه مسلك المتصوفة، من دون أن يتبنى معتقدهم. إنه موضوع مناجاة الله والجأر له بالدعاء والاعتراف بالتقصير في حقه، ومحاولة التوبة ومحاسبة النفس.
يظل الباحث مستمسكا برأيه، وهو إن الشعراء الإباضيين ينتحلون أسلوب المتصوفة، ولكنهم لا يتبنون فكرهم. يقول عن الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي: "ولتأكيد عظمة الله سبحانه وبيان توحيده وحقيقة العبودية له، فإنه ينعته بصفات الكمال وصفات التنزيه، منطلقا من فكر إسلامي أصيل في عمومه، إباضي في عقيدته". (ص: 220)
كما وقف مع أبي مسلم البهلاني وسرد بعضا من شعره الذي يُلحَظ فيه بعد صوفي سلوكي، وذكر أنَّ أغلب شعره أذكار وتوسل وابتهال ودعاء ... وهو يستغرق نصف ديوانه تقريبا. لكنه نفى عنه التأثر بالفكر الصوفي في المعتقد (14).
إنَّ غاية ما يهدف إليه الباحث هو نفي أن يكون الشعراء الإباضيون قد تأثَّروا بالبعد الفكري الصوفي، فقد بقوا في حدود التأثر بالأسلوب فقط، بالرغم من وجود علاقة بين الرموز المستعملة من الجانبين، وتشابه في استعمال بعض المصطلحات و المقامات. إلا أنَّ ذلك يبقى عند الباحث منحصرا في التأثر بالأسلوب، ولا يتعداه إلى الفكر؛ لأن العقيدة عند الإباضية لا تجيز هذا النوع من الفكر. يقول: "وبذلك نلاحظ أنَّ شعراء الاتجاه السلوكي (الصوفي) من الإباضيين لم يخرجوا عن جادة الإباضية الفكرية في عمومها، بل استطاعوا أن يوظفوا معطيات الفكر الإباضي في دعواتهم ومناجاتهم، وفي تحذيرهم من الدنيا، والتخويف من الذنوب، وتزكية النفس، بما بثوه من ومضات فكرية غير مباشرة، جاءت بفعل المخزون الثقافي لهؤلاء الشعراء". (ص: 227)
إلا أنَّ المشكلة - حسب نظري - تكمن في كيفية الاهتداء إلى تفسير ما كتبه الشعراء مديحا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث نجد تأثرا واضحا بالفكر الصوفي في بعض الاستعمالات التي قد نقرأ فيها روح المعتقد الصوفي، بما يوحي به تعليق الباحث. هل هو اعتراف ضمني بالتأثر به؟ هل هو عجز منه عن إيجاد تفسير مقنع؟ هل هو عدم التمكن من القراءة الجيدة لهذا الشعر؟
وجدنا الباحث يورد أبياتا للشعراء في مدح النبي (، فيها صبغة صوفية، ترددت فيها العبارات الآتية: (العلة والمعلول، علة الكون، علة الوجود، نور الوجود وروحه ... )، غير أنَّ التأويل أو التعليل لهذا المنحى وهذا التقليد يظل غائبا.
اعترف في النهاية أنَّ شعر المديح النبوي عند الشعراء الإباضيين "لا يختلف في كثير منه عن شعر المديح النبوي عند غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى, ولا يكاد الباحث يجد فرقا بين قصيدة مديح نبوي لشاعر إباضي وغيره، ولذلك فإنه لم يظهر أثر يذكر لخصوصية الشاعر الإباضي عن غيره في هذا المجال". (ص: 231) (1/129)
صفحة 129
إذن هو لم يثبت أثرًا خاصًّا للفكر الإباضي في هذا الشعر، ولم ينف عنه بشكل قاطع التأثر بالفكر الصوفي. فالمسألة في حاجة إلى مزيد من البحث والدراسة.
إنَّ الباحث كان موضوعيا في عرضه وتحليله. وموقفه هذا يفتح المجال أمام الدارسين ليسهموا في مناقشة المسألة. وقد كان موفَّقًا إلى حدِّ بعيد في عرض موضوع شعر الزهد والسلوك، وتأثره بالفكر الإباضي. فقد قدَّم نظرة الفكر الإباضي إلى الزهد والتصوف، ثم ذكر مجموعة من الأفكار التي دارت في شعر الشعراء، والتي لها علاقة بالزهد والسلوك، وكان في كل فكرة يربط بين إيراد الشعراء لها وبين الأصل الذي تصدر عنه، وهو الفكر الإباضي، وحاول أن يعلل كل ما يوحي بالخروج عن هذا الفكر، ويرد كل ما يوهم بخلاف ما يقصده الشعراء. وبذلك يبقى ملتزما بخطه الذي اختطه لنفسه في هذا المبحث، وهو عرض حقيقة شعر السلوك من وجهة نظر الإباضية، وتصحيح المفهومات. غير أننا نؤكد أنَّ الموضوع في حاجة إلى مزيد من البحث.
- الحماسة في الشعر الإباضي:
لا نقرأ حديثا عن أثر الفكر الإباضي في هذا الشعر سوى ربط ما نظمه الشعراء بتاريخهم وحضارتهم وأسلافهم وتراثهم، واستمداد القوة والاعتزاز من هذا التاريخ المجيد والإرث التليد.
إنَّ اغلب ما أتى به هو شعر حماسي استنهاضي عاطفي، يدعو إلى التحرك ونبذ الخمول والتقاعس. ليست فيه خصوصية مذهبية أو فكرية، إلا ما كان يذكره أحيانا مشدودًا أو موصولا بأسلاف الشعراء، كما قال وهو يقدم أبياتا لأبي سلام الكندي: "تأتي قصيدة الشاعر التالية متأثرة بأسلوب شعراء الشُّراة الإباضيين الأوائل، اتكأ فيها على الموروث الثقافي الفكري، متأثرا ببعض المصطلحات الإباضية." (ص: 240)
إن الباحث ربط ربطا محكما وثيقا بين شعر الشاعر وأسلافه من الشراة، في هذا الربط دلالات كثيرة، يعيها من يعرف حقيقة هؤلاء الشُّراة، وما يتمتَّعون به من صفات الشجاعة والإقدام والكرامة ... ويعرف أدوارهم البطولية والمشرِّفة في أدوار التاريخ، ويعرف طبيعة علاقتهم بغيرهم في مختلف الحقب التاريخية، بخاصَّة في القرون الأولى من التاريخ الإسلامي. وقد ركز الباحث على هذه النقطة في أثناء بحثه، وأشار إليها في مباحث كثيرة في دراسته هذه. (15)
إنَّ الباحث عمد إلى ذكر أمثلة عن الشعر الذي وردت فيه إشارات إلى الشُّراة، ليبين تأثر هؤلاء الشعراء بهم وبسلفهم الإباضية، وليؤكد على الخيط الذي يربط هؤلاء بأولئك، وليثبت الصلة الوثيقة بين السلف والخلف، وليشير إلى وحدة التصور والهدف، وليبرز اللحمة القوية بين كتابات الشعراء.
- الشكوى في الشعر العماني:
تناول هذا الموضوع يشبه سابقه، لقد انعدم فيه الحديث عن أثر الفكر الإباضي في الشعر، فنحن لا (1/130)
صفحة 130
نقرأ فيما عرضه الباحث أنَّ هناك خصوصية لهذه الشكوى، تتَّصل بالفكر الإباضي، أو إنَّ الباحث لم يوضحها. لقد كان أغلب النماذج التي أتى بها، لأبي مسلم البهلاني، وفي موضوع واحد هو الشكوى من الدهر والزمان. لم نجد إشارة إلى الفكر الإباضي إلاَّ في الفقرة الآتية، التي علق بها على نص لسعيد بن خلفان الخليلي: "ويشكو الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من ظلم الدهر له ولمجتمعه، معدِّدًا مظالمه، مبديا مآخذه عليه. وهو ينطلق من كل هذا من منطلق ديني اجتماعي، وكأنَّ الدهر كان سببا في الحيف الواقع على عيال الله، الذين استبيحت دماؤهم، وانتهبت أموالهم. والشاعر في شكواه هذه إنَّما كان يعكس حالة الظلم، بغياب العدالة تهيئة لدعوته السياسية النابعة من الفكر الإباضي". (ص: 245)
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي:
اختار الباحث مدينة نزوى عاصمة الإمامة وموئل العلماء، ليتخذها محورا لما كُتِب عن المكان، ونموذجا لحضوره في شعر الشعراء، ومنها انطلق ليربط مشاعر الشعراء وعواطفهم بالفكر الإباضي.
إن القارئ المتعجل لما كتب الباحث، ولما أتى به من نماذج شعرية، قد لا يوافقه على أنَّ لما سرده علاقة بموضوع أثر الفكر الإباضي في الشعر. لكن حين يعرف مكانة نزوى في تاريخ عُمَان: دينيا وعقديا وسياسيا، ويعلم دورها في تحريك الأحداث، وإثارة المشاعر، وتوليد الأفكار، ويقف على ما تحمله مدينة نزوى من مكانة في قلوب الإباضية وعقولهم ... يدرك أنَّ الأثر الذي أراد الباحث أن يوقفنا عليه موجود فعلا. هو غير مصرح به، ولا هو ظاهر، هو مبطن ومضمن في المشاعر التي أبداها الشعراء فيما نظموه عن نزوى. فإذا وصفوا هذه المدينة وصفوها بشعور مرتبط بالفكر الإباضي، وإذا مدحوا شخصا فلأنه يحمل بين جنبيه إحساسه بهذا الفكر، وإذا نعوا أو ذموا فإنهم يقصدون من يناهض هذا الفكر، وإذا تحسروا على شيء فإنهم يتأسفون من المساس بهذا الفكر. من هنا فإن الحديث عن قدسية المكان (نزوى) حديث عن الفكر الإباضي.
قال الباحث: "وعليه نفهم سرَّ ارتباط الشاعر الإباضي بها، عموما، ومدينة نزوى خصوصا، حيث ارتبطت هذه المدينة برجال كان لهم دورهم الواضح سياسيا وعلميا، لأنها كانت عاصمة الإمامة العمانية منذ القرن الثاني للهجرة سنة (192هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (ت 207هـ)، وتعاقب على أرضها أئمة عدول". (ص: 252،151).
لقد خاطب الشعراء مدينة نزوى، مسجلين أمجادها وتاريخها ودورها الكبير في نشر المذهب الإباضي، وتسجيل مسيرته، وإظهار حقيقته، فارتبطت المدينة عندهم بمعاني الجلال والعظمة، ونصاعة الفكر وصفاء العقيدة. قال الباحث عن أبي مسلم البهلاني وما نظمه عن نزوى: "وعلى رأس هؤلاء الشعراء أبو مسلم البهلاني، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت فيها عاطفة الشاعر الإيمانية بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزا من رموز الوطن، وموئلا (1/131)
صفحة 131
للمذهب، وشكلت حينها جانبا من جوانب الاستقلال والحرية والعدالة، فاكتسبت بعدا تاريخيا وبعدا دينيا وبعدا مكانيا وبعدا وطنيا". (ص: 252)
فنزوى مليئة بعبق التاريخ، مرتبطة بالعقيدة التي تحكم الإباضية، فالحديث عنها يثير المشاعر ويلهب الحماسة، ويحكم الرباط بين الأجيال التي تنتمي أصول إلى واحدة. فلا غرو إذا خصها الشاعر بأبيات متميزة. قال من جملة ما قال في قصيدته "الفتح والرضوان":
وافرِق بها البيدَ حتَّى تَستبِينَ لهَا فرقٌ على بيضَةِ الإسلام عُنوانُ
فإن تيامنتِ الحوراءُ شاخصة لها مع السُّحْبِ أكنافٌ وأحضان
فحُط رَحلَك عنها إنَّها بلغَت نزوى وطافَت بِها للمجد أركانُ
انزِل فديتُكَ عنها إنَّ حاجَتَها عدلٌ وفضلٌ وإنصافٌ وإحسانُ
انزِل فديتُكَ عنها إنَّ وجهَتَهَا تختُ الأئمَّة مُذ كانت ومُذ كانُوا
هنالِك انزل وقبِّل تُربةً نَبتَت بها الخلافةُ والإيمانُ إيمانُ
انزل علَى عرصَاتٍ كلُّها قدسٌ للحقِّ فيهنَّ أزهارٌ وأفنانُ
انزل علَى عَذَباتِ النورِ حيثُ حَوَتْ أئمَّة الدين قيعانٌ وظُهرانُ
أرضُ مقدَّسةٌ قد بُوركت وزكَتْ تنصب فيها من الأنوارِ معنانُ (ص: 253)
في هذه الأبيات التي استشهد بها الباحث، أراد أن يدلِّل على القدسية التي أحاط بها أبو مسلم البهلاني مدينة نزوى، الرمز على الأصالة والتاريخ والعقيدة. والمدينة التي تهيج العواطف والمشاعر وتستنهض الهمم. المكان الذي يثير الذكريات. قال معلقا على هذه اللوحة التي رسمها الشاعر لمدينة نزوى؛ مركزا على البعد الذي تدل عليه رموز أبي مسلم: "لأن المكان شكل عاصمة لنظام أشبه بالخلافة الراشدة، وهي الإمامة الإباضية، مشبها نزوى بالتربة والخلافة بالشجرة التي نبتت في ظلها، ورست بجذورها في قعرها. وزاد الأمر وضوحا حين أشار إلى أنَّ قدسية المكان تستمد مما حواه باطنه وظاهره من أئمة عظام". (ص: 254)
المهم إنَّ الباحث قد وفق في الربط بين المكان والفكر، بِبَيان الأثر الذي تركه الثاني في شعر الشعراء؛ من حيث وصف المكان؛ انطلاقا من توجهات فكرية، وصدورًا عن عقيدة، تعطي لهذا الوصف ميزة خاصة وتمنحه صبغة متميزة.
- الفصل الخامس: السمات الفنية:
- التجربة وأثر الفكر فيها:
لا شك أنَّ التجربة الشعرية تتأثر - من جملة ما تتأثر به - المكونُ الثقافي والوضع الاجتماعي والسياسي والنفسي. من هنا حاول الباحث أن يربط التجربة عند الشعراء الإباضيين بالفكر الذي يصدرون عنه؛ رغم أنَّ هذا الأثر لا يمكن حصره أو محاصرته في الشعر بشكل جيد إلا عن طريق تفسير بعض التصرفات أو بعض التوجهات، أو تأويل بعض التجارب والتعبيرات. (1/132)
صفحة 132
لهذا فإننا نجد في تحليل الباحث عبارات تشي بذلك، كقوله وهو يحلل بعض النماذج أو بعض المحاولات (التفاعل مع الواقع، المشاركة الوجدانية حين عزت المشاركة الفعلية، بعث همم قومه وبني مذهبه، بعث الحياة في النفوس، إحياء معالم الإمامة ... )
كلُّ هذه التعبيرات توحي وتفسر ارتباط الشعراء بالفكر، وتأثرهم به، وتكشف عن الحرص على البقاء أوفياء لهذه الأصول قولا وعملا. لهذا كان علينا أنَّ نقبل ما أتى به الباحث دليلا على أثر الفكر في الشعر. قال: "إن التجربة الشعرية عند الشعراء الإباضيين عموما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة ومشاكلها، والمجتمع وإفرازاته، وهي وثيقة الصلة بالانتماء الفكري المتجذر في نفس الشاعر، المتصل بعقيدته التي أوجدت لديه نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة كما قرره الدكتور إحسان عباس" (16). (ص:262)
سَوقًا للدليل على ارتباط التجربة الشعرية بالفكر الإباضي والالتزام به، والإعلان عن التأثر به، يذكر أشعارا لسعيد بن أحمد الكندي: "ومن الشعراء الإباضيين الذين نقلوا تجاربهم بكل صراحة ووضوح وصدق فني الشاعر سعيد بن أحمد الكندي، فقد نطق شعره عن رؤيته إلى الأحداث متحرِّرًا من قيود التبعات، على الرغم من إحاطتها به، فتستثيره حادثة سقوط نظام سياسي إباضي معروف بالإمامة في عمان عام 1956م. فتكون هذه الحادثة أحد روافد تجربته الشعرية، فينشئ قصيدة تعبر عن عمق الموقف، وتصور رؤيته حيال ذلك؛ نادبا عصره، داعيا على كل من كان السبب في إطفاء ذلك النور كما يقول:
فلنصبرن على الزمان وصرفه فالحر يصبر للملم النازل
ولنشربن حلو الزمان ومره من حالتيه بجائر أو عادل
ولنندبن عصر الإمام وعدله ولى بأمته كظل زائل
ولنبكين نور الإمامة والهدى ولى بزهرته كبدر آفل
يا قاتل الله الذين سعوا إلى إطفائه جهدا بكل وسائل
يا قاتل الله الذين تظافروا لزوال نعمته بنيل عاجل
يا قاتل الله الذين تظاهروا إن لم يفيئوا بالمتاب الشامل (ص:267، 268)
ثم جاء بنموذج من شعر أبي سلام سليمان بن سعيد الكندي، تحدث فيه عن أسفه لتقاعس قومه، وتخاذل بعض القيادات والعلماء عن القيام بواجبهم الديني، وعاب عليهم الارتماء في وحل المادة، والجري وراء الثروة؛ ليعيشوا بها بين الناس موسرين:
فأواه واحزناه ذو العلم أصبحوا بذا الدهر لا يرضون إلا تقهقرا (ص: 269)
كما اتخذ من شعر أبي مسلم البهلاني دليلا على ارتباط الشاعر الإباضي بأصوله، وحجة على تأثير الفكر في الشعر. هذا الشعر الذي تميز بالحماسة الكبيرة والعاطفة الصادقة، والاستنهاض الشامل، (1/133)
صفحة 133
والدفاع المستميت عن الأصول. قال الباحث: "إن شعر أبي مسلم في أغلبه يشكل جانبا من جوانب شخصيته, وتتمثل فيه تجربته الشعورية، فهو إن رثى بدت حرارة الفقد في ألفاظه وطريقة أسلوبه، وإن حمس واستنهض نجد أنَّ كلماته تنبع من حنايا قلبه، وإن دافع عن عقيدته نجد أنَّ الشاعر يدافع عنها دفاع المؤمن بقضيته المقتنع بمذهبه، وكأن كل كلمة يقولها إنما هي فيض من أحاسيسه". (ص:171)
في الحقيقة إن كل كلمة يقولها أبو مسلم هي فيض من أحاسيسه. يؤكد الباحث أنَّ تجربة الشاعر متميزة في هذا المجال، تشكل المعطيات التاريخية أحد جوانبها. إنها تعكس بصدق ووضوح قناعاته الفكرية التي لا تمتاح إلا من مصدر إباضي: "لقد شكلت تجربته انعكاسا حقيقيا للفكر الإباضي، وتجليا للثقافة التي كونت شاعريته، ممتزجة مع معاناته، فقد عبرت قصائده الحماسية الأربع عن تجربة عميقة ودراسة واعية لمسار الفكر الإباضي، يعدها العمانيون من غرر قصائد الحماسة والاستنهاض، وهي النونية والميمية والعينية والمقصورة. وهي قصائد في مجموعها تعبر عن مدى تفاعل الشاعر مع الأحداث التي جرت في عمان، وأدت إلى بعث نظام سياسي كان السالمي عمدة إحيائه". (ص: 272)
نقرأ في الفقرة الآتية التي ختم بها الباحث هذا المبحث أنَّ الأثر في التجربة الشعرية لم يظهر في الأفكار التي جاءت في شعر الشعراء، إنما هي تستنتج من ردود الأفعال التي تثيرها الأحداث والواقعات والعوامل التي تستثير الشعراء؛ لينظموا شعرا ينسجم مع الفكر الإباضي: "وبذلك بمكن القول عبر الأمثلة المحدودة التي وردت في هذا المبحث أنَّ الشعراء الإباضيين قد عبروا عن فكرهم بما ينبئ عن تجربة حقيقية وإحساس صادق، شكلت الأحداث وتداعيات الظروف السياسية والاجتماعية أحد أبرز إلهامات الشعراء واستثاراتهم بها، وجاء شعرهم منتميا إلى جماعة فكرية، مندغما مع الماضي، يجمع بين هموم الأمة ومتطلبات التعبير عن الذات". (ص: 274)
- بناء القصيدة:
لا نقرأ في هذا المبحث خصوصية أو أثرا للفكر الإباضي، ولا نجد في تحليل الباحث ما يكشف عن هذا الأثر إلاَّ عبارات إنشائية مؤسسة لمحاولة إقناع القارئ بأن للبناء علاقة بالفكر. وما نقرؤه في تعليقاته يشير إلى المضمون، وليس إلى البناء، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في المباحث السابقة.
حاول الباحث الربط بين عناوين بعض القصائد والمضامين أو الموضوعات ليوجد علاقة بين البناء والفكر، وبين الاستهلال وأجزاء القصيدة. وهي علاقة تنطبق على أي عمل شعري، ولا يخص الفكر الإباضي.
إنَّ ما عده الباحث تأثرا بالفكر الإباضي في فصل السمات الفنية، لا يعدو ما ذكره قبل في الجانب الفكري، بمعنى آخر إن التأثر كان في المعاني والأفكار، وليس في الجانب الفني، إذ لا خصوصية للفكر الإباضي في هذا المجال. (1/134)
صفحة 134
نقرأ هذا في التعليق على أبيات ذكرها الباحث لأبي مسلم البهلاني، وهو يبين اقتباس الشاعر من القرآن، ضمن المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه. وهو يركز على السمات الفنية ضمن أثر الفكر الإباضي. قال: "فقد أراد الشاعر من خلال هذا الاقتباس أن يؤكد دعوته للجهاد في سبيل الله. فالبيت الأول يعود إلى قوله تعالى: ?انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً? ليكمل الآية في البيت الثاني: ?وَجَاهِدُوا بَأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ? (17) بينما استوحى البيت الثالث من قوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ? (18)، والملاحظ أنَّ الشاعر قد أخذ هذه المعاني الجهادية من سورة التوبة". (ص:301) وقد كانت تعليقات الباحث كلها تنصب على المعاني والأفكار، لا علىلجانب الفني.
من تعليقاته وهو يتحدث عن المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني وأسلوبه: "والناظر في آلية التواصل التراثي عند الشعراء الإباضيين يجد أنهم اختاروا ما يتناسب مع فكرهم، ويتساوق مع اتجاههم، استاهاما وتضمينا واقتباسا، فنجح كثير منهم في اللحاق بالمناخ الشعري السابق، وتجاوزها آخرون، وبقي بعضهم أسير الجو التقليدي، بينما قصر آخرون". (ص: 318)
- ظواهر لغوية وأسلوبية:
أ_ ألفاظ وأساليب تراثية:
إن الباحث سرد أبياتا من مقصورة أبي مسلم الرواحي، ليبين تأثُّر الشعر العماني بلغة التراث، ثم علَّق عليها بقوله: "وإمعانا من الشاعر أبي مسلم في الغوص إلى أعماق الماضي، واستلهام عبره، لما يراه من انكفاء وتراجع، لجأ إلى بناء قصيدة تنتمي إلى لغة التراث، في ألفاظ ذات مسحة لغوية خشنة، تستمدُّ مخزونها من مفردات غائصة في القدم، ذلك ما نجده في قصيدته المعروفة بـ "المقصورة" وعلى الرغم من وعورة ألفاظها، ذات الطابع الحوشي، نجد الأسلوب في سياق النص واضحا، لأن الشاعر أراد من اتكائه على هذا الموروث، أن يذكر بما أهملته الأمة من تاريخ عريق، ومجدٍ أثيل، فالقصيدة منذ مطلعها تفيض بألفاظ التراث". (ص: 332)
تعليق الباحث جيد، وتحليله وتوجيهه للنص توجيه يربط الشاعر بالتراث. لكنه لا يخدم المبحث الذي وُضِع فيه، وهو بيان جانب أثر الفكر الإباضي في الشعر فنيًّا.
في مبحث ألفاظ ومصطلحات إباضية، وفق الباحث في إبراز أثر الفكر في الشعر، فقد تمكن من رصد مجموعة من هذه المصطلحات الكثيرة التي دارت في شعر الشعراء: فكرية، تاريخية، عقدية، سياسية.
في بقية المباحث: التكرار والتوازي والتقسيم والأسلوب الخطابي والصورة الشعرية، لم نقرأ فيها خصوصية في التأثر بالفكر الإباضي.
جاءت خاتمة البحث ملخصة للنتائج التي توصل إليها الباحث بعد العرض الذي قدمه حول المباحث التي اختارها محطات بتوقف عندها، وهو يحاول رصد أثر الفكر الإباضي على الشعر (1/135)
صفحة 135
العماني. في الحقيقة إن الخاتمة جاءت منسجمة تمام الانسجام مع تحليله للقضايا التي أثارها في أثناء الدراسة. إلا بعض الملاحظات المتعلقة بالجانب الفني، التي لا نوافق الباحث على ما ذكره من ارتباط التجربة الشعرية عند عدد من الشعراء الإباضيين بالانتماء الفكري، بحيث أوجد هؤلاء نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة. فنحن لم نقرأ هذا فيما عرضه وناقشه في صلب الدراسة، أي لم نقرأ خصوصية فكرية في هذا المجال.
نحن نكبر الباحث على طرقه هذا الموضوع البكر، فقد حاول من خلاله تحقيق هدفين، الأول: التعريف بالفكر الإباضي وتصحيح الرؤى، وتوضيح المفهومات، ودفع الشبه ... الثاني: بيان العلاقة الوثيقة بين الفكر الإباضي والشعر العماني، وهو بذلك أراد التنويه بالصلة التي تكون بين المجالين النظري والتطبيقي، ولفت النظر إلى خلة الوفاء والالتزام التي يبديها الشاعر الأصيل، الذي يصدر عن مبادئ ثابتة، ويتحرك انطلاقا من مصادر محددة معينة. هذا من جملة الأهداف التي تصبو إليها أمثال هذه الدراسات التي تتناول الشعر مقرونا أو مرتبطا بالفكر. وصدق الباحث حين قال: "حسب هذه الدراسة أنَّ تكون لبنة يمكن البناء عليها، لعلها تستثير همم الباحثين ورواد المعرفة إلى مزيد من البحث والاستقصاء". (ص: 396)
- ملاحظات عامة:
إن الباحث بذل مجهودا كبيرا في جمع المادة الشعرية والمادة العلمية، ولم يألُ جهدا في البحث عن الأثر الذي تركه الفكر الإباضي في الشعر العماني، وقد كانت مصادره متعددة ومتنوعة، وكانت معلوماته موثقة، وكان تحليله للنصوص جيدا في عمومه. وقد فسح للباحثين مجالا لمواصلة البحث في الموضوع، يمكن أن يثمر ثمارا أخرى، تضيف إلى عمل الدكتور محمود السليمي لبنات أخرى في إقامة صرح هذا الموضوع: تعريفا وتصحيحا وتحليلا ...
يمكن أنَّ نجمل بعض الملاحظات في النقط الآتية:
1 - إن الباحث كان حريصا كل الحرص على التعريف بالمذهب الإباضي تعريفا صحيحا، منقولا من مصادره الأصلية الموثوق بها. وقد كان مركزا على تصحيح المعلومات وإزالة الإبهام، ودفع الشبه والتهم، والدفاع عن الخصوصية التي تميز بها المذهب الإباضي عن بقية المذاهب، وبخاصة في مجال العقيدة، التي سببت له مشاكل ومتاعب في علاقاته مع غيره؛ نتيجة سوء فهم غيره له.
وكان الباحث يرى أنَّ لهذه الأصول التي يتبناها المذهب الإباضي، وهذه الرؤى التي ينطلق منها - مع خصوصية الأباضية وتميزهم بها - دورا معتبرا في تقويم السلوك، والتزام شرع الله، والحذر من الوقوع فيما يسخط الله. لقد كان لها فضل في ضمان صون المجتمع من التداعي والتدهور.
حاول أن يؤكد على كل ذلك من خلال ما كتبه الشعراء شعرا، ومن صدى تلك الأفكار وتلك المعتقدات فيه: تقريرا لها ونزكية لصلاحيتها وجدواها في سيرة المؤمن. إلا أنَّ هذا الحرص أو هذا (1/136)
صفحة 136
التناول أعاق - أحيانا- منهج دراسته، حيث طغى الجانب النظري على جانب الأثر في الشعر في بعض المسائل.
2 - تميزت الدراسة بالموضوعية في العرض، وعقد مقارنات - ولو كانت قليلة - بين الفكر الإباضي وغيره، في بعض جوانبه، على المستوى النظري.
3 - كشف الباحث من خلال عرضه، وذكره نماذج من شعر الشعراء عن الأجواء التي كانت سائدة في عمان في ظل الإمامة، وهن العلاقة التي كانت تربط الإمام بالرعية إيجابا وسلبا.
4 - رصد الباحث مجموعة من الشعراء العمانيين الذين وجدوا في هذه الفترة المخصصة للدراسة. هؤلاء الذين تمثلوا الفكر الإباضي، وصدروا عنه، والتزموا بمبادئه وأصوله.
5 - بعض القصائد لا تحس فيها أثرا للفكر الإباضي، إنما تقرأ فيها تأثرا بأحداث حصلت للإباضية، تناولها الشعراء في قصائدهم، أو استوحوا منها ما نظموه، ووجهوا من خلاله رسالاتهم وتوجيهاتهم وأهدافهم. أي جسَّدوا أحداثا ناريخية، وقدموا مفهومات خاصة.
6 - يمكن تقسيم الدراسة من حيث تقويمها إلى ثلاثة أقسام:
أ - قسم برز فيه أثر الفكر واضحا.
ب - قسم لم يظهر فيه هذا الأثر.
ج - قسم تأرجح بين هذا وذاك، هو في حاجة إلى مزيد تأمل ومناقشة.
7 - بعض القصائد والشواهد التي أوردها الباحث هي منظومات، يقصد بها تقرير حقائق شرعية، لا نجد لها أثرا في قول الشعر، والبحث كان يهدف إلى بيان هذه الحقائق أو المبادئ في الشعر، وعنوان الدراسة يشي بذلك؛ بدليل استفاضة الباحث في مناقشة بعض القضايا، واستعراض وجهات نظر الإباضية وغيرهم فيها. فتحول البحث في هذه المسائل، وفي بعض صفحاته إلى الحديث عن الفكر، بدلا من التركيز على أثر هذا الفكر في الشعر.
8 - استأثر أبو مسلم بنصيب كبير من اهتمام الباحث في هذه الدراسة، فقد وردت الإشارة إليه وإلى شعره في أكثر من سبعين ومائة صفحة (170) ماذا يعني هذا؟ هل يعني أنه كان الأكثر تأثرًا وتجسيدا للفكر الإباضي؟ فأين حجم ذلك الأثر في شعر بقية الشعراء؟ هل إن بقية الشعراء بقوا في مستوى النظم، أي التعريف الفكر الإباضي، وتقرير أصوله من دون الانتقال إلى مجال المشاعر والتأثر وكتابة ذلك شعرا؟ مع أنَّ الباحث قام بعملية استقصاء كبيرة في جمع المادة الشعرية، وعرض لشعراء كثيرين في هذه الدراسة؟ أم أنه رأى في أبي مسلم خير من عبر عن الفكر الإباضي الباحث قام بعمليّة استقصاء كبيرة، فاتخذه العمدة في الدراسة؟
9 - كان مفيدا لو أنهى الباحث بعض الفصول أو المباحث بخاتمة، توجز بعض الأفكار، وبخاصة إذا كانت هناك بعض الاستنتاجات، التي تكون وسيلة للربط بين الفصول والمباحث.
10 - حرصت الدراسة أنَّ تبين ما يأتي: العلاقة بين الفكر والشعر، ومحاولة نشر الفكر بواسطة (1/137)
صفحة 137
الشعر، ومن ثم تقرير أنَّ الشعر يستمد أصالته من الفكر.
هدانا الله إلى ما يوفقه ويرضاه
نزوى يوم: الأحد 13 من محرم الحرام 1424هـ
16 من مارس 2003م
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
-------------------------------
الهوامش
(1) ينظر إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، مقدمة الطبعة الثانية, 1963م، ص: 8.
(2) ينظرابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج3، مجموع عقيدة السلف، ص: 151، 152.
(3) ينطر خميس بن سعيد الشقصي، منهج الطالبين، ج1، ص: 523.
(4) بدل " عدله " ذكر الباحث " وعده " والصحيح ما أثبتناه. ينظر الديوان المخطوط، ص: 256.
((5 ينظر اسماعيل الجيطالي، قناطر الخيرات، ج1، ص: 321.
(6) ينظر محمد رشيد رضا، تفسير الفرآن الكريم المعروف بتفسير المنار، ج1، ط2، دار المعرفة للطباعة والنشر، يروت،1973،
ص: 307. الآية 123، سورة النساء.
(7) ينظر الشيخ عبد الله بن حميد السالمي، بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، ط2 مطابع النهضة، سلطنة عمان،
1411هـ/ 1991م، ص: 106.
(8) ينظر علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ط1، مكتبة وهبة، القاهرة، 1384هـ/ 1964م، ص 103،
104.
(9) ينظر خلفان بن جميل السيابي، فصل الخطاب في المسألة والجواب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،1404هـ/
1984.ص: 10، 11.
(10) سورة الحجرات، الآية 13.
(11) ينظر محمد بن يوسف طفيش، شرح عقيدة التوحيد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، (1/138)
صفحة 138
سلطنة عمان، 1403 هـ/1983م،
ص: 113.
(12) ينظر ص: 177 - 182 من الدراسة.
(13) ينظر مثلا الشيخ أحمد بن سعود السيابي وما كتبه عن أبي مسلم البهلاني وعن المدرسة التي ينتمي إليها، قراءات في فكر البهلاني الرواحي، إصدار المنتدى الأدبي، سلطنة عمانن، إصدار سنة 1418هـ/1998م، ص: 50.
(14) لمزيد من التوضيح في هذه النقطة ينظر الدكتور محمد ناصر، أبو مسلم الرواحي حسان عمان، ط1، مطابع النهضة، مسقط (سلطنة عمان)، 1416 هـ/1996م، ص: 76 وما بعدها، وكنابنا: الرؤية الإسلاميه في كتاب أبو مسلم الرواحي حسان عمان، نشر جمعية التراث، القرارة (الجزائر) 1418هـ/1997م، ص: 33 وما بعدها.
(15) ينظر الصفحات الآتية: 167، 171، 178، 183، 201، 213، 237، 240، 310، 311، 312، 325، 326، 338، 339،
384، 385، 388، 390 ...
(16) ينظر الدكتور إحسان عباس، شعر الخوارج، ط4، دار الشروق، بيروت، 1402هـ/1982م، ص: 34.
(17) سورة التوبة، الآية: 41.
(18) سورة التوبة، الآية: 111. (1/139)
صفحة 139
ثقافتنا إلى أين؟ للشاعر سليمان ذواق
للشاعر: سليمان بن عمر دواق
المناسبة: ندوة أدبية حول مائدة مستديرة محورها: "ثقافتنا إلى أين؟ ".
بني يزقن 24/ 03/2000
سُؤَالٌ جديرٌ بِكُلِّ اعتِبَارْ.:.:.يُرِيدُ جَوَابًا، وَدُونَ انْتِظَارْ
فَشَأْنُ الثَّقافةِ شأنٌ عظِيمٌ.:.:.تَجَاهُلُهَا مُنْتَهَاهُ احْتِضَارْ
سُؤَالٌ جَديرٌ بِكُلِّ اعتِبَارْ.:.:.خَلِيقٌ بِبَحْثٍ عَمِيقِ الحِوَارْ
إلى أين؟ ... حَقًّا سُؤالٌ وَجِيهٌ.:.:.أُجِيبُ عَلَيهِ، وَكُلِّي انْكِسَارْ
:.:.
ثَقافَتُنَا لم تَعُد مِثلَمَا.:.:.تَجَلَّتْ قَدِيمًا بِكُلِّ ازْدِهَارْ
ثَقافَتُنَا في تَردٍّ مَهُولٍ.:.:.وَيَوْمًا لِيَومٍ تَزِيدُ انْحِسَارْ
نَراها على وَشَكٍ لِلغُرُوبِ.:.:.وَفي الأُفْقِ مِنْهَا بَقَايَا اصْفِرَارْ
رَضَيْنَا لِجهلٍ بِسُوءِ المصِير.:.:.وَهَيْهَاتَ يُقْبَلُ مِنَّا اعْتِذَارْ
ثَقَافَتُنَا أصبَحَت كالهَبَاءِ.:.:.تَطَايَرَ فِي الجوِّ بَعْدَ انْدِثَارْ
ثَقَافَتُنَا لم تَعُد مَعْلَمًا.:.:.لِمَاضِي جُدُودٍ عِظَامٍ كِبَارْ
ثَقَافَتُنا اليومَ وَحْشٌ غَريبٌ.:.:.أَنَاخَ عَلَينَا بِكُلِّ اعْتِسَارْ
وَلم نَقْوَ قَطُّ علَى صَدِّهِ.:.:.فَجَاسَ بِلُؤْمٍ خلال الدِّيَارْ
وَضَيَّق عمدًا عَلَينَا الخِنَاق.:.:.وَلَم نَستَطِعْ نَجَوَةً من حِصَارْ
فَصِرْنَا عَبيدًا لَهُ نَرتَضِي.:.:.بِكُلِّ جَدِيدٍ بَغَيرِ اخْتِبَارْ
فُتِنَّا غَبَاءً بِزَيْفِ القُشُور.:.:.فَضَاعَ اللُّبَابُ، وَيَالَلْخَسَارْ! ..
وَأُشْرِبَ قَلْبٌ لَنَا حُبَّهُ.:.:.لِسَقْطِ الْمَتَاعِ بِكُلِّ انْبِهَارْ
تَبنَّى الجميعُ بِمحْضِ اقتِنَاعٍ.:.:.ثَقَافَةُ جَيْبٍ تُجِلُّ النُّظَارْ
وَتَهزأُ بِالرُّوح هُزْءًا صَريحًا.:.:.فَلَمْ يَسَعِ الرُّوحُ إِلاَّ الفِرَارْ
ثَقَافَتُنَا غيَّرتْ كُنْهَهَا.:.:.تَزيَّتْ بِزَيٍّ لَهَا مُسْتَعَارْ
ثَقَافَتُنا أصبَحَت (كَمْ لَدَيْكَ؟).:.:.وَكَمْ ذَا رَصِيدُكَ في الإِدِّخَارْ؟
مُثقَّفُنا لَيسَ ذَاكَ السَّوِيَّ.:.:.وَمَنْ كَانَ أَهْلاً لِحُسْنِ الجِوَارْ
مُثقَّفُنَا لَمْ يَعُد قُدْوَةً.:.:.بِهِ يُهْتَدَى كَضِيَاء المنَارْ
مُثَقَّفُنَا شَبَحٌ مُزْدَرَى.:.:.بِكُلِّ احْتِقَارٍ إِلَيهِ يُشَارْ
مُثَقَّفُنَا اليَوْمَ مَن يَسْتَطيعُ.:.:.شِرَاءَ ضَمَائِرِنَا بِالدِّنَارْ
مُثَقَّفُنَا كَارِهٌ لِلكِتَابِ.:.:.وَحِلْسُ فَرَاغٍ عَلَيْهِ الْمَدَارْ
مُثَقَّفُنَا اليَومَ ذَاك الَّذِي.:.:.يَدُوسُ مَبَادِءَنَا بِاحْتِقَارْ
مُثَقَّفُنَا اليَومَ هَذا الَّذِي.:.:.يَتِيهُ بِقَصْرٍ رَفِيعِ الْجِدَارْ
مُثَقَّفُنَا اليَومَ مَن يَمْتَلِكْ.:.:.سَيَّارَةَ (هُونْدَا) بِكُلِّ افْتِخَارْ
مُثَقَّفُنَا مَن لَهُ هَاتِفٌ.:.:.يَجُولُ بِهِ في رَبِيعِ النَّهَارْ
مُثَقَّفُنَا مَن تَحدَّى الجمِيعَ.:.:.بِأَغْلَى لِبَاسٍ وَأَبْهَى دِثَارْ
مُثَقَّفُنَا اليَومَ مَن يَعْتَمِر.:.:.بِغَير حِسَابٍ لِيُبْدِي اليَسَارْ
مُثَقَّفُنَا مَن يَرَى في الحِجَابِ.:.:.بَلِيَّةَ قَيْدٍ يُعِيقُ المَسَارْ
مُثَقَّفُنَا اليَومَ مَن يَرْتَضِي.:.:.لِزَوْجٍ تُسَافِرُ عَبْرَ البِحَارْ
بِمُفرَدِهَا دَونَمَا مَحْرَمٍ.:.:.فَيَالِلثَّقَافَةِ! ... يَالِلشَّنَارْ! ... (1/140)
صفحة 140
مُثَقَّفُنَا مَن تَعَاطَى الحَرَامَ.:.:.وَقلَّدَ أَهْلَ الْهَوَى بِالجِهَارْ
مُثَقَّفُنَا مَنْ دَعَا صَحْبَهُ.:.:.فَأَحْيَا لَيَالِيَ خِزْيٍ وَعَارْ
مُثَقَّفُنَا ضَلَّ عنْهُ الطَّريق.:.:.مُثَقَّفُنَا تَائِهٌ فِي قِفَارْ
مُثَقَّفُنَا نُسْخَةٌ مِن سِوَاهُ.:.:.مُثَقَّفُنَا مُسْخَةٌ بِاخْتِصَارْ
:.:.
فَتِلْكُمْ ثَقَافَتُنَا سَادَتِي! .... :.:.أَنَحْنُ عَلَيهَا بِحَقٍّ نَغَارْ؟
سُئِلْنَا، وَوَاجِبُنَا أن نُجِيبْ.:.:.وَلَيْسَ لَنَا عَنْ جَوَابٍ خيَارْ
إِلى أين؟ ذَاكَ سُؤَالٌ جَرِيءٌ.:.:.أَلاَ فَاعْلَمُوا أنَّنَا فِي انْحِدَارْ
فَلاَ عَقْلَ فِينَا لِيَهْدِي النُّفُوسَ.:.:.وَلاَ دَينَ يُنْقِدُنَا مِنْ عِثَارْ
نَزَلْنَا إلى دَرَكَاتِ الحضِيضِ.:.:.فَيَالَلْمَصِيرِ! .. وَبِئْسَ القَرَارْ! ...
وَإِنْ رُمنَا يَومًا صُعُودًا فَذَا.:.:.بِعَزْمٍ، وَجِدٍّ، وَدُونَ انْتِظَارْ
وَإِيمَانٍ صِدْقٍ بَأَنَّ الحيَاةَ.:.:.ثَقَافَةُ خُلْقٍ، وَنِعْمَ الشِّعَارْ
وَلاَ خُلْقَ إِلاَّ بِدِينٍ قَوِيمٍ.:.:.نَعُضُّ عَلَيْهَا بِكُلِّ اقْتِدَارْ
قُلْتُ الثَّقَافَةُ خُلْقٌ وَدِينٌ.:.:.وَعِلْمٌ مُفِيدٌ لِرَدِّ اعْتِبَارْ
:.:. (1/141)